أمالي المرتضي - ج2

- السيد المرتضى المزيد...
631 /
53

قال سيدنا أدام اللّه تمكينه: و الوجوه المذكورة فى تأويل الخبر كالمتقاربة (1) ، إلا أن الوجه الّذي اختص به ابن الأنبارىّ فيه أدنى تعسّف و بعد؛ من حيث جعل «إلاّ» زائدة، و ذلك كالمستضعف عند جماعة من أهل العربيّة.

و قد تبقّى فى الخبر مسألة، التشاغل بالجواب عنها أولى مما تكلّفه القوم، و هى متوجّهة على كل الوجوه التى ذكروها فى تأويله.

و هو أن يقال: كيف يجوز أن يخبر عليه السلام بأنّ من مات له ثلاثة من الولد لا تمسّه النار إما جملة، أو مقدار تحلة القسم؛ /و هو النهاية فى القلة!أ و ليس ذلك يوجب أن يكون إغراء بالذنوب لمن هذه حاله!و إذا كان من يموت و له هذا العدد من الأولاد غير خارج عن التكليف، فكيف يصحّ أن يؤمّن من العقاب!

و الجواب عن ذلك، أنّا قد علمنا أو لا خروج هذا الخبر مخرج المدحة لمن هذه صفته و التخصيص له و التمييز، و لا مدحة فى مجرد موت الأولاد؛ لأن ذلك لا يرجع إلى فعله، فلا بدّ من أن يكون تقدير الكلام: إنّ النار لا تمسّ المسلم الّذي يموت له ثلاثة أولاد؛ إذا حسن صبره و احتسابه و عزاؤه، و رضاه بما جرى به القضاء عليه؛ لأنه بذلك يستحقّ الثواب و المدح؛ و إذا كان إضمار الصبر و الاحتساب لا بدّ منه لم يكن فى القول إغراء؛ لأن كيفية وقوع الصبر و الوجه الّذي إذا وقع عليه تفضّل اللّه سبحانه بغفران ما لعلّه أن يستحقّه من العقاب فى المستقبل و إذا لم يكن معلوما، فلا وجه للاغراء.

و أكثر ما فى هذا الكلام أن يكون القول مرغّبا فى حسن الصبر، و حاثّا عليه رغبة فى الثواب، و رجاء لغفران ما لعلّه أن يستحق فى المستقبل من العقاب؛ و هذا واضح لمن تأمله.

____________

(1) م، «متقاربة» .

54

مجلس آخر 54

تأويل آية ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذََلِكَ فَهِيَ كَالْحِجََارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً

إن سأل سائل عن قوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذََلِكَ فَهِيَ كَالْحِجََارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ؛ [البقرة: 74].

فقال: ما معنى‏ أَوْ هاهنا؟أو ظاهرها يفيد الشك الّذي لا يجوز عليه تعالى.

الجواب، قلنا فى ذلك وجوه:

أوّلها أن تكون‏ أَوْ هاهنا للإباحة كقولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين؛ والق الفقهاء أو المحدّثين، و لم يريدوا الشك؛ بل كأنهم قالوا: هذان الرجلان أهل للمجالسة، و هذان القبيلان أهل للّقاء؛ فإن جالست الحسن فأنت مصيب، و إن جالست ابن سيرين فأنت مصيب، و إن جمعت بينهما فكذلك.

فيكون معنى الآية على هذا: إن قلوب هؤلاء قاسية متجافية عن الرّشد و الخير، فإن شبّهتم قسوتها بالحجارة أصبتم، و إن شبّهتموها بما هو أشدّ أصبتم، و إن شبهتموها بالجميع فكذلك.

و على هذا يتأوّل قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ اَلسَّمََاءِ ؛ [البقرة: 19]، لأن‏ أَوْ لم يرد بها الشكّ بل على نحو الّذي ذكرناه/، من أنكم إن شبهتموهم بالذى استوقد نارا فجائز، و إن شبهتموهم بأصحاب الصيّب فجائز، و إن شبهتموهم بالجميع فكذلك.

و ثانيها أن تكون‏ أَوْ دخلت للتفصيل و التمييز، و يكون معنى الآية: إن قلوبهم قست، فبعضها ما هو كالحجارة فى القسوة، و بعضها ما هو أشد قسوة منها.

55

و يجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَ قََالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصََارى‏ََ تَهْتَدُوا ؛ [البقرة: 135]معناه: و قال بعضهم: كونوا هودا-و هم اليهود-و قال بعضهم: كونوا نصارى و هم النصارى-فدخلت‏ أَوْ للتفصيل.

و كذلك قوله تعالى: وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنََاهََا فَجََاءَهََا بَأْسُنََا بَيََاتاً أَوْ هُمْ قََائِلُونَ [الأعراف: 4]معناه فجاء بعض أهلها بأسنا بياتا، و جاء بعض أهلها بأسنا فى وقت القيلولة.

و قد يحتمل قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ اَلسَّمََاءِ هذا الوجه أيضا، و يكون المعنى أن بعضهم يشبه الّذي استوقد نارا، و بعضهم يشبه أصحاب الصيب.

و ثالثها أن يكون‏ أَوْ دخلت على سبيل الإبهام فيما يرجع إلى المخاطب، و إن كان اللّه تعالى عالما بذلك غير شاك فيه، لأنه تعالى لم يقصد فى إخبارهم عن ذلك إلا التفصيل؛ بل علم عز و جلّ أن خطابهم بالإجمال أبلغ فى مصلحتهم، فأخبر تعالى أنّ قسوة قلوب هؤلاء الذين ذمّهم كالحجارة أو أشد قسوة، و المعنى أنها كانت كأحد هذين لا يخرج عنهما.

و يجرى ذلك مجرى قولهم: ما أطعمتك إلا حلوا أو حامضا، فيبهمون على المخاطب ما يعلمون أنه لا فائدة فى تفصيله؛ و المعنى: ما أطعمتك إلا أحد هذين الضّربين.

و كذلك يقول أحدهم: أكلت بسرة أو ثمرة؛ و هو قد علم ما أكل على التفصيل إلا أنه أبهمه على المخاطب، قال لبيد:

تمنّى ابنتاى أن يعيش أبوهما # و هل أنا إلاّ من ربيعة أو مضر (1)

أراد: هل أنا إلاّ من أحد هذين الجنسين‏ (2) ، فسبيلى أن أفنى كما فنيا؛ و إنما حسن ذلك لأن قصده الّذي أجرى إليه، و غرضه الّذي نحاه و هو أن يخبر بكونه ممن يموت و يفنى، و لا يخلّ به إجمال ما أجمل من كلامه، فأضرب عن التفصيل؛ لأنه لا فائدة فيه، و لأنه سواء

____________

(1) ديوانه: 2: 1.

(2) ش «الحيين» .

56

كان من ربيعة أو مضر فموته واجب. و كذلك الآية، لأن الغرض فيها أن يخبر تعالى عن شدة قسوة/قلوبهم، و أنها مما لا تنثنى لوعظ، و لا تصغى إلى حق، فسواء كانت فى القسوة كالحجارة أو أشد منها، فقد تم ما أجرى إليه من الغرض فى وصفها و ذمّها، و صار تفصيل تشبيهها بالحجارة و بما هو أشد قسوة منها كتفصيل كونه من ربيعة أو مضر؛ فى أنه غير محتاج إليه، و لا يقتضيه الغرض فى الكلام.

و رابعها أن تكون‏ أَوْ بمعنى «بل» كقوله تعالى: وَ أَرْسَلْنََاهُ إِلى‏ََ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (1) [الصافات: 147]معناه: بل يزيدون.

و روى عن ابن عباس فى قوله تعالى: وَ أَرْسَلْنََاهُ إِلى‏ََ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ؛ قال: كانوا مائة ألف و بضعا و أربعين ألفا. و أنشد الفراء:

بدت مثل قرن الشمس فى رونق الضّحا # و صورتها، أو أنت فى العين أملح‏ (2)

و قد تكون «أم» فى الاستفهام أيضا بمعنى «بل» ، كقول القائل: أضربت عبد اللّه أم أنت رجل متعنت؟معناه: بل أنت رجل متعنت.

و قال الشاعر:

فو اللّه ما أدرى أ سلمى تغوّلت، # أم النّوم، أم كلّ إلى حبيب!

معناه: بل كلّ.

و قد طعن بعضهم على هذا الجواب فقال: و كيف يجوز أن يخاطبنا تعالى بلفظة بل؛ و هى تقتضى الاستدراك و النقض للكلام الماضى و الإضراب عنه، و ليس ذلك بشي‏ء.

أما الاستدراك فإن أريد به الاستفادة أو التذكر لما لم يكن معلوما فليس بصحيح، لأن

____________

(1) فى حاشيتى الأصل، ف: «قال ابن جنى: الغرض فى قوله تعالى: أَوْ يَزِيدُونَ أنهم بحيث يحزرهم الحازر فيقول: هم مائة ألف أو يزيدون، فحكى على موجب الحزر» .

(2) ف، و حاشية الأصل (من نسخة) : «و صورتها» بالضم. و المعنى: و صورة الشمس فى العين أملح؛ بل أنت» .

57

أحدنا قد يقول: أعطيته ألفا بل ألفين، و قصدته دفعة بل دفعتين؛ و هو عالم فى ابتداء كلامه بما أخبر به فى الثانى، و لم يتجدد به علم، و إن أريد به الأخذ فى كلام غير الماضى، و استئناف زيادة عليه فهو صحيح؛ و مثله جائز عليه تعالى.

فأما النقض للكلام الماضى فليس بواجب فى كل موضع تستعمل فيه لفظة «بل» ، لأن القائل إذا قال: أعطيته ألفا بل ألفين لم ينقض الأول؛ و كيف ينقضه؛ و الأول داخل فى الثانى و إنما زاد عليه!و إنما يكون ناقضا للماضى إذا قال: لقيت رجلا بل حمارا؛ و أعطيته درهما بل ثوبا؛ لأن الأول لم يدخل فى الثانى على وجه، و قوله تعالى: أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً غير ناقض للأول، لأنها لا تزيد فى القسوة على الحجارة إلا بعد أن تساويها، و إنما/تزيد المساواة.

و خامسها أن تكون‏ أَوْ بمعنى الواو كقوله: أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبََائِكُمْ ؛ [النور: 61]، معناه: و بيوت آبائكم، قال جرير:

نال الخلافة أو كانت له قدرا # كما أتى ربّه موسى على قدر (1)

و قال توبة بن الحمير:

و قد زعمت ليلى بأنّى فاجر # لنفسى تقاها، أو عليها فجورها (2)

و قال جرير أيضا:

أ ثعلبة الفوارس أم رياحا # عدلت بهم طهيّة و الخشابا (3)

أراد: أو رياحا.

____________

(1) ديوانه: 275؛ و البيت من قصيدة يمدح فيها عمر بن عبد العزيز؛ مطلعها:

لجّت أمامة فى لومى و ما علمت # عرض السماوة روحاتى و لا بكرى‏

.

(2) أمالى القالى: 1: 131.

(3) ديوانه: 66؛ من قصيدته المشهورة التى يذم فيها الراعى؛ و مطلعها:

أقلّى اللوم عاذل و العتابا # و قولى إن أصبت لقد أصابا

-

58

و قال آخر (1) :

فلو كان البكاء يردّ شيئا (2) # بكيت على بجير أو عفاق‏

على المرأين إذ هلكا جميعا # لشأنهما بشجو و اشتياق‏ (3)

أراد على بجير و عفاق.

و قد حكى المفضل بن سلمة هذا الوجه عن قطرب، و طعن عليه بأن قال: ليس شي‏ء يعلم أشدّ قسوة عند المخاطبين من الحجارة، فينسق به عليها (4) ؛ و إنما يصح ذلك فى قولهم:

أطعمتك تمرا أو أحلى منه، لأن أحلى منه معلوم.

و اختار المفضل الوجه الّذي يتضمن أن‏ أَوْ بمعنى «بل» .

و هذا الّذي طعن به المفضّل ليس بشي‏ء، لأنهم و إن لم يشاهدوا أو يعرفوا ما هو أشدّ قسوة من الحجارة فصورة قسوة الحجارة معلومة لهم، و يصحّ أن يتصوروا ما هو أشد قسوة منها، و ما له الزيادة عليها؛ لأن قدرا ما إذا عرف صح‏ (5) أن يعرف ما هو أزيد منه أو أنقص،

____________

قو هى القصيدة التى تسميها العرب: الفاضحة. و البيت من شواهد الكتاب (1: 52) استشهد به على نصب «ثعلبة» ، بإضمار فعل دل عليه ما بعده؛ فكأنه قال: أظلمت ثعلبة، عدلت بهم طهية، و نحوه من التقدير. و أورده أيضا فى (1: 489) شاهدا على دخول «أم» عديلة للألف. و فى حاشية الأصل: «كأنه قال: أ أخملت ثعلبة الفوارس فعدلت بهم طهية و الخشاب!» .

(1) البيتان فى اللسان (عفق) ؛ و نقل عن ابن برى أنهما لمتمم بن نويرة، و عفاق: اسم رجل أكلته باهلة فى قحط أصابهم.

(2) حاشية الأصل (من نسخة) : «ميتا» .

(3) رواية اللسان:

هما المرءان إذ ذهبا جميعا # لشأنهما بحزن و اشتياق‏

و ذكر أن بسطام بن قيس أغار على بنى يربوع فقتل عفاقا و قتل بجيرا أخاه بعد قتله عفاقا فى العام الأول، و أسر أباهما أبا مليك، ثم أعنقه و شرط عليه ألا يغير عليه؛ قال ابن برى: و يقوى قول من قال إن باهلة أكلته قول الراجز:

إنّ عفاقا أكلته باهله # تمششوا عظامه و كاهله‏

.

(4) حاشية ف: «النسق أن تعطف كلاما على كلام، و النسق الترتيب» .

(5) م: «جاز» .

59

لأن الزيادة و النقصان إنما يضافان إلى معلوم معروف، على أن الآية خرجت مخرج المثل، و أراد تعالى بوصف قلوبهم بالزيادة فى القسوة على الحجارة أنها قد انتهت إلى حد لا تلين معه للخير على وجه من الوجوه، و إن كانت الحجارة ربما لانت و انتفع بها، فصارت من هذا الوجه كأنها أشدّ قسوة منها تمثيلا و تشبيها.

فقول المفضل: «ليس يعرفون ما هو أقسى من الحجارة» لا معنى له إذا كان القول على طريق المثل.

و بعد؛ فإن الّذي طعن به على هذا الجواب يعترض على الوجه الّذي اختاره، لأنه إذا اختار أنّ‏ أَوْ فى الآية بمعنى «بل» فكيف جاز بأن يخبرهم بأنّ قلوبهم أشدّ قسوة من الحجارة، و هم لا يعرفون ما هو أقسى من الحجارة!و إذا جاز أن يقول لهم: بل قلوبهم أقسى مما يعرفون من الحجارة جاز أن يخبر عن مثل ذلك بالواو فيقول: قلوبهم كالحجارة التى يعرفون فى القسوة، و هى مع ذلك تزيد عليها.

فإن قال‏[قائل‏] (1) كيف يكون‏ أَوْ فى الآية بمعنى الواو، و الواو للجمع، و ليس يجوز أن تكون قلوبهم كالحجارة، و أشد من الحجارة فى حالة واحدة؛ لأن الشي‏ء إذا كان على صفة لم يجز أن يكون على خلافها!

قلنا: قد أجاب بعضهم عن هذا الاعتراض بأن قال: ليس يمتنع أن تكون قلوبهم كالحجارة فى حال، و أشد من الحجارة فى حال أخرى؛ فيصحّ المعنى، و لا يتنافى، و هذا قريب، و يكون فائدة هذا الجواب أن قلوب هؤلاء فى بعض الأحوال مع القسوة و العدول عن قبول‏ (2) الحق و الفكر فيه؛ ربما لانت بعض اللين؛ (3) و همّت بالانعطاف، و كادت تصغى إلى الحق فتكون فى هذه الحال كالحجارة التى ربما لانت‏ (3) ، و فى حال أخرى تكون فى نهاية البعد عن الخير (4) و النفور عنه، فتكون فى هذا الحال أشدّ قسوة من الحجارة.

____________

(1) من ف.

(2) م: «تصور» .

(3-3) ساقط من م.

(4) م: «الحق» .

60

على أنه يمكن فى الجواب عن هذا الاعتراض وجه آخر؛ و قد تقدم معناه فى بعض كلامنا، و هو أن قلوبهم لا تكون أشدّ من الحجارة إلا بعد أن يكون فيها قسوة الحجارة؛ لأن القائل إذا قال: فلان أعلم من فلان فقد أخبر أنه زائد عليه فى العلم الّذي اشتركا فيه؛ فلا بدّ من الاشتراك ثم الزيادة، فليس هاهنا تناف على ما ظنّ المعترض، و لا إثبات لصفة و نفيها، فكل هذا واضح‏ (1) بحمد اللّه.

***

قال سيدنا أدام اللّه تمكينه: و إنى لأستحسن من الشعر قول الأحوص بن محمد الأنصارىّ:

و مولى سخيف الرّأى رخو تزيده # أناتى، و عفوى‏ (2) جهله عنده ذمّا (3)

دملت، و لو لا غيره لأصبته # بشنعاء باق عارها تقر العظما (4)

طوى حسدا ضغنا عليّ كأنّما # أداوى به فى كلّ مجمعة كلما (5)

/و يجهل أحيانا فلا يستخفّنى # و لا أجهل العتبى إذا راجع الحلما (6)

يصدّ و ينأى فى الرّخاء بودّه # و يدعو و يدعونى إذا خشى الهضما

فيفرج عنه أربة الخصم مشهدى # و أدفع عنه عند عثرته الظّلما

الإربة: الدهاء، و الإربة: العقدة، و كلا المعنيين يحتمل لفظ البيت-

و كنت امر أعود (7) الفعال تهزّنى # مآثر مجد تالد لم يكن زعما

____________

(1) م: «بين» .

(2) ف، حاشية الأصل (من نسخة) : «غفرى» .

(3) فى حاشيتى الأصل، ف: «أى كلما غفرت جهله زادنى ذما» .

(4) دملت: داريت و داجيت؛ و يقال: «ادمل القوم» ؛ أى اطوهم على ما فيهم؛ و منه قول ابن الطيفان:

و مولى كمولى الزّبرقان دملته # كما اندملت ساق يهاض بها الكسر

و تقر العظم: تصدعه و تكسره. و شنعاء، أى قصيدة فى الهجو.

(5) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «أدارى» . و به أى بحطئه، و المجمعة: المجمع.

(6) العتبى: الرضا.

(7) عود الفعال: جليله و عظيمه.

61

و كنت و شتمى فى أرومة مالك # بسبّى له كالكلب إذ ينبح النجما

و لست بلاق سيّدا ساد مالكا # فتنسبه إلاّ أبا لى أو عمّا

ستعلم إن عاديتنى فقع قرقر # أما لا أفدت-لا أبا لك-أو عدما (1)

لقد أبقت الأيّام منّى و حرسها # لأعدائنا ثكلا و حسّادنا رغما (2)

و كانت عروق السّوء أزرت‏ (3) و قصّرت # به أن ينال الحمد فالتمس الذّما

و من مختار قوله:

إنى إذا خفى اللئام‏ (4) رأيتنى # كالشّمس لا تخفى بكلّ مكان‏

ما من مصيبة نكبة أمنى بها # إلاّ تشرّفنى و تعظم شأنى‏

و تزول حين تزول عن متخمّط (5) # تخشى بوادره على‏ (6) الأقران‏

و من جيد شعره.

خليلان باحا بالهوى فتشاحنت # أقاربها فى وصلها (7) و أقاربه‏

ألا إنّ أهوى النّاس قربا و رؤية # و ريحا إذا ما اللّيل غارت كواكبه‏

ضجيع دنا منّى جذلت بقربه # فبات يمنّينى و بتّ أعاتبه‏

و أخبره فى السّرّ بينى و بينه # بأن ليس شي‏ء عند نفسى يقاربه‏

***

____________

(1) فقع قرقر، أى يا فقع قرقر، و الفقع: ضرب من أردأ الكمأة، و القرقر: الأرض الخالية؛ و يشبه به الرجل الذليل؛ يقال: أذل من فقع بقرقر؛ لأن الدواب تنجله بأرضها؛ قال النابغة:

حدّثونى بنى الشّقيقة ما يمـ # نع فقعا بقرقر أن يزولا

.

(2) الحرس: الدهر.

(3) م: «أودت» .

(4) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف:

«الرجال» .

(5) التخمط: الغضب مع الثورة و الجلبة.

(6) البوادر: جمع بادرة و هى ما يبدر من الإنسان عند الشر، و فى ف: «لدى الأقران» .

(7) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف:

*أقاربها فى وصله و أقاربه*

.

62

و قد غبّر فى وجه كل من وصف المضاجعة امرؤ القيس حيث يقول‏ (1) :

تقول و قد جرّدتها من ثيابها # كما رعت مكحولا من العين أتلعا (2)

و جدّك لو شي‏ء أتانا رسوله # سواك، و لكن لم نجد لك مدفعا

فبتنا نذود الوحش عنّا كأنّنا # قتيلان لم تعلم لنا النّاس مصرعا (3)

إذا أخذتها هزّة الرّوع أمسكت # بمنكب مقدام على الهول أروعا (4)

و قال على بن الجهم فى وصفه شدة الالتزام:

سقى اللّه ليلا ضمّنا بعد هجعة # و أدنى فؤادا من فؤاد معذّب‏ (5)

فبتنا جميعا لو تراق زجاجة # من الرّاح فيما بيننا لم تسرّب‏

و لعبد الصمد بن المعذّل فى هذا المعنى:

كأنّنى عانقت ريحانة # تنفّست فى ليلها البارد (6)

فلو ترانا فى قميص الدّجى # حسبتنا فى جسد واحد

____________

(1) من قصيدة رواها أبو عمرو الشيبانى، و أولها:

جزعت و لم أجزع من البين مجزعا # و غويت قلبا بالكواعب مولعا

و أصبحت ودّعت الصبا غير أننى # أراقب خلاّت من العيش أربعا

و لم تذكر فى ديوانه بشرح البطليوسى؛ و هى فى مجموعة أشعار الستة للأعلم ص 79 (مخطوطة المكتبة التيمورية 450 أدب) و الأبيات أيضا فى حماسة ابن الشجرى: 195-196.

(2) قال الأعلم: «قوله: » كما رعت مكحول المدامع» ، أى لما جردتها من ثيابها بدت محاسنها و تبين طول عنقها، كما تبين ذلك من الغزل المروع. و الأتلع: الطويل العنق» .

(3) بعد هذا البيت فى رواية الأعلم عن أبى عمرو:

تجافى عن المأثور بينى و بينها # و تدنى عليّ السّابرىّ المضلّعا

تجافى: ترفع. و المأثور: السيف الّذي فيه أثر؛ و هو فرند السيف، و السابرىّ: ضرب من الثياب.

و المضلع: الّذي فيه طرائق وشى.

(4) أخذتها هزة الروع: ارتعدت فزعا و هيبة. و المقدام:

الكثير الإقدام على الأهوال. و الأروع: المعجب المنظر جمالا و قوة.

(5) ديوانه 95 و حماسة ابن الشجرى: 196.

(6) حماسة ابن الشجرى 196.

63

و لبشار بن برد:

إنّنى أشتهي لقاءك و اللـ # ه فما ذا عليك أن تلقانى‏

قد تلفّ الرّياح غصنا من البـ # ان إلى مثله فيلتقيان‏

و مثل هذا للبحترىّ:

و لم أنس ليلتنا فى العنـ # اق لفّ الصّبا بقضيب قضيبا (1)

كما افتنّت الرّيح فى مرّها # فطورا خفوتا، و طورا هبوبا

و لآخر فى مثل هذا بعينه، و لسنا ندرى هل سبق البحترىّ أو تأخر عنه:

و ضمّ لا ينهنهه اعتناق # كما التفّ القضيب على القضيب‏

و لعلى بن الجهم:

و بتنا على رغم الحسود كأنّنا # خليطان من ماء الغمامة و الخمر (2)

/و هذا و إن جعله فى العناق فهو مأخوذ من قول بشار:

و إن نلتقى خلف الغيور كأنّنا # سلاف عقار بالنّقاخ مشوب‏ (3)

و الأصل فى هذا قول الأخطل، و الناس من بعده على أثره:

من الجازئات الحور مطلب سرّها # كبيض الأنوق المستكنّة فى الوكر (4)

و إنى و إيّاها إذا ما لقيتها # لكالماء من صوب الغمامة و الخمر

و قد أخذه أيضا ابن أبى عيينة فقال:

____________

(1) ديوانه 1: 51.

(2) ديوانه 144 و حماسة ابن الشجرى 196، و روايته هناك:

*و بتنا على رغم الوشاة كأنّنا*

.

(3) ديوانه 1: 185. و النقاخ: الماء البارد؛ و فى حاشية الأصل: «س: خلف العيون» .

(4) ديوانه: 212 الأنوق: الرخمة؛ و فى المثل: «أعزّ من بيض الأنوق» ، لأنها تحرزه فلا يكاد يظفر به؛ لأن أوكارها فى رءوس الجبال و الأماكن الصعبة.

64

(1) ذاك إذ روحها و روحى مزاجا # ن كأصفى خمر بأعذب ماء

و أخذه العباس بن الأحنف فقال‏ (1) :

ما أنس لا أنس يمناها معطّفة # على فؤادى، و يسراها على راسى‏ (2)

و قولها: ليته ثوب على جسدى # أو ليتنى كنت سربالا لعبّاس‏ (3)

أو ليته كان لى خمرا و كنت له # من ماء مزن، فكنّا الدّهر فى كاس‏

و مثل هذا للبحترىّ:

وجدت نفسك من نفسى بمنزلة # هى المصافاة بين الماء و الرّاح‏ (4)

و لقد أحسن بشار فى قوله:

لقد كان ما بينى زمانا و بينها # كما بين ريح المسك و العنبر الورد

***

أخبرنا أبو عبيد اللّه المرزبانىّ قال حدثنا أحمد بن محمد المكّى قال حدثنا أبو العيناء قال

____________

(1-1) ساقط من م.

(2) ديوانه: 90؛ و بعده:

قالت و إنسان ماء العين فى لجج # يكاد ينطق عن كرب و وسواس!

يطفو و يرسو غريقا ما يكفكفه # كفّ، فيا لك من طاف و من راس‏

.

(3) رواية الديوان:

عبّاس ليتك سربالى على جسدى # أو ليتنى كنت سربالا لعباس‏

.

(4) ديوانه: 1: 113؛ و فى حاشية الأصل: و أشد إمعانا منه قوله:

و بتنا جميعا لو تراق زجاجة # من الخمر فيما بيننا لم تسرّب‏

و قول أبى الجوائز الواسطى رحمه اللّه:

فاعتنقنا ضمّا يذوب حصى اليـ # اقوت منه، و تطمّن النهود

.

65

حدثنا العتبىّ عن أبيه قال: سيّر الوليد بن عبد الملك‏ (1) الأحوص إلى دهلك‏ (2) ، فكتب الأحوص إلى عمر بن عبد العزيز حين استخلف:

و كيف ترى للنّوم طعما و لذّة # و خالك أمسى موثقا فى الحبائل!

فمن يك أمسى سائلا عن شماتة # ليشمت بى، أو شامتا غير سائل‏

/فقد عجمت منّى الحوادث ماجدا # صبورا على غمّاء تلك البلابل‏

إذا سرّ لم يفرح، و ليس لنكبة # ألمّت به بالخاشع المتضايل‏

فبعث عمر بن عبد العزيز إلى عراك بن مالك، الّذي كان شهد عليه فقال: ما ترى فى هذا البائس؟فقال عراك: مكانه خير له، فتركه فى موضعه، فلما ولى يزيد بن عبد الملك جلب الأحوص و سيّر عراكا (3) .

____________

(1) كذا جاءت الرواية هنا؛ و فى الأغانى 4: 246 (طبعة الدار) أن الأحوص كان ينسب بنساء ذوات أخطار من أهل المدينة و يتغنى فى شعره معبد و مالك، و يشيع ذلك فى الناس، فنهى فلم ينته، فشكى إلى عامل سليمان بن عبد الملك على المدينة، و سألوه الكتاب فيه إليه، ففعل ذلك؛ فكتب سليمان إلى عامله يأمره أن يضربه مائة سوط، و يقيمه على البلس للناس، ثم يصيره إلى دهلك. ففعل ذلك به، فثوى هناك سلطان سليمان بن عبد الملك، ثم ولى عمر بن عبد العزيز فكتب إليه يستأذنه فى القدوم و يمدحه، فأبى أن يأذن له، و كتب فيما كتب إليه به... ثم أورد الأبيات.

(2) دهلك: جزيرة فى بحر اليمن؛ و هو مرسى بين بلاد اليمن و الحبشة.

(3) فى خبر صاحب الأغانى: «فأتى رجال من الأنصار عمر عبد العزيز فكلموه فيه و سألوه أن يقدمه، و قالوا له: قد عرفت نسبه و موضعه و قديمه، و قد أخرج إلى أرض الشرك، فنطلب إليك أن ترده إلى حرم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و دار قومه؛ فقال لهم عمر: فمن الّذي يقول:

فما هو إلا أن أراها فجاءة # فأبهت حتّى ما أكاد أجيب‏

قالوا: الأحوص. قال: فمن الّذي يقول:

أدور و لو لا أن أرى أم جعفر # بأبياتكم مادرت حيث أدور

و ما كنت زوّارا و لكنّ ذا الهوى # إذا لم يزر لا بدّ أن سيزور

قالوا: الأحوص، قال فمن الّذي يقول: -

66

قال سيدنا أدام اللّه علوه: و إنما كان الأحوص خال عمر بن عبد العزيز من جهة أنّ أمّ عمر هى أمّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، و أمها أنصارية.

فأما قوله «إذا سرّ لم يفرح» فمأخوذ من قول لقيط بن زرارة:

لا مترفا إن رخاء العيش ساعده، # و ليس إن عضّ مكروه به خشعا (1)

و للأحوص:

و ببطن مكّة لا أبوح به # قرشيّة غلبت على قلبى‏

و لو أنّها إذ مرّ موكبها # يوم الكديد أطاعنى صحبى‏ (2)

قلنا لها: حيّيت من شجن # و لركبها: حيّيت من ركب‏

و الشّوق أقتله برؤيتها # قتل الظّما بالبارد العذب‏

و النّاس إن حلّوا جميعهم # شعبا-سلام، و أنت فى شعب‏ (3)

____________

ق

كأنّ لبنى صبير غادية # أو دمية زيّنت بها البيع‏

اللّه بينى و بين قيّمها # يفرّ منّى بها و أتّبع‏

قالوا: الأحوص، قال: بل اللّه بينها و بين قيمه. قال: فمن الّذي يقول:

ستبلى لكم فى مضمر القلب و الحشا # سريرة حبّ يوم تبلى السّرائر

قالوا: الأحوص. قال: إن الفاسق عنها يومئذ لمشغول، و اللّه لا أرده ما كان لى سلطان. فمكث هناك بقية ولاية عمر و صدرا من ولاية يزيد بن عبد الملك. قال فبينا يزيد و جاريته حبابة ذات ليلة على سطح تغنيه بشعر الأحوص، فقال لها: من يقول هذا الشعر؟قالت: لا و عينيك ما أدرى-و قد كان ذهب من الليل شطره-فقال: ابعثوا إلى ابن شهاب الزهرى فعسى أن يكون عنده علم من ذلك، فأتى الزهرى فقرع عليه بابه، فخرج مروعا إلى يزيد، فلما صعد إليه قال له يزيد: لا ترع، لم ندعك إلا لخير، اجلس، من يقول هذا الشعر؟قال: الأحوص بن محمد يا أمير المؤمنين، قال: ما فعل؟قال: طال حبسه بدهلك قال: قد عجبت لعمر كيف أغفله. ثم أمر بتخلية سبيله و وهب له أربعمائة دينار، فأقبل الزهرى من ليلته إلى قومه من الأنصار فبشرهم بذلك» .

(1) مختارات ابن الشجرى: 5.

(2) حاشية الأصل: «خبر» إن» قوله: «أطاعنى صحبى» .

و العائد إلى الاسم الهاء من «موكبها» و التقدير: و لو أنها أطاعنى صحبى إذا مر موكبها يوم الكديد» .

(3) حاشية الأصل (من نسخة) : «و أنت فى شعب» .

67

لحللت شعبك دون شعبهم # و لكان قربك منهم حسبى‏ (1)

قوله:

*و الشوق أقتله برؤيتها*

نظير قول جرير:

فلما التقى الحيّان ألقيت العصا # و مات الهوى لمّا أصيبت مقاتله‏ (2)

____________

(1) فى حاشيتى الأصل، ف: «فى هذه الأبيات:

ثنتان لا أدنو لوصلهما # عرس الخليل و جارة الجنب‏

أما الخليل فلست خائنه # و الجار قد أوصى به ربّى‏

.

(2) ديوانه: 478.

68

مجلس آخر 55

تأويل آية وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمََاءَ كُلَّهََا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى اَلْمَلاََئِكَةِ فَقََالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمََاءِ هََؤُلاََءِ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمََاءَ كُلَّهََا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى اَلْمَلاََئِكَةِ فَقََالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمََاءِ هََؤُلاََءِ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ ، [البقرة: 31].

فقال: كيف يأمرهم أن يخبروا بما لا يعلمون، أ و ليس ذلك أقبح من تكليف ما لا يطاق؛ الّذي تأبونه؛ و الّذي جوّز (1) أن يكلّف تعالى مع ارتفاع القدرة لا يجوّزه.

/الجواب، قلنا: قد ذكر فى هذه الآية وجهان:

أحدهما أنّ ظاهر الآية إن كان أمرا يقتضي التّعلّق بشرط، و هو كونهم صادقين عالمين بأنهم إذا أخبروا عن ذلك صدقوا-فكأنه قال لهم: خبّروا بذلك إن علمتموه؛ و متى رجعوا إلى نفوسهم فلم يعلموا، فلا تكليف عليهم. و هذا بمنزلة أن يقول القائل لغيره: خبّرنى بكذا و كذا إن كنت تعلمه، أو إن كنت تعلم أنك صادق فيما تخبر به عنه.

فإن قيل: أ ليس قد قال المفسرون فى قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ إنّ المراد به: إن كنتم تعلمون بالعلّة التى من أجلها جعلت فى الأرض خليفة، أو إن كنتم صادقين فى اعتقادكم أنكم تقومون بما أنصب الخليفة له، و تضطلعون به، و تصلحون له؟.

قلنا: قد قيل كل ذلك، و قيل أيضا ما ذكرناه؛ و إذا كان القول محتملا للأمرين جاز أن يبنى الكلام على كل واحد منهما؛ و هذا الجواب لا يتمّ إلاّ لمن يذهب إلى أن اللّه تعالى يصحّ أن يأمر العبد بشرط قد علم أنه لا يحصل، و لا يحسن أن يريد منه الفعل على هذا

____________

(1) حاشية الأصل (من نسخة) : «و من يجوّز» .

69

الوجه؛ و من ذهب إلى جواز ذلك صحّ منه أن يعتمد على هذا الجواب.

فإن قيل: فأىّ فائدة فى أن يأمرهم بأن يخبروا عن ذلك بشرط أن يكونوا صادقين، و هو عالم بأنهم لا يتمكنون من ذلك لفقد علمهم به؟

قلنا: لمن ذهب إلى الأصل الّذي ذكرناه أن يقول: لا يمتنع أن يكون الغرض فى ذلك هو أن ينكشف بإقرارهم و امتناعهم من الإخبار بالأسماء ما أراد تعالى بيانه من استئثاره بعلم الغيب، و انفراده بالاطلاع على وجوه المصالح فى الدين.

فإن قيل: فهذا يرجع إلى الجواب الّذي تذكرونه من بعد؟قلنا: هو و إن رجع إلى هذا المعنى فبينهما فرق‏ (1) من حيث كان هذا الجواب، على تسليم أنّ الآية تضمنت الأمر و التكليف الحقيقيين.

و الجواب الثانى لا نسلّم فيه أنّ القول أمر على الحقيقة، فمن هاهنا افترقا.

و الجواب‏ (2) الثانى أن يكون الأمر (3) و إن كان ظاهره ظاهر أمر، فغير أمر على الحقيقة؛ بل المراد به التقرير و التنبيه على مكان الحجة؛ و قد يرد بصورة الأمر ما ليس بأمر، /و القرآن و الشعر (4) و كلام العرب مملوء بذلك‏ (4) .

و تلخيص هذا الجواب أنّ اللّه تعالى لما قال للملائكة: إِنِّي جََاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً قََالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهََا مَنْ يُفْسِدُ فِيهََا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمََاءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قََالَ إِنِّي أَعْلَمُ مََا لاََ تَعْلَمُونَ ؛ [البقرة: 30]؛ أى مطّلع من مصالحكم، و ما هو أنفع لكم فى دينكم على ما لا تطّلعون عليه. ثم أراد التنبيه على أنه لا يمتنع أن يكون غير الملائكة-مع أنها تسبح و تقدّس و تطيع و لا تعصى-أولى بالاستخلاف فى الأرض؛ و إن

____________

(1) م: «و الوجه الثانى» .

(2) د، ف: «بون» .

(3) حاشية ف (من نسخة) : «القول» .

(4-4) حاشية الأصل (من نسخة) : «و أخبار العرب مملوءة بذلك» .

70

كان فى ذريته من يفسد و يسفك الدماء. فعلّم آدم عليه السلام أسماء جميع الأجناس، أو أكثرها (1) ثم قال: أَنْبِئُونِي بِأَسْمََاءِ هََؤُلاََءِ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ مقررا لهم و منبها على ما ذكرناه، و دالا على اختصاص آدم بما لم يخصّوا به. فلما أجابوه بالاعتراف و التسليم إليه علم الغيب الّذي لا يعلمونه، فقال تعالى لهم‏ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ مََا تُبْدُونَ وَ مََا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة: 33]منبّها على أنه تعالى هو المنفرد بعلم المصالح فى الدين، و أن الواجب على كل مكلف أن يسلم لأمره، و يعلم أنه لا يختار لعباده إلا ما هو أصلح لهم فى دينهم؛ علموا وجه ذلك أم جهلوه.

و على هذا الجواب يكون قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ محمولا على كونهم صادقين فى العلم بوجه المصلحة فى نصب الخليفة، أو فى ظنهم أنهم يقومون بما يقوم به هذا الخليفة، و يكملون له؛ فلو لا أن الأمر على ما ذكرناه، و أنّ القول لا يقتضي التكليف لم يكن لقوله تعالى بعد اعترافهم و إقرارهم: أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ مََا تُبْدُونَ وَ مََا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ معنى، لأن التكليف الأول لا يتغير حاله بأن يخبرهم آدم عليه السلام بالأسماء، و لا يكون قوله: إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ إلى آخر الآية إلاّ مطابقا لما ذكرناه من المعنى؛ دون معنى التكليف؛ فكأنه قال تعالى: إذا كنتم لا تعلمون هذه الأسماء، فأنتم عن علم الغيب أعجز؛ و بأن تسلموا الأمر لمن يعلمه و يدبّر أمركم بحسبه أولى.

فإن قيل: فكيف علمت الملائكة بأن فى ذرية آدم عليه السلام من يفسد فى الأرض، و يسفك الدماء؟و ما طريق علمها بذلك؟/و إن كانت غير عالمة فكيف يحسن أن تخبر عنه بغير علم!

قلنا: قد قيل إنها لم تخبر و إنما استفهمت؛ فكأنها قالت متعرفة: أ تجعل فيها من يفعل كذا و كذا.

____________

(1) م: بعد هذه الكلمة: «و قيل أسماء محمد صلى اللّه عليه و آله و الأئمة من ولده و سلم، و فيه أحاديث مروية» .

71

و قيل: إن اللّه تعالى أخبرها بأنه سيكون من ذرّية هذا المستخلف من يعصى و يفسد فى الأرض: فقالت على وجه التعرف لما فى هذا التدبير من المصلحة و الاستفادة لوجه الحكمة فيه: أ تجعل فيها من يفعل كذا و كذا؟

و هذا الجواب الأخير يقتضي أن يكون فى أول الكلام حذف و يكون التقدير: و إذ قال ربّك للملائكة إنّى جاعل فى الأرض خليفة، و إنى عالم أن سيكون من ذريته من يفسد فيها، و يسفك الدماء، فاكتفى عن إيراد هذا المحذوف بقوله تعالى: قََالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهََا مَنْ يُفْسِدُ فِيهََا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمََاءَ لأن ذلك دلالة على الأول؛ و إنما حذفه اختصارا.

و فى جملة جميع الكلام اختصار شديد، لأنه تعالى لما حكى عنهم قولهم: أَ تَجْعَلُ فِيهََا مَنْ يُفْسِدُ فِيهََا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمََاءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ كان فى ضمن هذا الكلام: فنحن على ما نظنه و يظهر لنا من الأمر أولى بذلك لأنا نطيع و غيرنا يعصى.

و قوله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ مََا لاََ تَعْلَمُونَ يتضمن أيضا أننى أعلم من مصالح المكلّفين ما لا تعلمونه، و ما يكون مخالفا لما تظنونه على ظواهر الأمور.

و فى القرآن من الحذوف العجيبة، و الاختصارات الفصيحة ما لا يوجد فى شي‏ء من الكلام؛ فمن ذلك قوله تعالى فى قصة يوسف عليه السلام و الناجى من صاحبيه فى السجن عند رؤيا البقر السمان و العجاف: أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ؛ [يوسف: 45]، (1) ففعلوا، فأتى يوسف، فقال له‏ (1) : يُوسُفُ أَيُّهَا اَلصِّدِّيقُ ؛ [يوسف: 46][و لو بسط الكلام فأورد محذوفه لقال أنا أنبئكم بتأويله، فأرسلون ففعلوا، فأتى يوسف فقال له: يا يوسف أيها الصديق أفتنا (2) ].

و مثله قوله فى الأنعام، قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَ لاََ تَكُونَنَّ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ ؛ [الأنعام: 14]: أى، و قيل لى: و لا تكونن من المشركين.

____________

(1) ساقط من م.

(2) تكملة من ف.

72

و كذلك قوله تعالى فى قصة سليمان عليه و السلام: وَ لِسُلَيْمََانَ اَلرِّيحَ غُدُوُّهََا شَهْرٌ وَ رَوََاحُهََا شَهْرٌ، وَ أَسَلْنََا لَهُ عَيْنَ اَلْقِطْرِ وَ مِنَ اَلْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ مَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنََا نُذِقْهُ مِنْ عَذََابِ اَلسَّعِيرِ. `يَعْمَلُونَ لَهُ مََا يَشََاءُ مِنْ مَحََارِيبَ وَ تَمََاثِيلَ إلى قوله: اِعْمَلُوا آلَ دََاوُدَ شُكْراً [سبأ: 12، 13]، أى و قيل لهم: اِعْمَلُوا آلَ دََاوُدَ شُكْراً .

و قال جرير:

/وردتم على قيس بخور مجاشع # فبؤتم على ساق بطي‏ء جبورها (1)

أراد: فبؤتم على ساق مكسورة بطي‏ء جبورها، كأنه لما كان فى قوله: «بطي‏ء جبورها» دليل على الكسر اقتصر عليه.

و قال عنترة:

هل تبلغنّى دارها شدنيّة # لعنت بمحروم الشّراب مصرّم‏ (2)

يعنى ناقته؛ و معنى «لعنت» دعاء عليها بانقطاع لبنها و جفاف ضرعها، فصار (3) كذلك هذا كله‏ (4) ؛ و الناقة إذا كانت لا تنتج كان أقوى لها على السير. قال: تأبط شرا-و يروى للشنفرى:

____________

(1) ديوانه: 268؛ و فى حاشية الأصل: «قبله:

أ لم تر قيسا حين خارت مجاشع # تجير، و ما إن تبتغى من يجيرها

بنى دارم من ردّ خيلا مغيرة # غداة الصّفا لم ينج إلاّ عشورها

وردتم.... # البيت‏

و مجاشع هو مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن عمرو بن تميم» و خور: جمع خوار، و الخور:

الضعف، و ناقة خوارة، و الجمع أيضا خور» . من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «فبؤتم» .

(2) من المعلقة؛ ص 183-بشرح التبريزى. و الشدنية: ناقة نسبت إلى شدن؛ موضع باليمن، و قيل: هو فحل كان باليمن، تنسب إليه الإبل: و المصرم: الّذي أصاب أخلافه شي‏ء فقطعه؛ من صرار أو غيره.

(3) حاشية الأصل (من نسخة) : «فصارت» .

(4) من نسخة بحاشية الأصل، ف: «فحذف هذا كله» .

73

فلا تدفنونى إنّ دفنى محرّم # عليكم، و لكن خامرى أمّ عامر (1)

لأنه أراد: فلا تدفنونى بل دعونى تأكلنى التى يقال لها: خامرى أم عامر؛ و هى الضّبع.

و قال أوس بن حجر:

حتّى إذا الكلاّب قال لها # كاليوم مطلوبا و لا طلبا (2)

أراد: «لم أر كاليوم» ، فحذف.

و قال أبو دؤاد الإيادىّ:

إنّ من شيمتى لبذل تلادى # دون عرضى، فإن رضيت فكونى‏

أراد: فكونى معى على ما أنت عليه، و إن سخطت فبينى فحذف هذا كلّه.

و قال الآخر:

إذا قيل سيروا إنّ ليلى لعلّها # جرى دون ليلى مائل القرن أعضب‏ (3)

أراد لعلّها قريب، و هذا يتسع؛ و هو أكثر من أن يحيط (4) به قول. و الحذف غير الاختصار. و قوم يظنون أنهما واحد؛ و ليس كذلك لأن الحذف يتعلق بالألفاظ؛ و هو أن تأتى بلفظ يقتضي غيره و يتعلق به، و لا يستقلّ بنفسه؛ و يكون فى الموجود دلالة على المحذوف، فتقتصر عليه طلبا للاختصار، و الاختصار يرجع إلى المعانى و هو أن تأنى بلفظ مفيد لمعان كثيرة لو عبّر عنها بغيره لاحتيج إلى أكثر من ذلك اللفظ، فلا حذف إلا و هو اختصار، و ليس كل اختصار حذفا.

____________

(1) شعر الشنفرى 1: 36 (ضمن الطرائف الأدبية للأستاذ عبد العزيز الميمنى) ، و انظر تحقيق نسبة البيت هناك و الرواية فيه: «أبشرى أم عامر» . و أورد بعده:

إذا احتملوا رأسى و فى الرأس أكثرى # و غودر عند الملتقى ثم سائرى‏

هنالك لا أرجو حياة تسرّنى # سجيس الليالى مبسلا بالجرائر

.

(2) ديوانه: 2.

(3) فى حاشيتى الأصل، ف «يعنى به الوحشى من الأوعال» .

(4) ف و حاشية الأصل (من نسخة) : «نحيط به» ، و من نسخة أيضا بحاشيتى الأصل، ف:

«أن يضبط» .

74

فمثال الحذف قوله: «و لكن خامرى أمّ عامر» و نظائره مما أنشدناه؛ لأن القول غير مستغن بنفسه؛ بل يقتضي كلاما آخر غير أنه لما كان فيه دلالة على ما حذف حسن استعماله.

و مثال الاختصار الّذي ليس بحذف قول الشاعر:

أولاد جفنة حول قبر أبيهم # قبر ابن مارية الكريم المفضل‏ (1)

أراد أنهم أعزاء مقيمون بدار مملكتهم، لا ينتجعون كالأعراب؛ فاختصر هذا المبسوط فى قوله: «حول قبر أبيهم» .

و مثله قول عدىّ بن زيد:

عالم بالذى يريد نقى الصّد # ر و عفّ على جثاه نحور (2)

و فى معنى الاختصار قول أوس بن حجر:

و فتيان صدق لا تخمّ لحامهم # إذا شبّه النّجم الصّوار النّوافرا

فقوله: «لا تخم لحامهم» لفظ مختصر؛ و لو بسطه لقال: إنهم لا يدّخرون اللحم و لا يستبقونه فيخمّ، (3) بل يطعمونه الأضياف و الطّرّاق.

و معنى قوله:

*إذا شبّه النّجم الصّوار النّوافرا*

يعنى فى شدة البرد و كلب الشتاء؛ و الثريا تطلع فى هذا الزمان عشاء، كأنها صوار متفرق.

____________

(1) ديوانه: 80؛ و هى مارية بنت أرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة.

(2) اللسان (جثا) . و فى حاشيتى الأصل، ف: «قوله «جثاه» : تراب كان يجمع و يجعل عليه حجارة و ينحر عليها الأصنام؛ يريد أنه طائع متدين؛ و يروى: على جباه» ؛ و هى الحياض. و الجابية:

شي‏ء مثل الحوض يجعل فيها الماء للإبل؛ و جمعها الجوابى» .

(3) فى حاشيتى الأصل، ف: «خم اللحم يخم» ، و أخم يخم: إذا أنتن» .

75

و هذا أيضا أكثر من أن يحصى، و إنما فضّل الكلام الفصيح بعضه على بعض؛ لقوّة حظه من إفادة المعانى الكثيرة بالألفاظ المختصرة.

فأما قوله تعالى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى اَلْمَلاََئِكَةِ بعد ذكر الأسماء التى لا تليق بها هذه الكناية، فالمراد به أنه عرض المسمّيات؛ لأن الكناية لا تليق بالأسماء، و لا بدّ من أن تكون تلك المسميات، أو فيها ما يجوز (1) أن يكنّى عنه بهذه الكناية؛ لأنها لا تستعمل إلاّ فى العقلاء و من يجرى مجراهم.

و قيل إن فى قراءة أبىّ: ثمّ عرضها و فى قراءة عبد اللّه بن مسعود: ثمّ عرضهنّ و على هاتين القراءتين يصلح أن تكون عبارة عن الأسماء.

و قد يبقى فى هذه الآية سؤال لم نجد أحدا ممّن تكلم فى تفسير القرآن، و لا فى متشابهه و مشكله تعرّض له؛ و هو من مهمّ ما يسأل عنه.

و ذلك أن يقال: من أين علمت الملائكة لما خبّرها آدم عليه السلام بتلك الأسماء صحة قوله، و مطابقة الأسماء للمسمّيات؛ و هى لم تكن عالمة بذلك من قبل؛ إذ لو كانت عالمة لأخبرت بالأسماء؛ و لم تعترف بفقد العلم؛ و الكلام يقتضي أنّهم لما أنبأهم آدم بالأسماء/علموا صحتها و مطابقتها للمسميات؛ و لو لا ذلك لم يكن لقوله: أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ معنى، و لا كانوا مستفيدين بذلك نبوّته و تمييزه و اختصاصه بما ليس لهم؛ لأنّ كلّ ذلك إنما يتمّ مع العلم دون غيره.

و الجواب أنّه غير ممتنع أن يكون الملائكة فى الأوّل غير عارفين بتلك الأسماء؛ فلما أنبأهم آدم عليه السلام بها فعل اللّه لهم فى الحال العلم الضرورى بصحتها و مطابقتها للمسميات؛ إما عن طريق أو ابتداء بلا طريق؛ فعلموا بذلك تميّزه‏ (2) و اختصاصه؛ و ليس لأحد أن يقول:

إن ذلك يؤدى إلى أنهم علموا نبوّته اضطرارا؛ و فى هذا منافاة طريقة التكليف؛ و ذلك أنّه ليس فى علمهم بصحة ما أخبر به ضرورة ما يقتضي العلم بالنبوّة ضرورة، بل بعده

____________

(1) حاشية الأصل (من نسخة) : «من يجوز» .

(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «تمييزه» .

76

درجات و مراتب لا بدّ من الاستدلال عليها؛ و يجرى هذا مجرى أن يخبر أحدنا نبىّ بما فعل على سبيل التفصيل على وجه يخرق العادة؛ و هو و إن كان عالما بصدق خبره ضرورة لا بدّ له من الاستدلال فيما بعد على نبوّته، لأنّ علمه بصدق خبره ليس هو العلم بنبوّته، لكنه طريق يوصل إليها على ترتيب.

و وجه آخر و هو أنه لا يمتنع أن يكون للملائكة لغات مختلفة، فكلّ قبيل منهم يعرف أسماء الأجناس فى لغته دون لغة غيره، إلاّ أن يكون إحاطة عالم واحد لأسماء الأجناس فى جميع لغاتهم خارقة للعادة، فلما أراد اللّه تعالى التنبيه على نبوّة آدم علّمه جميع تلك الأسماء، فلما أخبرهم بها علّم كل فريق مطابقة ما خبّر به من الأسماء للغته، و هذا لا يحتاج فيه إلى الرجوع إلى غيره، و علم مطابقته ذلك لباقى اللغات يخبر كل قبيل، و لا شكّ فى أنّ كل قبيل إذا كانوا كثيرة (1) ، و خبّروا بشي‏ء يجرى هذا المجرى علم مخبرهم، و إذا أخبر كلّ قبيل صاحبه علم من ذلك فى لغة غيره ما علمه من لغته.

و هذا الجواب يقتضي أن يكون قوله: أَنْبِئُونِي بِأَسْمََاءِ هََؤُلاََءِ أى ليخبرنى كلّ قبيل منكم بجميع هذه الأسماء.

و هذان الجوابان جميعا مبنيّان على أن آدم عليه السلام مقدّم له العلم بنبوّته، و أن إخباره بالأسماء كان افتتاح معجزاته‏ (2) ، لأنه لو كان نبيا قبل ذلك، و كانوا قد علموا بقدم ظهور معجزات على يده لم يحتج إلى هذين الجوابين معا، لأنهم يعلمون إذا كانت الحال هذه مطابقة الأسماء للمسميات بعد أن لم يعلموا ذلك بقوله الّذي قد أمنوا به فيه غير الصدق، و هذه بيّن لمن تأمله.

***

قال سيدنا أدام اللّه علوّه: رأيت قوما ممن تكلم على معانى الشعر، يذكرون فى بيت حسان بن ثابت:

____________

(1) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «كثرة» .

(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «افتتاحا لمعجزاته» .

77

لم تفتها شمس النّهار بشي‏ء # غير أنّ الشّباب ليس يدوم‏ (1)

أن المراد به الاعتذار من كبرها و علوّ سنها، فكأنه قال: «لم تفتها شمس النهار بشي‏ء» غير أنها كبيرة طاعنة فى السن، و عذرها فى ذلك أنّ الشباب ليس يدوم لأمثالها. و هذا الّذي ذكروه ليس بشي‏ء، و الأشبه و الأولى أن يكون مراد حسّان أنّ شمس النهار لم تفتها بشي‏ء غير أنّ شبابها مما لا يدوم، و لا بدّ من أن يلحقها الهرم الّذي لا يلحق الشمس، و لم يرد أنها فى الحال كذلك، و كيف يريد ما توهموه مع قوله:

يا لقوم‏ (2) هل يقتل المرء مثلى # واهن البطش و العظام سئوم!

شأنها العطر و الفراش و يعلو # ها لجين و لؤلؤ منظوم‏

لو يدبّ الحولىّ من ولد الذّرّ # عليها لأندبتها الكلوم‏ (3)

و هذه الأوصاف لا تليق بمن طعن فى السنّ من النساء، و لا يوصف بمثلها إلاّ الصبيان و الأحداث.

و من العجائب أنّ هذا الاستخراج على ركاكته مسند إلى الأصمعىّ، و ما أولى من يكون نتيجة تغلغله، و ثمرة توصله مثل هذه الثمرة بالإضراب عن استخراج المعانى و البحث عنها!

و مما فسّره أصحاب المعانى على وجه، و هو بغيره أشبه، و أقلّ الأحوال أن يكون محتملا للأمرين، فلا يقصر على أحدهما قول الخنساء:

يا صخر ورّاد ماء قد تناذره # أهل الموارد ما فى ورده عار (4)

/لأنهم يقولون: مرادها بالبيت ما فى ترك ورده عار، يظنون أنه متى لم يحمل على ذلك لم يكن له فائدة، و لا فيه مدح، و يجرونه مجرى قول المرقّش‏ (5) :

____________

(1) ديوانه: 99، و الرواية فيه «لم تفقها» .

(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «يا لقومى» .

(3) أندبتها: أثرت فيها و جرحتها.

(4) ديوانها: 75.

(5) هو المرقش الأكبر، و البيت فى المفضليات: 239 (طبعة المعارف) . و وراء هنا بمعنى أمام؛ و منه قوله تعالى: وَ مِنْ وَرََائِهِ عَذََابٌ غَلِيظٌ . و ما يعلم: عاقبة عمله؛ أو الهرم و الكبر و الضعف.

78

ليس على طول الحياة ندم # و من وراء المرء ما يعلم‏

و ليس الأمر كما ظنّوه، لأنه يحتمل أن يريد أنه لا عار فى ورده على ظاهر الكلام و الفائدة فيه ظاهرة لأن البيت و إن تضمّن ذكر ورود الماء فهو كناية عن ركوب الأمور الصعاب التى من جملتها إيراد الماء غلبة و قهرا، فكأنها قالت: إنك تورد ماء قد تناذره الناس، و تركب أمرا صعبا قد نكل عنه الخلق، و لك بذلك حظ فى الشجاعة و البسالة، و مع ذلك فلا عار عليك فى ركوبه، لأنّه ربما فعل الإنسان فعلا يحوز به أكثر الحظ من الشجاعة و إن لحقه بعض العار، من قطيعة رحم، أو نكث عهد، أو ما جرى هذا المجرى، فكأنها نفت عن فعله وجوه العار.

و ليس يجرى ذلك مجرى قول المرقّش:

*ليس على طول الحياة ندم*

لأن البيت متى لم يحمل على أن المراد به: ليس على فوت طول الحياة ندم، لم يفد شيئا، و قد بينا فائدة قول الخنساء إذا كان المراد ما ذكرناه.

79

مجلس آخر 59

تأويل آية وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنََا أَ جَعَلْنََا مِنْ دُونِ اَلرَّحْمََنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنََا أَ جَعَلْنََا مِنْ دُونِ اَلرَّحْمََنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف: 45].

قلنا: قد ذكر فى هذه الآية وجوه:

أولها أن يكون المعنى: و سل تبّاع من أرسلنا من قبلك من رسلنا؛ و يجرى ذلك مجرى قولهم: السخاء حاتم، و الشعر زهير؛ و هم يريدون السخاء سخاء حاتم، و الشعر شعر زهير و أقاموا حاتما مقام السخاء المضاف إليه؛ و مثله قوله تعالى: وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ [البقرة: 177]، و مثله قول الشاعر:

لهم مجلس صهب السّبال أذلّة # سواسية أحرارها و عبيدها

و المأمور بالسؤال فى ظاهر الكلام النبي عليه و آله السلام؛ و هو فى المعنى لأمته؛ لأنه عليه السلام لا يحتاج إلى السؤال؛ لكنه خوطب خطاب أمته، كما قال تعالى: المص `كِتََابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلاََ يَكُنْ/فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الأعراف: 1، 2]، فأفرده اللّه تعالى بالمخاطبة، ثم رجع إلى خطاب أمته فقال: اِتَّبِعُوا مََا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف: 2]، و فى موضع آخر: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ اِتَّقِ اَللََّهَ وَ لاََ تُطِعِ اَلْكََافِرِينَ [الأحزاب: 1] فخاطبه عليه السلام و المعنى لأمته، لأنه بيّن بقوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ كََانَ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيراً [الأحزاب: 2]، و قال تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ [الطلاق: 1]فوحّد و جمع فى موضع واحد و ذلك للمعنى الّذي ذكرناه.

80

و قال الكميت:

إلى السّراج المنير أحمد لا # تعدلنى رغبة و لا رهب‏

عنه إلى غيره و لو رفع النّا # س إلى العيون و ارتقبوا

لو قيل أفرطت بل قصدت و لو عنـ # فنى القائلون، أو ثلبوا

لجّ بتفضيلك اللّسان و لو أكـ # ثر فيك الضّجاج و اللّجب‏

أنت المصفّى المهذّب المحض فى التشـ # بيه إن نصّ قومك النسب‏ (1)

فظاهر الخطاب للنبى عليه السلام، و المقصود به أهل بيته عليهم السلام، لأن أحدا من المسلمين لا يمتنع من تفضيله عليه السلام و الإطناب فى وصف فضائله و مناقبه؛ و لا يعنّف فى ذلك أحد، و إنما أراد الكميت: و إن أكثر فى أهل بيته و ذويه السلام الضجاج و اللجب و التقريع و التعنيف، فوجّه القول‏ (2) إليه و المراد غيره، و لذلك وجه صحيح و هو أنّ المراد بموالاتهم و الانحياز إليهم و الانقطاع إلى حبهم؛ لما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله هو المقصود بذلك أجمع جاز أن يخرج الكميت الكلام هذا المخرج، و يضعه هذا الموضع. و قيل إن المراد بتبّاع الأنبياء الذين أمر بمسألتهم هم مؤمنو أهل الكتاب‏ (3) كعبد اللّه ابن سلام و نظرائه، و ليس يمتنع أن يكون هو عليه السلام المأمور بالمسألة على الحقيقة كما يقتضيه ظاهر الخطاب، و إن لم يكن شاكا فى ذلك، و لامر تابا به. و يكون الوجه فيه تقرير أهل الكتاب به، و إقامة الحجة عليهم باعترافهم، أو لأنّ بعض مشركى العرب أنكر أن تكون كتب اللّه تعالى المتقدمة و أنبياؤه الآتون بها دعت إلى التوحيد، فأمر عليه السلام بتقرير أهل الكتاب‏ (4) /بذلك دعت لنزول الشبهة عمن اعترضته.

و الجواب الثانى أن يكون السؤال متوجها إليه عليه السلام دون أمته، و المعنى: إذا لقيت

____________

(1) نص: رفع.

(2) فى حاشية الأصل: «نسخة ش: فوجه القول» ، بالإضافة.

(3) ف: «أهل الكتب» .

(4) من نسخة بحاشية الأصل: «الكتاب» .

81

النبيين فى السماء فاسألهم عن ذلك؛ لأن الرواية قد وردت بأنه صلى اللّه عليه و آله لقى النبيين فى السماء فسلّم عليهم و أمّهم؛ و لا يكون أمره بالسؤال، لأنه كان شاكا، لأن مثل ذلك لا يجوز عليه الشكّ فيه؛ لكن لبعض المصالح الراجعة إلى الدين؛ إمّا لشي‏ء يخصه عليه السلام، أو يتعلّق ببعض الملائكة الذين يستمعون ما يجرى بينه و بين النبيين من سؤال و جواب.

و الجواب الثالث ما أجاب به ابن قتيبة، و هو أن يكون المعنى: و سل من أرسلنا إليه قبلك رسلا من رسلنا-يعنى أهل الكتاب. و هذا الجواب-و إن كان يوافق فى المعنى الجواب الأول-فبينهما خلاف فى تقدير الكلام و كيفية تأويله، فلهذا صارا مفترقين.

و قد ردّ على ابن قتيبة هذا الجواب، و قيل إنه أخطأ فى الإعراب؛ لأن لفظة «إليه» لا يصح إضمارها فى هذا الموضع؛ لأنهم لا يجيزون: «الّذي جلست عبد اللّه» ، على معنى «الّذي جلست إليه» ، لأن «إليه» حرف منفصل عن الفعل، و المنفصل لا يضمر، فلما كان القائل إذا قال: «الّذي أكرمت إياه عبد اللّه» لم يجز أن يضمر «إياه» ؛ لانفصاله من الفعل كانت لفظة «إليه» منزلته.

و كذلك لا يجوز: «الّذي رغبت محمد» ، بمعنى «الّذي رغبت فيه محمد» ؛ لأن الإضمار إنما يحسن فى الهاء المتعلقة بالفعل كقولك: «الّذي أكلت طعامك» ، و «الّذي لقيت صديقك» ، معناهما:

الّذي أكلته و لقيته.

و قال الفراء: إنما حذفت «الهاء» لدلالة الّذي عليها. و قال غيره فى حذفها غير ذلك؛ و كلّ هذا ليس مما تقدم فى شي‏ء، فصحّ أن جواب ابن قتيبة مستضعف، و المعتمد على ما تقدم.

82

تأويل خبر «كلّ مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه»

إن سأل سائل عن معنى ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى اللّه عليه و آله من قوله: «كلّ مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه» .

قلنا: أمّا أبو عبيد القاسم بن سلاّم فإنه قال فى تأويل هذا الخبر: سألت محمد بن الحسن عن تفسيره/فقال: كان هذا فى أول الإسلام قبل أن تنزل الفرائض، و يؤمر المسلمون بالجهاد.

قال أبو عبيد: كأنه يذهب إلى أنه لو كان يولد على الفطرة، ثم مات قبل أن ينصّره أبواه و يهوّداه ما ورّثاه، و كذلك لو ماتا قبله ما ورّثهما، لأنه مسلم و هما كافران؛ و ما كان أيضا يجوز أن يسبى، فلما نزلت الفرائض و جرت السّنن بخلاف ذلك علم أنه يولد على دين أبويه.

قال أبو عبيد: و أما عبد اللّه بن المبارك فإنه قال: هو بمنزلة الحديث الآخر الّذي يتضمّن أنه عليه السلام سئل عن أطفال المشركين فقال: «اللّه أعلم بما كانوا عاملين» يذهب إلى أنهم يولدون على ما يصيرون إليه من إسلام أو كفر؛ فمن كان فى علمه تعالى أنه يصير مسلما فإنه يولد على الفطرة، و من كان فى علمه أنه يموت كافرا ولد على ذلك.

قال أبو عبيد: و مما يشبه هذا الحديث حديثه الآخر أنه قال: «يقول اللّه عز و جل: إنى خلقت عبيدى جميعا حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، و جعلت ما أحللته لهم حراما» .

قال أبو عبيدة: يريد بذلك البحائر و السّيّب و غير ذلك مما أحله اللّه تعالى، فجعلوه حراما.

و أما ابن قتيبة فقال-و قد حكى ما ذكرناه عن أبى عبيد-: لست أرى ما حكاه أبو عبيد عن عبد اللّه ابن المبارك و محمد بن الحسن مقنعا لمن أراد أن يعرف معنى الحديث؛ لأنهما لم يزيدا على أن ردّا على ما قال به من أهل القدر.

83

و تفسير محمد بن الحسن يدلّ على أن الحديث عنده منسوخ، و النسخ لا يكون فى الأخبار، و إنما يكون فى الأمر و النهى؛ قال: و لا يجوز أن يراد به-على تأويل ابن المبارك-بعض المولودين دون بعض؛ لأن مخرجه مخرج العموم. قال: و لا أرى معنى الحديث إلاّ ما ذهب إليه حماد بن سلمة؛ فإنه قال فيه: هذا عندنا حيث أخذ العهد عليهم فى أصلاب آبائهم؛ يريد حين مسح اللّه تعالى ظهر آدم؛ فأخرج منه ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذرّ، و أشهدهم: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قََالُوا بَلى‏ََ ؛ [الأعراف: 172]، فأراد عليه السلام أنّ كلّ مولود يولد فى العالم على ذلك العهد و على ذلك الإقرار الأول و هو الفطرة.

/قال سيدنا أدام اللّه علوّه: و هذا كله تخليط و بعد عن الجواب الصحيح. و الصحيح فى تأويله أن قوله عليه السلام: «يولد على الفطرة» يحتمل أمرين:

أحدهما أن تكون الفطرة هاهنا الدين، و تكون «على» بمعنى اللام؛ فكأنه قال: كل مولود يولد للدّين و من أجل الدين؛ لأن اللّه تعالى لم يخلق من يبلغه مبلغ المكلّفين إلاّ ليعبده فينتفع بعبادته، يشهد بذلك قوله تعالى: وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ ؛ [الذريات: 56]؛ و الدليل على أن «على» تقوم مقام اللام ما حكاه يعقوب بن السّكّيت عن أبى زيد عن العرب أنهم يقولون: صف عليّ كذا و كذا حتى أعرفه؛ بمعنى صف لى؛ و يقولون ما أغيظك عليّ!يريدون ما أغيظك لى!و العرب تقيم بعض حروف الصفات مقام بعض فيقولون: سقط الرجل لوجهه؛ يريدون على وجهه، و قال الطّرماح:

كأنّ مخوّاها على ثفناتها # معرّس خمس وقّعت للجناجن‏ (1)

أراد: على الجناجن‏ (2) -

____________

(1) ديوانه: 166 و فى حاشية الأصل: «خوّى البعير إذا تجافى فى بروكه، و منه خوّى الرجل فى سجوده، و خوت المرأة عند جلوسها على المجمر» ، و فيها أيضا: «يعنى أن فجوات هذه الناقة عند البروك تسع خمس أينق بوارك» .

(2) الجناجن: عظام الصدر.

84

و قال عنترة:

شربت بماء الدّحرضين فأصبحت # زوراء تنفر عن حياض الدّيلم‏ (1)

معناه: شربت الناقة من ماء الدّحرضين؛ و هما ماءان؛ يقال لأحدهما: وسيع و الآخر دحرض، فغلب الأشهر؛ و هو الدّحرض. و إنما ساغ أن يريد بالفطرة-التى هى الخلقة فى اللغة-الدّين من حيث كان هو المقصود بها، و قد يجرى على الشي‏ء اسم ماله به هذا الضرب من التعلّق و الاختصاص؛ و على هذا يتأول قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اَللََّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنََّاسَ عَلَيْهََا ؛ [الروم: 30]أراد دين اللّه الّذي خلق الخلق له.

و قوله تعالى: لاََ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللََّهِ ؛ [الروم: 30]المراد به أن ما خلق العباد له من العبادة و الطاعة ليس مما يتغير و يختلف، حتى يخلق قوما للطاعة، و آخرين للمعصية.

و يجوز أن يريد بذلك الأمر، و إن كان ظاهره الخبر، فكأنه تعالى قال: و لا تبدّلوا ما خلقكم اللّه له من الدّين و الطاعة بأن تعصوا و تخالفوا.

و الوجه الآخر فى تأويل الفطرة أن يكون المراد بها الخلقة، و تكون لفظة «على» على ظاهرها/لم يرد (2) به غيرها، و يكون المعنى: كل مولود يولد على الخلقة الدالة على وحدانية اللّه تعالى و عبادته و الإيمان به، لأنه عز و جل قد صوّر الخلق و خلقهم على وجه يقتضي النظر فيه معرفته و الإيمان به؛ و إن لم ينظروا و لم يعرفوا، فكأنه عليه السلام قال: كل مخلوق و مولود فهو يدلّ بخلقه و صورته على عبادة اللّه تعالى؛ و إن عدل بعضهم فصار يهوديا أو نصاريا.

و هذا الوجه يحتم له أيضا قوله تعالى: فِطْرَتَ اَللََّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنََّاسَ عَلَيْهََا .

و إذا ثبت ما ذكرناه فى معنى الفطرة فقوله: «حتى يكون أبواه يهوّدانه و ينصرانه» يحتمل وجهين:

____________

(1) من المعلقة ص 186-بشرح التبريزى. الزوراء: المائلة، و الديلم: الأعداء، عن الأصمعى.

(2) حاشية الأصل (من نسخة) : «بها» .

85

أحدهما أنّ من كان يهوديا أو نصرانيا ممن خلقته لعبادتى و دينى؛ فإنما جعله كذلك أبواه، و من جرى مجراهما ممن أوقع له الشبهة و قلده الضلال عن الدين.

و إنما خص الأبوين لأن الأولاد فى الأكثر ينشئون على مذاهب آبائهم، و يألفون أديانهم و تحلهم؛ و يكون الغرض بالكلام تنزيه اللّه تعالى عن ضلال العباد و كفرهم، و أنه إنما خلقهم للإيمان فصدهم عنه آباؤهم، أى و من جرى مجراهم.

و الوجه الآخر أن يكون معنى: «يهوّدانه و ينصّرانه» أى يلحقانه بأحكامهما، لأنّ أطفال أهل الذمة قد ألحق الشرع أحكامهم بأحكامهم؛ فكأنه عليه السلام قال: لا تتوهموا من حيث لحقت أحكام اليهود و النصارى أطفالهم، أنهم خلقوا لدينهم، بل لم يخلقوا إلا للإيمان و الدين الصحيح؛ لكنّ آباءهم هم الذين أدخلوهم فى أحكامهم. و عبّر عن إدخالهم فى أحكامهم بقولهم: «يهوّدانه و ينصّرانه» ؛ و هذا واضح.

فأما جواب أبى عبيد الّذي حكاه عن محمد بن الحسن فإنا إذا تمكنا من حمل الخبر على وجه نسلم معه من النسخ لم نحتج إلى غيره؛ و إنما توهّم النسخ لاعتقاده أن خلقهم على الفطرة يمنع من إلحاقهم بحكم آبائهم؛ و ذلك غير ممتنع.

و أما الجواب الّذي حكاه عن ابن المبارك ففاسد، لأن اللّه تعالى لا يجوز أن يخلق أحدا للكفر؛ و كيف يخلقه للكفر و هو يأمره بالإيمان و يريده منه، و يعاقبه و يذمه على خلافه!

فأما ما روى عنه/عليه السلام-و قد سئل عن أطفال المشركين فقال: «اللّه أعلم بما كانوا عاملين» -فإنه يحتمل أن يكون عليه السلام سئل عمّن لم يبلغ من أطفال المشركين:

كيف تكون صورته؟و إلى أىّ شي‏ء تنتهى عاقبته؟فقال: «اللّه أعلم بما كانوا عاملين» ، و أراد أن ذلك مستور عنّى؛ و لو كانت المسألة عمّن اخترم طفلا لم يجز أن يكون الجواب ذلك.

86

و أما ابن قتيبة فإنه رد على أبى عبيد من غير وجه يقتضي الرّد و اعترض جواب ابن المبارك، باعتبار العموم و الخصوص، و ترك أن يفسده من الوجه الّذي يفسد به و هو الّذي ذكرناه، و كيف ننبه على فساده من هذه الجهة، و قد اختار فى تأويل الخبر ما يجرى فى الفساد و الاختلال مجرى تأويل ابن المبارك. !

فأما النّسخ فى الأخبار فجائز إذا تضمنت معنى الأمر و النهى؛ و يكون ما دلّ على جواز النسخ فى الأوامر دالا على جواز ذلك فيها؛ و هذا مثل أن يقول: الصلاة واجبة عليكم، ثم يقول بعد زمان: ليست بواجبة، فيستدل بالثانى على نسخ الحكم الأول، كما لو قال عليه السلام:

صلوا، ثم قال: لا تصلوا كان النهى الثانى ناسخا للأول.

فأما الجواب الّذي ذكره ابن قتيبة فقد بينا فساده فيما تقدم‏ (1) من الأمالى عند تأويلنا قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ؛ [الأعراف: 172]؛ و أفسدنا قول من اعتقد أنه مسح ظهر آدم، و استخرج منه الذرّية و أشهدها على نفوسها، و أخذ إقرارها بمعرفته بوجوه من الكلام؛ فلا طائل فى إعادة ذلك.

____________

(1) انظر الجزء الأول ص 28-30.

87

مجلس آخر 57

تأويل آية فَأَمَّا اَلَّذِينَ شَقُوا فَفِي اَلنََّارِ لَهُمْ فِيهََا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ.

`خََالِدِينَ فِيهََا مََا دََامَتِ اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاََّ مََا شََاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعََّالٌ لِمََا يُرِيدُ.

`وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي اَلْجَنَّةِ خََالِدِينَ فِيهََا مََا دََامَتِ اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاََّ مََا شََاءَ رَبُّكَ عَطََاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: فَأَمَّا اَلَّذِينَ شَقُوا فَفِي اَلنََّارِ لَهُمْ فِيهََا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ.

`خََالِدِينَ فِيهََا مََا دََامَتِ اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاََّ مََا شََاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعََّالٌ لِمََا يُرِيدُ.

`وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي اَلْجَنَّةِ خََالِدِينَ فِيهََا مََا دََامَتِ اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاََّ مََا شََاءَ رَبُّكَ عَطََاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ؛ [هود: 106-108].

فقال: ما معنى الاستثناء هاهنا و المراد الدوام و التأييد؟ثم ما معنى التمثيل بمدّة السموات و الأرض التى تفنى و تنقطع؟

الجواب، /قلنا: قد ذكر فى هذه الآية وجوه:

أولها أن تكون‏ إِلاََّ -و إن كان ظاهرها الاستثناء-فالمراد بها الزيادة؛ فكأنه تعالى قال: خََالِدِينَ فِيهََا مََا دََامَتِ اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاََّ مََا شََاءَ رَبُّكَ من الزيادة لهم على هذا المقدار؛ كما يقول الرجل لغيره: لى عليك ألف دينار إلا الألفين الذين أقرضتكهما وقت كذا و كذا، فالألفان زيادة على الألف بغير شكّ؛ لأن الكثير لا يستثنى من القليل؛ و هذا الجواب يختاره الفرّاء و غيره من المفسرين.

و الوجه الثانى أن يكون المعنى: إلاّ ما شاء ربّك من كونهم قبل دخول الجنة و النار فى الدنيا؛ و فى البرزخ الّذي هو ما بين الحياة و الموت و أحوال المحاسبة و العرض و غير ذلك؛ لأنه تعالى لو قال: خالدين فيها أبدا، و لم يستثن لتوهّم متوهّم أنهم يكونون فى الجنة و النار من لدن نزول الآية، أو من بعد انقطاع التكليف، فصار للاستثناء وجه، و فائدة معقولة.

88

و الوجه الثالث أن تكون‏ إِلاََّ بمعنى الواو؛ و التأويل: خالدين فيها ما دامت السموات و الأرض، و ما شاء ربك من الزيادة. و استشهد على ذلك بقول الشاعر:

و كلّ أخ مفارقه أخوه # لعمر أبيك إلاّ الفرقدان‏ (1)

معناه: و الفرقدان، و يقول الآخر:

و أرى لها دارا بأغدرة السّ # يّدان لم يدرس لها رسم‏ (2)

إلاّ رمادا هامدا دفعت # عنه الرّياح خوالد سحم‏

و المراد بـ «إلا» هاهنا الواو؛ و إلا كان الكلام متناقضا.

و الوجه الرابع أن يكون الاستثناء الأول متصلا بقوله: لَهُمْ فِيهََا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ ؛ و تقدير الكلام: لهم فى النار زفير و شهيق إلا ما شاء ربك من أجناس العذاب الخارجة عن هذين الضربين، و لا يتعلق الاستثناء بالخلود.

فإن قيل: فهبوا أنّ هذا أمكن فى الاستثناء الأول، كيف يمكن فى الثانى؟

قلنا: يحمل الثانى على استثناء المكث فى المحاسبة و الموقف، أو غير ذلك مما تقدّم ذكره.

____________

(1) البيت من شواهد سيبويه (الكتاب 1: 371) ، و نسبه إلى عمرو بن معديكرب ، و أورده شاهدا على نعت «كلّ» ، بقوله: «إلا الفرقدان» ؛ على تأويل «غير» . و فى حاشية الأصل:

قوله «إلا الفرقدان» قيل «إلا» بمعنى غير، و التقدير: غير الفرقدين، و مثله قوله تعالى:

لَوْ كََانَ فِيهِمََا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللََّهُ لَفَسَدَتََا أى غير اللّه.

(2) أغدرة السيدان: موضع وراء كاظمة؛ بين البصرة و البحرين؛ كذا ذكره ياقوت و استشهد بالبيت. و البيتان من قصيدة مفضلية؛ للمخبل السعدى؛ و قبلهما:

ذكر الرّباب و ذكرها سقم # فصبا، و ليس لمن صبا حلم‏

و إذا ألمّ خيالها طرفت # عينى، فماء شئونها سجم‏

كاللؤلؤ المسجور أغفل فى # سلك النّظام فخانه النّظم‏

و انظر المفضليات 113-118 (طبعة المعارف) .

89

/و الوجه الخامس أن يكون الاستثناء غير مؤثر فى النقصان من الخلود؛ و إنما الغرض فيه: أنه لو شاء أن يخرجهم و ألاّ يخلدهم لفعل، و أن التخليد إنما يكون بمشيئته و إرادته، كما يقول القائل لغيره: و اللّه لأضربنّك إلا أن أرى غير ذلك، و هو لا ينوى إلا ضربه، و معنى استثنائه هاهنا: أنى لو شئت ألاّ أضربك لفعلت و تمكنت؛ غير أنى مجمع على ضربك.

و الوجه السادس أن يكون تعليق ذلك بالمشيئة على سبيل التأكيد للخلود، و التبعيد للخروج؛ لأن اللّه تعالى لا يشاء إلا تخليدهم على ما حكم به، و دلّ عليه؛ و يجرى ذلك مجرى قول العرب: و اللّه لأهجرنّك إلا أن يشيب الغراب، و يبيضّ القار؛ و معنى ذلك أنى أهجرك أبدا؛ من حيث علّق بشرط معلوم أنه لا يحصل؛ و كذلك معنى الآيتين؛ و المراد بهما أنهم خالدون أبدا؛ لأن اللّه تعالى لا يشاء أن يقطع خلودهم.

و الوجه السابع أن يكون المراد بالذين شقوا من أدخل النار من أهل الإيمان، الذين ضمّوا إلى إيمانهم و طاعتهم المعاصى؛ فقال تعالى: إنهم معاقبون فى النار إلا ما شاء ربك؛ من إخراجهم إلى الجنة، و إيصال ثواب طاعاتهم إليهم.

و يجوز أيضا أن يريد بأهل الشقاء هاهنا جميع الداخلين إلى جهنم؛ ثم استثنى تعالى بقوله:

إِلاََّ مََا شََاءَ رَبُّكَ أهل الطاعات منهم، و من يستحقّ ثوابا لا بدّ أنه يوصل إليه فقال:

إِلاََّ مََا شََاءَ رَبُّكَ من إخراج بعضهم؛ و هم أهل الثواب.

و أما الذين سعدوا فإنما استثنى من خلودهم أيضا لما ذكرناه؛ لأنّ من نقل من النار إلى الجنة و خلّد فيها لا بدّ من الإخبار عنه بتأبيد خلوده من استثناء ما تقدّم؛ فكأنه تعالى قال: إنهم خالدون فى الجنة ما دامت السموات و الأرض؛ إلا ما شاء ربك من الوقت الّذي أدخلهم فيه النار، قبل أن ينقلهم إلى الجنة.

و الذين شقوا على هذا الجواب هم الذين سعدوا، و إنما أجرى عليهم كل لفظ فى الحال التى تليق بهم؛ فهم إذا أدخلوا النار و عوقبوا فيها من أهل الشقاء، و إذا نقلوا إلى الجنة من أهل الجنة و السعادة.

90

و قد ذهب إلى هذا الوجه جماعة من المفسرين كابن عباس و قتادة و الضحّاك/و غيرهم.

و روى بشر بن عمارة عن أبى روق عن الضّحاك عن ابن عباس قال: الذين شقوا ليس فيهم كافر؛ و إنما هم قوم من أهل التوحيد، يدخلون النار بذنوبهم، ثم يتفضّل اللّه تعالى عليهم فيخرجهم من النار إلى الجنة، فيكونون أشقياء فى حال، سعداء فى حال أخرى.

و أما تعليق الخلود بدوام السموات و الأرض؛ فقد قيل فيه: إن ذلك لم يجعل شرطا فى الدوام؛ و إنما علّق به على طريق التبعيد و تأكيد الدوام؛ لأن للعرب فى مثل هذا عادة معروفة خاطبهم اللّه تعالى عليها؛ لأنهم يقولون: لا أفعل كذا ما لاح كوكب، و ما أضاء الفجر، و ما اختلف الليل و النهار، و ما بلّ بحر صوفة، و ما تغنّت حمامة، و نحو ذلك، و مرادهم التأبيد و الدوام.

و يجرى كل ما ذكرناه مجرى قولهم: لا أفعل كذا أبدا؛ لأنهم يعتقدون فى جميع ما ذكرناه أنه لا يزول و لا يتغير؛ و عباراتهم إنما يخرجونها بحسب اعتقاداتهم، لا بحسب ما عليه الشي‏ء فى نفسه؛ أ لا ترى أن بعضهم لما اعتقد فى الأصنام أن العبادة تحقّ لها سمّاها آلهة بحسب اعتقادهم، و إن لم تكن فى الحقيقة كذلك!

و مما يشهد لمذهبهم الّذي حكيناه قول أبى الجويرية العبدىّ:

ذهب الجود و الجنيد جميعا # فعلى الجود و الجنيد السلام‏ (1)

أصبحا ثاويين فى قعر مرت‏ (2) # ما تغنّت على الغصون الحمام‏

و قال الأعشى:

____________

(1) معجم الشعراء للمرزبانى 258، و المختلف و المؤتلف للآمدى 79؛ و ذكر بعدها بيتا ثالثا:

لم تزل غاية الكرام فلمّا # متّ مات الندى و مات الكرام‏

و هو الجنيد بن عبد الرحمن المرى، كان والى خراسان.

(2) المرت: القفر من الأرض؛ و فى المؤتلف:

«بطن مرو» . و فى ف، و حاشية الأصل (من نسخة) : «قعر مرو» .

91

أ لست منتهيا عن نحت أثلتنا # و لست ضائرها ما أطّت الإبل! (1)

و قال الآخر:

لا أفتأ الدّهر أبكيهم بأربعة # ما اجترّت النّيب أو حنّت إلى بلد (2)

و قال زهير منبئا (3) عن اعتقاده دوام الجبال، و أنها لا تفنى و لا تتغير:

ألا لا أرى على الحوادث باقيا # و لا خالدا إلاّ الجبال الرّواسيا (4)

/فهذا وجه.

و قيل أيضا فى ذلك أنه أراد به الشرط، و عنى بالآية دوام السموات و الأرض المبدّلتين؛ لأنه تعالى قال: يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ وَ اَلسَّمََاوََاتُ ؛ [إبراهيم: 48]، فأعلمنا تعالى أنهما تبدّلان؛ و قد يجوز أن يديمهما بعد التغيير أبدا بلا انقطاع؛ و إنما المنقطع هو دوام السموات و الأرض قبل التبديل و الفناء.

و يمكن أيضا أن يكون المراد أنهم خالدون بمقدار مدّة السموات و الأرض التى يعلم اللّه تعالى انقطاعها ثم يزيدها اللّه تعالى على ذلك و يخلّدهم، و يؤيد مقامهم و هذا الوجه يليق بالأجوبة التى تتضمن أن الاستثناء أريد به الزيادة على المقدار المتقدم لا النقصان.

***

قال سيدنا أدام اللّه تمكينه: وجدت الآمدىّ قد ظلم البحترىّ فى تفسير بيت له مضاف إليه مع ظلمه له فى أشياء كثيرة تأوّلها على خلاف مراد البحترىّ، و حكى قوله:

____________

(1) ديوانه: 46. أثلة كل شي‏ء: أصله؛ و يريد بها هاهنا الحسب؛ يقال: فلان ينحت أثلتنا إذا قال فى حقه قبيحا؛ كذا ذكره صاحب اللسان و استشهد بالبيت. و الأطيط: صوت الإبل من ثقل أحمالها.

(2) الجرة: ما تخرجه الإبل من أجوافها، و تعيد مضغه. و فى حاشية الأصل: يعنى بأربعة أحجبة العين؛ كما قال:

يا عين بكّى عند كلّ صباح # جودى بأربعة على الجرّاح‏

.

(3) د، ف، و حاشية الأصل (من نسخة) : «مبينا» .

(4) ديوانه: 288.

92

كالبدر إلاّ أنّها لا تجتلى # و الشّمس إلاّ أنها لا تغرب‏ (1)

ثم قال: "و هذا فيه سؤال؛ لأنه لما قال:

*كالبدر إلا أنها لا تجتلى*

فالمعنى أن عيون الناس كلّهم ترى البدر و تجتليه، و هى لا تراها العيون و لا تجتلى".

ثم قال:

*"و الشمس إلا أنها لا تغرب*

و إنما قال: «لا تجتلى» لأنها محجوبة؛ فإذا كانت فى حجاب فهى فى غروب؛ لأن الشمس إذا غربت فإنما تدخل تحت حجاب، فظاهر المعنى: كالبدر إلا أن العيون لا تراها، و الشمس إلا أن العيون لا تفقدها". قال: "و هذا القول متناقض كما ترى"قال: "و أظنه أراد أنها و إن كانت فى حجاب فإنه لا يقال لها: غربت تغرب كما يقال للشمس؛ و إنما يقال لها إذا سافرت:

بعدت، و اغتربت و غرّبت إذا توجهت نحو الغرب، و قد يقال للرجل اغرب عنا (2) ، أى ابعد، و لو استعار لها اسم الغروب عن الأرض التى تكون فيها إذا ظعنت عنها إلى أرض أخرى كان ذلك حسنا جدا، لا سيما و قد جعلها شمسا، كما قال ابراهيم بن العباس الصولىّ:

و زالت زوال الشّمس عن مستقرّها # فمن مخبرى: فى أىّ أرض غروبها؟ (3)

قال: "و قد يجوز أن يقول قائل: إنه أراد: لا تغرب تحت الأرض كما تغرب الشمس؛ و هذه معاذير/ضيقة، لأبى عبادة فإن لم يكن قد أخطأ فقد أساء".

قال سيدنا أدام اللّه علوّه: و ما المخطئ غير الآمدىّ، و مراد البحترىّ بقوله أوضح من أن يذهب على متأمّل، لأنه أراد بقوله:

*و الشمس إلا أنها لا تغرب*

أى أنها لا تصير بحيث يتعذر رؤيتها و يمتنع، كما يتعذر رؤية الشمس على من غربت

____________

(1) ديوانه 1: 62.

(2) حاشية الأصل (من نسخة) : «عنى» .

(3) ديوانه: 140 (ضمن مجموعة الطرائف) .

93

عن أفق بلده. و المرأة-و إن احتجبت باختيارها-فإن ذلك ليس بغروب كغروب الشمس؛ لأنها إذا شاءت ظهرت و برزت للعيون، و الشمس إذا غربت فرؤيتها غير ممكنة، و لهذا لا يصحّ أن يقال لمن استظل بدار أو جدار عن الشمس: إنها غربت عنه، و إن كان غير راء لها، لأن رؤيتها ممكنة بزوال ذلك المانع، و كذلك القول فى احتجاب المرأة؛ فلا تناقض فى بيت البحترى على ما ظنه الآمدىّ.

و لبعضهم فى هذا المعنى:

قد قلت للبدر و استعبرت حين بدا # ما فيك يا بدر لى من وجهها خلف‏

تبدى لنا كلما شئنا محاسنها # و أنت تنقص أحيانا و تنكسف‏

فمعنى قوله: «فأنت تنقص و تنكسف» جار مجرى غروب الشمس، لأنه فضّلها على البدر من حيث كان بروزها لمبصرها موقوفا على اختيارها، و البدر ينكسف و يغيب على وجه لا تمكن رؤيته، كما فضلها البحترىّ بأنها لا تغرب حتى تصير رؤيتها مستحيلة، و الشمس كذلك.

و قد ظلم الآمدىّ البحترىّ فى قوله:

لا العذل يردعه و لا التّعنيف عن كرم يصدّه‏

قال الآمدىّ"و هذا عندى من أهجى ما مدح به خليفة و أقبحه، و من ذا يعنّف الخليفة على الكرم أو يصده!إن هذا بالهجو أولى منه بالمدح".

قال سيدنا رضى اللّه عنه: و للبحترى فى هذا عذر من وجهين:

أحدهما أن يكون الكلام خرج مخرج التقدير؛ فكأنه قال: لو عنّف و عذل لما صدّه ذلك عن الكرم، و إن كان من حق العذل و التعنيف أن يصدّ أو يحجز عن الشي‏ء،

94

و هذا له نظائر فى القرآن، و فى كلام العرب كثير مشهور، و قد مضى فيما أمليناه شي‏ء من ذلك.

و الوجه الآخر أن العذل و التعنيف/و إن لم يتوّجها إليه فى نفسه فهما موجودان فى الجملة على الإسراف فى البذل و الجود بنفائس الأموال، و لم يقل البحترىّ: إن عذله يردعه، أو تعنيفه يصدّه، و إنما قال: «لا العذل يردعه و لا التعنيف يصده» ، فكأنه أخبر أن ما يسمعه من عذل العذال على الكرم و تعنيفهم على الجود و إن كان متوجّها إلى غيره فهو غير صادّ له لقوة عزيمته، و شدّة بصيرته.

***

و مما خطأ الآمدىّ فيه البحترىّ و إن كان له فيه عذر صحيح لم يهتد إليه قوله:

ذنب كما سحب الرّداء يذبّ عن # عرف و عرف كالقناع المسبل‏

قال الآمدىّ: "و هذا خطأ من الوصف لأنّ ذنب الفرس إذا مسّ الأرض كان عيبا فكيف إذا سحبه!و إنما الممدوح من الأذناب ما قرب من الأرض، و لم يمسها كما قال امرؤ القيس:

*يضاف فويق الأرض ليس بأعزل‏ (1) "*

قال"و قد عيب امرؤ القيس بقوله:

لها ذنب مثل ذيل العروس # تسدّ به فرجها من دبر" (2)

قال"و ما أرى العيب يلحق امرأ القيس، لأن العروس و إن كانت تسحب أذيالها، و كان ذنب الفرس إذا مس الأرض عيبا فليس بمنكر أن يشبّه به الذنب، و إن لم يبلغ إلى

____________

(1) ديوانه 44، و صدره:

*كميت إذا استدبرته سدّ فرجه*

استدبرته: جئت من ورائه. و الضافى: الذنب الطويل الشعر. و الأعزل: الّذي يميل ذنبه إلى جانبه، و هو عادة لا خلقة؛ و ذلك عيب عندهم.

(2) ديوانه: 13.

95

أن يمسّ الأرض، لأن الشي‏ء إنما يشبّه الشي‏ء إذا قاربه، أو دنا من معناه، فإذا أشبهه فى أكثر أحواله فقد صحّ التشبيه و لاق به.

و امرؤ القيس لم يقصد أن يشبه طول الذنب بطول ذيل العروس فقط، و إنما أراد السّبوغ و الكثرة و الكثافة، أ لا ترى أنه قال:

*تسدّ به فرجها من دبر*

و قد يكون الذنب طويلا يكاد يمس الأرض و لا يكون كثيفا، و لا يسد فرج الفرس فلما قال: «تسد به فرجها» علمنا أنه أراد الكثافة و السبوغ مع الطول، فإذا أشبه الذنب الذيل من هذه الجهة كان فى الطول قريبا منه، فالتشبيه صحيح، و ليس ذلك بموجب للعيب و إنما العيب فى قول البحترى: «ذنب كما سحب الرداء» ، فأفصح بأن الفرس يسحب ذنبه.

و مثل قول امرئ القيس قول خداش بن زهير:

/لها ذنب مثل ذيل الهدىّ # إلى جؤجؤ أيّد الزّافر

و الهدىّ: العروس التى تهدى إلى زوجها. و الأيّد: الشديد. و الزافر: الصّدر، لأنها تزفر منه". قال"فشبه الذنب الطويل السابغ بذيل الهدىّ، و إن لم يبلغ فى الطول إلى أن يمس الأرض"

قال سيدنا أدام اللّه تمكينه: و للبحترىّ وجه فى العذر يقرب من عذر امرئ القيس فى قوله: «مثل ذيل العروس» غير أن الآمدىّ لم يفطن له؛ و أول ما نقوله: إن الشاعر لا يجب أن يؤخذ عليه فى كلامه التحقيق و التحديد، فإن ذلك متى اعتبر فى الشعر بطل جميعه، و كلام القوم مبنىّ على التجوز و التوسع و الإشارات الخفية و الإيماء على المعانى تارة من بعد، و أخرى من قرب؛ لأنهم لم يخاطبوا بشعرهم الفلاسفة و أصحاب المنطق؛ و إنما خاطبوا من يعرف أوضاعهم و يفهم أغراضهم.

96

و إنما أراد البحترىّ بقوله: «ذنب كما سحب الرداء» المبالغة فى وصفه بالطول و السبوغ و أنه قد قارب أن ينسحب، و كاد يمسّ الأرض. و من شأن العرب أن تجرى على الشي‏ء الوصف الّذي قد كان قد يستحقه، و قرب منه القرب الشديد فيقولون: قد قتل فلانا هوى فلانة، و دلّه‏ (1) عقله؛ و أزال تمييزه و أخرج نفسه، و كل ذلك لم يقع و إنما أرادوا المبالغة و إفادة المقاربة و المشارفة؛ و نظائر ذلك أكثر من أن تحصى.

و من شأنهم أيضا إذا أرادوا المبالغة التامة أن يستعملوا مثل هذا؛ فيشبهون الكفل بالكثيب و بالدّعص و بالتلّ، و يشبهون الخصر بوسط الزنبور، و بمدار (2) حلقة الخاتم، و يعدّون هذا غاية المدح و أحسن الوصف، و نحن نعلم أنا لو رأينا من خصره مقدار وسط الزنبور، و كفله كالكثيب العظيم لاستبعدناه و استهجنا صورته لنكارتها و قبحها، و إنما أتوا بألفاظ المبالغة صنعة و تأنقا، لا لتحمل على ظواهرها تحديدا و تحقيقا؛ بل ليفهم منها الغاية المحمودة، و النهاية المستحسنة، و يترك ما وراء ذلك، فإنا نفهم من قولهم: خصرها كخصر الزنبور أنه فى نهاية الدقة المستحسنة فى البشر، و من قولهم/: كفلها كالكثيب أى أنه فى نهاية الوثارة المحمودة المطلوبة، لا أنه كالتل على التحقيق؛ فهكذا لا ننكر أن يريد البحترى بقوله:

«كما سحب الرداء» أنه فى غاية الطول الممدوح، لا أنه ينجرّ على الأرض الحقيقة، و وكلنا فى تخليص معناه و تفصيله إلى العادة الجارية لنظرائه من الشعراء فى استعمال مثل اللفظ الّذي استعمله؛ و قد قال بعضهم فى ثقل العجيزة:

تمشى فتثقلها روادفها # فكأنها تمشى إلى خلف‏

و قال المؤمل:

من رأى مثل حبّتى # تشبه البدر إذ بدا

تدخل اليوم ثمّ تد # خل أردافها غدا

و قال ذو الرمة:

و رمل كأوراك العذارى قطعته # وفد جلّلته المظلمات الحنادس‏

____________

(1) حاشية الأصل: «نسخة ش: و وله» .

(2) حاشية الأصل (من نسخة) : «بمقدار» .

97

و هذا كلام لو حمل على ظاهره و حقيقته لكان الموصوف به فى نهاية القبح؛ لأن من يمشى إلى خلف، و من يدخل كفله بعده لا يكون مستحسنا.

و قال بكر بن النطاح:

فرعاء تسحب من قيام شعرها (1) # و تغيب فيه و هو جثل أسحم‏

فكأنّها فيه نهار مشرق‏ (2) # و كأنّه ليل عليها مظلم‏

فوصف شعرها بأنه ينسحب مع قيامها، و نحن نعلم أن طول الشعر-و إن كان مستحسنا- فليس إلى هذا الحد؛ و إنما أراد بقوله: «تسحب شعرها» ما أراده البحترىّ بقوله: «كما سحب الرداء» من المبالغة فى الوصف بالطول المحمود دون المذموم.

____________

(1) م: «فرعها» .

(2) م: «ساطع» .

98

مجلس آخر 58

تأويل آية أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنََا، لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنََا، لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ ؛ [مريم: 38].

فقال: ما تأويل هذه الآية؟فإن كان المراد بها التعجّب من قوة أسماعهم و نفاذ أبصارهم؛ فكيف يطابق ما خبّر به عنهم فى مواضع كثيرة من الكتاب/بأنهم لا يبصرون و لا يسمعون و أن على أسماعهم و أبصارهم غشاوة؟و ما معنى قوله تعالى: لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ ؟أىّ يوم هو اليوم المشار إليه؟و ما المراد بالضلال المذكور؟.

الجواب، قلنا: أمّا قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ ؛ فهو على مذهب العرب فى التعجّب؛ و يجرى مجرى قولهم: ما أسمعه!و ما أبصره!و المراد بذلك الإخبار عن قوة علومهم باللّه تعالى فى تلك الحال؛ و أنهم عارفون به على وجه الاعتراض للشبهة عليه؛ و هذا يدلّ على أنّ أهل الآخرة عارفون باللّه تعالى ضرورة؛ و لا تنافى بين هذه الآية و بين الآيات التى أخبر عنهم فيها بأنهم لا يسمعون و لا يبصرون؛ و بأن على أبصارهم غشاوة؛ لأنّ تلك الآيات تناولت أحوال التكليف، و هى الأحوال التى كان الكفار فيها ضلاّلا عن الدين، جاهلين باللّه تعالى و صفاته. و هذه الآية تناولت يوم القيامة؛ و هو المعنىّ بقوله تعالى: يَوْمَ يَأْتُونَنََا ؛ و أحوال يوم القيامة لا بدّ فيها من المعرفة الضرورية. و تجرى هذه الآية مجرى قوله تعالى:

لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هََذََا فَكَشَفْنََا عَنْكَ غِطََاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق: 22].

فأما قوله تعالى: لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ فيحتمل أن يريد تعالى بقوله: اَلْيَوْمَ الدّنيا و أحوال التكليف؛ و يكون الضلال المذكور إنما هو الذّهاب عن الدين و العدول عن الحق، فأراد تعالى أنّهم فى الدنيا جاهلون، و فى الآخرة عارفون؛ بحيث لا تنفعهم المعرفة. و يحتمل أن يريد تعالى باليوم يوم القيامة؛ و يعنى تعالى‏

99

«بالضلال» العدول عن طريق الجنة و دار الثواب إلى دار العقاب؛ فكأنه تعالى قال: أسمع بهم و أبصر يوم يأتوننا؛ غير أنهم مع معرفتهم هذه و علمهم يصيرون فى هذا اليوم إلى العقاب؛ و يعدل بهم عن طريق الثواب.

و قد روى معنى هذا التأويل عن جماعة من المفسرين فروى عن الحسن فى قوله تعالى:

أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنََا قال: يقول تعالى: هم يوم القيامة سمعاء بصراء؛ لكن الظالمون اليوم فى الدنيا ليسوا سمعاء و بصراء؛ و لكنهم فى ضلال عن الدين مبين.

و قال قتادة و ابن زيد: ذلك و اللّه يوم القيامة؛ سمعوا حين لم ينفع السمع، و أبصروا حين لم ينفعهم؟البصر.

و قال أبو مسلم بن بحر فى تأويل هذه الآية كلاما جيدا، قال: "معنى‏ أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ ما أسمعهم!و ما أبصرهم!و هذا على طريق المبالغة فى الوصف؛ يقول: فهم يوم يأتوننا أى يوم القيامة سمعاء بصراء؛ أى عالمون و هم اليوم فى دار الدنيا فى ضلال مبين، أى جهل واضح". قال:

"و هذه الآية تدلّ على أنّ قوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاََ يَعْقِلُونَ ، [البقرة: 171] ليس معناه الآفة فى الأذن، و العين و الجوارح؛ بل هو أنهم لا يسمعون عن قدرة، و لا يتدبرون ما يسمعون، و لا يعتبرون بما يرون؛ بل هم عن ذلك غافلون؛ فقد نرى أنّ اللّه تعالى جعل قوله تعالى: لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ مقابلا لقوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنََا ، أى ما أسمعهم!و ما أبصرهم!فأقام تعالى السمع و البصر مقام الهدى؛ إذ جعله بإزاء الضلال المبين. "

و أما أبو على بن عبد الوهاب فإنه اختار فى تأويل هذه الآية غير هذا الوجه، و نحن نحكى كلامه على وجهه، قال: "و عنى بقوله: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ أى أسمعهم و بصّرهم و بيّن لهم أنّهم إذا أتوا مع الناس إلى موضع الجزاء سيكونون فى ضلال عن الجنة و عن الثواب الّذي يناله المؤمنون و الظالمون الذين ذكرهم اللّه هم هؤلاء الذين توعّدهم اللّه بالعذاب فى ذلك اليوم".

100

و يجوز أيضا أن يكون عنى بقوله: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ ، أى أسمع الناس بهؤلاء الأنبياء و أبصرهم بهم؛ ليعرفوهم و يعرفوا خبرهم، فيؤمنوا بهم، و يقتدوا بأعمالهم.

و أراد بقوله تعالى‏ لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ لكن من كفر بهم من الظالمين اليوم؛ و هو يعنى يوم القيامة فى ضلال عن الجنة، و عن نيل الثواب، مبين.

و هذا الموضع من جملة المواضع التى استدركت على أبى على، و ينسب فيها إلى الزلل؛ لأن الكلام و إن كان محتملا لما ذكره بعض الاحتمال من بعد، فإن الأولى و الأظهر فى معنى ما تقدم ذكره من المبالغة فى وصفهم و قوله تعالى: لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ بعد ما تقدّم لا يليق إلا بالمعنى الّذي ذكرناه؛ لا سيما إذا حمل اليوم على أنّ المراد به يوم القيامة؛ على أن أبا عليّ جعل قوله تعالى: لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ من صلة قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ و تأوله على أنّ المعنىّ به أعلمهم و بصّرهم /بأنهم يوم القيامة فى ضلال عن الجنة. و الكلام يشهد بأنّ ذلك لا يكون من صلة الأول و أنّ قوله تعالى: لََكِنِ استئناف لكلام ثان.

و ما يحتاج أبو عليّ إلى هذا؛ بل لو قال على ما اختاره من التأويل أنه أراد أسمعهم و أبصرهم يوم يأتوننا أى ذكّرهم بأهواله، و أعلمهم بما فيه؛ ثم قال مستأنفا. لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ لم يحتج إلى ما ذكره؛ و كان هذا أشبه بالصواب.

فأما الوجه الثانى الّذي ذكره فباطل، لأن قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ إذا تعلّق بالأنبياء الذين ذكرهم اللّه تعالى بقى قوله‏ يَوْمَ يَأْتُونَنََا بلا عامل‏ (1) و محال أن يكون ظرف لا عامل له؛ فالأقرب و الأولى أن يكون على الوجه الأول مفعولا.

و وجدت بعض من اعترض على أبى عليّ يقول رادا عليه: لو كان الأمر على ما ذهب إليه أبو عليّ لوجب أن يقول تعالى: أسمعهم و أبصرهم بغير باء، و هذا الردّ غير صحيح؛ لأن

____________

(1) حاشية الأصل (من نسخة) : «لا علاقة له بذلك» .

101

الباء فى مثل هذا الموضع غير منكر زيادتها؛ و ذلك موجود كثير فى القرآن و الشعر؛ قال اللّه تعالى: اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ ؛ [العلق: 96]، عَيْناً يَشْرَبُ بِهََا عِبََادُ اَللََّهِ ؛ [الإنسان: 6]، وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ [مريم: 25]، تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ؛ [الممتحنة: 1].

و قال الأعشى:

ضمنت برزق عيالنا أرماحنا

و قال امرؤ القيس:

هصرت بغصن ذى شماريخ ميّال‏ (1)

و أظنّ أبا عليّ إنما أنّسه بهذا الجواب أنه وجد تاليا للآية لفظ أمر؛ و هو قوله تعالى:

وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ اَلْحَسْرَةِ ، فحمل الأول على الثانى؛ و الكلام لا تشتبه معانيه من حيث المجاورة؛ بل الواجب أن يوضع كلّ منه حيث يقتضيه معناه.

***

قال: المرتضى وجدت جماعة من أهل الأدب يستبعدون أن يرتج على إنسان فى خطبة أو كلام قصد له، فينبعث منه فى تلك الحال كلام هو أحسن مقصد إليه؛ و أبلغ ممّا أرتج عليه دونه و يقولون: إنّ النسيان لا يكون إلا عن حيرة و ضلالة؛ فكيف يجتمع معهما البراعة الثاقبة، و البلاغة المأثورة؛ مع حاجتهما إلى اجتماع الفكرة و حضور (2) الذكر!و ينسبون جميع ما يحكى من كلام مستحسن، و لفظ مستغرب‏ (3) عمّن حصر فى خطبة أو فى منطق إلى أنه موضوع مصنوع.

____________

(1) ديوانه: 19؛ و صدره:

*فلما تنازعنا الحديث و أسمحت*

تنازعنا: تعاطينا. أسمحت: لانت و انقادت. ؛ و يريد بالشماريخ هاهنا خصائل الشعر؛ و أصل الشمراخ: الغصن.

(2) حاشية ف (من نسخة) : «حصول» .

(3) حاشية ف (من نسخة) : «مستعذب» .

102

/و ليس الّذي استبعدوه و أنكروه ببعيد و لا منكر، لأن النسيان قد يخص شيئا دون شي‏ء، و يتعلّق بجهة دون جهة، و هذا أمر متعارف، فلا ينكر أن ينسى الإنسان شيئا قصده و عزم على الكلام فيه، و يكون مع ذلك ذاكرا لغيره، متكلّما فيه بأبلغ الكلام و أحسنه، بل ربما كان الحصر و الذّهاب عن القصد يحميان القريحة، و يوقدان الفكرة، و يبعثان على أحسن الكلام و أبرعه، ليكون ذلك هربا من العىّ و انتفاء من اللّكنة.

و من أحسن ما روى من الكلام و أبرعه فى حال الحصر و الانقطاع عن المقصود من الكلام ما أخبرنى به أبو عبيد اللّه المرزبانىّ قال حدثنا ابن دريد قال حدثنا أبو حاتم.

قال المرزبانىّ: و أخبرنا ابن دريد مرة أخرى قال حدثنا السكن بن سعيد عن محمد بن عباد عن ابن الكلبىّ قالا: صعد خالد بن عبد اللّه القسرىّ‏ (1) يوما المنبر بالبصرة فأرتج عليه، فقال: «أيها الناس، إن الكلام-و قال أبو حاتم: إن هذا القول-يجي‏ء أحيانا، و يذهب أحيانا، فيتسبب عند مجيئه سببه، و يعزّ عند عز و به طلبه، و ربما كوبر فأتى، و عولج فأبطأ و قال ابن الكلبى: ربما طلب فأبى، و عولج فقسا-فالتّأتى لمجيئه أصوب من التعاطى لأبيّه» . ثم نزل. فما رؤى حصر أبلغ منه.

و قال أبو حاتم: «و التّرك لأبيّه أفضل من التعاطى لمجيئه، و تجاوزه عند تعززه أولى من طلبه عند تنزّحه؛ و قد يختلج من الجري‏ء جنانه، و يرتج على البليغ لسانه» ، ثم نزل.

و أخبرنا بهذا الخبر أبو عبيد اللّه المرزبانىّ على وجه آخر قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة الواسطىّ قال: كان خالد بن عبد اللّه القسرى حين ولاّه هشام بن عبد الملك يكثر الخطب و التبالغ، فقدم واسطا، فصعد المنبر فحاول الخطبة فأرتج عليه، فقال: «أيها الناس، إن هذا الكلام يجي‏ء أحيانا و يعزب أحيانا، فيعز عند عزوبه طلبه؛ و يتسبب عند مجيئه سببه، و ربما كوثر فأبى، و عوسر فقسا، و التأتّى لمجيئه أسهل من التعاطى لأبيه؛ و تركه عند تعزّزه‏ (2) أحمد من طلبه

____________

(1) فى حاشيتى الأصل، ف: «القسرىّ: منسوب إلى قسر، و هى قرية من قرى العرب» .

(2) ف: «تعذره» .