الإمامة و السياسة - ج2

- ابن قتيبة المزيد...
234 /
151

الأمر بعث إلى أشراف الأجناد[ (1) ]، فقدموا عليه و قدم خالد فيمن قدم، فلم يأذن لواحد منهم، و كان مشتغلا بلهوه و لعبة، و مرض خالد، فاستؤذن له في الانصراف فأذن له، فانصرف إلى دمشق، فأقام بها شهرا. ثم كتب إليه الوليد:

إن أمير المؤمنين قد علم الخمسين ألف ألف التي تعلم‏[ (2) ]، فأقدم بها على أمير المؤمنين مع رسوله، فقد أمره أن لا يعجلك عن جهازك، فبعث خالد إلى عدّة من ثقاته، فيهم عمارة بن أبي كلثوم، فأقرأهم كتاب الوليد و قال: أشيروا عليّ برأيكم. فقالوا: إن الوليد ليس بمأمون، فالرأي أن تدخل مدينة دمشق، فتأخذ بيوت الأموال، و تدعو إلى من أحببت، و الناس قومك، و لم يختلف منا عليك اثنان. فقال لهم: و ما ذا؟قالوا: تأخذ بيوت الأموال، و تجمع إليك قومك حتى تتوثق لنفسك. قال: و ما ذا؟قالوا: نتوارى. فقال: أما قولكم أن أدعو إليّ من أحببت، فإنّي أكره أن تكون الفرقة على يدي، و أما قولكم أن آخذ بيوت الأموال حتى أتوثق لنفسي، فأنتم لا تأمنونني عليها و لا ذنب لي، فكيف لي ترجون وفاء بما يعطيني. و قد فعلت ما فعلت، و أما قولكم في التواري، فو اللََّه ما قنّعت رأسي خوفا من أحد قطّ، فالآن و قد بلغت من السنّ ما بلغت؟، و لكني أمضي، و أستعين باللََّه تعالى.

قتل خالد بن عبد اللََّه القسري‏

قال: و ذكروا أن خالد بن عبد اللََّه القسري، شخص إلى الوليد بن يزيد حتى قدم على معسكره، فلم يدع به الوليد و لم يكلمه، و هو يختلف إليه غدوة و عشية، حتى قدم برأس يحيى بن زيد بن عليّ بن الحسين من خراسان، فجمع الناس الإذن، فحضر الأشراف، و جلس الوليد، و جاء خالد إلى الحاجب فقال:

إن حالي كما ترى، لا أقدر على المشي، و إنما أحمل في الكرسي. قال الحاجب: ما يدخل أحد على أمير المؤمنين على هذه الحال، ثم أذن له فحمله على كرسيه، ثم دخل على الوليد و هو جالس في سريره، و المائدة موضوعة.

[ (1) ]يفهم من اليعقوبي 2/331 أن الوليد عزل عمال هشام و عذبهم أنواع العذاب خلا يوسف بن عمر الثقفي عامل العراق، و ذلك أنه وجد في ديوان هشام كتبا من العمال يقوّمون عزمه في خلع الوليد (و كان هشام قد همّ بعزل الوليد) إلا يوسف فإنه أشار عليه ألا يفعل، فأقره على عمله.

[ (2) ]و هي من بقايا خراج العراقين (الأخبار الطوال ص 347) .

152

فلما دخل عليه قال له الوليد: أين ولدك يزيد بن خالد؟فقال: قد أصابه من هشام ظفر، فخلى سبيله، ثم طلب فهرب، فكنا نراه عند أمير المؤمنين حتى استخلفه اللََّه. فقال له الوليد: لكنك خلفته طلبا للفتنة. فقال خالد: قد علم أمير المؤمنين أنا أهل بيت طاعة أنا و أبي و جدي. فقال له الوليد: لتأتيني بابنك أو لأزهقنّ نفسك، فقال له خالد: هذا الّذي تدور عليه، و هو الّذي تريد؟و اللََّه لو ان ابني تحت قدميّ ما رفعتهما لك، فاصنع ما بدا لك‏[ (1) ]. فأمر الوليد غيلان‏[ (2) ] صاحب حرسه بالبسط[ (3) ]عليه و الأخذ له، و قال له: أسمعني صوته، فذهب به غيلان إلى رحله، فعذّبه بالسلاسل و الحديد، فلم يتكلم بكلمة، فرجع غيلان إلى الوليد فقال له: و اللََّه لا أعذّب إنسانا لا يتكلم. فقال له: كفّ عنه و احتبسه، ففعل، فقام يوسف بن عمر فقال: أنا أشتريه بخمسين ألف ألف، فأرسل الوليد إلى خالد أن يوسف بن عمر قد سأل أن يشتريك بخمسين ألف ألف، فإن ضمنتها لأمير المؤمنين، و إلا دفعتك إليه. قال خالد: ما عهدنا العرب تباع، فدفعه إلى يوسف بن عمر، فنزع ثيابه، و ألبسه عباءة و ألحفه أخرى، و حمله على محمل ليس تحته وطاء، فبسط عليه و عذّبه، و خالد لا يكلمه بكلمة، ثم ارتحل، حتى إذا كان ببعض الطريق عذّبه يوما، ثم وضع المضرسة[ (4) ]على صدره، فقتله [ (1) ]في موقف الوليد بن خالد بن عبد اللََّه ثمة أسباب منها:

-استرداد أموال كان خالد-فيما يظن الوليد-استصفاها لنفسه من خراج العراق.

-الدسائس التي حيكت ضد خالد من المقربين من الوليد و التي اتجهت إلى:

-استعداد خالد لخلع الوليد و تعاونه مع مناوئين للوليد في هذا الأمر.

-استعمال خالد للأموال التي أحرزها في دعم العلويين و بني هاشم و حركة بني العباس.

-اتهام خالد في أنه وراء خروج زيد بن علي ثم في خروج ابنه يحيى.

و كان على رأس المحرضين ضد خالد يوسف بن عمر الثقفي.

-و ذكر-من جملة الأسباب-أن الوليد كان قد عزم على الحج و من نيته أن يشرب الخمر على ظهر الكعبة، فلما بلغ ذلك جماعة من الأمراء اجتمعوا على قتله و تولية غيره من الجماعة، فحذر خالد الوليد منهم، فسأله أن يسميهم فأبى عليه فعاقبه عقابا شديدا.

-و فيما ذكر-أنه كان متهما في دينه و قد بنى لأمه كنيسة في داره (قاله ابن خلكان، و انظر ابن الأثير 3/404) .

-و ثمة من يقول أنه غضب عليه و أساء معاملته إرضاء ليوسف بن عمر واليه على العراق.

[ (2) ]في الأخبار الطوال ص 347 سعيد بن غيلان.

[ (3) ]البسط عليه: التسلط عليه و الإضرار به و إليه.

[ (4) ]المضرسة: حجر غليظ جدا خشن الوطء. و في البداية و النهاية 10/20 أنه «كسر قدميه ثم ساقيه ثم فخذيه ثم صدره فمات» و انظر ابن الأثير 3/403 و الأخبار الطوال ص 347.

153

في الليل، فدفن في الحيرة[ (1) ]، و ذلك في المحرّم سنة سبع و عشرين و مائة[ (2) ].

و ثوب أهل دمشق على الوليد بن يزيد و قتله‏

قال: و ذكروا أن يزيد[ (3) ]بن خالد دبّ في أهله، و تحمل في عشائره، فاجتمع أمرهم على الوليد بن يزيد، فبينما هم يدبرون أمرهم، إذ انطلق ساع إلى الوليدقال له: أدلك على يزيد بن خالد؟قال: نعم. فبعث الوليد مولى له، و أمره أن يكمن النهار، و يسير الليل، حتى أتى دمشق ليلا، و يزيد مختف بدمشق، في منزل رجل عند باب السوق، فاقتحم عليه المنزل فأخذه، و شخص به من ساعته حتى قدم على الوليد، فأمر بالبعث به إلى يوسف بن عمر بالعراق، قال له يزيد: يا أمير المؤمنين، أنا أدفع لك الخمسين ألف ألف التي طلبت من خالد في ثلاث سنين، على أن تكتب إلى الآفاق، بأمان من كانت لي عنده وديعة، و أمان فيه ذمتي و موالي، فقبل منه الوليد ذلك، فأمر بالكتب إلى العراق و الحجاز و كور الشام في ذلك، و احتبس يزيد عنده، و جعل عليه القيود و الحرس، ثم ارتحل الوليد و معه خدمته و شرطته، و تواعد أهل اليمن أن يثوروا إذا صلوا العتمة[ (4) ]في المسجد[ (5) ]، و كانت العلامة بينهم أن يلتمس أحدهم صاحبه، فلما تفرّق أهل المسجد، خرجوا، فاستخرجوا يزيد بن الوليد من [ (1) ]في الأخبار الطوال: في واسط.

[ (2) ]في ابن الأثير: المحرم سنة 126.

[ (3) ]في الأخبار الطوال: محمد بن خالد. (في شتى مواضع الخبر) .

[ (4) ]العتمة بفتح العين و التاء: العشاء.

[ (5) ]تعتبر حركة اليمانية، و هم الجناح الأساس في السلطة الأموية، أول حركة تمرد ضد خليفة أموي، و تعود ظروف هذا التحرك إلى:

-انحرف الخلفاء الأمويين عن اليمانية منذ يزيد و تقريبهم للقيسية.

-قتل الوليد لخالد بن عبد اللََّه، زعيمهم، و الأكثر طاعة و ولاء للأمويين. و في قتله قال الوليد شعرا يحرض على اليمانية (و قيل لغيره) و مما قاله: (ابن الأثير 3/406 الأخبار الطوال ص 348) :

... وطئنا الأشعرين بعز قيس # فيا لك وطأة لن تستقالا

و هذا خالد فينا أسير # ألا منعوه إن كانوا رجالا

عظيمهم و سيدهم قديما # جعلنا المخزيات له ظلالا

فلو كانت قبائل ذات عز # لما ذهبت صنائعه ضلالا

فبعد سماعهم ذلك عظم عليهم و ازدادوا حنقا عليه.

154

منزله، ثم أتوا به القصر، و على دمشق يومئذ رجل من بني الحجاج، و كان قد خرج من الطاعون، و استخلف رجلا من قيس، فدخلوا عليه، فأوثقوه كتافا، و أوثقوا كلّ من خافوا خلافه، فتسلل رجل حتى أتى الوليد بن يزيد، فأخبره الخبر، فلما أصبحوا غدوا إلى الوليد، فبعث الوليد في طلب يزيد بن خالد، و هو عنده في الحديد. فقال له: إن قومك قد خرجوا بين يدي الوليد، فارددهم عن أمير المؤمنين، و لك اللََّه أن أوليك العراق، و أدفع إليك يوسف تقتله بأبيك، فقال له يزيد بن خالد: و توثقني يا أمير المؤمنين؟قال: نعم، فتوثق له و حلف، قال: فأرسلني إليهم حتى أردّهم عنك. فقال له الوليد: بل اكتب إليهم. قال:

إن كتابي لا يغني شيئا، و قد علموا أني في يديك، و أني سأكتب بما تريد، فأمر بإطلاقه من الحديد، و ردّه إلى حبسه، و أمر الحرس يتحفظون به، ثم ارتحل الوليد بيزيد بن خالد معه، فلما كان الفجر، صبحته أوائل الخيل، خيل أهل اليمن، فأرسل الوليد إلى يزيد بن خالد. فقال له يزيد: خلّ عني حتى أردّهم عنك، فبينما هم على ذلك، إذ التقى القوم، فشدّت الميمنة، و قد طلعت الشمس، و اختلط الناس و كثر القتل، و تخلص يزيد بن خالد من الحرس، فأتوه ببرذون من براذين الوليد، و أتى بسيف فتقلده، ثم نادى مناديه: من جاء برأس الوليد، فله مائة ألف دينار، و نودي في العسكر: من دخل رحله فهو آمن. فنادى الوليد: يا أهل الشام، أ لم أحسن إليكم، أ لم أفعل كذا، فعدّد إحسانه، فقال عبد السلام‏[ (1) ]: بلى قد فعلت، و لكنك عمدت إلى شيخنا و سيدنا خالد بن عبد اللََّه قد عزله الخليفة قبلك، و أخذ أمواله، ثم خلى عنه، فدفعه إلى يوسف بن عمر بالبيع فأدرعه‏[ (2) ]، ثم حمله على محمل بلا وطاء، ثم انطلق به فعذّبه، حتى قتل شرّ قتل يكون.

فقال لهم الوليد: فاخلعوني في قميصي هذا، و ولوا من شئتم، فانصرفوا إلى قومهم، فأعلموهم بما رضي من الخلع. فقالوا: لا إلا رأسه، فتدلى القوم إلى القصر[ (3) ]، و انتهى يزيد بن خالد إلى الباب، و عليه سلسلة، فأمر بها فكسرت، و كسر الباب، و خرج الوليد يسعى، حتى دخل بيتا من بيوت القصر، و دخل عليه [ (1) ]في البداية و النهاية: يزيد بن عنبسة السكسكي (انظر ابن الأثير 3/410) .

[ (2) ]أي ألبسه الدراعة، يعني القميص فقط.

[ (3) ]و كانوا عشرة-على ما ذكره ابن الأثير 3/410 و منهم: منصور بن جمهور، عبد السلام اللخمي، السندي (السري) بن زياد بن أبي كبشة.

155

نحو من ثلاثين رجلا، و هو قائم بيده السيف، منكسا رأسه لا ينظر إليهم، و هو يذب عن نفسه، فضربه رجل‏[ (1) ]، ضربة، ثم صرعة، ثم أكب عليه فاحتزّ رأسه، فخرج به و انصرف الناس إلى دمشق فبايع الناس ليزيد بن الوليد بن عبد الملك.

و ذلك في ذي الحجة من سبع و عشرين و مائة[ (2) ]، فكان خليفة ستة أشهر، ثم مات في جمادى الأولى. ثم ولى إبراهيم بن الوليد فبويع له في جمادى الأولى، فمكث ثلاثة أشهر[ (3) ]، ثم خلع و هرب.

ولاية مروان بن محمد بن مروان بن الحكم‏

قال: و ذكروا أنه لما خلع إبراهيم بن الوليد، خرج مروان بن محمد في صفر، سنة سبع و عشرين و مائة، و معه أهل الجزيرة، و أهل حمص‏[ (4) ]، فدعا إلى نفسه بالبيعة، و وعد الناس خيرا فرضي به أكثر الناس لشجاعة كانت فيه، و سخاء يوصف به، فملك الشام، و استقلّ له الأمر، و غلظ شأنه، و استعلى سلطانه، و بايع له أهل العراق و الحجاز، و هابه الناس و خافوه، و استعمل العمال في الآفاق و الأمصار، و كانت الشيعة تتكاتب على الكتمان لذلك، و تتلاقى على السرّ.

قال: فلما كانت سنة ثمان و عشرين و مائة اجتمعت الشيعة.

[ (1) ]في ابن الأثير: ضربه عبد السلام على رأسه، و ضربه السندي في وجهه، ثم احتزوا رأسه.

و ينفرد صاحب الأخبار الطوال في أنهم لم يقتلوه بل خلعوه فلبث مخلوعا أياما كثيرة، و هو خليع بني أمية (ص 349) .

[ (2) ]قتل الوليد لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة 126 و بويع يزيد، و توفي لعشر بقين من ذي الحجة و كانت خلافته ستة أشهر و ليلتين. و قيل غير ذلك.

انظر في ذلك ثبت بمصادر ترجمته (ابن الأثير 3/424 من تحقيقنا دار إحياء التراث العربيّ- لبنان) .

[ (3) ]في مروج الذهب 3/268 أربعة أشهر، و قيل: شهرين. و في ابن الأثير 3/425: و قيل سبعين يوما.

[ (4) ]قام مروان بن محمد بحجة الثأر لمقتل الوليد بن يزيد (الخليفة المظلوم كما سماه) إنما حقيقة حركته هي اشتداد الصراع الدموي بين اليمانية و القيسية (جناحا السلطة الأموية) و قد غلبت القيسية المضرية و تلاوموا فيما بينهم لغلبة اليمانية عليهم و تكاتبوا و تداعوا و بايعوا مروان بن محمد و كان يومئذ شيخ بني أمية و رجلهم الكبير.

و كانت معركة مروان، عملية تصفية حسابات خطيرة بين اليمانية و القيسية حيث جرت بينهما تصفيات و عمليات قتل من الطرفين و بينهما و انتقل الصراع و امتد إلى خراسان ثم إلى مناطق تواجدهما في جميع مناطق الدولة الإسلامية (الطبري-ابن الأثير-الأخبار الطوال) .

156

خروج أبي مسلم الخراساني‏

قال: و ذكروا أن الشيعة لما اجتمعت، و غلظ أمرهم بخراسان، قدم منهم سليمان بن كثير، و قحطبة بن شبيب، فلقوا إبراهيم بمكة[ (1) ]. فقالوا: قد قدمنا بمال. قال: و كم هو؟قالوا عشرين ألف دينار و مائتي ألف درهم و بمسك و متاع قال: ادفعوه إلى عروة مولى محمد بن عليّ، ففعلوا، فكان يحيى بن محمد يتبعهم و يسألهم، فيقول: ما قصتكم و في أيّ شي‏ء جئتم؟فلا يخبرونه، فذكروا ذلك لإبراهيم. فقال: احذروه، فإنه قليل العقل، ضعيف الرأي. فجاء إلى إبراهيم فقال له: إن عليّ دينا، و اللََّه لئن لم تعطني قضاء ديني، لأرفعنّ أمرك إلى عبد العزيز بن عمر، و هم يومئذ على الموسم، فأعطاه خمسة آلاف درهم، و قدموا بأبي مسلم معهم، و قد خرج أصحابه من السجن، فأعلموا إبراهيم أنه مولاه. فقال لسليمان: قد ربا[ (2) ]أمركم، فأنت على الناس، فاخرج إلى خراسان، و قد كان أبو مسلم قدم على إبراهيم قبل أن ينصرف أصحابه، فرأى عقله و ظرفه. فكتب إلى أصحابه: إني قد أمّرته على خراسان، و ما غلب عليها، فأتاهم فلم يقبلوا قوله، و خرجوا من قابل، فالتقوا بمكة، فأعلمهم أبو مسلم أنهم لم ينفذوا كتابه. قال إبراهيم: إنه قد يجمع رأيه على هذا، فاسمعوا له و أطيعوا.

ثم قال لأبي مسلم: يا أبا عبد الرحمن إنك رجل منا أهل البيت، فاحفظ[ (3) ] وصيتي، انظر هذا الحيّ من اليمن فأكرمهم‏[ (4) ]، فإن اللََّه لا يتمّ هذا الأمر إلا بهم، و انظر هذا الحيّ من ربيعة، فإنّهم معهم‏[ (5) ]، و انظر هذا الحيّ من مضر، فإنّهم العدوّ القريب الدار، فاقتل من شككت في أمره، و من وقع في نفسك منه تهمة. فقال: أيها الإمام، فإن وقع في أنفسنا من رجل هو على غير ذلك، أحبسه حتى تستبينه؟قال: لا، السيف السيف، لا تتقي العدوّ بطرف. ثم قال للشيعة: من أطاعني فليطع هذا، يعني أبا مسلم، و من عصاه فقد عصاني. ثم قال له: إن استطعت أن لا تدع بخراسان‏[ (6) ]أرضا فيها عربيّ فافعل، و أيما غلام [ (1) ]و كان محمد بن علي قد مات سنة 125 و استخلف ابنه إبراهيم الإمام و دعا دعاته إلى تأييده.

[ (2) ]أي زاد و ارتفع شأنكم.

[ (3) ]في الطبري 7/344 «فاحتفظ» .

[ (4) ]في ابن الأثير 3/448 فالزمهم و اسكن بين أظهرهم. (و حلّ: في الطبري) .

[ (5) ]في الطبري: فاتهمهم في أمرهم.

[ (6) ]في الطبري: لسانا عربيا فافعل. و في ابن الأثير: من يتكلم بالعربية فافعل.

157

بلغ خمسة أشبار، فاتهمته فأقتله، و لا تخالف هذا الشيخ، يعني سليمان بن كثير، و لا تعصه، فشخصوا إلى خراسان.

و وقعت العصبية بخراسان، بين نصر بن سيّار، و كان عامل مروان عليها، و بين الكرماني‏[ (1) ]. فدخل على نصر بن سيار رجل فقال له: إن مروان بن محمد قد خالف ما ظنّ به الناس، و قد كان رجي و أمّل، و ما أرى أمره إلا و قد انتقض، و اجترأت عليه الخوارج، و انتقضت عليه البلاد، و خرج عليه ثابت بن نعيم، و رأى الاشتغال بلذّاته أهمّ عليه، فلو اجتمعت كلمتك مع الكرماني فإنّي خائف أن يوقعك هذا الخلاف فيما نكره و أنت شيخ العرب و سيدها، و أرى و اللََّه في هذه الكور شيئا، و أسمع أمورا أخاف أن تذهب، أو تذهل منها العقول. فقال نصر بن سيار: و اللََّه ما أتهم عقلك و لا نصيحتك، و لكن اكفف عن هذا القول، فلا يسمعنّ منك، فالتحم ما بين الرجلين‏[ (2) ]، و هاجت الحرب و تقاتلوا، و جعلت رجال الشيعة تجتمع في الكور الألف و الألفان، فيجتمعون في المساجد، و يتعلمون: أي يتعارفون بينهم، فبلغ ذلك نصرا، و اغتمّ لذلك، و خاف إن وجه إليهم من يقاتلهم أن يتجاوزوا إلى الكرماني، فلما استفحل أمر القوم، و قام بأمرهم أبو مسلم الخراساني، ثم اجتمعوا و أظهروا أمرهم. كتب نصر بن سيار إلى مروان بن محمد:

أرى خلل‏[ (3) ]الرماد و ميض نار[ (4) ] # و يوشك‏[ (5) ]أن يكون له ضرام

فإنّ النار بالعودين تذكى # و إنّ الحرب أوّلها الكلام‏[ (6) ]

أقول من التعجب: ليت شعري # أ أيقاظ أميّة أم نيام

فإن كانوا لحينهم نياما[ (7) ] # فقل قوموا فقد حان القيام‏

[ (1) ]هو جديع بن علي المعروف بالكرماني، كان سيد من بأرض خراسان من اليمانية.

[ (2) ]أي بين نصر بن سيار و الكرماني (تفاصيل ذلك انظرها في الطبري 7/330) و ما بعدها و ابن الأثير 3/444 و ما بعدها، و الأخبار الطوال ص 351 و ما بعدها.

[ (3) ]في الطبري 7/369: بين، و في الأخبار الطوال: تحت.

[ (4) ]في الطبري و الأخبار الطوال: جمر.

[ (5) ]في ابن الأثير: «و أخشى» و في الطبري: فأحج بأن.. و في الأغاني 6/12 بولاق: و أحر أن.

[ (6) ]في الأخبار الطوال: و أن الشر مبدؤه كلام.

[ (7) ]في مروج الذهب 3/291 فإن يك قومنا أضحوا نياما.

و في الأخبار الطوال: فإن يك أصبحوا و ثووا نياما.

158

ففرّي عن رحالك ثم قولي # على الإسلام و العرب السلام‏

فكتب إليه مروان‏[ (1) ]: إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فقال نصر لما قرأ الكتاب: أما صاحبكم فقد أعلمكم أن لا نصر عنده، و جعل أبو مسلم يكتب الكتب، ثم يقول للرسل: مرّوا بها على اليمانية، فإنّهم يتعرضون لكم، و يأخذون كتبكم، فإذا رأوا فيها أني رأيت المضرية لا وفاء لهم، و لا خير فيهم، فلا تثق بهم، و لا تطمئنّ إليهم، فإنّي أرجو أن يريك اللََّه في اليمانية ما تحبّ، و يرسل رسولا آخر بمثل ذلك على اليمانية. فيقول: مرّ على المضرية، فكان الفريقان جميعا معه، و جعل يكتب إلى نصر بن سيار، و إلى الكرماني: أن الإمام قد أوصاني بكم، و لست أعدو رأيه فيكم، فجعل نصر يقول: يا عباد اللََّه، هذه و اللََّه الذلة، رجل بين أظهرنا يكتب إلينا بمثل هذا، لا نقدر له على ضرّ و لا نفع، فلما تبين القوم أن لا نصير لهم كتب أبو مسلم إلى أصحابه في الكور، أن أظهروا أمركم، فكان أوّل الناس من سوّد[ (2) ]أسيد[ (3) ]بن عبد اللََّه، فنادى: يا محمد، يا منصور، فسود معه العكي، و مقاتل بن حكم‏[ (4) ]، و عمر بن غزوان، و أقبل أبو مسلم حتى نزل الخندقين فهابه الفريقان جميعا. فقال: لست أعرض لواحد منكم، إنما ندعو إلى آل محمد، فمن تبعنا فهو منا، و من عصانا فاللََّه حسيبه. فلما جعل أصحابه يكثرون عنده. و هو يطمع الفريقين جميعا في نفسه.

كتب نصر بن سيار: إلى مروان بن محمد، يذكر استعلاء أمر أبي مسلم، و يعلمه بحاله و خروجه، و كثرة شيعته، و أنه قد خاف أن يستولي على خراسان، و أنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد، فأتى مروان الكتاب، و قد أتاه رسول أبي مسلم بجواب إبراهيم‏[ (5) ]، فأخذ جواب إبراهيم، و فيه لعن إبراهيم لأبي مسلم، حين [ (1) ]في العقد 4/478 هذه الأبيات كتبها نصر إلى هشام بن عبد الملك، و في الأغاني 6/128 ذكر أنه أرسلها إلى الوليد بن يزيد و في بقية المصادر فكالأصل.

[ (2) ]أي رفع شعار السواد، شعار العباسيين.

[ (3) ]في ابن الأثير: أسد.

[ (4) ]في الطبري و ابن الأثير: حكيم.

[ (5) ]كان أبو مسلم قد أرسل إلى إبراهيم الإمام كتابا يخبره فيه خبره، و ما آل إليه أمره.

و كان مروان بن محمد قد وكل بالطرق أشخاصا يراقبون رسل أبي مسلم، فجي‏ء برسول أبي مسلم إلى مروان و بعد أن قرأ كتابه رشا الرسول على أن يذهب إلى إبراهيم و يأخذ جواب كتاب أبي مسلم و يأتيه به ففعل. (مروج الذهب 3/295 الطبري 7/370 ابن الأثير 3/462 الأخبار الطوال ص 357) . ـ

159

ظفر بالرجلين، ألا يدع بخراسان عربيا إلا قتله، فانطلق الرسول بالكتاب إلى مروان، فوضعه في يده. فكتب مروان إلى الوليد بن معاوية[ (1) ]، و هو على دمشق:

أن أكتب إلى عاملك بالبقاء[ (2) ]، فليأخذ إبراهيم بن محمد فليشدّه وثاقا، ثم يبعث به إليك، ثم وجه به إليّ، فأتى إليه و هو جالس في مسجد القرية، فأخذ إلى دمشق، و دخل على مروان، فأنبه و شتمه، فاشتدّ لسان إبراهيم عليه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، ما أظنّ ما يروي الناس عنك إلا حقا في بعض بني هاشم. فقال: أدركك اللََّه بأعمالك، اذهب به، فإن اللََّه لا يأخذ عبدا عند أوّل ذنب، اذهب به إلى السجن. فقال أبو عبيدة: فكنت آتيه في السجن، و معه عبد اللََّه بن عمر بن عبد العزيز، فو اللََّه إني ذات ليلة في سقيفة السجن، بين النائم و اليقظان، إذ مولى لمروان قد استفتح، و معه عشرون رجلا من موالي مروان، من الأعاجم، و معه صاحب السجن، ففتح لهم فدخلوا، و أصبحنا فإذا عبد اللََّه بن عمر، و إبراهيم بن محمد ميتان‏[ (3) ]، فانكسر لذلك مسلم بخراسان، إذا بلغه موت إبراهيم، و انكسرت الشيعة، و استعلى أمر الكرماني، فلما رأى أبو مسلم ذلك قال له: إنا معك، ثم دارت الأحوال بين نصر و الكرماني، حتى غدر نصر بالكرماني فقتله و صلبه‏[ (4) ]، فخاف نصر على نفسه من أبي مسلم.

ذكر ما أمال أصحاب الكرماني إلى أبي مسلم‏

قال: و ذكروا أن أبا مسلم كتب إلى نصر: إنه قد جاءنا من الإمام كتاب فهلمّ نعرضه عليك، فإن فيه بعض ما تحبّ. فدخل عليه رجل‏[ (5) ]فقال: إِنَّ اَلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ، فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ اَلنََّاصِحِينَ [القصص: 20].

فقال نصر: ادخل فالبس ثيابي، فدخل بستانا له، و قد تقدم إلى صاحب دوابه، [ (1) ]كذا بالأصل و الطبري، و في الأخبار الطوال ص 357: معاوية بن الوليد بن عبد الملك.

[ (2) ]البلقاء: بلد من أعمال عمان في أطراف الشام.

[ (3) ]زيد في الأخبار الطوال عن أبي عبيدة: فظننت أنهما خنقا. و في مروج الذهب 3/296 أما العباس (هو العباس بن الوليد بن عبد الملك) و عبد اللََّه فجعل على وجوههما مخاد و قعد فوقهما فاضطربا حتى بردا، و أما إبراهيم فإنّهم جعلوا رأسه في جراب كان معهم فيه نورة مسحوقة فاضطرب ساعة ثم خمد.

[ (4) ]انظر في ذلك الطبري 7/370 ابن الأثير 3/459.

[ (5) ]هو لاهز بن قريظ (ابن الأثير 3/469 الطبري 7/381) .

160

فأتاه بدوابّ، فركب و هرب، معه داود بن أبي داود[ (1) ]، و هرب معه بنوه، و تفرّق أصحابه، و جاء القوم إلى أبي مسلم فأعلموه أنه قد خرج، و لا يدرون أين توجه، فاستولى أبو مسلم على خراسان، فاستعمل عليها عماله، ثم وجه أبا عون‏[ (2) ]في ثلاثين ألفا إلى مروان، فلما بلغ مروان الخبر خرج حتى أتى حرّان، فتخمل بعياله و بناته و أهله، و قد كان يتعصب قبل، فجفا أهل اليمن و أهل الشام و غيرهم، و قتل ثابت بن نعيم، و السمط بن ثابت، و هدم مدائن الشام، و تحول إلى الجزيرة. قال إسماعيل بن عبد اللََّه القسري: دعاني مروان فقال: يا أبا هاشم و ما كان يكنيني قبلها، قد ترى ما حل من الأمر و أنت الموثوق به، و لا مخبأ بعد بؤس‏[ (3) ]، ما الرأي؟فقلت: يا أمير المؤمنين على ما أجمعت؟قال: على أن أرتحل بموالي و عيالي و أموالي، و من تبعني من الناس حتى أقطع الدرب، ثم أميل إلى مدينة من مدائن الروم، فأنزلها، و أكاتب صاحب الروم، و أستوثق منه‏[ (4) ]، فما يزال يأتيني الخائف و الهارب حتى يلتف أمري. قال إسماعيل: و ذلك و اللََّه الرأي. فلما رأيت ما أجمع عليه، و رأيت سوء آثاره في قومي‏[من قحطان‏]، و بلائه القبيح عندهم، قلت له: أعيذك باللََّه يا أمير المؤمنين من هذا الرأي، أن تحكم فيك أهل الشرك، و في بناتك و حرمك، و هم الروم لا وفاء لهم، و لا تدري ما تأتي به الأيام، فإن أنت حدث عليك حادث بالروم، و لا يحدث إلا خير، ضاع أهلك من بعدك، و لكن اقطع الفرات، ثم استدع‏[ (5) ]الشام جندا جندا، فإنك في كنف و جماعة و عزّة، و لك في كل جند صارم‏[ (6) ]يسيرون معك، حتى تأتي مصر، فإنّها أكثر أرض اللََّه مالا[و خيلا]و رجالا، ثم الشام أمامك، و إفريقية خلفك، فإن رأيت ما تحب انصرفت إلى الشام، و إن كانت الأخرى مضيت إلى إفريقية.

قال: صدقت، ثم استخار اللََّه و قطع الفرات، فمرّ بكور من كور الشام، [ (1) ]في ابن الأثير و معه: ابنه تميم و الحكم بن تميلة النميري و امرأته المرزبانة.

[ (2) ]هو عبد الملك بن يزيد الخراساني، أبو عون.

[ (3) ]في مروج الذهب 3/301: و لا مخبأ لعطر بعد عروس.

[ (4) ]زيد في مروج الذهب: فقد فعل ذلك جماعة من الأعاجم، و ليس هذا عارا بالملوك.

[ (5) ]مروج الذهب: استنفر.

[ (6) ]مروج الذهب: صنائع.

161

فوثبوا عليه، فأخذوا مؤخر عسكره فانتهبوه، ثم مرّ بحمص فصنعوا له مثل ذلك، ثم مرّ بأهل دمشق فوثبوا عليه، و وثب به الوليد بن معاوية[ (1) ]، و كان عامل مروان على دمشق، ثم مضى إلى الأردن، فوثب بن هاشم بن عمر[ (2) ]، ثم مرّ بفلسطين فوثب به الحكم‏[ (3) ]، ثم مضى إلى مصر فاتبعه الحجاج بن زمل السكسكي. فقيل له: أتتبعه و قد عرفت بغضه لقومك؟فقال: ويحكم إنه أكرمني لمثل هذا اليوم لآخذ له، و تبعه أيضا أبو سلمة الخلال و ثعلبة بن سلامة، و كان عامله على الأردن، و تبعه أيضا الرّحس فقال: إني لأسير مع مروان حيث جزنا فلسطين.

فقال: يا رماحس انفرجت عني قيس انفراج الرأس ما تبعني منهم أحد[ (4) ]، و ذلك أنا وضعنا الأمر في غير موضعه، و أخرجناه من قوم أيدنا بهم، و خصصنا به قوما، و اللََّه ما رأينا لهم وفاء و لا شكرا.

تولية أبي مسلم قحطبة بن شبيب قتال مروان‏

قال: و ذكروا أن الهيثم بن عديّ أخبرهم عن رجال أدركوا الدولة و صحبوا أهلها. قالوا: لما استولى أبو مسلم على خراسان، و ولى قحطبة الطائي قتال مروان بن محمد، و بعث معه ثلاثين ألفا من رجال اليمن و أهل الشيعة، و فرسان خراسان، و خرج مروان و هو يريد أبا مسلم بخراسان، و معه مائة ألف فارس سوى أصحاب الحمولة، فهرب من بين يديه أبو العباس، و أبو جعفر، و عيسى بن عليّ بن عبد اللََّه بن عباس، فلحقوا بالكوفة، فبعث أبو العباس إلى أبي سلمة الخلال، و اسمه حفص بن سليمان، و كان واليا لإبراهيم بن محمد على الشيعة بالكوفة فأمره إن بلغه أمر فيه قوة لأبي مسلم بخراسان أن يظهر أمره بالكوفة، و يدعو إليه، و يناهض صاحب الكوفة، ففعل ذلك أبو سلمة، فلما غلظ أمر أبي مسلم بخراسان، و استولى عليها، و بعث الجيوش إلى مروان أظهر أمره بالكوفة، و طرد عامل الكوفة، فخرج هاربا.

[ (1) ]في مروج الذهب: فوثب به الحارث بن عبد الرحمن الجرشي.

[ (2) ]في مروج الذهب: هاشم بن عمرو القيسي و المذحجيون جميعا.

[ (3) ]الحكم بن صنعان بن روح بن زنباع (مروج الذهب) .

[ (4) ]قال المسعودي: معه من قيس رجلان ابن حمزة السلمي و كان أخاه من الرضاعة، و الكوثر بن الأسود الغنوي.

162

ذكر البيعة لأبي العباس بالكوفة

قال: و ذكروا أن أبا مسلم لما بلغه أن أبا سلمة قد أظهر أمره بالكوفة، و دعا إلى محمد، وجه رجلا من قوّاده إلى الكوفة في ألفي فارس، و أمره أن يسرع السير حتى يأتيها، فأقبل ذلك القائد حتى دخل الكوفة، فلقي غلاما أسود لأبي العباس، فقال له: أين مولاك؟قال: هو في دار هاهنا. قال: دلني عليه، فدله على الدار، فاستفتح الباب، ثم دخل عليه، فسلم عليه بالخلافة، و كان أبو سلمة يريد صرف الخلافة إلى ولد عليّ بن أبي طالب، و كان ينهى أبا العباس عن الخروج، و يقول له: إن الأمر لم يتمّ، و إن موالي بني أمية قائمون بالحرب، و الأمر أشدّ مما كان. فقال أبو العباس: إن أبا سلمة منعني عن الخروج حتى يولي العمّال، و يعمل الخراج. فقال القائد: لعن اللََّه أبا سلمة، و اللََّه لا أجلس حتى تخرج إلى الناس، فخرج له مع رجاله إلى المسجد، و نودي الصلاة جامعة، فصعد أبو العباس المنبر، فحمد اللََّه و أثنى عليه و صلى على نبيه، ثم ذكر بني أمية و سوء آثارهم، و ذكر العدل فحض عليه، و وعد الناس خيرا، و رجا لهم الإصلاح و قسمة الفي‏ء على وجهه، ثم دخل الإمارة، و جلس الناس، فلما بلغ أبا سلمة خروجه أتاه يعتذر إليه، فقبل ذلك منه، و أراه المكانة منه، و الخاصة به، و قد كان علم أبو العباس الّذي أراد أبو سلمة من صرف الخلافة إلى ولد عليّ بن أبي طالب.

حرب مروان بن محمد و قتله‏

قال: و ذكروا أن قحطبة بن شبيب، لما انتهى إلى بعض كور الشام، التقى بمروان فقاتله، فانهزم مروان، فأقحم قحطبة في طلب مروان‏[ (1) ]فرسه في الفرات، فحمله الماء، فمات فيه‏[ (2) ]، و قد أصاب أهل عسكر قحطبة من أموال [ (1) ]كذا بالأصل و في الطبري و ابن الأثير أن قحطبة أمر بالتوجه إلى العراق و فيه ابن هبيرة من قبل مروان. و ان القتال دار بينهما، و قد قطع قحطبة الفرات حتى صار إلى غربيه، و مروان يمد ابن هبيرة حيث التقيا على الفرات-في أرض الفلوجة العليا-على رأس 23 فرسخا من الكوفة.

[ (2) ]وجد في جدول هو و سلم (سالم) بن أحوز قتيلين. و قيل في موته أن رجلا ممن كان معه قتله آخذ بثأر بني نصر بن سيار (البداية و النهاية 10/38) . و في الأخبار الطوال ص 369 فقد قحطبة و لم يدر أين ذهب. و انظر تاريخ اليعقوبي 2/344.

163

مروان، و أمتعة عسكره ما لا يحصى كثرة، فتناول اللواء حميد بن قحطبة[ (1) ]، و عبر الفرات حتى أتى الشام، فقيل له: إن مروان ترك الطريق إلى دمشق و ذهب صالح بن علي بن عبد اللََّه بن عباس‏[ (2) ]، و كان بناحية من الشام، و قد اجتمع إليه الناس لما علموا من قرابته لأمير المؤمنين، فلما اجتمع مع حميد بن قحطبة سلم إليه الأمر، و قال الناس: إنه خرج بإظهار الدعوة لأبي العباس من غير أمره، فلما سلم الأمر إلى صالح بن عليّ، أتاه كتاب أبي مسلم، أن يرجع ابن قحطبة ببعض عساكره إلى العراق، فيكون فيها حتى يأتيه أمره، فأتى صالح بن عليّ كتابه بأنه قد صير إليه الشام، و ما وراءها إلى المغرب، و يأمره فيه ببعثه الجيوش في طلب مروان، فولى صالح بن عليّ رجلا من الأزد، يقال له أبو عون على مصر، و أمره بطلب مروان في أرض المغرب، و بعثه في عشرين ألفا، و كان سليمان بن هشام بن عبد الملك قد نافر مروان بن محمد[ (3) ]، و قاتله مرارا قبل أن يشتدّ أمر أبي مسلم، فسار إليه في أربعة آلاف، و ذلك بعد خروج قحطبة من عند أبي مسلم، فنزل به سليمان، و كانت بينه و بين أبي العباس مودّة قديمة، فبايع أبا مسلم على طاعة أبي العباس، فسر به أبو مسلم و شيعته، ثم سيره في طلب قحطبة ممدّا له، و قد قاتل مروان قحطبة قبل قدوم سليمان بيومين، فلما نظر مروان إلى دخول سليمان بن هشام في عسكر قحطبة، و كثرة من جاء معه انهزم، فمضى سليمان مع حميد بن قحطبة في طلبه، و لم يكن مروان انهزم عنه غلبة، و لكنه كان نظر في كتب الحدثان، فوجد فيها أن طاعة المسودّة لا تجاوز الزاب‏[ (4) ]، فقال ذلك لوزرائه. فقيل له: إن بمصر زابا آخر. قال: فإليها نذهب [ (1) ]في الطبري و ابن الأثير: بويع حميد بن قحطبة لأخيه الحسن. و كان قحطبة قد أرسله في سرية فأرسلوا فأحضروه و سلموا إليه الأمر.

[ (2) ]كذا، و في الطبري و ابن الأثير و مروج الذهب: صالح بن علي، و سيرد بعد صحيحا.

[ (3) ]كان سليمان بن هشام بن عبد الملك قد خلع مروان سنة 127 و عسكر مع أصحابه بقنسرين و اجتمع إليه هناك سبعون ألفا من أهل الشام و الذكوانية و غيرهم، و التقى مع مروان في خساف من أرض قنسرين فانهزم سليمان و هرب إلى العراق (ابن الأثير 3/438) . ثم التحق بالضحاك، ثم بشيبان الحروري، و بعد هزيمة شيبان هرب سليمان إلى السند. و لم يرد في أي من المصادر اشتراكه في هذه المعركة. و الخبر هنا فيه اضطراب كبير مع ما ذكر في الطبري و ابن الأثير اللذين يذكران أن مطاردة مروان كانت من قبل عبد اللََّه بن علي على الزاب و أن صالح بن علي تولى مطاردة مروان بعد اجتيازه نهر أبي فطرس بفلسطين إلى مقتله قرب ذات الساحل (ذات السلاسل) .

[ (4) ]الزاب: نهر بالموصل، و الزاب أيضا عدة مواضع (معجم البلدان) .

164

إذا، و الزاب الّذي أراد علمه هو بأرض المغرب، فأقبل مروان و هو يريد مصر، فالتقت الخيل، فانهزمت خيل أبي عون، و أسر جماعتهم و صاحب أمرهم‏[ (1) ]، فأتى مروان بالأسارى، فقال مروان لجماعته: شدوا أيديكم بالأسرى، فقد أجننا الليل، و بات مسرورا. فلما أصبح جعل يهنئ أصحابه للقاء القوم، فأقبل سليمان بن هشام، و أبو عون و كان مروان قد أرخى حبال الجسر، و توسط أصحابه فيما هنالك و هم آمنون فقال أبو عون للقبط: هل لهذا النهر من مخاضة، فقالوا له: ما علمنا ذلك، و لا بلغنا أن أحدا خاضه قط، فقطع عما قصد و أراد. فكتب إلى صالح بن عليّ بذلك، و يسأله أن يبعث إليه بمراكب ساحل البحر عاجلا، فبينما هو في ذلك، إذ أتاه رجل من القبط فقال له: إن أبي كان يقرأ الكتاب، و كان يحدثنا بأمور تكون بعده، و يصف لنا موضعا يجعله اللََّه لكم تخوض فيه الخيل عند تلك الأمور، و قد اختبرت ذلك الليلة، فسرّ بذلك أبو عون، ثم بعث معه الخيل إلى ذلك الموضع، بعد أن وصله و وعده خيرا و كان مروان نظر إلى الرايات السود بناحية مصر، و نظر إلى الخيل تعدو النهر، و لا يشك أنهم لا يجدون سبيلا إلى عبوره، فلم ينشب أهل عسكر مروان أن نظروا إلى خيل أبي عون قد جاوزت النيل، فعبأ مروان أصحابه و أهل بيته، ثم خطبهم و حضهم على الصبر. و قال لهم: إن الجزع لا يزيد في الأجل، و إن الصبر لا ينقص الأجل و أقبل القوم فاقتتلوا من وقت صلاة الصبح إلى أن مالت الشمس، فأصيب عبد اللََّه و محمد ابنا مروان و بنو أبيه أكثرهم، و ولد عبد العزيز، و صابر القوم، فلما لم يبق حوله إلا قدر الثلاثين، حمل على القوم فأكردهم‏[ (2) ] و رجع، فجعل أصحابه يفترقون عنه. فلما رأى ذلك نزل عن فرسه و أنشأ يقول متمثلا[ (3) ]:

ذلّ الحياة و هول‏[ (4) ]الممات # و كلاّ أراه وخيما وبيلا

فإن كان لا بدّ من ميتة[ (5) ] # فسيري إلى الموت سيرا جميلا

[ (1) ]و اسمه المخارق.

[ (2) ]أكردهم: طردهم و جعلوا يجرون أمامه.

[ (3) ]في ابن الأثير 3/496 القائل هو مسلمة بن عبد الملك.

[ (4) ]في ابن الأثير: و كره.

[ (5) ]في ابن الأثير: فإن لم يكن غير إحداهما.

165

فوثب رجل إلى فرسه فأخذه. فقال له مروان: أكرمه فإنه أشقر مروان. ثم كسر غمد سيفه، و قاتل قتالا شديدا، ثم أصيب‏[ (1) ]، فنزل أبو عون، فأمر بضرب قبابه، و أمر سليمان بن هشام بطلب المنهزمين، حتى أصيب عامتهم و استأسر منهم من استأسر، و كان فيمن أسر منهم عبد الحميد كاتبه، و حكم المكيّ مؤذنه، فاستبقاهما أبو عون، و بعث بهما إلى صالح بن عليّ، ثم أمر أبو عون بطلب جثة مروان على شاطئ النيل. فلما كان من الغد، ركب أبو عون و سليمان بن هشام لينظروا مروان، فنظرا إليه، ثم تحوّل أبو عون إلى سليمان. فقال: الحمد للََّه الّذي شفى صدرك قبل الموت من مروان، فهل لك يا أبا أيوب أن تذهب إلى أمير المؤمنين بكتابي و بما هيأ اللََّه على يديك و شفا به صدرك، فيفعل بك خيرا، و يعرف من قرابتك و نصحك ما أنت أهله؟فرضي بذلك سليمان، فكتب و سار.

فلما قدم سليمان بن هشام على أبي العباس أمير المؤمنين، رحب به و قرّبه و استلطفه، و أنزله بعض دور الكوفة، و فعل به ما لم يفعل بأحد سواه، من البرّ و الإكرام، و كان سليمان يختلف إلى مائدة أبي العباس في كلّ يوم، فيتغدّى معه، و يتعشى، و كان كأحد وزرائه و فوقهم، و كان يجلس أبا جعفر عن يمينه، و سليمان عن يساره.

قتل أبي سلمة الخلال‏

قال: و ذكروا أن أبا العباس لما تمت له الأمور و استوثقت، استشار وزراءه في قتل أبي سلمة، فأدار القوم الرأي فيه، و كان أبو سلمة يظهر الإدلال و القدرة على أمير المؤمنين، و كان يقيم عنده في كل ليلة إلى حين من الليل، فإذا أراد الخروج و الرجوع إلى منزله، قربت إليه دابته إلى المجلس، فيركب منه دون غيره، ثم يخرج إلى داره. فقالوا له: إنك إن قتلته ارتاب أبو مسلم، و لم تأمن أن يحدث لذلك حدثا، و لكن الرأي أن تكتب إليه بالذي رابك منه، و الّذي يريده من فسخ ما أنت فيه، فكتب إلى أبي مسلم بذلك‏[ (2) ]، و كان أبو العباس و أبو [ (1) ]الّذي قتله محمد بن شهاب المازني، و في الطبري اسمه المغود، و في الأخبار الطوال و مروج الذهب: عامر بن إسماعيل. و كان قتله لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة 32.

[ (2) ]في مروج الذهب 3/328 أن أبا مسلم هو الّذي كتب إلى السفاح يشير عليه بقتله. ثم كتب إلى المنصور و داود بن علي يسألهما أن يشيرا على السفاح بقتله لأنه نكث و بدّل و غيّر. (و انظر

166

جعفر لا يسميان عبد الرحمن (يعني أبا مسلم إلا عما) . فلما قدم الكتاب إلى أبي مسلم، كتب إلى أبي العباس: إن كان رابك منه ريب فاضرب عنقه. فلما أتاه الكتاب قال له وزراؤه: إنك لا تأمن من أن يكون ذلك غدرا من أبي مسلم، و أن يكون إنما يريد أن يجد السبيل إلى ما تتخوّف منه، و لكن اكتب إليه أن يبعث إليك برجل من قواده يضرب عنقه. فكتب إليه بذلك، و ذكر في كتابه: إني لا أقدّم و لا أؤخر إلا برأيك. فبعث إليه برجل يقال له مرار الضبي‏[ (1) ]. فلما قدم على أبي العباس أمر ذلك الضبي أن يقعد له في الظلمة، في داخل الإمارة بالكوفة، فإذا خرج ضربه بالسيف برأسه، فقتله، ثم أمر بصلبه، فلما أصبح الناس إذا هم بأبي سلمة مصلوبا على دار الإمارة.

قتل رجال بني أمية بالشام‏

قال: و ذكروا أن أبا العباس ولى عمه عبد اللََّه بن عليّ، الّذي يقال له السفاح‏[ (2) ]: الشام، و أمره أن يسكن فلسطين، و أن يجدّ السير نحوها، و هنأه بما [ () ]اليعقوبي 2/352) .

و أشار في الأخبار الطوال إلى أنه بمجرد بلوغه خبر أن أبا العباس أسند أموره إلى أبي سلمة أرسل مروان الضبي فقتله ص 370.

[ (1) ]في الأخبار الطوال: «مروان» ابن الأثير و الطبري: مرار بن أنس الضبي. و في تاريخ اليعقوبي:

مراد بن أنس الضبي.

[ (2) ]ثمة أقوال فيمن لقب «بالسفاح» عبد اللََّه بن علي أم أخوه أبو العباس الخليفة الأول.

ناقش الأستاذ نيكلسون في كتابه ( IetoN 253. p) malsIfognihcaerPehT . لفظ السفاح فقال:

لقد ذهب بعض المؤرخين إلى القول بأن السفاح معناه الرجل الكثير العطايا أو المناح.

و مع كل فإنه مما يهمنا ملاحظته أن هذا الاسم قد أطلق على بعض شيوخ القبائل في الجاهلية. و يقال إن سلمة بن خالد الّذي قاد بني تغلب في معركة يوم الكلاب الأول سمي السفاح، لأنه أفرغ مزاد جيشه قبل الوقعة.

و في اللسان: «رجل سفاح للدماء: سفاك. و رجل سفاح: معطاء، من ذلك، و هو أيضا الفصيح... و السفاح لقب عبد اللََّه بن محمد أول خليفة من بني العباس» .

و الذين أيدوا أن الخليفة أبي العباس هو من لقب استندوا إلى أول خطبة له و الّذي يقول فيها: «أنا السفاح المبيح و الثائر المبير» .

أما الذين اعتمدوا لقب السفاح إلى عبد اللََّه بن علي فاستندوا إلى:

-غلظته و انتقامه من بني أمية، و يظهر من سيرته الجور.

-أن المؤرخين المتقدمين أمثال الطبري و خليفة و اليعقوبي و الدينَوَريّ لم يأتوا على تلقيبه بالسفاح، إنما جاء اللقب من المؤرخين المتأخرين. ـ

167

أصاب من أموال بني أمية، و كتب إلى صالح بن عليّ أن يلحق بمصر واليا عليها[ (1) ]. فقدم السفاح فلسطين، و تقدم صالح إلى مصر، فأتاها بعد قتل مروان بيومين، و أن السفاح بعث إلى بني أمية، و أظهر للناس أن أمير المؤمنين وصاه بهم، و أمره بصلتهم، و إلحاقهم في ديوانه، و ردّ أموالهم عليهم، فقدم عليه من أكابر بني أمية و خيارهم، ثلاثة و ثمانون رجلا، و كان فيهم عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، و أبان بن معاوية بن هشام، و عبد الرحمن بن معاوية، و غيرهم من صناديد بني أمية. فأما عبد الرحمن بن معاوية، فلقيه رجل كان صنع به برّا، و أسداه خيرا، و أولاه جميلا. فقال له: أطعني اليوم في كلمة، ثم اعصني إلى يوم القيامة. فقال له عبد الرحمن: و ما أطيعك فيه اليوم؟فقال له الرجل: أدرك موضع سلطانك، و قاعدتك المغرب، النجاء النجاء، فإن هذا غدر من السفاح، و يريد قتل من بقي من بني أمية. فقال له عبد الرحمن: ويحك إنه كتاب أبي العباس، قدم عليه، يأمره فيه بصلتنا، و ردّ أموالنا إلينا، و إلحاقنا بالعطاء الكامل، و الرزق الوافر. فقال له الرجل: ويحك أ تغفل؟و اللََّه لا يستقرّ ملك بني العباس، و لا يستولون على سلطان، و منكم عين تطرف. فقال له عبد الرحمن: ما أنا بالذي يطيعك في هذا. فقال الرجل: أ فتأذن لي أن انظر إلى ما تحت ظهرك مكشوفا؟فقال له: و ما تريد بهذا؟فقال له: أنت و اللََّه صاحب الأمر بالأندلس، فاكشف لي، فكشف عبد الرحمن عن ظهره، فنظر الرجل فإذا العلامة التي كانت في ظهره قد وجدت في كتب الحدثان‏[ (2) ]، و كانت العلامة خالا أسود عظيما مرتفعا على الظهر هابطا، فلما نظر إليه الرجل قال له: النجاء النجاء، و الهرب الهرب، فإنك و اللََّه صاحب الأمر، فاخرج فإنا معك، و مالي لك، و لي عشرون ألف دينار مصرورة، كنت أعددتها لهذا الوقت. فقال له عبد الرحمن: و عمن أخذت هذا العلم؟فقال الرجل: من عمك مسلمة بن [ (-) ]إن سيرته لم تتسم بالجور و الظلم، إذا استثنينا بعض الحوادث التي اعتبرها ضرورية-بل وقائية-لتدعيم سلطته و إبعاد الخطر عنه (انظر سيرته في الأغاني 4/92 النزاع و التخاصم ص 55) (انظر تاريخ الإسلام السياسي 2/22 حاشية 1، و مقالة للعبادي: صور و بحوث من التاريخ الإسلامي (عصر الدولة العباسية ص 1-5) .

[ (1) ]في الطبري و ابن الأثير: عبد الملك بن يزيد، أبو عون. و أقره على مصر سنة 133. و على أجناد الشام عبد اللََّه بن علي و صالح بن علي.

[ (2) ]كتب الحدثان: أي كتب التنجيم و الإخبار بالمستقبل.

168

عبد الملك. فقال له عبد الرحمن: ذكرت و اللََّه عالما بهذا الأمر، أما لئن قلت ذلك لقد وقفت بين يديه و أنا غلام، يوم توفي أبي معاوية، و هشام يومئذ خليفة، فكشفت عن ظهري، فنظر إلى ما نظرت إليه. فقال لهشام جدي و هو يبكي:

هذا اليتيم يا أمير المؤمنين صاحب ملك المغرب. فقال له هشام: و ما الّذي أبكاك يا أبا سعيد؟أ لهذا تبكي؟فقال: أبكي و اللََّه على نساء بني أمية و صبيانهم، كأني بهم و اللََّه قد أبدلوا بعد أساورة الذهب و الفضة الأغلال و الحديد، و بعد الطيب و الدهن البقل و العقار، و بعد العزّ الذلّ و الصغار. فقال هشام: أحان زوال ملك بني أمية يا أبا سعيد؟فقال مسلمة: إي و اللََّه حان، و إن هذا الغلام يعمر منهم، ثم يصير إلى المغرب فيملكها. فقال له الرجل: فاقبض مني هذا المال، و اخرج بمن تثق به من غلمانك. فقال عبد الرحمن: و اللََّه إن هذا الوقت ما يوثق فيه بأحد، فولى ذاهبا، و خرج لا يدري متى خرج، فلحق بالمغرب، و أقبل القوم من بني أمية، و قد أعدّ لهم السفاح مجلسا فيه أضعافهم من الرجال، و معهم السيوف و الأجرزة[ (1) ]، فأخرجهم عليهم، فقتلهم و أخذ أموالهم‏[ (2) ]، و استعفى‏[ (3) ]عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، و كان عبد الواحد قد بذّ العابدين في زمانه، و سبق المجتهدين في عصره، فركب السفاح إلى أموال عبد الواحد، و كان عبد الواحد قد اتخذ أموالا معجبة، تطّرد فيها المياه و العيون، فأمره السفاح أن يصيرها إليه، فأبى عليه، و اختفى منه، فأخذ رجالا من أهله، فتواعدهم السفاح، و أمر بحسبهم حتى دلوه عليه. فلما قبضه أمر بقتله، ثم استقصى ماله، فبلغ ذلك أبا العباس أمير المؤمنين، و كان أبو العباس يعرفه قبل ذلك، و كان عبد الواحد أفضل قرشيّ كان في زمانه عبادة و فضلا. فقال أبو العباس: رحم اللََّه عبد الواحد، ما كان و اللََّه ممن يقتل لغائلة[ (4) ]، و لا ممن يشار إليه بفاحشة، و ما قتلته إلا أمواله، و لو لا أن السفاح عمي، و ذمامه و رعاية حقه عليّ واجب، لأقدت منه‏[ (5) ]، و لكن اللََّه طالبه، و قد كنت أعرف عبد الواحد برّا [ (1) ]الأجرزة جمع جرز، و هو عمود حديد.

[ (2) ]و كانوا ثلاثة و سبعين (الطبري) ، بضعة و ثمانين (مروج الذهب) اثنين و ثمانين (العقد) . نحو تسعين رجلا (ابن الأثير) ، ثمانون (تاريخ اليعقوبي) .

[ (3) ]استعفى: أي تركه و لم يقتله.

[ (4) ]يريد أنه قتل غدرا.

[ (5) ]أي اقتصصت منه، و قتلته قودا بعبد الواحد.

169

تقيا، صوّاما قوّاما. ثم كتب إلى عمه السفاح ألا يقتل أحدا من بني أمية، حتى يعلم به أمير المؤمنين، فكان هذا أوّل ما نقم أبو العباس على عمه السفاح.

ذكر قتل سليمان بن هشام‏

قال: و ذكروا أن عيسى بن عبد البرّ أخبرهم قال: كان سليمان بن هشام أكرم الناس على أبي العباس أمير المؤمنين‏[ (1) ]، لحسن بلائه مع قحطبة، و قيامه معه على مروان ابن عمه، و كان هو الّذي تولى كبره، و قتل على يديه، فكان لذلك أخصّ الناس بأبي العباس، فبينما هما يوما و قد تضاحكا و تداعبا، إذ أتى رجل من موالي أبي العباس‏يقال له سديف‏[ (2) ]، فناول أبا العباس كتابا فيه‏[ (3) ]:

أصبح الملك ثابت الأساس # بالبهاليل‏[ (4) ]من بني العباس

طلبوا و تر هاشم فشفوها # بعد ميل من الزمان و ياس

لا تقيلنّ عبد شمس عثارا # و اقطعن كلّ نخلة و غراس

ذلّها أظهر التودّد منها # و بها منكم كحزّ المواسي

و لقد غاظني و غاظ سوائي‏[ (5) ] # قربهم من منابر و كراسي

و اذكرن مقتل الحسين و زيدا # و قتيلا بجانب المهراس‏

[ (6) ] [ (1) ]مر أن سليمان بن هشام قد فرّ بعد هزيمته أمام مروان بن محمد أيام شيبان-و لم تأت على ذكره المصادر-إلى أن جاء و استأمن مع ابنين له أبا العباس فأكرمه أبو العباس و أبره (تاريخ اليعقوبي 2/358) .

[ (2) ]يفهم من رواية العقد 4/486 أن شبل بن عبد اللََّه مولى بني هاشم هو الّذي دخل على أبي العباس، (ابن الأثير: دخل على عبد اللََّه بن علي) و كان عنده جماعة من بني أمية فيهم الغمر بن يزيد بن عبد الملك. (انظر الكامل للمبرد 3/1367) .

[ (3) ]الأبيات في الأغاني 4/93 بولاق، و الكامل للمبرد 3/1367 و العقد الفريد 4/486 و ابن الأثير 3/502 و تاريخ اليعقوبي 2/359 و عيون الأخبار 1/102 و أنساب الأشراف 3/161 طبقات الشعراء لابن المعتز ص 38-39. باختلاف بعض الكلمات و الشطور، قارن الأصل مع هذه المصادر.

[ (4) ]البهاليل جمع بهلول، قال المبرد: و البهلول: الضحاك.

[ (5) ]السواء: قال المبرد: الوسط. و السواء: العدل و الاستواء، و السواء: التمام.

[ (6) ]يعني بزيد، زيد بن علي بن الحسين بن علي (رضي الله عنه) و كان قد خرج على هشام بن عبد الملك فقتله و صلبه.

و قتيلا بجانب المهراس: يريد حمزة بن عبد المطلب (رضي الله عنه) و المهراس: ماء بأحد.

و إنما نسب الشاعر قتل حمزة إلى بني أمية، لأن أبا سفيان كان قائد الناس يوم أحد (قاله المبرد في الكامل) .

170

فقرأها أبو العباس، ثم قال له: نعم، و نعمّا عين و كرامة، سننظر في حاجتك، ثم ناول الكتاب أبا جعفر، ثم سلم سليمان بن هشام، ثم قام و خرج، فتطلع رجل من موالي بني أمية. كانت له خاصة و خدمة في بني العباس، فعرف بعض ما في الكتاب، فلما خرج من عند أمير المؤمنين مرّ بسليمان بن هشام في غرفة له بالكوفة فسلم، ثم قال لسليمان: من عندك يا أبا أيوب، فقال له: ما عندي غير ولدي. فقال له: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فاخرج إني لك من الناصحين. فخرج سليمان من ليلته هاربا، فلحق ببعض نواحي الجزيرة و كتب إلى مواليه و صنائعه، فاجتمع إليه منهم خلق كثير، فبعث إليه أبو العباس بعثا يقاتله، فانهزم ذلك البعث، ثم بعث إليه بعثا آخر، فهزمه أيضا. قال: فتنقل سليمان عن ذلك الموضع إلى غيره، ثم بعث إليه بعثا آخر، فأسر سليمان و ولده، فأتى بهما أسيرين إلى أبي العباس، فأمر، فقطعت لهما خشبتان، رقمتا إليهما، فأمر بضرب رقابهما، و صلبهما، فقال سليمان لولده: لمقدم يا بنيّ على مصيبتي بك، فتقهقر الغلام، ثم تقدم فقتل، ثم قتل سليمان، و صلبا على باب دار الإمارة بالكوفة[ (1) ].

خروج السفاح على أبي العباس و خلعه‏[ (2) ]

قال: و ذكروا أن الهيثم بن عديّ أخبرهم قال: لما وليّ السفاح الشام، و استصفى أموال بني أمية لنفسه، أعجبته نفسه، و حسد ابن أخيه على الخلافة فأظهر الطعن على أبي العباس، و التنقص له. فلما بلغ ذلك أبا العباس، كتب إليه يعاتبه على ما كان منه، فزاده ذلك عجبا و حسدا بما فيه، فحبس الخراج، و دعا إلى نفسه، و خلع طاعته، ثم قرّب موالي بني أمية و أطمعهم، و سدّ ثغورهم‏[ (3) ]، و أبدى العزم، و أظهره على محاربة أبي العباس، فلما انتهت أخباره [ (1) ]في تاريخ اليعقوبي 2/359-360 أخرجهم أبو الجهم، بعد الانتهاء من الأبيات، فضرب أعناقهم و أتي برءوسهم. (سليمان و ابنين له) و انظر الفتوح لابن الأعثم 8/196 و 201.

[ (2) ]كذا بالأصل. و ثمة اتفاق أن عبد اللََّه بن علي خرج على ابن أخيه أبي جعفر المنصور سنة 136 و ذلك فور تبلغه موت أبي العباس السفاح، زاعما أن السفاح جعل الخلافة من بعده لمن انتدب لقتل مروان بن محمد. (انظر خليفة ص 415) .

الطبري ج 7/474 مروج الذهب 3/354 تاريخ اليعقوبي 2/364 ابن الأثير 3/523 الأخبار الطوال ص 378. و قد ورد في الخبر اسم أبي العباس بدل أبي جعفر، و هو خطأ على ما قرر.

[ (3) ]سد ثغورهم: دافع عنهم و لم يترك أبوابا مفتوحة لإخراجهم.

171

إلى أبي العباس، كتب إلى أبي مسلم يستغيثه، و يذكر عظيم يده عنده، و يسأله القدوم عليه لأمر السفاح، فقدم أبو مسلم، فأقام عنده أياما، ثم خرج إلى السفاح و معه أجناده و قوّاده، فلقي السفاح على الفرات فهزمه‏[ (1) ]، و استباح عسكره، و أخذ أسيرا[ (2) ]، فقدم به على أبي العباس. فلما قدم إليه، و أدخل عليه قال: يا عمي أحسنا و واسينا فحسدت و بغيت، و قد رأيت تعطفا عليك، و صلة لرحمك، أن أحبسك حبسا رفيقا، حتى تؤدّب نفسك، و يبدو ندمك، ثم أمر فبنى له بيت. جعل أساسه قطع الملح، فحبسه فيه. فلما كان بعد أيام أرسل الماء حول البيت، فذاب الملح، و سقط البيت عليه، فمات فيه‏[ (3) ]، و ردّ أبا مسلم إلى عمله بخراسان، فأقام فيها بقية عامه، ثم أخرج أبو العباس أبا جعفر واليا على الموسم، و خرج أبو مسلم أيضا حاجا من خراسان.

اختلاف أبي مسلم على أبي العباس‏

قال: و ذكروا أن أبا العباس وجه أبا جعفر في ثلاثين رجلا إلى أبي مسلم، و كان فيهم الحجاج بن أرطاة الفقيه، و الحسن بن الفضل الهاشمي‏[ (4) ]، و عبد اللََّه بن الحسين‏[ (5) ]، فلما توجه أبو جعفر إلى أبي مسلم بخراسان، و قدم عليه، استخفّ به بعض الاستخفاف، و لم يزد الإجلال له، و جعل يعظم في كلامه و فعله الخليفة، و لم يزل أبو مسلم يتخوّف أن يصنع به مثل ما صنع بأبي سلمة الخلال، و كان لا يظهر ذلك لأحد. فلما قدم أبو جعفر عليه، و معه الثلاثون رجلا، و فيهم عبد اللََّه‏[ (6) ]بن الحسين، قام إليه سليمان بن كثير، فقال: يا هذا إنا كنا نرجو أن يتمّ أمركم، فإذا شئتم فادعوا إلى ما تريدون. فظنّ أنه [ (1) ]في مروج الذهب: ببلاد نصيبين في الموضع المعروف بدير الأعور.

[ (2) ]في مروج الذهب: انسحب عبد اللََّه بن علي في نفر من خواصه إلى البصرة و عليها أخوه سليمان بن علي عم المنصور. و في الأخبار الطوال: عفا عنه أبو مسلم و لم يؤاخذه بما كان منه.

و قد بقي عبد اللََّه عند سليمان بن علي مدة ثم أتي به إلى المنصور فحبسه عنده إلى سنة 147 (كما في الطبري و ابن الأثير) و قيل إلى سنة 149 كما في مروج الذهب حيث قتله.

[ (3) ]في مروج الذهب 3/373 خنقه حتى مات ثم مده على الفراش. ثم أمر بالبيت فهدم عليهما (مع جارية خنقها معه) .

[ (4) ]في الطبري 7/450 إسحاق بن الفضل الهاشمي.

[ (5) ]في الطبري: عبيد اللََّه بن الحسين الأعرج، في ابن الأثير: عبيد اللََّه بن الحسن الأعرج.

[ (6) ]انظر الحاشية السابقة.

172

دسيس من أبي مسلم، فخاف ذلك، فبلغ أبا مسلم أن سليمان بن كثير سامر عبد اللََّه بن الحسين بن عليّ. فقال لسليمان: بلغني أنك سامرت هذا الفتى.

قال: أجل، له قرابة و حقّ علينا و حرمة، فسكت. فأتى عبد اللََّه بن الحسين أبا مسلم فذكر له ذلك، و ظنّ أنه إن لم يفعل اغتاله أبو مسلم. فبعث أبو مسلم إلى سليمان بن كثير، فقال له: أتحفظ قول الإمام: من اتهمته فأقتله؟قال: نعم. قال الإمام: قد اتهمتك فقال: ناشدتك اللََّه، قال: لا تناشدني و أنت منطو على غش فأمر فضربت عنقه، و كتب أبو مسلم إلى محمد بن الأشعث، أن يأخذ عمال أبي سلمة، فيضرب أعناقهم.

و استعمل أبو العباس عيسى بن عليّ على فارس، فأخذه محمد[بن الأشعث‏]فهمّ بقتله. فقيل لمحمد: إن هذا لا يسوغ لك. قال: أمرني أبو مسلم أن لا يقدم عليّ أحد[ (1) ]إلا ضربت عنقه. فقال: ما كان أبو مسلم ليفعل شيئا إلا بأمر الإمام‏[ (2) ]. فلما قدم أبو جعفر من عند أبي مسلم قال لأبي العباس: لست بخليفة، و لا أمرك بشي‏ء، إن لم تقتل أبا مسلم. فقال أبو العباس: و كيف ذلك؟ قال: لا و اللََّه ما يعبأ بنا، و لا يصنع إلا ما يريد. فقال له أبو العباس: اسكت و اكتمها.

قتال ابن هبيرة و أخذه‏

قال: و ذكروا أن أبا العباس وجه أبا جعفر إلى مدينة واسط، فقدم على الحسين بن قحطبة و هو على الناس، و كتب أبو العباس إلى الحسين‏[ (3) ]بن قحطبة: إن العسكر عسكرك، و القوّاد قوّادك، فإن أحببت أن يكون أخي حاضرا، فأحسن موازرته و مكانفته. و كتب إلى أبي نصر مالك بن الهيثم بمثل ذلك، و ذكروا أن ابن هبيرة كان قد نصب الجسور بين المدينتين، فقالت اليمانية الذين مع ابن هبيرة: لا و اللََّه لا نقاتل على دعوة بني أمية أبدا، لسوء رأيهم فينا، و بغضهم لنا، و قالت القيسية: لا و اللََّه لا نقاتل حتى يقاتل اليمانية، فلم يكن [ (1) ]زيد في الطبري: يدعي الولاية من غيره.

[ (2) ]زيد في الطبري: ثم ارتدع عن ذلك لما تخوف من عاقبته.

[ (3) ]في الطبري 7/450 و ابن الأثير 3/507 و تاريخ اليعقوبي 2/353: الحسن بن قحطبة.

173

يقاتل مع ابن هبيرة إلا صعاليك الناس، و أهل العطاء. و كان كثيرا ما يتمثل و يقول:

الثوب إن أنهج فيه البلى # أعيا على ذي الحيلة الصانع

كنا نرقّعها إذا مزّقت‏[ (1) ] # فانسع الخرق على الراقع‏[ (2) ]

و كان من رأي ابن هبيرة أن لا يعطى طاعة لبني العباس، و كان رأيه أن يدعو إلى محمد بن عبد اللََّه بن الحسين‏[ (3) ]، فاطلع على ذلك أبو العباس، و خاف أن يثور اليمانية مع ابن هبيرة في ذلك. فكاتبهم أبو جعفر، و قال في كتابه لهم:

السلطان سلطانكم، و الدولة دولتكم، و كتب إلى زياد بن صالح الحارثي بذلك و كان عامل ابن هبيرة في المدينة، مكان عامله قبل ذلك على الكوفة، فأجاب زياد بن صالح، و ذلك لما خاف أن يدخل المدينة فيقتل بها. فلما كان مغيب الشمس قاموا إليه. فلما صلى المغرب، ركب فطاف في مسالحه‏[ (4) ]و أبوابه، فرجع عتمة، فتعشى، ثم صلى. فأقبل علي بن الهيثم فقال: و اللََّه ما أخلف غصة أعظم و لا أهمّ إليّ منك، لأنك مع هؤلاء، و لست أدري ما يكون بعد اليوم، و أرى الأمر قد استتبّ لهؤلاء القوم في المشرق و المغرب، و لكن إن لقيت أبا العباس أعلمته من أمرك مثل الّذي أعلمته من أمري. قال: ما أخاف تقصيرك، ثم قال: لست أثق بولد و لا بغيره، ثقتي بك فيما أريد أن أوطده، تأخذ مفاتيح هذه المدينة، حتى تصبح فتأتي بها ابن هبيرة. فقلت: انظر ما تصنع في خروجك، أ تثق بالقوم؟قال: نعم، قد جرى بيني و بينهم ما أثق به، و أتاني كتاب أبي العباس بكل ما أحبّ‏[ (5) ]، و كتاب أبي جعفر. فقلت: يا أبا الربيع، أخاف أن لا يوفى لك. فلما أدهم الليل و انتصف قام فصلى ركعات، ثم أمر غلمانه فحملوا متاعه على أربعة بغال، ثم أخرج أربعة غلمان له، و ابنه ثابت على برذون له، ثم خرج و أغلق الباب. فلما انتهى الخبر إلى ابن هبيرة [ (1) ]في الكامل للمبرد 2/978: كنا نداريها و قد مزقت.

[ (2) ]قال محقق الكامل (ص 977 ح رقم 5) شعر أورده الآمدي في المؤتلف و المختلف لابن حمام الأزدي الجاهلي... إنما هما لابن حارثة السلمي: (انظر تفاصيل أوردها هناك) .

[ (3) ]في الطبري: محمد بن عبد اللََّه بن حسن بن حسن.

[ (4) ]المسالح جمع مسلحة، يعني أطراف معسكره خوفا من تسلل العدو إليها.

[ (5) ]في الأخبار الطوال ص 371 و أعلم في كتابه أنه راع للخؤولة-و كانت أم أبي العباس حارثية.

174

بكى و قال: ما يوثق بأحد بعد زياد بن صالح، بعد إيثاري إياه، و إكرامي و تفضيلي له، و ما صنعت به. قلت: هو هنالك، و اللََّه خير لك منه هاهنا. قال:

و ترى ذلك؟قلت: نعم. قال: ثم مشت الكتب و الرسل بينهم أي بين أبي جعفر و ابن هبيرة حتى صار أمرهم إلى أن يلقاه، و نهض ابن هبيرة إليهم، و تخلى مما بيده لهم.

كتاب الأمان‏

قال: و ذكروا أن رجلا من قيس يقال له أبو بكر بن مصعب العقيلي، سعى في كتاب الصلح و الأمان عند أبي جعفر، حتى تمّ له، فأتى ابن هبيرة، و فيه:

بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم، هذا كتاب من عبد اللََّه بن محمد بن عليّ أبي جعفر، وليّ أمر المسلمين، ليزيد بن هبيرة و من معه من أهل الشام و العراق، و غيرهم في مدينة واسط و أرضها، من المسلمين و المعاهدين، و من معهم من وزرائهم:

إني أمنتكم بأمان اللََّه الّذي لا إله إلا هو، الّذي يعلم سرائر العباد و ضمائر قلوبهم، و يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور، و إليه الأمر كله، أمانا صادقا لا يشوبه غشّ، و لا يخالطه باطل، على أنفسكم و ذراريكم و أموالكم، و أعطيت يزيد بن عمر بن هبيرة، و من أمنته في أعلى كتابي هذا بالوفاء، بما جعلت لهم من عهد اللََّه و ميثاقه، الّذي واثق به الأمم الماضية من خلقه، و أخذ عليهم به أمره عهدا خالصا مؤكدا، و ذمة اللََّه، و ذمة محمد و من مضى من خلفائه الصالحين، و أسلافه الطيبين التي لا يسع العباد نقضها، و لا تعطيل شي‏ء منها، و لا الاحتقار بها، و بها قامت السموات و الأرض و الجبال، فأبين أن يحملنها، و أشفقن منها، تعظيما لها، و بها حقنت الدماء، و ذمة روح اللََّه و كلمته عيسى ابن مريم، و ذمة إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط، و ذمة جبريل و ميكائيل و إسرافيل، و أعطيتك ما جعلت له من هذه العهود و المواثيق، و لمن معك من المسلمين، و أهل الذمة بعد استثماري فيما جعلت لك منه عبد اللََّه بن محمد أمير المؤمنين أعزّ اللََّه نصره، و أمر بإنفاذه لكم، و رضي به، و جعله لكم و على نفسه، و تسليم ذلك من قبله من وزرائه و قوّاده، و أنصار الحقّ من شيعته، من أهل خراسان، فأنت و هم آمنون بأمان اللََّه، ليس عليك حدّ، و لا تؤاخذ بذنب أتيته، و كنت عليه في خلاف أو مناوأة، أو قتل أو زلّة، أو جرم أو جناية، ـ

175

أو سفك دماء خطأ أو عمدا، أو أمر سلف منك أو منهم، صغيرا أو كبيرا في سرّ أو علانية، و لا ناقض عليك ما جعلت لك من أماني هذا، و لم أخنك فيه، و لا ناكث عنه، و أذنت لك في المقام في المدينة الشرقية إلى الأجل الّذي سألت، ثم أسلك حيث بدا لك من الأرض آمنا مطمئنا، مكلوءا أنت و من سألته أن يؤذن له في المسير معك. و من تبعك، و أهل بيتك. و الخمس مائة رجل على ما سألت من دوابهم و سلاحهم، و لباس البياض لا يخافون غدرا، و لا إخفارا بك حيث أحببت، من برّ أو بحر، و أنزل حيث شئت من الأرض إلى أن تنتهي إلى منزلك من أرض الشام، فأنت آمن بأمان اللََّه، ممن مررت بهم من عمالنا و مسالحنا و مراصدنا، ليس عليك شي‏ء تكرهه في سرّ و لا علانية، و لك اللََّه الّذي لا إله إلا هو، لا ينالك من أمر تكرهه في ساعة من ساعات الليل و النهار، و لا أدخل لك في أماني الّذي ذكرت لك غشا و لا خديعة و لا مكرا. و لا يكون مني في ذلك دسيس بشي‏ء مما تخافه على نفسك؟و لا خديعة في مشرب، و لا مطعم و لا لباس، و لا أضمر لك عليه نفسي إلى ارتحالك من مدينة واسط إلى دخولك على عسكري، و الغدوّ و الرواح إذا بدا لك، و الدخول أيّ ساعات من ساعات الليل و النهار أحببت، فاطمئن إلى ما جعلت لك من الأمان، و العهود و المواثيق، وثق باللََّه و بأمير المؤمنين فيما سلم منه، و رضي به، و جعلته لك و لمن معك على نفسي، و لك عليّ الوفاء بهذه العهود و المواثيق و الذمم، أشدّ ما أخذه اللََّه و حرّمه. و ما أنزل اللََّه تبارك و تعالى على نبيه محمد صلّى اللََّه عليه و سلم، فإنه جعله كتابا مبينا لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و نورا و حجة على العباد، حتى ألقى اللََّه و أنا عليه، و أنا أشهد اللََّه و ملائكته و رسله، و من قرئ عليه كتابي هذا من المسلمين و المعاهدين بقبول هذه العهود و المواثيق، و إقراري بها على نفسي و توكيدي فيها، و على تسليمي لك ما سألت و لا يغادر منها شي‏ء، و لا ينكث عليك فيها، و أدخلت في أمانك هذا جميع من قبلي من شيعة أمير المؤمنين من أهل خراسان، و من لأمير المؤمنين عليه طاعة من أهل الشام و الحرب و أهل الذمة، و جعلت لك أن لا ترى مني انقباضا و لا مجانبة و لا ازورارا، و لا شيئا تكرهه في دخولك عليّ إلى مفارقتك إياي، و لا ينال أحدا معك أمر يكرهه، و أذنت لك و لهم في المسير و المقام، و جعلت لهم أمانا صحيحا، و عهدا وثيقا، و إن عبد اللََّه بن محمد إن نقض ما جعل لكم في أمانكم‏

176

هذا، فنكث أو غدر بكم أو خالف إلى أمر تكرهه، أو تابع على خلافه أحدا من المخلوقين في سرّ أو علانية، أو أضمر لك في نفسه غير ما أظهر لك، أو أدخل عليك شيئا في أمانه، و ما ذكر لك من تسليم أمير المؤمنين أو التماس الخديعة و المكر بك، و إدخال المكروه عليك، أو نوى غير ما جعل لك من الوفاء لك به، فلا قبل اللََّه منه صرفا و لا عدلا، و هو بري‏ء من محمد بن عليّ و هو يخلع أمير المؤمنين، و يتبرأ من طاعته، و عليه ثلاثون حجّة يمشيها من موضعه الّذي هو به من مدينة واسط إلى بيت اللََّه الحرام الّذي بمكة حافيا راجلا و كلّ مملوك يملكه من اليوم إلى ثلاثين حجة بشراء أو هبة أحرار لوجه اللََّه، و كل امرأة له طالق ثلاثا، و كل ما يملكه من ذهب أو فضة أو متاع أو دابة أو غير ذلك، فهو صدقة على المساكين، و هو يكفر باللََّه و بكتابه المنزل على نبيه، و اللََّه عليه بما وكّد، و جعل على نفسه في هذه الأيمان راع و كفيل، و كفى باللََّه شهيدا.

قالوا: و كان من رأي أبي جعفر الوفاء لابن هبيرة و أصحابه.

قدوم ابن هبيرة على أبي العباس‏

قال: و ذكروا أن ابن هبيرة و أصحابه لما جاءهم الكتاب بالأمان، تردّدوا فيه أربعين يوما يتدبرونه، و يستخيرون اللََّه في الخروج إليهم، ثم عزم اللََّه له في القدوم على أبي العباس و أبي جعفر، و كان أبو مسلم كثيرا ما كتب لأبي العباس أنه قل طريق سهل يلقى فيه حجارة إلا أضرّ ذلك بأهله، و لا و اللََّه يصلح طريق فيه ابن هبيرة و أصحابه، و كان أبو الجهم بن عطية عين أبي مسلم على أبي العباس فكان يكتب إليه بالأخبار، و كان أبو العباس لا يقطع أمرا دون رأي أبي مسلم، و قد كان ابن هبيرة في تلك الأربعين ليلة يجمع لذلك الكتاب ممن يعبر الكلام و الفقه طرفي النهار، فيتردّدون فيه، حتى بلغوا فيه الغاية التي يريدون، ثم خرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف و ثلاث مائة. فلما قدم أراد أن يدخل دار الإمارة على دابته. فقام الآذن‏[ (1) ]فقال: مرحبا بك أبا خالد، أنزل راشدا، و قد طاف بالدار[ (2) ]يومئذ نحو من عشرة آلاف رجل من أهل خراسان، مستلئمين [ (1) ]هو الحاجب سلاّم بن سليم (الطبري 7/454) .

[ (2) ]في الطبري: بالحجرة. و في الأخبار الطوال ص 373: و حول السرادق.

177

في السلاح، أعينهم تزهو من تحت المغافر[ (1) ]، على عواتقهم السيوف مشهورة، و عمد الحديد بأيديهم. فأتى ابن هبيرة بوسادة، فطرحت له، فجلس عليها، ثم دعا الحاجب بالقوّاد، فدخلوا على أبي جعفر، ثم خرج سلام بن سلام فقال:

ادخل يا أبا خالد. قال: و من معي؟قال: إنما استأذنت لك، فدخل، فوضعت له وسادة فجلس، فحدثه أبو جعفر طويلا[ (2) ]ثم نهض فركب، فأتبعه أبو جعفر بصره حتى انصرف.

قتل ابن هبيرة

قال: و ذكروا أن أبا العباس كتب إلى أبي جعفر: أن اقتل ابن هبيرة، فرادّه أبو جعفر بالكتاب. فكتب إليه أبو العباس: و اللََّه لتقتلنه أو لأبعثن إليك من يخرجه من عندك‏[ (3) ]، و يتولى ذلك عليك. و كان ابن هبيرة إذا ركب إلى أبي جعفر، ركب في ثلاث مائة فارس، و خمس مائة راجل، فقدم يزيد بن حاتم على أبي جعفر، فقال: أصلح اللََّه الأمير، ما ذهب من سلطان ابن هبيرة شي‏ء، يأتينا فيتضعضع‏[ (4) ]به العسكر. فقال أبو جعفر: يا سلام قل لابن هبيرة لا يركب في مثل تلك الجماعة، و ليأتينا في حاشيته. قال عديّ: فأصبحنا، فخرج ابن هبيرة أيضا في مثل تلك الجماعة الذين كانوا يركبون معه، فخرج إليه سلام فقال:

يقول لك الأمير ما هذه الجماعة؟لا تسيرنّ إلا في حاشيتك، فتغير وجه ابن هبيرة. فلما أصبح أتى في نحو من ثلاثين رجلا قال له سلام: كأنك إنما تأتينا مباهيا. فقال ابن هبيرة: إن أحببتم أن نمشي إليكم فعلنا. فقال سلام: ما نريد بذلك استخفافا بك، و لكن أهل العسكر إذا رأوا جماعة من معك غمهم ذلك، فكان هذا من الأمير نظرا لك‏[ (5) ]، فمكث طويلا جالسا في الرواق. فقيل له: إن الأمير يحتجم، فانصرف راشدا، فلم يزل يركب يوما و يقيم آخر، لا يجي‏ء إلا في رجلين أو غلامه، و قد ختموا على الخزائن و بيوت الأموال، و جعل القوّاد [ (1) ]المغافر: جمع مغفر بكسر الميم و سكون الغين، زرد من حديد منسوج على هيئة حلقات يلبسه المحارب تحت القلنسوة على رأسه و وجهه.

[ (2) ]في الطبري: ساعة. و في الأخبار الطوال: فجلس عليها قليلا، ثم نهض.

[ (3) ]في الطبري: من حجرتك.

[ (4) ]يتضعضع العسكر: أي يضعف، و يفقد ثقته بقدرته.

[ (5) ]زيد في الطبري: فكان بعد ذلك يأتي في ثلاثة.

178

يدخلون على أبي جعفر فيقولون: ما تنتظر به؟فيقول: ما أريد إلا الوفاء له حتى إذا اجتمع أمرهم على قتله، بعث إلى الحسين‏[ (1) ]بن قحطبة فأتاه. فقال: لو سرت إلى هذا الرجل فأرحتنا منه. فقال: لا نريد ذلك‏[ (2) ]، و لكن ابعث إليه رجلا من قومه من مضر حتى يقتله، فتتفرّق كلمتهم عند ذلك، فدعا خازم‏[ (3) ]بن خزيمة، و الهيثم بن شعبة. قال لهم أبو جعفر: ائتوا إلى ابن هبيرة فجدّدوا على بيوت المال الختم، و على الخزائن، و بعث معهما من المضرية و القيسية أن يحضروا الإذن، و أريحونا من الرجل، ففعلوا، ثم دخلوا رحبة القصر في مائة رجل، فأرسلوا إلى ابن هبيرة: إنا نريد حمل ما بقي في الخزائن. فقال:

ادخلوا، فدخلوا الخزائن فطافوا بها ساعة، و جعلوا يخلفون عند كل باب عدّة حتى دخلوا عليه. فقالوا: أرسل معنا من يدلنا على المواضع و بيوت الأموال.

فقال: يا عثمان أرسل معهم من يريدون، فطاف خازم و أصحابه في القصر ساعة، و ابن هبيرة عليه قميص له مصري، و ملاءة مورّدة، و هو مسند ظهره إلى حائط المسجد في رحبة القصر، و معه ابنه داود، و حاجبه، و كاتبه عمر[ (4) ]بن أيوب، و عدّة من مواليه و بنيه، و في حجر ابن هبيرة ولد صغير. فلما توثقوا من كلّ شي‏ء أقبلوا نحوه، فلما رآهم قد أقبلوا إليه قال: و اللََّه إن في وجوه القوم لشرّا. فلما دنوا منه قام أبو عثمان فقال: ما وراءكم؟فنضحه‏[ (5) ]الهيثم بالسيف، فأصاب حبل عاتقه، فصرعه، و قام ابنه داود فقاتل، فتفرّقوا عليه فقتلوه و مواليه، ثم مضوا نحو ابن هبيرة فخرّ ساجدا، و قال: ويحكم!نحوا عني هذا الصبيّ لا يرى مصرعي. قال: فضرب حتى مات ساجدا، ثم أخذوا رءوسهم فأتوا بها أبا جعفر، و نادى المنادي بواسط: أمن الأمير خلق اللََّه جميعا إلا الحكم بن بشر[ (6) ]، [ (1) ] «الحسن» و قد مرّ.

[ (2) ]قال اليعقوبي في تاريخه 2/354 أن الحسن بن قحطبة قال للمنصور: إن قتلته كانت العصبية بين قومي و قومه، و العداوة، و اضطرب عليك من بعسكرك من هؤلاء و هؤلاء.

[ (3) ]بالأصل «حازم» و ما أثبتناه يوافق الطبري و اليعقوبي و الأخبار الطوال. و قد صحح في شتى مواضع الخبر.

[ (4) ]في الطبري و الأخبار الطوال: «عمرو» .

[ (5) ]في الطبري: «فضربه» .

[ (6) ]في الطبري 7/456 الحكم بن عبد الملك بن بشر، و في البداية و النهاية: 10/55 عبد الملك بن بشر. و في تاريخ خليفة ص 402: بشر بن عبد الملك بن بشر بن مروان.

179

و عمرو[ (1) ]بن ذرّ[ (2) ]. قال: فضاقت عليّ و اللََّه الأرض بما رحبت حتى خرجت، على دابتي ما لي هجّير إلا آية الكرسي أتلوها، و اللََّه ما عرض لي أحد حتى تواريت، فلم أزل خائفا حتى استأمن لي زياد بن عبد اللََّه ابن العباس فأمّنه، و هرب الحكم بن عبد اللََّه بن بشر إلى عسكره‏[ (3) ]، و ضاقت بخالد بن سلمة[ (4) ]الأرض حتى أتى أبا جعفر، فاستأذن عليه فأمّنه. و بلغ ذلك أبا العباس. فكتب إلى أبي جعفر: و اللََّه لو كانت له ألف نفس لأتيت عليها، اضرب عنقه، فهرب أبو علافة الفزاريّ، و هشام بن هبيرة، و صفوان بن يزيد، فلحقهم سعد بن شعيب فقتلهم، و قبض على أصحاب ابن هبيرة، فقتل من وجوههم نحوا من خمسين، ثم أمّن الناس جميعا، و نادى منادي أبي جعفر: من أراد أن يقيم فليقم بالجابية، و من أحبّ أن يشخص فليشخص، و هرب القعقاع بن ضرار و حميد و عدة، حتى أتوا زياد بن عبد اللََّه، فاستأمن لهم، فأمّنوا جميعا، و قوي ملك بني العباس، و استقرت قواعده. فلما قتل ابن هبيرة، و نودي في أهل الشام: الحقوا شامكم، فلا حاجة لنا بكم، فسار أهل الشام حتى قدموا الكوفة، منهم من قدم، و منهم من أخذ على عين التمر[ (5) ]، و منهم من أخذ على طريق المدائن‏[ (6) ]، ثم لحقوا بالشام على طريق الفرات. و استعمل أبو جعفر على واسط و من فيها الهيثم بن زياد، و خلف معه خيلا، ثم انصرف أبو جعفر إلى أبي العباس، و هو يومئذ بالحيرة[ (7) ]، ثم وجه داود بن عليّ إلى الحجاز، فقتل من ظفر به من بني أمية و غيرهم، فتوجه إلى المثنى بن زياد بن عمر بن هبيرة باليمامة[ (8) ]، فقتله و أصحابه، ثم تبعهم محمد بن عمارة، و كان على الطائف فقتلهم، و تحوّل أبو العباس من الحيرة إلى الأنبار، فأمر أبو العباس برأس ابن هبيرة فوضع بالحيرة على خشبة، و معه غيره من عمال مروان، و بها رفع رأس مروان بن محمد، و عن [ (1) ]في الأخبار الطوال ص 375: محمد بن ذر.

[ (2) ]زيد في الطبري و الأخبار الطوال: و خالد بن سلمة المخزومي.

[ (3) ]في الأخبار الطوال: كسكر.

[ (4) ]بالأصل: «مسلمة» تحريف. (انظر حاشية رقم 2) .

[ (5) ]عين التمر: موضع قرب الكوفة.

[ (6) ]المدائن: بلد قرب بغداد.

[ (7) ]الحيرة بلد قرب الكوفة.

[ (8) ]في الطبري (حوادث سنة 133) وجه زياد بن عبيد اللََّه (و كان ولي مكة و المدينة و الطائف بعد موت داود بن علي) إبراهيم بن حسان السلمي إلى المثنى باليمامة فقتله و قتل أصحابه.

180

يمينه رأس ثعلبة بن سلامة، و رأس عثمان بن أبي شعيب عن يساره، و انقطعت شيعة بني أمية، و طلبوا تحت كل حجر و مدر.

اختلاف أبي مسلم على أبي العباس‏

قال: و ذكروا أن أبا مسلم كتب‏[ (1) ]إلى أبي العباس يستأذنه في القدوم عليه فقدم عليه، فتلقاه الناس جميعا، و معه القوّاد و الجماعة، و الخيل و النجائب، ثم استأذن أبا العباس في الحجّ، فقال: لو لا أن أبا جعفر يحجّ لاستعملتك على الموسم. و استعمل أبا جعفر على الموسم، فقال أبو جعفر لأبي العباس‏[ (2) ]:

أطعني و اقتل أبا مسلم، فو اللََّه إن في رأسه لغدرة. فقال له: أي أخي، قد عرفت بلاءه. و ما كان منه. فقال أبو جعفر: هو أخطأ بذلك، و اللََّه لو بعثت سنّورا مكانه لبلغ ما بلغ في ميل الدولة. قال أبو العباس: كيف تقتله؟قال: إذا دخل عليك فحادثه، فإذا أقبل عليك دخلت فأتيت من خلفه، فضربته ضربة آتي منها على نفسه. فقال أبو العباس: أي أخي، فكيف تصنع بأصحابه الّذي يؤثرونه على أنفسهم و دينهم؟[ (3) ]قال: يؤول ذلك إلى خير، و إلى ما تريد. قال: يا أخي، إني أريد أن تكفّ عن هذا. فقال أبو جعفر: أخاف إن لم تتغده يتعشاك. فقال أبو العباس: فدونكه يا أخي.

قال: و كان مع أبي مسلم من أهل خراسان عشرة آلاف، قد قدم بهم، يأخذون العطاء عند غرّة كل شهر، أوفر ما يكون من الأرزاق سوى الأعاجم.

فلما دخل أبو مسلم على أبي العباس، دعا أبو العباس خصيّا له. فقال: اذهب فاعرف ما يصنع أبو جعفر، فأتاه فوجده محتفيا[ (4) ]بسيفه. فقال أبو جعفر: أجالس أمير المؤمنين، فقال الوصيف: قد تهيأ للجلوس، ثم رجع الوصيف فذكر ذلك لأبي العباس، فردّه أيضا إلى أبي جعفر، و قال: قل له: عزمت عليك أن لا تنفذ [ (1) ]و ذلك في سنة 136 هـ (الطبري) .

[ (2) ]و كان قول أبي جعفر لأبي العباس لما كان بينهما من جفاء يعود إلى زمن قدوم أبي جعفر عليه بخراسان و استخفافه به، و لم يبالغ في بره و إكرامه و لم يظهر السرور التام بقدومه. (الطبري 7/468-الأخبار الطوال ص 376) .

[ (3) ]في الطبري: يؤثرونه على دينهم و دنياهم، و في الأخبار الطوال: و قد أشربت قلوبهم حبه، و اتباع أمره، و إيثار طاعته.

[ (4) ]في الطبري: محتبيا.

181

الأمر الّذي عزمت عليه، فكفّ عن ذلك. فسار إلى مكة حاجا و للموسم. و خرج أبو مسلم، فكان إذا كتب إلى أبي جعفر يبدأ بنفسه، ثم يكتب إليه: لا يهولنّك ما في صدر الكتاب، فإنّي لك بحيث تحبّ، و لكني أحبّ أن يعلم أهل خراسان أن لي منزلة عند أمير المؤمنين.

كتاب أبي مسلم إلى أبي جعفر و قد هم أن يخلع و يخالف‏

قال: و ذكروا أن أبا مسلم لما رجع من عند أبي العباس، و قد قيل له بالعراق إن القوم أرادوك، لو لا توقعوا ممن معك من أهل خراسان، فلما كان في بعض الطريق كتب إلى أبي جعفر: أما بعد، فإنّي كنت اتخذت أخاك‏[ (1) ]إماما و دليلا على ما افترض اللََّه على خلقه، و كان في محله من العلم، و قرابته من رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم بحيث كان، فقمعني بالفتنة، و استجهلني بالقرآن، فحرفه عن مواضعه، طمعا في قليل قد نعاه‏[ (2) ]اللََّه إلى خلقه، فمثل لي الضلالة في صورة الهدى، فكان كالذي دلي بغرور، حتى وترت‏[ (3) ]أهل الدين و الدنيا في دينهم، و استحللت بما كان من ذلك من اللََّه النقمة، و ركبت المعصية في طاعتكم، و توطئة سلطانكم، حتى عرفكم من كان يجهلكم، و أوطأت غيركم العشواء[ (4) ]بالظلم و العدوان، حتى بلغت في مشيئة اللََّه ما أحبّ. ثم إن اللََّه بمنّه و كرمه أتاح لي الحسنة، و تداركني بالرحمة، و استنقذني بالتوبة، فإن يغفر فقديما عرف بذلك، و إن يعاقب فيما قدّمت يداي، و ما اللََّه بظلام للعبيد[ (5) ].

فكتب إليه أبو جعفر: يا عمّ‏[ (6) ]، أروم ما رمت، و أزول حيث زلت، ليس لي دونك مرمى، و لا عنك مقصر، الرأي ما رأيت، إن كنت أنكرت من سيرته شيئا، فأنت الموفق للصواب، و العالم بالرشاد، أنا من لا يعرف غير يدك، و لم يتقلب إلا في فضلك، فأنا غير كافر بنعمتك، و لا منكر لإحسانك لا تحمل عليّ إصر [ (1) ]يعني «إبراهيم الإمام» و في الطبري 7/483: رجلا.

[ (2) ]في الطبري: تعافاه.

[ (3) ]أي أصبت منهم شيئا يطلبونني به.

[ (4) ]العشواء: الظلمة. أي جعلت غيركم في ظلام لا يدرون كيفية المخرج منه.

[ (5) ]الكتاب في الطبري باختلاف و زيادة.

[ (6) ]كان أبو العباس و أبو جعفر يناديان أبا مسلم: «يا عم» .

182

غيري، و لا تلحق ما جناه سواي بي، إن أمرتني أشخص إليك، و ألحق بخراسان فعلت. الأمر أمرك. و السلطان سلطانك، و السلام.

موت أبي العباس و استخلاف أبي جعفر

قال: و ذكروا أن أبا جعفر لما انقضى الموسم، و انصرف راجعا، جاءه موت أبي العباس و كان بينه و بين أبي مسلم مرحلة. فكتب إلى أبي مسلم: إنه قد حدث حدث ليس مثلك غائب عنه، فالعجل العجل. قال إسحاق بن مسلم:

فقلت لأبي جعفر و أنا أسايره، و نحن مقبلون من مكة: أيها الرجل، لا ملك لك، و لا سلطان مع هذا العبد. فقال أبو جعفر: ظهر غشك، و بدا منك ما كنت تكتم، بأبي مسلم يفعل هذا؟قلت: نعم، فإنّي أخاف عليك منه يوم سوء فقال:

كذبت. قال إسحاق: فسكت ثم لقيته بعد ذلك من الغد، و لا و اللََّه ما عرفتها فيه، و عاودني بمثل كلامه الأوّل، فقلت له: أكثر أو أقلّ، إن لم تقتله و اللََّه يقتلك. قال: فهل شاورت في هذا أحدا؟قلت: لا، قال: اسكت، فسكتّ.

فقدم الكوفة، فإذا عيسى بن موسى قد سبقه إلى الأنبار، و غلب على المدينة و الخزائن، و بيت الأموال و الدواوين، و خلع عبد اللََّه، و توثب على أبي جعفر، و دعا أهل خراسان فألحقهم باليمن، و جعل لهم الجعائل‏[ (1) ]الجليلة، و العطايا الجزيلة، فلما قدم أبو جعفر، سلم الأمر لعيسى بن موسى‏[ (2) ]، و توثب عبد اللََّه بن عليّ على أهل خراسان بالشام‏[ (3) ]، فقتلهم و دعا إلى نفسه، و أتاه أبو غانم عبد الحميد بن ربعي فقال: إن أردت أن يصفو لك الأمر فاقتل أهل خراسان، و ابدأ بي. فلما قدم أبو جعفر من مكة قال لأبي مسلم: إنما هو أنا و أنت، و الأمر أمرك، فامض إلى عبد اللََّه بن عليّ و أهل الشام. فلما سار إليه أبو مسلم، سار معه القوّاد و غيرهم، فلقي عبد اللََّه بن عليّ و أهل الشام فهزمهم، و أسر عبد اللََّه بن [ (1) ]الجعائل جمع جعيلة، و هي العطايا و الأرزاق.

[ (2) ]كذا بالأصل. و في الطبري: سلم عيسى بن موسى إلى أبي جعفر الأمر. و في الأخبار الطوال أن عيسى بن موسى دعا الناس إلى بيعته و خلع ولاية العهد عن أبي جعفر.. فلما وافى أبو جعفر اعتذر إليه عيسى، و أعلمه أنه إنما أراد بذلك ضبط العسكر. فقبل منه أبو جعفر ذلك، و لم يؤاخذه بما كان منه.

[ (3) ]ذكر المؤلف-خطأ-خروج عبد اللََّه بن علي على أبي العباس قريبا، ثم يذكر هنا خبر خروجه على أبي جعفر و هذه هي الرواية الصحيحة عن خروجه و قد أشرنا إلى ذلك هناك. ـ

183

عليّ‏[ (1) ]، و بعث به إلى أبي جعفر، فاستنكر أبو جعفر قعود أبي مسلم عنه، فبعث إليه يقطين بن موسى‏[ (2) ]و رجلا معه على القبض. فقال أبو مسلم: لا يوثق بي بهذا و نحوه فوثب و شتم، و قال قولا قبيحا. فقال له يقطين بن موسى: جعلت فداك، لا تدخل الغم على نفسك، إن أحببت رجعت إلى أمير المؤمنين، فإنه إن علم أن هذا يشق عليك لم يدخل عليك مكروها. ثم قدم أبو جعفر من الأنبار حتى قدم المدائن، و خرج أبو مسلم فأخذ طريق خراسان مخالفا لأبي جعفر. فكتب إليه أبو جعفر: قد أردت مذاكرتك في أشياء لم تحملها الكتب، فأقبل فإن مقامك عندنا قليل. فلم يلتفت أبو مسلم إلى كتابه. فبعث إليه أبو جعفر، جرير[ (3) ]بن يزيد بن جرير بن عبد اللََّه البجلي، و كان أبو مسلم يعرفه. فقال له: أيها الأمير، ضربت الناس عن عرض لأهل هذا البيت، ثم تنصرف على مثل هذه الحال، إن الأمر عند أمير المؤمنين لم يبلغ ما تكره، و لا أرى أن تنصرف على هذه الحال، فيقول أبو مسلم: ويحك إني دلّيت بغرور[ (4) ]، و أخاف عدوه‏[ (5) ].

قتل أبي مسلم‏

قال: و ذكروا أن جريرا لم يزل بأبي مسلم حتى أقبل به، و كان أبو مسلم يقول: و اللََّه لأقتلنّ في الروم، فأقبل منصرفا، فلما قدم على أبي جعفر و هو يومئذ بالرومية من المدائن، أمر الناس يتلقونه، و أذن له فدخل على دابته، و رحب به و عانقه، و أجلسه معه على السرير، و قال له: كدت أن تخرج و لم أفض إليك بما [ (1) ]تقدم، أن عبد اللََّه بن علي خلص في نفر من خواصه إلى البصرة و اختفى عند سليمان بن علي و كان واليا عليها. (انظر الطبري-مروج الذهب-الأخبار الطوال) .

[ (2) ]كذا بالأصل و الأخبار الطوال و مروج الذهب، و في الطبري و ابن الأثير: «أبا الخصيب» مولى أبي جعفر.

و في تاريخ اليعقوبي 2/366: بعث أبو جعفر برسل منهم: إسحاق بن مسلم العقيلي و يقطين بن موسى، و محمد بن عمرو النصيبي التغلبي.

[ (3) ]في الأخبار الطوال: «جرير بن يزيد بن عبد اللََّه» و في تاريخ اليعقوبي: «جرير بن عبد اللََّه» ، و في تاريخ خليفة: سلمة بن سعيد بن جابر و كان صهر أبي مسلم، كانت خالته تحت مسلم. و يقال:

جرير بن يزيد بن جرير بن عبد اللََّه. (و هو ما قاله في مروج الذهب) .

[ (4) ]أي خدعت في الأمر.

[ (5) ]انظر مقابلة جرير لأبي مسلم في مروج الذهب 3/355. و الطبري 7/483.

184

تريد. فقال: قد أتيت يا أمير المؤمنين، فليأمرني بأمره. قال: انصرف إلى منزلك، وضع ثيابك و ادخل الحمام، ليذهب عنك كلال السفر، و جعل أبو جعفر ينتظر به الفرصة، فأقام أياما يأتي أبا جعفر كل يوم، فيريه من الإكرام ما لم يره قبل ذلك، حتى إذا مضت له أيام أقبل على التجني. فأتى أبو مسلم إلى عيسى بن موسى، فقال: اركب معي إلى أمير المؤمنين، فإنّي قد أردت عتابه بمحضرك. فقال عيسى: أنت في ذمتي، فأقبل أبو مسلم، فقيل له: ادخل.

فلما صار إلى الزقاق الداخلي، قيل له إن أمير المؤمنين يتوضأ، فلو جلست؟ فجلس، و أبطأ عيسى بن موسى عليه، و قد هيأ له أبو جعفر عثمان بن نهيك، و هو على حرسه في عدّة، فيهم شبيب بن رياح‏[ (1) ]، و أبو حنيفة حرب بن قيس، فتقدّم أبو جعفر إلى عثمان فقال له: إذا عاتبته فعلا صوتي فلا تخرجوا. و جعل عثمان و أصحابه في ستر خلف أبي مسلم في قطعة من الحجرة، و قد قال أبو جعفر لعثمان بن نهيك: إذا صفقت بيدي فدونك يا عثمان. فقيل لأبي مسلم:

أن قد جلس أمير المؤمنين، فقام ليدخل، فقيل له: انزع سيفك فقال: ما كان يصنع بي هذا. فقيل: و ما عليك؟فنزع سيفه، و عليه قباء أسود، و تحته جبة خزّ، فدخل فسلم، و جلس على وسادة ليس في المجلس غيرها، و خلف ظهره القوم خلف ستر. فقال أبو مسلم: صنع بي يا أمير المؤمنين ما لم يصنع بأحد، نزع سيفي من عنقي. قال: و من فعل ذلك قبحه اللََّه؟ثم أقبل يعاتبه، فعلت و فعلت، فقال: يا أمير المؤمنين، لا يقال مثل هذا لي على حسن بلائي، و ما كان مني؟فقال له أبو جعفر: يا بن الخبيثة، و اللََّه لو كانت أمة أو امرأة مكانك لبلغت ما بلغت في دولتنا، و لو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلا. أ لست الكاتب إليّ تبدأ بنفسك، و الكاتب إليّ تخطب آمنة[ (2) ]ابنة عليّ ابن عمّي، و تزعم أنك أبو مسلم بن سليط بن عبد اللََّه بن العباس‏[ (3) ]، لقد ارتقيت، لا أم لك، مرتقى صعبا. قال: و أبو جعفر ترعد يده، فلما رأى أبو مسلم غضبه قال: يا أمير [ (1) ]في الطبري: شبيب بن واج المروروذي. و في مروج الذهب: شبيب بن رواح المروروذي. و في الأخبار الطوال: شبث بن روح.

[ (2) ]في الطبري: أمينة، و في مروج الذهب 3/357 و ابن خلكان 3/154 آسية و في الأخبار الطوال:

عمتي آمنة بنت علي بن عبد اللََّه و انظر تاريخ اليعقوبي 2/367.

[ (3) ]زيد في الطبري 7/491 ما دعاك إلى قتل سليمان بن كثير مع أثره في دعوتنا و هو أحد نقبائنا.

(انظر مروج الذهب 3/357) .

185

المؤمنين، لا تدخل على نفسك هذا الغم من أجلي، فإن قدري أصغر مما بلغ منك هذا. فصفق أبو جعفر بيده فخرج عثمان بن نهيك، فضربه ضربة خفيفة، فأومأ أبو مسلم إلى رجل أبي جعفر يقبلها و يقول: أنشدك اللََّه يا أمير المؤمنين، استبقني لأعدائك، فدفعه برجله و ضربه شبيب على حبل العاتق‏[ (1) ]فأسرعت فيه، فقال أبو مسلم: وا نفساه: ألا قوّة؟ألا مغيث؟و صاح أبو جعفر: أضرب لا أمّ لك، فاعتوره القوم بأسيافهم فقتلوه، فأمر به أبو جعفر، فكفن بمسح‏[ (2) ]، ثم وضع في ناحية، ثم قيل: إن عيسى بن موسى بالباب، فقال: أدخلوه. فلما دخل قال: يا أمير المؤمنين، فأين أبو مسلم؟قال: كان هاهنا آنفا فخرج. فقال عيسى: يا أمير المؤمنين قد عرفت طاعته و مناصحته، و رأى إبراهيم الإمام فيه.

قال له أبو جعفر: يا أنوك‏[ (3) ]و اللََّه ما أعرف عدوّا أعدى لك منه، ها هو ذا في البساط. فقال عيسى: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ ، فأقبل إسحاق صاحب شرطته قال: إنما كان أبو مسلم عند أمير المؤمنين و أمير المؤمنين أعلم بما صنع، فأمر أبو جعفر برأسه، فطرح إلى من بالباب من قوّاد أبي مسلم، فجالوا جولة، و همّوا أن يبسطوا سيوفهم على الناس، ثم ردّهم على ذلك انقطاعهم من بلادهم و تغرّبهم و إحاطة العدوّ بهم، فبعضهم اتكأ على سيفه فمات، و بعضهم ناصب و أراد القتال، فلما نظر أبو جعفر إلى ذلك، أمر بالعطاء لأصحاب أبي مسلم، و أجزل الصّلات للقوّاد و الرؤساء منهم، ثم عهد إليهم أن من أحبّ منكم أن يكون معنا هاهنا، نأمر بإلحاقه في الديوان، في ألف من العطاء، و من أحبّ أن يلحق بخراسان كتبناه في خمس مائة ترد عليه في كل عام و هو قاعد في بيته.

قال: فكأنها نار طفئت. فقالوا: رضينا يا أمير المؤمنين كل ما فعلت، فأنت الموفق. فمنهم من رضي بالمقام معه، و منهم من لحق بخراسان.

ثورة عيسى بن زيد بن علي بن الحسين‏

قال: و ذكروا أن أبا جعفر لما قتل أبا مسلم، و استولى على ملك العراقين [ (1) ]العاتق: الكتف. و حبله: عظمة الترقوة. و في مروج الذهب: فقطع رجله.

[ (2) ]المسح الثوب الخشن. و في الأخبار الطوال: لف في بساط. و في مروج الذهب: أدرج في بساط.

[ (3) ]الأنوك: الأحمق.

186

و الشام، و الحجاز، و خراسان، و مصر، و اليمن، ثار عليه عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، فقاتله فيما بين الكوفة و بغداد، و لقيه في جموع كثيرة، نحوا من عشرين و مائة ألف، فأقام أياما يقاتله في كل يوم، حتى همّ أبو جعفر بالهزيمة، و ركب فرسه ليهرب، ثم جعل يشجع أصحابه، و يعدهم بالعطايا الواسعة، و الصلات الجزيلة، فقاتلوا: ثم إن أبا جعفر غلبته عيناه و هو على فرسه، فرأى في نومه أنه يمدّ يديه و رجليه على الأرض. فاستيقظ و دعا عبارا كان معه، فأخبره بما رأى. فقال له: أبشر يا أمير المؤمنين، فإن سلطانك ثابت، و سيليه بعدك جماعة من ولدك، و هذا الرجل منهزم، فما كان بأسرع من أن نظر إلى عيسى بن زيد منهزما.

هروب مالك بن الهيثم‏

و ذكروا أن مالك بن الهيثم خرج هاربا حتى أتى همدان‏[ (1) ]، و عليها يومئذ زهير بن التركي مولى خزاعة، فكتب إليه أبو جعفر: إن اللََّه مهرق دمك إن فاتك مالك، فجاء زهير بن التركي إلى مالك بن الهيثم، فقال له: جعلت فداك، قد أعددت لك طعاما، فلو أكرمتني بدخولك منزلي. فقال له: نعم، و كان قد هيأ له زهير أربعين رجلا، فلما دخل مالك قال لزهير: عجل طعامك، و قد توثق زهير من الباب، و هيأ أصحابه، فخرج عليه الأربعون، فشدّوه وثاقا، ثم وضعوا القيود في رجله، ثم قال: أبا نصر، جعلت فداك، و اللََّه ما عرفت هذه الدعوة حتى أدخلتني فيها و دعوتني إليها، فما الّذي يخرجك منها، و اللََّه ما أخليك حتى تزور أبا جعفر، فبعث به إليه، فعفا عنه أبو جعفر، و ولاه الموصل.

قال الهيثم: و كان يقال: إن عبد الملك بن مروان كان أحزم بني أمية، و إن أبا جعفر كان أحزم بني العباس، و أشدّهم بأسا، و أقواهم قلبا، ألا ترى أن عبد الملك قتل عمرو بن سعيد في داخل قصره، و أبوابه مغلقة، و أبو جعفر قتل أبا مسلم في داخل سرادقه، و ليس بينه و بين أهل خراسان إلا خرقة؟ [ (1) ]و كان أبو جعفر قد كتب كتابا عن لسان أبي مسلم إلى أبي نصر يأمره فيه بحمل ثقله و ما خلق عنده و أن يقدم. و ختم الكتاب بخاتم أبي مسلم، فلما رأى أبو نصر الخاتم تاما علم أن أبا مسلم لم يكتب الكتاب (و كان أبو مسلم قد اتفق مع أبي نصر أنه إن جاءه منه كتابا مختوما بنصف خاتم فأنا كتبته، و أن أتاك بالخاتم كله فلم أكتبه: الطبري 7/489) فقال: فعلتموها و انحدر إلى همدان يريد خراسان (الطبري 7/493) .

187

و قال الهيثم: ذكر ابن عياش أن أبا جعفر قال لحاجبه عيسى بن روضة تقدّم إلى كل من دخل أن لا يذكر أبا مسلم في شي‏ء من كلامه. قال ابن عياش فاغتممت لذلك، فوقفت له خلف ستر، و مرّ راكبا مع هشام بن عمرو و عبد اللََّه، فلما طلع عمر بن عبد الرحمن صاحب شرطته و بيده الحربة ركبت. قال أبو الجراح مالك؟فقلت: أسلم على أمير المؤمنين. قال: دونك فدنوت و النهر بيني و بينه. فقلت: يا أمير المؤمنين هنيئا لك وقفة أقعدت كل قائم. فقال بيده على فيه و لم يلتفت كالكاره لما سمع، و أقبل على صاحبيه. قال ابن عياش: و كان هذا في سنة خمس و أربعين و مائة، ثم انصرف أبو جعفر إلى الحيرة، و معه عمه عبد اللََّه بن عليّ في غير وثاق، و عليه الأحراس، و قد هيأ أبو جعفر بيتا، فحبسه فيه، فلما قدم به قيل: إنه سمه. قال الهيثم: بل كان أساس البيت الّذي حبسه فيه من لبن، و الحيرة كثيرة السواقي، نديّة الأرض. فيقال: إنه أمر من الليل بجدول، فسرّح حول البيت فتهدّم عليه فمات‏[ (1) ]. قال ابن عياش: أقبل رجل من همدان إلى أبي جعفر في وفد من العرب فدخلوا عليه، فلما خرجوا و فاتوا بصرة، قال للآذن: عليّ بالهمدانيّ، فلما مثل بين يديه قال له: يا أخا همدان، أخبرني عن خليفة اسمه على عين قتل ثلاثة، أسماؤهم على عين. فقال الهمدانيّ: نعم يا أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان قتل عمرو بن سعيد الأشدق، اسمه على عين، و عبد اللََّه بن الزبير، و عبد الرحمن بن محمد الأشعث، و أنت يا أمير المؤمنين اسمك على عين، و قتلت عبد الرحمن بن مسلم أبا مسلم، أوّل اسمه على عين، و عبد الجبار[ (2) ]الخولانيّ، و سقط البيت على عمك عبد اللََّه. فقال‏[ (3) ]: و ما يدخل سقوط البيت على عمي لا أمّ لك. ثم استعمل أبو جعفر على خراسان أسيد بن عبد اللََّه الخزاعي، و أمره بتطلب عمال أبي مسلم، ثم عفا عنهم، ثم عزل الخزاعي و ولى أبا عون عبد الملك بن يزيد، ثم ولى بعد أبي عون حميد بن قحطبة، ثم ولى المسير بن زهير حتى مات أبو جعفر المنصور[ (4) ].

[ (1) ]مرّ قريبا خروج عبد اللََّه بن علي و كيفية مقتله، و في أي وقت قتل.

[ (2) ]في مروج الذهب 3/374 عبد الجبار بن عبد الرحمن.

[ (3) ]في مروج الذهب: قال: مما ذنبي إن كان سقط البيت عليه؟قلت: لا ذنب لك.

[ (4) ]قال خليفة في تاريخه ص 432 و انه ولي على خراسان بعد أبي مسلم: أبو داود من بني ذهل (و هو

188

قصة سابور ملك فارس‏

قال: و ذكروا أن أبا جعفر دعا إسحاق بن مسلم العقيلي، فقال له: حدثني عن الملك الّذي كنت حدثتني عنه بحرّان. فقال: نعم أكرمك اللََّه، أخبرني أبي عن حصين بن المنذر: أن ملكا من ملوك فارس يقال له سابور الأكبر، كان له وزير ناصح، قد أخذ أدبا من آداب الملوك، و شاب ذلك بفهم في الدين، فانتصف من أهلها فعلا و لسنا[ (1) ]، فوجهه سابور داعية إلى أهل خراسان، و كانوا قوما يعظمون الدنيا جهالة بالدين، و استكانة لحبّ الدنيا، و ذلا لجبابرتها، فجمعهم على كلمة من الهدى يكيد بها مطالب الدنيا، و اعتزّ بقتل ملوكهم، و تخوّله إياهم‏[ (2) ]، و كان يقال: لكل ذليل دولة، و لكل ضعيف صولة. فلما استوثقت له البلاد، جعل إليه سابور أمرهم، و أحال عليه طاعتهم، فساس قوما لا يرامونه إلى ما سبق إليه قبلهم، فلم ينتصف سابور من طاعتهم، و استمالة أهوائهم، مع ما لا يأمن من زوال القلوب، و غدرات الوزراء، فاحتال على قطع رجائه عن قلوبهم، فصمم على قتله عند وروده عليه برؤساء أهل خراسان و فرسانهم فقتله، فلم يرعهم إلا و رأسه بين أيديهم، فوقف بهم بين الفرقة و تخطف الأعداء، و نأي الرجعة و اليأس من صاحبهم، فرأوا أن يستتموا الدعوة بطاعة سابور، و يتعوّضوه من الفتنة، فملكهم ثمانين عاما.

فأطرق أبو جعفر مليا، ثم قال متمثلا:

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا # و ما علّم الإنسان إلا ليعلما

خروج شريك بن عون على أبي جعفر و خلعه‏

قال: و ذكروا أن أبا جعفر لما استقامت له الأمور، و استولى على الملك، خرج عليه شريك بن عون الهمدانيّ و قال: ما على هذا بايعتك، و لا بايعنا آل [ () ]خالد بن إبراهيم) ثم عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي، ثم خازم بن خزيمة بن ناجية (و قال ابن الأثير 3/551 أنه بعد مقتل عبد الجبار وليها المهدي و خليفته بها السري بن عبد اللََّه) ، و جبريل بن يحيى بن ناجية، ثم أسد بن عبد اللََّه، ثم عبد اللََّه بن مالك الخزاعي، ثم أبو عون الحمصي، ثم حميد بن قحطبة مات بها و استخلف ابنه عبد اللََّه بن حميد.

[ (1) ]اللسن: البلاغة.

[ (2) ]أي جعلهم خولا: خدما و عبيدا.

189

محمد على أن تسفك الدماء و أن يعملوا بغير الحقّ، فخالف أبا جعفر، و تبعه أكثر من ثلاثين ألفا، فوجه إليه أبو جعفر زياد بن صالح الخزاعي، فقاتله شهورا، و نهى أبو جعفر أن يسبى أحد منهم، أو يقتل أحد من رجالهم، لأنه كان فيهم قوم أخيار و رجال أشراف، و كان خروجهم ديانة و إنكارا للدماء، و للعمل بغير الحقّ، فلذلك لم يقتلوا. و كتب إليهم: وَ إِنْ عُدْتُمْ عُدْنََا، وَ جَعَلْنََا جَهَنَّمَ لِلْكََافِرِينَ حَصِيراً ، و قد عفونا عنكم مرّتكم هذه، فاللََّه اللََّه على دمائكم احقنوها.

اجتماع شبيب بن شيبة مع أبي جعفر قبل ولايته و بعدها

قال: و ذكروا أن شبيب بن شيبة قال: حججت عام هلك هشام بن عبد الملك‏[ (1) ]، فبينما أنا مريح ناحية المسجد، إذ طلع عليّ من بعض أبوابه فتى أسمر، رقيق السمرة، موفّر اللمة[ (2) ]، خفيف اللحية، رحب الجبهة[ (3) ]، كأن عينيه لسانان ناطقان، عليه أبهة الأملاك، في زيّ النسّاك، تقبله القلوب، و تتبعه العيون، يعرف الشرف في تواضعه، و العفو[ (4) ]في صورته، و اللبّ في مشيته فما ملكت نفسي أن نهضت في أثره سائلا عن خبره، فتحرّم بالطواف. فلما قضى طوافه قصد المقام ليركع، و أنا أرعاه ببصري، ثم نهض منصرفا، فكأنّ عينا أصابته، فكبا كبوة دميت منها إصبعه‏[فقعد لها القرفصاء]، فدنوت منه متوجعا لما ناله، متصلا به، أمسح عن رجله عفر التراب، فلا يمتنع عليّ، ثم شققت حاشية ثوبي، فعصبت على رجله، فلم ينكر ذلك، ثم نهض متوكئا علي، و انقدت له حتى أتى بناء[ (5) ]بأعلى مكة، فابتدره غلامان، تكاد صدورهما تنفرج من هيبته، ففتحا له الباب، فدخل و اجتذبني، فدخلت بدخوله، فخلى يدي، و أقبل على القبلة فصلى ركعتين، ثم استوى في صدر مجلسه، فحمد اللََّه و صلى على نبيه، ثم قال: لم يخف عليّ مكانك منذ اليوم، فمن تكون؟فقلت: شبيب بن شيبة التميمي. فقال: الأهتمي؟فقلت: نعم. فرحب و قرّب، و وصف قومي بأبين وصف، و أفصح لسان. فقلت: أصلحك اللََّه، أحبّ المعرفة، و أجلّ عن [ (1) ]و ذلك سنة 125 هـ.

[ (2) ]اللمة: الشعر الّذي على أعلى القفا، يريد: كثيف و كثير اللمة.

[ (3) ]زيد في العقد الفريد 5/106: أقنى بيّن القني.

[ (4) ]في بعض أصول العقد: و العتق.

[ (5) ]في العقد: دارا.

190

المسألة. فتبسم و قال، بلطف أهل العراق، أنا عبد اللََّه بن محمد بن عليّ بن [عبد اللََّه بن‏]عباس، فقلت: بأبي أنت و أمي، ما أشبهك بنسبك، و أدلك على سلفك‏[ (1) ]: و قد سبق إلى قلبي من محبتك ما لا أبلغه بوصفي لك. قال: فاحمد اللََّه يا أخا تميم، فإنا قوم يسعد بحبنا من يحبنا، و يشقى ببغضنا من يبغضنا، و لن يصل الإيمان إلى قلب أحدكم حتى يحبّ اللََّه و رسوله، و مهما ضعفنا عن جزائه قوّى اللََّه على أدائه. فقلت له: أنت توصف بالعلم، و أنا من حملته، و أيام الموسم ضيّقة، و شغل أهله كثير، و في نفسي أشياء أحبّ أن أسأل عنها، أ فتأذن فيها جعلت فداك؟قال: نحن من أكثر الناس مستوحشون، و أرجو أن تكون للسرّ موضعا، و للأمانة واعيا، فإن كنت على ما رجوت، فهات على بركة اللََّه. فقدّمت إليه من وثائق‏[القول و]الأيمان ما سكن إليه، فتلا قول اللََّه: قُلْ أَيُّ شَيْ‏ءٍ أَكْبَرُ شَهََادَةً؟قُلِ اَللََّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ ثم قال: سل. فقلت: ما ترى في من على الموسم؟و كان عليه يوسف بن محمد الثقفي، خال الوليد بن يزيد، فتنفس الصعداء، ثم قال: عن الصلاة خلفه تسأل، أم استنكرت أن يتأمر على آل الرسول من ليس منهم؟قلت: عن كلا الأمرين أسأل. قال: إن هذا عند اللََّه عظيم، أما الصلاة، ففرض اللََّه على عباده، فأدّ فرضه عليك في كل وقت‏[ (2) ]، فإن الّذي ندبك لحج بيته و مجاهدة عدوّه، و حضور جماعته و أعياده، لم يخبرك في كتابه أنه لا يقبل منك نسكا إلا مع أكمل المؤمنين إيمانا رحمة لك، و لو فعل ذلك بك ضاق الأمر عليك، فأسمح‏[ (3) ]يسمح لك. ثم كرّرت عليه السؤال، فما احتجت إلى أن أسأل عن أمر ديني أحدا بعده. ثم قلت له: يزعم أهل العلم بالكتاب أنها ستكون لكم دولة[ (4) ]لا شك فيها، تطلع مطلع الشمس، و تظهر بظهورها، فأسأل اللََّه خيرها، و نعوذ به من شرّها. قال: فخذ بحظ لسانك و يدك منها إن أدركتها. قلت: أو يتخلف عنها أحد من العرب و أنتم سادتها؟قال:

نعم، قوم يأبون إلا الوفاء لمن اصطنعهم و نأبى إلا طلبا لحقنا، فننصر و يخذلون، كما نصر أوّلنا بأوّلهم، و خذل لمخالفتنا من خذل منهم، فاسترجعت.

[ (1) ]في العقد: منصبك.

[ (2) ]زيد في العقد: مع كل أحد و على كل حال.

[ (3) ]سمح ككرم، و أسمح: جاد و كرم.

[ (4) ]في العقد: فقال: لا شك فيها... (أي أن القول هنا لأبي جعفر و ليس لشبيب) .

191

قال: هوّن عليك الأمر، سنة اللََّه التي قد خلت في عباده، و لن تجد لسنة اللََّه تبديلا، و ليس ما يكون منهم بحاجز لنا عن صلة أرحامهم، و حفظ أعقابهم‏[ (1) ] فقلت: كيف تسلم لهم قلوبكم، و قد قاتلوكم مع عدوكم؟فقال: نحن قوم حبب إلينا الوفاء و إن كان علينا، و بغض إلينا الغدر و إن كان لنا، و إنما يشذّ عنا منهم الأقلّ، فأما أنصار دولتنا، و نقباء شيعتنا، و أمراء جيوشنا فهم و مواليهم معنا، فإذا وضعت الحرب أوزارها صفحنا للمحسن عن المسي‏ء، و وهب للرجل قومه و من اتصل بأسبابه، فتذهب المثابرة[ (2) ]، و تخمد الفتنة، و تطمئن القلوب. فقلت:

و يقال: إنه يبتلى بكم من أخلص لكم المحبة. فقال: قد روي أن البلاء أسرع إلى محبينا من الماء إلى قراره. قلت: لم أرد هذا. قال: فما الّذي تريد؟ قلت: توقعون‏[ (3) ]بالولي و تحظون العدو. فقال: من يسعد بنا من الأولياء أكثر، و من يسلم معنا من الأعداء أقل، إنما نحن بشر، و لا يعلم الغيب إلا اللََّه، و ربما استترت عنا الأمور، فنوقع‏[ (4) ]، بمن لا نريد، و إن لنا لإحسانا يجازي اللََّه به مداواة ما تكلّم و رتق ما تثلّم فنستغفر اللََّه بما يعلم، و ما أنكر من ألا يكون الأمر على ما بلغك، و مع الوليّ التعزّز و الإدلال، و الثقة و الاسترسال، و مع العدوّ التحرّز و التذلل و الاحتيال‏[ (5) ]، و إنك لمسئول يا أخا بني تميم. قلت: إني أخاف ألا أراك بعد اليوم. قال: لكن أرجو أن أراك و تراني قريبا إن شاء اللََّه. قلت: عجّل اللََّه ذلك، و وهب لي السلامة منكم، فإنّي محبكم. فتبسم و قال: لا بأس عليك ما أعاذك اللََّه من ثلاثة. قلت: و ما هي؟قال: قدح في الدين، و هتك للملوك، و تهمة في حرمة، و احفظ عني ما أقول لك: اصدق و إن ضرّك الصدق، و أنصح و إن باعدك النصح، و لا تخالطنّ لنا عدوّا و إن أحظيناه فإنه مخذول، و لا تخذلنّ وليّا و إن أقصيناه و أصبحنا بترك المماكرة، و تواضع إذا رفعوك، و صل إذا قطعوك، و لا تستخف فيمقتوك، و لا تنقبض فيحتشموك، [و لا تبدأ حتى يبدؤك‏] و لا تخطب الأعمال، و لا تتعرّض للأموال، و أنا رائح من عشيتي هذه، فهل من [ (1) ]زيد في العقد: و تجديد الصنيعة عندهم.

[ (2) ]كذا بالأصل، و في العقد: النائرة و هي أصح.

[ (3) ]في العقد: تعقون الولي.

[ (4) ]كذا، و في العقد: فنقع.

[ (5) ]زيد في العقد: و ربما أمل المدلّ، و أخلّ المسترسل، و تجانب المتقرب، و مع المقة تكون الثقة، على أن العاقبة لنا على عدونا، و هي لوليّنا. ـ

192

حاجة؟فنهضت لوداعه فودّعته، ثم قلت: أ وقت لظهور الأمر؟و متى؟قال اللََّه المؤقّت و المنذر، فخرجت من عنده، فإذا مولى له يتبعني، فأتاني بكسوة من كسوته. و قال لي: يأمرك أبو جعفر أن تصلي في هذه، ثم افترقنا، فو اللََّه ما رأيته إلا و حرسيّان قابضان عليّ يدفعانني إلى بيعتي في جماعة من قومي لنبايعه. فلما نظر إليّ أثبتني، و قال للحرسيين: خليا عمن صحّت مودته، و تقدمت قبل اليوم حرمته، و أخذت بيعته، فأكبر الناس ذلك من قوله. ثم قال لي: أين كنت أيام أبي العباس أخي؟فذهبت أعتذر. فقال: أمسك، فإن لكل شي‏ء وقتا لا يعدوه، و لن يفوتك إن شاء اللََّه حظ مودتك، و حق مشايعتك‏[ (1) ]، و اختر مني رزقا يسعك، أو خطّة ترفعك، أو عملا ينهضك.

فقلت: أنا لوصيتك حافظ. فقال: و أنا لها أحفظ، إني إنما نهيتك أن تخطب الأعمال و لم أنهك عن قبولها إن عرضت عليك. فقلت: الرزق مع قرب أمير المؤمنين أحبّ إليّ. فقال: و ذلك أحبّ إليّ لك، و هو أجمّ لقلبك و أودع لك، و أعفى إن شاء اللََّه، فهل زدت أحدا في عيالك بعد. و قد كان سألني عنهم فعجبت من حفظه. فقلت: زدت الفرس و الخادم، فقال: قد ألحقنا عيالك بعيالنا، و خادمك بخادمنا، و لو لم يسعني حملت لك على بيت المال، فهل تحملك مائتا دينار لكل غرّة أو نزيدك؟فقلت: يا أمير المؤمنين، إن شطرها ليحملني العامين. قال: فإنّها لك في كل غرّة فاقبضها من عاملي في أيّ بلد أحببت، و إن شئت فقد ضممتك إلى المهدي، فإنه أفرغ لك مني، و أرضاه لك إن شاء اللََّه‏[ (2) ].

حج أبي جعفر و لقائه مالك بن أنس و ما قال له‏

ذكروا أن أبا جعفر أمير المؤمنين لما استقامت له الأمور، و استولى على السلطان خرج حاجا إلى مكة، و ذلك في سنة ثمان و أربعين و مائة[ (3) ]. فلما كان [ (1) ]في العقد: مسابقتك.

[ (2) ]الخبر في العقد الفريد 5/106-110 و ما بين معكوفتين زيادة عن نص العقد، و هناك بعض الاختلاف لم نثبته لعدم أهميته، أنظره هناك.

[ (3) ]حج في هذه السنة جعفر بن سليمان (مروج الذهب-ابن الأثير) زيد في المروج: و قيل: حج أبو جعفر.

193

بمنى، أتاه الناس يسلمون عليه، و يهنئونه بما أنعم اللََّه عليه، و جاءه رجال الحجاز من قريش و غيرهم، و فقهائهم و علمائهم، ممن صاحبه و جامعه على طلب العلم و مذاكرة الفقه و رواية الحديث. فكان فيمن دخل عليه منهم:

مالك بن أنس. فقال له أبو جعفر: يا أبا عبد اللََّه إني رأيت رؤيا. فقال مالك:

يوفق اللََّه أمير المؤمنين إلى الصواب من الرأي، و يلهمه الرشاد من القول، و يعينه على خير الفعل، فما رأي أمير المؤمنين؟فقال أبو جعفر: رأيت أني أجلسك في هذا البيت، فتكون من عمّار بيت اللََّه الحرام، و أحمل الناس على علمك، و أعهد إلى أهل الأمصار يوفدون إليك وفدهم، و يرسلون إليك رسلهم في أيام حجهم، لتحملهم من أمر دينهم على الصواب و الحقّ، إن شاء اللََّه، و إنما العلم علم أهل المدينة، و أنت أعلمهم. فقال مالك: أمير المؤمنين أعلى عينا، و أرشد رأيا، و أعلم بما يأتي و ما يذر، و إن أذن لي أقول قلت، فقال أبو جعفر: نعم، فحقيق أنت أن يسمع منك، و يصدر عن رأيك. فقال مالك: يا أمير المؤمنين إن أهل العراق قد قالوا قولا تعدّوا فيه طورهم، و رأيت أني خاطرت بقولي لأنهم أهل ناحية، و أما أهل مكة فليس بها أحد، و إنما العلم علم أهل المدينة، كما قال الأمير، و إن لكل قوم سلفا و أئمة. فإن رأى أمير المؤمنين أعزّ اللََّه نصره إقرارهم على حالهم فليفعل. فقال أبو جعفر: أما أهل العراق فلا يقبل أمير المؤمنين منهم صرفا و لا عدلا، و إنما العلم علم أهل المدينة، و قد علمنا أنك إنما أردت خلاص نفسك و نجاتها. فقال مالك: أجل يا أمير المؤمنين، فأعفني يعف اللََّه عنك. فقال أبو جعفر: قد أعفاك أمير المؤمنين، و ايم اللََّه ما أجد بعد أمير المؤمنين أعلم منك و لا أفقه.

دخول سفيان الثوري و سليمان الخواص على أبي جعفر و ما قالا له‏

قال: و ذكروا أنه لما كان أبو جعفر بمنى في العام الّذي حجّ فيه سفيان الثوري و سليمان الخوّاص، قال أحدهما لصاحبه: ألا ندخل على هذا الطاغي الّذي كان يزاحمنا بالأمس في مجالس العلم عند منصور[ (1) ]و الزهري، فنكلمه، [ (1) ]يريد منصور بن عمار.

194

و نأمره بحقّ، و ننهاه عن باطل، فلعل أن يقع كلامنا منه موقعا ينفع اللََّه به المسلمين، و يأجرنا عليه، فقال سليمان الخوّاص: إني لأخشى أن يأتي علينا منه يوم سوء. فقال الثوري: ما أخاف ذلك، فإن شئت فادخل، و إن شئت دخلت.

فدخل سليمان الخوّاص، فأمره و نهاه، و وعظه و ذكّره اللََّه، و ما هو صائر إليه، و مسئول عنه. فقال له أبو جعفر: أنت مقتول، ما تقول في كذا و كذا، لشي‏ء سأله عنه من باب العلم؟فأجابه، فلما خرج قال سفيان الثوري: ما ذا صنعت؟ قال: أمرت و نهيت، و وعظت و ذكرت فرضا كان في رقابنا أدّيناه مع أنه لا يقبل، و سألني عن مسألة فأجبته. قال سفيان: ما صنعت شيئا، فدخل سفيان الثوري فأمره و نهاه. فقال له: ها هنا أبا عبد إليّ إليّ، ادن مني. فقال: إني لا أطأ ما لا أملك و لا تملك. فقال أبو جعفر: يا غلام أدرج البساط، و ارفع الوطاء، فتقدم سفيان فصار بين يديه و قعد، ليس بينه و بين الأرض شي‏ء، و هو يقول: مِنْهََا خَلَقْنََاكُمْ، وَ فِيهََا نُعِيدُكُمْ وَ مِنْهََا نُخْرِجُكُمْ تََارَةً أُخْرى‏ََ فدمعت عينا أبي جعفر.

ثم تكلم سفيان دون أن يستأذن، فوعظ و أمر و نهى و ذكّر، و أغلظ في قوله. فقال له الحاجب: أيها الرجل، أنت مقتول. فقال سفيان: و إن كنت مقتولا فالساعة، فسأله أبو جعفر عن مسألة فأجابه، ثم قال سفيان: فما تقول أنت يا أمير المؤمنين فيما أنفقت من مال اللََّه، و مال أمة محمد بغير إذنهم، و قد قال عمر في حجة حجها، و قد أنفق ستة عشر دينارا هو و من معه: ما أرانا إلا و قد أجحفنا ببيت المال‏[ (1) ]. و قد علمت ما

حدثنا به منصور بن عمار، و أنت حاضر ذلك، و أوّل كاتب كتبه في المجلس عن إبراهيم، عن الأسود، عن علقمة، عن ابن مسعود، أن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم قال: «ربّ متخوّض في مال اللََّه و مال رسول اللََّه فيما شاءت نفسه له النار غدا»

[ (2) ]فقال له أبو عبيدة الكاتب: أمير المؤمنين يستقبل بمثل هذا؟فقال له سفيان: اسكت، فإنما أهلك فرعون هامان، و هامان فرعون. ثم خرج سفيان، فقال أبو عبيدة الكاتب: ألا تأمر بقتل هذا الرجل؟فو اللََّه ما أعلم أحدا أحقّ بالقتل منه. فقال أبو جعفر: اسكت [ (1) ]في حلية الأولياء 6/376 أن هذا القول قاله سفيان للمهدي و قد كان قدم للحج.

[ (2) ]متخوض: قال في النهاية: أصل الخوض المشي في الماء و تحريكه، ثم استعمل في التلبيس بالأمر و التصرف فيه، أي رب متصرف في مال اللََّه تعالى بما لا يرضاه اللََّه. و قيل هو التخليط في تحصيله من غير وجهه كيف أمكن (النهاية: خوض) .

195

يا أنوك، فو اللََّه ما بقي على الأرض أحد اليوم يستحيّا منه غير هذا، و مالك بن أنس.

دخول ابن أبي ذؤيب‏[ (1) ]و مالك بن أنس و ابن سمعان‏[ (2) ] على أبي جعفر

قال: و ذكروا عن مالك بن أنس قال: لما ولي أبو جعفر الخلافة، وافى إليه الملاّقون‏[ (3) ]المشاءون بالنميمة عنّي بكلام كان قد حفظ عليّ، فأتاني رسوله ليلا و نحن بمنى، قال: أجب أمير المؤمنين، و ذلك بعد مفارقتي له، و خروجي عنه، فلم أشك أنه للقتل، ففرغت من عهدي‏[ (4) ]، و اغتسلت و توضأت و لبست ثياب كفني و تحنطت، ثم نهضت فدخلت عليه في السرادق، و هو قاعد على فراش قد نظم بالدرّ الأبيض، و الياقوت الأحمر، و الزمرّد الأخضر، حكى له أنه كان من فرش هشام بن عبد الملك كان قد أهداه إليه صاحب القسطنطينية، لا يعلم ثمنه، و لا يدرى ما قيمته، و الشمع يحترق بين يديه، و ابن أبي ذؤيب و ابن سمعان قاعدان بين يديه، و هو ينظر في صحيفة في يده. فلما صرت بين يديه سلّمت، فرفع رأسه، فنظر إليّ، و تبسم تبسم المغضب، ثم رمى بالصحيفة، و أشار لي إلى موضع عن يمينه أقعد فيه. فلما قعدت و أخذت مقعدي، و سكن روعي، رفعت رأسي انظر تلقائي، فإذا أنا بواقف عليه درع، و بيده سيف قد شهره، يلمع له ما حوله، فالتفتّ عن يميني، فإذا أنا بواقف بيده جرز من حديد، ثم التفت عن يساري فإذا أنا بواقف عليه درع، و بيده سيف قد شهره، و هم أجمعون قد أصغوا إليه، و رمقوه بأبصارهم خوفا من أن يأمر في أحد أمرا فيجده غافلا. ثم التفت إلينا و قال: أما بعد معشر الفقهاء، فقد بلغ أمير المؤمنين عنكم ما أخشن صدره، و ضاق به ذرعه و كنتم أحقّ الناس بالكفّ من ألسنتكم، [ (1) ]هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب، و قيل ابن أبي ذؤيب الأسدي، روى عن ابن عمر و عطاء بن يسار، و عنه ابن أبي نجيح، و سعيد بن خالد القارظي. ثقة. (ترجم له في التهذيب 1/312) .

[ (2) ]هو عبد اللََّه بن زياد بن سمعان المدني الفقيه. روى عن مجاهد و الأعرج ترجم له ابن حجر في التهذيب.

[ (3) ]الملاقون جمع ملاّق و هو المتملق المنافق.

[ (4) ]العهد هنا الوصية.

196

و الأخذ بما يشبهكم، و أولى الناس بلزوم الطاعة، و المناصحة في السر و العلانية لمن استخلفه اللََّه عليكم. قال مالك: فقلت: يا أمير المؤمنين، قال اللََّه تعالى:

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جََاءَكُمْ فََاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهََالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ََ مََا فَعَلْتُمْ نََادِمِينَ فقال أبو جعفر: على ذلكم أيّ الرجال أنا عندكم؟أمن أئمة العدل، أم من أئمة الجور؟فقال مالك: فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا متوسل إليك باللََّه تعالى، و أتشفع إليك بمحمد صلّى اللََّه عليه و سلم و بقرابتك منه، إلا ما أعفيتني من الكلام في هذا. قال: قد أعفاك أمير المؤمنين. ثم التفت إلى ابن سمعان فقال له: أيها القاضي ناشدتك اللََّه تعالى، أي الرجال أنا عندك؟ فقال ابن سمعان: أنت و اللََّه خير الرجال يا أمير المؤمنين، تحجّ بيت اللََّه الحرام، و تجاهدا العدوّ، و تؤمّن السبل، و يأمن الضعيف بك أن يأكله القويّ، و بك قوام الدين، فأنت خير الرجال، و أعدل الأئمة. ثم التفت إلى ابن أبي ذؤيب فقال له: ناشدتك اللََّه، أيّ الرجال أنا عندك؟قال: أنت و اللََّه عندي شرّ الرجال، استأثرت بمال اللََّه و رسوله، و سهم ذوي القربى و اليتامى و المساكين، و أهلكت الضعيف، و أتعبت القويّ، و أمسكت أموالهم، فما حجتك غدا بين يدي اللََّه؟فقال له أبو جعفر: ويحك، ما تقول؟أ تعقل؟انظر ما أمامك. قال:

نعم، قد رأيت أسيافا، و إنما هو الموت، و لا بدّ منه، عاجله خير من آجله. ثم خرجا و جلست. قال: إني لأجد رائحة الحنوط عليك. قلت: أجل، لما نمي إليك عني ما نمي، و جاءني رسولك في الليل، ظننته القتل، فاغتسلت و تطيبت، و لبست ثياب كفني. فقال أبو جعفر: سبحان اللََّه ما كنت لأثلم‏[ (1) ]الإسلام، و أسعى في نقضه، أو ما تراني أسعى في أود الإسلام، و إعزاز الدين، عائذا باللََّه مما قلت يا أبا عبد اللََّه، انصرف إلى مصرك راشدا مهديا، و إن أحببت ما عندنا، فنحن ممن لا يؤثر عليك أحدا، و لا يعدل بك مخلوقا. فقلت: إن يجبرني أمير المؤمنين على ذلك فسمعا و طاعة، و إن يخيّرني أمير المؤمنين اخترت العافية. فقال: ما كنت لأجبرك، و لا أكرهك، انقلب معافى مكلوءا.

قال: فبتّ ليلتي، فلما أصبحنا أمر أبو جعفر بصرر دنانير، في كل صرّة خمسة آلاف دينار، ثم دعا برجل من شرطته فقال له: تقبض هذا المال، و تدفع لكل [ (1) ]أثلم: أكسر، أو أجعل في الإسلام شرخا أو ثلما بقتلك.

197

رجل منهم صرّة، أما مالك بن أنس إن أخذها فبسبيله، و إن ردّها لا جناح عليه فيما فعل، و إن أخذها ابن أبي ذؤيب فأتني برأسه، و إن ردّها عليك فبسبيله، لا جناح عليه، و إن يكن، ابن سمعان ردّها فأتني برأسه، و إن أخذها فهي عافيته.

فنهض بها إلى القوم، فأما ابن سمعان فأخذها فسلم، و أما ابن أبي ذؤيب فردّها فسلم، و أما أنا فكنت و اللََّه محتاجا إليها فأخذتها. ثم رحل أبو جعفر متوجها إلى العراق.

كتاب عبيد اللََّه العمري إلى أبي جعفر

قال: و ذكروا أن أبا جعفر لما قفل من حجه سنة ثمان و أربعين و مائة[ (1) ]، سأل عن عبيد اللََّه بن عمر بن حفص بن عبد اللََّه بن عمر بن الخطاب، و هو الفقيه المعروف بالعمري. فقيل له: إنه لم يحجّ العام يا أمير المؤمنين، و لو حجّ لكان أوّل داخل عليك، فلا تقبل عليه أحدا يا أمير المؤمنين، و لا يقدح فيه عندك إلا باطليّ أو كذّاب، فإنه من علمت. فقال أبو جعفر: و اللََّه ما تخلف عن الحجّ في عامه هذا إلا علما منه بأنّي حاج، فلذلك تخلّف، و لا و اللََّه ما زاده ذلك عندي إلا شرفا و رفعة، و إني من التوقير له و الإجلال بحال لا إخال أحدا من الناس بذلك، لشرفه في قريش، و عظيم منزلته من هذا الأمر، و الموضع الّذي جعله اللََّه فيه، و المكان الّذي أنزله به.

فلما قدم أبو جعفر بغداد، ورد عليه كتاب عبيد اللََّه العمري، فيه: بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم، لعبد اللََّه أبي جعفر أمير المؤمنين، من عبيد اللََّه بن عمر. سلام اللََّه عليك، و رحمة اللََّه التي اتسعت فوسعت من شاء. أما بعد: فإنّي عهدتك، و أمر نفسك لك مهمّ، و قد أصبحت و قد وليت أمر هذه الأمة، أحمرها و أسودها و أبيضها، و شريفها، و وضيعها، يجلس بين يديك العدوّ و الصديق، و الشريف و الوضيع، و لكلّ حصته من العدل، و نصيبه من الحقّ، فانظر كيف أنت عند اللََّه يا أبا جعفر، و إني أحذّرك يوما تفنى فيه الوجوه و القلوب، و تنقطع فيه الحجّة، [ (1) ]كذا بالأصل. و قد ذكر أن عبيد اللََّه بن عمر بن حفص مات سنة 147 هـ بالمدينة و قيل سنة 144 و قيل سنة 145، (انظر التهذيب الجزء السابع ترجمته-البداية و النهاية سنة 147) و هو أحد فقهاء المدينة السبعة.

198

لملك قد قهرهم بجبروته، و أذلهم بسلطانه و الخلق داخرون‏[ (1) ]له، يرجون رحمته و يخافون عذابه و عقابه. و إنا كنا نتحدّث أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها، أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة، و إني أعوذ باللََّه أن تنزل كتابي سوء المنزل، فإنّي إنما كتبت به نصيحة، و السلام.

فأجابه أبو جعفر المنصور

من عبد اللََّه بن محمد أمير المؤمنين، إلى عبيد اللََّه بن عمر بن حفص:

سلام عليك، أما بعد، فإنك كتبت إليّ تذكر أنك عهدتني و أمر نفسي لي مهم، فأصبحت و قد وليت أمر هذه الأمة بأسرها، و كتبت تذكر أنه بلغك أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها، أن يكون إخوان العلانية، أعداء السريرة، و لست إن شاء اللََّه من أولئك، و ليس هذا زمان ذلك، إنما ذلك زمان تظهر فيه الرغبة، و الرغبة تكون رغبة بعض الناس إلى بعض، صلاح دنياهم أحبّ إليهم من صلاح دينهم. و كتبت تحذّرني ما حذّرت به الأمم من قبلي، و قدما كان يقال: اختلاف الليل و النهار يقرّبان كل بعيد، و يبليان كل جديد، و يأتيان بكل موعود حتى يصير الناس إلى منازلهم من الجنة و النار. و كتبت تتعوذ باللََّه أن ننزل كتابك سوء المنزل، و أنك إنما كتبت به نصيحة فصدقت و بررت، فلا تدع الكتب إليّ. فإنه لا غنى بي عن ذلك، و السلام.

اجتماع أبي جعفر مع عبد اللََّه بن مرزوق‏

قال: و ذكروا أن أبا جعفر المنصور أمير المؤمنين لما حج و دخل في الطواف بالبيت الحرام، أمر بالناس فنحوا عن البيت، ثم طاف أسبوعه، فوثب إليه عبد اللََّه بن مرزوق، و قال: من جرّأك على هذا؟فلبّبه بردائه و هزّه. ثم قال له: من جعلك أحق بهذا البيت من الناس، تحول بينه و بينهم، و تنحّيهم عنه؟ فنظر أبو جعفر في وجهه، فعرفه، فقال: عبد اللََّه بن مرزوق؟قال: نعم. فقال:

من جرأك على هذا؟و من أقدمك عليه؟فقال عبد اللََّه بن مرزوق: و ما تصنع بي؟ بيدك ضر أو نفع؟و اللََّه ما أخاف ضرك، و لا أرجو نفعك حتى يكون اللََّه عز و جل [ (1) ]أي أذلاء له، ضعفاء أمامه.

199

يأذن لك فيه، و يلهمك إلى فعله. فقال له أبو جعفر: إنك أحللت بنفسك و أهلكتها. فقال عبد اللََّه بن مرزوق: اللََّهمّ إن كان بيد أبي جعفر ضرّي فلا تدع من الضر شيئا إلا أنزلته عليّ، و إن كان بيده منفعتي فاقطع عني كل منفعة منه، أنت يا رب بيدك كل شي‏ء، و مليك كل شي‏ء، فأمر به أبو جعفر فحمل إلى بغداد فسجنه بها. و كان يسجنه بالنهار، و يبعث إليه بالليل يبيت عنده و يسامره، يلبث نهاره أجمع بالسجن، ثم يسامره بالليل ليظهر للناس أنه سجن أول من اعترض عليه، لئلا يجترئ الجاهل فيقول: قد وسع عفو أمير المؤمنين فلانا، أ فلا يسعني؟فكان دأبه هذا معه زمانا طويلا حتى نسي أمره، و انقطع خبره، ثم خلّى سبيله، فلحق بمكة، فلم يزل بها حتى مات أبو جعفر، و ولي ابنه المهدي، فلما حج المهدي، فعل مثل ذلك، ففعل به عبد اللََّه بن مرزوق مثل ذلك أيضا، فأراد قتله، فقيل له: يا أمير المؤمنين إنه قد فعل هذا بأبيك، فكان من صنيعه أن حمله إلى بغداد، فسجنه بالنهار، و سامره بالليل، و أنت أحق من أخذ بهداه، و احتذى على مثاله، و ورث أكروماته، فحمله المهدي معه، فمات ببغداد، رحمه اللََّه‏[ (1) ].

ذكر ما نال مالك بن أنس من جعفر بن سليمان‏

قال: و ذكروا أنه هاج بالمدينة هيج في ابتداء أيام أبي جعفر[ (2) ]، فبعث إليها أبو جعفر ابن عمه جعفر بن سليمان بن العباس، ليسكّن هيجها و فتنها، و يجدد بيعة أهلها فقدمها و هو يتوقّد نارا على أهل الخلاف لهم، فأظهر الغلظة و الشدّة، وسطا[ (3) ]بكل من ألحد في سلطانهم، و أشار إلى المنازعة لهم، و أخذ الناس بالبيعة، و كان مالك، بن أنس رحمه اللََّه لم يزل صغيرا و كبيرا محسّدا، و كذلك كل من عظمت نعمة اللََّه عليه في علمه أو عمله، أو فهمه أو ورعه، فكيف بمن [ (1) ]مات ببغداد سنة 196 هـ، كان وزيرا للرشيد ثم تزهد و انقطع للعبادة. أوصى عند موته أن يدفن على مزبلة، قال: لعله يرى مكاني فيرحمني. (صفة الصفوة 2/317 البداية و النهاية حوادث سنة 196) .

[ (2) ]ولي جعفر بن سليمان المدينة سنة 146 بعد عزل عبد اللََّه بن الربيع، فقدمها في شهر ربيع الأول. و جاءت ولايته بعد ظهور محمد بن عبد اللََّه. و ذلك بعد تسع سنوات من ولاية أبي جعفر المنصور.

[ (3) ]أي تسلط على الذين نكثوا بيعة أبي جعفر، و سلطان بني العباس. ـ

200

جمع اللََّه ذلك فيه، و لم يزل منذ نشأ كذلك قد منحه اللََّه تعالى العلم و العمل، و الفهم و اللب و النبل، و وصل له ذلك بالدين و الفضل، عرف منه ذلك صغيرا، و ظهر فيه كبيرا، و استلب الرئاسة ممن كان قد سبقه إليها، بظهور نعمة اللََّه عليه، و سمّوها به على كل سام، فاستدعى ذلك منهم الحسد له، و ألجأهم ذلك إلى البغي عليه، فدسوا إلى جعفر بن سليمان من قال له: إن مالكا يفتي الناس بأن أيمان البيعة لا تحلّ، و لا تلزمهم لمخالفتك، و استكراهك إياهم عليها[ (1) ]، و زعموا أنه يفتي بذلك أهل المدينة أجمعين، لحديث‏

رواه عن النبي صلّى اللََّه عليه و سلم أنه قال: «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان و ما أكرهوا عليه»

[ (2) ] فعظم ذلك على جعفر و اشتد عليه و خاف أن ينحلّ عليه ما أبرم من بيعة أهل المدينة، و همّ أن يبدر فيه بما عافاه اللََّه منه، و أنعم على المسلمين ببقائه. فقيل له: لا تبدر فيه ببادرة، فإنه من أكرم الناس على أمير المؤمنين، و آثرهم عنده، و لا بأس عليك منه، فلا تحدث شيئا إلا بأمر أمير المؤمنين، أو يستحق ذلك عندنا بأمر لا يخفى على أهل المدينة. فدس إليه جعفر بن سليمان بعض من لم يكن مالك يخشى أن يؤتى من قبله، و من مأمنه يؤتى الحذر[ (3) ]، فسأله عن الأيمان في البيعة فأفتاه مالك بذلك طمأنينة إليه، و حسبة فيه. فلم يشعر مالك إلا و رسول جعفر بن سليمان يأتيه، فأتوا به إليه منتهك الحرية، مزال الهيبة، فأمر به فضرب سبعين سوطا، فلما سكن الهيج بالمدينة، و تمت له البيعة، بلغ بمالك ألم الضرب حتى أضجعه.

إنكار أبي جعفر المنصور لضرب مالك‏

قال: و ذكروا أنه لما بلغ أبا جعفر ضرب مالك بن أنس، و ما أنزل به جعفر بن سليمان أعظم ذلك إعظاما شديدا، و أنكره و لم يرضه، و كتب بعزل [ (1) ]قال ابن الأثير إن مالك أفتى أهل المدينة أنهم إنما بايعوا مكرهين و ليس على مكره يمين فأسرع الناس إلى بيعة محمد بن عبد اللََّه (الكامل 3/565) . و انظر وفيات الأعيان 4/137 و ابن الجوزي في شذور العقود و ذكر الحادثة سنة 147.

[ (2) ]رواه في الحلية 6/352 و قال: غريب من حديث مالك تفرد عنه ابن مصفى عن الوليد بن مسلم.

[ (3) ]مثل عربي، يعني أن الضرر يأتي الشخص من الجهة التي يأمن إليها كثيرا و يطمئن بها (الميداني 2/177) .