الإمامة و السياسة - ج2

- ابن قتيبة المزيد...
234 /
201

جعفر بن سليمان عن المدينة[ (1) ]، و أمر أن يؤتى به إلى بغداد على قتب. و ولى على المدينة رجلا من قريش من بني مخزوم، و كان يوصف بدين و عقل و حزم و ذكاء، و ذلك في شهر رمضان، من سنة إحدى و ستين و مائة[ (2) ]. و كتب أبو جعفر إلى مالك بن أنس، ليستقدمه إلى نفسه ببغداد، فأبى مالك، و كتب إلى أبي جعفر يستعفيه من ذلك، و يعتذر له ببعض العذر إليه، فكتب أبو جعفر إليه: أن و افني بالموسم العام القابل إن شاء اللََّه فإنّي خارج إلى الموسم.

دخول مالك على أبي جعفر بمنى‏

قال: و ذكروا أن مالكا حج سنة ثلاث و ستين و مائة[ (3) ]، ثم وافى أبا جعفر بمنى أيام منى، فذكروا أن مطرفا أخبرهم، و كان من كبار أصحاب مالك. قال:

قال لي مالك: لما صرت بمنى أتيت السرادقات، فأذنت بنفسي، فأذن لي، ثم خرج إليّ الآذن من عنده فأدخلني. فقلت للآذن: إذا انتهيت بي إلى القبة التي يكون فيها أمير المؤمنين فأعلمني، فمر بي من سرادق إلى سرادق، و من قبة إلى أخرى، في كلها أصناف من الرجال بأيديهم السيوف المشهورة، و الأجرزة المرفوعة، حتى قال لي الآذن: هو في تلك القبة، ثم تركني الآذن و تأخر عني، فمشيت حتى انتهيت إلى القبة التي هو فيها فإذا هو قد نزل عن مجلسه الّذي يكون فيه إلى البساط الّذي دونه، و إذا هو قد لبس ثيابا قصدة[ (4) ]، لا تشبه ثياب مثله، تواضعا، لدخولي عليه، و ليس معه في القبة إلا قائم على رأسه بسيف صليت، فلما دنوت منه، رحّب بي و قرّب، ثم قال: هاهنا إليّ، فأوميت للجلوس. فقال: هاهنا، فلم يزل يدنيني حتى أجلسني إليه، و لصقت ركبتي [ (1) ]تقدم أن أبا جعفر لم يحج عام 148 هـ، و قد روى ابن الجوزي أن حادثة ضرب مالك حصلت سنة 147. و قد جرى عزل جعفر بن سليمان عن المدينة سنة 150 قال الطبري: و ولى المنصور مكانه الحسن بن زيد بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب العلويّ (ج 8/32) و في تاريخ خليفة ص 430: عزله سنة 149 و ولى مكانه عبد الصمد بن علي بن عبد اللََّه بن عباس بن عبد المطلب. و يذكر الطبري أن عبد الصمد ولي المدينة بعد عزل الحسن بن زيد عنها سنة 155.

[ (2) ]كذا بالأصل، و هو خطأ فاحش، و المعروف أن أبا جعفر مات سنة 158. لعله يريد سنة 151، أو حرفت من الناسخ.

[ (3) ]انظر الحاشية السابقة.

[ (4) ]أي بسيطة رخيصة الثمن.

202

بركبتيه. ثم كان أول ما تكلم به أن قال: و اللََّه الّذي لا إله إلا هو يا أبا عبد اللََّه ما أمرت بالذي كان، و لا علمته قبل أن يكون، و لا رضيته إذ بلغني (يعني الضرب) . قال مالك: فحمدت اللََّه تعالى على كل حال، و صليت على الرسول صلّى اللََّه عليه و سلم، ثم نزّهته عن الأمر بذلك، و الرضا به. ثم قال: يا أبا عبد اللََّه، لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم، و إني إخالك أمانا لهم من عذاب اللََّه و سطوته، و لقد دفع اللََّه بك عنهم وقعة عظيمة، فإنّهم ما علمت أسرع الناس إلى الفتن، و أضعفهم عنها، قاتلهم اللََّه أنّى يؤفكون، و قد أمرت أن يؤتى بعدو اللََّه من المدينة على قتب‏[ (1) ]، و أمرت بضيق مجلسه، و المبالغة في امتهانه، و لا بد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما نالك منه. فقلت له: عافى اللََّه أمير المؤمنين، و أكرم مثواه، قد عفوت عنه، لقرابته من رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم، ثم منك. قال أبو جعفر: و أنت فعفا اللََّه عنك و وصلك. قال مالك: ثم فاتحني فيمن مضى من السلف و العلماء، فوجدته أعلم الناس بالناس، ثم فاتحني في العلم و الفقه، فوجدته أعلم الناس بما اجتمعوا عليه، و أعرفهم بما اختلفوا فيه، حافظا لما روي، واعيا لما سمع، ثم قال لي: يا أبا عبد اللََّه ضع هذا العلم و دوّنه، و دوّن منه كتبا، و تجنب شدائد عبد اللََّه بن عمر و رخص عبد اللََّه بن عباس، و شواذّ ابن مسعود، و اقصد إلى أواسط الأمور، و ما اجتمع عليه الأئمة و الصحابة رضي اللََّه عنهم، لنحمل الناس إن شاء اللََّه على علمك و كتبك، و نبثها في الأمصار، و نعهد إليهم أن لا يخالفوها، و لا يقضوا بسواها، فقلت له: أصلح اللََّه الأمير، إن أهل العراق لا يرضون علمنا، و لا يرون في عملهم رأينا. فقال أبو جعفر: يحملون عليه، و نضرب عليه هاماتهم بالسيف، و نقطع طيّ ظهورهم بالسياط، فتعجل بذلك وضعها، فسيأتيك محمد المهدي ابني العام القابل إن شاء اللََّه إلى المدينة، ليسمعها منك، فيجدك و قد فرغت من ذلك إن شاء اللََّه، قال مالك: فبينما نحن قعود إذ طلع بني له صغير من قبة، يظهر القبة التي كنا فيها. فلما نظر إليّ الصبي فزع، ثم تقهقر فلم يتقدم. فقال له أبو جعفر: تقدم يا حبيبي، إنما هو أبو عبد اللََّه فقيه أهل الحجاز، ثم التفت إليّ فقال: يا أبا عبد اللََّه، أ تدري لم فزع الصبي و لم يتقدم؟فقلت:

[ (1) ]القتب: بفتح القاف و التاء، البرذعة الصغيرة على قدر سنام البعير و هي مهينة، يريد أنه أهانه و استخف به.

203

لا. فقال: و اللََّه استنكر قرب مجلسك مني إذ لم ير به أحدا غيرك قطّ، فلذلك قهقر. قال مالك: ثم أمر لي بألف دينار علينا ذهبا، و كسوة عظيمة، و أمر لا بني بألف دينار، ثم استأذنته فأذن لي، فقمت فودعني و دعا لي، ثم مشيت منطلقا، فلحقني الخصيّ بالكسوة فوضعها على منكبي، و كذلك يفعلون بمن كسوة، و إن عظم قدره، فيخرج بالكسوة على الناس فيحملها، ثم يسلمها إلى غلامه، فلما وضع الخصي الكسوة على منكبي انحنيت عنها بمنكبي، كراهة احتمالها، و تبرءوا من ذلك، فناداه أبو جعفر: بلّغها رحل أبي عبد اللََّه.

ما قال أبو جعفر لعبد العزيز بن أبي رواد[ (1) ]

قال: و ذكروا أن أبا جعفر لما دخل في الطواف بالبيت لقي عبد العزيز بن أبي رواد في الطواف، فقبض على يده، ثم قال له: أ تعرفني؟قال: لا. إلا أن قبضتك قبضة جبّار[ (2) ]. فقال له: أنا أبو جعفر أمير المؤمنين، فسلني من حوائجك ما شئت أقضها. قال: أسألك برب هذا البيت أن لا ترسل إليّ بشي‏ء حتى آتيك طوعا. فقال له أبو جعفر: ذلك لك، فأقبل يمشي بمشيته في طوافه، و كان شيخا كبيرا ضعيفا. فتأنف بقربة، و ثقل عليه كلامه. فقال: أسألك، بحرمة هذا البيت إلا تنحيت عني، فتنحى عنه أبو جعفر و خلّى سبيله و كان عبد العزيز بن أبي رواد هذا لا يرفع رأسه إلى السماء، تخشعا للََّه، فأقام كذلك أربعين سنة.

قدوم المهدي إلى المدينة

قال: و ذكروا أن مالك بن أنس لما أخذ في تدوين كتبه، و وضع علمه قدم عليه المهدي بن أبي جعفر، فسأله عما صنع فيما أمره به أبو جعفر، فأتاه بالكتب و هي كتب الموطّأ، فأمر المهدي بانتساخها، و قرئت على مالك. فلما أتم قراءتها: أمر له بأربعة آلاف دينار، و لابنه بألف دينار.

[ (1) ]هو مولى المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة، ذهب بصره عشرين سنة و لم يعلم به أهله و أولاده.

سمع من كبار التابعين و مات سنة 159 (صفة الصفوة 2/229) .

[ (2) ]الخبر في صفة الصفوة 2/229 باختلاف. و في العقد الفريد 3/165 بين أبي جعفر و سفيان الثوري. أيضا باختلاف و زيادة.

204

موت أبي جعفر المنصور و استخلاف المهدي‏

قال: و ذكروا أنه لما كانت سنة ست و ستين و مائة[ (1) ]قدم أبو جعفر مكة، فلما قضى حجة احتضر ثلاثة أيام‏[ (2) ]، ثم توفي في اليوم الرابع، و ولى ابنه محمد المهدي و كان معه يومئذ بمكة و أخوه جعفر ببغداد، و كان قد عهد إليه أبو جعفر.

فلما قفل المهدي إلى بغداد أتاه رجل فقال له: أدرك أخاك جعفرا[ (3) ]، فإنه قد همّ بمنازعتك، و هو يريد خلعك، فأخذ في السير، و معه الجنود و الأموال، و صناديد الرجال من العراق، و رجال العرب، و وجوه قريش. فلما قدم العراق اعتذر إليه جعفر مما رفع إليه عنه، و حلف له أنه ما نوى و لا أراد منازعته، و لا أشار إلى خلافه، و لا همّ به، فقبل منه المهدي ذلك، و عفا عنه، و كان كريما سخيا حليما، فلما كان سنة سبع و ستين و مائة قدم حاجا، فدخل المدينة زائرا لقبر النبي صلّى اللََّه عليه و آله و سلم، فدخل عليه مالك، فحضه على الإحسان إلى أهل المدينة، و حدثه بفضلها و فضل أهلها، و

يقول رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و آله و سلم فيها: أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب (و هي المدينة) تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد،

ثم قال يا أمير المؤمنين: أ فليس هؤلاء أهلا أن يعانوا على الصبر عليها و على جوار رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و آله و سلم؟ فقال المهدي: بلى و اللََّه يا أبا عبد اللََّه، حتى لا أجد إلا مثل هذا، و مد يده ليأخذ من الأرض شيئا فلم يجده. ثم قال صدقت فيهم و بررت، و حضضت على الرشد، فأنت أهل أن يطاع أمرك، و يسمع قولك، فأمر بخمسة أبيات مال، و البيت عندهم خمسمائة ألف، و أمر مالكا أن يختار من تلامذته رجالا يثق بهم، و يعتمد عليهم، يقسمونها على أهل المدينة، و يؤثرون أهل بيت رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و آله و سلم، و أهل بيت أبي بكر و عمر و عثمان، ثم أهل بيوت المهاجرين و الأنصار، ثم الذين اتبعوهم بإحسان، ففعل فأغنى أهل المدينة عامهم ذلك.

[ (1) ]كذا بالأصل، و قد تقدم أن أبا جعفر مات سنة 158 على المشهور.

[ (2) ]مات عند وصوله إلى بئر ميمون (الطبري-ابن الأثير) و في مروج الذهب: في الموضع المعروف ببستان بني عامر من جادة العراق و قيل: مات بالبطحاء عند بئر ميمون و كانت وفاته ليلة السبت لست خلون من ذي الحجة.

[ (3) ]في الطبري 8/32 مات جعفر بن أبي جعفر الأكبر سنة 150 و انظر ابن الأثير 3/605.

205

ذكر استخلاف هارون الرشيد

قال: و ذكروا أنه لما كانت سنة ثلاث و سبعين و مائة توفي المهدي، و ذلك أنه خرج يوما إلى بعض المنازل‏[ (1) ]، و معه أهله و بعض بنيه‏[ (2) ]، و كان قد ذكر أن يستخلف ابنه عبد اللََّه بعده، ثم غفل عن ذلك و تركه، فحمل عبد اللََّه الحرص و الطيش إلى أن دسّ على أبيه بعض الجواري المتمكنات منه بسمّه‏[ (3) ]، و بذل لها على ذلك الأموال، و مناها أماني الغرور. فلما سمّته، و وصل إليه السمّ، عرف المهدي أنه قد قتل، فدعا كاتبه فقال له: عجّل و اكتب عهد هارون الرشيد، و خذ بيعة الجند، و أمراء الأجناد، و اكتب بذلك إلى ولاة الأمصار، و كان الرشيد أصغر بنيه، و كان ابن أمة، لا يطمع في خلافة، و لا يظنّ بها، فأدخله على نفسه و هو يجود بها، و الرشيد لا يعلم أنه مستخلف. فقال له المهدي: أي بني، و اللََّه ما أردت استخلافك، و لا هممت به لحداثة سنك، و قد كان قال لي جدك أبو جعفر، و أنت يومئذ قد ترعرعت في أول رؤية رآك: إن ابني هذا الأعين‏[ (4) ]سيلي هذا الأمر، و يسير فيه سيرة صالحة، فقلت: يا أبت، أ تظن ذلك؟قال: ما هو بالظن، و لكنه اليقين، و يكون ملكا بضعا و عشرين سنة، و تقتله الحمى الربع‏[ (5) ]، فاندفع الرشيد باكيا فقال له: ما يبكيك، يا فتى؟قال: يا أبت، إنك و اللََّه نعيت لي نفسي، و عرفتني متى أموت، و مم أموت؟قال: هو ذاك، فشمّر، و اجتهد [ (1) ]في مروج الذهب 3/377 «مات بقرية يقال لها ردين» و هي من قرى ماسبذان. و كان موته على المشهور سنة 169. قال في المروج: ليلة الخميس لسبع بقين من المحرم.

[ (2) ]كان معه ابنه هارون الرشيد، و كان موسى الهادي قد خرج إلى جرجان.

[ (3) ]في سبب موته أقوال:

-أنه خرج يصيد، فاقتحم به فرسه باب خربة فصدمه و مات (الطبري-تاريخ اليعقوبي) .

-قيل إنه مات مسموما بقطائف أكلها (مروج الذهب) .

-قيل إنه مات بكمثرتين إحداهما مسمومة سممتها جارية له كانت تقصد قتل وصيفة لها فمرت أمام المهدي و هي تحمل الكمثرى-و كان يحب الكمثرى فدعا بالجارية التي تحملها و تناول إحداهما-المسمومة-فمات (الطبري) و قال ابن الأثير 4/5 في سبب خروجه إلى ماسبذان، أنه قد عزم على خلع موسى الهادي و البيعة للرشيد بولاية العهد و تقديمه على الهادي فبعث إليه، و هو بجرجان في المعنى فلم يفعل، فبعث إليه في القدوم عليه... و امتنع.. فسار المهدي يريده. (و كان موته هناك على ما ذكرنا) .

[ (4) ]الأعين: شديد سواد العين، واسعها.

[ (5) ]الحمى الربع: التي تأتي المريض يوما و تسكت يومين ثم تأتي في اليوم الرابع (القانون في الطب لابن سينا) .

206

و جدّ، و خذ بالحزم و الكرم، و دع الإحن، و انظر أخاك عبد اللََّه فلا يناله منك مكروه، فقد عفوت عنه. فقال الرشيد: يا أبت، و تعفو عنه، و قد أتى ما ذكرت، و صنع ما وصفت؟قال يا بنيّ: و ما عليّ أن أعفو عمن أكرمني اللََّه على يديه، و أرجو أن يغفر لي بصنيعته، بي إن شاء اللََّه. عليك يا بني بتقوى اللََّه العظيم و طاعته، فاتخذها بضاعة يأتيك الربح من غير تجارة، و أوصيك بإخوتك خيرا، و أهل بيت رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و آله و سلم، أقبل حسناتهم، و تجاوز عن سيئاتهم، و اغفر زلاّتهم، و أوصيك بأهل الحرمين خيرا، فقد علمت من هم، و أبناء من هم، أجزل لهم العطاء، و أحسن لهم الجزاء، يكافئك اللََّه في الآخرة و الأولى.

ثم توفي المهدي من يومه ذاك، و استخلف الرشيد[ (1) ]، و خرج إلى الناس يبايعهم بوجه طلق و لسان سلط، فبايعوه ببغداد، و ذلك يوم الخميس من المحرم سنة ثلاث و سبعين و مائة[ (2) ]، و تمت له البيعة يوم الجمعة في المسجد الجامع، فلم يختلف عليه أحد. و لا كره خلافته مخلوق، فأحسن السيرة، و أحكم أمر الرعيّة، و كان أوحد أهل بيته، و لم يشبهه أحد من الخلفاء من أهله، رحمه اللََّه.

قدوم هارون الرشيد المدينة

قال: و ذكروا أنه لما كانت سنة أربع و سبعين و مائة، خرج هارون حاجا إلى مكة، فقدم المدينة زائرا قبر النبي عليه الصلاة و السلام، فبعث إلى مالك بن أنس، فأتاه، فسمع منه كتابه الموطأ، و حضر ذلك يومئذ فقهاء الحجاز و العراق و الشام و اليمن، و لم يتخلف منهم أحد إلا حضر ذلك الموسم مع الرشيد و سمع و سمعوا من مالك موطأه الّذي وضع، و كان قارئه يومئذ حبيب كاتب الرشيد.

[ (1) ]كذا بالأصل، و هو خطأ فاحش، فالمعروف أن المهدي-و إن كان حسب رواية ابن الأثير يريد عزل الهادي عن ولاية عهده و تقديم الرشيد-كان قد كتب بولاية عهده لابنه موسى الهادي و من بعده لابنه هارون الرشيد. و بعد ما مات المهدي بويع للهادي، و هو بجرجان، ثم وافى بغداد لعشر بقين من صفر سنة 169 (انظر الطبري-اليعقوبي-خليفة-مروج الذهب-ابن الأثير- البداية و النهاية-الأخبار الطوال) و مات موسى الهادي بعيساباذ نحو مدينة السلام سنة سبعين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول. و كانت خلافته سنة و ثلاثة شهور (مروج الذهب 3/397) .

[ (2) ]تقدم أن المهدي مات سنة 169 هـ.

207

فلما أتم قراءته قال هارون لفقهاء الحجاز و العراق: هل أنكرتم شيئا من هذا العلم؟قالوا: ما أنكرنا شيئا إلا ما ذكر من أمر الدماء، و التدمية في القتل، فإن هذا من أنكر ما يكون من العلم و أبطله، يقول الرجل: قتلني فلان فيقبل منه، و يحلف أولياؤه على القاتل خمسين يمينا، ثم يقتل، و لعل أولياءه لم يحضروا، و لم يكونوا بمصر، فيعرض بهم الحنث في الإيمان، فيقبل قول رجل من غيره، و هو لا يقبل في ربع دانق‏[ (1) ]يدعيه إلا ببينة تقوم، إن هذا لهو الضلال‏[ (2) ]. و قد

قال صلّى اللََّه عليه و آله و سلم في الحديث الصحيح الّذي رواه ابن عباس حيث قال: «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء أقوام و أموالهم، و لكن البيّنة على من ادّعى و اليمين على من أنكر»

[ (3) ]. قال الرشيد: ويحكم، إن في كتاب اللََّه ما يصدّق ذلك، و لا إخال أبا عبد اللََّه أخذه إلا من كتاب اللََّه فاستثبتوه. فأرسل إليه فأقبل. فقال هارون: يا أبا عبد اللََّه، إن أصحابنا هؤلاء لم يختلف منهم اثنان في الإنكار عليك فيما وضعت في موطّئك من التدمية. و تصديق قول من ادّعى، و أنت و هم تزعمون بطل دعوى من ادّعى على رجل دانقا إلا ببينة تقوم له، فأخبر القوم، و أوضح لهم حجتك في ذلك و أنا معك عليهم، فإنّي لا أعلم بعد أمير المؤمنين أحدا أعلم منك، فقال مالك: يا أمير المؤمنين، إن مما يصدق القسامة[ (4) ]، ما في كتاب اللََّه من القتل، و الأخذ بالدم الّذي كان في بني إسرائيل.

قال اللََّه عزّ و جل: اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِهََا [البقرة: 73]فذبحت البقرة، ثم ضربوه بعضو من أعضائها[ (5) ]، فحيّي القتيل، ثم تكلم. فقال: فلان قتلني، فقتله موسى بن عمران عليه السلام بقوله ذلك، و هو حكم التوراة، فيها هدى و نور [ (1) ]الدانق: سدس درهم.

[ (2) ]راجع رأي مالك في الموطأ-كتاب القسامة ص 633 و ما بعدها.

[ (3) ]أخرجه البخاري في الرهن (6) و الترمذي في الأحكام (11) و ابن ماجة في الأحكام (7) .

[ (4) ]القسامة بالفتح قال في النهاية: «اليمين، كالقسم، و حقيقتها أن يقسم من أولياء الدم خمسون نفرا عن استحقاقهم دم صاحبهم، إذا وجدوه بين قوم و لم يعرف قاتله، فإن لم يكونوا خمسين أقسم الموجودون خمسين يمينا و لا يكون فيهم صبي و لا امرأة و لا مجنون و لا عبد، أو يقسم بها المتهمون على نفي القتل عنهم، فإن حلف المدعون استحقوا الدية. و ان حلف المتهمون لم تلزمهم الدية.

و قد أقسم يقسم قسما و قسامة إذا حلف» .

[ (5) ]اختلفوا في البعض الّذي ضرب به القتيل فقيل لسانها و قيل فخذها اليمنى و قيل ذنبها و قيل العظم الّذي يلي الغضروف و هو أصل الكتف و قيل البضعة بين الكتفين (تفسير الرازيّ 1/125) .

208

يحكم بها النبيون الذين أسلموا، فالذين أسلموا: محمد صلّى اللََّه عليه و آله و سلم و أصحابه،

و قد حكم بالتوراة رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و آله و سلم، في المرجوم اليهودي الّذي زنى، فرجمه رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و آله و سلم،

و قد ذكر أنس بن مالك رضي اللََّه عنه أن يهوديا لقي جارية من جواري الأنصار في بعض أنقاب المدينة، و عليها أوضاح‏[ (1) ]من ذهب و ورق، فأخذ الأوضاح منها، و شدخ رأسها بين حجرين، فأدركت الجارية و بها رمق، فاتهم بها اليهود، فأتي بهم، فعرضوا عليها رجلا رجلا و هي لا تتكلم، حتى أتي بصاحبها الّذي قتلها فعرفته. فقيل له: هذا الّذي قتلك؟فأومأت برأسها أن نعم، فأمر رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و آله و سلم فشدخ رأسه بين حجرين، فهذا يا أمير المؤمنين حكم الدماء، و القسامة فيها سنّة قائمة من رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و آله و سلم و الخلفاء، فقنعوا منه بذلك، و صاروا إلى الرضا بقوله، و التصديق لروايته، و التسليم لتأويل ما تأوّل من القرآن الكريم. ثم قال له مالك: إن أباك يا أمير المؤمنين بعث إليّ في هذا المجلس كما بعثت إليّ، و حدثته بما حدثتك به في شأن أهل المدينة، و ما يصبرون عليه من البلاء، و شدّة الزمان، و غلاء الأسعار، صبرا على ذلك، و اختيارا لجوار قبر رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و آله و سلم. فقال هارون: ذلك هو أبي و أنا ابنه، و سوف أفعل ما فعل، و أمر لأهل المدينة بعشرة أبيات مال‏[ (2) ]، ضعف ما أمر به المهديّ، و كان أبو يوسف القاضي مع الرشيد يومئذ، فسأله أن يجمع بينه و بين مالك، ليكلمه في الفقه. فقال الرشيد لمالك:

كلمه يا أبا عبد اللََّه، فأنف من ذلك مالك، و تنزّه عنه، و قال لهارون: ها هنا من فتيان قريش من تلامذتنا، من يبلغ حاجة أمير المؤمنين، و يخصمه‏[ (3) ]فيما يتكلم به، و يذهب إليه، فسرّ ذلك الرشيد حين أضاف ذلك إلى قريش. فقال: من هو؟فقال: المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي‏[ (4) ]، فبعث إليه الرشيد فجمعه بأبي يوسف فقال: كلمني بما بدا لك أجاوبك. فقال أبو يوسف القاضي‏[ (5) ]: يا أمير [ (1) ]الأوضاح: جمع وضح بفتح الواو و الضاد: من حلي النساء. و الورق: الفضة.

[ (2) ]قال الطبري: 8/239 فقسم في أهلها (المدينة) مالا عظيما.

[ (3) ]خصمه: يخاصمه في أمر ما و ينتصر عليه في الخصومة.

[ (4) ]هو عبد الرحمن بن الحارث المخزومي فقيه أهل المدينة، عرض عليه الرشيد قضاء المدينة فرفض، مات سنة 186 هـ. (الكاشف) .

[ (5) ]هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري أبو يوسف. مات سنة 182 هـ. (العبر 1/219-تذكرة ـ

209

المؤمنين إن هؤلاء، يعني مالكا و أصحابه، يقضون بغير ما في كتاب اللََّه، يقول اللََّه عزّ و جل: (وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: 2]و قال: (وَ اِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجََالِكُمْ) [البقرة: 282]و هؤلاء يقضون باليمين مع الشاهد، و لا نسمع أن اللََّه تعالى ذكر إلا شاهدين و أربعة شهداء، و لم يصح عن النبي صلى اللََّه عليه و سلم أنه قضى به، و إنما يدور هذا الحديث الّذي روى فيه سهيل عن أبي صالح عن أبيه، ثم نسبه سهيل، فكان يحدث و يقول:

حدثني ربيعة عن أبي هريرة: «أن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم قضى باليمين مع الشاهد»

فلما نسبه سهيل بطل الخبر، و أثبت أصله، فلا معنى لذكره. قال المغيرة: قضى به رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم، و قضى به عليّ بالكوفة، فقال أبو يوسف: أنا أكلمك بالقرآن، و أنت تكلمني بأفعال الناس، أتراك تعرّفني بهذا، و بما قضى به عليّ و غيره؟فقال المغيرة: فأنت كافر بنبي قضى باليمين مع الشاهد، أو مؤمن به؟فسكت أبو يوسف فحجّه المغيرة. فسرّ بذلك الرشيد، و أمر للمغيرة بألف دينار. ثم أرسل الرشيد إلى مالك فقال: ما تقول في هذا المنبر، فإنّي أريد أن أنزع ما زاد فيه معاوية بن أبي سفيان و أردّه إلى الثلاث درجات، التي كانت بعهد رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم؟ فقال له مالك: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإنما هو من عود ضعيف قد تخرّمته المسامير، فإن نقضته تفكّك، و ذهب أكثره، و مع هذا إنه يا أمير المؤمنين لو أعدته إلى ثلاث درجات لم آمن عليه أن ينتقل عن المدينة، يأتي بعدك أحد فيقول أو يقال له: ينبغي لمنبر رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم أن يكون معك حيث كنت، فإنما المنبر للخليفة، فينتقل كما انتقل من المدينة كل ما كان بها من آثار رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم، و ما أعلم أنه ترك له عليه الصلاة و السلام بها نعل و لا شعر و لا فراش و لا عصا و لا قدح و لا شي‏ء مما كان له هاهنا من آثاره إلا و قد انتقل. فأطاعه الرشيد، و انتهى عن ذلك برأي مالك بن أنس و كان ذلك رحمة من اللََّه لأهل المدينة، و تثبيتا لمنبر رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم بين أظهرهم.

[ () ]الحفاظ 1/292-البداية و النهاية 10/180-سير أعلام النبلاء 12/141) .

210

مسير الرشيد إلى الفضيل‏[ (1) ]بن عياض‏

قال: و ذكروا أن الرشيد كان كثيرا ما يتلثم، فيحضر مجالس العلماء بالعراق و هو لا يعرف. و كان قد قسم الأيام و الليالي على سبع ليالي: فليلة للوزراء، يذاكرهم أمور الناس، و يشاورهم في المهمّ منها، و ليلة للكتاب يحمل عليهم الدواوين، و يحاسبهم عما لزم من أموال المسلمين، و يرتب لهم ما ظهر من صلاح أمور المسلمين، و ليلة للقوّاد، و أمراء الأجناد يذاكرهم أمر الأمصار و يسألهم عن الأخبار، و يوقفهم على ما تبين له من صلاح الكور و سدّ الثغور، و ليلة للعلماء و الفقهاء يذاكرهم العلم و يدارسهم الفقه، و كان من أعلمهم، و ليلة للقرّاء و العبّاد يتصفح وجوههم، و يتعظ برؤيتهم، و يستمع لمواعظهم، و يرقق قلبه بكلامهم، و ليلة لنسائه و أهله و لذّاته، يتلذّذ بدنياه، و يأنس بنسائه، و ليلة يخلو فيها بنفسه، لا يعلم أحد قرب أو بعد ما يصنع، و لا يشكّ أحد أنه يخلو فيها بربه، يسأله خلاص نفسه، و فكاك رقّه. فبينما هو يوما في مجلس محمد بن السمّاك، و قد قصد لرؤيته يسمع لموعظته، و لا يعلم أحد بمكانه، فسمع بعض أهل المجلس يذكر الفضيل بن عياض، و يصف فضله و عبادته، و علمه و روعه، فاشتهى النظر إليه، و معه عبد اللََّه بن المبارك فقيه أهل بغداد و عالمهم، و كان الفضيل بن عياض يسكن الغيران. فلما قربا من موضعه قال عبد اللََّه بن المبارك:

يا أمير المؤمنين إن الفضيل إن عرفك و عرف مكانك لم يأذن لك عليه، و يسفر عنك. فقال هارون: تستأذن أنت عليه، و تخفي مكاني عنه، حتى يأذن بالدخول فاستأذن عليه ابن المبارك. قال الفضيل: من بالباب؟قال: ابن المبارك. قال:

مرحبا يا أخي و صاحبي، فقال ابن المبارك: و من معي يدخل؟فقال الفضيل:

و من معك؟قال: رجل من قريش. فقال الفضيل: لا إذن، لا حاجة لي برؤية أحد من قريش. فقال له ابن المبارك: إنه من العلم و العناية و الفقه فيه بمكان، فقال له الفضيل: أو ما علمت أن إبليس أفقه الناس؟فقال له ابن المبارك: إنه سيد قريش في زمانه هذا و فوقهم، و إنما عنى أنه فوقهم في الدنيا و سيدهم، فقال له الفضيل: فإن كان كما تقول فليدخل، فدخل الرشيد فسلم عليه، ثم جلس [ (1) ]في النسخ المطبوعة: «الفضل» تحريف. و قد جرى تصحيحه في كل مواضع الخبر.

211

بين يديه، فتحدثوا ساعة. فقال له ابن المبارك: يا أبا الحسن، أ تدري من هذا؟ قال: لا أدري. فقال له: هذا هارون بن محمد الرشيد أمير المؤمنين، فنظر إليه الفضيل بن عياض ساعة، ثم قال: هذا الوجه الجميل يسأل غدا عن أمة محمد و يؤاخذ بها، لئن كان العفو و الغفران يسعك مع ما أنت فيه، إن هذا لهو الفضل المبين، و كان الرشيد من أجمل الناس خلقا، و أحسنهم نطقا، و أبلغهم لسانا، و أعذبهم كلاما، و أكثرهم علما و فهما، ثم جعل الفضيل بن عياض يعظه و يخوّفه حتى بكى هارون بكاء شديدا. قال ابن المبارك: ما رأيت أحدا يبكي بكاء الرشيد يومئذ، ثم أفاق من بكائه، فجعل الفضيل يذكر مثالبه، و مثالب أهل بيته، و رداءة سيرتهم، و خلافهم الحق، ثم لم يدع شيئا يعيبه به، و لا أمرا ينتقصه فيه إلا و استقبله به. فقال له الرشيد: يا أبا الحسن، أما لك ذنوب تخاف أن تهلك بها إن لم يغفرها اللََّه لك؟فقال الفضيل: بلى. فقال الرشيد: فما جعلك بأحقّ أن ترجو المغفرة مني؟و أنا على دين يقبل اللََّه فيه الحسنات، و يعفو عن السيئات، و مع ذلك فإنّي و اللََّه ما كنت لأخير بين شي‏ء و بين اللََّه إلا اخترت اللََّه تعالى على ما سواه، اللََّه الشاهد على قولي، و المطلع على نيتي و ضميري، و كفى به شهيدا. و أنا مع هذا ألي من الإصلاح بين الناس، و الجهاد في سبيل اللََّه، و الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، ما لا تليه أنت، فما جعلك أحقّ أن ترجو المغفرة مني؟فسكت الفضيل ساعة ثم قال: ما ظلمك من حجّك، ثم قام هارون للخروج. فقال الفضيل: يا أمير المؤمنين، إني أخشى أن يكون العلم قد ضاع قبلك كما ضاع عندنا، فقال الرشيد: أجل إنه ما قلت‏[ (1) ]. فلما قدم الرشيد العراق كان أول ما ابتدأ فيه النظر أن كتب إلى الأمصار كلها، و إلى أمراء الأجناد، أما بعد: فانظروا من التزم الأذان عندكم، فاكتبوه في ألف من العطاء، و من جمع القرآن و أقبل على طلب العلم و عمر مجالس العلم، و مقاعد الأدب، فاكتبوه في ألفي دينار من العطاء، و من جمع القرآن، و روى الحديث، و تفقه في العلم و استبحر، فاكتبوه في أربعة آلاف دينار من العطاء، و ليكن ذلك بامتحان الرجال السابقين لهذا الأمر، من المعروفين به من علماء عصركم، و فضلاء دهركم، فاسمعوا قولهم و أطيعوا أمرهم، فإن اللََّه تعالى يقول:

[ (1) ]خبر الرشيد مع الفضيل بن عياض روي باختلاف عما هنا قارن مع: حلية الأولياء 8/106 صفة الصفوة 2/242 مروج الذهب 3/434 وفيات الأعيان 4/48.

212

(أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء: 59]و هم أهل العلم. قال ابن المبارك: فما رأيت عالما و لا قارئا للقرآن، و لا سابقا للخيرات، و لا حافظا للمحرمات، بعد أيام رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم، و أيام الخلفاء و الصحابة أكثر منهم في زمن الرشيد و أيامه، لقد كان الغلام يجمع القرآن و هو ابن ثمان سنين، و لقد كان الغلام يستبحر في الفقه و العلم، و يروي الحديث، و يجمع الدواوين، و يناظر المعلمين و هو ابن إحدى عشرة سنة.

ذكر الحائك المتطفل‏

قال: و ذكروا أن الرشيد[ (1) ]لما انصرف من الحجاز و صار بالرّقة[ (2) ]قال لوزيره عمرو بن مسعدة: ما زلت تكلمني و تستلطفني في الرخجيّ‏[ (3) ]حتى وليته الأهواز، فقعد في سرّة الدنيا يأكلها خضما[ (4) ]و قضما، و لم يوجه إليّ درهما، فاخرج إليه من ساعتك هذه، حتى تحلّ ساحته، ثم لا تدع له حرمة إلا انتهكتها، و لا أكرومة إلا أهنتها. ثم لا تسمع له حجة يرفعها، و لا تقبل منه كلمة ينهيها، إن اعتذر فلا تقبل له عذرا، و إن قال فلا تقبل له قولا، فشرّ قائل، و أكذب متظلّم، فقلت في نفسي: أبعد الوزارة أصير مستحثا على عامل خراج؟ و لكن لم أجد بدا من طاعة أمير المؤمنين، إذ كانت ولايته بسببي. فقلت: أخرج يا أمير المؤمنين؟قال: فاحلف أنك لا تلبث في بغداد إلا يوما، فحلفت له، ثم انحدرت إلى بغداد، ثم خرجت، فلما صرت بين دير هرقل و بين دير العاقول‏[ (5) ]، إذا رجل‏[ (6) ]يصيح: يا ملاّح، يا ملاّح، رجل منقطع. فقلت للملاح: قرّب إلى [ (1) ]الخبر في العقد الفريد 4/175 و صبح الأعشى 1/142 بين المعتصم و عمرو بن مسعدة. و هو خطأ. لأن عمرو بن مسعدة مات سنة 217 و المأمون حي، و تولى المعتصم الخلافة سنة 218 هـ.

[ (2) ]الرقة: بلد على الفرات.

[ (3) ]هو عمر بن الفرج الرخجي من أعيان الكتاب، و الرخجي نسبة إلى الرخج كورة و مدينة من نواحي كابل. و بقي الرخجي إلى أيام المتوكل حيث سخط عليه (انظر مروج الذهب 4/117 و معجم البلدان «رخج» ) .

[ (4) ]الخضم: الأكل مع مل‏ء الفم و أكل الرطب. و القضم: أكل اليابس. يريد أنه يأكل خيرات الأهواز جميعها.

[ (5) ]دير هرقل: دير مشهور بين البصرة و عسكر مكرم. و دير العاقول: بين مدائن كسرى و النعمانية، و بينه و بين بغداد 15 فرسخا (معجم البلدان) .

[ (6) ]في صبح الأعشى: شاب على الشط يقول:

213

الشط. فقال: يا سيدي هذا رجل شحاذ و إن قعد معك آذاك، قال الوزير: فلم يلتفت إليه و لقوله، و أمرت الغلمان فأدخلوه فقعد، فلما حضر الغداء دعوته، فكان يأكل أكل جائع بنهامة، إلا أنه نظيف الأكل، فلما رفع الطعام، أردت أن يقوم و يغسل يديه في ناحية، فلم يفعل، فغمزه الغلمان، فلم يفعل، فتشاغلت عنه ليقوم، ثم قلت له: يا هذا ما صناعتك؟قال لي: حائك، فقلت في نفسي:

هذه شرّ من الأولى، ما ألوم غير نفسي، إذ لم أقبل ممن نصحني، و صرت أواكل الحوكة. فقلت: توضأ يا أخي، فتوضأ، ثم قال لي: جعلت فداك: قد سألتني عن صناعتي، فما صناعتك أنت؟فقلت في نفسي: هذه شرّ من الأولى، و كرهت أن أذكر الوزارة، و قلت: أقتصر على الكتابة. فقلت له: كاتب. فقال: إن الكتابة على خمسة أصناف: كاتب رسائل، يحتاج أن يعرف الفصل من الوصل، و الصدور و رقيق الكلام، و التهاني و التعازي، و الترهيب و الترغيب، و المقصور و الممدود، و جملا من العربية. و كاتب جند يحتاج إلى أن يعرف حساب التقدير، و شيات‏[ (1) ]الدواب، و حليّ الناس و نعوتهم‏[ (2) ]. و كاتب قاض، يحتاج أن يكون عالما بالشروط و الأحكام، عارفا بالناسخ و المنسوخ من القرآن، و الحلال، من الحرام، و الفروع و المواريث‏[ (3) ]. و كاتب شرطة، يحتاج أن يكون عالما بالجروح و القصاص و الديات، فقيها في أحكام الدماء، عارفا بدعوى التعدّي.

و كاتب خراج، يحتاج أن يعرف الزرع و المساحة و ضروب الحساب‏[ (4) ]، فأيهم أنت أعزّك اللََّه؟قلت: فو اللََّه ما قضى كلامه حتى صار أعظم الناس في نفسي و أحبّهم إليّ، و صار كلامه عندي أشهى من الماء البارد العذب على الظمآن.

فقلت له: أصلحك اللََّه، تقدّم إليّ، و ادن مني أكلمك، و أقعدك المقعد الّذي يقعده مثلك، فلو لا أن من البرّ ما يكون عقوقا لأقعدتك مقعدي هذا. قال:

مقعدي الّذي أنا به أولى بي. فقلت: أمتع اللََّه بك، أنا كاتب رسائل. قال:

فأخبرني لو كان لك صديق تكتب إليه في المحبوب و المكروه، و يكتب إليك في جميع الأسباب، فتزوّجت أمه، كيف كنت تكتب إليه؟تهنئة أم تعزّيه؟قلت:

[ (1) ]شيات الدواب: علاماتها.

[ (2) ]حلى الناس: جمع حلية أي صفة.

[ (3) ]في صبح الأعشى: ... و التأويل و التنزيل و المتشابه و الحدود القائمة.

[ (4) ]زيد في العقد: و الأشوال و الطسوق و التقسيط. و في الصبح: خبيرا بالحساب و المقاسمات، و التقسيط.

214

و اللََّه ما أدري كيف الوجه في هذا، و هو بالتعزية أولى منه بالتهنئة. قال: صدقت، كيف كنت تعزّيه؟فقلت: و اللََّه ما أقف على ما تقول. قال: فلست بكاتب رسائل، فأيهم أنت؟قلت: كاتب خراج. قال: فما تقول أصلحك اللََّه، و قد ولاك السلطان عملا فبثثت عمالك فيه، فجاء قوم يتظلمون من بعض عمالك، فأردت أن تنظر في أمرهم، و تنصفهم إذا كنت تحبّ العدل، و تؤثر حسن الأحدوثة و طيب الذكر، و كان لأحدهم براح‏[ (1) ]، فأردت مساحته، كيف كنت تمسحه؟قلت: أضرب العطوف في العمود، و انظر إلى مقدار ذلك. قال: إذا تظلم الرجل. قلت: فأمسح العمود على حدته. قال: إذا تظلم السلطان. قلت: و اللََّه ما أدري‏[ (2) ]. قال:

لست بكاتب خراج، فأيهم أنت؟قلت: كاتب جند. قال: فما تقول في رجلين اسم كل واحد منهما أحمد، أحدهما مقطوع‏[ (3) ]الشفة العليا، و الآخر مقطوع‏[ (3) ] الشفة السفلى، كيف كنت تنعتهما و تحليهما؟فقلت: كنت أكتب أحمد الأعلم، و أحمد الأعلم. قال: فكيف يكون هذا و رزق هذا مائتا درهم، و رزق ذاك ألف درهم، فيقبض هذا عطاء ذاك، و ذاك عطاء هذا، فتظلم صاحب الألف؟قلت:

و اللََّه ما أدري. قال: فلست بكاتب جند، فأيهم أنت؟قلت: كاتب قاض.

قال: فما تقول في رجل خلف سرية[ (4) ]و زوجة[ (5) ]، و كان للزوجة بنت، و للسرية ابن، فلما كان تلك الليلة التي مات فيها الرجل، أخذت الحرّة ابن السرية فادّعته، و جعلت ابنتها مكانه، فتنازعتا فيه، فقالت هذه‏[هذا]ابني، و قالت هذه [هذا]ابني، كيف كنت تحكم بينهما و أنت خليفة القاضي؟قلت: و اللََّه ما أدري. قال: فلست بكاتب قاض، فأيهم أنت؟فقلت: كاتب شرطة. قال: فما تقول في رجل وثب على رجل، فشجه شجة موضحة[ (6) ]، فوثب عليه المشجوج فشجه شجة مأمومة[ (7) ]، كيف كنت تقضي بينهما؟فقلت: ما أعلم. قال: فلست بكاتب شرطة. فقلت: أصلحك اللََّه: قد سألت ففسر لي ما ذكرت. فقال:

[ (1) ]في العقد و الصبح: «قراح» و هو المزرعة التي ليس عليها بناء و لا شجر.

[ (2) ]قارن مع الصبح.

[ (3) ]في الموضعين في الصبح: مشقوق.

[ (4) ]السرية: بالضم، المملوكة يتسراها صاحبها.

[ (5) ]في صبح الأعشى: زوجة حرة.

[ (6) ]الموضحة من الشجاج: التي بلغت العظم فأوضحت عنه.

[ (7) ]المأمومة أي الضربة التي بلغت أم الرأس.

215

أما الّذي تزوجت أمه، فتكتب إليه: أما بعد، فإن أحكام اللََّه تجري بغير محابّ المخلوقين، و اللََّه يختار للعباد، فخار اللََّه لك في قبضها إليه، فإن القبر أكرم لها، و السلام.

و أما البراح‏[ (1) ]: فتضرب واحدا و ثلثا في مساحة العطوف، فمن ثم بابه.

و أما أحمد و أحمد: فتكتب حلية المقطوع الشفة العليا: أحمد الأعلم.

و المقطوع الشفة السفلى: أحمد الأشرم. و أما المرأتان فيوزن لبن هذه و لبن هذه، فأيهما كان أخفّ، فهي صاحبة البنت. و أما صاحب الشجة: فإن في الموضحة خمسا من الإبل، و في المأمومة ثلاثا و ثلاثين و ثلثا، فيردّ صاحب المأمومة ثمانية و عشرين و ثلثا. فقلت: أصلحك اللََّه؟فما أتى بك ها هنا؟قال:

ابن عمّ لي كان عاملا على ناحية، فخرجت إليه، فألفيته معزولا فقطع بي، فأنا خارج أضطرب في المعاش. قلت: أ لست قد ذكرت أنك حائك؟فقال: جعلت فداك، إنما أحوك الكلام، و لست بحائك الثياب‏[ (2) ]. قال: فدعوت المزين فأخذ من شعره، و أدخل الحمام و طرحت عليه من ثيابي، فلما صرت إلى الأهواز كلمت فيه الرخجيّ، فأعطاه خمسة آلاف درهم، و رجع معي، فلما صرت إلى أمير المؤمنين ألفيته قد توقد عليّ نارا، و امتلأ غيظا، و قد حلف بالمشي إلى الكعبة أن ينالني منه يوم سوء، لطول مقامي، و اشتغالي عنه بالرجل، فلما دخلت عليه قال: ما كان من خبرك في طريقك، و ما الّذي شغلك بعد أمري لك. أن لا تلبث ببغداد إلا يوما واحدا، و يمينك على ذلك؟فأخبرته خبري، حتى حدّثته بحديث الرجل، و قصتي معه، قال: لقد جئتني بأعظم الفوائد، فلأي شي‏ء يصلح ويحك؟قلت: هو و اللََّه يا أمير المؤمنين أعلم الناس بالفقه و العلم، و الحلال و الحرام، و الهندسة و الفلسفة، و الحساب و الكتابة. فولاه هارون البناء و المرمّة[ (3) ]، و المهم من الأمور، و أولاه على عمال الخراج يتقاضاهم و يحاسبهم، فكنت و اللََّه ألقاه في المواكب العظيمة، فينحط عن دابته ساعيا، حتى يقبل على يدي يقبلها، فأحلف عليه، فيقول: سبحان اللََّه إنما هذه نعمتك، و بك نلتها، و يقول:

[ (1) ]في العقد و الصبح: القراح.

[ (2) ]في الصبح: فقال: أنا حائك كلام لا حائك نساجة.

[ (3) ]المرمة: إصلاح المباني و ترميمها.

216

فلو أن للشكر شخصا يرى # إذا ما تأمّله الناظر

لمثلته لك حتى تراه # فتعلم أني امرؤ شاكر

قال عمرو بن مسعدة: ثم قال لي هارون: ويحك، لما أبطأت حلفت بالمشي إلى الكعبة أن ينالك مني يوم سوء، و لا و اللََّه ما هذا جزاؤك لديّ فما الرأي؟فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت أعلى عينا، و أولى من برّ يمينه. فقال:

و اللََّه ما أريد ذلك. قلت: فليكفّر أمير المؤمنين عن يمينه،

فإن النبيّ عليه الصلاة و السلام قال: «من حلف على يمين فرأى خيرا منها فليكفر، و ليأت الّذي هو خير» :

فقال: ويحك، إن العلماء لم يروا الكفارة في هذا، و إنما تأوّلوا قوله عليه الصلاة و السلام في الأيمان باللََّه تعالى، و قد أجمعت على المشي، و المضيّ إلى الكعبة راجلا. فقلت: أنّى لك بذلك؟و كيف تصل راجلا؟قال: لا بد من ذلك. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، فأمهل عامك هذا حتى أسهّل لك طريقا، و أحدّد لك مراحل، و أوقّت لك مواقيت يسهل عليك ذلك إن شاء اللََّه. قال:

ذلك لك. فأمر عمرو بالأنهار فعرّجت عن مسيلها، و بالآكام و الجبال فسوّيت، و بالخنادق و الأدوية فردمت، حتى صار ما بينه و بين مكة كالراحة الموزونة، و صارت الأنهار و الأودية تسايره على طريقه، ثم صنع له مراحل، قد حدّد له عند كلّ مرحلة حدّا، و ابتنى في كل مرحلة دارا، و كانت المرحلة بريدا، قدرها اثنا عشر ميلا، ثم أمر بالمراحل ففرشت بالبسط الرهاوية[ (1) ]، و نصب له جدارا بالستور، و سمكها بأكسية الخزّ الرفيع الملوّن، و قد ضرب عند كل فرسخ قبة مزوّقة، قد أقام فيها الفرش الممهدة، و قد أحاط بها الظلال الممدودة بالرواقات الكثيفة، فيها أنواع الطعام و الشراب و ألوان الفواكه. فلما تمّ صنعه ذلك، و أبرم أمره، قال: يا أمير المؤمنين، قد تمّ ما أردته، و كمل ما حاولته، فانهض على اسم اللََّه العظيم، و كانت زبيدة زوجته التي أغرته عليه، و حملته على اليمين لمعاقبته، فخرج الرشيد ماشيا، و معه دابّته و زبيدة، فكانت المرحلة تفرش، و الستور تنصب، و السمك ترفع، فيمشي ثلاثة أميال، ثم ينزل في قبة أمامها رواق، فينال راحته، و يصيب ما اشتهى من لذّة في مأكل و مشرب، ثم ينهض ثلاثة أخرى، فينزل على مثل ذلك، فإذا استكمل مشى أربعة فراسخ، نزل في [ (1) ]الرهاوية نسبة إلى الرها، و هي مشهورة بها.

217

قصر قد شيد له، و دار قد بنيت، فيها حمام طيّب، ينال فيها راحته مع أهله، و يصيب لذّته مما شاء و كيف شاء، ثم يكسر فيه يوما، ثم يخرج في اليوم الثاني إلى مثل ذلك، قد شايعه في طريقه الوزراء و القوّاد، و أمراء الأجناد و العلماء و الفقهاء، و الجنود و العساكر قد صاروا منه بمعزل يحاذونه في طريقه. إذا نزل في الرواق صار الخصيان حوله، بحيث يسمعون كلامه، و لا يرون شخصه، فلا يشتهي شيئا من معرفة أخبار الأمصار و البلدان، إلا و خط فيه كتابا، يأمر فيه بإيصاله لحيث شاء من الأماكن، مسيرة الأيام و الليالي، فيأتيه الجواب من يومه على النجائب من مسيرة ثمانية أيام، و يأتيه الجواب من يومه من مسيرة شهر و نحوه على أجنحة الحمام، يعلق الكتاب في جناحه فيرتفع في الجوّ ارتفاعا يغيب شخصه عمن في الأرض، و ينقضّ على وطنه، و موضع فراخه، فإذا نزل لا يستقرّ نزوله، حتى يؤخذ الكتاب من جناحه، فيجاوب بما أحبّ، ثم يسرّح غيره، فيرتفع في الجو حتى يوازي وطنه و موضعه من بعد تلك الأماكن التي عليها طريق أمير المؤمنين، فيؤخذ الجواب منه، و قد صار الموكلون بذلك لا يهتمون بغير ما قلّدوا، و لا يتشاغلون بغير ما حمّلوا، فلم يزل كذلك ماشيا، حتى وصل إلى مكة في ثلاثة أشهر، فقضى حجّه، و شهد مناسكه و مشاعره، ثم انصرف قافلا إلى بغداد، و ذلك في آخر شهر ذي الحجة من سنة ثمانين و مائة[ (1) ].

فلما همّ بالانصراف، و ذكر القفول إلى العراق، رفع إليه أهل مكة كتابا يسألونه فيه أن يولي عليهم قاضيا عدلا، فأدخلهم على نفسه، فقال: إن شئتم فاختاروا منكم رجلا صالحا أوليه قضاءكم، و إن أحببتم بعثت إليكم من العراق رجلا لا آلوكم فيه إلا خيرا، فخرجوا فاختاروا رجلا، فاختلفوا فيه، فاختارت طائفة منهم رجلا، و اختارت أخرى رجلا آخر، فلما اختلفوا ارتفعوا إلى الرشيد يذكرون اختلافهم. فقال لهم هارون: أدخلوا عليّ هذين الرجلين اللذين اختلفتم فيهما، فإذا برجلين، أحدهما شيخ من قريش، و الآخر غلام حدث من الموالي. فلما نظر إليهما الرشيد قال للشيخ: ادن مني، فدنا منه، فقال له الرشيد: أيها القاضي، إن بيني و بين وزيري هذا خصومة و تنازعا، فاقض بيننا بالحقّ. فقال الشيخ: قصا عليّ قصتكما، فقصّا عليه، فقال الشيخ: تقيم البينة يا أمير [ (1) ]قال في مروج الذهب 4/455 حج بالناس سنة 180 موسى بن عيسى بن محمد بن علي.

(الطبري 8/267) .

218

المؤمنين على ما ذكرته، أو يحلف وزيرك هذا. فقال له هارون: إن أخي لا يدافعني ما أقول، و لا ينكر إلا قليلا مما أدّعي، فلم يزالا يردّدان القول بينهما و يتنازعان، حتى قضى القاضي لأمير المؤمنين على الوزير. فقال له: قم، فقام عنه. ثم دعا بالغلام الحدث، الّذي دعته الطائفة الأخرى، فدخل عليه. فقال له: ادن مني، فدنا منه. فقال لها هارون: إن بيني و بين وزيري تنازعا و خصومة، فاسمع منا قولنا، ثم اقض بيننا بالحقّ. قال لهما: إن مقعدكما مختلف، و مجلسكما متناء، و أخشى إذا اختلف مجلسكما أن يختلف قولكما، فإذا تفاضل مجلس الخصوم اختلف بينهما القول، و كان صاحب المجلس الأرفع ألحن بحجته، و أدحض لحجة صاحبه، و كان إصغاء الحاكم إلى صاحب المجلس الأرفع أكثر، و إليه أميل. و لكن تقومان من مجلسكما هذا الّذي قد استعليتما فيه، فتجلسا بين يديّ، ثم أسمع منكما قولكما، و أقضى لمن رأيت الحقّ له، ثم لا أبالي على من دار منكما. فقال الرشيد: صدقت و بررت في قولك، فقام الرشيد، و قام عمرو بن مسعدة، حتى صارا بين يديه جالسين. فلما جلسا بين يديه ذهب الرشيد ليتكلم. فقال له القاضي: لو تركت هذا يتكلم، فإنه أسنّ منك. فقال الرشيد. إن الحقّ أسنّ منه. فقال القاضي: بلى، و لكن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم قال لحويصّة و محيّصة[ (1) ]: كبّر كبّر. يريد ليتكلم عمكما، لأنه أسنّ منكما و أكبر، فتكلم عمرو بن مسعدة، ثم تكلم الرشيد، و تنازعا الخصومة، و ترافعا الحجة بينهما، حتى رأى القاضي أن الحقّ لعمرو، فقضى له به على الرشيد، فلما قضى عليه قال لهما: عودا إلى مجلسكما، فعادا، فعجب الرشيد من قضائه و عدله و احتفاظه، و قلة ميله، فالتفت إلى عمرو فقال: إن هذا أحقّ بقضاء القضاة من الّذي استقضيناه. فقال عمرو: بلى و اللََّه، و لكن القوم أحقّ بقاضيهم إلا أن يأذنوا فيه، فدعا الرشيد برجال مكة، فأدخلهم على نفسه، و أجزل لهم العطاء، و أحسن على قاضيهم الثناء. ثم قال لهم: هل لكم أن تأذنوا أولّيه قضاء القضاة، فيسير إلى العراق يقضي بينهم؟فقالوا: نعم يا أمير المؤمنين أنت أحقّ به نؤثرك على أنفسنا.

فأرسل إليه الرشيد فقال: إني قد وليتك قضاء القضاة، فسر إلى العراق لتقضي [ (1) ]هما ابنا مسعود بن كعب بن عامر بن عدي... الأوسي الأنصاري، و حويصة الأكبر، أسلم حويصة بعد أخيه محيصة، و كان محيصة أفضل من أخيه (أسد الغابة 4/334) . ـ

219

بينهم، و تولي القضاة في البلدان و الأمصار من تحت يدك، و توليتهم إليك، و عزلهم عليك. فقال القاضي: إن يجبرني أمير المؤمنين على ذلك فسمعا و طاعة، و إن يخيرني في نفسي اخترت العافية، و جوار هذا البيت الحرام. فقال الرشيد: ما ينبغي لي أن أدع المسلمين و فيهم مثلك، لا أوليه عليهم، فخذ على نفسك فإنّي مصبح على ظهر إن شاء اللََّه. فخرج الرشيد و معه الفتى حتى قدم العراق، فولاه القضاء، و جعل إليه قضاء القضاة، فلم يزل بها قاضيا حتى توفي، و ذلك بعد ثلاثة أعوام من توليته. فلما توفي اغتمّ الرشيد و شقّ عليه، فجعل الناس يعزّونه فيه علما منهم بما بلغ منه الغمّ عليه. فسأل عن قاض يوليه قاضي القضاة في العراق بعد ذلك، فرفعت إليه تسمية عشرة رجال من خيار الناس و علمائهم و أشرافهم، فلما رفعت إليه التسمية، أمر بهم فأدخلوا عليه رجلا رجلا، ليتفرّس فيهم من يوليه القضاء، فنظر إلى رجل منهم توسم فيه الخير و العلم فأمر به فقدم إليه. فلما صار بين يديه، قال له: ما اسمك؟قال:

معشوق. قال: فما كنيتك؟قال: أبو الهوى. قال: فما نقش خاتمك؟قال: دام الحبّ دام، و على اللََّه التمام. فقال له: قم لا قمت. ثم دعا بالآخر، و كان قد تفرّس فيه ما تفرس في صاحبه فقال له: ما نقش خاتمك؟فقال: «مََا لِيَ لاََ أَرَى اَلْهُدْهُدَ أَمْ كََانَ مِنَ اَلْغََائِبِينَ» فقال له أخرج. فدعا الرشيد بيحيى بن خالد بن برمك، و كان ممن رفع إليه أسماءهم، فعنفه بهم، و قال: رفعت إليّ أسماء المجانين. قال له: و اللََّه ما في العراقيين أعقل من الرجلين اللذين سألت، و لا أفضل منهما. فقال: ويحك إني اختبرت منهما جنونا. قال يحيى: إنهما و اللََّه كانا كارهين لما دعوتهما إليه و إنما أرادا التخلص منك. قال: ويحك، أعدهما عليّ، فطلبا فلم يوجدا.

ذكر الأعرابي مع هارون الرشيد

قال: و ذكروا أن أعرابيا قدم على هارون الرشيد مستجديا، فأراد الدخول عليه، فلم يمكنه ذلك، فلما رأى أنه لم يؤذن له، أتى عبد اللََّه بن الفضل الحاجب، فقال له: توصل كتابي هذا إلى أمير المؤمنين، و كان الرشيد قد عهد إلى حاجبه أن لا يحبس عنه كتاب أحد قرب أو بعد، فأعطاه الأعرابيّ كتابا فيه أربعة أسطر. السطر الأوّل فيه: الضرورة و الأمل قاداني إليك. و الثاني العدم‏

220

يمنع من الصبر. و الثالث: الانقلاب عنك بلا فائدة شماتة الأعداء. و الرابع:

فإما «نعم» مثمرة!و إما «لا» مريحة[ (1) ]. فلما وصل الكتاب إلى الرشيد قال: هذا رجل قد ساقته الحاجة، و وصلت إليه الفاقة، فليدخل، فدخل فقال له الرشيد[ (2) ]: ارفع حاجتك يا أعرابيّ. فقال الأعرابي: إن مع الحاجة حويجات.

فقال له الرشيد: ارفع حاجتك و حويجاتك تقض كلها. قال الأعرابيّ: تأمر لي يا أمير المؤمنين بكلب أصيد به، فضحك الرشيد ثم قال له: قد أمرنا لك بكلب تصيد به. فقال: تأمر لي يا أمير المؤمنين بدابة أركبها. فقال الرشيد: قد أمرنا لك بدابة تركبها. فقال: تأمر لي يا أمير المؤمنين بغلام يخدم الدابة. فقال له الرشيد: قد أمرنا لك بغلام. قال الأعرابيّ: تأمر لي يا أمير المؤمنين بجارية تطبخ لنا الصيد، و تطعمنا منه، فقال الرشيد: قد أمرنا لك بجاريتين، جارية تؤنسك و جارية تخدمك. فقال الأعرابيّ: لا بدّ لهؤلاء، من دار يسكنونها. فقال له الرشيد: قد أمرنا لك بدار، فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين يصيرون فيها عالة على الناس، و عليّ كلالة، لا بد لهم من ضيعة تقيمهم. فقال له الرشيد: قد اقتطعتك مائة جريب‏[ (3) ]عامرة و مائة جريب غامرة[ (4) ]، فقال الأعرابيّ: أنا أقطعتك ألف ألف‏[ (5) ]جريب من أرض أخوالي بني أسد بالحجاز تأمر بعمارتها، فضحك الرشيد و قال: قد أقطعتكها عامرة كلها. ثم قال الرشيد: تمت حويجاتك كلها يا أعرابي؟فقال: نعم، و بقيت حاجتي العظمى. فقال له الرشيد: ارفعها تقض. فقال أقبل رأسك‏[ (6) ]يا أمير المؤمنين، فقال له الرشيد: هذا لا سبيل إليه. فقال [ (1) ]الخبر في عيون الأخبار 3/126 بين بعض الحكماء و بعض ملوك العجم و العقد الفريد 1/100.

قال في عيون الأخبار: «فلما قرأها وقع على كل سطر زه، فأعطي ستة عشر ألف مثقال فضة» و في العقد: فلما قرأها وقع تحت كل سطر منها ألف مثقال و أمر له بها.

[ (2) ]هذا خبر جديد مستقل عن الّذي قبله و قد ورد هذا الخبر في العقد الفريد 1/263 بين أبي دلامة الشاعر و المهدي. و ذكرت الرواية في الأغاني بين أبي دلامة و المنصور، و قيل كانت بينه و بين السفاح (ترجمة أبي دلامة 10/236. و فيهما باختلاف السياق عما هنا و انظر عيون الأخبار 3/128) .

[ (3) ]في العقد «ألفي جريب» و الجريب من الأرض ثلاثة آلاف و ستمائة ذراع، و قيل: عشرة آلاف ذراع.

[ (4) ]الغامرة، المغمورة المجهولة. و في الأغاني: ما لا نبات فيه.

[ (5) ]في الأغاني: «خمسمائة ألف» و في العقد: خمسين ألفا.

[ (6) ]في الأغاني: أقبل يدك.

221

الأعرابيّ: أ تمنعني حقا هو لي، و تدفعني عما بذلت لي يا أمير المؤمنين!فقال الرشيد: هذا الأمر لا يكون يا أعرابيّ، و لا سبيل إلى مثل هذا. فقال الأعرابي:

لا بد من أن أصل إلى حقي، إلا أن أغصبه. فقال له الرشيد: يا أعرابيّ أشتري منك هذا الحقّ الّذي وجب لك. فقال له الأعرابيّ: هذا الحقّ مما لا يشترى، و هل في الأرض من المال ما يكون ثمنا لهذا أو عوضا منه؟لا و الّذي نفسي بيده ما في الدنيا صفراء و لا بيضاء يشترى بها هذا. فقال الرشيد: تبيعه ببعض ما تراه من الثمن، فإنه لا يكون و لا يتوصل إليه. فقال له الأعرابيّ: فإذا قد أبيت فأعطني مما أعطك اللََّه، فأمر له بمائة ألف دينار، فأتي بها إليه. فقال الأعرابيّ:

ما هذه؟فقيل له: هذه مائة ألف دينار تأخذها. فقال الأعرابيّ: هي للغرماء[ (1) ] عليّ، و هم أولى بها مني، فضحك الرشيد، ثم أمر له بمائة ألف أخرى. فقال:

ما هذه؟فقيل له: مائة ألف ثانية، و الأولى للغرماء، و هذه لك. فقال الأعرابيّ:

هذه لضعفاء أهلي، يصلهم بها أمير المؤمنين، فبم أوسع على نفسي؟فأمر له الرشيد بمائة ألف ثالثة. فقيل له: هذه مائة ألف ثالثة، توسع بها على نفسك في معيشتك، أ رضيت يا أعرابيّ؟فقال: نعم رضيت، فرضي اللََّه عنك يا أمير المؤمنين، و ابني فضالة يقرأ السلام عليك، و يسألك مائة ألف، يستعين بها في نكاحه، و يتزين بها في دنياه، و إنه قد جمع القرآن و عرف شرائعه و أحكامه، و علم ناسخه و منسوخه، و تفنن في ضروب من العلم، و أحكم أنواع الأدب، و قد جمع الدواوين و الكتب، و تبحّر في فهم الحديث و الأثر، قد أخذ من كل علم أهذبه و من كل ضرب أمحضه إلى لبّ لبيب، و عقل رصين، و علم ثابت، و نظر عجيب، و فضل و دين، يصوم النهار كله، و يقوم الليل أكثره، و قد صار في كثير من الأهل و العيال، و عدد من البنين و الصبيان. فقال الرشيد: أ و لست تذكر يا أعرابي أنه يريد الاستعانة على النكاح، و التوسع في المعاش، ثم أراك تصفه بكثرة العيال، و عدد البنين و الصبيان؟فقال الأعرابيّ: يا أمير المؤمنين إنه ذو ثلاث نسوة من حرائر النساء، و تسعة من سرائر الإماء، و هو ذو خمسة من الولد من كلّ حرّة، و ذو سبع بنات من كل أمة، و يبتغي نكاح الرابعة الحرّة استتماما لما أمر اللََّه به في التنزيل المحكم، و أباح في كتابه الناطق، بكلامه الصادق.

فقال الرشيد: يا أعرابيّ لقد سألت كثيرا، فهلا سألت مائة ألف درهم فتعطاها؟ [ (1) ]الغرماء: جمع غريم. المدينين المخاصمين.

222

قال الأعرابيّ: فأعطه يا أمير المؤمنين تسعين ألف دينار، و احطط عنك عشرة آلاف دينار. فقال الرشيد: و اللََّه لقد سألت كثيرا، و حططت قليلا. قال الأعرابيّ: إنما سألتك يا أمير المؤمنين على قدرك، و حططت على قدري، فاختر ما شئت. فقال الرشيد: يا أعرابيّ إنما تريد مغالبتي، لا غلبتني اليوم، فأمر له بمائة ألف دينار ذهبا. فقال له أمير المؤمنين: أ رضيت يا أعرابيّ؟فقال: ما بقي لي شي‏ء يا أمير المؤمنين إلا الحملان و الكسوة، و طرائف الكوفة، و تحف البصرة، و جوائز الضيافة و حقها. فقال الرشيد: و ما يصلح لك من الحملان يا أعرابيّ؟فقال: أقصد ما يكون دابة للجمال، و أخرى للحملان و ثلاثة للاسترحال، و لا بني مثل ذلك، و من الكسوة ما لا بدّ منه من ثياب المهنة و الاستشعار، و ما لا غنى عنه من الوطاء و الدثار، مع رائع الثياب التي تكون للجمال و الجماعات و الأعياد، و لا بني و بني ابني مثل ذلك. فدعا الرشيد بجعفر بن يحيى و قال: أرحني من هذا، و أمر له بما سأل من الحملان، و ما أراد به من ثياب المهنة و الجمال، و أغدق عليه من التحف و الطرائف ما ترضيه به، و أخرجه عني، فخرج جعفر فأمر له بما سأل و أعطاه ما أراد. ثم انصرف الأعرابيّ راجعا إلى الحجاز بأموال عظيمة، لا يوصف أكثرها، و لا يعرف أقلها، و كلّ هذا يقلّ عند ما عرف من جود الرشيد و سخائه، و جزيل عطائه‏.

قتل جعفر بن يحيى بن برمك‏

قال عمرو بن بحر الجاحظ: حدثني سهل بن هارون، قال‏[ (1) ]: و اللََّه إن كان سجاعو الخطب، و محبّرو القريض لعيالا على يحيى بن خالد بن برمك و جعفر بن يحيى، و لو كان كلام يتصوّر درّا، و يحيله المنطق السريّ جوهرا، لكان كلامهما، و المنتقى من لفظهما، و لقد كانا مع هذا عند كلام الرشيد، في بديهته، و توقيعاته في أسافل كتبه، عيين، و جاهلين أميّين، و لقد عبرت‏[ (2) ]معهم، و أدركت طبقة المتكلمين في أيامهم، و هم يرون أن البلاغة لم تستكمل إلا فيهم، و لم تكن مقصورة إلا عليهم، و لا انقادت إلا لهم، و أنهم محض الأنام، [ (1) ]في العقد الفريد 5/58 و اللََّه إن كانوا سجعوا للخطب، و قرضوا القريض لعيال.

[ (2) ]في العقد: عمرت.

223

و لباب الكرام، و ملح الأيام، عتق منظر، و جودة مخبر، و جزالة منطق، و سهولة لفظ، و نزاهة أنفس‏[ (1) ]، و اكتمال خصال، حتى لو فأخرت الدنيا بقليل أيامهم، و المأثور من خصالهم كثير أيام من سواهم، من لدن آدم أبيهم إلى نفخ الصور، و انبعاث أهل القبور، حاشا أنبياء اللََّه المكرمين، و أهل وحيه المراسلين، لما باهت إلا بهم، و لا عوّلت في الفخر إلا عليهم، و لقد كانوا مع تهذيب أخلاقهم، و كريم أعراقهم، و سعة آفاقهم، و رفق ميثاقهم‏[ (2) ]، و معسول مذاقهم، و سنيّ‏[ (3) ] إشراقهم، و نقاوة أعراضهم، و طيب أغراضهم، و اكتمال خلال الخير فيهم إلى مل‏ء الأرض مثلهم، في جنب محاسن المأمون كالنفثة في البحر، و كالخردلة في المهمة القفر. قال سهل: إني لمحصل أرزاق العامة بين يدي يحيى بن خالد في داخل سرادقه، و هو مع الرشيد بالرقة، و هو يعقدها جملا بكفه، إذ غشيته سآمة، و أخذته سنة، فغلبته عيناه. فقال: ويحك يا سهل، طرق النوم شفري عينيّ، فأظلمت و أكلت السنة خواطري‏[ (4) ]، فما ذاك؟قلت: طيف كريم، إن أقصيته أدركك، و إن غالبته غلبك، و إن قرّبته روّحك، و إن منعته عنّتك، و إن طردته طلبك. فنام أقلّ من فواق بكية[ (5) ]أو نزح ركيّة[ (6) ]، ثم انتبه مذعورا، فقال: يا سهل، لأمر ما كان، ذهب و اللََّه ملكنا، و ذلّ عزّنا، و انقطعت أيام دولتنا. فقلت:

و ما ذاك أصلح اللََّه الوزير. قال: كأن منشدا أنشدني:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا # أنيس و لم يسمر بمكة سامر

[ (7) ] فأجبته عن غير رويّة و لا إجالة فكر:

بلى نحن كنا أهلها فأبادنا # صروف الليالي و الجدود العواثر

[ (8) ] [ (1) ]في العقد: نفس.

[ (2) ]في العقد: و رونق سياقهم.

[ (3) ]في العقد: و بهاء... و تهذيب أغراضهم.

[ (4) ]في العقد: و حلّت السنة جفني.

[ (5) ]الفواق: بالضم و الفتح، ما بين الحلبتين من الوقت. أو ما بين فتح يدك و قبضها على الضرع.

و البكيئة (بكية: بعد أن سهلت الهمزة و أدغمت الياء بالياء) القليلة اللبن.

[ (6) ]في العقد: أو نزع من ركية، و الركية: البئر.

[ (7) ]الحجون: جبل بأعلى مكة.

[ (8) ]البيتان في معجم البلدان (حجون) من أبيات قالها مضاض بن عمرو الجرهميّ يتشوق إلى مكة بعد أن أجلتهم عنها خزاعة.

224

فو اللََّه ما زلت أعرفها فيه، و أراها ظاهرة منه إلى الثالث من يومه ذلك، فإنّي لفي مقعدي ذلك بين يديه، أكتب توقيعات في أسافل كتبه لطلاب الحاجات إليه، فقد كلفني إكمال معانيها بإقامة الوزن فيها، إذ وجدت رجلا ساعيا إليه، حتى ارتمى مكبّا عليه، فرفع رأسه و قال: مهلا ويحك، ما اكتتم خير، و لا استتر سرّ[ (1) ]. قال له: قتل أمير المؤمنين الساعة جعفرا. قال: أو فعل؟قال: نعم، فما زاد أن رمى بالقلم من يده، و قال: هكذا تقوم الساعة بغتة. قال سهل: فلو انكفأت السماء على الأرض ما تبرأ منهم الحميم، أو استبعد عن نسبهم القريب، و جحد ولاءهم المولى، و استعبرت‏[ (2) ]لفقدهم الدنيا، فلا لسان يخطر بذكرهم، و لا طرف ناظر يشير إليهم، و ضمّ يحيى و بقية ولده الفضل، و محمدا و خالدا بنيه، و عبد الملك و يحيى و خالدا بني جعفر بن يحيى، و العاصي و يزيد[ (3) ]، و معمرا بني الفضل بن يحيى، و يحيى و جعفرا و زيدا، بني محمد بن يحيى، و إبراهيم و مالكا و جعفرا و عمرا بني خالد بن يحيى، و من لفّ لفهم، أو هجس بنفسه أمل فيهم.

قال سهل: و بعث إليّ الرشيد فو اللََّه لقد أعجلت عن النظر، فدخلت و لبست ثياب أحزاني، و أعظم رغبتي إلى اللََّه الإراحة بالسيف، و إلا نعيت كما نعي جعفر[ (4) ]فلما دخلت عليه، و مثلت بين يديه، عرف الذعر في تجريض‏[ (5) ] ريقي، و التمايد في طريقي، و شخوصي إلى السيف المشهور ببصري. فقال هارون: إيها يا سهل، من غمط نعمتي، و اعتدى‏[ (6) ]وصيتي، و جانب موافقتي أعجلته عقوبتي. فو اللََّه ما وجدت جوابها حتى قال: ليفرخ روعك، و ليسكن جأشك، و لتطب نفسك، و لتطمئنّ حواسك. فإن الحاجة إليك قرّبت منك، و أبقت عليك بما يبسط منقبضك، و يطلق معقولك، فاقتصر[ (7) ]على الإشارة قبل اللسان، فإنه الحاكم الفاصل، و الحسام النّاصل، و أشار إلى مصرع جعفر و هو يقول:

[ (1) ]في العقد: شر.

[ (2) ]في العقد: و لقد اعتبرت.

[ (3) ]في العقد: «و مزيدا» .

[ (4) ]في العقد: و ألاّ يعبث بي عبث جعفر.

[ (5) ]في العقد: «تجرض» تجرض الريق ذهاب.

[ (6) ]في العقد: و تعدى.

[ (7) ]في العقد: فما اقتصر على الإشارة دون اللسان.

225

من لم يؤدّبه الجميل # ففي عقوبته صلاحه‏

قال سهل: فو اللََّه ما أعلمني أني عييت بجواب أحد قط غير جواب الرشيد يومئذ، فما عوّلت في شكره و الثناء عليه، إلا على تقبيل يديه، و باطن رجليه. ثم قال لي: اذهب فقد أحللتك محل يحيى بن خالد، و وهبتك ما ضمته أنيته‏[ (1) ]، و حوى سرادقه، فاقبض الدواوين، و أحص حباءه، و حباء جعفر لنأمرك بقبضه إن شاء اللََّه. قال سهل: فكنت كمن نشر عن كفن و أخرج من حبس، فأحصيت حباءهما فوجدت عشرين ألف ألف دينار، ثم قفل إلى بغداد راجعا، و فرّق البرد إلى الأمصار بقبض أموالهم و غلاتهم، و أمر بجيفة جعفر، فنصبت مفصلة على ثلاثة جذوع، رأسه في جذع على رأس الجسر مستقبل الفرات‏[ (2) ]، و بعض جسده في جذع آخر في آخر الجسر الأوّل و أوّل الجسر الثاني، مما يلي بغداد، قال سهل: فلما دنونا من بغداد، طلع الجسر الّذي فيه وجه جعفر لنا أولا، و استقبلنا وجهه، و استقبلته الشمس، فو اللََّه لخلتها تطلع من بين حاجبيه، و أنا عن يمينه، و عبد الملك بن الفضل عن يساره. فلما نظر إليه الرشيد، كأنه قنى‏ء شعره، و طلي بنور بشره، و اربدّ وجهه، و أغضى بصره. قال عبد الملك بن الفضل: لقد عظم ذنب لم يسعه عفو أمير المؤمنين. فقال الرشيد، و اغرورقت عيناه حتى لعرفنا الجهش في صدره: من يرد غير مائه يصدر بمثل دائه، و من أراد فهم ذنبه يوشك أن يقوم على مثل راحلته. عليّ بالنضاحات‏[ (3) ]. قال سهل: فنضح عليها حتى احترقت عن آخرها، و هو يقول: أما و اللََّه لئن ذهب أثرك، لقد بقي خبرك و لئن حطّ قدرك لقد علا ذكرك.

قال سهل: و أمر بضم أموالهم، فوجد من العشرين ألفا[ (4) ]التي كانت مبلغ حبائهم اثنى عشر ألف ألف مكتوبا على بدرها صكوك مختومة، بتفسيرها و فيمن حبوا بها، فما كان منها حباء على غريبة أو استطراف ملحة تصدّق يحيى بها، و أثبت ذلك في ديوانها على تواريخ أيامها، و ساعات أعطياتها، فكان ديوان إنفاق، و اكتساب فائدة، و قبض من سائر أموالهم ثلاثين ألف ألف و ستّ مائة [ (1) ]في العقد: أفنيته.

[ (2) ]في العقد: «الصراة» . و الصراة: نهر بالعراق.

[ (3) ]النضاحات جمع نضاحة، و هي آلة تسوى من نحاس أو الصفر للنفظ و زرقه.

[ (4) ]في العقد: ألف ألف.

226

ألف‏[ (1) ]و ستين ألفا إلى سائر ضياعهم و غلاتهم و دورهم و رباعهم و رياشهم، و الدقيق و الجليل من مواعينهم، فإنه لا يصف أقله، و لا يعرف أكثره إلا من أحصى الأعمال، و عرف منتهى الآجال. و أبرزت حرمه إلى دار البانوقة ابنة المهدي، فو اللََّه ما علمته عاش و لا عشن إلا من صدقات من لم يزل متصدّقا عليه، و صار[ (2) ]من موجدة الرشيد فيما لم يعلم من ملك قبله على آخر ملكه.

و كانت أم جعفر بن يحيى‏[و هي‏]فاطمة بنت محمد بن الحسن بن الحسن بن قحطبة بن شبيب قد أرضعت الرشيد مع جعفر، و كان ربّي في حجرها، و غذي برسلها، لأن أمه ماتت عن مهده، فكان الرشيد يشاورها مظهرا لإكرامها، و التبرّك برأيها، و كان قد آلى على نفسه، و هو في كفالتها أن لا يحجبها، و أن لا تستشفعه لأحد إلا شفّعها، و آلت عليه أم جعفر أن لا دخلت عليه إلا مأذونا لها، و لا تشفعت لأحد لغرض دنيا. قال سهل: فكم أسير فكت، و مبهم عنده فتحت، و مستغلق منه فرّجت. قال: و احتجب الرشيد بعد قدومه، فطلبت الإذن عليه من دار البانوقة، و متّت بوسائلها إليه، فلم يأذن لها و لا أمر بشي‏ء فيها، فلما طال ذلك بها خرجت كاشفة وجهها، واضعة لثامها، محتفية في مشيتها، حتى صارت بباب قصر الرشيد، فدخل عبد الملك بن الفضل الحاجب، فقال ظئر[ (3) ]أمير المؤمنين بالباب، في حالة تقلب شماتة الحاسد إلى حنين الولد و شفقة أم الواحد، فقال له الرشيد: ويحك يا بن الفضل: أو ساعية؟فقال: نعم أصلح اللََّه الأمير حافية. فقال: أدخلها يا عبد الملك، فربّ كبد كريم غذتها، و كربة فرجتها، و عورة سترتها. قال سهل: فو اللََّه ما شككت في شي‏ء قطّ ما شككت يومئذ في إجابة طلابها و إسعافها بحاجتها. فلما دخلت و نظر إليها داخلة محتفية قام محتفيا حتى تلقاها بين عمد المجلس، فأكب على تقبيل رأسها و مواضع ثديها[ (4) ]، ثم أجلسها معه. فقالت: يا أمير المؤمنين، أ يعدو علينا الزمان، و يجفونا خوفا لك الإخوان‏[ (5) ]، يحردك بنا البهتان، و يوسوس لك [ (1) ]في العقد: و ستة و سبعين ألفا.

[ (2) ]في العقد: و ما رأوا مثل موجدة الرشيد فيما فيما يعلم...

[ (3) ]الظئر: العاطفة على غير ولدها المرضعة له من الناس و الإبل، الذكر و الأنثى في ذلك سواء.

[ (4) ]في العقد: ثدييها.

[ (5) ]في العقد: الأعوان. ـ

227

بأذانا الشيطان، و قد ربيتك و أخذت برضاعي لك الأمان من دهري. فقال لها:

و ما ذلك يا أم الرشيد؟قال سهل: فآيسني من رأفته بتركه كنيتها آخرا ما كان أطمعني منه في برّه بها أوّلا. قالت له: ظئرك يحيى و أبوك بعد أبيك، و لا أرشحه‏[ (1) ]بأكثر مما عرفه به أمير المؤمنين من نصيحته له، و إشفاقه عليه، و تعرّضه للحتف في شأن موسى أخيه. فقال: يا أمّ الرشيد، قدر سبق، و قضاء حمّ، و غضب من اللََّه نزل. قالت: يا أمير المؤمنين: يمحو اللََّه ما يشاء و يثبت و عنده أم الكتاب. فقال الرشيد: صدقت، فهذا مما لا يمحوه اللََّه. فقالت: الغيب محجوب عن النبيين، فكيف عنك يا أمير المؤمنين؟فأطرق الرشيد يسيرا ثم قال:

و إذا المنية أنشبت أظفارها # ألفيت كلّ تميمة لا تنفع‏

[ (2) ] فقال بغير روية: ما أنا ليحيى بتميمة يا أمير المؤمنين. و قد قيل:

و إذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد # ذخرا يكون كصالح الأعمال‏

[ (3) ] هذا بعد قول اللََّه: (وَ اَلْكََاظِمِينَ اَلْغَيْظَ، وَ اَلْعََافِينَ عَنِ اَلنََّاسِ، وَ اَللََّهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 134]فأطرق هارون قليلا ثم قال:

إذا انصرفت نفسي عن الشي‏ء لم تكد # إليه بوجه آخر الدهر تقبل‏

فقالت: يا أمير المؤمنين و هو يقول:

ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني # يمينك فانظر أيّ كفّ تبدّل؟

قال الرشيد: رضيت. فقالت: يا أمير المؤمنين، فهبه‏[ (4) ]للََّه تعالى، فقد

قال رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلم: من ترك شيئا للََّه لم يوجده اللََّه،

فأكبّ الرشيد مليا، ثم رفع رأسه و هو يقول: لِلََّهِ اَلْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ . قالت: يا أمير المؤمنين: (وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ اَلْمُؤْمِنُونَ `بِنَصْرِ اَللََّهِ، يَنْصُرُ مَنْ يَشََاءُ وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلرَّحِيمُ) [الروم: 5-4]. و اذكر يا أمير المؤمنين أليّتك: ما استشفعت إلا شفّعتني.

[ (1) ]في العقد: و لا أصفه.

[ (2) ]البيت لأبي ذؤيب. ديوان الهذليين 1/3، المفضليات ص 422.

[ (3) ]البيت للأخطل (ذكره المبرد في الكامل ص 525 للخليل بن أحمد) و هو في ديوانه 1/140.

طبقات النحويين ص 40.

[ (4) ]في العقد: فهبه لي يا أمير المؤمنين.

228

قال: و اذكري يا أمّ الرشيد أليتك: أن لا شفعت لمقترف ذنبا. قال سهل بن هارون: فلما رأته صرّح بمنعها، و لاذ من مطلبها، أخرجت له حقا من زمرّدة[ (1) ] خضراء، فوضعته بين يديه، فقال الرشيد: ما هذا؟ففتحت عنه قفلا من ذهب، فأخرجت منه خفضه‏[ (2) ]و ذوائبه و ثناياه، قد غمست جميع ذلك في المسك.

فقالت: يا أمير المؤمنين: أستشفع إليك، و أستعين باللََّه عليك، و بما صار معي من كريم جسدك، و طيب جوارحك، ليحيى عبدك. فأخذ هارون ذلك فلثمه، ثم استعبر و بكى بكاء شديدا. و بكى أهل المجلس، و مر البشير إلى يحيى، و هو لا يظنّ إلا أن البكاء رحمة له، و رجوع عنه. فلما أفاق رمى جميع ذلك في الحقّ، و قال لها: لحسن ما حفظت الوديعة. قالت: و أهل للمكافأة أنت يا أمير المؤمنين. فسكت، و طبع‏[ (3) ]الحقّ، و دفعه إليها، و قال: (إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمََانََاتِ إِلى‏ََ أَهْلِهََا) [النساء: 58]، قالت: يا أمير المؤمنين و قال عزّ و جلّ:

(وَ إِذََا حَكَمْتُمْ بَيْنَ اَلنََّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) [النساء: 58]، و قال تعالى:

(وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اَللََّهِ إِذََا عََاهَدْتُمْ) [النحل: 91]، فقال لها: و ما ذاك يا أمّ الرشيد؟ قالت: ما أقسمت لي به يا أمير المؤمنين، أن لا يحجبك عني حاجب‏[ (4) ]. فقال لها: يا أمّ الرشيد، أحبّ أن تشتريه محكّمة فيه. قالت: أنصفت يا أمير المؤمنين، و قد فعلت غير مستقيلة لك، و لا راجعة عنك. قال: بكم؟قالت:

برضاك عمن لم يسخطك. قال: يا أمّ الرشيد، أ ما لي عليك من الحقّ مثل الّذي لهم؟قالت: بلى يا أمير المؤمنين، إنك لأعزّ عليّ، و هم أحبّ إليّ، قال: إذا فتحكمي في ثمنه بغيرهم. قالت: بلى و قد وهبتكه و جعلتك في حلّ منه، و قامت عنه، فبقي الرشيد مبهوتا، ما يحير لفظة. قال سهل: و خرجت عنه فلم تعد إليه، و لا و اللََّه إن رأيت عيني لعينها عبرة، و لا سمعت أذني لنعيها أنة.

قال سهل: و كان الأمين رضيع يحيى بن جعفر، فمتّ إليه يحيى بن خالد بذلك، فوعده استيهاب أمه إياهم، ثم شغله اللهو عنهم، فكتب إليه يحيى، [ (1) ]في العقد: زبرجدة.

[ (2) ]في العقد: قميصه.

[ (3) ]في العقد: و قفل.

[ (4) ]في العقد: أن لا تحجبني و لا تجبهني.

229

و قيل: إنها لسليمان الأعمى أخي مسلم بن الوليد:

يا ملاذي و عصمتي و عمادي # و مجيري من الخطوب الشداد

بك قام الرجاء في كلّ قلب # زاد فيه البلاء كلّ مزاد

إنما أنت نعمة أعقبتها # أنعم نفعها لكلّ العباد

وعد مولاك أتممته‏[ (1) ]فأبهى الدرّ # ما زين حسنه بانعقاد

ما أظلّت سحائب اليأس إلا # خلت‏[ (2) ]في كشفها عليك اعتمادي

إن تراخت يداك عني فواقا # أكلتني الأيام أكل الجراد

و بعث بها إليه، فبعثها الأمين إلى أمه زبيدة، فأعطتها الرشيد و هو في موضع لذاته، و في إقبال من أريحيّته، و تهيأت للاستشفاع لهم، و هيأت جواريها و مغنياتها، و أمرتهنّ بالقيام إليه معها. فلما فرغ الرشيد من قراءتها لم ينقض حبوته حتى وقع في أسفلها: عظيم ذنبك أمات خواطر العفو عنك. و رمى بها إلى زبيدة، فلما رأت توقيعه علمت أنه لا يرجع عنه.

قال: و اعتلّ يحيى، فلما شفي دعا برقعة فكتب في عنوانها: ينفذ أمير المؤمنين أبقاه اللََّه عهد مولاه يحيى بن خالد، و فيه: بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم، قد تقدّم الخصم لموضع الفصل‏[ (3) ]، و أنت على الأثر، و اللََّه الحكم العدل. فلما ثقل قال للسجان: هذا عهدي، توصله إلى أمير المؤمنين، فإنه وليّ نعمتي، و أحقّ من نفذ وصيتي فلما مات أوصل السجان عهد يحيى إلى الرشيد. فلما قرأه استمدّ، فكتب، و لا أدري لمن الرقعة. فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا أكفيك؟قال: كلاّ، إني أخاف عادة الراحة أن يقوى سلطان العجزة فيحكم الغفلة، و يقضي بالبلادة. قال سهل: فوقع فيها: الحكم الّذي رضيت به في الآخرة لك، هو أعدى الخصوم عليك في الدنيا، و هو من لا ينقض حكمه، و لا يرد قضاؤه‏[ (4) ]، ثم رمى الكتاب إليّ، فلما رأيته علمت أنه ليحيى، و أن الرشيد أراد أن يؤثر الجواب عنه.

[ (1) ]في العقد: أتممنه.

[ (2) ]في العقد: كان.

[ (3) ]في العقد 5/69 إلى موقف الفصل.

[ (4) ]ذكر اليعقوبي في تاريخه 2/423 أن يحيى كتب إلى الرشيد يستعطفه.. فوقع على ظهر رقعته:

إنما مثلك يا يحيى ما قال اللََّه عز و جل: (وَ ضَرَبَ اَللََّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كََانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهََا رِزْقُهََا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكََانٍ، فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اَللََّهِ فَأَذََاقَهَا اَللََّهُ لِبََاسَ اَلْجُوعِ وَ اَلْخَوْفِ بِمََا كََانُوا يَصْنَعُونَ) .

230

قال سهل: قلت لبعض من أثق بوفائه، و أعتقد صدق إخائه من خصيان القصر المتقدمين عند أمير المؤمنين، و المتمكنين من كلّ ما يكون لديه. ما الّذي نعى جعفر بن يحيى و ذويه عند أمير المؤمنين، و ما كان من ذنبه الّذي لم يسعه عفوه، و لم يأت عليه رضاه؟فقال: لم يكن له جرم، و لا لديه ذنب، كان و اللََّه جعفر على ما عرفته عليه، و فهمته عنه من اكتمال خصال الخير، و نزاهة النفس من كلّ مكروه و محذور، إلا أن القضاء السابق، و القدر النافذ لا بد منه. كان من أكرم الخلق على أمير المؤمنين، و أقربهم منه، و كان أعظمهم قدرا و أوجبهم حقا فلما علم ذلك من حسن رأي أمير المؤمنين فيه و شديد محبته له، استأذنته أخته، فاختة بنت المهديّ و شقيقته في إتحاف جعفر و مهاداته، فأذن لها، و كانت قد استعدّت له بالجواري الرائعات، و القينات الفاتنات، فتهدي له كل جمعة بكرا يفتضّها، إلى ما يصنع له من ألوان الطعام و الشراب و الفاكهة، و أنواع الكسوة و الطيب، كلّ ذلك بمعرفة أمير المؤمنين و رأيه، فاستمرّت بذلك زمانا، و مضت به أعواما. فلما كانت جمعة من الجمع، دخل جعفر القصر الّذي استعدّت به، و لم يرع جعفر إلا بفاختة ابنة المهدي في القصر، كأنها جارية من الجواري اللاتي كنّ يهدين له، فأصاب منها لذّته، و قضى منها حاجته، و لا علم له بذلك. فلما كان المساء، و همّ بالانصراف، أعلمته بنفسها، و عرّفته بأمرها، و أطلعته على شديد هواها، و إفراط محبتها له، فازداد بها كلفا، و بها حبا، ثم استعفاها من المعاودة إلى ذلك. و انقبض عما كان يناله من جواريها، و اعتذر بالعلة و المرض، فأعلم جعفر أباه يحيى. فقال له: يا بني أعلم أمير المؤمنين ما كان معجّلا، و إلا فأذن لي فأعلمه، فإنّي أخاف علينا يوم سوء إن تأخر هذا، و بلغه من غيرنا، و إعلامك له في هذا الوقت يسقط عنا ذلك الذنب، فهي أحقّ بالعقوبة منك قال جعفر: لا و اللََّه لا أعلمته به أبدا، فالموت عليّ أيسر منه، و أرجو اللََّه أن لا يطلعه عليه، فقال له يحيى: لا تظنّ هذا يخفى عليه، فأطعني اليوم و أعلمه. فقال جعفر: و اللََّه لا أفعل هذا أبدا و لا أتكلم به، و باللََّه أستعين، فلم يرع الرشيد إلا أن رفعت إليه جارية من جواريها رقعة، و أعلمت ذلك فيها فاستحق ذلك عند الرشيد باستعفاء جعفر لما كان من إتحافها، و اعتذاره بالعلة من غير مرض ينهكه، فغفل عنه الرشيد، و لم ير لذلك جفوة، و لا زاد له إلا كرامة، و لا لديه إلا حرمة و رفعة، حتى قرب وقت الهلاك، و دنا

231

منقلب الحتف، و اللََّه أعلم‏[ (1) ].

قد تمّ بعون اللََّه تعالى ما به ابتدأنا، و كمل وصف ما قصصنا، من أيام خلفائنا و خير أئمتنا، و فتن زمانهم، و حروب أيامهم، و انتهينا إلى أيام الرشيد، و وقفنا عند انقضاء دولته، إذ لم يكن في اقتصاص أخبار من بعده، و نقل حديث ما دار على أيديهم، و ما كان في زمانهم كبير منفعة، و لا عظيم فائدة، و ذلك لما انقضى أمرهم، و صار ملكهم إلى صبية أغمار[ (2) ]، غلب عليهم زنادقة العراق، فصفوهم إلى كل جنون، و أدخلوهم إلى الكفر، فلم يكن لهم بالعلماء و السنن حاجة، و اشتغلوا بلهوهم، و استغنوا برأيهم. و كان الرشيد مع عظم ملكه، و قدر شأنه، معظما للخير و أهله، محبا للََّه و رسوله، و لما دخلت عليه سنة تسعين و مائة أخذته الحمّى‏[ (3) ]التي أخبر بها جدّه أبو جعفر المنصور، و هو في المهد صغيرا، فعرف أنه قد دنا أجله، و حان هلاكه، فاجتمع إليه أطباء العراق يعالجونه، ثم استعان بأطباء الروم و الهند، و استجلبهم من الآفاق، فلم يزالوا يداوونه حتى مضت له ثلاثة أعوام، و ما أقلعت عنه، و لم يزده العلاج إلا شدة. فلما دخلت [ (1) ]كذا بالأصل، فاختة بنت المهدي، و المصادر تذكر العباسة أخت الرشيد بنت المهدي. و في وفيات الأعيان أن يحيى بن خالد ضيق على عيال الرشيد في النفقة حتى شكت زبيدة إلى الرشيد ثم أفشت له سر العباسة فاستشاط غضبا. قال ابن كثير: و من العلماء من ينكر ذلك (يعني أن سبب قتلهم هو ما ذكر عن قصة العباسة) و إن كان ابن جرير قد ذكره.

و الناس في سبب إيقاع الرشيد بالبرامكة مختلفون اختلافا كبيرا، و قد تناول المؤرخون كثيرا منها و لم يرجحوا أي منها، فكل من الأسباب جدير بالاهتمام. يرى بعضهم أن نكبتهم تعود إلى حوادث ليست فجائية و إنما هي أمور تتابعت، و أسباب متراكمة. و قد لعب أخصام البرامكة دورا هاما و قد استخدموا البطانة و الشعراء و المغنين ليلعبوا على أعصاب الرشيد حتى استطاعوا، كما ذكر ابن خلدون في مقدمته: استثارة حفائظه لهم.

و لعل السبب الأقوى ما رواه الفخري ص 190 أن الرشيد قال: «استبد يحيى بالأمور دوني، فالخلافة على الحقيقة له، و ليس لي منها إلا الاسم» .

و قد أنشده بعضهم ما يثير الحقد في نفسه و يغذي عامل المنافسة عنده:

ليت هندا أنجزتنا ما تعد # و شفت أنفسنا مما تجد

و استبدت مرة واحدة # إنما العاجز من لا يستبد

انظر الطبري و ابن الأثير و ابن كثير (حوادث سنة 187) و انظر مروج الذهب 3/451 و ما بعدها و تاريخ اليعقوبي 2/422.

[ (2) ]الأغمار جمع غمر الشاب قليل التجربة، قليل الحنكة السياسية و نحوها.

[ (3) ]في علته التي مات بها قيل: كان مرضه بالدم، و قيل بالسل. (البداية و النهاية 10/240) .

232

سنة أربع‏[ (1) ]و تسعين و مائة أثرت به، و أنهكت بدنه، و اشتدّ ألمه، و تمادى به وجعه، فذكر البيعة لابنه المأمون. فلما سمعت بذلك زبيدة، و كان ابنها منه محمد الأمين، هجرته و تغاضت عنه، و أكربها ذلك و غمها، حتى ظهر ذلك عليها، و بدا أثر الغمّ في وجهها، و دخلت عليه تعاتبه في ذلك أشدّ المعاتبة، و تؤاخذه أعنف المؤاخذة. فقال لها الرشيد: ويحك!إنما هي أمة محمد، و رعاية من استرعاني اللََّه تعالى مطوّقا بعنقي و قد عرفت ما بين ابني و ابنك، ليس ابنك يا زبيدة أهلا للخلافة، و لا يصلح للرعاية. قالت: ابني و اللََّه خير من ابنك، و أصلح لما تريد، ليس بكبير سفيه، و لا صغير فهيه، و أسخى من ابنك نفسا، و أشجع قلبا. فقال هارون: ويحك!إن ابنك قد زينه في عينك ما يزين الولد في عين الأبوين، فاتقي اللََّه، فو اللََّه إن ابنك لأحبّ إليّ، إلا أن الخلافة لا تصلح إلا لمن كان لها أهلا، و لها مستحقا، و نحن مسئولون عن هذا الخلق، و مأخوذون بهذا الأنام، فما أغنانا أن نلقى اللََّه بوزرهم، و ننقلب إليه بإثمها، فاقعدي حتى أعرض عليك ما بين ابني و ابنك، فقعدت معه على الفراش، فدعا ابنه عبد اللََّه المأمون، فلما صار بباب المجلس سلم على أبيه بالخلافة، فأذن له بالجلوس فجلس، و أمر له فتكلم، فحمد اللََّه على ما منّ به عليه من رؤية أبيه، و رغب إليه في تعجيل الفرج مما به، ثم استأذن في الدنوّ من أبيه، فدنا منه، و جعل يلثم أسافل قدميه و يقبل باطن راحتيه، ثم انثنى ساعيا إلى زبيدة، فأقبل على تقبيل رأسها، و مواضع ثدييها، ثم انحنى إلى قدميها، ثم رجع إلى مجلسه. فقال الرشيد: يا بنيّ إني أريد أن أعهد إليك عهد الإمامة، و أقعدك مقعد الخلافة، فإنّي قد رأيتك لها أهلا و بها حقيقا، فاستعبر عبد اللََّه المأمون باكيا، و صاح منتحبا يسأل اللََّه العافية من ذلك، و يرغب إليه أن لا يريه فقد أبيه. فقال له: يا بنيّ إني أراني لما بي و أنت أحقّ، و سلم الأمر للََّه، و ارض به، و اسأله العون عليه، فلا بدّ من عهد يكون في يومي هذا. فقال عبد اللََّه المأمون: يا أبتاه، أخي أحقّ مني و ابن سيدتي، و لا إخال إلا أنه أقوى على هذا الأمر مني، ثم أذن له فقام خارجا. ثم دعا هارون بابنه محمد، فأقبل يجرّ ذيله، و يتبختر في مشيته، فمشى داخلا بنعليه قد نسي السلام، و ذهل عن [ (1) ]كذا بالأصل، انظر بعد أسطر ما سنلاحظه في وقت وفاته.

233

الكلام، نخوة و تجبرا، و تعظما و إعجابا، فمشى حتى صار مستويا مع أبيه على الفراش. فقال هارون: ما تقول أي بنيّ، فإنّي أريد أن أعهد إليك؟فقال: يا أمير المؤمنين و من أحقّ بذلك مني، و أنا أسنّ ولدك، و ابن قرّة عينك. فقال هارون: اخرج يا بنيّ، ثم قال لزبيدة: كيف رأيت ما بين ابني و ابنك؟فقالت:

ابنك أحقّ بما تريد، فكتب عهد عبد اللََّه المأمون، ثم محمد الأمين بعده‏[ (1) ].

فلما كان سنة خمس و تسعين و مائة[ (2) ]، توفي الرشيد رحمه اللََّه، و عبد اللََّه المأمون خارج عن العراق‏[ (3) ]، و كان وجّهه أبوه بالجيوش إلى بعض الفرس لشي‏ء بلغه عنهم، فلظّ[ (4) ]بمحمد الأمين قوم من شرار أهل العراق. فقيل له: معك الأموال و الرجال و القصور، فادفع في نحر أخيك المأمون، فإنك أحقّ بهذا الأمر منه‏[ (5) ]، و أعانته على ذلك أمه زبيدة، فقدم أخوه عبد اللََّه من بغداد[ (6) ]، و معه [ (1) ]كذا بالأصل، و هو تحريف ظاهر. و ثمة اتفاق بين المؤرخين على أن الرشيد بايع لعبد اللََّه المأمون بعد أخيه محمد الأمين، ثم بايع لابنه القاسم بولاية عهد المأمون.

كان الرشيد يرى بالمأمون رجل الدولة الرصين، و قد قال فيه: ان فيه لحزم المنصور و شجاعة المنصور. و كان يقول في الأمين: إن وليت محمدا مع ركوبه هواه و انهماكه في اللهو و اللذات خلط على الرعية، و ضيع الأمر، حتى يطمع فيه الأقاصي من أهل البغي و المعاصي.

و بعد مداولات بين الرشيد و مستشاريه و قواده و تدخل زبيدة الفاعل بايع محمدا بولاية عهده و تصيير عبد اللََّه من بعده.

و في سنة 186 حج الرشيد، و لما وصل إلى مكة و معه أولاده و الفقهاء و القضاة و القواد كتب كتابا أشهد فيه على محمد الأمين بالوفاء للمأمون، و كتب كتابا للمأمون عليه الوفاء للأمين، و علق الكتابين في الكعبة، و جدد العهود عليهما في الكعبة (نسخة الكتابين في الطبري 10/73 و اليعقوبي 2/416. و انظر مروج الذهب 3/432 الأخبار الطوال ص 389-390 ابن الأثير 4/63-64) .

[ (2) ]ثمة إجماع في مصادر ترجمته على وفاته سنة 193. قال خليفة في تاريخه ص 460 مات بطوس من أرض خراسان ليلة السبت غرة جمادى الآخرة سنة 193 و هو ابن أربع و سبعين سنة.

و بعد موت الرشيد بويع لمحمد الأمين، قال في مروج الذهب: في اليوم الّذي مات فيه الرشيد.

[ (3) ]كان المأمون بمرو، لما جاءه خبر موت الرشيد.

[ (4) ]لظ به: اتصل به و تقرب إليه.

[ (5) ]كذا بالأصل.

[ (6) ]كذا بالأصل، و قد مرّ أن المأمون كان ببعض نواحي خراسان-مرو-.

و قد ذكرت المصادر التاريخية أن الخلاف بين الأخوين الأمين و المأمون بدأ عند ما أحس الرشيد من خلال علاقات ولديه ببعضهما البعض، و بطانة كل منهما بأن الحال لن يستقيم بينهما فعمد إلى تجديد العقود بينهما و كتابة العهود عليهما و تعليقها في الكعبة، و قد قال الناس يوم ذاك أنه قد ألقى بينهما شرا و حربا. و قد عبر رجل من هذيل عن تخوف الناس من شر العاقبة قال:

234

الجيوش قد أخذ بيعتهم، فنهض إليه الأمين قاصدا و معه الجيوش، فلم يرجع و لم يمانع، و لم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الأمين لما بلغه عنه.

فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه و شدّ وثاقه و حبسه، و أشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ و قتل‏[ (1) ]و اللََّه تعالى أعلم.

[انتهى الجزء الثاني من كتاب الإمامة و السياسة] [ () ]

و بيعة قد نكثت أيمانها # و فتنة قد سعّرت نيرانها

و تفاقم الخلاف بينهما عند ما همّ الأمين بخلع المأمون من ولاية عهده. و كانت بينهما حروب (انظر الطبري-و ابن الأثير و ابن كثير حوادث سنة 194 و مروج الذهب 3/476-477 و الأخبار الطوال ص 394-395) . انتهت بقتل الأمين.

[ (1) ]و كان ذلك ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم سنة 198 هـ. (مروج الذهب 3/501) .