الفوائد الرجالية - ج3

- السيد بحر العلوم المزيد...
392 /
255

حدثني الحسين بن أحمد المالكي قال قلت لأحمد بن هليك الكرخي أخبرني عما يقال في محمد بن سنان من أمر الغلو؟فقال: معاذ اللّه، هو-و اللّه- علمني الطهور و حبس العيال، و كان متقشفا متعبدا» (1) .

و قال الشيخ-رحمه اللّه-في كتاب الغيبة-عند ذكر وكلاء الأئمة (ع) و قوامهم الممدوحين الذين لم يغيروا و لم يبدلوا و لم يخونوا ممن كان حسن الطريقة صحيح المذهب-: «... و منهم-على ما رواه أبو طالب القمي- قال: دخلت على أبي جعفر الثاني-عليه السلام-في آخر عمره، فسمعته يقول: جزى اللّه: صفوان بن يحيى و محمد بن سنان و زكريا بن آدم و سعد بن سعد عني خيرا، فقد وفوا لي» -ثمّ قال-: «و أما محمد بن سنان، فانه روي عن علي بن الحسين بن داود قال: سمعت أبا جعفر الثانى-عليه السلام-يذكر محمد بن سنان بخير، و يقول: رضي اللّه عنه برضائي عنه، فما خالفني و ما خالف أبي قط» (2) .

و قال في (الفهرست) : «محمد بن سنان، له كتب، و قد طعن عليه و ضعف: و جميع ما رواه-إلا ما كان فيه من تخليط أو غلو-أخبرنا به جماعة عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه و محمد بن الحسن-جميعا- عن سعد بن عبد اللّه و الحميري و محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن سنان» (3) .

____________

(1) راجع: المصدر نفسه (ص 11) بزيادة قوله: «و قال أبو علي بن همام:

ولد أحمد بن هليك سنة 180 هـ و مات سنة 267 هـ» .

(2) راجع: كتاب الغيبة: للشيخ الطوسي (ص 211) طبع النجف الاشرف سنة 1385 هـ.

(3) راجع: فهرست الشيخ الطوسي: ص 143 برقم 609 طبع النجف الأشرف سنة 1356 ه

256

و قال في (كتاب الرجال) -في أصحاب الرضا-عليه السلام- «محمد بن سنان ضعيف» (1) .

و قال في (الاستبصار-في باب لزوم المهر المسمى بالدخول) :

«... محمد بن سنان مطعون عليه ضعيف جدا... » (2) .

و قال النجاشي-رحمه اللّه-: «... قال أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد: إن محمد بن سنان روى عن الرضا-عليه السلام-قال: - و له مسائل عنه معروفة، و هو رجل ضعيف جدا لا يعول عليه، و لا يلتفت الى ما تفرد به و قد ذكر أبو عمرو (3) في (رجاله) : «قال أبو الحسن علي بن محمد بن قتيبة النيشابوري، قال قال أبو محمد الفضل بن شاذان لا أحل لكم أن ترووا أحاديث محمد بن سنان، ثمّ روى عنه ما رواه عن بنان عن صفوان: أنه قال: «هذا ابن سنان لقد همّ أن يطير غير مرة فقصصناه حتى ثبت معنا-قال-: «و هذا يدل على اضطراب كان و زال» (4) .

قلت: و هذا يشعر بارتضائه له، و لا ينافيه التضعيف المتقدم، لاحتمال كونه من كلام (ابن عقدة) لا من كلامه، لكنه قال في (مياح المدائني) : إنه «ضعيف جدا، له كتاب يعرف برسالة مياح-قال- و طريقها أضعف منها، و هو محمد بن سنان... » (5) و فيه منتهى القدح.

____________

(1) راجع: رجال الشيخ الطوسى: ص 386 برقم 7 باب الميم طبع النجف الاشرف.

(2) راجع: ج 3 في أبواب المهور: ص 224 تسلسل الحديث (810-11) طبع النجف الاشرف.

(3) يعني: الكشي، و قد تقدم-آنفا-ما رواه من الخبرين، فراجعه.

(4) رجال النجاشي: ص 251-252 طبع إيران.

(5) المصدر نفسه: ص 332.

257

و قال ابن الغضائري: محمد بن سنان ضعيف غال لا يلتفت اليه‏ (1)

و فيما أفرده التستري من (رجال ابن طاوس) زيادة الوضع بعد الغلو (2) .

و قال ابن شهرآشوب-بعد ذكره و الاشارة الى كتبه-: «و قد طعن عليه» . (3) و كلامه هذا يحتمل الحكم و الحكاية.

و رجح السيد جمال الدين بن طاوس تضعيفه‏ (4) .

و قال العلامة في (الخلاصة) -بعد نقل توثيقه عن المفيد-رحمه اللّه- و تضعيفه عن الشيخ و النجاشي و ابن الغضائري-: «و الوجه عندي التوقف فيما يرويه» و علل ذلك بما تقدم نقله عن الفضل بن شاذان و ايوب بن نوح-قال-: و نقل عنه أشياء ردية ذكرناها في كتابنا الكبير» (5) .

و ذكر في (المختلف-في مسائل الرضاع) : رواية الفضيل بن يسار

____________

(1) راجع: رجال القهبائي فيما نقله عن كتاب رجال الضعفاء لابن الغضائري -حرف الميم-.

(2) التستري: هو المولى عبد اللّه بن الحسين المتوفى سنة 1021 هـ فانه استخرج من التحرير الطاووسي ما كان أدرجه فيه من كتاب الضعفاء لابن الغضائري و رتبه على الحروف، و هو الموجود اليوم المعروف برجال الغضائري.

(3) راجع: معالم العلماء لابن شهرآشوب: ص 102 برقم 684 طبع النجف الأشرف.

(4) يعني: رجح السيد علي بن طاوس في رجاله (حل الإشكال في معرفة الرجال) الذي حرره الشيخ حسن بن زين الدين الشهيد الثاني و سماه التحرير الطاووسى.

(5) راجع: ذلك في القسم الثاني من رجاله-الخلاصة-ص 251 برقم 17 طبع النجف الاشرف.

258

المتضمنة لتحديد الرضاع المحرم بعشر رضعات، و وصفها بالصحة و احتج بها على ما اختاره من القول بالعشر-ثمّ قال: «لا يقال في طريقها محمد ابن سنان و فيه قول، لأنا نقول: قد بينا رجحان العمل برواية محمد بن سنان في كتاب الرجال» (1) .

و تبعه على الوصف بالصحة ولده فخر المحققين، و المحقق الكركي، و غيرهما (2) .

و منع الشهيد الثاني في (الروضة) صحة الحديث، قال: «...

فان في طريقه محمد بن سنان و هو ضعيف-على أصح القولين و أشهرهما» (3)

و قال في (المسالك) . «و أما رواية الفضيل بن اليسار، فلا نسلم صحتها، فان في طريقها محمد بن سنان، و قد ضعفه الشيخ و النجاشي و ابن الغضائري، و قال: إنه غال لا يلتفت اليه، و روى الكشى فيه قدحا عظيما و قال الفضل بن شاذان: من الكذابين المشهورين ابن سنان، و فيه من القدح غير ذلك. و حينئذ، فلا عذر للعلامة في قوله في المختلف: إنه بين رجحان قوله في كتاب الرجال، و أي رجحان يحصل مع قدح هؤلاء الأكابر الذين هم عمدة الطائفة في نقد الرجال. مع أنه في (الخلاصة) نقل فيه ما ذكرناه، و زيادة، و نقل عن المفيد-رحمه اللّه-: إنه ثقة

____________

(1) راجع: (ص 70) من مختلف الشيعة للعلامة الحلي، طبع إيران سنة 1324 هـ-كتاب النكاح في تحديد الرضاع المحرم بعشر رضعات-

(2) راجع: الإيضاح لفخر المحققين بن العلامة الحلي، و جامع المقاصد للشيخ علي الكركي العاملي-رحمهم اللّه-فانهما ذكرا ذلك في موارد عديدة من كتابيهما المذكورين.

(3) راجع: كتاب النكاح من (الروضة) الفصل الثالث في المحرمات بالنسب و الرضاع، في شرح قول الشهيد الأول: «أو خمس عشرة رضعة» .

259

ثمّ اختار التوقف في أمره. و لا وجه للتوقف، لأن الجارح مقدم مع التساوي، فكيف بمن ذكرناه» (1) .

و اختار هذا القول ممن تأخر عن الشهيد-رحمه اللّه-ولده المحقق الشيخ حسن‏ (2) و سبطاه الفاضلان المحمدان‏ (3) و الفاضل الأردبيلي‏ (4) و السيد الداماد (5) و صاحب الوسيط (6) .

و قال العلامة المجلسي-رحمه اللّه-: «محمد بن سنان ضعفه المشهور و وثقه المفيد في الارشاد، و هو معتمد عليه-عندي-» (7) .

____________

(1) راجع: كتاب النكاح من (المسالك) الشرط الثاني من أسباب انتشار الحرمة بالرضاع، في شرح قول المحقق: «و لا حكم لما دون العشرة إلا في رواية شاذة» .

(2) هو صاحب (معالم الأصول) ابن الشهيد الثاني-رحمه اللّه-فانه اختار القول بتضعيفه في كتابه (منتقى الجمان) .

(3) الفاضلان المحمدان: هما الشيخ محمد صاحب (شرح الاستبصار) ابن الشيخ حسن صاحب (المعالم) ، و السيد محمد صاحب (المدارك) فان الشهيد الثانى-رحمه اللّه-هو جد الأول لأبيه، وجد الثانى لأمه، فهما سبطاه، و السبط يطلق على ولد الولد، و على ولد البنت كما ذكره علماء اللغة.

(4) هو المولى أحمد الأردبيلي-رحمه اللّه-صاحب (مجمع الفائدة) شرح الإرشاد للعلامة الحلي.

(5) راجع الراشحة السادسة و العشرين من رواشحه (ص 88) طبع إيران‏

(6) راجع: الوسيط-الذي لا يزال مخطوطا-للميرزا محمد الاسترآبادي صاحب (منهج المقال) المطبوع في ترجمة محمد بن سنان.

(7) راجع: الوجيزة للمجلسي الثانى، الملحقة بآخر رجال (الخلاصة) ص 164.

260

و قال والده التقي-قدس سره-: «الذي يظهر من الأخبار أنه من أصحاب الأسرار» ثمّ حكى ما قيل في تضعيفه، و ضعفه و بالغ في ذلك‏ (1) .

و قال الشيخ الحر-رحمه اللّه- (2) : روى الكشى فيه مدحا و ذما

____________

(1) راجع: شرح مشيخة من لا يحضره الفقيه للمولى التقي المجلسي الأول المتوفى سنة 1070 هـ، توجد نسخته المخطوطة في مكتبة الحسينية الشوشترية في النجف الأشرف.

(2) ما قاله الحر العاملي في (تحرير وسائل الشيعة) -الذي تقدم التعريف به في تعليقتنا (ص 45) من هذا الجزء-نقله سيدنا-طاب ثراه-في الأصل بالمعنى أما نص ما ذكره الحر-رحمه اللّه-على ما نقله الشيخ عبد النبي الكاظمي في (تكملة نقد الرجال) المخطوط-هكذا: «محمد بن سنان، و قد اختلف في توثيقه و تضعيفه و الاقوى التوثيق كما وثقه بعض مشايخنا المعاصرين، فقد وثقه المفيد و جماعة، منهم الحسن بن أبى شعبة في (تحف العقول) و ابن طاوس في كتاب (التتمات و المهمات) و روى الكشي ما يدل على توثيقه و روى له ذما كامثاله من الخواص، و وجهه التقية كما وقع التصريح به من الصادق-عليه السلام-عموما، و لعل ذلك سبب التضعيف مع الغفلة عن كونه تقية، و من أنه قال عند موته ما حاصله: إن ما رواه لم يسمعه كله و لكنه وجده، و قد أنكر عليه بعض معاصريه ذلك، كما نقله الكشي، و قد روى الكليني و غيره في جواز الفتيا الرواية بذلك، و إن كان السماع و نحوه أقوى و هذا دليل على كمال احتياطهم في الرواية، أو سببه رواية بعض أحاديث الغلو و التخليط، و التضعيف مخصوص بها، و قد روى مثلها الثقات، بل معاني بعضها موجود في بعض الآيات، و هو لا يقتضي الضعف لأنه من المتشابهات المأولات بالمجاز أو الإضمار، أو نحوهما، و قد أشار إلى ذلك الشيخ في (الفهرست) حيث روى جميع رواياته إلا ذلك القسم، و قد عده في كتاب الغيبة من خواصهم-

261

و وجه الذم ما مر في زرارة و قد ذهب الى توثيقه جماعة من مشايخنا المعاصرين و من قاربهم، و الرواية عن محمد بن سنان كثيرة و تحقيق حاله مهم و يتوقف ذلك على تفصيل ماله و عليه من المدح و القدح أما جهات المدح، فمن أعظمها مدح الامام الهمام أبى جعفر-عليه السلام-له و ثناؤه عليه و إظهاره الرضا عنه-رواه الشيخان‏ (1) فيما تقدم من كلامهما عن أبي طالب عبد اللّه ابن الصلت و علي بن الحسين بن داود. و روى الكشى عن محمد بن مسعود قال: حدثني علي‏ (2) بن محمد، قال: حدثني أحمد بن محمد عن رجل عن علي بن الحسين بن داود القمي، قال: سمعت أبا جعفر

____________

ق-عليهم السلام-الممدوحين، و روى فيه حديثا، و يظهر من بعض الروايات أنه كان وكيلا، و هو يدل على التوثيق» .

و أما ما ذكره الحر-رحمه اللّه-في الفائدة الثانية عشرة من الفوائد التي ذكرها في خاتمة (وسائل الشيعة) في تراجم الرجال الذين ذكرهم فيه (ج 3 ص 574) طبع إيران، ما هذا نصه: «إن الكشي روى له مدحا جليلا يدل على التوثيق» ثمّ قال: «و ضعفه النجاشى و الشيخ ظاهرا، و الذي يقتضيه النظر أن تضعيفه إنما هو من ابن عقدة الزيدي، ففي قبوله نظر، و قد صرح النجاشى بنقل التضعيف عنه و كذا الشيخ، و لم يجز ما يضعفه، على أنهم ذكروا وجهه و هو أنه قال-عند موته-: كل ما رويته لكم لم يكن لي سماعا و إنما وجدته، و هو لا يقتضى الضعف إلا بالنسبة الى الاحتياط التام في الرواية... » الخ.

(1) الشيخان: هما الشيخ النجاشى، و الشيخ الطوسى-رحمهما اللّه-.

(2) الظاهر: أن علي بن محمد-هذا-هو علي بن محمد بن علي بن سعد الأشعري القمي المعروف بابن متويه، ذكره الشيخان و غيرهما من غير توثيق و يحتمل أن يكون هو علي بن محمد بن يزيد كما صرح به في بعض أسانيد الكشى قاله في (الوسيط) في ترجمة مؤمن الطاق. (منه قدس سره)

غ

262

-عليه السلام-يذكر صفوان بن يحيى و محمد بن سنان بخير، و قال:

رضي اللّه عنهما فما خالفانى و ما خالفا أبى-قط-بعد ما جاء عنه فيهما ما قد سمعه غير واحد (1) و عن محمد بن قولويه قال: حدثني سعد بن عبد اللّه القمي قال: حدثني أبو جعفر أحمد بن محمد بن عيسى عن رجل عن علي بن الحسين بن داود القمي، قال: سمعت أبا جعفر الثانى-عليه السلام-يذكر صفوان بن يحيى و محمد بن سنان بخير، و قال: رضي اللّه عنهما برضائي عنهما فما خالفانى-قط- (2) .

هذا مع ما جاء عنه فيهما ما قد سمعته من أصحابنا عن أبى طالب عبد اللّه ابن الصلت القمي، قال: دخلت على أبى جعفر الثانى-عليه السلام- في آخر عمره، فسمعته يقول: جزى اللّه صفوان بن يحيى و محمد بن سنان و زكريا بن آدم عني خيرا، فقد وفوا لي، و لم يذكر سعد بن سعد-قال-:

فخرجت فلقيت موفقا، فقلت له: إن مولاي ذكر صفوان و محمد بن سنان و زكريا بن آدم، و جزاهم خيرا، و لم يذكر سعد بن سعد-قال-:

فعدت اليه، فقال: جزى اللّه صفوان بن يحيى و محمد بن سنان و زكريا ابن آدم و سعد بن سعد خيرا، فقد وفوا لي‏ (3) .

و قوله «عن أبي طالب» يحتمل الاتصال بسابقه، على أن يكون تتمة رواية علي بن الحسين بن داود، و يكون المدح الذي سمعه-شفاها- تأكيدا لما رواه غيره، و الانقطاع عنه بأن يكون ابتداء رواية الكشى «عن أبي طالب» بحذف الاسناد اليه. و على هذا، فقوله «بعد ما جاء عنه فيهما» يحتمل أن يكون إشارة الى ما جاء فيهما من المدح كرواية

____________

(1) راجع: رجال الكشى (ص 424) طبع النجف الاشرف.

(2) أنظر: المصدر نفسه (ص 423) .

(3) أنظر: المصدر نفسه (ص 424) .

263

عبد اللّه بن الصلت، أو القدح، و هو ما رواه الكشى-رحمه اللّه-عن محمد بن مسعود، قال: حدثني علي بن محمد القمى، قال: حدثني أحمد بن محمد بن عيسى القمي، قال: بعث إلي أبو جعفر-عليه السلام- غلامه، و معه كتابه، فأمرني أن أصير اليه، فأتيته، و هو بالمدينة نازل في دار (بزيع) فدخلت و سلمت عليه. فذكر في صفوان و محمد بن سنان و غيرهما ما قد سمعه غير واحد، فقلت في نفسى: أستعطفه على زكريا بن آدم لعله أن يسلم مما قال في هؤلاء، ثمّ رجعت الى نفسى، فقلت: من أنا أتعرض في هذا و شبهه، مولاي هو أعلم بما يصنع، فقال لي: يا أبا علي ليس على مثل أبي يحيى يعجل و قد كان من خدمته لأبي و منزلته عنده و عندي من بعده... الحديث» (1) .

و روى المفيد-طاب ثراه-هذا الحديث في كتاب (الاختصاص) عن أحمد بن محمد عن أبيه، و سعد بن عبد اللّه عن أحمد بن محمد بن عيسى، و هو طريق صحيح‏ (2) .

و قد جاء القدح و المدح-معا-مترتبين فيما رواه الكشى عن محمد ابن قولويه، قال: «حدثني سعد بن عبد اللّه عن أحمد بن هلال عن محمد بن اسماعيل بن بزيع: إن أبا جعفر الثاني-عليه السلام-كان يخبرني بلعن صفوان بن يحيى و محمد بن سنان، فقال: إنهما خالفا أمري، فلما كان من قابل، قال أبو جعفر-عليه السلام-لمحمد بن سهل البحراني:

تولّ صفوان بن يحيى و محمد بن سنان، فقد رضيت عنهما» (3) .

____________

(1) راجع: رجال الكشي (ص 497) طبع النجف الأشرف، في ترجمة زكريا بن آدم القمي، و أبو يحيى في هذا الحديث كنية لزكريا بن آدم القمي.

(2) راجع: الاختصاص (ص 87) طبع إيران سنة 1379 هـ.

(3) راجع: رجال الكشى (ص 424) طبع النجف الأشرف.

264

لا يقال: هذه الأخبار-مع تدافعها-غير نقية السند، لضعف أحمد بن هلال، و جهالة علي بن الحسين بن داود، و جهل الطريق الى عبد اللّه بن الصلت، فلا يصلح التعويل عليها في توثيق محمد بن سنان و لا في حسن حاله. و أيضا، فقد صح حديث الطعن عليه فيما رواه المفيد -رحمه اللّه-في (الاختصاص) فلا يعارض ذلك بالخبر الضعيف. و أما صفوان، فهو-و إن شاركه في ذلك-إلا أنا قد علمنا الختم له بالحسنى باجماع الصحابة عليه، فلا يقاس به غيره.

لأنا نقول: الأخبار المذكورة لا تقصر عن خبر واحد صحيح، فانها روايات متعددة مشهورة، ذكرها الكشى و المفيد و الشيخ، و اعتمد عليها الشيخان في مدح محمد بن سنان، و نص المفيد على كونها مشهورة في النقل، و في كلام الكشى ما يؤذن بذلك، حيث أجاب عما ورد من الطعن على الفضل بن شاذان: بان ذلك قد تعقبه الرضا من الامام-عليه السلام- كما في صفوان و محمد بن سنان‏ (1) .

و لو لا اشتهار الحديث الوارد فيهما و اعتباره عند الأصحاب، لما حسن التنظير بهما، و اقتران صفوان بن يحيى بمحمد بن سنان في الحديث الصحيح المتضمن للقدح مع عدم ورود ما يزيله عنه سوى الأخبار المشتركة بينه و بين ابن سنان من أوضح الشواهد على اعتبار هذه الأخبار عند الأصحاب و استنادهم اليها في الذب عنه. على ان الظاهر من الشيخين أخذ حديث عبد اللّه بن الصلت من كتابه المعروف عندهما. كما يشعر به اقتصارهما على ذكره بحذف الطريق، فيكون الحديث صحيحا، و قد ذكر الشيخ في (الفهرست) طريقه اليه، فقال: «عبد اللّه بن الصلت يكنى: أبا طالب القمي، له

____________

(1) راجع: رجال الكشى بعنوان: أبو محمد الفضل بن شاذان (ص 451 رقم 416» طبع النجف الأشرف.

265

كتاب، أخبرنا جماعة عن أبي المفضل عن ابن بطة عن أحمد بن أبي عبد اللّه عنه» (1) و له اليه-ايضا-في (كتابي الأخبار) عدة طرق صحيحة، فانه: يروي عنه بواسطة الحسين بن سعيد و أحمد بن محمد بن عيسى و محمد ابن الحسن الصفار، و طريق الشيخ صحيح الى الجميع‏ (2) .

و أما المدافعة، فمع اختصاصها بالبعض، مندفعة بحمل المخالفة في رواية ابن بزيع على فعل الصغيرة غير المنافية للعدالة، أو حمل النفي في حديث ابن داود على انتفاء المخالفة بعد توبته و تجدد الرضا عنه، و اللعن في الأول محمول على الابعاد لمصلحة، كما ورد مثله في كثير من الأعاظم.

و بالجملة، فالمستفاد من هذه الأخبار: علو شأن محمد بن سنان و سلامته عما رمي به من الغلو و الكذب، و نحوهما، و أن الطعن فيه للمصلحة أو الاصلاح أو ثبوت المخالفة فيما يتعلق بأمر الوكالة، مما لا يقدح في المطلوب، كما في صفوان، و منها ما هو معلوم بالتتبع و النقل من جلالة محمد بن سنان و رئاسته و علو شأنه و عظم قدره و لقائه أربعة من الأئمة و روايته عنهم و اختصاصه بهم، و وكالته لهم و كثرة رواياته في الأصول و الفروع و موافقتها لأخبار غيره من الأجلاء و سلامتها عما غمزوا عليه من الغلو، و روايته النص الصريح على الرضا و الجواد-عليهما السلام-و سلامة مذهبه من الوقف و من فتنة (الواقفة) التي أصابت كثيرا من الشيعة ممن وقف و بقي على ذلك، كعلي بن أبي حمزة البطائني و أصحابه، أو وقف ثمّ قطع، كأحمد بن محمد بن أبي نصر و جميل بن دراج و حماد بن عيسى

____________

(1) فهرست الشيخ الطوسى: ص 104 برقم 437، طبع النجف الاشرف سنة 1356 هـ.

(2) انظر: مشيخة كتاب التهذيب الملحق بآخره، و مشيخة كتاب الاستبصار الملحق بآخره‏

266

و رفاعة بن موسى و عبد الرحمن بن الحجاج و يونس بن يعقوب و غيرهم، مع اقتران النص الذي رواه بالاعجاز-بناء على ما هو الظاهر من إظهاره له قبل أن يولد الجواد-عليه السلام-و ظهور معجز أبي جعفر-عليه السلام- فيه بعود بصره بعد ذهابه ببركة دعائه.

روى أبو عمرو الكشى، قال: «حدثني حمدويه، قال: حدثني الحسن بن موسى، قال حدثني محمد بن سنان، قال: دخلت على أبي الحسن موسى-عليه السلام-قبل أن يحمل الى العراق بسنة-و علي ابنه -عليه السلام-بين يديه-فقال لي: يا محمد، قلت: لبيك، قال:

إنه سيكون في هذه السنة حركة و لا تخرج منها. ثمّ أطرق و نكت في الأرض بيده، ثمّ رفع رأسه إليّ، و هو يقول: و يضل اللّه الظالمين و يفعل اللّه ما يشاء، قلت: و ما ذلك جعلت فداك؟قال: من ظلم ابني-هذا- حقه، و جحد إمامته من بعدي، كان كمن ظلم علي بن أبي طالب-عليه السلام-حقه و إمامته بعد محمد (ص) فعلمت: إنه قد نعى إليّ نفسه و دلّ على ابنه. فقلت: و اللّه لئن مد اللّه في عمري لأسلمن اليه حقه، و لأقرن له بالامامة، و أشهد أنه من بعدك حجة اللّه على خلقه و الداعي الى دينه. فقال لي: يا محمد، يمد اللّه في عمرك، و تدعو الى امامته و امامة من يقوم مقامه من بعده. فقلت: و من ذاك-جعلت فداك-؟قال:

محمد ابنه، قلت: الرضا و التسليم. قال: كذلك، و قد وجدتك في صحيفة أمير المؤمنين-عليه السلام-أما إنك في شيعتنا أبين من البرق في الليلة الظلماء، ثمّ قال: يا محمد، إن المفضل أنسي و مستراحي و انت أنسهما و مستراحهما، حرام على النار أن تمسّك أبدا» (1) .

____________

(1) رجال الكشي: ص 428-429 بعنوان محمد بن سنان برقم 370 طبع النجف الاشرف.

267

و روى ذلك الكليني-رحمه اللّه-في (الكافي) و المفيد في (الارشاد) بطريق آخر عن محمد بن سنان‏ (1) .

و روى الكشي-أيضا-: «عن حمدويه قال: حدثنا أبو سعيد الآدمي عن محمد بن مرزبان عن محمد بن سنان قال: شكوت الى الرضا -عليه السلام-وجع العين، فأخذ قرطاسا فكتب الى أبي جعفر-عليه السلام-و هو أول شي‏ء ، و رفع الكتاب الى الخادم، و أمرني أن أذهب معه، فقال: اكتم، فأتيناه و خادم قد حمله-قال-ففتح الخادم الكتاب بين يدي أبى جعفر-عليه السلام-قال-: فجعل أبو جعفر -عليه السلام-ينظر في الكتاب و يرفع رأسه الى السماء، و يقول: ناج ففعل ذلك-مرارا-فذهب كل وجع في عيني، و أبصرت بصرا لا يبصره أحد-قال-: فقلت لأبي جعفر (ع) : جعلك اللّه شيخا على هذه الأمة كما جعل عيسى بن مريم شيخا على بني اسرائيل، قال: ثمّ قلت: يا شبيه صاحب فطرس-قال-: فانصرفت و قد أمرني الرضا-عليه السلام- أن اكتم، فما زلت صحيح البصر حتى أذعت ما كان من أبي جعفر-عليه السلام-

____________

(1) و الطريق هكذا: محمد بن الحسن عن سهل بن زياد عن محمد بن علي و عبيد اللّه بن المرزبان عن ابن سنان، قال: دخلت... الخ. و يقف الحديث على كلمة (الرضا و التسليم) . راجع: أصول الكافي، كتاب الحجة، باب الاشارة و النص على أبي الحسن الرضا-عليه السلام-تسلسل الحديث (16) ، طبع طهران الجديد و راجع أيضا: إرشاد المفيد في فصل من روى النص على الرضا علي بن موسى -عليهما السلام-و الطريق هكذا: أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمد بن علي، و عبيد اللّه ابن المرزبان، عن ابن سنان، قال: دخلت على أبي الحسن موسى... الخ، و يقف الحديث على كلمة (الرضا و التسليم) أيضا.

268

في أمر عيني، فعاودني الوجع-قال-: قلت لمحمد بن سنان: ما عنيت بقولك: يا شبيه صاحب فطرس؟قال: فقال: إن اللّه تعالى غضب على ملك من الملائكة يدعى (فطرس) فدقّ جناحه و رمى به في جزيرة من جزائر البحر. فلما ولد الحسين-عليه السلام-بعث اللّه عز و جل جبرئيل الى محمد ليهنيه بولادة الحسين (ع) و كان جبرئيل صديقا لفطرس، فمرّ به-و هو في الجزيرة مطروح-فخبره بولادة الحسين (ع) و ما أمر اللّه به، فقال له: هل لك أحملك على جناح من اجنحتي و أمضي بك الى محمد (ص) يشفع فيك؟-قال-فقال له فطرس: نعم. فحمله على جناح من أجنحته حتى أتى به محمدا، فبلغه تهنئة ربه تعالى، ثمّ حدث بقصة فطرس، قال النبي (ص) لفطرس: امسح جناحك على مهد الحسين و تمسح به، ففعل ذلك فطرس. فجبر اللّه تعالى جناحه و رده الى منزله مع الملائكة» (1) .

و روى الكليني-طاب ثراه-عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن أحمد بن محمد بن عبد اللّه عن محمد بن سنان: قال: دخلت على أبي الحسن-عليه السلام-فقال: يا محمد حدث بآل فرج حدث، فقلت: مات عمر؟فقال: الحمد للّه، حتى أحصيت له أربعا و عشرين مرة. فقلت: يا سيدي، لو علمت أن هذا يسرك لجئت حافيا أعدو اليك، قال: يا محمد، أولا تدري ما قال-لعنه اللّه-لمحمد بن علي أبي؟قال: قلت: لا، قال: خاطبه في شي‏ء ، فقال أظنك سكران، فقال أبي: اللهم إن كنت تعلم أني أمسيت لك صائما، فأذقه طعم الحرب و ذلّ الأسر. فو اللّه إن ذهبت الأيام حتى حرب ماله و ما كان له، ثمّ أخذ أسيرا، و هو ذا قد مات-لا رحمه اللّه-و قد أدال اللّه عز و جل

____________

(1) رجال الكشي: ص 487-488 برقم 478 طبع النجف الاشرف.

269

منه، و ما زال يديل أولياءه من أعدائه» (1) .

«و عن سعد بن عبد اللّه و الحميري-جميعا-عن إبراهيم بن مهزيار عن اخيه علي عن الحسن بن سعيد عن محمد بن سنان، قال: قبض محمد بن علي-عليه السلام-و هو ابن خمس و عشرين سنة و ثلاثة أشهر و اثني عشر يوما، توفي يوم الثلاثاء لست خلون من ذي الحجة سنة عشرين و مائتين. عاش بعد أبيه تسع عشرة سنة إلا خمسة و عشرين يوما» (2) .

و قد علم من هذا الحديث و ما قبله بقاء محمد بن سنان بعد أبي جعفر -عليه السلام-و لقاؤه أبا الحسن الثالث-عليه السلام-و روايته عنه.

و لم يذكر ذلك أحد من علماء الرجال.

و قد ذكر النجاشي و غيره: أن محمد بن سنان مات سنة عشرين و مائتين، و هذا لا يكاد يجتمع‏ (3) مع ما تقدم عن محمد بن سنان من وفاة أبي جعفر-عليه السلام-في شهر ذي الحجة من هذه السنة، فلا تغفل.

و منها-رواية جماهير الأجلاء و الأعاظم عنه، فقد أسند عنه من الفقهاء الثقات الأثبات المتحرزين في الرواية و النقل: أحمد بن محمد بن عيسى و أيوب بن نوح و الحسن بن سعيد و الحسن بن علي بن يقطين و الحسين ابن سعيد و صفوان بن يحيى و العباس بن معروف و عبد الرحمن بن أبي نجران و عبد اللّه بن الصلت و الفضل بن شاذان و محمد بن اسماعيل بن بزيع و محمد بن الحسين بن أبي الخطاب و محمد بن عبد الجبار و موسى بن القاسم

____________

(1) أنظر: كتاب الحجة من أصول الكافي-باب مولد أبي جعفر محمد بن علي الثاني-عليه السلام- (ج 1: ص 496-ص 497) طبع إيران سنة 1381 ه

(2) راجع: المصدر السابق نفسه (ص 497) .

(3) و حمله على موته في اواخر ذي الحجة بعد لقائه الهادي-عليه السلام- و روايته عنه، لا يخلو عن بعد (منه قدس سره) .

270

و يعقوب بن يزيد و يونس بن عبد الرحمن.

و من مشاهير الرواة الموثقين أو المقبولين: إبراهيم بن هاشم و أحمد ابن محمد بن خالد و الحسن بن الحسين اللؤلؤي و الحسن بن علي بن فضال و شاذان بن الخليل و علي بن أسباط و علي بن الحكم و محمد بن أحمد بن يحيى و محمد بن خالد البرقي و محمد بن عيسى بن عبيد، و غيرهم.

و أروى الناس عنه: محمد بن الحسين بن أبي الخطاب. و قد قال النجاشي فيه: «... انه جليل من أصحابنا عظيم القدر، كثير الرواية، ثقة عين حسن التصانيف، مسكون الى روايته» (1) .

و كذا أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري، مع ما علم من تحفظه في النقل و تسرعه الى القدح و نفيه الاجلاء بتهمة الغلو و الرواية عن الضعفاء.

و كتب الحديث مشحونة بروايات محمد بن سنان قد رواها جميع أصحابنا الكوفيين و القميين. و أوردها صاحب (نوادر الحكمة) فيه‏ (2) و لم يستثنها محمد بن الحسن بن الوليد و اتباعه منه، و ملأ بها ثقة الاسلام الكليني -قدس سره-جامعه (الكافي) أصولا و فروعا. و نقلها رئيس المحدثين (الصدوق) في كتابه الذي ضمن أن لا يورد فيه إلا ما هو حجة بينه و بين ربه. و ذكر في (المشيخة) : «إن ما يرويه عنه فقد رواه عن أبيه عن علي بن ابراهيم عن أبيه عنه» (3) .

و اكثر الشيخ في (كتابيه) (4) من الرواية عنه. و روى في (الفهرست) :

____________

(1) رجال النجاشي: ص 257 طبع إيران.

(2) راجع في التعريف بكتاب (نوادر الحكمة) : تعليقتنا في (ج 1 ص 348) من هذا الكتاب.

(3) راجع ذلك في مشيخة (من لا يحضره الفقيه) المدرج في آخره.

(4) كتاباه: هما التهذيب، و الاستبصار.

غ

271

كتبه عن جماعة، و منهم المفيد عن الصدوق عن أبيه و محمد بن الحسن عن سعد بن عبد اللّه و الحميري و محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين و احمد بن محمد عنه.

و ذكر الشيخ الثقة الجليل أبو غالب أحمد بن محمد بن سليمان الزرارى -رضي اللّه عنه-في (رسالته) الى ولد ولده أحمد بن عبد اللّه بن أحمد في جملة الكتب التى أوصى بها اليه و وصاه بحفظها، و أجاز له روايتها-:

كتابي الطرائف، و النوادر و غيرهما من كتب محمد بن سنان. و قال: حدثنى بكتاب الطرائف جدي محمد بن سليمان، عن محمد بن الحسين عن محمد ابن سنان، و حدثني بكتاب النوادر أبو الحسن محمد بن محمد بن محمد المعاذلي عن جدي أبي طاهر محمد بن سليمان عن محمد بن الحسين عنه -قال-: و هو بخط جدي أبي طاهر-رضي اللّه عنه- (1) .

و إطباق هؤلاء العلماء العدول على الرواية عنه و الاعتناء بأخباره و تدوينها في الكتب الموضوعة للعمل، كاشف عن حسن حاله و قبول رواياته.

هذه وجوه المدح. و أما جهة القدح، فهي أمور:

الأول- الغلوّ، قاله ابن الغضائري و الكشي في موضع من كتابه‏ (2) و ذكر خلاف ذلك في موضع آخر (3) و لوّح اليه الشيخ في (الفهرست) (4) و نص في (كتاب الغيبة) على ما ينافيه‏ (5) .

____________

(1) راجع: رسالة أبي غالب المذكورة، و قد طبعت ببغداد سنة 1373 هـ و أدرجها العلامة المحدث الشيخ يوسف البحراني-صاحب الحدائق-في كشكوله (ج 1 ص 180) طبع النجف الاشرف سنة 1381 هـ.

(2) راجع: رجال الكشي (ص 486، ص 487، 488) طبع النجف الأشرف.

(3) راجع: المصدر-نفسه (ص 423، ص 424، ص 429) .

(4) راجع: (ص 143) من الفهرست طبع النجف الأشرف سنة 1356 هـ.

(5) راجع: كتاب الغيبة (ص 211) طبع النجف الأشرف.

272

و اختلفت الرواية في ذلك عن صفوان مع ضعفها: ففي إحدى الروايتين: «إنه كان من الطيارة فقصصناه» و في الأخرى: «لقد همّ بأن يطير غير مرة فقصصناه» (1) و الفص متحقق على الروايتين، و غاية الأمر حصول شي‏ء كان و زال-كما قاله النجاشي- (2) .

و يشهد لانتفاء الغلو من أصله أو عدوله الى الاستقامة بعد حصوله:

سلامة رواياته عنه و صراحتها في اعتقاده لامامة الأئمة-عليهم السلام- و اثبات صفات البشرية لهم، و اعتماد القميين عليه، و هم أشد شي‏ء في هذا الأمر سيما أحمد بن محمد بن عيسى، و محمد بن الحسن بن الوليد، و محمد بن علي بن بابويه-رحمهم اللّه-كما هو معلوم من طريقتهم-و مخالطة الفقهاء له-كأحمد بن محمد بن أبى نصر، و صفوان بن يحيى، و يونس بن عيد الرحمن، كما يعلم من تتبع الاخبار. و ما تقدم من الخبر الصريح في تنزيهه عنه‏ (3) -و ان كان في طريقه ضعف-فانه لا يمنع من التأييد لغيره مع ما سبق من كثرة التساهل في الرمي بالغلو في كلامهم عموما-و في كلام ابن الغضائري-خصوصا-.

فأما ما رواه الكشي عنه: «إنه كان يقول في مسجد الكوفة: من أراد المضمئلات فإليّ، و من أراد الحلال و الحرام فعليه بالشيخ» يعني صفوان بن يحيى‏ (4) .

فلا دلالة فيه على الغلو، فان المضمئلات هي المشكلات، و لا شك

____________

(1) راجع: رجال الكشي (ص 428) طبع النجف الأشرف.

(2) راجع: (ص 252) من رجاله، طبع إيران.

(3) يشير الى الخبر الذي رواه الكشي في رجاله و فيه: «فقال صفوان:

هذا ابن سنان لقد هم أن يطير غير مرة فقصصناه حتى ثبت معنا» .

(4) راجع: رجال الكشي (ص 428) .

273

أن حديث أهل البيت-عليهم السلام-صعب مستصعب.

و أما ما رواه عن بعض كتب الغلاة-قال-: و هو كتاب الدور، عن الحسن بن علي عن الحسن بن شعيب عن محمد بن سنان، قال: دخلت على أبى جعفر الثانى-عليه السلام-فقال لي: يا محمد، كيف أنت اذا لعنتك و برئت منك و جعلتك محنة للعالمين، أهدي بك من أشاء، و أضل بك من أشاء-قال قلت: تفعل بعبدك ما تشاء يا سيدي إنك على كل شي‏ء قدير-ثمّ قال-: يا محمد أنت عبد قد أخلصت للّه و إني ناجيت اللّه فيك فأبى إلا أن يضل بك كثيرا و يهدي بك كثيرا (1) .

فهذا الخبر من أكاذيب الغلاة و موضوعاتهم، و قد نص الكشي على أخذه من كتبهم. و الحسن بن علي-هذا-هو ابن أبي عثمان الملقب بـ (سجّادة) ضعيف ملعون من العليائية فلا يحتج بروايته، خصوصا فيما يتعلق بمذهبه‏ (2)

الثاني: الطعن عليه، و الاصل في هذا الطعن: الفضل بن شاذان -رحمه اللّه-فانه عده من الكذابين المشهورين، و قرنه بأبي الخطاب و أبي سمينة و ابن ظبيان و يزيد الصائغ. و قال: لا أستحل أن أروي أحاديث محمد بن سنان، و لا أحل لكم أن ترووا أحاديث محمد بن سنان عني‏ (3)

و هذه المبالغة العظيمة منه تربب اللبيب، فان كل من نظر في الأخبار و عرف الرجال، يعلم أن محمد بن سنان ليس كأبي الخطاب و أبي سمينة و أضرابهما، و لا ممن يقرن بهم أو يقرب منهم، و إنه-على تقدير ضعفه-

____________

(1) راجع: رجال الكشي (ص 487) طبع النجف الأشرف.

(2) راجع: ترجمة الحسن بن علي سجادة في رجال الكشي (ص 478- ص 479) برقم 465، و راجع أيضا رجال النجاشي (ص 48) و الخلاصة (ص 212) برقم (4) في القسم الثاني منه، طبع النجف الأشرف.

(3) راجع: رجال الكشي (ص 428، ص 457) .

274

ليس من الكذابين المشهورين أو ممن تحرم الرواية عنه، إن ثبت تحريم الرواية عن أحد من الضعفاء. كيف، و الفضل-رحمه اللّه-هو أحد المكثرين عن محمد بن سنان، و روايته عنه دراية، و منعه عنها رواية. و قد روي عنه الاذن فيها بعد موته‏ (1) و معلوم أن الموت لا يحل محرّما، و لا يبيح محظورا. و قد حكى ابن داود-في ترجمة محمد بن علي المكنى بـ (أبي سمينة) عن الفضل: أنه قال: «إن الكذابين المشهورين أربعة: أبو الخطاب و يونس بن ظبيان، و يزيد الصائغ، و أبو سمينة و هو أشهرهم» (2) و هذا يدل على خروج محمد بن سنان عنهم. و لعل النسخ في ذلك كانت مختلفة أو أن الزيادة في بعضها من الدسائس في كتب الفضل.

الثالث- ما حكاه حمدويه عن أيوب بن نوح عنه: أنه قال-قبل موته-: إن كلما حدثتكم به لم يكن لي سماعا و لا رواية، و انما وجدته.

و قد علل أيوب بن نوح ترك الرواية عن محمد بن سنان بذلك في إحدى روايتي حمدويه عنه‏ (3) . و قال في الأخرى: لا أستحل أن أروي أحاديث محمد بن سنان‏ (4) .

و الظاهر بقرينة الاولى-: أن الوجه في ذلك هو ما ذكره في تلك الرواية: من كون أخباره كلها وجادة من غير سماع و لا رواية.

و فيه-أولا-: أن الظاهر اعتبار الوجادة اذا كان الكتاب معروف

____________

(1) المصدر-نفسه- (ص 428) .

(2) راجع: رجال ابن داود الحلي-القسم الثاني- (ص 507) برقم (454) طبع طهران، دانشگاه.

(3) راجع: الرواية المذكورة في (رجال الكشي: ص 427) و هي تتضمن تعليل أيوب بن نوح ترك الرواية عن محمد بن سنان.

(4) راجع: المصدر-نفسه- (ص 428) .

275

الانتساب إلى مؤلفه، كما يستفاد من الروايات المعتبرة (1) -و ثانيا-: إن هذه الكلية المنقولة عنه مخالفة لما هو معلوم بالضرورة: من روايته عن الأئمة

____________

(1) الوجادة-بكسر الواو-و هي مصدر وجد يجد، مولد من غير العرب غير مسموع من العرب الموثوق بعربيتهم، و إنما ولده العلماء بلفظ الوجادة لما أخذ من العلم من صحيفة، من غير سماع و لا إجازة و لا مناولة، قال ذلك الشهيد الثاني -رحمه اللّه-في كتاب (دراية الحديث) ص 107، طبع النجف الأشرف سنة 1379 هـ، ثمّ قال: «و هذا النوع من أخذ الحديث و نقله أن يجد إنسان كتابا أو حديثا مروي إنسان بخطه معاصر له، أو غير معاصر، و لم يسمعه منه هذا الواجد و لا له منه إجازة و لا نحوها، فيقول: وجدت، أو اقرأت بخط فلان، أو في كتاب فلان بخطه: حدثنا فلان، و يسوق باقي الإسناد. أو يقول: وجدت بخط فلان عن فلان (الخ) هذا الذي استقر عليه العمل قديما و حديثا... هذا كله إذا وثق بانه خط المذكور أو كتابه» .

و في جواز العمل بالوجادة الموثوق بها قولان للمحدثين و الأصوليين. و حجة المجوزين: بأنه لو توقف العمل بها على الرواية لانسد باب العلم بالمنقول لتعذر شرط الرواية بها، غالبا، و بعموم حجية الخبر السالم عن المعارض، فان عمدة دليل حجيته-و هو بناء العقلاء على العمل بالخبر الموثوق به-جار في الخبر الكتبي كجريه في اللفظي، فانا نرى العقلاء متسالمين على اعتبار النقوش و الكتابة و الاعتماد عليها مع الوثوق بها و الأمن من عروض التغيير و التزوير عليها من دون تأمل من أحد و لا مناقشة أصلا، و على هذا جرت السيرة في عصر النبي-صلى اللّه عليه و آله و سلم و الأئمة-عليهم السلام-مع اطلاعهم على ذلك، و اقرارهم، بل و فعلهم هم في أنفسهم، و جريهم-عليهم السلام-على ذلك، فترى الامام-عليه السلام-يكتب اليه الراوي بما يريد، و يكتب اليه الإمام-عليه السلام-بجوابه.

هذا مضافا الى الأحاديث الكثيرة الدالة على أمر الأئمة-عليهم السلام-

276

-عليهم السلام-بالمشافهة، و لا يتصور في مثله أن يكون من باب الوجادة، إلا أن يخص العموم بما رواه عن غيره. و هذا-أيضا-مقطوع بعدمه للعلم العادي بأنه قد روى عن أصحاب الأئمة و أخذ عنهم كثيرا من الاحاديث سماعا، و حمل كلامه على إرادة نفي العموم دون عموم النفي في غاية البعد

____________

ق-أصحابهم بكتابة ما يسمعونه منهم و تأليفه و جمعه قائلين: إنه سيأتى على الناس زمان لا يأنسون إلا بكتبهم، بل و أمروا بالعمل بتلك الكتب، كما في الخبر الذي رواه الشيخ الطوسي-رحمه اللّه-في كتاب الغيبة (ص 239) طبع النجف الأشرف، عن عبد اللّه الكوفي خادم الشيخ أبى القاسم الحسين بن روح -رضي اللّه عنه-و فيه-بعد ما سئل الشيخ عن كتب الشلمغانى-: «أقول فيها ما قال أبو محمد الحسن بن علي-عليه السلام-و قد سئل عن كتب بني فضال، فقالوا: ما نصنع بكتبهم و بيوتنا منها ملاء؟قال: خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا» .

و ما رواه الكليني-رحمه اللّه-في الكافى (ج 1 ص 53) من كتاب فضل العلم-باب رواية الكتب و الحديث-الحديث (15) طبع طهران سنة 1381 هـ، قال: «عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن بن أبي خالد -شينولة-قال: قلت لأبي جعفر الثانى-عليه السلام-: جعلت فداك إن مشايخنا رووا عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه-عليهما السلام-و كانت التقية شديدة فكتموا كتبهم و لم ترو عنهم، فلما ماتوا صارت الكتب الينا، فقال: حدثوا بها فانها حق»

و أما حجة المانعين من العمل بالوجادة فعديدة، راجعها في كتاب (مقباس الهداية) في دراية الحديث للمغفور له الحجة الفقيه المامقاني، و الملحق بآخر الجزء الثالث من (تنقيح المقال) في الرجال (ص 102، ص 203) طبع النجف الأشرف فقد ذكرها و أجاب عنها، و رجح أخيرا العمل بالوجادة الموثوق بها، و انظر ايضا: (دراية الحديث) للشهيد الثاني-رحمه اللّه- (ص 109) طبع النجف الأشرف، و باقي كتب الدراية.

277

و ثالثا-بأن الكلام المنقول عن ايوب بن نوح-رحمه اللّه- هنا متدافع، فان حمدويه بن نصير حكى عنه أنه دفع اليه دفترا فيه أحاديث محمد بن سنان، و قال: اذا شئتم أن تكتبوا ذلك فافعلوا، فإني كتبت عن محمد بن سنان و لكن لا أروي لكم عنه شيئا، و علل الامتناع بما حكاه عنه. و التدافع في ذلك ظاهر، فان دفع الدفتر الذي أخرجه الى حمدويه، و قوله: «إذا شئتم أن تكتبوا ذلك فافعلوا» صريح في الرخصة. و قول حمدويه في روايته الأخرى-: «كتبت أحاديث محمد ابن سنان عن أيوب بن نوح» (1) واضح الدلالة على روايته لم أحاديث ابن سنان، فلو كانت الرواية عنه محرمة غير جائزة كما ذكره لم يستقم ذلك.

و ظني أن الرجل قد أصابته آفة الشهرة، فغمز عليه بعض من عانده و عاداه بالأسباب القادحة من الغلو و الكذب، و نحوهما، حتى شاع ذلك بين الناس و اشتهر و لم يستطع الأعاظم الذين رووا عنه كالفضل بن شاذان و أيوب بن نوح و غيرهما دفع ذلك عنه فحاولوا بما قالوا رفع الشنعة عن أنفسهم، كما يشهد به صدور هذه الكلمات المتدافعة عنهم، ثمّ سرى ذلك إلى المتأخرين الذين هم أئمة الفن، مثل الكشي و النجاشى و المفيد و الشيخ و ابن شهرآشوب و السيدين الجليلين ابني طاوس و العلامة و ابن داود و غيرهم، فضعفته طائفة، و وثقته أخرى، و اضطرب آخرون، فاختلفت كلمتهم فيه، كما علمت ذلك مما نقلناه عنهم مفصلا، و في اقل من هذا الاختلاف و الاضطراب ما يمنع التعويل و الاعتماد على ما قالوه‏ (2)

____________

(1) أنظر: الرواية الأولى في رجال الكشي (ص 427) و الرواية الثانية (ص 332) .

(2) و للسيد رضي الدين بن طاوس-رحمه اللّه-كلام في محمد-هذا- و أشباهه (محصله) إن جلالة قدرهم و شدة اختصاصهم بأهل العصمة-

278

فبقيت الوجوه التي ذكرناها-أولا-سالمة عن المعارض، و عاد المدح و التزكية من بعضهم عاضدا و مؤيدا لها، و استبان من الجميع: أن الأصح توثيق محمد بن سنان.

و من طريف ما اتفق لبعض العارفين: أنه تفاءل لاستعلام حال محمد بن سنان من الكتاب العزيز، فكان مما وقع عليه النظر قوله -عز و جل- «إِنَّمََا يَخْشَى اَللََّهَ مِنْ عِبََادِهِ اَلْعُلَمََاءُ» (1) و اللّه العالم بأسرار عباده‏ (2)

محمد بن شجاع القطان:

الظاهر: إنه مؤلف كتاب معالم الدين في فقه آل يس: و قد تكرر ذكره في الاجازات: و هو يروي عن المقداد بن عبد اللّه السيوري عن الشهيد.

و في اجازة الشهيد الثانى للشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي-والد الشيخ البهائي-: «و عن الشيخ شمس الدين بن داود عن السيد الأجل المحقق السيد علي بن دقماق الحسيني، عن الشيخ الفاضل المحقق شمس الدين محمد بن شجاع القطان عن الشيخ المحقق أبي عبد اللّه المقداد بن عبد اللّه

____________

ق-سلام اللّه عليهم-هو الذي أوجب انحطاط منزلتهم عند الشيعة، لأنهم-عليهم السلام-لشدة اختصاصهم بهم أطلعوهم على الأسرار المصونة عن الأغيار، و خاطبوهم بما لا يحتمله اكثر الشيعة، فنسبوا الى الغلو، و ارتفاع القول و ما شاكلهما» هكذا ذكر الشيخ أبو علي الحائري في كتاب رجاله (منتهى المقال) في ترجمة محمد بن سنان‏

(1) سورة فاطر، آية (28) .

(2) ذكر المولى الأردبيلي-رحمه اللّه-في جامع الرواة (ج 2 ص 124) جماعة كثيرة لهم الرواية عنه، و أن له-نفسه-روايات في الكافي، و من لا يحضره الفقيه، و التهذيب و الاستبصار، فراجعها.

غ

279

السيوري الحلي الأسدي عن الشهيد» (1) .

ثمّ رأيته في إجازة الشيخ شمس الدين محمد الشهير بابن المؤذن شيخ الشهيد الثاني، و ابن عم الشهيد الأول‏ (2) قال: «و أجزت له أن يروي عني جميع كتب أصحابنا الماضين عن السيد علي بن دقماق عن شيخه الشيخ محمد بن شجاع القطان عن شيخه أبى عبد اللّه المقداد» (3) .

و ذكره الشيخ محمد الحر العاملي في كتاب (أمل الآمل) و قال:

«الشيخ شمس الدين محمد بن شجاع القطان. فاضل صالح، يروي عن المقداد بن عبد اللّه السيوري» (4) .

____________

(1) أنظر: صورة إجازة الشهيد الثاني للشيخ حسين ابن الشيخ عبد الصمد العاملي في (كتاب الإجازات) للمجلسي الثاني الملحق بآخر أجزاء البحار، و في كشكول الشيخ يوسف البحرانى (ج 2 ص 201) طبع النجف الاشرف.

(2) الذي نص على أن ابن المؤذن ابن عم الشهيد الاول هو صاحب (أمل الآمل) في ترجمته، و نسب ذلك الى الشهيد الثاني في بعض إجازاته، و يريد ببعض إجازاته: هي إجازته للشيخ حسين ابن الشيخ عبد الصمد العاملي والد البهائي المدرجة في كتاب الإجازات للمجلسي، و في (ج 2 ص 201 من كشكول الشيخ يوسف البحراني) طبع النجف الأشرف، و لعل كونه ابن عم الشهيد باعتبار إخوة أبيه لوالد الشهيد من الأم و إلا فالأب مختلف كما لا يخفى، فان أبا الشهيد مكي بن أحمد، و أبا ابن المؤذن محمد، فاطلاق ابن العم بالمعنى الاعم بعيد هنا، ذكر ذلك الشيخ يوسف البحراني في لؤلؤة البحرين (ص 171) طبع النجف الأشرف سنة 1386 هـ.

(3) انظر ذلك في إجازة الشيخ شمس الدين محمد بن المؤذن الجزيني للشيخ علي بن عبد العالي الميسي، المدرجة في كتاب الإجازات للمجلسي الثاني الملحق بآخر أجزاء البحار (ص 55) طبع إيران سنة 1315 هـ.

(4) راجع: الجزء الثاني ص 275 برقم 811 طبع النجف الأشرف.

280

و وجدت في ظهر نسخة لهذا الكتاب: «بلغ مقابلة من أوله الى آخره مع النسخة التي قرئت على مصنفه، و فيه خطه طاب ثراه، و هو محمد بن شجاع الانصاري الحلي» و يظهر من تتبع الكتاب فضيلة المصنف و هو على طريقة الفاضلين‏ (1) في أصول المسائل، لكنه قد يغرب في التفاريع و الذي أرى صحة النقل عنه‏ (2) .

محمد بن عبد الحميد بن سالم العطار.

أبو جعفر الكوفي البجلي مولى بجيلة، من مشاهير الرواة و علمائهم، و هو أحد رجال (نوادر الحكمة) (3) كثير الرواية، واسع الطريق. روى

____________

(1) الفاضلان-هنا-العلامة الحلي، و المحقق الحلي صاحب الشرائع.

(2) و قد روى عن محمد بن سنان-هذا-جماعة كثيرة من الأعلام المحدثين، منهم: محمد بن أبي الصهبان، و محمد بن أبي الخطاب، و أحمد بن محمد بن عيسى -بغير واسطة و بواسطة-و محمد بن علي الصيرفي أبو سمينة، و الحسن بن شمون، و الفضل بن شاذان، و أبوه شاذان، و أيوب بن نوح، و الحسن بن موسى، و يونس ابن عبد الرحمن، و محمد بن عيسى العبيدي، و الحسن و الحسين ابنا سعيد الأهوازيان و الحسن بن شعيب، و محمد بن المرزبان، و حمزة بن يعلى، و محمد بن خالد البرقي و موسى بن قاسم، و المرزبان، و علي بن الحكم، و الحسن بن محبوب على ندرة.

هؤلاء الذين ذكرهم الشيخ محمد أمين الكاظمي في (هداية المحدثين) و زاد عليهم المولى الاردبيلي الحائري في جامع الرواة (ج 2 ص 124) جماعة آخرين، فراجعه.

و لمحمد بن سنان روايات كثيرة في الكتب الاربعة الحديثية للمحمدين الثلاثة ذكرها المولى الاردبيلي.

(3) راجع: في التعريف بنوادر الحكمة تعليقتنا في (ج 1 ص 348) من هذا الكتاب.

281

عنه الاجلاء و الثقات، كأحمد بن محمد بن خالد و سعد بن عبد اللّه و عبد اللّه بن جعفر و علي بن الحسن بن فضال و علي بن مهزيار و محمد بن أبي عمير و محمد بن أحمد بن يحيى و محمد بن علي بن محبوب و محمد بن عيسى، و غيرهم...

و روى عن جمع كثير (1) منهم أحمد بن محمد بن أبي نصر، و الحسن ابن الجهم، و سيف بن عميرة و صفوان بن يحيى و عاصم بن حميد و علي ابن الفضل الواسطي و محمد بن جندب و محمد بن حفص، و محمد بن عمر ابن يزيد، و محمد بن الوليد الخزاز، و منصور بن يونس، و يحيى بن عمر، و يونس بن يعقوب، أدرك عصر الرضا و الجواد و الهادي و العسكري -عليهم السلام-و لا تحضرني-الآن-رواية له عنهم-عليهم السلام-

و الشيخ في (الرجال) -بعد أن ذكره في أصحاب الرضا و العسكري -عليهما السلام- (2) قال في (باب من لم يرو عنهم-عليهم السلام) -:

«محمد بن عبد الحميد روى عنه ابن الوليد» (3) .

و محمد بن عبد الحميد-هذا-هو ابن عبد الحميد بن سالم، فانه واحد في حديث أصحابنا غير مشترك. و لعله عاصر الأئمة-عليهم السلام-

____________

(1) ذكر المولى الاردبيلي في (جامع الرواة: ج 2 ص 136) طبع ايران جماعة كثيرة ممن يروي عنهم أيضا، و كذا الكاظمى في (هداية المحدثين-مخطوط- فراجعهما.

(2) راجع-من الرجال-: ص 387 برقم 10 باب الميم، أصحاب الرضا -عليه السلام-و ص 435 برقم 10 باب الميم، أصحاب العسكري-عليه السلام- طبع النجف الأشرف.

(3) المصدر الآنف: ص 492 برقم 6 باب الميم، باب من لم يرو عنهم -عليهم السلام-.

282

و لم يتفق له اللقاء، أو كان من أصحاب اللقاء دون الرواية، و لو ثبت له رواية أمكن أن يكون عده فيمن لم يرو لبقائه الى زمانهم. و قد وقع للشيخ مثله-كثيرا-كما سبق التنبيه عليه في مواضعه، و لا استعباد في بقائه الى عصر الغيبة مع وجوده في زمن الرضا-عليه السلام-فان بين وفاته و وفاة العسكري-عليه السلام-سبعا و خمسين سنة، فلو عمّر ثمانين -مثلا-أمكن الجمع.

و ذكر الشيخ في أصحاب الجواد-عليه السلام-محمد بن سالم بن عبد الحميد بتقديم (سالم) (1) .

و قال الكشي-رحمه اللّه-: «محمد بن الوليد الخزاز و معاوية بن حكيم و مصدق بن صدقة و محمد بن سالم بن عبد الحميد، كلهم فطحية من أجلة العلماء و الفقهاء و العدول، و بعضهم أدرك الرضا-عليه السلام- و كلهم كوفيون» (2) .

و الظاهر أن محمد بن سالم بن عبد الحميد هو محمد بن عبد الحميد ابن سالم، و في الكلام تقديم و تأخير أو أن نسبته إلى عبد الحميد-في كلام الأكثر-نسبة الى الجد دون الأب. فهو محمد بن سالم بن عبد الحميد ابن سالم. و لم نجد في الأخبار محمد بن سالم بن عبد الحميد. نعم في جملة من أسانيد الكافي: «أبو علي الأشعري عن محمد بن سالم عن أحمد بن محمد بن أبي نصر» (3) و الطبقة تلائم محمد بن عبد الحميد، لكنها غير

____________

(1) راجع: المصدر الآنف: ص 406 باب الميم برقم 22.

(2) رجال الكشى: ص 471 برقم 441-444 طبع النجف الاشرف.

(3) من الأسانيد المذكورة ما جاء في أصول الكافي (ج 2 ص 649) من كتاب العشرة-باب التسليم على أهل الملل-طبع إيران سنة 1381 هـ، و منها ما في (ج 2 ص 654) -كتاب العشرة ايضا-باب العطاس و التسميت، و منها ما في فروع الكافي-

283

متعينة له. مع احتمال أن تكون النسبة فيها الى (سالم) نسبة الى الجد.

و المستفاد من كلام الكشي: أن محمد بن سالم بن عبد الحميد من المشاهير كسائر نظرائه. و لا ريب في أن المعروف في الأخبار و المشهور عند علماء الرجال: هو محمد بن عبد الحميد بن سالم، فيقرب الاتحاد جدا و يلزم منه توثيق محمد بن عبد الحميد مع فساد مذهبه، لكنه خلاف ما يظهر من علماء الرجال، فانهم-جميعا-ذكروا محمد بن عبد الحميد و لم يطعن فيه أحد منهم بفساد المذهب، و لا أشار الى ذلك، مع حكايتهم قول الكشى في محمد بن سالم في عدة مواضع، و هذا يعطي أنهم بنوا على التغاير دون الاتحاد.

و قال النجاشي: «محمد بن عبد الحميد بن سالم العطار أبو جعفر روى عبد الحميد عن أبي الحسن موسى-عليه السلام-و كان ثقة من أصحابنا الكوفيين، له كتاب النوادر، أخبرنا أبو عبد اللّه بن شاذان قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى عن عبد اللّه بن جعفر بالكتاب» (1)

و الضمير في قوله «و كان ثقة» يحتمل العود الى كل من الأب و الابن و اختلفت الانظار في الترجيح. و لا ريب أن الأقرب صرفها الى الأب لأنه الأقرب، و لأن الرجوع اليه هو الأوفق بنظم الكلام لمكان العاطف و ظهور عطف «كان» على «روى» و العبارة مسلطة على فهم ذلك، و لا يعارضه كون الابن هو صاحب الترجمة و المحدث عنه فيها، فان الاستطراد في كلام النجاشي-رحمه اللّه-في التوثيق و غيره في غاية الكثرة

____________

ق-كتاب الجنائز-باب ثواب المريض (ج 3 ص 115) و كتاب الجنائز أيضا- باب صلاة النساء على الجنازة (ص 179) ، و لكن في بعض هذه الأسانيد «...

عن أحمد بن النضر» بدل (عن أحمد بن محمد بن أبي نصر) فراجعها.

(1) رجال النجاشي: ص 261 طبع إيران.

284

كما يظهر لمن تتبع كتابه. و لا يقدح في ذلك خلو صاحب الترجمة عن التوثيق، فان وضع كتابه-كما يفصح عنه التصفح و يدل عليه كلامه في أوله-على ذكر أصحاب الأصول و المصنفات و بيان الطريق الى كتبهم من دون التزام الجرح و التعديل فان التراجم خالية عنهما في الأغلب.

و الضمير في قوله: «له كتاب» راجع الى صاحب الترجمة و هو محمد بن عبد الحميد.

و يدل عليه-مع ما علم من طريقة النجاشي و غيره من اختصاص الكتب بأصحاب التراجم-تصريح الشيخ و السروي بنسبة الكتاب إلى محمد

ففي (المعالم) : «محمد بن عبد الحميد، له كتاب» (1) .

و في (الفهرست) : «محمد بن عبد الحميد، له كتاب، أخبرنا به جماعة عن أبي المفضل عن ابن بطة عن أحمد بن أبي عبد اللّه عنه» (2)

و في هذا-مضافا الى نسبة الكتاب الى محمد-مساواة الوسائط لما في (رجال النجاشي) في العدد، و موافقة الحميري للبرقي في الطبقة (3) .

و يشهد لكون الكتاب لمحمد: عدم وضع ترجمة لأبيه عبد الحميد في (رجال النجاشي) و استطراده عند ذكر ابنه، كما تقتضيه عادته فيمن ليس له كتاب. و كذا قول الشيخ في رجاله باب أصحاب الصادق-عليه السلام-: «عبد الحميد اسند عنه» (4) بناء على أن المراد به تلقي الحديث

____________

(1) معالم العلماء لابن شهرآشوب: ص 109 برقم 747 طبع النجف الأشرف.

(2) فهرست الشيخ الطوسى: ص 153 برقم 675 طبع النجف الأشرف.

(3) المراد: عبد اللّه بن جعفر الحميري المذكور في عبارة النجاشى، و أحمد ابن أبي عبد اللّه البرقي المذكور في عبارة الشيخ في الفهرست.

(4) راجع: رجال الشيخ الطوسي ص 236-باب أصحاب الصادق-عليه السلام-، برقم (216) طبع النجف الأشرف، و لكن الذي فيه و في المخطوطة-

285

من الراوي سماعا مقابلة الاخذ من الكتاب، كما يشهد به تتبع موارد استعمال هذه العبارة التي اختص بها الشيخ في (كتاب الرجال) و احتمال عود الضمير-هنا ايضا-الى عبد الحميد حتى تكون الجمل الثلاث كلها له-مع بطلانه بما قلناه-يقتضي خلو صاحب الترجمة عن جميع ما اشتملت عليه، فلا يكون له فيها حظ-أصلا-غير بيان أنه ابن رجل ثقة صاحب كتاب. و معلوم أن هذا غير مقصود من وضع الترجمة له، و لو لا هذه التتمة و هي قوله «له كتاب» لكان المتجه صرف التوثيق الى صاحب الترجمة دون أبيه، و إلا لخلت عن بيان حال صاحبها بالكلية. و كلام الفاضلين‏ (1) في هذا المقام لا يخلو من تشويش، فانهما ذكرا محمد بن عبد الحميد في (القسم الاول من كتابيهما) و صححا طريق الصدوق الى منصور بن حازم‏ (2) -و هو فيه-و قالا-في ترجمة محمد بن عبد الحميد ابن سالم العطار: «أبو جعفر، روى عبد الحميد عن أبي الحسن موسى -عليه السلام-و كان ثقة من أصحابنا الكوفيين» (3) و هذه العبارة هي -بعينها-عبارة النجاشي المتقدمة، غير أنها مقتطعة عما بعدها و هو قوله

____________

ق- «عبد الحميد العطار الكوفي أسند عنه» و لعل سيدنا-قدس سره-اختصر العبارة.

(1) يعني: العلامة و ابن داود الحليين في رجاليهما.

(2) أنظر: تصحيح العلامة لطريق الصدوق-رحمه اللّه-الى منصور بن حازم في الفائدة الثامنة من الفوائد التى جعلها خاتمة للخلاصة (ص 277) طبع النجف الاشرف، و في آخر رجال ابن داود في التنبيهات في آخر رجاله (ص 559) طبع طهران دانشكاه.

(3) راجع: رجال العلامة-الخلاصة-القسم الأول (ص 154) باب محمد، برقم 84، طبع النجف الأشرف، و رجال ابن داود الحلي (ص 321 رقم 1410) باب الميم من القسم الأول، طبع طهران دانشكاه.

286

«له كتاب» و ظاهرها-مع القطع بالتقريب المذكور آنفا-عود التوثيق إلى صاحب الترجمة، و هو محمد، دون أبيه. و يؤيده تصحيح الحديث، فانه في قوة التوثيق. و استفادتهما ذلك من عبارة النجاشي، كما هو الظاهر منهما-مبنى على عود الضمير الى الابن. و كلامهما-في ترجمة الأب- قاض بخلاف ذلك، ففي (الخلاصة) : «عبد الحميد بن سالم العطار، روى عن موسى-عليه السلام-و كان ثقة» (1) و هي عبارة النجاشى مقتطعة عما قبلها و ما بعدها. و في (رجال ابن داود) : «عبد الحميد ابن سالم العطار (ق جخ) ثقة» (2) و الظاهر اخذ التوثيق منها (3) و احتمال الاستقلال بالتوثيق هنا بعيد جدا، خصوصا مع إيراد عبارة النجاشي بعينها كما في (الخلاصة) .

و في (الوجيزة) توثيق كل من الأب و الابن في محله‏ (4) و كلامه يحتمل الأخذ من محل آخر في أحدهما. و كأنه الأب.

و في (تلخيص الأقوال) (5) نقل التوثيق فيهما عن (الخلاصة)

____________

(1) راجع: رجال العلامة (ص 116) الباب السادس برقم (3) طبع النجف الأشرف.

(2) (ق) رمز إلي أصحاب الصادق-عليه السلام-، و (جخ) رمز الى رجال الشيخ الطوسي، أي ذكره الشيخ في باب أصحاب الصادق-عليه السلام- من كتاب رجاله. راجع: رجال ابن داود الحلي (ص 221) القسم الأول، برقم 920، طبع طهران دانشكاه.

(3) أي من عبارة النجاشي في رجاله.

(4) راجع: الوجيزة للمجلسي الثاني الملحقة بآخر خلاصة العلامة طبع إيران -باب العين- (ص 155) و باب الميم (ص 164) .

(5) تلخيص الأقوال في معرفة الرجال، و يعرف (بالوسيط) للميرزا محمد-

287

و الأصل في ذلك كله عبارة النجاشي، كما يظهر من كلام الجماعة.

و معلوم أنها لا تصلح لتوثيقهما معا. و الأظهر فيها ارادة الأب-كما عرفت-و به صرح الشهيد الثاني في (فوائد الخلاصة) فانه قال: «هذه عبارة النجاشي، و ظاهرها أن الموثق الأب، لا الابن» (1) لكن في (حاشية التلخيص) عنه أنه قال-في تعليقاته على رجال ابن داود- ما يستفاد منه أن الموثق هو الابن‏ (2) و اختاره سبطه الفاضل‏ (3) في (شرح

____________

ق-ابن علي بن إبراهيم الحسيني الاسترآبادي-المتوفى بمكة سنة 1028 صاحب (منهج المقال) في الرجال المطبوع، و (الوسيط) لم يزل مخطوطا، فرغ من تأليفه عاشر شهر جمادى الآخرة سنة 988 هـ، كما ذكر ذلك في آخره، توجد نسخة منه في مكتبتنا، فرغ من كتابتها أحمد بن حمدان بن حماد بن ورد بن منصور بن حطيط في شيراز في مدرسة ميرزا لطفي ضحى يوم الاثنين الحادي و العشرين من شهر جمادي الأولى سنة 1033 هـ، و هي سنة فتح بغداد، كما ذكر ذلك كاتبه المذكور في آخر النسخة، و كتب المؤلف على هوامش (الوسيط) حواشي كثيرة برمز (منه)

(1) راجع: حواشي الشهيد الثاني على (الخلاصة) التى لا تزال مخطوطة فانه كتب على قول العلامة في (الخلاصة) : «محمد بن عبد الحميد بن سالم العطار ... و كان ثقة من أصحابنا الكوفيين» ما لفظه: «هذه عبارة النجاشي، و الظاهر أن الموثق الأب لا الابن» .

(2) راجع ذلك في تعليقته على التلخيص (الوسيط) برمز (منه) فانه قال فيها: -بعد ذكره عين العبارة التى ذكرها الشهيد في حاشيته على (الخلاصة) - ما هذا لفظه: «... قال الشهيد الثاني في تعليقاته على رجال ابن داود ما يستفاد منه أن الموثق الابن، فليتأمل» .

(3) سبطه الفاضل: هو الشيخ محمد ابن الشيخ حسن بن زين الدين الشهيد الثاني-رحمه اللّه-و شرح الاستبصار لم يزل مخطوطا.

غ

288

الاستبصار) و ادعى أن توثيق الأب في عنوان الابن بعيد جدا من مثل النجاشي، و هو غريب من مثله‏ (1) فان مثل ذلك كثير في كلام النجاشى كما يظهر بأدنى إلمام بكتابه-. و في (حواشي شيخنا البهائي) (2) على (الخلاصة) : «هذه العبارة لا تخلو عن إجمال فان اسم كان يمكن عوده الى كل من الاب و الابن» و عبارة النجاشي-ايضا-كذلك، . و عبارة ابن داود أقرب الى العود الى الابن، و الوجه في الاخير أنه قال «روى أبوه» مكان: «روى عبد الحميد» و أما التسوية بين الأولين ففيها ما مر من ظهور الفرق بينهما بوجود التتمة في عبارة النجاشي دون العلامة.

و قد أسقط البهائي-رضي اللّه عنه-في (الحبل المتين) أحاديث محمد بن عبد الحميد من الانواع الثلاثة المعتبرة التي عليها مدار كتابه، و هو الصحيح و الحسن و الموثق، فانه لم يذكرها في شي‏ء من تلك الانواع، و قد صرح -في مسألة وجوب السورة-بأن حديثه غير نقي، حيث ذكر استناد القائلين بالوجوب الى روايات غير نقية الأسانيد، وعد منها رواية منصور ابن حازم عن الصادق-عليه السلام-: «لا تقرأ في المكتوبة بأقل من سورة و لا بأكثر» (3) و ليس في طريقها من يحتمل الضعف إلا محمد بن عبد الحميد. و المحقق ابن الشهيد (4) لم يذكر هذه الرواية في (المنتقى) لا في الصحيح و لا في الحسن. و الظاهر إنه لم يخرّج لمحمد بن عبد الحميد

____________

(1) يعنى: من مثل السبط الفاضل.

(2) حواشي الشيخ البهائي على (الخلاصة) لا تزال مخطوطة، و توجد في بعض مكتبات النجف الأشرف.

(3) راجع: الحبل المتين (ص 224) طبع إيران سنة 1319 هـ.

(4) هو الشيخ حسن صاحب (معالم الأصول) ابن الشهيد الثاني زين الدين العاملي-رحمه اللّه-.

289

شيئا في كتابه. و في (المدارك) ذكرها في أدلة الموجبين، و قال: «إنها ضعيفة السند لأن في طريقها محمد بن عبد الحميد و هو غير موثق» (1) و في (الذخيرة) نحو ذلك إلا أنه قال: «فانه غير موثق في كتب الرجال صريحا» (2) ثمّ حكى عن العلامة: أنه قد يعد رواياته من الصحيح، و أنه عد طريق الصدوق الى منصور بن حازم صحيحا، و هو فيه‏ (3) و قد سبقهما الى ذلك المحقق الأردبيلي‏ (4) لكن أسند التصحيح الى ضمير الجمع المشعر بكونه «قول الجميع أو الأكثر» . و فيه: أن الأصحاب ذكروا هذه

____________

(1) راجع: كتاب الصلاة من (المدارك) للسيد محمد العاملي في شرح قول الماتن المحقق الحلي صاحب الشرائع الذي نصه: «و قراءة سورة كاملة بعد الحمد واجب» في رده لرواية منصور بن حازم عن أبى عبد اللّه-عليه السلام-: «لا تقرأ في المكتوبة باقل من سورة و لا باكثر» فانه قال: «أما الرواية الأولى فلان في طريقها محمد بن عبد الحميد و هو غير موثق» ، و قد طبع المدارك بايران.

(2) راجع (ذخيرة المعاد) شرح إرشاد العلامة الحلي تأليف المحقق السبزواري المولى محمد باقر بن محمد مؤمن الخراسانى المتوفى سنة 1090 هـ-كتاب الصلاة بحث القراءة، في شرح قول الماتن: «و تجب في الفريضة الثنائية و في الأوليين من غيرها الحمد و سورة كاملة» قال في الرد على رواية منصور بن حازم عن أبى عبد اللّه-عليه السلام- «... و عن الثانى-بعد الإغماض عن ضعف السند المشتمل على محمد بن عبد الحميد فانه غير موثق في كتب الرجال صريحا» و الكتاب مطبوع بايران.

(3) راجع الفائدة الثامنة (ص 277) من خاتمة (الخلاصة) طبع النجف الأشرف.

(4) راجع (مجمع الفائدة، و البرهان) -شرح الإرشاد للعلامة-في بحث قراءة السورة في الصلاة، طبع إيران، و المحقق الاردبيلي شارح الإرشاد: هو المقدس المولى أحمد بن محمد الأردبيلي النجفي المتوفى في صفر سنة 993 هـ.

290

الرواية في كتب الاستدلال كالمختلف، و الروض، و المهذب البارع و كشف اللثام و غيرها، و لم يصفها أحد بالصحة-لا في مسألة وجوب السورة، و لا في المنع عن التبعيض و القران-إلا العلامة في ظاهر (المنتهى) (1) . و لو كانت صحيحة عندهم لم يهملوا بيانها في مقام الحاجة، مع معارضة الاخبار الصحيحة.

و بالجملة، فصحة حديث محمد بن عبد الحميد ليست مسلمة و لا ظاهرة. و العمدة فيها عبارة النجاشي، و ما بنى عليها من التوثيق و تصحيح الحديث. و قد عرفت أن الظاهر منها توثيق عبد الحميد، دون محمد، و لا أقل من احتمال المانع من القطع بالحكم، لكن عدم صحة حديثه لا يقتضى دخوله في قسم الضعيف-كما قيل-لاحتمال كونه حسنا أو موثقا.

و الوجه في الأول وجود أسباب الحسن كالعلم و الفقه و كثرة الرواية و رواية الثقات و وجود الكتاب، و دخوله في رجال (نوادر الحكمة) (2) و مقبولية رواياته عند القدماء، و عدم ظهور طعن من الشيخ و غيره ممن تقدم عليه أو تأخر الى زمان تنويع الأخبار. مع كثرة التضعيف بغيره.

و أما الثاني، فلما سمعت من كلام الكشي في محمد بن سالم بن عبد الحميد مع ظهور اتحاده بمحمد بن عبد الحميد بن سالم-كما عرفت-و لا يعارضه عدم تعرض غيره لفساد المذهب، فانهم لم يصرحوا بالسلامة أيضا.

و غايته الإشعار الضعيف، فلا ينافي التصريح بالفساد. و هذا الاشعار ليس بأعظم من التوثيق الصريح و من قواعدهم المقررة: الجمع بينه و بين الطعن

____________

(1) راجع: (المنتهى) المطبوع بايران في كتاب الصلاة-مسألة وجوب السورة فيها.

(2) راجع في التعريف بنوادر الحكمة: تعليقتنا في (ج 1 ص 348) من هذا الكتاب.

291

في المذهب بجعل الحديث موثقا، تحكيما للنص على الظاهر. و منه يعلم أن المتجه البناء على ذلك، و ان قلنا يعود التوثيق في عبارة النجاشي إلى محمد دون أبيه، جمعا بينها و بين كلام الكشى.

هذا على تقدير الاتحاد-كما هو الظاهر-و أما على التغاير، فالظاهر إن حديثه حسن كالصحيح لوجود أسبابه مع سلامة المذهب، و احتمال التوثيق.

و كيف كان فينبغي القطع بقبول روايته و عدم خروجها عن الاقسام الثلاثة المعتبرة، و ان كان الاقرب كونها من الموثق القريب من الصحيح لوجود التوثيق المعتبر مع ظهور الاتحاد، و اعتضاده بسائر أمارات القبول و الاعتماد. مع احتمال سلامة المذهب كما يحتمل في محمد بن الوليد و معاوية ابن عمار و غيرهما من الفطحية. فان الغالب فيهم الرجوع الى الحق‏ (1) .

____________

(1) يروي عن محمد بن عبد لحميد-هذا-: عبد اللّه بن جعفر-كما ذكره النجاشى، في رجاله-و حمدويه و محمد كما في رواية الكشي في رجاله، و زاد الكاظمى في (هداية المحدثين) رواية أحمد بن أبى عبد اللّه عنه، و زاد المولى أحمد الأردبيلي في (جامع الرواة: ج 2 ص 136) طبع إيران، رواية سهل بن زياد، و محمد بن الحسن الصفار، و سعد بن عبد اللّه، و محمد بن الحسن، و الحميري، و محمد بن علي ابن محبوب، و موسى بن الحسن، و محمد بن الحسين، و حبيب بن الحسن، و علي ابن الحسن بن فضال، و محمد بن جعفر الرزاز، و أبي عبد اللّه، و ابن أبي عمير، و محمد بن يحيى المعاذي، و عمران بن موسى، و محمد بن عيسى، و أحمد بن محمد ابن خالد، و سلمة بن الخطاب، عنه، و روايته عن يونس بن يعقوب، و أحمد بن أبي نصر، و عاصم بن حميد، و منصور بن يونس، و محمد بن عمر بن يزيد، و أبي جميلة المفضل بن صالح، و سيف بن عميرة، و محمد بن علي، و الحسن بن الجهم، و محمد بن الفضيل، و محمد بن عمارة، و محمد بن حفص، و علي بن الفضل الواسطي-

292

محمد بن عبد الواحد بن القاسم:

المكنى بأبي عمرو الزاهد، و غلام ثعلب، المطرز الباوردي، نسبة الى (الباورد) و يقال (أبي وردي) من خراسان أحد أئمة اللغة المشاهير المكثرين، صحب أبا العباس ثعلبا، و استدرك على كتابه (الفصيح) شيئا. و له مصنفات كثيرة، مات سنة خمس و أربعين و ثلاثمائة (1) .

محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي.

أبو جعفر شيخ مشايخ الشيعة، و ركن من أركان الشريعة رئيس المحدثين‏ (2) و الصدوق فيما يرويه عن الأئمة الصادقين-عليهم السلام-

____________

ق-و أبى خالد مولى علي بن يقطين، و محمد بن جندب، و أحمد بن عيسى، و غيرهم هذا مضافا الى من ذكرهم سيدنا-طاب ثراه-في صدر الترجمة، و ذكر المولى الأردبيلي ان المترجم له وقع في طرق روايات عديدة في الكافي و من لا يحضره الفقيه و تهذيب الأحكام و الاستبصار، فراجعه.

(1) راجع-عن ترجمة له مفصلة-: هامش (ص 7) من الجزء الثانى من كتابنا-هذا-.

(2) نشأ الصدوق-رحمه اللّه-برعاية أبيه الذي كان يجمع بين فضيلتي العلم و العمل، و شيخ القميين في عصره و فقيههم المشار اليه بالبنان، و أدرك من ايام أبيه أكثر من عشرين سنة، اقتبس خلالها من أخلاقه و آدابه و معارفه و علومه ما سما به على أقرانه.

و كانت نشأته الأولى في بلدة (قم) من بلاد إيران، التي هى يومئذ كانت تعج بالعلماء و حملة الحديث، فأصبح آية في الحفظ و الذكاء، يحضر مجالس الشيوخ و يسمع منهم، و يروي عنهم و بلغ مشايخه (211) شيخا-على ما جاء في بعض المعاجم الرجالية، و قد ذكر بعضهم شيخنا المحدث النوري-قدس سره-

293

ولد بدعاء صاحب الأمر و العصر-عليه السلام-و نال بذلك عظيم الفضل و الفخر، و وصفه الامام-عليه السلام-في التوقيع الخارج من الناحية المقدسة بأنه: فقيه خير مبارك ينفع اللّه به. فعمت بركته الأنام و انتفع

____________

ق-في خاتمه مستدرك الوسائل.

أخذ عن كثير من مشايخ أهل (قم) مثل محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، و سمع من حمزة بن محمد بن أحمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي -عليه السلام-ثمّ سافر لطلب الحديث في رجب سنة 339 هـ، و تتابعت أسفاره فطاف فيها كثيرا من البلدان يبادل العلماء السماع، و استدعاه ركن الدولة البويهي و طلب منه هو و أهالي الري السكنى فيها للاستفادة منه، فلبى طلبهم، فسافر الى الري و أقام هناك، فالتف حوله جماهير أهلها يأخذون عنه أحكامهم، فاخذ الحديث من شيوخ البلد، و سمع فيها في رجب سنة 347 هـ من أبى الحسن محمد بن أحمد بن أسد الأسدي المعروف بابن جرادة البردعي، و يعقوب بن يوسف بن يعقوب، و أحمد بن محمد بن الصقر الصائغ العدل، و أبى علي أحمد بن محمد بن الحسن القطان المعروف بأبى علي بن عبد ربه الرازي، و كان الصائغ و القطان من شيوخ أهل الري، كما وصفهما (الصدوق) بذلك.

و سافر بعد ذلك الى كثير من البلدان و سمع بها من جماعة من الشيوخ و أولي الفضل، فوصل الى خراسان و ذلك في رجب سنة 352 هـ كما ذكر ذلك في خاتمة كتابه (عيون أخبار الرضا) فكانت هذه أولى زياراته لمشهد الإمام الرضا-عليه السلام-و زار زيارة ثانية في شهر ذي الحجة سنة 367 هـ، و أملى بها من مجالسه -عرض المجالس-عدة مجالس، كان منها المجلس الـ (26) أملاه يوم الغدير في المشهد المقدس، ثمّ عاد إلى الري و دخلها في آخر ذلك الشهر، و أملى المجلس الـ (27) في غرة محرم سنة 368 هـ، و زار ثالثا سنة 368 هـ في شعبان، و ذلك عند خروجه إلى ديار ما وراء النهر، و أملى بخراسان في سفره الثالث أربعة مجالس-

294

به الخاص و العام، و بقيت آثاره و مصنفاته مدى الأيام، و عمّ الانتفاع بفقهه و حديثه: فقهاء الأصحاب و من لا يحضره الفقيه من العوام.

ذكره علماء الفن و قالوا: شيخنا و فقيهنا و وجه الطائفة بخراسان.

____________

ق-من مجالسه، و هي آخر ما هو موجود، و مطبوع، و كان إملاؤه لأولها هو المجلس الـ (94) في ليلة (17) شعبان، و لآخرها (19) شعبان سنة 368 هـ.

و سافر إلى أسترآباد و جرجان، سمع بهما من أبى الحسن محمد بن القاسم المفسر الأسترابادى الخطيب تفسير الإمام العسكرى-عليه السلام-و من أبى محمد القاسم ابن محمد الاسترآبادي، و أبي محمد عبدوس بن علي بن العباس الجرجاني، و محمد ابن علي الأسترابادي.

و سافر الى نيشابور، و ردها في شعبان سنة 352 هـ، أى في سنة زيارته الأولى لمشهد الرضا-عليه السلام-بعد منصرفه من ذلك المشهد، و أقام بها مدة اجتمع عليه أهلها يسألونه و يأخذون عنه.

و سافر الى مروالرود من مدن خراسان، و ردها في سفره الى خراسان.

و سافر الى سرخس، و هي مدينة بنواحي خراسان بين نيسابور و مرو في وسط الطريق، و ردها في طريقه الى خراسان.

و سافر الى سمرقند البلد المعروف المشهور، و هو أهم بلدان ما وراء النهر، و رده سنة 368 هـ.

و سافر الى إيلاق، و هي كورة من كور ما وراء النهر من أعمال سمرقند، وردها سنة 368 هـ، و أقام بها، و في مدة إقامته بها اجتمع بالشريف أبي عبد اللّه محمد بن الحسن الموسوى المعروف بنعمة، و بها وقف الشريف المذكور على اكثر مصنفات الشيخ الصدوق-رحمه اللّه-فنسخها كما سمع منه اكثرها، و رواها عنه كلها، و كانت مائتي كتاب و خمسة و أربعين كتابا، و دارت بينهما أحاديث، و هو الذي طلب من الصدوق أن يصنف كتابا في الفقه و الحلال و الحرام و الشرائع-

295

____________

ق-و الأحكام و يسميه (من لا يحضره الفقيه) فاجابه الصدوق و صنفه، و قد ذكر ذلك في مقدمة كتابه المذكور، فراجعه.

و سافر الى فرغانة، و هي من مدن بلخ، وردها في سفره ذلك.

و سافر الى همدان، وردها سنة 354 هـ، عند ما توجه حاجا الى بيت اللّه الحرام‏

و سافر الى بغداد، دخلها سنة 352 هـ، و حدث بها، و سمع منه الشيوخ كما أنه سمع هو من الشيوخ، و دخلها مرة ثانية بعد منصرفه من الحج سنة 355 هـ، و ممن سمع منهم ببغداد من الشيوخ: أبو محمد الحسن بن يحيى الحسيني العلوي، و أبو الحسن علي بن ثابت الدواليبي، و كان سماعه منه في دخوله الأول سنة 352 هـ، و سمع أيضا من محمد بن عمر الحافظ، و إبراهيم بن هارون الهيبستي.

و سافر الى الكوفة، وردها في طريقه الى الحج سنة 354 هـ، و سمع في مسجدها الجامع من جماعة كمحمد بن بكران النقاش، و أحمد بن إبراهيم بن هارون الفامي و الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي، و أبي الحسن علي بن عيسى المجاور في مسجد الكوفة، و سمع من نفر آخرين في أماكن أخرى، فقد سمع من محمد بن علي الكوفي في مشهد الامام أمير المؤمنين-عليه السلام-في الكوفة، و أبى الحسن علي ابن الحسين بن شقير بن يعقوب بن الحرث بن ابراهيم الهمداني، في منزله بالكوفة و سمع من أبي ذر يحيى بن زيد بن العباس بن الوليد البزاز، و الحسن بن محمد السكوني المزكّى، سمع منهما بالكوفة.

و سافر الى فيد: و هو اسم مكان بين مكة و الكوفة في نصف الطريق تقريبا سمع بها-بعد منصرفه من مكة-من أبي علي أحمد بن أبي جعفر البيهقي.

و من لاحظ مؤلفات الصدوق-رحمه اللّه-خاصة مشيخة كتابه (من لا يحضره الفقيه) و باقي رواياته-يجده قد أخذ الرواية عن كثير من أعلام الخاصة و العامة، و تحمل عنهم الحديث في مختلف الفنون، كما يجد أن جلهم من أفذاذ-

296

جليل القدر بصير بالفقه و الرجال، ناقد للاخبار، حفظة، لم ير في القميين مثله في حفظه و وسعة علمه و كثرة تصانيفه‏ (1) .

قدم العراق، و سمع منه شيوخ الطائفة-و هو حدث السن-و كان ممن روى عنه: الشيخ الثقة الجليل القدر العديم النظير، أبو محمد هارون بن موسى التلعكبرى، و الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن النعمان المفيد و أبو عبد اللّه الحسين بن عبيد اللّه الغضائرى، و علي بن أحمد بن عباس النجاشي، و أبو الحسين جعفر بن الحسن بن حسكة القمي، و أبو زكريا محمد بن سليمان الحمراني، و غيرهم من مشايخ الأصحاب.

و قال النجاشي-في ترجمة أبيه علي بن الحسين-رحمه اللّه-: إنه «... قدم العراق، و اجتمع بأبي القاسم الحسين بن روح-رضي اللّه عنه-

____________

ق-العلماء الذين كانت تشد اليهم الرحال للتحمل و الرواية في مختلف الحواضر العلمية في القرن الرابع كبغداد، و الكوفة، و الري، و قم، و نيشابور، و طوس، و بخارى، تلك البلدان التي سافر اليها و حدث بها، و حدثوه بها. فالصدوق شخصية فذة لا مثيل لها في أهل (قم) و مدرسة علمية سيارة قائمة بشخصه الكريم.

توفي-رحمه اللّه-في بلدة الرى سنة 381 هـ، مخلفا له جميل الذكر، و حسن الأحدوثة، خالدا بحسناته الباقيات الصالحات، و قبره بالرى بالقرب من قبر السيد عبد العظيم الحسنى-رضي اللّه عنه-في بقعة شرفت به، و أضحت مزارا يلجأ اليها الناس و يتبركون بها و يدفنون موتاهم حولها، و في صحنه قبور كثير من العلماء و أهل الفضل و الايمان.

(ملخص) مقدمة (علل الشرائع) المطبوع في النجف الأشرف سنة 1382 هـ بقلم السيد محمد صادق بحر العلوم) .

(1) راجع هذه الفقرات و أمثالها في رجال النجاشى، و رجال الشيخ الطوسي و فهرسته، و رجال العلامة الحلي، و رجال ابن داود الحلي، و أكثر المعاجم الرجالية.

غ

297

و سأله مسائل، ثمّ كاتبه بعد ذلك على يد أبي جعفر محمد بن علي الأسود يسأله أن يوصل له رقعة الى الصاحب-عليه السلام-و يسأله فيها الولد

فكتب اليه: «قد دعونا اللّه لك بذلك و سترزق ولدين ذكرين خيرين» فولد له: أبو جعفر و أبو عبد اللّه-من أم ولد-و كان أبو عبد اللّه الحسين بن عبيد اللّه يقول: سمعت أبا جعفر يقول: أنا ولدت بدعوة صاحب الأمر-عليه السلام-و يفتخر بذلك» (1) .

و روى الشيخ-رحمه اللّه-في (كتاب الغيبة) عن أبي العباس ابن نوح عن أبي عبد اللّه الحسين بن محمد بن سورة القمي عن علي بن الحسن بن يوسف الصائغ القمي و محمد بن أحمد بن محمد الصيرفى المعروف بـ (ابن الدلال) و غيرهما من مشايخ أهل (قم) : «أن على بن الحسين ابن بابويه كانت تحته بنت عمه محمد بن موسى بن بابويه، فلم يرزق منها ولدا: فكتب الى الشيخ أبي القاسم بن روح-رحمه اللّه-أن يسأل (الحضرة) أن يدعو اللّه أن يرزقه أولادا فقهاء، فجاء الجواب: إنك لا ترزق من هذه، و ستملك جارية ديلمية و ترزق منها ولدين فقيهين -قال-: قال أبو عبد اللّه بن سورة: و لأبى الحسن بن بابويه ثلاثة أولاد: محمد و الحسين-فقيهان ماهران في الحفظ يحفظان ما لا يحفظ غيرهما من أهل (قم) و لهما أخ اسمه الحسن، و هو الأوسط مشتغل بالعبادة و الزهد لا يختلط بالناس و لا فقه له-قال ابن سورة-: كلما روى أبو جعفر و أبو عبد اللّه ابنا علي بن الحسين شيئا يتعجب الناس من حفظهما و يقولون لهما: هذا الشأن خصوصية لكما بدعوة الامام-عليه السلام-و هذا

____________

(1) رجال النجاشي: ص 198 طبع إيران.

298

أمر مستفيض في أهل (قم) » (1) .

و روى الشيخ-في الكتاب المذكور-قال: «أخبرنا جماعة عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه و أبي عبد اللّه الحسين بن علي أخيه-قالا-: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي الأسود-رحمه اللّه-قال:

سألني علي بن الحسين بن موسى بن بابويه-رحمه اللّه-بعد موت محمد ابن عثمان-قدس اللّه روحه-أن اسأل أبا القاسم الروحي-قدس اللّه روحه- أن يسأل مولانا صاحب الزمان-عليه السلام-أن يدعو اللّه أن يرزقه ولدا-قال-: فسألته فأنهى ذلك، ثمّ أخبرني بعد ثلاثة أيام: أنه -عليه السلام-قد دعا لعلي بن الحسين، و أنه سيولد له ولد مبارك ينفع اللّه به، و بعده أولاد-قال أبو جعفر محمد بن علي الأسود، و سألته في أمر نفسي أن يدعو اللّه لي: أن ارزق ولدا، فلم يجبني اليه-و قال لي: ليس إلى هذا سبيل-قال-: فولد لعلي بن الحسين-رضي اللّه عنه- تلك السنة: محمد بن علي، و بعده أولاد، و لم يولد لي قال أبو جعفر ابن بابويه: و كان أبو جعفر محمد بن علي الأسود كثيرا ما يقول لي- اذا رآني أختلف الى مجلس شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد-رحمه اللّه- و أرغب في كتب العلم و حفظه-: ليس بعجب أن تكون لك هذه الرغبة في العلم و أنت ولدت بدعاء الامام-عليه السلام-و قال أبو عبد اللّه بن بابويه: عقدت المجلس ولي دون العشرين سنة فربما كان يحضر مجلسي أبو جعفر محمد بن علي الأسود، فاذا نظر إلى إسراعي في الأجوبة في الحلال و الحرام يكثر التعجب لصغر سني، ثمّ يقول: لا عجب لأنك ولدت بدعاء

____________

(1) أنظر: كتاب الغيبة (ص 187-ص 188) طبع النجف الاشرف سنة 1385 هـ.

299

الامام-عليه السلام-» (1) .

و هذه الأحاديث تدل على عظم منزلة الصدوق-رضى اللّه عنه-و كونه أحد دلائل الامام-عليه السلام-فان تولده مقارنا للدعوة، و تبينه بالنعت و الصفة من معجزاته-صلوات اللّه عليه-و وصفه بالفقاهة و النفع و البركة -دليل على عدالته و وثاقته، لأن الانتفاع الحاصل منه-رواية و فتوى- لا يتم إلا بالعدالة التي هي شرط فيهما فهذا توثيق له من الامام و الحجة -عليه السلام-و كفى حجة على ذلك.

و قد نص على توثيقه جماعة من علمائنا الأعلام، منهم: الفقيه الفاضل محمد بن ادريس--رحمه اللّه-في (السرائر) و (المسائل) ، و السيد الثقة الجليل علي بن طاوس-رحمه اللّه-في (فلاح السائل و نجاح الآمل) و في كتاب النجوم، و الاقبال، و غياث سلطان الورى لسكان الثرى و العلامة-رحمه اللّه-في (المختلف) و (المنتهى) و الشهيد-قدس سره-في (نكت الارشاد) و (الذكرى) و السيد الداماد، و الشيخ البهائي-رحمه اللّه-و المحدث التقي المجلسي، و الشيخ الحر العاملي، و الشيخ عبد النبي الجزائري و غيرهم.

و يدل على ذلك-مضافا الى ما ذكر-: إجماع الأصحاب على نقل أقواله و اعتبار مذاهبه في الاجماع و النزاع، و قبول قوله في التوثيق و التعديل و التعويل على كتبه، خصوصا: كتاب (من لا يحضره الفقيه) فانه احد الكتب الأربعة التي هي في الاشتهار و الاعتبار كالشمس في رابعة النهار.

و أحاديثه معدودة في الصحاح من غير خلاف و لا توقف من أحد، حتى أن الفاضل المحقق الشيخ حسن بن الشهيد الثاني-مع ما علم من طريقته

____________

(1) راجع: كتاب الغيبة (ص 194-ص 195) طبع النجف الأشرف.

300

في تصحيح الأحاديث-يعد حديثه من الصحيح عنده و عند الكل‏ (1) و حكى عنه تلميذه الشيخ الجليل الشيخ عبد اللطيف بن أبي جامع في (رجاله) (2) أنه سمع منه-مشافهة-يقول: إن كل رجل يذكره في الصحيح عنده فهو شاهد أصل بعدالته، لا ناقل.

و من الأصحاب من يذهب الى ترجيح أحاديث (الفقيه) على غيره من الكتب الأربعة نظرا الى زيادة حفظ الصدوق-رحمه اللّه-و حسن ضبطه و تثبته في الرواية، و تأخر كتابه عن (الكافي) و ضمانه فيه لصحة ما يورده، و أنه لم يقصد فيه قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه، و إنما يورد فيه ما يفتي به و يحكم بصحته، و يعتقد أنه حجة بينه و بين ربه‏ (3) و بهذا الاعتبار قيل: إن مراسيل الصدوق في (الفقيه) كمراسيل ابن أبي عمير في الحجية و الاعتبار، و إن هذه المزية من خواص هذا الكتاب، لا توجد في غيره من كتب الاصحاب، و الخوض في هذه الفروع تسليم للاصل من الجميع.

على أن الشهيد الثاني-طاب ثراه-في (شرح دراية الحديث) قال: «إن مشايخنا السالفين من عهد الشيخ محمد بن يعقوب الكليني و ما بعده الى زماننا هذا لا يحتاج أحد منهم الى التنصيص على تزكيته، و لا التنبيه على عدالته لما اشتهر في كل عصر من ثقتهم و ضبطهم و ورعهم زيادة على العدالة» (4) .

____________

(1) راجع: المنتقى للشيخ حسن بن الشهيد الثانى، و هو مطبوع في جزءين بطهران حديثا.

(2) لا يزال هذا الكتاب مخطوطا، و نسخته نادرة الوجود.

(3) كما صرح به-هو-في مقدمته، فراجعها.

(4) راجع: شرح دراية الحديث (ص 69) طبع النجف الاشرف سنة 1379 ه

301

و لعل هذا هو السر في عدم تنصيص اكثر المتأخرين من علماء الرجال على توثيق كثير من الأعاظم ممن لا يتوقف في جلالته و ثقته و عدالته كالصدوق-رضي اللّه عنه-و السيد المرتضى، و ابن البراج، و غيرهم من المشاهير، اكتفاء بما هو المعلوم من حالهم، و الطريق في التزكية غير منحصر في النص عليها، فان الشياع منهج معروف و مسلك مألوف، و عليه تعويل علماء الفن في توثيق من لم يعاصروه-غالبا-و مع الظفر بالسبب فلا حاجة الى النقل.

و كيف كان فوثاقة الصدوق أمر ظاهر جلي، بل معلوم ضروري كوثاقة أبي ذر و سلمان، و لو لم يكن إلا اشتهاره بين علماء الأصحاب بلقبيه المعروفين‏ (1) ، لكفى في هذا الباب.

توفى-رضي اللّه عنه-بالري سنة احدى و ثمانين و ثلاثمائة و يظهر مما تقدم: أنه ولد بعد وفاة محمد بن عثمان العمرى في أوائل سفارة الحسين بن روح، و قد كانت وفاة العمري سنة خمس و ثلاثمائة، فيكون قد أدرك من الطبقة السابعة فوق الاربعين، و من الثامنة (2) إحدى و ثلاثين، و يكون عمره نيفا و سبعين سنة، و مقامه مع والده و مع شيخه أبى جعفر محمد بن يعقوب الكلينى-رضى اللّه عنه-في الغيبة الصغرى نيفا و عشرين سنة، فان وفاتهما سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة، و هي سنة وفاة أبى الحسن على بن محمد السمري آخر السفراء الاربعة.

____________

(1) اللقبان المعروفان هما: رئيس المحدثين، و الصدوق.

(2) الطبقة الثامنة تبدأ من الغيبة الكبرى المصادفة لسنة 329 هـ و هي السنة التي توفي فيها أبو الحسن علي بن محمد السمرى آخر السفراء الاربعة.

302

محمد بن علي الكراچكي-رضي اللّه عنه-

الشيخ الفقيه، القاضي أبو الفتح‏ (1) له كتاب (كنز الفوائد) من تلامذة الشيخ المفيد و قد روى عنه كثيرا، و ذكر رسالته في أصول الفقه في الفصل الرابع من الجزء الثانى من هذا الكتاب، و قد روى فيه عن عدة من المشايخ غير المفيد منهم: أبو عبد اللّه الحسين بن عبيد اللّه بن علي الواسطي-رضي اللّه عنه-قال في آخر الجزء الاول من الكتاب-:

«أخبرنى شيخى أبو عبد اللّه الحسين بن عبيد اللّه بن علي الواسطي-رضى اللّه عنه-» . و هذا الشيخ هو الذي حكى عنه ابن طاوس القول بالمواسعة

____________

(1) ترجم للكراجكي اكثر أرباب المعاجم الرجالية من الشيعة و السنة و وصف فيها بابلغ الصفات العلمية.

فقد ترجم له صاحب (أمل الآمل) في (ج 2 ص 287) طبع النجف الأشرف سنة 1385 هـ، فقال: «الشيخ أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي، عالم فاضل متكلم، ثقة محدث جليل القدر، له كتب منها كنز الفوائد، و كتاب معدن الجواهر و رياضة الخواطر، و الاستنصار في النص على الائمة الأطهار-عليهم السلام-، و رسالة في تفضيل أمير المؤمنين-عليه السلام- و الكر و الفر في الإمامة، و الإبانة عن المماثلة في الاستدلال بين طريق النبوة و الإمامة و رسالة في حق الوالدين، و معونة الفارض في استخراج سهام الفرائض» .

و ذكره المحدث المجلسي-رحمه اللّه-في مقدمات كتابه (بحار الأنوار) فقال «و أما الكراجكى فهو من أجلة العلماء و الفقهاء و المتكلمين، و أسند اليه جميع ارباب الإجازات، و كتابه (كنز الفوائد) من الكتب المشهورة التي أخذ عنها جل من أتى بعده» ، و سائر كتبه في غاية المتانة» .

و ترجم له منتجب الدين في (الفهرست) الملحق بآخر أجزاء بحار الأنوار للمجلسي الثاني-رحمه اللّه-فقال: «فقيه الأصحاب، قرأ على السيد المرتضى-

303

____________

ق-و الشيخ الموفق أبى جعفر (أي الطوسي) ، و له تصانيف منها كتاب التعجب كتاب النوادر، أخبرنا الوالد عن والده عنه» .

و ترجم له ابن شهرآشوب السروى في (معالم العلماء: ص 118) طبع النجف الاشرف سنة 1380 هـ و ذكر له مؤلفات عديدة لم يذكر بعضها صاحب (أمل الآمل) فراجعه.

و له أيضا: كتاب الفهرست-كما نسبه اليه ابن طاوس في أواخر كتاب الدروع الواقية-هكذا في بعض نسخ (أمل الآمل) المخطوطة.

و ترجم له صاحب روضات الجنات ترجمة مفصلة، و ذكر مصنفاته و شيوخه في الرواية و تلامذته الذين يروون عنه.

و ذكره أيضا المحدث النورى في خاتمة مستدرك الوسائل (ج 3 ص 497)

و ترجم له من أعلام السنة اليافعي في (مرآة الجنان) -طبع حيدرآباد دكن- في حوادث سنة 449 هـ فقال: «توفي فيها أبو الفتح الكراجكي الخيمي، رأس الشيعة، صاحب التصانيف، كان نحويا لغويا منجما طبيبا متكلما، من كبار أصحاب الشريف المرتضى» .

و ترجم له أيضا ابن حجر العسقلاني في (لسان الميزان: ج 5 ص 300) طبع حيدرآباد دكن فقال: «محمد بن علي الكراجكي-بفتح الكاف و تخفيف الراء و كسر الجيم ثمّ كاف-نسبة الى عمل الخيم و هي الكراجك، بالغ ابن طي في الثناء عليه في ذكر الإمامية و ذكر أن له تصانيف في ذلك، و ذكر أنه أخذ عن أبي الصلاح، و اجتمع بالعين زربي، و مات في ثاني ربيع الآخر سنة 449 هـ» .

و ترجم له ابن العماد الحنبلي في (شذرات الذهب: ج 3 ص 283) طبع مصر، في وفيات سنة 449 هـ، فقال: «و فيها أبو الفتح الكراجكي-أى الخيمي- رأس الشيعة و صاحب التصانيف، محمد بن علي، مات بصور في ربيع الآخر، -

304

في صلاة القضاء في رسالته المعمولة في تلك المسألة (1) و هو يروى عن الشيخ الثقة أبى محمد هارون التلعكبرى.

و منهم أبو المرجى محمد بن علي بن أبى طالب البلدى، و الشريف

____________

ق-و كان نحويا لغويا منجما طبيبا متكلما متفننا، من كبار أصحاب الشريف المرتضى و هو مؤلف: تلقين أولاد المؤمنين» .

و قد ذكر الكراجكي في أكثر طرق الإجازات، و طبع من مؤلفاته كتاب (الاستنصار) سنة 1346 هـ، في النجف الأشرف، و كتاب (كنز الفوائد) في تبريز سنة 1322 هـ و لكنه مشحون بالأغلاط الشائنة، و ألحق به في الطبع (كتاب التعجب من أغلاط العامة) في مسألة الإمامة، و هو كتاب قيم-على صغره-فقد جمع فيه ما تناقضت فيه أقوالهم، أو خالف فيه أفعالهم أقوالهم، و طبع أيضا من مؤلفاته (رسالة تفضيل أمير المؤمنين-عليه السلام-) على جميع البشر ممن تقدم و تأخر سوى رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله و سلم-طبعت بطهران. سنة 1370 هـ (و رسالة التعريف بحقوق الوالدين) و هي رسالة الوصية الى ولده، طبعت بطهران أيضا سنة 1370 هـ.

و قد أدرج في (كنز الفوائد) جملة من مؤلفاته التي منها: رسالة (القول المبين عن وجوب مسح الرجلين) كتبها إلى بعض إخوانه، و رسالة (البيان عن جمل اعتقاد أهل الايمان) ، و كتاب (الإعلام بحقيقة إسلام أمير المؤمنين-عليه السلام) كتبها لبعض إخوانه، (و رسالة في وجوب الإمامة) كتبها لبعض إخوانه و كتاب (البرهان على صحة طول عمر الإمام صاحب الزمان) -عليه السلام-، كما أدرج فيه رسالة في اصول الفقه لأستاذه الشيخ المفيد أبي عبد اللّه محمد بن محمد ابن النعمان العكبري البغدادي-رحمه اللّه-في (ج 2 ص 186) .

(1) هذه الرسالة للسيد رضي الدين السيد علي بن طاوس المتوفى سنة 664 هـ و لا تزال مخطوطة، و توجد في مكتبتنا.