الإمامة و السياسة - ج2

- ابن قتيبة المزيد...
234 /
51

و أعزّ أمره، أقرب قرابة و أوجب حقا، و نحن ألزم لطاعة الأمير أكرمه اللََّه، من أن نسارع له في معصية أو نبطئ عنه في طاعة، فأجابه الحجاج فقال: يا سلمة، هذا قول حسن، لا أدخله صدري، و لأردنّه في نحرك، حتى نبتلي حقيقته إن شاء اللََّه، و كان قوله هذا على المنبر، و قد عسكر بأجناده بالزاوية[ (1) ]، و الزاوية في طرف من ناحية البصرة في طرف بني تميم. ثم إنه خرج من المسجد، و حشد الناس من كان في الطاعة يومئذ من أهل العراق، و قد كان انهزم لابن الأشعث غير ما مرّة، و قتل له ابن الأشعث خلقا لا تحصى كثرة، قبل هذه المرّة، حتى يئس من نفسه، و قال: أ ترون العجوز، ابنة الرجل الصالح كذّبتني؟يعني أسماء بنت أبي بكر الصدّيق، لئن صدقت أسماء لا أقتل اليوم. و كان الحجاج لما فرغ من قتال عبد اللََّه بن الزبير، بعث إلى أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق أن تأتيه، فأبت أن تأتيه. فقال: و اللََّه لئن لم تأتني لأبعثنّ إليها من يجرّ بقرون رأسها، و يسحبها حتى تصل إليّ، فقيل ذلك لها. فقالت: و اللََّه لا أسير إليه حتى يبعث إليّ من يجرّ بقرون رأسي. فأقبل الحجاج حتى وقف عليها، فقال لها: كيف رأيت ما فعل اللََّه تعالى بابنك، عدوّ اللََّه؟الشاقّ لعصا المسلمين، المفني لعباده و المشتت لكلمة أمة نبيه؟فقالت: رأيته اختار قتالك، فاختار اللََّه ما عنده، إذ كان إكرامه خيرا من إكرامك. و لكن يا حجاج بلغني أنك تنتقصني بنطاقيّ هذين، أو تدري ما نطاقاي؟أما النطاق هذا فشددت به سفرة رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم يوم غزوة بدر، و أما النطاق الآخر، فأوثقت به خطام بعيره.

فقال لي رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم: أما إن لك به نطاقين في الجنة، فانتقص عليّ بعد هذا أو دع،

و لكن لا إخالك يا حجاج، أبشر فإنّي‏

سمعت رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم يقول: منافق ثقيف يملأ اللََّه به زاوية من زوايا جهنم، يبيد الخلق، و يقذف الكعبة بأحجارها، ألا لعنة اللََّه عليه!

فأفحم الحجاج و لم يحر جوابا. قال: و سار ابن الأشعث بعد ما هزم الحجاج مرارا إلى الكوفة حتى نزل دير الجماجم‏[ (2) ]، فقتل للحجاج فيه خلق كثير، و كتب إلى [ (1) ]الزاوية: موضع قرب البصرة كانت به الوقعة المشهورة بين الحجاج و ابن الأشعث قتل فيها خلق كثير من الفريقين (معجم البلدان) .

[ (2) ]دير الجماجم: موضع بظاهر الكوفة على سبعة فراسخ منها على طرف البر السالك إلى البصرة (معجم البلدان) . ـ

52

عبد الملك بن مروان أن أمدني بالرجال، قال: فأمدّه بمحمد بن مروان في أناس من بني أمية كثير[ (1) ]، و جعل الحجاج أميرا عليهم، فسار الحجاج إلى ابن الأشعث، فاقتتلوا أياما بدير الجماجم، حتى كثر القتل في الفريقين جميعا، ثم إن ابن الأشعث لما حشد العسكر و الحجاج بالبصرة. عسكر على مسير ثلاثة أميال من البصرة على نهر يقال له نهر ابن عمر، فكتب ابن الأشعث يسأله أن يتنحى عنهم لما كرهوا ولايته، حتى يستعمل عليهم أمير المؤمنين غيره، من هو أحبّ إليهم منه. فلما انتهى إليه رسوله قال الحجاج: أدخلوه، فلما دخل سلم عليه بالإمارة، قال: من أنت؟قال: رجل من خزاعة. قال: من أهل البصرة أنت، أم من أهل الكوفة؟قال: لا، بل من أهل سجستان. قال: هل تأخذ لأمير المؤمنين ديوانا؟قال: لا، قال: أ فمن وزراء ابن الأشعث أنت علينا في هذه الفتنة يا أخا خزاعة؟قال: و اللََّه ما هويتها، و لقد جلبني إليك مكرها، قال: فكيف تسليمك على صاحبك إذا انصرفت إليه؟قال: بالإمرة، قال: فهل ترى في ذلك أنك صادق؟قال: اللََّه أعلم بأيّ الأمرين هو في نفسك أعلى الصواب أم على الخطأ؟قال: اللََّه أعلم أيّ الأمرين في نفسي. قال: أما إنك يا أخا خزاعة قد رددت الأمر إليه و هو تعالى أعلم، انطلق إلى صاحبك بكتابك كما جئت به، و أعلمه بالذي كان من ردّنا عليك، فإنه جوابه عندنا، و نحن مناجزوه القتال، و محاكموه إلى اللََّه من يوم الأربعاء إن شاء اللََّه، فليعد و ليستعدّ لذلك، ف إِنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا وَ اَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ، و ذلك يوم الأحد. قال: فلما انصرف رسوله إليه ناوله الكتاب، فلما رآه بخاتمه، أي مثل ما بعثه كفّ، فلم يسأله أمام من حضر، حتى ارتفع الناس، ثم دعاه فأخبره الخبر. قال: و ما وراء ظهرك إلا هذا؟قال له: في دون ما جئتك به ما يكفيك، فقد رأيت أمرا صعبا ليس وراءه إلا المناجزة. ثم إن الحجاج هتف هتفة أن اجتمعوا للعطية، ففرق العطية في ثلاثة مواضع، و كان قوّاده يومئذ ثلاثة: سفيان بن الأبرد الكلبي على ميمنته، [ (1) ]قال الطبري و ابن الأثير: أن عبد الملك بعث عرضا مع ابنه لأهل العراق يتضمن:

-نزع الحجاج عن العراق.

-أن يجري عليهم أعطياتهم كما تجرى على أهل الشام.

-أن ينزل ابن الأشعث أي بلد شاء على أن يكون واليا عليه ما دام حيا لكنهم رفضوه و قالوا: و اللََّه لا نقبل. فأعادوا خلعه ثانية.

53

و سعيد بن عمرو الجرشي على القلب، و عبد الرحمن بن عبد اللََّه العكي‏[ (1) ]على ميسرته، فأعطى الناس على هذا و أقام في معسكره متربصا و منتظرا ليوم الأربعاء. فلما رأى ابن الأشعث أنه لا يتقدم لقتاله، و أنه متربص ليوم الأربعاء، بعث رجلا من معسكره، حتى دنا من معسكر الحجاج، فنزل قريبا منه، على مقدار حضر[ (2) ]الفرس، رجاء أن يتحرّش له أحد من معسكر الحجاج فينشب القتال قبل يوم الأربعاء، فرارا منه، و تطيرا به. فلما رأى الحجاج ذلك علم ما أراده و الّذي توقع، فتقدّم إلى أمراء أجناده و قوّاده، و إلى أهل عسكره عامة، ألا يكلم أحد منهم أحدا من عسكر ابن الأشعث، و لا يعرضه على نفسه، و إن أمكنته الفرصة منه إلا يوم الأربعاء، فلما كانت صبيحة يوم الأربعاء، و هو يوم يتطير به أهل العراق، فلا يتناكحون، و لا يسافرون فيه، و لا يدخلون من سفر، و لا يبايعون فيه بشي‏ء، و لا بالبغل الأغرّ الأشقر. قال: فدعا الحجاج ببغلة شقراء محجّلة، فركبها خلافا لرأيهم، و استشعارا بطيرتهم، و توكلا على اللََّه، و نادى مناديه في عسكره: أن انهضوا إلى قتال ابن الأشعث، و أمر خاصته فركبوا معه، و قدم رجّالته، و أخر خلفه مقاتلته، حتى إذا كانوا من عسكر ابن الأشعث على مثال الأسهم وقف فصف أصحابه و عبأهم للقتال، و فعل مثل ذلك ابن الأشعث، و ترجل الحجاج و خاصته، و وضع له منبرا من حديد، فجلس عليه و ترامى الناس، حتى إذا كاد القتال ينشب، خرج رجل من أصحاب ابن الأشعث و هو ينادي: ألا هل من مبارز؟فقام إليه عنبسة بن سعيد القرشيّ و هو يمشي مشية قد لامه الحجاج عليها، و كرهها له. فلما رآه الحجاج و هو يمشي تلك المشية، قال الحجاج: ظلمتك يا عنبسة، لو كنت تاركها يوما من دهرك لتركتها يومك هذا.

فلما دنا من الرجل، قال له عنبسة: فمن أنت يا منتخي؟فقال: رجل من بني تميم، ثم من بني دارم، فحمل عليه عنبسة، فبدره بالضربة فقتله، ثم انصرف إلى مجلسه فجلس، و قد تبين للناس حسن صنعه، ثم زحف الفريقان بعضهم إلى بعض، و اشتدّ قتالهم، و انتحى سفيان على مركزه لم يرم، و الجرشيّ على مركزه لم يرم، و كانت ميلتهم على الميسرة، فنحوا عبد الرحمن العكي. فلما رآه [ (1) ]انظر في تعبئة الحجاج لجيشه و توزيع قواده و أسمائهم الطبري 6/83 و ابن الأثير 3/150 البداية و النهاية 9/51.

[ (2) ]حضر الفرس: جريه السريع، أي على مسافة يقطعها الفرس سريعا بحيث يراه من خلفه.

54

الحجاج قد انكسرت ناحيته، و زال عنها، بعث إليه ابن عمه الحكم بن أيوب في خيل. فقال: انطلق إلى عدوّ اللََّه فاضرب وجهه بالسيف حتى تردّه إلى مقامه، ففعل، و بعث إلى سفيان بن الأبرد يأمره بقتال القوم و محاربتهم، فحمل عليهم سفيان و هم مشغولون بالميسرة قد طمعوا فيها، و كان بإذن اللََّه الفتح و الغلبة من ناحية سفيان، و قد بعث إليه الجرشيّ يستأذنه للقتال، فمنعه الحجاج و قال له:

لا، إلا أن ترى أمرا مقبلا، و تمكنا من فرصة، فاجتمع الأمر، و ثاب العكي، و انهزم ابن الأشعث، و استحقت هزيمته‏[ (1) ]، فدعا الحجاج بدابته فركبها، و ركب من كان مترجلا معه، بعد سجود و دعاء، و شكر كان منه، على ما صنع اللََّه به و من كان معه، و حمدوا اللََّه تعالى كثيرا، و كبروا تكبيرا عاليا، ثم انتهى إلى ربوة فأومأ إليها، ثم استقبل ناحيتهم و السيوف تأخذهم، و حسر بيضته‏[ (2) ]عن رأسه، فجعل يقرع رأسه بخيزران في يده، و هو يتمثل بهذه الأبيات، و هي من قول عبيد بن الأبرص، أو من قول اليشكري:

كيف يرجون سقاطي بعد ما # جلل الرأس بياض و صلع

ساء ما ظنوا و قد أوريتهم # عند غايات الوغى كيف أقع

ربّ من أنضجت غيظا قلبه # قد تمنى لي موتا لم يطع

و يراني كالشجى في حلقه # عسرا مخرجه ما ينتزع

مربد يهدر ما لم يرني # فإذا أسمعته صوتي انقمع

و يحييني إذا لاقيته # و إذا يخلو له الحمى رتع

ورث البغضاء عن والده # حافظا منه الّذي كان استمع

و لساني صيرفيّ صارم # كذباب السيف ما مسّ قطع‏

قال: فلما فرغ الحجاج من هذه الأبيات كبر، ثم حمد اللََّه بما هو أهله، للذي كان من صنعه به و بجماعته، فبينا هو كذلك، إذ أتاه من يخبره أن ابن الأشعث قد انخزل من أصحابه في نفر يسير، متوجها إلى ناحية خراسان‏[ (3) ]، [ (1) ]قال خليفة في تاريخه ص 282: كانت بينهم بالجماجم إحدى و ثمانين وقيعة كلها على الحجاج إلا آخر وقعة كانت على ابن الأشعث فانهزم.

[ (2) ]البيضة: الخوذة من الحديد يغطي بها الفارس رأسه.

[ (3) ]في الطبري 6/366 و مضى عبد الرحمن و الفل من المنهزمين معه نحو سجستان... و في ابن الأثير 4/481 فنزل هو و من معه لا يلوون على شي‏ء.

55

فدعا الحجاج ابن عم له‏[ (1) ]، كان يعرفه بالنصيحة و الهوى، فقطع معه ليلا، و أرسله في طلب ابن الأشعث إلى مواضع شتى، و عهد إليهم أن لا يدركوا أحدا إلا أتوا به أو برأسه أو يموت، فوقف الحجاج طويلا في مكانه ذلك المرتفع ينظر إلى معسكر ابن الأشعث، و أصحابه ينتهبونه، ثم رجع إلى معسكره فنزل، و دخل فسطاطه فجلس، و أذن لأصحابه فدخلوا عليه، فقام كل واحد منهم يهنئه بالفتح، و جعل ابن جبلة يأتيه بالأسرى، فكلما أتي بأسير أمر به فضربت عنقه، فكان ذلك فعله يومه ذلك إلى الليل، فلما أصبح و تراجع إليه أكثر خيله، أمر مناديه ينادي بالقفل، فقفل و قفلت معه أجناده، و جميع أصحابه إلى مدينة واسط، فكان فيها و هو الّذي كان بناها، قال: و ضرب ابن الأشعث ظهرا لبطن، ليلا و نهارا حتى لحق بخراسان، و رجا في لحوقه بها النجاة من الحجاج، و الحذر لنفسه، و لم يشعر بالخيل التي بعثت في طلبه حتى غشيته، فلم تزل تطلبه من موضع إلى موضع، حتى استغاث بقصر منيف، فحصره ابن عمّ الحجاج فيه، و أحاطت به الخيل من كل جانب، حتى ضيق عليه، و دعا بالنار ليحرقه في القصر، فلما رأى ابن الأشعث أنه لا محيص له و لا ملجأ، و خاف النار، رمى بنفسه من بعض علالي القصر[ (2) ]، و طمع أن يسلم و لا يشعر به فيدخل في غمار النار، فيخفى أمره، و يكتم خبره، فسقط فانكسرت ساقه، و انخذل ظهره و وقع مغشيا عليه، قال: فشعر به أصحاب الحجاج فأخذوه، و قد أفاق [ () ]و في مروج الذهب 3/160 فمضى حتى انتهى إلى ملوك الهند. و في البداية و النهاية 9/59 دخل هو و من معه من الفل إلى بلاد رتبيل ملك الترك.

[ (1) ]في الطبري: أتبعهم الحجاج عمارة بن تميم اللخمي و معه ابنه محمد بن الحجاج.

[ (2) ]في مقتل ابن الأشعث عدة روايات ذكرها الطبري 6/390-394 و ابن الأثير 4/501 و منها ما ذكر بالأصل. و في رواية أخرى: أنه كان عند رتبيل رجل من بني تميم يقال له عبيد بن أبي سبيع-و هو من خواص ابن الأشعث و رسوله إلى رتبيل فخص به رتبيل و خف عليه فحاول عبد الرحمن قتله فعمل عبيد على تخويف رتبيل من الحجاج و دعاه إلى الغدر به- (و كان ابن الأشعث قد التجأ إلى رتبيل) و قال له: أنا آخذ لك من الحجاج عهدا ليكفن الخراج عن أرضك سبع سنين على أن تدفع إليه ابن الأشعث فأجابه إلى ذلك. و انظر ابن الأعثم 7/156.

و على كل الأحوال لم يصل ابن الأشعث حيا إلى الحجاج، و إنما أرسل إليه رأسه بعد ما قتل (في راوية سقط عن علالي القصر-و في رواية أن رتبيل قتله-و في رواية ثالثة أنه مرض بالسل و مات فحز رأسه رتبيل قبل أن يدفن. الطبري 6/390 ابن الأثير 4/502) . و ذكروا مقتله سنة 85. بينما ذكره ابن كثير في البداية و النهاية 83 (ج 9/65-66) .

56

بعض الإفاقة، و لا يقدر على النهوض فأتوا به إلى ابن عم الحجاج، فلما رآه بتلك الحال أيقن أنه لا يقدر على أن يبلغ الحجاج حتى يموت، فأمر به فضربت رقبته، و انطلق برأسه إلى الحجاج، فلما قدم عليه أحدث للََّه شكرا و حمدا فيما كان من تمام الصنع، و ما هيأ له من التأييد و الظفر، و أقام كذلك لا يمرّ عليه يوم إلا و هو يؤتى فيه بأسرى، فلما رأى كثرتهم ازداد حنقا و غيظا لمسارعتهم في اتباع ابن الأشعث، و مخالفتهم عن الحجاج، فيأمر بقتلهم حردا على الخوارج، و رجاء أن يستأصلهم، فلا يخرج عليه خارجيّ بعدها، فلما رأى كثرة من يؤتى به من الأسرى تحرّى، فجعل إذا أتي بأسير يقول له: أ مؤمن أنت أم كافر؟ليعرف بذلك الخوارج من غيرهم، فمن بدأ على نفسه بالكفر و النفاق عفا عنه و من قال أنا مؤمن ضرب عنقه.

[الحجاج و الشعبي‏]

[ (1) ] و أسر عامر بن سعيد[ (2) ]الشعبيّ فيمن أسر، و كان مع ابن الأشعث في جميع حروبه، و كان خاص المنزلة منه، ليس لأحد منه مثلها للذي كان عليه من حاله، إلا سعيد بن جبير، و أفلت سعيد بن جبير فلحق بمكة، و أتى الشعبيّ إلى الحجاج في سورة غضبه‏[ (3) ]، و هو يقتل الأسرى الأوّل فالأوّل، إلا من باء على نفسه بالكفر و النفاق، فلما سار عامر بن سعيد الشعبي إلى الدخول عليه لقيه رجل من صحابة الحجاج يقال له يزيد بن أبي مسلم و كان مولاه و حاجبه، فقال:

يا شعبي، لهفي بالعلم الّذي بين دفتيك، و ليس هذا بيوم شفاعة إذا دخلت على الأمير، فبؤ له بالكفر[ (4) ]و النفاق عسى أن تنجو[ (5) ]، فلما دخل الشعبي على الحجاج صادفه واضعا رأسه لم يشعر، فلما رفع رأسه رآه قال له: و أنت أيضا يا شعبي فيمن أعان علينا و ألب!قال: أصلح اللََّه الأمير إني أمرت بأشياء أقولها لك، أرضيك بها و أسخط الربّ، و لست أفعل، و لكني أقول: أصلح اللََّه الأمير [ (1) ]عنوان استدركناه للإيضاح.

[ (2) ]هو عامر بن شراحيل الشعبي، تقدمت الإشارة إليه.

[ (3) ]سورة غضبه: في شدة غضبه.

[ (4) ]في مروج الذهب 3/176 و العقد الفريد 5/32: بالشرك.

[ (5) ]زيد في مروج الذهب: فلما دخلت عليه (في العقد: ثم لقيني) استقبلني محمد بن الحجاج فقال لي مثل مقالة يزيد.

57

و أصدقك القول، فإن كان شي‏ء ينفع لديك فهو في الصدق إن شاء اللََّه أحزن بنا المنزل‏[ (1) ]، و أجدب الجناب، و اكتحلنا السهر، و استحلسنا[ (2) ]الخوف، و ضاق بنا البلد العريض، فوقعنا في خزية لم نكن فيها بررة أتقياء، و لا فجرة أقوياء، فقال له الحجاج: كذلك. قال: نعم، أصلح اللََّه الأمير، و أمتع به، قال: فنظر الحجاج إلى أهل الشام فقال: صدق و اللََّه يا أهل الشام ما كانوا بررة أتقياء فيتورعوا عن قتالنا، و لا فجرة أقوياء فيقووا علينا، ثم قال: انطلق يا شعبيّ فقد عفونا عنك، فأنت أحقّ بالعفو ممن يأتينا و قد تلطخ بالدماء ثم يقول: كان و كان، قال: و كان قد أحضر بالباب رجلان، و أحدهما من بكر بن وائل، و الآخر من تميم، و كانا قد سمعا ما قيل للشعبي بالباب أن يقوله، فلما أدخلا. قال الحجاج للبكري: أ منافق أنت؟قال: نعم، أصلح اللََّه الأمير، لكن أخو بني تميم لا يبوء[ (3) ]على نفسه بالنفاق. قال التميمي: أنا على دمي أخدع؟، بل أنا-أصلح اللََّه الأمير-منافق مشرك فتبسم الحجاج و أمر بتخلية سبيلهما.

قال الشعبيّ: فو اللََّه ما أتى لذلك الأمر إلا نحو من شهرين، حتى رفعت إليه فريضة أشكلت عليه، و هي أم، وجد، و أخت. فقال: من هاهنا نسأله عنها؟ قال: فدلّ عليّ، فأرسل إليّ، و قال يا شعبي ما عندك في هذه الفريضة، أم، و أخت وجد؟فقلت: أصلح اللََّه الأمير. قال فيها خمسة من أصحاب محمد صلى اللََّه عليه و سلم. قال: من قال فيها؟قلت: قال فيها عليّ بن أبي طالب، و أمير المؤمنين عثمان بن عفان، و عبد اللََّه بن عباس، و عبد اللََّه بن مسعود، و زيد بن ثابت. قال: هات ما قال فيها عليّ. فأخبرته. قال: فما قال فيها ابن مسعود؟فأخبرته، قال: فما قال فيها ابن عباس؟فو اللََّه لقد كان متفقها[ (4) ] فأخبرته. قال: فما قال فيها أمير المؤمنين عثمان؟فأخبرته. قال: فما قال زيد بن ثابت؟قلت: أخذها من تسعة أسهم، فأعطى الأم ثلاثة أسهم، و أعطى الجدّ أربعة أسهم، و أعطى الأخت سهمين. فلما سمع ما كان من قول كلّ واحد [ (1) ]في العقد: نبا بنا المنزل و في المروج: أحزن بنا المبرك.

[ (2) ]استحلسنا الخوف: أي لم يفارقنا.

[ (3) ]لا يبؤ: لا يعترف.

[ (4) ]في مروج الذهب: «متقيا» و في العقد: «منقبا» .

58

منهم، و عرف رأيهم فيها[ (1) ]. قال يا غلام: قل للقاضي يمضيها على ما قال أمير المؤمنين عثمان‏[ (2) ].

قال الشعبيّ: و دخلت عليه الترك، قد شدّوا أوساطهم بعمائهم، و انتزعت السيوف من أعناقهم و أخذوا الطوامير[ (3) ]بأيمانهم، فدخل عليه رجل‏[ (4) ]من قبل أمير المؤمنين عبد الملك. فقال له الحجاج: كيف تركت أمير المؤمنين و أهله و ولده و حشمه؟فأنباه عنه و عنهم بصلاح. فقال: ما كان وراءك من غيث؟قال:

نعم، أصلح اللََّه الأمير، أصابتني سحابة في موضع كذا، فواد سائل، و واد تارع‏[ (5) ]، فأرض مدبرة، و أرض مقبلة، حتى صدعت عن الكمأة أماكنها، فما أتيتك إلا في مثل مجرى الضبّ‏[ (6) ]. فقال للحاجب: ائذن للناس فدخل عليه رجل أتاه من قبل نجد[ (7) ]. فقال له: ما كان وراءك من غيث؟فقال: كثير الإعصار، و اغبرّ البلاد، و أكل ما أشرف من الحشيشة، فاستيقنّا أنه عام سنة.

فقال: بئس المخبر أنت. قال: أخبرتك بالذي كان. فقال للحاجب: ائذن للناس، فدخل عليه رجل أتاه من قبل اليمامة. فقال: هل كان وراءك من غيث؟ قال: نعم. و سمعت الرّوّاد يدعون إلى ريادها، و سمعت رائدا يقول: هلموا[ (8) ] أطعمكم محلة تطفو فيها النيران، و تشتكي فيها النساء، و تنافس فيها المعز. فقال له: ويحك، إنما تحدّث أهل الشام فأفهمهم. فقال: أصلح اللََّه الأمير، أما تطفوا النيران، فيستكثر فيها الزبد و اللبن و التمر، فلا توقد نار[يختبز بها]، و أما أن يشتكي النساء: فإنه من جذبها على إبريق لبنها فتظلّ تمخض لبنها فتبيت و لها أنين من عضديها، و أما تنافس المعز: فإنّها ترأم من نوار النبات و ألوان الثمر ما يشبع بطونها، و لا يشبع عيونها، فتبيت، و قد امتلأت أكراشها، لها من الكظّة [ (1) ]انظر ما جاء في أقوالهم مروج الذهب 3/176 العقد الفريد 5/33.

[ (2) ]و كان رأي عثمان بن عفان: أن جعلها أثلاثا.

[ (3) ]في العقد: «و كتبهم» و الطوامير جمع طومار و هو الصحيفة.

[ (4) ]في العقد: من بني سليم و اسمه شبابة بن عاصم.

[ (5) ]في العقد 5/34: نازح.

[ (6) ]في العقد: و جئتك في مثل و جار الضبع (انظر اللسان: وجر) .

[ (7) ]في العقد: من بني أسد.

[ (8) ]في العقد: هلموا ظعنكم إلى محلة تطفأ فيها النيران.

59

شرّة تنزل به الدرّة[ (1) ]. ثم قال للحاجب: ائذن للناس، فدخل عليه رجل من الموالي، كان أشجع الناس في زمانه، يقال له عمرو بن الصلت. فقال له الحجاج: هل كان وراءك من غيث؟قال: نعم. أصلح اللََّه الأمير، أصابتني سحابة بموضع‏[ (2) ]كذا و كذا، فلم أزل أطأ في أثرها، حتى دخلت على الأمير.

فقال له الحجاج: أما و اللََّه لئن كنت في المطر أقصرهم خطبة، إنك بالسيف لأطولهم باعا و خطوة.

و لما انهزم ابن الأشعث، قام بعده عبد الرحمن بن عياش‏[ (3) ]بن ربيعة، فقاتل الحجاج ثلاثة أيام، ثم انهزم، فوقع بأرض فارس، ثم صار إلى السند، فمات هناك. و تحصن ناس من أصحاب ابن الأشعث في قلعة بأرض فارس، منهم عبد الرحمن بن الحارث بن نوفل، و الفضل بن عياش، و عمرو بن موسى التميمي، و محمد بن سعد بن أبي وقاص، و عبيد اللََّه، و محمد، و إسحاق، و عون، بنو عبد اللََّه بن الحارث في ناس من قريش، و لحق سعيد بن جبير بمكة، فأشعر به الحجاج، فغفل عنه و لم يهيجه، فبعث الحجاج يزيد بن المهلب، فحاصرهم بفارس.

قال أبو معشر: حدثني عون قال: كتب إلينا يزيد بن المهلب، أن أخبروني بآية بيني و بينكم حتى أخرجكم. قال: فكتب إليه عبد اللََّه بن الحارث: كنت يوم كذا و كذا في دارنا. قال: فأخرجه و بنيه، فسكنا عمان. و أسر من بقي، و أسروا اثني عشر رجلا من وجوه الناس عامتهم من قريش، منهم عمرو بن موسى التميمي‏[ (4) ]و محمد بن سعد بن أبي وقاص، فبعث بهم إلى الحجاج فحبسهم عنده، و كتب إلى عبد الملك يخبره بأمرهم، و جعل يذكر في كتابه أن سعيدا قد أنكر الخروج مع هؤلاء القوم، فكتب إليه عبد الملك يأمره بضرب أعناقهم و يقول في كتابه: لم أبعثك مشفّعا و إنما بعثتك منفذا مناجزا لأهل الخلاف و المعصية.

فأبرزهم الحجاج، فقال لعمرو بن موسى: يا عاتق قريش و كان شابا جميلا، [ (1) ]في العقد: و لها في الكظة جرة، فتبقى الجرة حتى تستنزل الدرة.

[ (2) ]في العقد: بحلوان.

[ (3) ]كذا بالأصل، و الصواب «عباس» كما في الطبري.

[ (4) ]هو عمرو بن موسى بن عبيد اللََّه بن معمر. و انظر في الطبري 6/374 بقية أسماء الأسرى.

و فيه أن محمد بن سعد بن أبي وقاص قال ليزيد: «أسألك بدعوة أبي لأبيك» فخلى سبيله.

60

مالك أنت و للخروج، إنما أنت عاتق صاحب ثياب و لعب؟فقال له عمرو: أيها الرجل، امض لما تريد، فإنما نزلت بعهد اللََّه و ميثاقه، فإن شئت فأرسل يدي، و برئت مني الذمة. فقال له الحجاج: كلا، حتى أقدّمك إلى النار، فضربت رقبته، ثم جي‏ء بمحمد بن سعد، فقال له: يا ظلّ الشيطان، و كان رجلا طويلا، أ لست بصاحب كل موطن؟أنت صاحب الحرة، و صاحب يوم الزاوية، و صاحب الجماجم. فقال له: إنما نزلت بعهد اللََّه و ميثاقه، أرسل يدي و برئت مني الذمة، قال: لا، حتى أقدمك إلى النار، ثم قال لرجل من أهل الشام: اضرب لي مفرق رأسه، فضرب، فمال نصفه هاهنا، و نصفه هاهنا، ثم قتل الباقين.

ذكر قتل سعيد بن جبير

قال: و ذكروا أن مسلمة بن عبد الملك، كان واليا على أهل مكة، فبينما هو يخطب على المنبر، إذ أقبل خالد بن عبد اللََّه القسري من الشام واليا عليها، فدخل المسجد، فلماقضى مسلمة خطبته، صعد خالد المنبر، فلما ارتقى في الدرجة الثالثة، تحت مسلمة، أخرج طومارا مختوما، ففضه، ثم قرأه على الناس، فيه: بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم، من عبد الملك‏[ (1) ]بن مروان أمير المؤمنين إلى أهل مكة، أما بعد: فإنّي وليت عليكم خالد بن عبد اللََّه القسري، فاسمعوا له و أطيعوا، و لا يجعلنّ امرؤ على نفسه سبيلا، فإنما هو القتل لا غير، و قد برئت الذمة من رجل آوى سعيد بن جبير[ (2) ]، و السلام. ثم التفت إليهم خالد و قال:

و الّذي نحلف به، و نحجّ إليه، لا أجده في دار أحد إلا قتلته، و هدمت داره، و دار كلّ من جاوره، و استبحت حرمته. و قد أجلت لكم فيه ثلاثة أيام، ثم نزل، و دعا مسلمة برواحله و لحق بالشام، فأتى رجل إلى خالد فقال له: إن سعيد بن جبير بواد من أودية مكة، مختفيا بمكان كذا، فأرسل خالد في طلبه، فأتاه [ (1) ]كذا بالأصل. و هو خطأ فعبد الملك كان قد مات، و الخليفة الوليد بن عبد الملك و هو صاحب الكتاب و هذا ما أشار إليه الطبري في حوادث سنة 94.

[ (2) ]و كان سعيد بن جبير بعد هزيمة ابن الأشعث قد هرب إلى أصبهان ثم هرب منها و كان يعتمر في كل سنة و يحج ثم انه لجأ إلى مكة فأقام بها، و كان الحجاج قد بعث نفرا و أمرهم بطلب سعيد بن جبير فخرج القوم في طلبه يسألون عنه و عن موضعه.

(انظر الطبري 8/95 ابن الأثير 4/580 حلية الأولياء 4/291 وفيات الأعيان 2/372 تاريخ أصبهان 1/324) . ـ

61

الرسول، فلما نظر إليه الرسول قال: إنما أمرت بأخذك، و أتيت لأذهب بك إليه، و أعوذ باللََّه من ذلك، فالحق بأيّ بلد شئت، و أنا معك. قال له سعيد بن جبير:

أ لك هاهنا أهل و ولد؟قال: نعم. قال: إنهم يؤخذون و ينالهم من المكروه مثل الّذي كان ينالني. قال الرسول: فإنّي أكلهم إلى اللََّه. فقال سعيد: لا يكون هذا. فأتى به إلى خالد فشدّه وثاقا، و بعث به إلى الحجاج. فقال له رجل من أهل الشام: إن الحجاج قد أنذر بك و أشعر قبلك، فما عرض له، فلو جعلته فيما بينك و بين اللََّه لكان أزكى من كل عمل يتقرّب به إلى اللََّه. فقال خالد، و قد كان ظهره إلى الكعبة قد استند إليها: و اللََّه لو علمت أن عبد الملك لا يرضى عني إلا ينقض هذا البيت حجرا حجرا لنقضته في مرضاته. فلما قدم سعيد على الحجاج، قال له: ما اسمك؟قال: سعيد. قال: ابن من؟قال: ابن جبير. قال:

بل أنت شقي بن كسير؟قال سعيد: أمي‏[ (1) ]أعلم باسمي و اسم أبي. قال الحجاج: شقيت و شقيت أمك. قال سعيد: الغيب يعلمه غيرك. قال الحجاج:

لأوردنك حياض الموت، قال سعيد: أصابت إذا أمي اسمي. فقال الحجاج:

لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى. قال سعيد: لو أني أعلم أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها. قال الحجاج: فما قولك في محمد؟قال سعيد: نبيّ الرحمة، و رسول ربّ العالمين إلى الناس كافة بالموعظة الحسنة. فقال الحجاج: فما قولك في الخلفاء؟قال سعيد: لست عليهم بوكيل، كلّ امرئ بما كسب رهين. قال الحجاج: أشتمهم أم أمدحهم؟قال سعيد: لا أقول ما لا أعلم، إنما استحفظت أمر نفسي. و قال الحجاج: أيهم أعجب إليك؟قال: حالاتهم يفضل بعضهم على بعض. قال الحجاج: صف لي قولك في عليّ. أ في الجنة هو، أم في النار؟قال سعيد: لو دخلت الجنة فرأيت أهلها علمت، و لو رأيت من في النار علمت، فما سؤالك عن غيب قد حفظ بالحجاب؟قال الحجاج: فأيّ رجل أنا يوم القيامة؟فقال سعيد: أنا أهون على اللََّه من أن يطلعني على الغيب. قال الحجاج: أبيت أن تصدقني؟قال سعيد[ (2) ]: بل لم أرد أن أكذبك. فقال الحجاج فدع عنك هذا كله، أخبرني ما لك لم تضحك قط؟قال: لم أر شيئا يضحكني، و كيف يضحك مخلوق من طين، و الطين تأكله النار، و منقلبه إلى الجزاء، و اليوم [ (1) ]في مروج الذهب: أبي كان أعلم باسمي منك. قال: شقيت و شقي أبوك.

[ (2) ]في حلية الأولياء 4/291: لا أحب أن أكذب (انظر فتوح ابن الأعثم 7/162) .

62

يصبح و يمسي في الابتلاء. قال الحجاج: فأنا أضحك. فقال سعيد: كذلك خلقنا اللََّه أطوارا. قال الحجاج: هل رأيت شيئا من اللهو؟قال: لا أعلمه. فدعا الحجاج بالعود و الناي. قال: فلما ضرب العود، و نفخ في الناي بكى سعيد. قال الحجاج: ما يبكيك؟قال: يا حجاج ذكرتني أمرا عظيما، و اللََّه لا شبعت و لا رويت و لا اكتسيت، و لا زلت حزينا لما رأيت. قال الحجاج: و ما كنت رأيت هذا اللهو؟فقال سعيد: بل هذا و اللََّه الحزن يا حجاج، أما هذه النفخة، فذكرتني يوم النفخ في الصور[ (1) ]، و أما هذا المصران‏[ (2) ]فمن نفس ستحشر معك إلى الحساب، و أما هذا العود فنبت بحقّ، و قطع لغير حقّ. فقال الحجاج: أنا قاتلك. قال سعيد: قد فرغ من تسبب في موتي. قال الحجاج: أنا أحبّ إلى اللََّه منك؟قال سعيد: لا يقدم أحد على ربه حتى يعرف منزلته منه، و اللََّه بالغيب أعلم. قال الحجاج: كيف لا أقدم على ربي في مقامي هذا، و أنا مع إمام الجماعة، و أنت مع إمام الفرقة و الفتنة؟قال سعيد: ما أنا بخارج عن الجماعة، و لا أنا براض عن الفتنة، و لكن قضاء الربّ نافذ لا مردّ له. قال الحجاج: كيف ترى ما نجمع لأمير المؤمنين؟قال سعيد: لم أر، فدعا الحجاج بالذهب و الفضة، و الكسوة و الجوهر، فوضع بين يديه. قال سعيد: هذا حسن إن قمت بشرطه. قال الحجاج: و ما شرطه؟قال: أن تشتري له بما تجمع الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة، و إلا فإن كل مرضعة تذهل عما أرضعت‏[ (3) ]، و يضع كل ذي حمل حمله، و لا ينفعه إلا ما طاب منه. قال الحجاج: فترى طيبا؟قال: برأيك جمعته، و أنت أعلم بطيبة. قال الحجاج: أ تحبّ أن لك شيئا منه؟قال: لا أحبّ ما لا يحبّ اللََّه. قال الحجاج: ويلك. قال سعيد: الويل لمن زحزح عن الجنة فأدخل النار. قال الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه. قال: إني أشهدك يا حجاج أن لا إله إلا اللََّه وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله، أستحفظكهن يا حجاج حتى ألقاك. فلما أدبر ضحك. قال الحجاج‏[ (4) ]: ما يضحكك يا سعيد؟ [ (1) ]إشارة إلى الآية الكريمة: (وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ ... وَ كُلٌّ أَتَوْهُ دََاخِرِينَ) من سورة النمل آية 87.

[ (2) ]يريد: أوتار العود. و هي تتخذ من مصارين الحيوان.

[ (3) ]إشارة إلى قوله تعالى: (يَوْمَ تَرَوْنَهََا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمََّا أَرْضَعَتْ) الحج: 2.

[ (4) ]في ابن الأعثم 8/163: ردوه!و هو يضحك (مروج الذهب 3/201) .

63

قال: عجبت من جرأتك على اللََّه، و حلم اللََّه عليك‏[ (1) ]قال الحجاج: إنما أقتل من شقّ عصا الجماعة و مال إلى الفرقة التي نهى اللََّه عنها، اضربوا عنقه. قال سعيد: حتى أصلي ركعتين، فاستقبل القبلة و هو يقول: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ حَنِيفاً مسلما وَ مََا أَنَا مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ [ (2) ]. قال الحجاج: اصرفوه عن القبلة إلى قبلة النصارى، الذين تفرّقوا و اختلفوا بغيا بينهم، فإنه من حزبهم، فصرف عن القبلة. فقال سعيد: (فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللََّهِ) [ (3) ]الكافي بالسرائر... قال الحجاج: لم نوكل بالسرائر، و إنما وكلنا بالظواهر. قال سعيد:

اللََّهمّ لا تترك له ظلمي، و اطلبه بدمي، و اجعلني آخر قتيل يقتل من أمة محمد.

فضربت عنقه، ثم قال الحجاج: هاتوا من بقي من الخوارج، فقرّب إليه جماعة فأمر بضرب أعناقهم، و قال: ما أخاف إلا دعاء من هو في ذمة الجماعة من المظلومين، فأما أمثال هؤلاء فإنّهم ظالمون حين خرجوا عن جمهور المسلمين، و قائد سبيل المتوسمين.

و قال قائل: إن الحجاج لم يفرغ من قتله حتى خولط في عقله، و جعل يصيح قيودنا، يعني القيود التي كانت في رجل سعيد بن جبير[ (4) ]، و يقول: متى كان الحجاج يسأل عن القيود أو يعبأ بها؟و هذا يمكن القول فيه لأهل الأهواء في الفتح و الإغلاق.

ذكر بيعة الوليد و سليمان ابني عبد الملك‏

قال: و ذكروا أنه لما فرغ الحجاج من قتل الخوارج، و تمّ له أمر العراق، فاستقرّ ملك عبد الملك، كتب إليه الحجاج أن يبايع للوليد ابنه‏[ (5) ]، و يكتب له عهده للناس؟فأبى ذلك عبد الملك، لأن أخاه عبد العزيز كان حيا، و كان قد استعمله عبد الملك على مصر، و كتب إلى الحجاج يوبخه، و يقول له ما لك أنت [ (1) ]في مروج الذهب: عنك.

[ (2) ]الآية 79 من سورة الأنعام، و ليس فيها «مسلما» .

[ (3) ]سورة البقرة آية 115.

[ (4) ]في البداية و النهاية 9/115 فظنوا ذلك، فقطعوا رجليه من أنصاف ساقيه و أخذوا القيود.

[ (5) ]زيد في الطبري 6/85 و أوفد وفدا في ذلك سألوا عبد الملك إتمام الأمر و قام عمران بن عصام العنزي و أنشد: و مما قاله:

فلو أن الوليد أطاع فيه # جعلت له الخلافة و الذماما

شبيهك حول قبته قريش # به يستمطر الناس الغماما

64

و التكلم بهذه؟و كانت البيعة بالشام لهما جميعا، إذ مات مروان، و كان عبد العزيز نظير عبد الملك في الحزم و الرأي و العقل و الذكاء، و كان عبد الملك لا يفضل عبد العزيز في شي‏ء إلا باسم الخلافة، حتى لربما كان عبد الملك يأمر بالشي‏ء، فيريد عبد العزيز غيره، و يرى خلافه، فيردّه إلى رأيه و لا يمضيه، و كان لا ينكر ذلك عبد الملك.

فلما كانت سنة إحدى و ثمانين عقد عبد الملك لموسى بن نصير على إفريقية و ما حولها، و وجهه إلى من بها من البربر يقاتلهم، و ضمّ إليه برقة، فلما قدم موسى بن نصير متوجها، انتهى ذلك إلى عبد العزيز، فردّه من مصر إلى الشام، و بعث قرة بن حسان الثعلبي، فانصرف موسى بن نصير إلى الشام لعبد الملك، و ذكر امتهانا ناله من عبد العزيز و ما استقبله به‏[ (1) ]إلى كلام كثير، فقال له عبد الملك: إن عبد العزيز صنو أمير المؤمنين، و قد أمضينا فعله، فتوجه قرة بن حسان إلى إفريقية، فهزم بها، و قتل غالب أصحابه. فلما كانت سنة أربع و ثمانين‏[ (2) ]، توفي عبد العزيز بن مروان بمصر، ثم ولي‏[ (3) ]محمد بن مروان إلى سنة ستّ و ثمانين، فلما توفي عبد العزيز، أجمع عبد الملك على بيعة الوليد، ثم من [ (1) ]كذا ورد هذا الخبر بالأصل... نرى في هذا الخبر ثغرات أهمها:

-لم يرد اسم قرة بن حسان الثعلبي، فيمن ولي المغرب أو إفريقيا.

-العلاقة الوطيدة بين عبد العزيز و موسى بن نصير، و قد وردت روايات في تولية موسى بن نصير إفريقيا من قبل عبد العزيز بن مروان. قال الكندي في ولاة مصر ص 74 «و قدم حسان بن النعماني الغساني من الشام إلى مصر، بعهد إلى المغرب في سنة 78 فسأله عبد العزيز أن لا يعرض لأطرابلس فأبى حسان ذلك فعزله عبد العزيز و ولى موسى بن نصير مولى لخم أمر المغرب كله» (انظر الحلة السيراء 2/332 و البيان المغرب 1/39) .

-يفهم من المصادر أن الّذي رده عبد العزيز بن مروان هو حسان بن النعمان و ليس العكس، و هو الّذي ولى موسى بن نصير دون رأي عبد الملك و دونه مشورته، و قد أقر عبد الملك عمل عبد العزيز.

-الّذي قدم على عبد الملك هو حسان بن النعمان و قد شكى له أخاه عبد العزيز و ما أساء إليه به (الحلة السيراء 2/332) .

[ (2) ]في الطبري و ابن الأثير و البداية و النهاية ذكرت وفاته سنة 85. و عند الكندي في ولاة مصر:

سنة 86.

قال الطبري: أن عبد الملك أراد خلع أخيه عبد العزيز (و ذلك سنة 84) فنهاه قبيصة بن ذؤيب و قال: لا تفعل هذا، فإنك باعث على نفسك صوت نعار، و لعل الموت يأتيه، فتستريح منه.

قال الطبري و كان موته بمصر في جمادى الأولى. (انظر ابن سعد) .

[ (3) ]في الطبري ضم عبد الملك عمله إلى ابنه عبد اللََّه بن عبد الملك، و ولاه مصر.

65

بعد الوليد سليمان، فكتب إلى الحجاج ببيعة الوليد و سليمان، فبايع الحجاج لهما بالعراق، فلم يختلف عليه أحد، و بويع لهما بالشام و مصر و اليمن، و كتب عبد الملك إلى هشام بن إسماعيل، و هو عامله على المدينة، أن يأخذ بيعة أهل المدينة، فلما أتت البيعة لهما، كره ذلك سعيد بن المسيب، و قال: لم أكن لأبايع بيعتين في الإسلام بعد حديث‏

سمعته عن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم أنه قال: «إذا كانت بيعتان في الإسلام فاقتلوا الأحداث منهما»

فأتاه عبد الرحمن بن عبد القاري، فقال: إني مشير عليك بثلاث خصال، اختر أيها شئت. قال: و ما هي؟قال له: إنك تقوم حيث يراك هشام بن إسماعيل، فلو غيرت مقامك؟قال: ما كنت لأغير مقاما قمته منذ أربعين سنة لهشام بن إسماعيل. قال: فثانية. قال: و ما هي؟قال: أخرج معتمرا، قال سعيد: ما كنت لأجهد نفسي، و أنفق مالي في شي‏ء ليس لي فيه نية. قال له: فثالثة، قال: و ما هي؟قال: تبايع للوليد، ثم لسليمان، قال سعيد: أ رأيت إن كان اللََّه قد أعمى قلبك كما أعمى بصرك فما عليّ؟قال: و كان عبد الرحمن هذا أعمى. قال:

فدعاه هشام بن إسماعيل إلى البيعة، و كان ابن عمّ سعيد بن المسيب، فلما علم بذلك القرشيون، أتوا هشاما فقالوا له: لا تعجل على ابن عمك حتى نكلمه و نخوّفه القتل، فعسى به أن يبايع و يجيب. قال: فاجتمع القرشيون، فأرسلوا إلى سعيد مولى له كان في الحرس. فقالوا له: اذهب إليه، فخوّفه القتل، و أخبره أنه مقتول، فلعله يدخل فيما دخل فيه الناس. فجاءه مولاه، فوجده قائما يصلي في مسجده، فبكى مولاه بكاء شديدا، قال له سعيد: ما يبكيك ويحك!قال: أبكي مما يراد بك. قال له سعيد: و ما يراد بي، ويحك. قال: جاء كتاب من عبد الملك بن مروان، إلى هشام بن إسماعيل، إن لم تبايع و إلا قتلت، فجئتك لتطهر و تلبس ثيابا طاهرة و تفرغ من عهدك إن كنت لا تريد أن تبايع. فقال له سعيد: لا أم لك قد وجدتني أصلي في مسجدي، أ فتراني كنت أصلي و لست بطاهر، و ثيابي غير طاهرة!و أما ما ذكرت من أن أفرغ من عهدي، فما كنت لأوخر عهدي بعد ما

حدثني به عبد اللََّه بن عمر عن رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم أنه قال: «ما حقّ امرئ مسلم يبيت ليلتين له شي‏ء يوصي به إلا و وصيته مكتوبة»

[ (1) ]، فإذا شاءوا فليفعلوا، فإنّي لم أكن لأبايع بيعتين في الإسلام. قال:

[ (1) ]الحديث رواه البخاري في الوصايا (1) و مسلم في الوصية (1) و أبو داود في الوصايا (1)

66

فرجع إليهم المولى فأخبرهم بما ذكر، فكتب صاحب المدينة هشام بن إسماعيل إلى عبد الملك يخبره أن سعيد بن المسيب كره أن يبايع لهما (للوليد و سليمان) فكتب عبد الملك إليه: ما لك و لسعيد، و ما كان علينا منه أمر نكرهه، و ما كان حاجتك أن تكشف عن سعيد، أو تأخذه ببيعة، ما كنا نخاف من سعيد؟فأما إذ قد ظهر ذلك و انتشر أمره في الناس، فادعه إلى البيعة، فإن أبى فاجلده مائة سوط، أو أحلق رأسه و لحيته و ألبسه ثيابا من شعر و أوقفه في السوق على الناس لكيما لا يجترئ علينا أحد غيره. قال: فلما وصل الكتاب أرسل إليه هشام، فانطلق سعيد إليه، فلما أتاه دعاه إلى البيعة، فأبى أن يجيبه، فألبسه ثيابا من شعر[ (1) ]، و جرّده و جلده مائة سوط[ (2) ]، و حلق رأسه و لحيته، و أوقفه في السوق، و قال:

لو أعلم أنه ليس إلا هذا ما نزعت ثيابي طائعا و لا أجبت إلى ذلك قال بعض الأيليين‏[ (3) ]الذين كانوا في الشرطة بالمدينة: لما علمنا أنه لا يلبس الثياب طائعا قلنا له: يا أبا محمد إنه القتل فاستر بها عورتك، قال: فلبس فلما تبين له أنا خدعناه قال: يا معلجة أهل أيلة، لو لا أني ظننت أنه القتل ما لبسته. قال: فكان هشام بن إسماعيل بعد ذلك إذا خطب الناس يوم الجمعة تحوّل إليه سعيد بن المسيب، أي يقبل عليه بوجهه ما دام يذكر اللََّه، حتى إذا وقع في مدح عبد الملك و غيره أعرض سعيد عنه بوجهه فلما فطن هشام لذلك، أمر حرسيا يحصب وجه سعيد إذا تحوّل عنه ففعل ذلك به، فقال سعيد: إنما هي ثلاث، و أشار بيده.

قال: فما مرّ به إلا ثلاثة أشهر حتى عزل هشام.

موت عبد الملك و بيعة الوليد

قال: و ذكروا أن عبد الملك بن مروان لما حضرته الوفاة، جمع بنيه و قال لهم: اتقوا اللََّه ربّكم، و أصلحوا ذات بينكم، و ليجلّ صغيركم كبيركم، و كبيركم صغيركم، انظروا أخاكم مسلمة، فاستوصوا به خيرا، فإنه شيخكم و مجنكم [ () ]و الترمذي في الجنائز (5) و الوصايا (3) و النسائي في الوصايا (1) و ابن ماجة في الوصايا (2) و أحمد في المسند 2/4، 10، 50، 57، 80.

[ (1) ]في الطبري: طاف به في تبان (سراويل صغير يستر العورة) و في العقد الفريد 4/421 ألبسه المسوح. و انظر حلية الأولياء 2/171-172.

[ (2) ]في الطبري و ابن الأثير: ستين سوطا.

[ (3) ]نسبة إلى أيلة بلد بين ينبع و مصر.

67

الّذي به تستجنون، و سيفكم‏[ (1) ]الّذي به تضربون، أوصيكم به خيرا، و انظروا ابن عمكم عمر بن عبد العزيز، فاصدروا عن رأيه، و لا تخلّوا عن مشورته اتخذوه صاحبا لا تجفوه، و وزيرا لا تعصوه، فإنه من علمتم فضله و دينه، و ذكاء عقله، فاستعينوا به على كلّ مهمّ، و شاوروه في كل حادث‏[ (2) ]. قال: ثم دخل عليه خالد و عبد الرحمن ابنا يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. فقال لهما: أ تحبان أن أسألكما بيعة الوليد و سليمان؟فقالا: يا أمير المؤمنين، معاذ اللََّه من ذلك. قال: فأومأ بيده إلى مصلى كان مضطجعا عليه، فأخرج من تحته سيفا مصلتا. فقال لهما:

و اللََّه لو قلتما غير ذلك لضربت أعناقكما بهذا السيف، ثم خرجا من عنده، و دخل عليه عمر بن عبد العزيز. فقال عبد الملك: يا أبا حفص استوص خيرا بأخويك الوليد و سليمان، إن زلا فشلهما و إن مالا فأقمهما، و إن غفلا فذكّرهما، و إن ناما فأيقظهما، و قد أوصيتهما بك، و عهدت إليهما أن لا يقطعا شيئا دونك. فقال عمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين أوصيتهما بكتاب اللََّه فليقيماه في عباده و بلاده، و سنة رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم فليحيياها، و يحملا الناس عليها؟فقال عبد الملك: قد فعلت و وليي فيكم اللََّه الّذي نزل الكتاب و هو يتولى الصالحين. ثم قال: و قد علمت يا عمر مكان فاطمة مني، و محلها من قلبي، و إني آثرتك بها على جميع آل مروان، لفضلك و ورعك، فكن عند ظني بك، و رجائي فيك، و قد علمت أنك غير مقصّر، و لا مضيّع حقها[ (3) ]، و لكن اللََّه قد قضى أن الذكرى تنفع المؤمنين، قوموا عصمكم اللََّه و كفاكم. ثم خرجوا من عنده. قال: ثم دعا عبد الملك بالوليد و سليمان، فدخلا عليه. فقال للوليد: اسمع يا وليد، قد حضر الوداع، و ذهب الخداع، و حلّ القضاء. قال: فبكى الوليد. فقال له عبد الملك: لا تعصر عينيك عليّ كما [ (1) ]في ابن الأثير: و نابكم الّذي عنه تفترون.

[ (2) ]انظر وصيته إلى أولاده: ابن الأثير 3/181، مروج الذهب 3/197، ابن الأعثم 7/201- 202 الأخبار الطوال ص 325. البداية و النهاية 9/81.

قال ابن الأعثم إن الوليد بن عبد الملك أجاب أباه بعد ما أوصاه:

إني لما أوصيتنيه لحافظ # أرعاه غير مقصر في المحتد

و أكون للأعداء سما ناقعا # و لذي القرابة كالحميد الآبد

و لكل إخواني و جل عشيرتي # أرعى المغيب في حفظهم في المشهد

و أقوم بعدك في الرعية بالذي # أوصيتني بهم بحسن تودد

[ (3) ]تزوجها عمر بن عبد العزيز، و هو ابن عمها.

68

تعصر الأمة الوكساء[ (1) ]، إذا أنا متّ فاغسلني، و كفني، و صلّ عليّ و أسلمني إلى عمر بن عبد العزيز يدليني في حفرتي، و أخرج أنت إلى الناس، و البس لهم جلد نمر، و اقعد على المنبر، و ادع الناس إلى بيعتك، فمن مال بوجهه عنك كذا، فقل له بالسيف كذا[ (2) ]، و تنكر للصديق و القريب، و اسمع للبعيد، و أوصيك بالحجّاج خيرا، فإنه هو الّذي وطأ لكم المنابر، و كفاكم تقحم تلك الجرائم.

قال: فلما توفي عبد الملك، و مات من يومه ذلك، خرج الوليد إلى الناس، و قعد على المنبر، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: نعمة ما أجلها، و مصيبة ما أعظمها، و إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ . نقل الخلافة، و فقد الخليفة[ (3) ]، ثم دعا الناس إلى البيعة، فلم يختلف عليه أحد، ثم كان أوّل ما ظهر من أمره، و تبين من حكمه، أن أمر بهدم كلّ دار و منزل، من دار عبد الملك إلى قبره، فهدمت من ساعتها، و سوّيت بالأرض، لئلا يعرج بسرير عبد الملك يمينا و شمالا، و ليكون النهوض به إلى حفرته تلقاء منزله، ثم كتب ببيعته إلى الآفاق و الأمصار، و إلى الحجاج بالعراق فبايع له الناس و لم يختلف عليه أحد. فدخل عليه سليمان بن عبد الملك. فقال له: يا أمير المؤمنين، اعزل الحجاج بن يوسف عن العراقين فإن الّذي أفسد اللََّه به أكثر مما أصلح. فقال له الوليد: إن عبد الملك قد أوصاني به خيرا. فقال سليمان: عزل الحجاج و الانتقام منه من طاعة اللََّه، و تركه من معصية اللََّه. فقال الوليد: سنرى في هذا الأمر، و ترون إن شاء اللََّه، ثم كتب الحجاج إلى الوليد: أما بعد، فإن اللََّه تعالى استقبلك يا أمير المؤمنين في حداثة سنك بما لا أعلمه استقبل به خليفة قبلك من التمكين في البلاد، و الملك للعباد، و النصر على الأعداء، فعليك بالإسلام، فقوّم أوده، و شرائعه و حدوده، و دع عنك محبة الناس و بغضهم و سخطهم، فإنه قلّ ما يؤتى الناس من خير أو شرّ، إلا أفشوه في ثلاثة أيام، و السلام.

[ (1) ]في الأخبار الطوال ص 325: الأمة الورهاء (يعني الجارية الحمقاء) و في البداية و النهاية 9/81: أ تحن حنين الجارية و الأمة. و الوكساء: الخسيسة.

[ (2) ]في مروج الذهب: وضع سيفك على عاتقك، فمن أبدى ذات نفسك لك فاضرب عنقه، و من سكت مات بدائه.

[ (3) ]قارن مع الطبري 6/423 و ابن الأثير 3/183 البداية و النهاية 9/84. مروج الذهب 3/197. و في هذه المصادر ذكرت له على المنبر خطبة أخرى و ذلك بعد عودته من دفن والده عبد الملك. ـ

69

تولية موسى بن نصير[ (1) ]البصرة

قال: و حدثنا يزيد بن سعيد مولى مسلم، أن عبد الملك بن مروان لما أراد أن يولّي أخاه بشر بن مروان على العراق، كتب إلى أخيه عبد العزيز بن مروان و هو بمصر، و بشر معه يقود الجنود، و كان يومئذ حديث السنّ: إني قد وليت أخاك بشرا البصرة، فاشخص معه موسى بن نصير، وزيرا و مشيرا، و قد بعثت إليك بديوان العراق، فادفعه إلى موسى، و أعلمه أنه المأخوذ بكل خلل و تقصير، فشخص بشر من مصر إلى العراق، و معه موسى بن نصير، حتى نزل البصرة، فلما نزلها دفع إلى موسى بن نصير خاتمه، و تخلى عن جميع العمل، فلبث موسى مع بشر ما لبث، ثم إن رجلا من أهل العراق دخل على بشر بن مروان فقال له: هل لك أن أسقيك شرابا لا تشيب معه أبدا، بعد أن أشترط عليك شروطا؟قال بشر: و ما هي؟قال: لا تغضب و لا تركب، و لا تجامع امرأة في أربعين ليلة، و لا تدخل حماما، فقبل ذلك بشر و أجابه، و شرب ما أسقاه، و احتجب عن قريب الناس و بعيدهم، و خلا مع جواريه و خدّامه، فكان كذلك حتى أتته ولاية الكوفة و قد ضمت إليه مع البصرة، فأتاه من ذلك ما لم يحمل فرحه، و لا السرور به، فدعا بركاب ليركبها، فأتاه الرجل، فناشده لا يخرج و لا يركب، و أن لا يتحرّك بحركة من مكانه، فلم يلتفت بشر إلى كلامه، و لم يقبل ما أمره به، فلما رأى الرجل عزمه قال له: فاشهد لي على نفسك بأنك قد عصيتني ففعل بشر ذلك، و أشهد أنه قد أبرأه، فركب و هو يريد الكوفة، فلم يسر إلا أميالا، حتى وضع يده على لحيته، فإذا هي في كفه قد سقطت من وجهه، فلما رأى ذلك انصرف إلى البصرة، فلم يلبث إلا قليلا حتى هلك‏[ (2) ]، فلما بلغ عبد الملك موته، وجه الحجاج بن يوسف واليا عليها. فقال موسى بن نصير: ما فاتك فلا يفوتك، و كان عبد الملك قد أراده لأمر عتب عليه منه‏[ (3) ]. فكتب [ (1) ]هو أبو عبد الرحمن موسى بن نصير، اللخمي بالولاء، كان من التابعين كان والده نصير على حرس معاوية. و قال ابن بشكوال في الصلة: أنه موسى بن نصير بن عبد الرحمن بن زيد.

[ (2) ]ذكر ابن كثير وفاته سنة 74 بالبصرة. و قال ابن الأعثم في الفتوح 6/319 أنه اعتلّ علة شديدة و استسقى بطنه فمات.

[ (3) ]ذكر ابن عذاري في البيان المغرب 1/39 أن موسى كان على خراج البصرة فاحتجن الأموال لنفسه، فأوصى (عبد الملك) الحجاج به ألا يفوته. فلعل هذا الأمر هو ما عتب به عليه فيه خاصة بعد أن قدّمه و ولاه.

70

خالد بن أبان، من الشام إلى موسى بن نصير: إنك معزول، و قد وجه إليك الحجاج بن يوسف، و قد أمر فيك بأغلظ أمر، فالنجاة، و الوحي الوحي‏[ (1) ]، فإما أن تلحق بالفرس فتأمن و إما أن تلحق بعبد العزيز بن مروان مستجيرا به، و لا تمكن ملعون ثقيف من نفسك فيحكم فيك. فلما أتاه الكتاب: ركب النجائب و لحق بالشام، و بها يومئذ عبد العزيز بن مروان قد وفد بأموال مصر. فكتب الحجاج من العراق: يا أمير المؤمنين، إنه لا قدر لما اقتطعه موسى بن نصير من أموال العراق، و ليس بالعراق، فابعث به إليّ.

دخول موسى بن نصير على عبد الملك بن مروان‏

قال: و ذكروا أن عبد الرحمن بن سالم حدثهم عن أبيه، أنه حضر يومئذ شأن موسى، و دخوله على عبد الملك. قال: و كانت لموسى يد عظيمة عند عبد العزيز بن مروان يطول ذكرها قال سالم، قال لي موسى: لما قدمت الشام لقيت بها عبد العزيز، و كان ذلك من صنع اللََّه، فأدخلني على عبد الملك‏[ (2) ]، فلما رآني عبد الملك قلت: موسى. قال: ما تزال تعرض لحيتك علينا؟قال: قلت: لم يا أمير المؤمنين؟قال: لجرأتك عليّ و اقتطاعك الفي‏ء. قال: فقلت: ما فعلت يا أمير المؤمنين، و ما ألوتك نصحا و اجتهادا و إصلاحا، قال: أقسم لتؤدّينّ دينك خمسين مرّة. قال: قلت لم يا أمير المؤمنين؟قال: فما تركني أتمها حتى قال:

قم لتؤدينّها مائة مرّة، فذهبت لأتكلم، فأشار عليّ عبد العزيز أن قل نعم. فقلت:

نعم يا أمير المؤمنين، ثم خرجت فأعانني عبد العزيز بخمسين ألفا، و أدّيت خمسين ألفا في ثلاثة أشهر نجمها عليّ.

تولية موسى بن نصير على إفريقية

قال: و ذكروا أن عبد العزيز لما رجع إلى مصر، سار موسى معه. فكان من أشرف الناس عنده، فأقام بها ما أقام حتى قدم حسان بن النعمان‏[ (3) ]من إفريقية [ (1) ]الوحي الوحي: يعني النجاة النجاة.

[ (2) ]في البيان المغرب 1/40 أنه ذهب إلى عبد العزيز في مصر ثم وفد معه إلى الشام.

[ (3) ]و هو حسان بن النعمان بن عدي بن بكر بن مغيث بن عمرو بن مزيقياء بن عامر بن الأزد و كان عبد الملك قد ولاه إفريقيا سنة 74 بعد زهير بن قيس، و كان قد قتل سنة 69 و قد شغل

71

يريد الشام إلى عبد الملك و قد فتح له بها فتحا، و قتل الكاهنة[ (1) ]، فأجازه عبد الملك‏[ (2) ]و زاده برقة، و ردّه إليها، أي إلى إفريقية واليا، فأقبل حتى نزل مصر، و بعث معه بعثا من هناك، فأخذوا أعطياتهم منه، ثم ساروا حتى نزلوا ذات الجماجم. قال: فبلغ ذلك عبد العزيز و أن حسان بن النعمان يطلب برقة من عند عبد الملك، و أنه قد ولاه أياما، فبعث إليه فقال له: أولاك أمير المؤمنين برقة؟قال: نعم. فقال له عبد العزيز: لا تعرض، و كان عليها مولى لعبد العزيز.

فقال حسان: ما أنا فاعل. فغضب عبد العزيز و قال له: ائت بعهدك عليها إن كنت صادقا. قال: فأتى به حسان، فلما أقرأه عبد العزيز وجدها فيه، فالتفت إلى حسان فقال: ما أنت بتاركها؟قال: و اللََّه لا أنعزل عما ولانيه أمير المؤمنين.

قال: فاقعد في بيتك، فسيولّى هذا الأمر من هو خير منك و أولى به منك، في تجربته و سياسته، و يغني اللََّه أمير المؤمنين عنك. ثم أخذ عبد العزيز عهده و مزّقه، و دعا بموسى بن نصير فعقد له على إفريقية يوم الخميس في صفر سنة تسع و سبعين‏[ (3) ]، فتجهز موسى بن نصير، و حمل الأموال إلى ذات الجماجم، و بها الجيوش ينتظرون و اليهم فقدم عليهم موسى بن نصير، فلما صار على الجيش الأوّل أتى عصفور حتى وقع على صدره، فأخذه موسى، فدعا بسكين، فذبحه موسى، و لطخ بدمه صدره من فوق الثياب، و نتف ريشه و طرحه على صدره و على نفسه، ثم قال: الفتح و ربّ الكعبة، و الظفر إن شاء اللََّه.

[ () ]عبد الملك عن إفريقيا ما كان بينه و بين عمرو بن سعيد و ابن الزبير. (ابن الأثير 3/81- 82) .

[ (1) ]الكاهنة كانت بجبل أوراس و قد اجتمع إليها البربر فخافها الروم و جميع إفريقيا. فالتقى معها بوادي مسكيانه فهزم ثم عبأ جنده و تتالت الأمداد له فهزمها و قتلها (تفاصيل انظرها في ابن الأثير 3/82-83 و البيان المغرب 1/37-38) .

[ (2) ]في البيان المغرب و ابن الأثير: الوليد بن عبد الملك و فيهما ثمة ذكر لعبد العزيز، و المعروف أن عبد العزيز مات قبل عبد الملك و قبل ولاية الوليد و قد مرّ ذلك.

[ (3) ]في ولاة مصر للكندي ص 74: سنة 78. و قال ابن الأثير 3/83 أن الوليد ولى إفريقيا عمه عبد اللََّه بن مروان فعزل عنها حسانا و استعمل موسى بن نصير سنة 89. و أن حسان أقام في القيروان لا ينازعه أحد إلى أن توفي عبد الملك. في حين يؤكد ابن عذاري أن الّذي عزل حسان هو عبد العزيز بن مروان. و قال ابن القطان: أن عزل حسان و ولاية موسى بن نصير كان من قبل عبد العزيز بن مروان دون أمر أخيه عبد الملك و مشورته و ذلك لأن أمر والي إفريقيا كان منوطا بالوالي على مصر و يعني ذلك من تدبير عبد العزيز... و لما حاول الوليد بعد ذلك إعادته إلى عمله رفض حسان و حلف: لا أولّي لبني أمية أبدا. و انظر الحلة السيراء 2/332.

72

خطبة موسى بن نصير رحمه اللََّه‏

قال: و ذكروا أن موسى لما قدم ذات الجماجم، و قد توافت الجيوش بها، جمع الناس فقام خطيبا، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن أمير المؤمنين أصلحه اللََّه رأى رأيا في حسّان بن النعمان، فولاه ثغركم، و وجهه أميرا عليكم، و إنما الرجل في الناس بما أظهر، و الرأي فيما أقبل، و ليس فيما أدبر، فلما قدم حسان بن النعمان على عبد العزيز أكرمه اللََّه كفر النعمة، و ضيع الشكر، و نازع الأمر أهله، فغير اللََّه ما به، و إنما الأمير[ (1) ]أصلحه اللََّه صنو أمير المؤمنين و شريكه، و من لا يتهم في عزمه و رأيه، و قد عزل حسان عنكم، و ولاني مكانه عليكم، و لم يأل أن أجهد نفسه في الاختبار لكم، و إنما أنا رجل كأحدكم، فمن رأى مني حسنة، فليحمد اللََّه، و ليحض على مثلها، و من رأى مني سيئة فلينكرها، فإنّي أخطئ كما تخطئون، و أصيب كما تصيبون، و قد أمر الأمير أكرمه اللََّه لكم بعطاياكم و تضعيفها أثلاثا، فخذوها هنيئا مريئا، و من كانت له حاجة فليرفعها إلينا، و له عندنا قضاؤها على ما عزّ و هان، مع المواساة إن شاء اللََّه، و لا حول و لا قوة إلا باللََّه.

دخول موسى بن نصير إفريقية

قال: و ذكروا أن موسى لما سار متوجها إلى المغرب، بقية صفر، ثم ربيع و ربيع، و دخل في جمادى الأولى، يوم الاثنين، لخمس خلون منه، سنة تسع و سبعين، فأخذ سفيان بن مالك الفهريّ و أبا صالح الفهريّ، فغرّم كل واحد منهما عشرة آلاف دينار، و وجههما إلى عبد الملك في الحديد. قال: و كان قدوم موسى إفريقية و ما حولها مخوفا، بحيث لا يقدر المسلمون أن يبرزوا في العيدين، لقرب العدوّ منهم، و إن عامة بيوتها الخصوص‏[ (2) ]و أفضلها القباب، و بناء المسجد يومئذ شبيه بالحظير، غير أنه قد سقف ببعض الخشب، و قد كان ابن النعمان بنى القبلة و ما يليها بالمدر، بنيانا ضعيفا، و كانت جبالها كلها محاربة لا ترام، و عامّة السهل.

[ (1) ]يشير إلى عبد العزيز بن مروان.

[ (2) ]الخصوص جمع خص، و هو البيت من البوص و نحوه.

73

خطبة موسى بإفريقية

قال: و ذكروا أن موسى لما قدم إفريقية، و نظر إلى جبالها، و إلى ما حولها، جمع الناس ثم صعد المنبر، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنما كان قبلي على إفريقية أحد رجلين: مسالم يحبّ العافية، و يرضى بالدون من العطية، و يكره أن يكلم‏[ (1) ]، و يحب أن يسلم، أو رجل ضعيف العقيدة، قليل المعرفة، راض بالهوينى، و ليس أخو الحرب إلا من اكتحل السهر، و أحسن النظر، و خاض الغمر، و سمت به همته، و لم يرض بالدون من المغنم لينجو، و يسلم دون أن يكلم أو يكلم، و يبلغ النفس عذرها في غير خرق يريده، و لا عنف يقاسيه، متوكلا في حزمه، جازما في عزمه، مستزيدا في علمه، مستشيرا لأهل الرأي في إحكام رأيه، متحنكا بتجاربه، ليس بالمتجابن إقحاما، و لا بالمتخاذل إحجاما، إن ظفر لم يزده الظفر إلا حذرا، و إن نكب أظهر جلادة و صبرا، راجيا من اللََّه حسن العاقبة، فذكر بها المؤمنين، و رجاهم إياها لقول اللََّه تعالى: (إِنَّ اَلْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) [هود: 49]أي الحذرين. و بعد:

فإن كل من كان قبلي كان يعمد إلى العدوّ الأقصى، و يترك عدوا منه أدنى، ينتهز منه الفرصة، و يدلّ منه على العورة، و يكون عونا عليه عند النكبة، و ايم اللََّه لا أريم‏[ (2) ]هذه القلاع و الجبال الممتنعة حتى يضع اللََّه أرفعها، و يذل أمنعها، و يفتحها على المسلمين بعضها أو جمعها، أو يحكم اللََّه لي و هو خير الحاكمين.

فتح زعوان‏[ (3) ]

قال: و ذكروا أنه كان بزعوان‏[ (3) ]قوم من البربر، يقال لهم عبدوه، عليهم عظيم من عظمائهم يقال له: ورقطان، فكانوا يغيرون على سرح المسلمين، و يرصدون غرّتهم، و الّذي بين زعوان‏[ (3) ]و بين القيروان يوم إلى الليل، فوجه إليهم موسى خمس مائة فارس، عليهم رجل من خشين يقال له: عبد الملك فقاتلهم فهزمهم اللََّه، و قتل صاحبهم ورقطان، و فتحها اللََّه على يد موسى، فبلغ سبيهم [ (1) ]يكلم: يجرح.

[ (2) ]أي لن أتركها و أغادرها.

[ (3) ]في البيان المغرب 1/40 زغوان.

74

يومئذ عشرة آلاف رأس، و أنه كان أوّل سبي دخل القيروان في ولاية موسى، ثم وجّه ابنا له يقال له عبد الرحمن‏[ (1) ]بن موسى، إلى بعض نواحيها، فأتاه بمائة ألف رأس ثم وجه ابنا له يقال له مروان‏[ (2) ]، فأتاه بمثلها فكان الخمس يومئذ ستين ألف رأس.

قدوم كتاب الفتح على عبد العزيز بن مروان‏

قال: و ذكروا أن موسى بن نصير كتب إلى عبد العزيز بن مروان بمصر يخبره بالذي فتح اللََّه عليه، و أمكن له، و يعلمه أن الخمس بلغ ثلاثين ألفا، و كان ذلك و هما من الكاتب. فلما قرأ عبد العزيز الكتاب، دعا الكاتب و قال له:

ويحك!اقرأ هذا الكتاب. فلما قرأه قال: هذا و هم من الكاتب فراجعه. فكتب إليه عبد العزيز: إنه بلغني كتابك، و تذكر فيه أنه قد بلغ خمس ما أفاء اللََّه عليك ثلاثين ألف رأس، فاستكثرت ذلك، و ظننت أن ذلك و هم من الكاتب‏[ (3) ]، فاكتب إليّ بعد ذلك على حقيقة، و احذر الوهم. فلما قدم الكتاب على موسى كتب إليه: بلغني أن الأمير أبقاه اللََّه، يذكر أنه استكثر ما جاءه من العدّة، التي أفاء اللََّه عليّ، و أنه ظنّ أن ذلك و هم من الكاتب، فقد كان ذلك و هما على ما ظنه الأمير، و الخمس أيها الأمير ستون ألفا حقا ثابتا بلا و هم. قال: فلما أتى الكتاب إلى عبد العزيز و قرأه ملأه سرورا.

إنكار عبد الملك تولية موسى بن نصير

قال: و ذكروا أن عبد العزيز لما ولّى موسى و عزل حسان كما تقدم، و فتح اللََّه لموسى بلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فكره ذلك و أنكره، ثم كره ردّ رأي عبد العزيز، ثم همّ بعزل موسى لسوء رأيه فيه، ثم رأى أن لا يردّ ما صنع عبد العزيز. فكتب عبد الملك إلى عبد العزيز: أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين ما كان من رأيك في عزل حسان، و توليتك موسى مكانه، و علم الأمر الّذي له عزلته، و قد كنت أنتظر منك مثلها في موسى، و قد أمضى لك أمير المؤمنين من [ (1) ]في البيان المغرب: عبد اللََّه. (انظر ابن الأثير 3/194 و جذوة المقتبس للحميدي ص 317) .

[ (2) ]في ابن الأثير 3/194: هارون.

[ (3) ]قارن مع البيان المغرب 1/40 كتاب عبد العزيز إلى موسى بن نصير، و جواب موسى عليه.

75

رأيك ما أمضيت، و ولايتك من ولّيت، فاستوص بحسان خيرا فإنه ميمون الطائر، و السلام.

جوابه‏

فلما قدم الكتاب على عبد العزيز كتب إلى أخيه عبد الملك: أما بعد، فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين في عزل حسان، و توليتي موسى بن نصير، و قد كان لمثلها مني منتظرا في موسى، و يعلمني أنه قد أمضى لي من رأيي فيما أمضيت، و ولايتي من وليت، و قد علمت أن أمير المؤمنين يتفاءل بحسان للذي فتح اللََّه على يديه، و لم أعد مع نظري لأمير المؤمنين، بأن عزلت حسان، و وليت موسى في يمن طائره، و حسن أثره. فأما قول أمير المؤمنين: قد كنت أنتظرها منك في موسى، فلعمري لقد كنت لها فيه مرصدا، و لأمير المؤمنين أن يسبق بها إليه منتظرا، حتى حضر أمر جهدت فيه نفسي لأمير المؤمنين. و لنفسي الرأي و النصيحة، و السلام.

كتاب عبد العزيز بالفتح إلى عبد الملك‏

قال: و ذكروا أن عبد العزيز كتب إلى عبد الملك، أما بعد: فإنّي كنت و أنت يا أمير المؤمنين في موسى و حسان كالمتراهنين، أرسلا فرسيهما إلى غايتهما فأتيا معا، و قد مدّت الغاية[ (1) ]لأحدهما، و لك عنده مزيد إن شاء اللََّه‏[ (2) ]، و قد جاءني يا أمير المؤمنين كتاب من موسى، و قد وجهته إليك لتقرأه، و تحمد اللََّه عليه، و السلام‏[ (3) ].

جوابه‏

فكتب إليه عبد الملك: أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك، و فهم المثل الّذي مثلته في حسان و موسى، و يقول لك عند أحدهما مزيد، و كلّ قد [ (1) ]الغاية: هي النهاية أي المكان الّذي ينتهي عنده السباق.

[ (2) ]يشير إلى نشاط موسى بن نصير في الغزو و الفتوحات و ما يأمل عبد العزيز منه من نجاح.

[ (3) ]و كان عبد العزيز قد أرفق كتابه إلى عبد الملك يعلمه فيه بالفتح بكتاب موسى (البيان المغرب 1/40) .

76

عرف اللََّه على يده خيرا و نصرا[ (1) ]، و قد أجريت وحدك، و كل مجر بالخلاء مسرور[ (2) ]، و السلام.

ثم وجه عبد الملك رجلا إلى موسى ليقبض ذلك منه على ما ذكر موسى، و على ما كتب به. فلما قدم الرسول على موسى: دفع إليه ما ذكر، و زاده ألفا للوفاء.

فتح هوارة[ (3) ]، و زناتة، و كتامة[ (4) ]

قال: و ذكروا أن موسى أرسل عياش بن أخيل إلى هوّارة و زناتة في ألف فارس، فأغار عليهم و قتلهم و سباهم، فبلغ سبيهم خمسة آلاف رأس، و كان عليهم رجل منهم يقال له كمامون‏[ (5) ]، فبعث به موسى إلى عبد العزيز في وجوه الأسرى، فقتله عند البركة التي عند قرية عقبة، فسميت بركة كمامون‏[ (5) ]، فلما أوجع عياش فيهم دعوا إلى الصلح، فقدم على موسى بوجوههم، فصالحوهم و أخرجوهم، و كانت كتامة قد قدمت على موسى فصالحته، و ولى عليهم رجلا منهم، و أخذ منهم رهونهم‏[ (6) ]، و كتب أحدهم إلى موسى، إنما نحن عبد انك، قتل أحدنا صاحبه، و أنا خير لك منه، فلم يشكّ موسى أن ذلك إنما كان عن ممالأة من كتامة، و قد كانت رهون كتامة استأذنوا موسى قبل ذلك بيوم ليتصيدوا، فأذن لهم، فلما أتاه ما أتاه تحقق ظنه فيهم، و أنهم إنما هربوا، فوجه الخيول في طلبهم، فأتي بهم، فأراد صلبهم. فقالوا: لا تعجل أيها الأمير بقتلنا حتى يتبين أمرنا، فإن آباءنا و قومنا لم يكونوا ليدخلوا في خلاف أبدا، و نحن في يدك و أنت [ (1) ]يشير إلى ما كان من حسان بن النعمان و فتوحاته و انتصاراته في إفريقيا و المغرب.

[ (2) ]أي أنه من يجري فرسه لوحده دون منافس ينافسه السباق، يسرّ من جريه و سرعته لأن وحده لا يستطيع المفاضلة بينه و بين غيره و هذا ما ينطبق على موسى إذ أنك أرسلته وحده و أنت تترقب ما يأتي به، و لا تستطيع مفاضلته لأنه وحده.

[ (3) ]هوارة هؤلاء من بطون البرانس باتفاق من نسابة العرب و البربر ولد هوارة بن أوريغ بن برنس إلا ما يزعم بعضهم أنهم من عرب اليمن و بعضهم يقولون من عاملة و بعضهم يقول من حمير. (العبر 6/139) .

[ (4) ]كتامة يقال انهم من حمير، و نسابة البربر يقولون أنهم من ولد كتام بن برنس و هم أشد قبائل البربر بأسا و قوة و أطولهم باعا في الملك (العبر 6/148) .

[ (5) ]في البيان المغرب 1/41 طامون.

[ (6) ]في البيان المغرب: أخذ منهم رهائن من خيارهم.

77

على البيان أقدر منك على استحيائنا بعد القتل، فأوقرهم حديدا، و أخرجهم معه إلى كتامة، و خرج هو بنفسه. فلما بلغهم خروج موسى، تلقاه وجوه كتامة معتذرين، فقبل منهم، و تبينت له براءتهم، و استحيا رهونهم.

فتح صنهاجة[ (1) ]

قال: و ذكروا أن الجواسيس أتوا موسى، فقالوا له: إن صنهاجة بغرّة منهم و غفلة، و إن إبلهم تنتج، و لا يستطيعون براحا، فأغار عليهم موسى بأربعة آلاف من أهل الديوان، و ألفين من المتطوّعة، و من قبائل البربر، و خلف عياشا على أثقال المسلمين و عيالهم بظبية في ألفي فارس، و على مقدمة موسى عياض بن عقبة، و على ميمنته المغيرة بن أبي بردة، و على ميسرته زرعة بن أبي مدرك، فسار موسى حتى غشي صنهاجة، و من كان معها من قبائل البربر، و هم لا يشعرون، فقتلهم قتل الفناء، فبلغ سبيهم يومئذ مائة ألف رأس، و من الإبل و البقر و الغنم و الخيل و الحرث و الثياب ما لا يحصى، ثم انصرف قافلا إلى القيروان، و هذا كله في سنة ثمانين فلما سمعت الأجناد بما فتح اللََّه على موسى و ما أصاب معه المسلمون من الغنائم رغبوا في الخروج إلى الغرب، فخرج نحو مما كان معه، فالتقى المغيرة و صنهاجة، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن اللََّه منحه أكتافهم و هزمهم، فبلغ سبيهم ستين ألف رأس ثم انصرف قافلا.

فتح سجوما

قال: و ذكروا أنه لما كان سنة ثلاث و ثمانين، قدم على موسى نجدة عبد اللََّه بن موسى في طالعة أهل مصر. فلما قدم عليه، أمر الناس بالجهاد و التأهب، ثم غزا يريد سجوما و ما حولها، و استخلف عبد اللََّه بن موسى على القيروان، ثم خرج و هو في عشرة آلاف من المسلمين، و على مقدمته عياض بن عقبة، و على ميمنته زرعة بن أبي مدرك، و على ميسرته المغيرة بن أبي بردة القرشيّ، و على ساقته نجدة بن مقسم، فأعطى اللواء ابنه مروان، فسار حتى إذا [ (1) ]صنهاجة هذا القبيل من أوفر قبائل البربر، يرجعون إلى صنهاج و هو عند نسابة البربر من بطون البرانس من ولد برانس بن بر، و ذكر ابن الكلبي و الطبري أنهم و كتامة جميعا من حمير (العبر 6/152) . ـ

78

كان بمكان يقال له سجن الملوك، خلّف به الأثقال، و تجرّد في الخيول، و خلف على الأثقال عمرو بن أوس في ألف، و سار بمن معه حتى انتهى إلى نهر يقال له ملوية، فوجده خاملا، فكره طول المقام عليه، خوفا من نفاد الزاد، و أن يبلغ العدوّ مخرجه و مكانه، فأحدث مخاضة غير مخاضة عقبة بن نافع، و كره أن يجوز عليها. فلما أجاز و انتهى إليهم، وجدهم قد أنذروا به و تأهبوا، و أعدّوا للحرب، فاقتتلوا قتالا شديدا في جبل منيع، لا يوصل إليهم إلا من أبواب معلومة، فاقتتلوا يوم الخميس و يوم الجمعة و يوم السبت إلى العصر، فخرج إليهم رجل من ملوكهم، فوقف و الناس مصطفّون، فنادى بالمبارزة، فلم يجبه أحد، فالتفت موسى إلى مروان ابنه، فقال له: اخرج إليه أي بني، فخرج إليه مروان، و دفع اللواء إلى أخيه عبد العزيز بن موسى. فلما رآه البربري ضحك، ثم قال له:

ارجع، فإنّي أكره أن أعدم منك أباك. و كان حديث السنّ. قال: فحمل عليه مروان فردّه، حتى ألجأه إلى جبله، ثم إنه زرق مروان بالمزراق، فتلقاه مروان بيده و أخذه، ثم حمل مروان عليه و زرقه به زرقة وقعت في جنبه، ثم لحقت حتى وصلت إلى جوف برذونه، فمال فوقع به البرذون ثم التقى الناس عليه فاقتتلوا قتالا شديدا أنساهم ما كان قبله، ثم إن اللََّه هزمهم، و فتح للمسلمين عليهم، و قتل ملكهم كسيلة بن لمزم‏[ (1) ]و بلغ سبيهم مائتي ألف رأس، فيهم بنات كسيلة، و بنات ملوكهم، و ما لا يحصى من النساء السلسات، اللاتي ليس لهنّ ثمن و لا قيمة. قال: فلما وقفت بنات الملوك بين يدي موسى، قال: عليّ بمروان ابني. قال: فأتي به قال له: أي بني اختر. قال: فاختار ابنة كسيلة فاستسرّها[ (2) ]، فهي أم عبد الملك بن مروان هذا. قال: قاتل يومئذ زرعة بن أبي مدرك قتالا شديدا أبلى فيه حتى اندقت ساقه قال: فآلى موسى أن لا يحمل إلا على رقاب الرجال، حتى يدخل القيروان، و أن يحمله خمسون رجلا، كل يوم يتعاقبون بينهم، ثم انصرف موسى‏و قد دانت له البلاد كلها، و جعل يكتب إلى عبد العزيز بفتح بعد فتح، و ملأت سباياه الأجناد، و تمايل الناس إليه، و رغبوا فيما هنالك [ (1) ]في البيان المغرب 1/32 أن كسيلة بن لمزم قتله زهير بن قيس البلوي سنة 69 في نواحي نهر ملوية بعد معركة التحم فيها الفريقان. و قيل سنة 64 (الحلة السيراء 2/330 و فيه:

كسيل) .

[ (2) ]استسرها أي اتخذها سرية، أي مملوكة تزوج بها فولدت له.

79

لديه، فكان عبد الملك بن مروان كثيرا ما يقول إذا جاءه فتوح موسى: لتهنئك الغلبة أبا الأصبع. ثم يقول: فَعَسى‏ََ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اَللََّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً .

قال: و بعث موسى إلى عياض و عثمان و إلى عبيدة[ (1) ]بني عقبة، فقال: اشتفوا، وضعوا أسيافكم في قتلة أبيكم عقبة. قال: فقتل منهم عياض ستّ مائة رجل صبرا من خيارهم و كبارهم، فأرسل إليه موسى أن أمسك. فقال: أما و اللََّه لو تركني ما أمسكت عنهم، و منهم عين تطرف.

قدوم الفتح على عبد الملك بن مروان‏

قال: و ذكروا أن موسى لما قدم، وجه بذلك الفتح إلى عبد العزيز بن مروان، مع علي بن رباح، فسار حتى قدم على عبد العزيز بمصر، فأجازه و وصله، و وجهه إلى عبد الملك بن مروان أخيه، فلما قدم عليه أجازه أيضا، و زاد في عطائه عشرين. فلما انصرف، قال له عبد العزيز: كم زادك أمير المؤمنين؟ قال: عشرين. قال: لو لا كره أن أفعل مثل ما فعل لزدتك مثلها، و لكن تعدلها زيادة عشرة. و كتب عبد الملك إلى موسى يعلمه أنه قد فرض لجميع ولده في‏ء مائة[ (2) ]. و بلغ به هو إلى المائتين، و فرض في مواليه، و أهل الجزاء و البلاء ممن معه خمس مائة رجل ثلاثين ثلاثين، و كتب إليه إن أمير المؤمنين قد أمر لك بمائة ألف التي أغرمها لك‏[ (3) ]، فخذها من قبلك من الأخماس. قال: فلما قدم على موسى كتاب عبد الملك بن مروان، يأمره بأخذ المائة الألف مما قبله. قال: فإنّي أشهدكم أنه ردّ على المسلمين، و معونة لهم، و في الرقاب‏[ (4) ]. و كان موسى إذا أفاء اللََّه عليه شيئا، اشترى من ظن منهم أنه يقبل الإسلام و ينجب فيعرض عليه الإسلام، فإن رضي قبله من بعد أن يمحص عقله، و يجرب فطنة فهمه، فإن وجده ماهرا أمضى عتقه و تولاه، و إن لم يجد فيه مهارة رده في الخمس [ (1) ]في البيان المغرب 1/41 «أبا عبدة» .

[ (2) ]الفي‏ء: قال المبرد: يقال فاء يفي‏ء إذا رجع. و أفاء اللََّه: إذا رده. قال الأزهري: الفي‏ء ما رده اللََّه على أهل دينه من أموال من خالف أهل دينه بلا قتال. و الغنيمة هي ما يحصل بعد تعب النفس في تحصيلها بخلاف الفي‏ء الّذي لا يتحمل في تحصيله تعبا. (التفسير الكبير للرازي تفسير سورة الحشر) .

[ (3) ]تقدم أن عبد الملك كان قد أغرم موسى بن نصير، بعد فراره بخراج العراق، بمائة ألف.

[ (4) ]أي في عتق الرقاب، يريد إعطاء العبيد المملوكين لكي يعطوا أصحابهم لكي يعتقوهم.

80

و السهام. قال: و كتب موسى إلى عبد العزيز ببلاء زرعة بن أبي مدرك و ما أوصله، و أنه لو لا ذلك أوفده إلى أمير المؤمنين، ففرض له عبد العزيز في مائة، و فرض لثلاثين رجلا من قومه، و انصرف موسى قافلا، و ذلك في سنة أربع و ثمانين.

غزوة موسى في البحر

قال: و ذكروا أن موسى أقام بالقيروان بعد قفله شهر رمضان و شوال، فأمر بدار صناعة بتونس‏[ (1) ]و جر البحر إليها، فعظّم عليه الناس ذلك، و قالوا له: هذا أمر لا نطيقه، فقام إلى موسى رجل من مسالمة البربر، ممن حسن إسلامه، فقال له: أيها الأمير، قد مر عليّ مائة و عشرون سنة، و إن أبي حدثني أن صاحب قرطاجنةلما أراد بناء قناتها، أتاه الناس يعظمون عليه ذلك فقام إليه رجل فقال له: أيها الملك، إنك إن وضعت يدك بلغت منها حاجتك، فإن الملوك لا يعجزها شي‏ء بقوتها و قدرتها، فضع يدك أيها الأمير، فإن اللََّه تعالى سيعينك على ما نويت، و يأجرك فيما توليت. فسرّ بذلك موسى، و أعجبه قول هذا الشيخ.

فوضع يده، فبنى دار صناعة بتونس، و جر البحر إليها مسيرة اثني عشر ميلا، حتى أقحمه دار الصناعة، فصارت مشتى للمراكب إذا هبت الأنواء و الأرياح. ثم أمر بصناعة مائة مركب، فأقام بذلك بقية سنة أربع و ثمانين، و قدم عطاء بن أبي نافع الهذلي في مراكب أهل مصر، و كان قد بعثه عبد العزيز يريد سردانية، فأرسى بسوسة، فأخرج إليه موسى الأسواق، و كتب إليه أن ركوب البحر قد فات في هذا الوقت و في هذا العام. فأقم لا تغرر بنفسك. فإنك في تشرين الآخر، فأقم بمكانك حتى يطيب ركوب البحر قال: فلم يرفع عطاء لكتاب موسى [ (1) ]دار الصناعة: يعني ترسانة بناء السفن و ميناء تأوي إليه.

قال العريني: أدرك عبد الملك أهمية القوة البحرية في فتح إفريقيا، فطلب إلى والى إفريقيا موسى بن نصير بأن يقيم بها قاعدة بحرية و بعث إليه من مصر ألفا من صناع السفن، بأسراتهم ليسهموا في عمارة البحرية... على أن موسى لم يشيد دار الصناعة و القاعدة البحرية في قرطاجنة بل اتخذ لذلك موضعا يقع إلى الداخل، على بحيرة و أمر بحفر قناة تتصل بين البحيرة و الخليج، و بذلك أهمل قرطاجنة و نهضت مدينة تونس، و أصبحت تونس مرفأ مأمونا للسفن الإسلامية، بفضل موقعها في الداخل، و بعدها عن خطر الغارة البحرية المفاجئة.

و بادر موسى إلى تشييد سفنه في دار الصناعة التي أنشأها حديثا (الدولة البيزنطية ص 169) .

81

رأسا[ (1) ]، و شحن مراكبه، ثم رفع فسار حتى أتى جزيرة يقال لها سلسلة، و افتتحها، و أصاب فيها مغانم كثيرة، و أشياء عظيمة من الذهب و الفضة و الجواهر، ثم انصرف قافلا، فأصابته ريح عاصف، فغرق عطاء و أصحابه، و أصيب الناس، و وقعوا بسواحل إفريقية. فلما بلغ ذلك موسى، وجه يزيد بن مسروق في خيل إلى سواحل البحر، يفتش على ما يلقي البحر من سفن عطاء و أصحابه فأصاب تابوتا منحوتا قال: فمنه كان أصل غناء يزيد بن مسروق. قال:

و لقد لقيت شيخا متوكئا على قصبة، فذهبت لأفتشه فنازعني، فأخذت القصبة من يده فضربت بها عنقه فانكسرت، فتناثر منها اللؤلؤ و الجوهر و الدنانير، ثم إن موسى أمر بتلك المراكب و من نجا من النواتية، فأدخلهم دار الصناعة بتونس، ثم لما كانت سنة خمس و ثمانين أمر الناس بالتأهب لركوب البحر، و أعلمهم أنه راكب فيه بنفسه، فرغب الناس و تسارعوا، ثم شحن فلم يبق شريف ممن كان معه إلا و قد ركب حتى إذا ركبوا في الفلك، و لم يبق إلا أن يرفع هو، دعا برمح فعقده لعبد اللََّه بن موسى بن نصير، و ولاه عليهم و أمّره، ثم أمره أن يرفع من ساعته، و إنما أراد موسى بما أشار من مسيره، أن يركب أهل الجلد و النكاية و الشرف، فسميت غزوة الأشراف، ثم سار عبد اللََّه بن موسى في مراكبه، و كانت تلك أول غزوة غزيت في بحر إفريقية[ (2) ]. قال: فأصاب في غزوته تلك صقلّيّة، فافتتح مدينة فيها، فأصاب ما لا يدري، فبلغ سهم الرجل مائة دينار ذهبا، و كان المسلمون ما بين الألف إلى التسع مائة، ثم انصرف قافلا سالما. فأتت موسى وفاة عبد العزيز بن مروان‏[ (3) ]، و استخلاف الوليد بن عبد الملك سنة ست و ثمانين، فبعث إليه بالبيعة، و بفتح عبد اللََّه بن موسى، و ما أفاء اللََّه على يده، ثم إن موسى بعث زرعة بن أبي مدرك إلى قبائل من البرير، فلم يلق حربا منهم و رغبوا في [ (1) ]يريد أنه لم يعره اهتماما، و لم يصغ لنصيحة موسى.

[ (2) ]بعد بناء القاعدة البحرية في تونس، يقول العريني معبرا عن أهميتها: و أصبحت القوى البحرية الإسلامية موزعة بين ثلاثة مراكز: شمال إفريقيا، و مصر و الشام (الدولة البيزنطية ص 169) .

[ (3) ]كانت وفاة عبد العزيز بن مروان سنة 85 و قد مرت الإشارة إلى ذلك. و ولى عبد الملك فيما قيل ابنه عبد اللََّه، و قيل عبد اللََّه بن مروان أخي عبد الملك (الطبري-ابن الأثير-ولاة مصر للكندي) .

أما وفاة عبد الملك فكانت سنة 86، فخلفه أخوه الوليد.

82

الصلح، فوجه رءوسهم إلى موسى، فأعطاهم الأمان، و قبض رهونهم، و عقد لعياش بن أخيل على مراكب أهل إفريقية، فشتا في البحر[ (1) ]، و أصاب مدينة يقال لها سرقوسة[ (2) ]، ثم قفل في سنة ست و ثمانين، ثم إن عبد اللََّه بن مرة قام بطالعة أهل مصر على موسى في سنة تسع و ثمانين فعقد له موسى على بحر إفريقية، فأصاب سردانية، و افتتح مدائنها، فبلغ سبيها ثلاثة آلاف رأس، سوى الذهب و الفضة و الحرث و غيره‏[ (3) ].

غزوة السوس الأقصى‏

قال: و ذكروا أن موسى وجه مروان ابنه إلى السوس الأقصى، و ملك السوس يومئذ مزدانة الأسواري، فسار في خمسة آلاف من أهل الديوان‏[ (4) ]فلما اجتمعوا، و رأى مروان أن الناس قد تعجلوا إلى قتال العدو، و أن في يده اليمنى القناة، و في يده اليسرى الترس، و إنه ليشير بيده إلى الناس أن كما أنتم. فلما التقى مروان و مزدانة، اقتتل الناس إذ ذاك قتالا شديدا، ثم انهزم مزدانة و منح اللََّه مروان أكتافهم، فقتلوا قتلة الفناء، فكانت تلك الغزوة استئصال أهل السوس‏[ (5) ] على أيدي مروان، فبلغ السبي أربعين ألفا، و عقد موسى على بحر إفريقية حتى نزل بميورقة فافتتحها.

[ (1) ]في البيان المغرب 1/42 فمشى في البحر إلى صقلّيّة.

[ (2) ]زيد في البيان المغرب: فغنمها و جميع ما بها، و قفل سالما غانما.

[ (3) ]هذه الغارات التي شنها موسى بن نصير لم يكن هدفها استعراض قوة بل جرت-كما يقول العريني: - «وفقا لخطة موضوعة، و ذلك أن موسى بن نصير كان منصرفا إلى فتح شمال إفريقيا إلى المحيط الأطلنطي» و استخدام القوة البحرية يعود لثلاثة أسباب:

-حماية مؤخرة الجيش الإسلامي من أي تهديد بيزنطي ينطلق من قواعد البحرية البيزنطية في صقلّيّة و سردينية و جزائر البليار.

-إخضاع الشاطئ الإفريقي من تونس إلى سبتة.

-حماية مواصلات الجيش، و ملاحظة و مراقبة تحركات الجيوش البيزنطية.

[ (4) ]يريد: الجنود النظاميون المقيدون في ديوان الدولة، أصحاب الأعطيات.

[ (5) ]السوس: بلد بالمغرب كانت الروم تسميها قمونية. و السوس الأقصى: كورة أخرى مدينتها طرقلة. و بين السوس الأدنى إلى السوس الأقصى مسيرة شهرين و بعده بحر الرمل و ليس وراء ذلك شي‏ء يعرف. و من السوس الأقصى إلى القيروان ثلاثة الاف فرسخ (معجم البلدان) .

و كان موسى على ما ذكره ابن الأثير 4/195 قد خرج غازيا إلى طنجة يريد من بقي من البربر، و قد هربوا منه، فتبعهم و قتلهم قتلا ذريعا حتى بلغ السوس الأدنى لا يدافعه أحد.

(و انظر البيان المغرب 1/42 و الحلة السيراء 2/333) .

83

قدوم الفتوحات على الوليد بن عبد الملك‏

قال: و ذكروا أن خادما للوليد بن عبد الملك بن مروان أخبرهم قال: إني لقريب من الوليد بن عبد الملك، و بين يديه طشت من ذهب، و هو يتوضأ منه، إذ أتى رسول من قبل قتيبة بن مسلم من خراسان بفتح من فتوحاتها، فأعلمته قال: خذ الكتاب منه، فأخذه فقرأه، فما أتى على آخره، حتى أتى رسول آخر من قبل موسى بن نصير[ (1) ]، بفتح السوس من قبل مروان بن موسى، فأعلمته.

قال: هاته، فقرأه، فحمد اللََّه، و خر ساجدا للََّه حامدا، ثم التفت إليّ قال:

أمسك الباب لا يدخل أحد. قال: و كان عنده ابن له يحبو بين يديه. فلما خرّ الوليد ساجدا للََّه شاكرا، جاء الصبي إلى الطشت فاضطرب فيه و صاح، فما التفت إليه. قال: و صرت لا أستطيع أن أغيثه لما أمرني به من إمساك الباب، [ (1) ]كان الوليد، بعد وفاة عبد الملك قد كتب بولاية موسى بن نصير إفريقيا و المغرب، و قطعها عن عمه عبد اللََّه بن مروان (على قول من قال بولاية عبد اللََّه بن مروان على مصر: البيان المغرب 1/41 و قد ذكرنا أنه بعد وفاة عبد العزيز بن مروان ولى عبد الملك ابنه عبد اللََّه بن عبد الملك) .

و كان موسى بن نصير و بعد وفاة عبد العزيز بن مروان، قد بدأ بمراسلة عبد الملك مباشرة دون الرجوع إلى والي مصر-عبد اللََّه ابنه مما أسخطه عليه فكتب له:

أما بعد: فإنك كنت من عبد العزيز و بشر بين مهادين، تعلو عن الحضيض مهودهما، و يدفئك دثارهما حتى عفا مخبرك و سمت بك نفسي فلا تحسبني كمن كنت تخلبه و أعداء بيته، و نقول: أكفياني أكفكما، و لا كأصبغ كنت تمنيه بكهانتك، و أيم اللََّه لأضعن منك ما رفعا، و لأقلن منك ما كثرا. فضح رويدا، فكأن قد أصبحت سادما، تعض أناملك نادما. و السلام.

فكتب إليه موسى بن نصير:

أما بعد. لقد قرأت كتابك، و فهمت ما وصفت فيه من إركاني إلى أبويك و عمك و لعمري إن كنت لذلك أهلا، و لو خبرت مني ما خبرا، لما صغرت مني ما عظما، و لا جهلت من أمرنا ما علما، فكيف أتاه اللََّه لك؟و أما انتقاصك لهما، فهما لك و أنت منهما، و لهما منك ناصر لو قال وجد عليك مقالا، و كفاك جزاء العاق. فأما ما نلت من عرضي، فذلك موهوب لحق أمير المؤمنين لا لك. و أما تهددك إياي بأنك واضع مني ما رفعا، فليس ذلك بيدي و لا إليك، فارعد و ابرق لغيري و أما ما ذكرت مما كنت آتي به عمك عبد العزيز، فلعمري إني مما نسبتني إليه من الكهانة لبعيد، و إني من غيرها من العلم لقريب. فعلى رسلك، فكأنك قد أظلك البدر الطالع، و السيف القاطع و الشهاب الساطع، فقد تم لها، و تمت له، ثم بعث إليك الأعرابي الجلف الجافي، فلم تشعر به حتى يحل بعقوتك فيسلبك سلطانك، فلا يعود إليك و لا تعود إليه، فيومئذ تعلم أ كاهن أم عالم و توقن أينا النادم، و السلام.

قرأ عبد اللََّه الكتاب ثم أرسله إلى عبد الملك، فوصل و عبد الملك قد قبض (ولاة مصر للكندي ص 81-82) . ـ

84

و أطال السجود حتى خفي صوت الصبي، ثم رفع رأسه فصاح بي، فدخلت و أخذت الصبي، و إنه لما به روح.

فتح قلعة أرساف‏

قال: ثم إن صاحب قلعة أرساف، أغار على بعض سواحل إفريقية، فنال منهم، و بلغ موسى خبره، فخرج إليه بنفسه فلم يدركه، فاشتد ذلك على موسى. قال: قتلني اللََّه إن لم أقتله و أنا مقيم هنا. قال: فأقام موسى ما أقام، ثم إنه دعا رجلا من أصحابه، فقال له: إني موجهك في أمر و ليس عليك فيه بأس و لك عندي فيه حسن الثواب، خذ هذين الأذنين فسر فيهما بمن معك، حتى تأتي موضع كذا و كذا، في مكان كذا، فإنك تجد كنيسة، و تجد الروم قد جعلوها لعيدهم، فإذا كان الليل فادن من ساحلها، و دع إحدى هذين الأذنين‏[ (1) ] بما فيها ثم انصرف إليّ بالأذن الأخرى، و بعث معه موسى قبة من الخز و الوشي، و من طرائف أرض العرب شيئا مليحا، و كتب كتابا بالرومية جوابا لكتاب، كأنه كان كتب به إلى موسى يسأله الأمان، على أن يدلّه على عورة الروم، و كتاب فيه أمان من موسى مطبوع، فسار حتى انتهى إلى الموضع الّذي وصف له موسى، فترك الأذن بما فيها، و انصرف راجعا في الأذن الأخرى حتى قدم على موسى، و أن الروم لما عثروا على أذن موسى استنكروها، فارتفع أمرها إلى بطريق تلك الناحية، فأخذ ما فيها. فلما رأى ما فيها من الكتب و الهدية هاب ذلك، فبعث بها كما هي إلى الملك الأعظم. فلما أفضت إليه، و قرأ الكتب تحقق ذلك عنده، فبعث إلى أرساف رجلا و ملكه عليها، و أمر أن يضرب عنق صاحبها الّذي أغار على سواحل إفريقية، ففعل، فقتله اللََّه بحيلة موسى.

[ (1) ]الأذنان: تثنية أذن، و هي العروة التي يمسك منها الخرج و نحوه. و يريد بالأذنين هنا: الخرج نفسه، و في كل من الخرجين هدايا و غيرها.

85

فتح الأندلس‏[ (1) ]

قال: و ذكروا أن موسى‏[ (2) ]وجه طارقا[ (3) ]مولاه إلى طنجة و ما لك، فافتتح مدائن البربر و قلاعها، ثم كتب إلى موسى: إني قد أصبت ستّ سفن، فكتب إليه موسى. أتممها سبعا، ثم سر بها إلى شاطئ البحر، و استعد لشحنها، و اطلب قبلك رجلا يعرف شهور السريانيين، فإذا كان يوم أحد و عشرين من شهر آذار بالسرياني، فاشحن على بركة اللََّه و نصره في ذلك اليوم، فإن لم يكن عندك من يعرف شهور السريان، فشهور العجم، فإنّها موافقة لشهور السريان، و هو شهر يقال له بالأعجمية مارس، فإذا كان يوم أحد و عشرين منه، فاشحن على بركة اللََّه كما أمرتك إن شاء اللََّه، فإذا أجريت فسر حتى يلقاك جبل أحمر، و تخرج منه عين شرقية، إلى جانبها صنم فيه تمثال ثور، فاكسر ذلك التمثال، و انظر فيمن معك إلى رجل طويل أشعر، بعينيه قبل‏[ (4) ]، و بيده شلل، فاعقد له على مقدمتك، ثم أقم مكانك حتى يغشاك إن شاء اللََّه. فلما انتهى الكتاب إلى طارق كتب إلى موسى: إني منته إلى ما أمر الأمير و وصف، غير أني لم أجد صفة الرجل الّذي أمرتني به إلا في نفسي، فسار طارق في ألف رجل و سبع مائة، و ذلك في شهر رجب سنة ثلاث و تسعين‏[ (5) ]، و قد كان [ (1) ]الأندلس: كانت قديما تعرف باسم إبارية و لعله على اسم شعب قوقازي كان يسكنها و عرفها النصارى باسم اشبانيا باسم رجل يقال له اشبانس، و يقول ابن الأثير باسم أحد ملوكها اشبان (3/205) . و قيل باسم قوم سكنها يعرفون بالأندلش، و هم الوندال الذين غزوها في أوائل القرن الخامس الميلادي، و منذ ذلك الوقت أطلق عليها اسم فاندلوسيا (معجم البلدان-ابن الأثير) .

[ (2) ]كذا بالأصل و ابن الأثير و البيان المغرب و فيهما أنه استعمل طارق على طنجة و ما والاها (إشارة إلى أن موسى قد وصل إليها) و معه جيشا 17 ألف من العرب و اثني عشر ألفا من البربر، و أن موسى قفل إلى إفريقيا. و في الحلة السيراء 2/333 أن مروان بن موسى قد توجه إلى طنجة، ثم انصرف و خلف على جيشه طارق بن زياد. (و انظر تاريخ خليفة ص 304 و فتوح البلدان للبلاذري ص 232) .

[ (3) ]هو طارق بن زياد، اختلفوا في نسبه. قال ابن بشكوال: هو طارق بن عمرو. و قال ابن عذاري: هو طارق بن زياد بن عبد اللََّه بن و لغو بن ورفجوم بن نبرغاسن بن ولهاص بن يطوفت بن نفزاو. فهو نفزي. ذكر أنه من سبي البربر.

[ (4) ]القبل: له معان كثيرة، المعنى الأقرب هنا لعله: شبه الحول في العين.

[ (5) ]في البيان المغرب و ابن الأثير: رجب سنة 92.

لم يكن حدث عبور طارق بن زياد إلى الأندلس حدثا عاديا أو وليد صدفة أو قرارا مفاجئا

86

لذريق‏[ (1) ]ملك الأندلس، قد غزا عدّوا يقال له البشكنس، و استخلف ملكا من ملوكهم [ () ]ارتجاليا من موسى بن نصير بل يعتبر تصميما من العرب المسلمين على فتح بلاد الأندلس وفق خطة أعدها الوليد بن عبد الملك و نفذها موسى بن نصير و قد جاء فتح الأندلس بعد سلسلة من الإجراءات الناجحة و الاختبارات التي قام بها موسى بن نصير منها:

-تعزيز القوة البحرية الإسلامية في غرب البحر المتوسط ثم إنشاء دار الصناعة في تونس.

-احتلال شواطئ المغرب الطويلة المقابلة للأندلس.

-احتلال جزيرتي منيورقة و ميورقة قبالة الساحل الأندلسي الشرقي.

-قيام الأسطول العربيّ بعمليات رصد و مراقبة شبه دائمة.

-سنة 90 يبعث موسى طريف بن مالك أحد مواليه في 400 رجل و غزا مدينة في جنوب الأندلس فسميت باسمه جزيرة طريف.

-سنة 91 أغار على الجزيرة الخضراء و أصاب غنائم كثيرة.

-سنة 92 استولى موسى على جزيرة سردانية.

و في أسباب غزو العرب للأندلس: ذكر ابن الأثير أن يوليان صاحب الجزيرة الخضراء و سبتة كان عنده ابنة استحسنها روذريق فافتضها فكتبت إلى أبيها فأغضبه ذلك فكتب إلى موسى بن نصير بالطاعة و دعاه إليه و حسن له غزو الأندلس. (الكامل 3/208-أخبار مجموعة ص 5- 6) .

هذا ما تقدمه النصوص و تجعله السبب المباشر لغزو الأندلس. و لا يمكن القبول به و نعده سببا مباشرا للغزو لتناقض الروايات بشأن يوليان و ابنته. فابن القوطية يروي أن يوليان تاجر من الروم كان يدخل قصر الملك ليتاجر (تاريخ افتتاح الأندلس ص 7-8) و فولتير مثلا يشك في أن الملك انتهك عرض ابنة يوليان.

و نرى أن الأسباب الحقيقية لغزو العرب بلاد الأندلس ربما عادت إلى وضع الأندلس من جهة:

و تردي الحالة السياسية و الفوضى الداخلية-و منها طبعا الخلاف الناشب بين يوليان و روذريق بغض النظر عن مسبباته-و تردي الأوضاع الاجتماعية-المجاعة و الطاعون و الأمراض-تلك الأوضاع التي أفقدت البلاد أكثر من نصف سكانها من جهة، و أفقدتهم المناعة على القتال.

و من جهة أخرى-و هي ظروف مساعدة للعرب-شعور العرب بضعفها، و توثبهم لمزيد من الفتح و الاندفاع خاصة بعد وصولهم إلى أقاصي غرب إفريقيا، فالبحر يمنع اندفاعهم غربا و الصحراء تمنع اندفاعهم جنوبا فكان الشمال-طبعا-المتنفس الطبيعي لهم.

يضاف إلى ذلك أمران هامان: العلاقة المتوترة التي كانت تسود بين العرب و القوط. و الأمر الثاني: محاولة العرب إشغال البربر-المسلمون الجدد-بتوجيههم لحرب القوط و نحو الفتوح.

[ (1) ]اختلفت الروايات بشأن اسمه: قيل لذريق (الحلة السيراء-نفح الطيب) و قيل الأدريق (تاريخ اليعقوبي) ، و قيل: ادرينوق (الطبري) .

و روذريق هذا لم يكن من أسرة الملك، بل كان من النبلاء و قد جاء تعيينه ملكا بعد موت الملك غيطشة الّذي حاول قبل موته أن يجعل الحكم وراثيا و قد حاول جاهدا إقناع الكنيسة بتأييده على إقامة دولة وراثية، لأن مبدأ الحكم كان عن طريق الانتخاب من قبل النبلاء و الأشراف الذين عارضوا غيطشة و أصروا على إبقاء مبدإ الانتخاب. (انظر صفة الأندلس

87

يقال له تدمير. فلما بلغ تدمير مكان طارق، و من معه من المسلمين. كتب إلى لذريق: إنه قد وقع بأرضنا قوم لا ندري أ من السماء نزلوا أم من الأرض نبعوا. فلما بلغ لذريق ذلك أقبل راجعا إلى طارق في سبعين ألف عنان‏[ (1) ]، و معه العجل تحمل الأموال و الزخرف، و هو على سرير بين دابتين، و عليه قبة مكللة باللؤلؤ و بالياقوت و الزبرجد، و معه الحبال، و لا يشكّ في أسرهم. فلما بلغ طارقا دنوّه منهم. قام في أصحابه، فحمد اللََّه، ثم حضّ الناس على الجهاد، و رغبهم في الشهادة، و بسط لهم في آمالهم. ثم قال: أيها الناس، أين المفرّ، البحر من ورائكم، و العدوّ أمامكم، فليس ثمّ و اللََّه إلا الصدق و الصبر، فإنّهما لا يغلبان، و هما جندان منصوران، و لا تضرّ معهما قلة، و لا تنفع مع الخور و الكسل و الفشل و الاختلاف و العجب كثرة. أيها الناس، ما فعلت من شي‏ء فافعلوا مثله، إن حملت فاحملوا، و إن وقفت فقفوا، ثم كونوا كهيئة رجل واحد في القتال، ألا و إني عامد إلى طاغيتهم، بحيث لا أتهيبه حتى أخالطه أو أقتل دونه، فإن قتلت فلا تهنوا و لا تحزنوا، و لا تنازعوا فتفشلوا، و تذهب ريحكم، و تولوا الدبر لعدوّكم، فتبدّدوا بين قتيل و أسير. و إياكم إياكم أن ترضوا بالدنية، و لا تعطوا بأيديكم، و ارغبوا فيما عجل لكم من الكرامة، و الراحة من المهانة و الذلة، و ما قد أجل لكم من ثواب الشهادة، فإنكم إن تفعلوا، و اللََّه معكم و معيذكم، تبوءوا بالخسران المبين، و سوء الحديث غدا بين من عرفكم من المسلمين‏[ (2) ]. و ها أنا ذا حامل حتى أغشاه، فاحملوه بحملتي، فحمل و حملوا. فلما غشيهم اقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن الطاغية قتل، و انهزم جميع العدو[ (3) ]، فاحتزّ طارق رأس لذريق‏[ (4) ]، [ () ]ص 10 و اسبانيا الإسلامية لبروفنسال ص 7 و فجر الأندلس للدكتور حسين مؤنس ص 12- 13) .

[ (1) ]في ابن الأثير 3/210 يقال مائة ألف.

[ (2) ]قارن مع نفح الطيب 1/241-242 وفيات الأعيان 5/321-322.

[ (3) ]انظر في أخبار فتح طارق و انتصاره على لذريق روايات ذكرها المقري في نفح الطيب 1/242 و ما بعدها. و ابن عبد الحكم ص 92 و أخبار مجموعة ص 7. و في الحلة السيراء 2/333 أن لذريق زحف إلى طارق من طليطلة فالتقوا على نهر لكة من كورة شذونه يوم الأحد لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة 92 و اتصلت الحرب بينهم إلى يوم الخميس لخمس خلون من شوال-تتمة ثمانية أيام، ثم هزم اللََّه المشركين، فقتل منهم خلق عظيم و خفي أثر لذريق... و غاب شخصه فما وجد حيا و لا ميتا. (انظر البيان المغرب 2/12 ابن الأثير 3/210 غرق روذريق في النهر) .

[ (4) ]انظر الحاشية السابقة.

88

و بعث به إلى موسى بن نصير، و بعث به موسى مع ابنه، و جهز معه رجالا من أهل إفريقية، فقدم به على الوليد بن عبد الملك، ففرض له في الشرف، و أجاز كل من كان معه، و ردّه إلى أبيه موسى، و أن المسلمين قد أصابوا مما كان مع لذريق ما لا يدرى ما هو و لا ما قيمته.

قال: و كتب طارق إلى مولاه موسى‏[ (1) ]: إن الأمم قد تداعت علينا من كل ناحية، فالغوث الغوث، فلما أتاه الكتاب نادى في الناس و عسكر، و ذلك في صفر سنة ثلاث و تسعين، و كان أحبّ الخروج إليه يوم الخميس أوّل النهار، فاستخلف عبد اللََّه بن موسى على إفريقية و طنجة و السوس، و كتب ساعة قدم عليه كتاب طارق إلى مروان، يأمره بالمسير، فسار مروان بمن معه، حتى أجاز إلى طارق، قبل دخول أبيه موسى، و خرج موسى بن نصير و الناس معه حتى أتى المجاز، فأجاز بمن زحف معه في جموعه، و على مقدمته طارق مولاه، فوجد الجموع قد شردت إليه من كل مكان، فسار حتى افتتح قرطبة و ما يليها، من حصونها و قلاعها و مدائنها، فغلّ الناس يومئذ غلولا لم يسمع بمثله‏[ (2) ]، و لم يسلم من الغلول يومئذ إلا أبو عبد الرحمن الجبليّ‏[ (3) ]. ثم إن موسى سار لا يرفع له شي‏ء إلا هدّه، يفتتح له المدائن يمينا و شمالا، حتى انتهى إلى مدينة الملوك، و هي طليطلة، فوجد فيها بيتا يقال له بيت الملوك، وجد فيه أربعة و عشرين تاجا، تاج كل ملك ولي الأندلس، كان كلما هلك ملك جعل تاجه في ذلك البيت، و كتب على التاج اسم صاحبه، و ابن كم هو، و يوم مات، و يوم ولي، و وجد في ذلك البيت أيضا مائدة عليها اسم سليمان بن داود عليه السّلام، و مائدة من جزع، فعمد موسى إلى التيجان و الآنية و الموائد، فقطع عليها الأغشية، [ (1) ]يمكن أن تكون رسالة طارق إلى موسى فور لقائه مع لذريق. و الأرجح أنها كانت بعد معركته مع لذريق خاصة أن طارق قوبل بمقاومة عنيفة خلال تعقبه القوط إلى طليطلة و تدمير و أستجة.

ثم تمادى طارق في افتتاح البلاد دون خطة ثابتة مرسومة مما أدى به إلى ابتعاده عن قواعده مما هدد المسلمين بكارثة لأنه ترك في مؤخرته بلادا كثيرة لم يتم فتحها فكتب إلى موسى يعلمه بفتوحاته و يطلب منه يستمده. (أخبار مجموعة ص 15-ماجد الدولة العربية 2/205) فكتب إليه موسى ألا يجاوز قرطبة حتى يقدم عليه (الحلة السيراء 2/334) .

[ (2) ]الغلول: هو ما احتجزه المحارب لنفسه من الغنيمة، دون وضعه في غنائم المحاربين.

[ (3) ]كذا بالأصل خطأ: و الصواب: الحبلي و هو عبد اللََّه بن يزيد (نفح الطيب) .

89

و جعل عليها الأمناء ليس منها شي‏ء يدرى ما قيمته. فأما الذهب و الفضة و المتاع، فلم يكن يحصيه أحد[ (1) ].

اتهام الوليد موسى بالخلع‏

قال: و ذكروا أن الوليد بن عبد الملك بن مروان لما بلغه مسير موسى بن نصير إلى الأندلس و وصفت له، ظنّ أنه يريد أن يخلع، و يقيم فيها، و يمتنع بها، و قيل ذلك له، و أبطأت كتب موسى عليه، لاشتغاله بما لك من العدوّ، و توطيئه لفتح البلاد. فأمر الوليد القاضي أن يدعو على موسى إذا قضى صلاته، و أن موسى لما دخل طليطلة، بعث عليّ بن رباح‏[ (2) ]بفتحها، و أوفد معه وفدا، فسار حتى قدم دمشق صلاة العصر، فدخل المسجد فألفى القاضي يدعو على موسى. فقال: أيها الناس، اللََّه اللََّه في موسى، و الدعاء عليه، و اللََّه ما نزع يدا من طاعة، و لا فارق جماعة، و إنه لفي طاعة أمير المؤمنين، و الذبّ عن حرمات المسلمين، و الجهاد للمشركين، و إني لأحدثكم عهدا به، و ما قدمت الآن إلا من عنده، و إن عندي خبره، و ما أفاء اللََّه على يده لأمير المؤمنين، و ما أمدّ به المسلمين، ما تقرّ به أعينكم، و يسرّ به خليفتكم‏[ (3) ].

دخول وفد موسى على الوليد بن عبد الملك‏

قال: و ذكروا أن الوليد لما بلغه خبر هذا المتكلم الوافد من عند موسى، أرسل إليه، فأدخل عليه، ثم قال له: ما وراءك؟فقال: كلّ ما تحبّ يا أمير المؤمنين، تركت موسى بن نصير في الأندلس، و قد أظهره اللََّه و نصره، و فتح على يديه ما لم يفتح على يد أحد، و قد أوفدني إلى أمير المؤمنين في نفر من وجوه من معه، بفتح من فتوحه، فدفع إليه الكتاب من عند موسى، فقرأه الوليد.

فلما أتى على آخره خرّ ساجدا، فلما رفع رأسه أتاه فتح آخر، فخر أيضا [ (1) ]انظر نفح الطيب 1/265 و 271 و 272 و 280 و ابن الأثير 3/211 فتوح البلدان للبلاذري ص 232. تاريخ اليعقوبي 2/285.

[ (2) ]علي بن رباح، بصري تابعي، يكنى أبا عبد اللََّه، لخمي، ولد عام اليرموك سنة 15، كانت له مكانة عند عبد العزيز بن مروان (نفح الطيب 1/278) .

[ (3) ]و كان موسى بن نصير قد أرسل إلى الوليد بعد فتح الأندلس: «إنها ليست بالفتوح، و لكنه الحشر» و في رواية: و لكنها الجنة (الحلة السيراء 2/334 وفيات الأعيان 5/329) .

90

ساجدا، ثم رفع رأسه، فأتاه آخر بفتح آخر، و خرّ ساجدا، حتى ظننت أنه لا يرفع رأسه‏[ (1) ].

ذكر ما وجد موسى في البيت الّذي وجد فيه المائدة مع صور العرب‏

قال: و ذكروا أن هرم بن عياض حدثهم عن رجل من أهل العلم، أنه كان مع موسى بالأندلس حين فتح البيت الّذي كانت فيه المائدة، التي ذكروا أنها كانت لسليمان بن داود عليه السّلام. فقال: كان بيتا عليه أربعة[ (2) ]و عشرون قفلا، كان كلما تولى ملك، جعل عليه قفلا اقتداء منه بفعل من كان قبله، حتى إذا كانت ولاية لذريق القرطبي، الّذي افتتحت الأندلس على يديه و في ملكه قال:

و اللََّه لا أموت بغمّ هذا البيت، و لأفتحنّه حتى أعلم ما فيه، فاجتمعت إليه النصرانية و الأساقفة و الشمامسة، و كل منهم معظم له. فقالوا له: ما تريد بفتح هذا البيت؟فقال: و اللََّه لا أموت بغمه، و لأعلمنّ ما فيه. فقالوا: أصلحك اللََّه، إنه لا خير في مخالفة السلف الصالح، و ترك الاقتداء بالأولية، فاقتد بمن كان قبلك، وضع عليه قفلا كما صنع غيرك، و لا يحملك الحرص على ما لم يحملهم عليه، فإنّهم أولى بالصواب منا و منك، فأبى إلا فتحه. فقالوا له: انظر ما ظننت أن فيه من المال و الجواهر، و ما خطر على قلبك، فإنا ندفعه إليك، و لا تحدث علينا حدثا لم يحدثه فيه من كان قبلك من ملوكنا، فإنّهم كانوا أهل معرفة و علم. فأبى إلا فتحه، ففتحه، فوجد فيه تصاوير العرب، و وجد كتابا فيه: إذا فتح هذا البيت دخل هؤلاء الذين هيئاتهم هكذا، هذه البلاد فملكوها.

فكان دخول المسلمين من العرب إليه في ذلك العام‏[ (3) ].

[ (1) ]ذكر ابن الأثير أن الوليد أرسل رسولا إلى موسى يأمره بالخروج من الأندلس و القفول إليه، فساءه ذلك و مطل الرسول... فقدم عليه رسول آخر للوليد يستحثه... 3/212 أخبار مجموعة ص 19 و في الحلة السيراء 2/335 فلما قدم افريقيا كتب إليه الوليد بالخروج إليه.

فالوليد و بعد أخبار الفتح الهائلة كان ينتظر موسى بفروغ صبر ليطلع منه شخصيا على نتائج عملية الغزو الناجحة، و لعله أرسل إليه لدراسة الخطوات اللاحقة بعد دراسة الظروف المستجدة.

[ (2) ]في وفيات الأعيان: ستة. (و انظر نفح الطيب 1/247) .

[ (3) ]انظر ما ذكره المقري 1/247 و ما بعدها و ابن خلكان 5/327 من تفاصيل حول هذا الخبر.

و مختصر كتاب البلدان لابن الفقيه ص 79-80.

91

ذكر ما أفاء اللََّه عليهم‏

قال: و ذكروا عن الليث بن سعد[ (1) ]أن موسى لما دخل الأندلس، ضربوا الأوتاد لخيولهم في جدار كنيسة من كنائسها، فتلفت الأوتاد فلم تلج‏[ (2) ]فنظروا فإذا بصفائح الذهب و الفضة خلف بلاط الرخام. قال: و ذكروا أن رجلا كان مع موسى ببعض غزواته بالأندلس، و أنه رأى رجلين يحملان طنفسة منسوجة بالذهب و الفضة و الجوهر و الياقوت، فلما أثقلتهما أنزلاها، ثم حملا عليها الفأس فقطعاها نصفين، فأخذا نصفا و تركا الآخر. قال: فلقد رأيت الناس يمرّون يمينا و شمالا، ما يلتفتون إليها استغناء عنها بما هو أنفس منها و أرفع. قال:

و أقبل رجل إلى موسى فقال: ابعث معي أدلكم على كنز، فبعث معه موسى رجالا. فقال الّذي دلهم: انزعوا هاهنا، فنزعوا، فسال عليهم من الزبرجد و الياقوت ما لم يروا مثله قطّ، فلما رأوه بهتوا و قالوا: لا يصدقنا موسى، أرسلوا إليه. فأرسلوا حتى جاء و نظر. قال: و كانت الطنفسة قد نظمت بقضبان الذهب و الفضة المسلسلة باللؤلؤ و الياقوت و الزبرجد. قال: و كان البربريان ربما وجداها فلا يستطيعان حملها حتى يأتيا بالفأس فيضربا وسطها، و يأخذا منها ما أمكنهما، اشتغالا بغير ذلك مما هو أنفس منه.

قال الليث: و بلغني أن رجلا غلّ في غزوة عطاء بن نافع فحمل ما غل حتى جعله في مزفّت‏[ (3) ]بين كتفيه و صدره، فحضره الموت، فجعل يصيح:

المزفت المزفت.

و حدثنا ابن أبي ليلى التّجيبي، عن حميد، عن أبيه أنه قال: لقد كانت الدابة تطلع في بعض غزوات موسى، فينظر في حافرها فيوجد فيه مسامير الذهب و الفضة. قال: و كتب موسى حين افتتح الأندلس إلى أمير المؤمنين: إنها ليست كالفتوح يا أمير المؤمنين، و لكنه الحشر[ (4) ]. و أخبرني عن عبد الحميد بن [ (1) ]انظر ابن عبد الحكم ص 281.

[ (2) ]أي لم تدخل في الأرض.

[ (3) ]المزفت: حقّ أو نحوه، مغلف بالزفت و منظره لا يوحي بأهمّيّته، و قد حمله حتى لا ينظر إليه أحد.

[ (4) ]في وفيات الأعيان: انها الجنة. ـ

92

حميد، عن أبيه أنه قال: قدمت الأندلس امرأة عطارة فخرجت بخمس مائة رأس، فأما الذهب و الفضة و الآنية و الجوهر فذلك لا يحاط بعلمه.

قال: و حدثني ياسين بن رجاء، أنه قدم عليهم رجل من أهل المدينة شيخ، فجعل يحدثنا عن الأندلس، و عن دخول موسى إياها، فقلنا له: فكيف علمت هذا؟قال: إني و اللََّه من سبيه، و لأخبركم بعجيب، و اللََّه ما اشتراني الّذي اشتراني إلا بقبضة من فلفل لمطبخ موسى بن نصير. فقلنا له: ما أقدمك؟ فقال: أبي كان من وجوه الأندلس. فلما سمع بموسى بن نصير عمد إلى عين ما له من الذهب و الفضة و الجوهر، و غير ذلك، فدفنه في موضع قد عرفته، فتقدمت أنا للخروج إلى ذلك الموضع لاستخراجه. قلنا له: و كم لك منذ فارقته؟قال: سبعون سنة. قلنا له: أ فنسيته؟قال: نعم، فلم ندر بعد ما فعل.

غزوة موسى بن نصير البشكنس و الأفرنج‏

قال: و ذكروا أن موسى خرج من طليطلة بالجموع غازيا يفتح المدائن جميعا، حتى دانت له الأندلس، و جاءه وجوه جليقية، فطلبوا الصلح فصالحهم‏[ (1) ]، و غزا البشكنس فدخل في بلادهم حتى أتى قوما كالبهائم، ثم مال إلى أفرنجة، حتى انتهى إلى سرقسطة فافتتحها، و افتتح ما دونها من البلاد إلى الأندلس. قال: فأصاب فيها ما لا يدرى ما هو، ثم سار حتى جاوزها بعشرين ليلة، و بين سرقسطة و قرطبة شهر أو أربعون يوما.

قال: و ذكروا أن عبد اللََّه بن المغيرة بن أبي بردة، قال: كنت ممن غزا مع [ (1) ]افتتح موسى مدينة ابن السليم، ثم قرمونة، ثم اشبيلية، ثم ماردة، ثم لبلة و باجة ثم سرقسطة (ابن الأثير 3/211-212، نفح الطيب 2/156) و وصل مع طارق إلى أطراف بلاد الأندلس الشمالية و كانت حركتهما دون مقاومة تذكر لأن لسقوط دولة القوط في الجنوب أثره البالغ في جعل مدن الشمال تسقط الواحدة تلو الأخرى.

أما بالنسبة إلى جليقية فقد صالح أهلها، و لم يتوغل المسلمون بعد صلح أهلها في نواحيها الجبلية الصخرية-أقصى شمال الأندلس من جهة الغرب-حيث بقيت هذه المنطقة بيد القوط و الهاربين من المدن الأخرى التي سقطت بيد المسلمين. و قد بقيت مدخرا للقومية الإسبانية فخرجت منها فيما بعد الحركة المعروفة بالانتقام من المسلمين، لتطرد المسلمين من الأندلس بعد بقائهم فيها حوالي ثمانية قرون (ابن عذاري 2/62 التاريخ السياسي للدولة العربية د. ماجد 2/207) .

93

موسى الأندلس حتى بلغنا سرقسطة، و كانت من أقصى ما بلغنا مع موسى إلا يسيرا من ورائها[ (1) ]، فأتينا مدينة على بحر، و لها أربعة أبواب. قال: فبينما نحن محاصروها إذ أقبل عياش بن أخيل، صاحب شرطة موسى، فقال: أيها الأمير، إنا قد فرّقنا الجيش أرباعا على نواحي المدينة، و قد بقي الباب الأقصى، و عليه رتبة. قال له موسى بن نصير: دع ذلك الباب فإنا سننظر فيه. قال: ثم إن‏موسى التفت إليّ فقال لي: كم معك من الزاد؟قلت: ما بقي معي غير تليس‏[ (2) ]، قال:

فأنت لم يبق معك غير تليس، و أنت من أمراء الجيش، فكيف غيرك!اللََّهمّ أخرجهم من ذلك الباب. قال المغيرة: فأصبحنا من تلك الليلة و قد خرجوا من ذلك الباب، فدخلها موسى منه، و وجه ابنه مروان في طلبهم فأدركهم، فأسرع القتل فيهم، و أصابوا مما كان معهم، و مما في المدينة شيئا عظيما. قال: و ذكروا أن جعفر بن الأشتر، قال: كنت فيمن غزا الأندلس مع موسى، فحاصرنا حصنا من حصونها عظيما، بعضا و عشرين ليلة، ثم لم نقدر عليه. فلما طال ذلك عليه نادى فينا، أن أصبحوا على تعبئة، و ظننا أنه قد بلغه مادة من العدوّ، و قد دنت منا، و أنه يريد التحوّل عنهم، فأصبحنا على تعبئة، فقام فحمد اللََّه، ثم قال:

أيها الناس، إني متقدم أمام الصفوف، فإذا رأيتموني قد كبرت و حملت، فكبروا و احملوا. فقال الناس: سبحان اللََّه، أ ترى فقد عقله أم عزب عنه رأيه، يأمرنا نحمل على الحجارة و ما لا سبيل إليه!قال: فتقدم بين يدي الصفوف حيث يراه الناس، ثم رفع يديه و أقبل على الدعاء و الرغبة، فأطال و نحن ركوب منتظرون تكبيره، فاستعددنا، ثم إن موسى كبّر، و كبّر الناس، و حمل و حمل الناس، فانهدت ناحية الحصن التي تلينا، فدخل الناس منها، و ما راعني إلا خيل المسلمين تمزع فيها، و فتحها اللََّه علينا، فأصبنا من السبي و الجواهر ما لا يحصى.

قال: و حدثتني مولاة لعبد اللََّه بن موسى، و كانت من أهل الصدق و الصلاح، أن موسى حاصر حصنها الّذي كانت من أهله، و كان تلقاءه حصن آخر. قالت: فأقام لنا محاصرا حينا، و معه أهله و ولده، و كان لا يغزو إلا بهم لما [ (1) ]انظر الحاشية السابقة.

[ (2) ]التلّيس: بتشديد اللام، الكيس الكبير.

94

يرجو في ذلك من الثواب. قالت: ثم إن أهل الحصن خرجوا إلى موسى فقاتلوه قتالا شديدا، ففتح اللََّه عليه. قالت: فلما رأى ذلك أهل الحصن الآخر، نزلوا على حكمه، ففتحهما موسى في يوم واحد، فلما كان في اليوم الثاني، أتى حصنا ثالثا، فالتقى الناس فاقتتلوا قتالا شديدا أيضا، حتى جال المسلمون جولة واحدة. قال: فأمر موسى بسرادقه فكشط[ (1) ]عن نسائه و بناته حتى برزن. قال:

فلقد كسرت بين يديه من أغماد السيوف ما لا يحصى، و حمي المسلمون، و احتدم القتال، ثم إن اللََّه فتح عليه و نصره، و جعل العاقبة له.

و قال عبد الرحمن بن سلام: كنت فيمن غزا مع موسى في غزواته كلها.

فلم ترد له راية قط، و لا هزم له جمع قط، حتى مات.

و قال ابن صخر: لما قدم موسى الأندلس قال أسقف من أساقفتها: إنا لنجدك في كتب الحدثان، عن دانيال. بصفتك صيادا تصيد بشبكتين، رجل لك في البرّ، و رجل في البحر، تضرب بهما هاهنا و هاهنا فتصيد. قال: فسرّ بذلك موسى و أعجبه.

و قال عبد الحميد بن حميد، عن أبيه: إن موسى لما و غل و جاوز سرقسطة، اشتدّ ذلك على الناس و قالوا: أين تذهب بنا؟حسبنا ما في أيدينا، و كان موسى قال حين دخل إفريقية، و ذكر عقبة بن نافع: لقد كان غرّر بنفسه حين و غل في بلاد العدوّ، و العدوّ عن يمينه و عن شماله و أمامه و خلفه، أما كان معه رجل رشيد؟فسمعه حبيش الشيبانيّ‏[ (2) ]قال: فلما بلغ موسى ذلك المبلغ، قام حبيش فأخذ بعنانه. ثم قال أيها الأمير!إني سمعتك و أنت تذكر عقبة بن نافع تقول:

لقد غرّر بنفسه و بمن معه، أما كان معه رجل رشيد؟و أنا رشيدك اليوم، أين تذهب؟تريد أن تخرج من الدنيا، أو تلتمس أكثر و أعظم مما آتاك اللََّه عزّ و جلّ، و أعرض مما فتح اللََّه عليك، و دوّخ لك، إني سمعت من الناس ما لم تسمع، و قد ملئوا أيديهم، و أحبّوا الدعة. قال: فضحك موسى ثم قال: أرشدك اللََّه، و كثر في المسلمين مثلك. ثم انصرف قافلا إلى الأندلس فقال موسى يومئذ: أما [ (1) ]السرادق: القباء. و كشط: أزاح.

[ (2) ]كذا بالأصل، و لعله حنش الصنعاني من صنعاء الشام، أحد التابعين الأجلاء، و كان مع موسى بن نصير في غزوته للأندلس (نفخ الطيب 1/278) .

95

و اللََّه لو انقادوا إليّ لقدتهم إلى روميّة، ثم يفتحها اللََّه على يديّ إن شاء اللََّه.

خروج موسى بن نصير من الأندلس‏

قال: و ذكروا أن عبد الرحمن بن سلام أخبرهم، و كان مع موسى بن نصير بالأندلس قال: أقام موسى بقية سنته تلك، و أشهرا من سنة أربع و تسعين، ثم خرج‏[ (1) ]وافدا إلى الوليد بن عبد الملك، و كان ما أقام بها موسى عشرين شهرا، و استخلف عبد العزيز بن موسى، فجاز موسى البحر على الأندلس، فغزا بالناس حتى بلغوا أربونة، و معه أبناء الملوك من الإفرنج، و بالتيجان و المائدة و الآنية و الذهب و الفضة، و الوصفاء و الوصائف، و ما لا يحصى من الجواهر و الطرائف، و خرج معه بوجوه الناس. قال: و ذكروا عن صفة المائدة عن عبد الحميد أنه قال:

كانت مائدة خوان، ليست لها أرجل، قاعدتها منها، و كانت من ذهب و فضة خليطين، فهي تتلوّن صفرة و بياضا، مطوّقة بثلاثة أطواق، طوق لؤلؤ، و طوق ياقوت، و طوق من زمرّد، قال: قلت: فما عظمها؟قال: كنا بموضع و الناس معسكرون، إذ فلت بغل لرجل من موالي موسى يقال له صالح أبو ريشة، على رمكة[ (2) ]، فكردها في العسكر، فقام الناس إليه بأعمدة الأخبية، و جال في العسكر جولة، فتطلع موسى قال: ما هذا؟و تطلع الحواري فإذا هو بالبغل يكرد الرمكة، و قد أدلى‏[ (3) ]، فغار موسى و قال: احملوا عليه المائدة، فلم يبلغ بها إلا منقلة[ (4) ]حتى تفتخت قوائمه لكثرة ثقلها على هذا البغل القويّ.

قدوم موسى إفريقية

قال: و ذكروا أن يزيد بن مسلم مولى موسى، أخبرهم أنه لما جاز موسى الحصن أمرهم بصناعة العجل، فعملت له ثلاثون و مائة عجلة[ (5) ]، ثم حمل عليها [ (1) ]في البيان المغرب 1/43: سنة 95. و في نفخ الطيب 1/277 ركب موسى البحر إلى المشرق بذي حجة سنة 95 و طارق معه. و في رواية أخرى ص 271 قفل عن الأندلس سنة 94 فأتى إفريقيا، و سار عنها إلى الشام سنة 95.

[ (2) ]الرمكة: الفرس أو البغلة تتخذ للنسل و كرد: طارد، يعني أنه جرى وراءها يريد أن يقع عليها.

[ (3) ]أي انتشر ذكره و تدلّى.

[ (4) ]أي انتقل بها خطوة. تفتخت قوائمه: أي استرخت أعصابه و هانت و ضعفت.

[ (5) ]في البيان المغرب 1/43 مائة عجلة و أربع عشرة عجلة.

96

الذهب و الفضة و الجواهر، و أصناف الوشي الأندلسيّ، حتى أتى إفريقية. فلما قدمها بقي بها سنة أربع و تسعين‏[ (1) ]، ثم قفل، و استخلف ابنه عبد اللََّه على إفريقية و طنجة[ (2) ]و السوس، و خرج معه ولده مروان بن موسى، و عبد الأعلى بن موسى و عبد الملك بن موسى، و خرج معه مائة رجل من أشراف الناس، من قريش و الأنصار و سائر العرب و مواليها، منهم عياض بن عقبة، و عبد الجبار بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، و المغيرة بن أبي بردة، و زرعة بن أبي مدرك، و سليمان بن نجدة و وجوه من وجوه الناس و أخرج معه من وجوه البربر مائة رجل فيهم بنو كسيلة، و بنو قصدر[ (3) ]، و بنو ملوك البربر، و ملوك السوس مزدانة ملك قلعة أرساف و ملك ميورقه، و خرج بعشرين ملكا من ملوك جزائر الروم‏[ (4) ]، و خرج معه مائة من ملوك الأندلس، و من الإفرنجيين، و من القرطبيين، و غيرهم، و خرج معه أيضا بأصناف ما في كلّ بلد من بزّها و دوابها و رقيقها و طرائفها و ما لا يحصى، فأقبل يجرّ الدنيا وراءه جرّا لم يسمع بمثله، و لا بمثل ما قدم به.

قدوم موسى إلى مصر

قال: و ذكروا أن يزيد بن سعيد بن مسلم أخبرهم قال: لما أتى موسى مصر، و انتهى ذلك إلى الوليد بن عبد الملك، كتب إلى قرة بن شريك، أن أدفع إلى موسى من بيت مال مصر ما أراد، فأقبل موسى حتى إذا كان في بعض الطريق، لقيه خبر موت قرة بن شريك‏[ (5) ]، ثم قدم مصر سنة خمس و تسعين، فدخل المسجد فصلى عند باب الصوال، و كان قرة قد استخلف ابن رفاعة[ (6) ]على الجند حتى توفي، فلما سمع بموسى خرج مبادرا حتى لحقه حين استوى على دابته فلقيه فسلم عليه، فقال له موسى: من أنت يا بن أخي؟فانتسب له. فقال:

مرحبا و أهلا، فسار معه حتى نزل منية عمرو بن مروان، فعسكر بها موسى، [ (1) ]انظر الحاشية رقم 1 ص 95.

[ (2) ]على طنجة و سبتة ولى ابنه عبد الملك (البيان المغرب-ابن الأثير) و لم يخرج معه إلى الشام.

[ (3) ]في البيان المغرب: بنو يسّور.

[ (4) ]في البيان المغرب: و عشرون ملكا من ملوك المدائن التي افتتحها بإفريقيا.

[ (5) ]توفي قرة بن شريك لست بقين من شهر ربيع الأول سنة 96 (ولاة مصر: ص 86) .

[ (6) ]هو عبد الملك بن رفاعة بن خالد الفهميّ.

97

فكلمه حينئذ رفاعة في المال الّذي كان استخرجه من سفيان بن مالك الفهري، و ذلك بعد مهلك سفيان. فقال: هو لك. قال: فأمر بدفع عشرة آلاف دينار إلى ولد سفيان بن مالك. قال: فأقام موسى ثلاثة أيام، تأتيه أهل مصر في كل يوم، فلم يبق شريف إلا و قد أوصل إليه موسى صلة و معروفا كثيرا، و أهدى لولد عبد العزيز بن مروان فأكثر لهم، و جاءهم بنفسه فسلم عليهم، ثم سار متوجها حتى أتى فلسطين، فتلقاه آل روح بن زنباع، فنزل بهم، فبلغني أنهم نحروا له خمسين جزورا، و أقام عندهم يومين، و خلف بعض أهله و صغار ولده عندهم، و أجاز آل مروان و آل روح بن زنباع بجوائز من الوصائف، و غير ذلك من الطرف.

قدوم موسى على الوليد رحمهما اللََّه تعالى‏

قال: و ذكروا أن محمد بن سليمان و غيره من مشايخ أهل مصر، أخبروهم أن موسى لما قدم على الوليد، و كان قدومه عليه و هو في آخر شكايته التي توفي فيها[ (1) ]، و قد كان سليمان بن عبد الملك بعث إلى موسى من لقيه في الطريق قبل قدومه على الوليد، يأمره بالتثبط في مسيره، و ألا يعجل، فإن الوليد بآخر رمقه‏[ (2) ]. فلما أتى موسى بالكتاب من سليمان و قرأه، قال: خنت و اللََّه و غدرت و ما وفيت، و اللََّه لا تربصت، و لا تأخرت، و لا تعجلت، و لكني أسير بمسيري، فإن وافيته حيا لم أتخلف عنه، و إن عجلت منيته فأمره إلى اللََّه. فرجع الرسول إلى سليمان فأعلمه فآلى سليمان لئن ظفر بموسى ليصلبنه، أو ليأتينّ على نفسه.

قال: فلما قدم موسى على الوليد و كان الوليد لما بلغه قدوم موسى و اقترابه منه، وجه إليه كتابا يأمره بالعجلة في مسيره، خوفا أن تعجل به منيته قبل قدوم موسى عليه، و أنه أراد أن يراه و أن يحرم سليمان ما جاء به من الجواهر و الطرائف التي لا قيمة لها، فلم يكن لموسى شي‏ء يثبطه حين أتاه كتاب الوليد، فأقبل حتى دخل عليه‏[ (3) ]، و قدم تلك الطرائف من الدرّ و الياقوت و الزبرجد، و الوصفاء و الوصائف [ (1) ]و كان الوليد يكتب إليه يستحثه و يستعجله (الحلة السيراء 2/334) قال ابن الأثير 3/212 فورد الشام و قد مات الوليد. و قيل إنه قدم الشام و هو حي. (انظر فتوح البلدان ص 232 نفح الطيب 1/280) .

[ (2) ]الحلة السيراء 2/334 ابن عذاري 1/45.

[ (3) ]وصل إلى دمشق قبل موت الوليد بثلاثة (البيان المغرب 1/45) .

98

و الوشي، و مائدة سليمان بن داود عليه السّلام، و مائدة ثانية من جزع ملوّن و التيجان. قال: فقبض الوليد الجميع و أمر بالمائدة فكسرت، و عمد إلى أفخر ما فيها، و التيجان و الجزع، فجعله في بيت اللََّه الحرام، و فرق غير ذلك، و لم يلبث الوليد أن مات رحمه اللََّه.

خلافة سليمان بن عبد الملك و ما صنع بموسى بن نصير

قال: و ذكروا أن عبد الرحمن بن سلام أخبرهم أن سليمان بن عبد الملك لما أفضت الخلافة إليه، بعث إلى موسى، فأتي به، فعنفه بلسانه، و كان فيما قال له يومئذ: أ عليّ اجترأت، و أمري خالفت، و اللََّه لأقللنّ عددك، و لأفرقنّ جمعك، و لأبددنّ مالك، و لأضعنّ منك ما كان يرفعه غيري ممن كنت تمنيه أماني الغرور، و تخدعه من آل أبي سفيان، و آل مروان، فقال له موسى: و اللََّه يا أمير المؤمنين ما تعتلّ عليّ بذنب، سوى أنني وفيت للخلفاء قبلك، و حافظت على من ولي النعمة عندي فيه، فأما ما ذكر أمير المؤمنين: من أنه يقلّ عددي، و يفرّق جمعي و يبدّد مالي، و يخفض حالي، فذلك بيد اللََّه، و إلى اللََّه، و هو الّذي يتولى النعمة على الإحسان إليّ، و به أستعين، و يعيذ اللََّه عزّ و جلّ أمير المؤمنين و يعصمه أن يجري على يديه شيئا من المكروه لم أستحقه، و لم يبلغه ذنب اجترمته. فأمر به سليمان أن يوقف في يوم صائف شديد الحرّ على طريقه.

قال: و كانت بموسى نسمة[ (1) ]، فلما أصابه حرّ الشمس، و أتعبه الوقوف، هاجت عليه. قال: و جعلت قرب العرق تنصبّ منه، فما زال كذلك حتى سقط، و عمر بن عبد العزيز حاضر، إلى أن نظر سليمان إلى موسى، و قد وقع مغشيا عليه، قال عمر بن عبد العزيز: ما مر بي يوم كان أعظم عندي، و لا كنت فيه أكرب من ذلك اليوم، لما رأيت من الشيخ موسى، و ما كان عليه من بعد أثره في سبيل اللََّه، و ما فتح اللََّه على يديه و هذا يفعل به. قال: فالتفت إليّ سليمان فقال: يا أبا حفص، ما أظنّ إلا أنّي قد خرجت من يميني. قال عمر: فاغتنمت ذلك منه‏فقلت يا أمير المؤمنين شيخ كبير بادن‏[ (2) ]، و به نسمة قد أهلكته، و قد أتت على ما فيه من السلامة لك من يمينك، و هو موسى البعيد الأثر في سبيل اللََّه، العظيم الغناء [ (1) ]نسمة: الربو، و هو انتصاب النفس، من أمراض الصدر.

[ (2) ]البادن: الضخم الجسم، السمين.

99

عن المسلمين قال عمر: و الّذي منعني من الكلام فيه ما كنت أعلم من يمينه و حقده عليه‏[ (1) ]، فخشيت إن ابتدأته أن يلح عليه، و هو لحوح. قال: فلما قال لي ما قال آخرا، حمدت اللََّه على ذلك، و علمت أن اللََّه قد أحسن إليه، و أن سليمان قد ندم فيه. فقال سليمان: من يضمه؟فقال يزيد بن المهلب: أنا أضمه يا أمير المؤمنين. قال: و كانت الحال بين يزيد و موسى لطيفة خاصة. قال سليمان:

فضمه إليك يا يزيد، و لا تضيّق عليه. قال: فانصرف به يزيد، و قد قدم إليه دابة ابنه مخلد، فركبها موسى، فأقام أياما. قال: ثم إنه تقارب ما بين موسى و سليمان في الصلح، حتى افتدى منه موسى بثلاثة آلاف ألف دينار.

عدة موالي موسى بن نصير

قال: و ذكروا عن بعض البصريين، أن رجلا منهم أخبرهم أن يزيد قال لموسى ذات ليلة و قد سهر سهرا طويلا: يا أبا عبد الرحمن، كم تعدّ مواليك و أهل بيتك؟فقال: كثير. قال: يكونون ألفا؟قال له موسى: نعم و ألفا و ألفا حتى ينقطع النفس، لقد خلفت من الموالي ما أظن أن أحدا لا يخلف مثلهم. قال له يزيد[ (2) ]: إنك لعلى مثل ما وصفت، و تعطي بيدك؟ألا أقمت بدار عزك، و موضع سلطانك، و بعثت بما قدمت به، فإن أعطيت الرضا أعطيت الطاعة، و إلا كنت على التخيير من أمرك؟فقال موسى: و اللََّه لو أردت ذلك ما تناولوا[ (3) ]طرفا من أطرافي إلى أن تقوم الساعة، و لكن آثرت حق اللََّه، و لم أر الخروج من الطاعة و الجماعة. قال: ثم خرج يزيد من عنده، فنظر إليه موسى، قال لمن عنده: و اللََّه إن في رأس أبي خالد لنفرة و ليأتينّ عليها.

ذكر ما رآه موسى بالمغرب من العجائب‏

قال: و ذكروا عن محمد بن سليمان، عن مشايخ أهل مصر، قال: لما بعث موسى رحمه اللََّه بالخمس الّذي أفاء اللََّه عليه، و كان مائة ألف رأس، فنزلوا الإسكندرية، و نزل بعضهم كنيسة فيها، فسميت كنيسة الرقيق إلى اليوم، و نزلوا [ (1) ]كان سليمان قد حلف أنه أن ظفر به ليصلبنه.

[ (2) ]في البيان المغرب 1/46: فلم ألقيت بنفسك إلى التهلكة.

[ (3) ]في البيان المغرب: ما نالوا.

100

موضعا بالفسطاط فتسوّقوا فيه، فسمي سوق البربر إلى اليوم، قال محمد بن سليمان، و محمد بن عبد الملك: إن موسى اتخذ لنفسه دارا و سكنا حتى كان من أمر سليمان ما قد ذكر، و هو الّذي أخرجه و أهله من المغرب.

قال: و حدثنا بعض أهل إفريقية أن موسى ركب يوما حتى خرج من القيروان، فوقف قريبا من إفريقية على رأس أميال، فأخذ بيده ترابا فشمه من ثم، ثم أمر بحفر بئر و ابتنى دارا و منية[ (1) ]و اتخذ فيها خيلا فسميت بئر منية الخيل، فليس يعلم بالمغرب بئر أعذب منها.

و حدثنا الكرير أبو بكر عبد الوهاب بن عبد الغفار شيخ من مشايخ تونس قال: إن موسى انتهى إلى صنم يشير بإصبعه إلى خلفه ثم تقدّم إلى صنم أمام الصنم الأوّل، فإذا هو يشير بإصبعه إلى السماء، ثم تقدّم فإذا بصنم على نهر ماء جار، يشير بإصبعه تحت قدميه، فلما انتهى موسى إلى الصنم الثالث. قال موسى: احفروا، فإذا بمحدث‏[ (2) ]مختوم الرأس، قد أخرج، فأمر به موسى فكسر، فخرجت ريح شديدة، فقال موسى للجيش: أ تدرون ما هذا؟قالوا: لا و اللََّه أيها الأمير ما ندري. قال: ذلك شيطان من الشياطين التي سجنها نبي اللََّه سليمان بن داود.

قال: و حدثنا بعض مشايخ أهل المغرب أن موسى أرسل ناسا في مراكب فأمرهم أن يسيروا حتى ينتهوا إلى صنم يشير بإصبعه أمامه في جزيرة في البحر، ثم يسيروا حتى يأتوا صنما آخر في جزيرة يشير بإصبعه أمامه ثم يسير الليالي و الأيام و يجدّ في السير حتى يأتوا صنما آخر في جزيرة في البحر، فيها أناس لا يعرف كلامهم. قال: فإذا بلغتم ذلك فارجعوا، و ذلك في أقصى المغرب ليس وراءه أحد من الناس إلا البحر المحيط، و هو أقصى المغرب في البر و البحر.

قال: و حدثنا بعض المشايخ من أهل المغرب أن موسى بلغ نهرا من أقصى المغرب، فإذا عليه في الشق الأيمن أصنام ذكور، و في الأيسر أصنام إناث، و أن موسى لما انتهى إلى ذلك الموضع خاف الناس فيه، فلما رأى ذلك [ (1) ]المنية: الضاحية أو القرية الصغيرة.

[ (2) ]محدث: شي‏ء كالإبريق قد أغلقت فوهته و ختمت. ـ