حياة الحيوان الكبري - ج1

- الدميري المزيد...
520 /
353

يطول طريقه و يشتد جوعه، و في العنف به إحسان إليه. قال: و كيف ذلك؟قال: يخف حمله و يطول أكله فأعجب الملك بكلامه، و قال: قد أمرت لك بألف درهم. فقال: رزق مقدور و واهب مشكور. قال الملك: و قد أمرت بإثبات اسمك في حشمي قال: كفيت مئونة و رزقت معونة. فقال له الملك: عظني فإني أراك حكيما. فقال: أيها الملك إذا استوت بك السلامة فجدد ذكر العطب، و إذا هنأتك العافية، فحدث نفسك بالبلاء، و إذا اطمأن بك الأمن فاستشعر الخوف، و إذا بلغت نهاية العمل فاذكر الموت، و إذا أحببت نفسك فلا تجعلن لها في الإساءة نصيبا. فأعجب الملك بكلامه، و قال: لو لا أنك حديث السن لاستوزرتك. فقال: لن يعدم الفضل من رزق العقل. قال: فهل تصلح لذلك؟قال: إنما يكون المدح و الذم بعد التجربة و لا يعرف الإنسان نفسه حتى يبلوها. فاستوزره فوجده ذا رأي صائب، و فهم ثاقب، و مشورة تقع موقع التوفيق.

و في هذا الكتاب دعابات فمنها أن الرشيد خرج إلى الصيد، فانفرد عن عسكره و الفضل بن الربيع خلفه، فإذا هو بشيخ كبير راكب على حمار، فنظر إليه، فإذا هو رطب العينين فغمز الفضل عليه، فقال له الفضل: أين تريد؟قال: حائطا لي. قال: هل لك أن أدلك على شي‏ء تداوي به عينيك فتذهب تلك الرطوبة؟فقال: ما أحوجني إلى ذلك فقال له: خذ عيدان الهواء و غبار الماء و ورق الكماة، فصره في قشرة جوزة، و اكتحل به فإنه يذهب رطوبة عينيك.

فاتكأ الشيخ على قربوس‏ (1) سرجه، و ضرط ضرطة طويلة، ثم قال: هذه أجرة لوصفك، و إن نفعنا الكحل زدناك. فضحك الرشيد حتى كاد يسقط عن دابته. و منها أنه حضر خياط لبعض الأمراء ليفصل له قباء، فأخذ يفصل و الأمير ينظر إليه، فلم يتهيأ له أن يسرق شيئا فضرط فضحك الأمير حتى استلقى فأخرج الخياط من القباء ما أراد فجلس الأمير و قال: يا خياط ضرطة أخرى، فقال الخياط لا لئلا يضيق القباء. و في كتاب نشوان المحاضرة قال ذو النون بن موسى:

كنت غلاما، و المعتضد إذ ذاك بكور الأهواز، فخرجت يوما من قرية يقال لها سانطف أريد عسكر مكرم‏ (2) . و معي حماران واحد راكبه و الآخر عليه حمل البطيخ، فمررت بعسكر المعتضد، و أنا لا أعلم من هو، فأسرع إلي جماعة منهم فأخذ واحد منهم من الحمل ثلاث بطيخات أو أربع، فخفت أن ينقص عن عدده فأتهم به، فبكيت و صحت، و الحمار يسير على المحجة، و العسكر مجتاز و إذا بكبكبة عظيمة يقدمها رجل منفرد، فوقف و قال: يا مالك يا غلام تبكي و تصيح؟فعرفته الخبر، فوقف ثم التفت إلى القوم و قال: أيه علي بالرجل الساعة. قال: فجي‏ء به في أسرع من طبق البصر، حتى كأنه كان وراء ظهره، فقال: هو هذا يا غلام؟قلت: نعم فأمر به فضرب بالمقارع، و هو واقف و أنا راكب على حماري، و العسكر واقف و جعل يقول له: و هو يضرب يا كلب أ ما كان معك ثمن هذا البطيخ؟أ ما قدرت أن تمنع نفسك منه؟أ هو مالك أو مال أبيك؟ أ ليس صاحبه أتعب نفسه و أجهد في زرعه و سقيه و أداء خراجه؟و المقارع تأخذه حتى ضرب مائة مقرعة. ثم أمر لي بأربعة دنانير و سار. و أخذ الجيش يشتموني و يقولون: ضرب القائد الفلاني بسبب هذا مائة مقرعة فسألت بعضهم فقال: هذا أمير المؤمنين المعتضد.

____________

(1) القربوس: حنو السّرج.

(2) عسكر مكرم: بلدة في نواحي خوزستان.

354

و في كتاب الأذكياء لابن الجوزي، عن الجاحظ أنه قال: قال ثمامة بن أشرس‏ (1) : دخلت على صديق لي أعوده، و تركت حماري على الباب، و لم يكن معي غلام يحفظه، فلما خرجت إذا فوقه صبي يحفظه، فقلت: أركبت حماري بغير أذني؟فقال: خفت أن يذهب فحفظته لك. لو ذهب لكان أعجب إلي من بقائه!فقال: إن كان هذا رأيك في الحمار فقدر أنه ذهب و هبه لي و اربح شكري!فلم أدر ما أقول. و أحسن من هذا الذكاء ما رواه ابن الجوزي أيضا، قال: ركب المعتصم إلى خاقان يعوده، و الفتح بن خاقان صبي يومئذ، فقال له المعتصم: أيهما أحسن غار أمير المؤمنين أم دار أبيك؟قال: إذا كان أمير المؤمنين في دار أبي فدار أبي أحسن. فأراه المعتصم، فصافى يده، و قال: يا فتح هل رأيت أحسن من هذا القص؟قال: نعم اليد التي هو فيها.

و يقرب من هذا و هو من الجواب المسكت، ما ذكره الإمام ابن الجوزي قال: دخل شاب على المنصور، فسأله عن وفاة أبيه، فقال: مات، رحمه اللّه، يوم كذا و كذا، و كان مرضه، رحمه اللّه، يوم كذا، خلف، رحمه اللّه، كذا. فانتهره الربيع و قال أ ما تستحي بين يدي أمير المؤمنين تقول هذا؟فقال الشاب: لا ألومك على انتهاري لأنك لم تعرف حلاوة الآباء! و كان الربيع لقيطا فما أعلم المنصور ضحك كضحكه يومئذ انتهى. و في تاريخ ابن خلكان، في ترجمة الحاكم العبيدي‏ (2) ، أن الحاكم بأمر اللّه كان له حمار أشهب يدعى بقمر يركبه، و كان يحب الانفراد و الركوب وحده، فخرج راكبا حماره ليلة الاثنين سابع عشر شوال سنة إحدى عشرة و أربعمائة إلى ظاهر مصر، و طاف ليلته كلها و أصبح متوجها إلى شرقي حلوان و معه راكبان، فأعاد أحدهما ثم أعاد الآخر و بقي الناس يخرجون يلتمسون رجوعه و معهم دواب الموكب إلى يوم الخميس سلخ الشهر المذكور. ثم خرج ثاني القعدة جماعة من الموالي و الأتراك فأمعنوا في طلبه و في الدخول في الجبل فرأوا حماره الأشهب الذي كان راكبا عليه، و هو على قرنة الجبل و قد ضربت يداه و رجلاه بسيف، و عليه سرجه و لجامه فتبعوا الأثر فإذا أثر حمار و أثر راجل خلفه و راجل قدامه، فقصوا الأثر إلى البركة التي في شرقي حلوان، فنزل فيها رجل فوجد فيها ثيابه و هي سبع جباب و وجدت مزرورة لم تحل أزرارها، و فيها آثار السكاكين فحملت إلى القصر، و لم يشكوا في قتله. غير أن جماعة من المتغالين في حبهم له السخيفي العقل يدعون حياته و أنه سيظهر و يحلفون بغيبة الحاكم. و يقال إن أخته دست عليه من قتله و كان الحاكم جوادا بالمال سفاكا للدماء. و كانت سيرته عجبا يخترع كل يوم حكما يحمل الناس عليه فمن ذلك أنه أمر الناس سنة خمس و تسعين و ثلاثمائة بكتب سب الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم في حيطان المساجد و القياسر و الشوارع، و كتب إلى سائر الديار المصرية يأمرهم بالسب ثم أمر بقطع ذلك سنة سبع و تسعين. و أمر بضرب من يسب الصحابة و تأديبه و أمر بقتل الكلاب فلم ير كلب في الأسواق و الأزقة إلا قتل و نهى عن بيع الفقاع و الملوخيا، ثم نهى عن بيع الزبيب قليله و كثيره، و جمع جملة كثيرة و أحرقت و أنفقوا على إحراقها خمسمائة دينار، ثم نهى عن بيع العنب أصلا و ألزم اليهود

____________

(1) ثمامة بن أشرس النميري، أبو معن من كبار المعتزلة، فصيح بليغ. مات سنة 213 هـ-.

(2) وفيات الأعيان: 5/29. و الحاكم هو أبو علي المنصور الملقب الحاكم بأمر اللّه بن العزيز بن المعز بن المنصور القائم بن المهدي صاحب مصر. مات سنة 411 هـ-.

355

و النصارى أن يتميزوا في لباسهم عن المسلمين في الحمامات، و خارجها، ثم أفرد حماما لليهود و حماما للنصارى و ألزمهم أن لا يركبوا شيئا من المراكب المحلاة، و أن تكون ركبهم من الخشب و أن لا يستخدموا أحدا من المسلمين و لا يركبوا حمار المكاري المسلم و لا سفينة نواتيها مسلمون.

و أمر بهدم القمامة في سنة ثمان و أربعمائة و جميع الكنائس بالديار المصرية. و وهب جميع ما فيها من الآلات و جميع ما لها من الأحباس لجماعة من المسلمين و أمر أن لا يتكلم أحد في صناعة النجوم، و أن ينفى المنجمون من البلاد، و كذلك أصحاب الغناء و منع النساء من الخروج إلى الطرقات ليلا و نهارا، و منع الأساكفة من عمل الأخفاف للنساء، و لم تزل النساء ممنوعات من الخروج إلى أيام ولده الظاهر مدة سبع سنين. ثم أمر ببناء ما كان هدم من الكنائس، ورد ما كان قد أخذ من أحباسها.

و حلوان مدينة كثيرة النزه فوق مصر بخمسة أميال كان يسكنها عبد العزيز بن مروان، و بها توفي و بها ولد ولده عمر بن عبد العزيز انتهى. قلت: و في قوله ليلة الاثنين سابع عشر، و قوله إلى يوم الخميس سلخ الشهر المذكور نظر ظاهر و اللّه أعلم. و في رسالة القشيري، في باب كرامات الأولياء، سمعت أبا حاتم السجستاني يقول سمعت أبا نصر السراج يقول: سمعت الحسين بن أحمد الرازي يقول: سمعت أبا سليمان الخواص يقول: كنت راكبا حمارا يوما، و كان الذاب يؤذيه فيطأطئ رأسه، و كنت أضرب رأسه بخشبة في يدي، فرفع الحمار رأسه إليّ و قال: اضرب فإنك هكذا على رأسك تضرب. قال الحسين: فقلت لأبي سليمان لك وقع هذا قال: نعم، كما تسمعني.

تذنيب:

روى البيهقي في الشعب عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه، أنه قال: كانت الأنبياء عليهم الصلاة و السلام يركبون الحمر، و يلبسون الصوف، و يحلبون الشاة، و كان للنبي صلى اللّه عليه و سلم حمار اسمه عفير بضم العين المهملة، و ضبطه القاضي عياض بالغين المعجمة. و قد اتفقوا على تغليطه، أهداه له المقوقس‏ (1) و كان فروة بن عمرو الجذامي‏ (2) أهدى له حمارا يقال له يعفور، مأخوذان من العفرة و هو لون التراب، فنفق يعفور في منصرف النبي صلى اللّه عليه و سلم من حجة الوداع. و ذكر السهيلي أن يعفور طرح نفسه في بئر يوم موت النبي صلى اللّه عليه و سلم. و ذكر ابن عساكر في تاريخه بسنده إلى أبي منصور قال: لما فتح النبي صلى اللّه عليه و سلم خيبر أصاب حمارا أسود، فكلم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الحمار فقال له: ما اسمك؟قال: يزيد بن شهاب، أخرج اللّه من نسل جدي ستين حمارا لا يركبها إلا نبي و قد كنت أتوقعك لتركبني و لم يبق من نسل جدي غيري و لا من الأنبياء غيرك، و قد كنت قبلك عند رجل يهودي و كنت أتعثر به عمدا، كان يجيع بطني و يركب ظهري. فقال له النبي صلى اللّه عليه و سلم: «فأنت يعفور يا يعفور تشتهي الإناث. قال: لا، فكان صلى اللّه عليه و سلم يركبه في حاجته، و كان يبعثه خلف من شاء من أصحابه، فيأتي الباب فيقرعه برأسه، فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه فيعلم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أرسله إليه، فيأتي النبي صلى اللّه عليه و سلم فلما قبض رسول اللّه جاء إلى بئر كانت

____________

(1) المقوقس: ملك مصر.

(2) فروة بن عمرو بن النافرة من بني نفاثة من جذام، أسلم بعد وقعة تبوك. مات سنة 12 هـ-.

356

لأبي الهيثم بن التيهان فتردى فيها جزعا على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. فكانت قبره. قال الإمام الحافظ أبو موسى: هذا حديث منكر جدا إسنادا و متنا لا يحل لأجد أن يرويه إلا مع كلامي عليه. و قد ذكره السهيلي في التعريف و الأعلام في الكلام على قوله‏ (1) تعالى: وَ اَلْخَيْلَ وَ اَلْبِغََالَ وَ اَلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهََا وَ زِينَةً و في كامل ابن عدي، في ترجمة أحمد بن بشير، و في شعب الإيمان للبيهقي، عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن عطاء عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «تعبد رجل في صومعة فأمطرت السماء و أعشبت الأرض فرأى حمارا له يرعى، فقال: يا رب لو كان لك حمار لرعيته مع حماري، فبلغ ذلك نبيا من أنبياء بني إسرائيل، فأراد أن يدعو عليه، فأوحى اللّه إليه إنما أجازي عبادي على قدر عقولهم» ! (2) . و هو كذلك في الحلية لأبي نعيم في ترجمة زيد بن أسلم. و روى ابن أبي شيبة في مصنفه و الإمام أحمد في الزهد، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: قيل لعيسى بن مريم عليهما السلام: يا رسول اللّه لو اتخذت لك حمارا تركبه لحاجتك؟ فقال: أنا أكرم على اللّه من أن يجعل لي شيئا يشغلني عنه.

الحكم:

يحرم أكله عند أكثر أهل العلم، و إنما رويت الرخصة فيه عن ابن عباس رواه عنه أبو داود في سننه و قال الإمام أحمد: كره أكله خمسة عشر رجلا من أصحاب النبي صلى اللّه عليه و سلم. و ادعى ابن عبد البر الإجماع الآن على تحريمه. قال: و قد روي عن غالب بن أبجر، قال: أصابتنا سنة فشكونا ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقلت: يا رسول اللّه لم يكن عندي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر و إنك حرمت لحوم الحمر الأهلية «فقال: اطعم أهلك من سمن حمرك، فإنما حرمتها من أجل جوال القرية» . و لم‏ (3) يرو عن غالب بن أبجر سوى هذا الحديث. و لنا ما روى جابر و غيره أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «نهى عن لحوم الحمر الأهلية و أذن في لحوم الخيل» . متفق‏ (4) عليه. و حديث غالب رواه أبو داود و اتفق الحفاظ على تضعيفه، و لو بلغ ابن عباس أحاديث النهي الصحيحة الصريحة في تحريمه لم يصر إلى غيره. و لو صح حديث غالب لحمل على الأكل منها، حال الاضطرار و أيضا هي قضية عين لا عموم لها و لا حجة فيها. و اختلف أصحابنا في علة تحريمها، هل هو لاستخباث العرب لها؟أو للنص على وجهين!حكاهما الروياني و غيره و أفاد الحافظ المنذري أن تحريم لحوم الحمر نسخ مرتين، و نسخت القبلة مرتين، و نسخ نكاح المتعة مرتين. و اختلف السلف في لبنها فحرمه أكثر العلماء، و رخص فيه عطاء و طاوس و الزهري، و الأول أصح لأن حكم اللحم و يحرم ضربه و ضرب غيره من الحيوانات المحترمة بالإجماع. روى البخاري أن النبي صلى اللّه عليه و سلم مر بحمار قد و سم وجهه، فقال: «لعن اللّه من فعل هذا» (5) و في رواية «لعن اللّه الذي و سم هذا» .

____________

(1) سورة النحل: الآية 8.

(2) الكامل لابن عدي: 1/169.

(3) رواه أبو داود في الأطعمة: 33.

(4) رواه البخاري: ذبائح 28، مغازي: 38، نكاح: 31. و رواه مسلم في النكاح: 30، و الصيد: 23، 25 27، 30، 31، 37. و رواه الترمذي في النكاح: 30، و الصيد: 23، 25، 27، 31. الترمذي ذبائح:

13.

(5) رواه مسلم في اللباس: 108، 109. و أبو داود جهاد: 52. و أحمد: 3/297، 323.

357

الأمثال:

قالوا: «عشر تعشير الحمار» ، (1) قال الجوهري: تعشير الحمار نهيقه عشرة أصوات في طلق واحد قال الشاعر (2) :

لعمري لئن عشرت من خيفة الردى # نهاق حمار أنني لجزوع‏ (3)

و ذلك أنهم كانوا إذا خافوا و باء بلد عشروا كتعشير الحمار قبل أن يدخلوه، و كانوا يزعمون أن ذلك ينفعهم. و قوله‏ (4) تعالى: مَثَلُ اَلَّذِينَ حُمِّلُوا اَلتَّوْرََاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهََا كَمَثَلِ اَلْحِمََارِ يَحْمِلُ أَسْفََاراً أي يثقله حملها و لا ينفعه علمها و كل من يعلم و لم يعمل بعلمه فهذا مثله. و في الحديث‏ (5) «يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه، فيدور كما يدور الحمار في الرحا فيطيف به أهل النار، فيقولون: ما لك؟فيقول: كنت آمر بالخير و لا آتيه، و أنهى عن الشر و آتيه» و الأقتاب الأمعاء واحدها قتب بالكسر. و قالت العرب: هم يتهارجون تهارج الحمر.

أي يتسافدون. و الهرج كثرة النكاح. يقال: بات يهرجها ليله جميعا. و روى الحافظ أبو نعيم عن أبي الزاهرية، عن كعب الأحبار قال: يمكث الناس بعد يأجوج و مأجوج في الرخاء و الخصب و الدعة عشر سنين حتى إن الرجلين ليحملان الرمانة الواحدة بينهما، و يحملان العنقود الواحد من العنب، فيمكثون على ذلك عشر سنين، ثم يبعث اللّه ريحا طيبة فلا تدع مؤمنة و لا مؤمنا إلا قبضت روحه، ثم يبقى الناس بعد ذلك يتهارجون تهارج الحمر في المروج، حتى يأتي أمر اللّه و الساعة، و هم على ذلك. و قالوا «بال الحمار فاستبال أحمرة» . أي‏ (6) حملهن على البول، يضرب في تعاون القوم على ما يكره. و قالوا (7) : «اتخذ فلان حمار الحاجات» . يضرب للذي يمتهن في الأمور. و قالوا: «تركته جوف حمار» (8) أي لا خير فيه. و قالوا: «أصبر من حمار» . (9) و قالوا:

«شر المال مالا يذكى و لا يزكى» (10) أشاروا بذلك إليه. و قالوا «ما بقي منه إلا قدر ظم‏ء حمار» (11) . لأنه أقصر الحيوان ظمأ. الجوهري في مادة عشا قال الشاعر:

غدونا غدوة سحرا بليل # عشاء بعد ما انتصف النهار

قصدناها حمارا ذا قرون # أكلنا اللحم و انفلت الحمار

و في معنى هذا البيت وجهان أحدهما أنّا أتعبناه حتى أكلنا لحمه لشدة الإضرار به من العدو ثم انفلت. و الثاني إنا ذبحناه فأكلناه أكلا لم يبق منه شي‏ء فكأنه انفلت. و قوله: ذا قرون أي مسنا قد أتت عليه قرون من الدهر. و قالوا (12) : «أذل من حمار مقيد» . قال الشاعر:

____________

(1) مجمع الأمثال: 2/42.

(2) هو عروة بن الورد الشاعر الجاهلي الصعلوك، و البيت في الحيوان للجاحظ: 6/359.

(3) في كتاب الحيوان: «نهاق الحمير» .

(4) سورة الجمعة: الآية 5.

(5) رواه البخاري في بدء الخلق: 10، و الفتن: 17. و رواته مسلم في الزهد: 51، و أحمد: 5-205.

(6) المستقصى: 2/5.

(7) مجمع الأمثال: 1/135.

(8) مجمع الأمثال: 1/135.

(9) جمهرة الأمثال: 1/484.

(10) المستقصى: 2/130.

(11) المستقصى: 2/317.

(12) جمهرة الأمثال: 1/380.

358

و ما يقيم بدار الذل يعرفها # إلا الأذلان عير الحي و الوتد

هذا على الخسف مربوط برمته # و ذا يشج فلا يرثي له أحد

الخواص:

من سقي من وسخ أذنه في شراب أو غيره سبت و نام، و لم يعقل أصلا. و من نزع شعرة من ذنبه عند نزوه و ربطها على فخذه أنعظ و هيج الباه. و إذا ربط حجر في ذنبه لم ينهق.

و كذا إذا طليت استه بدهن. و قال الإمام الفخر الرازي و صاحب الحاوي: إذا طبخ لحم الحمار الأهلي و قعد في مائه من به كزاز نفعه. و إذا اتخذ من حافره خاتم، و لبسه المصروع لم يصرع.

و سرجينه و سرجين الخيل، إذا أحرقا أو لم يحرقا و خلطا بخل قطعا سيلان الدم. و إذا علق جلد جبهته على الصبيان منعهم من الفزع و إذا رش على زبله خل و شم قطع الرعاف. و قال صاحب الفلاحة: إذا ركب الملسوع بالعقرب حمارا، و جعل وجهه إلى ذنبه صار الوجع إلى الحمار، و برئ الراكب. و كذلك إن تقدّم الملدوغ إلى أذن الحمار و قال: إني لدغت بعقرب في المكان الفلاني ذهب الوجع. و إن ركبه مقلوبا كما تقدم كان أقوى فعلا. و مخه إذا طلي به الرأس مع الزيت، طول الشعر. و كبده إذا أكلت مشوية على الريق، منقوعة في الخل، نفعت من الصرع و أمن آكلها من الصرع. و لبن الحمارة إذا صمد به الذكر أنعظ. و نهيق الحمار يضر بالكلب حتى إنه ربما عوى من كثرة ما يؤلمه.

التعبير:

الحمار في المنام جد الإنسان و سعده، و ربما دل على غلام أو ولد أو خير، و ربما دل على السفر أو العلم، لقوله‏ (1) تعالى: كَمَثَلِ اَلْحِمََارِ يَحْمِلُ أَسْفََاراً و ربما على المعيشة لقوله‏ (2)

تعالى: وَ اُنْظُرْ إِلى‏ََ حِمََارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنََّاسِ و ربما دل الحمار على العالم المحصل. أو اليهود، لقوله تعالى: مَثَلُ اَلَّذِينَ حُمِّلُوا اَلتَّوْرََاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهََا (3) الآية و ربما دلّ الحمار على ما يوطأ فيه كالوطاء و الزربول و ما أشبه ذلك. و ظهور حمار عزير في المنام ظهور آية. و ربما دلت رؤيته على الخلاص من الشدائد، و على الرجوع إلى المناصب السنية، أو المنازعة في الدين. و الحمير و البغال ملكها في المنام، أو ركوبها دليل على الزينة بالمال أو الولد، لقوله‏ (4) تعالى: وَ اَلْخَيْلَ وَ اَلْبِغََالَ وَ اَلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهََا وَ زِينَةً و ربما دل ركوب الحمار على النجاة من الهم. و موت الحمار و هزاله فقر صاحبه. و قيل موته موت صاحبه. و النزول عن ظهره بلا نية نزول فقر و بيعه فقر أيضا، و من ذبح حماره ليأكل لحمه نال سعة في رزقه، و إن ذبحه لغير الأكل فإنه يفسد معاشه بالولد و العز، فمن رأى أنه لا يحسن ركوب حماره، فإنه يتحلى بما ليس من أهله، و المهازيل و الضعاف من الحمر، مال في زيادة، و السمان منها مال قد انتهى. و الحمار المصري وكيل و هو نعم الوكيل. و الحمارة امرأة معينة على المعيشة كثيرة الخير ذات نسل و ربح متواتر، فمن ركب حمارة في منامه، و خلفها جحش فإنه يتزوج امرأة لها ولد. و من رأى حمارة لا تمشي إلا بالصوت فإنه لا يطعم إلا بالدعاء. و لفظ الأتان من الإتيان. و ربما دل صياحها على الشر و الإنكاد، لقوله‏ (5)

____________

(1) سورة الجمعة: الآية 5.

(2) سورة البقرة: الآية 259.

(3) سورة الجمعة: الآية 5.

(4) سورة النحل: الآية 8.

(5) سورة لقمان: الآية 19.

359

تعالى: إِنَّ أَنْكَرَ اَلْأَصْوََاتِ لَصَوْتُ اَلْحَمِيرِ أو ظهور عارض من الجان، فإن نهيق الحمار يدل على رؤية الشيطان لأن السنة وردت بالتعوذ من الشيطان الرجيم عند سماع صوته، و قيل سماع صوته دعاء على الظلمة. و من رأى حمارا موقورا دخل منزله، فإنه خير يسوقه اللّه إليه على قدر جوهر ذلك الحمل. و لبن الحمارة خصب في تلك السنة و ربما دل الشرب منه على مرض شاربه ثم ينجو منه. و لحم الحمار مال لمن أكله. و حمار المرأة زوجها فإن مات طلقها أو مات زوجها. و من صارع حمارا مات بعض أقاربه و من رأى حماره صار فرسا نال خيرا من السلطان، و إن صار بغلا نال خيرا من سفر. و من حمل حماره في المنام نال خيرا و قوّة في السعادة، حتى يتعجب منه. و من رأى له حافرا فذلك قوة في المال و التصرف و كذلك الخف و من سمع صوت الحوافر من غير أن يرى شيئا من البهائم. فإنها أمطار و يعبر الحمار برجل جاهل. و ربما دلت رؤيته على الولد من الزنا.

و من رأى حمارا نزل من السماء فدس ذكره في دبره نال مالا عظيما يستغني به. لا سيما إذا كان الرائي ملكا، و الحمار أسود أو أدهم و اللّه أعلم.

الحمار الوحشي:

و يسمى الفراء و يقال حمار وحش و حمار وحشي، و هو العير و ربما أطلق العير على الأهلي أيضا و الحمار الوحشي شديد الغيرة، فلذلك يحمي عانته الدهر كله و من عجيب أمره أن الأنثى من هذا النوع إذا ولدت ذكرا كدم الفحل خصيتيه، فالأنثى تعمل الحيلة في الهرب منه حتى يسلم. و ربما كسرت رجل التولب كي لا يسعى و لا تزال ترضعه إلى أن يكبر فيسلم من أبيه و أشار إلى ذلك الحريري بقوله في المقامة الثالثة عشرة:

يا رازق النعاب في عشه # و جابر العظم الكثير المهيض

أتح لنا اللهم من عرضه # من دنس الذم نقى رحيض‏

و سيأتي هذا إن شاء اللّه تعالى في باب النون في النعاب و يقال: إن الحمار الوحشي يعمر مائتي سنة و أكثر.

و ذكر ابن خلكان في ترجمة (1) يزيد بن زياد أن بعض الجند حدث أنهم نزلوا على جرود، فاصطادوا من حمر الوحش شيئا كثيرا، و ذبحوا منها حمارا و طبخوا لحمه الطبخ المعتاد، فلم ينضج فزيد في الإيقاد عليه يوما كاملا فلم ينضج، فقام بعض الجند و أخذ رأسه، و جعل يقلبه فرأى على أنذه و سما، فقرأه فإذا هو بهرام جور و موضع الوسم ظاهر أبيض، و هو بالقلم الكوفي. قال ابن خلكان: و أحضروا الأذن عندي فوجدت الاسم ظاهرا و بهرام جور كان من ملوك الفرس قبل مبعث النبي صلى اللّه عليه و سلم بزمان طويل، و كان من عادته إذا أخذ الصيد وسمه و أطلقه، و اللّه تعالى يعلم كم كان عمر الحمار قبل الوسم. و هذا الحمار لعله عاش أكثر من مائتي سنة. و جرود قرية من قرى دمشق، و بأرضها من حمر الوحش شي‏ء كثير، يجاوز الحصر و في أرض جرود الجبل المدخن و إنما سمي هذا الجبل بالمدخن لأنه لا يزال عليه مثل الدخان من الضباب و قيل: إن الحمار يعيش أكثر من ثمانمائة سنة و ألوان حمر الوحش مختلفة، و الأخدرية أطولها عمرا و أحسنها شكلا. و هي منسوبة إلى أخدر، فحل كان لكسرى أردشير فتوحش، و اجتمع بعانات فضرب فيها فالمتولد منها يقال له

____________

(1) وفيات الأعيان: 6/342. و هو يزيد بن زياد بن ربيعة، لقبه مفرّغ الحميري توفي سنة 69 هـ-.

360

أخدري. و قال‏ (1) الجاحظ: أعمار حمر الوحش تزيد على أعمار الحمر الأهلية، و لا نعرف حمارا أهليا عاش أكثر من حمار أبي سيارة، و هو عميلة بن خالد العدواني، كان له حمار أسود أجاز الناس عليه من المزدلفة إلى منى أربعين سنة و كان يقول:

لا هم مالي في الحمار الأسود # أصبحت بين العالمين أحسد

هلا يكاد ذو الحمار الجلعد # فق أبا سيارة المحسد

من شر كل حاسد إذا حسد # و من أذاة النافثات في العقد

اللهم حبب بين نسائنا # و بغض بين رعائنا

و اجعل المال في سمحائنا

و فيه يقول الشاعر:

خلوا الطريق عن أبي سيارة # و عن مواليه بني فزاره

حتى يجيز سالما حماره # مستقبل يدعو جاره

فقد أجار اللّه من أجاره‏

و لذلك قيل‏ (2) : «أصح من حمار أبي سيارة» و روى ابن أبي شيبة و ابن عبد البر من طريقه، من حديث أبي فاطمة الليثي، و يقال الأزدي، و يقال الدوسي، أنه قال: كنا جالسين عند رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال: «من أحب أن يصح فلا يسقم؟فابتدرناها فقلنا نحن يا رسول اللّه. فقال:

أ تحبون أن تكونوا كالحمر الصالة؟قالوا: لا يا رسول اللّه. قال: أ لا تحبون أن تكونوا أصحاب بلاء و أصحاب كفارات فو الذي نفس أبي القاسم بيده أن اللّه ليبتلي المؤمن بالبلاء فما يبتليه إلا لكرامته عليه، لأن اللّه قد أنزل عبده منزلة لم يبلغها بشي‏ء من عمله دون أن ينزل به من البلاء ما لا يبلغ تلك المنزلة إلا به» . و كذا رواه البيهقي أيضا في الشعب و قال: سألت عنه بعض أهل الأدب، فزعم أنه أراد به حمر الوحش. و قال ابن الأثير في نهاية الغريب: قوله: أ تحبون أن تكونوا كالحمر الصالة» قال أبو أحمد العسكري: هو بالصاد غير المعجمة و رواه أيضا بالضاد المعجمة.

و هو خطأ يقال للحمار الوحشي الحاد الصوت: صال و صلصال كأنه يريد الصحيحة الأجساد و الشديدة الأصوات، لقوّتها و نشاطها.

الحكم:

يحل أكله بالإجماع، و في الصحيحين و غيرهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم‏ (3) قال: «إنا لم نرده عليك إلا إننا حرم» . قال الشافعي: و لو توحش الحمار الأهلي حرم أكله. و لو استأهل الوحشي لم يحرم. و لا نعلم في حل الوحشي خلافا إلا ما روي عن مطرف أنه قال: إذا أنس و اعتلف صار كالأهلي. و أهل العلم قاطبة على خلاف قوله و لا يحل الحمار المتولد بين الأهلي و الوحشي، لأن الولد يتبع خير الأبوين في الأطعمة حتى يقرض أحدهما غير مأكول. كما يتبع أخسهما في النجاسة،

____________

(1) الحيوان: 1/139. و أبو سيارة هو عميلة بن أعزل كذا في الحيوان.

(2) جمهرة الأمثال: 1/484.

(3) رواه البخاري في الصيد: 6 و الهبة: 6، 17 و مسلم حج: 50-51-52-53-54. و رواه أبو داود في المناسك: 40 و الترمذي في الحج: 56 و النسائي في المناسك: 79.

361

حتى يجب الغسل من ولوغه و سائر أجزائه سبعا إذا تولد بين كلب و ذئب. و كما يتبع الأخس في الأنكحة حتى إذا تولد بين كتابي و وثني لم تحل مناكحته، و قد خالفوا هذا الأصل في باب الجزية، فقالوا: يعقد للمتولد بين كتابي و وثني، و في الديات ألحقوه بأكثرهما دية، و هو الأصح المنصوص.

و قيل: يتبع أقلهما دية. و قيل يعتبر بالأب. و هذه الأقوال حكاها الرافعي في باب الغرة و في الحج جعلوه تابعا للأغلظ تكليفا، حتى لو قتل متولدا بين ظبي و شاة وجب عليه الجزاء، و عكسوا ذلك في الزكاة، فلم يوجبوها في المتولد بين الأهلي و الوحشي، و في إيجابها في المتولد بين انسيين كبقرة و جاموس نظر. و جعلوه تابعا لأشرفهما دينا، حتى لو كان أحد الأبوين مسلما عند العلوق، أو أسلم قبل بلوغه حكم بإسلام الصغير تبعا و جعلوه تابعا للأم في الرق و الحرية، أعني ما دام حملا، إلا في المستولدة و المغرور بحريتها. و جعلوه تابعا للأب في النسب مطلقا، لأن النسب يعتبر بالآباء دون الأمهات. و استثنوا من ذلك أولاد بنات رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فإنهم ينسبون إليه، دون أولاد بنات غيره، و هذا من خصائصه صلى اللّه عليه و سلم. و جعلوا ولد الزنا مقطوع النسب عن أبيه. و المنفي ليس كذلك لأنه لو استحلفه لحقه و لم يتعرضوا للتبعية في بابي الأضحية و العقيقة و الاحتياط اعتبار أكثر السنين فيه، حتى لو تولد بين ضأن و معز اشترط لإجزائه في الأضحية طعنه في السنة الثالثة اعتبارا بأكثر الأبوين سنا، و هو المعز و لم يتعرضوا أيضا له في الربويات و فائدته أنه هل يجعل جنسا برأسه، حتى يباع لحمه بلحم أي الأبوين كان مفاضلة، أو يجعل كالجنس الواحد احتياطا فيحرم التفاضل؟ و هذا هو الأقرب اعتبار الضيق باب الربا. و لم يتعرضوا له أيضا في السلم و القرض حتى لو أقرضه حيوانا متولدا بين حيوانين، أو أسلم إليه في لحمه أو لحم ضأن أو معز، فأتاه بلحم متولد بين ضأن و معز فالمتجه عدم جواز قبوله، لأنه نوع آخر و الاستبدال عن النوع، بنوع آخر لا يجوز على الصحيح. و لم يتعرضوا له أيضا في الشركة و الوكالة و القراض، كل ذلك لندوره و المتجه المنع في الجميع لأن هذه العقود إنما تصح فيما يعم وجوده و لو أوصى لرجل بشاة فأعطاه الوارث متولدا بين ضأن و معز لم يجبر على القبول، لأن الوصية إنما تحمل على المتعارف و اللّه تعالى أعلم.

الأمثال:

قالوا: «فلان أكفر من حمار» (1) و هو رجل من عاد كان يقال له حمار بن مويلع، و قيل هو حمار بن مالك بن نصر الأزدي كان مسلما، و كان له واد طوله مسيرة يوم في عرض أربعة فراسخ، لم يكن ببلاد العرب أخصب منه، و فيه من كل الثمار فخرج بنوه يوما يتصيدون، فأصابتهم صاعقة فهلكوا فكفر و قال: لا أعبد من فعل هذا ببني. و دعا قومه إلى الكفر، فمن عصاه قتله، فأهلكه اللّه و أخرب واديه فضربت العرب به المثل في الكفر. قال الشاعر:

أ لم تر أن حارثة بن بدر # يصلي و هو أكفر من حمار

الخواص:

قال ابن وحشية و ابن السويدي و غيرهما: النظر إلى أعين الحمر الوحشية يديم صحة العين، و يمنع نزول الماء إليها بخاصة عجيبة أودعها اللّه فيها، و الاكتحال بمرارتها يحد البصر و يزيل ظلمته و يمنع من ابتداء نزول الماء في العين. و أكل سمين لحمها ينفع من مرض المفاصل و يزيله، و لحمها أيضا ينفع من النقرس نفعا بينا و شحمها إذا طلي به الكلف أزاله و مرارتها تنفع

____________

(1) جمهرة الأمثال: 2/147.

362

من داء الثعلب طلاء، و تنفع من البول على الفراش أكلا و مخها يسخن بدهن الزنبق و يدهن به البهق يزول بإذن اللّه تعالى.

التعبير:

الحمار الوحشي في المنام يدل على الزوجة أو الولد من ذي الجفاء و القسوة أو من أرباب البوادي، فاعتبر ذلك و اعط الرائي حقه. و من رأى أنه ركب حمارا وحشيا فإنه يدل على معصية، و من رأى أنه ركبه و سقط عنه فليحذر من درك يناله في معصية. و من شرب من لبن حمارة وحش نال نسكا في دينه. و من رأى أنه حوى شيئا من لحوم حمر الوحش أو ملكها نال عزا و غنيمة و مالا و الحمار الأهلي إذا استوحش في المنام فهو ضر و شر. و الحمار الوحشي في المنام إذا أنس فهو نفع و خير.

حمار قبان:

قال النووي في التحرير: هو فعلان من قب لأنه لا ينصرف في معرفة و لا نكرة.

و قال الجوهري: هي دويبة و قبان فعلان من قب لأن العرب لا تصرفه و هو معرفة عندهم و لو كان فعالا لصرفته تقول رأيت قطيعا من حمر قبان غير منصرف قال الشاعر:

يا عجبا لقد رأيت عجبا # حمار قبان يسوق أرنبا

خاطبها يمنعها أن تذهبا # فقالت: أردفني فقال مرحبا

و قد ذكر ابن مالك و غيره من الصرفيين، أن كل اسم يكون في آخره نون بعد ألف بينها و بين فاء الكلمة مشدد، فهو محتمل لأصالة النونات و زيادة أحد المثلين و بالعكس و مثلوا ذلك بحسان و دكان و تبان و ريان و نحوها فقالوا: حسان إن أخذ من الحسن فنونه أصلية و إحدى السينين زائدة، و إن أخذ من الحسن فنونه زائدة مع الألف و وزنه على الأوّل فعال و على الثاني لزيادة الألف و النون دون الأوّل و تبان إن أخذ من التبن فنونه أصلية، و إن أخذ من التب، و هو الخسران، فنونه زائدة مع الألف فيمنع الصرف إذا عرف هذا فقبان يجوز أن يكون مأخوذا من القب و هو الضمور و الأقب ضامر البطن كما قال الجوهري. و الخيل القب الضوامر و قد أنشد الجاحظ يصف نسوة:

يمشين مشي قطا البطاح تأوّدا # قب البطون رواجح الأكفال‏ (1)

فحمار قبان يجوز أن يكون مأخوذا من هذا الضمور بطنه، فإنه دويبة مستديرة، بقدر الدينار، ضامرة البطن متولدة من الأماكن الندية على ظهرها شبه المجن مرتفعة الظهر، كأن ظهرها قبة إذا مشت لا يرى منها سوى أطراف رجليها، و رأسها لا يرى عند المشي، إلا أن تقلب على ظهرها، لأن أمام وجهها حاجزا مستديرا، و هي أقل سوادا من الخنفساء، و أصغر منها و لها ستة أرجل، تألف المواضع السبخة في الغالب، و مواضع الزبل و يجوز أن يكون لفظ قبان مأخوذا من قبن في الأرض قبونا إذا ذهب، قال صاحب المفردات: و هذه الدابة هي التي تسمى هدبة و هي كثيرة الأرجل، تستدير عند ما تلمس. و من حمار قبان نوع ضامر البطن غير مستدير، و الناس يسمونه أبا شحيمة، يألف المواضع الندية، و الظاهر أنه صغار حمار قبان و أنه بعد يأخذ في الكبر.

و أهل اليمن يطلقونه على دويبة فوق الجرادة من نوع الفراش. و الاشتقاق لا يساعده و يجوز

____________

(1) البيت في الحيوان للجاحظ: 5/217. و القطا. من الحيوانات. الأكفال: جمع كفل: ردف.

363

اشتقاقه من قبن المتاع إذا وزنه فعلى هذا ينصرف لأصالة النون. و القبان الذي يوزن به قال الشعبي: معناه العدل بالرومية، و الاشتقاق الأول أظهر. فذلك التزمت العرب منعه من الصرف.

الحكم:

يحرم أكلها لاستخباثها.

الأمثال:

قالوا (1) : «أذل من حمار قبان» .

الخواص:

إذا شرب حمار قبان مع شراب نفع من عسر البول، و من اليرقان. و قال بعضهم: إذا لف حمار قبان في خرقة و علق على من به حمى مثلثة قلعها أصلا.

التعبير

: رؤية حمار قبان في النوم تدل على حقارة الهمة و مخالطة السفل و مكاثرتهم و اللّه أعلم.

الحمام:

قال الجوهري: هو عند العرب ذوات الأطواق نحو الفواخت و القمارى و ساق حر و القطا و الوراشين، و أشباه ذلك. يقع على الذكر و الأنثى لأن الهاء إنما دخلته على أنه واحد من جنس لا للتأنيث. و عند العامة إنها الدواجن فقط الواحدة حمامة و قال حميد بن ثور الهلالي من أبيات:

و ما هاج هذا الشوق إلا حمامة # دعت ساق حر ترهة فترنما (2)

و الحمامة هنا القمرية و قال الأصمعي في قول النابغة (3) :

و احكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت # إلى حمام شراع، وارد الثمد (4)

قالت: «ألا ليتما هذا الحمام لنا # إلى حمامتنا أو نصفه فقد»

فحسّبوه فألفوه كما زعمت # تسعا و تسعين لم ينقص و لم يزد

هذه زرقاء اليمامة، نظرت إلى قطا وارد في مضيق الجبل، فقالت: يا ليت هذا القطا لنا، و مثل نصفه معه إلى قطاة أهلنا فيكمل لنا مائة قطاة فاتبعت و عدت على الما. فإذا هي ست و ستون. قال أبو عبيدة رأته من مسيرة ثلاثة أيام و أرادت بالحمام القطا فقالت ذلك انتهى. و قال الأموي: الدواجن التي تستفرخ في البيوت تسمى حماما أيضا و أنشد للعجاج:

إني و ربّ البلد المحرم # و القاطنات البيت عند زمزم

قواطنا مكة من ورق الحم‏

يريد الحمام. و جمع الحمامة حمام و حمائم و حمامات. و ربما قالوا حمام للمفرد. قال جران العود (5) :

و ذكرني الصبا بعد التنائي # حمامة أيكة تدعو حماما

و حكى أبو حاتم عن الأصمعي في كتاب الطير الكبير أن اليمام هو الحمام البري. الواحدة

____________

(1) جمهرة الأمثال: 1/382.

(2) البيت في الحيوان للجاحظ: 3/197. و فيه: «دعت ساق حر ترحة فترنما» .

(3) هو النابغة الذبياني زياد بن معاوية الشاعر الجاهلي، و الابيات في ديوانه 26.

(4) شراع: مجتمع. الثّمد: الماء القليل.

(5) جران العود: عامر بن الحارث النميري، شاعر إسلامي وصّاف.

364

يمامة، و هو ضروب. و الفرق بين الحمام الذي عندنا و اليمام، أن أسفل ذنب الحمامة، مما يلي ظهرها فيه بياض، و أسفل ذنب اليمامة لا بياض فيه انتهى. و نقل النووي في التحرير عن الأصمعي أن كل ذات طوق فهي حمام. و المراد بالطوق الحمرة أو الخضرة أو السواد المحيط بعنق الحمامة في طوقها. و كان الكسائي يقول: الحمام هو البري، و اليمام الذي يألف البيوت و الصواب ما قاله الأصمعي. و نقل الأزهري عن الشافعي أن الحمام كل ما عب و هدر، و إن تفرقت أسماؤه و العب بالعين المهملة شدة جرع الماء من غير تنفس. قال ابن سيده: يقال في الطائر عبّ و لا يقال شرب. و الهدير ترجيع الصوت و مواصلته من غير تقطيع له. قال الرافعي و الأشبه أن ما عب هدر. قال: فلو اقتصروا في تفسير الحمام على العب لكفاهم، و يدل عليه أن الإمام الشافعي قال في عيون المسائل: و ما عب من الماء عبا فهو حمام و ما شرب قطرة قطرة كالدجاج فليس بحمام ا هـ. و فيما قاله الرافعي نظر لأنه لا يلزم من العب الهدير قال الشاعر:

على جو يضي نغر مكب # إذا افترت فترة يعب

و حمرات شربهن غب‏

وصف النغر بالعب، مع أنه لا يهدر، و إلا كان حماما و النغر نوع من العصفور، و سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى في باب النون، إذا علمت ذلك انتظم لك كلام الشافعي، و أهل اللغة أن الحمام يقع على الذي يألف البيوت و يستفرخ فيها، و على اليمام و القمري و ساق حر و هو ذكر القمري، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب السين. و الفواخت و الدبسي و القطار و الوارشين و اليعاقب و الشفنين و الزاغ و الورداني و الطوراني. و سيأتي بيان ذلك كل واحد في بابه إن شاء اللّه تعالى. و الكلام الآن في الحمام الذي يألف البيوت، و هو قسمان: أحدهما البري و هو الذي يلازم البروج و ما أشبه ذلك، و هو كثير النفور، و سمي بريا لذلك و الثاني الأهلي و هو أنواع مختلفة و أشكال متباينة، منها الرواعب و المراعيش و العداد و السداد و المضرب و القلاب و المنسوب. و هو بالنسبة إلى ما تقدم كالعتاق من الخيل و تلك البراذين، قال الجاحظ: الفقيع من الحمام، كالصقلاب من الناس، و هو الأبيض. روى أبو داود الطبراني و ابن ماجة و ابن حبان بإسناد جيد عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم رأى رجلا يتبع حمامة، فقال: «شيطان يتبع شيطانة» (1) و في رواية «شيطان يتبعه شيطان» قال البيهقي: و حمله بعض أهل العلم على إدمان صاحب الحمام على إطارته و الاشتغال به، و ارتقاء الأسطحة التي يشرف منها على بيوت الجيران و حرمهم لأجله. و سيأتي الكلام عليه في الأحكام. و روى البيهقي عن أسامة بن زيد رضي اللّه تعالى عنهما، قال: شهدت عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه يأمر بالحمام الطيار، فتذبح و تترك المقصصات. و روى ابن قانع و الطبراني عن حبيب بن عبد اللّه بن أبي كبشة، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «كان يعجبه النظر إلى الأترج و الحمام الأحمر» . و روى الحاكم، في تاريخ نيسابور، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: «كان النبي صلى اللّه عليه و سلم يعجبه النظر إلى الخضرة و إلى الأترج و إلى الحمام

____________

(1) رواه ابن ماجة في الأدب: 44. و أبو داود أدب: 57. و ابن حنبل: 2/345.

365

الأحمر» قال ابن قانع و الحافظ أبو موسى: قال هلال بن العلاء: الحمام الأحمر التفاح. قال أبو موسى و هذا التفسير لم أره لغيره. و كان في منزله صلى اللّه عليه و سلم حمام أحمر يقال له وردان.

و في عمل اليوم و الليلة لابن السني عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل «أن عليا رضي اللّه تعالى عنه شكا إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم الوحشة فأمره أن يتخذ زوج حمام، و أن يذكر اللّه عند هديره» . و رواه الحافظ ابن عساكر و قال: إنه غريب جدا و سنده ضعيف. و روى ابن عدي، في كامله، في ترجمة ميمون بن موسى، عن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، أنه شكا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الوحشة فقال له: «اتخذ زوجا من حمام تؤنسك و تصيب من فراخها و توقظك للصلاة بتغريدها» أو «اتخذ ديكا يؤنسك و يوقظك للصلاة» . و روى أيضا في ترجمة محمد بن زياد الطحان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «اتخذوا الحمام المقاصيص في بيوتكم فإنها تلهي الجن عن صبيانكم» (1) . و قال عبادة بن الصامت رضي اللّه تعالى عنه، شكا رجل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الوحشة فقال له: «إن النبي صلى اللّه عليه و سلم اتخذ زوجا من حمام» رواه الطبراني، و فيه الصلت الجراح لا يعرف، و بقية رجاله رجال الصحيح. و في كامل ابن عدي في ترجمة سهل بن فرير، عن محمد بن المنكدر، عن جابر رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال:

«شكت‏ (2) الكعبة إلى اللّه تعالى قلة زوارها، فأوحى اللّه إليها لأبعثن إليك أقواما يحنون إليك كما تحن الحمامة إلى فراخها. و في سنن أبي داود و النسائي، من حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، بإسناد جيد أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة» (3) . و من طبعه أنه يطلب وكره و لو أرسل من ألف فرسخ. و يحمل الأخبار و يأتي بها من البلاد البعيدة في المدة القريبة، و فيه ما يقطع ثلاثة آلاف فرسخ في يوم واحد. و ربما اصطيد و غاب عن وطنه عشر حجج فأكثر ثم هو على ثبات عقله، و قوة حفظه، و نزوعه إلى وطنه، حتى يجد فرصة فيطير إليه. و سباع الطير يطلبه أشد الطلب و خوفه من الشاهين أشد من خوفه من غيره، و هو أطير منه، و من سائر الطير كله لكنه يذعر منه، و يعتريه ما يعتري الحمار إذا رأى الأسد و الشاة إذا رأت الذئب، و الفأر إذ رأى الهر و من عجيب الطبيعة فيه، ما حكاه ابن قتيبة في عيون الأخبار عن المثنى بن زهير أنه قال: لم أر شيئا قط من رجل و امرأة إلا و قد رأيته في الحمام، رأيت حمامة لا تريد إلا ذكرها، و ذكرا لا يريد إلا أنثاه إلا أن يهلك أحدهما أو يفقد.

و رأيت حمامة تتزين للذكر ساعة يريدها، و رأيت حمامة لها زوج و هي تمكن آخر ما تعدوه. و رأيت حمامة تقمط حمامة، و يقال: إنها تبيض من ذلك، و لكن لا يكون لذلك البيض فراخ. و رأيت ذكرا يقمط ذكرا، و رأيت ذكرا يقمط كل ما لقي. و لا يزاوج و أنثى يقمطها كل ما رآها من الذكور و لا تزاوج. و ليس من الحيوان ما يستعمل التقبيل عند السفاد إلا الإنسان و الحمام. و هو عفيف في السفاد، يجر ذنبه ليعفي أثر الأنثى، كأنه قد علم ما فعلت، فيجتهد في إخفائه. و قد يسفد لتمام ستة أشهر، و الأنثى تحمل أربعة عشر يوما، و تبيض بيضتين: إحداهما ذكر و الثانية

____________

(1) الكامل لابن عدي: 6/2141، عن ابن عبّاس.

(2) الكامل لابن عدي: 3/1380.

(3) رواه أبو داود ترجّل: 20، و النسائي زينة: 15، و ابن حنبل: 1/273.

366

أنثى، و بين الأولى و الثانية يوم و ليلة، و الذكر يجلس على البيض و يسخنه جزءا من النهار، و الأنثى بقية النهار، و كذلك في الليل. و إذا باضت الأنثى و أبت الدخول على بيضها لأمر ما ضربها الذكر، و اضطرها للدخول. و إذا أراد الذكر أن يسفد الأنثى أخرج فراخه عن الوكر، و قد ألهم هذا النوع، إذا خرجت فراخه من البيض، بأن يمضغ الذكر ترابا مالحا، و يطعمها إياه، ليسهل به سبيل المطعم. فسبحان اللطيف الخبير الذي آتى كل نفس هداها.

و زعم أرسطو أن الحمام يعيش ثمان سنين. و ذكر الثعلبي و غيره، عن وهب بن منبه في قوله‏ (1) تعالى: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مََا يَشََاءُ وَ يَخْتََارُ و قال اختار من النعم الضأن، و من الطير الحمام.

و ذكر أهل التاريخ أن أمير المؤمنين المسترشد (2) باللّه بن المستظهر باللّه لما حبس رأى في منامه كأن على يده حمامة مطوقة، فأتاه آت فقال له: خلاصك في هذا، فلما أصبح حكى ذلك لابن سكينة الإمام، فقال له: ما أولته يا أمير المؤمنين؟قال أولته ببيت أبي تمام:

هن الحمام فإن كسرت عيافة # من حائهن فإنهن حمام‏ (3)

و خلاصي في حمامي فقتل بعد أيام يسيرة سنة تسع و عشرين و خمسمائة، و كانت خلافته سبع عشرة سنة و ثمانية أشهر و أياما. و روى البيهقي في الشعب، عن معمر قال: جاء رجل إلى ابن سيرين، رحمه اللّه تعالى فقال: رأيت في النوم، كأن حمامة التقمت لؤلؤة، فخرجت منها أعظم مما دخلت، و رأيت حمامة أخرى التقمت لؤلؤة فخرجت منها أصغر مما دخلت، و رأيت حمامة أخرى التقمت لؤلؤة فخرجت منها كما دخلت سواء. فقال له ابن سيرين: أما التي خرجت أعظم مما دخلت، فذلك الحسن بن أبي الحسن البصري يسمع الحديث فيجوده بمنطقه ثم يصل فيه من مواعظه. و أما التي خرجت أصغر مما دخلت فذلك محمد بن سيرين يسمع الحديث فينقص منه.

و أما التي خرجت كما دخلت سواء فهو قتادة و هو أحفظ الناس. و ذكر ابن خلكان في ترجمته‏ (4)

يعني ابن سيرين، أن رجلا أتاه فقال له: رأيت كأني أخذت حمامة لجاري فكسرت جناحها، فتغير وجه ابن سيرين و قال: ثم ما ذا؟قال: ثم جاء غراب أسود فسقط على ظهر بيتي فنقبه، فقال له محمد بن سيرين: ما أسرع ما أدبك ربك!أنت رجل تخالف إلى امرأة جارك، و أسود يخالفك إلى امرأتك. قال: و كان ابن سيرين بزازا و كان من موالي أنس بن مالك خادم النبي صلى اللّه عليه و سلم. و حبس بدين كان عليه. و كان يقول: إني لأعرف الذنب الذي حمل به على الدين. قيل له ما هو؟و قال:

قلت لرجل مفلس منذ أربعين سنة: يا مفلس. قال بعضهم: قلت ذنوبهم فعلموا من أين يؤتون، و كثرت ذنوبنا فليس يدري من أين نؤتى. قال: و كان أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه قد أوصى أن يغسله و يكفنه و يصلي عليه محمد بن سيرين، و كان محمد بن سيرين محبوسا لما مات أنس، فاستأذنوا له الأمير، فأذن له فخرج فغسله و كفنه و صلّى عليه، ثم رجع إلى السجن و لم يذهب إلى أهله. و كان ابن سيرين من أعلام التابعين و كانت له اليد الطولى في علم الرؤيا روي

____________

(1) سورة القصص: الآية 68.

(2) المسترشد باللّه هو الفضل بن أحمد بن المقتدي، الخليفة العباسي. توفي سنة 529 هـ-.

(3) ديوان أبي تمّام: 247.

(4) وفيات الأعيان: 4/181.

367

أن امرأة جاءته، و هو يتغدى، فقالت له: رأيت القمر دخل في الثريا، و نادى مناد من خلقي:

ائتي ابن سيرين فقصي عليه، قال: فتغير لونه و قام. و هو آخذ على بطنه، فقالت له أخته: ما بالك؟قال: زعمت هذه أني ميت بعد سبعة أيام. فمات بعد سبعة أيام، سنة عشر و مائة بعد الحسن البصري بمائة يوم رحمهما اللّه تعالى. و في الشعب للبيهقي عن سفيان الثوري أنه قال: كان اللعب بالحمام من عمل قوم لوط. و قال إبراهيم النخعي: من لعب بالحمام الطيارة، لم يمت حتى يذوق ألم الفقر. و روى البزار في مسنده أن اللّه تعالى أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار، و أرسل حمامتين وحشيتين فوقفتا على فم الغار، و إن ذلك مما صد المشركين عنه صلى اللّه عليه و سلم، و إن حمام الحرم من نسل تينك الحمامتين. و روى ابن وهب «أن حمام مكة أظلت النبي صلى اللّه عليه و سلم يوم فتحها فدعا لها بالبركة» . و روى الطبراني بإسناد صحيح عن أبي ذر رضي اللّه تعالى عنه قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يتلو هذه الآية (1) : وَ مَنْ يَتَّقِ اَللََّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً `وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاََ يَحْتَسِبُ وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللََّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ فجعل يعيدها علي حتى نعست عنه، ثم قال: «يا أبا ذر كيف تصنع إذا أخرجت من المدينة؟قلت: إلى السعة و الدعة أنطلق إلى مكة فأكون حمامة من حمام الحرم، فقال صلى اللّه عليه و سلم: فيكيف تصنع إذا أخرجت من مكة؟قلت إلى السعة و الدعة أنطلق إلى الشأم و الأرض المقدسة. قال: فكيف تصنع إذا أخرجت من الشأم؟فقلت: و الذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي. قال صلى اللّه عليه و سلم: و خير من ذلك تسمع و تطيع و إن كان عبدا حبشيا» (2) و في الصحيح طرف منه و في ابن ماجة طرف من أوله.

و ذكر أن هارون الرشيد كان يعجبه الحمام و اللعب به، فأهدي له حمام و عنده أبو البختري وهب القاضي، فروى له بسنده عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: لا سبق إلا في خف أو حافرا و جناح» . (3) . فراد أو جناح. و هي لفظة وضعها للرشيد، فأعطاه جائزة سنية، فلما خرج قال الرشيد: باللّه لقد علمت أنه كذب على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. و أمر بالحمام فذبح فقيل له:

و ما ذنب الحمام؟قال: من أجله كذب على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. فترك العلماء حديث أبي البختري لذلك و غيره من موضوعاته. فلم يكتبوا حديثه. و كان أبو البختري المذكور قاضي مدينة النبي صلى اللّه عليه و سلم بعد بكار بن عبد اللّه الزبيري، ثم ولي قضاء بغداد، بعد أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، رحمه اللّه. و توفي أبو البختري سنة مائتين في خلافة المأمون. و البختري مأخوذ من البخترة التي هي الخيلاء، و هو يتصحف على كثير من الناس بالبحتري الشاعر المشهور، و الأول بالخاء المعجمة و الثاني بالحاء المهملة. قال ابن أبي خيثمة: و الشيخ تقي الدين القشيري، في الاقتراح واضع حديث الحمام غياث بن إبراهيم، وضعه للمهدي لا للرشيد. و قال ابن قتيبة: و أبو البختري هو

____________

(1) سورة الطلاق: الآية 2، 3.

(2) رواه ابن ماجة في المقدمة: 6، و الجهاد: 39، و رواه الدارمي في المقدمة: 16، و ابن حنبل: 4/126- 127-5-179.

(3) رواه أبو داود جهاد: 60، و الترمذي جهاد: 22، و النسائي خيل: 14، و ابن ماجة جهاد: 44. ابن حنبل:

2-256-258-358-425-474.

368

وهب بن وهب بن وهب ثلاثة أسماء على نسق واحد، و مثله في ملوك الفرس بهرام بن بهرام بن بهرام، و مثله في الطالبين حسن بن حسن بن حسن، و مثله في غسان الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر انتهى. قلت: و مثله في المتأخر بن الغزالي محمد بن محمد بن محمد أحد أصحاب الوجوه في المذهب.

و مما حكي لنا و اشتهر و رويناه بالسند الصحيح. عن الشيخ العارف باللّه تعالى أبي الحسن الشاذلي رحمه اللّه تعالى، أنه قال: رأيت النبي صلى اللّه عليه و سلم في المنام و قد باهى موسى و عيسى صلّى اللّه عليهما و سلم بالإمام الغزالي فقال لهما: في أمتكما حبر كهذا؟و أشار إلى الغزالي، فقالا: لا.

و قال الشيخ الإمام العارف باللّه الأستاذ ركن الشريعة و الحقيقة أبو العباس المرسي، و قد ذكر الغزالي فشهد له بالصديقية العظمى. و حسبك من باهى به النبي صلى اللّه عليه و سلم موسى و عيسى و شهد له الصديقون بالصديقية العظمى. و قد ذكر له شيخنا جمال الدين الأسنوي في المهمات ترجمة حسنة، منها: هو قطب الوجود و البركة الشاملة لكل موجود، و روح خلاصة أهل الإيمان، و الطريق الموصلة إلى رضا الرحمن، يتقرب إلى اللّه تعالى به كل صديق، و لا يبغضه إلا ملحد أو زنديق، قد انفرد في ذلك العصر عن أعلام الزمان، كما انفرد في هذا الباب فلا يترجم معه فيه إنسان. انتهى. و كان حجة الإسلام زين الدين محمد الغزالي قد ولي تدريس النظامية بمدينة بغداد، ثم تركها و سلك طريق الزهد و قصد الحج، فلما رجع توجه إلى الشأم، فأقام بدمشق بزاوية الجامع، و انتقل إلى القدس ثم قصد مصر، و أقام بالإسكندرية مدة، ثم عاد إلى وطنه بطوس، ثم ألزم بالعود إلى نيسابور و التدريس بها في النظامية، ثم تركها و عاد إلى وطنه و اتخذ خانقاه للصوفية و صرف وقته إلى وظائف الخيرات، من تلاوة القرآن، و مجالسة الصالحين، و كثرة العبادة، و التخلي عن الدنيا، و الإقبال على اللّه تعالى بكنه الهمة، و التبحر في علوم الحقيقة. و كتبه نافعة مفيدة، لا سيما إحياء علوم الدين فإنه كتاب لا يستغنى عنه طالب الآخرة. توفي الإمام حجة الإسلام في جمادى الآخرة سنة خمس و خمسمائة بطوس رحمه اللّه تعالى و رضي عنه و أرضاه.

و ذكر ابن خلكان أن شرف الدين بن عنين حضر درس فخر الدين‏ (1) الرازي بخوارزم، فسقطت بالقرب منه حمامة، و قد طردها بعض الجوارح فلما وقعت رجع عنها، و لم تقدر الحمامة على الطيران من خوفها و شدة البرد، فلما قام الإمام فخر الدين من الدرس وقف عليها ورق لها و أخذها بيده، فأنشده ابن عنين بديها أبياتا منها:

من نبأ الورقاء أن محلكم # حرم و أنك ملجأ للخائف

وفدت عليك و قد تدانى حتفها # فحبوتها ببقائها المستأنف

و لو أنها تحبى بمال لانثنت # من راحتيك بنائل متضاعف‏ (2)

____________

(1) فخر الدين الرازي: محمد بن عمر بن الحسن بن علي التيمي البكري، أبو عبد اللّه. عالم في التفسير و المعقولات. مات في هراة سنة 606 هـ-. و الخبر مع ترجمته في وفيات الأعيان: 4/248. و كذلك الأبيات.

(2) في الوفيات: «و لو أنها» . و النائل: العطاء.

369

و كان بين شرف الدين بن عنين‏ (1) و الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب صاحب دمشق مؤانسة و مصاحبة، و كان يجري بينهما أمور تدل على حسن إدراك الملك المعظم منها أن ابن عنين حصل له توعك فكتب إليه:

انظر إلي بعين مولى لم يزل # يولي الندى و تلاف قبل تلافي‏ (2)

أنا كالذي أحتاج ما يحتاجه # فاغنم ثنائي و الثواب الوافي‏ (3)

فجاء إليه بنفسه و معه ثلاثمائة دينار، فقال: هذه الصلة و أنا العائد، و هذه لو وقعت من أكابر النحاة لاستعظمت منه، فضلا عن ملك. قوله هذه الصلة أنا العائد، لأن الذي اسم موصول يحتاج إلى صلة و عائد فالصلة ما وصله به من المال، و العائد يحتمل معنيين: أحدهما: و أنا العائد لك بالصلة مرة بعد أخرى فطب نفسا، و الآخر من عاد يعود عيادة و هي عيادة المريض.

و كان الملك المعظم فاضلا حازما شجاعا حنفي المذهب و كانت له رغبة في فن الأدب حتى إنه شرط لكل من حفظ مفصل الزمخشري مائة دينار و خلعة. فحفظه خلق كثير لهذا السبب. توفي سنة أربع و عشرين و ستمائة و توفي الإمام فخر الدين الرازي المتقدم ذكره يوم عيد الفطر سنة ست و ستمائة بهراة رحمهما اللّه تعالى.

فائدة:

قال بعض الحكماء: كل إنسان مع شكله كما أن كل طير مع جنسه، و كان مالك بن دينار يقول: لا يتفق اثنان في عشرة إلا و في أحدهما وصف من الآخر، فإن أشكال الناس كأجناس الطير، و لا يتفق نوعان منه في طيران إلا لمناسبة بينهما، فرأى يوما حمامة مع غراب، فعجب من اتفاقهما و ليسا من شكل واحد فلما مشيا إذا هما أعرجان، فقال: من هاهنا اتفقا. و كل إنسان يأنس إلى شكله، كما أن كل طير يأنس إلى جنسه، فإذا اصطحب اثنان برهة من الزمان و ليس بينهما مناسبة ما، فلا بد أن يتفرقا كما قال بعض الشعراء:

و قائل كيف تفرقتما # فقلت قولا فيه إنصاف

لم يك من شكلي ففارقته # و الناس أشكال و ألاف‏

و سيأتي عنه في الصعوة شي‏ء من هذا. روى أحمد في الزهد عن يزيد بن ميسرة أن المسيح عليه الصلاة و السلام كان يقول لأصحابه: إن استطعتم أن تكونوا بلها في اللّه تعالى مثل الحمام فافعلوا قال: و كان يقال إنه ليس شي‏ء أبله من الحمام و ذلك أنك تأخذ فراخه من تحته فتذبحها، ثم يعود إلى مكانه ذلك فيفرخ فيه.

الحكم:

يحل أكله بالإجماع بجميع أنواعه لأنه من الطيبات، و لأن الشارع أوجب فيه على المحرم، إذا قتله، شاة. و في مستند ذلك وجهان: أحدهما أن ذلك لما بينهما من الشبه، فإن كلا

____________

(1) ابن عنين: أبو المحاسن محمد بن نصر بن الحسين بن عنين، شاعر مجيد هجاء، نفاه السلطان صلاح الدين من دمشق. مات سنة 630 هـ بدمشق.

(2) البيتان في وفيات الأعيان: 3/496.

(3) في الوفيات:

«... ما تحتاجه # ثوابي و الثناء الواقي» .

370

منهما يألف البيوت و يأنس بالناس، و الثاني: و هو الأصح، أن مستنده توقيف بلغهم فيه. و نقل الرافعي عن الشيخ أبي محمد الخلاف، فيما لو قتل طائرا أكبر من الحمام، أو مثله هلى ينبني على هذا؟إن قلنا المستند التوقيف أوجبنا الشاة. و إن قلنا المستند المشابهة أوجبنا القيمة. و قد أسقط الإمام النووي. رحمه اللّه، هذه المسألة من الروضة، و كأنه ظن أن الخلاف فيها لفظي لا فائدة فيه. و بيض الحمام و كل طائر يحرم على المحرم، صيده حرام عليه فإن أتلفه ضمنه بقيمته، هذا مذهبنا و به قال الإمام أحمد و آخرون. و قال المزني و بعض أصحاب داود: لا جزاء في البيض. و قال مالك: يضمنه بعشر ثمن أصله. قال ابن المنذر: و اختلفوا في بيض الحمام، فقال علي و عطاء: في كل بيضتين درهم، و قال الزهري و الشافعي و أصحاب الرأي و أبو ثور: فيه قيمته و سيأتي في بيض النعام حكمه إن شاء اللّه تعالى. و من أحكامه في الصيد أنه إذا اختلطت حمامة مملوكة أو حمامات بحمامات مباحة محصورة لم يجز الاصطياد منها. و لو اختلطت بحمام ناحية جاز الاصطياد في الناحية. و لو اختلط حمام أبراج مملوكة لا تكاد تحصر بحمام بلدة أخرى مباحة ففي جواز الاصطياد منها وجهان: أصحهما الجواز. و بيع الحمام في البرج على تفصيل بيع السمك في البركة. و سيأتي في باب السين المهملة إن شاء اللّه تعالى لو باعها و هي طائرة اعتمادا على عادة عودها فوجهان:

أصحهما عند الإمام الجواز كالعبد المبعوث في شغل و عند الجمهور المنع إذ لا وثوق بعودها لعدم عقلها. و من أحكامه في الربا أنه جنس واحد بجميع أنواعه. كذا قاله المراوزة (1) . و قال العراقيون: إن كل نوع منه جنس واحد بجميع جنس، و القماري جنس، و الفواخت جنس. و أما اتخاذه للبيض و الفارخ و للأنس و حمل الكتب فجائز بلا كراهة. و أما اللعب به و التطير و المسابعة، فقيل:

يجوز لأنه لا يحتاج إليها في الحرب لنقل الأخبار و الأصح كراهته، لما تقدم في حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، الذي قال فيه: «شيطان يتبع شيطانة» (2) . قال ابن حبان بعد رواية هذا الحديث: إنما قال له شيطان، لأن اللاعب بالحمام، لا يكاد يخلو من لغو و عصيان، و العاصي يقال له شيطان قال اللّه تعالى شياطين الإنس و الجن، و أطلق على الحمامة شيطانة للمجاورة، و لا ترد الشهادة بمجرد اللعب بالحمام، خلافا لمالك و أبي حنيفة فإن انضم إليه قمار أو نحوه ردت به الشهادة.

و روى أبو محمد الرامهرمزي في كتابه «المحدث الفاضل بين الراوي و الواعي» عن مصعب الزبيري، قال: سمعت مالك بن أنس رضي اللّه تعالى عنه و قد قال لابني أخته أبي بكر محمد و إسماعيل ابني أبي أويس. أراكما تحبان هذا الشأن و تطلبانه، يعني الحديث، قالا: نعم. قال:

فإن أحببتما أن تنتفعا، و ينفع اللّه بكما فأقلا منه و تفقها. و نزل ابن مالك من فوق سطح، و معه حمام قد غطاه، فعلم مالك أنه قد فهمه الناس فقال مالك: الأدب أدب اللّه لا أدب الآباء و الأمهات، و الخير خير اللّه لا خير الآباء و الأمهات. و روي عنه أيضا، أنه قال: كان يحيى بن مالك بن أنس، يدخل و يخرج و لا يجلس معنا عند أبيه، فكان إذا نظر إليه أبوه قال: هاه إن ما تطيب به نفسي أن

____________

(1) المراوزة: جمع المروزي نسبة إلى مرو.

(2) رواه ابن ماجة في الأدب: 44، و أبو داود أدب: 57، و أحمد: 2/357.

371

هذا الشأن لا يورّث، و إن أحدا لم يخلف أباه في مجلسه إلا عبد الرحمن ابن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه، و كان أفضل أهل زمانه، و كان أبوه أفضل أهل زمانه. و قال البخاري في المناسك، من صحيحه: حدثنا علي بن عبد اللّه، قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، و كان أفضل أهل زمانه، أنه سمع أباه، و كان أفضل أهل زمانه، يقول:

سمعت عائشة رضي اللّه عنها تقول: «طببت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بيدي هاتين» . الحديث‏ (1)

و أم عبد الرحمن قريبة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه، و اتفق الناس على جلالته و إمامته و ثقته و ورعه و كثرة علمه، ولد في حياة عائشة رضي اللّه تعالى عنها، و توفي سنة ست و عشرين و مائة. روى له الجماعة. و روي أن المنصور أمير المؤمنين، قال له يوما:

عظني بما رأيت، قال: مات عمر بن عبد العزيز و خلف أحد عشر ابنا، فبلغت تركته سبعة عشر دينارا، كفن منها بخمسة دنانير، و اشتري له موضع القبر بدينارين، و أصاب كل واحد من أولاده تسعة عشر درهما. و مات هشام بن عبد الملك، و خلف أحد عشر ابنا، فورث كل واحد منهم ألف ألف درهم، ثم إني رأيت رجلا من أولاد عمر بن عبد العزيز حمل في يوم واحد على مائة فرس في سبيل اللّه تعالى. و رأيت رجلا من أولاد هشام يسأل أن يتصدق عليه انتهى. قلت: و هذا أمر غير عجيب فإن عمر و كلهم إلى ربه فكفاهم و أغناهم، و هشام و كلهم إلى دنياهم فأفقرهم مولاهم.

و أما بيع زرق الحمام، و سرجين البهائم المأكولة و غيرها، فباطل و ثمنه حرام، هذا مذهبنا. و قال أبو حنيفة: يجوز بيع السرجين لاتفاق أهل الأعصار، في جميع الأمصار، على بيعه من غير إنكار، و لأنه يجوز الانتفاع به فجاز بيعه كسائر الأشياء. و احتج أصحابنا بحديث ابن عباس رضي اللّه عنهما، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «إن اللّه تعالى إذا حرم على قوم شيئا، حرم عليهم ثمنه» . و هو حديث صحيح، رواه أبو داود بإسناد صحيح. و هو عام إلا ما خرج بدليل، كالحمار و بأنه نجس العين فلم يجز بيعه. كالعذرة فإنهم وافقونا على بطلان بيعها، مع أنه ينتفع بها. و أما الجواب عما احتجوا به، فهو ما أجاب به الماوردي و غيره، أن بيعه إنما يفعله الجهلة و الأراذل فلا يكون ذلك حجة في دين الإسلام. و أما قولهم: إنه ينتفع به فأشبه غيره، فالفرق أن هذا نجس بخلاف غيره.

الأمثال:

قالوا: «آمن من حمام الحرم، و آلف من حمام‏ (2) مكة» . و قالوا: «تقلدها طوق الحمامة» (3) ، كناية عن الخصلة القبيحة، أي تقلدها كطوق الحمامة، لأنه لا يزايلها و لا يفارقها، كما لا يفارق الطوق الحمامة، و مثله قوله تعالى: وَ كُلَّ إِنسََانٍ أَلْزَمْنََاهُ طََائِرَهُ فِي عُنُقِهِ (4) . أي إن عمله لازم له لزوم القلادة أو الغل لا ينفك عنه. و قال الزمخشري: فإن قلت: لم ذكر حسيبا؟ قلت: لأنه بمنزلة الشاهد و القاضي و الأمين، لأن هذه الأمور الغالب أن يتولاها الرجال، فكأنه

____________

(1) رواه البخاري في الغسل: 12، 14، و الحج 18-143، و اللباس: 73، 74، 79، 81. و رواه مسلم في الحج: 31-32-33-34-35-36-37-38. و رواه أبو داود في المناسك: 10، الترمذي حج: 77، النسائي مناسك: 41، 42، 97. الدارمي مناسك: 10، الموطأ حج: 19. أحمد: 6/39، 98.

(2) جمهرة الأمثال: 1/162.

(3) جمهرة الأمثال: 1/222.

(4) سورة الإسراء: الآية 13.

372

قيل له: كفى بنفسك رجلا حسيبا. و كان الحسن البصري إذا قرأها قال: يا ابن آدم أنصفك و اللّه من جعلك حسيب نفسك. و قيل في قوله تعالى: سَيُطَوَّقُونَ مََا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ (1)

أي يلزمون أعمالهم كما يلزم الطوق العنق. يقال: طوق فلان الحمامة، أي ألزم جزاء عمله. روى الإمام أحمد في الزهد عن مطرف أنه قال: إذا أنامت، فلا تحبسوني لكي يجتمع الناس، فأطوقهم طوق الحمامة. و من هذا المعنى. قول عبد اللّه بن جحش لأبي سفيان:

أبلغ أبا سفيان عن # أمر عواقبه ندامه

دار ابن عمك بعتها # تقضي بها عنك الغرامه

و حليفكم باللّه رب النـ # اس مجتهد القسامه

اذهب بها اذهب بها # طوّقتها طوق الحمامه‏

أي لزمه عارها. قال الإمام عبد الرحمن السهيلي: هذا المثل منتزع من قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم «من غصب شبرا من الأرض، طوقه يوم القيامة من سبع أرضين» (2) . و قوله: طوق الحمامة لأن طوقها لا يفارقها و لا تلقيه عن نفسها أبدا، كما يفعل من لبس طوقا من الآدميين. و في هذا البيت، من حلاوة الإشارة، و ملاحة الاستعارة مالا مزيد عليه. و في قوله: طوق الحمامة ردّ على من تأوّل قوله صلى اللّه عليه و سلم: «طوّقه من سبع أرضين» أنه من الطاقة، لا من الطوق في العنق. و قاله الخطابي في أحد قوليه، مع أن البخاري قد قال في بعض رواياته: خسف به إلى سبع أرضين.

و في مصنف ابن أبي شيبة «من غصب شبرا من أرض جاء به اسطاما في عنقه» . و الاسطام كالحلق من الحديد و قالوا: «أخرق من حمامة» (3) لأنها لا تحكم عشها و ذلك لأنها ربما جاءت إلى الغصن من الشجرة فتبني عليه عشها في الموضع الذي تذهب به الريح فينكسر من بيضها أكثر مما يسلم قال عبيد بن الأبرص‏ (4) :

عيوا بأمرهم كما # عييت بيضتها الحمامة (5)

جعلت لها عودين من # بشم و آخر من ثمامه‏ (6)

الخواص:

إذا سكن المخدور بقربها أو في بيت يجاورها أو في بيت هي فيه برئ. و في مجاورتها أمان من الخدر و الفالج و السكتة و السبات. و هذه خاصية عظيمة بديعة و دمها إذا اكتحل به حارا نفع من الجراحات العارضة للعين و الغشاوة. و دمها خاصة يقطع الرعاف الذي من حجب الدماغ، و إذا خلط بالزيت ابرأ من حرق النار و زبل الحمام حار، و أشده حرارة زبل

____________

(1) سورة آل عمران: الآية 180.

(2) رواه الترمذي ديات: 21، و البخاري في بدء الخلق: 2، و المساقاة: 137-139-141-142.

الدارمي بيوع: 64. ابن حنبل: 1-187-190، -387.

(3) جمهرة الأمثال: 1/349.

(4) عيد بن الأبرص: شاعر جاهلي من أصحاب المعلقات. و البيتان في ديوانه: 138.

(5) في الديوان:

برمت بنو أسدكما # برمت ببيضتها الحمامة

(6) النّشم: شجر تتخذ منه القسي. الثمامة: نبت ضعيف. و في الديوان: «نشم و آخر» .

373

البري، الذي لا يأوي البيوت، و أعجب ما في زبله أنه إذا سخن في الماء و جلس فيه من به عسر البول، ابرأه و مما جرب لعسر البول: أن يكتب له في إناء نظيف، ثم يذاب بماء و يسقى لمن به ذلك فإنه يبول من وقته و ساعته، قوله‏ (1) تعالى: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ* وَ مََا قَدَرُوا اَللََّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ اَلْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ وَ اَلسَّمََاوََاتُ مَطْوِيََّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحََانَهُ وَ تَعََالى‏ََ عَمََّا يُشْرِكُونَ (2) رمص نفح و شفوا بفضل اللّه عزّ و جلّ. و إذا طلي بالخل و ضمد به من به وجع الاستسقاء، نفعه نفعا بينا. و زبل الحمام الأحمر إذا شرب منه قدر درهمين، مع ثلاثة دراهم دارصيني نفع من الحصاة. و لحم الحمام جيد للكلى و يزيد في المني و الدم، و إذا شقت و هي حية و وضعت و هي حارة في موضع لسع العقرب نفعت نفعا بينا، و زبل الحمام إذا بخر به المطلقة أسرع بنزول الولد و المشيمة.

التعبير:

الحمام في المنام رسول أمين، أو صديق صدوق، أو حبيب أنيس، و ربما دلت رؤية الحمام على النوح و التعديد. قال الشاعر:

صب ينوح إذا الحمام ينوح‏

و ربما دلت الحمامة في الرؤيا على امرأة مباركة حسناء عربية لا تبتغي ببعلها بدلا. و الحمام على رأس المريض هو حمام الموت قال الشاعر (3) :

هن الحمام فإن كسرت عيافة # من حائهن فإنهن حمام‏

و بروجها مجمع النساء، و فراخها بنون فمن رأى أنه يعلف الحمام، و يدعوهن إليه فإنه يقود. و إن حشر الحمام و الغربان في مكان واحد، فإنه يقود أيضا، لأن الغربان فسّاق و كل شي‏ء يحشر مع غير جنسه كالنعاج و الكلاب و أشباه ذلك فإنه قيادة. و هدير الحمام كلام باطل، و من سمع حمامة تهدر فإنه يدل على امرأة تعاتب زوجها. و من رأى حمامة قدمت عليه و تلقاها فإنه يرد عليه كتاب. و من نفرت منه حمامته و لم تعد إليه فإنه يطلق زوجته أو تموت. و من رأى كأن له حماما، فإنه يشتري الجواري. و من قص جناح حمامة في المنام، فقد حلف على زوجته أن لا تخرج من بيته، أو تلد أو تحمل، لأن النفاس و الحمل يمنعان من الخروج، و الحمام الذي يهدي إلى الطريق فإنه خبر يأتي الرائي من مكان بعيد. و الحمام في المنام دليل خير لمن يصادق أو يشارك لاجتماع بعضه مع بعض في الطيران و المزاوجة. و قال جاماسب: من اصطاد الحمام في منامه، أكل مال أعدائه. و من رأى بعين حمامته نقصا، فهو نقص في دين زوجته و خلقها. و قال ابن المقري:

رؤية المنسوب من الحمام إلى من دونه شريف القدر أو النسب. و رؤيته دال على الإفراج و النصر على الأعداء، و اللهو و اللعب و ربما دل الحمام على الأزواج الصينات، و ذوات الحفظ للأسرار، و الكد على العيال، و ربما دل على الحمام الذي هو الموت، و ربما دل المرأة ذات الأولاد، و الرجل الكثير النسل، المنعكف على أهل بيته و اللّه أعلم.

الحمد:

فرخ القطاة و في المثل‏ (4) «حمد قطاة يستمي الأرانب أن يصيدها» . يضرب للضعيف

____________

(1) سورة النساء: الآية 48.

(2) سورة الزمر: الآية 67.

(3) هو أبو تمام. و البيت في ديوانه: 247.

(4) مجمع الأمثال: 1/210.

374

الذي يروم أن يكيد قويا. قال الميداني: و لم أر له ذكرا في الكتب.

الحمر:

بضم الحاء المهملة و تشديد الميم و بالراء: المها، ضرب من الطير كالعصفور، قال أبو المهوش الأسدي:

قد كنت أحسبكم أسود حمية # فإذا لصاف تبيض فيه الحمر

لصاف اسم جبل و الواحدة حمرة قال الراجز:

و حمرات شربهن غبّ # إذا غفلت غفلة تعبّ‏

و قد تخفف، فيقال: حمرة و حمرات، و ابن لسان الحمرة، كان من خطباء العرب و هو أحد بني تيم اللات بن ثعلبة، و كان من علماء زمانه، ضرب به المثل في الفصاحة و طول العمر، و اسمه ورقاء بن الأشعر، و يكنى أبا كلاب، سأله معاوية يوما عن أشياء فأجابه عنها، فقال له بم نلت العلم؟قال: بلسان سئول و قلب عقول، ثم قال: يا أمير المؤمنين إن للعلم آفة و إضاعة و نكدا و استجاعة: فآفته النسيان، و إضاعته أن تحدث به غير أهله، و نكده الكذب فيه، و استجاعته إن صاحبه منهوم لا يشبع أبدا.

الحكم:

حل الأكل بالإجماع لأنها من أنواع العصافير، و قال العبادي: منهم من حرم الحمر لأنه نهاش، و هذا قول شاذ مردود. روى أبو داود الطيالسي و الحاكم و قال: صحيح الإسناد، عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه قال: كنا عند النبي صلى اللّه عليه و سلم «فدخل رجل غيضه، فأخرج منها بيض حمرة فجاءت الحمرة، ترف على رأس رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و أصحابه» (1) فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لأصحابه: «أيكم فجع هذه؟فقال رجل: أنا يا رسول اللّه أخذت بيضها» . و في رواية الحاكم «أخذت فرخها» فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «رده رده رحمة لها» (2) . و في الترمذي و ابن ماجة عن عامر الدارمي أن جماعة من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، دخلوا غيضة فأخذوا فرخ طائر فجاء الطائر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يرف فقال عليه الصلاة و السلام: «أيكم أخذ فرخ هذا؟فقال رجل: أنا فأمره أن يرده فرده» . و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الفاء في الكلام على الفرخ الحديث الذي رواه أبو داود في أول كتاب الجنائز عن عامر الرامي. و الحكمة في الأمر بالرد على أنه يحتمل أنهم كانوا محرمين أو لأنها لما استجارت به أجارها فكان الإرسال في هذه الحالة واجبا.

الأمثال:

قالوا: «أعمر من ابن لسان الحمرة» (3) و قالوا: «أنسب من ابن لسان الحمرة» (4) .

و كان أنسب العرب و أعظمهم كبرا.

و خواصه و تعبيره:

ستأتي في باب العين المهملة في لفظ العصفور.

الحمسة:

بتحريك الحاء و الميم و السين المهملة دابة من دواب البحر. و قيل هي السلحفاة و الجمع حمس حكاه ابن سيده.

____________

(1) رواه أحمد: 1/4.

(2) رواه أبو داود جهاد: 112.

(3) مجمع الأمثال: 2/54.

(4) جمهرة الأمثال: 2/253.

375

الحماط:

بكسر الحاء المهملة و الحمطوط بالضم دويبة تتكون في العشب.

الحمك:

الصغار من كل شي‏ء واحدته حمكة و قد غلب على القمل و الحمك أيضا فراخ القطا و النعام و الحمك أيضا أراذل الناس قال الراجز (1) :

لا تعذليني برذالات الحمك‏

الحمل:

الخروف إذا بلغ ستة أشهر و قيل: هو ولد الضأن الجذع فما دونه، و الجمع حملان و أحمال. روى ابن ماجة، من حديث أبي يزيد الأنصاري رضي اللّه عنه، قال: مر النبي صلى اللّه عليه و سلم بدار من دور الأنصار فوجد ريح قتار فقال: «من هذا الذي ذبح» ؟فخرج إليه رجل منا فقال: أنا يا رسول اللّه ذبحت قبل أن أصلي لأطعم أهلي فأمره صلى اللّه عليه و سلم أن يعيد، فقال: و اللّه الذي لا إله إلا هو ما عندي إلا حمل من الضأن، فقال صلى اللّه عليه و سلم: «اذبحه و لن يجزئ عن أحد بعدك» (2) . و في كتاب قوت القلوب لأبي طالب المكي، في أوائل الفصل الخامس و العشرين، قال: حدثني بعض إخواني عن بعض أهل هذه الطائفة، قال: قدم علينا بعض الفقراء، فاشترينا من جار لنا حملا مشويا، و دعوناه في جماعة من أصحابنا، فلما مد يده ليأكل و أخذ لقمة و جعلها في فيه لفظها، ثم اعتزل و قال: كلوا أنتم فإنه قد عرض لي مانع منعني من الأكل، فقلنا له: لا نأكل ما لم تأكل معنا.

فقال: أما أنا فغير آكل، ثم انصرف، فكرهنا أن نأكل دونه، فقلنا لو دعونا الشواء فسألناه عن أصل هذا الحمل فلعل له سببا مكروها، فدعوناه، و سألناه، و لم نزل به حتى أقر أنه كان ميتة، و أن نفسه شرهت إلى بيعه حرصا على ثمنه. قال: فأطعمناه الكلاب ثم لقينا الرجل فسألناه عن العارض الذي منعه عن الأكل، فقال: ما شرهت نفسي إلى الأكل منذ عشرين سنة، فلما قدمتم إلى هذا الحمل شرهت نفسي إليه شرها ما عهدته قبل ذلك، فعلمت أن في الطعام علة. فتركت أكله لأجل شره النفس. قال: فانظر كيف اتفقا في شره النفس عن قصد واحد، و اختلفاه في التوفيق و الخذلان، فعصم اللّه العالم بالورع و المحاسبة، و ترك الجاهل مع شره النفس بالحرص و ترك المراقبة.

عجيبة:

في معجم ابن قانع و الطبراني في ترجمة كردم بن السائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي إلى المدينة في أول ما ذكر النبي صلى اللّه عليه و سلم بمكة فآوانا الليل إلى راع فلما انتصف الليل، جاء الذئب فاحتمل حملا من الغنم، فوثب الراعي و قال: يا عامر الوادي أوذي جارك فنادى مناد: يا سرحان أرسله فجاء الحمل يشتد عدوا حتى دخل في الغنم. و أنزل اللّه تعالى على رسوله: وَ أَنَّهُ كََانَ رِجََالٌ مِنَ اَلْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجََالٍ مِنَ اَلْجِنِّ فَزََادُوهُمْ رَهَقاً (3) . و هو في الميزان في ترجمة إسحاق بن الحارث الكوفي، و هو ضعيف. و في الشفاء، للقاضي عياض رحمه اللّه تعالى، يقال:

____________

(1) البيت لرؤبة بن العجّاج و تمامه: (الديوان 117)

تبلّج الزهراء في جنح الدلك # لا تعذليني بالرذلات الحمك‏

(2) رواه ابن ماجة في الأضاحي: 12. و ابن حنبل: 5/77-340.

(3) سورة الجن: الآية 6.

376

إن سبب ابتلاء يعقوب بيوسف صلّى اللّه عليهما و سلّم أنه اجتمع يوما، هو و ابنه يوسف على أكل حمل مشوي، و هما يضحكان و كان لهما جار يتيم، فشم رائحته و اشتهاه و بكى و بكت جدة له عجوز لبكائه، و بينهما جدار، و لا علم عند يعقوب و ابنه بذلك، فعوقب يعقوب بالبكاء أسفا على يوسف، إلى أن ابيضت عيناه من الحزن، فلما علم بذلك كان بقية حياته يأمر مناديا ينادي على سطحه ألا من كان مضطرا فليتغدّ عند آل يعقوب. و عوقب يوسف بالمحنة التي نصّ اللّه عليها انتهى. قلت: و هذا الكلام لا أعتقد له صحة و قد عجبت من القاضي عياض رحمه اللّه كيف ذكره في كتابه و الذي يجب تنزيههما عن هذه الرذيلة و إنما ذكرته لأنبه على أنه لا يعتقد صحته، و إن كان الطبراني قد روى، في معجمه الأوسط و الصغير، من حديث أنس رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه و سلم في حديث طويل، شيئا من ذلك، و أن يعقوب كان بعد ذلك إذا أراد الغداء أمر مناديا ينادي: ألا من أراد الغداء فليتغد مع يعقوب، و إذا كان صائما نادى مناد: ألا من كان صائما فليفطر مع يعقوب فإنما رواه الطبراني عن شيخه محمد بن أحمد الباهلي البصري. و هو ضعيف جدا. و كذا رواه البيهقي في الشعب في الباب الثاني و العشرين و ذكر الواحدي في تفسير قوله تعالى: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ (1) أن ريح الصبا استأذنت ربها عزّ و جلّ أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل أن يأتيه البشير فأذن لها فلذلك يستروح كل محزون بريح الصبا و هي من ناحية المشرق فيرتاح إلى الأوطان و الأحباب و أنشد:

أيا جبلي نعمان باللّه خليا # نسيم الصّبا يسري إلي نسيمها (2)

فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت # على نفس مهموم تجلت همومها

حمنان:

بفتح الحاء المهملة صغار القردان واحدته حمنانة و حمنة و هي من القراد دون الحلم.

الحمولة:

قال الجوهري: هي بالفتح الإبل التي تحمل و كذلك كل ما احتمل عليه الحي من حمار أو غيره سواء كانت عليه الأحمال أو لم تكن. و فعول تدخله الهاء إذا كان بمعنى مفعول بها. قال اللّه تعالى: وَ مِنَ اَلْأَنْعََامِ حَمُولَةً وَ فَرْشاً (3) و سيأتي له ذكر في باب الفاء إن شاء اللّه تعالى.

الحميمق:

قال ابن سيده: إنه طائر يصيد القطا و الجنادب و نحوهما و سمعت بعض أهل العلم يقول: إنه الباشق و يفسر به قول أبي الوليد الأزرقي في تاريخ مكة. و هو قال ابن جريج قلت لعطاء: إذا كنت محرما أ فأقتل العقاب؟قال: أقتل. قلت: و الصقر و الحميمق فإنهما يأخذان حمام المسلمين؟قال: اقتل و اقتل البعوض و الذباب و اقتل الذئب فإنه عدو ذكره في تعظيم الحرم.

حميل حر:

بالضم و قد يكسر طائر معروف.

الحنش:

بفتح الحاء المهملة و النون و بالشين المعجمة الحية. و يقال الأفعى و الجمع

____________

(1) سورة يوسف: الآية 94.

(2) البيت و ما يليه في وفيات الأعيان: 4/222، دون عزو. و فيه: «يخلص إلى نسيمها» .

(3) سورة الأنعام: الآية 142.

377

أحناش. و قيل: الأحناش جميع دواب الأرض كالضب و القنفذ و اليربوع و غيرها ثم خصت به الحية قال ذو الرمة (1) :

و كم حنش ذعف اللعاب كأنه # على الشرك العادي نصف عصام‏

و به سمي الرجل حنشا و قيل: الحنش حية بيضاء غليظة مثل الثعبان أو أعظم. و قيل: إنه أسود الحيات و الحنش أيضا بالتحريك ما يصاد من الطير و الهوام، و في كتاب العين الحنش ما رءوسهما رءوس الحيات و سام أبرص و نحوها. و في الحديث في قتل الدجال «و ترتفع الشحناء و التباغض و تنزع حمة كل دابة حتى يدخل الوليد يده في فم الحنش فلا يضره» (2) . الحمة هي ما تلسع به الهوام. و في سنن ابن ماجة و جامع الترمذي عن خزيمة بن جزء، أنه قال: يا رسول اللّه جئتك أسألك عن أحناش الأرض، ما تقول في الثعلب؟قال: «و من يأكل الثعلب؟» قلت: فما تقول في الذئب؟قال: «أ و يأكل الذئب أحد فيه خير» (3) . و ذكر الترمذي الذئب و الأرنب فكل هذه من أحناش الأرض.

الحنظب:

الذكر من الجراد. و قال الخليل: الحناظب الخنافس. الواحدة حنظب و حنظباء و قال حمزة الأصفهاني: من المركبات بين الثعلب و الهرة الوحشية الحنظب. و أنشد (4) لحسان بن ثابت رضي اللّه تعالى عنه:

أبوك أبوك و أنت ابنه # فبئس البني و بئس الأب

و أمك سوداء نوبية # كأن أناملها الحنظب

يبيت أبوك لها سافدا # كما سافد الهرة الثعلب‏

قال الطماحي يصف كلبا أسود:

أعددت للذئب و ليل الحارس # مصدرا أتلع مثل الفارس

يستقبل الريح بأنف خانس # في مثل جلد الحنظباء اليابس‏

الحوار:

ولد الناقة و لا يزال حوارا حتى يفصل عن أمه، فإذا فصل عن أمه فهو فصيل و ثلاثة أحورة و الكثير حيران و حوران أيضا. قاله الجوهري و ذكر ابن هشام و غيره في سرية عبد اللّه بن أنيس إلى خالد بن نبيح و كانت في المحرم في السنة الثالثة من الهجرة و كان ينزل عرنة أنه قال في ذلك:

تركت ابن ثور كالحوار و حوله # نوائح تفري كل جيب مقدد

الأبيات الخمسة. و سيأتي ذكر القصة إن شاء اللّه تعالى في باب العين المهملة في العنكبوت.

الأمثال:

قال صاحب يسار الكواعب له: ما يسار كل لحم الحوار، و اشرب لبن العشار،

____________

(1) ذو الرمة: غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي شاعر بدوي متغزل مات سنة 117 هـ-.

(2) رواه مسلم في الإيمان: 243. و ابن ماجة فتن: 33، و ابن حنبل: 2/94.

(3) رواه الترمذي في الأطعمة: 4.

(4) ديوان حسان: 117.

378

و إياك و بنات الأحرار. و القصة في ذلك مشهورة في ذلك يقول الشاعر:

و إني لأخشى إن خطبت إليهم # عليك الذي لاقى يسار الكواعب‏

و قالوا: «أمسخ من لحم الحوار» (1) قال الشاعر:

و قد علم الغثر و الطارقون # بأنك للضيف جوع و قرّ (2)

مسيخ مليخ كلحم الحوار # فلا أنت حلو و لا أنت مر

المسيخ و المليخ الذي لا طعم له. و قالوا: «كسؤر العبد من لحم الحوار» (3) و يضرب للشي‏ء الذي لا يدرك منه شي‏ء، و أصله أن عبدا نحر حوارا و أكله، و لم يبق لمولاه منه شيئا فضرب به المثل لما يفقد البتة.

الحوت:

السمك و الجمع أحوات و حوتة و حيتان. قال اللّه تعالى: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتََانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ (4) الآية. و هذا يمكن أن يقع من الحيتان بإرسال من اللّه تعالى، كإرسال السحاب أو بوحي الهام كالوحي إلى النحل، أو بإشعار في ذلك اليوم، نحو ما يشعر اللّه الدواب يوم الجمعة، بأمر الساعة حسبما يقتضيه قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «ما من دابة إلا و هي مصيخة يوم الجمعة فرقا من قيام الساعة» (5) و يحتمل أن يكون ذلك من الحيتان شعورا بالسلامة في ذلك اليوم، على نحو شعور حمام الحرم بالسلامة. قال أصحاب القصص: كان الحوت يقرب و يكثر حتى يمكن أخذه باليد، فإذا كان يوم الأحد، غاب بجملته، و قيل: يغيب أكثره و لا يبقى منه إلا القليل و ستأتي القصة في ذلك في باب القاف في لفظ القرد. و روينا بالسند الصحيح عن سعيد بن جبير أنه قال: لما أهبط اللّه تعالى آدم إلى الأرض، لم يكن فيها غير النسر في البر، و الحوت في البحر، و كان النسر يأوي إلى الحوت فيبيت عنده، فلما رأى النسر آدم عليه السلام، أتى الحوت و قال: يا حوت لقد أهبط اليوم إلى الأرض من يمشي على رجليه و يبطش بيديه، فقال الحوت: لئن كنت صادقا فمالي منجى منه في البحر و مالك مخلص منه في البر.

الأمثال:

قال الشاعر:

كالحوت لا يلهيه شي‏ء يلهمه # يصبح ظمآن و في البحر فمه‏

اللهم الابتلاع يضرب لمن عاش بخيلا شرها.

روى الطبراني: في معجمه الأوسط عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم، قال: «علماء هذه الأمة رجلان: رجل آتاه اللّه علما فبذله للناس و لم يأخذ عليه طعما، و لم يشتر به ثمنا قليلا، فلذلك يصلي عليه طير السماء، و حيتان الماء، و دواب الأرض، و الكرام الكاتبون، يقدم على اللّه سيدا شريفا، حتى يرافق المرسلين. و رجل آتاه اللّه علما في الدنيا، فضن به على

____________

(1) جمهرة الأمثال: 2/233.

(2) الغثر: سفلة الناس.

(3) رواه أبو داود في الصلاة: 201. النسائي في الجمعة: 45. الموطأ جمعة: 16. أحمد: 2/272.

(4) مجمع الأمثال: 2/151.

(5) سورة الأعراف: الآية 163.

379

عباد اللّه و أخذ عليه طعما، و اشترى به ثمنا قليلا، فذاك يأتي يوم القيامة ملجما بلجام من نار، و ينادي مناد على رءوس الأشهاد هذا فلان ابن فلان، آتاه اللّه علما في الدنيا فضن به على عباد اللّه، و أخذ عليه طعما و اشترى به ثمنا قليلا، ثم يعذب حتى يفرغ من الحساب و يكفي الحوت شرفا أنه كان وعاء و مسكنا لنبي اللّه يونس عليه الصلاة و السلام، و ذلك أن اللّه تعالى أوحى إليه إني لم أجعل لك يونس رزقا، و إنما جعلت بطنك له حرزا و سجنا، ثم استنقذه اللّه تعالى من بطنه، و اختلف في مدة لبثه في بطن الحوت فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام، و قال عطاء: سبعة أيام، و قال الضحاك: عشرين يوما، و قال السدي و الكلبي و مقاتل بن سليمان: أربعين يوما، و قال الشعبي التقمه ضحى و لفظه عشية. و أما قوله‏ (1) تعالى: وَ أَنْبَتْنََا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ فالمراد باليقطين هنا القرع على قول جميع المفسرين. فكل نبت يمتد و ينبسط على وجه الأرض، ليس له ساق و لا يبقى على الشتاء نحو القرع و القثاء و البطيخ فهو يقطين.

فائدة:

سئل إمام الحرمين هل الباري تعالى في جهة؟فقال: هو متعال عن ذلك. فقيل له: ما الدليل على ذلك؟فقال: قوله صلى اللّه عليه و سلم: «لا تفضلوني على يونس بن متى» . (2) فقيل له:

ما وجه ذلك؟فقال: لا أقول حتى يأخذ ضيفي هذا ألف دينار يقضي بها دينه. فقام بها رجلان، فقال: إن يونس بن متى رمى نفسه في البحر فالتقمه الحوت و صار في قعر البحر في ظلمات ثلاث و نادى أَنْ لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنْتَ سُبْحََانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظََّالِمِينَ (3) و لم يكن النبي صلى اللّه عليه و سلم حين جلس على الرفرف الأخضر، و انتهى إلى أن سمع صريف الأقلام و ناجاه ربه بما ناجاه، و أوحى إليه ما أوحى، بأقرب إلى اللّه تعالى من يونس بن متى في بطن الحوت في ظلمة البحر انتهى. و سيأتي في باب النون إن شاء اللّه تعالى جواب ابن عباس رضي اللّه عنهما عن رسالة ملك الروم، التي سأل فيها معاوية عن القبر الذي سار بصاحبه و روى الحاكم في المستدرك بإسناد فيه يزيد بن البلوي، عن أنس رضي اللّه تعالى عنه، قال: كنا مع النبي صلى اللّه عليه و سلم في سفر فنزلنا منزلا فإذا في الوادي رجل يقول: اللهم اجعلني من أمة محمد المرحومة، قال: فأشرفت عليه فإذا رجل طوله ثلاثمائة ذراع، فقال: من أنت؟قلت: أنا أنس بن مالك خادم النبي صلى اللّه عليه و سلم، فقال: و أين هو؟قلت: هو ذا يسمع منك كلامك. قال: فأته و أقرئه مني السلام، و قل له: أخوك الياس يقرئك السلام. قال: فأتيت النبي صلى اللّه عليه و سلم فأخبرته، فجاء حتى عانقه و قعدا يتحدثان. فقال: يا رسول اللّه إني إنما آكل في السنة يوما واحدا، و هذا يوم فطري، فآكل أنا و أنت فنزلت عليهما مائدة من السماء عليها خبز و حوت و كرفس، فأكلا و أطعماني، و صليا العصر ثم ودعه ثم رأيته مر في السحاب نحو السماء. قال الحاكم صحيح الإسناد. قال شيخ الإسلام العلامة شمس الدين الذهبي رحمه اللّه في الميزان: أما استحيا الحاكم

____________

(1) سورة الصافات: الآية 146.

(2) رواه البخاري في تفسير سورة: 4/26/37-1. و الترمذي تفسير سورة: 39-9. و ابن ماجة في الزهد:

33. و ابن حنبل: 2-451.

(3) سورة الأنبياء: الآية 87.

380

من اللّه تعالى في تصحيح مثل هذا؟و قال في تلخيص المستدرك، بعد قول الحاكم «هذا صحيح» قلت: بل هو موضوع قبح اللّه من وضعه، و ما كنت أحسب و لا أجوز أن الجهل يبلغ بالحاكم إلى تصحيح هذا ا هـ.

فائدة:

قال القشيري: يقال: إن سليمان عليه الصلاة و السلام سأل ربه، سبحانه و تعالى، أن يأذن له أن يضيف يوما، جميع الحيوانات، فأذن اللّه تعالى له، فأذن اللّه تعالى له، فأخذ سليمان في جمع الطعام مدة طويلة، فأرسل اللّه تعالى له حوتا واحدا من البحر، فأكل كل ما جمعه سليمان، في تلك المدة الطويلة، ثم استزاده فقال سليمان: لم يبق عندي شي‏ء، ثم قال له: و أنت تأكل كل يوم مثل هذا؟فقال: رزقي كل يوم ثلاثة أضعاف هذا، و لكن اللّه لم يطعمني اليوم إلا ما أطعمتني أنت، فليتك لم تضيفني فإني بقيت اليوم جائعا حيث كنت ضيفك!انتهى. و في هذا إشارة إلى كمال قدرة اللّه تعالى، و عظيم سلطانه، و سعة خزائنه، إذ مثل سليمان مع سعة ملكه و قوة سلطانه الذي آتاه اللّه تعالى، عجز أن يشبع مخلوقا واحدا من مخلوقات اللّه تعالى. فسبحانه المتكفل بأرزاق خلقه. و هنا دقيقة يجب أن ينتبه لها: و هي أن الشبع و الري ليس هو من فعل الطعام و الماء، و إنما أجرى اللّه العادة بخلق الشبع عند أكل الطعام، و خلق الري عند شرب الماء، فالشبع و الري خلق اللّه تعالى. هذا مذهب أهل الحق و لا التفات لمن قال غير ذلك.

و حكمه و خواصه و تعبيره‏

: كالسمك و سيأتي في باب السين المهملة إن شاء اللّه تعالى.

حوت الحيض:

قال ابن زهر: قال لي من رآه: إنه دابة عظيمة في البحر تمنع المراكب الكبار عن السير، فإذا أشرف أهل السفينة على العطب، رموا له بخرق الحيض فيهرب، و لا يقربهم فهي معدة معهم لذلك، و هذا الحوت اسمه الفاطوس. و سيأتي في باب الفاء إن شاء اللّه تعالى. قال: و من عجيب أمر هذا الحيوان أنه لا يقرب مركبا فيه امرأة حائض.

و حكمه‏

: كعموم السمك و دم الحوت نجس كسائر الدماء، و قيل: طاهر لأنه إذا يبس ابيض بخلاف سائر الدماء، فإنها تسود. كذا نقله القرطبي عن بعض الحنفية.

الخواص:

قال الرازي و غيره: إذا سعط المصروع بوزن حبة من مرارته برئ من الصرع بإذن اللّه تعالى، و هو مجرب. و كبده إذا جففت و سحقت، و ذر منها على الدم السائل قطعه أو على الجرح ألحمه و أبرأه، و إن كان عظيما. و هو أيضا مجرب و وسط لحم ظهره، إذ أخذ منه قطعة و لاكها إنسان هيجت الباه و أنعظت.

تذنيب:

الحيض في المنام نكاح حرام، فمن رأى أنه حائض فإنه يأتي محرما. و المرأة إذا رأت أنها حائض، اختلط عليها أمرها، فإن اغتسلت ذهب الهم عنها، و إن رأت امرأة أنها مستحاضة، و هي التي لم ينقطع الدم عنها، فإنها كثيرة الذنوب لا تثبت على توبة، لأن الإثم صار طبعا لها نسأل اللّه السلامة. و قيل: إن الرجل إذا رأى أنه حائض فإنه يكذب، و إن رأى امرأته حائضا نغلق عليه أمره و اللّه تعالى أعلم.

حوت موسى و يوشع عليهما الصلاة و السلام‏

: قال أبو حامد الأندلسي رأيت سمكة بقرب مدينة سبتة، من نسل الحوت الذي أكل منه موسى و فتاه يوشع عليهما السلام، فأحيا اللّه نصفه‏

381

فاتخذ سبيله في البحر سربا، و نسلها في البحر إلى الآن في ذلك الموضع. و هي سمكة طولها أكثر من ذراع، و عرضها شبر واحد. في جانبيها شوك و عظام و جلد رقيق على أحشائها، و لها عين و نصف رأس من رآها من هذا الجانب استقذرها، و حسب إنها ميتة و نصفها الآخر صحيح، و الناس يتبركون بها و يهدونها إلى الأماكن البعيدة قال ابن عطية: و أنا رأيتها كذلك قال: و من غريب ما روى البخاري عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما في قصص هذه الآية إن الحوت إنما حيي لأنه مسه ماء عين هنالك تدعى عين الحياة ما مست ميتا قط إلاّ وحيي. و قال الكلبي توضأ يوشع بن نون من عين الحياة، فنضح على الحوت المالح و هو في المكتل من ذلك الماء فعاش الحوت، فجعل يضرب بذنبه و لا يضرب بذنبه شيئا من الماء و هو ذاهب إلا يبس. قال: و من غريبه أيضا أن بعض المفسرين ذكر أن موضع سلوك الحوت عاد طريقا يبسا، و إن موسى مشى عليه متبعا للحوت حتى أفضى به ذلك الطريق إلى جزيرة في البحر و فيها وجد الخضر.

إشارة:

كانت هذه القطرة مباركة فأحيا اللّه تعالى بها الميت، لأنها قطرة من وجه متوضئ و للعبادات تأثيرات، فحياة القلب من ميراث العمل. كان موسى و يوشع في تعب و مشقة فلما حيي الحوت و جدا السبيل إلى مطلبها. فكذا الجوارح و الأعضاء في خوف و حيرة حتى تحيا القلوب بذكر اللّه تعالى، فإذا حيي القلب بالذكر أمنت الأعضاء و سكنت، و اعلم أن موسى عليه السلام، جد في طلب الخضر حتى وجده. و كذلك يستحب لكل طالب فائدة دينية أو دنيوية أن يكون كرارا غير فرار. فإما الظفر و الغنيمة، و إما القتل و الشهادة، كما اتفق للحسين الحلاج و غيره، و قد تقدم ذكر قصته قريبا و روى أبي بن كعب رضي اللّه تعالى عنه عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «انجاب الماء عن مسلك الحوت فصار كوّة لم تلتئم فدخل موسى على أثر الحوت، فإذا هو بالخضر» . و قال قتادة: ما سلك الحوت طريقا إلا صار ماء جامدا طريقا يبسا. و كان موسى عليه الصلاة و السلام قد لحقه الجوع فقال لفتاه، و هو يوشع: آتِنََا غَدََاءَنََا لَقَدْ لَقِينََا مِنْ سَفَرِنََا هََذََا نَصَباً (1) الآية.

قال ابن عطية: و كان أبو الفضل الجوهري يقول في وعظه: مشى موسى عليه السلام لمناجاة ربه تعالى أربعين يوما لم يحتج إلى طعام، و لما مشى إلى بشر لحقه الجوع. و الإشارة في ذلك أنهما كانا متعلمين، و طالب العلم من حقه أن يحتمل كل مشقة، و لا يبالي بصيف و لا شتاء و لا جوع و لا ذل، إذ الذي يطلب لا يعرف قيمته إلا صاحبه، و من عرف قدر ما يطلب هان عليه ما يبذل و من طلب العظيم خاطر بالعظيم و سيأتي إن شاء اللّه تعالى، في باب الصاد المهملة، في الصرد عن مقاتل طرف من ذلك مطول.

و كانت حياة لحوت عند مجمع البحرين قال قتادة: مجمع البحرين هما بحر فارس و بحر الروم مما يلي الشرق و قيل: هما بحر الأردن و بحر القلزم و قيل هما بحر بالمغرب و بحر بالزقاق.

و الحكمة في جمع موسى مع الخضر عليهما السلام بمجمع البحرين أنهما بحران في العلم أحدهما أعلم بالظاهر، و أعني بالظاهر علم الشرع و هو موسى و الآخر أعلم بالباطن أعني بالباطن: علم الحقيقة و أسرار الملكوت و هو الخضر. فكان اجتماع البحرين بمجمع البحرين فحصلت المناسبة.

____________

(1) سورة الكهف: الآية 62.

382

إشارة:

اعلم أن موسى عليه الصلاة و السلام لم يجد من هو دونه و هو الخضر عليه السلام حتى تجرد عن كل ما سواه فكذلك العبد لا يجد قرب مولاه و حبه حتى يتجرد عن كل ما سواه.

قال الشبلي: انفرد باللّه حتى تكون مجردا عن الأغيار و تكون واحدا للواحد فردا للفرد، و قال الإمام تاج الدين عطاء اللّه السكندري: من تجرد في وقته لوقته فاته من وقته، و من استقبل الوقت فاز بحظه و أنشد:

لا كنت إن كنت أدري # كيف الطريق إليكا

أفنيتني عن جميعي # فكنت سلم يديكا

و قيل للجنيد: متى يكون العبد منفردا متحيزا؟قال: إذا ألزم جوارحه الكف عن جميع المخالفات، و أفنى حركاته عن كل الإرادات، فكان شبحا بين يدي الحق لا يتميز و ما أحسن قول بعضهم:

و عن فنائي فني فنائي # و في فنائي وجدت أنتا

في محو اسمي و وسم جسمي # سألت عني فقلت أنتا

أشار سري إليك حتى # فني فنائي و دمت أنتا

أنت حياتي و سر قلبي # فحيث ما كنت كنت أنتا

قال الشبلي: اضرب بالدنيا وجه عاشقيها، و بالآخرة وجه طالبيها، و سلم نفسك و قد وصلت، فإذا قلت: اللّه فهو اللّه، و إذا سكت فهو اللّه. و هذا هو المقام العظيم، و اسم الخضر عليه السلام مضطرب فيه اضطرابا متباينا، فقيل: إنه بليا بن ملكان بن فالغ بن شالح بن ارفخشذ بن نوح عليه السلام، قاله وهب بن منبه. و قيل: إيليا بن عاميل شما لخسين بن أرما بن علقما بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام. و قيل: اسمه أرميا بن حلقيا من سبط هارون قاله الثعلبي قلت: و الأصح الذي نقله أهل السير و ثبت عن النبي صلى اللّه عليه و سلم، كما قاله البغوي و غيره، إن اسمه بليا، بباء موحدة مفتوحة و لام ساكنة و ياء مثناة من تحت، و في آخره ألفح ابن ملكان بفتح الميم، و بإسكان اللام و بالنون في آخره. و قيل: بليان، قيل: كان من بني إسرائيل، و قيل كان من أبناء الملوك و كنيته أبو العباس، قال السهيلي: كان أبوه ملكا و أمه اسمها ألها و إنها ولدته في مغارة، و أنه وجد هناك شاة ترضعه في كل يوم من غنم رجل من القرية، و لما وجده الرجل أخذه و رباه، فلما شب طلب أبوه كاتبا، و جمع أهل المعرفة و النبالة ليكتب الصحف التي أنزلت على إبراهيم و شيث، فكان فيمن أقدم عليه من الكتاب ابنه الخضر عليه السلام، و هو لا يعرفه فلما استحسن خطه و معرفته بحث عن جلية أمره فعرف أنه ابنه فضمه لنفسه، و ولاه أمر الناس. ثم إن الخضر فر من الملك لأسباب يطول ذكرها و لم يزل سائحا إلى أن وجد عين الحياة فشرب منها فهو حي إلى أن يخرج الدجال، و أنه الرجل الذي يقتله الدجال و يقطعه ثم يحييه اللّه تعالى. انتهى و سيأتي إن شاء اللّه تعالى عن صاحب ابتلاء الأخيار في باب السين المهملة في لفظ السعلاء أنه ابن خالة ذي القرنين.

و اختلف في سبب تلقيبه بالخضر فقال الأكثرون: لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من تحته خضراء، و الفروة وجه الأرض. و قيل: لأنه كان إذا صلى اخضر ما حوله، و الصواب‏

383

الأول. و اختلف في حياته فقال الإمام محيي الدين النووي و جمهور العلماء: هو حي موجود بين أظهرنا قال: و هذا متفق عليه عند الصوفية و أهل الصلاح و المعرفة. و حكاياتهم في رؤيته و الاجتماع به و الأخذ عنه و سؤاله و جواباته و وجوده في المواضع الشريفة و مواطن الخير أكثر من أن تحصر و أشهر من أن تشهر. قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: هو حي عند جماهير العلماء و الصالحين و العامة معهم على ذلك و إنما شذ بإنكاره بعض المحدثين انتهى. و قال الحسن: إنه مات و قال ابن المنادي لا يثبت حديث في بقائه. و قال الإمام أبو بكر بن العربي: مات قبل انقضاء المائة و يقرب من هذا جواب الإمام محمد بن إسماعيل البخاري: لما سئل عن الخضر و الياس عليهما السلام هل هما في الأحياء؟فقال: كيف يكون ذلك و قد قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو اليوم على ظهر الأرض واحد» . (1) و الصحيح الصواب أنه حي و قال بعضهم إنه اجتمع مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و عزى أهل بيته و هم مجتمعون لغسله. و قد روي ذلك من طرق صحاح. و في التمهيد لابن عبد البر إمام أهل الحديث في وقته رحمه اللّه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم حين غسل و كفن، سمعوا قائلا يقول: السلام عليكم أهل البيت إن في اللّه خلفا من كل هالك، و عوضا من كل تالف، و عزاء من كل مصيبة، فعليكم بالصبر و احتسبوا، ثم دعا لهم و لا يرون شخصه، فكانوا يرون أنه الخضر عليه السلام يعني أصحاب النبي صلى اللّه عليه و سلم، و أهل بيته رضي اللّه تعالى عنهم.

قال السهيلي: و قد ذكر أن الخضر عليه السلام هو ارمياء و لم يصححه محمد بن جرير الطبري، و أبطله بما يطول ذكره من الحجج. و ذكر أيضا أنه اليسع صاحب الياس عليهما السلام، و أعجب ما في ذلك قول من قال: إنه ابن فرعون صاحب موسى عليه السلام. ذكره النقاش. انتهى.

و اختلف في نبوته فقال القشيري و كثيرون: هو ولي. و قال بعضهم: هو نبي و رجحه النووي و حكى الماوردي في تفسيره ثلاثة أقوال: أحدها أنه نبي، و الثاني أنه ولي، و الثالث أنه من الملائكة. و هذا القول غريب باطل لما قدمناه. و قال المازري: اختلف العلماء في الخضر هل هو ولي أو نبي؟فقال الأكثرون: هو نبي، و احتجوا بقول تعالى: وَ مََا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي (2) فدل على أنه نبي يوحى إليه و بأنه أعلم من موسى، و يبعد أن يكون ولي أعلم من نبي، و أجاب الآخرون بأنه يجوز أن يكون اللّه تعالى قد أوحى إلى نبي اللّه ذلك الزمان بأن يأمر الخضر بذلك انتهى. و لم ينقل أنه كان مع موسى فكيف يتأتى هذا الجواب و الخضر كان في عصر موسى؟فإن نقل أنه كان معه نبي آخر قيل هذا الاحتمال في الجواب و إلا فلا. فإن قيل: إن يوشع بن نون كان نبيا في زمن موسى، قيل:

هذه القضية كانت قبل نبوته، و أيضا فهو كان مصاحبا لموسى و مرافقه حين لقيا الخضر، و هو الذي أخبر موسى بانسياب الحوت في البحر. و اختلف في كونه مرسلا فقال الثعلبي: الخضر نبي بعثه اللّه بعد شعيب، و هو معمر محجوب عن أبصار أكثر الناس. و قيل: إنه لا يموت إلا في آخر الزمان حين يرفع القرآن. و قصته مع موسى في السفينة و الغلام و القرية طويلة مشهورة، تركناها لطولها و اشتهارها لكن قال السهيل: إن القرية برقة و قيل غير ذلك.

____________

(1) رواه البخاري في العلم: 41، مواقيت: 40. و أبو داود: ملاحم 17. و أحمد: 2/88-121.

(2) سورة الكهف: الآية 82.

384

فائدة:

لما حان لموسى و الخضر أن يتفرقا قال له الخضر عليه السلام: لو صبرت لأتيت على ألف عجب كل عجب أعجب مما رأيت!فبكى موسى عليه السلام على فراقه ثم قال موسى للخضر عليهما السلام: أوصني يا نبي اللّه فقال له الخضر: يا موسى اجعل همك في معادك، و لا تخض فيما لا يعنيك، و لا تترك الخوف في أمنك، و لا تيأس من الأمن في خوفك، و تدبير الأمور في علانيتك، و لا تذر الإحسان في قدرتك. فقال له موسى: يا نبي اللّه، فقال له الخضر: يا موسى إياك و اللجاجة، و لا تمش في غير حاجة، و لا تضحك من غير عجب، و لا تعير أحدا من الخطائين بخطاياهم بعد الندم، و ابك على خطيئتك يا ابن عمران. فقال له موسى عليه السلام: قد أبلغت في الوصية فأتم اللّه عليك نعمته، و عمرك في طاعته، و كلأك من عدوه. فقال الخضر عليه السلام: و أوصني أنت، فقال له موسى: إياك و الغضب إلا في اللّه، و لا ترض عن أحد إلا في اللّه، و لا تحب الدنيا و لا تبغض لدنيا، فإن ذلك يخرج من الإيمان و يدخل في الكفر، فقال له الخضر: لقد أبلغت في الوصية فأعانك اللّه على طاعته، و أراك السرور في أمرك، و حببك إلى خلقه، و أوسع عليك من فضله، فقال موسى عليه السلام: آمين. رواه السهيلي. و قال البغوي:

روي أن موسى لما أراد أن يفارق الخضر عليه السلام، قال له: أوصني، قال له: يا موسى لا تطلب العلم لتحدث به، و اطلبه لتعمل به.

تتمة:

في كتاب الهواتف، لأبي بكر بن أبي الدنيا أن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، لقي الخضر عليه السلام و علمه هذا الدعاء، و ذكر فيه ثوابا عظيما و رحمة، لمن قاله في دبر كل صلاة و هو: يا من لا يشغله سمع عن سمع، و يا من لا تعطله المسائل، و يا من لا يبرمه إلحاح الملحين، أذقني برد عفوك و حلاوة رحمتك. و ذكر في كتابه أيضا عن عمر رضي اللّه تعالى عنه، في هذا الدعاء بعينه، نحو ما ذكر عن علي رضي اللّه عنه في سماعه من الخضر عليه السلام.

عجيبة:

روى الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في كتابه المتفق و المفترق في ترجمة أسامة بن زيد التنوخي أنه ولي مصر للوليد بن عبد الملك بن مروان، و لأخيه سليمان، و هو الذي بنى مقياس النيل العتيق، الذي بجزيرة فسطاط مصر، ذكره ابن يونس في تاريخه. ثم روى الخطيب في ترجمة أسامة هذا أن صنما كان بالإسكندرية يقال له شراحيل، على حشفة من حشف البحر، مستقبلا بإصبع من أصابع كفه القسطنطينية لا يدري أ كان مما عمله سليمان النبي عليه الصلاة و السلام أو الإسكندر، تصاد عنده الحيتان، و كانت الحيتان تدور حوله و حول الإسكندرية، و كان قدم الصنم طول قامة الرجل إذا انبطح، و مد يديه فكتب أسامة بن زيد، و هو عامل مصر للوليد بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين إن عندنا بالإسكندرية صنما يقال له شراحيل، و هو من نحاس، و قد غلت علينا الفلوس، فإن رأى أمير المؤمنين أن ننزله و نجعله فلوسا فعلنا، و إن رأى غير ذلك فليكتب إلينا بما نعتمده في أمره. فكتب إليه: لا تنزله حتى أبعث إليك أمناء يحضرونه. فبعث إليه رجالا أمناء، فأنزلوا الصنم عن الحشفة، فوجدت عيناه ياقوتتين حمراوين ليس لهما قيمة، فضربه أسامة بن زيد فلوسا فانطلقت الحيتان و لم ترجع إلى ذلك المكان أبدا بعد أن كانت لا تفارقه ليلا و لا نهارا و تصاد بالأيدي.

الحوشي:

النعم المتوحشة. و يقال: إن الإبل الحوشية منسوبة إلى الحوش و هي فحول جن‏

385

تزعم العرب أنها ضربت في نعم بعضهم فنسبت إليها.

الحوصل:

طائر كبير له حصولة عظيمة يتخذ منها الفرو، و جمعه حواصل. قال ابن البيطار: و هذا الطائر يكون بمصر كثيرا و يعرف بالبجع، و جمل الماء و الكي، بضم الكاف و سكون الياء المثناة من تحت. و هو صنفان: أبيض و أسود فالأسود منه كريه الرائحة، و لا يكاد يستعمل و الأجود الأبيض و حرارته قليلة، و رطوبته كثيرة، و هو قليل البقاء، و لبسه يصلح للشباب و ذوي الأمزجة الحارة و من تغلب عليه الصفراء. انتهى و المعروف خلاف ما قال و أنه أشد حرارة من فرو الثعلب و الحوصلة و الحوصل من الطائر، و الظليم بمنزلة المعدة للإنسان.

و حكمه:

الحل كما جزم به الرافعي و غيره عموما فإن قيل: لم لا أجري فيه الوجه الذي في طير الماء؟فالجواب أن ذلك الوجه يجري في طير لا يفارق الماء، و هذا يألفه ثم يفارقه فهو كالأوز البلدي و قد رأيت منه بمدينة النبي صلى اللّه عليه و سلم واحدا أقام بها أعواما يمشي في أزقتها لكن غالب اقتياته في البر اللحم و في البحر السمك.

الحلان:

بحاء مضمومة بعدها لام ألف مشددة ثم نون هو الجدي يوجد في بطن أمه. و قال الأصمعي: الحلان و الحلام بالنون و بالميم صغار الغنم. و قال ابن السكيت: الحلان الذي يصلح أن يذبح للنسك و في الحديث أن عمر رضي اللّه تعالى عنه قضى في أم حبين يقتلها المحرم بحلان. و في حديث آخر ذبح عثمان كما يذبح الحلان، أي إن دمه أطل دم الحلان. و حكمه سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

حيدرة:

اسم من أسماء الأسد. روى البخاري و مسلم عن سلمة بن الأكوع رضي اللّه تعالى عنه، قال: أرسلني رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه يوم خيبر و هو أرمد، فقال: «لأعطين الراية غدا رجلا يحبه اللّه و رسوله، قال: و يحب اللّه و رسوله» (1) فأتيت عليا و جئت به أقوده و هو أرمد حتى أتيت به النبي صلى اللّه عليه و سلم، فبصق في عينيه فبرأ و أعطاه الراية. قال:

فبرز مرحب و هو يقول:

قد علمت خيبر أني مرحب # شاكي السلاح بطل مجرب

إذا الحروب أقبلت تلتهب‏

قال: فبرز له علي رضي اللّه عنه و هو يقول‏ (2) :

أنا الذي سمّتني أمي حيدره # كليث غابات كريه المنظرة

أكيلهم بالسيف كيل السندره‏

و ضرب مرحبا ففلق رأسه و قتله، و كان الفتح. قال السهيلي: ذكر قاسم بن ثابت في تسميته حيدرة ثلاثة أقوال: الأول أن اسمه في الكتب القديمة أسد و الأسد هو حيدرة. و الثاني أن

____________

(1) رواه البخاري: جهاد 102، 121، 143، فضائل أصحاب النبي: 9. و رواه مسلم في فضائل الصحابة:

32، 35. و الترمذي: مناقب 50، و ابن ماجة مقدمة: 11. و ابن حنبل: 1/99، 185، 2/384، 4/52، 5/333.

(2) ديوان الإمام علي: 77. و فيه: «أكيلكم بالسيف» .

386

أمه فاطمة بنت أسد، حين ولدته. كان أبوه غائبا، فسمته باسم أبيها أسدا، فقدم أبوه فسماه عليا. و الثالث أنه كان يلقب في صغره بحيدرة لأن الحيدرة الممتلئ لحما، العظيم البطن. و كذلك كان علي رضي اللّه تعالى عنه، و لذلك قال بعض اللصوص حين فر من سجنه الذي سماه نافعا و قيل يافعا بالياء:

و لو اني مكثت لهم قليلا # لجروني لحيدرة البطين‏

و كان مرحب قد رأى في المنام كأن أسدا افترسه، فأراد علي رضي اللّه عنه أن يذكره أنه هو الأسد الذي يقتله، فكاشفه بذلك، فلما سمع مرحب قوله، تذكر المنام فأرعد فقتله علي رضي اللّه تعالى عنه، و بهذا يستدل على جواز المبارزة في الحرب بشرط أن لا يتضرر المسلمون بقتل المبارز.

فإن طلبها كافر، استحب الخروج إليه. و روى أبو داود بإسناد صحيح عن علي رضي اللّه تعالى عنه، أنه قال: لما كان يوم بدر تقدم عتبة بن ربيعة بنفسه و تبعه أخوه و ابنه، فنادى من يبارز؟ فانتدب إليه شبان من الأنصار فقال: من أنتم؟فأخبروه: فقال: لا حاجة لنا فيكم إنما أردنا بني عمنا، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «يا حمزة قم يا علي قم يا عبيدة بن الحارث، فأقبل حمزة إلى عتبة بن ربيعة، و أقبلت أنا إلى أخيه شيبة، و أقبل عبيدة إلى الوليد بن عتبة فاختلف بين عتبة و الوليد ضربتان، فأثخن كل منهما صاحبه، ثم ملنا إلى الوليد فقتلناه، و احتملنا عبيدة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و مخ ساقه يسيل، فقال‏ (1) : «أ شهيد أنا يا رسول اللّه؟قال: نعم» قال: وددت و اللّه أن أبا طالب حيا ليعلم أننا أحق منه بقوله:

و لا نسلمه حتى نصرع حوله # و نذهل عن أبنائنا و الحلائل‏

ثم أنشأ يقول:

فإن تقطعوا رجلي فإني مسلم # أرجّي بها عيشا من اللّه عاليا

و ألبسني الرحمن فضلا و منة # لباسا من الإسلام غطى المساويا

قال الشافعي رضي اللّه عنه: و بارز يوم الخندق عمرو بن عبد ود لأنه خرج ينادي من يبارز؟فقام له علي رضي اللّه عنه، و هو مقنع بالحديد، فقال: أنا له يا نبي اللّه. فقال: «إنه عمرو اجلس» . فنادى عمرو أ لا رجل يبارز؟ثم جعل يؤنبهم و يقول: أين جنتكم التي تزعمون أن من قتل منكم يدخلها؟أ فلا يبرز إلي رجل منكم؟فقام علي رضي اللّه عنه، و قال: أنا له يا رسول اللّه، فقال له: إنه عمرو اجلس. فنادى الثالثة و ذكر شعرا فقام علي و قال: أنا له يا رسول اللّه. قال: إنه عمرو قال: و إن كان عمرا فأذن له رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فمشى إليه حتى أتاه، فقال له عمرو: من أنت؟قال: أنا علي بن أبي طالب. قال: غيرك يا ابن أخي، أريد من أعمامك من هو أسن منك فإني أكره أن أهريق دمك. فقال علي رضي اللّه عنه: لكني و اللّه لا أكره أن اهريق دمك!فغضب، و نزل عن فرسه و سل سيفه كأنه شعلة نار ثم أقبل نحو علي رضي اللّه عنه مغضبا فاستقبله علي بدرقته، فضربه عمرو في الدرقة فقدها، و أثبت فيها السيف و أصاب رأس

____________

(1) رواه أبو داود: جهاد 109. و ابن حنبل: 1/117.

387

علي فشجه، و ضربه علي رضي اللّه عنه على حبل عاتقه فسقط قتيلا، و ثار العجاج. و سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم التكبير، فعرف صلى اللّه عليه و سلم أن عليا قد قتله. ا هـ و جاء في بعض الروايات أن عليا رضي اللّه عنه لما بارز عمرا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «اليوم برز الإيمان كله للشرك كله» و كان سيف علي رضي اللّه عنه يقال له ذو الفقار، لأنه كان في وسطه مثل فقرات الظهر، و كان لمنبه بن الحجاج، سلبه منه النبي صلى اللّه عليه و سلم يوم بدر، و أعطاه عليا رضي اللّه تعالى عنه و كان من حديدة وجدت عند الكعبة من دفن جرهم، أو غيرهم، و كانت صمصامة عمرو بن معد يكرب من تلك الحديدة أيضا.

تتمة:

ينبغي لمقدم العسكر أن يتشبه بصفات من صفات الحيوان فيكون في قوة القلب كالأسد لا يجبن و لا يفر، و في الكبر كالنمر لا يتواضع للعدو، و في الشجاعة كالدب يقاتل بجميع جوارحه، و في الحملة كالخنزير لا يولي دبره إذا حمل، و في الغارة كالذئب إذا يئس من وجه أغار من وجه، و في حمل السلاح كالنملة تحمل أضعاف وزن بدنها، و في الثبات كالحجر لا يزول عن مكانه، و في الوفاء كالكلب لو دخل سيده النار يتبعه، و في الصبر كالحمار، و في التماس الفرصة كالديك، و في الحراسة كالكركي و في التعب كاليعر، و هي دويبة تكون بخراسان تسمن على التعب و المشقة.

الحيرمة:

البقرة و الجمع حيرم قال ابن أحمر (1) :

تبدل أدما من ظباء و حيرما كذا أنشده الجوهري.

الحية:

اسم يطلق على الذكر و الأنثى، فإن أردت التمييز قلت: هذا حية ذكر، و هذا حية أنثى. قاله المبرد في الكامل، و إنما دخلته الهاء لأنه واحد من جنس. كبطة و دجاجة على أنه قد روي عن بعض العرب: رأيت حيا على حية أي ذكرا على أنثى، و فلان حية ذكر و النسبة إلى الحية حيوي. و الحيوت: ذكر الحيات أنشد الأصمعي:

و يأكل الحية و الحيوتا # و يخنق العجوز أو تموتا

و ذكر ابن خالويه لها مائتي اسم و نقل السهيلي عن المسعودي: إن اللّه تعالى لما أهبط الحية إلى الأرض، أنزلها بسجستان، فهي أكثر أرض اللّه حيات و لو لا العربد يأكلها، و يفني كثيرا منها لخلت من أهلها لكثرة الحيات، و قال كعب الأحبار: أهبط اللّه تعالى الحية بأصبهان، و إبليس بجدة، و حوّاء بعرفة، و آدم بجبل سرنديب و هو بأرض الصين في بحر الهند، عال يراه البحريون من مسافة أيام، و فيه أثر قدم آدم عليه الصلاة و السلام مغموسة في الحجر. و يرى على هذا الأثر كل ليلة كهيئة البرق من غير سحاب، و لا بد له في كل يوم من مطر يغسل موضع قدم آدم عليه الصلاة و السلام. و يقال:

إن الياقوت الأحمر يوجد على هذا الجبل فتحدره السيول و الأمطار من ذروته إلى الحضيض. و يوجد به الماس أيضا و به يوجد العود. كذا قاله القزويني.

____________

(1) ابن أحمر: هني‏ء بن أحمر من بني الحارث من كنانة، شاعر جاهلي.

388

قلت و هو قريب من جبل يقال له ساتيدما، بكسر المثناة من فوق بعدها مثناة من تحت، و دال مهملة و ميم و ألف، و هو متصل من بحر الروم إلى بحر الهند، ليس يأتي يوم من الدهر إلا و يسفك عليه دم، فسمي ساتيدما لذلك. و كان قيصر قد غزا كسرى، و أتى بلاده فاحتال له حتى انصرف عنه، فاتبعه كسرى في جنوده فأدركه بساتيدما، فانهزم أصحاب قيصر مرعوبين من غير قتال، فقتلهم كسرى قتل الكلاب و نجا قيصر و لم يدركه كذا حكاه البكري في معجمه. و ذكره الجوهري نقلا عن سيبويه كذلك أنشدوا على ذلك:

لما رأت ساتيدما استعبرت # للّه در اليوم من لامها (1)

و الحية أنواع: منها الرقشاء و هي التي فيها سود و بيض، و يقال لها الرقطاء أيضا و هي من أخبث الأفاعي قال‏ (2) النابغة في وصف السليم:

فبت كأني ساورتني ضئيلة # من الرقش، في أنيابها السّم ناقع‏ (3)

تبادرها الراقون من شر سمها # فتطلقه يوما، و يوما تراجع‏ (4)

تسهّد من ليل التمام، سليمها # كحلي نساء، في يديه، قعاقع‏ (5)

و قال غيره:

هم أيقظوا رقط الأفاعي و نبهوا # عقارب ليل نام عنها حواتها (6)

و هم نقلوا عني الذي لم أفه به # و ما آفه الأخيار إلا رواتها

و تزعم الأعراب أن الأفاعي صم، و كذلك النعام قال علي بن نصر الجهضمي: دخلت على المتوكل فإذا هو يمدح الرفق فأكثر فقلت: يا أمير المؤمنين أنشدني الأصمعي:

لم أر مثل الرفق في لينه # أخرج للعذراء من خدرها

من يستعن بالرفق في أمره # يستخرج الحية من جحرها

فقال: يا غلام الدواة و القرطاس، فأتى بهما فكتبهما و أمر لي بجائزة سنية، و قال أبو بكر بن أبي دواد: كان المستعين باللّه بعث إلى نصر بن علي، يشخصه للقضاء، فدعاه عبد الملك أمير البصرة و أمره بذلك فقال: ارجع فاستخير اللّه فرجع إلى بيته فصلى ركعتين، و قال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك، و نام فنبهوه فإذا هو ميت. و ذلك في شهر ربيع الآخر سنة خمسين

____________

(1) ساتيدما : اسم جبل.

(2) ديوان النابغة الذبياني: 80.

(3) ساورتني: و اثبتني. الرّقش: جمع الرقشاء: الحية المرقطة. ضئيلة: حية دقيقة اللحم. ناقع: مجتمع.

(4) في الديوان:

«تناذرها... من سوء # تطلقه طورا، و طورا... » .

(5) في الديوان: يسهّد... لحلي النساء. و ليل التمام: ليل الشتاء. سليمها: ملدوغها. قعاقع: جمع قعقعة:

الصوت المدوّي.

(6) حوات: جمع حوّاء، الذي يربي الأفاعي.

389

و مائتين. و من أنواعها الأزعر و هو غالب فيها و منها ما هو أزب ذو شعر، و منها ذوات القرون.

و أرسطو ينكر ذلك قال الراجز:

و ذات قرنين طحون الضرس # تنهس لو تمكنت من نهس

تدير عينا كشهاب القبس‏

و منها الشجاع و سيأتي في باب الشين المعجمة. و منها العربد و هي حية عظيمة، تأكل الحيات كما تقدم، و منها الأصلة و هو عظيم جدا له وجه كوجه الإنسان، و يقال إنه يصير كذلك إذا مرت عليه ألوف من السنين. و من خاصية هذا، أن يقتل بالنظر أيضا، و منها الصل و تسمى المتكللة لأنها مكللة الرأس، و قيل: الصل الأول و هذه المكللة، و هي شديدة الفساد تحرق كل ما مرت عليه، و لا ينبت حول جحرها شي‏ء من الزرع أصلا، و إذا حاذى مسكنها طائر سقط، و لا يمر حيوان بقربها إلا هلك. و تقتل بصفيرها على غلوة سهم، و من وقع عليه بصرها و لو من بعد مات، و من نهشته مات في الحال، و ضربها فارس برمحه فمات هو و فرسه. و هي كثيرة ببلاد الترك و منها ذو الطفيتين و الأبتر. و في الصحيحين أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (1) : «اقتلوهما فإنهما يلتمسان البصر و يسقطان الحبالى» . قال الزهري: و نرى ذلك من سمها. و سيأتي بيان هذا الحديث في باب الطاء إن شاء اللّه تعالى. و منها الناظر متى وقع نظره على إنسان مات الإنسان من ساعته. و منها نوع آخر إذا سمع الإنسان صوته مات.

و من أسماء الحية العيم و العين و الصم و الأزعر و الأبتر و الناشر و الأين و الأرقم و الأصلة و الجان و الثعبان و الشجاع و الأزب و الأفعى و الأفعوان و هو الذكر من الأفاعي كما تقدم و الأرقش و الأرقط و الصل و ذو الطفيتين و العربد. قال ابن الأثير: و يقال للحية أبو البخترى و أبو الربيع و أبو عثمان و أبو العاصي و أبو مذعور و أبو وثاب و أبو يقظان و أم طبق و أم عافية و أم عثمان و أم الفتح و أم محبوب و بنات طبق و الحية الصماء و هي الشديد الشر قال عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنه:

إذا تخازرت و ما بي من خزر # ثم كسرت الطّرف من غير حور (2)

ألفيتني ألوي بعيد المستمر # أحمل ما حملت من خير و شر

كالحية الصّماء في أصل الشجر

و الصّمة الذكر من الحيات وجعه صمم، و به سمي والد دريد بن الصمة. و زعم أهل الكلام في طبائع الحيوان، أن الحية تعيش ألف سنة، و هي في كل سنة تسلخ جلدها، و تبيض ثلاثين بيضة على عدد أضلاعها، فيجتمع عليها النمل فيفسد غالب بيضها، و لا يصلح منه إلا القليل، و إن لدغها العقرب ماتت. و من أنواعها: الحريش و قد تقدم ذكره و شرها الأفاعي و مسكنها الرمال. و بيض الحيات مستطيل و هو كدر اللون و أخضر و أسود و أبيض و أرقط، و في

____________

(1) رواه البخاري في بدء الخلق: 14. و مسلم في السلام: 128-129. و أبو داود في الأدب: 163. و الترمذي صيد: 15، و ابن حنبل: 2-9-121-3-452-6/157.

(2) الخزر: كسر العين، أو ضيقها.

390

بيضة نمش و لمع و السبب في اختلاف ذلك لا يعرف، و داخله شي‏ء كالصديد، و هو في جوفها منضد طولا على خط واحد، و ليس للحيات سفاد يعرف، و إنما هو التواء بعضها على بعض و لسانها مشقوق فيظن بعض الناس أن لها لسانين. و توصف بالنهم و الشره، لأنها تبتلع الفراخ من غير مضغ كما يفعل الأسد، و من شأنها أنها إذا ابتلعت شيئا له عظم أتت شجرة أو نحوها، فتلتوي عليها التواء شديدا حتى يتكسر ذلك في جوفها. و من عادتها أنها إذا نهشت انقلبت، فيتوهم بعض الناس أنها فعلت ذلك لتفرغ سمها، و ليس كذلك. و من شأنها أنها إذا لم تجد طعاما عاشت بالنسيم، و تقتات به الزمن الطويل، و تبلغ الجهد من الجوع فلا تأكل إلا لحم الشي‏ء الحي و هي إذا كبرت، صغر جسمها و اقتنعت بالنسيم، و لم تشته الطعام. و من غريب أمرها، أنها لا تريد الماء و لا ترده إلا أنها لا تضبط نفسها عن الشرب، إذا شمته لما في طبعها من الشوق إليه فهي إذا وجدته شربت منه حتى تسكر. و ربما كان السكر سبب هلاكها. و الذكر لا يقيم بموضع واحد و إنما تقيم الأنثى على بيضها حتى تخرج فراخها، و تقوى على الكسب، ثم تخرج هي سائرة، فإن وجدت حجرا انسابت فيه، و عينها لا تدور في رأسها، بل كأنها مسمار مضروب في رأسها، و كذلك عين الجراد، و إذا قلعت عادت، و كذلك نابها إذا قلع عاد بعد ثلاثة أيام، و كذلك ذنبها إذا قطع نبت. و من عجيب أمرها أنها تهرب من الرجل العريان و تفرح بالنار و تطلبها، و تتعجب من أمرها، و تحب اللبن حبا شديدا. و إذا ضربت بسوط مسه عرق الخيل، ماتت و تذبح فتبقى أياما لا تموت و قد تقدم أنها إذا عميت، أو خرجت من تحت الأرض، لا تبصر طلبت الرازيانج‏ (1)

الأخضر، فتحك به بصرها فتبصر، فسبحان من قدر فهدى، قدر عليها العمى و هداها إلى ما يزيله عنها، و ليس شي‏ء في الأرض مثل الحية إلا و جسم الحية أقوى منه، و لذلك إذا أدخلت صدرها في حجر أو صدع لم يستطع أقوى الناس إخراجها منه، و ربما تقطعت و لا تخرج و ليس لها قوائم، و لا أظفار تشبث بها و إنما قوي ظهرها، هذه القوة لكثرة أضلاعها، فإن لها ثلاثين ضلعا و إذا مشت مشت على بطنها، فتتدافع أجزاؤها و تسعى بذلك الدفع الشديد، و الحيات في أصل الطبع مائية و تعيش في البحر، بعد أن كانت برية، و في البر بعد أن كان بحرية. قال الجاحظ:

الحيات ثلاثة أنواع: نوع منها لا ينفع للسعته ترياق، و لا غيره كالثعبان، و الأفعى و الحية الهندية، و نوع منها ينفع في لسعته الدرياق و ما كان سواهما مما يقتل فإنما يقتل بواسطة الفزع، كما حكي أن شخصا نام تحت شجرة، فتدلت عليه حية فعضت رأسه، فانتبه محمر الوجه، و حك رأسه و تلفت فلم ير أحدا فلم يرتب بشي‏ء، و وضع رأسه و نام، فلما كان بعد ذلك بمدة، قال له بعض من رآها: هل علمت مم كان انتباهك تحت الشجرة؟قال: لا، و اللّه ما علمت. قال: إنما كان من حية تدلت عليك فعضت رأسك فلما قمت فزعا تقلصت ففزع فزعة فاضت فيها نفسه.

قال: فهم يزعمون أن الفزع هو الذي هيج السم و فتح مسام البدن، حتى مشى السم فيه انتهى.

فائدة

: في النصائح لابن ظفران خالد بن الوليد رضي اللّه تعالى عنه، لما تحصن منه أهل الحيرة بالقصر الأبيض و غيره من حصونهم، نزل بالنجف و أرسل إليهم: إن ابعثوا إلي رجلا من عقلائكم، فأرسلوا إليه عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيان بن نفيلة الغساني و كان من

____________

(1) الرازيانج: ضرب من النبات.

391

المعمرين، عمر أكثر من ثلاثمائة و خمسين سنة، فقاوله المقاولة المشهورة، و كان في يد عبد المسيح قارورة يقلبها، فقال له خالد: ما الذي في هذه القارورة؟قال سم ساعة. قال: ما تصنع به؟ قال: إن وجدت عندك ما أحبه لقومي و أهل بلدي حمدت اللّه و قبلته، و إن لم أجد ذلك شربته و قتلت نفسي به. و لم أرجع إلى قومي بما يسوؤهم. فقال خالد رضي اللّه عنه: هاتها فناوله القارورة فأفرغها خالد في راحته و قال: بسم اللّه الرحمن الرحيم بسم اللّه و باللّه بسم اللّه رب الأرض و السماء بسم اللّه الذي لا يضر مع اسمه شي‏ء في الأرض و لا في السماء و هو السميع العليم. ثم شربه، و يقال: إنه شرب عليه ماء، فضرب بذقنه على صدره، و غشيه عرق ثم سري عنه، فانصرف عبد المسيح إلى قومه، و كانوا نصارى نسطورية، إلا أنهم عرب، فقال لهم:

جئتكم من عند رجل شرب سم ساعة فلم يضره فاعطوه ما سألكم، و أخرجوه من أرضكم راضيا، فهؤلاء قوم مصنوع لهم، و سيكون لهم شأن عظيم. فصالحوه على ثمانين ألف درهم فضة انتهى.

و قال بعضهم: إن سم ساعة لا يكون إلا من الحية الهندية، و لا ينفع فيها درياق و لا غيره و في الناصح أيضا: أن أمة لأبي الدرداء رضي اللّه تعالى عنه، قالت له: من أي جنس أنت؟قال: أنا آدمي مثلك. قالت: كيف تكون آدميا. و قد أطعمتك السم أربعين يوما فما ضرك؟فقال لها: أ ما علمت أن الذاكرين اللّه تعالى لا يضرهم شي‏ء و إني كنت أذكر اللّه باسمه الأعظم. قالت: و ما هو؟قال بسم اللّه الذي لا يضر مع اسمه شي‏ء في الأرض و في السماء و هو السميع العليم. ثم قال: ما الذي حملك على ذلك؟قالت: بغضك. قال: أنت حرة لوجه اللّه تعالى و أنت في حل مما صنعت انتهى.

عجيبة:

ذكر القرطبي، في تفسير سورة غافر، عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن كعب الأحبار، أنه قال: لما خلق اللّه تعالى العرش، قال: لم يخلق اللّه تعالى خلقا أعظم مني و اهتز تعاظما، فطوّقه اللّه تعالى بحية لها سبعون ألف جناح، في كل جناح سبعون ألف ريشة، في كل ريشة سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ألف فم، في كل فم سبعون ألف لسان. يخرج من أفواهها كل يوم من التسبيح عدد قطر المطر، و عدد ورق الشجر، و عدد الحصى و الثرى، و عدد أيام الدنيا، و عدد الملائكة أجمعين، فالتوت الحية على العرش، فالعرش إلى نصف الحية و هي ملتوية عليه، فتواضع عند ذلك انتهى. و روي أن الرشيد نام ليلة فسمع قائلا يقول:

يا راقد الليل انتبه # إن الخطوب لها سرى

ثقة الفتى من نفسه # ثقة محللة العرا

فاستيقظ فوجد المصابيح قد طفئت فأمر بالشموع فأوقدت، و نظر فإذا حية بقرب فراشه فقتلها.

غريبة:

ذكر الإمام أبو الفرج بن الجوزي رحمه اللّه تعالى، في الأذكياء عن بشر بن الفضل قال: خرجنا حجاجا فمررنا بماء من مياه العرب، فوصف لنا فيه ثلاث جوار أخوات بارعات في الجمال، و إنّهن يطببن و يعالجن، فأحببنا أن نراهن، فعمدنا إلى صاحب لنا، فحككنا ساقه بعود حتى أدميناه، ثم حملناه و أتينا به إليهن، فقلنا: هذا سليم فهل من راق؟فخرجت إلينا الأخت

392

الصغرى، فإذا جارية كالشمس الطالعة، فجاءت حتى وقفت عليه، و نظرته فقالت: ليس بسليم. قلنا: و كيف ذلك؟قالت: إنه خدشه عود بالت عليه حية ذكر، و الدليل على ذلك أنه إذا طلعت عليه الشمس مات قال: فلما طلعت الشمس مات. فعجبنا من ذلك و انصرفنا. و فيه أيضا في أواخره أن عيسى عليه الصلاة و السلام مر بحاو يطارد حية، فقالت له الحية: يا روح اللّه قل له لئن لم يلتفت عني لأضربنه ضربة أقطعه قطعا!فمر عيسى عليه الصلاة و السلام ثم عاد فإذا الحية في سلة الحاوي. فقال لها عيسى عليه السلام: أ لست القائلة كذا و كذا؟فكيف صرت معه؟ فقالت: يا روح اللّه إنه قد حلف لي و الآن غدر بي، فسم غدره أضر عليه من سمّي.

و في عجائب المخلوقات للقزويني، أن الريحان الفارسي لم يكن قبل كسرى أنو شروان، و إنما وجد في زمانه و سببه أنه كان ذات يوم جالسا للمظالم، إذا أقبلت حية عظيمة تنساب تحت سريره، فهموا بقتلها فقال كسرى: كفوا عنها فإني أظنها مظلومة، فمرت تنساب فأتبعها كسرى بعض أساورته، فلم تزل سائرة، حتى استدارت على فوهة بئر، فنزلت فيها، ثم أقبلت تتطلع فنظر الرجل فإذا في قعر البئر حية مقتولة، و هي على متنها عقرب أسود، فأدلى رمحه إلى العقرب و نخسه به و أتى إلى الملك فأخبره بحال الحية، فلما كان في العام القابل أتت تلك الحية في اليوم الذي كان كسرى جالسا فيه للمظالم، و جعلت تنساب حتى وقفت بين يديه، و نفضت من فيها بزرا أسود فأمر به الملك أن يزرع فنبت منه الريحان. و كان الملك كثير الزكام و أوجاع الدماغ فاستعمل منه فنفعه جدا.

فائدة أخرى:

في حلية الأولياء للحافظ العلامة أبي نعيم رحمه اللّه تعالى، في ترجمة سفيان بن عيينة، عن يحيى بن عبد الحميد قال: كنت في مجلس سفيان بن عيينة، و قد اجتمع عنده ألف إنسان أو يزيدون أو ينقصون، فالتفت في آخر مجلسه إلى رجل كان عن يمينه، و قال:

قم حدث الناس بحديث الحية، فقال الرجل: اسندوني فأسندناه فشال جفونه عن عينه، ثم قال: ألا فاستمعوا وعوا حدثني أبي عن جدي أن رجلا كان يعرف بابن الحمير، و كان له ورع و كان يصوم النهار و يقوم الليل، و كان مبتلى بالقنص، فخرج يوما يتصيد، فبينما هو سائر إذ عرضت له حية، فقالت يا محمد بن حمير أجرني أجارك اللّه، فقال لها: ممن؟قالت من عدو قد ظلمني. قال لها: و أين عدوك؟قالت له: من ورائي. قال لها: من أي أمة أنت؟قالت: من أمة محمد صلى اللّه عليه و سلم.

قال: ففتحت لها ردائي و قلت لها ادخلي فيه. قالت: يراني عدوي. قال: فبسطت لها طمري و قلت لها: ادخلي بين طمري و بطني. قالت: يراني عدوي. قلت لها: فما الذي أصنع بك؟ قالت: إن أردت اصطناع المعروف، فافتح لي فاك حتى أنساب فيه. قلت: أخشى أن تقتليني.

فقالت: لا و اللّه ما أقتلك، و اللّه شاهد علي بذلك و ملائكته و أنبياؤه و حملة عرشه و سكان سماواته أن لا أقتلك. قال: ففتحت لها فمي فانسابت فيه، ثم مضيت فعارضني رجل معه صمصامة فقال: يا محمد فقلت له: ما تشاء؟قال: هل لقيت عدوي؟قلت: و من عدوك؟قال: حية.

قلت: اللهم لا. و استغفرت ربي مائة مرة من قولي لا، لعلمي أين هي. ثم مضيت قليلا، فإذا بها قد أخرجت رأسها من فمي و قالت: انظر هل مضى هذا العدو؟فالتفت فلم أر أحدا،

393

فقلت: لم أر أحدا فإن أردت الخروج فاخرجي. فقالت: الآن يا محمد اختر لنفسك واحدة من اثنتين: إما أن افتت كبدك و إما أن أنفث في فؤادك فأدعك بلا روح!فقلت: يا سبحان اللّه أين العهد الذي عهدت إلي، و اليمين الذي حلفت لي، ما أسرع ما نسيته و خنت؟فقالت: يا محمد ما رأيت أحمق منك إذ نسيت العداوة التي كانت بيني و بين أبيك آدم، حيث أخرجته من الجنة، فليت شعري ما الذي حملك على اصطناع المعروف مع غير أهله؟قال: فقلت لها: و لا بد لك من قتلي؟قالت: لا بد من ذلك. قال: فقلت لها: أمهليني حتى أصير تحت هذا الجبل، فأمهد لنفسي موضعا. قالت: شأنك و ما تريد. قال محمد: فمضيت أريد الجبل، و قد أيست من الحياة، فرفعت طرفي إلى السماء، و قلت: يا لطيف الطف بي بلطفك الخفي، يا لطيف يا قدير أسألك بالقدرة التي استويت بها على العرش، فلم يعلم العرش أين مستقرك منه، يا حليم يا عليم يا عظيم يا حي يا قيوم يا اللّه إلا ما كفيتني شر هذه الحية. ثم مشيت فعارضني رجل صبيح الوجه طيب الرائحة تقي الثوب فقال لي: سلام عليك فقلت: و عليك السلام يا أخي. فقال: ما لي أراك قد تغير لونك و اضطرب كونك؟فقلت: من عدو قد ظلمني قال لي: و أين عدوك؟قلت: في جوفي. قال: فافتح فاك، ففتحته فوضع فيه مثل ورقة زيتون خضراء، ثم قال: امضغ و ابلع فمضغت و بلعت. قال محمد: فلم ألبث إلا قليلا حتى مغصني بطني و دارت الحية في بطني فرميت بها من أسفل قطعا قطعا، و ذهب عني ما كنت أجده من الخوف، فتعلقت بالرجل، فقلت: يا أخي من أنت الذي منّ اللّه علي بك؟فضحك ثم قال: أ ما تعرفني قلت: اللهم لا. قال: يا محمد بن حمير إنه لما كان بينك و بين هذه الحية ما كان، و دعوت اللّه بهذا الدعاء، ضجت ملائكة السموات السبع إلى اللّه عزّ و جلّ فقال اللّه تبارك و تعالى و عزتي و جلالي بعيني كل ما فعلت الحية بعبدي، و أمرني سبحانه و تعالى أن انطلق إلى الجنة، و خذ ورقة خضراء من شجرة طوبى و الحق بها عبدي محمد بن حمير، و أنا يقال لي المعروف و مستقري في السماء الرابعة، ثم قال: يا محمد بن حمير عليك باصطناع المعروف فإنه يقي مصارع السوء، و إنه و إن ضيعه المصطنع إليه لم يضع عند اللّه تعالى.

فائدة أخرى:

روى الحاكم و صححه عن أبي اليسر رضي اللّه تعالى عنه، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم كان يدعو: «اللهم إني أعوذ بك من الهدم و التردي، و أعوذ بك من الحرق و الغرق، و أعوذ بك من أن يتخبطني الشيطان عند الموت، و أعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا و أعوذ بك أن أموت‏ (1)

لديغا» . قال الجاحظ: و تأويل هذا عند العلماء، أنه لا يتفق للإنسان أن يكون موته بهذا العدو إلا و هو من أعداء اللّه تعالى، بل من أشدهم عداوة، فكان عليه الصلاة و السلام يتعوذ منه لذلك.

فائدة أخرى:

يقال: لسعته الحية و العقرب تلسعه لسعا فهو ملسوع. قال بعض العلماء المتقدمين: من قال في أول الليل و أول النهار: عقدت لسان الحية و زبان العقرب و يد السارق بقول: أشهد أن لا إله إلا اللّه و أشهد أن محمدا رسول اللّه، أمن من الحية و العقرب و السارق، و من الفوائد المجربة النافعة، أن يسأل الراقي الملدوغ إلى أين انتهى الوجع في العضو؟ثم يضع

____________

(1) رواه أبو داود في الوتر: 32. و النسائي في الاستعاذة: 61. ابن حنبل: 2/256.

394

على أعلاه حديدة و يقرأ العزيمة و يكررها، و هو يجرد موضع الألم بالحديدة حتى ينتهي في جرد السم إلى أسفل الوجع، فإذا اجتمع في أسفله، جعل يمص ذلك الموضع حتى يذهب جميع الألم و لا اعتبار بفتور العضو بعد ذلك. و هي هذه: سلام على نوح في العالمين، و على محمد في المرسلين، من حاملات السم أجمعين، لا دابة بين السماء و الأرض إلا و ربي آخذ بناصيتها أجمعين، كذلك يجزي عباده المحسنين، إن ربي على صراط مستقيم نوح نوح نوح. قال لكم نوح: من ذكرني فلا تلدغوه إن ربي بكل شي‏ء عليم، و صلّى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم. و رأيت بخط بعض المحققين، من العلماء، أن يوقف الملسوع أو رسوله، أو المكلوب أو شارب السم قائما ثم يخط دور قدميه، يبدأ بالخط من إبهام الرجل اليمنى حتى ترجع إليها ثم يخط بين قدميه خطا و يكون ذلك بسكين فولاذ، ثم يأخذ من تحت مشط رجله اليمنى، و من تحت كعبه الأيسر ترابا، و يرميه في إناء نظيف، و يسكب عليه ماء، ثم يأخذ السكين و يوقفها في وسط إناء آخر، و يكون رأس السكين إلى فوق، و يسكب الماء الذي في الإناء على السكين التي في الإناء الثاني، و يرقي بهذه الرقية، و يكون فراغ الماء مع فراغ الرقية، ثم يجعل النصاب إلى فوق، و يسكب الماء كأول مرة، ثم يجعل رأسها إلى فوق أيضا، و يفعل كأول مرة. ثم يسقي الملسوع أو رسوله أو المكلوب أو شارب السم. و هي: سارا سارا في سارا عاتي نور نور نور أنا و أرميا فاه يا طورا كاطوا برملس أوزانا أو صنانيما كاما يوقا بانيا ساتيا كاطوط اصباوتا ابريلس توتي تنا أوس. فإنه يبرأ بإذن اللّه تعالى كما جرب مرارا و ما أحسن قول القائل:

قالوا: حبيبك ملسوع فقلت لهم: # من عقرب الصدغ أو من حية الشعر

قالوا: بلى أفاعي الأرض قلت لهم: # و كيف تسعى أفاعي الأرض للقمر

و لجمال الملك بن أفلح:

و قالوا يصير الشعر في الماء حية # إذا الشمس حاذته فما خلته صدقا

فلما التوى صدغاه في ماء وجهه # و قد لسعا قلبي تيقنته حقا

غريبة أخرى:

ذكر المسعودي عن الزبير بن بكار أن أخوين في الجاهلية خرجا مسافرين، فنزلا في ظل شجرة بجنب صفاة، فلما دنا الرواح، خرجت لهما من تحت الصفاة حية تحمل دينارا فألقته إليهما فقالا: إن هذا لمن كنز هنا فأقاما ثلاثة أيام، و هي في كل يوم تخرج لهما دينارا فقال أحدهما للآخر: إلى متى ننتظر هذه الحية؟أ لا نقتلها و نحفر عن هذا الكنز فنأخذه؟فنهاه أخوه و قال له: ما تدري لعلك تعطب و لا تدرك المال، فأبى عليه و أخذ فأسا و رصد الحية حين خرجت فضربها ضربة جرح رأسها و لم يقتلها، فبادرت إليه الحية فقتلته، و رجعت إلى جحرها فدفنه أخوه، و أقام حتى إذا كان الغد، خرجت الحية معصوبا رأسها و ليس معها شي‏ء فقال: يا هذه و اللّه إني ما رضيت ما أصابك و لقد نهيت أخي عن ذلك فلم يقبل، فهل لك أن نجعل اللّه بيننا على أن لا تضريني و لا أضرك، و ترجعين إلى ما كنت عليه أولا؟فقالت الحية: لا. قال: و لم؟قالت:

لأني أعلم أن نفسك لا تطيب لي أبدا و أنت ترى قبر أخيك، و نفسي لا تطيب لك أبدا و أنا أذكر هذه الشجة. ثم أنشد أبيات النابغة الجعدي التي يقول فيها:

و ما لقيت ذات الصفا من حليفها # و كانت تريه المال رعبا و ظاهره‏

395

غريبة أخرى:

في رحلة ابن الصلاح، و تاريخ ابن النجار، في ترجمة يوسف بن علي بن محمد الزنجاني الفقيه الشافعي قال: حدثنا الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رحمه اللّه، عن القاضي الإمام أبي الطيب أنه قال: كنا في حلقة النظر بجامع المنصور ببغداد فجاء شاب خراساني يسأل عن مسألة المصراة، و يطالب بالدليل فاحتج المستدل بحديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، الثابت في الصحيحين و غيرهما، فقال الشاب، و كان حنفيا: أبو هريرة غير مقبول الحديث، قال القاضي: فما استتم كلامه حتى سقطت عليه حية عظيمة من سقف الجامع، فهرب الناس و تبعت الشاب دون غيره فقيل له: تب تب فقال: تبت فغابت الحية و لم يبق لها أثر. قال ابن الصلاح:

هذا إسناد ثابت، فيه ثلاثة من صالحي أئمة المسلمين القاضي أبو الطيب الطبري، و تلميذه أبو إسحاق و تلميذه أبو القاسم الزنجاني. و يقرب من هذا ما رواه أبو اليمن الكندي، قال:

حدثنا عبيد اللّه بن محمد بن حمدان، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم النحوي، قال: أخبرنا الكريمي، قال: حدثنا يزيد بن قرة الدراع، يرفعه إلى عمر بن حبيب، قال: حضرت مجلس الرشيد فجرت مسألة المصراة فتنازع الخصوم فيها و علت أصواتهم فاحتج بعضهم بالحديث الذي رواه أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه، عن النبي صلى اللّه عليه و سلم، فرد بعضهم الحديث، و قال: أبو هريرة متهم فيما يرويه، و نحا نحوه الرشيد و نصر قوله. فقلت: أما الحديث فصحيح و أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه صحيح النقل فيما يرويه عن النبي صلى اللّه عليه و سلم، فنظر إلى الرشيد نظر مغضب، فقمت من المجلس إلى منزلي فلم يستقر بي الجلوس حتى قيل: صاحب الشرطة بالباب. فدخل إلى فقال: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول و تحنط و تكفن. فقلت: اللهم إنك تعلم أني قد دافعت عن صاحب نبيك محمد صلى اللّه عليه و سلم، و أجللت نبيك أن يطعن على أصحابه، فسلمني منه. قال فأدخلت على الرشيد فإذا هو جالس على كرسي من ذهب حاسر عن ذراعيه و بيده السيف، و بين يده النطع، فلما رآني قال: يا ابن حبيب ما تلقاني أحد بالرد و دفع قولي مثل ما تلقيتني به!فقلت: يا أمير المؤمنين إن الذي حاولت عليه فيه إزراء على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و على ما جاء به. فقال: كيف ويحك؟قلت:

لأنه إذا كان أصحابه كذابين، فالشريعة باطلة و الفرائض و الأحكام من الصلاة و الصيام و الحج و النكاح و الطلاق و الحدود، كلها مردودة غير مقبولة لأنهم رواتها، و لا تعرف إلا بواسطتهم، فرجع الرشيد إلى نفسه، و قال: الآن أحييتني يا ابن حبيب أحياك اللّه ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم.

و يقرب من هذه القصة ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب القاف في الكلام على لفظ القرد في الرجل الذي رد على معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه تعالى عنهما و هو على المنبر.

تتمة:

قال طارق بن شهاب الزهري: كان عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، قد قضى في ميراث الجد مع الإخوة في قضايا مختلفة، ثم إنه جمع الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم، و أخذ كتفا ليكتب فيه، و هم يرون أنه يجعله أبا، فخرجت حية فتفرقوا، فقال: لو أراد اللّه تعالى أن يمضيه لأمضاه، ثم إنه أتى منزل زيد بن ثابت رضي اللّه تعالى عنه، فاستأذن عليه و رأسه في يد جارية له ترجله فنزع رأسه، فقال له عمر رضي اللّه تعالى عنه: دعها ترجلك. فقال زيد: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي جئتك؟فقال عمر: إنما الحاجة لي إني جئتك في أمر الجد و أريد أن أجعله‏

396

أبا، فقال له زيد: لا أوافقك على أن تجعله أبا. فخرج عمر رضي اللّه تعالى عنه مغضبا، ثم أرسل إليه في وقت آخر، فكتب إليه زيد رضي اللّه تعالى عنه مذهبه فيه، في قطعة قتب و ضرب له مثلا بشجرة نبتت على ساق واحد، فخرج منها غصن ثم خرج من الغصن غصن آخر، فالساق يسقي الغصن فإن قطع الغصن الأول رجع الماء إلى الغصن الثاني، و إن قطع الغصن الثاني رجع الماء إلى الغصن الأول. فلما أتى عمر رضي اللّه تعالى عنه كتاب زيد، خطب الناس ثم قرأ قطعة القتب عليهم، ثم قال: إن زيدا قد قال في الجد قولا و قد أمضيته.

تذنيب:

روى الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر و غيره أن أبا خراش الهذلي الشاعر، و اسمه خويلد بن مرة مات في زمن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه من نهش حية، و كان ممن يعدو على قدميه، فيسبق الخيل، و هو القائل:

رقوني و قالوا يا خويلد لا ترع # فقلت و أنكرت الوجوه هم هم‏

و كان ممن أسلم و حسن إسلامه. و كان سبب موته أنه أتاه نفر من اليمن قدموا حجاجا فنزلوا به، و كان الماء بعيدا عنهم. فقال لهم: يا بني ما أمسى عندنا ماء، و لكن هذه برمة و قربة و شاة فردوا الماء و كلوا شاتكم ثم دعوا قربتنا و برمتنا عند الماء حتى نأخذهما فقالوا: لا و اللّه ما نحن بسارين ليلتنا هذه. فلما رأى ذلك أبو خراش أخذ قربته و سعى نحو الماء، تحت الليل، حتى استقى، ثم أقبل صادرا، فنهشته حية قبل أن يصل إليهم، فأقبل مسرعا حتى أعطاهم الماء و قال:

اطبخوا شاتكم و كلوا، و لم يعلمهم بما أصابه، فباتوا يأكلون حتى أصبحوا، و أصبح أبو خراش في الموت، فلم يبرحوا حتى دفنوه. فلما بلغ عمر رضي اللّه تعالى عنه خبره غضب غضبا شديدا و قال:

لو لا أن تكون سنة لأمرت أن لا يضاف يماني أبدا، و لكتبت بذلك إلى الآفاق. ثم كتب إلى عامله باليمن أن يأخذ النفر الذين نزلوا بأبي خراش، فيغرمهم ديته و يؤدبهم بعد ذلك بعقوبة جزاء لفعلهم.

غريبة أخرى:

ذكر القاضي الإمام شمس الدين أحمد بن خلكان في وفيات الأعيان في ترجمة (1) عماد الدولة أبي الحسن علي بن بويه، و كان أبوه صيادا: ليست له معيشة إلا صيد السمك، و كان له ثلاثة أولاد: عماد الدولة أكبرهم، ثم ركن الدولة الحسن، ثم معز الدولة.

و الجميع ملكوا و كان عماد الدولة سبب سعادتهم و انتشار صيتهم فإنهم ملكوا العراقين و الأهواز و فارس، و ساسوا أمور الرعية أحسن سياسة. قال: و من عجيب ما اتفق لعماد الدولة، أنه لما ملك شيراز في أول ملكه، اجتمع أصحابه و طالبوه بالأموال، و لم يكن عنده ما يرضيهم به، فأشرف أمره على الانحلال، فاغتم لذلك، فبينما هو مفكر و قد استلقى على ظهره في مجلس قد خلا فيه للتفكير و التدبير، إذ رأى حية خرجت من موضع من سقف ذلك المجلس، و دخلت في موضع آخر منه فخاف أن تسقط عليه فدعا بالفراشين و أمرهم بإحضار سلم و أن يخرجوا الحية، فلما صعدوا و بحثوا عنها، وجدوا ذلك السقف يفضي إلى غرفة بين سقفين، فعرفوه بذلك فأمرهم بفتحها ففتحت، فإذا فيها صناديق فيها خمسمائة ألف دينار، فحمل ذلك بين يديه فقسمه على

____________

(1) وفيات الأعيان: 4/50.

397

رجاله، فثبت أمره بعد أن كان قد أشفى على الانحلال و الانخرام. ثم إنه جهز ثيابا و سأل عن خياط حاذق، فوصف له خياط كان لصاحب البلد قبله، فأمر بإحضاره و كان أطروشا، و كان عنده وديعة لصاحب البلد، فوقع في نفسه أنه سعى به إليه، و أنه طلب بسبب الوديعة، فلما خاطبه حلف أنه لم يكن عنده سوى أثني عشر صندوقا لا يدري ما فيها، فتعجب عماد الدولة من جوابه و وجه معه من يحمل الصناديق، فوجد فيها أموالا و ثيابا تجمل كثيرة، فكانت هذه الأسباب من أقوى دلائل سعادته، توفي عماد الدولة سنة ثمان و ثلاثين و ثلاثمائة و لم يعقب.

الحكم:

يحرم أكل الحيات لضررها. و كذا يحرم أكل الترياق المعمول من لحومها. و قال البيهقي: كره أكله ابن سيرين، قال أحمد: و لهذا كرهه الإمام الشافعي، فقال: لا يجوز أكل الترياق المعمول من لحم الحيات، إلا أن يكون بحال الضرورة، بحيث يجوز له أكل الميتة و أما السمك الذي في البحر على شكلها فحلال، كما تقدم. و أمر النبي صلى اللّه عليه و سلم بقتل الحيات أمر ندب.

روى البخاري و مسلم و النسائي عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه قال: كنا مع النبي صلى اللّه عليه و سلم في غار بمنى، و قد أنزلت عليه و المرسلات عرفا، فنحن نأخذها من فيه رطبة، إذ خرجت علينا حية فقال: اقتلوها فابتدرناها لنقتلها فسبقتنا فقال صلى اللّه عليه و سلم: «وقاها اللّه شركم كما وقاكم شرها (1) .

و عداوة الحية للإنسان معروفة قال اللّه تعالى: اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ* (2) قال الجمهور الخطاب لآدم و حواء و الحية و إبليس.

و روى قتادة: رضي اللّه عنه، عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «ما سالمناهن منذ عاديناهن» (3) .

و قال ابن عمر رضي اللّه عنهما: من تركهن فليس منا. و قالت عائشة رضي اللّه عنها: من ترك حية خشية من ثأرها فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين. و في سنن البيهقي عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها، أنها قالت: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «الحية فاسقة و العقرب فاسقة و الفأرة فاسقة و الغراب فاسق» (4) . و في مسند الإمام أحمد عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم، قال: «من قتل حية فكأنما قتل رجلا مشركا باللّه، و من ترك حية مخافة عاقبتها فليس منا» (5) . و قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: «إن الحيات مسخت كما مسخت القردة من بني إسرائيل» (6) . و كذا رواه الطبراني عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و كذا رواه ابن حبان.

و أما الحيات التي في البيوت، فلا تقتل حتى تنذر ثلاثة أيام، لقوله صلى اللّه عليه و سلم: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منها شيئا فآذنوه ثلاثة أيام» (7) . و حمل بعض العلماء ذلك على المدينة وحدها.

و الصحيح أنه عام في كل بلدة لا تقتل حتى تنذر. روى مسلم و مالك في أواخر الموطأ و غيرهما، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه قال: دخلت على أبي سعيد الخدري في بيته، فوجدته يصلي، فجلست أنتظر فراغه فسمعت حركة تحت سرير في ناحية البيت فالتفت، فإذا حية فوثبت

____________

(1) رواه النسائي في المناسك: 114. و ابن حنبل: 1/385.

(2) سورة البقرة: الآية 36.

(3) رواه أحمد: 2/247، 432، 520.

(4) رواه أحمد: 6/209، 238.

(5) رواه أبو داود أدب: 162. و أحمد: 1-230-348.

(6) رواه مسلم في القدر: 36.

(7) رواه مسلم في السلام: 139-141.

398

لأقتلها فأشار إلي أن أجلس فجلست، فلما انصرف من صلاته أشار إلى بيت في الدار، فقال:

أ ترى هذا البيت؟قلت: نعم قال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس فخرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، عند انتصاف النهار، و يرجع إلى أهله، فاستأذن يوما فقال صلى اللّه عليه و سلم: «خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك بني قريظة» .

فأخذ الفتى سلاحه، ثم رجع إلى أهله فوجد امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به، و قد أصابته الغيرة، فقالت: أكفف عليك رمحك، و ادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني منه، فدخل فإذا حية عظيمة مطوقة على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج به فركزه في الدار فاضطربت عليه، و خر الفتى ميتا. فما ندري أيهما كان أسرع موتا الحية أم الفتى؟ قال: فجئنا النبي صلى اللّه عليه و سلم فأخبرناه بذلك، و قلنا ادع اللّه أن يحييه، فقال: «استغفروا ربكم لصاحبكم» . ثم قال‏ (1) : «إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهن شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فإذا بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان» . و قد اختلف العلماء في الإنذار، هل هو ثلاثة أيام، أو ثلاث مرات. و الأول هو الذي عليه الجمهور. و كيفيّته: أن يقول: أنشدكنّ بالعهد الذي أخذه عليكن نوح و سليمان عليهما الصلاة و السلام أن لا تبدوا لنا و لا تؤذونا. و في أسد الغابة عن عبد الرحمن بن أبي يعلى أنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إذا ظهرت الحية في المسكن، فقولوا لها:

إنا نسألك بعهد نوح و بعهد سليمان بن داود عليهم الصلاة و السلام لا تؤذينا فإن عادت فاقتلوها» (2) . و روى الحافظ أبو عمر بن عبد البر أن عقبة بن عامر بن عبد قيس الفهري، ولد على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و هو ابن خالة عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنه، لما فتح إفريقية، وقف على موضع القيروان، و هو واد كثير الحيات، و قال: يا أهل الوادي إنا حالون، إن شاء اللّه تعالى، قاطنون، ثلاث مرات، قال: فما رأينا حجرا و لا شجرا إلا خرج من تحته حية حتى هبطن بطن الوادي ثم قال: انزلوا بسم اللّه. فعمروا القيروان. و كان عقبة مجاب الدعوة و عند الحنفية ينبغي أن لا تقتل الحية البيضاء لأنها من الجان و قال الطحاوي: لا بأس بقتل الجميع و الأولى الإنذار.

من الفوائد العجيبة المجربة ما أخبرني به بعض مشايخي، أنه يكتب على أربع و رقات، و توضع كل ورقة في قرنة من قرن البيت فإن الحيات تهر بن منه و لا تدخله حية بإذن اللّه تعالى و هو هذا:

1 1 6 1 1 1 8 7 1 رح 5 5 7 1 1 5 1 1 و و 7 و و 1 5 ر و 1 1 م 1 1 ح 1 1 1 ح ط 5 هـ- 8 و في الإحياء من كتاب آداب السفر يستحب لمن أراد لبس الخف، في حضر أو سفر، أن ينكس الخف، و ينفض ما فيه، حذرا من حية أو عقرب أو شوكة، و استدل له بحديث أبي إمامة الباهلي رضي اللّه عنه الآتي في باب الغين المعجمة، في الكلام على لفظ الغراب، و في فتاوى

____________

(1) رواه مسلم في السلام: 139-141.

(2) رواه الترمذي في الصيد: 15.

399

الإمام النووي: إذا اصطاد الحاوي حية و حبسها معه على عادتهم، فلسعته فمات هل يأثم؟ فأجاب. إن صادها ليرغب الناس، في اعتماد معرفته، و هو صادق في صنعته، و يسلم منها في ظنه، و لسعته فمات لم يأثم. و إن انفلتت و أتلفت شيئا لم يضمنه.

و روى الإمام أحمد، في الزهد، أن حاويا معه حيات في خرج، نزل بقوم من أهل اليمن، فخرج بالليل بعض الحيات، فلسعت بعض أهل المنزل فقتلته. فكتب بذلك عامل اليمن إلى عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى، فقال: لا شي‏ء عليه لكن مره إذا نزل بقوم أن يخبرهم بما معه، و في كتاب الأربعين على مذهب المحققين من الصوفية، للإمام الحافظ أبي مسعود سليمان بن إبراهيم بن محمد بن سليمان الأصبهاني، بإسناده إلى عمران بن حصين رضي اللّه تعالى عنه، قال:

أخذ النبي صلى اللّه عليه و سلم بعمامتي من ورائي، و قال: «يا عمران إن اللّه يحب الإنفاق و يبغض الإقتار فأنفق و أطعم، و لا تعسر فيعسر عليك الطلب، و اعلم أن اللّه يحب البصير الناقد عند هجم الشبهات، و العقل الكامل عند نزول البليات، و يحب السماحة و لو على تمرات، و يحب الشجاعة و لو على قتل حية» .

الأمثال:

قالوا: «فلان أسمع من حية و أعدى من حية» (1) . و هو من العدو لأنها تسرع إلى جحرها إذ أراعها شي‏ء.

روى البخاري و مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة، كما تأرز الحية إلى جحرها» (2) . و في صحيح مسلم عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم، قال: «بدأ الإسلام غريبا و سيعود غريبا كما بدأ و هو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها» . أي مسجدي مكة و المدينة، و معنى يأرز ينضم و يجتمع بضعه إلى بعض، و معناه أن المؤمن إنما يسوقه إلى المدينة إيمانه و محبته للنبي صلى اللّه عليه و سلم. و يحتمل أن يكون المراد بذلك:

عصمة المدينة من الدجال و الفتن، فيكون الإسلام فيها موقرا، و يحتمل أن يكون المراد بذلك رجوع الناس إلى سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و منها ظهرت و يحتمل أن يكون المراد بذلك أن الدين يؤخذ من علمائها و أئمتها، و كذلك كان. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الميم، في لفظ المطية حديث الترمذي إن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «يوشك أن يضرب الناس آباط المطي في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة» . و قالوا: «أبغض من ريح السذاب إلى الحيات» (3) ، و قالوا: «الحية من الحيية» . أي الأمر الكبير من الصغير، و ربما قالوا: «الحيوت من الحية» و هذا كقولهم: «العصا من العصية» (4) . و قد جاء معنى المثلين في كتاب اللّه تعالى، قال اللّه تعالى: وَ لاََ يَلِدُوا إِلاََّ فََاجِراً كَفََّاراً (5) . كذا ذكره ابن الجوزي و غيره.

الخواص:

قال عيسى بن علي: ناب الحية إذا قلع في حياتها و علق على صاحب حمى الربع

____________

(1) جمهرة الأمثال: 1/172.

(2) رواه البخاري مدينة: 6. و مسلم إيمان: 233. ابن ماجة مناسك: 104. أحمد: 2/286.

(3) مجمع الأمثال: 1/119.

(4) جمهرة الأمثال: 2/37.

(5) سورة نوح: الآية 27.

400

تزول عنه، و إن علق على من به وجع الأسنان نفعه و سكن وجعها. و لحمها يحفظ الحواس، و مرق لحمها يقوي البصر، و لحوم الحيات من حيث الجملة يسخن و يجفف و ينقي البدن و يحلل منه أسقاما. و سلخها إذا وضع في ثياب لم تسوس، و إن أحرق و عجن بزيت طيب و حشي به الضرس المتآكل الوجع أبرأه. و إن سحق مع رأسها و جعل على داء الثعلب، أنبت الشعر. و قال يحيى بن ماسويه: يؤخذ سلخ حية مقلي و قشور أصل الكبر و زراوند طويل و بلادر، أجزاء متساوية، و يبخر به صاحب البواسير الظاهرة و الباطنة المتعلقة، فإنها تسقط. و قال غيره: سلخ الحية و مقل أزرق يبخر بها البواسير الظاهرة و الخفية فتبرأ. و بيض الحية يدق مع بورق و خل، و يطلى به البرص الجديد يقطعه. و سلخ الحية إذا عجن بثلاث تمرات و أطعم لمن به الثآليل ذهبت عنه، و إن أكله من ليس به ثآليل لم تخرج أبدا و قلبها يذهب حمى الربع تعليقا.

فائدة:

روى ابن أبي شيبة و غيره أن فريكا قدم على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و عيناه مبيضتان لا يبصر بهما شيئا فسأله صلى اللّه عليه و سلم ما أصابه؟فقال: كنت أمرن جملا فوقفت على بيض حية، و لم أشعر فأصبت ببصري، فنفث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في عينيه، فأبصر فكان يدخل الخيط في الإبرة و هو ابن ثمانين سنة، و إن عينيه مبيضتان.

التعبير:

الحية في المنام تعبر بأشياء كثيرة فهي عدو و دولة و حياة و سيل و ولد و امرأة. فمن نازع حية، و هي تريد أن تنهسه فإنه ينازع عدوا له لقوله‏ (1) تعالى: اِهْبِطُوا مِنْهََا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ* فإن رأى أنه أخذ حية و لم يخف منها، و صرفها حيث يشاء، فإنه ينال دولة و نصرة، لأن موسى عليه الصلاة و السلام، نال بها النصرة على فرعون. و من رأى أن حية خرجت من فمه، و كان مريضا، فإنه يموت لأنها حياته و قد خرجت من فمه. و من رأى حيات تمشي في خلاف الشجر أو الزرع، فإنها سيول لأنهم شبهوا جريان الماء بالحيات، هذا إذا كان جريها بلا نفخ و لا إحراق شي‏ء. و من قتل حية على فراشه ماتت امرأته. و من رأى امرأته حاملا و وضعت حية، أتاه ولد عاق. و من رأى حية ميتة فإنه عدو قد كفاه اللّه شره. و من عضته حية فورم موضع العضة نال مالا لأن السم مال، و الورم زيادة فيه. و من أكل لحم حية مطبوخا، نال مال عدوه، و من أكله نيأ اغتاب عدوه. و من رأى حية نزلت من مكان فإن ذلك موت رئيس ذلك المكان. و من رأى حية ابتلعته، فإنه ينال سلطانا و من رأى كأنه يتخطى الحيات و لا تنهسه، فإنه يأمن أعداءه، و إن كان مسجونا خرج من سجنه. و رؤية الحيات الكثيرة في الطرق و هي تمنع الناس بنفخها و نهسها فإن ذلك ظلم من السلطان. و من رأى كأن الحيات قد فقدن من مكان، فإن الوباء و الموت يكثر في ذلك المكان لأن الحيات هي الحياة و من رأى كأن حية تكلمه، فإنه ينال سرورا. و من رأى كأنه ملك حية ملساء، و صرفها حيث شاء، فإنه ينال غنى و سعادة. و السود من الحيات أعداء لهم قوة، فمن ملك حية سوداء نال ملكا و ولاية. و البيض أعداء ضعاف، و الثعبان يدل على العداوة في الأهل و الأزواج و الأولاد. و ربما كان جارا شريرا حسودا. و التنين يدل على سلطان جائر مهاب أو نار محرقة. و الأصلة تدل على امرأة ذات نسل و أصل و عمر طويل. و الشجاع يدل على امرأة

____________

(1) سورة البقرة: الآية 36.

401

باذلة أو ولد جسور. و الأفاعي تدل على أقوام أغنياء، لكثرة سمها. و الناشر يدل على الهم، أو على رجل محارب غيور. و حيات البيوت خسران. و حيات البوادي قطاع الطريق، و حيات الماء مال فمنشد وسطه بحية منها فإنه شده بهميان. و حيات البطن أعداء من الأهل و الأقارب. فمن رمى حية فإنه يفارق شخصا من أقاربه خبيثا كان يواكله. و اللّه أعلم.

الحيوت:

كسفّود ذكر الحيات.

الحيدوان:

الورشان. و سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى في باب الواو.

الحيقطان:

بضم القاف ذكر الدرّاجة.

الحيوان:

جنس الحي و الحيوان: الحياة و الحيوان ماء في الجنة قاله ابن سيده. و الحيوان نهر في السماء الرابعة يدخله ملك كل يوم، فيغمس فيه ثم يخرج، فينتفض انتفاضة، يخرج منه سبعون ألف قطرة، يخلق اللّه تعالى من كل قطرة ملكا يؤمرون أن يطوفوا بالبيت المعمور، فيطوفون به ثم لا يعودون إليه أبدا، ثم يقفون بين السماء و الأرض يسبحون اللّه تعالى إلى يوم القيامة. كذا رواه روح بن جناح مولى الوليد بن عبد الملك، الذي روى عن مجاهد عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «عالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد» و حديثه‏ (1) هذا في كتابي الترمذي و ابن ماجة. و قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: وَ إِنَّ اَلدََّارَ اَلْآخِرَةَ لَهِيَ اَلْحَيَوََانُ (2) أي ليس فيها إلا حياة دائمة مستمرة خالدة لا موت فيها، فكأنها في ذاتها حياة. و الحيوان مصدر حيي، و قياسه حييان فقلبوا الياء الثانية واوا كما قالوا: حيوة في اسم رجل، و به سمي ما فيه حياة حيوانا، و في بناء الحيوان زيادة معنى ليس في بناء الحياة و هو ما في بناء فعلان من الحركات، و معنى الاضطراب كالنزوان، و ما أشبه ذلك. و الحياة حركة كما أن الموت سكون، فمجيئه على ذلك مبالغة في معنى الحياة. و قال ابن عطية: الحيوان و الحياة بمعنى واحد. و هو عند الخليل و سيبويه مصدر كالهيمان و نحوه. و المعنى لا موت فيها، قاله مجاهد و هو حسن. و يقال:

الأصل حييان بياءين، فأبدلت إحداهما واوا لاجتماع المثلثين. و قال الجاحظ: الحيوان على أربعة أقسام شي‏ء يمشي، و شي‏ء يطير، و شي‏ء يعود، و شي‏ء ينساخ في الأرض. إلا أن كل شي‏ء يطير يمشي، و ليس كل شي‏ء يمشي يطير. فأما النوع الذي يمشي، فهو على ثلاثة أقسام: ناس و بهائم و سباع، و الطير كله سبع و بهيمة و همج. و الخشاش ما لطف جرمه و صغر جسمه، و كان عديم السلاح. و الهمج ليس من الطيور، و لكنه يطير و هو فيما يطير كالحشرات فيما يمشي. و السبع من الطير ما أكل اللحم خالصا، و البهيمة ما أكل الحب خالصا و المشترك كالعصفور، فإنه ليس بذي مخلب و لا منسر، و هو يلتقط الحب، و مع ذلك يصيد النمل، و يصيد الجراد، و يأكل اللحم. و لا يزق فراخه كما يزق الحمام، فهو مشترك الطبيعة، و أشباه العصافير من المشترك كثيرة، و ليس كل ما طار بجناحين من الطير. فقد يطير الجعلان و الذباب و الزنابير و الجراد و النمل و الفراش و البعوض و الأرضة و النحل و غير ذلك، و لا تسمى طيورا، و كذلك الملائكة تطير و لها أجنحة، و ليست من الطير، و كذلك جعفر بن أبي طالب ذو جناحين يطير بهما في الجنة، و ليس من الطير انتهى. و في

____________

(1) رواه ابن ماجة مقدمة: 17. و الترمذي علم: 19.

(2) سورة العنكبوت: الآية 64.

402

الصحيحين و غيرهما عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم‏ (1) قال: «لعن اللّه من مثل بالحيوان» . و في رواية «لعن اللّه من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا» (2) . و في رواية «نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أن تصبر البهائم» (3) . قال العلماء تصبير البهائم هو أن تحبس و هي أحياء لتقتل بالرمي و نحوه، و هو معنى قوله: «لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا» أي يرمى إليه كالغرض من الجلود و غيرها. و هذا النهي للتحريم لأن النبي صلى اللّه عليه و سلم لعن فاعله، و لأنه تعذيب للحيوان و إتلاف لنفسه، و تضييع لماليته، و تفويت لذكاته، إن كان مذكى، و لمنفعته إن لم يكن مذكى.

تتمة:

في كتاب التنوير في إسقاط التدبير، قال الشيخ تاج الدين بن عطاء اللّه الإسكندري و إنما خص اللّه تعالى الحيوان بالافتقار إلى التغذية، دون غيره من الموجودات، لأنه تعالى وهب للحيوان من صفاته ما لو تركه من غير فاقة لا دعى الربوبية، أو ادعى فيه ذلك فأراد الحق سبحانه، و هو الحكيم الخبير، أن يحوجه إلى مأكل و مشرب و ملبس و غير ذلك، من أسباب الحاجة، ليكون تكرار أسباب الحاجة منه سببا لخمود الدعوى منه أو فيه.

الحكم:

يصح السلم في الحيوان، لأنه يثبت في الذمة ثمنا و صداقا، و في إبل الدية. و صح أن النبي صلى اللّه عليه و سلم استسلف بكرا و منع أبو حنيفة رضي اللّه عنه ذلك. لأن ابن مسعود رضي اللّه عنه كرهه، و لأنه لا ينضبط بالصفة لنا ما روى أبو داود و الحاكم على شرط مسلم، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما، أنه قال‏ (4) : «أمرني رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أن أشتري بعيرا ببعيرين إلى أجل» و روى البيهقي عن علي رضي اللّه عنه، أنه باع جملا له يدعى عصفور بعشرين بعيرا إلى أجل و اشترى ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما راحلة بأربعة أبعرة يوفيها صاحبها بالربذة. رواه مالك في الموطأ في البخاري بغير إسناد. الربذة بالذال المعجمة موضع على ثلاث مراحل من المدينة و أما الحديث الذي رواه الحسن عن سمرة رضي اللّه عنه «أن النبي صلى اللّه عليه و سلم نهى عن بيع الحيوان بالحيوان» (5) فرواه أبو داود و الترمذي و ابن ماجة و قال الترمذي: إنه حسن صحيح، و سماع الحسن من سمرة صحيح. هكذا قال علي بن المديني و غيره. و العمل على هذا عند أكثر أهل العلم من الصحابة و غيرهم في منع بيع الحيوان بالحيوان نسيئة و هو قول سفيان الثوري و أهل الكوفة، و به قال أحمد. و قد رخص بعض أهل العلم من الصحابة و غيرهم، في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. و هو قول الشافعي و إسحاق و قال الخطابي: النهي في حديث سمرة محمول على ما إذا كان نسيئة من الطرفين، فيكون من باب الكالئ بالكالئ بدليل حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص المذكور و قال مالك: إذا اختلفت أجناس الحيوان جاز بيع بعضه ببعض نسيئة و إن تشابهت لم يجز و قال في الإحياء تكره التجارة في الحيوان لأن المشتري يكره قضاء اللّه فيه، و هو الموت الذي هو بصدده لا محالة. و قيل: بيع الحيوان و اشتر الموتان. و يضمن سائر الحيوان إذا

____________

(1) رواه البخاري في الذبائح: 25. و النسائي في الضحايا: 41، و الدارمي أضاحي: 13.

(2) رواه مسلم صيد: 60.

(3) رواه مسلم صيد: 58. النسائي ضحايا: 79. و البخاري ذبائح: 25.

(4) رواه البخاري في البيوع: 108.

(5) رواه أبو داود في البيوع: 15، و البخاري بيوع: 108. الترمذي بيوع: 21. أحمد: 3/310.