حياة الحيوان الكبري - ج1

- الدميري المزيد...
520 /
403

أتلف بالقيمة لما في الصحيحين عن ابن عمر أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «من أعتق شركا له في عبد، فإن كان معه ما يبلغ ثمن العبد، قوم عليه و أعطى شركاءه حصصهم و عتق عليه العبد» . و إلا فقد عتق منه ما عتق فأوجب القيمة في العبد بالإتلاف بالعتق، و لأن إيجاب مثله من جهة الخلقة لا يمكن لاختلاف الجنس الواحد في القيمة، فكانت القيمة أقرب إلى إيفاء حقه، و تضمن أعضاء الحيوان بما نقص من قيمته. و أوجب أبو حنيفة في عين الإبل و البقر و الخيل ربع القيمة و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الفاء في لفظ الفحل، أثر يشهد لذلك من حديث عروة البارقي و أوجب مالك رحمه اللّه في قطع ذنب حمار ذي الهيئة و ذنب بغلته تمام القيمة و يأخذ المتلف العين.

الخواص:

الخصي من الحيوان أبرد من فحله، و إذا كان سمينا كان لذيذا مرطبا ملينا للطبيعة، بطي‏ء الانحدار، و ما كان مهزولا فبالضد إلا أنه سريع الإنحدار. أجوده حولي المعز و منفعته سرعة الانهضام، و مضرته أنه يرخي المعدة، و دفع مضرته شرب مياه الفواكه القابضة.

و هو يولد دما معتدلا يوافق أصحاب الأمزجة المعتدلة من الشبان. و من الأزمان زمان الربيع.

و يجب أن يعلم أن أفضل لحوم الحيوان ما كان معتدلا في الهزال و السمن. و أجود اللحوم لحم الضأن المتناهي الشباب و البقر التي لم تبلغ سن الشباب و الخصي من المعز و أجوده على الإطلاق الضأن.

التعبير:

من كلمه حيوان من الدواب أو الطير و فهم كلامه، فإنه كما قال. و ربما دل على وقوع أمر منه يعجب الناس له، و إن لم يفهم ما قاله فليحذر على مال يذهب منه، لأن الحيوان مأكله، و قد تكون هذه الرؤيا باطلة، فلا ينبغي أن يفتش عنها، و جلود سائر الحيوان ميراث.

و قيل: الجلود بيوت لمن ملكها لقوله‏ (1) تعالى: وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ اَلْأَنْعََامِ بُيُوتاً و ربما دلت جلود الحيوان كالسمور و السنجاب و الوشق و القاقم و الفنك و النمس و الثعلب و الأرنب و الفهد للجلوس، و أشباه ذلك على النعمة الطائلة، و الأموال و الأرزاق، و علو الشأن لمن لبسها في المنام أو رآها عنده، أو ملكها. و إذا رأى الإنسان كأن جلده سلخ، و كان مريضا، فإنه يموت و إلا افتقر و افتضح. و ربما دلت الجلود على ما يعمل منها فجلود الإبل تدل على الطبول، و جلود الضأن على الكتابة و المعز على النطوع، و جلود البقر على الأوطئة و الدلاء و السيور، و جلود الخيل و البغال و الحمير على الأوعية و الأسقية، و جلود الجاموس على الحصون. و أما الأصواف و الأوبار و الأشعار فكل ذلك دال على الفوائد و الأرزاق و الملابس، و أموال موروثة و غير موروثة أو مغتصبة. و أما القرون فتدل رؤيتها على الأعوام و السنين، أو السلاح أو ما يتجمل به من الأموال و الأولاد و العز و الجاه. و أما أنياب الفيل و عظمه، فإن ذلك دال على تركة من هلك من الملوك و الزعماء. و أما أظلاف الحيوان فإنها تدل على الكد و السعي و الاجتماع بين المرأة و زوجها، و الوالدة و ولدها.

و الظلف في الصورة هاء مشقوقة و أما الأخفاف فقوة سفر و ربما دل الخف في استدارته على العدو أو السقم أو التمهيد للأمور و التوطئة الحسنة. و أما الأذناب فإنها دالة على ما دل الحيوان عليه، و من يساعده في مصالحه، و يذب عنه ما يخشاه. و أما أصوات الحيوان، فنذكرها هنا مفصّلة: فأما ثغاء

____________

(1) سورة النحل: الآية 80.

404

الشاة فلطافة من امرأة و صديق أو بر من رجل كريم. و أما ثغاء الجدي و الكبش و الحمل، فسرور و خصب. و أما صهيل الفرس، فهو هيبة من رجل شريف أو جندي شجاع. و أما نهيق الحمار، فسفه من رجل سفيه. و أما شحيج البغل، فصعوبة من رجل صعب المرام. و أما خوار العجل و الثور و البقر فوقوع في فتنة. و أما رغاء الإبل، فسفر طويل في حج أو تجارة رابحة أو جهاد. و أما زئير الأسد، فخوف و هيبة لمن سمعه من ملك ظلوم. و أما ضغاء الهرة، فشهرة من خادم لص أو فاجر. و أما نهيز الفأرة، فضرب من رجل نقاب أو فاسق أو سرقة. و أما بغام الظبي، ففائدة من امرأة حسناء. و أما عواء الكلب، فخجل من سعى في الظلم. و أما عواء الذئب، فجور من لص غشوم. و أما صياح الثعلب، فكيد من رجل كذاب، أو امرأة كذابة. و أما وعوعة ابن آوى، فصراخ نساء أو ضجة المحبوسين اليائسين. و أما صياح الخنزير، فظفر بأعداء حمقى. و أما صوت الفهد، فتهدد من رجل مذبذب طامع و يظفر به من سمعه. و أما نقيق الضفدع، فدخول في عمل رجل عالم أو رئيس أو سلطان، و قيل: إنه كلام قبيح. و أما فحيح الحية فكلام من عدو كاتم للعداوة، ثم يظفر به من سمعه، و من كلمته الحية بكلام لطيف فإنه عدو يخضع له و يتعجب الناس لذلك.

أم حبين:

بحاء مهملة مضمومة، و باء موحدة مفتوحة مخففة: دويبة مثل ابن عرس و ابن آوى و سام أبرص و ابن قترة، إلا أنه تعريف جنس و ربما أدخل عليه الألف و اللام ثم لا يكون بحذفهما منه نكرة، و إنما سميت بذلك من الحبن، تقول: فلان به حبن فهو أحبن أي مستسقي فشبهت بذلك لكبر بطنها. و هي على خلقة الحرباء غير الصدر و قيل هي أنثى الحرابي و هما أما حبين و هن أمهات حبين. و هي دابة على قدر الكف تشبه الضب غالبا، قاله أبو منصور الأزهري ما نقله من كونها أنثى الحرابي، هو الذي نقله صاحب الكفاية. فإنه قال: الحرباء ذكر أم حبين، و قال ابن السكيت: هي أعرض من العظاءة و في رأسها عرض، و قال أبو زيد: إنها غبراء لها أربع قوائم على قدر الضفدعة التي ليس بضخمة، فإذا طردها الصيادون قالوا لها:

أم حبين انشري برديك # إن الأمير ناظر إليك‏

و ضارب بسوطه جنبيك فيطردونها حتى يدركها الإعياء، فتقف منتصبة على رجليها و تنشر جناحيها، و هما أغبران على مثل لونها، فإذا زاد في طردها نشرت أجنحة من تحت ذينك الجناحين، لم ير أحسن منهن ما بين أصفر و أحمر و أخضر و أبيض و هي طرائق بعضها فوق بعض، مثل أجنحة الفراش في الرقة، فإذا رآها الصيادون قد فعلت ذلك تركوها. و قال علي بن حمزة: الصحيح عندي إن هذه صفة أم عويف. و ستأتي في باب العين المهملة إن شاء اللّه تعالى. و قال ابن قتيبة: أم حبين تستقبل الشمس، و تدور معها كيف دارت، و هذه صفة الحرباء. و قال في المرصع: اختلف في أم حبين، فقيل: هي ضرب من العظاء و قيل: هي أعرض منها و قيل: هي أنثى الحرابي، يتحاماها الأعراب فلا يأكلونها لنتنها. انتهى. و ما ذكره ابن قتيبة من كون أم حبين ضربا من العظاء فيه نظر، فإن العظاء نوع من الوزغ، كما ذكره أهل اللغة، و يقال لها حبينة معرفة بلا ألف و لام، تقع‏

405

على الواحد و الجمع و قد تجمع على أم حبينات، و أمهات حبين، و أمات حبين، و لم ترد إلا مصغرة. و في حديث عقبة رحمه اللّه: «أتموا صلاتكم و لا تصلوا صلاة أم حبين» و فسروه بأنها إذا مشت تطأطئ رأسها كثيرا، و ترفعه لعظم بطنها فهي تقع على رأسها و تقوم. فشبه بها صلاتهم في السجود. و في الحديث أنه صلى اللّه عليه و سلم رأى بلالا و قد خرج بطنه فقال: «أم حبين» . تشبيها له بها.

و هذا من مزحه صلى اللّه عليه و سلم قال الجاحظ: قال أبو زيد النحوي: سمعت أعرابيا يقول لأم حبين: حبينة و حبينة اسمها. و حبين تصغير أحبن و هو الذي استلقى على ظهره و نفخ بطنه.

الحكم:

الحل لأنها من الطيبات و لأنها تفدى في الحرم و الإحرام إذا قتلت بحلان كما تقدم.

و من قواعد الشافعي لا يفدى إلا المأكول البري. و حكى الماوردي فيها وجهين: و قال: إن الحل مقتضى قول الشافعي، و مقتضى ما قاله ابن الأثير في المرصع: إنها حرام. و في التمهيد لابن عبد البر، عن جماعة من أهل الأخبار أن مدنيا سأل أعرابيا فقال: أ تأكلون الضب؟قال:

نعم. قال: فاليربوع؟قال: نعم. قال: فالقنفذ؟قال: نعم. قال: فالورل؟قال: نعم. قال:

أ فتأكلون أم حبين؟قال: لا. قال: فليهنئ أم حبين العافية انتهى. و الجواب أن هذا راجع لما اعتادوا أكله و ترك أكله، خاصة لا أنها حرام على أنه لم يثبت ذلك.

أم حسان:

دويبة على قدر كف الإنسان.

أم حسيس:

بضم الحاء المهملة، دويبة سوداء من دواب الماء لها أرجل كثيرة.

أم حفصة:

الدجاجة الأهلية.

أم حمارس:

بفتح الحاء المهملة الغزالة قاله ابن الأثير و اللّه الموفق للصواب.

باب الخاء المعجمة

الخازباز:

و الخزباز لغة فيه. قال الجوهري: إنه ذباب، و هما اسمان جعلا اسما واحدا و بنيا على الكسر لا يتغيران في الرفع و النصب و الجر قال ابن أحمر:

تفقأ فوقه القلع السواري # و جن الخازباز به جنونا

جوز فيه الجوهري أن يكون من جن الذباب إذا كثر صوته، و أن يكون من جن النبت جنونا إذا طال. و استعمله المتنبي كذلك في قوله‏ (1) :

كلما جادت الظنون بوعد # عنك جادت يداك بالإنجاز

ملك منشد القريض لديه # يضع الثوب في يدي بزاز (2)

و لنا القول و هو أدرى بفحوى # و أهدى فيه إلى الإعجاز

و من الناس من تجوز عليه # شعراء كأنها الخازباز (3)

و يرى أنه البصير بهذا # و هو في العمى ضائع العكاز

____________

(1) ديوان المتنبي: 2/183.

(2) في الديوان: واضع الثوب.

(3) في الديوان: «... من يجوز» .

406

و قال الأصمعي: الخازباز حكاية لصوت الذباب، فسماه به و قال ابن الأعرابي: إنه نبت.

و أنشد ابن نصير تقوية لقول ابن الأعرابي:

رعيتها أكرم عود عودا # الصّل و الصفصل و اليعضيدا (1)

و الخازباز السنم النجودا # بحيث يدعو و عامر مسعودا

و عامر و مسعود راعيان. قال و هو في غير هذا داء يأخذ الإبل في حلوقها و الناس قال الراجز:

يا خازباز أرسل الهازما # إني أخاف أن تكون لازما (2)

و قيل و هو السنور. حكاه أبو سعيد. فإن كان ذبابا أو سنورا فسيأتي حكمه إن شاء اللّه تعالى.

الأمثال:

قالت العرب: «الخازباز أخصب» (3) قال الميداني: إنه ذباب يطير في الربيع يدل على خصب السنة و اللّه أعلم.

خاطف ظله:

طائر من جنس العصافير. قال الكميت بن زيد:

و ريطة فتيان كخاطف ظله # جعلت لهم منها خباء ممددا

و قال ابن سلمة: هو طائر يقال له الرفراف، إذا رأى ظله في الماء أقبل عليه ليخطفه. و هذه صفة ملاعب ظله و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الميم.

الخاطف:

الذئب و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الذال المعجمة.

الخبهقعي:

بفتح الخاء و الباء و العين مقصورة و تمد: ولد الكلب من الذئبة، و به سمي أبو الخبهقعي أعرابي من بني تميم.

الخثق:

بفتح الخاء و الثاء المثلثة قال ارسطاطاليس في النعوت: إنه طائر عظيم.

يكون ببلاد الصين و بابل و أرض الترك و لم يره أحد حيا إذ لا يقدر عليه أحد في حال حياته، و من شأنه أنه إذا شم رائحة السم خدر و عرق و ذهب حسه. و قال غيره: إن له في مشتاه و مصيفه سموما كثيرة في طريقه فإذا شم رائحة السم خدّر و سقط ميتا، فتؤخذ جثته، و يجعل منها أوان و نصب للسكاكين. فإذا شم العظم رائحة السم، رشح عرقا فيعرف به الطعام المسموم. و مخ عظام هذا الطائر سم لكل حيوان و الحية تهرب من عظامه فلا تدرك.

الخدارية:

بضم الحاء و بالدال المهملة العقاب. سميت بذلك للونها و بعير خداري، أي شديد السواد و منه لون خداري، و ما أحسن قول الميداني في خطبة (4) كتابه

____________

(1) الصّل: القطعة من العشب. الصّفصل: نبت. اليعضيد: ضرب من البقول.

(2) اللهزمتان: لحمتان ناتئتان تحت الأذنين.

(3) مجمع الأمثال: 1/248.

(4) مجمع الأمثال: 1/5.

407

مجمع الأمثال: فإن أنفاس الناس لا يأتي عليها الحصر، و لا تنفد حتى ينفد العصر، و أنا أعتذر للناظر في هذا الكتاب من خلل يراه، أو لفظ لا يرضاه، فأنا كالمنكر لنفسه، المغلوب على حسه و حدسه، منذ حط البياض بعارضي رحالة، و حال الزمان على سوادهما فأحاله، و أطار من وكرها متي الخدارية، و أنحى على عود الشباب فمص ريّه، و ملك يدا الضعف زمام قواي و أسلمني من كل يحطب في حبل هواي. فكأني المعني بقول الشاعر:

وهت عزماتك عند المشيب # و ما كان من حقّها أن تهي

و أنكرت نفسك لما كبرت # فلا هي أنت و لا أنت هي

و إن ذكرت شهوات النفوس # فما تشتهي غير أن تشتهي‏

الخدرنق:

العنكبوت و في دالة الإهمال و الإعجام في درة الغواص.

الخراطين:

قيل: هي الأساريع، و الصواب أنها شحمة الأرض و ستأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الشين المعجمة و قيل: إنها العلق الكبار الطوال التي تكون في المواضع الندية من الأرض و هي إذا قليت بالزيت، ثم سحقت ناعما و تحمل بها صاحب البواسير نفعته، و إذا أخذ منها شي‏ء و جعل في زيت و دفن سبعة أيام ثم أخرج و رمي من الزيت حتى تذهب رائحته و وضع في قارورة و وضع فيها مقدار نصفها شقائق النعمان، ثم يدفن سبعة أيام و يخرج، فمن اختضب به أسود شعره و لم يشب سريعا.

الخرب:

بفتح الخاء المعجمة و الراء المهملة و بالباء الموحدة: ذكر الحبارى، و الجمع خراب و أخراب و خربان. ذكر أبو جعفر أحمد بن جعفر البلخي أن الرشيد جمع بين أبي الحسن الكسائي و أبي محمد اليزيدي ليتناظرا بين يديه فسأل اليزيدي و الكسائي عن إعراب قول الشاعر:

ما رأينا قط خربا # نقر عنه البيض صقر

لا يكون العير مهرا # لا يكون المهر مهر؟

فقال الكسائي: يجب أن يكون المهر منصوبا على أنه خبر كان. ففي البيت على هذا اقواء.

فقال اليزيدي: الشعر صواب لأن الكلام قد تم عند قوله لا يكون، ثم استأنف فقال: المهر مهر.

ثم ضرب الأرض بقلنسوته و قال: أنا أبو محمد. فقال له يحيى بن خالد: أ تكتني بحضرة أمير المؤمنين و تسفه على الشيخ؟فقال له الرشيد: و اللّه إن خطأ الكسائي مع حسن أدبه، أحب إلي من صوابك مع قلة أدبك. فقال: يا أمير المؤمنين إن حلاوة الظفر أذهبت عني التحفظ فأمر بإخراجه. و اجتمع الكسائي و محمد بن الحسن الحنفي يوما في مجلس الرشيد فقال الكسائي: من تبحر في علم اهتدى لجميع العلوم. فقال له محمد: ما تقول فيمن سها في سجود السهو هل يسجد مرة أخرى؟قال: لا. قال: لما ذا؟قال: لأن النحاة تقول: المصغر لا يصغر. قال: فما تقول في تعليق العتق بالملك؟قال: لا يصح. قال: لم؟قال: لأن السيل لا يسبق المطر. و تعلم النسائي النحو على كبر سنه و ذلك أنه مشى يوما حتى أعيا فجلس، فقال: قد عييت، فقيل له: قد لحنت. قال: كيف؟ قيل: إن كنت أردت التعب فقل: أعييت، و إن كنت أردت انقطاع الحيلة، فقل: عييت!فأنف من قولهم لحنت، و اشتغل بعلم النحو حتى مهر و صار إمام وقته فيه. و كان مؤدب الأمين و المأمون

408

و كان له اليد العظمى و الوجاهة التامة عند الرشيد و ولديه. توفي الكسائي و محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة في يوم واحد سنة تسع و ثمانين و مائة و دفنا في مكان واحد. فقال الرشيد دفن هاهنا العلم و الأدب.

الأمثال:

قالوا: «ما رأينا صقرا يرصده خرب» . يضرب للشريف يقهره الوضيع.

الخرشة:

بالتحريك الذبابة قاله الجوهري و منه سماك بن خرشة الأخباري، سميت أمه باسم تلك الذبابة و منه أبو خراشة السلمي في قول عباس بن مرداس‏ (1) :

أبا خراشة أما أنت ذا نقر # فإن قومي لم تأكلهم الضبع‏ (2)

أي السنة المجدبة و منه خرشة بن الحر الفزاري الكوفي. مات سنة أربع و سبعين كان يتيما في حجر عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، و هو الذي روي عنه أن رجلا شهد عند فقال له:

إني لا أعرفك و لا يضرك أني لا أعرفك إلى آخر القصة و وقع في المهذب في ذلك غلظ و تصحيف.

الخرشقلا :

السمك البلطي. و في الخبر: لو لا الخرشقلا لوجدت أوراق الجنة في ماء النيل.

الخرشنة:

طائر أكبر من الحمام و سيأتي ذكره في باب الكاف إن شاء اللّه تعالى.

الخرق:

بضم الخاء و تشديد الراء المهملة و بالقاف في آخره نوع من العصافير ذكره الجاحظ.

الخرنق:

بكسر الخاء المعجمة ولد الأرنب و به سمي الخرنق الشاعر الذي كان في زمن التابعين. و أرض مخرنقة أي ذات خرانق و قالوا: «ألين من خرنق‏ (3) » . و كان للنبي صلى اللّه عليه و سلم درع يقال لها الخرنق للينها، و درع أخرى يقال لها البتيراء لقصرها، و أخرى يقال لها ذات الفضول، سميت به لطولها، أرسل بها إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر، و هذه هي التي رهنها عند اليهودي، فافتكها منه أبو بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه، و أخرى يقال لها ذات الوشاح و ذات الحواشي، و أخرى يقال لها فضة و السغدية، بالسين المهملة و الغين المعجمة. قال الحافظ الدمياطي:

و كانت السغدية درع داود عليه الصلاة و السلام التي لبسها حين قتل جالوت و كانت عمله بيده.

قال الكلبي و غيره في قوله تعالى: وَ عَلَّمَهُ مِمََّا يَشََاءُ (4) يعني صنعة الدروع و كان يصنعها و يبيعها، و كان عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يده. و قيل: منطق الطير، و كلام البهائم، و قيل: هو الزبور. و قيل: الصوت الطيب و الألحان، فلم يعط اللّه أحدا من خلقه مثل صوته.

و كان عليه الصلاة و السلام إذا قرأ الزبور تدنو منه الوحوش، حتى يأخذ بأعناقها، و تظله الطير مصيخة له، و يركد الماء الجاري و تسكن الريح. روى الضحاك عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، أنه قال: إن اللّه تعالى أعطاه سلسلة موصولة بالمجرّة، و رأسها عند صومعته، و قوتها قوة الحديد و لونها لون النار، و حلقها مستديرة مفصلة بالجواهر، مسورة بقضبان اللؤلؤ الرطب، فلا يحدث في الهواء حدث، إلا صلصلت السلسلة، فيعلم داود ذلك الحدث. و لا يمسها ذو عاهة إلا

____________

(1) العباس بن مرداس السلمي: من سادات قومه بني سليم، صحابي شاعر. توفي حوالي سنة 18 هـ-.

(2) البيت في ديوانه: 106. و فيه: «أمّا كنت ذا... » .

(3) جمهرة الأمثال: 2/179.

(4) سورة البقرة: الآية 251.

409

برأ و كان بنو إسرائيل يتحاكمون إليها بعد داود، فمن تعدى على صاحبه، أو أنكر له حقا أتى إلى السلسلة، فمن كان صادقا مد يده إلى السلسلة فنالها، و من كان كاذبا لم ينلها، و كانت كذلك إلى إلى أن ظهر فيهم المكر و الخديعة. فروي عن غير واحد أن ملكا من ملوك بني إسرائيل، أودع عند رجل جوهرة ثمينة ثم طلبها فأنكر الرجل، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الرجل الذي عنده الجوهرة إلى عكازه فنقرها و ضمنها الجوهرة و اعتمد عليها. فلما حضر إلى السلسلة قال صاحب الجوهرة:

رد علي وديعتي، فقال صاحبه: ما أعرف لك عندي من وديعة، فإن كنت صادقا فتناول السلسلة، فأتاها فتناولها بيده، فقيل للمنكر: قم أنت و تناولها، فقال لصاحب الجوهرة: خذ عكازتي هذه فاحفظها لي حتى أتناول السلسلة، ثم أتاها فتناولها بعد أن قال: اللهم إن كنت تعلم أن هذه الوديعة التي يدعيها علي قد وصلت إليه فقرب مني السلسلة، ثم مد يده فتناولها، فتعجب القوم و شكوا فيها فأصبحوا و قد رفع اللّه السلسلة. قال الضحاك و الكلبي: ملك داود بعد أن قتل جالوت سبعين سنة، و لم يجتمع بنو إسرائيل على ملك واحد إلا على داود، و جمع اللّه لداود بين الملك و النبوة، و لم يجتمع ذلك لأحد من قبله، بل كان الملك في سبط و النبوة في سبط، و قبضه اللّه تعالى و هو ابن مائة سنة صلى اللّه عليه و سلم.

قال الحافظ الدمياطي: و درعان أصابهما من بني قينقاع، فهذه تسع أدرع. و كان صلى اللّه عليه و سلم قد لبس يوم أحد فضة و ذات الفضول، و يوم حنين ذات الفضول و السغدية و اللّه أعلم.

الخروف:

معروف، و هو الحمل و ربما سمي به المهر إذا بلغ ستة أشهر. حكاه الأصمعي.

و في الميزان للإمام الذهبي، في ترجمة عثمان بن صالح السهمي، أنه روي عن ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه. قال: مرت بالنبي صلى اللّه عليه و سلم نعجة فقال: «هذه التي بورك فيها و في خروفها» . قال أبو حاتم: هذا حديث موضوع أي كذب.

الأمثال‏

: قالوا (1) : «كالخروف يتقلب على الصوف» . يضرب للرجل المكفي المئونة.

التعبير:

الخروف في الرؤيا يدل على ولد ذكر طائع لوالديه، فمن وهب له خروف و له امرأة حامل أتاه ولد ذكر و جميع الصغار من الحيوان في الرؤيا هموم، لأنها تحتاج إلى كلفة في التربية هذا إذا لم ينسبوا إلى الأولاد. و قيل: الخروف دليل خير لمن أراد الموافقة في أمر يطلبه، لأن الخروف سريع الأنس إلى بني آدم، و من ذبح خروفا لغير الأكل مات ولده، و الخروف المشوي السمين مال كثير و الهزيل مال قليل. و من أكل شواء خروف فإنه يأكل من كد ولده و اللّه أعلم.

الخزز:

بضم الخاء المعجمة و فتح الزاي الأولى ذكر الأرانب الجمع خزان مثل صرد و صردان.

الخشاش:

بفتح الخاء المعجمة هوام الأرض و حشراتها، و قيل: صغار الطير و حكى القاضي عياض فتح الخاء و ضمها و كسرها. و حكى أبو علي الفارسي فيها الضم أيضا، و جعل الزبيدي ضمها من لحن العامة. و الفتح هو المشهور و واحد الخشاش خشاشة، و قيل: الخشاش دابة تكون

____________

(1) المستقصى: 2/206.

410

في جحر الأفاعي و الحيات منقطة بياض و سواد. و قيل: الخشاش الثعبان العظيم و قيل: حية مثل الأرقم و قيل حية خفيفة صغيرة الرأس، و في الحديث‏ (1) الصحيح: «أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها فلم تطعمها شيئا و لم تدعها تأكل من خشاش الأرض» . أي هوامها و حشراتها، و قال الحسن بن عبد اللّه بن سعد العسكري‏ (2) في كتاب التحريف و التصحيف: الخشاش بالفتح النذل من كل شي‏ء مثل الرخم من الطير و كل ما لا يصيد و أنشد (3) .

خشاش الأرض أكثرها فراخا # و أم الصقر مقلات نزور

و المعروف في البيت بغاث الطير أكثرها فراخا. روى ابن أبي الدنيا في كتاب مكايد الشيطان، من حديث أبي الدرداء، رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «خلق اللّه الجن ثلاثة أصناف:

صنف حيات و عقارب، و خشاش الأرض و صنف كالريح في الهواء، و صنف عليه الحساب و العقاب. و خلق اللّه الإنس ثلاثة أصناف صنف كالبهائم لهم قلوب لا يفقهون بها، و لهم أعين لا يبصرون بها، و لهم آذان لا يسمعون بها، و صنف أجسادهم أجساد بني آدم و أرواحهم أرواح الشياطين، و صنف كالملائكة فهم في ظل اللّه يوم لا ظل إلا ظله» . و قال وهيب ابن الورد، بلغنا أن إبليس تمثل ليحيى بن زكريا عليهما الصلاة و السلام فقال له: أنصحك فقال له لا أريد ذلك، و لكن أخبرني عن بني آدم فقال: هم عندنا ثلاثة أصناف: صنف منهم هم أشد الأصناف عندنا نقبل على أحدهم حتى نفتنه عن دينه، و نتمكن منه فيفزع إلى الاستغفار و التوبة، فيفسد علينا كل شي‏ء نصيبه منه، ثم نعود إليه فيعود فلا نحن نيأس منه و لا نحن ندرك منه حاجتنا، فنحن معه في عناء، و صنف منهم في أيدينا كالكرة في أيدي صبيانكم نتلقفهم كيف شئنا قد كفونا مئونة أنفسهم، و صنف منهم مثلك هم معصومون لا نقدر منهم على شي‏ء.

الخشاف:

لغة في الخفاش.

الخشرم:

الزنابير. قال الأصمعي لا واحد له من لفظه.

الخشف:

بضم الخاء و فتح الشين المعجمة الذباب الأخضر. و الخشف بكسر الخاء و إسكان الشين المعجمة ولد الظبي بعد أن يكون جداية و قيل: هو خشف أوّل ما يولد و الجمع خشفة.

قال ابن سيده و روى جرير عن ليث قال: صحب رجل عيسى بن مريم عليه الصلاة و السلام فقال: أكون معك يا نبي اللّه و أصحبك، فانطلقا حتى أتيا إلى شط نهر، فجلسا يتغديان و معهما ثلاثة أرغفة، فأكلا رغيفين و بقي رغيف، فقام عيسى عليه الصلاة و السلام إلى النهر، فشرب ثم رجع فلم يجد الرغيف، فقال للرجل: من أخذ الرغيف؟فقال: لا أدري. قال: فانطلق و معه صاحبه. فرأى ظبية و معها خشفان لها، فدعا أحدهما فأتاه فذبحه و شوى من لحمه و أكل هو و الرجل، ثم قال للخشف: قم بإذن اللّه فقام و ذهب. فقال للرجل: أسألك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف؟فقال: لا أدري فسارا حتى انتهيا إلى نهر، فأخذ عيسى بيد الرجل و مشيا

____________

(1) رواه البخاري في بدء الخلق: 16. و مسلم في التوبة: 25. و ابن ماجة في الزهد: 30. و الدارمي في الرقاق:

93. و ابن حنبل: 2/261، 269.

(2) العسكري: الحسن بن عبد اللّه بن إسماعيل، أبو أحمد فقيه أديب محدّث بغدادي. مات سنة 382 هـ-.

(3) البيت في الحيوان للجاحظ: 7/61، 70. و فيه: «بغاث الطير أكثرها فروخا، و أم الباز» .

411

على الماء، فلما جازا قال عيسى: أسألك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف؟قال: لا أدري.

فسارا حتى انتهيا إلى مفازة فجلسا، فأخذ عيسى ترابا و رملا و قال كن ذهبا بإذن اللّه فكان ذهبا، فقسمه عيسى ثلاثة أثلاث، ثم قال: ثلث لي و ثلث لك و ثلث للذي أخذ الرغيف. فقال الرجل: أنا أخذته قال عيسى: كله لك. ثم فارقه عيسى عليه السلام و ذهب و مكث هو عند المال في المفازة، فانتهى إليه رجلان فأرادا أن يأخذاه منه و يقتلاه، فقال: هو بيننا أثلاثا ثم قال: فابعثا أحدكما إلى القرية ليشتري لنا طعاما فقال الذي بعث: لأي شي‏ء اقاسمهما المال؟لأجعلن لهما في الطعام سما فاقتلهما ففعل. و قال صاحباه في غيبته: لأي شي‏ء نقاسمه المال؟إذا جاء قتلناه و اقتسمنا المال نصفين. فلما جاء قاما إليه و قتلاه، ثم أكلا الطعام فماتا و بقي المال في المفازة و أولئك الثلاثة قتلى حوله فمر عيسى عليه الصلاة و السلام بهم. و هم على تلك الحالة، فقال لأصحابه:

هكذا الدنيا تفعل بأهلها فاحذروها.

الخضاري:

طائر يسمى الأخيل قاله الجوهري. و قد تقدم في باب الهمزة.

الخضرم:

كعلبط ولد الضب.

الخضيراء:

طائر معروف عند العرب.

الخطاف:

بضم الخاء المعجمة جمعه خطاطيف و يسمى زوار الهند و هو من الطيور القواطع إلى الناس، تقطع البلاد البعيدة إليهم رغبة في القرب منهم ثم إنها تبني بيوتها في أبعد المواضع عن الوصول إليها، و هذا الطائر يعرف عند الناس بعصفور الجنة، لأنه زهد ما في أيديهم من الأقوات فأحبوه لأنه إنما يتقوت بالذباب و البعوض. و في الحديث الحسن، الذي رواه ابن ماجة و غيره، عن سهل بن سعد الساعدي، أنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم فقال له دلني على عمل إذا عملته أحبني اللّه و أحبني الناس فقال: «ازهد في الدنيا يحبك اللّه، و ازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس‏ (1) » . فأما كون الزهد في الدنيا سببا لمحبة اللّه تعالى فلأنه تعالى يحب من أطاعه و يبغض من عصاه، و طاعة اللّه لا تجتمع مع محبة الدنيا، و أما كونه سببا لمحبة الناس فلأنهم يتهافتون على محبة الدنيا، و هي جيفة منتنة و هم كلابها، فمن زاحمهم عليها أبغضوه، و من زهد فيها أحبوه كما قال‏ (2) الإمام الشافعي رضي اللّه تعالى عنه:

و ما هي إلا جيفة مستحيلة # عليها كلاب همهن اجتذابها

فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها # و إن تجتذبها نازعتك كلابها

و قد أحسن القائل في وصف الخطاف:

كن زاهدا فيما حوته يد الورى # تضحي إلى كل الأنام حبيبا؟

أ و ما ترى الخطاف حرم زادهم # أضحى مقيما في البيوت ربيبا

سماه ربيبا لأنه يألف البيوت العامرة دون الخربة، و هو قريب من الناس و من عجيب أمره أن عينه تقلع ثم ترجع و لا يزى واقفا على شي‏ء يأكله أبدا و لا مجتمعا بأنثاه، و الخفاش يعاديه فلذلك

____________

(1) رواه ابن ماجة في الزهد: 1.

(2) ديوان الشافعي 30.

412

إذا فرخ يجعل في عشه قضبان الكرفس فلا يؤذيه إذا شم رائحته و لا يفرخ في عش عتيق حتى يطينه بطين جديد و يبني عشه بناء عجيبا. و ذلك أنه يهيئ الطين مع التبن فإذا لم يجد طينا مهيئا ألقى نفسه في الماء ثم يتمرغ في التراب حتى يمتلئ جناحاه، و يصير شبيها بالطين، فإذا هيأ عشه جعله على القدر الذي يحتاج إليه هو و أفراخه و لا يلقي في عشه زبلا بل يلقيه إلى خارج، فإذا كبرت فراخه علمها ذلك. و أصحاب اليرقان يلطخون فراخ الخطاف بالزعفران فإذا رآها صفراء ظن أن اليرقان أصابها من شدة الحر فيذهب فيأتي بحجر اليرقان من أرض الهند، فيطرحه على فراخه، و هو حجر صغير فيه خطوط بين الحمرة و السواد يعرف بحجر السنونو فيأخذه المحتال فيعلقه عليه أو يحكه و يشرب من مائه يسيرا فإنه يبرأ بإذن اللّه تعالى. و الخطاف متى سمع صوت الرعد يكاد أن يموت، و قال ارسطو في كتاب النعوت: الخطاطيف إذا عميت أكلت من شجرة يقال لها عين شمس فيرد بصرها لما في تلك الشجرة من المنفعة للعين و في رسالة القشيري في آخر باب المحبة أن خطافا راود خطافة على قبة سليمان عليه الصلاة و السلام فامتنعت منه، فقال لها: أ تمتنعين علي و لو شئت لقلبت القبة على سليمان، فسمعه سليمان فدعاه و قال له ما حملك على ما قلت؟فقال:

يا نبي اللّه العشاق لا يؤاخذون بأقوالهم قال: صدقت.

فائدة:

ذكر الثعلبي و غيره في تفسير سورة النمل أن آدم عليه الصلاة و السلام، لما أخرج من الجنة اشتكى إلى اللّه تعالى الوحشة، فآنسه اللّه تعالى بالخطاف، و ألزمها البيوت فهي لا تفارق بني آدم أنسالهم. قال: و معها أربع آيات من كتاب اللّه عز و جل و هي‏ (1) لَوْ أَنْزَلْنََا هََذَا اَلْقُرْآنَ عَلى‏ََ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خََاشِعاً إلى آخر السورة، و تمد صوتها بقوله العزيز الحكيم. و الخطاطيف أنواع:

منها نوع يألف سواحل البحر يحفر بيته هناك، و يعشش فيه، و هو صغير الجثة دون عصفور الجنة، و لونه رمادي و الناس يسمونه سنونو بضم السين المهملة و نونين. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب السين المهملة، و منها نوع أخضر على ظهره بعض حمرة أصغر من الذرة يسميه أهل مصر الخضيري، لخضرته يقتات الفراش و الذباب و نحو ذلك، و منها نوع طويل الأجنحة رقيقها يألف الجبال، و يأكل النمل، و هذا النوع يقال له السمائم مفرده سمامة، و منهم من يسمي هذا النوع السنونو الواحدة سنونوة، و هو كثير في المسجد الحرام يعشش في سقفه في باب إبراهيم و باب بني شيبة. و بعض الناس يزعم أن ذلك هو الطير الأبابيل الذي عذب اللّه تعالى به أصحاب الفيل. روى نعيم بن حماد عن الحسن رضي اللّه عنه، قال: دخلنا على ابن مسعود رضي اللّه عنه، و عنده غلمان كأنهم الدنانير، أو الأقمار حسنا فجعلنا نتعجب من حسنهم، فقال عبد اللّه كأنكم تغبطوني بهم؟! فقلنا: و اللّه إن مثل هؤلاء يغبط بهم الرجل المسلم، فرفع رأسه إلى سقف بيت له قصير، قد عشش فيه الخطاف و باض، فقال: و الذي نفسي بيده لأن أكون قد نفضت يدي من تراب قبورهم، أحب إلي من أن يخرج عش هذا الطائر فينكسر بيضه. قال ابن المبارك: إنما قال ذلك خوفا عليهم من العين. قال أبو إسحاق الصابي يصف الخطاف:

و هندية الأوطان زنجية الخلق # مسوّدة الألوان محمرة الحدق

إذا صرصرت صرت بآخر صوتها # حداد فأذرت من مدامعها العلق‏

____________

(1) سورة الحشر: الآية 21.

413

كأن بها حزنا و قد لبست له # كما صر ملوي العود بالوتر الحزق

تصيف لدينا ثم تشتو بأرضها # ففي كل عام نلتقي ثم نفترق‏

الحكم:

يحرم أكل لحم الخطاطيف لما روى أبو الحويرث عبد الرحمن بن معاوية و هو من التابعين عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه نهى عن قتل الخطاطيف و قال: «لا تقتلوا هذه العوذ إنها تعوذ بكم من غيركم» . و رواه البيهقي و قال: إنه منقطع. قال: و رواه إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق عن أبيه، قال: «نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن قتل الخطاطيف عوذ البيوت» . و من هذه الطريق رواه أبو داود في مراسيله، قال البيهقي: و هو منقطع أيضا. لكن صح عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما موقوفا عليه، أنه‏ (1) قال: «لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح. و لا تقتلوا الخطاف فإنه لما خرب بيت المقدس، قال: يا رب سلطني على البحر حتى أغرقهم» . قال البيهقي: اسناده صحيح. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الضاد المعجمة في الحديث‏ (2) «إن النبي صلى اللّه عليه و سلم نهى عن الجلالة و المجثمة و الخطفة» . بإسكان الطاء و فيها تأويلان أحدهما أن الخطفة ما اختطفه السبع من الحيوانات فأكله حرام. قاله ابن قتيبة: الثاني إن النهي عما يختطف بسرعة و منها سمي الخطاف لسرعة اختطافه. قاله ابن جرير الطبري و نقله عنه في الحاوي. فعلى هذا يحرم كل ما كان يتقوت بما يختطفه، و لأنه يتقوت من الخبائث قال الماوردي: كل ما كان مستخبثا كالخطاطيف و الخفافيش فأكله حرام لخبث لحمه. و قال محمد بن الحسن رضي اللّه عنه: إنه حلال لأنه يتقوت بالحلال غالبا قال أبو عاصم العبادي: و هذا محتمل على أصلنا. و إليه مال أكثر أصحابنا. و حكاه في شرح المهذب قولا عن حكاية البندنيجي.

الخواص:

قال ارسطو: إن أخذت عين الخطاف و جعلت في خرقة، و شدت على سرير فمن صعد على ذلك السرير لم ينم. و إن أخذت و جففت و سحقت بدهن طيب، فأي امرأة شربت منه أحبت الساقي. و إن أخذت و سحقت بدهن زنبق و مسحت به سرة امرأة نفساء نفعتها. و قلبه إذا سحق بعد تجفيفه و شرب هيج الباه. و دمه إذا سقيت منه امرأة، و هي لا تعلم، سكن عنها شهوة الجماع. و إن ضمد به اليافوخ سكن الصداع الحادث من الأخلاط. و زبله يسحق و يطلى به على الدبيلة تبرأ. و مرارته تسود الشعر الأبيض شربا، و ينبغي أن يملأ الشارب فمه حليبا لئلا تسود أسنانه. و لحمه يورث السهر لآكله و في رأس الخطاف حصاة فيها منافع شتى، و كل خطاف يبلع تلك الحصاة فمن ظفر بها و حملها معه وقته السوء، و كانت له وسيلة إلى من يحب حتى لا يقدر على رده. قال الاسكندر: يوجد عند أول بطن من بطون الخطاطيف في أعشاشها، أول ما يبرزن و يظهرن في العش، حجران أبيضان أو أبيض و أحمر، إن وضع الأبيض على المصروع أفاق، و إن وضع على المعقود حله، و الأحمر إن علق على من به عسر البول أبرأه، و ربما وجد هذان الحجران مختلفي. الأحوال أحدهما طويل و الآخر ململم إن جعلا في جلد عجل و علقا على من به وسواس و تخيل أبرأه. و لا يوجدان إلا في العش الذي يكون في ناحية المشرق

____________

(1) رواه الدارمي في الأضاحي: 26.

(2) رواه الدارمي في الأضاحي: 18، و ابن حنبل: 5/195، 6/445.

414

دون غيره، و هو عجيب مجرب و قال ابن الدقاق: إن أخذ الطين من عشه، و أديف‏ (1) بالماء و شرب أدر البول، مجرب نافع.

التعبير:

الخطاف في المنام يؤول برجل أو امرأة و مال و ولد قارئ لكتاب اللّه تعالى، و يؤول بمال مغصوب. فمن رأى أنه أخذ خطافا اتخذ مالا حراما، و ذلك لأن اسمه خطاف، و هو بمنزلة الخطف. و من رأى أن بيته قد امتلأ خطاطيف، نال مالا حلالا لأنه نماء خطفه. و قيل: الخطاف رجل أديب أنيس ورع، فمن رأى كأنه استعاره من غيره فإنه يأنس إلى شخص، و من أخذه فإنه يظلم امرأة. و قالت النصارى: من أكل لحم خطاف في المنام، فإنه يقع في خصومة.

و من رأى الخطاطيف تخرج من داره تفرق عنه اقرباؤه من جهة سفر، و ربما دل الخطاف على الأشغال و الأعمال لأنه يظهر في زمن البطالة، و صوت الخطاطيف تنبيه على عمل الخير لأنه كالتسبيح، و ربما دل على امرأة صاحبة أمانة. و قال جاماسب: من صاد خطافا أدخلت اللصوص عليه و اللّه تعالى أعلم.

الخطّاف:

بفتح الخاء و تشديد الطاء، سمكة ببحر سبتة لها جناحان على ظهرها أسودان، تخرج من الماء و تطير في الهواء ثم تعود إلى البحر قاله أبو حامد الأندلسي.

الخفاش:

بضم الخاء و تشديد الفاء واحد الخفافيش التي تطير في الليل، و هو غريب الشكل و الوصف و الخفش صغر العين و ضيق البصر.

فائدة:

الأخفش صغير العين ضعيف البصر و قيل: و هو عكس الأعشى و قيل: هو من يبصر في الغيم دون الصحو. و قال الجوهري: هو نوعان و الأعشى من يبصر نهارا لا ليلا و العمش ضعف الرؤية مع سيلان الدمع غالب الأوقات و العور معروف.

تتمة:

في كل عين نصف دية و لو عين أحول و أخفش و أعمش و أعور و أعشى و أجهر و نحوهم لأن المنفعة باقية في أعين هؤلاء و مقدار المنفعة لا ينظر إليه كما لا ينظر إلى قوة البطش و المشي و ضعفهما. و كذا من بعينه بياض لا ينقص الضوء فإنه يكون كالثآليل في اليد سواء كان على بياض الحدقة أو سوادها و كذا لو كان على الناظر، إلا أنه رقيق لا يمنع الأبصار، و لا ينقص الضوء. هذا ما نص عليه الشافعي رضي اللّه تعالى عنه، و جرى عليه الأئمة و لم يفرقوا بين حصول ذلك بآفة سماوية أو جناية، فإن نقص فبقسطه، إن أمكن ضبط ذلك النقصان بالصحيحة التي لا بياض بها، و إن لم يمكن ضبط النقص الحاصل بالجناية فالواجب فيه الحكومة و فارق الأعمش و نحوه فإن البياض نقص الضوء الخلقي و عين الأعمش لا ينقص ضوؤها عما كان في الأصل. و هذا الفرق يفهمك أن العمش لو تولد من آفة أو جناية لا يجب في العين كمال الدية فإن سلم قيد به ذلك الاطلاق السابق.

فرع:

ليس في عين الأعور السليمة!إلا نصف الدية عندنا. قال ابن المنذر: و روي

____________

(1) أداف: أذاب و خلط.

415

عن عمر و عثمان رضي اللّه تعالى عنهما أن فيها الدية، و به قال عبد الملك بن مروان و الزهري و قتادة و مالك و الليث و الإمام أحمد و إسحاق بن راهويه انتهى. قال البطليوسي:

الخفاش له أربعة أسماء: خفاش و خشاف و خطاف و وطواط، و تسميته خفاشا يحتمل أن تكون مأخوذة من الخفش و الأخفش في اللغة نوعان: ضعيف البصر خلقه، و الثاني لعلة حدثت و هو الذي يبصر بالليل دون النهار و في يوم الغيم دون يوم الصحو انتهى. و ذكر الجاحظ أن اسم الخفاش يقع على سائر طير الليل، فكأنه راعي العموم، و كون الوطواط هو الخفاش هو الذي ذكره ابن قتيبة و أبو حاتم في كتاب الطير الكبير. و ما ذكره البطليوسي من أن الخفاش هو الخطاف فيه نظر، و الحق أنهما صنفان و هو الوطواط. و قال قوم:

الخفاش الصغير و الوطواط الكبير و هو لا يبصر في ضوء القمر و لا في ضوء النهار غير قوي البصر قليل شعاع العين كما قال الشاعر:

مثل النهار يزيد أبصار الورى # نورا و يعمي أعين الخفاش‏

و لما كان لا يبصر نهارا التمس الوقت الذي لا يكون فيه ظلمة و لا ضوء و هو قريب غروب الشمس لأنه وقت هيجان البعوض، فإن البعوض يخرج ذلك الوقت يطلب قوته، و هو دماء الحيوان، و الخفاش يخرج طالبا للطعم فيقع طالب رزق على طالب رزق فسبحان الحكيم.

و الخفاش ليس هو من الطير في شي‏ء فإنه ذو أذنين و أسنان و خصيتين و منقار و يحيض و يطهر، و يضحك كما يضحك الإنسان، و يبول كما تبول ذوات الأربع و يرضع ولده و لا ريش له. قال:

بعض المفسرين: لما كان الخفاش هو الذي خلقه عيسى بن مريم عليه الصلاة و السلام بإذن اللّه تعالى كان مباينا لصنعة الخالق. و لهذا سائر الطيور تقهره و تبغضه فما كان منها يأكل اللحم أكله و ما لا يأكل اللحم قتله، فلذلك لا يطير إلا ليلا. و قيل لم يخلق عيسى غيره لأنه أكمل الطير خلقا. و هو أبلغ في القدوة لأن له ثديا و آذانا و أسنانا و يحيض كما تحيض المرأة. قال وهب بن منبه:

كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميز فعل الخلق من فعل الخالق، و ليعلم أن الكمال لله تعالى. و قيل: إنما طلبوا خلق الخفاش لأنه من أعجب الطير خلقية، إذ هو لحم و دم يطير بغير ريش و هو شديد الطيران سريع التقلب، يقتات البعوض و الذباب، و بعض الفواكه و هو مع ذلك موصوف بطول العمر فيقال: إنه أطول عمرا من النسر و من حمار الوحش، و تلد انثاه ما بين ثلاثة أفراخ و سبعة، و كثيرا ما يسفد و هو طائر في الهواء و ليس في الحيوان ما يحمل ولده غيره و القرد و الإنسان، و يحمله تحت جناحه و ربما قبض عليه بفيه و ذلك من حنوه و إشفاقه عليه، و ربما أرضعت الأنثى ولدها و هي طائرة و في طبعه إنه متى أصابه ورق الدلب خدر و لم يطر، و يوصف بالحمق، و من ذلك أنه إذا قيل له: اطرق كرى، الصق بالأرض.

الحكم:

يحرم أكله لما رواه أبو الحويرث مرسلا أن النبي صلى اللّه عليه و سلم نهى عن قتله، و قيل: إنه لما خرب بيت المقدس، قال: رب سلطني على البحر حتى أغرقهم، و سئل عنه الإمام أحمد فقال:

و من يأكله؟قال النخعي: كل الطير حلال إلا الخفاش. قال الروياني: و قد حكينا في الحج خلاف هذا فيحتمل قولين، و عبارة الشرح و الروضة يحرم الخفاش قطعا. و قد يجري فيه الخلاف مع

416

أنهما قد جزما في كتاب الحج بوجوب الجزاء فيه، إذا قتله المحرم، و إن الواجب فيه القيمة مع تصريحهما بأن ما لا يؤكل لا يفدى على أن الرافعي مسبوق بذلك، فأول من ذكره صاحب التقريب و أشعر كلامه بأن الشافعي رضي اللّه تعالى عنه ذكره. و ذكر المحاملي أن اليربوع لا يحل أكله، و يجب فيه الجزاء في أصح القولين و هو غريب، و لم يزل الناس يستشكلون ما وقع في الرافعي من ذلك. و ليس بمشكل فهو يتبين بمراجعة كلام الروياني فإنه قال:

فرع:

قال في الأم: الوطواط فوق العصفور و دون الهدهد، و فيه إن كان مأكولا قيمته.

و ذكر عن عطاء أنه قال: فيه ثلاثة دراهم انتهى. فاتضح إن المسألة منصوصة للشافعي رضي اللّه تعالى عنه، و أنه علق وجوب الجزاء على القول بحل أكله، تم تتبعت كلام عطاء المذكور فوجدت الأزهري قد نقل عنه أنه يجب فيه إذا قتله المحرم ثلثا درهم. قال أبو عبيد قال الأصمعي:

الوطواط هو الخفاش. و قال أبو عبيدة: الأشبه عندي أنه الخطاف. قلت: و أيا كان فهو غير مأكول.

الخواص:

إذا وضع رأسه في حشو مخدة، فمن وضع رأسه عليها لم ينم، و إن طبخ رأسه في إناء نحاس أو حديد بدهن زنبق، و يغمز فيه مرارا حتى يتهرى و يصفى ذلك الدهن عنه، و يدهن به صاحب النقرس، و الفالج القديم و الارتعاش، و التورم في الجسد و الربو، فإنه ينفعه ذلك و يبرئه و هو عجيب مجرب. و إن ذبح الخفاش في بيت و أخذ قلبه، و أحرق فيه لم يدخله حيات و لا عقارب، و إن علق قلبه وقت هيجانه على إنسان هيج الباه. و عنقه إذا علق على إنسان أمن من العقارب، و من مسح بمرارته فرج امرأة قد عسرت ولادتها، ولدت لوقتها، و من أخذت من النساء من شحمه لرفع الدم ارتفع عنها. و إن طبخ الخفاش ناعما حتى يتهرى، و مسح به الإحليل أمن من تقطير البول، و إن صب من مرق الخفاش و قعد فيه صاحب الفالج انحل ما به. و زبله إذا طلي به على القوابي قلعها، و من نتف ابطه و طلاه بدمه مع لبن أجزاء متساوية لم ينبت فيه شعر و إذا طلي به عانات الصبيان قبل البلوغ منع من نبات الشعر فيها.

التعبير:

الخفاش في المنام رجل ناسك، و قال ارطياميدروس : إن رؤيته تدل على البطالة و ذهاب الخوف لأنه من طيور الليل و لا يؤكل لحمه و هو دليل خير للحبلى بأنها تلد ولادة سهلة و لا تحمد رؤيته للمسافر برا و بحرا، و تدل رؤيته على خراب منزل من يدخل إليه و قيل: الخفاشة في المنام امرأة ساحرة و الخفاش تدل رؤيته على رجل حيران ذي حرمان و اللّه أعلم.

الخنان:

كرمان الوزغة، و في حديث علي كرم اللّه وجهه أنه قضى قضاء، فاعترف‏ (1) عليه بعض الحرورية فقال له: اسكت يا خنان ذكره الهروي و غيره.

الخلنبوص:

بفتح الخاء المعجمة و اللام و إسكان النون و ضم الباء الموحدة طائر أصغر من العصفور على لونه و شكله.

الخلد:

بضم الخاء و نقل في الكفاية عن الخليل بن أحمد فتح الخاء و كسرها قال الجاحظ:

____________

(1) هكذا في الأصل و لعله «اعترض» .

417

هو دويبة عمياء صماء لا تعرف ما بين يديها إلا بالشم، فتخرج من جحرها، و هي تعلم أن لا سمع لها و لا بصر، فتنفخ فاها و تقف عند جحرها، فيأتي الذباب فيقع على شدقها، و يمر بين لحييها فتدخله جوفها بنفسها، فهي تتعرض لذلك في الساعات التي يكون فيها الذباب أكثر.

و قال غيره: الخلد فأر أعمى لا يدرك إلا بالشم. قال ارسطو في كتاب النعوت: كل حيوان له عينان إلا الخلد، و إنما خلق كذلك لأنه ترابي جعل اللّه له الأرض كالماء للسمك، و غذاؤه من بطنها و ليس له في ظهرها قوة و لا نشاط، و لما لم يكن له بصر، عوضه اللّه حدة حاسة السمع فيدرك الوطء الخفي من مسافة بعيدة، فإذا أحس بذلك جعل يحفر في الأرض، قال: و الحيلة في صيده أن يجعل له في جحره قملة، فإذا أحس بها و شم رائحتها، خرج إليها ليأخذها و قيل: إن سمعه بمقدار بصر غيره. و في طبعه الهرب من الرائحة الطيبة، و يهوى رائحة الكراث و البصل، و ربما صيد بهما فإنه إذا شمهما خرج إليهما، و هو إذا جاع فتح فاه فيرسل اللّه تعالى له الذباب فيسقط عليه فيأكله، و ذكر بعض المفسرين، أن الخلد هو الذي خرب سد مأرب، و ذلك أن قوم سبأ كانت لهم جنتان، أي بستانان عن يمين من يأتيها و شماله. قال‏ (1) اللّه تعالى لهم: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اُشْكُرُوا لَهُ أي على ما أنعم به عليكم. و كانت بلدتهم طيبة لا يرى فيها بعوض و لا برغوث، و لا عقرب و لا حية، و لا ذباب، و كان الركب يأتون و في ثيابهم القمل و غيره، فإذا و صلوا إلى بلادهم ماتت. و كان الإنسان يدخل البستان و المكتل على رأسه، فيخرج و قد امتلأ من أنواع الفواكه من غير أن يتناول منها شيئا بيده. فبعث اللّه لهم ثلاثة عشر نبيا فدعوهم إلى اللّه و ذكروهم نعمه عليهم. و أنذروهم عقابه فأعرضوا و قالوا: ما نعرف للّه علينا من نعمة و كان لهم سدّ بنته بلقيس، لما ملكتهم، و بنت دونه بركة فيها اثنا عشر مخرجا على عدد أنهارهم، فكان الماء يقسم بينهم على ذلك. فلما كان من شأنها مع سليمان عليه الصلاة و السلام ما كان، مكثوا مدّة بعدها ثم طغوا و بغوا و كفروا فسلط اللّه عليهم جرذا أعمى، يقال له الخلد، فنقب السد من أسفله فهلكت أشجارهم و خربت أرضهم. و كانوا يزعمون في علمهم و كهانتهم أن سدهم ذلك تخربه فأرة فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة، فلما جاء الوقت الذي أراد اللّه تعالى، أقبلت فأرة حمراء إلى هرة من تلك الهرار، فساورتها حتى استأخرت عنها الهرة، فدخلت في الفرجة التي كانت عندها، و نقبت و حفرت، فلما جاء السيل وجد خللا، فدخل فيه حتى قلع السد، و فاض على أموالهم فغرقها و دفن بيوتهم بالرمل.

و روي: عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما و وهب غيرهما انهم قالوا: كان ذلك السد بنته بلقيس و ذلك أنهم كانوا يقتتلون على ماء أوديتهم، فأمرت بواديهم فسد بالعرم، و هو بلغة حمير، فسدت بين الجبلين بالصخر و القار، و جعلت له أبوابا ثلاثة: بعضها فوق بعض و بنت من دونه بركة ضخمة و جعلت فيها اثني عشر مخرجا على عدد أنهارهم، يفتحونها إذا احتاجوا إلى الماء و إذا استغنوا عنه سدوها فإذا جاء المطر اجتمع إليه ماء أودية اليمن، فاحتبس السيل من وراء السد فأمرت بالباب الأعلى ففتح فجرى ماؤه في البركة فكانوا يسقون من الباب

____________

(1) سورة سبأ: الآية 15.

418

الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث الأسفل فلا ينفد الماء حتى يثوب الماء من السنة المقبلة، فكانت تقسمه بينهم على ذلك و اللّه أعلم.

و نقل: الإمام أبو الفرج بن الجوزي عن الضحاك، أن الجرذ الذي خرب سد مأرب كان له مخاليب و أنياب من حديد، و أن أول من علم بذلك عمرو بن عامر الأزدي و كان سيّدهم و كان قد رأى في المنام، كأنه انبثق عليه الردم، فسال الوادي، فأصبح مكروبا فانطلق نحو الردم، فرأى الجرذ يحفر بمخاليب من حديد، و يقرض بأنياب من حديد، فانصرف إلى أهله فأخبر امرأته و أراها ذلك و أرسل بنيه فنظروا، فلما رجعوا قال: هل رأيتم ما رأيت قالوا نعم قال: فإن هذا الأمر ليس لنا إلى إذهابه من سبيل. و قد اضمحلت الحيلة فيه لأن الأمر من اللّه، و قد آذن اللّه بالهلاك ثم إنه عمد إلى هرة فأخذها، و أتى إلى الجرذ فصار الجرذ يحفر و لا يكترث بالهرة، فولت الهرة هاربة فقال عمر و لأولاده: احتالوا لأنفسكم فقالوا: يا أبت كيف نحتال؟فقال: إني محتال لكم بحيلة قالوا:

افعل فدعا أصغر بنيه و قال له: إذا جلست في المجلس، و اجتمع الناس على العادة، و كان الناس يجتمعون إليه و ينتهون برأيه، فإني آمرك بأمر فتغافل عنه، فإذا شتمتك فقم إلي و الطمني. ثم قال لأولاده: فإذا فعل ذلك فلا تنكروا عليه، و لا يتكلم أحد منكم، فإذا رأى الجلساء فعلكم لم يجسر أحد منهم أن ينكر عليه، و لا يتكلم فأحلف أنا عند ذلك يمينا لا كفارة لها، أن لا أقيم بين أظهر قوم قام إليّ أصغر بني فلطمني فلم يغيروا. فقالوا: نفعل ذلك فلما جلس و اجتمع الناس إليه أمر ابنه الصغير ببعض أمره، فلها عنه فشتمه، فقام إليه و لطم وجهه فعجب الجماعة من جراءة ابنه عليه، و ظنوا أن أولاده يغيرون عليه فنكسوا رءوسهم!فلما لم يغر أحد منهم، قام الشيخ و قال:

أ يلطمني ولدي و أنتم سكوت!ثم حلف يمينا لا كفارة لها أن يتحول عنهم، و لا يقيم بين أظهر قوم لم يغيروا عليه، فقام القوم يعتذرون إليه و قالوا له: ما كنا نظن أن أولادك لا يغيرون، فذاك الذي منعنا. فقال: قد سبق مني ما ترون و ليس إلي غير التحول من سبيل. ثم أنه عرض ضياعه للبيع، و كان الناس يتنافسون فيها، و احتمل بثقله و عياله و تحول عنهم، فلم يلبث القوم إلا يسيرا حتى أتى الجرذ على الردم، فاستأصله فبينما القوم ذات ليلة بعد ما هدأت العيون، إذا هم بالسيل فاحتمل أنعامهم و أموالهم و خرب ديارهم، فذلك قوله‏ (1) تعالى: فَأَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ سَيْلَ اَلْعَرِمِ و في العرم أقوال: قيل: هو المسناة أي السد. قاله قتادة. و قيل: هو اسم الوادي، قال السهيلي.

و قيل: اسم الخلد الذي خرق السد. و قيل هو السيل الذي لا يطاق. و أما مأرب فبسكون الهمزة اسم لقصر كان لهم. و قيل: هو اسم لكل ملك كان على سبأ، كما أن تبعا اسم لكل من ولي اليمن و الشحر و حضر موت، قاله المسعودي. و قال السهيلي: و كان السد من بناء سبأ بن يشجب، و كان قد ساق إليه سبعين واديا و مات من قبل أن يتمه فاتمته ملوك حمير. و اسم سبأ عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان. قيل: إنه أول من سبي فسمي سبأ. و قيل: إنه أول من تتوج من ملوك اليمن، و قال المسعودي: بناه لقمان بن عاد و جعله فرسخا في فرسخ، و جعل له ثلاثين شعبا فأرسل اللّه عليه سيل العرم، و فرقوا و مزقوا حتى صاروا مثلا. فقالوا: «تفرقوا أيدي سبأ و أيادي

____________

(1) سورة سبأ: الآية 16.

419

سبأ» . قال الشعبي: لما غرقت قراهم تفرقوا في البلاد، فأما غسان. فلحقوا بالشأم، و الأزد إلى عمان، و مر خزاعة إلى تمامة و جذيمة إلى العراق، و الأوس و الخزرج إلى يثرب، و كان الذي قدم منهم المدينة عمرو بن عامر و هو جد الأوس و الخزرج.

روى: أبو سبرة النخعي عن فروة بن مسيك القطيفي قال: قال رجل: يا رسول اللّه أخبرني عن سبأ أ كان رجلا أو امرأة أو أرضا؟فقال صلى اللّه عليه و سلم: «كان رجلا من العرب، و له عشرة أولاد تيامن منهم ستة و تشاءم. أربعة، فأما الذين تيامنوا فكندة و الأشعريون و الأزد و مذحج و أنمار و حمير. فقال الرجل: و ما أنمار؟قال: الذين منهم خثعم و بجيلة. و أما الذين تشاءموا فلخم و جذام و عاملة و غسان.

و من الفوائد المجربة:

أن يكتب للخلد الذي يطلع في الدواب، و يعلق في أذن الدابة اليسرى: يا خلد سليمان بن داود ذكر عزرائيل على وسطك، و ذكر جبرائيل على رأسك، و ذكر اسرافيل على ظهرك، و ذكر ميكائيل على بطنك لا تدب و لا تسعى إلا أيبس كما يبس لبن الدجاج و قرن الحمار بقدرة العزيز القهار. و هذا قول عزرائيل و جبرائيل و اسرافيل و ميكائيل، و ملائكة اللّه المقربين، الذين لا يأكلون و لا يشربون، إلا بذكر اللّه هم يعيشون اصباوت آل شداي ايبس أيها الخلد من دابة فلان ابن فلانة أو من هذه الدابة بقدرة من يرى و لا يرى. و يسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا و لا أمتا أ لم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم و هم ألوف حذر الموت فقال لهم اللّه موتوا فماتوا. كذلك يموت الخلد من دابة فلان ابن فلانة أو من هذه الدابة.

1 1 1 18 1 1 17 1 ل ط ط 1 7 1 1 3 5 1 3 ا ب ر ك ا من الفوائد المجرية للخلد أيضا، أن يكتب في ورقة و يعلق في عنق الفرس المخلود: طلعوا ستة و ستين ملكا إلى جبال القدس لقوا ثلاث شجرات الواحدة قطعت و الثانية يبست و الثالثة احترقت انقطع أيها الخلد ببركة سيهوم ديهوم دهوم بألف لا حول و لا قوّة إلا باللّه العلي العظيم ج و ج و ج و ارتفع ارتفع ارتفع ا ه ا ه ا ه ل ط ا س ل ط ا س ل ط ا س ل ط ا س ل ط ا س اللّه اللّه اللّه اللّه اللّه اللّه اللّه اللّه اللّه اللّه اللّه حم حم حم حم حم حم حم حم حم حم حم توكلت ل ا د هي ع ل ا ا على اللّه اللهم احفظ حامله و دابته بحرمة الرب العظيم و القرآن العظيم و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم انتهى.

420

الحكم:

يحرم أكله لأنه نوع من الفأر و قال مالك: لا بأس بأكل الخلد و الحيات إذا ذكى ذلك. و هذا أول مسألة في كتاب الذبائح من المدوّنة.

الأمثال:

قالوا: «اسمع من خلد و أفسد من خلد» .

الخواص:

دمه إذا اكتحل به أبرأ العين، و الدم الذي في ذنبه إذا طلى به الخنازير أذهبها، و شفته العليا إذا علقت على من به حمى الربيع أذهبتها، و إن أكل لحمه قبل طلوع الشمس مشويا تعلم آكله كل شي‏ء، و دماغه إن جعل في قارورة مع دهن ورد و دهن به الجرب، و القوابي‏ (1) و الكالف، و الحزاز و كل شي‏ء يظهر في الجسد أبرأه، قال الجاحظ: التراب الذي يخرجه الخلد من جحره يزعمون أنه يصلح لصاحب النقرس، إذا بل بالماء و طلي به ذلك المكان. و قال ارسطو: إذا غرق الخلد في ثلاثة أرطال ماء، ثم سقي منه إنسان تكلم بكل علم يسأل عنه، على سبيل الهذيان اثنين و أربعين يوما. و قال يحيى بن زكريا: إذا غرق الخلد في ثلاثة أرطال ماء، و ترك فيه حتى ينتفخ ثم يصفى من ذلك الماء، و يرمى عظمه، و يطبخ في قدر نحاس و يلقى عليه أربعة دراهم لبان ذكر، و مثله أفيون، و مثله كبريت، و مثله نشادر، بعد أن تدق هذه الحوائج مع أربعة أرطال عسل و يطبخ حتى يصير مثل الطلاء، و يجعل في اناء زجاج ثم يلعق على الريق، و الشمس في الحمل إلى أن تدخل الأسد، و لا يأكل مستعمله شيئا فيه زهومة، و يكون طاهرا صائما، فمن فعل ذلك علمه اللّه تعالى كل شي‏ء بقدرته.

التعبير:

الخلد تدل رؤيته على العمى و النية و التبدد و الحيرة و الاختفاء و ضيق الملك. و ربما دلت رؤيته على حدة السمع لمن يشكو ضررا من سمعه. إن رؤي مع ميت فهو في النار لقوله‏ (2)

عز و جل: وَ ذُوقُوا عَذََابَ اَلْخُلْدِ بِمََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ و ربما كان في الجنة و سكن جنة الخلد و اللّه تعالى أعلم.

الخلفة:

الناقة الحامل و جمعها خلفات. روى مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «أ يحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خلفات عظام سمان قلنا نعم قال فثلاث آيات يقرؤهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان‏ (3) » . و روي أيضا عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة و هو يريد أن يبني بها و لم يبن، و لا أحد قد بنى بنيانا و لم يرفع سقفها، و لا أحد قد اشترى غنما أو خلفات و هو ينتظر أولادها. قال: فغزا فدنا من القرية حين صلاة العصر أو قريبا من ذلك، فقال للشمس: أنت مأمورة و أنا مأمور، و اللهم احبسها علي فحبست عليه حتى فتح اللّه عليه» . الحديث‏ (4) . و هذا النبي هو يوشع بن نون عليه السلام.

____________

(1) القوابي: جمع القوباء: ما يظهر على الجسد و يخرج منه.

(2) سورة السجدة: الآية 14.

(3) رواه الدارمي في الفضائل: 1. مسلم في المسافرين: 250. و ابن ماجة في الأدب: 52. و ابن حنبل:

2/397-466-497.

(4) رواه البخاري خمس: 8، و مسلم جهاد: 3، و ابن حنبل: 2/318.

421

فائدة:

حبست الشمس مرتين لنبينا صلى اللّه عليه و سلم: إحداهما يوم الخندق حين شغلوا عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، فردها اللّه تعالى عليه. كما رواه الطحاوي و غيره. و الثانية صبيحة الإسراء حين انتظر العير التي أخبر بوصولها مع شروق الشمس و في أواخر المستدرك من حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «لو أخذ سبع خلفات بشحومهن، فألقين في شفير جهنم ما انتهين إلى قعرها سبعين عاما» . قال شيخ الإسلام الإمام الذهبي: إسناده صالح.

و الحكمة في التمثيل بالسبع إن ذلك عدد أبواب جهنم. و روى الشافعي و النسائي و ابن ماجة من حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (1) : «الا إن في قتيل الخطأ و قتيل السوط و العصا مائة من الإبل مغلظة، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها» . و إسناده ضعيف و منقطع.

و قال أبو حاتم: رواية ارساله أشبه. قال شيخ الإسلام النووي في تهذيبه: و هذا مما يستشكل لأن الخلفة هي التي في بطنها ولدها فإن قيل: فما الحكمة في قوله صلى اللّه عليه و سلم: «في بطونها أولادها» ؟فجوابه من أربعة أوجه: أحدها أنه توكيد و إيضاح، و الثاني أنه تفسير لها لا قيد، و الثالث أنه نفي لوهم من يتوهم أن يكفي في الخلفة أن تكون حملت في وقت ما و لا يشترط حملها حالة دفعها في الدية، و الرابع أنه إيضاح لحكمها و أنه يشترط في نفس الأمر أن تكون حاملا و لا يكفي قول أهل الخبرة أنها خلفة إذا تبين إنه لم يكن في بطنها ولد. و ذكر الرافعي أنه قيل: إن الخلفة تطلق أيضا على التي ولدت و ولدها يتبعها.

فائدة أخرى:

الخطأ المحض هو أن لا يقصد ضربه، بل قصد شيئا آخر فأصابه فمات منه، فلا قصاص عليه، بل تجب دية مخففة على عاقلته، مؤجلة إلى ثلاث سنين. و تجب الكفارة في ماله في الأنواع كلها. و شبه العمد أن يقصد ضربه بما لا يموت مثله من مثل ذلك الضرب غالبا بأن ضربه بعصا خفيفة أو حجر صغير ضربة أو ضربتين فمات، فلا قصاص فيه، بل تجب دية مغلظة على عاقلته مؤجلة إلى ثلاث سنين. و العمد المحض هو أن يقصد قتل إنسان، بما يقصد به القتل غالبا، كالسيف و السكين، و ما أشبه ذلك ففيه القصاص عند وجود التكافؤ، أو دية مغلظة في مال القاتل حالة. و عند أبي حنيفة، قتل العمد لا يوجب الكفارة لأنه كبيرة كسائر الكبائر و دية الحر المسلم مائة من الإبل، فإذا كانت الدية في العمد المحض، أو شبه العمد، فهي مغلظة بالسن، فيجب ثلاثون حقة، و ثلاثون جذعة، و أربعون خلفة في بطونها أولادها. و هو قول عمرو بن زيد بن ثابت رضي اللّه تعالى عنهما. و به قال عطاء و إليه ذهب الشافعي للحديث المتقدم عن ابن عمر رضي اللّه عنهما. و ذهب قوم إلى أن الدية المغلظة أرباع: خمس و عشرون بنت مخاض، و خمس و عشرون بنت لبون، و خمس و عشرون حقة، و خمس و عشرون جذعة. و هو قول الزهري و ربيعة، و به قال مالك و أحمد و أبو حنيفة. و أما دية الخطأ فمخففة و هي أخماس بالاتفاق، غير أنهم اختلفوا في تقسيمها فذهب مالك و الشافعي رضي اللّه تعالى عنهما إلى أنها عشرون بنت مخاض، و عشرون بنت لبون، و عشرون ابن لبون، و عشرون حقة، و عشرون جذعة. و به قال عمر بن عبد العزيز

____________

(1) رواه النسائي قسامة: 33-34. و أبو داود ديات: 17-24، و ابن ماجة ديات: 5. و ابن حنبل: 2-11- 103. 3-410-5-412.

422

و سليمان بن يسار و ربيعة. و جعل أبو حنيفة و أحمد عوض بني اللبون بني المخاض. و يروى ذلك عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه. و الدية في الخطأ و شبه العمد على العاقلة كما تقدم، و هو عصبات القاتل من الذكور، و لا يجب على الجاني منها شي‏ء، لأن النبي صلى اللّه عليه و سلم أوجبها على العاقلة. فإن عدمت الإبل فتجب قيمتها من الدراهم و الدنانير في قول. و في قول يجب بدل مقدر منها و هو ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم. لما روي أن عمر رضي اللّه تعالى عنه فرض الدية على أهل الذهب ألف دينار، و على أهل الورق اثني عشر ألف درهم. و به قال مالك و عروة بن الزبير و الحسن البصري. و قال أبو حنيفة: إنها مائة من الإبل أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم. و به قال سفيان الثوري رضي اللّه تعالى عنه.

فرع:

و دية المرأة نصف دية الرجل. و دية أهل الذمة و العهد ثلث دية المسلم إن كان كتابيا، و إن كان مجوسيا فخمس الثلث. و روي عن عمر رضي اللّه تعالى عنه أنه قال: دية اليهودي و النصراني أربعة آلاف، و دية المجوسي ثمانمائة درهم. و به قال ابن المسيب و الحسن البصري رضي اللّه تعالى عنهما. و إليه ذهب الشافعي رضي اللّه تعالى عنه، و ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن دية الذمي و المعاهد مثل دية المسلم، و هو قول ابن مسعود و سفيان الثوري و أصحاب الرأي. و قال عمر بن عبد العزيز: دية الذمي نصف دية المسلم، و هو قول مالك و أحمد. و أما دية الأطراف فمبسوطة في كتب الفقه.

تذنيب:

قوله‏ (1) تعالى: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزََاؤُهُ جَهَنَّمُ خََالِداً فِيهََا الآية. قال أهل التفسير: إنها نزلت في مقيس بن سبابة، و ذلك أنه لما قتل أخوه هشام بن صبابة في بني النجار، و لم يعلموا له قاتلا، و أعطوه ديته مائة من الإبل ثم انصرف هو و الفهري إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم راجعين نحو المدينة، فأتي الشيطان مقيسا و وسوس إليه فقال: تقبل دية أخيك فتكون عليك وصمة و مسبة، فاقتل الرجل الذي معك، فتكون نفس مكان نفس و فضل الدية، فغفل الفهري عن نفسه، فرماه مقيس بصخرة فشدخه. ثم ركب بعيرا من إبل الدية و ساق باقيها و رجع إلى مكة كافرا فأنزل اللّه عز و جل فيه هذه الآية. و مقيس هذا هو الذي استثناه النبي صلى اللّه عليه و سلم يوم فتح مكة ممن أمنه، فقتل و هو متعلق بأستار الكعبة. و قد اختلف في حكم هذه الآية فروى البغوي و غيره عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال: قاتل المؤمن عمدا لا توبة له. و قال زيد بن ثابت رضي اللّه تعالى عنه لما نزلت الآية التي في الفرقان و هي قوله‏ (2) تعالى: وَ اَلَّذِينَ لاََ يَدْعُونَ مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ عجبنا من لينها فلبثنا سبعة أشهر، ثم نزلت الغليظة فنسخت الغليظة اللينة، و أراد بالغليظة هذه الآية و باللينة آية الفرقان. و قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: آية الفرقان مكية و آية النساء مدنية، لم ينسخها شي‏ء و الذي عليه جمهور المفسرين، و هو مذهب أهل السنة قاطبة، أن توبة قاتل المسلم عمدا مقبولة لقوله‏ (3) تعالى: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ* و ما روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما فهو تشديد و مبالغة في الزجر عن القتل. كما روي عن سفيان بن عيينة رضي اللّه تعالى عنه أنه قال: إن المؤمن إذا لم يقتل

____________

(1) سورة النساء: الآية 93.

(2) سورة الفرقان: الآية 68.

(3) سورة النساء: الآية 48.

423

يقال له لا توبة لك، و إن قتل يقال له توبة. و روي مثله عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما.

و ليس في الآية مستند لمن يقول بالتخليد في النار بارتكاب الكبائر لأن الآية نزلت في قاتل كافر هو مقيس بن صبابة. كما تقدم. و قيل: إنه وعيد لمن قتل مؤمنا مستحلا لقتله بسبب إيمانه. و من استحل قتل أهل الإيمان لإيمانهم كان كافرا مخلدا في النار. و روي أن عمرو بن عبيد قال لأبي عمرو بن العلاء، هل يخلف اللّه وعده؟فقال أبو عمرو: لا. فقال: أ ليس قال‏ (1) اللّه عزّ و جلّ: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزََاؤُهُ جَهَنَّمُ خََالِداً فِيهََا فقال له أبو عمرو: أ من العجم أنت يا أبا عثمان؟ أ لم تعلم أن العرب لا تعد الاخلاف في الوعيد خلفا و ذما، و إنما تعد اخلاف الوعد خلفا و ذما و أنشد قائلا:

و إني و إن أوعدته أو وعدته # لمخلف إيعادي و منجز موعدي‏

و الدليل على أن غير الشرك لا يوجب التخليد في النار ما روى البخاري عن عبادة بن الصامت رضي اللّه تعالى عنه، و كان قد شهد بدرا، و هو أحد النقباء ليلة العقبة، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (2) ، و حوله أصحابه: «بايعوني على أن لا تشركوا باللّه شيئا و لا تزنوا و لا تسرقوا و لا تقتلوا أولادكم و لا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم و أرجلكم، و لا تعصوا في معروف، فمن و فى منكم فأجره على اللّه، و من أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارته، و من أصاب من ذلك شيئا ثم ستر اللّه عليه، فهو إلى اللّه إن شاء عفا عنه و إن شاء عاقبه قال فبايعناه على ذلك» .

و ما روي أيضا في الحديث الصحيح أنه صلى اللّه عليه و سلم قال: من مات لا يشرك باللّه شيئا دخل الجنة و اللّه الموفق.

الخمل:

بالتحريك ضرب من السمك قاله ابن سيده.

الخنتعة:

كقنفذة الأنثى من الثعالب قاله الأزهري.

الخندع:

كجندب زنة و معنى صغار الجنادب و قال في المحكم: إنه الخفاش في بعض اللغات.

الخنزير البري:

بكسر الخاء المعجمة جمعه خنازير و هو عند أكثر اللغويين رباعي و حكى ابن سيده عن بعضهم إنه مشتق من خزر العين لأنه كذلك ينظر. فهو على هذا ثلاثي يقال تخازر الرجل إذا ضيق جفنه ليحدد النظر، كقولك: تعامى و تجاهل، قال عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنه في يوم صفين:

إذا تخازرت و ما بي من خزر # ثم كسرت الطرف من غير حور

ألفيتي ألوي بعيد المستمر # كالحية الصماء في أصل الشجر

أحمل ما حملت من خير و شر.

____________

(1) سورة النساء: الآية 93.

(2) رواه مسلم إيمان: 150-153. زكاة 32-33 و البخاري: علم 49. خبائز: 1-توعيد: 33. رفاق:

13-14. و رواه الترمذي إيمان: 18. النسائي صلاة 1. ابن ماجة ديات: 1. أحمد: 1/374.

424

و كنية الخنزير أبو جهم و أبو زرعة و أبو دلف و أبو عتبة و أبو علية و أبو قادم، و هو يشترك بين البهيمية و السبعية، فالذي فيه من السبع الناب و أكل الجيف، و الذي فيه من البهيمية الظلف و أكل العشب و العلف، و هذا النوع يوصف بالشبق، حتى إن الأنثى منه يركبها الذكر و هي ترتع، فربما قطعت أميالا و هو على ظهرها، و يرى أثر ستة أرجل، فمن لا يعرف ذلك يظن أن في الدواب ماله ستة أرجل. و الذكر من هذا النوع يطرد الذكور عن الإناث، و ربما قتل أحدهما صاحبه، و ربما هلكا جميعا. و إذا كان زمن هيجان الخنازير، طأطأت رءوسها، و حركت أذنابها، و تغيرت أصواتها. و تضع الخنزيرة عشرين خنوصا، و تحمل من نزوة واحدة، و الذكر ينزو إذا تمت له ثمانية أشهر، و الأنثى تضع إذا مضى لها ستة أشهر. و في بعض البلاد ينزو الخنزير إذا تمت له أربعة أشهر، و الأنثى تحمل جراءها و تربيها، إذا تمت لها ستة أشهر أو سبعة. و إذا بلغت الأنثى خمس عشرة سنة لا تلد. و هذا الجنس أنسل الحيوان، و الذكر أقوى الفحول على السفاد و أطولها مكثا فيه، يقال: إنه ليس لشي‏ء من ذوات الأنياب و الأذناب، ما للخنزير من القوة في نابه، حتى إنه يضرب بنابه صاحب السيف و الرمح، فيقطع كل ما لاقى من جسده من عظم و عصب، و ربما طال ناباه فيلتقيان فيموت عند ذلك جوعا لأنهما يمنعانه من الأكل. و هو متى عض كلبا سقط شعر الكلب. و هو إذا كان وحشيا ثم تأهل، لا يقبل التأديب. و يأكل الحيات أكلا ذريعا، و لا يؤثر فيه سمومها، و هو أروغ من الثعلب، و إذا جاع ثلاثة أيام ثم أكل سمن في يومين، و هكذا تفعل النصارى بالخنازير في الروم يجيعونها ثلاثة أيام، ثم يطعمونها يومين لتسمن. و إذا مرض أكل السرطان فيزول مرضه. و إذا ربط على حمار ربطا محكما، ثم بال الحمار مات الخنزير.

و من عجيب أمره:

أنه إذا قلعت إحدى عينيه مات سريعا، و فيه من الشبه بالإنسان أنه ليس له جلد يسلخ إلا أن يقطع بما تحته من اللحم و روى الخباري و مسلم و غيرهما عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (1) : «و الذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم عليه السلام حكما مقسطا، فيكسر الصليب، و يقتل الخنزير، و يضع الجزية، و يفيض المال حتى لا يقبله أحد» . و في رواية «يهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، و يهلك الدجال، و يمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفاه اللّه فيصلي عليه المسلمون» . و هذا الحديث رواه أبو داود في آخر سننه في كتاب الملاحم مطوّلا قال الخطابي: و في قوله: «و يقتل الخنزير» دليل على وجوب قتل الخنازير، و بيان أن أعيانها نجسة، و ذلك أن عيسى عليه السلام إنما ينزل في آخر الزمان و شريعة الإسلام باقية و قوله: «و يضع الجزية» معناه أنه يضعها عن النصارى و اليهود و أهل الكتاب، و يحملهم على الإسلام فلا يقبل منهم غير دين الحق. فذلك معنى وضعها. و في أواخر الموطأ عن يحيى بن سعيد أن عيسى ابن مريم عليه الصلاة و السلام لقي خنزيرا على الطريق، فقال له:

اذهب بسلام، فقيل له: أ تقول هذا الخنزير؟فقال عيسى عليه الصلاة و السلام: إني أخاف أن أعود لساني النطق بالسوء.

____________

(1) رواه البخاري في المظالم: 31، و البيوع: 102، و الأنبياء: 49. و رواه مسلم في الإيمان 242-243. و رواه أبو داود في الملاحم: 14، و الترمذي في الفتن: 54، و ابن ماجة في الفتن: 33، و أحمد: 2/240.

425

فائدة:

ذكر أهل التفسير و أصحاب السير، أن عيسى عليه الصلا و السلام استقبل رهطا من اليهود، فلما رأوه قالوا: قد جاء الساحر ابن الساحرة، و قذفوه و أمه، فلما سمع ذلك عيسى دعا عليهم و لعنهم فمسخهم اللّه تعالى خنازير، فلما رأى ذلك يهوذا، و هو رأس اليهود و أميرهم، فزع من ذلك و خاف دعوته، فجمع اليهود و استشارهم في أمر عيسى عليه الصلاة و السلام، فاجتمعت كلمة اليهود على قتله، فطرقوا عيسى عليه الصلاة و السلام في بعض الليل و نصبوا خشبة ليصلبوه عليها، فأظلمت الأرض، و أرسل اللّه تعالى ملائكة فحالت بينهم و بينه، فجمع عيسى عليه الصلاة و السلام الحواريين تلك الليلة، و أوصاهم ثم قال: ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك و يبيعني بدراهم يسيرة، ثم إن الحواريين خرجوا من عنده و تفرقوا. و كانت اليهود تطلبه فأتى إليهم أحد الحواريين، و قال لهم: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟فجعلوا له ثلاثين درهما فأخذها و دلهم عليه فلما دخل البيت، ألقى اللّه تعالى عليه شبه عيسى، و رفع اللّه عيسى إليه.

فدخلوا فرأوه، فأخذوه. فقال لهم: أنا الذي دللتكم عليه، فلم يلتفتوا إلى قوله، و قتلوه و صلبوه و هم يظنون أنه عيسى. و قيل: إن الذي ألقي عليه شبهه كان من اليهود، و اسمه تطبانوس.

و قيل: إن عيسى عليه الصلاة و السلام قال للحواريين؟أيكم يقذف عليه شبهي فيقتل؟فقال رجل منهم. أنا يا نبي اللّه. فقتل ذلك الرجل و صلب و رفع اللّه تعالى عيسى عليه الصلاة و السلام إليه، و كساه الريش و ألبسه النور، و قطع عنه لذة المطعم و المشرب، فهو عليه الصلاة و السلام طائر مع الملائكة المقربين حول العرش. و قال أهل التاريخ: حملت مريم بعيسى عليهما السلام و لها ثلاث عشرة سنة، و ولدت عيسى ببيت لحم، من أرض أروى شلم، لمضي خمس و ستين سنة، من غلبة الاسكندر على أرض بابل، و أوحى اللّه إليه على رأس ثلاثين سنة من عمره، و رفع من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان و هو ابن ثلاث و ثلاثين سنة. و ماتت أمه مريم بعد رفعه عليه السلام بست سنين. و ذكر ابن أبي الدنيا، عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: قيل لأبي أسيد الفزاري: من أين تعيش فحمد اللّه تعالى و كبره و قال: يرزق اللّه الكلب و الخنزير و لا يرزق أبا أسيد!؟و روى ابن ماجة، عن أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه، إن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (1) : «طلب العلم فريضة على كل مسلم، و واضع العلم في غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر و اللؤلؤ و الدر و الذهب» . و في اسناده كثير بن شنظير، و هو مختلف في توثيقه و تضعيفه. و قال في الإحياء: جاء رجل إلى ابن سيرين فقال: رأيت أن أقلد الدر أعناق الخنازير، فقال: أنت تعلم الحكمة غير أهلها. و فيه أيضا في الباب السادس من أبواب العلم، روي أن رجلا كان يخدم موسى عليه الصلاة و السلام فجعل يقول: حدثني موسى صفي اللّه حدثني موسى نجي اللّه حدثني موسى كليم اللّه حتى أثرى و كثر ماله ففقده موسى عليه السلام و جعل يسأل عنه فلم يجد له أثر. حتى جاءه رجل ذات يوم و في يده خنزير و في عنقه حبل أسود فقال: يا موسى أ تعرف فلانا؟قال:

نعم. قال: هو هذا الخنزير. فقال موسى عليه السلام: يا رب أسألك أن ترده إلى حاله الأول حتى أسأله بم أصابه ذلك؟فأوحى اللّه تعالى إليه لو دعوتني بالذي دعا به آدم فمن دونه ما أجبتك فيه، و لكن أخبرك لم صنعت به هذا لأنه كان يطلب الدنيا بالدين. و كذلك رواه الإمام أبو طالب

____________

(1) رواه ابن ماجة في المقدمة: 17.

426

المكي في قوت القلوب. و في المستدرك عن أبي إمامة رضي اللّه تعالى عنه عن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال:

«يبيت قوم من هذه الأمة على طعام و شراب و لهو فيصبحون و قد مسخوا خنازير، و ليخسفن اللّه بقبائل منها و دور منها حتى يصبحوا، فيقولوا قد خسف لليلة بدار بني فلان، و ليرسلن عليهم حجارة كما أرسلت على قوم لوط، و ليرسلن عليهم الريح العقيم بشربهم الخمر و أكلهم الربا و لبسهم الحرير، و اتخاذهم القينات و قطعهم الرحم» . ثم قال: صحيح الاسناد.

الحكم:

لا يجوز بيع الخنزير لما روى أبو داود من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «إن اللّه عز و جل حرم الخمر و ثمنها و حرم الميتة و ثمنها و حرم الخنزير و ثمنه» (1) . و اختلفوا في جواز الانتفاع به فكرهت طائفة ذلك و ممن منع منه ابن سيرين و الحكم و حماد و الشافعي و أحمد و إسحاق و رخص فيه الحسن و الأوزاعي و أصحاب الرأي. و هو نجس العين كالكلب يغسل ما نجس بملاقاة شي‏ء من أجزائه سبعا إحداهن بالتراب. و يحرم اكله لقوله‏ (2) تعالى: قُلْ لاََ أَجِدُ فِي مََا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ََ طََاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاََّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ و الرجس النجس. قال الإمام العلامة أقضى القضاة الماوردي: الضمير في قوله تعالى‏ فَإِنَّهُ رِجْسٌ عائد على الخنزير لكونه أقرب مذكور و نظيره قوله‏ (3) تعالى: وَ اُشْكُرُوا نِعْمَتَ اَللََّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيََّاهُ تَعْبُدُونَ و نازعه الشيخ أبو حبان و قال: إنه عائد على اللحم لأنه إذا كان في الكلام مضاف و مضاف إليه، عاد الضمير على المضاف دون المضاف إليه، لأن المضاف هو المحدث عنه، و المضاف إليه وقع ذكره بطريق العرض و هو تعريف المضاف و تخصيصه. و قال شيخنا الأسنوي رحمه اللّه تعالى: و ما ذكره الماوردي أولى من حيث المعنى، و ذلك أن تحريم اللحم قد استفيد من قوله تعالى، أو لحم خنزير فلو عاد الضمير لزم خلو الكلام من فائدة التأسيس، فوجب عوده إلى الخنزير ليفيد تحريم اللحم و الكبد و الطحال و سائر أجزائه، و قال القرطبي، في تفسير سورة البقرة، لا خلاف أن جملة الخنزير محرمة، إلا الشعر فإنه يجوز الخرازة به. و نقل ابن المنذر الإجماع على نجاسته. و في دعواه الإجماع نظر، لأن مالكا يخالف فيه، نعم هو أسوأ حالا من الكلب فإنه يستحب قتله و لا يجوز الانتفاع به في حالة، بخلاف الكلب. و قال شيخ الإسلام النووي رحمه اللّه: ليس لنا دليل على نجاسته بل مقتضى المذهب طهارته كالأسد و الذئب و الفأرة. و قد روي أن رجلا سأل النبي صلى اللّه عليه و سلم عن الخرازة بشعره فقال: «لا بأس بذلك» (4) رواه ابن خويزمنداد . قال: و لأن الخزازة به كانت على عهد النبي صلى اللّه عليه و سلم و بعده، موجودة ظاهرة و لم يعلم أنه صلى اللّه عليه و سلم أنكرها، و لا أحد من الأئمة بعده. و قال الشيخ نصر المقدسي: لا يجوز المسح على خف خرز بشعره و لا الصلاة فيه و إن غسله سبعا إحداهن بالتراب، لأن التراب و الماء لا يصلان إلى مواضيع الخرز المتنجسة قال الإمام النووي: و هذا الذي ذكره الشيخ أبو الفتح نصر هو المشهور. و قال القفال، في شرح التلخيص: سألت الشيخ أبا زيد عنه، فقال: الأمر إذا ضاق اتسع. و مراده أن بالناس ضرورة إليه، فتصح الصلاة فيه لذلك. و في الشرح و الروضة في أواخر كتاب الأطعمة قريب من ذلك. و لا يجوز اقتناء الخنزير سواء كان يعدو على الناس أو لم

____________

(1) رواه أبو داود بيوع: 64.

(2) سورة الأنعام: الآية 145.

(3) سورة النحل: الآية 114.

(4) رواه مسلم في الصلاة: 265-266-267. و رواه أبو داود صلاة: 109.

427

يكن يعدو، فإذا كان يعدو وجب قتله قطعا و إلا فوجهان: أحدهما يجب قتله، و الثاني يجوز قتله، و يجوز إرساله و هو ظاهر نص الشافعي. فالوجهان في وجوب قتله، و أما اقتناؤه فلا يجوز بحال كما صرح به في شرح المهذب و غيره. و في سنن أبي داود من حديث عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: أحسبه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «إذا صلى أحدكم إلى غير سترة فإنه يقطع صلاته الكلب و الحمار و الخنزير و اليهودي و المجوسي و المرأة الحائض، و يجزئ عنه إذا مروا بين يديه قذفه بحجر» . و فيه‏ (1) أيضا من حديث المغيرة بن شعبة رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (2) : «من باع الخمر فليشقص الخنازير» . قال الخطابي: معناه فليستحل أكلها. و قال في النهاية: معناه فليقطعها و يفصلها أعضاء كما تفصل الشاة إذا بيع لحمها. و المعنى: من استحل بيع الخمر فليستحل بيع الخنزير، فإنهما في التحريم سواء، و هذا لفظ أمر معناه النهي، تقديره من باع الخمر فليكن للخنازير قصابا. و جعله الزمخشري من كلام الشعبي.

الأمثال:

قالوا: «أطيش من عفر» . و العفر ولد الخنزير، و العفر أيضا الشيطان، و العفر أيضا العقرب، و قالوا: «أقبح من خنزير» . و قالوا: «أكرهه كراهة الخنازير الماء الموغر» . و أصله أن النصارى تغلي الماء للخنازير فتلقيها فيه لتنضج، فذلك هو الإيغار. قال أبو عبيد: و منه قول الشاعر:

و لقد رأيت مكانهم فكرهتهم # ككراهة الخنزير للإيغار

و قال ابن دريد: الإيغار أن يغلى الماء للخنازير فتسمط و هي حية.

إشارة:

ابن دريد هو محمد بن الحسن بن دريد أبو بكر الأزدي البصري إمام عصره في اللغة و الأدب و الشعر، و من جيد شعره المقصورة التي مدح بها الشاه بن ميكال و ولده إسماعيل و عارضه فيها جماعة كثيرة من الشعراء، و اعتنى بمقصورته جماعة من العلماء، فشرحوها. و من تصانيفه الجمهرة و هو من الكتب المعتبرة، قال بعض العلماء: ابن دريد أعلم الشعراء و أشعر العلماء، و عرض له في أواخر عمره فالج، فكان إذا دخل عليه الداخل ضج و تألم لدخوله و إن لم يصل إليه و سقي الترياق فبرئ منه و رجع إلى أسماع تلامذته ثم عاوده الفالج بعد حول، لغذاء ضار تناوله فكان يحرك يديه حركة ضعيفة، و بطل من محزمه إلى قدميه. قال تلميذه أبو علي: كنت أقول في نفسي إن اللّه تعالى عاقبه بقوله في المقصورة حين ذكر الدهر بقوله‏ (3) :

مارست من لو هوت الأفلاك # من جوانب الجوّ عليه ما شكا

و عاش بهذه الحالة عامين و كان آخر كلامه‏ (4) :

فوا حزني إن لا حياة لذيذة # و لا عمل يرضي به اللّه صالح‏

ثم قبض. قال ابن دريد: سهرت ليلة فلما كان آخر الليل رأيت رجلا دخل علي في المنام فأخذ بعضادتي الباب و قال: أنشدني أحسن ما قلت في الخمر، فقلت: ما ترك أبو نواس لأحد

____________

(1) رواه النسائي في القبلة: 7. و ابن ماجة إقامة: 38. و ابن حنبل: 1/247-347.

(2) رواه أبو داود بيوع: 64. الدارمي أشربة: 9. ابن حنبل: 4/253.

(3) وفيات الأعيان: 4/326.

(4) وفيات الأعيان: 4/327.

428

شيئا فقال: أنا أشعر منه، قلت: من أنت؟قال: أنا أبو ناجية من أهل الشام ثم أنشدني‏ (1) :

و حمراء قبل المزج صفراء بعده # أتت بين ثوبي نرجس و شقائق

حكت و جنة المعشوق صرفا فسلطوا # عليها مزاجا فاكتست لون عاشق‏

فقلت له: أسأت فقال: و لم؟قلت لأنك قلت: و حمراء، فقدمت الحمرة ثم قلت: بين ثوبي نرجس و شقائق، فقدمت الصفرة فقال: ما هذا الاستقصاء في هذا الوقت يا بغيض؟ و يقال: إن ابن دريد أنشدهما لنفسه، و كان ابن دريد يشرب الخمر إلى أن جاوز تسعين سنة، و كان، حين أصابه الفالج، صحيح الذهن و العقل، يرد فيما يسأل عنه ردا صحيحا. و توفي في شعبان سنة إحدى و عشرين و ثلاثمائة ببغداد، و دريد تصغير أدرد و هو الذي ليس في فيه سن قاله ابن خلكان و غيره.

الخواص:

كبده إذا أكلت أو سقيت لإنسان نفعت من نهش الهوام خصوصا الحيات، و إن جفت و سقيت لمن به ريح الفالج و القولنج، برئ من وقته، و إذا قطرت مرارته في أنف رجل مربوط في كل جانب من أنفه ثلاث قطرات انطلق و برئ، و إذا أحرق عظمه و سحق و شربه من به البواسير، فإنها تهدأ و تبرأ، بإذن اللّه تعالى، و قيل: إن حشي به موضع الناسور، أبرأه و عظمه يعلق على من به حمى الربع تذهب عنه، و قال يوحنا إن مما جربته الحكماء القدماء، أن عظم الخنزير يعلق على من به حمى الربع في خرقة تعقد فيه يبرأ منها، و إن جففت مرارته و وضعت على البواسير قلعتها من ساعتها، و زبله إذا أمسكه من به فواق دائم أبرأه، و إن شرب فتت الحصا.

و أجوده زبل البري، و إن عجن بخل و طلي به الرأس نفع من سائر الجراحات، و الجروح التي تظهر به، و إذا لطخ به، أصل شجرة الرمان الحامض أبدله حلوا و عرقوبه إذا أحرق و سحق و عجن بعسل و سقي لمن به مغص و نفخ في معدته و أمعائه وزن مثقال، فإنه ينفع نفعا عظيما.

التعبير:

الخنزير تدل رؤيته على الشر و النكد و الإفلاس، و على المال الحرام، و تدل رؤية إناثه على كثرة النسل، فإن حصل له منه ضرر في المنام ربما تنكد من نصراني، و قيل: الخنزير في المنام عدو قوي ملعون خدوع عند النوائب، غدّار فمن رأى أنه ركب خنزيرا نال مالا و قهر عدوا كما وصفت و من أكل لحم الخنزير مطبوخا نال مالا و تجارة من غير حل. و من رأى أنه تحول خنزيرا نال مالا مع ذلة و وهن في الدين و من رأى أنه يمشي، كما يمشي الخنزير، نال سرورا و قرة عين.

و أولاد الخنازير هموم لمن ملكها و الخنزير الأهلي خصب لمن رآه بداره، و كل حيوان يتربى عاجلا و يألف فهو تمام قصد من رآه و قضاء حاجته. و البري يدل للمسافر على مطر أو برد. و من رعى الخنازير في المنام فإنه يلي على قوم من اليهود و النصارى. و من رأى كأن زوجته صارت خنزيرة، فإنه يطلقها لأنه حرمت عليه. و لحمه خير لجميع الناس لأن الخنزير لا ينفع إلا بعد موته و هو مال حرام لقوله‏ (2) تعالى: إِنَّمََا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةَ وَ اَلدَّمَ وَ لَحْمَ اَلْخِنْزِيرِ* ففيه إشارة لذلك و اللّه أعلم

____________

(1) وفيات الأعيان: 4/327.

(2) سورة البقرة: الآية 173.

429

الخنزير البحري:

سئل مالك عنه فقال: أنتم تسمونه خنزيرا يعني أن العرب لا تسميه بذلك لأنها لا تعرف في البحر خنزيرا و المشهور أنه الدلفين. و سيأتي إن شاء اللّه في باب الدال المهملة قال الربيع: سئل الشافعي رضي اللّه تعالى عنه عن خنزير الماء فقال: يؤكل. و روي أنه لما دخل العراق قال فيه: حرمه أبو حنيفة و أحله ابن أبي ليلى. و روي هذا القول عن عمرو عثمان و ابن عباس و أبي أيوب الأنصاري و أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنهم، و الحسن البصري و الأوزاعي و الليث و أبى مالك أن يقول فيه شيئا و أبقاه مرة أخرى على جهة الورع. و حكى ابن أبي هريرة عن ابن خيران أن اكارا صاد له خنزير ماء، و حمله إليه فأكله و قال: كان طعمه موافقا لطعم الحوت سواء. و قال ابن وهب: سألت الليث بن سعد عنه، فقال: إن سماه الناس خنزيرا لم يؤكل لأن اللّه حرم الخنزير.

الخنفساء:

معروفة، و كان من حقها أن تكتب قبل هذا لأن نونها زائدة و هي بفتح الفاء ممدودة الأنثى خنفساءة و قال ابن سيده: الخنفساء دويبة سوداء أصغر من الجعل منتنة الريح.

و الأنثى خنفسة و خنفساءة و ضم الفاء في كل ذلك لغة. و الخنفس اسم للكثير من الخنافس. و قال الأصمعي: لا يقال خنفساءة بالهاء و كنيتها أم القسور و أم الأسود، و أم مخرج و أم اللجاج، و أم التن، تتولد من عفونة الأرض و هي طويلة الظمأ و بينها و بين العقرب صداقة، و لهذا يسميها أهل المدينة الشريفة جارية العقرب.

و هي أنواع منها الجعل و حمار قبان، و بنات وردان، و الحنطب و هو ذكر الخنافس، و الخنفساء مخصوصة بكثرة الفسو كالظربان و لذلك تقول العرب في أمثالها (1) : «إذا تحركت الخنفساء فست» .

قال حنين بن إسحاق: طريق طرد الخنافس أن يطرح في أماكنها الكرفس فإنها تهرب من ذلك المكان. و روى ابن عدي في كامله في ترجمة أبي معشر و اسمه نجيح عن المقبري عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (2) : «ليدعن الناس فخرهم في الجاهلية، أو ليكونن أبغض إلى اللّه تعالى من الخنافس» .

غريبة:

حكى القزويني أن رجلا رأى خنفساء فقال: ما ذا يريد اللّه تعالى من خلق هذه؟ أ لحسن شكلها أو لطيب ريحها!فابتلاه اللّه تعالى بقرحة عجز عنها الأطباء حتى ترك علاجها، فسمع يوما صوت طبيب من الطرقيين ينادي في الدرب، فقال: هاتوه حتى ينظر في أمري، فقالوا: و ما تصنع بطرقي و قد عجز عنك حذاق الأطباء!فقال: لا بد لي منه، فلما أحضروه و رأى القرحة استدعى بخنفساء، فضحك الحاضرون منه، فتذكر العليل القول الذي سبق منه، فقال: احضروا له ما طلب فإن الرجل على بصيرة من أمره، فأحضروها له، فأحرقها و ذر رمادها على قرحته فبرئ بإذن اللّه تعالى. فقال للحاضرين: إن اللّه تبارك و تعالى أراد أن يعرفني أن أخس المخلوقات أعز الأدوية.

و حكى: (3) ابن خلكان في ترجمة جعفر بن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي أنه

____________

(1) مجمع الأمثال: 1/245. و جمهرة الأمثال: 2/90. و فيه: «أفسى من خنفساء» .

(2) الكامل لابن عدي: 7/2517. و رواه ابن حنبل: 2/366.

(3) وفيات الأعيان: 1/328.

430

كان عنده أبو عبيدة الثقفي فقصدته خنفساء فأمر جعفر بإزالتها، فقال أبو عبيدة: دعوها عسى أن يأتين بقصدها إليّ خير، فإنهم يزعمون ذلك، فأمر له جعفر بألف دينار، فقال: تحقق زعمهم.

فأمر بتنحيتها فقصدته ثانيا فأمر له بألف دينار أخرى.

الحكم‏

يحرم أكلها لاستخباثها. و قال الأصحاب: ما لا يظهر فيه ضر و لا نفع، كالخنافس و الدود و الجعلان و السرطان و البغاث و الرخمة و العظاءة و السلحفاة و الذباب و أشباهها، يكره قتلها للمحرم و غيره، هكذا قطع به الجمهور. و حكى إمام الحرمين وجها شاذا إنه لا يحرم قتل الطيور و الحشرات. و دليل الكراهة أنه عبث بلا حاجة. و قد ثبت في صحيح مسلم عن شداد بن أوس رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم، قال‏ (1) : إن اللّه تعالى كتب الإحسان على كل شي‏ء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة» . و ليس من الإحسان قتلها عبثا. و روى البيهقي عن قطبة الصحابي رضي اللّه تعالى عنه أنه كان يكره أن يقتل الرجل ما لا يضره.

الأمثال:

يقال: «أفسى من الخنفساء (2) و قالوا: «الخنفساء إذا مست نتنت‏ (3) » . أي جاءت بالنتن الكثير. يضرب لمن ينطوي على خبث معناه لا تفتشوا على ما عنده، فإنه يؤذيكم بنتن معايبه. و قال خلف الأحمر (4) النحوي يهجو العتبي‏ (5) :

لنا صاحب مولع بالخلاف # كثير الخطاء قليل الصواب

ألج لجاجا من الخنفساء # و أدهى إذا ما مشى من غراب‏ (6)

الخواص:

إذا أخذت رءوس الخنافس و جعلت في برج حمام اجتمع الحمام إليه، و الاكتحال بما في جوفها من الرطوبة يحد البصر، و يجلو غشاوة العين، و يزيل البياض، و ينفع السبل نفعا عظيما بليغا. و إذا بخر المكان بورق الدلب، هرب منه الخنافس و إن أخذت خنفساء و طبخت بعصير السمسم و قطر في الأذن منه، فإنه نافع من جميع أوجاع الأذن و إن شدخت خنفساء و ربطت على لسعة العقرب أبرأتها، و إن أحرقت و ذر رمادها على القرحة أبرأتها، و من أكل الخنفساء و لم يشعر بها حتى دخلت إلى جوفه، و هي حية قتلته من وقته.

التعبير:

الخنفساء في المنام تدل رؤيتها على موت النفساء، و رؤية الذكر تدل على رجل يخدم الأشرار. و ربما دلت رؤيته على عدوّ قذر بغيض و اللّه أعلم.

الخنّوص:

بكسر الخاء و تشديد النون ولد الخنزير، و الجمع الخنانيص. قال الأخطل يخاطب بشر بن مروان:

____________

(1) رواه مسلم في الصيد: 57. و أبو داود في الأضاحي: 11. الترمذي في الديات: 14 النسائي في الضحايا:

22-26-27. ابن ماجة ذبائح: 3. الدارمي أضاحي: 10.

(2) مجمع الأمثال: 1/245. و جمهرة الأمثال: 2/90. و فيه: «أفسى من خنفساء» .

(3) مجمع الأمثال: 1/245. و جمهرة الأمثال: 2/90. و فيه: «أفسى من خنفساء» .

(4) خلف الأحمر: خلف بن حيّان، أبو محرز، راوية، أديب، شاعر بصري له علم في النحو. مات سنة 180 هـ-.

(5) العتبي: محمد بن عبيد اللّه بن عمرو: أديب كثير الأخبار حسن الشعر. مات في البصرة سنة 228.

(6) البيتان في الحيوان للجاحظ: 3/500. و فيه: «أزهي إذا» .

431

أكلت الدجاج فأفنيتها # فهل في الخنانيص من مغمر

و يروي أكلت القطاة قاله ابن سيده.

و حكمه و تعبيره: كالخنزير.

الخواص:

مرارته تحلل الأورام اليابسة، و إذا خلطت بعسل و طلي بها احليل الرجل هيج الباه بشهوة عظيمة. و شحمه المذاب إذا مسح به أصل شجر الرمان الحامض أبدله حلوا.

الخيتعور:

الذئب لأنه لا عهد له. و قيل: الخيتعور الغول، و الياء فيه زائدة، و في الحديث:

«ذاك أزب العقبة يقال له الخيتعور» . يريد به شيطان العقبة فجعل الخيتعور اسما له. و قيل:

الخيتعور كل شي‏ء يضمحل و لا يدوم على حالة واحدة و لا يكون له حقيقة كالسراب قال الشاعر (1) :

كل أنثى و إن بدا لك منها # آية الحب حبها خيتعور

و قيل: الخيتعور دويبة تكون في وجه الماء لا تثبت في موضع إلا دبت. و قيل: الخيتعور الذي ينزل في الهواء، أبيض كالخيط أو كنسج العنكبوت. و قيل الخيتعور الدنيا الذاهبة و اللّه أعلم.

الخيدع:

و الخيطل السنور و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب السين.

الأخيل:

طائر أخضر على جناحيه لمع تخالف لونه سمي بذلك للخيلان. و قيل للأخيل الشقراق و هو مشئوم. و لفظه ينصرف في النكرة إذا سميت به، و منهم من لا يصرفه في معرفة و لا نكرة و يجعله في الأصل صفة من التخيل. و يحتج بقوله حسان رضي اللّه تعالى عنه:

ذريني و علمي بالأمور و شيمتي # فما طائري فيها عليك بأخيلا (2)

الخيل:

جماعة الأفراس لا واحد له من لفظه كالقوم و الرهط و النفر. و قيل: مفرده خائل، قاله أبو عبيدة و هي مؤنثة و الجمع خيول و قال السجستاني: تصغيرها خييل.

و سميت الخيل خيلا لاختيالها في المشية، فهو على هذا اسم للجمع عند سيبويه، و جمع عند أبي الحسن. و يكفي في شرف الخيل أن اللّه تعالى أقسم بها في كتابه فقال:

وَ اَلْعََادِيََاتِ ضَبْحاً (3) و هي خيل الغزو التي تعدو فتضج أي تصوّت بأجوافها. و في الصحيح عن جرير بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه قال: رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يلوي ناصية فرسه بإصبعيه و هو يقول: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (4) » . الأجر

____________

(1) البيت في الحيوان للجاحظ منسوب إلى الحارث بن عمرو الكندي-و فيه: «آية الود عهدها... » .

(2) البيت في ديوان حسان: 404. و فيه: «طائري يوما... » .

(3) سورة العاديات: الآية 1.

(4) رواه البخاري: مناقب 28. مسلم: زكاة 25. أبو داود: جهاد 41. ابن ماجة: تجارات 29. الدارمي:

جهاد 33. الموطأ: جهاد 44. أحمد: 3/39.

432

و الغنيمة. و معنى عقد الخير بنواصيها أنه ملازم لها، كأنه معقود فيها و المراد بالناصية هنا الشعر المسترسل على الجبهة. قاله الخطابي و غيره قالوا: و كنى بالناصية عن جميع ذات الفرس، كما يقال: فلان مبارك الناصية، و ميمون الغرة أي الذات. و في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أتى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين و إنا إن شاء اللّه بكم لاحقون وددت أنا قد رأينا إخواننا (1) » . قالوا: أ و لسنا إخوانك يا رسول اللّه؟قال صلى اللّه عليه و سلم: «بل أنتم أصحاب إخواننا الذي لم يأتوا بعد» . فقالوا:

كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول اللّه؟قال صلى اللّه عليه و سلم: «أ رأيتم لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهراني خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟قالوا: بلى يا رسول اللّه.

قال صلى اللّه عليه و سلم: «فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء و أنا فرطهم على الحوض» (2) . و في رواية البيهقي، «إن أمتي يأتون يوم القيامة، غرا من السجود، محجلين من الوضوء، و لا يكون ذلك لأحد من الأمم غيرهم» . و روى مسلم و أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجة عن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «كان يكره الشكال من الخيل» (3)

و الشكال أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياض، و في يده اليسرى بياض، أو في يده اليمنى و رجله اليسرى، كذا وقع تفسيره في صحيح مسلم و هذا أحد الأقوال في الشكال.

و قال أبو عبيدة و جمهور أهل اللغة: و الغريب هو أن يكون منه ثلاث قوائم محجلة، و واحدة مطلقة تشبيها بالشكال الذي يشكل به الخيل، فإنه يكون في ثلاث قوائم غالبا. و قال أبو عبيدة: و قد يكون الشكال ثلاث قوائم مطلقة و واحدة محجلة، قال: و لا تكون المطلقة أو المحجلة إلا في الرجل. و قال ابن دريد: هو أن يكون محجلا في شق واحد في يده و رجله، فإن كان مخالفا، قيل: شكال مخالف، و قيل: الشكال بياض اليدين، و قيل:

بياض الرجلين. قال العلماء: إنما كرهه صلى اللّه عليه و سلم، لأنه على صورة المشكول و قيل: يحتمل أن يكون جرب ذلك الجنس، فلم يكن فيه نجابة. و قال بعض العلماء: فإذا كان مع ذلك أغر زالت الكراهة لزوال شبهه بالشكال. و قال ابن رشيق، في عمدته في باب منافع الشعر و مضاره: إن أبا الطيب المتنبي لما ذهب إلى بلاد فارس و مدح عضد (4) الدولة بن بويه الديلمي، و أجزل جائزته، رجع من عنده قاصدا بغداد، و كان معه جماعة، فخرج عليهم

____________

(1) رواه مسلم: جنائز 102. أبو داود: جنائز 79. النسائي: طهارة 109. ابن ماجة: جنائز 36. الموطأ:

طهارة 28.

(2) رواه البخاري: وضوء 3. و مسلم: طهارة 34، 39. و الترمذي: جمعة 74. و النسائي: طهارة 109.

ابن ماجة: طهارة 6. الموطأ: طهارة 28. أحمد: 1/288.

(3) رواه أبو داود في الجهاد: 43. و مسلم: إمارة 101-102. الترمذي: جهاد 21. النسائي: خيل 4.

ابن ماجة: جهاد 14. أحمد: 2/250.

(4) عضد الدولة: فنّاخسرو بن الحسن، لقبه عضد الدولة، تولى ملك بلاد فارس و الموصل أيام الدولة العباسية.

مات سنة 372. و كان جوادا مهيبا ممدّحا.

433

قطاع الطريق، بالقرب من بغداد، فلما رأى الغلبة فر هاربا، فقال له غلامه: لا يتحدث الناس عنك بالفرار أبدا و أنت القائل‏ (1) :

الخيل و الليل و البيداء تعرفني # و الحرب و الضرب و القرطاس و القلم‏

فكر راجعا، و قاتل حتى قتل. فكان سبب قتله هذا البيت، و ذلك في شهر رمضان سنة أربع و خمسين و ثلاثمائة. و ما أحسن قول أبي سليمان الخطابي في مدح العزلة و الانفراد و إن لم يكن له تعلق بهذا المعنى:

أنست بوحدتي و لزمت بيتي # فدام الأنس لي و نما السرور

و أدّبني الزمان فلا أبالي # هجرت فلا أزار و لا أزور

و لست بسائل ما دمت حيا # أ سار الخيل أم ركب الأمير

فائدة

: ذكر ابن خلكان في تاريخه أن شخصا سأل المتنبي عن قوله.

بادر هواك صبرت أم لم تصبرا.

كيف يثبت الألف في تصبرا مع وجود لم الجازمة!و من حقه أن يقول لم تصبر؟فقال أبو الطيب المتنبي: لو كان أبو الفتح بن جني هاهنا لأجابك: هذه الألف هي بدل النون الساكنة لأنه كان في الأصل لم تصبرن، و نون التأكيد الخفيفة إذا وقف الإنسان عليها أبدل منها ألفا قال الأعشى‏ (2) :

و ذا النصب المنصوب لا تنسكنّه # و لا تعبد الشيطان و اللّه فاعبدا

كان الأصل فاعبدن، فلما وقف عليها أتي بألف بدلا من النون و مراده بأبي الفتح عثمان بن جني الموصلي النحوي المشهور، و كان ابن جني قد قرأ على أبي علي الفارسي و فارقه و قعد للإقراء بالموصل، فمر به شيخه أبو علي يوما فرآه في حلقته، فقال له: زبّبت و أنت حصرم، فترك حلقته و تبعه، و لم يزل ملازما له حتى مهر. و أبوه جني مملوك رومي، و له أشعار حسنة و كان أعور بعين واحدة و في ذلك يقول‏ (3) :

صدودك عني و لا ذنب لي # يدل على نية فاسده

فقد و حياتك مما بكيت # خشيت على عيني الواحدة

و لو لا مخافة أن لا أراك # لما كان في تركها فائدة

و له تصانيف مفيدة و شرح ديوان المتنبي و لذلك أشار إليه المتنبي كما تقدم و كانت وفاة

____________

(1) ديوان المتنبي: 3/369. و فيه: «الخيل و الضرب و الطعن... » .

(2) ديوان الأعشى 137. و فيه: «و لا تعبد الأوثان... » و تمام البيت:

و ذا النصب المنصوب لا تنسكنّه # و لا تعبد....

(3) الأبيات لابن جني و هي في وفيات الأعيان: 3/246.

434

ابن جني في صفر ببغداد سنة اثنتين و تسعين و ثلاثمائة. و في سنن النسائي، من حديث سلمة بن نفيل الكوني أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «نهى عن إذالة الخيل» ، و هو امتهانها في الحمل عليها و استعمالها.

و أنشد أبو عمر بن عبد البر، في التمهيد لابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما:

أحبوا الخيل و اصطبروا عليها # فإن العز فيها و الجمالا

إذا ما الخيل ضيعها أناس # ربطناها فأشركنا العيالا

نقاسمها المعيشة كل يوم # و نكسوها البراقع و الجلالا

فائدة:

رأيت في تاريخ نيسابور، للحاكم أبي عبد اللّه في ترجمة أبي جعفر الحسن بن محمد بن جعفر الزاهد العابد أنه روى بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «لما أراد اللّه سبحانه و تعالى أن يخلق الخيل، قال لريح الجنوب: إني خالق منك خلقا، أجعله عزا لأوليائي و مذلة لأعدائي و جمالا لأهل طاعتي فقالت الريح: اخلق يا رب، فقبض منها قبضة فخلق منها فرسا، و قال جل و علا: خلقتك عربيا و جعلت الخير معقودا بنواصيك، و الغنائم محتازة على ظهرك، و بوأتك سعة من الرزق و أيدتك على غيرك من الدواب، و عطفت عليك صاحبك، و جعلتك تطيرين بلا جناح، فأنت للطلب و أنت للهرب و إني سأجعل على ظهرك رجالا يسبحونني و يحمدونني و يهللونني و يكبرونني» . ثم قال صلى اللّه عليه و سلم: «ما من تسبيحة و تهليلة و تكبيرة، يكبرها صاحبها قد فتسمعه الملائكة إلا تجيبه بمثلها. قال: فلما سمعت الملائكة بخلق الفرس، قالت: يا رب نحن ملائكتك نسبحك و نحمدك و نهلك و نكبرك، فما ذا لنا؟ فخلق اللّه تعالى لها خيلا لها أعناق كأعناق البخت، يمد بها من شاء من أنبيائه و رسله، قال: فلما استوت قوائم الفرس في الأرض. قال اللّه تعالى له: إني أذل بصهيلك المشركين، و أملأ منه آذانهم، و أذل به أعناقهم، و أرعب به قلوبهم. قال: فلما أن عرض اللّه تعالى على آدم كل شي‏ء مما خلق، قال له: اختر من خلقي ما شئت، فاختار الفرس. فقيل له: اخترت عزك و عز ولدك خالدا ما خلدوا و باقيا ما بقوا أبد الآبدين، و دهر الداهرين» .

و هو في شفاء الصدور عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، بغير هذا اللفظ. و لفظه إن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «لما أراد اللّه أن يخلق الخيل أوحى إلى ريح الجنوب: إني خالق منك خلقا فاجتمعي فاجتمعت، فأتى جبريل عليه السلام فقبض منها قبضة، ثم قال اللّه عز و جل له: هذه قبضتي ثم خلق منها فرسا كميتا. و قال اللّه عز و جل: خلقتك فرسا و جعلتك عربيا، و فضلتك على سائر ما خلقت من البهائم، بسعة الرزق و الغنائم، تقاد على ظهرك، و الخير معقود بناصيتك. ثم أرسله فصهل، فقال جل و علا: «يا كميت بصهيلك أرهب المشركين و أملأ مسامعهم، و أزلزل أقدامهم، ثم وسمه بغرة و تحجيل فلما خلق اللّه تعالى آدم، قال: يا آدم اختر أي الدابتين أحببت: يعني الفرس أو البراق، و هو على صورة البغل لا ذكر و لا أنثى، فقال:

يا جبريل اخترت أحسنهما وجها و هو الفرس، فقال اللّه تعالى: يا آدم اخترت عزك و عز أولادك باقيا ما بقوا، و خالدا ما خلدوا» . و فيه أيضا عن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، و كرم وجهه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «إن في الجنة شجرة، يخرج من أعلاها حلل، و من أسفلها خيل بلق‏

435

من ذهب مسرجة ملجمة، بلجم من در و ياقوت، لا تروث و لا تبول، لها أجنحة خطوتها مد بصرها، يركبها أهل الجنة فتطير بهم حيث شاءوا، فيقول الذين أسفل منهم درجة: «يا ربنا بم بلغ عبادك هذه الكرامة كلها؟فيقول بأنهم كانوا يقومون الليل، و كنتم تنامون، و كانوا يصومون النهار و كنتم تأكلون، و كانوا ينفقون و كنتم تبخلون، و كانوا يقاتلون و كنتم تجبنون. ثم يجعل اللّه في قلوبهم الرضا فيرضون و تقرّ أعينهم» .

فائدة أخرى:

أول من ركب الخيل إسماعيل عليه السلام، و لذلك سميت بالعراب، و كانت قبل ذلك وحشية كسائر الوحوش، فلما أذن اللّه تعالى لإبراهيم و إسماعيل عليهما السلام برفع القواعد من البيت قال اللّه عز و جل: إني معطيكما كنزا دخرته لكما، ثم أوحى اللّه إلى إسماعيل:

أن اخرج فادع بذلك الكنز، فخرج إلى أجياد، و كان لا يدري ما الدعاء و الكنز!فألهمه اللّه تعالى الدعاء، فلم يبق على وجه الأرض فرس بأرض العرب إلا اجابته، فأمكنته من نواصيها و تذللت له، و لذلك قال نبينا صلى اللّه عليه و سلم: «اركبوا الخيل فإنها ميراث أبيكم إسماعيل» . و روى النسائي عن أحمد بن حفص عن أبيه عن إبراهيم بن طهارة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس رضي اللّه تعالى عنه، قال: إن النبي صلى اللّه عليه و سلم «لم يكن شي‏ء أحب إليه، بعد النساء، من الخيل» .

إسناده‏ (1) جيد. و روى الثعلبي بإسناده عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال‏ (2) : «ما من فرس إلا و يؤذن له عند كل فجر بدعوة يدعو بها: اللهم من خولتني من بني آدم و جعلتني له فاجعلني أحب أهله و ماله إليه» . و قال‏ (3) صلى اللّه عليه و سلم: «الخيل ثلاثة: فرس للرحمن، و فرس للإنسان، و فرس للشيطان. فأما فرس الرحمن فما اتخذني في سبيل اللّه تعالى و قوتل عليه أعداؤه، و فرس الإنسان ما استطرق عليه، و فرس الشيطان ما روهن عليه» . و في طبقات ابن سعد بسنده، عن عريب المليكي أن النبي صلى اللّه عليه و سلم سئل عن قوله‏ (4) تعالى: اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ سِرًّا وَ عَلاََنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ من هم؟فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم: هم أصحاب الخيل. ثم قال‏ (5) صلى اللّه عليه و سلم: «إن المنفق على الخيل كباسط يده بالصدقة لا يقبضها، و أبوالها أرواثها يوم القيامة كذكي المسك» . و عريب بضم العين المهملة. و روى الشيخان عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم سابق بين الخيل التي ضمرت و كان أمدها من الحفياء إلى ثنية الوداع، و سابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، و كان ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما فيمن أجرى. و روى شيخ الإسلام الحافظ الذهبي في آخر طبقات الحفاظ، عن شيخه الحافظ شرف الدين الدمياطي، بإسناده إلى أبي أيوب الأنصاري رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «لا تحضر الملائكة من اللهو شيئا إلا ثلاثة: لهو الرجل مع امرأته و إجراء الخيل، و النضال» . و روى الترمذي في صفة أهل الجنة بإسناد ضعيف عن واصل بن السائب عن أبي

____________

(1) رواه النسائي: خيل 2. ابن حنبل: 5-27.

(2) رواه النسائي: خيل 9. ابن حنبل: 5-162.

(3) رواه البخاري: جهاد 48. مساقاة: 12. و رواه مسلم: زكاة 24. و ابن ماجة: جهاد 14. الموطأ: جهاد 3.

و أحمد: 1-295.

(4) سورة البقرة: الآية 274.

(5) رواه أبو داود: لباس 25. ابن حنبل: 4-180.

436

سودة عن أبي أيوب الأنصاري رضي اللّه تعالى عنه، قال: جاء إعرابي إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم، فقال: إني أحب الخيل فهل في الجنة خيل؟فقال‏ (1) صلى اللّه عليه و سلم: «إن دخلت الجنة أتيت بفرس من ياقوتة لها جناحان، فتحمل عليها فتطير بك في الجنة حيث شئت» . و في معجم ابن قانع، إن هذا الإعرابي اسمه عبد الرحمن بن ساعدة الأنصاري. و كذلك ذكره الدينوري في أوائل المجالسة، و ذكر ابن عدي بهذا الإسناد الضعيف، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «إن أهل الجنة يتزاورون على نجائب بيض كأنهن الياقوت و ليس في الجنة من البهائم إلا الإبل و الطير.

فائدة أخرى‏

: خيل السباق عشرة: ذكرها الرافعي و غيره و حذفها من الروضة و هي مجل و مصل و تال و بارع و مرتاح و حظي و عاطف و مؤمل و السكيت و الفسكل و إلى ذلك أشرت في المنظومة بقولي:

مهمة خيل السباق عشرة # في الشرح دون الروضة المعتبرة

و هي مجل و مصل تالي # و البارع المرتاح بالتوالي

ثم حظي عاطف مؤمل # ثم السكيت و الأخير الفسكل‏

فائدة أخرى:

قال السهيلي في التعريف و الإعلام: و أما خيل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فأسماؤها:

السكب، و هو من سكب الماء كأنه سيل، و السكب أيضا شقائق النعمان، و المرتجز سمي بذلك لحسن صهيله و اللحيف كأنه يلحف الأرض لجريه، و يقال فيه اللخيف بالخاء المعجمة. و ذكر البخاري في جامعه و اللزاز و معناه أنه ما سابق شيئا إلا لزه أي أثبته، و ملاوح و الضرس و الورد وهبه لعمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه فحمل عليه عمر في سبيل اللّه تعالى، و هو الذي وجده يبتاع برخص انتهى.

فائدة أخرى:

روى ابن السني و أبو القاسم الطبراني عن أبان بن أبي عياش و المستغفري أيضا عن أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف أن أنظر أنس بن مالك خادم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فأدن مجلسه، و أحسن جائزته و أكرمه. قال: فأتيته فقال لي: يا أبا حمزة إني أريد أن أعرض عليك خيلي فتعلمني أين هي من الخيل التي كانت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؟فعرضها فقلت: شتان ما بينهما!تلك كانت أرواثها و أبوالها و أعلافها أجرا، و هذه هيئت للرياء و السمعة. فقال الحجاج: لو لا كتاب أمير المؤمنين فيك لضربت الذي فيه عيناك! فقلت: ما تقدر على ذلك، قال: و لم؟قلت: لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم علمني دعاء أقوله لا أخاف معه من شيطان و لا سلطان و لا سبع. فقال: يا أبا حمزة علمه ابن أخيك يعني ابنه محمد بن الحجاج، فأبيت عليه. فقال لابنه: ائت عمك أنسا فتسأله أن يعلمك ذلك. قال أبان: فلما حضرته الوفاة دعاني فقال: يا أبا أحمد إن لك إلي انقطاعا، و قد وجبت حرمتك، و إني معلمك الدعاء الذي علمني رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فلا تعلمه من لا يخاف اللّه أو نحو ذلك، و هو ذلك الدعاء المبارك: اللّه أكبر اللّه أكبر بسم اللّه على نفسي و ديني، بسم اللّه على أهلي و مالي، بسم اللّه على كل شي‏ء أعطانيه ربي، بسم اللّه خير الأسماء، بسم اللّه الذي لا يضر مع اسمه داء، بسم اللّه الذي لا يضر اسمه

____________

(1) رواه الترمذي: بدنة 11.

437

شي‏ء، في الأرض و لا في السماء، و هو السميع العليم، بسم اللّه افتتحت، و على اللّه توكلت، اللّه اللّه ربي لا أشرك به شيئا أسألك اللهم بخيرك من خيرك، الذي لا يعطيه أحد غيرك، عز جارك و جل ثناؤك، و لا إله غيرك، اجعلني في عبادك و احفظني من شر كل ذي شر خلقته، و أحترز بك من الشيطان الرجيم، اللهم إني احترس بك من شر كل ذي شر خلقته و أحترز بك منهم، و أقدم بين يدي بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ `اَللََّهُ اَلصَّمَدُ `لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ `وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (1) و من خلفي مثل ذلك و عن يميني مثل ذلك و عن يساري مثل ذلك و من فوقي مثل ذلك و من تحتي مثل ذلك.

مسألة:

قال شيخ الإسلام تقي الدين السبكي رحمه اللّه تعالى: ورد مثال كريم ممن هو حقيق بالتبجيل و التعظيم، يتضمن السؤال عن الخيل: هل كانت قبل آدم عليه السلام أو خلقت بعده؟و هل خلق الذكور قبل الإناث أو الإناث قبل الذكور؟و هل العربيات قبل البراذين أو البراذين قبل العربيات؟و هل ورد في الحديث أو الأثر أو السير أو الأخبار ما يدل على ذلك؟

و الجواب:
أن نختار أن خلق الخيل كان قبل خلق آدم عليه السلام بيومين أو نحوهما، و أن خلق الذكور قبل الأناث و أن العربيات قبل البراذين، أما قولنا إن خلقها كان قبل خلق آدم فلآيات في القرآن سنذكرها آية آية و تذكر وجه الاستدلال و المعنى فيه، و هو أن الرجل الكبير يهيئ له ما يحتاج إليه قبل قدومه و قال‏ (2) تعالى: خَلَقَ لَكُمْ مََا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً فالأرض و كل ما فيها مخلوق لآدم و ذريته إكراما لهم، و من كمال إكرامهم وجودها قبلهم، فجميع ذلك مقدم على خلقه ثم كان خلق آدم بعد ذلك آخر الخلق، لأنه و ذريته أشرف الخلق، أ لا يرى أن النبي صلى اللّه عليه و سلم أشرف من الجميع، و لذلك كان آخرا لأن به صلى اللّه عليه و سلم تم كمال الوجود، و ما سوى آدم مما هيئ له حيوان و جماد. و الحيوان أشرف من الجماد، و الخيل من أشرف الحيوان، غير الآدمي فكيف يؤخر خلقها عنه فهذه الحكمة تقتضي تقديم خلقها مع غيرها من المنافع.

و إنما قلنا بيومين أو نحوهما، لحديث ورد فيه، يتضمن أن بث الدواب يوم الخميس، و الحديث في الصحيح، لكن فيه كلام. و لا شك أن خلق آدم عليه السلام كان يوم الجمعة، و الحديث المذكور يتضمن أنه بعد العصر، فلذلك قلنا إنه بيومين أو نحوهما على التقريب. و أما التقدم فلا يتردد فيه، و المعنى فيه قد ذكرناه. و أما الآيات التي تدل له، فمنها قوله تعالى:

خَلَقَ لَكُمْ مََا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ إِلَى اَلسَّمََاءِ فَسَوََّاهُنَّ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ و وجه الاستدلال أن الآية الكريمة اقتضت خلق ما في الأرض جميعا قبل تسوية الرحمن السماء، و من جملة ما في الأرض الخيل، فالخيل مخلوفة قبل تسوية السماء عملا بالآية و دلالة ثم على الترتيب، و تسوية السماء قبل خلق آدم عليه السلام، لأن تسوية السماء كانت في جملة الأيام الستة لقوله تعالى: رَفَعَ سَمْكَهََا فَسَوََّاهََا (3) إلى قوله جل و علا وَ اَلْأَرْضَ بَعْدَ ذََلِكَ دَحََاهََا (4) و دلالة الحديث الصحيح المجمع عليه على أن خلق آدم عليه السلام يوم الجمعة بعد كمال المخلوقات أما آخر الأيام الستة إن قلنا إن

____________

(1) سورة الإخلاص: الآية 1-4.

(2) سورة البقرة: الآية 29.

(3) سورة النازعات: الآية 28.

(4) سورة النازعات: الآية 30.

438

ابتداء الخلق يوم الأحد، كما يقوله المؤرخون و أهل الكتاب، و هو المشهور عند أكثر الناس، و أما في اليوم السابع فهو خارج عن الأيام الستة كما يقتضيه الحديث، الذي أشرنا إليه فيما سبق الذي في صحيح مسلم، الذي صدره إن اللّه تعالى خلق التربة يوم السبت، و إن كان فيه كلام. و أما تأخر خلق آدم عليه السلام، فلا كلام فيه فثبت بهذا أن خلق الخيل قبل خلق آدم عليه السلام، و هي من جملة المخلوقات في الأيام الستة لا كما يقوله بعض الجهلة الكفرة. و يروي فيه أحاديث موضوعة لا تصدر إلا عن اسخف المجانين لا حاجة بنا إلى ذكرها. و من الآيات قوله‏ (1) تعالى:

وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمََاءَ كُلَّهََا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى اَلْمَلاََئِكَةِ فَقََالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمََاءِ هََؤُلاََءِ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ `قََالُوا سُبْحََانَكَ لاََ عِلْمَ لَنََا إِلاََّ مََا عَلَّمْتَنََا إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَلِيمُ اَلْحَكِيمُ `قََالَ يََا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمََائِهِمْ فَلَمََّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمََائِهِمْ قََالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ مََا تُبْدُونَ وَ مََا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ وجه الاستدلال بهذه الآية أن الأسماء كلها إما أن يراد بها نفس الأسماء أو صفات المسميات، و منافعها و على كلا التقديرين المسميات موجودة في ذلك الوقت للإشارة إليها بقوله:

هؤلاء. و من جملة المسميات الخيل، فلتكن موجودة حينئذ. و الأسماء عام بالألف و اللام مؤكدة بقوله تعالى: كُلَّهََا* فتقوى العموم فيه. و المسميات لا بد من إرادتها بقوله تعالى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ و قوله تعالى: بِأَسْمََائِهِمْ* فهذا دليل قاطع في ذلك. و العموم شامل للخيل فمن رأى دلالة العموم قطيعة، يقطع بدخولها و من لا يرى ذلك يستدل به فيه كما يستدل بسائر الأدلة الشرعية. و من الآيات قوله تعالى في سورة الم `تَنْزِيلُ اللّه اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا فِي سِتَّةِ أَيََّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ عَلَى اَلْعَرْشِ* (2) وجه الاستدلال اقتضاؤها خلق ما بينهما في الستة، و قد قلنا إن خلق آدم عليه السلام خارج عن الأيام الستة بعدها أو حاصل في آخرها بعد خلق غيره كما سبق و في الآيات قوله‏ (3) تعالى في سورة ق‏ وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا فِي سِتَّةِ أَيََّامٍ وَ مََا مَسَّنََا مِنْ لُغُوبٍ وجه الاستدلال بها ما قد مناه فيما قبلها، فهذه أربع آيات تدل على ذلك فيها كفاية. و قد جاء عن وهب بن منبه في الاسرائيليات، أن الخيل خلقت من ريح الجنوب و ذلك لا ينافي ما قلناه، و لا تلتزم صحته، لأنا لا نصحح إلا ما صح لنا، عن اللّه تعالى و رسوله صلى اللّه عليه و سلم. و قد جاء عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن الخيل، كانت وحوشا و أن اللّه تعالى ذللها لإسماعيل عليه الصلاة و السلام. و ذلك لا ينافي ما قلناه، فقد تكون مخلوقة من قبل آدم عليه السلام، و استمرت على وحشيتها إلى عهد إسماعيل عليه السلام. أو كانت تركب في وقت، ثم توحشت ثم ذللت لإسماعيل عليه السلام. و ليس في ذلك عن النبي صلى اللّه عليه و سلم و لا عن الصحابة دليل، فالمعتمد ما قلناه من دلالة القرآن و الذي قيل من أن إسماعيل عليه السلام أول من ركبها أمر مشهور و لكن اسناده ليس صحيحا حتى نلتزمه. و قد قلنا إنا لا نلتزم إلا ما صح عن اللّه تعالى و رسوله صلى اللّه عليه و سلم. و في تفسير القرطبي من رواية الترمذي الحكيم، عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: لما أذن اللّه تعالى لإبراهيم و إسماعيل عليهما الصلاة و السلام برفع القواعد، قال اللّه تبارك و تعالى إني معطيكما كنزا ادخرته لكما. ثم أوحى اللّه إلى إسماعيل عليه السلام، أن اخرج إلى أجياد فادع يأتك الكنز، فخرج إلى أجياد و لا يدري ما الدعاء و لا الكنز

____________

(1) سورة البقرة: الآية 31-33.

(2) سورة السجدة: الآية 1-4.

(3) سورة ق: الآية 38.

439

فألهمه اللّه تعالى الدعاء، فلم يبق على وجه الأرض فرس بأرض العرب إلا جاءته و أمكنته من ناصيتها و ذللها اللّه تعالى له. و لو ذكرنا ما قال الناس في ذلك، و شرحناه بطوله لطال. فقد تكلم الناس في ذلك كثيرا و ذكروا من خواص الخيل و منافعها شيئا كثيرا، ليس ذلك كله مما نلتزم صحته، و مطالبة القاصد بسرعة الجواب، في أسرع وقت، تقتضي الاقتصار على ما قلناه، و فيه كفاية. و أما قولنا إن خلق الذكور قبل الإناث، فلأمرين: أحدهما شرف الذكر على الأنثى، و الثاني حرارته و إن كان الاثنان من جنس واحد، من مزاج واحد، فأحدهما أكثر حرارة من الآخر، فقد جرت عادة القدرة الإلهية بتكوين أقواهما حرارة قبل الآخر، و الذكر أقوى حرارة من الأنثى، فناسب أن يكون وجوده أسبق و لتحصل المنة به أكثر، و لذلك كان خلق آدم عليه السلام قبل خلق حوّاء، و لأن أعظم ما يقصد له الخيل الجهاد، و الذكر في الجهاد خير من الأنثى، لأن الذكر أجرى و أجرأ، أعني أشد جريا و أقوى جراءة، و يقاتل مع راكبه و الأنثى بخلاف ذلك، و قد تقطع بصاحبها أحوج ما يكون إليها، إذا كانت وديقا، و رأت فحلا، و لا يرد على ذلك ركوب جبريل عليه السلام أنثى، لما جاز البحر بموسى عليه السلام، لأن ذلك لركوب فرعون فحلا فقصد طلبه للأنثى و عجز فرعون عن إمساك رأسه. و أما قولنا إن العربيات قبل البراذين، فلما ذكر من حديث إسماعيل عليه السلام، و لأن العربيات أشرف و آصل. و البرذون إنما يكون بعارض أو علة إما فيه و إما في أبيه أو أمه، و لم تكن البراذين تذكر فيما خلا من الزمان أ لا ترى إلى قصة إسماعيل عليه السلام، و قصة سليمان عليه السلام، و إنما البراذين ما انتحس من الخيل، حتى اختلف العلماء هل يسهم كما يسهم للفرس العربي أو لا؟و في حديث من مراسيل مكحول، في بعض ألفاظه «للفرس سهمان و للهجين سهم» . فهذه الرواية تقتضي أن الهجين لا يسمى فرسا، و الهجين هو البرذون أو قريب منه. و بالجملة البراذين حثالة الخيل و ما كان اللّه تعالى ليخلق من الجنس حثالة في الأول. و أما الأحاديث النبوية و الآثار الصحيحة، فإن ما جاء منها في فضيلة الخيل و سباقها، و شياتها و فضيلة اتخاذها، و بركتها و النفقة عليها و خدمتها، و مسح نواصيها و التماس نسلها، و ثمنها و نمائها، و النهي عن خصائها، و جز نواصيها و أذنابها و إزالتها، و فيما يقسم لصاحبها من الغنيمة و اختلاف العلماء فيه، و هل يجب فيها زكاة أو لا؟و غير ذلك أضرّ بنا للعجلة.

و هذه نبذة يسيرة كتبتها على سبيل العجلة في ساعة من النهار، و لعجلة المطالب بها، و إن اخترتم كتبت فيها كتابا مستقلا إن شاء اللّه تعالى.

الحكم:

أكل لحوم الخيل يأتي إن شاء اللّه تعالى، في باب الفاء في لفظ الفرس. و ذكر الصميري، في شرح الكفاية، أنه لا يجوز بيعها لأهل الحرب كالسلاح، و يكره أن تقلد الأوتار لما روى البخاري و مسلم و أبو داود و النسائي عن أبي بشير الأنصاري رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم نهى عن ذلك قال الخطابي: «و أمره صلى اللّه عليه و سلم بقطع قلائد الخيل» . قال مالك: أراه من أجل العين. و قال غيره: إنما أمر بقطعها لأنهم كانوا يعلقون فيها الأجراس، و قال آخرون: لئلا تختنق بها عند شدة الركض، و يحتمل أن يكون أراد عين الوتر خاصة دون غيره من السيور و الخيوط.

و قيل: معناه لا تطلبوا عليها الأوتار و الدخول و لا تركضوها في درك الثار، على ما كان من عادتهم في الجاهلية و السبق فيها معتبر بالأعناق، و في الإبل بالأكتاف، لأن الإبل ترفع أعناقها في العدو، ـ

440

فلا يمكن اعتبار مدها، و الخيل تمدها. و المراد: إذا استوت أعناقها في الطول و القصر و الارتفاع لقوله‏ (1) صلى اللّه عليه و سلم: «بعثت أنا و الساعة كفرسي رهان كاد أحدهما أن يسبق الآخر بإذنه» . و في المستدرك و سنن أبي داود و ابن ماجة و مسند أحمد من حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم‏ (2)

قال: «من أدخل فرسا بين فرسين، و لا يأمن أن يسبق فليس بقمار، و من أدخل فرسا بين فرسين و قد أمن أن يسبق فهو قمار» . و الصحيح أن الذمي يمنع من ركوبها، لقوله تعالى: وَ مِنْ رِبََاطِ اَلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اَللََّهِ وَ عَدُوَّكُمْ فأمر أولياءه بإعدادها لأعدائه، و لأن ظهورها عز، و هم ضربت عليهم الذلة. و في وجه أنهم لا يمنعون و ينسب لأبي حنيفة مثله. و قال الشيخ أبو محمد الجويني: يمنعون من الشريفة دون البراذين الخسيسة. و ألحق الإمام و الغزالي البغال النفيسة بالخيل، و جزم به الفوراني و لم يقيده بالنفيسة. و لا زكاة في الخيل عند الجمهور، لقوله‏ (3) صلى اللّه عليه و سلم:

«ليس على المسلم في عبده و لا فرسه صدقة» . متفق عليه. و أوجبها أبو حنيفة في إناثها المنفردة أو المجتمعة مع الذكور فعند ذلك صاحبها بالخيار، و إن شاء أعطى عن كل فرس دينارا و إن شاء قومها و أعطى من كل مائتي درهم خمسة دراهم، و إن كانت ذكورا منفردة فلا شي‏ء فيها.

الأمثال:

قالوا (4) : «الخيل ميامين» . أي مباركات. قالوا: «الخيل أعلم بفرسانها» (5) .

يضرب للرجل يظن أن عنده غناء و لا غناء عنده. و من كلمات النبي صلى اللّه عليه و سلم التي لم يسبق إليها قوله: «يا خيل اللّه اركبي» . قالها يوم حنين في حديث أخرجه مسلم و هو على حذف مضاف، أراد صلى اللّه عليه و سلم: «يا فرسان خيل اللّه اركبي» . و هو من أحسن المجازات، كقوله‏ (6)

تعالى: وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ قال الجاحظ، في كتاب البيان و التبيين: عن يونس بن حبيب إنه قال: لم يبلغنا من بدائع الكلام ما بلغنا عن النبي صلى اللّه عليه و سلم، و غلط في هذا الحديث و نسب إلى التصحيف، و إنما قال القائل: ما بلغنا عن البتي، يريد عثمان البتي، فصحف الجاحظ. قالوا: و النبي صلى اللّه عليه و سلم أجل من أن يخلط مع غيره من الفصحاء حتى يقال:

ما بلغنا عنه من الفصاحة أكثر من الذي بلغنا عن غيره، كلامه أجل من ذلك و أعلى صلى اللّه عليه و سلم.

الخواص:

الخيل إذا سقيت الزرنيخ الأحمر قتلها. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى بيان ذلك في باب الفاء في لفظ الفرس و يأتي طرف من خواصه.

التعبير:

الخيل في المنام قوّة و زينة و عز و هي أشرف ما ركب من الدواب، فمن رأى عنده منها شيئا نال قوّة و عزا. و ربما دل ذلك على اتساع حاله، و ادرار رزقه، و انتصاره على

____________

(1) رواه أحمد: 5/331.

(2) رواه ابن ماجة جهاد: 44. أحمد: 2/505.

(3) رواه مسلم زكاة: 9. و أبو داود زكاة: 11. النسائي زكاة: 16، 17. و ابن ماجة زكاة: 15. الموطأ زكاة:

37. أحمد: 2/249.

(4) جمهرة الأمثال: 1/339.

(5) جمهرة الأمثال: 1/338.

(6) سورة الإسراء: الآية 64.

441

أعدائه، لقوله‏ (1) تعالى: زُيِّنَ لِلنََّاسِ حُبُّ اَلشَّهَوََاتِ مِنَ اَلنِّسََاءِ وَ اَلْبَنِينَ وَ اَلْقَنََاطِيرِ اَلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ اَلذَّهَبِ وَ اَلْفِضَّةِ وَ اَلْخَيْلِ اَلْمُسَوَّمَةِ وَ اَلْأَنْعََامِ وَ اَلْحَرْثِ و ربما ظفر بعدوّه لقوله‏ (2)

عز و جل: وَ مِنْ رِبََاطِ اَلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اَللََّهِ وَ عَدُوَّكُمْ و من رأى خيلا تتطاير في الهواء فإنها فتنة. و لا خير في ركوب الخيل في غير محل الركوب كالسطح و الحائط و نحوهما، و خيل البريد في الرؤيا قرب أجل من ركبها و سيأتي إن شاء اللّه تعالى تتمة الكلام في باب الفاء في لفظ الفرس كما وعدنا و اللّه أعلم.

و مما جرب:

لمغل الخيل و الدواب أن يكتب على الحوافر الأربع: بسم اللّه الرحمن الرحيم فأصابها إعصار فيه نار، فاخترقت عجفون عجفون عجفون شاشيك شاشيك شاشيك و أيضا يكتب لحمر الخيل و الدواب و يعلق عليها و قد جرب و لا طلهه هو هو هو رهت هر هر هر هر هر هر و هو هو هو هو هو هو ه ه ه ه ه أمها هيالولوس درروبر حفرب و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم.

أم خنور:

على وزن التنور و السفود الضبع و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الضاد المعجمة الكلام عليه و اللّه الموفق للصواب.

باب الدال المهملة

الدابة:

ما دب من الحيوان كله، و قد أخرج بعض الناس منها الطير لقوله‏ (3) تعالى: وَ مََا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ طََائِرٍ يَطِيرُ بِجَنََاحَيْهِ إِلاََّ أُمَمٌ أَمْثََالُكُمْ و رد بقوله‏ (4) تعالى: وَ مََا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ إِلاََّ عَلَى اَللََّهِ رِزْقُهََا وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهََا وَ مُسْتَوْدَعَهََا كُلٌّ فِي كِتََابٍ مُبِينٍ قال الشيخ تاج الدين بن عطاء رحمه اللّه تعالى: و هذه الآية مصرحة بضمان الحق الرزق، و قطعت ورود الهواجس و الخواطر عن قلوب المؤمنين، فإن وردت على قلوبهم كرت عليها جيوش الإيمان باللّه تعالى، و الثقة به فهزمتها بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه، فإذا هو زاهق و لأن الطير يدب على الأرض برجليه في بعض حالاته قال الأعشى‏ (5) :

بنات كغصن البان ترتج إن مشت # دبيب قطا البطحاء في كل منهل‏

و قال‏ (6) تعالى: وَ كَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لاََ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اَللََّهُ يَرْزُقُهََا وَ إِيََّاكُمْ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ و قال‏ (7)

عز و جل: إِنَّ شَرَّ اَلدَّوَابِّ عِنْدَ اَللََّهِ اَلصُّمُّ اَلْبُكْمُ اَلَّذِينَ لاََ يَعْقِلُونَ قال ابن عطية: مقصود الآية أن يبيّن أن هذه الطائفة العاتية من الكفار هي شر الناس عند اللّه تعالى، و أنها في أخس

____________

(1) سورة آل عمران: الآية 14.

(2) سورة الأنفال: الآية 60.

(3) الأعشى: ميمون بن قيس، الشاعر الجاهلي. البيت في ديوانه: 353. و فيه: «نياف كغصن» .

(4) سورة العنكبوت: الآية 60.

(5) سورة الأنعام: الآية 38.

(6) سورة هود: الآية 6.

(7) سورة الأنفال: الآية 22.

442

المنازل لديه و عبر بالدواب ليتأكد ذمهم، و ليفضل الكلب و الخنزير و الفواسق الخمس، و غيرها عليهم. و الدواب كل ما دب يجمع الحيوان بجملته.

و في الصحيحين: عن أبي قتادة رضي اللّه تعالى عنه قال: إن النبي صلى اللّه عليه و سلم مر عليه بجنازة، فقال‏ (1) : «مستريح و مستراح منه» قالوا: يا رسول اللّه ما المستريح و المستراح منه؟فقال صلى اللّه عليه و سلم:

«العبد المؤمن مستريح من وصب الدنيا و نصبها إلى رحمة اللّه تعالى و العبد الفاجر تستريح منه العباد و البلاد و الشجر و الدواب» . و في سنن أبي داود و الترمذي و النسائي بأسانيد صحيحة عن إبراهيم بن محمد عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم‏ (2) قال: «ما من دابة إلا و هي مصيخة يوم الجمعة خشية أن تقوم الساعة» . يروي مصيخة و مسيخة بالصاد و السين و الأصل الصاد و معانهما منصتة مستمعة.

و في الحلية: في ترجمة أبي لبابة الأنصاري رضي اللّه تعالى عنه، و هو من أهل الصفة، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (3) : «إن يوم الجمعة سيد الأيام و أعظمها عند اللّه تعالى من يوم الفطر و يوم الأضحى ما من ملك مقرب، و لا سماء و لا أرض، و لا جبال و لا رياح، و لا بحر إلا و هو مشفق من يوم الجمعة أن تقوم الساعة» . و في صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، قال:

أخذ النبي صلى اللّه عليه و سلم بيدي و قال‏ (4) : «خلق اللّه التربة يوم السبت، و خلق فيها الجبال يوم الأحد، و خلق الشجر يوم الاثنين، و خلق المكروه يوم الثلاثاء، و خلق النور يوم الأربعاء، و بث فيها الدواب يوم الخميس، و خلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى المغرب» .

و اعلم: أنه سبحانه و تعالى يخلق ما يشاء بلا كلفة و نصب، و يختار ما يشاء بلا زلفة و سبب، يخلق ما يشاء بلا علاج، و يختار ما يشاء بلا احتياج، يخلق ما يشاء علما بربوبيته، و يختار ما يشاء دلالة على وحدانيته، سبحانه و تعالى عما يقول الظالمون و الجاحدون علوّا كبيرا. و في كامل ابن الأثير إن كسرى كان له خمسون ألف دابة و ثلاثة آلاف امرأة.

غريبة:

في تاريخ ابن خلكان، في ترجمة ركن الدولة بن بويه، أنه حارب عدوا له و ضاقت الميرة على الطائفتين، حتى ذبحوا دوابهم، و لو أمكن ركن الدولة الانهزام لفعل، فاستشار وزيره أبا الفضل بن العميد في الهرب، فقال له: لا ملجأ لك إلا إلى اللّه تعالى، فانو للمسلمين خيرا، و صمم العزم على حسن السيرة و الإحسان، فإن الحيل البشرية كلها تقطعت بنا، و إن انهزمنا تبعونا و قتلونا، و هم أكثر منا، فقال قد سبقتك إلى هذا يا أبا الفضل، قال أبو الفضل: ثم إن ركن الدولة استدعاني في تلك الليلة في الثلث الأخير، و قال: رأيت الساعة في منامي كأني على

____________

(1) رواه البخاري في الرقاق: 42. و مسلم في الجنائز: 61. النسائي جنائز: 48-49. الموطأ جنائز: 55، أحمد: 5/296.

(2) الموطأ جمعة: 16.

(3) رواه ابن ماجة في الإقامة: 79. أحمد: 3/420.

(4) رواه أحمد: 2/327. و مسلم منافقين: 27.

443

دابتي فيروز. و قد انهزم عدونا، و أنت تسير إلى جانبي و قد جاءنا الفرج من حيث لا نحتسب، فمددت عيني فرأيت على الأرض خاتما فأخذته فإذا فصه فيروزج، فجعلته في إصبعي و تبركت به فانتهيت، و قد أيقنت بالظفر فإن الفيروزج الفرج جاء و معناه الظفر، و لذلك لقب الدابة فيروز.

قال ابن العميد: فلم أبرح إذ أتانا الخبر و البشارة بأن العدو قد رحل و تركوا خيامهم، فما صدقنا حتى تواترت الأخبار فركبنا و لا نعرف سبب هزيمتهم و سرنا حذرين من كيدهم و مكرهم، و سرت إلى جانبه و هو على دابته فيروز، فصاح ركن الدولة بغلام بين يديه ناولني ذلك الخاتم فأخذ خاتما من الأرض فناوله إياه فإذا هو من فيروزج فجعله في اصبعه، و قال: هذا تأويل رؤياي، و هذا هو الخاتم الذي رأيته في منامي بعينه. قال: و هذا عن أعجب ما يحكى و اسم ركن الدولة الحسن أبو علي، و كان ملكا جليلا مهابا و كان قد ملك أصبهان و الري و همذان، و جميع عراق العجم و قد فتح أكثر البلاد و ملكها و قرر قواعدها و ضبطها. توفي في المحرم سنة ست و ستين و ثلاثمائة و كان عمره تسعا و تسعين سنة و كانت مدة ملكه أربعا و أربعين سنة. و في شفاء الصدور لابن سبع السبتي عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم‏ (1) قال: «لا تضربوا وجوه الدواب فإن كل شي‏ء يسبح بحمده» و قد تقدم عنه حديث في البهيمة قريب من هذا و في كتاب الاحياء في باب كسر الشهوتين، حديث «لا يستدير الرغيف، و يوضع بين يديك حتى يعمل فيه ثلاثمائة و ستون صانعا أو لهم ميكائيل الذي يكيل الماء من خزائن الرحمة، ثم الملائكة التي تزجي سحابا، ثم الشمس و القمر و الأفلاك، و ملوك الهواء و دواب الأرض، و آخر ذلك الخباز وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا (2) و روى الإمام أحمد و البيهقي في الشعب، عن محمد بن سيرين، قال:

خرجت دابة تقتل الناس، فمن دنا منها قتلته فجاء رجل أعور فقال: دعوني و إياها فدنا منها فوضعت رأسها له حتى قتلها. فقالوا: حدثنا بأمرك، فقال: ما أصبت ذنبا قط إلا ذنبا واحدا بعيني هذه، فأخذت سهما و فقأتها به. قال الإمام أحمد: و لعل هذا كان جائزا في شريعة بني إسرائيل، أو في شريعة من كان قبلنا أما في شريعتنا فلا يجوز فق‏ء العين، التي ينظر بها إلى ما لا يحل له. لكن يستغفر اللّه تعالى من ذلك و لا يعود إليه.

و ذكر (3) ابن خلكان في ترجمة الربيع الجيزي أنه مر يوما بسكة من سكك مصر، فطرحت عليه إجانة من رماد، فنزل عن دابته، و نفض ثيابه فقيل له أ لا تزجرهم!فقال: من استحق النار فصولح على الرماد، لم يجز له أن يغضب. و الربيع بن سلمان هذا صاحب الشافعي، و هو أحد رواة القول الجديد عن الشافعي. و توفي سنة خمس و مائتين. و الجيزي نسبة إلى الجيزة قبالة مصر، و الأهرام في عملها بالقرب منها، و هي من عجائب أبنية الدنيا، و الأهرام قبور لملوك عظام، أرادوا أن يتميزوا بها على سائر الملوك بعد مماتهم، كما تميزوا عليهم في حياتهم. قيل: إن المأمون لما وصل مصر أمر بنقب أحد الهرمين فنقب بعد جهد شديد، و غرامة نفقة عظيمة، فوجد داخله مراق و مها، و يعسر سلوكها، و وجد في أعلاها بيتا، مكعبا، طول كل ضلع من أضلاعه ثمانية أذرع، و في وسطه حوض من صوّان مطبق فيه رمة بالية، قد أتت عليها العصور فكف عن نقب ما

____________

(1) رواه ابن حنبل: 4/131.

(2) سورة إبراهيم: الآية 34.

(3) وفيات الأعيان: 2/292.

444

سواه. و نقل أن هرمس الأول، و هو أخنوخ و هو ادريس استدل من أحوال الكواكب، على كون الطوفان فأمر ببنيان الأهرام، و يقال: إنه ابتناها في مدة ستة أشهر و كتب فيها: قل لمن يأتي بعدنا يهدمها في ستمائة عام، و الهدم أيسر من البنيان و كسوناها الديباج فليكسها الحصر و الحصر أيسر من الديباج. و قال الإمام أبو الفرج بن الجوزي في كتاب سلوة الاحزان: و من عجائب الهرمين، أن سمك كل واحد منهما أربعمائة ذراع من رخام و مرمر، و فيها مكتوب أنا بنيتها بملكي، فمن ادعى قوة فليهدمها فإن الهدم أيسر من البناء، قال ابن المنادي: بلغنا أنهم قدروا خراج الدنيا مرارا، فإذا هو لا يقوم بهدمها و اللّه أعلم. و في صحيح‏ (1) مسلم و غيره عن صهيب رضي اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، قال: «كان ملك من الملوك و كان لذلك الملك كاهن يكهن له و في رواية ساحر فقال الساحر: إني قد كبرت و أخاف أن أموت فينقطع عنكم علمي و لا يكون فيكم من يعلمه فانظروا إلي غلاما فهيما أو قال فطنا لقنا فأعلمه علمي هذا، فنظروا له غلاما على ما وصف، و أمروه أن يحضر ذلك الساحر، و أن يختلف إليه، و كان على طريق الغلام راهب في صومعة قال معمر: أحسب أن أصحاب الصوامع يومئذ كانوا مسلمين فجعل الغلام يسأل ذلك الراهب كلما مر به، فلم يزل به حتى أخبره فقال: إنما أنا عبد اللّه، فجعل الغلام يمكث عند الراهب. و يبطئ على الساحر، فأرسل إلى أهل الغلام أنه لا يكاد يحضرني، فأخبر الغلام الراهب بذلك فقال له الراهب: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، و إذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر. فبينما الغلام على ذلك إذ أتى على دابة عظيمة و قد حبست الناس، فقال:

اليوم يبين أمر الراهب من أمر الساحر، فأخذ حجرا و قال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، ثم رمى بالحجر فقتلها. فقال الناس من قتلها؟فقالوا:

الغلام. ففزع الناس، و قالوا: لقد علم هذا الغلام علما لم يعلمه أحد. قال: فسمع به أعمى، كان جليسا للملك، فقال له: إن رددت بصري فلك كذا و كذا!فقال له: لا أريد منك شيئا و لكن أ رأيت إن رجع إليك بصرك، أ تؤمن بالذي رده لك؟قال: نعم فدعا اللّه تعالى فرد عليه بصره، فأمن الأعمى، و إنه جاء إلى الملك بعد ما شفي، فجلس معه كما كان يجلس، فقال له: من رد عليك بصرك؟قال: ربي قال: و هل لك رب غيري؟قال: اللّه ربي و ربك. فأمر بالمنشار فوضع على رأسه حتى وقع شقاه» . و في رواية الترمذي أن تلك الدابة كانت أسدا و أن الغلام لما قتلها أخبر الراهب فقال له إن لك شأنا و إنك تبتلى فلا تدل علي. و إن الملك بلغه أمرهم فبعث إليهم فأتي بهم إليه فقال: لاقتلن كل واحد منكم قتلة لا أقتل بها صاحبه، ثم أمر بالراهب و بالرجل الذي كان أعمى فوضع المنشار على مفرق كل واحد منهما فقتله، ثم قتل المقعد بقتلة أخرى، ثم أمر بالغلام، فقال: انطلقوا به إلى جبل كذا و كذا، فألقوه من رأسه، فانطلقوا به إلى ذلك الجبل، فلما انتهوا به إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن يلقوه منه، قال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت، فجعلوا يتهافتون من ذلك الجبل و يترددون منه حتى لم يبق منهم إلا الغلام. قال: فرجع الغلام يمشي حتى أتى الملك فقال له: ما فعل أصحابك؟قال: كفانيهم ربي بما شاء، فأمر الملك أن ينطلقوا به إلى البحر، فيلقوه فيه، فانطلقوا به إلى البحر فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت

____________

(1) رواه مسلم زهد: 73. و البخاري مناقب الأنصار: 29. و الترمذي في تفسير سورة: 85.

445

فأغرق اللّه عز و جل الذين كانوا معه، و أنجاه. فأقبل الغلام يمشي على وجه الماء حتى أتى الملك فتحير الملك في نفسه، فقال له الغلام: أ تريد أن تقتلني؟قال: نعم. قال: إنك لا تقدر على ذلك حتى تصلبني و ترميني بسهم من كنانتي و تقول إذا رميتني: بسم اللّه رب هذا الغلام بعد أن تجمع الناس في صعيد واحد. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد و أمر بالغلام أن يصلب فصلب، و أخذ الملك سهما من كناية الغلام و قال: بسم اللّه رب هذا الغلام و رماه فوقع السهم في صدغه فقتله و وضع الغلام يده على صدغه فقال الناس: آمنا برب هذا الغلام. فقيل للملك:

إنك جزعت حين خالفك ثلاثة، فهذا العالم كلهم قد خالفوك فأمر بالأخدود، فخد أخدودا ثم ألقي فيه الحطب و النار ثم جمع الناس و قال لهم: من رجع عن دينه تركناه، و من لم يرجع ألقيناه في هذه النار. فجعل يلقيهم في ذلك الأخدود. فذلك قوله‏ (1) تعالى: قُتِلَ أَصْحََابُ اَلْأُخْدُودِ `اَلنََّارِ ذََاتِ اَلْوَقُودِ زاد مسلم فأتى بامرأة لتلقى في النار و معها صبي رضيع، فجزعت فقال لها:

الغلام يا أماه لا تجزعي فإنك على الحق. و ذكر ابن قتيبة أن الغلام الرضيع، كان عمره سبعة أشهر. قال الترمذي و إن الغلام أخرج في زمان عمر رضي اللّه تعالى عنه و يده على صدغه كما وضعها حين قتل.

و ذكر صاحب السيرة محمد بن إسحاق فيها أن اسمه عبد اللّه بن التامر. و أن رجلا من أهل نجران حفر خربة في زمن عمر رضي اللّه تعالى عنه في بعض حاجته، فوجده تحت الردم قاعدا واضعا يده على ضربة في صدغه، و في يده خاتم مكتوب عليه «ربي اللّه» فكتبوا بذلك إلى عمر رضي اللّه تعالى عنه فكتب إليهم أن أقروه على حاله ففعلوا. قال السهيلي. و يصدقه قوله‏ (2)

عز و جل‏ وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً الآية و قوله صلى اللّه عليه و سلم: «إن اللّه حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» . خرجه‏ (3) أبو داود و ذكر أبو جعفر الداودي هذا الحديث بزيادة ذكر الشهداء و العلماء و المؤذنين، قال: و هي زيادة غريبة، لكن الداودي من أهل الثقة و العلم.

انتهى قال ابن بشكوال و كان اسم ذلك الملك يوسف ذا نواس، و كان بنجران و كان ملك حمير و ما حوله، و قيل اسمه زرعة ذو نواس، و كان على دين اليهودية قاله السمرقندي. و الوقعة كانت قبل مبعث النبي صلى اللّه عليه و سلم بسبعين سنة، و كان اسم ذلك الراهب قيتمون، قاله ابن بشكوال.

و في المثل السائر: «فلان أكذب من دبّ و درج» (4) . قال الجوهري: معناه أكذب الأحياء و الأموات، لأنهم يدرجون في الأكفان و روى الترمذي الحكيم، عن زيد بن أسلم أن الأشعريين أبا موسى و أبا مالك و أبا عامر رضي اللّه تعالى عنهم في نفر منهم لما هاجروا قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و قد أرملوا من الزاد، فأرسلوا قاصدهم إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم يسأله، فلما انتهى إليه سمعه يقرأ (5) وَ مََا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ إِلاََّ عَلَى اَللََّهِ رِزْقُهََا فقال الرجل: ما الأشعريون بأهون

____________

(1) سورة البروج: الآية 4، 5.

(2) سورة البقرة: الآية 169.

(3) رواه أبو داود في الصلاة: 201، وتر: 26. و النسائي في الجمعة: 5. و ابن ماجة في الإقامة: 79. و الدارمي في الصلاة: 206. و أحمد: 4-8.

(4) جمهرة الأمثال: 2/144.

(5) سورة هود: الآية 6.

446

على اللّه من الدواب، فرجع و لم يدخل على النبي صلى اللّه عليه و سلم فأتى أصحابه و قال لهم: أبشروا فقد جاءكم الغوث فظنوا أنه قد أعلم النبي صلى اللّه عليه و سلم بحالهم، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجلان معهما قصعة مملوة خبزا و لحما فأكلوا ما شاء اللّه، ثم قال بعضهم لبعض: ردوا بقية هذا الطعام على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فردوه، ثم إنهم أتوه فقالوا: يا رسول اللّه لم نر طعاما أكثر و لا أطيب من طعام أرسلته إلينا!فقال صلى اللّه عليه و سلم: «ما أرسلنا إليكم شيئا فأخبروه أنهم أرسلوا صاحبهم إليه، فسأله صلى اللّه عليه و سلم فأخبره بما صنع، فقال‏ (1) صلى اللّه عليه و سلم: «ذلكم شي‏ء رزقكموه اللّه عزّ و جلّ» . قال الشيخ تاج الدين بن عطاء اللّه السكندري: هذه آية مصرحة بضمان الحق الرزق، و قطعت ورود الهواجس و الخواطر عن قلوب المؤمنين، فإن وردت على قلوبهم، كرت عليها جيوش الإيمان باللّه و الثقة به و بضمانه فهزمتها بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.

و ذكر: ابن السني عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه قال: إن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (2) :

إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد اللّه احبسوا فإن اللّه عز و جل في الأرض حابسا يحبسها» . قال: الإمام النووي رحمه اللّه تعالى حكى لي بعض شيوخنا الكبار في العلم، أنه انفلتت له دابة، أظنها بغلة، و كان يعرف هذا الحديث، فقاله فحبسها اللّه تعالى عليه في الحال. قال:

و كنت أنا مرة مع جماعة، فانفلتت منهم بهيمة، فعجزوا عنها فقلت هذا الحديث فوقفت في الحال بغير سبب سوى هذا الكلام. و روى ابن السني أيضا، عن الإمام السيد الجليل المجمع على جلالته و حفظه، و ديانته و ورعه و نزاهته، أبي عبد اللّه يونس بن عبيد بن دينار المصري التابعي، المشهور، رحمه اللّه تعالى، أنه قال: ليس رجل يكون على دابة صعبة، فيقول في أذنها: أَ فَغَيْرَ دِينِ اَللََّهِ يَبْغُونَ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (3) إلا وقفت بإذن اللّه تعالى. و روى الطبراني، في معجمه الأوسط، من حديث أنس رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: من ساء خلقه من الرقيق و الدواب و الصبيان فاقرءوا في أذنه‏ أَ فَغَيْرَ دِينِ اَللََّهِ يَبْغُونَ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ . و قد تقدم في باب الباء الموحدة في لفظ البلغة أن النبي صلى اللّه عليه و سلم ركب بغلة فحادت به فحبسها، و أمر رجلا أن يقرأ عليها قل أعوذ برب الفلق فسكنت.

فرع:

في كتب الحنابلة يجوز الانتفاع بالدابة في غير ما خلقت له كالبقر للحمل و الركوب، و الإبل و الحمير للحرث و قوله صلى اللّه عليه و سلم: «بينما رجل يسوق بقرة إذ أراد أن يركبها فقالت: إنا لم نخلق لذلك» . متفق‏ (4) عليه. المراد أنه معظم منافعها و لا يلزم منه منع غير ذلك. و قال الإمام أحمد من شتم دابة، قال الصالحون: لا تقبل شهادته لحديث المرأة التي لعنت الناقة. و في صحيح‏ (5) مسلم عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه: «لا يكون اللعانون شفعاء و لا شهداء يوم القيامة» .

فرع:

يجب على مالك الدابة علفها و رعيها و سقيها لحرمة الروح كما في الصحيح عذبت

____________

(1) رواه النسائي في الصيد: 35.

(2) رواه مسلم: توبة 7.

(3) سورة آل عمران: الآية 83.

(4) رواه ابن حنبل: 2-245-382-502.

(5) رواه مسلم في البر: 85-86. و أبو داود أدب: 45. و ابن حنبل: 6/448.

447

امرأة في هرة لأنها ذات روح فأشبهت العبد. فإن لم تكن ترعى لزمه أن يعلفها و يسقيها إلى أول شبعها و ريها دون غايتهما، و إن كانت ترعى لزمه إرسالها لذلك حتى تشبع و تروى بشرط فقد السباع العادية و وجود الماء، فإن اكتفت بكل من الرعي أو العلف خير بينهما فإن لم تكتف إلا بهما الزماه، و إن احتاجت البهيمة إلى السقي و معه ماء يحتاج إليه لطهارته سقاها و تيمم، فإن امتنع من العلف أجبر في مأكولة على بيع أو علف أو ذبح، و في غيرها على بيع أو علف صيانة لها عن الهلاك فإن لم يفعل فعل الحاكم ما تقتضيه المصلحة، فإن كان له مال ظاهر بيع في النفقة، فإن تعذر جميع ذلك فمن بيت المال.

فائدة:

يستحب أن يقول عند ركوب الدابة ما رواه الحاكم و الترمذي و صححاه عن علي بن ربيعة، قال: شهدت علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، و قد أتى بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم اللّه، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد للّه، ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا و ما كنا له مقرنين و إنا إلى ربنا لمنقلبون. ثم قال: الحمد للّه ثلاث مرات، ثم قال:

اللّه أكبر ثلاث مرات، ثم قال: سبحانك اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك. فقيل: يا أمير المؤمنين من أي شي‏ء ضحكت؟قال: رأيت النبي صلى اللّه عليه و سلم فعل كما فعلت، فقلت: يا رسول اللّه من أي شي‏ء ضحكت؟قال: «إن ربك تعالى يعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري» (1) .

و روى أبو القاسم الطبراني، في كتاب الدعوات، عن عطاء عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «إذا ركب العبد الدابة و لم يذكر اسم اللّه تعالى، ردفه الشيطان، فقال: تغن فإن كان لا يحسن الغناء، قال له: تمن فلا يزال في أمنيته حتى ينزل» . و فيه عن أبي الدرداء رضي اللّه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم‏ (2) قال: «من قال إذا ركب دابة: بسم اللّه الذي لا يضر مع اسمه شي‏ء سبحانه ليس له سمي، سبحان الذي سخر لنا هذا و ما كنا له مقرنين، و إنا إلى ربنا لمنقلبون، الحمد للّه رب العالمين، و صلى اللّه على سيدنا محمد و عليه السلام. قالت: الدابة:

«بارك اللّه عليك من مؤمن خففت، عن ظهري و أطعت ربك، و أحسنت إلى نفسك بارك اللّه لك في سفرك و أنجح حاجتك» .

و روى ابن أبي الدنيا عن محمد بن ادريس عن أبي النضر الدمشقي عن إسماعيل ابن عياش، عن عمرو بن قيس الملائي، أنه قال: إذا ركب الرجل الدابة، قالت: اللهم اجعله بي رفيقا رحيما، فإذا لعنها، قالت: على أعصانا للّه لعنة اللّه. و في كامل ابن عدي في ترجمة عباد، ابن كثير الثقفي، و كان شعبة، لا يستغفر له، أنه روى عن ابن طاوس عن أبيه، عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «اضربوا الدواب على النفار و لا تضربوها على العثار» .

فرع:

يجوز الارداف على الدابة إذا كانت مطيقة، و لا يجوز إذا لم تطقه. ففي الصحيحين‏ (3) عن اسامة بن زيد رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «أردفه حين دفع من عرفات

____________

(1) رواه أبو داود في الجهاد: 64.

(2) رواه مسلم و الترمذي و أبو داود. أنظر رياض الصالحين ص 412.

(3) البخاري جهاد: 59. مسلم حج: 147.

448

إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل بن العباس رضي اللّه تعالى عنهما، من مزدلفة إلى منى، و أنه صلى اللّه عليه و سلم أردف معاذا رضي اللّه تعالى عنه على الرحل، و أردفه على حمار يقال له عفير و أمر صلى اللّه عليه و سلم عبد الرحمن ابن أبي بكر رضي اللّه تعالى عنهما، أن يعتمر بأخته عائشة رضي اللّه تعالى عنها من التنعيم، فأدرفها وراءه على راحلته، و أردف صلى اللّه عليه و سلم صفية أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها وراءه، حين تزوجها بخيبر» و إذا أردف صاحب الدابة، فهو أحق بصدرها و يكون الرديف وراءه إلا أن يرضى صاحبها بتقديمه لجلالته أو غير ذلك. و أفاد الحافظ ابن منده أن الذين أردفهم النبي صلى اللّه عليه و سلم ثلاثة و ثلاثون نفسا، و لم يذكر فيهم عقبة بن عامر الجهني رضي اللّه تعالى عنه، و لم يذكر أحد من علماء الحديث و السير أن النبي صلى اللّه عليه و سلم أردفه. و روى الطبراني عن جابر رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «نهى أن يركب ثلاثة على دابة (1) » .

فرع:

قال أصحابنا ما ليس مأكولا من الدواب و الطيور، إن كان فيه مضرة متمحضة، استحب قتله للمحرم و غيره كالفواسق الخمس و الذئب و الأسد و النمر و النسر و الحدأة و البرغوث و القمل و الزنبور و البق و القراد و أشباهها. فإن كان فيه منفعة و مضرة كالفهد و الكلب المعلم و العقاب و البازي و الصقر و نحوها فلا يستحب قتله لما فيه من المنفعة، و لا يكره لما فيه من الضرر، و هو الصيال على حمام الناس. و العقر و إن لم يكن فيه نفع و لا ضرر كالخنافس و الدود و الجعلان و السرطان و البغاث و الرخمة و العظاءة و اللجا و الذباب و أشباهها، فيكره قتله و لا يحرم، على ما قطع به الجمهور و حكى الإمام وجها شاذا أنه يحرم قتل الطيور دون الحشرات لأنه عبث بلا حاجة.

و أما دابة الأرض التي ذكرها اللّه تعالى في سورة سبأ. فهي الأرضة، و قيل سوسة الخشب قال اللّه تعالى: فَلَمََّا قَضَيْنََا عَلَيْهِ اَلْمَوْتَ مََا دَلَّهُمْ عَلى‏ََ مَوْتِهِ إِلاََّ دَابَّةُ اَلْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ (2)

السبب في ذلك أن سليمان عليه السلام، كان قد أمر الجن ببناء صرح، فبنوه له، و دخله مختفيا ليصفو له يوم واحد من الدهر عن الكدر، فدخل عليه شاب فقال له: كيف دخلت من غير استئذان؟فقال له إنما دخلت بإذن. قال: و من أذن لك؟قال: رب هذا الصرح!فعلم سليمان أنه ملك الموت، أتى ليقبض روحه. فقال: سبحان اللّه، هذا اليوم الذي طلبت فيه الصفاء.

فقال له: طلبت ما لم يخلق. فاستوثق من الاتكاء على العصا. و قد كانت بيت المقدس بقي من تمام بنائه سنة، فسأل اللّه تعالى تمامها على يد الإنس و الجن. و كان يخلو بنفسه الشهرين و الثلاثة فكانوا يقولون إنه يتحنث أي يعبد ربه، فقبض روحه، و كانت الجن تدعي علم الغيب، فلما قبض، بقيت الجن تعمل على عادتها، و قيل: إن ملك الموت أعلمه أنه بقي من عمره ساعة فدعا الجن فبنوا له الصرح، و قام يصلي متكئا على عصاه، فمات و هو متكئ عليها و كانت الشياطين تجتمع حول محرابه فلا ينظر أحد منهم إليه في صلاته إلا احترق، فمر واحد منهم فلم يسمع صوته، ثم رجع فسلم فلم يسمع له كلاما، فنظر فإذا هو قد خر ميتا، فعلمت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين سنة. و كان عمره عليه السلام ثلاثا و خمسين سنة. و المنسأة العصا،

____________

(1) البخاري لباس: 99. و مسلم فضائل: 66.

(2) سورة سبأ: الآية 14.

449

و كانت من خروب، و ذلك أنه كان يتعبد في بيت المقدس فينبت له في محرابه كل سنة شجرة، فيسألها ما اسمك؟فتقول الشجرة: اسمي كذا، فيقول لها: لأي شي‏ء أنت؟فتقول: لكذا و كذا فيأمر بها فتقلع، فإن كانت تنبت بغرس غرست، و إن كانت لدواء كتبت، فبينما هو ذات يوم، إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها: ما اسمك؟قالت: أنا الخروبة خرجت لخراب ملكك. فعرف أنه قد حضر أجله، فاستعد و اتخذ منها عصا، و استدعى بزاد سنة، و الجن تتوهم أنه يأكل بالليل.

و كان أمر اللّه قدرا مقدورا، و كان الذي ابتدأ في بناء بيت المقدس داود عليه السلام، فرفعه قامة رجل ثم مات، فلما استخلف ابنه سليمان عليه السلام، أحب اتمامه فجمع الجن و الشياطين، و قسم عليهم الأعمال، فخص كل طائفة منهم بعمل يستصلحها له، فأرسل الجن و الشياطين في تحصيل الرخام و المها الأبيض، و أمر ببناء المدينة بالرخام و الصفاح، و جعلها اثني عشر ربضا، و أنزل في كل ربض منها سبطا، فلما فرغ من بناء المدينة، ابتدأ في عمارة المسجد، فوجه الشياطين فرقا فرقا، يستخرجون الذهب و الفضة و الياقوت من معادنها، و الدر الصافي من البحر، و فرقا يقلعون الجواهر و الرخام من أماكنها، و فرقا يأتونه بالمسك و العنبر و سائر أنواع الطيب. فأتى من ذلك بشي‏ء لا يحصيه إلا اللّه تعالى، ثم أحضر الصناع و أمرهم بنحت تلك الحجارة المرتفعة، و تصييرها ألواحا، و ثقب اليواقيت و اللآلئ، و اصلاح الجواهر، فبنى المسجد بالرخام الأبيض و الأصفر و الأخضر و عمده بأساطين المها الصافي، و سقفه بالواح الجواهر الثمينة، و نضد سقوفه و حيطانه باللآلى و اليواقيت، و سائر الجواهر و بسط أرضه بألواح الفيروزج، فلم يكن يومئذ في الأرض بيت أبهى و لا أنور من ذلك المسجد، كان يضي‏ء في الظلماء كالقمر ليلة البدر، فلما فرغ منه جمع إليه أحبار بني إسرائيل، فأعلم أنه قد بناه للّه عز و جل خالصا و اتخذ ذلك اليوم عيدا.

فائدة:

قال بعض العلماء: سخر اللّه عز و جل الجن لسليمان عليه السلام، و أمرهم بطاعته، و وكل بهم ملكا بيده صوت من نار، فمن زاغ منهم عن أمره، ضربه الملك ضربة أحرقته. قال أهل التفسير: أجرى اللّه تعالى لسليمان عين النحاس ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء، و كان ذلك بأرض اليمن، و إنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج اللّه لسليمان من النحاس.

و روى الحاكم عن إبراهيم بن طهمان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «كان سليمان نبي اللّه، إذا قام في مصلاه، رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول: ما اسمك؟فتقول: كذا. فيقول: لأي شي‏ء أنت؟فتقول:

لكذا و كذا فإذا كانت لدواء كتبت، و إن كانت لغرس غرست، فبينما هو يصلي يوما إذ رأى شجرة، فقال: ما اسمك؟قالت: الخروب. فقال: لأي شي‏ء أنت؟قالت: لخراب هذا البيت.

فقال سليمان عند ذلك: اللهم عم على الجن موتي، حتى يعلم الإنس إن الجن لا تعلم الغيب، قال: فاتخذ منها عصا، و توكأ عليها، فأكلتها الأرضة، فسقط، فوجدوه ميتا حولا، فتبينت الإنس أن الجن، لو كانوا يعلمون الغيب، ما لبثوا حولا في العذاب المهين‏ (1) » . و كان ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما يقرؤها هكذا ما لبثوا حولا في العذاب المهين، فشكرت الجن الأرضة.

و كانت تأتيها بالماء و التراب حيث كانت ثم قال: صحيح الإسناد.

____________

(1) رواه ابن ماجة إقامة: 199، و الدارمي مقدمة: 6 و ابن حنبل: 2-137.

450

و أما الدابة التي هي أحد اشراط الساعة، فقال ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما في قوله تعالى: وَ إِذََا وَقَعَ اَلْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنََا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ اَلْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ (1) قال: إذا لم يأمروا بالمعروف، و لم ينهوا عن المنكر. قيل: إنها دابة طولها ستون ذراعا ذات قوائم و وبر، و قيل: هي مختلفة تشبه عدة من الحيوانات، يتصدع لها جبل الصفا فتخرج منه ليلة جمع، و الناس سائرون إلى متى. و قيل: تخرج من الحجر و قيل: من أرض الطائف، و معها عصا موسى، و خاتم سليمان عليهما السلام، لا يدركها طالب و لا يعجزها هارب تضرب المؤمن بالعصا، و تكتب في وجهه مؤمن، و تطبع الكافر بالخاتم و تكتب في وجهه كافر. كذا رواه الحاكم في أواخر المستدرك عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه عن النبي صلى اللّه عليه و سلم، و فيه عن أبي الطفيل عن أبي شريحة عن النبي صلى اللّه عليه و سلم، أنه قال: «يكون للدابة ثلاث خرجات في الدهر: تخرج أول خرجة بأقصى اليمن، فيفشو ذكرها بالبادية، و لا يدخل ذكرها القرية، يعني مكة. ثم يكون زمان طويل ثم تخرج خرجة أخرى قريبا من مكة فيفشو ذكرها في البادية، و يدخل ذكرها القرية، يعني مكة، ثم يكون زمان فبينما الناس يوما في أعظم المساجد عند اللّه حرمة، و أحبها إلى اللّه تعالى، و أكرمها على اللّه عز و جل، يعني المسجد الحرام، لم يرعهم إلا و هي في ناحية المسجد بين الركن الأسود و باب بني مخزوم، فترفض الناس عنها شتى، و تثبت لها عصابة من المسلمين عرفوا أنهم لن يعجزوا اللّه هربا فتنفض عن رءوسهم التراب، فتجلو عن وجوههم حتى تظل كأنها الكواكب الدرية، ثم تذهب في الأرض فلا يدركها طالب، و لا يعجزها هارب، حتى إن الرجل ليعوذ منها بالصلاة، فتأتيه من خلفه فتقول: أي فلان الآن تصلي؟فيلتفت إليها فتسمه في وجهه، ثم تذهب فيتجاور الناس في ديارهم، و يصطحبون في أسفارهم، و يشتركون في أموالهم، يعرف المؤمن من الكافر، حتى إن الكافر يقول: يا مؤمن اقضني، و يقول المؤمن: يا كافر اقضني. و روى السهيلي أن موسى عليه السلام سأل ربه عز و جل أن يريه الدابة التي تكلم الناس، فأخرجها اللّه له من الأرض، فرأى منظرا أفزعه و هاله، قال: أي رب ردها، فردها. قال: و الدابة اسمها أقصد. كذا ذكره محمد بن الحسن المقري في تفسيره انتهى.

روى أنها تخرج حين ينقطع الخير، و لا يؤمر بالمعروف، و لا ينهى عن المنكر، و لا يبقى منيب و لا تائب.

و في الحديث‏ (2) : «أن الدابة و طلوع الشمس من المغرب، من أول اشراط الساعة» . و لم يعين الأول منهما، و كذلك الدجال و ظاهر الأحاديث أن طلوع الشمس آخرها، و الظاهر إن الدابة التي تخرج واحدة، و روي أنه يخرج من كل بلد دابة، مما هو مبثوث نوعها في الأرض، و ليست بواحدة، فعلى هذا يكون قوله تعالى دابة اسم جنس.

____________

(1) سورة النمل: الآية 82.

(2) رواه البخاري في الفتن: 25. رقاق 40. و مسلم في التوبة: 31. و الإيمان: 248. و أبو داود في الجهاد: 2.

و الترمذي في الفتن: 21. و ابن ماجة فتن 25-28. و الدارمي في السير: 69، و أحمد: 1/192.

451

و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، أنها الثعبان الذي كان في جوف الكعبة، و اختطفه العقاب، حين أرادت قريش بناء البيت الحرام، و أن الطائر حين اختطفها، ألقاها بالحجون، فالتقمتها الأرض، فهي الدابة التي تخرج تكلم الناس، و تخرج عند الصفا. قاله محمد بن الحسن المقري، و هو غريب غير أن الرجل من أهل العلم، و لذلك حكينا قوله، و قال القرطبي: أنها فصيل ناقة صالح، لقوله في الحديث: «تخرج و لها رغاء» . و الرغاء لا يكون إلا للإبل و هو غريب أيضا. و في الميزان للذهبي، عن جابر الجعفي أنه كان يقول: دابة الأرض علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه. قال: و كان جابرا الجعفي شيعيا يرى الرجعة أي أن عليا رضي اللّه تعالى عنه يرجع إلى الدنيا، و قال الإمام أبو حنيفة رضي اللّه تعالى عنه: ما لقيت أحدا أكذب من جابر الجعفي، و لا أفضل من عطاء بن أبي رباح. و قال الإمام الشافعي رضي اللّه تعالى عنه: أخبرني سفيان بن عيينة قال: كنا في منزل جابر الجعفي فتكلم بشي‏ء، فخرجنا مخافة أن يقع علينا السقف، قلت: و مع ذلك روى له أبو داود و الترمذي و ابن ماجة، و وفاته سنة ست و ستين و مائة. و اختلف العلماء في كيفية خلق الدابة اختلافا كثيرا فقيل إنها على خلقة الآدميين و قيل: جمعت خلق كل حيوان.

و هنا فائدة

: و هي أن المفسرين اختلفوا في تفسير قوله‏ (1) تعالى: أَخْرَجْنََا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ اَلْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ قيل: تكلمهم ببطلان الأديان، سوى دين الإسلام، قاله السدي. و قيل:

كلامها أن تقول لواحد: هذا مؤمن، و تقول لآخر: هذا كافر. و قيل: كلامها ما قاله‏ (2) اللّه عز و جل‏ أَنَّ اَلنََّاسَ كََانُوا بِآيََاتِنََا لاََ يُوقِنُونَ و يكون كلامها بالعربية. و روي عن علي رضي اللّه تعالى عنه، إنه قال: ليست بدابة لها ذنب و لكن كالحية. كأنه يشير إلى أنها رجل و الاكثرون على إنها دابة. و روى ابن جريج عن أبي الزبير أنه وصف الدابة فقال: رأسها رأس ثور، و عيناها عينا خنزير، و أذنها أذن فيل، و قرنها قرن ايل، و صدرها صدر أسد، و لونها لون نمر، و خاصرتها خاصرة هر، و ذنبها ذنب كبش، و قوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعا. و روى الثعلبي عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال: تخرج الدابة من صدع في الصفا تجري كجري الفرس ثلاثة أيام و ما خرج ثلثها. و روي أيضا عن حذيفة بن اليمان رضي اللّه تعالى عنه أنه قال:

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «الدابة تخرج من أعظم المساجد حرمة عند اللّه تعالى، بينما عيسى عليه السلام يطوف بالبيت، و معه المسلمون، فتضطرب الأرض من تحتهم، و ينشق الصفا مما يلي المسعى و تخرج الدابة من الصفا، أول ما يبدو منها رأسها، ملمعة ذات وبر و ريش، لا يدركها طالب، و لا يفوتها هارب، تسم الناس مؤمنا و كافرا أما المؤمن فتترك وجهه كأنه كوكب دري، و تكتب بين عينه: مؤمن، و أما الكافر فتترك في وجهه نكتة سوداء و تكتب بين عينيه: كافر. و روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قرع الصفا بعصاه، و هو محرم، و قال: إن الدابة لتسمع قرع عصاي هذه. و عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال: تخرج الدابة من شعب أبي قبيس رأسها في السحاب و رجلاها في الأرض. و عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم

____________

(1) سورة النمل: الآية 82.

(2) سورة النمل: الآية 82.

452

قال: «بئس الشعب شعب أجياد» مرتين أو ثلاثا، قيل: و لم ذلك يا رسول اللّه؟قال صلى اللّه عليه و سلم: «لأنه تخرج منه الدابة فتصرخ ثلاث صرخات، يسمعها من بين الخافقين» .

و قيل إن وجهها وجه رجل، و سائر خلقتها كخلقة الطير، فتكلم من رآها أن أهل مكة كانوا بمحمد صلى اللّه عليه و سلم و القرآن لا يوقنون.

فرع:

أوصى لرجل بدابة حمل على فرس و بغل و حمار، لأنها في اللغة اسم لما دب على وجه الأرض، ثم قصرها العرف على ذوات الأربع و الوصية تنزل على العرف، و إذا ثبت عرف في بلد عم جميع البلاد، كما لو حلف لا يركب دابة فركب كافرا لا يحنث، و إن كان اللّه تعالى قد سماه دابة و كما لو احلف لا يأكل خبزا حنث بأكل خبز الأرز في طبرستان على الأصح هذا هو المنصوص.

و قال ابن سريج: إنما ذكر الشافعي هذا، على عرف أهل مصر، في ركوبها جميعا، و استعمال لفظ الدابة فيها. أما حيث لا يستعمل إلا في الفرس كالعراق، فإنه لا يعطي سواها، و قيل: إن قاله بمصر لم يعط إلا حمارا قاله في البحر و يدخل في لفظ الدابة الكبير و الصغير، و الذكر و الأنثى و السليم و المعيب، و قال المتولي: إلا ما يمكن ركوبه.

فرع:

يكره دوام الوقوف على الدابة لغير حاجة، و ترك النزول عنها للحاجة، لما في سنن أبي داود و البيهقي، من حديث أبي مريم، عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم‏ (1)

قال: «إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن اللّه عزّ و جلّ إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، و جعل لكم في الأرض مستقرا فاقضوا عليها حاجاتكم» . و يجوز الوقوف على ظهرها للحاجة، ريثما تقضى لما روى‏ (2) مسلم و أبو داود و النسائي، عن أم الحصين الأحمسية رضي اللّه تعالى عنها، قالت: «حججت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حجة الوداع، فرأيت أسامة و بلالا رضي اللّه تعالى عنهما، أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى اللّه عليه و سلم، و الآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة» . و هكذا رواه أحمد و الحاكم و ابن حبان و صححاه. و قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام، في الفتاوى الموصلية: النهي عن ركوب الدواب، و هي واقفة محمول على ما إذا كان لغير غرض صحيح، و أما الركوب الطويل في الأغراض الصحيحة، فتارة يكون مندوبا، كالوقوف بعرفة، و تارة يكون واجبا، كوقوف الصفوف في قتال المشركين، و قتال كل من يجب قتاله، و كذلك الحراسة في الجهاد، إذا خيف هجمة العدو، و هذا لا خلاف فيه. و في حديث أم الحصين رضي اللّه تعالى عنها دليل على أن للمحرم أن يستظل بالمظال، نازلا بالأرض و راكبا على ظهر الدابة، و رخص فيه أكثر أهل العلم إلا أن مالك بن أنس و أحمد رضي اللّه تعالى عنهما، كانا يكرهان للمحرم أن يستظل راكبا، لما روى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، أنه رأى رجلا قد جعل على رحله عودا له شعبتان، و جعل عليه ثوبا يستظل به و هو محرم، فقال له ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما: اضح للذي حرمت له أي ابرز للشمس، و أما قوله صلى اللّه عليه و سلم «لا تتخذوا ظهور الدواب منابر» فإنما أراد أن يستوطن ظهورها لغير أرب في ذلك، و لا حاجة. و قال

____________

(1) رواه أبو داود جهاد: 55.

(2) رواه مسلم في الحج: 312. و أبو داود في المناسك: 34. و النسائي في العيدين: 17.