الإمامة و السياسة - ج2

- ابن قتيبة المزيد...
234 /
101

منهم رجع بالناس، ثم مضى في وجهه ذلك حتى انتهى إلى أرض تميد بأهلها، ففزع الناس و خافوا فرجع بهم.

قالوا: و حدثنا عبد اللََّه بن قيس، قال: بلغني أن موسى لما جاوز الأندلس أتى موضعا، فإذا فيه قباب من نحاس، فأمر بقبة منها فكسرت، فخرج منها شيطان نفخ و مضى، فعرف موسى أنه شيطان من الشياطين التي سجنها سليمان بن داود، فأمر موسى بالقباب فتركت على حالها، و سار بالناس قدما.

قال: و حدثنا عمارة بن راشد، قال: بلغنا أن موسى كان يسير في بعض غزواته و هو بأقصى المغرب، إذ غشي الناس ظلمة شديدة، فعجب الناس منها و خافوا، و سار بهم موسى في ذلك، إذ هجم على مدينة عليها حصن من نحاس، فلما أتاها أقام عليها، و طاف بها، فلم يقدر على دخولها، فأمر بنبل و رماح، و ندب الناس فجعل يقول: من يصعد هذه، و له خمس مائة دينار؟فصعد رجل، فلما استوى على سورهاتردّى فيها، ثم ندب الناس موسى ثانية، و قال: من يصعد و له ألف دينار؟فصعد آخر، ففعل به مثل ذلك، ثم ندب الناس ثالثة:

قال: من يصعد و له ألف و خمس مائة دينار، فصعد رجل ثالث، فأصابه ما أصاب صاحبيه، فكلم الناس موسى فقالوا: هذا أمر عظيم، أصيب إخواننا، و غررت بهم حتى هلكوا. فقال لهم: على رسلكم يأتيكم الأمر على ما تحبون إن شاء اللََّه، ثم أمر موسى بالمنجنيق، فوضعت على حصن المدينة، ثم أمر أن يرمى الحصن، فلما علم من في الحصن ما عمل موسى، ضجوا و صاحوا. و قالوا: يا أيها الملك، لسنا بغيتك، و لا نحن ممن تريد، نحن قوم من الجن، فانصرف عنا، فقال لهم موسى: أين أصحابي، و ما فعلوا؟قالوا: هم عندنا على حالهم.

فقال: أخرجوهم إلينا. قالوا: نعم. فأخرج الثلاثة النفر، فسألهم موسى عن أمرهم و ما صنع بهم. فقالوا: ما درينا ما كنا فيه، و ما أصابتنا شوكة حتى أخرجنا إليك. فقال موسى: الحمد للََّه كثيرا، ثم تقدم بالناس سائرا يفتح كلّ ما مرّ به.

ثم نرجع إلى حديث سليمان بن عبد الملك.

102

تولية سليمان بن عبد الملك أخاه مسلمة و ما أشار به موسى عليه‏

قال: و ذكروا أن سعيد بن عبد اللََّه أخبرهم، قال: إن سليمان بن عبد الملك بعث أخاه مسلمة إلى أرض الروم‏[ (1) ]، و وجه معه خمس مائة و ثلاثين ألف رجل، و خمس مائة رجل ممن قد ضمه الديوان و اكتتب في العطاء و تقلب في الأرزاق، ثم دعا سليمان بموسى، بعد أن رضي عنه على يد عمر بن عبد العزيز فقال سليمان له: أشر عليّ يا موسى، فلم تزل مبارك الغزوة في سبيل اللََّه، بعيد الأثر، طويل الجهاد. فقال له موسى: أرى يا أمير المؤمنين أن توجهه بمن معه، فلا يمرّ بحصن إلا صير عليه عشرة آلاف رجل حتى يفرق نصف جيشه، ثم يمضي بالباقي من جيشه، حتى يأتي القسطنطينية، فإنه يظفر بما يريد يا أمير المؤمنين. قال: فدعا سليمان مسلمة فأمره بذلك من مشورة موسى و أوعز إليه.

فلما علم مسلمة بالمشورة فكأنه كره ذلك، و كان في مسلمة بعض الإباية، ثم رجع إلى قول موسى فيما صنع بأرض الروم، حين ظفر ببطريق ليس فوقه إلا ملك الروم‏[ (2) ]: فقال البطريق لمسلمة: آمني على نفسي و أهلي و مالي و ولدي، و أنا آتيك بالملك، فأمنه، و مضى البطريق إلى الملك الأعظم، فأعلمه بما فعل مسلمة، و ما ظفر به منه، و من حصون الروم، فلما رأى ذلك ملك الروم، أعظم ذلك و سقط في يديه. فقال البطريق له عند ذلك: ما لي عليك إن صرفت مسلمة عنك و جميع من معه؟فقال الملك: أجعل تاجي على رأسك، و أقعدك مكاني.

فقال البطريق: أنا أكفيك ذلك. فرجع البطريق إلى مسلمة، فقال: أخرني ثلاثا حتى آتيك بالملك، فبعث البطريق إلى جميع الحصون، فأمرهم بالتقلع إلى الجبال، و حمل ما قدروا عليه من الطعام، و أمر بإحراق الزرع، و غير ذلك مما يؤكل و ينتفع به، مما كان خلفه مسلمة و جنده‏[ (3) ]، و ما بين المسلمين و ملك [ (1) ]الخبر في الطبري 6/530-531 و ابن الأثير 3/244-245 باختلاف.

[ (2) ]هو إليون صاحب أرمينيا. قال المؤرخ الأرمني دينيس: هو إليون المرعشي حاكم عمّورية، و يبدو أنه من أصل سوري من عناصر الجراجمة الساكنة على حدود الشام. جاء إلى سليمان يطلب مساعدته للوصول إلى عرش الروم على أن يحكم باسمه-و كان ملك الروم قد مات.

يقول دينيس: إن قصده في الحقيقة كان خداع العرب و إيقاف سفك دماء بني وطنه، و هذا بالفعل ما وقع منه.

[ (3) ]في ابن الأثير: أتى اليون مسلمة فقال له: إن الروم قد علموا أنك لا تصدقهم القتال، و إنك

103

الروم، فلما فعلوا ما أمروا به، و علم البطريق أنه أحكم أمره، بعث إلى مسلمة فقال له: لو كنت امرأة لفعلت بك كما يفعل الرجل بامرأته. قال: فتغيظ مسلمة و آلى ألا يبرح حتى يظفر بملك الروم‏[ (1) ] و[ (2) ].

سؤال سليمان موسى عن المغرب‏

قال: و ذكروا أن محمد بن سليمان، أخبرهم أن سليمان بن عبد الملك قال لموسى: من خلفت على الأندلس؟قال له: عبد العزيز بن موسى. قال: و من خلفت على إفريقية و طنجة و السوس؟[ (3) ]قال: عبد اللََّه ابني. فقال له سليمان: لقد أنجبت يا موسى، فقال موسى: و من أنجب مني يا أمير المؤمنين، إن ابني مروان أتى بملك الأندلس، و ابني عبد اللََّه أتى بملك ميورقة و صقلّيّة و سردانية، و إن ابني مروان أتى بملك السوس الأقصى فهم متفرّقون في الأمصار، و غيرهم [ () ]تطاولهم ما دام الطعام عندك، فلو أحرقته أعطوا الطاعة بأيديهم، فأمر به فأحرق (و كان أمثال الجبال لأن مسلمة كان قد أمر أن يذخره، و أمر المسلمين بالإغارة على أراضي الروم و أن يزرعوا و يتركوا ما جاءوا به) فقوي الروم.

[ (1) ]كان سليمان مقيما بدابق، و تولى الشتاء فلم يقدر أن يمدهم حتى مات، و لقي الجند ما لم يلقه جيش آخر حتى أنهم أكلوا الدواب و الجلود و أصول الشجر و الورق و كل شي‏ء غير التراب (ابن الأثير) ، قال ابن كثير في البداية 9/174 فكروا راجعين إلى الشام (بعد تولية عمر بن عبد العزيز) و قد جهدوا جهدا شديدا لكن لم يرجع مسلمة حتى بنى بالقسطنطينية مسجدا شديدا البناء محكما رحب الفناء شاهقا في السماء. (و انظر الخبر في فتوح ابن الأعثم 7/298) .

[ (2) ]يرى الدكتور العريني في كتابه الدولة البيزنطية ص 188 و هو يبحث في اضطرار المسلمين إلى رفع الحصار عن القسطنطينية أن أسباب ذلك تعود إلى:

-ظهور مواهب ليو الحربية فيما قام به من الدفاع عن المدينة إذ أغلق مدخل البوسفور بسلسلة ضخمة من الحديد. شحن أسوار العاصمة بالعساكر الذين بذلوا كل الجهود لمنع المسلمين من اقتحام الأسوار.

-طيلة الحصار، و برد الشتاء و قسوته ما عانى منه المسلمون كثيرا.

-هجوم البلغار على المسلمين.

-ما سببته النيران الإغريقية بالأسطول الإسلامي.

-تواطؤ البحارة المسيحيين في الأسطول الإسلامي مع البيزنطيين.

-نفاذ الأقوات و طول أمد الحصار.

-طول خط الإمدادات.

-تدابير ليو الحربية و البحرية.

[ (3) ]مر أنه ولى طنجة و سبتة ابنه عبد الملك، و عبد اللََّه على إفريقيا.

104

يغيرون فيأتون من السبي بما لا يحصى، فمن أنجب مني يا أمير المؤمنين؟قال:

فغضب سليمان، فقال: و لا أمير المؤمنين ليس بأنجب منك؟فقال موسى: شأن أمير المؤمنين شأن ليس فوقه شأن، و كل شأن و إن عظم دونه، لأنه به و منه، و على يديه و أمره.

قالوا: و حدثنا عبد اللََّه بن شريح، قال: بلغني أن موسى لما نزل الحيرة عند قدومه من المغرب أتاه رجل من بني أمية، فقال له: يا موسى، أنت ملك المغرب، و أعلم الناس تخرج إلى الوليد، و تعلم من سليمان؟فقال له موسى:

يا بن أخي، حسبك من قريش، ثم من بني أمية ما تعلم، ألا ترى يا بن أخي أن الصبيّ يأخذ العظم فيعقفه‏[ (1) ]بحبل، ، ثم ينصبه و يهيئ طريقا، و يضع فيه حبة برّ أو ذرة، فينصب للهدهد العالم بما تحت الأرض، فيستنفر[ (2) ]، ثم تدفعه المقادير إلى الوقوع فيه، فاحذر يا بن أخي أن تراك الشام أو تراها. فخرج موسى إلى الوليد بدمشق، فمات الوليد، و استخلف سليمان أخاه، فلقي منه موسى ما ذكرنا، و خرج القرشيّ إلى الشام، فضربت عنقه.

ذكر قدوم موسى على الوليد

قال: و ذكروا أن موسى لما قدم على الوليد، و ذلك يوم الجمعة، في حين جلوس الوليد بن عبد الملك على المنبر، و كان موسى قال لبعض من وفد معه، بأن يلبس كل رجل من الأسرى تاجا، و ثياب ملك ذلك التاج، ثم يدخلوا معه المسجد. قال: فألبس ثلاثين رجلا ثلاثين تاجا و هيأهم هيئة الملوك، و أمر بأبناء ملوك البربر فهيئوا و أمر بأبناء ملوك الجزائر و الروم فهيئوا كذلك، و لبسوا التيجان، و أمر بأبناء ملوك الأشبان‏[ (3) ]، فهيئوا بمثل ذلك و أمر بالأموال و الجوهر و اللؤلؤ و الياقوت و الزبرجد و الجزع و الوطاء و الكساء المنسوج بالذهب و الفضة، المحرّش‏[ (4) ]باللؤلؤ و الياقوت و الزبرجد، فوقف الجميع بباب الوليد، و أبناء ملوك أفرنجة و أقبل موسى بالذين ألبسهم التيجان، حتى دخل مسجد دمشق، و الوليد [ (1) ]يعقفه: يثنيه و يلويه.

[ (2) ]يعني: يحذر منه فيهرب.

[ (3) ]في البداية و النهاية 9/196 الأسبان.

[ (4) ]المحرش باللؤلؤ: أي وضع اللؤلؤ على الكساء بشكل بارز.

105

على المنبر، يحمد اللََّه و هو موهون، قد أثرت فيه العلة، و أنهكه المرض و إنما كان متحملا لأجل قدوم موسى و من معه. فلما رآهم بهت إليهم، و قال الناس:

موسى؟موسى، ثم أقبل حتى سلم على الوليد، و وقف الثلاثون بالتيجان، عن يمين المنبر و شماله ثم إن الوليد أخذ في حمد اللََّه تعالى و الثناء عليه، و الشكر لما أيده اللََّه و نصره‏[ (1) ]، فتكلم بكلام لم يسمع بمثله، و أطال حتى فات وقت الجمعة، ثم صلى بالناس فلما فرغ جلس، ثم دعا بموسى، فصب عليه الوليد الخلع ثلاث مرّات، و أجازه بخمسين ألف دينار، و فرض لولده جميعا في الشرف، و فرض لخمس مائة من مواليه، ثم أدخل عليه موسى ملوك البربر، و ملوك الروم، و ملوك الأشبان، و ملوك أفرنجة، ثم أدخل عليه رءوس أهل البلاد ممن كان معه من قريش و العرب، فأحسن جوائزهم، و فرض لهم في الشرف، ثم أقام موسى عند الوليد أربعين يوما[ (2) ]، ثم إن الوليد هلك.

ذكر اختلاف الناقلين في صنع سليمان بموسى‏

قالوا: لما استخلف سليمان بعد أخيه الوليد، فكان أحنق الناس على الحجاج‏[ (3) ]و موسى بن نصير، و كان يحلف لئن ظفر بهما ليصلبنهما، و كان حنقه عليهما لأمر يطول ذكره. قال: فأرسل سليمان إلى عمر بن عبد العزيز فأتاه، فقال: إني صالب غدا موسى بن نصير، فبعث عمر إلى موسى فأتاه. فقال له:

يا بن نصير، إني أحبك لأربع. الواحدة: بعد أثرك في سبيل اللََّه، و جهادك لعدوّ اللََّه. و الثانية: حبك لآل محمد صلى اللََّه عليه و سلم. و الثالثة: حبك عياض بن عقبة لما تعلم من حسن رأيي فيه، و كان عياض من عباد اللََّه الصالحين، و الرابعة: أن لأبي عندك يدا و صنيعة، و أنا أحبّ أن تتمّ يده و صنيعته [ (1) ]زيد في البداية و النهاية: و وسع ملكه.

[ (2) ]مرّ قريبا أن موسى بن نصير قدم على الوليد قبل موته بثلاثة أيام.

[ (3) ]يعود حنق سليمان بن عبد الملك على الحجاج إلى:

-أن الحجاج كان قد أجاب الوليد عند ما أراد أن يخلع أخاه سليمان و يبايع لولده عبد العزيز.

-كان سليمان بن عبد الملك يكتب إلى الحجاج في أيام أخيه الوليد بن عبد الملك كتبا فلا ينظر له فيها فكتب إليه سليمان كتابا يتهدده فيه، ورد عليه الحجاج بكتاب سخر فيه منه و مما جاء فيه: إنك لصبي حديث السن، تعذر بقلة عقلك و حداثة سنك... (نص كتاب سليمان و جواب الحجاج عليه في العقد الفريد 5/41/42) .

و قد مات الحجاج سنة 95 في حياة الوليد و قبل أن يلي سليمان الخلافة.

106

حيث كانت، و قد سمعت أمير المؤمنين يذكر أنه صالبك غدا، فأحدث عهدك‏[ (1) ]، و انظر فيما أنت فيه ناظر من أمرك. فقال له موسى: قد فعلت، و أسندت ذلك إليك. فقال له عمر: لو قبلت ذلك من أحد قبلت منك، و لكن أسند إلى من أحببت. فانصرف، فلما أصبح اغتسل و تحنط و راح، و لم يشكّ في الصلب.

فلما انتصف النهار، و اشتدّ الحرّ، و ذلك في حمارّة الصيف، دعا سليمان موسى، فأدخل عليه متعبا، و كان بادنا جسيما، به نسمة لا تزال تعرض له. فلما وقف بين يديه، شتمه و خوّفه و توعده، فقال له موسى: أما و اللََّه يا أمير المؤمنين ما هذا بلائي، و لا قدر جزائي، إني لبعيد الأثر في سبيل اللََّه العظيم الغناء عن المسلمين، مع قدمة[ (2) ]آبائي مع آبائك، و نصيحتي لهم. قال: فيقول له سليمان:

كذبت، قتلني اللََّه إن لم أقتلك. فلما أكثر على موسى قال له: أما و اللََّه لمن في بطن الأرض أحبّ إليّ ممن على ظهرها. فقال سليمان: و من أولئك و استطير.

فقال له موسى: مروان، و عبد الملك و الوليد أخوك، و عبد العزيز عمك. قال:

فكاد سليمان ينكسر. ثم يقول: قتلني اللََّه إن لم أقتلك. فيقول له موسى: ما أنت بفاعل يا أمير المؤمنين؟فيقول: و لم؟لا أمّ لك. فيقول له موسى: إني لأرجو ألا يكرم موسى بهوان أمير المؤمنين و موسى حينئذ قائم في الشمس، قد ارتفع نفسه‏[ (3) ]، و عظم بهره‏[ (4) ]، ثم التفت سليمان إلى عمر بن عبد العزيز، فقال:

ما أرى يميني إلا قد برئت يا عمر. قال عمر: فاغتنمتها منه، و لم أبال أن يحنث بإحياء رجل من المسلمين. فقلت: أجل يا أمير المؤمنين، امرؤ كبرت سنه، و كثر لحمه، و به نسمة و بهر و سقم. فما أراه إلا ميتا. قال: ثم التفت سليمان إلى جلسائه فقال: من يأخذ هذا الشيخ، فيستخرج منه هذه الأموال؟فقال [ (1) ]أي اكتب وصيتك.

[ (2) ]يشير إلى خدمات أبيه نصير، فكان على حرس معاوية. أما موسى الّذي ولد سنة 19 ه، فقد ولي غزو البحر لمعاوية، و غزا قبرص و بنى هناك حصونا كالماغوصة و حصن بانس، و كان نائب معاوية عليها بعد ذلك، و شهد مرج راهط مع الضحاك ثم التجأ إلى عبد العزيز بن مروان، و لما عين بشر بن مروان على العراق جعله عبد الملك وزيرا لبشر (ولي خراج العراق) و قيل إن بشر قلده أموره. (البداية و النهاية 9/194 و النجوم الزاهرة 2/235 وفيات الأعيان 5/318) .

[ (3) ]يشير إلى نوبة ربو أصابته، و كان مصابا بانقصاب النفس.

[ (4) ]عظم بهره: انقطع نفسه من الإعياء و التعب، و مرضى الربو ينتصب نفسهم و يعظم في حالة الإرهاق و التعب.

107

يزيد بن المهلب: أنا يا أمير المؤمنين قال: فخذه و لا تمسه، وضع العذاب على ابنيه مروان، و عبد الأعلى‏[ (1) ]، فخرج به يزيد فحمله على دابة ابنه، ثم انصرف به إلى منزله، فأكرمه و برّه. و قال له: أطع أمري، و أجب أمير المؤمنين إلى مقاضاته عن نفسك و عن ابنيك، و حملني كل ما قاضيته عليه. فقال له موسى: أما إذا كنت أنت صاحب هذا الشأن، فأنا غير مخبرك فيما ضمنت لأمير المؤمنين، و ايم اللََّه لو أمر سواك بي، و أمره بالبسط عليّ، لكان أحبّ إليّ أن ألقى اللََّه عزّ و جلّ، و أقرب إليّ من أن يأخذوا مني دينارا واحدا، و لكن أدّيا يا ابنيّ عن أنفسكما و عن أبيكما، فقالا: نعم، فغدا يزيد بن المهلب إلى سليمان، فأعلمه بذلك، و برضا موسى بمقاضاته، فأدخله سليمان عليه. فقال موسى: أ رأيت لو لم أقاضك ما كنت فاعلا؟فقال سليمان: أضع العذاب عليك و على ابنيك حتى أبلغ ما أريد، أو آتي على أنفسكم. فقال موسى: الآن طابت نفسك يا أمير المؤمنين فأعطني أربع خصال، و لك ما دعوتني إليه من هذا المال. فقال: و ما هنّ؟قال: لا تعزل عبد اللََّه بن موسى عن إفريقية و جميع عمله سنتين، و أن كلّ ما جباه عبد اللََّه بإفريقية، و عبد العزيز بالأندلس، فهو لي فيما قاضيت عليه أمير المؤمنين، و أن تدفع إليّ طارقا مولاي، و أكون أملأ به عينا و بماله. فقال له سليمان: أما ما سألت من إقرار عبد العزيز و عبد اللََّه على مكانهما فذلك لك. و أما ما سألت من دفع طارق إليك فتكون أملأ عينا به و بماله، فليس هذا جزاء أهل النصيحة لأمير المؤمنين، فلست بفاعل، و لا مخلّ بينك و بين عقوبته، و لا أخذ ماله، فقاضاه موسى على مال، فأجله في ذلك، و خلّى سبيله.

نسخة القضية

هذا ما قاضى عليه عبد اللََّه سليمان أمير المؤمنين موسى بن نصير، قاضاه على أربعة آلاف ألف دينار، و ثلاثين ألف دينار، و خمسين دينارا ذهبا طيبة وازنة يؤديها إلى أمير المؤمنين، و قد قبض منها أمير المؤمنين مائة ألف، و بقي على موسى سائر ذلك، أجله أمير المؤمنين إلى سير رسول أمير المؤمنين إلى ابني موسى الّذي بالأندلس، و الّذي بإفريقية، يمكث شهرا بالأندلس، و ليس له أن يمكث وراء ذلك يوما واحدا، حتى يقفل راجعا بالمال، إلى ما كان من إفريقية [ (1) ]و كانا قد أخرجا معه إلى الشام.

108

و ما دونها، و ليس لموسى أن يتكثر بشي‏ء مما كان عليه من العمل، منذ استخلف اللََّه أمير المؤمنين من ذمة أو في‏ء أو أمانة، فهو لأمير المؤمنين يأخذه و يقتضيه، و لا يحسبه موسى من غرامته، فإن أدّى موسى الّذي سمى أمير المؤمنين في كتابه هذا من المال، إلى ما قد سمى أمير المؤمنين من الأجل، فقد بري‏ء موسى و بنوه و أهله و مواليه، و ليست عليهم تبعة و لا طلبة في المال و لا في العمل، يقرّون حيث شاءوا، و ما كان قبض موسى أو بنوه من عمال موسى إلى قدوم رسول أمير المؤمنين إفريقية، فهو من الّذي على موسى من المال، يحسب له من الّذي عليه، ما لم يقبض قبل وصول رسول أمير المؤمنين، فليس منه في شي‏ء، و قد خلى أمير المؤمنين بين موسى و بين أهله و مواليه، ليس له ظلم أحد منهم، غير أن أمير المؤمنين لا يدفع إليه طارقا مولاه، و لا شيئا من الّذي قد أباه عليه أوّل يوم.

شهد أيوب ابن أمير المؤمنين، و داود ابن أمير المؤمنين، و عمر بن عبد العزيز، و عبد العزيز بن الوليد، و سعيد بن خالد، و يعيش بن سلامة، و خالد بن الريان، و عمر بن عبد اللََّه، و يحيى بن سعيد، و عبد اللََّه بن سعيد، و كتبه جعفر بن عثمان في جمادى سنة تسع و تسعين‏[ (1) ].

[ (1) ]يتبين من مراجعة هذه النسخة عدة ملاحظات:

أ-أنها كتبت سنة 99 في جمادى بين سليمان بن عبد الملك و موسى بن نصير. تقول: إن سليمان بن عبد الملك مات لعشر بقين من صفر سنة 99 (ابن الأثير) في حين أن موسى ابن نصير مات قبله، سنة 97 (ابن عذاري-الحلة السيراء-ابن الأثير) .

ب-عبد العزيز بن موسى-والي الأندلس-قتل سنة 97 و قيل سنة 98، و أبوه حي، (ابن الأثير-الحلة السيراء-النجوم الزاهرة) .

ج-عبد اللََّه بن موسى كان على إفريقيا، عزل عن إفريقيا سنة 97 و استعمل سليمان عليها محمد بن يزيد القرشي.

د-أيوب ابن أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك، مات سنة 98 و كان وليا لعهد أبيه.

هـ-أمر سليمان بن عبد الملك واليه محمد بن يزيد أن يأخذ عبد اللََّه بن موسى و يعذبه و يستأصل منه أموال بني موسى، فأخذه محمد ثم قتله بعد ذلك و تولى قتله خالد بن أبي حبيب القرشي.

و-لم يرد في كتابه أو حجابه جعفر بن عثمان، ورد في تاريخ خليفة:

أن ليث بن أبي رقية مولى أم الحكم بنت أبي سفيان كان كاتب الرسائل، و حاجبه أبو عبيد (و قيل أبو عبيدة: عن اليعقوبي) .

ز-في الغرامة الموضوعة على موسى، اختلف في قيمتها: ذكر ابن عذاري 1/46 «ثلاثمائة ألف دينار، و قيل ألف ألف دينار» و في الحلة السيراء 2/334 مائة ألف دينار. ـ

109

فلما تقاضيا أمر سليمان يزيد بن مهلب بتخلية موسى و ابنيه، و الكفّ عنه، فأعانه يزيد بن المهلب بمائة ألف دينار، فأهدى إليه موسى حقا فيه ثلاث خرزات، فبعث بهنّ إلى ابن المهلب فقوّمهن، فقوبلن بثلاث مائة ألف دينار.

فقال ابن المهلب لموسى: أ تدري لم قلت لأمير المؤمنين أنا أضمه؟قال: لا، قال: خفت أن يجيبه قبلي من لا يرى فيك ما أنا عليه لك، و كانت لك يد عند المهلب رحمه اللََّه‏[ (1) ]. فأحببت أن أجزيك بها عنه، و باللََّه لو لم تفعل و أبيت عن المقاضاة ما شاكتك عندي شوكة حتى لا يبقى لآل المهلب مال و لا ثوب. قال:

فجزاه موسى خيرا.

ذكر يد موسى إلى المهلب‏

قال: و ذكروا أن مخبرا أخبرهم من شيوخ الشام ممن أدرك القوم و صحبتهم قال: كانت اليد التي أسداها موسى إلى المهلب، أن عبد الملك بن مروان لما ولّى العراق بشرا أخاه، جعل منه موسى بن نصير وزيرا و مديرا لأمره، و قد كانت الأزارقة أفسدت ما هنالك، فأمر عبد الملك بشر بن مروان أن يولي المهلب قتالهم‏[ (2) ]، و كان بشر للمهلب مسيئا، فلما قدم بشر العراق، و علم المهلب برأيه، اعتزل بشرا، فلم يأته، فولى بشر بن مروان قتال الأزارقة، الوليد بن خالد، فانهزم و افتضح، ثم ولى بشر رجلا آخر، فلم يصنع شيئا، فكتب عبد الملك إلى بشر أخيه، يفند رأيه فيما صنع، و يوبخه لما خالف أمره، فصمم بشر على رأيه، فلما استغلظ أمر الأزارقة، استشار بشر بن مروان أسماء بن خارجة، و عكرمة بن ربعي، و موسى بن نصير في أمر المهلب. فأما [ (1) ]كان بشر بن مروان قد همّ بالمهلب، فكتب إليه موسى بن نصير يحذره فتمارض المهلب و لم يأته حين أرسل إليه. (العقد الفريد 4/428) . و كان عبد الملك قد أمر بشر أن يولي المهلب حرب الأزارقة، و كان بشر كره ذلك فقال: و اللََّه لأقتلنه: فقال له موسى بن نصير: أيها الأمير إن للمهلب حفاظا و بلاء و وفاء... (انظر تفاصيل الخبر في الكامل للمبرد 3/1297 و ما بعدها) .

[ (2) ]نص كتاب عبد الملك إلى أخيه بشر بشأن تولية المهلب حرب الأزارقة في الطبري 7/207 (حوادث سنة 74) و في الكامل للمبرد 3/1297 نص آخر للكتاب.

قال المبرد: و كتب بشر إلى أخيه عبد الملك يعلمه أن المهلب عليل و أن بالبصرة من يغني غناءه، و ذلك لأن بشر شق عليه ما أمره به عبد الملك بشأن عبد الملك. و الخبر فيهما مختلف عما هنا بالأصل، قارن النصوص الثلاثة.

110

عكرمة و أسماء فوافقا هواه فيه، و أما موسى فقال له: إن أمير المؤمنين لا يحتملك على المعصية، و ليس مثل المهلب في فضله و شرفه، و قدره في قومه و معرفته، أقصيت أو جفوت، فإن كان بلغك أمر يقال إنه أتاه، فاكشفه عنه، حتى تعلم عذره فيه أو ذنبه، فلم يزل موسى يردّد أمر المهلب على بشر، و يعطفه عليه، بعد أن كان همّ بقتله، إن ظفر به، حتى أرسل إليه بشر فجاءه المهلب فتنصل إليه المهلب، فقبل منه بشر، و ولاه ما كان يلي، فبعث إليه موسى بخمسين فرسا و بمائة بعير. و قال له: استعن بها على حربك، ثم لم يزل موسى قائما بأمره عند بشر، حتى هلك بشر.

قالوا: و أخبرنا محمد بن عبد الملك أن المهلب في الأيام التي كان يخاف فيها بشر بن مروان على نفسه، خرج إلى مال له، فكان فيه وحده، فأتى رجل إلى بشر و عنده موسى، فقال له: إن كان لك أيها الأمير بالمهلب حاجة فابعث خيلا إلى موضع كذا و كذا، فإنه فيه في غار وحده، و ليس معه فيه رجل من قومه. فبعث بشر خيلا. قال: فنهض من مجلسه موسى، فوجه إليه غلاما له، ثم قال له: أنت حرّ لوجه اللََّه، إن أنت سبقت هذه الخيل حتى تنتهي إلى موضع كذا و كذا، فتأتي المهلب فتقول له: إن موسى يقول لك: النجاة بنفسك، فخرج غلام موسى حتى انتهى إلى المهلب فأعلمه، فاستوى على فرسه فذهب، و أتت الخيل فلم تجد أحدا هناك، فانصرفوا راجعين إلى بشر فأعلموه بذلك.

ذكر قتل عبد العزيز بن موسى بالأندلس‏

قال: و ذكروا أن محمد بن عبد الملك أخبرهم قال: أقام موسى بن نصير مع سليمان بن عبد الملك يطلب رضاه، حتى رضي عنه، و ابنه عبد اللََّه بن موسى على إفريقية و طنجة و السوس، و ابنه عبد العزيز على الأندلس كما هو، فلما بلغ عبد العزيز الّذي فعل سليمان بأبيه موسى تكلم بكلام خفيف حملته عليه حمية لما صنع بأبيه على حسن بلائه، فنميت إلى سليمان، فخاف سليمان أن يخلع‏[ (1) ]، فكتب إلى حبيب بن أبي عبيدة[ (2) ]، و ابن و علة التميمي، و سعد بن [ (1) ]في النجوم الزاهرة 2/235 قتلوه في سنة 99 لكونه خلع طاعة سليمان. (البيان المغرب 1/47) .

[ (2) ]في البيان المغرب 1/47: «ابن أبي عبدة» و في النجوم الزاهرة و الطبري: «ابن أبي عبيد» .

111

عثمان بن ياسر، و عمرو بن زياد اليحصبي، و عمر بن كثير، و عمرو بن شرحبيل، كتب إلى كل رجل منهم كتابا يعلمه بالذي بلغه عن عبد العزيز بن موسى، و ما همّ به من الخلع، و أنه قد كتب إلى عبد اللََّه بن موسى يأمره بإشخاصهم إلى عبد العزيز، و أعلمه إنما دعاه إلى ذلك الّذي أحبّ من مكانفتكم، لأنه بإزاء العدوّ، و أعطاهم العهود، أن من قتله منهم فهو أمير مكانه. و كتب إلى عبد اللََّه بن موسى: إني نظرت فإذا عبد العزيز بإزاء عدوّ يحتاج فيه إلى الغناء و البلاء. فسأل أمير المؤمنين فأخبر أن معك رجالا، منهم فلان و فلان، فأشخصهم إلى عبد العزيز بن موسى، و كتب سليمان إلى عبد العزيز: أما بعد، فإن أمير المؤمنين علم ما أنت بسبيله من العدوّ، و حاجتك إلى الرجال أهل الكناية و الغناء، فذكر له أن بإفريقية رجالا منهم، فكتب أمير المؤمنين إلى عبد اللََّه بن موسى يأمره بإشخاصهم إليك، فولهم أطرافك و ثغورك، و اجعلهم أهل خاصتك. و كتب إليهم سليمان: إني قد بعثت لكم بكتاب إلى أهل الأندلس بالسمع و الطاعة لكم، و الغدر في قتله، فإذا ولاكم أطرافه فأقرّوا عهدي على من قبلكم من المسلمين، ثم ارجعوا إليه حتى تقتلوه. فلما قدم الكتاب على عبد اللََّه بن موسى بإفريقية، أشخص القوم، فخرجوا حتى قدموا على عبد العزيز بالأندلس بكتاب سليمان في إلطافهم و إكرامهم، فقرّبهم عبد العزيز و أكرمهم و حياهم، و قال لهم:

اختاروا أيّ نواحيّ و ثغوري شئتم، فضربوا الرأي فقالوا: إنكم إن فعلتم ما أنتم فاعلون، ثم رجعتم إليه من أطرافه، لم نأمن أن يميل معه عظيم الناس، فإن في يديه الأموال و القوّة، من مواليه و غيرهم و لكن اعملوا رأيكم في الفتك به. قالوا:

فإن هاهنا رجلا إن دخل معنا استقام لنا الأمر، و وصلنا إلى ما أردنا، و هو أيوب بن حبيب ابن أخت موسى. قال: فلقوه و دعوه إلى أنه إن قتله فهو مكانه، فقبل و بايعوه على ذلك، ثم إنهم أتوا عبد اللََّه بن عبد الرحمن الغافقي، و كان سيد أهل الأندلس صلاحا و فضلا فأعلموه، ثم أقرءوه كتاب سليمان. فقال لهم: قد علمتم يد موسى عند جميعكم، صغيركم و كبيركم، و إنما بلغ أمير المؤمنين أمر كذب عليه فيه، و الرجل لم ينزع يدا من الطاعة، و لم يخالف فيستوجب القتل و أنتم ترون و أمير المؤمنين‏لا يرى، فأطيعوني و دعوا هذا الأمر، فأبوا، و مضوا على رأيهم، فأجمعوا على قتله، فوقفوا له. فلما خرج لصلاة الصبح، و دخل القبلة و أحرم، و قرأ بأمّ القرآن الكريم، و استفتح‏ (إِذََا وَقَعَتِ اَلْوََاقِعَةُ) ضربه حبيب بن أبي عبيدة ضربة، فدهش و لم يصنع شيئا، فقطع عبد العزيز الصلاة

112

و خرج، و تبعوه فقتله ابن و علة التميمي‏[ (1) ]، و أصبح الناس، فأعظموا ذلك، فأخرجوا كتاب سليمان بذلك، فلم يقبله أهل الأندلس، و ولوا عليهم عبد اللََّه بن عبد الرحمن الغافقي‏[ (2) ]، و وفد حبيب بن أبي عبيدة[ (3) ]برأس عبد العزيز بن موسى رحمهما اللََّه‏[ (4) ].

قدوم رأس عبد العزيز بن موسى على سليمان‏

قال: و ذكروا أن سليمان لما ظنّ أن القوم قد دخلوا الأندلس، و فعلوا ما كتب به إليهم، عزل عبد اللََّه بن موسى عن إفريقية و طنجة و السوس، في آخر سنة ثمان و تسعين‏[ (5) ]في ذي الحجة، و أقبل هؤلاء حتى قدموا على سليمان، و موسى بن نصير لا يشعر بقتل عبد العزيز ابنه. فلما دخلوا على سليمان، و وضع الرأس بين يديه، بعث إلى موسى، فأتاه، فلما جلس وراء القوم قال له سليمان: أ تعرف هذا الرأس يا موسى؟فقال: نعم هذا رأس عبد العزيز بن موسى، فقام الوفد فتكلموا بما تكلموا به. ثم إن موسى قام فحمد اللََّه، ثم قال:

و هذا رأس عبد العزيز بين يديك يا أمير المؤمنين، فرحمة اللََّه تعالى عليه، فلعمر اللََّه ما علمته نهاره إلا صوّاما، و ليله إلا قوّاما، شديد الحبّ للََّه و لرسوله، بعيد الأثر في سبيله، حسن الطاعة لأمير المؤمنين، شديد الرأفة بمن وليه من المسلمين، فإن يك عبد العزيز قضى نحبه، فغفر اللََّه له ذنبه، فو اللََّه ما كان بالحياة شحيحا، و لا من الموت هائبا، و ليعزّ على عبد الملك و عبد العزيز و الوليد أن يصرعوه هذا المصرع، و يفعلوا به ما أراك تفعل، و لهو كان أعظم رغبة فيه، و أعلم بنصيحة أبيه، أن يسمعوا فيه كاذبات الأقاويل، و يفعلوا به هذه الأفاعيل.

[ (1) ]في النجوم الزاهرة: قتله و هو في صلاة الفجر حبيب بن أبي عبيد بن عقبة بن نافع الفهري.

و في ابن الأثير 3/241: فدخلوا عليه... فضربوه بالسيوف ضربة واحدة و انظر البيان المغرب 1/47.

[ (2) ]في الحلة السيراء 2/334 أيوب ابن أخت موسى بن نصير. و في البيان المغرب: الحر بن عبد الرحمن الثقفي.

[ (3) ]انظر ما تقدم قريبا بشأن اسمه.

[ (4) ]قيل في أسباب قتله غير ذلك: انظر ابن الأثير 3/241 نفح الطيب 1/281. و إن كان ما تقدم أولا هو المعتمد، قال ابن الأثير: و كانوا يعدونها من زلات سليمان. و قال ابن عذاري:

من هفوات سليمان التي لم تزل تنقم عليه.

[ (5) ]في ابن الأثير و ابن عذاري و النجوم الزاهرة: سنة 97.

113

فردّ سليمان عليه قال: بل ابنك المارق من الدين، و الشاقّ عصا المسلمين، المنابذ لأمير المؤمنين، فمهلا أيها الشيخ الخرف. فقال موسى: و اللََّه ما بي من خرف، و لا أنا من الحقّ بذي جنف‏[ (1) ]و لن تردّ محاورة الكلام مواضع الحمام، و أنا أقول كما قال العبد الصالح‏[ (2) ]. (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، وَ اَللََّهُ اَلْمُسْتَعََانُ عَلى‏ََ مََا تَصِفُونَ) [يوسف: 18]قال: ثم قال موسى: أ فتأذن في رأسه يا أمير المؤمنين؟ و اغرورقت عيناه، فقال له سليمان: نعم، فخذه، فقام موسى فأخذه، و جعله في طرف قميصه الّذي كان عليه، ثم أدير في السماطين، فوقع الطرف الآخر عن منكبيه، و هو يجره لا يحفل به و لا يرفعه. فقال له خالد بن الريان: ارفع ثوبك يا بن نصير، فالتفت موسى و قال: ما أنت و ذاك يا خالد. قال سليمان: دعه، حسبه ما فعلنا به. فلما توارى موسى قال سليمان: دعه إن في الشيخ لبقية بعد.

ثم إن موسى التفت إلى حبيب بن أبي عبيدة[ (3) ]فكلمه بكلام غليظ حتى ذكر أمرا خفيا من نسبه‏[ (4) ]فأفحمه ثم إن سليمان كشف عن أمر عبد العزيز، فألفى ذلك باطلا، و أن عبد العزيز لم يزل صحيح الطاعة، مستقيم الطريقة، فلما تحقق عند سليمان باطل ما رفع إليه عن عبد العزيز ندم، و أمر بالوفد فأخرجوا، و لم ينظر في شي‏ء من حوائجهم، و أهدر عن موسى بقية القضية، التي كان سليمان قاضاه عليها، و كان سليمان قد آلى قبل خلافته، لئن ظفر بالحجاج بن يوسف و موسى بن نصير ليعزلنهما، ثم لا يليان معه من أمور الناس شيئا. فلما رضي عن موسى جعل يقول: ما ندمت على شي‏ء ندامتي، أن لا كنت خلوا من اليمين على موسى في أن لا أوليه شيئا، ما مثل موسى أستغني عنه.

قال: و إن موسى دخل على سليمان في آخر يوم من شعبان عند المغرب، و هو مستشرف على سطح و عنده الناس. فلما رآه سليمان قال: عندكم و اللََّه من إن سألتموه عن الهلال ليخبرنكم أنه قد رآه و قد غمّ الهلال يومئذ على سليمان [ (1) ]جنف: بعد.

[ (2) ]إشارة إلى يعقوب عليه السلام، أبو يوسف لما أخبره بنوه، إخوة يوسف، ما حصل ليوسف.

[ (3) ]ابن أبي عبيدة، تقدمت إليه الإشارة. و انظر جمهرة الأنساب لابن حزم ص 178 و فيه: فولد أبي عبيدة: حبيب قاتل عبد العزيز بن موسى بن نصير.

[ (4) ]لعله بشير إلى نافع بن عبد بن قيس جد أبيه أبي عبيدة الّذي نخس بزينب بنت رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم-مع هبار بن الأسود-إذ حملت من مكة إلى المدينة فأسقطت جنينا. (جمهرة الأنساب لابن حزم ص 119 و 177) .

114

و الناس. فلما دنا موسى و سلم قال له سليمان: أ رأيت الهلال بعد يا موسى؟قال: نعم يا أمير المؤمنين ها هو ذاك، و أشار بإصبعه إلى ناحية، و هو مقبل على سليمان بوجهه، فرمى الناس بأبصارهم حيث أشار موسى، فأبصروا الهلال فلما جلس موسى قال: إني و اللََّه لست بأحدّكم بصرا، و لكني أعلمكم بمطالعه و مناسقه‏[ (1) ].

و قال: فخرج فلقيه يزيد بن المهلب، فقال له: يا أبا عبد الرحمن، بينا أنت أدهى الناس و أعلمهم، أقبلت تسوق نفسك حتى تضعها في يد سليمان. فقال له موسى: أما علمت يا أبا خالد، أن الهدهد يهتدي إلى الماء و يعرفه من الأرض الفضاء و من الحزونة و السهل، و يبصر القريب منه و البعيد، ثم ينصب له الصبيّ الفخّ بالدودة و ما أشبهها، فلا يبصر ذلك حتى يقع فيه فيؤخذ؟و ذلك أنه لا حذر ينجي من قدر، و لا رأي و لا بصر، و كذلك كنت و سليمان بن عبد الملك.

قال: و ذكروا أن سليمان خرج يوما إلى بعض أمواله متنزّها فخرج معه موسى بن نصير، فعرضت عليهم غنم حلب، نحو من ألف رأس، فأعجب سليمان ما رأى منها، و التفت إلى موسى، فقال له: هل رأيت مثلها قط؟قال:

نعم، إن لأدنى مواليّ لأصنافا كثيرة، فالتفت إليه سليمان، و قال له: أدنى مواليك؟قال: نعم فردّدها سليمان كالمغضب عليه. قال موسى: نعم يا أمير المؤمنين، و ما هذا فيما أفاء اللََّه عزّ و جلّ على يدي، لقد كانت الألف تباع بعشرة دراهم أو دونها، و لقد كانت في بعض المواطن و ما لها قيمة، و لا يلتفت إليها أحد يا أمير المؤمنين، و لغير ذلك مما أفاء اللََّه عليهم، و لقد رأيت العلج العتلّ‏[ (2) ]، و الوصيف الفاره‏[ (3) ]، و الجارية الحسناء، و إن أكثر ما تبلغ خمسين درهما، لكثرة ذلك من صنوفه كلها. و لقد رأيت الذود[ (4) ]من الإبل، لا تبلغ قيمته عشرين درهما، أ كثير يا أمير المؤمنين ما أعلمتك فيما تسمع؟قال سليمان: لا، و حمد اللََّه.

قال: و ذكروا أن موسى دخل على سليمان يوما و عنده الناس، فلما رآه سليمان قال: ذهب سلطان الشيخ، و أبصره موسى حين تكلم، فلم يفهم ما قال [ (1) ]أي طرقه و مساراته.

[ (2) ]العتل: الجافي الغليظ.

[ (3) ]الفاره: الماهر القوي.

[ (4) ]الذود من الإبل: من الثلاثة إلى العشرة، و قيل إلى الثلاثين من الجمال.

115

فلما سلم قال: يا أمير المؤمنين رأيتك لما نظرتني داخلا تكلمت بكلام ظننتك عنيتني به. قال: نعم. قلت: ذهب سلطان الشيخ. قال له موسى: أما و اللََّه لئن ذهب سلطان الشيخ لقد أثر اللََّه به في دينه أثرا حسنا، و لقد كنت طويل الجهاد في اللََّه حريصا على إظهار دين اللََّه، حتى أظهره اللََّه، و كنت ممن أتمّ اللََّه به موعده لنبيه، و لئن أدبر معك، لقد كان مع آبائك ناضر الغصن، ميمون الطائر[ (1) ]، فقال سليمان: هو ذاك. فقال موسى: و هو ذاك، فلم يزل يردّدها سليمان، و يردّدها موسى حتى سكت سليمان.

سؤال سليمان بن عبد الملك موسى عن أخباره و أفعاله‏

قال: و ذكروا أن سليمان قال لموسى: ما الّذي كنت تفزع إليه في مكان حربك من أمور عدوّك؟قال: التوكل، و الدعاء إلى اللََّه يا أمير المؤمنين. قال له سليمان: هل كنت تمتنع في الحصون و الخنادق، أو كنت تخندق حولك؟قال:

كلّ هذا لم أفعله. قال: فما كنت تفعل؟قال: كنت أنزل السهل، و أستشعر الخوف و الصبر، و أتحصن بالسيف و المغفر، و أستعين باللََّه، و أرغب إليه في النصر. قال له سليمان: فمن كان من العرب فرسانك؟قال حمير. قال: فأيّ الخيل رأيت في تلك البلاد أصبر؟قال: شقرها. قال: فأيّ الأمم كانوا أشدّ قتالا؟ قال: إنهم يا أمير المؤمنين أكثر مما أصفهم. قال له: أخبرني عن الروم. قال:

أسود في حصونهم، عقبان على خيولهم‏[ (2) ]، نساء في مواكبهم‏[ (3) ]إن رأوا فرصة افترصوها، و إن خافوا غلبة فأوعال‏[ (4) ]، ترقل في أجبال، لا يرون عارا في هزيمة تكون لهم منجاة. قال: فأخبرني عن البربر. قال: هم يا أمير المؤمنين أشبه العجم بالعرب، لقاء و نجدة، و صبرا و فروسية، و سماحة و بادية، غير أنهم يا أمير المؤمنين غدر. قال: فأخبرني عن الأشبان، قال: ملوك مترفون، و فرسان لا يجبنون. قال: فأخبرني عن الإفرنج. قال: هناك يا أمير المؤمنين العدد و العدّة، و الجلد و الشدّة و بين ذلك أمم كثيرة، و منهم العزيز، و منهم الذليل، و كلاّ قد [ (1) ]يشير موسى إلى حسن علاقاته بعبد العزيز و عبد الملك و الوليد ابنه، و احترامهم له و تقديمهم إياه.

[ (2) ]أي سريعو الجريان على خيولهم، شبههم بالعقاب لسرعة طيرانه.

[ (3) ]يعني يتجملون في مواكبهم كالنساء.

[ (4) ]الأوعال جمع وعل. و ترقل: تسرع.

116

لقيت بشكله، فمنهم المصالح، و منهم المحارب المقهور، و العزيز البذوخ‏[ (1) ].

قال: فأخبرني كيف كانت الحرب بينك و بينهم، أ كانت عقبا؟[ (2) ]قال: لا يا أمير المؤمنين، ما هزمت لي راية قط، و لا فضّ لي جمع، و لا نكب المسلمون معي نكبة، منذ اقتحمت الأربعين، إلى أن شارفت الثمانين. قال: فضحك سليمان و قال: فأين الراية التي حملتها يوم مرج راهط[ (3) ]مع الضحاك؟قال: تلك يا أمير المؤمنين زبيرية، و إنما عنيت المروانية. فقال: صدقت، و أعجبه قوله.

و ذكروا أن محمد بن عبد الملك حدثهم عن ريان بن عبد العزيز بن مروان قال: إنا لجلوس عند سليمان و هو على سطح فسيح، و الناس يدخلون حتى دخل موسى من الباب، فتحرّك بنا سقف السطح من شدّة وطئه، فسلم ثم جلس، فذكر سليمان بيت الذهب الّذي فتحه قتيبة بن مسلم، فجعل يردّد فيه.

فقال له موسى: و ما هذا يا أمير المؤمنين؟بيت لا يكون فيه عشرة آلاف دينار، و اللََّه لقد بعثت إلى أخيك الوليد بثور من زمرد أخضر، يصبّ فيه اللبن فيخضرّ و إنه لمن أدنى ما بعثت به إليه. و لقد أصبت كذا و كذا، و أصاب المسلمون كذا و كذا، و جعل يحدث سليمان بالعجائب. قال ريان: حتى و اللََّه أبهته. و لم يزل موسى بباب سليمان عظيم المنزلة عنده‏[ (4) ]. فلما كانت سنة ثمان‏[ (5) ]و تسعين تجهز سليمان للحجّ، و أمر موسى بالشخوص و الحجّ معه، فذكر له أنه ضعيف، فأمر له سليمان بثلاثين نجيبا موقورة جهازا، و بحجرة من حجره و جائزة، فحجّ سليمان، و حجّ معه موسى، فبينما هو يسير يوما إذ دعا بموسى، فناداه خالد ابن الريان، و كان موسى يساير رجلا، فلم يلتفت موسى إلى ندائه، ثم دعا به، فناداه خالد أيضا، فلم يلتفت إليه. فقال له الرجل: غفر اللََّه لك، أ لم تسمع دعاء أمير [ (1) ]البذوخ: المتكبر.

[ (2) ]يريد هل كانت معاقبة، أي تنتصر مرة و تهزم أخرى ثم تنتصر.

[ (3) ]معركة مرج راهط جرت بين الجناح الأموي اليمني المتمثل بمروان بن الحكم، و الجناح الأموي القيسي المتحالف مع ابن الزبير، و حمل لواؤه الضحاك بن قيس، و قد تقدمت الإشارة إلى أن موسى بن نصير كان يحارب تحت راية الضحاك. و بعد المعركة و هزيمة الضحاك التجأ إلى عبد العزيز بن مروان.

[ (4) ]ما نكب به موسى بن نصير، من تغريمه أموالا عظيمة، و قتل ابنيه و استئصال أموالهم و بنيهم لا يشير إلى عظيم منزلة.

[ (5) ]في ابن الأثير سنة 97، و ذكر أنه حج بالناس سنة 98 عبد العزيز بن عبد اللََّه بن خالد بن أسيد، و هو أمير مكة. (انظر الطبري حوادث سنة 97 و 98 و مروج الذهب 4/450 و الحلة السيراء 2/334) . ـ

117

المؤمنين؟إني أخافه و أخاف أن يغضب. فقال موسى: ذاك لو كان عبد الملك أو الوليد. فأما هذا فإنه يرضيه ما يرضي الصبيّ، و يسخطه ما يسخطه، و سترى ذلك. ثم تقدم موسى حتى لحق و لصق بسليمان. فقال له: أين كنت يا بن نصير؟فقال له: يا أمير المؤمنين أين دوابنا من دوابك؟إني لمنذ دعاني أمير المؤمنين لفي كدّ، حتى لحقت أمير المؤمنين، فضحك سليمان و أمر له بدوابّ من مراكبه، فسايره و حادثة، ثم انصرف عنه، فلحق الرجل به. فقال له موسى:

كيف رأيت؟قال: أنت كنت به أعلم، فسار سليمان حتى نزل المدينة في دار يزيد بن رومان.

قال: فحدثني بعض أهل المدينة، أن موسى قال يوما لبعض من يثق به:

ليموتنّ إلى يومين رجل قد بلغ ذكره المشرق و المغرب، فلم نظنّ إلا أنه يعني الخليفة، فلما كان اليوم الثاني، لم أشعر و أنا في مسجد الرسول، حتى سمعت الناس يقولون: مات موسى بن نصير، فإذا هو، و صلى سليمان عليه، و دفن رحمه اللََّه‏[ (1) ].

و ذكروا أن عبد اللََّه بن صخر أخبرهم قال: بينما موسى يسير يوما على دابة له، و كان طويلا جسيما، فمرّ به رجلان من قريش، و قد تدلت رجلاه و انحنتا، و هما لا يعرفانه. فقالا: أدبر و اللََّه الشيخ، فسمعهما موسى، فقال لهما: من أنتما؟ فانتسبا له. فقال: أما و اللََّه إن أميكما لمما أفاء اللََّه على يدي هذا الشيخ، فأهداهما إلى أبويكما. فقالا له: و من أنت يرحمك اللََّه؟قال: موسى بن نصير، فقالا: فمرحبا و أهلا، صدقت و بررت، و اللََّه ما عرفناك: فقال: لا عليكما، قد و اللََّه أدبر عني و بقي مني.

و ذكروا أن إبراهيم بن سليمان أخبرهم عمن حدثه عن موسى، أن الناس قحطوا بإفريقية[ (2) ]عاما، فخرج موسى بالناس فاستسقى، فأمر رجلا فقص على الناس و رققهم، فجعل يذكر، ثم إنه انتحى في الدعاء للوليد بن عبد الملك [ (1) ]في مكان موته أقوال: في الحلة السيراء 2/334 فتوفي في طريقه (إلى الحج) . و في ابن الأثير 3/244 و النجوم الزاهرة 2/235 موته بطريق مكة. و في نفخ الطيب 1/286.

آل أمره إلى أن وجهه إلى قومه بوادي القرى... فمات بها. قال: و قد نص ابن بشكوال على أنه مات بوادي القرى.

[ (2) ]الخبر في ابن الأثير 3/195 و البداية و النهاية 9/196 باختلاف و اختصار.

118

فأكثر. فأرسل إليه موسى: إنا لم نأت هاهنا للدعاء للوليد، فأقبل على ما له جئنا فعدنا، فلم يلتفت، و رجا أن يبلغ الوليد، فأمر به فسحب، حتى خرج من الناس، ثم قام موسى و دعا بالناس، فما برحنا حتى انصبت السماء بمثل القرب، فأتى موسى بدابة من دوابه. فقال: و اللََّه لا ركبت، و لكن أخوض الطين، و انصرف ماشيا، و مشى الناس، فسمعته يومئذ يردّد في دعائه: اللََّهمّ الشهادة في سبيلك، أو موتا في مدينة رسولك.

قال: فذكروا أن عرفة بن عكرمة حدثهم عن مشايخ من مراد عن رجل منهم كان مع موسى بالأندلس قال: كنت أبصر من مجاري الشمس و القمر شيئا، فوقع فيّ عند موسى، و قيل له عنده علم، فو اللََّه ما شعرت حتى أتيت فأخذت، فأدخلت عليه، فإذا بين يديه عصفور مذبوح، مشقوق البطن قال لي: أدخل يدك فانظر. قلت: أصلح اللََّه الأمير، طلقت امرأته البتة إن كان يعلم قليلا أو كثيرا، إلا ما يعلم الناس من مجاري الشمس و القمر. قال: فأمر بي فنحيت، ثم دعا برجل من الأعاجم، قال: أدخل يدك، فانظر ما ذا ترى، و كان من الأسارى، فأدخل يده في جوف العصفور، فحرّكه طويلا، ثم قلبه، ثم قال للترجمان بلسانه: إنه ليس يموت هاهنا، و لكنه يموت بالمشرق في بلاد العرب، فنظر إليه موسى، ثم قال له: قاتلك اللََّه ما أعلمك، قال: ثم أمر به فقتل، ثم دعاني، فأخذ عليّ الأيمان أن لا أتكلم به ما بقي، ففعلت. و كان دخول موسى المغرب سنة تسع و سبعين، في جمادى الأولى، و كان يومئذ ابن ستين سنة، فأقام بإفريقية ستّ عشرة سنة، و قفل منها سنة خمس و تسعين، و مات سنة ثمان و تسعين، و ولى عبد اللََّه بن موسى بإفريقية و طنجة و السوس، بعد موسى أبيه سنتين، و كان عزله عنها في ذي الحجة، سنة سبع و تسعين، و قيل سنة تسع و تسعين‏[ (1) ].

ذكر ولاة الأندلس بعد موسى بن نصير

قال: و ذكروا أن عبد العزيز بن موسى ولي الأندلس بعد أبيه سنة، ثم قتل، و ولي بعده أيوب بن حبيب ستة أشهر، ثم الحارث‏[ (2) ]بن عبد الرحمن ثلاث سنين [ (1) ]انظر ما سبق.

[ (2) ]في البيان المغرب و نفح الطيب: الحرّ.

و ولي بعده السمح بن مالك الخولانيّ (نفح الطيب و البيان المغرب) و قد استخلفه على

119

و نصفا، ثم عنبسة[ (1) ]سنتين و تسعة أشهر، ثم يحيى بن سلمة سنة و ثلاثة أشهر[ (2) ]، ثم الهيثم بن عبيد[ (3) ]سنة و شهرين، ثم عبد الرحمن بن عبد اللََّه الغافقي أربع سنين، ثم عبد الملك بن قطن الفهري‏[ (4) ]أيضا سنة، ثم بلج‏[ (5) ]بن بشر القشيري ستة أشهر، ثم ثعلبة بن سلامة الجذامي خمسة أشهر، ثم أبو الخطار[حسام‏]بن ضرار الكلبي ثلاث سنين، ثم ثوابة بن مسلمة[ (6) ]سنة و شهرا.

فلما وهن سلطان بني أمية بالمشرق، ولوا على أنفسهم يوسف بن عبد الرحمن القرشي الفهري، من غير عهد من الخليفة، فملك الأندلس عشر سنين، إلى أن دخل عليه عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان.

ذكر حج سليمان مع عمر بن عبد العزيز

و ذكروا أن عبيد اللََّه بن عبد المؤمن أخبرهم عن رجاء بن حيوة: أنه لما حج سليمان بن عبد الملك، و معه عمر بن عبد العزيز، و ذلك في سنة ثمان و تسعين‏[ (7) ] [ () ]الأندلس إسماعيل بن أبي المهاجر أمير إفريقيا. قال ابن عذاري: و كانت الأندلس إذ ذاك إلى والي إفريقيا، و كان حلوله في رمضان سنة 100. و قد ملكها كما في صبح الأعشى 5/243 سنتين و تسعة أشهر.

[ (1) ]هو عنبسة بن سحيم الكلبي. (نفح الطيب-ابن عذاري-صبح الأعشى) قال في الصبح:

وليها أربع سنين و خمسة أشهر.

[ (2) ]وليها كما في البيان المغرب سنة 107 و قدمها في شوال. و في الصبح قال: وليها سنتين و ستة أشهر. في النفح: ولي قبله عذرة بن عبد اللََّه الفهري.

و ذكر بعده عثمان بن أبي نسعة الخثعميّ ولي سنة 110 و قدمها في شعبان (نفح-ابن عذاري) و ذكر قبل عثمان في صبح الأعشى حذيفة بن الأحوص القيسي.

[ (3) ]في نسخة من نفح الطيب: عدي، و أشار في الهامش: عبيد. ولايته سنتان و أياما عند ابن عذاري، و خمسة أشهر في صبح الأعشى.

و ذكر بعده في النفح محمد بن عبد اللََّه الأشجعي.

[ (4) ]في البيان المغرب قبل عبد الملك بن قطن عقبة بن الحجاج و قد وليها خمس سنين، و أشار في الصبح إلى ولاية عبد الملك أربع سنين.

[ (5) ]في صبح الأعشى: مفلح.

[ (6) ]في نفح الطيب و البيان المغرب: سلامة.

و بعد موته قال ابن عذاري: بقيت الأندلس دون أمير أربعة أشهر فاجتمع الناس على الصميل بن حاتم، فوقع نظره و نظرهم على يوسف بن عبد الرحمن الفهري.

[ (7) ]تقدم أنه لم يحج سنة 98 (انظر صفحة 116 حاشية رقم 5) .

120

فلما انتهى إلى عقبة عسفان، نظر سليمان إلى السرادقات، قد ضربت له ما بين أحمر و أخضر و أصفر، و كان يوسف بن عمر قد عمل له باليمن ثلاثة سرادقات، فكانت تضرب له، و كان الّذي منها للناس من خز أخضر، و الّذي يليه من خز أصفر، ثم الّذي يكون هو فيه من وشي أحمر، محبر من حبرات‏[ (1) ]اليمن، مزرر بالذهب و الفضة، و في داخله فسطاط، فيه أربعة أفرشة من خز أحمر، مرافقها من وشي أصفر، و ضربت حجب نسائه من وراء فسطاطه، و حجر بنيه و كتابه و حشمه قرب ذلك. فلما استوى سليمان في قبة العقبة، و نظر إلى ما نصب له.

قال: يا عمر، كيف ترى هاهنا؟قال: أرى دنيا عريضة، يأكل بعضها بعضا، أنت المسئول عنها، و المأخوذ بها[ (2) ]، فبينما هما كذلك، إذ طار غراب من سرادق سليمان، في منقاره كسرة، فصاح الغراب. فقال سليمان: ما يقول هذا الغراب يا عمر؟قال عمر: ما أدري، و لكن إن شئت أخبرتك بعلم. قال سليمان: أخبرني. فقال عمر: هذا غراب طار من سرادقك بكسرة، هو يأكلها، و أنت المأخوذ بها، و المسئول عنها من أين دخلت، و أين خرجت؟قال سليمان:

إنك لتجي‏ء بالعجائب يا أبا حفص. فقال عمر: أ فلا أخبرك بأعجب من هذا يا أمير المؤمنين؟قال: أخبرني. قال: من عرف اللََّه تعالى كيف يعصاه، و من عرف الشيطان كيف يطيعه، و من أيقن بالموت كيف يهنيه العيش و يسوغ له الطعام، و من أيقن بالنار كيف يضحك!فقال سليمان: نغصت علينا ما نحن فيه يا أبا حفص، و من يطيق ما تطيق أنت يا عمر؟أنت و اللََّه الموفق المطيع‏[ (3) ].

ما قال طاووس اليماني لسليمان بمكة

قالوا: إن إبراهيم بن مسلم أخبرهم عن رجاء بن حيوة، أنه نظر إلى طاووس اليماني يصلي في المسجد الحرام، فانصرف رجاء إلى سليمان بن عبد الملك و هو يومئذ بمكة قد حجّ ذلك العام. فقال: إني رأيت طاووس في المسجد، فهل لك أن ترسل إليه؟قال: فأرسل إليه سليمان. فلما أتاه قال رجاء لسليمان: يا أمير المؤمنين، لا تسأله عن شي‏ء حتى يكون هو الّذي يتكلم. فلما [ (1) ]حبرات اليمن: من برود اليمن.

[ (2) ]في حلية الأولياء 5/272 بما فيها.

[ (3) ]الخبر في حلية الأولياء 5/272.

121

قعد طاووس سكت طويلا. ثم قال: ما أول شي‏ء خلق!فقلنا: لا ندري. فقال أوّل شي‏ء خلق: القلم. ثم قال: أ تدرون ما أوّل شي‏ء كتب؟قلنا: لا، قال:

فإن أوّل ما كتب بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم، ثم كتب القدر خيره و شرّه إلى يوم القيامة. ثم قال: أ تعلمون من أبغض الخلق إلى اللََّه؟قلنا: لا، فقال: إن أبغض الخلق إلى اللََّه تعالى عبد أشركه اللََّه في سلطانه، فعمل فيه بمعاصيه، ثم نهض. قال رجاء: فأظلم عليّ البيت، فما زلت خائفا عليه حتى توارى، فرأيت سليمان يحكّ رأسه بيده، حتى خشيت أن تجرح أظفاره لحم رأسه.

ما قال أبو حازم‏[ (1) ]لسليمان‏

قالوا: و إن يحيى بن المغيرة أخبرهم عن عبد الجبار بن عبد العزيز بن أبي حازم، قال: لما حجّ سليمان، و دخل المدينة زائرا لقبر رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم، و معه ابن شهاب الزهري و رجاء بن حيوة، فأقام بها ثلاثة أيام، فقال: أما هاهنا رجل ممن أدرك أصحاب رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم؟ فقيل له: بلى‏هاهنا رجل يقال له أبو حازم، فبعث إليه، فجاءه، و هو أقور[ (2) ] أعرج، فدخل عليه، فوقف منتظرا للإذن. فلما طال عليه الإذن: وضع عصيّته ثم جلس. فلما نظر إليه سليمان: ازدرته عينه. فقال له: يا أبا حازم. ما هذا الجفاء الّذي ظهر منك، و أنت توصف برؤية أصحاب رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم، مع فضل و دين تذكر به؟فقال أبو حازم: و أيّ جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين؟فقال سليمان: إنه أتاني وجوه أهل المدينة و علماؤها و خيارها، و أنت معدود فيهم و لم تأتني. فقال أبو حازم: أعيذك باللََّه أن تقول ما لم يكن، ما جرى بيني و بينك معرفة آتيك عليها. قال سليمان: صدق الشيخ، فقال: يا أبا حازم: ما لنا نكره الموت؟فقال أبو حازم: لأنكم أخربتم آخرتكم، و عمرتم دنياكم، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب. قال سليمان: صدقت يا أبا حازم. فكيف القدوم على الآخرة؟[ (3) ]قال: نعم، أما المحسن‏[ (4) ]فإنه يقدم [ (1) ]هو سلمة بن دينار المخزومي، أبو حازم الأعرج عالم المدينة و قاضيها، كان عابدا زاهدا.

[ (2) ]أقور: أي أعور.

[ (3) ]في مروج الذهب 3/217: على اللََّه.

[ (4) ]العبارة في مروج الذهب: فكالغائب يأتي أهله مسرورا.

122

على الآخرة كالغائب يقدم على أهله من سفر بعيد. و أما قدوم المسي‏ء فكالعبد الآبق‏[ (1) ]، يؤخذ فيشد كتافه، فيؤتى به إلى سيد فظ غليظ، فإن شاء عفا، و إن شاء عذّب. فبكى سليمان بكاء شديدا، و بكى من حوله. ثم قال: ليت شعري ما لنا عند اللََّه يا أبا حازم؟فقال: اعرض نفسك على كتاب اللََّه، فإنك تعلم ما لك عند اللََّه. قال سليمان: يا أبا حازم، و أين أصيب تلك المعرفة في كتاب اللََّه، قال عند قوله تعالى: (إِنَّ اَلْأَبْرََارَ لَفِي نَعِيمٍ، `وَ إِنَّ اَلْفُجََّارَ لَفِي جَحِيمٍ) [الانفطار: 14-13]. قال سليمان: يا أبا حازم، فأين رحمة اللََّه؟قال: رحمة اللََّه قَرِيبٌ مِنَ اَلْمُحْسِنِينَ ، قال سليمان: يا أبا حازم من أعقل الناس؟قال أبو حازم:

أعقل الناس من تعلم العلم و الحكمة و علّمهما الناس. قال سليمان: فمن أحمق الناس؟فقال: من حطّ في هوى رجل و هو ظالم، فباع آخرته بدنيا غيره. قال سليمان: فما أسمع الدعاء؟قال أبو حازم: دعاء المخبتين‏[ (2) ]الخائفين. فقال سليمان: فما أزكى الصدقة عند اللََّه؟قال: جهد المقل‏[ (3) ]. قال: فما تقول فيما ابتلينا به؟قال: أعفنا عن هذا و عن الكلام فيه أصلحك اللََّه، قال سليمان:

نصيحة تلقيها[إلي‏]. فقال: ما أقول‏[ (4) ]في سلطان استولى عنوة بلا مشورة من المؤمنين، و لا اجتماع من المسلمين؟فسفكت فيه الدماء الحرام، و قطعت به الأرحام، و عطلت به الحدود، و نكثت به العهود، و كل ذلك على تنفيذ الطينة[ (5) ]، و الجمع لمتاع الدنيا المشينة، ثم لم يلبثوا أن ارتحلوا عنها، فيا ليت شعري ما تقولون؟و ما ذا يقال لكم؟فقال بعض جلسائه: بئس ما قلت يا أقور، أمير المؤمنين يستقبل بهذا؟فقال أبو حازم: اسكت يا كاذب، فإنما أهلك فرعون هامان، و هامان فرعون، إن اللََّه قد أخذ على العلماء ليبيّننّه للناس و لا يكتمونه، أي لا ينبذونه وراء ظهورهم. قال سليمان: يا أبا حازم كيف لنا أن نصلح ما فسد منا؟فقال: المأخذ في ذلك قريب يسير يا أمير المؤمنين، فاستوى سليمان جالسا من اتكائه. فقال: كيف ذلك؟فقال: تأخذ المال من حله، و تضعه في أهله، و تكفّ الأكفّ عما نهيت، و تمضيها فيما أمرت به. قال سليمان: و من [ (1) ]الآبق: الهارب من سيده.

[ (2) ]في حلية الأولياء 3/235: قال: دعاء المحسن للمحسنين.

[ (3) ]زيد في حلية الأولياء: جهد المقل إلى يد البائس الفقير لا يتبعها منّ و لا أذى.

[ (4) ]في حلية الأولياء: قال: إن آباءك غصبوا الناس هذا الأمر فأخذوه عنوة.

[ (5) ]يريد: الطبيعة الإنسانية التي جبلت بالأنانية و حب السيطرة و السلطة.

123

يطيق ذلك؟فقال أبو حازم: من هرب من النار إلى الجنة، و نبذ سوء العادة إلى خير العبادة. فقال سليمان: أصحبنا يا أبا حازم، و توجه معنا تصب منا و نصب منك. قال أبو حازم: أعوذ باللََّه من ذلك، قال سليمان: و لم يا أبا حازم؟قال:

أخاف أن أركن إلى الذين ظلموا، فيذيقني اللََّه ضعف الحياة، و ضعف المماة[ (1) ].

فقال سليمان: فتزورنا. قال أبو حازم: إنا عهدنا الملوك يأتون العلماء و لم يكن العلماء يأتون الملوك، فصار في ذلك صلاح الفريقين، ثم صرنا الآن في زمان صار العلماء يأتون الملوك، و الملوك تقعد عن العلماء، فصار في ذلك فساد الفريقين جميعا. قال سليمان: فأوصنا يا أبا حازم و أوجز. قال: اتّق اللََّه ألا يراك حيث نهاك، و لا يفقدك من حيث أمرك. قال سليمان: ادع لنا بخير. فقال أبو حازم: اللََّهمّ إن كان سليمان وليك فبشره بخير الدنيا و الآخرة، و إن كان عدوّك فخذ[ (2) ]إلى الخير بناصيته. قال سليمان: زدني. قال: قد أوجزت، فإن كنت وليه فاغتبط، و إن كنت عدوّه فاتعظ، فإن رحمته في الدنيا مباحة، و لا يكتبها في الآخرة إلا لمن اتقى في الدنيا، فلا نفع في قوس ترمى بلا وتر. فقال سليمان:

هات يا غلام ألف دينار، فأتاه بها، فقال: خذها يا أبا حازم. فقال‏[ (3) ]: لا حاجة لي بها، لأني و غيري في هذا المال سواء، فإن سوّيت بيننا و عدلت أخذت، و إلا فلا، لأني أخاف أن يكون ثمنا لما سمعت من كلامي. و إن موسى بن عمران عليه السّلام لما هرب من فرعون ورد ماء مدين، و وجد عليه الجاريتين تذودان‏[ (4) ]. فقال: ما لكما معين؟قالتا: لا، فسقى لهما، ثم تولى إلى الظلّ.

فَقََالَ: رَبِّ إِنِّي لِمََا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ، و لم يسأل اللََّه أجرا. فلما أعجل الجاريتان الانصراف‏[ (5) ]، أنكر ذلك أبوهما. فقال لهما: ما أعجلكما اليوم؟قالتا:

وجدنا رجلا صالحا قويا سقى لنا. قال: ما سمعتماه يقول؟قالتا: تولى إلى الظلّ و هو يقول: (رَبِّ إِنِّي لِمََا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) . فقال ينبغي لهذا أن [ (1) ]زيد في الحلية: ثم لا يكون لي منه نصيرا.

[ (2) ]في الحلية: فخذ بناصيته إلى ما تحب و ترضى.

[ (3) ]العبارة في الحلية: فقال: و اللََّه ما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي؟إني أعيذك باللََّه أن يكون سؤالك إياي هزلا، و ردي عليك بذلا.

[ (4) ]إشارة إلى قوله تعالى: (وَ لَمََّا وَرَدَ مََاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ اَلنََّاسِ يَسْقُونَ وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودََانِ) ، تذودان: أي أن الجاريتين كانتا تمنعان غنمهما من الورود إلى الماء.

[ (5) ]أي أنهما سقيا غنمهما بسرعة على غير عادتهما.

124

يكون جائعا. تنطلق إحداكما له، فتقول له: (إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا) ، فأتته إحداهما تمشي على استحياء، أي على إجلال له، قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا. فجزع موسى من ذلك، و كان طريدا في الفيافي و الصحاري. فقال لها: قولي لأبيك إن الّذي سقى يقول: لا أقبل أجرا على معروف اصطنعته، فانصرفت إلى أبيها فأخبرته. فقال: اذهبي فقولي له:

أنت بالخيار بين قبول ما يعرض عليك أبي و بين تركه، فأقبل، فإنه يحب أن يراك، و يسمع منك، فأقبل و الجارية بين يديه، فهبت الريح فوصفتها له‏[ (1) ]، و كانت ذات خلق كامل. فقال لها: كوني ورائي، و أريني سمت الطريق. فلما بلغ الباب قال: استأذني لنا، فدخلت على أبيها، فقالت: إنه مع قوّته لأمين.

فقال شعيب: و بم علمت ذلك؟فأخبرته ما كان من قوله عند هبوب الريح عليها.

فقال: أدخليه فدخل، فإذا شعيب قد وضع الطعام، فلما سلم رحب به و قال:

أصب من طعامنا يا فتى. فقال موسى: أعوذ باللََّه. قال شعيب: لم؟قال: لأني من بيت قوم لا نبيع ديننا بمل‏ء الأرض ذهبا. قال شعيب: لا و اللََّه ما طعامي لما تظنّ، و لكنه عادتي و عادة آبائي، نقري الضيف، و نطعم الطعام، فجلس موسى فأكل. و هذه الدنانير يا أمير المؤمنين إن كانت ثمنا لما سمعت من كلامي، فإن أكل الميتة و الدم في حال الضرورة، أحبّ إليّ من أن آخذها.

فأعجب سليمان بأمره إعجابا شديدا. فقال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين، إن الناس كلهم مثله. قال: لا. قال الزهري: إنه لجاري منذ ثلاثين سنة، ما كلمته قطّ، فقال أبو حازم: صدقت، لأنك نسيت اللََّه و نسيتني، و لو ذكرت اللََّه لذكرتني. قال الزهري: أ تشتمني؟قال له سليمان: بل أنت شتمت نفسك، أو ما علمت أن للجار على الجار حقا. قال أبو حازم: إن بني إسرائيل لما كانوا على الصواب كانت الأمراء تحتاج إلى العلماء، و كانت العلماء تفرّ بدينها من الأمراء، فلما رئي قوم من أراذل الناس تعلموا العلم، و أتوا به الأمراء، استغنت الأمراء عن العلماء، و اجتمع القوم على المعصية، فسقطوا و هلكوا، و لو كان علماؤنا هؤلاء يصونون علمهم، لكانت الأمراء تهابهم، و تعظمهم. فقال [ (1) ]العبارة في حلية الأولياء: و كانت امرأة ذات عجز فكانت الرياح تصرف ثوبها فتصف لموسى عليه السّلام عجزها فيغفى مرة و يعرض أخرى.

125

الزهري: كأنك إياي تريد، و بي تعرّض؟قال‏[ (1) ]: هو ما تسمع. قال سليمان: يا أبا حازم عظني و أوجز. قال: حلال الدنيا حساب، و حرامها عذاب، و إلى اللََّه المآب فاتق عذابك أودع. قال: لقد أوجزت، فأخبرني ما مالك؟قال: الثقة بعدله، و التوكل على كرمه، و حسن الظنّ به، و الصبر إلى أجله، و اليأس مما في أيدي الناس. قال يا أبا حازم: ارفع إلينا حوائجك؟قال: رفعتها إلى من لا تخذل دونه‏[ (2) ]، فما أعطاني منها قبلت، و ما أمسك عني رضيت، مع أني قد نظرت فوجدت أمر الدنيا يؤول إلى شيئين: أحدهما لي، و الآخر لغيري. فأما ما كان لي، فلو احتلت عليه بكل حيلة ما وصلت إليه قبل أوانه و حينه الّذي قد قدّر لي. و أما الّذي لغيري: فذلك لا أطمع فيه، فكما منعني رزق غيري، كذلك منع غيري رزقي، فعلام أقتل نفسي في الإقبال و الإدبار؟قال سليمان: لا بدّ أن ترفع إلينا حاجة نأمر بقضائها. قال: فتقضيها؟قال: نعم، قال: فلا تعطني شيئا حتى أسألكه، و لا ترسل إليّ حتى آتيك، و إن مرضت فلا تعدني، و إن متّ فلا تشهدني. قال سليمان: أبيت يا أبا حازم أبيت، قال: أ تأذن لي أصلحك اللََّه في القيام، فإنّي شيخ قد زمنت‏[ (3) ]. قال سليمان: يا أبا حازم، مسألة ما تقول فيها؟ قال: إن كان عندي علم أخبرتك به، و إلا فهذا الّذي عن يسارك، يزعم أنه ليس شي‏ء يسأل عنه إلا و عنده له علم، يريد محمدا الزهري، فقال له الزهري:

عائذ باللََّه من شرّك أيها المرء. قال: أما من شرّي فستعفى، و أما من لساني فلا.

قال سليمان: ما تقول في سلام الأئمة من صلاتهم: أ واحدة أم اثنتان، فإن العلماء لدينا قد اختلفوا علينا في ذلك أشدّ الاختلاف؟قال: على الخبير سقطت، أرميك في هذا بخبر شاف:

حدثني عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه سعد، أنه شهد رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم يسلم في الصلاة عن يمينه، حتى يرى بياض خدّه الأيمن، ثم يسلم عن يساره، حتى يرى بياض خدّه الأيسر، سلاما يجهر به. قال عامر: و كان أبي يفعل ذلك.

و أخبرني سهل بن سعد الساعدي: أنه رأى عمر بن الخطاب و ابن عمر [ (1) ]في حلية الأولياء: قال: ما إياك اعتمدت، و لكن هو ما تسمع.

[ (2) ]أي شخت و عجزت.

[ (3) ]في الحلية: رفعت حوائجي إلى من لا يختزن الحوائج. ـ

126

يسلمان من الصلاة كذلك. فقال الزهري: اعلم ما تحدّث به أيها الرجل، فإن الحديث عن رسول اللََّه صعب شديد إلا بالتثبت و اليقين. قال أبو حازم: قد علمته و رويته قبل أن تطلع أضراسك في رأسك. فالتفت الزهري إلى سليمان قال: أصلحك اللََّه. إن هذا الحديث ما سمعت به من حديث رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم قط، فضحك أبو حازم، ثم قال: يا زهري، أحطت بحديث رسول اللََّه كله؟قال: لا. قال: فثلاثة أرباعه؟قال: لا، قال: فثلثه؟فقال:

أراني ذلك قد رويت و بلغني. فقال أبو حازم: فهذا من الثلث الّذي لم يبلغك، و بقي عليك سماعه. فقال سليمان: ما ظلمك من حاجّك، ثم قام مأذونا له.

فأتبعه سليمان بصره، ينظر إليه، و يعجب به. ثم التفت إلى جلسائه فقال: ما كنت أظن بقي في الدنيا مثل هذا. قال: ثم انصرف سليمان من الحجّ قافلا إلى الشام.

و ذكروا[ (1) ]أن غلمانا لسليمان نازعوا غلمانا لعمر بن عبد العزيز، فتعدّى غلمان عمر على غلمان سليمان، فرفع ذلك إلى سليمان، و أغرى بعمر. فقال له سليمان: ألا تنصف غلماني، و هو كالمغضب مما فعل بهم؟فقال عمر: ما علمت هذا قبل هذا الوقت، و ما سمعت هذا إلا في مقامي هذا. فقال سليمان:

كذبت لقد علمته. فقال عمر: كذبت و اللََّه ما كذبت و لا تعمدت كذبا منذ شددت مئزري على نفسي، و إن في الأرض عن مجلسك لسعة ثم خرج عمر، فتجهز و هو يريد مصر ليسكنها، فبلغ ذلك سليمان، فندم على ما كان من قوله، و أرسل إليه أن لا يبرح‏[ (2) ]، و أمر رجلا يقول له: لا تعاقب أمير المؤمنين على قوله، و لا تذكر له هذا، فترك عمر الخروج و جلس، و أقلّ الاختلاف إلى سليمان.

ذكر وفاة سليمان و استخلافه عمر بن عبد العزيز

قال: و ذكروا أن خالد بن أبي عمران أخبرهم، و كان قد أدرك القوم، قال:

مرض سليمان مرضه الّذي مات فيه، و ذلك في شهر صفر سنة تسع و تسعين، [ (1) ]الخبر في العقد الفريد 4/430 باختلاف و اختصار.

[ (2) ]العبارة في العقد: فدخل (عمر) عليه، فقال له: يا بن عمي، إن المعاتبة تشق عليّ، و لكن و اللََّه ما أهمني أمر قط من ديني و دنياي إلا كنت أول من أذكره لك. (و انظر سيرة عمر لابن عبد الحكم ص 28) .

127

فدخل عليه عمر بن عبد العزيز عائدا، فدعا سليمان بنين له صغارا، فقلدهم السيوف، فوقعوا في الأرض. فقال سليمان: قد أفلح من كان له بنون كبار[ (1) ].

فقال عمر: ليس هكذا قال اللََّه. فقال سليمان: و كيف قال اللََّه؟فقال عمر: قال اللََّه تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكََّى، `وَ ذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلََّى) [الأعلى: 24-25]، فقال سليمان: إني أريد أن أعهد إليك، و أوليك أمور الناس بعدي. فقال عمر:

لا حاجة لي بذلك. فقال سليمان: و لم ذلك؟فقال: لأني لا أريد أخذ أموالهم، فإذا لم أرد أخذ أموالهم، فما الّذي يدعوني إلى ضرب ظهورهم؟فقال سليمان:

لا بدّ من هذا. فقال عمر: و لم ذلك؟و لك في ولد عبد الملك سعة، فأعفني من هذا يعف اللََّه عنك. فقال له سليمان: و اللََّه لا أوليها غيرك بعدي. فقال عمر:

و ما الّذي يدعوك إلى هذا؟فقال سليمان: إني رأيت في منامي قائلا يقول لي:

إن عمر بن عبد العزيز لك جنة و وقاية و جسر تتخطاه. فأوّلت ذلك-إن شاء اللََّه- أن أوليك الأمر من بعدي، لتكون توليتي لك جنة من النار، و جسرا أركبه، لأنجو عليه من عذاب يوم القيامة ثم ليزيد بعدك‏[ (2) ]، فإنه أرشد ولد عبد الملك. فقال عمر: إن هذا الأمر لا يسعني بيني و بين اللََّه عزّ و جلّ، أن أتقدم على أمة محمد، و فيهم خير مني. فقال سليمان: أما في آل أمية و عبد شمس فلا أعلم خيرا منك. فقال عمر: إن لم يكن في آل أمية و عبد شمس خير مني بقولك، ففي آله عبد مناف و آل هاشم من هو خير مني. فقال سليمان: لا، فقال عمر: ففي آل تيم و عدي خير مني، و مل‏ء الأرض مثلي. فقال سليمان: إنما تريد القاسم و سالما؟[ (3) ]قال: نعم، إياهما أردت. فقال سليمان: رجلان صالحان ذكرت، و لكنهما ليسا للملك، و لا الملك لهما، و لا من معدن الملك هما، مع أنه ليس بزمان خلافة، و لا أيام يملك فيها مثل القاسم و سالم، إنما هو زمان ملك و سيف و إنما هي ذئاب تعدو ليست على غنم تؤمن. فقال عمر: اللََّه المعين، المصلح [ (1) ]العبارة في العقد الفريد 4/430 (قال رجزا) :

إن بنيّ صبية صغار # أفلح من كان له كبار

[ (2) ]ذكر رجاء بن حيوة أن سليمان بن عبد الملك استشاره إلى من يعهد، قال رجاء: فقلت: إلى عمر بن عبد العزيز، قال: كيف نصنع بوصية أمير المؤمنين بابني عاتكة، من كان منهما حيا؟ قلت: تجعل الأمر بعده ليزيد. قال: صدقت. (العقد الفريد 4/430 و انظر الطبري 6/550) .

[ (3) ]يريد القاسم بن محمد بن أبي بكر، و سالم بن عبد اللََّه بن عمر.

128

لمن أراده. فسكت سليمان، و ظن أن عمر رضي بما قال له، ثم دعا سليمان بصحيفة ثم كتب و يده ترتعش من شدة العلة، لا يعلم أحد بما يخط، فكتب عهد عمر، ثم من بعد عمر ليزيد، ثم ختم عليه بيده، متحاملا لذلك، و عمر لا يشك أن الأمر فيه قد صار لغيره، ثم دعا سليمان برجاء بن حيوة، فقال له: خذ هذا الكتاب فإنه عهدي، فاجمع إليه قريشا، و أمراء الأجناد، و أعلمهم أنه عهدي، و أن من كان اسمه في كتابي هذا فهو الخليفة بعدي، فمن نزع عن ذلك و أباه، فالسيف السيف، و القتل القتل، ثم رفع سليمان يديه إلى السماء فقال: اللََّهمّ إن ذنوبي قد عظمت و جلت، و هي صغيرة يسيرة في جنب عفوك، فاعف عني يا من لا تضرّه الذنوب، و لا تنقصه المغفرة، اعف عني ما بيني و بينك من الذنوب، و احمل عني ما بيني و بين خلقك، و أرضهم بما شئت، يا أرحم الراحمين. اللََّهمّ إن كنت تعلم مني و تطلّع من ضميري، أني إنما أردت بعهدي هذا و توليتي من وليت فيه وجهك و رضاك فاغفر لي و ارحمني. ثم تخلخل لسانه، فلم يقو على الكلام من ثقل العلة، ثم سكت و أغمي عليه. قال رجاء: فخرجت و عمر معي. فقلت له: ما أراك إلا صاحب الأمر، فقال عمر: ما أحسب ذلك. فقلت: و من عسى أن يكون في آل مروان من يريد سليمان توليته غيرك؟فقال عمر: ما أراه عهد إلا لأحد الرجلين: القاسم أو سالم. قال رجاء:

فقلت له: أسمعت ذلك منه؟فقال عمر ما سمعته، و لكن دار بيني و بينه كلام آنفا قبل دخلتك، لا أشكّ أنه أراد أحدهما. قال رجاء: فقلت: و اللََّه هذا الاختلاف في أمة محمد، و الفتن الظاهرة القاصمة للظهور، المفنية للأنفس. فقال عمر:

و لم ذلك؟فقال رجاء: لأن قريشا و نحوها لا ترضى بهذا، و لا تصير إليه، و لا آل أمية و عبد شمس حيث كانت من الأرض. فقال عمر: إن الأمر للََّه من قبل و من بعد، يؤتي الملك من يشاء، فقال رجاء: فخرجت إلى الناس و أعلمتهم بعهد أمير المؤمنين. فقالوا: سمعا و طاعة[ (1) ]، ثم أعلمتهم بابتهاله و رغبته إلى اللََّه، و ما قال، فلم يشكّ الناس أن عمر بن عبد العزيز صاحبهم، فأرادوا أن يسلموا عليه [ (1) ]في الطبري و ابن الأثير: أن سليمان أمر كعب بن حامد العبسيّ صاحب شرطته أن يدعو أهل بيته، ثم أمر رجاء بعد اجتماعهم أن يخبرهم و يأمرهم بالمبايعة بعد سليمان لمن ذكره و عهد إليه في كتابه. ثم دخلوا على سليمان فطلب إليهم أن يبايعوا لمن سمي في الكتاب فبايعوه رجلا رجلا. (و انظر البداية و النهاية 9/206) .

129

بالخلافة، و ذلك لما أيقنوا بهلاك سليمان. فقلت لهم: لا تعجلوا فإن عمر قال لي: أرى سليمان ما أراد إلا القاسم أو سالما، و هذا أفطن مني بهذا الأمر لأنه كان حاضرا، و سليمان يكتب العهد بيده، فضجّ الناس من ذلك و اختلفوا. فقالت فرقة: سمعنا و أطعنا، لمن استخلف علينا، كان من كان. و قالت فرقة: لا، و اللََّه لا نقرّ بهذا، و لا نطيعه، و لا يستخلف علينا إلا مرواني، و لا تبقى منا عين تطرف في الدنيا. فقال رجاء لعمر: كيف ترى قولي، و اللََّه لئن كان هذا إنه لهو البلاء المبين، و إنها الفتنة قد فتح بابها. فقال عمر: أرجو اللََّه أن يغلقه إن شاء اللََّه.

قال رجاء: فقلت لعمر: ما نحن صانعون إن كان هذا؟فقال عمر: لا أدري ما أقول في موقفي هذا. قال رجاء: و لم؟فقال عمر: لأني و اللََّه ما وقفت موقفا قط، لا رأي لي فيه و لا بصيرة، إلا موقفي هذا، فإنّي قد أجدني قد ذهب روعي‏[ (1) ]، و فقدت رأيي، و لا أدري ما أستقبل من أمري، و لا ما أستدبر، و لو استطعت الفرار لفررت من موضعي هذا، حيث لا أدرك و لا أرى. قال رجاء:

فلما قاولني بهذا علمت أنه للذي قال من فقده لرأيه و بصيرته. قال رجاء: فقلت له: يا أبا حفص، فأين نحن من المفزع إلى اللََّه، و الرغبة في الصلاح علينا و على المسلمين، و يعزم لنا على ما فيه الخير و الخيرة؟فقال عمر: بلى و اللََّه هذا الملجأ و هذا الحصن الحصين و المعقل الشديد. قال رجاء: فبتنا ليلتنا لا نألو على أنفسنا في الدعاء، و الاستخارة للََّه، فلما أصبحنا قلت لعمر: ما ترى يا أبا حفص؟فقال: أرى أن أسمع و أطيع لمن في هذا الكتاب فإن كان أحد الرجلين قدم سمعت له و أطعت، و رددت من أدبر عنه بمن أقبل عليه حتى أموت. قال فبينما هما كذلك إذ أقبل وصيف يسعى إليهما يقول: قد قضى أمير المؤمنين نحبه، فخرجا، فإذا بالعويل و النوح، فرجعا إلى المسجد ترعد فرائصهما، و الناس يسلمون على عمر بالخلافة و هو يقول: لست به، حتى دخل المسجد، و قد اجتمع الناس، و هم مستعدون للفتنة و القتال، إن خالف العهد ما يريدون.

فقام رجاء إلى جانب المنبر: فحمد اللََّه، و حض الناس على الطاعة، و لزوم الجماعة، و أعلمهم بما في الفرقة و الاختلاف، من ذهاب الدين و الدنيا، ثم أخرج العهد، ففضه بمحضر منهم، ثم قرأه عليهم. فإذا فيه‏[ (2) ]: بسم اللََّه [ (1) ]الروع: بضم الراء، القلب، أي ذهب عقلي.

[ (2) ]نسخة كتاب العهد باختصار في الطبري 6/551 ابن الأثير 3/252 البداية و النهاية 9/206

130

الرحمن الرحيم هذا ما عهد به عبد اللََّه سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين، و خليفة المسلمين عهد أنه يشهد للََّه بالربوبية و الوحدانية، و أن محمدا عبده و رسوله، بعثه إلى محسني عباده بشيرا، و إلى مذنبيهم نذيرا، و أن الجنة حق، و أن النار حق مخلوقتان، خلق الجنة رحمة[ (1) ]لمن أطاعه، و النار عذابا لمن عصاه‏[ (2) ]، و أوجب العفو لمن عفا عنه، و أن إبليس في النار، و أن سليمان مقر على نفسه بما يعلم اللََّه من ذنوبه‏[و بما تعلمه نفسه من معصية ربه‏]، موجب على نفسه استحقاق ما خلق من النقمة راج لما وعد من الرحمة[و وعد من العفو]و المغفرة، و أن المقادير كلها خيرها و شرها من اللََّه‏[ (3) ]، و أنه هو الهادي و هو الفاتن، لم يستطع أحد لمن خلق اللََّه لرحمته غواية، و لا لمن خلق لعذابه هداية، و أن الفتنة في القبور بالسؤال عن دينه و نبيه الّذي أرسل إلى أمته حق يقين، لا منجي لمن خرج من الدنيا إلى الآخر من هذه المسألة[إلا لمن استثناه عز و جل في علمه‏]. و سليمان يسأل اللََّه بواسع فضله و عظيم منه، الثبات على الحق عند تلك المسألة، و النجاة من أهوال تلك الفتنة، و أن الميزان حق يقين، يضع الموازين القسط ليوم القيامة، فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوََازِينُهُ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ ، و من خفت موازينه‏[يومئذ]فأولئك هم الخاسرون، و أن حوض محمد صلّى اللََّه عليه و سلم يوم الحشر و الموقف حق، عدد آنيته كنجوم السماء، من شرب منه لم يظمأ أبدا. و سليمان يسأل اللََّه برحمته أن لا يرده عنه عطشان. و أن أبا بكر و عمر خير هذه الأمة، بعد نبينا صلّى اللََّه عليه و سلم، و اللََّه يعلم بعدهما حيث الخير، و فيمن الخير من هذه الأمة، و أن هذه الشهادة المذكورة في عهده هذا، يعلمها[اللََّه‏]من سره و إعلانه، و عقد ضميره، و أن بها عبد ربه في سالف أيامه، و ماضي عمره، و عليها أتاه يقين ربه، و توفاه أجله، و عليها يبعث بعد الموت إن شاء اللََّه، و أن سليمان كانت له بين هذه الشهادة بلايا و سيئات، لم يكن له عنها محيص‏[ (4) ]، و لا دونها مقصر بالقدر السابق و العلم النافذ في محكم الوحي، فإن يعف و يصفح، فذلك ما عرف منه قديما، و نسب إليه حديثا، و تلك [ () ] و في صبح الأعشى نسخة كتاب العهد نقلا عن المؤلف 9/360.

[ (1) ]في صبح الأعشى: رحمة و جزاء.

[ (2) ]في الصبح: و النار نقمة و جزاء لمن عصاه.

[ (3) ]راجع العبارة في الصبح.

[ (4) ]في الصبح: محيد.

131

الصفة التي وصف بها نفسه في كتابه الصادق، و كلامه الناطق، و إن يعاقب و ينتقم فيما قدمت يداه، و ما اللََّه بظلام للعبيد، و إني أحرج على من قرأ عهدي، و سمع ما فيه من حكمه، أن ينتهي إليه في أمره و نهيه، باللََّه العظيم و بمحمد صلّى اللََّه عليه و سلم، و أن يدع الإحن‏[ (1) ]، و يأخذ بالمكارم، و يرفع يديه إلى السماء بالابتهال الصحيح‏[ (2) ]، و الدعاء[الصحيح، و الصفح‏]الصريح، يسأله العفو عني، و المغفرة لي، و النجاة من فزعي، و المسألة في قبري، لعل الودود، أن يجعل منكم مجاب الدعوة بما[منّ اللََّه‏]عليّ من صفحه يعود إن شاء اللََّه. و إن وليّ عهدي فيكم، و صاحب أمري بعد موتي‏[في جنده و رعيته و خاصته و عامته‏][ (3) ]، في كل من استخلفني اللََّه عليه، الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز ابن عمي لما بلوت من باطن أمره و ظاهره، و رجوت اللََّه بذلك و أردت رضاه و رحمته إن شاء اللََّه، ثم ليزيد بن عبد الملك من بعده، فإنّي ما رأيت منه إلا خيرا، و لا اطلعت له على مكروه، و صغار ولدي و كبارهم إلى عمر، إذ رجوت ألا يألوهم رشدا و صلاحا، و اللََّه خليفتي عليهم‏[و على جماعة المؤمنين و المسلمين‏]، و هو أرحم الراحمين، و أقرأ عليكم السلام و رحمة اللََّه.

و من أبى عهدي هذا و خالف أمري فالسيف، و رجوت أن لا يخالفه أحد، و من خالفه فهو ضال مضل يستعتب‏[ (4) ]فإن أعتب، و إلا فالسيف، و اللََّه المستعان و لا حول و لا قوّة إلا باللََّه القديم الإحسان‏[ (5) ].

أيام عمر بن عبد العزيز

قال: و ذكروا عن خالد بن أبي عمران أنه قال: إني لحاضر يوم قرئ عهد سليمان في المسجد بدمشق‏[ (6) ]على الناس، فما رأيت يوما أكثر باكيا و لا داعيا له [ (1) ]الإحن: الضغائن و الأحقاد.

[ (2) ]في الصبح: بالضمير النضوح.

[ (3) ]زيادة عن الصبح، و هذه الفقرة في الصبح استعمل فيها ضمير الغائب بدل المتكلم كما هو في الأصل.

[ (4) ]يستعتب أي يراجع و يعاتب حتى يرجع عما هو فيه.

[ (5) ]ما ورد بين معكوفتين في الكتاب زيادة عن نسخته في صبح الأعشى.

[ (6) ]في مصادر ترجمته أنه مات و دفن بدابق من أرض قنسرين (الطبري-ابن الأثير-البداية و النهاية-مروج الذهب) .

132

بالرحمة من ذلك اليوم، فلم يبق محب و لا مبغض و لا خارجي و لا حروري‏[ (1) ]إلا أخذ اللََّه له بقلوبهم، و ابتهلوا بالدعاء و أخلصوا له بالسؤال بالعفو من اللََّه، و رضي الناس أجمعون فعله، قال خالد: ثم بايع الناس لعمر في المسجد بيعة تامة جامعة طيبة بها النفوس، لا يشوبها غش، و لا يخالطها دنس، قال خالد:

و سمعت رجاء يقول لما تمت البيعة: إني مهما شككت في شي‏ء فإنّي لم أشك يوم البيعة لعمر بالنجاة، و الرحمة لسليمان إن شاء اللََّه، و استفتح عمر ولايته ببيع أموال سليمان، و رباعه‏[ (2) ]و كسوته، و جميع ما كان يملكه، فبلغ ذلك أربعة و عشرين ألف دينار، فجمع ذلك كله، و جعله في بيت المال، ثم دخل على زوجته فاطمة ابنة عبد الملك، قال لها: يا فاطمة، فقالت: لبيك يا أمير المؤمنين، فجعل يبكي، و كان لها محبا، و بها كلفا، ثم استفاق من بكائه، فقال لها:

اختاريني، أو اختاري الثوب الّذي عمل لك أبوك، و كان قد عمل لها أبوها عبد الملك ثوبا منسوجا بالذهب، منظوما بالدرّ و الياقوت، أنفق عليه مائة ألف دينار. فقال لها: إن اخترتني فإنّي آخذ الثوب فأجعله في بيت المال، و إن اخترت الثوب، فلست لك بصاحب. فقال: أعوذ باللََّه يا أمير المؤمنين من فراقك، لا حاجة لي بالثوب. فقال عمر: و أنا أفعل بكل خصلة، أجعل الثوب في آخر بيت المال، و أنفق ما دونه، فإن وصلت إليه أنفقته في مصالح المسلمين، و إنما هو من أول المسلمين أنفقت فيه، و إن بقي الثوب و لم أحتج إليه، فلعل أن يأتي بعدي من يرده إليك. قالت: افعل يا أمير المؤمنين ما بدا لك. ثم دخل عليه، ابنه، و عليه قميص تذعذع. فقال له عمر: ارفع قميصك يا بنيّ، فو اللََّه ما كنت قط بأحوج إليه منك اليوم.

ذكر قدوم جرير بن الخطفي على عمر بن عبد العزيز

قال: و ذكروا عن عبد الأعلى بن أبي المشاور، أنه أخبرهم قال: قدم جرير شاعر أهل العراق و أهل الحجاز على عمر، أول ما استخلف، فأطال المقام ببابه، لا يصل إليه حتى قدم عليه عون بن عبد اللََّه الهذلي‏[ (3) ]، و كان من عباد [ (1) ]نسبة إلى خوارج حروراء. (بلد) .

[ (2) ]الرباع جمع ربع، الفصيل الّذي ينتج في الربيع.

[ (3) ]يريد عون بن عبد اللََّه بن عتبة بن مسعود.

133

الناس و خيارهم، و عليه جبة صوف و عمامة صوف قد أسدلها خلفه، فجعل يتخطى رقاب الناس من قريش، بني أمية و غيرهم، لا يمنع و لا يحجب هو و مثله من أكابر الناس و خيارهم، و فضلاء العباد، و قريش لا يصلون و لا يدخلون فلما خرج عون بن عبد اللََّه، اتبعه جرير بن الخطفي و هو يقول:

يا أيها الرجل‏[ (1) ]المرخي عمامته # هذا زمانك إني قد مضى زمني

أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه # أني لدى الباب كالمصفود في قرن

فاحلل صفادي‏[ (2) ]فقد طال المقام به # و شطت‏[ (3) ]الدار عن أهلي و عن وطني‏

قال: فضمن له عون ابن عبد الأعلى أن يدخله عليه. فلما دخل على عمر قال: يا أمير المؤمنين، هذا جرير بن الخطفي بالباب، يريد الإذن. فقال عمر:

ما كنت أرى أحدا يحجب عني. قال: إنه يريد إذنا خاصا. قال له عمر: أله عن ذكره، ثم حدثه طويلا، ثم قال: يا أمير المؤمنين إن جريرا بالباب: فقال: أله عن ذكره. قال: إذا لا أسلم من لسانه. فقال عمر: أما إذ قد بلغ منك خوف لسانه ما أرى فأذن له. فدخل جرير. فلما كان قيد رمح أو رمحين و عمر منكس رأسه قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللََّه، ثم قال: إن الخلفاء كانت تتعاهدني فيما مضى بجوائز و صلات، و قد أصبحت إلى ذلك منك محتاجا. ثم أنشأ يقول:

قد طال قولي إذا ما قمت مبتهلا # يا رب أصلح قوام الدين و البشر

إنا لنرجو إذ ما الغيث أخلفنا # من الخليفة ما نرجو من المطر

أ أذكر الجهد و البلوى التي نزلت # أم قد كفاني ما بلّغت من خبر[ (4) ]

ما زلت بعدك في‏[ (5) ]هم يؤرقني # قد طال في الحي إصعادي و منحدري

لا ينفع الحاضر المجهود بادية # و لا يعود[ (6) ]لنا باد على حضر

كم باليمامة[ (7) ]من شعثاء أرملة # و من يتيم ضعيف الصوت و النظر

[ (1) ]في الأغاني 8/47: يا أيها القاري.

[ (2) ]صفادي: تقييدي.

[ (3) ]شطت الدار: بعدت.

[ (4) ]في الأغاني: أم نكتفي بالذي بلّغت من خبري.

[ (5) ]في الأغاني: في دار تعرقني قد طال بعدك...

[ (6) ]في الأغاني: و لا يجود..

[ (7) ]في الأغاني: كم بالمواسم.

134

يدعوك دعوة ملهوف كأن به # مسا من الجن أو مسا من البشر[ (1) ]

فإن تدعهم فمن يرجون بعدكم # أو تنج منها فقد أنجيت من ضرر

هذي الأرامل قد قضيت حاجتها # فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر

خليفة اللََّه ما ذا تأمرون بنا # لسنا إليكم و لا في دار منتظر

أنت المبارك و المهديّ سيرته # تعصى الهوى و تقوم اللّيل بالسّور

قال: فبكى عمر، و هملت عيناه، و قال: ارفع حاجتك إلينا يا جرير. قال جرير: ما عودتني الخلفاء قبلك. قال: و ما ذلك؟قال: أربعة آلاف دينار[ (2) ]، و توابعها من الحملان و الكسوة. قال عمر: أمن أبناء المهاجرين أنت؟قال: لا.

قال: أ فمن أبناء الأنصار أنت؟قال: لا. قال: أ فقير أنت من فقراء المسلمين؟ قال: نعم. قال: فأكتب لك إلى عامل بلدك، أن يجري عليك ما يجري على فقير من فقرائهم. قال جرير: أنا أرفع من هذه الطبقة يا أمير المؤمنين. قال:

فانصرف جرير. فقال عمر: ردوه عليّ. فلما رجع قال له عمر: قد بقيت خصلة أخرى، عندي نفقة و كسوة أعطيك بعضها، ثم وصله بأربعة دنانير. فقال: و أين تقع مني هذه يا أمير المؤمنين؟فقال عمر: إنها و اللََّه لمن خالص مالي، و لقد أجهدت لك نفسي. فقال جرير: و اللََّه يا أمير المؤمنين إنها لأحب مال كسبته.

ثم خرج، فلقيه الناس فقالوا له: ما وراءك؟قال: جئتكم من عند خليفة يعطي الفقراء، و يمنع الشعراء و إني عنه لراض‏[ (3) ].

دخول الخوارج على عمر بن عبد العزيز

قال: و ذكروا أن ابن حنظلة[ (4) ]أخبرهم قال: بعثني و عون بن عبد اللََّه عمر بن عبد العزيز إلى خوارج خرجت عليه بالحيرة، رأسهم رجل من بني شيبان يقال له شوذب، و كتب معنا كتابا إليهم، فقدمنا عليهم، فبعثوا معنا إليه رجلين [ (1) ]في ديوانه و الأغاني: «من النشر» و النشر جمع نشرة و هي رقية يعالج بها المجنون أو المريض.

[ (2) ]في الأغاني: درهم.

[ (3) ]الخبر في الأغاني باختلاف و زيادة و حلية الأولياء 5/327-328.

[ (4) ]هو محمد بن الزبير الحنظليّ. و الخبر في مروج الذهب 3/233 ابن الأثير 3/257 سيرة ابن عبد الحكم ص 112 العقد الفريد 2/401. و الطبري 8/132. ـ

135

أحدهما من العرب‏[ (1) ]، فأتينا بهما عمر، فدخلنا عليه و تركناهما بالباب. فقلنا له:

إنا قد بلغنا عنك، و قد بعثوا معنا رجلين هما بالباب. قال: فتشوهما لا يكون معهما حديد أو شي‏ء، ففعلنا، ثم إننا أدخلناهما عليه. فلما دخلا قالا: السلام عليكم. قال: و عليكم السلام، اجلسا. فلما جلسا قال لهما عمر: ما الّذي أخرجكم علينا؟فقال العربيّ، و كان أشدهما كلاما، و أتمهما عقلا، أما إنا لم ننكر عليك عدلك و لا سيرتك، و لكن بيننا و بينك أمر، هو الّذي يجمع و يفرق بيننا، فإن أعطيتناه فنحن منك و أنت منا، و إن لم تعطنا فلسنا منك و لست منا.

فقال عمر: فما هو؟فقال: خالفت أهل بيتك، و سميتهم الظلمة، و سميت أعمالهم المظالم، فإن زعمت أنك على الحق و أنهم على الباطل، فالعنهم و تبرأ منهم. فقال عمر: إنكم لم تتركوا الأهل و العشائر و تعرضتم للقتال إلا و أنتم في أنفسكم مصيبون، و لكنكم أخطأتم و ضللتم، و تركتم الحق. أخبراني عن الدين، أ واحد أو اثنان؟قالا: لا بل واحد. قال: أ فيسعكم في دينكم شي‏ء يعجز عني؟قالا: لا. قال: فأخبراني عن أبي بكر و عمر ما حالهما عندكم؟ قالا: أفضل الناس أبو بكر و عمر. قال: أ لستما تعلمان أن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم لما توفي ارتدت العرب، فقاتلهم أبو بكر، فقتل الرجال، و سبى النساء و الذرية؟قالا: بلى. قال عمر: فلما توفي أبو بكر و قام عمر، ورد تلك النساء و الذراريّ إلى عشائرهما، فهل تبرأ عمر من أبي بكر، و لعنه بخلافه إياه؟ قالا: لا. قال: فتتولونهما على خلاف سيرتهما. قالا: نعم. قال عمر: فما تقولان في بلال بن مرداس؟[ (2) ]قالا: من خير أسلافنا. قال: أ فليس قد علمتم أنه لم يزل كافا عن الدماء و الأموال و قد لطخ أصحابه أيديهم فيها، فهل تبرأت إحدى الطائفتين من الأخرى، أو لعنت إحداهما الأخرى؟قالا: لا. قال:

فتتولونهما على خلاف سيرتهما. قالا: نعم. قال عمر: فأخبراني عن عبد اللََّه بن وهب حين خرج بأصحابه من البصرة يريدون أصحابهم، فمرّوا بعبد اللََّه بن خباب فقتلوه، و بقروا بطن جاريته، ثم عدوا على قوم من بني قطيفة، فقتلوا [ (1) ]في مروج الذهب: «أحدهما من بني شيبان و الآخر فيه حبشية» و في الطبري و ابن الأثير:

مولى لبني شيبان حبشيا اسمه عاصم، و رجلا من بني يشكر و (في الطبري: من صليبة بني يشكر) .

[ (2) ]في المصادر المذكورة: أهل النهروان بدل بلال بن مرداس.

136

الرجال، و أخذوا الأموال و غلوا الأطفال في المراجل، ثم قدموا على أصحابهم من الكوفة و هم كافون عن الدماء و الفروج و الأموال، هل تبرأت إحدى الطائفتين من الأخرى، أو لعنت إحداهما الأخرى، قالا: لا. قال: فتتولونهما على خلاف سيرتهما. قالا: نعم. فقال عمر: فهؤلاء الذين اختلفوا بينهم في السيرة و الأحكام لم يتبرأ بعضهم من بعض، و لا لعن بعضهم بعضا، و أنتم تتولونهم على خلاف سيرتهم فهل وسعكم في دينكم ذلك، و لا يسعني حين خالفت أهل بيتي في الأحكام و السيرة حتى ألعنهم و أتبرأ منهم؟أخبراني عن اللعن: فرض على العبادة؟قالا: نعم. فقال عمر: متى عهدك بلعن فرعون؟قال: ما لي به من عهد منذ زمان. قال عمر: هذا رأس من رءوس الكفار ليس لك عهد بلعنه منذ زمان، و أنا لا يسعني أن ألعن من خالفتهم من أهل بيتي، أ لستم أنتم الذين تؤمّنون من كان رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم يخيفه، و تخيفون من كان رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم يؤمّنه؟فقالا: نبرأ إلى اللََّه تعالى من هذه الصفة.

فقال: بلى فسأخبركما عن ذلك، أ لستما تعلمان أن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم خرج و الناس أهل كفر، فدعاهم أن يقروا باللََّه و رسوله، فمن أبى قاتله و خوّفه، و من أقرّ بهما أمنه و كف عنه، و أنتم اليوم من مرّ بكم يقرّ بهما قتلتموه، و من لم يقرّ بهما أمنتموه و خليتم سبيله، فقال العربيّ‏[ (1) ]: تاللََّه ما رأيت حجيجا[ (2) ]أقرب مأخذا، و لا أوضح منهاجا منك، أشهد أنك على الحق، و أنا على الباطل. و قال الآخر: لقد قلت قولا حسنا، و ما كنت لأفتات على أصحابي حتى ألقاهم‏[ (3) ]فلحق بأصحابه، و أقام الآخر عند عمر، فأجرى عليه العطاء و الرزق حتى مات عنده‏[ (4) ].

[ (1) ]يريد مولى بني شيبان و اسمه عاصم (أو الّذي فيه حبشية) .

[ (2) ]أي قوي الحجة.

[ (3) ]زيد في مروج الذهب: حتى أعرض قولك عليهم فانظر ما حجتهم.

[ (4) ]قيل انه بقي خمسة عشر يوما ثم مات. أما الآخر فقد لحق بأصحابه و قتل معهم بعد موت عمر.

قارن الخبر مع المصادر المذكورة، ففيه اختلاف و زيادة و نقصان فيما بينها، و بينها و بين الأصل. أعرضنا عن ملاحظة الفروقات بين النصوص للاختصار فارجع إليها.

137

وفاة عمر بن عبد العزيز

قال: و ذكروا أن عبد الرحمن بن يزيد أخبرهم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى ابن أبي زكريا[ (1) ]، أما بعد: فإذا نظرت في كتابي فأقدم: فقدم عليه فقال:

مرحبا بابن أبي زكريا. قال: و بك يا أمير المؤمنين. قال: حاجة لي قبلك. قال:

بين الأنف و العين حاجتك يا أمير المؤمنين، إن قدرت عليها. قال: لست أكلفك إلا ما تقدر عليه. قال: نعم، قال: أحب أن تثني على اللََّه بمبلغ علمك، حتى إذا فرغت سألت اللََّه أن يقبض عمر. فقال: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ ، بئس وافد أمة محمد أنا، هذا لا يحل لي. قال: فإنّي أعزم عليك بحق اللََّه و بحق رسوله، و بحقي إن كان لي عليك حق إلا ما فعلته، فبكى ثم استرجع، ثم أقبل يثني على اللََّه و إنه ليبكي حتى إذا فراغ قال: اللََّهمّ إن عمر سألني بحقك و بحق رسولك و بحقه عليّ أن أدعو في قبضه إليك، فاقبض عمر إليك كما سأل و لا تبقني بعده، و جاء حينئذ بنيّ لعمر فسقط في حجره، فقال: و هذا أي ربي معنا فإنّي أحبه. قال: فما كانوا إلا كخرزات في خط فانقطع الخيط، فأتبع بعضها بالسقوط بعضا.

ذكر رؤيا عمر بن عبد العزيز

قال: و ذكروا عن مزاحم مولى عمر قال: أخبرتني فاطمة ابنة عبد الملك امرأة عمر قالت: كان لعمر بن عبد العزيز مكان يخلو فيه، فأبطأ عليّ ذات ليلة، فقلت لآتينّه، فوجدته نائما، فهبته أن أوقظه، فما لبث إلا قليلا حتى رفع رأسه فقال: من هذا؟فقلت: أنا فاطمة. فقال: يا فاطمة لقد رأيت رؤيا ما رأيت أحسن منها. فقلت: حدثني بها يا أمير المؤمنين. قال: رأيت كأني في أرض خضراء لم أر أحسن منها، و رأيت في تلك الأرض قصرا من زبرجد، و رأيت جميع الخلائق حول ذلك القصر، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي. فقال: أين محمد بن عبد اللََّه بن عبد المطلب؟فقام النبي عليه الصلاة و السلام فدخل القصر، فقلت: سبحان اللََّه، أنا في جمع فيهم رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم و لم أسلم عليه، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى: أين أبو [ (1) ]قارن مع سيرة ابن عبد الحكم ص 99 و فيه اختلاف.

138

بكر بن أبي قحافة؟فقام أبو بكر فدخل، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى: أين عمر بن الخطاب، أين الفاروق؟فقام عمر فدخل، فقلت: سبحان اللََّه، أنا في ملأ فيهم جدّي لم أسلم عليه، فما لبثت إلا يسيرا حتى خرج المنادي‏فقال: أين عثمان بن عفان؟فقام عثمان فدخل، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى: أين عليّ بن أبي طالب؟فقام فدخل، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى: أين عمر بن عبد العزيز. قال: فقمت فدخلت، فلما صرت في القصر رأيت النبي صلّى اللََّه عليه و سلم، و أبا بكر عن يمينه، و عمر عن شماله، و عثمان و عليا أمامه. فقلت: أين أقعد؟لا أقعد إلا إلى جنب عمر. قال: فرأيت فيما بين النبي صلّى اللََّه عليه و سلم و أبي بكر شابا حسن الوجه حسن الهيئة. فقلت لعمر: من هذا؟قال: هذا عيسى ابن مريم عليه السلام، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج عثمان بن عفان و هو يقول: الحمد للََّه الّذي نصرني ربي، ثم خرج عليّ و هو يقول: الحمد للََّه الّذي غفر لي ربي، ثم نودي لي: أين عمر بن عبد العزيز، فقمت فصرت بين يدي ربي فحاسبني، فلقد سألني عن النقير و الفتيل و القطمير، حتى خفت أن لا أنجو، ثم قمت فخرجت فقيل لي: أثبت و تمسك على ما أنت عليه، فبينما أنا سائر، فإذا بجيفة قد علا نتنها الخلائق، فضربتها برجلي، و قلت لمن معي: لمن هذه الجيفة؟فقيل لي:

هذا الحجاج بن يوسف، فضربته برجلي، فقلت له: ما فعل اللََّه بك يا حجاج؟ قال: يا أمير المؤمنين و اللََّه لقد قتلت بكل قتيل قتلته بسيف من نار، و لقد قتلت بسعيد بن جبير اثنين و سبعين قتلة. فقلت: فآخر أمرك ما هو؟قال: أنا ها هنا أنتظر ما ينتظر من وحّد اللََّه، و آمن برسوله‏[ (1) ].

قالت فاطمة: فلم يبق عمر بعد هذه الرؤيا إلا يسيرا، حتى مرض مرضه الّذي مات فيه، فدخل عليه مسلمة بن عبد الملك، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنك لتترك ولدك عالة على الناس، فأوص بهم إليّ، أكفك أمرهم، فإنك لم تموّلهم شيئا، و لم تعطهم. فقال عمر: يا أبا سعيد، إن ولدي لهم اللََّه الّذي نزّل الكتاب و هو يتولى الصالحين، ثم دعاهم عمر و هم أربعة عشر غلاما، فنظر إليهم عمر، و قد لبسوا الخشن من قباطيّ مصر[ (2) ]فاغرورقت عيناه بالدموع. قال [ (1) ]الخبر مختصر في حلية الأولياء 5/337 و البداية و النهاية 9/332.

[ (2) ]قباطي: ثياب تصنع في مصر، نسبة إلى أقباط مصر يصنعونها، و منها الناعم الممتاز و الخشن

139

لهم: أوصيكم بتقوى اللََّه العظيم، و ليجل صغيركم كبيركم، و ليرحم كبيركم صغيركم. ثم قال لمسلمة: يا أبا سعيد، إنما ولدي على أحد أمرين: إما عامل بطاعة اللََّه‏فلن يضيعه اللََّه، و إما عامل بمعصيته فلا أحبّ أن يعينه بالمال، قوموا عصمكم اللََّه و وفقكم‏[ (1) ]. ثم دعا رجاء بن حيوة فخلا به. فقال: يا رجاء، إن الموت قد نزل، و أنا أعهد إليك عهدا لا أعهده إلى غيرك، إذا أنا مت فكن ممن يقبرني، فإذا سوّيت عليّ اللبن، فارفع لبنة، ثم اكشف عن وجهي و انظر إليه، فإنّي قبرت ثلاثة رجال بيدي، و كشفت عن وجوههم، فنظرت وجوههم قد اسودّت، و عيونهم قد برزت من وجوههم، فاكشف عن وجهي يا رجاء و انظر إليه، فإن رأيت شيئا من هذا، فاستر عليّ، و لا تعلم به أحدا، و إن رأيت غير ذلك، فاحمد اللََّه عليه. قال رجاء: ففعلت ذلك، فلما سوّينا عليه اللبن، رفعت لبنة و كشفت وجهه، فإذا وجهه مثل القمر ليلة البدر، و إذا على صدره صكّ فيه خط ليس من كتابة الآدميين: بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم، كتاب بالقلم الجليل، من اللََّه العزيز العليم، براءة لعمر بن عبد العزيز من العذاب الأليم‏[ (2) ].

ما علم به موت عمر رحمه اللََّه في الأمصار

قال: و ذكروا أن رجلا من أهل المدينة قال: وفد قوم من أهل المدينة إلى الشام، فنزلوا برجل في أوائل الشام موسّع عليه، تروح عليه إبل كثيرة، و أبقار و أغنام، فنظروا إلى شي‏ء لا يعلمونه، غير ما يعرفون من غضارة العيش، إذ أقبل بعض رعاته فقال: إن السبع عدا اليوم على غنمي، فذهب منها بشاة. فقال الرجل: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ ، ثم جعل يأسف أسفا شديدا فقلنا بعضنا لبعض: ما عند هذا خير، يتأسف و يتوجع من شاة أكلها السبع!، فكلمه بعض القوم. قال له: إن اللََّه تعالى قد وسع عليك، فما هذا التوجع و التأسف؟قال:

إنه ليس مما ترون، و لكن أخشى أن يكون عمر بن عبد العزيز قد توفي الليلة، و اللََّه ما تعدّى السبع على الشاة إلا لموته، فأثبتوا ذلك اليوم، فإذا عمر قد توفي في ذلك اليوم.

[ () ] و هو ما كان أولاده يلبسونه.

[ (1) ]الخبر في العقد الفريد 4/439-443 و حلية الأولياء 5/33-334.

[ (2) ]انظر حلية الأولياء 5/326 البداية و النهاية 9/236.

140

و ذكروا أنهم سمعوا رجلا يحدث و يقول: بينا رجل باليمن نائم على سطح له ذات ليلة، إذ تسوّر عليه كلب، فسمعه و هو يقول لهرة له: أي جنة، هل من شي‏ء أصيبه، فإنّي و اللََّه أكال؟فقال له الهرة: ما ثم شي‏ء، لقد غطوا الإناء، و أكفئوا الصحفة، فقال لها: هل تدنيني من يد صبي، أو قدر لم تغسل، أشمها لترتد لي روحي؟قالت الهرة: ما كنت لأخونهم أمانتي، فمن أين أقبلت تشكو الكلل و الجوع؟قال: من الشام، شهدت وفاة عمر بن عبد العزيز، و حضرت جنازته. قالت: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ . نور كان في الدنيا فطمس، ثم زالت عنه، و تنحت و فرت منه، و هابته خوفا من أن يعدو عليها، ثم انسل الكلب ذاهبا، فلما أصبح الرجل جعل يقول للهرة: أي جنة، جزاك اللََّه عنا خيرا قال:

فاستوبرت‏[ (1) ]الهرة، و ذهبت فلم ترد بعد، فكتب ذلك اليوم فجاءهم موت عمر في ذلك اليوم.

و ذكروا أن زياد بن عبد اللََّه أخبرهم قال: كان رجل في بعض كور الشام يعالج أندرا[ (2) ]له مع زوجته، و كان قد استشهد ابن لهما منذ زمان طويل، فنظر الرجل إلى فارس مقبل نحوهما. فقال الرجل لزوجته: يا فلانة، هذا و اللََّه ابني و ابنك مقبلا، فنظرت المرأة فقالت: أخدعك الشيطان؟إنك مفتون بابنك، و انك تشبه به الناس كلهم، كيف يكون ابنك، و ابنك استشهد منذ حين، فاستعاذ الرجل باللََّه من الشيطان الرجيم، ثم أقبل على أندره يعالجه، و دنا منهما الفارس، ثم نظر ثانية، قال: يا فلانة، ابني و اللََّه و ابنك، فنظرت و دنا منهما الفارس، فلما وقف عليهما فإذا هو ابنهما. قال: فسلم عليهما و سلما عليه.

فقالا له: يا بني أما كنت استشهدت منذ حين؟قال: نعم. إلا أن عمر بن عبد العزيز توفي الليلة، فاستأذن الشهداء ربهم عز و جل في شهود جنازته، فأذن لهم، و كنت فيهم، فاستأذنت ربي في زيارتكما و النظر، فأذن لي، ثم و دعاه، و سلما عليه، و دعا لهما، ثم ذهب.

[ (1) ]استوبرت: توحشت، و خرجت عن الدار بعيدا إلى البرية.

[ (2) ]الأندر: البيدر، و الجرن الّذي يدرس فيه القمح و نحوه.

141

ولاية يزيد بن عبد الملك بن مروان‏

قال: و ذكروا أن الأمر صار بعد عمر بن عبد العزيز[ (1) ]، إلى يزيد بن عبد الملك، بعهد سليمان أخيه إليه بذلك، و إلى عمر، و كان يزيد قبل ولايته محبوبا في قريش بجميل مأخذه في نفسه، و هديه و تواضعه و قصده، و كان الناس لا يشكون إذا صار إليه الأمر، أن يسير بسيرة عمر لما ظهر منه. فلما صارت إليه الخلافة حال عما كان يظن به، و سار بسيرة الوليد أخيه، و احتذى على مثاله، و أخذ مأخذه‏[ (2) ]، حتى كأن الوليد لم يمت، فعظم ذلك على الناس، و صاروا من ذلك إلى أحوال يطول ذكرها، حتى هموا بخلعه، و جاءهم بذلك قوم من أشراف قريش، و خيار بني أمية، و كانت قلوبهم قد سكنت إلى هدي عمر، و اطمأنت إلى عدله بعد النفار، و الإنكار لسيرته، و عاد ذلك من قلوبهم إلى الرضا بأمره، [ (1) ]في موت عمر بن عبد العزيز أقوال: في الطبري 8/137 و ابن الأثير 5/58 كالأصل هنا: أن مرضا ألم به و كانت شكواه عشرين يوما. و لم يذكرا شيئا عن سبب مرضه. و في البداية و النهاية: سبب وفاته السل. و في العقد الفريد 2/280 قال: ان يزيد بن عبد الملك دس إليه السم مع خادم له. و في فوات الوفيات: سقاه بنو أمية السم لما شدد عليهم. و في ابن سعد 5/253 إشارة إلى أن عمر بن عبد العزيز لما أزعجه بنو مروان هددهم بالانسحاب إلى المدينة و جعلها شورى، فقد يكون هذا ما عجل باتخاذهم قرارا بإبعاده عن مسرح السياسة الأموية فقتلوه.

[ (2) ]استسلم الخليفة يزيد بن عبد الملك إلى غرائزه و شهواته و رغباته و اتسمت ولايته بعناوين أبرزها:

-تشاغله عن مصالح الأمة و انغماسة باللهو و الغناء و الشراب و العبث و ترك الدولة بكل مؤسساتها إلى الولاة و الجواري بحيث أن حبابة جاريته كانت تعزل و تولّي دون الرجوع إليه.

-عمد إلى كل الإجراءات و التنظيمات التي وضعها عمر بن عبد العزيز مما لا يوافق هواه فرده.

و مثال ذلك أنه كتب إلى عمال عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فإن عمر كان مغرورا، غررتموه أنتم و أصحابكم، و قد رأيت كتبكم إليه في انكسار الخراج و الضريبة. فإذا أتاكم كتابي هذا فدعوا ما كنتم تعرفون من عهده، و أعيدوا الناس إلى طبقتهم الأولى، أخصبوا أم أجدبوا، أحبوا أم كرهوا، حيوا أم ماتوا و السلام. (العقد 4/442) .

-بعث روح العصبية بين اليمانية و المضرية، مما جعلها تنخر في عظام الخلافة الأموية إلى أن قضت عليها. فانحاز إلى الجناح المضري (أحد جناحي النظام الأموي) و هدد مصالح الجناح اليمني.

-لسوء سياسته عاد الخوارج إلى التحرك.

-تعيين ولاة في الولايات اعتمدوا في سياستهم الإساءة إلى الموالي مما أدى إلى انتقاض الأمن، و خروج الأطراف على الدولة، و الكثير ارتدوا عن الإسلام.

-إهماله الجهاد و ترك الغزو و مناضلة الأعداء.

142

و القنوع بقصده عليهم، و تقصيره في إدراك المطامع، و العطايا عليهم، و اتهم منهم نفر بالخلع و الخروج، فأخذهم عمه محمد بن مروان بن الحكم، فأسكنهم السجن عشرين شهرا، ثم دس لهم السم، فماتوا جميعا، و أقصى من سائر قريش ثلاثين رجلا، بعد أن أغرمهم مائة ألف ألف و باع عقر أموالهم و رباعهم، و حمل العذاب عليهم و النكال، حتى أصارهم عالة يتكففون الناس، متفرقين في كور الشام، و آفاق البلاد، و صلب من الناس جملة ممن ألف هؤلاء القوم، و اتهم بمصانعتهم و مصاحبتهم، و كانت ولايته في ربيع الأول سنة إحدى و مائة، و مات سنة ست و مائة[ (1) ].

ولاية هشام بن عبد الملك‏

قال: و ذكروا أن عبد الملك بن مروان، بينما هو يوما في بعض بوادي الشام يتطوف، إذ نظر إلى ساع يسعى إليه، فوقف منتظرا له، فلما قاربه قال له: ما وراءك؟فقال: ولدت المخزومية[ (2) ]غلاما، قال: فما سمته؟قال: هشاما.

قال: هشم اللََّه رأسها. فقال له قبيصة بن ذؤيب: و لم يا أمير المؤمنين؟قال:

أخبرني أبي مروان، أنه سمع بشرة بنت صفوان تقول: سمعت رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم يقول: راحة أصحابي معاوية، و لا راحة لهم بعد معاوية و راحة العرب هشام، و لا راحة لهم بعد هشام.

و ذكروا أن هشاما صارت إليه الخلافة في سنة ست و مائة[ (3) ]، فكان محمود السيرة، ميمون النقيبة، و كان الناس معه في دعة و سكون و راحة، لم يخرج عليه خارج، و لم يقم عليه قائم، إلا ما كان من قيام زيد بن علي بن الحسين، في بعض نواحي الكوفة، فبعث إليه ابن هبيرة، و كان عامل الكوفة[ (4) ]، فأخذ زيد، فأتى به ابن هبيرة، فأمر بقتله دون رأي هشام، فلما بلغ ذلك هشاما، عظم عليه [ (1) ]في الطبري و ابن الأثير و الأخبار الطوال و مروج الذهب و تاريخ خليفة و العقد الفريد: ذكر موته سنة 105.

[ (2) ]و هي بنت هشام بن إسماعيل بن هشام المخزومي (تاريخ خليفة، العقد-ابن الأثير) .

[ (3) ]في الطبري: استخلف لليال بقين من شعبان (سنة 105) و انظر مروج الذهب و ابن الأثير و خليفة بن خياط.

[ (4) ]في الطبري و ابن الأثير و مروج الذهب و خليفة و اليعقوبي: كان يوسف بن عمر الثقفي. ـ

143

قتله، و أعظم فعل ابن هبيرة، و اجترائه على قتل قرشي دون مشورة حتى جعل يقول: مثل زيد بن علي في شرفه و فضله يقتله ابن هبيرة، و ما كان عليه من قيامه، إن هذا لهو البلاء المبين، و ما يزال ابن هبيرة مبغضا لأهل هذا البيت من آل هاشم و آل عبد المطلب، و و اللََّه لا زلت لهم محبا حتى أموت، ثم عزل ابن هبيرة عن الكوفة، و أغرمه ألف ألف، و لم يل له شيئا حتى مات، و كانت أيام هشام عشرين سنة، و لي سنة ست و مائة[ (1) ]، و توفي سنة ست و عشرين و مائة[ (2) ]، بعد أن حج إحدى عشرة حجة[ (3) ]، و هو خليفة.

قدوم خالد بن صفوان بن الأهتم على هشام‏

قال: و ذكروا أن شبيب بن شبة، أخبرهم عن خالد بن صفوان بن الأهتم، قال: أوفدني يوسف بن عمر إلى هشام في وفد العراق، فقدمت عليه، و قد خرج منتدبا[ (4) ]في قرابته و أهله و حشمه، و حاشيته، من أهله إلى بعض بوادي الرصافة[ (5) ]، فنزل في قاع صحصح‏[ (6) ]أفيح، في عام قد بكر وسميه‏[ (7) ]و قد ألبست الأرض أنواع زهرتها، و أخرجت ألوان زينتها، من نور ربيعها فهي في أحسن منظر و أجمل مخبر، بصعيد كأن ترابه قطع الكافور، فلو أن قطعة دينار ألقيت فيه لم تترب، و قد ضرب له سرادقات من حبرات اليمن مزرورة بالفضة و الذهب، و ضرب له فسطاطه في وسطه، فيه أربعة أفرشة من خز أحمر، مثلها مرافقها، و عليه دراعة[ (8) ]خز أحمر و عمامة مثلها، و ضربت حجر نسائه من وراء سرادقه، و عنده أشراف قريش، و قد ضربت حجر بنيه و كتابه و حشمه بقرب فسطاطه، ثم [ (1) ]راجع الحاشية رقم 3 من الصفحة السابقة.

[ (2) ]في مصادر ترجمته سنة 125 هـ. و في مروج الذهب: توفي بقنسرين في (الرصافة) يوم الأربعاء لست خلون من شهر ربيع الآخر.

[ (3) ]في مروج الذهب لم يحج هشام إلا مرة واحدة سنة 106 و هو خليفة 4/451. و الطبري فيمن حج بين سنة 106 و 125. و تاريخ خليفة ص 360. و تاريخ اليعقوبي 2/328.

[ (4) ]منتدبا من انتدب، (ندب) أي استجاب لطلب انتدبه لشي‏ء ما. يريد: أنه دعي لزيارة بعض بوادي الرصافة.

[ (5) ]الرصافة: بلد بالشام.

[ (6) ]الصحصح: المستوي من الأرض، و الأفيح: الواسع.

[ (7) ]الوسمي: المطر أول الربيع. سمي بذلك لأنه يسم الأرض بالنبات.

[ (8) ]الدراعة: الثوب.

144

أمر الربيع‏[ (1) ]حاجبه، فأذن للناس إذنا عاما، فدخلوا عليه، و أخذ الناس مجالسهم، قال خالد: فأدخلت رأسي من ناحية السماط فأطرق، ثم رفع رأسه و نظر إليّ شبه المستنكر، و كنت قد حليت عنده ببلاغة، و فهم و حكمة. فقلت:

أقر اللََّه نعمته عليك يا أمير المؤمنين و كرامته، و سوغك شكره يا أمير المؤمنين و مد لك في المزيد فيها بفضله، ثم وصلها بعد بطول العمر، و تتابع الكرامة الباقية التي لا انقطاع لها، و لا نفاد لشي‏ء منها، حتى يكون آجل ذلك خيرا من عاجله، و آخره أفضل من أوله، و عاقبته خيرا من ابتدائه، و جعل ما قلدك من هذا الأمر رشدا، و عاقبته تؤول إلى أحمد و درك الرضا، و أخلص لك ذلك بالتقوى، و كثره لك بالنماء، و لا كدر عليك منك ما صفا، و لا خالط سروره أذى، فقد أصبحت للمسلمين ثقة و سترا، يفزعون إليك في أمورهم و يقصدونك في حوائجهم، و ما أجد يا أمير المؤمنين جعلني اللََّه فداك شيئا، أبلغ في حقك و توقير مجلسك، إذ منّ اللََّه عليّ بمجالستك، و النظر إلى وجهك مني، و ما أجد فيما أظهر ذلك إلا في مذاكرتك نعم اللََّه التي أنعم بها عليك، و أحسن فيها إليك، و أنبهك إلى شكرها[ (2) ]، ثم إني لا أجد شيئا هو أبلغ في ذلك، و لا أجمع من ذكر حديث لملك خلا من الملوك، كان في سالف الأمم، فإن أذن أمير المؤمنين أكرمه اللََّه حدثته. قال: و كان هشام متكئا، فاستوى جالسا و قال: هات يا بن الأهتم، قال:

قلت: يا أمير المؤمنين، إن ملكا كان فيما خلا من الملوك، مجتمعا له فيها فتاء السن و اعتدال الطبائع، و تمام الجمال، و كثرة المال، و تمكين الملك، و كان له ذلك إلى البطر و المرح داعيا، و على الغفلة و الذهول معينا، فخرج متنزها إلى بعض منازله. فصعد جوسقا[ (3) ]له، فأشرف على أرض، قد أخضلها ربيع عامه، كان شبيها بعامك هذا يا أمير المؤمنين، في خصبة و عشبه، و كثرة زهره، و حسن منظره، فنظر فرجع إليه بصره كليلا عن بلوغ أقصى أمواله من الضياع و الإبل و الخيل و النعم. فقال لنفر من ناديه: لمن هذا؟قيل له: لك، فأعجبته نفسه، [ (1) ]هو الربيع بن زياد بن سابور (شابور) و كان على حرسه (اليعقوبي) و في تاريخ خليفة كان الربيع بن شابور مولى بني الحريش على خاتمه. قال اليعقوبي: و حاجبه الحريش. و عند خليفة: حاجبه غالب بن مسعود مولاه.

[ (2) ]العبارة في عيون الأخبار 2/341 و لا أرى لمقامي هذا شيئا هو أفضل من أن أنبه أمير المؤمنين لفضل نعمة اللََّه عليه ليحمد اللََّه على ما أعطاه.

[ (3) ]الجوسق: القصر.

145

و ما بسط له من ذلك، حتى أظهر فرحه و زهوه، ثم قال لجلسائه: هل رأيتم مثل ما أنا فيه، أم هل أوتي أحد مثل ما أوتيت؟و كان عنده رجل من بقايا حملة الحجة و العلم، و المضي على أدب الحق و منهاج الصدق في الضمير و المقالة، و قد قيل: إن اللََّه الجليل، لم يخل الأرض منذ هبط آدم، من قائم يقوم بحجة اللََّه فيها، و كان ذلك الرجل ممن يسامره. قال: أيها الملك، قد سألت عن أمر أ فتأذن لي بالجواب فيه؟قال: نعم. قال: أ رأيتك هذا الّذي أعجبك مما عليه اطلع نظرك، و استطال ملكك و سلطانك، أ شي‏ء لم يزل لك و لم يزل عنك، أم شي‏ء كان لغيرك، فزال عنه إليك، ثم هو صائر إلى غيرك كما صار إليك؟قال الملك: بل كما ظننت و مثلت. قال: فإنّي أراك أعجبت بما يفنى، و زهدت فيما يبقى، و سررت بقليل، و حسابه غدا طويل. قال: ويحك فكيف المطلب، و أين المهرب، و ما الحيلة في المخرج؟قال: إحدى خصلتين، إما أن تقيم في ملكك، فتعمل فيه بطاعة ربك على ما سرّك و ساءك و أمضّك، و إما أن تضع تاجك و نجادك، و تذكر ذنوبك، و تلحق في الخلاء بمن يغفر لك، فتعبد فيه ربك، حتى يوافيك أجلك، و تنقضي مدتك، و أنت عامل لربك فيما يعطيك.

قال: فإذا فعلت ذلك فما لي؟فقال: ملك خالد لا يفنى، و نعيم لا ينقضي، و مزيد و كرامة، و صحة لا تستقيم‏[ (1) ]أبدا، و سرور لا ينصرم، و شباب لا يشوبه هرم، و قرار لا يخالطه همّ. قال الملك: سأنظر إلى نفسي في الاختيار لها مما ذكرت لي، فإذا كان وقت السحر، فاقرع عليّ بابي لتعرف رأيي، فإنّي مختار إحدى المنزلتين، فإن أقمت في ملكي، و اخترت ما أنا فيه، كنت وزيرا لا تعصى، و إن خلوت كنت رفيقا لا تجفى. فلما كان السحر، قرع عليه بابه، فإذا هو قد وضع تاجه، و لبس أطماره‏[ (2) ]، فلحقا بالجبل، فلم يزالا يعبدان اللََّه فيه، حتى بلغ أجلهما، و انقضى عمرهما[ (3) ]. فبكى هشام حتى بلّ لحيته، ثم نكس رأسه طويلا، ثم أمر بنزع أبنيته و انتقاله، و أقبلت العامة من الموالي على ابن الأهتم، فقالوا له: ما أردت لأمير المؤمنين، أفسدت عليه لذّته، و نغصت عليه [ (1) ]في عيون الأخبار: لا تسقم.

[ (2) ]الأطمار: الثياب البالية. و في عيون الأخبار: أمساح، و هو الكساء من شعر كثوب الرهبان.

و في معجم البلدان: لبس المسوح.

[ (3) ]الخبر في عيون الأخبار 2/341-342 باختلاف. و في معجم البلدان (مادة: خورنق) و فيه أن هذا الملك هو النعمان.

146

شهوته، و قد حرمتنا ما أملنا فيه. قال: إليكم عني، فإنّي عاهدت اللََّه ربي، أني لا أخلو بملك إلا ذكرته اللََّه، و نبهته و رشدته. ثم رجع خالد إلى فسطاطه، كئيبا حزينا، متخوّفا يظنّ أنه قد هلك، و كان للربيع صديقا. فبينما هو كذلك، إذ أتاه رسول الربيع، فقال: يا صفوان، يقول لك أخوك الربيع: من كان في حاجة اللََّه، كان اللََّه في حاجته. إنك لما وليت من عند أمير المؤمنين جعل يقول: للََّه درّ ابن الأهتم، أيّ رجل دنيا و أخرى، مره يا ربيع، فليرجع حوائجه، و ليغد إلينا بها نقضها له. فقال الربيع: فاغد علينا بحوائجك رحمك اللََّه، و احمده على ما صنع، و أذهب من مخافتك. فغدا عليه بحوائجه فقضيت.

و ذكروا أنه لم يكن في بني أمية ملك أعظم من هشام، و لا أعظم قدرا، و لا أعلى صوتا منه، دانت له البلاد، و ملك جميع العباد، و أدّيت له الجزية من جميع الجهات، من الروم و الفرس و الترك و الإفرنج و الزنج و السند و الهند، و كان قريبا من الضعفاء، مهتما بإصلاح الأدواء، لم يجترئ أحد معه على ظلامة، و لم يسلك أحد معه إلا سبيل الاستقامة، و كان له موضع بالرصافة أفيح من الأرض، يبرز فيه، فتضرب له به السرادقات، فيكون فيه ستين ليلة، بارزا للناس، مباحا للخلق، لا يفني أيامه تلك إلا بردّ المظالم، و الأخذ على يد الظالم من جميع الناس، و أطراف البلاد، و يصل إلى مخاطبته بذلك الموضع، راعي السوام‏[ (1) ]، و الأمة السوداء، فمن دونهما، قد وكل رجالا أدباء عقلاء، بإدناء الضعفاء و النساء اليتامى منه، و أمرهم بإقصاء أهل القوّة و الكفاية عنه، حتى يأتي على آخر ما يكون من أمره، فيما يرفع إليه، لا ينضمّ إليه رجل يريد الوصول إليه، فينظروا أوضع منه إلا أدنوا الأوضع و أبعدوا الأرفع، حتى ينظر في شأنه، و يعرف أمره، و ينفذ فيه ما أمر، و لا يرفع إليه ضعيف، و لا امرأة أمرا، و ظلامة على غطريف من الناس مرتفع القدر، و لا مستخدم به إلا أمر باقتضاء يمينه، و أغداه بمطلبه، لا يقبل لهم حجة، و لا يسمع لهم بينة، حتى لربما تمرّ به المرأة و الرجل أو عابر سبيل، لا حاجة له فيما مرّ به. فيقال له: ما حاجتك، و ما قصتك، و ما ظلامتك؟فيقول: إنما سلكت أريد موضع كذا، أروم بلد كذا، فيقول له: لعلك ظلمك أحد من آل الخليفة تهاب أمره، و تتوقع سطوته، فذلك [ (1) ]السوام: الإبل الراعية.

147

الّذي منعك عن رفع ظلامتك إلى أمير المؤمنين، فيقول: لا، و اللََّه لا أبغي إلا ما قلت. فيقال له: اذهب بسلام، حتى لربما أتت عليه تارات من الليل، و ساعات من النهار لا ينظر في شي‏ء، و لا يأتيه أحد في خصومة لاستغناء الناس عن المطالب، و تعففا من المظالم، و وقاية من سطواته، و تخوفا من عقوبته، و قد وسع العباد أمنه، و أشعرهم عدله، و صارت البلاد المتنائية الشاسعة، كدار واحدة، ترجع إلى حاكم قاض، يرقبه الناس في المواضع النائية عنه كما يرقبه من معه، و قد وضع العيون و الجواسيس من خيار الناس، و فضلاء العباد، في سائر الأمصار و البلدان، يحصون أقوال الولاة و العمال، و يحفظون أعمال الأخيار و الأشرار، قد صار هؤلاء أعقابا يتعاقبون، ينهض قوم بأخبار ما بلوا في المصر الّذي كانوا فيه، و يقبل آخرون يدخلون مسترقين، و يخرجون متفرّقين، لا يعلم منهم واحد، و لا يرى لهم عابر، فلا خبر يكون، و لا قصة تحدث، من مشرق الأرض و لا مغربها إلا و هو يتحدّث به في الشام، و ينظر فيه هشام، و قد قصر نفسه على هذه الحال، و حببت إليه هذه الأفعال، فكانت أيامه عند الناس أحمد أيام مرّت بهم، و أعفاها و أرجاها، قد لبس جلباب الهيبة على أهل العنود و الكيود، و ارتدى برداء التواضع إلى أهل الخشوع و السكون، و كان قد حبب إليه التكاثر من الدنيا، و الاستمتاع بالكساء، لم يلبس ثوبا قط يوما، فعاد إليه، حتى لقد كان كساء ظهره، و ثياب مهنته، لا يستقل بها، و لا يحملها إلا سبعة مائة بعير، من أجلد ما يكون من الإبل، و أعظم ما يحمل عليه من الجمال، و كان مع ذلك يتقللها، و طالت أيامه، و استبطأ صاحب العهد بموته، فناوأه و عاداه، و انتقل عن الموضع الّذي كان به هو و الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فمات هشام و الوليد غائب، فأتاه موته، فأمر بقفل الخزائن، فلم يجدوا لهشام ما يكفنونه به، و استؤذن الوليد في إقباله، فلم يدفن هشام حتى قدم الوليد، و ذلك في ثلاثة أيام‏[ (1) ].

[ (1) ]لحسن حظ الخلافة الأموية التي أصيبت مع يزيد بن عبد الملك بنكسة خطيرة شملت معظم جوانب الحياة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية تحول هشام فور توليه إلى الاهتمام بشئون الدولة و تمكن بعد فترة من استيعاب ثم القضاء على النتائج السيئة لسياسة سلفه يزيد في شتى شئون الحياة العامة.

حاول أن يصلح ما فسد، و إنقاذ ما يمكن إنقاذه و إن لم يصل في سياسته إلى مثالية عمر بن

148

بدء الفتن و الدولة العباسية

قال: و ذكروا أن الهيثم بن عديّ أخبرهم، قال: اختلفت روايات القوم الذين عنهم حملنا و روينا ذكر الدولة، فحملنا عنهم ما اختلفوا فيه و ألفناه، فكان أوّل ما اختلفت فيه الرواية، و لم تلائمه الحكاية، أشياء سنذكرها في موضعها من هذا الكتاب إن شاء اللََّه، و اقتصرنا على معانيها، و قيدنا بعض ألفاظها لطول أخبارها، و اجتنبنا الجزل السمين من اللفظ، و رددنا هزيله لنزر فائدته، و قلة عائدته، و قد اختصرنا و أشبعنا إذ لم نترك من المعاني المتقدمة شيئا، و اللََّه الموفق للصواب.

فكان مما ألفنا بدءا من ذكر الدولة، و ما أخبرنا عن الهيثم بن عديّ، عن الرجال الذين حدّثوه. قالوا: لما سلم الحسن بن عليّ الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان، قامت الشيعة من أهل المدينة، و أهل مكة، و أهل الكوفة، و اليمن، و أهل البصرة، و أرض خراسان، في ستر و كتمان، فاجتمعوا إلى محمد بن عليّ، و هو محمد بن الحنفية[ (1) ]، فبايعوه على طلب الخلافة إن أمكنه ذلك، و عرضوا عليه قبض زكاتهم، لينفقوها يوم الوثوب على فرصته، فيما يحتاج من النفقة على مجاهدته، فقبلها، و ولى على شيعة كلّ بلد رجلا منهم، و أمره باستدعاء من قبله منهم، في سرّ و توصية إليهم، ألا يبوحوا بمكتومهم، إلا لمن يوثق به، حتى يرى [ () ] عبد العزيز، و لمجهوده في هذا الصدد، وصفه الخليفة المنصور بأنه بحق: رجل بني أمية.

و قيل أيضا: إن السواس من بني أمية ثلاثة: معاوية و عبد الملك و هشام.

و يقول حسن إبراهيم حسن في تاريخ الإسلام 1/333: «و من إصلاحات هشام اهتمامه بتعمير الأرض و تقوية الثغور و حفر القنوات و البرك في طريق مكة و غير ذلك من الآثار، و في أيامه ظهرت صناعة الخز و القطيفة. و كان هشام كلفا بالخير.

و مما يؤخذ على هشام إمعانه في الانتقام من العلويين و التنكيل بهم» .

[ (1) ]كان ذلك بعد مقتل الحسين بن علي رضي الله عنه سنة 60 هـ. حيث أثار مقتله حماسة المسلمين، فتوحدت صفوف الشيعة و زادت الدعوة لآل علي (رضي الله عنه) قوة، و اشتد العداء بين الأمويين و العلويين الذين ثاروا في الولايات الإسلامية.

و قد كانت كربلاء و نتائجها عاملا في إذكاء روح التشيع، و أصبحت عقيدة راسخة في نفوس المسلمين، و قد وجد ابن الزبير فرصته التاريخية-بعد كربلاء-لتحقيق أغراضه السياسية تحت ستار الأخذ بثأر الحسين، و تهيأت الفرصة أيضا للمختار بن أبي عبيد الّذي ادعى إمامة محمد بن الحنفية (ابن علي بن أبي طالب) . و انضمت إليه حركة التوابين الذين ندموا على عدم إغاثتهم الحسين و قاموا ليبذلوا نفوسهم في الأخذ بثأره.

149

للقيام موضعا. فأقام محمد بن الحنفية: إمام الشيعة قابضا لزكاتهم، حتى مات.

فلما حضرته الوفاة، ولى عبد اللََّه ابنه من بعده، و أمره بطلب الخلافة إن وجد إلى ذلك سبيلا، و أعلم الشيعة بتوليته إياه، فأقام عبد اللََّه بن محمد بن عليّ، و هو أمير الشيعة، فبلغ ذلك سليمان بن عبد الملك، في أوّل خلافته، أن الشيعة قد بايعت عبد اللََّه بن محمد بن عليّ، بعد أبيه، فبعث إليه، و قد أعدّ له في أفواه الطرق رجالا، معهم أشربة مسمومة، و أمرهم إذا خرج من عنده أن يعرضوا عليه الشراب. فلما دخل على سليمان، أجلسه إلى جانبه. ثم قال له: بلغني أن الشيعة بايعتك على هذا الأمر، فجحده عبد اللََّه و قال: بلغك الباطل، و ما زال لنا أعداء يبلغون الأئمة قبلك عنا مثل ما بلغك، ليغروهم بنا، فيدفع اللََّه عنا كيد من ناوأنا، و أنا بما يلزمني من مؤنتي أشغل مني بطلب هذا الأمر، ثم خرج من عنده في وقت شديد الحرّ، فكان لا يمرّ بموضع إلا قام إليه الرجل بعد الرجل، يقول له: هل لك في شربة سويق اللوز، و سويق كذا و كذا يا بن بنت رسول اللََّه، و نفسه موجسة منهم، فيقول: بارك اللََّه لكم، حتى إذا خرج إلى آخر الطريق، خرج إليه رجل من خبائه، و بيده عسّ‏[ (1) ]، فقال له: هل لك في شربة من لبن يا بن بنت رسول اللََّه؟فوقع في نفسه أن اللبن مما لا يسمّ، فشرب منه ثم مضى، فلم ينشب أن وجد للسمّ حسا[ (2) ]، فاستدلّ على الطريق إلى الحميمة[ (3) ]، و بها جماعة آل عباس، و قال لمن معه: إن متّ ففي أهلي، ثم توجه فنزل على محمد بن عليّ بن عبد اللََّه بن عباس فأخبره الخبر، و قال له: إليك الأمر، و الطلب للخلافة بعدي، فولاه‏[ (4) ]، و أشهد له من الشيعة رجالا، ثم مات. فأقام محمد بن عليّ بن عبد اللََّه بن عباس‏[ (5) ]، و دعوة الشيعة له حتى مات، فلما حضرته [ (1) ]العس: بضم العين، القدح العظيم، مثل الكوز الكبير.

[ (2) ]يريد أنه أحس بالسم يسري في جسده.

[ (3) ]الحميمة: بضم الحاء و فتح الميم بلدة صغيرة بالبلقاء بالشام.

[ (4) ]ذكر أن أبا عبد اللََّه قال لمحمد بن علي: يا بن عمي، إني ميت، و قد صرت إليك، و أنت صاحب هذا الأمر، و ولدك القائم به، ثم أخوه من بعده، و اللََّه ليتمن اللََّه هذا الأمر... » في كلام طويل أثبته صاحب العقد الفريد 4/476.

[ (5) ]قال الطبري ج 6/562 أن محمد بن علي بن عبد اللََّه بن عباس وجه ميسرة إلى العراق، و وجه محمد بن خنيس و أبا عكرمة السراج، و هو أبو محمد الصادق، و حيان العطار، إلى خراسان، و أمرهم بالدعاء إليه و إلى أهل بيته.. ثم انصرفوا بكتب من استجاب لهم إلى محمد بن علي فدفعوها إلى ميسرة، فبعث بها إلى محمد بن علي.

150

الوفاة، ولّى محمد بن إبراهيم الأمر، فأقام و هو أمير الشيعة، و صاحب الدعوة بعد أبيه.

دخول محمد بن عليّ على هشام‏

قال: و ذكروا أن محمد بن عليّ بن عبد اللََّه بن عباس دخل، و هو شيخ كبير قد غشي بصره على هشام بن عبد الملك، متوكئا على ولديه أبي العباس و أبي جعفر، فسلم. ثم قال له هشام: ما حاجتك؟و لم يأذن له في الجلوس، فذكر قرابته و حاجة به، ثم استجداه. فقال هشام: ما هذا الّذي بلغني عنكم يا بني العباس، ثم يأتي أحدكم و هو يرى أنه أحقّ بما في أيدينا منا، و اللََّه لا أعطيتك شيئا. فخرج محمد بن عليّ، فقال هشام كالمستهزئ: إن هذا الشيخ ليرى أن الأمر سيكون لولديه هذين، أو لأحدهما، فرجع محمد نحوه فقال: أما و اللََّه إني أرى ذلك على رغم من رغم. فضحك هشام و قال: أغضبنا الشيخ، ثم مضى محمد بن عليّ.

ولاية الوليد بن يزيد و فتن الدولة

قال: و ذكروا أن الوليد بن يزيد لما تولى الأمر بعد هشام، أساء السيرة، و انتحى على أهله و جماعة قريش، و أحدث الأحداث العظيمة، و سفك الدماء و أباح الحريم، و كانت ولايته في سنة ستّ و عشرين و مائة[ (1) ]. فلما استولى على [ () ] و اختار أبو محمد الصادق اثني عشر رجلا، نقباء (أسماؤهم في الطبري) ، و اختار سبعين رجلا، فكتب إليهم محمد بن علي كتابا ليكون لهم مثالا و سيرة فيسيرون بها. (انظر ابن الأثير 3/263. و انظر تفاصيل هامة ذكرها في الأخبار الطوال ص 332-333 عن نشاط محمد بن علي و أصحابه المبعوثين إلى الأمصار... ) و مات محمد بن علي سنة 125 هـ بعد أن قطعت الدعوة العباسية شوطا بعيدا.

قال د. حسن إبراهيم حسن في التاريخ السياسي: 2/13 «و يمكن تقسيم الدعوة العباسية قسمين:

-الأول يبدأ في مستهل القرن الأول للهجرة، و ينتهي بانضمام أبي مسلم الخراساني، و كانت الدعوة في هذا الدور خالية من أساليب العنف و الشدة. إذ كان الدعاة يجوبون البلاد الإسلامية متظاهرين بالتجارة أو أداء فريضة الحج.

-الدور الثاني يبدأ بانضمام أبي مسلم إلى الدعوة العباسية. و هنا يدخل النزاع بين الأمويين و العباسيين في دور العمل، و هو دور الحروب التي انتهت بزوال الدولة الأموية.

[ (1) ]كذا بالأصل. و في تاريخ خليفة و مروج الذهب و الطبري و ابن الأثير و العقد الفريد، و تاريخ اليعقوبي و البداية و النهاية: سنة 125. قال الطبري 7/208: استخلف يوم الأربعاء لست خلون من شهر ربيع الآخر من سنة 125. قال: و كان نازلا بالأزرق بين أرض بلقين و فزارة. ـ