أمالي المرتضي - ج2

- السيد المرتضى المزيد...
631 /
103

عند تنكّره، فقد يرتج على اللسن لسانه، فلا ينظره القول إذا اتسع، و لا ينشأ إذا امتنع، و من لم تمكن له الخطوة، فخليق أن تعنّ له النّبوة» .

و أخبرنا المرزبانىّ قال أخبرنا أبو عبد اللّه إبراهيم بن محمد بن عرفة قال حدثنى أبو العباس المنصورىّ قال: صعد أبو العباس السفّاح/المنبر فأرتج عليه فقال: «أيها الناس، إنما اللسان بضعة من الإنسان، يكلّ إذا كلّ، و ينفسح بانفساحه إذا انفسح، و نحن أمراء الكلام، منّا تفرعت فروعه، و علينا تهدّلت غصونه، ألا و إنّا لا نتكلم هذرا؛ و لا نسكت إلا معتبرين» .

ثم نزل.

فبلغ ذلك أبا جعفر فقال: للّه هو!لو خطب بمثل ما اعتذر لكان من أخطب الناس.

و هذا الكلام يروى لداود بن على.

و بهذا الإسناد عن محمد بن الصباح عن قثم بن جعفر بن سليمان عن أبيه قال: أراد أبو العباس السفّاح يوما أن يتكلم فى أمر من الأمور بعد ما أفضت الخلافة إليه، و كان فيه حياء مفرط فأرتج عليه، فقال داود بن عليّ بعد أن حمد اللّه و أثنى عليه:

إن أمير المؤمنين، الّذي قلّده اللّه سياسة رعيته عقل من لسانه عند ما تعهّد من بيانه، و لكل مرتق بهر، حتى تنفّسه العادات، فأبشروا بنعمة اللّه فى صلاح دينكم، و رغد عيشكم» .

و أخبرنا أبو عبيد اللّه المرزبانىّ قال أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة قال حدثنا عبد اللّه بن إسحاق بن سلاّم قال: صعد عثمان بن عفان المنبر فأرتج عليه فقال: «أيها الناس، سيجعل اللّه بعد عسر يسرا، و بعد عىّ نطقا، و إنكم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال» .

و روى محمد بن يزيد النحوىّ هذا الكلام بعينه عن زياد بن يزيد بن أبى سفيان‏ (1) و قد

____________

(1) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «يزيد بن أبى سفيان» ؛ و فيهما أيضا. «يزيد بن أبى سفيان يقال له: يزيد الخير؛ و استعمله أبو بكر على الشام، ثم أقره عمر بعده؛ و مات بالشام و هو عامل عمر فى طاعون عمواس فى سنة ثمانى عشرة؛ فولى عمر أخاه معاوية ما كان يليه، و لا عقب له» .

104

خطب على بعض منابر الشام و إن عمرو بن العاص لما بلغه كلامه قال: هنّ مخرجاتى من الشام؛ استحسانا لكلامه.

و روى محمد بن يزيد النحوىّ قال: بلغنى أن رجلا صعد المنبر أيام يزيد-و كان واليا على قوم-فقال لهم: «أيها الناس، إنى إلاّ أكن فارسا طبّا بهذا القرآن فإن معى من أشعار العرب ما أرجو أن يكون خلفا منه، و ما أساء القائل أخو البراجم‏ (1) حيث يقول:

و ما عاجلات الطّير يدنين للفتى # رشادا، و لا من ريثهنّ يخيب‏ (2)

و ربّ أمور لا تضيرك ضيرة # و للقلب من مخشاتهنّ وجيب‏ (3)

و لا خير فيمن لا يوطّن نفسه # على حادثات الدّهر حين تنوب‏ (4)

و فى الشّكّ تفريط، و فى الحزم قوّة # و يخطى الفتى فى حدسه و يصيب‏ (5)

/فقال له رجل من كلب: إنّ هذا المنبر لم ينصب للشعر، بل ليحمد اللّه عليه و يصلّى على النبي صلّى اللّه عليه و آله و للقرآن، فقال: أما لو أنشدتكم شعر رجل من كلب لسرّكم، فكتب إلى يزيد بذلك فعزله، و قال: قد كنت أرى أنك جاهل، و لم أحسب أنّ الحمق بلغ بك هذا كلّه، فقال له: أحمق منّى من ولاّنى.

____________

(1) الأبيات فى الكامل 3: 201-بشرح المرصفى؛ و نسبها إلى ضابئ بن الحارث البرجمى؛ و قبلها:

و من يك أمسى بالمدينة رحله # فإنى و قيار بها لغريب‏

.

(2) رواية الكامل:

و ما عاجلات الطّير تدنين من الفتى # نجاحا و لا عن ريبهنّ يخيب‏

قال المبرد فى شرح البيت: "يقول: إذا لم تعجل له طير سانحة فليس ذلك بمبعد خيرا عنه، و لا إذا أبطأت خاب؛ فعاجلها لا يأتيه بخير، و آجلها لا يدفعه عنه إنما له ما قدّر له؛ و العرب تزجر على السانح و تتبرك به، و تكره البارح و تتشاءم به؛ و السانح ما أراك ميامنه فأمكن الصائد، و البارح ما أراك مياسره فلم يمكن الصائد إلا أن ينحرف له".

(3) المخشاة كالمخشية: مصدر خشية يخشاه، و وجيب القلب:

خفقانه و اضطرابه.

(4) حاشية الأصل (من نسخة) : «حيث تنوب» .

(5) و بعده:

و لست بمستبق صديقا و لا أخا # إذا لم تعدّ الشي‏ء و هو يريب‏

.

105

و كان يزيد بن المهلب‏ (1) ولى ثابت قطنة بعض قرى خراسان، فصعد المنبر فحصر فنزل و هو يقول:

فإلاّ أكن فيكم خطيبا فإننى # بسيفى إذا جدّ الوغى لخطيب‏

فقيل: لو قلت هذا على المنبر لكنت أخطب الناس؛ فبلغ ذلك حاجب‏ (2) الفيل فقال:

أبا العلاء لقد لاقيت معضلة # يوم العروبة من كرب و تحنيق‏

أما القرآن فلا تهدى لمحكمه # و لم تسدّد من الدّنيا بتوفيق‏

لمّا رمتك عيون النّاس هبتهم # و كدت تشرق لمّا قمت بالريق‏

تلوى اللّسان إذا رمت الكلام به # كما هوى زلق من حالق نيق‏ (3)

و روى أن بعض خلفاء بنى العباس-و أظنه الرشيد-صعد المنبر ليخطب، فسقطت ذبابة على وجهه فطردها، فعادت فحصر و أرتج عليه، فقال: أعوذ باللّه السميع العليم: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ، إِنَّ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبََاباً وَ لَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ، وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ اَلذُّبََابُ شَيْئاً لاََ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ اَلطََّالِبُ وَ اَلْمَطْلُوبُ [الحج: 73]، ثم نزل، فاستحسن ذلك منه.

و مما يشاكل هذه الحكاية ما حكاه عمرو بن بحر الجاحظ قال: "كان‏ (4) لنا بالبصرة قاض يقال له عبد اللّه بن سوّار لم ير الناس حاكما قطّ[و لا زمّيتا] (5) ، و لا ركينا (6) ، و لا وقورا، ضبط من نفسه، و ملك من حركته مثل الّذي ضبط و ملك؛ و كان يصلى الغداة

____________

(1) الخبر فى الأغانى 13: 47-48.

(2) اسمه حاجب بن دينار المازنى؛ ذكره الجاحظ فى الحيوان 1: 191، و البيتان 2: 183.

(3) د، ف، حاشية الأصل (من نسخة) : «من جانبى نيق» . و من نسخة بحاشيتى الأصل، ف أيضا: «من جانب النيق» ، و النيق: أعلى الجبل.

(4) الحيوان 3: 343، و نقله الثعالبى فى ثمار القلوب 396-397.

(5) زيادة من م؛ و هى توافق ما فى الحيوان و الزميت، كسكيت العظيم الوقار.

(6) الركين: الرزين.

106

فى منزله و هو قريب الدار من مسجده، فيأتى مجلسه، فيحتبى و لا يتّكئ، و لا يزال منتصبا لا يتحرّك له عضو، و لا يلتفت، و لا تحلّ حبوته‏ (1) ، و لا يحوّل رجلا عن رجل، و لا يعتمد على أحد شقّيه، حتى كأنه بناء مبنىّ أو صخرة منصوبة؛ فلا يزال كذلك؛ حتى يقوم لصلاة الظهر، ثم يعود إلى مجلسه، فلا يزال كذلك/حتى يقوم لصلاة العصر، ثم يرجع إلى مجلسه‏ (2) ، فلا يزال كذلك حتى يقوم لصلاة المغرب، ثم ربما عاد إلى مجلسه‏ (3) ، بل كثيرا ما يكون ذلك إذا بقى عليه من قراءة العهد و الشروط و الوثائق، ثم يصلى العشاء (4) و ينصرف، لم يقم فى تلك الولاية مرة واحدة إلى الوضوء، و لا احتاج إليه، و لا شرب ماء و لا غيره من الشراب، و كذلك كان شأنه فى طوال الأيام و فى قصارها، و فى صيفها و شتائها، و كان مع ذلك لا يحرّك يدا (5) ، و لا يشير برأسه؛ و ليس إلا أن يتكلم ثم يوجز؛ و يبلغ بالكلام اليسير المعانى الكثيرة.

فبينما هو ذات يوم كذلك، و أصحابه حوله‏ (6) و فى السّماطين‏ (7) بين يديه إذ سقط على أنفه ذباب، فأطال السكوت و المكث، ثم تحوّل إلى مؤق‏ (8) عينه؛ فرام الصبر فى سقوطه على المؤق و على عضّته، و نفاذ خرطومه؛ كما رام الصبر على سقوطه على أنفه، من غير أن يحرّك أرنبته، أو يغضّن وجهه؛ أو يذبّ بإصبعه؛ فلما طال عليه ذلك من الذباب و أوجعه و أحرقه و قصد إلى مكان لا يحتمل التغافل عنه أطبق جفنه الأعلى على جفنه الأسفل فلم ينهض، فدعاه ذلك إلى أن والى بين الإطباق و الفتح؛ فتنحى ريثما سكن جفنه.

ثم عاد إلى موقفه‏ (9) ثانيا، أشد من مرته الأولى، فغمس خرطومه فى مكان قد كان أوهاه قبل ذلك، فكان احتماله له أضعف، و عجزه عن الصبر فى الثانية أقوى، فحرّك أجفانه، و زاد

____________

(1) الحبوة، بالفتح و تضم: أن يجمع الرجل بين ظهره و ساقيه بعمامة و نحوها.

(2) الحيوان: «لمجلسه» .

(3) الحيوان: «إلى محله» .

(4) فى ثمار القلوب: «العشاء الأخيرة» .

(5) الحيوان: «يده» .

(6) م: «حواليه» ؛ و هى رواية الحيوان.

(7) السماط: الصف.

(8) المؤق: طرف العين مما يلى الأنف.

(9) د، ف، و حاشية الأصل (من نسخة) : «موقه» .

107

فى شدة الحركة (1) فى تتابع الفتح و الإطباق، فتنحّى عنه بقدر ما سكنت حركته، ثم عاد إلى موضعه، فما زال يلحّ عليه حتى استفرغ جهده‏ (2) ، و بلغ مجهوده، فلم يجد بدّا من أن يذبّ عنه بيده، ففعل ذلك و عيون القوم إليه يرمقونه، كأنهم لا يرونه، فتنحى عنه بمقدار ما ردّ يده، و سكنت حركته، ثم عاد إلى موضعه؛ فألجأه إلى أن ذبّ عن وجهه بطرف كمه، ثم ألجأه إلى أن تابع بين ذلك، و علم أن ذلك كلّه بعين من حضر من أمنائه و جلسائه، فلما نظروا إليه قال: أشهد أن الذباب ألجّ‏ (3) من الخنفساء، و أزهى من الغراب، و أستغفر اللّه فما أكثر من أعجبته نفسه، فأراد اللّه أن يعرّفه من ضعفه ما كان عنه مستورا. و قد علمت أنى كنت/عند الناس من أرصن الناس، و قد غلبنى و فضحنى أضعف خلق اللّه، ثم تلا قول اللّه تعالى: ضَعُفَ اَلطََّالِبُ وَ اَلْمَطْلُوبُ ".

____________

(1) الحيوان: «فى فتح العين و تتابع الفتح» .

(2) م: «صبره» . و هى رواية الحيوان و ثمار القلوب.

(3) فى الثمار: «ألح» ، بالحاء.

108

مجلس آخر59

تأويل آية وَ إِذْ نَجَّيْنََاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ اَلْعَذََابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنََاءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِسََاءَكُمْ، وَ فِي ذََلِكُمْ بَلاََءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَ إِذْ نَجَّيْنََاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ اَلْعَذََابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنََاءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِسََاءَكُمْ، وَ فِي ذََلِكُمْ بَلاََءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ؛ [البقرة: 49].

فقال: ما تنكرون أن يكون فى هذه الآية دلالة على إضافة الأفعال التى تظهر من العباد إليه تعالى، من وجهين: أحدهما أنه قال بعد ما تقدم من أفعالهم و معاصيهم: وَ فِي ذََلِكُمْ بَلاََءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ فأضافها إلى نفسه، و الثانى أنه أضاف نجاتهم من آل فرعون إليه فقال: وَ إِذْ نَجَّيْنََاكُمْ ، و معلوم أنهم هم الذين ساروا حتى نجوا؛ فيجب أن يكون ذلك السير من فعله على الحقيقة حتى تصح الإضافة.

الجواب، قلنا: أما قوله تعالى: وَ فِي ذََلِكُمْ فهو إشارة إلى ما تقدّم ذكره من إنجائه لهم من المكروه و العذاب: و قد قال قوم: إنه معطوف على ما تقدّم من قوله تعالى:

يََا بَنِي إِسْرََائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ اَلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى اَلْعََالَمِينَ ؛ [البقرة: 47]، و البلاء هاهنا الإحسان و النعمة.

و لا شك فى أن تخليصه لهم من ضروب المكاره التى عددها اللّه نعمة عليهم و إحسان إليهم؛ و البلاء عند العرب قد يكون حسنا، و يكون شيئا، قال اللّه تعالى: وَ لِيُبْلِيَ اَلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاََءً حَسَناً [الأنفال: 17]؛ و يقول الناس فى الرجل إذا أحسن القتال و الثبات فى الحرب: قد أبلى فلان، و لفلان بلاء؛ و البلوى أيضا قد يستعمل فى الخير و الشر؛ إلا أن أكثر ما يستعملون البلاء الممدود فى الجميل و الخير، و البلوى المقصور فى السوء

109

و الشر، و قال قوم: أصل البلاء فى كلام العرب الاختبار و الامتحان، ثم يستعمل فى الخير و الشر؛ لأن الاختبار و الامتحان قد يكون فى الخير و الشر جميعا، كما قال تعالى:

وَ بَلَوْنََاهُمْ بِالْحَسَنََاتِ وَ اَلسَّيِّئََاتِ ؛ [الأعراف: 168]، يعنى اختبرناهم، و كما قال تعالى:

وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ اَلْخَيْرِ فِتْنَةً ؛ [الأنبياء: 35]، فالخير يسمى بلاء، و الشر يسمى بلاء؛ غير أن الأكثر فى الشر أن يقال: بلوته أبلوه بلاء، و فى الخير: أبليته أبليه إبلاء و بلاء؛ و قال زهير فى البلاء الّذي هو الخير:

/جزى اللّه بالإحسان ما فعلا بكم # و أبلاهما خير البلاء الّذي يبلو (1)

فجمع بين اللغتين، لأنه أراد: فأنعم اللّه عليهما خير النعمة التى يختبر بها عباده. و كيف يجوز أن يضيف تعالى ما ذكره عن آل فرعون من ذبح الأبناء و غيره إلى نفسه، و هو قد ذمّهم عليه، و وبّخهم!و كيف يكون ذلك من فعله؛ و هو تعالى قد عدّ تخليصهم منه نعمة عليهم!و كان يجب على هذا أن يكون إنما نجاهم من فعله تعالى بفعله، و هذا مستحيل لا يعقل و لا يحصل؛ على أنّه يمكن أن ترد قوله: ذََلِكُمْ إلى ما حكاه عن آل فرعون من الأفعال القبيحة؛ و يكون المعنى: فى تخليته بين هؤلاء و بينكم، و تركه منعهم من إيقاع هذه الأفعال بكم بلاء من ربّكم عظيم؛ أى محنة و اختبار لكم.

و الوجه الأول أقوى و أولى، و عليه جماعة من المفسرين.

و روى أبو بكر الهذلىّ عن الحسن فى قوله تعالى: وَ فِي ذََلِكُمْ بَلاََءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ، قال: نعمة عظيمة؛ إذ أنجاكم من ذلك؛ و قد روى مثل ذلك عن ابن عباس و السّدّيّ و مجاهد و غيرهم.

فأما إضافة النّجاة إليه و إن كانت واقعة بسيرهم و فعلهم؛ فلو دلّ على ما ظنّوه لوجب إذا قلنا: إنّ الرسول أنقذنا من الشّكّ، و أخرجنا من الضلالة إلى الهدى، و نجّانا من الكفر أن يكون فاعلا لأفعالنا.

و كذلك قد يقول أحدنا لغيره: أنا نجيتك من كذا و كذا، و استنقذتك و خلصتك،

____________

(1) ديوانه: 109؛ و الرواية فيه: «رأى اللّه بالإحسان.. » ، و هى رواية الأصمعى.

110

و لا يريد أنّه فعل بنفسه فعله. و المعنى فى ذلك ظاهر؛ لأن ما وقع بتوفيق اللّه تعالى و دلالته و هدايته و معونته و ألطافه قد يصح إضافته إليه فعلى هذا صحت إضافة النجاة إليه تعالى.

و يمكن أيضا أن يكون مضيفا لها من حيث ثبّط عنهم الأعداء، و شغلهم عن طلبهم؛ و كل هذا يرجع إلى المعونة؛ فتارة تكون بأمر يرجع إليهم، و تارة بأمر يرجع إلى أعدائهم.

فإن قيل: كيف يصحّ أن يقول: وَ إِذْ نَجَّيْنََاكُمْ فيخاطب بذلك من لم يدرك فرعون و لا نجا من شره؟

قلنا: ذلك معروف مشهور فى كلام العرب؛ و له نظائر؛ لأن العربىّ قد يقول مفتخرا على غيره: قتلناكم يوم عكاظ (1) و هزمناكم؛ و إنما يريد أنّ قومى فعلوا ذلك بقومك.

قال الأخطل يهجو جرير بن عطية:

/و لقد سما لكم الهذيل فنالكم # بإراب حيث يقسّم الأنفالا (2)

فى فيلق يدعو الأراقم لم تكن # فرسانه عزلا و لا أكفالا (3)

و لم يلحق جرير الهذيل؛ و لا أدرك اليوم الّذي ذكره؛ غير أنّه لما كان يوم من أيام قوم الأخطل على قوم جرير، أضاف الخطاب إليه و إلى قومه؛ فكذلك خطاب اللّه تعالى بالآية إنما توجّه إلى أبناء من نجّى من آل فرعون و أحلافهم. و المعنى: و إذ نجينا آباءكم و أسلافكم؛ و النعمة على السلف نعمة على الخلف.

***

____________

(1) فى حاشيتى الأصل، ف: «عكاظ: سوق للعرب معروفة كانوا يجتمعون فيها فيتفاخرون» .

(2) ديوانه 48 و فى حاشيتى الأصل، ف: «الهذيل بن هبيرة التغلبى، و كان غزا بنى رباح يوم إراب؛ و إراب اسم ماء» .

(3) الأراقم: قبائل معروفة، و العزل: الضعفاء و الأكفال: جمع كفل، و هو الّذي لا يثبت على ظهور الخيل؛ و مثله قول الشاعر:

ما كنت تلقى فى الحروب فوارسى # ميلا إذا ركبوا و لا أكفالا

.

111

قال سيدنا أدام اللّه تمكينه: و من أحسن الشعر فى تعوّد الضيافة و الأنس بها و الاستمرار عليها قول حاتم بن عبد اللّه الطائى:

إذا ما بخيل القوم هرّت كلابه # و شقّ على الضّيف الغريب عقورها (1)

فإنى جبان الكلب، بيتى موطّا # جواد إذا ما النّفس شحّ ضميرها

و إنّ كلابى مذ أقرّت‏ (2) و عوّدت # قليل على من يعترينا هريرها

أراد بقوله:

*قليل على من يعترينا هريرها*

أنها لا تهرّ جملة؛ و لذلك نظائر كثيرة، و مثله قوله تعالى: فَقَلِيلاً مََا يُؤْمِنُونَ ؛ [البقرة: 88] و مثل قوله: «فإنى جبان الكلب» معنى و لفظا قول الشاعر:

و ما يك فىّ من عيب فإنى # جبان الكلب مهزول الفصيل‏ (3)

و إنما أراد أنى أوثر الضيف بالألبان ففصالى مهازيل.

و مثل اللفظ و المعنى‏ (4) قول أبى وجزة:

و آل الزّبير بنو حرّة # مروا بالسّيوف الصّدور الجنافا (5)

____________

(1) ديوانه: 110؛ و الفاضل و المفضول 40-41، و فى د، و نسخة بحاشيتى الأصل، ف:

«بخيل الناس» ؛ و هى راية الديوان.

(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «أقرت» ؛ بالفتح.

(3) كتاب الصناعتين 351. و الحيوان 1: 384، و الحماسة بشرح المرزوقى 1650 من غير عزو.

(4) من أبيات ستة مذكورة فى الأغانى 12: 252 (طبع دار الكتب المصرية) ؛ و كان أبو وجزة متقطعا إلى آل الزبير؛ و إلى عبد اللّه بن عروة بن الزبير خاصة، و كان يفضل عليه و يقوم بأمره؛ ثم بلغه أن أبا وجزة أتى عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب فمدحه و وصله؛ فاطرحه عبد اللّه بن عروة، و أمسك يده عنه؛ فلم يزل أبو وجزة يمدح آل الزبير و يستعطف ابن عروة؛ و هو يشيح عنه إلى أن قال فيه هذه الأبيات، فرضى عنه و عاد إلى صلته.

(5) بعده.

سل الجرد عنهم و أيامها # إذا امتعطوا المرهفات الخفافا

امتعطوا: سلوا؛ و منه ذئب أمعط، منسل من شعره-

112

يموتون و القتل من دأبهم # و يغشون يوم السّيوف السّيافا (1)

و أجبن من صافر كلبهم # و إن قذفته حصاة أضافا

يقول: أدركوا بسيوفهم ثاراتهم؛ فكأنهم شفوا وغر قلوبهم، و أزالوا ما كان فيها من الأحقاد.

و معنى «مروا» استخرجوا كما ترى الناقة إذا أردت أن تحلبها لتدرّ. و الجانف: المائل.

ثم قال: و إن مات بعضهم على فراشه فإن أكثرهم يموت مقتولا؛ لشجاعتهم و إقدامهم، فلذلك قال: «و القتل من/دأبهم» .

و جعل كلبهم جبانا لكثرة من يغشاهم و يطرقهم من النّزّال و الأضياف فقد ألفتهم كلابهم و أنست بهم؛ فهى لا تنبحهم. و قيل أيضا: إنها لا تهرّ عليهم؛ لأنها تصيب مما ينحر لهم و تشاركهم فيه. و معنى:

*و إن قذفته حصاة أضافا*

أى أشفق؛ و هذا تأكيد لجبنه؛ و يقال: أضاف الرجل من الأمر إذا أشفق منه.

و معنى «و أجبن من صافر كلبهم» قد تقدم ذكره فى الأمالى.

و مثله فى المعنى:

يغشون حتى ما تهرّ كلابهم # لا يسألون عن السّواد المقبل‏ (2)

و قال المرار بن المنقذ العدوىّ:

أعرف الحقّ و لا أنكره # و كلابى أنس غير عقر (3)

____________

(1) رواية الأغانى:

يموتون و القتل داء لهم # و يصلون يوم السّياف السّيافا

و بعده:

إذا فرج القتل عن عيصهم # أبى ذلك العيص إلا التفافا

مطاعيم تحمد أبياتهم # إذا قنّع الشاهقات الطّخافا

قنعت: غطى رأسها. و الطخاف: السحاب المرتفع.

(2) البيت لحسان؛ ديوانه 80.

(3) من قصيدة مفضلية (82-93، طبعة المعارف) .

113

لا ترى كلبى إلاّ آنسا # إن أتى خابط ليل لم يهرّ (1)

كثر النّاس فما ينكرهم # من أسيف يبتغى الخير و حرّ

الأسيف: العبد هاهنا-

و قال آخر:

إلى ماجد لا ينبح الكلب ضيفه # و لا يتأدّاه احتمال المغارم‏ (2)

معنى «يتأداه» يثقله؛ و أراد أن يقول: يتأوّده؛ فقلب.

و قال ابن هرمة:

و إذا أتانا طارق متنوّر # نبحت فدلّته عليّ كلابى‏ (3)

و فرحن إذ أبصرنه فلقينه # يضربنه بشراشر الأذناب‏ (4)

و إنما تفرح به، لأنها قد تعودت إذا نزلت الضيوف أن ينحر لهم فتصيب من قراهم.

و مثله له:

و مستنبح تستكشط الرّيح ثوبه # ليسقط عنه، و هو بالثّوب معصم‏ (5)

عوى فى سواد اللّيل بعد اعتسافه # لينبح كلب، أو ليفزع نوّم‏ (6)

فجاوبه مستسمع الصّوت للقرى # له مع إتيان المهبّين مطعم‏

____________

(1) خابط ليل: ضيف يسير على غير هدى.

(2) البيت فى اللسان (أود) من غير نسبة.

(3) البيتان فى الخزانة 4: 584.

(4) حاشية الأصل: «شراشر الذنب: ذباذبه؛ و هى ما تدلى من شعر ذنبه» ، و يقال: شرشر الكلب؛ إذا ضرب بذنبه.

(5) حماسة أبى تمام-بشرح التبريزى 4-136-137، و الحيوان 1: 377، و الفاضل للمبرد 37-38، من غير عزو، و الخزانة 4: 584. و كشط و استكشط بمعنى، و المعصم: المستمسك بالشي‏ء.

(6) الاعتساف: السير على غير هدى.

114

يكاد إذا ما أبصر الضّيف مقبلا # يكلّمه من حبّه، و هو أعجم‏

أراد بقوله: «فجاوبه مستسمع الصوت» أنه جاوبه كلب. و المهبّون: الموقظون له و لأهله و هم/الأضياف؛ و إنما كان له معهم مطعم، لأنه ينحر لهم ما يصيب منه.

و أراد بقوله:

*يكلّمه من حبّه و هو أعجم*

بصبصته و تحريكه ذنبه.

و أما قوله: «ليفزع نوّم» فإنما أراد ليعين‏ (1) نوم، يقال: فزعت لفلان إذا أعنته‏ (2) .

و معنى «عوى فى سواد الليل» أنّ العرب تزعم أنّ سارى الليل إذا أظلم عليه و ادلهمّ فلم يستبن محجة، و لم يدر أين الحلّة وضع وجهه على‏ (3) الأرض، و عوى عواء الكلب لتسمع‏ (4) ذلك الصوت الكلاب إن كان الحىّ قريبا منه فتجيبه، فيقصد الأبيات. و هذا معنى قوله أيضا: «و مستنبح» ، أى ينبح نبح الكلاب‏ (5) .

____________

(1) حاشية الأصل، ف (من نسخة) : «ليغيث» .

(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف:

«أغثته» .

(3) ف، و حاشية الأصل (من نسخة) : «مع الأرض» .

(4) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «لتستمع» .

(5) حاشية الأصل: «مما يناسب هذا الفن قول امرأة من بنى عامر ترثى رجلا:

أيا شجرات الواد من يضمن القرى # إذا لم يكن بالواد عمرو بن عامر

فتى جعفرىّ كان غير ميامن # طريق الندى عنه و غير مياسر

و لكن إليه قصد كلّ محصّب # صبور على مستصعبات الجرائر

و مستنبح تزهى الصّبا عنه ثوبه # تقلّبه الأرواح بين الدياجر

يجاوبه كلبان، و الليل مسدف # يكادان يبتدّانه بالشراشر

يكادان من وجد به و تملق # يقولان: أهلا بالمكلّ المسافر

قولها «يبتدانه» ، أى يأتيانه من جانبيه يتبصبصان و يقال: السبعان يبتدان الرجل ابتدادا، أى يأتيانه، و الرضيعان يبتدان أمهما، و لا تقل: فلانة يبتدها ابنها حتى يكونا اثنين» .

115

و قال الفرزدق:

وداع بلحن الكلب يدعو و دونه # من اللّيل سجفا ظلمة و غيومها (1)

دعا و هو يرجو أن ينبّه إذ دعا # فتى كابن ليلى حين غارت نجومها

ابن ليلى، يعنى أباه غالبا-

بعثت له دهماء ليست بلقحة (2) # تدرّ إذا ما هبّ نحسا عقيمها

معنى «بعثت له دهماء» أى رفعتها على أثافيّها؛ و يعنى بالدهماء القدر. و اللّقحة: الناقة؛ و أراد أن قدره تدرّ إذا هبت الريح عقيما لا مطر فيها-

كأنّ المحال‏ (3) الغرّ فى حجراتها # عذارى بدت لمّا أصيب حميمها

أراد أن قطع اللحم لا تستتر منها (4) بشي‏ء؛ كما لا تستتر العذارى اللواتى أصيب حميمهنّ فيظهرن حواسر-

غضوبا كحيزوم النعامة أحمشت # بأجواز خشب زال عنها هشيمها (5)

الأجواز: الأوساط، و أوسط الخشب أصلبه و أبقى نارا-

محضرة لا يجعل السّتر دونها # إذا المرضع العوجاء جال يريمها

البريم: الحقاب‏ (6) ؛ و إنما يجول من الهزال و الجهد و الطوى. و العوجاء: التى قد اعوجّت من الطوى.

و قال الأخطل فى الضيف:

دعانى بصوت واحد فأجابه # مناد بلا صوت، و آخر صيّت‏ (7)

____________

(1) ديوانه: 803؛ و الرواية فيه:

وداع بنبح الكلب يدعو و دونه # غياطل من دهماء داج بهيمها

.

(2) الديوان: «بناقة» .

(3) المحال: القطع.

(4) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «فيها» .

(5) هذا البيت و الّذي يليه لم يذكرا فى الديوان.

(6) الحقاب: شي‏ء محلى تشده المرأة على وسطها.

(7) الخزانة 4: 584.

116

ذكر ضيفا عوى بالليل و الصّدى من الجبل يجيبه؛ فذلك معنى قوله: «بصوت واحد» ، و قوله: «فأجابه مناد/بلا صوت» ، يعنى نارا رفعها له فرأى سناها فقصدها، و الآخر الصّيت الكلب، لأنه أجاب دعواه.

و مثله:

و سارى ظلام مقفعلّ و هبوة # دعوت بضوء ساطع فاهتدى ليا

يعنى نارا رفعها ليقصده طرّاق الليل. و المقفعلّ: المنتفض‏ (1) من شدة البرد.

و أنشد محمد بن يزيد:

و مستنبح تهوى مساقط رأسه # إلى كلّ شخص فهو للصّوت أصور (2)

حبيب إلى كلب الكرام مناخه # بغيض إلى الكوماء، و الكلب أعذر (3)

دعته بغير اسم: هلمّ إلى القرى # فأسرى يبوع الأرض شقراء تزهر

معنى «أصور» مائل؛ أراد أنه يميل رأسه إلى كلّ شخص يتخيل له يظنه إنسانا.

و معنى: «حبيب إلى قلب الكرام» المعنى الّذي تقدم‏

و معنى: «بغيض إلى الكوماء» إلى الناقة لأنها تنحر له.

و قوله: «دعته شقراء بغير اسم» يعنى نارا رأى ضوأها فقصدها؛ فكأنها دعته.

و قال ابن هرمة و قد نزل به ضيف:

فقلت لقينىّ ارفعاها و حرّقا # لعلّ سنا نارى بآخر تهتف‏ (4)

و فى معنى قوله: «بغيض إلى الكوماء» قول بعض الشعراء يمدح رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:

و أبيك حيرا إنّ إبل محمّد # عزل تناوح أن تهبّ شمال‏

____________

(1) حاشية الأصل (من نسخة) : «المتقبض» .

(2) حماسة أبى تمام-بشرح المرزوقى 1645.

(3) ف: «أبصر» ؛ و هى رواية الحماسة. و فى حاشية الأصل: «أعذر، أى أمعن فى كونه معذورا فى الحب» .

(4) القين: الخادم.

117

و إذا رأين لدى الفناء غريبة # ذرفت لهنّ من الدّموع سجال‏

و ترى لها زمن الشّتاء على الثّرى # رخما، و ما تحيا لهنّ فصال‏

أراد أبيك الخير، فلما طرح الألف و اللام نصب. و العزل: التى لا سلاح معها؛ و سلاح الإبل سنامها (1) و أولادها؛ و إنما جعلوا ذلك كالسلاح لها من حيث كان صاحبها إذا رأى سمنها و حسن أجسامها، و رأى أولادها تتبعها نفس بها على الأضياف فامتنع من نحرها، فلما كان ذلك صادّا عن الذبح، و مانعا منه جرى مجرى السلاح لها؛ فكأنه يقول: هذه الإبل و إن كانت ذوات سلاح؛ من حيث كانت شحيمة سمينة فهى كالعزل إذ كان سلاحها لا يغنى عنها شيئا، و لا يمنع من عقرها.

و معنى: «تناوح» يقابل بعضها بعضا، أى هنّ مدفآت بأسنمتها و أوبارها/لا تبالى بهبوب الشمال، و لا يدخل بعضها فى بعض من البرد.

و قوله:

*و إذا رأين لدى الفناء غريبة*

أى إذا نزل ضيف فعقل ناقته التى جاء عليها و هى الغريبة علمن أنه سينحر بعضهم لا محالة؛ فلذلك تذرف دموعهن.

و قوله:

و ترى لها زمن الشّتاء على الثرى # رخما.....

فقد قيل فيه: إنه أراد به أن يهب فصالهن فتبقى ألبانهن على الأرض كهيئة الرّخم.

و حكى عن ابن عباس أنه قال: الرّخم: قطع العلق من الدم.

و عندى أن المعنى غير هذين جميعا؛ و إنما أراد أنها تنحر و تعقر فتسقط الرّخم على موضع عقرها و بقايا دمائها و أشلائها؛ فهذا معنى قوله، لا ما تقدّم.

____________

(1) د، ف: «سمنها» .

118

و قال آخر فى معنى سلاح الإبل يمدح بنى عوذ بن غالب من عبس‏ (1) ؛

جزى اللّه عنى غالبا خير ما جزى # إذا حدثان الدّهر نابت نوائبه‏ (2)

إذا أخذت بزل المخاض سلاحها # تجرّد فيها متلف المال كاسبه‏ (3)

أراد أن سمنها و حسنها و تمامها لا يمنعنى‏ (4) من عقرها للأضياف.

و مثله:

إذا البقل فى أصلاب شول ابن مسهر # نما لم يزده البقل إلاّ تكرّما

إذا أخذت شول البخيل رماحها # دحا برماح الشّول حتّى تحطّما

و قوله: «أخذت رماحها» من المعنى المتقدم.

و قال مسكين الدارمىّ:

فقمت و لم تأخذ إلى رماحها # عشارى، و لم أرجب‏ (5) عراقبها عقرا

لم أرجب: لم أكبر ذلك و لم يعظم عليّ، و سمّى رجب رجبا من ذلك؛ لأنه شهر معظّم.

و قالت ليلى الأخيلية:

____________

(1) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «قيس» .

(2) من أبيات أربعة فى حماسة أبى تمام-بشرح المرزوقى 1666-1667؛ و بعده:

فكم دافعوا من كربة قد تلاحمت # عليّ، و موج قد علتنى غواربه‏

إذا قلت عودوا عاد كلّ شمردل # أشمّ من الفتيان جزل مواهبه‏

إذا أخذت...

(3) البزل: جمع بازل؛ و هو المتناهى قوة و شبابا. و المخاض: النوق الحوامل.

(4) د، و من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «يمنعه» .

(5) فى حاشيتى الأصل، ف: «و لم أحفل» .

119

و لا تأخذ الكوم الحياد سلاحها # لتوبة فى قرّ الشّتاء الصنابر (1)

و مثله:

لا أخون الصّديق ما حفظ العهـ # د، و لا تأخذ السّلاح لقاحى‏

و قال النمر بن تولب:

أزمان لم تأخذ إلى سلاحها # إبلى بجلّتها و لا أبكارها (2)

ابتزّها ألبانها و لحومها # فأهين ذاك لضيفها و لجارها

/و قال مضرّس بن ربعىّ الأسدىّ:

و ما نلعن الأضياف إن نزلوا بنا # و لا يمنع الكوماء منّا نصيرها

و معنى: «لا نلعنهم» ، أى لا نبعدهم، و اللعين: البعيد. و نصيرها هاهنا:

ما يمنع من عقرها من حسن و تمام و ولد و ما جرى مجرى ذلك. و النصير و السلاح فى المعنى واحد.

____________

(1) حماسة ابن الشجرى: 84؛ من أبيات ترثى فيها توبة بن الحمير الخفاجى، و رواية البيت هناك:

و لا تأخذ الكوم المخاض سلاحها # لتوبة فى صرّ الشتاء الصّنابر

و الصنابر: جمع صنبر؛ و هو البرد الشديد.

(2) البيت فى اللآلى 632. و الجلة: المسان.

120

مجلس آخر 60

تأويل آية وَ لاََ تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فََاعِلٌ ذََلِكَ غَداً `إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَ لاََ تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فََاعِلٌ ذََلِكَ غَداً `إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ ؛ [الكهف: 23].

فقال: ما تنكرون أن يكون ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون جميع ما نفعله يشاؤه و يريده؟ لأنه لم يخصّ شيئا من شي‏ء؛ و هذا بخلاف مذهبكم. و ليس لكم أن تقولوا: إنه خطاب للرسول عليه و آله السلام خاصة؛ و هو لا يفعل إلا ما يشاؤه اللّه؛ لأنه قد يفعل المباح بلا خلاف؛ و يفعل الصغائر عند أكثركم؛ فلا بد من أن يكون فى أفعاله تعالى ما لا يشاؤه عندكم، و لأنه أيضا تأديب لنا، كما أنه تعليم له عليه السلام؛ و لذلك يحسن منا أن نقول ذلك فيما يفعله.

الجواب، قلنا: تأويل هذه الآية مبنىّ على وجهين:

أحدهما أن نجعل حرف الشرط الّذي هو «إن» متعلقا بما يليه و بما هو متعلّق به فى الظاهر من غير تقدير محذوف؛ و يكون التقدير: و لا تقولن إنك تفعل إلا ما يريد اللّه.

و هذا الجواب ذكره الفراء، و ما رأيته إلا له. و من العجب تغلغله إلى مثل هذا؛ مع مع أنه لم يكن متظاهرا بالقول بالعدل. و على هذا الجواب لا شبهة فى الآية، و لا سؤال للقوم علينا.

و فى هذا الوجه ترجيح‏ (1) لغيره من حيث اتبعنا فيه الظاهر، و لم نقدّر محذوفا، و كلّ جواب مطابق الظاهر و لم يبن على محذوف كان أولى.

____________

(1) فى حاشيتى الأصل، ف: «المعنى أن اللّه تعالى ينهى أن يقول أحد إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء اللّه؛ لأن اللّه تعالى لا يشاء جميع ما يفعلونه؛ و كأنه تعالى نهاهم عن تعليق أفعالهم بمشيئة اللّه عز و جل. و هو حسن» .

121

و الجواب الآخر أن نجعل «أن» متعلقة بمحذوف؛ و يكون التقدير: و لا تقولن لشي‏ء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن تقول: «إن شاء اللّه» ؛ لأن من عاداتهم إضمار القول فى مثل هذا الموضع، و اختصار الكلام إذا طال و كان فى الموجود منه دلالة على المفقود.

و على هذا الجواب يحتاج إلى الجواب عما سئلنا عنه، فنقول: هذا تأديب من اللّه تعالى/ لعباده، و تعليم لهم أن يعلّقوا ما يخبرون به بهذه اللفظة؛ حتى يخرج من حد القطع.

و لا شبهة فى أن ذلك مختصّ بالطاعات، و أنّ الأفعال القبيحة خارجة عنه؛ لأن أحدا من المسلمين لا يستحسن أن يقول: إنى أزنى غدا إن شاء اللّه، أو أقتل مؤمنا، و كلهم يمنع من ذلك أشدّ المنع؛ فعلم سقوط شبهة من ظن أن الآية عامّة فى جميع الأفعال.

و أما أبو عليّ محمد بن عبد الوهاب فإنه ذكر فى تأويل هذه الآية ما نحن ذاكروه بعينه، قال"إنما عنى بذلك أنّ من كان لا يعلم أنه يبقى إلى غد حيا فلا يجوز أن يقول: إنى سأفعل غدا كذا و كذا، فيطلق الخبر بذلك و هو لا يدرى، لعله سيموت و لا يفعل ما أخبر به؛ لأن هذا الخبر إذا (1) لم يوجد مخبره على ما أخبر به‏ (1) فهو كذب؛ و إذا كان المخبر لا يأمن أن لا يوجد مخبره لحدوث أمر من فعل اللّه نحو الموت أو العجز أو بعض الأمراض، أو لا يحدث‏ (2) ذلك بأن يبدو له هو فى ذلك، فلا يأمن أن يكون خبره كذبا فى معلوم اللّه عز و جل؛ و إذا لم يأمن ذلك لم يجز أن يخبر به؛ و لا يسلم خبره هذا من الكذب إلا بالاستثناء الّذي ذكره اللّه تعالى؛ فإذا قال: إنى صائر غدا إلى المسجد إن شاء اللّه، فاستثنى فى مصيره مشيئة اللّه أمن أن يكون خبره فى هذا كذبا؛ لأن اللّه إن شاء أن يلجئه إلى المصير إلى المسجد غدا ألجأه إلى ذلك؛ و كان المصير منه لا محالة؛ فإذا كان ذلك على ما وصفنا لم يكن خبره هذا كذبا؛ و إن لم يوجد منه المصير إلى المسجد؛ لأنه لم يوجد ما استثناه فى ذلك من مشيئة اللّه تعالى".

____________

(1-1) د، و من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «إذا لم يوجد مخبر على ما أخبر به المخبر» .

(2) م: «لا يوجد ذلك» .

122

قال: "و ينبغى ألا يستثنى مشيئة دون مشيئة، لأنه إن استثنى فى ذلك مشيئة اللّه لمصيره إلى المسجد على وجه التعبد، فهو أيضا لا يأمن أن يكون خبره كذبا؛ لأن الإنسان قد يترك كثيرا مما يشاؤه اللّه تعالى منه و يتعبده به، و لو كان استثناء مشيئة اللّه لأن يبقيه و يقدره و يرفع عنه الموانع كان أيضا لا يأمن أن يكون خبره كذبا؛ لأنه قد يجوز ألاّ يصير إلى المسجد مع تبقية اللّه تعالى له قادرا مختارا، فلا يأمن من الكذب فى هذا الخبر دون أن يستثنى المشيئة العامة التى ذكرناها، فإذا دخلت هذه المشيئة فى الاستثناء فقد أمن أن يكون خبره كذبا/إذا كانت هذه المشيئة متى وجدت وجب أن يدخل المسجد لا محالة".

قال: "و بمثل هذا الاستثناء يزول الحنث عمن حلف فقال: و اللّه لأصيرنّ غدا إلى المسجد إن شاء اللّه، لأنه إن استثنى على سبيل ما بيّنا لم يجز أن يحنث فى يمينه، و لو خص استثناءه بمشيئة بعينها ثم كانت و لم يدخل معها المسجد حنث فى يمينه".

و قال غير أبى عليّ: إن المشيئة المستثناة هاهنا هى مشيئة المنع و الحيلولة؛ فكأنه قال:

إن شاء اللّه يخلينى و لا يمنعنى.

و فى الناس من قال: القصد بذلك أن يقف الكلام على جهة القطع و إن لم يلزم به ما كان يلزم لو لا الاستثناء، و لا ينوى فى ذلك إلجاء و لا غيره؛ و هذا الوجه يحكى عن الحسن البصرىّ.

و اعلم إن فى الاستثناء (1) الداخل على الكلام وجوها مختلفة؛ فقد يدخل على الأيمان و الطلاق و العتاق و سائر العقود و ما يجرى مجراها من الأخبار؛ فإذا دخل ذلك اقتضى التوقيف عن إمضاء الكلام و المنع من لزوم ما يلزم به إزالته عن الوجه الّذي وضع له؛ و لذلك يصير ما تكلّم به كأنه لا حكم له؛ و لذلك يصح على هذا الوجه أن يستثنى فى الماضى فيقول: قد

____________

(1) د، ف: «للاستثناء» .

123

دخلت الدار إن شاء اللّه، ليخرج بهذا الاستثناء من أن يكون كلامه خبرا قاطعا أو يلزمه حكم.

و إنما لم يصحّ دخوله فى المعاصى على هذا الوجه؛ لأن فيه إظهار الانقطاع‏ (1) إلى اللّه تعالى؛ و المعاصى لا يصح ذلك فيها؛ و هذا الوجه أحد (2) ما يحتمله تأويل الآية.

و قد يدخل الاستثناء فى الكلام فيراد به اللطف و التسهيل. و هذا الوجه يخصّ الطاعات، و لهذا الوجه جرى قول القائل: لأقضينّ غدا ما عليّ من الدين، و لأصلّينّ غدا إن شاء اللّه مجرى أن يقول: إنى أفعل ذلك إن لطف اللّه تعالى فيه و سهّله؛ فعلم أن المقصد واحد، و أنه متى قصد الحالف فيه هذا الوجه لم يجب إذا لم يقع‏ (3) منه هذا الفعل أن يكون حانثا و كاذبا، لأنه إن لم يقع علمنا أنه لم يلطف له‏ (4) ، لأنه لا لطف له.

و ليس لأحد أن يعترض هذا بأن يقول: الطاعات لا بدّ فيها من لطف؛ و ذلك لأنّ فيها ما لا لطف فيه جملة، فارتفاع ما هذه سبيله يكشف عن أنه لا لطف فيه، و هذا الوجه لا يصح أن يقال فى الآية أنه يخص الطاعات؛ و الآية/تتناول كلّ ما لم يكن قبيحا؛ بدلالة إجماع‏ (5) المسلمين على حسن الاستثناء ما تضمنته فى فعل ما لم يكن قبيحا.

و قد يدخل الاستثناء فى الكلام و يراد به التسهيل و الإقدار و التخلية و البقاء على ما هي عليه من الأحوال؛ و هذا هو المراد به إذا دخل فى المباحات.

و هذا الوجه يمكن فى الآية إلا أنه يعترضه ما ذكره أبو على مما حكيناه من كلامه.

و قد يذكر استثناء المشيئة أيضا فى الكلام و إن لم يرد به فى شي‏ء مما تقدم؛ بل يكون الغرض إظهار الانقطاع إلى اللّه تعالى من غير أن يقصد إلى شي‏ء من الوجوه المتقدمة.

و قد يكون هذا الاستثناء غير معتدّ به فى كونه كاذبا أو صادقا؛ لأنه فى الحكم كأنه

____________

(1) م: «إظهارا للانقطاع» .

(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «أجود» .

(3) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «و إن لم يقع منه» .

(4) حاشية الأصل (من نسخة) :

«لم يلطف فيه» .

(5) ف، و حاشية الأصل (من نسخة) : «اجتماع» .

124

قال: لأفعلنّ كذا إذا وصلت إلى مرادى مع انقطاعى إلى اللّه تعالى و إظهارى الحاجة إليه؛ و هذا الوجه أيضا مما يمكن فى تأويل الآية.

و من تأمل جملة ما ذكرناه من الكلام عرف منه الجواب عن المسألة التى لا يزال يسأل عنها المخالفون من قولهم: لو كان اللّه تعالى إنما يريد العبادات من الأفعال دون المعاصى لوجب إذا قال من لغيره عليه دين طالبه به: و اللّه لأعطينّك حقّك غدا إن شاء اللّه أن يكون كاذبا أو حانثا إذا لم يفعل؛ لأن اللّه تعالى قد شاء ذلك منه عندكم، و إن كان لم يقع؛ فكان يجب أن تلزمه الكفارة؛ و ألا يؤثر هذا الاستثناء فى يمينه، و لا يخرجه عن كونه حانثا؛ كما أنه لو قال: و اللّه لأعطينّك حقك غدا إن قدم زيد فقدم و لم يعطه يكون حانثا؛ و فى إلزام هذا الحنث خروج عن إجماع المسلمين، فصار ما أوردناه جامعا لبيان تأويل الآية، و للجواب عن هذه المسألة و نظائرها من المسائل، و الحمد للّه وحده.

***

قال سيدنا أدام اللّه تمكينه: تأمّلت ما اشتملت عليه تشبيهات الشعراء فوجدت أكثر ما شبهوا فيه الشي‏ء بالشي‏ء الواحد، أو الشيئين بالشيئين؛ و قد تجاوزوا ذلك إلى تشبيه ثلاثة بثلاثة، و أربعة بأربعة، و هو قليل؛ و لم أجد من تجاوز هذا القدر إلا قطعة مرّت بى لابن المعتز، فإنها تضمنت تشبيه ستة أشياء بستة أشياء.

فأما تشبيه الواحد بالواحد فمثل قول عنترة فى وصف الذباب:

هزجا يحكّ ذراعه بذراعه # قدح المكبّ على الزّناد الأجذم‏ (1)

/و مثله قول عدى بن الرّقاع:

____________

(1) من المعلقة، ص 182-بشرح التبريزى. الهزج: السريع الصوت.

125

تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه # قلم أصاب من الدّواة مدادها (1)

و مثله قول امرئ القيس:

كأنّ عيون الوحش حول قبابنا # و أرحلنا الجزع الّذي لم يثقّب‏ (2)

و قوله:

إذا ما الثّريّا فى السّماء تعرّضت # تعرّض أثناء الوشاح المفصّل‏ (3)

و لذى الرّمة:

وردت اعتسافا و الثّريّا كأنّها # على قمّة الرّأس ابن ماء محلّق‏ (4)

و هذا الباب أكثر من أن يحصى.

فأما تشبيه شيئين بشيئين فمثل قول امرئ القيس يصف عقابا:

كأنّ قلوب الطّير رطبا و يابسا # لدى و كرها العنّاب و الحشف البالى‏ (5)

و قوله:

و كشح لطيف كالجديل مخصّر # و ساق كأنبوب السّقيّ المذلّل‏ (6)

____________

(1) الطرائف الأدبية: 88. و فى حاشية الأصل: «أى تزجى البقرة ولدا فى صوته غنة؛ كأن رأس قرنه قلم قد سود بمداد» .

(2) ديوانه 88. الجزع، بالفتح و يكسر: الخرز اليمانىّ.

(3) ديوانه: 27. تعرضت: أبدت عرضها، و الأثناء: جمع ثنى؛ و هو ما انثنى من الوشاح، و الوشاح: قلائد يضم بعضها إلى بعض؛ تكون من لؤلؤ و جوهر منظومين مخالف بينهما، معطوف أحدهما على الآخر، و تتوشح به المرأة فتشده بين عاتقها و كشحها، و المفصل: المرصع ما بين كل خرزتين منه بلؤلؤة أو ذهب، و تعرض الثريا يكون عند انصبابها للمغيب. و فى طبقات الشعراء: 73: "أنكر قوم قوله: «إذا ما الثريا فى السماء تعرضت» ، و قالوا: الثريا لا تتعرض". و قال بعض العلماء: عنى الجوزاء، و قد تفعل العرب بعض ذلك؛ قال زهير:

فتنتج لكم غلمان أشأم، كلّهم # كأحمر عاد، ثم، ترضع فتفطم‏

يريد أحمر ثمود.

(4) ديوانه: 401.

(5) ديوانه: 70. العناب: ثمر أحمر، و الحشف: ما يبس من التمر.

(6) ديوانه: 32. الجديل: زمام يتخذ من سيور فيجى‏ء حسنا لينا يتثنى. و الأنبوب البردى؛ و هو الّذي ينبت وسط النخل؛ يشبه به لبياضه. و السقى: النخل المسقى؛ كأنه قال كأنبوب النخل السقى، و المذلل: الّذي سقى و ذلل بالماء.

126

و لبشار:

كأنّ مثار النّقع فوق رءوسهم # و أسيافنا ليل تهاوى كواكبه‏ (1)

و لآخر:

كأنّ سموّ النّقع و البيض حوله # سماوة ليل أسفرت عن كواكب‏

و قول أبى نواس:

كأنّ صغرى و كبرى من فقاقعها # حصباء درّ على أرض من الذّهب‏ (2)

و لآخر:

إنّ الشّمول هى التى # جمعت لأهل الودّ شملا (3)

شبّهتها و حبابها # بشقائق يحملن طلاّ (4)

و لآخر:

أبصرته و الكأس بين فم # منه و بين أنامل خمس‏

فكأنّها و كأنّ شاربها (5) # قمر يقبّل عارض الشّمس‏

/و لآخر:

حتى إذا جليت فى الكأس خلت بها # عقيقة جليت فى قشر بلّور (6)

____________

(1) ديوانه 1: 318. النقع: غبار الحرب.

(2) حاشية الأصل: «أصل السماوة المفازة الواسعة؛ و يعنى به الهواء. » .

(3) ديوانه: 243. و فى حاشيتى الأصل، ف: «أخذ على أبى نواس استعماله «فعلى» هذه بلا ألف و لام» .

(4) الشمول: الخمر. قال فى اللسان: "لأنها تشمل بريحها الناس؛ و قيل: سمعت بذلك لأن لها عصفة كعصفة الشمال".

(5) الطل: أخف المطر و أضعفه.

(6) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف:

*فكأنّه و الكأس فى يده*

جليت، من الجلوة، و بها أى مكانها؛ و فى حاشية الأصل: بلور كتنور، و بلور كسنور، كلاهما صحيح» .

127

تعلى إذا مزجت فى كأسها حببا # كأنّه عرق فى خدّ مخمور

و قال البحترىّ:

شقائق يحملن النّدى فكأنّه # دموع التّصابى فى خدود الخرائد (1)

و قال آخر:

فكأنّ الرّبيع يجلو عروسا # و كأنّا من قطره فى نثار (2)

و لأبى العباس الناشئ:

كأنّ الدّموع على خدّها # بقيّة طلّ على جلنار

و قال ابن الرومى و أحسن:

لو كنت يوم الفراق حاضرنا # و هنّ يطفئن غلّة الوجد (3)

لم تر إلا الدّموع سافحة # تسفح من مقلة على خدّ

كأنّ تلك الدّموع قطر ندى # يقطر من نرجس على ورد (4)

و قال جران العود:

أبيت كأنّ اللّيل أفنان سدرة # عليها سقيط من ندى الطّلّ ينطف‏ (5)

أراقب لمحا من سهيل كأنّه # إذا ما بدا فى آخر اللّيل يطرف‏

و لابن المعتز:

سقتنى فى ليل شبيه بشعرها # شبيهة خدّيها بغير رقيب‏

فأمسيت فى ليلين بالشّعر و الدّجى # و شمسين من خمر و وجه حبيب‏ (6)

____________

(1) ديوانه 1: 136.

(2) فى حاشيتى الأصل، ف: «شبه ما تناثر عليهم من قطر المطر بالنثار» .

(3) ديوانه ورقة 94 (مخطوطة دار الكتب المصرية) .

(4) فى ف: «كأن العين» و هو رواية.

(5) ديوانه: 13-14.

(6) شرح ديوان المتنبى للعكبرى 1: 260.

128

و قال المتنبى:

نشرت ثلاث ذوائب من شعرها # فى ليلة فأرت ليالى أربعا (1)

و استقبلت قمر السماء بوجهها # فأرتنى القمرين فى وقت معا (2)

/فأما تشبيه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء فمثل قول مانى الموسوس:

نشرت غدائر شعرها لتظلّنى # خوف العيون من الوشاة الرّمق‏

فكأنّه و كأنّها (3) و كأنّنى # صبحان باتا تحت ليل مطبق‏

و لبعضهم:

روض ورد خلاله نرجس غـ # ضّ يحفّان أقحوانا نضيرا

ذا يباهى لنا خدودا، و ذا يحـ # كى عيونا، و ذا يضاهى ثغورا

و لآخر فى النرجس:

مداهن تبر بين أوراق فضّة # لها عمد مخروطة من زبرجد

و للبحترىّ فى وصف ضمر المطايا و نحولها:

كالقسىّ المعطّفات بل الأسـ # هم مبريّة بل الأوتار (4)

و لبعض الطالبيين:

و أنا ابن معتلج البطاح إذا غدا # غيرى و راح على متون ضوامر (5)

____________

(1) ديوانه 1: 260.

(2) حاشية الأصل (من نسخة) : «فى ليل معا» .

(3) حاشية الأصل (من نسخة) : «فكأنها و كأنه» .

(4) ديوانه 2: 24.

(5) حاشية الأصل: «المعتلج: المكان الّذي تختلف فيه الأباطح؛ و أصله من اعتلجت الأمواج إذا التطمت» . و البطاح: جمع بطحاء؛ و هى بطاح مكة. و عن ابن الأعرابى: قريش البطاح الذين ينزلون الشعب بين أخشبى مكة.

129

يفترّ عنّى ركنها و حطيمها # كالجفن يفتح عن سواد النّاظر

كجبالها شرفى، و مثل سهولها # خلقى، و مثل ظبائهنّ مجاورى‏

و أما تشبيه أربعة بأربعة فمثل قول امرئ القيس:

له أيطلا ظبى، و ساقا نعامة # و إرخاء سرحان، و تقريب تتفل‏ (1)

و لآخر:

كفّ تناول راحها بزجاجة (2) # خضراء تقذف بالحباب و تزبد

فالكفّ عاج، و الحباب لآلئ، # و الرّاح تبر، و الإناء زبرجد

و لبعضهم و قد أهدى إليه نرجس و أقحوان و شقائق و آس، فكتب إلى المهدىّ:

للّه ما أظرف أخـ # لاقك يا بدر الكرم‏

أهديت ما ناسبنها # حسنا و ظرفا و مشمّ‏

/فما رأينا مهديا # قبلك فى كلّ الأمم‏

أهدى العيون و الخدو # د و الثّغور و اللّمم‏

و لآخر:

أفدى حبيبا له بدائع أو # صاف تعالت عن كلّ ما أصف‏

كالبدر يعلو، و الشّمس تشرق، و الغزال يعطو، و الغصن ينعطف‏ (3) و للمتنبى:

بدت قمرا، و ماست خوط بان، # و فاحت عنبرا، و رنت غزالا (4)

____________

(1) ديوانه: 39. أيطلا الظبى: خاصرتاه؛ و خص الظبى لأنه ضامر. و السرحان: الذئب؛ و الإرخاء: نوع من الجرى فيه سهولة. و التتفل: ولد الثعلب. و التقريب: أن يرفع يديه معا و يضعهما معا.

(2) حاشية الأصل: «بزجاجة، الباء للآلة؛ أى بواسطة زجاجة، و يجوز أن تكون الباء للاستصحاب» .

(3) حاشية الأصل (من نسخة) : «يعطو، أى يتناول ورق الشجر، و يكون الظبى فى تلك الحال أحسن» .

(4) ديوانه 3: 224. الخوط: القضيب.

130

و لآخر:

سفرن بدورا، و انتقبن أهلّة، # و مسن غصونا، و التفتن جآذرا (1)

و أما تشبيه خمسة بخمسة فقول الوأواء الدمشقىّ، و هو أبو الفرج:

و أسبلت لؤلؤا من نرجس، و سقت # وردا، و عضّت على العنّاب بالبرد (2)

و أما تشبيه ستة بستة فلم أجده إلا لابن المعتز فى قوله:

بدر و ليل و غصن # وجه و شعر و قد (3)

خمر و ورد و درّ # ريق و ثغر و خدّ

____________

(1) شرح العكبرى للمتنبى 2: 224، من غير نسبة.

(2) ديوانه: 84؛ و روايته:

«و أمطرت» . و قبله:

قالت، و قد فتكت فينا لواحظها # كم ذا؟أ ما لقتيل الحب من قود!

.

(3) حاشية الأصل: «تشبيهات ابن المعتز و إن كانت ستة بستة فإنها فى بيتين؛ و أعجب من ذلك و أحسن قول المخزومى:

نقا الرّدف، غصن المنثنى، حيّة الحشا # دجى اللّيل، بدر الوجه، ظبى المقلّد

.

131

مجلس آخر 61

تأويل آية رَبَّنََا لاََ تُؤََاخِذْنََا إِنْ نَسِينََا أَوْ أَخْطَأْنََا

إن سأل سائل عن قوله تعالى: رَبَّنََا لاََ تُؤََاخِذْنََا إِنْ نَسِينََا أَوْ أَخْطَأْنََا ؛ [البقرة: 286].

فقال: كيف يجوز أن يأمرنا على سبيل العبادة بالدّعاء بذلك، و عندكم أن النسيان من فعله تعالى؟و لا تكليف على الناسى فى حال نسيانه؛ و هذا يقتضي أحد أمرين: إما أن يكون النسيان من فعل العباد على ما يقوله كثير من الناس، أو نكون متعبدين بمسألته تعالى ما نعلم أنه واقع حاصل؛ لأن مؤاخذة الناسى مأمونة منه تعالى، و القول فى الخطأ إذا أريد به ما وقع سهوا أو عن غير عمد يجرى هذا المجرى.

الجواب، قلنا: قد قيل فى تأويل هذه الآية: إنّ المراد بنسياننا تركنا.

قال أبو عليّ قطرب بن المستنير: معنى النسيان هاهنا الترك؛ كما قال تعالى: وَ لَقَدْ عَهِدْنََا إِلى‏ََ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ؛ [طه: 115]، فنسى أى ترك؛ و لو لا ذلك لم يكن فعله معصية، و كقوله تعالى: نَسُوا اَللََّهَ فَنَسِيَهُمْ ؛ [التوبة: 67]، أى تركوا طاعته فتركهم من ثوابه و رحمته. و قد يقول/الرجل لصاحبه: لا تنسنى من عطيتك، أى لا تتركنى منها، و أنشد ابن عرفة (1) :

و لم أك عند الجود للجود قاليا # و لا كنت يوم الرّوع للطّعن ناسيا

أى تاركا.

و مما يمكن أن يكون على ذلك شاهدا قوله تعالى: أَ تَأْمُرُونَ اَلنََّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ؛ [البقرة: 44]، أى تتركون أنفسكم.

____________

(1) حاشية الأصل: «هو نفطويه» .

132

و يمكن فى الآية وجه آخر على أن يحمل النسيان على السّهو و فقد المعلوم؛ و يكون وجه الدعاء بذلك ما قد بيناه فيما تقدم من الأمالى؛ من أنه على سبيل الانقطاع إلى اللّه تعالى، و إظهار الفقر إلى مسألته و الاستعانة به؛ و ان كان مأمونا منه المؤاخذة بمثله؛ و يجرى مجرى قوله تعالى فى تعليمنا و تأديبنا: لاََ تُحَمِّلْنََا مََا لاََ طََاقَةَ لَنََا بِهِ ؛ [البقرة: 286]، و مجرى قوله تعالى:

قََالَ رَبِّ اُحْكُمْ بِالْحَقِّ ، [الأنبياء: 112]؛ و قوله‏ وَ لاََ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ؛ [الشعراء: 87]؛ و قوله تعالى حاكيا عن الملائكة: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تََابُوا وَ اِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذََابَ اَلْجَحِيمِ ؛ [غافر: 7].

و هذا الوجه يمكن أيضا فى قوله تعالى: أَوْ أَخْطَأْنََا إذا كان الخطأ ما وقع سهوا أو عن غير عمد.

فأما على ما يطابق الوجه الأول فقد يجوز أن يريد تعالى بالخطإ ما يفعل من المعاصى بالتأويل السيّئ و عن جهل بأنها معاص، لأن من قصد شيئا على اعتقاد أنه بصفة، فوقع ما هو بخلاف معتقده يقال: قد أخطأ، فكأنه أمرهم بأن يستغفروا مما تركوه متعمدين من غير سهو و لا تأويل، و مما أقدموا عليه مخطئين متأولين.

و يمكن أيضا أن يريد ب أَخْطَأْنََا هاهنا أذنبنا و فعلنا قبيحا؛ و إن كانوا له متعمدين و به عالمين، لأن جميع معاصينا للّه تعالى قد توصف بأنها خطأ من حيث فارقت الصواب؛ و إن كان فاعلها متعمدا؛ و كأنه تعالى أمرهم بأن يستغفروا مما تركوه من الواجبات؛ و مما فعلوه من المقبّحات، ليشتمل الكلام على جهتى الذنوب؛ و اللّه أعلم بمراده.

***

أخبرنا أبو عبيد اللّه المرزبانىّ قال حدثنى محمد بن العباس قال: قال رجل يوما لأبى العباس‏

133

محمد بن يزيد النحوىّ: ما أعرف ضادية أحسن من ضادية أبى الشّيص‏ (1) فقال له: كم ضادية حسنة لا تعرفها!ثم أنشده لبشار:

/غمض الجديد بصاحبيك فغمّضا # و بقيت تطلب فى الحبالة منهضا (2)

و كأنّ قلبى عند كلّ مصيبة # عظم تكرّر صدعه فتهيّضا

و أخ سلوت له، فأذكره أخ # فمضى، و تذكرك الحوادث ما مضى‏ (3)

فاشرب على تلف الأحبّة إنّنا # جزر المنيّة، ظاعنين و خفّضا (4)

و لقد جريت مع الصّبا طلق الصّبا # ثمّ ارعويت فلم أجد لى مركضا (5)

و علمت ما علم امرؤ فى دهره # فأطعت عذّالى، و أعطيت الرّضا

و صحوت من سكر و كنت موكّلا # أرعى الحمامة و الغراب الأبيضا

الحمامة: المرآة، و الغراب الأبيض: الشعر الشائب؛ فيقول: كنت كثيرا أتعهد نفسى بالنظر فى المرآة و ترطيل‏ (6) الشعر.

و قوله: «و الغراب الأبيض» لأن الشعر كان غربيبا أسود؛ من حيث كان شابا ثم ابيض بالشيب-

ما كلّ بارقة تجود بمائها # و كذاك لو صدق الرّبيع لروّضا (7)

____________

(1) مطلعها:

لا تنكرى صدّى و لا إعراضى # ليس المقلّ عن الزّمان براض‏

و أبيات منها فى حماسة ابن الشجرى 200، 240، و اللآلى 338، و نكت الهميان 258، و عيون الأخبار 4: 52.

(2) المختار من شعر بشار ص 25 مع اختلاف فى الرواية و عدد الأبيات. و الجديد: الزمان.

(3) رواية المختار:

*و أخ فجعت به و كان مؤمّلا*

.

(4) حاشية الأصل: «أى راحلين و مقيمين» .

(5) الطلق و الشأو و الشوط بمعنى؛ يقال:

أجريت الفرس شأوا و طلقا و شوطا؛ إذا أجريته مرة واحدة، و ارعويت: أقصرت و أفلعت عما كنت عليه.

(6) ترطيل الشعر: تدهينه و تكسيره.

(7) ف: «فروضا» و يقال: روض الربيع؛ إذا أنبت رياضا.

134

هكذا أنشده المبرّد، و يحيى بن عليّ، و أنشده ابن الأعرابىّ:

ما كلّ‏ (1) بارقة تجود بمائها # و لربما صدق الرّبيع فروّضا (2)

قد ذقت ألفته، و ذقت فراقه # فوجدت ذا عسلا، و ذا جمر الغضا

يا ليت شعرى!فيم كان صدوده # أ أسأت أم رعد السّحاب و أومضا!

و غير من ذكرنا يرويه: «أم أجم الخلال فأحمضا» - (3) .

ويلى عليه، و ويلتى من بينه! # كان الّذي قد كان حلما فانقضى‏

سبحان من كتب الشقاء لذى الهوى # ما كان إلاّ كالخضاب فقد نضا

قال المبرّد: و هى طويلة.

و ذكر يوسف بن يحيى بن عليّ عن أبيه أنّ أبا نواس أخذ قوله:

جريت مع الصّبا طلق الجموح‏ (4)

من قول بشار:

و لقد جريت مع الصّبا طلق الصّبا

قال سيدنا الشريف المرتضى ذو المجدين/أدام اللّه علوّه: و لأبى تمام و البحترىّ على هذا الوزن و القافية و حركة القافية قصيدتان، إن لم يزيدا على ضادية بشار التى استحسنها المبرّد لم يقصرا (5) عنها؛ و أول قصيدة أبى تمام:

____________

(1) حاشية الأصل (من نسخة) : «من كل بارقة» .

(2) بين هذا البيت و الّذي يليه وردت فى المختار الأبيات التالية؛ و بها يتم المعنى:

و منيفة شرفا جعلت لها الهوى # إما مكافأة و إما مقرضا

حتى إذا شربت بماء مودّتى # و شربت برد رضابها متبرّضا

قالت لتربيها: اذهبا فتحسّسا # ما باله ترك السلام و أعرضا!

.

(3) أجم: كره، و فى حاشية الأصل: «الحلة: ما حلا من النبت، و الحمض: ما حمض؛ و لذلك يقال:

الحلة خبز الإبل، و الحمض: فاكهتها؛ يقول: لا أعلم سبب فراقه، أ إساءة صدرت منى إليه أو ملال بدا له ففارقنى. و ضرب الخلة و الحمض مثلا لذلك» .

(4) ديوانه: 257، و بقيته:

*و هان عليّ مأثور القبيح*

.

(5) حاشية الأصل: (نسخة س) : «تقصّرا» .

135

أهلوك أضحوا شاخصا (1) و مقوّضا # و مزمّما يصف النّوى و مغرّضا (2)

إن يدج عيشك أنهم أمّوا اللّوى # فبما إضاؤهم على ذات الأضا (3)

بدّلت من برق الثّغور و بردها # برقا إذا ظعن الأحبة أومضا (4)

يقول فيها:

ما أنصف الشّرخ الّذي بعث الهوى # فقضى عليك بلوعة ثمّ انقضى‏ (5)

عندى من الأيام ما لو أنّه # أضحى بشارب مرقد ما غمّضا (6)

لا تطلبنّ الرّزق بعد شماسه # فترومه سبعا إذا ما غيّضا (7)

ما عوّض الصّبر امرؤ إلاّ رأى # ما فاته دون الّذي قد عوّضا

يا أحمد بن أبى دؤاد دعوة # ذلّت بذكرك لى و كانت ريّضا (8)

لمّا انتضيتك للخطوب كفيتها # و السّيف لا يرضيك حتى ينتضى‏

يقول فيها:

قد كان صوّح نبت كلّ قرارة (9) # حتى تروّح فى نداك فروّضا

أوردتنى العدّ الخسيف و قد أرى # أتبرّض الثّمد البكىّ تبرّضا (10)

و أما قصيدة البحترىّ فأوّلها:

ترك السّواد للابسيه و بيّضا # و نضا من السّتين عنه ما نضا (11)

و شآه‏ (12) أغيد فى تصرّف لحظه # مرض أعلّ به القلوب و أمرضا

____________

(1) حاشية الأصل: فى شعره: «راحلا» .

(2) ديوانه: 185، و فى حاشية الأصل: «التقويض:

هدم الخيمة، و التغريض: شد الغرضة؛ و هى التصدير، و هو للرحل بمنزلة الحزام للسرج» .

(3) إن يدج: إن يظلم، و فى الديوان: «إن يدج ليلك» .

(4) حاشية الأصل: «أى صرت أشيم البرق من ناحيتهم و أتذكرهم» .

(5) الشرخ: غرة الشباب، و فى الديوان: «الزمن» .

(6) المرقد: دواء إذا شربه الإنسان نام.

(7) شماسه: عصيانه، و غيض السبع: مكث فى الغيضة.

(8) فى الديوان: «بشكرك لى» ، و فى حاشية الأصل (من نسخة) : «ببرّك» .

(9) القرارة: الروضة المنخفضة.

(10) العدّ: الماء الدائم الّذي لا انقطاع لمادته، و الخسيف:

البئر التى حفرت فى حجارة فخرج منها ماء كثير. و أتبرض: آخذ قليلا. و الثمد و البكىّ: الماء القليل.

(11) ديوانه 2: 70.

(12) شآه: سبقه، و فى حاشية الأصل (من نسخة) : «و سباه» .

136

و كأنّه وجد الصّبا و جديده # دينا دنا ميقاته أن يقتضي‏

أ سيان أثرى من جوى و صبابة # و أساف من وصل الحسان و أنفضا (1)

/كلف يكفكف عبرة مهراقة # أسفا على عهد الشّباب و ما انقضى‏

عدد تكامل للشّباب مجيئه # و إذا مضىّ الشّي‏ء حان فقد مضى‏

يقول فيها:

قعقعت للبخلاء أذعر جأشهم # و نذيرة من قاصل أن ينتضى‏ (2)

و كفاك من حنش الصّريم تهدّدا # أن مدّ فضل لسانه أو نضنضا (3)

و فيها:

لا تنكرن من جار بيتك أن طوى # أطناب جانب بيته أو قوّضا (4)

فالأرض واسعة لنقلة راغب # عمّن تنقّل ودّه و تنقّضا

لا تهتبل إغضاءتي، إما كنت قد (5) # أغضيت مشتملا على جمر الغضا

لست الّذي إن عارضته ملمّة # أصغى إلى حكم الزّمان و فوّضا

لا يستفزّنى الطّفيف و لا أرى # تبعا لبارق خلّب إن أومضا (6)

أنا من أحبّ تحرّيا و كأننى # فيما أعاين منك‏ (7) ممّن أبغضا

أغببت سيبك كى يجمّ و إنّما # غمد الحسام المشرفىّ لينتضى‏ (8)

____________

(1) الأسيان هنا: الحزين، و أساف الرجل: ذهب ماله، و كذلك أنفض، و المراد هنا أنه ذهب من يده وصل الحسان و ميلهن إليه.

(2) القعقعة: صوت السلاح، و نذيرة: إنذار، و القاصل: السيف.

و فى حاشية الأصل (من نسخة) : «من نابل أن ينبضا» ، أى يحرك وتر قوسه.

(3) حنش الصريم: حية الرمل.

(4) أى ارتحل عنك و سافر.

(5) حاشية الأصل (من نسخة) :

*لا تهتبل إغضاءتى إن كنت قد*

و هى رواية الديوان.

(6) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «لبارق خلة» .

(7) حاشية الأصل (من نسخة) : «فيما أعانى» .

(8) أغببت، أخرت، و منه إغباب الزيارة، و هو أن يزور يوما و بترك يوما. و السيب: العطية، و يجم: يكثر و يجتمع.

137

و سكتّ إلاّ أن أعرّض قائلا # نزرا، و صرّح جهده من عرّضا

***

و أخبرنا أبو عبيد اللّه المرزبانىّ قال حدّثني يوسف بن يحيى عن أبيه قال: من مختار شعر بشار قوله فى وصف الزمان:

عتبت على الزّمان و أىّ حىّ # من الأحياء أعتبه الزّمان! (1)

و آمنة من الحدثان تزرى # عليّ، و ليس من حدث أمان‏

و ليس بزائل يرمى و يرمى # معان مرّة أو مستعان‏ (2)

متى تأب الكرامة من كريم # فمالك عنده إلاّ الهوان‏

و له فى نحوه:

/يا خليلىّ أصيبا أو ذرا # ليس كلّ البرق يهدى المطرا

لا تكونا كامرئ صاحبته # يترك العين و يبغى الأثرا

ذهب المعروف إلاّ ذكره # ربّما أبكى الفتى ما ذكرا

و بقينا فى زمان معضل # يشرب الصّفو، و يبقى الكدراء (3)

قال: و له:

قد أدرك الحاجة ممنوعة # و تولع النّفس بما لا تنال‏

و الهمّ ما امسكته فى الحشا # داء، و بعض الدّاء لا يستقال‏

فاحتمل الهمّ على عاتق # إن لم تساعفك العلندى الجلال‏ (4)

____________

(1) أعتبه: أرضاه.

(2) حاشية الأصل: «يقول: لا يزال الحى يرمى و يرمى؛ فهو معان ضعيف مرة؛ و مستعان قوى أخرى» .

(3) حاشية الأصل: «أى يذهب الدهر الكرام و يبقى اللئام» .

(4) العلندى: الجمل القوى، و الجلال: العظيم.

138

قال يحيى: قوله: «عاتق» يعنى الخمر، و هذا مثل قوله:

رحلت عنسا من شراب بابل # فبتّ من عقلى على مراحل‏ (1)

قال سيدنا أدام اللّه تمكينه: هذا الّذي ذكره يحتمله البيت على استكراه، و يحتمل أيضا أن يريد بالعاتق العضو، و يكون المعنى: إن لم تجد من يحمل عنك همومك و يقوم بأثقالك، و يخفف عنك، فتحمّل ذلك أنت بنفسك، و اصبر عليه؛ فكأنّه يأمر نفسه بالتجلّد و التصبر على البأس، و هذا البيت له نظائر كثيرة فى الشعر.

***

و أخبرنا المرزبانىّ قال حدثنا على بن هارون قال حدثنى أبى قال: من بارع شعر بشار قوله يصف جارية مغنية. قال على: و ما فى الدنيا شي‏ء لقديم و لا محدث من منثور و لا منظوم فى صفة الغناء و استحسانه مثل هذه الأبيات:

و رائحة، للعين فيها مخيلة # إذا برقت لم تسق بطن صعيد (2)

من المستهلاّت الهموم على الفتى # خفا برقها فى عصفر و عقود (3)

حسدت عليها كلّ شي‏ء يمسّها # و ما كنت لو لا حبّها بحسود

و أصفر مثل الزّعفران شربته # على صوت صفراء التّرائب رود (4)

/كأنّ أميرا جالسا فى ثيابها # تؤمّل رؤياه عيون وفود

من البيض لم تسرح على أهل ثلّة # سواما، و لم ترفع حداج قعود (5)

____________

(1) فى حاشيتى الأصل، ف: «أوله:

لمّا رأيت الحظّ حظّ الجاهل # و لم أر المغبون غير العاقل‏

و العنس: الجمل القوى.

(2) المختار من شعر بشار 309، و الأغانى 3: 189 (طبع دار الكتب المصرية) . الرائحة: السحابة تروح؛ و المخيلة: علامة المطر.

(3) استهل السحاب:

إذا أمطر، و فى الأغانى: «المستهلات السرور» ، و خفى البرق: ظهر و لمع، و أراد بالعصفر: الثياب المعصفرة.

(4) رود: ناعمة.

(5) الثلة: قطعة من الغنم، و السوام: الإبل السائمة، و الحداج: جمع حدج؛ و هو مركب من مراكب النساء.

139

تميت به ألبابنا و قلوبنا # مرارا، و تحييهنّ بعد همود

إذا نطقت صحنا، و صاح لنا الصّدى # صياح جنود وجّهت لجنود

ظللنا بذاك الدّيدن اليوم كلّه # كأنا من الفردوس تحت خلود (1)

و لا بأس إلاّ أنّنا عند أهلنا # شهود، و ما ألبابنا بشهود

قال: و أنشدنى أبى له فى وصف مغنية:

لعمرو أبى زوّارها الصّيد إنّهم # لفى منظر منها و حسن سماع‏ (2)

تصلّى لها آذاننا و عيوننا # إذا ما التقينا و القلوب دواع‏

و صفراء مثل الخيزرانة لم تعش # ببؤس و لم تركب مطيّة راع‏

جرى اللؤلؤ المكنون فوق لسانها # لزوّارها من مزهر و يراع‏ (3)

إذا قلّدت أطرافها (4) العود زلزلت # قلوبا دعاها للوساوس داع‏

كأنّهم فى جنّة قد تلاحقت # محاسنها من روضة و يفاع‏ (5)

يروحون من تغريدها و حديثها # نشاوى، و ما تسقيهم بصواع‏

لعوب بألباب الرّجال، و إن دنت # أطيع التقى، و الغىّ غير مطاع‏

قال على بن هارون: الصّواع: المكيال؛ يقول: إذا غنّت شربوا جزافا بلا كيل و لا مقدار من حسن ما يسمعون.

قال سيدنا أدام اللّه علوه: هذا خطأ منه؛ و إنما المراد أن غناءها لفرط حسنه‏ (6) و شدة (7) إطرابه ينسيان شرّة الخمر (8) ؛ و إن لم يكن هناك شرب بصواع، و هذا يجرى مجرى قول الشاعر:

____________

(1) الديدن: العادة.

(2) المختار من شعر بشار: 314.

(3) هذا البيت ساقط من م. المزهر: العود، و اليراع: القصب؛ و أراد به هاهنا المزمار. و فى حاشية الأصل: «هذا البيت يفيد أنها تغنى و تضرب بالمزهر، و قوله: «من مزهر و يراع» إشارة إلى أن كلامهما مختلط الجرس بنقر المزهر و اليراع» .

(4) رواية المختار: «إذا قلبت أطرافها» .

(5) اليفاع: المرتفع من الأرض.

(6) حاشية الأصل (من نسخة) : «حسنها» .

(7) حاشية الأصل (من نسخة) : «سورة إطرابه» .

____________

(8) حاشية الأصل: «فى نسخة الشجرى: الهم» .

140

و يوم ظللنا عند أمّ محلّم # نشاوى، و لم نشرب طلاء و لا خمرا

/و ما كان عندى أن أحدا يتوهم فى معنى هذا البيت ما ظنه هذا الرجل.

و أما قوله فى القطعة الأولى:

و أصفر مثل الزّعفران شربته # على صوت صفراء الترائب رود

فيحتمل وجوها ثلاثة:

أولها أن يكون أراد بصفرة ترائبها الكناية عن كثرة تطيّبها و تضمّخها، و أن ترائبها تصفرّ لذلك، كما قال الأعشى:

بيضاء ضحوتها، و صفـ # راء العشيّة كالعرارة (1)

و العرار: بهار البرّ؛ و إنما أراد أنها تتضمّخ بالعشىّ بالطيب فيصفّرها؛ و مثله لذى الرّمة:

بيضاء فى دعج، كحلاء فى برج، # كأنّها فضّة قد مسّها ذهب‏ (2)

و قيل فى بيت قيس بن الخطيم:

فرأيت مثل الشّمس عند طلوعها # فى الحسن، أو كدنوّها لغروب‏ (3)

وجهان:

أحدهما أنه أراد أنها تتطيّب بالعشىّ فتصفرّ؛ لأن الشمس تغيب صفراء الوجه.

و الآخر أراد المبالغة فى الحسن، لأن الشمس أحسن ما تكون فى وقتيها هذين؛ و من ذلك أيضا قول قيس بن الخطيم:

____________

(1) ديوانه: 111.

(2) ديوانه: 5، و الدعج: سواد الحدقة، و البرج: سعة فى بياض العين؛ و رواية الديوان:

*كحلاء فى برج صفراء فى نعج*

.

(3) ديوانه 5، و فى حاشيتى الأصل، ف «بعده:

صفراء أعجلها الشباب لداتها # موسومة بالحسن غير قطوب‏

أى أنها سبقت أقرانها، و مثله قول ابن قيس الرقيات:

لم تلتفت للداتها # فمضت على غلوائها

.

141

*صفراء أعجلها الشّباب لداتها*

و مثله للأعشى:

إذا جرّدت يوما حسبت خميصة # عليها و جريال النّضير الدّلامصا (1)

الخميصة: ثوب ناعم لين؛ شبه به نعمة جسمها. و النّضير: الذهب. و الجريال: كلّ صبغ أحمر، و إنما يعنى لون الطّيب عليها. و الدّلامص: البرّاق، فهذا وجه.

و الوجه الثانى أن يكون أراد بوصفها بالصفرة رقّة لونها؛ فعندهم أنّ المرأة إذا كانت صافية اللون رقيقة ضرب لونها بالعشىّ إلى الصفرة.

قال مهدىّ بن عليّ الأصفهانىّ: قال لى أبى قال لى الجاحظ: زعموا أن المرأة إذا كانت صافية اللون رقيقة يضرب لونها بالغداة إلى البياض و بالعشىّ إلى الصفرة، و احتجّ فى ذلك بقول الراجز:

*قد علمت بيضاء صفراء الأصل*

و زعم أن بيت ذى الرمة/الّذي أنشدناه من هذا المعنى، و كذلك بيت الأعشى الّذي أنشدناه؛ و الأبيات محتملة للأمرين.

فأما الّذي لا يحتمل إلا وجها واحدا فهو قول الشاعر:

و قد خنقتها عبرة فدموعها # على خدّها حمر و فى نحرها صفر

لأنها لا تكون صفرا فى نحرها إلا لأجل الطيب.

فأما قوله «على خدها حمر» فإنما أراد أنها تنصبغ بلون خدّها.

و الوجه الثالث أن تكون المرأة كانت صفراء على الحقيقة؛ فإن بشارا كثيرا ما يشبّب بامرأة صفراء، كقوله:

____________

(1) ديوانه: 108.

142

أ صفراء لا أنسى هواك و لا ودّى # و لا ما مضى‏ (1) بينى و بينك من عهد

لقد كان ما بينى زمانا و بينها # كما كان بين المسك و العنبر الورد

أى كما كان بين طيب المسك و العنبر.

و كقوله:

أ صفراء كان الودّ منك مباحا # ليالى كان الهجر منك مزاحا

و كان جوارى الحىّ إذ كنت فيهم # قباحا، فلمّا غبت صرن ملاحا

و قد روى:

*ملاحا فلما غبت صرن قباحا*

و قوله: «قباحا فلما غبت» يشبه قول السيد بن محمد الحميرىّ.

و إذا حضرن مع الملاح بمجلس # أبصرتهنّ-و ما قبحن-قباحا

فأما قوله: «من البيض لم تسرح سواما» فإنه لا يكون مناقضا لقوله «صفراء» ، و إن أراد بالصفرة لونها، لأن البياض هاهنا ليس بعبارة عن اللون؛ و إنما هو عبارة عن نقاء العرض و سلامته من الأدناس؛ و العرب لا تكاد تستعمل بيضاء (2) إلا فى هذا المعنى دون اللون، لأن البياض عندهم البرص، و يقولون فى الأبيض الأحمر، و منه قول الشاعر:

جاءت به بيضاء تحمله # من عبد شمس صلتة الخدّ

و مثله «بيض الوجوه» .

فأما قول بشار فى القطعة الثانية: «صفراء مثل الخيزرانة» فإنه يحتمل ما تقدّم من الوجوه، و إن كان اللون الحقيقى أخصّ لقوله: «كالخيزرانة» ؛ لأن الخيزران يضرب إلى الصّفرة.

____________

(1) حاشية الأصل: «نسخة الشجرى-و كان» .

(2) حاشية الأصل (من نسخة) :

«البيضاء» ، و من نسخة أخرى: «البياض» .

143

و يحتمل أيضا أن يريد «بصفراء» غير اللون الثابت، و يكون قوله: «كالخيزرانة» أنها مثلها/فى التثنى و التعطف.

و لقد أحسن جران العود فى قوله فى المعنى الّذي تقدم:

كأنّ سبيكة صفراء صبّت # عليها ثمّ ليث بها الإزار (1)

برود العارضين كأنّ فاها # بعيد النّوم مسك مستثار

____________

(1) رواية البيتين فى ديوانه 45-46، و الثانى مقدم على الأول:

برود العارضين كأنّ فاها # بعيد النّوم عاتقة عقار

كأنّ سبيكة صفراء شيفت # عليها، ثمّ ليث بها الخمار

.

144

مجلس آخر 62

تأويل آية اَللََّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيََانِهِمْ يَعْمَهُونَ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: اَللََّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيََانِهِمْ يَعْمَهُونَ ؛ [البقرة: 15].

فقال كيف أضاف الاستهزاء إليه تعالى؛ و هو مما لا يجوز فى الحقيقة عليه؟و كيف خبّر (1) بأنهم فى الطّغيان و العمه‏ (1) و ذلك بخلاف مذهبكم؟

الجواب، قلنا: فى قوله تعالى‏ اَللََّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وجوه:

أولها أن يكون معنى الاستهزاء الّذي أضافه تعالى إلى نفسه تجهيله لهم و تخطئته إياهم فى إقامتهم على الكفر و إصرارهم على الضلال؛ و سمّى اللّه تعالى ذلك استهزاء مجازا و تشبيها (2) ؛ كما يقول القائل: إن فلانا ليستهزأ به منذ اليوم، إذا فعل فعلا عابه الناس به، و خطّئوه فيه‏ (3) فأقيم عيب الناس على ذلك الفعل، و إزراؤهم على فاعله مقام الاستهزاء به؛ و إنما أقيم مقامه لتقارب ما بينهما فى المعنى؛ لأن الاستهزاء الحقيقى هو ما يقصد به إلى عيب المستهزأ به، و الإزراء عليه، و إذا تضمنت التخطئة و التجهيل و التبكيت هذا المعنى جاز أن يجرى عليه اسم الاستهزاء؛ و يشهد بذلك قوله تعالى: وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلْكِتََابِ أَنْ إِذََا سَمِعْتُمْ آيََاتِ اَللََّهِ يُكْفَرُ بِهََا وَ يُسْتَهْزَأُ بِهََا ؛ [النساء: 140]؛ و نحن نعلم أن الآيات لا يصحّ عليها الاستهزاء على الحقيقة و لا السخرية؛ و إنما المعنى: إذا سمعتم آيات اللّه يكفر بها

____________

(1-1) ف: «بأنه يمدهم فى الطغيان و العمه» .

(2) م: «و اتساعا» .

(3) ساقطة من م.

145

و يزرى عليها؛ و العرب قد تقيم الشي‏ء مقام ما قاربه فى معناه، فتجرى اسمه عليه؛ قال الشاعر:

كم أناس فى نعيم عمّروا # فى ذرى ملك تعالى فبسق‏

سكت الدّهر زمانا عنهم # ثمّ أبكاهم دما حين نطق‏

و السكوت و النطق على الحقيقة لا يجوزان على الدهر؛ و إنما شبّه تركه الحال على ما هى‏ (1) /عليه بالسكوت، و شبه تغييره لها بالنطق. و أنشد الفراء:

إنّ دهرا يلفّ شملى بجمل # لزمان يهمّ بالإحسان‏

و مثل ذلك فى الاستعارة لتقارب المعنى قوله:

سألتنى بأناس هلكوا # شرب الدّهر عليهم و أكل‏ (2)

و إنما أراد بالأكل و الشرب الإفساد لهم، و التغيير لأحوالهم، و منه قول الآخر:

يقرّ بعينى أن أرى باب دارها # و إن كان باب الدّار يحسبنى جلدا

و الجواب الثانى أن يكون معنى الاستهزاء المضاف إليه عز و جلّ أن يستدرجهم و يهلكهم من حيث لا يعلمون و لا يشعرون.

و يروى عن ابن عباس أنه قال فى معنى استدراجه إياهم: إنهم كلّما أحدثوا خطيئة جدّد لهم نعمة؛ و إنما سمّى هذا الفعل استهزاء من حيث غيّب عنهم من الاستدراج إلى الهلاك غير ما أظهر لهم من النعم؛ كما أن المستهزئ منّا، المخادع لغيره يظهر أمرا؛ و يضمر غيره.

فإن قيل: على هذا الجواب فالمسألة قائمة، و أىّ وجه لأن يستدرجهم بالنعمة إلى الهلاك؟

قلنا: ليس الهلاك هاهنا هو الكفر، و ما أشبهه من المعاصى التى يستحقّ بها العقاب؛ و إنما يستدرجهم إلى الضرر و العقاب الّذي استحقوه بما تقدّم من كفرهم؛ و للّه تعالى أن يعاقب

____________

(1) حاشية الأصل (من نسخة) : ما هو عليه» .

(2) اللسان (أكل) ، و نسبه إلى النابغة الجعدىّ. و من نسخة بحاشية الأصل، ف: «سألتنى عن أناس» .

146

المستحق بما يشاء أىّ وقت شاء؛ فكأنه تعالى لمّا كفروا و بدّلوا نعمة اللّه، و عاندوا رسله لم يغيّر نعمه عليهم فى الدنيا؛ بل أبقاها لتكون-متى نزعها عنهم، و أبدلهم بها نقما- الحسرة منهم أعظم، و الضرر عليهم أكثر.

فإن قيل: فهذا يؤدّى إلى تجويز أن يكون بعض ما ظاهره ظاهر النعمة على الكفار مما لا يستحق اللّه به الشكر عليهم.

قلنا: ليس يمتنع هذا فيمن استحقّ العقاب؛ و إنما المنكر أن تكون النعم المبتدأة بهذه الصفة على ما يلزمه مخالفنا، أ لا ترى أن الحياة و ما جرى مجراها من حفظ التركيب، و الصحة لا تعدّ على أهل النار نعمة؛ و إن كانت على أهل الجنة نعما من حيث كان الغرض فيه إيصال العقاب إليهم.

و الجواب الثالث أن يكون معنى استهزائه بهم/أنّه جعل لهم بما أظهروه من موافقة أهل الإيمان ظاهر أحكامهم؛ من نصرة و مناكحة و موارثة و مدافنة، و غير ذلك من الأحكام؛ و إن كان تعالى معدّا لهم فى الآخرة أليم العقاب لما أبطنوه من النفاق، و استسرّوا به من الكفر؛ فكأنه تعالى قال: إن كنتم أيها المنافقون بما تظهرونه للمؤمنين من المتابعة و الموافقة، و تبطنونه من النفاق، و تطلعون عليه شياطينكم إذا خلوتم بهم تظنون أنكم مستهزءون؛ فاللّه تعالى هو المستهزئ بكم من حيث جعل لكم أحكام المؤمنين ظاهرا؛ حتى ظننتم أنّ لكم ما لهم، ثمّ ميّز بينكم فى الآخرة و دار الجزاء؛ من حيث أثاب المخلصين الذين يوافق ظواهرهم بواطنهم، و عاقب المنافقين. و هذا الجواب يقرب معناه من الجواب الثانى؛ و إن كان بينهما خلاف من بعض الوجوه.

و الجواب الرابع أن يكون معنى ذلك أن اللّه هو الّذي يردّ استهزاءكم و مكركم عليكم؛ و أنّ ضرر ما فعلتموه لم يتعدكم؛ و لم يحط بسواكم؛ و نظير ذلك قول القائل: إن فلانا أراد أن يخدعنى فخدعته؛ و قصد إلى أن يمكر بى فمكرت به؛ و المعنى أنّ ضرر خداعه و مكره‏

147

عاد إليه و لم يضررنى‏ (1) به.

و الجواب الخامس أن يكون المعنى أنه يجازيهم على استهزائهم؛ فسمّى الجزاء على الذنب باسم الذنب؛ و العرب تسمّى الجزاء على الفعل باسمه؛ قال اللّه تعالى: وَ جَزََاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهََا ؛ [الشورى: 40]، و قال تعالى: فَمَنِ اِعْتَدى‏ََ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى‏ََ عَلَيْكُمْ ؛ [البقرة: 194]، و قال: وَ إِنْ عََاقَبْتُمْ فَعََاقِبُوا بِمِثْلِ مََا عُوقِبْتُمْ بِهِ ؛ [النحل: 126]و المبتدأ ليس بعقوبة، و قال الشاعر (2) :

ألا لا يجهلن أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا

و من شأن العرب أن تسمّى الشي‏ء باسم ما يقاربه و يصاحبه، و يشتد اختصاصه و تعلّقه به؛ إذا انكشف المعنى و أمن الإبهام؛ و ربما غلّبوا أيضا اسم أحد الشيئين على الآخر لقوة التعلّق بينهما، و شدة الاختصاص فيهما؛ فمثال الأول قولهم للبعير الّذي يحمل المزادة:

راوية، و للمزادة المحمولة على البعير رواية، فسموا البعير باسم ما يحمل عليه؛ قال الشاعر (3) :

/مشى الرّوايا بالمزاد الأثقل‏

أراد بالروايا الإبل؛ و من ذلك قولهم: صرعته الكأس و استلبت‏ (4) عقله، قال الشاعر:

و ما زالت الكاس تغتالنا # و تذهب بالأوّل الأوّل‏

و الكأس هى ظرف الشراب، و الفعل الّذي أضافوه إليها إنما هو مضاف إلى الشراب الّذي يحلّ الكأس إلاّ أن‏ (5) الفراء لا يقول الكأس إلا بما فيه‏ (5) من الشراب؛ و كأنّ الإناء

____________

(1) حاشية الأصل (من نسخة: «لم يضرنى» .

(2) هو عمرو بن كلثوم، و البيت من الملعقة: 238-بشرح التبريزى.

(3) هو أبو النجم العجلى الراجز؛ و البيت من أرجوزته المشهورة التى أولها:

*الحمد للّه الوهوب المجزل*

و هى ضمن الطرائف الأدبية ص 55-71؛ و قبله:

*تمشى من الردّة مشى الحفّل*

.

(4) حاشية الأصل (من نسخة) : «فسلبت» .

(5-5) حاشية الأصل: «نسخة س:

الفراء يقول: الكأس الإناء بما فيه» .

148

الفارغ لا يسمى كأسا، و على هذا القول يكون إضافة اختلاس العقل و التصريع و ما جرى مجرى ذلك إلى الكأس على وجه الحقيقة؛ لأن الكأس على هذا القول اسم للإناء و ما حلّه من الشراب.

و مثال الوجه الثانى ما ذكرناه عنهم من التغليب تغليبهم اسم القمر على الشمس؛ قال الشاعر:

أخذنا بآفاق السّماء عليكم # لنا قمراها و النّجوم الطوالع‏ (1)

أراد: لنا شمسها و قمرها؛ فغلّب.

و منه قول الآخر:

فقولا لأهل المكّتين: تحاشدوا # و سيروا إلى آطام يثرب و النّخل‏

أراد بالمكّتين: مكة و المدينة، فغلّب.

و قال الآخر:

فبصرة الأزد منّا و العراق لنا # و الموصلان، و منّا مصر و الحرم‏

أراد بالموصلين الموصل و الجزيرة.

و قال الآخر:

نحن سبينا أمّكم مقربا (2) # يوم صبحنا الحيرتين المنون‏

أراد الحيرة و الكوفة، و قال آخر:

إذا اجتمع العمران: عمرو بن عامر # و بدر بن عمر و خلت ذبيان جوّعا (3)

و ألقوا مقاليد الأمور إليهم # جميعا، و كانوا كارهين و طوّعا

أراد بالعمرين: رجلين؛ يقال لأحدهما عمرو، و للآخر بدر؛ و قد فسره الشاعر فى البيت.

و مثله:

____________

(1) البيت للفرزدق، ديوانه: 519.

(2) المقرب: المرأة تدنو ولادتها.

(3) البيتان فى المخصص 13: 227.

149

جزانى الزّهدمان جزاء سوء # و كنت المرء يجزى بالكرامة (1)

/أراد بالزّهدمين رجلين؛ يقال لأحدهما زهدم، و للآخر كردم، فغلّب.

و كلّ الّذي ذكرناه يقوّى هذا الجواب من جواز التسمية للجزاء على الذنب باسمه، أو تغليبه عليه، للمقاربة و الاختصاص التام بين الذنب و الجزاء عليه.

و الجواب السادس ما روى عن ابن عباس قال: يفتح لهم و هم فى النار باب من الجنة، فيقبلون إليه مسرعين؛ حتى إذا انتهوا إليه سدّ عليهم، فيضحك المؤمنون منهم إذا رأوا الأبواب و قد أغلقت دونهم؛ و لذلك قال عز و جل: فَالْيَوْمَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنَ اَلْكُفََّارِ يَضْحَكُونَ.

`عَلَى اَلْأَرََائِكِ يَنْظُرُونَ ؛ [المطففين: 34-35].

فإن قيل: و أىّ فائدة فى هذا الفعل؟و ما وجه الحكمة فيه؟

قلنا: وجه الحكمة فيه ظاهر؛ لأن ذلك أغلظ فى نفوسهم، و أعظم فى مكروههم؛ و هو ضرب من العقاب الّذي يستحقونه بأفعالهم القبيحة؛ لأن من طمع فى النجاة و الخلاص من المكروه، و اشتد حرصه على ذلك؛ ثم حيل بينه و بين الفرج و ردّ إلى المكروه يكون عذابه أصعب و أغلظ من عذاب من لا طريق للطمع عليه.

فإن قيل: فعلى هذا الجواب، ما الفعل الّذي هو الاستهزاء؟

قلنا: فى ترداده لهم من باب إلى آخر على سبيل التعذيب معنى الاستهزاء؛ من حيث كان إظهارا لما المراد بخلافه؛ و إن لم يكن فيه من معنى الاستهزاء ما يقتضي قبحه من اللهو و العبث و ما جرى مجرى ذلك.

و الجواب السابع أن يكون ما وقع منه تعالى ليس باستهزاء على الحقيقة؛ لكنّه سماه بذلك ليزدوج اللفظ و يخف على اللسان؛ و للعرب فى ذلك عادة معروفة فى كلامها؛ و الشواهد عليه مذكورة مشهورة.

____________

(1) اللسان (زهدم) و المخصص 13: 227، و هو لقيس بن زهير العبسى.

150

و هذه الوجوه التى ذكرناها فى الآية يمكن أن تذكر فى قوله تعالى: وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اَللََّهُ وَ اَللََّهُ خَيْرُ اَلْمََاكِرِينَ ؛ [الأنفال: 30]؛ و فى قوله تعالى: إِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ يُخََادِعُونَ اَللََّهَ وَ هُوَ خََادِعُهُمْ ؛ [النساء: 142]فليتأمل ذلك.

فأما قوله تعالى: وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيََانِهِمْ يَعْمَهُونَ فيحتمل وجهين:

أحدهما أن يريد: أنى أملى لهم ليؤمنوا و يطيعوا؛ و هم مع ذلك مستمسكون بطغيانهم و عمههم.

و الوجه الآخر أن يريد ب يَمُدُّهُمْ أنه يتركهم من فوائده و منحه/التى يؤتيها المؤمنين ثوابا لهم، و يمنعها الكافرين عقابا كشرحه لصدورهم، و تنويره لقلوبهم؛ و كل هذا واضح بحمد اللّه.

***

قال سيدنا أدام اللّه علوّه: و إنى لأستحسن لبعض الأعراب قوله:

خليلىّ هل يشفى النّفوس من الجوى # بدوّ ذوى الأوطان، لا بل يشوقها! (1)

و تزداد فى قرب إليها صبابة (2) # و يبعد من فرط اشتياق طريقها

و ما ينفع الحرّان ذا اللّوح‏ (3) أن يرى # حياض القرى مملوءة لا يذوقها

و لآخر فى تذكر الأوطان و الحنين إليها:

ألا قل لدار بين أكثبة الحمى # و ذات الغضا: جادت عليك الهواضب!

____________

(1) فى حاشيتى الأصل، ف (من نسخة) : «بدو ذرى الأوطان» . و البدو: الظهور، من بدا يبدو إذا ظهر.

(2) فى حاشية الأصل: «إليها؛ ضمير الأوطان أو المرأة» ، و فيها أيضا: «إذا قلت صبابة [بالنصب‏]كان «تزداد متعديا» ، أى تزداد أنت، و إذا قلت: «صبابة» [بالرفع‏] «فتزداد» لازم.

(3) اللوح: العطش.

151

أجدّك لا آتيك إلاّ تقلّبت‏ (1) # دموع أضاعت ما حفظت سواكب‏

ديار تناسمت‏ (2) الهواء بجوّها # و طاوعنى فيها الهوى و الحبائب‏

ليالى؛ لا الهجران محتكم بها # على وصل من أهوى، و لا الظنّ كاذب‏

و أنشد أبو نصر صاحب الأصمعىّ لأعرابىّ:

ألا ليت شعرى!هل أبيتنّ ليلة # بأسناد (3) نجد، و هى خضر متونها!

و هل أشربنّ الدّهر من ماء مزنة # بحرّة ليلى حيث فاض معينها! (4)

بلاد بها كنّا نحلّ، فأصبحت # خلاء ترعاها مع الأدم عينها

تفيّأت فيها بالشّباب و بالصّبا # تميل بما أهوى عليّ غصونها

و أنشد الأصمعىّ لصدقة بن نافع الغنوىّ:

ألا ليت شعرى هل تحنّنّ ناقتى‏ (5) # بيضاء نجد حيث كان مسيرها! (6)

فتلك بلاد حبّب اللّه أهلها # إليك، و إن لم يعط نصفا أميرها (7)

بلاد بها أنضيت راحلة الصّبا # و لانت لنا أيّامها و شهورها

/فقدنا بها الهمّ المكدّر شربه # و دار علينا بالنّعيم سرورها

و أنشد أبو محلّم لسوّار بن المضرّب:

سقى اللّه اليمامة من بلاد # نوافحها كأرواح الغوانى‏

____________

(1) ف، و حاشية الأصل (من نسخة) : «تفتت» .

(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «تبادرت» .

(3) الأسناد: جمع سند؛ و هو الجبل، و من نسخة بحاشية ف: «بأكناف» .

(4) حرة ليلى: موضع لبنى مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، و فى حاشية الأصل (من نسخة) :

«حين فاض معينها» .

(5) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «هل تخبن ناقتى» ، أى تسرعن.

(6) بيضاء نجد: موضع.

(7) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف:

*إليك و إن لم يعط نصفا أسيرها*

.

152

و جوّ زاهر للرّيح فيه # نسيم لا يروع التّرب، و ان‏ (1)

بها سقت الشّباب إلى مشيب # يقبّح عندنا حسن الزّمان‏

و أنشد إبراهيم بن إسحاق الموصلىّ:

ألا يا حبّذا جنبات سلمى # و جاد بأرضها جون السّحاب!

خلعت بها العذار و نلت فيها # مناى بطاعة أو باغتصاب‏

أسوم بباطلى طلبات لهوى # و يعذرنى بها عصر الشّباب‏

فكلّ هؤلاء على ما ترى قد أفصحوا بأن سبب حنينهم إلى الأوطان ما لبسوه فيها من ثوب الشباب، و استظلوه من ظلّه، و أنضوه من رواحله، و أنه كان يعذرهم و يحسن قبائحهم.

فعلى أى شي‏ء يغلو الناس فى قول ابن الرومى:

و حبّب أوطان الرّجال إليهم # مآرب قضّاها الشّباب هنالكا (2)

إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهم # عهود الصّبا فيها فحنّوا لذلكا

و يزعمون أنه سبق إلى ما لم يسبق إليه، و كشف عن هذا المعنى مستورا، و وسم غفلا!و قوله و إن كان جيد المعنى سليم اللفظ، فلم يزد فيه على من تقدم و لا أبدع، بل اتبع؛ و لكن الجيد إذا ورد ممّن يعهد منه الردى‏ء كثر استحسانه؛ و زاد استطرافه.

و لقد أحسن البحترىّ فى قوله فى هذا المعنى:

فسقى الغضى و النّازلية و إن هم # شبّوه بين جوانح و قلوب‏ (3)

و قصار أيّام به سرقت لنا # حسناتها من كاشح و رقيب‏

خضر تساقطها الصّبا فكأنّها # ورق يساقطه اهراز قضيب‏

____________

(1) حاشية الأصل: «قوله: «لا يروع الترب» ، من أحسن الكلام؛ أى لا يرفع فيغير؛ فكأن هبوبها يسالم التراب و لا يخوفه بأن يرفعه أو يحركه» .

(2) ديوانه الورقة 202.

(3) ديوانه 1: 57.