أمالي المرتضي - ج2

- السيد المرتضى المزيد...
631 /
153

/كانت فنون بطالة فتقطّعت # عن هجر غانية و وصل مشيب‏

و أحسن فى قوله:

سقى اللّه أخلافا من الدّهر رطبة # سقتنا الجوى إذ أبرق الحزن أبرق‏ (1)

ليال سرقناها من الدّهر بعد ما # أضاء بإصباح من الشّيب مفرق‏

تداويت من ليلى بليلى فما اشتفى # بماء الرّبا من بات بالماء يشرق‏

و لأبى تمام فى هذا المعنى ما لا يقصر عن إحسان، و هو:

سلام ترجف الأحشاء منه # على الحسن بن وهب و العراق‏ (2)

على البلد الحبيب إلى غورا # و نجدا، و الأخ العذب المذاق‏ (3)

ليالى نحن فى وسنات عيش # كأنّ الدّهر عنّا فى وثاق‏ (4)

و أيّام له و لنا لدان # غنينا فى حواشيها الرّفاق‏

كأنّ العهد عن عفر لدينا # و إن كان التّلاقى عن تلاق‏ (5)

____________

(1) ديوانه 2: 138، و فى ف، و حاشية الأصل (من نسخة) : «أبرق الجسون» .

(2) ديوانه 214-215.

(3) من نسخة بحاشية الأصل، ت:

*و نجدا و الفتى الحلو المذاق*

.

(4) فى حاشيتى الأصل، ف: فى شعره:

سنبكى بعده غفلات عيش # كأنّ الدّهر عنها فى وثاق‏

و أياما له و لنا لدانا # عرينا من حواشيها الرقاق‏

و فى ف، و حاشية الأصل من نسخة: «له و لنا لذاذ» .

(5) فى حاشية الأصل: «لقتيبة عن عفر، أى بعد خمسة عشرة يوما؛ حتى جاوز الليالى العفر، و العرب تسمى الليالى البيض عفرا لبياضها» .

154

مجلس آخر 63

تأويل آية وَ قُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتََاعٌ إِلى‏ََ حِينٍ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَ قُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتََاعٌ إِلى‏ََ حِينٍ ؛ [البقرة: 36]:

فقال: كيف خاطب آدم و حواء عليهما السلام بخطاب الجمع و هما اثنان؟و كيف نسب بينهما العداوة؟و أىّ عداوة كانت بينهما؟

الجواب، قلنا قد ذكر فى هذه الآية وجوه:

أولها أن يكون الخطاب متوجّها إلى آدم و حواء و ذرّيتهما، لأن الوالدين يدلان على الذرّية و يتعلق بهما؛ و يقوّى ذلك قوله تعالى حاكيا عن إبراهيم و إسماعيل: رَبَّنََا وَ اِجْعَلْنََا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنََا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنََا مَنََاسِكَنََا ؛ [البقرة: 128].

و ثانيها أن يكون الخطاب لآدم و حواء عليهما السلام و لإبليس اللعين؛ و أن يكون الجميع مشتركين فى الأمر بالهبوط؛ و ليس لأحد أن يستبعد هذا الجواب من حيث لم يتقدم لإبليس ذكر فى قوله تعالى: وَ يََا آدَمُ اُسْكُنْ/أَنْتَ وَ زَوْجُكَ اَلْجَنَّةَ ؛ [البقرة: 35]لأنه و إن لم يخاطب بذلك فقد جرى ذكره فى قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا اَلشَّيْطََانُ عَنْهََا فَأَخْرَجَهُمََا مِمََّا كََانََا فِيهِ ، [البقرة: 36]؛ فجائز أن يعود الخطاب على الجميع.

و ثالثها أن يكون الخطاب متوجها إلى آدم و حواء و الحية التى كانت معهما، على ما روى عن كثير من المفسرين؛ و فى هذا الوجه بعد من قبل أن خطاب من لا يفهم الخطاب لا يحسن؛ فلا بد من أن يكون قبيحا؛ اللهم إلا أن يقال: إنه لم يكن هناك قول فى الحقيقة و لا خطاب؛

155

و إنما كنّى تعالى عن إهباطه لهم بالقول؛ كما يقول أحدنا: قلت: فلقيت الأمير، و قلت: فضربت زيدا، و إنما يخبر عن الفعل دون القول؛ و هذا خلاف الظاهر و إن كان مستعملا.

و فى هذا الوجه بعد من وجه آخر؛ و هو أنه لم يتقدم للحية ذكر فى نصّ القرآن، و الكناية عن غير مذكور لا تحسن إلا بحيث لا يقع لبس، و لا يسبق وهم إلى تعلق الكناية بغير مكنّى عنه؛ حتى يكون ذكره كترك ذكره فى البيان عن المعنى المقصود، مثل قوله تعالى: حَتََّى تَوََارَتْ بِالْحِجََابِ ؛ [ص: 32]؛ و كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ ؛ [الرحمن: 27]و قول الشاعر:

أ ماوىّ ما يغنى الثّراء عن الفتى # إذا حشرجت يوما؛ و ضاق بها الصّدر (1)

فأما بحيث لا يكون الحال على هذا فالكناية عن غير مذكور قبيحة.

و رابعها أن يكون الخطاب يختصّ آدم و حواء عليهما السلام، و خاطب الاثنين بالجمع على عادة العرب فى ذلك؛ لأن التثنية أول الجمع؛ قال اللّه تعالى: إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ اَلْقَوْمِ وَ كُنََّا لِحُكْمِهِمْ شََاهِدِينَ ؛ [الأنبياء: 78]، أراد لحكم داود و سليمان عليهما السلام؛ و كان بعض أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يتأول قوله تعالى: فَإِنْ كََانَ لَهُ إِخْوَةٌ ؛ [النساء: 11]على معنى فإن كان له أخوان؛ قال الراعى:

أخليد إنّ أباك ضاف وساده # همّان باتا جنبة و دخيلا (2)

طرقا فتلك هماهمى أقريهما # قلصا لواقح كالقسىّ و حولا

فعبّر بالهماهم و هى جمع عن الهمين؛ و هما اثنان.

فإن قيل: فما معنى الهبوط الّذي أمروا به؟قلنا: أكثر المفسرين على أن الهبوط هو

____________

(1) البيت لحاتم.

(2) جمهرة الأشعار: 353. و فى حاشيتى الأصل، ف: «خليدة ابنته فرخم، و ضافه: نزل به.

جنبه أى ناحية. و دخيلا: داخلا فى الفؤاد. قال ابن الأعرابى: أراد: هما داخل القلب، و آخر قريبا من ذلك؛ كالضيف إذا حل بالقوم فأدخلوه فهو دخيل؛ و إن كان بفنائهم فهو جنبة» .

156

النزول من السماء إلى الأرض/، و ليس فى ظاهر القرآن ما يوجب ذلك؛ لأن الهبوط كما يكون النزول من علو إلى سفل فقد يراد به الحلول فى المكان و النزول به؛ قال اللّه تعالى: اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مََا سَأَلْتُمْ ؛ [البقرة: 61]، و يقول القائل من العرب: هبطنا بلد كذا و كذا، يريد حللنا، قال زهير:

ما زلت أرمقهم حتى إذا هبطت # أيدى المطىّ بهم من راكس فلقا (1)

فقد يجوز على هذا أن يريد تعالى بالهبوط (2) الخروج من المكان و حلول غيره؛ و يحتمل أيضا أن يريد بالهبوط (2) معنى غير المسافة، بل الانحطاط من منزلة إلى دونها، كما يقولون: قد هبط فلان عن منزلته، و نزل عن مكانه؛ إذا كان على رتبة فانحطّ إلى دونها.

فإن قيل: فما معنى قوله: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ؟قلنا: أما عداوة إبليس لآدم و ذريته فمعروفة مشهورة، و أما عداوة آدم عليه السلام و المؤمنين من ذريته لإبليس فهى واجبة لما يجب على المؤمنين من معاداة الكفار؛ المارقين عن طاعة اللّه تعالى، المستحقين لمقته و عداوته، و عداوة الحية على الوجه الّذي تضمّن إدخالها فى الخطاب لبنى آدم معروفة؛ و لذلك يحذّرهم منها، و يجنبهم؛ فأما على الوجه الّذي يتضمّن أن الخطاب اختص آدم و حواء دون غيرهما؛ فيجب أن يحمل قوله تعالى: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ على أن المراد به الذرية؛ كأنه قال تعالى: اِهْبِطُوا و قد علمت من حال ذريتكم أن بعضكم يعادى بعضا؛ و علّق الخطاب بهما للاختصاص بين الذرية و بين أصلها.

فإن قيل: أ ليس ظاهر قوله تعالى: اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ يقتضي الأمر بالمعاداة، كما أنه أمر بالهبوط، و هذا يوجب أن يكون تعالى آمرا بالقبيح على وجه؛ لأن معاداة إبليس لآدم عليه السلام قبيحة، و معاداة الكفار من ذريته للمؤمنين منهم كذلك؟

قلنا: ليس يقتضي الظاهر ما ظننتموه؛ و إنما يقتضي أنه أمرهما بالهبوط فى حال عداوة

____________

(1) ديوانه 37. راكس: موضع، و الفلق: المكان المطمئن بين ربوتين؛ و هو منصوب على أنه مفعول به؛ قيل: الفلق: الصبح» .

(2-2) ساقط من الأصل، و ما أثبته عن ف.

157

بعضهم بعضا؛ فالأمر مختص بالهبوط، و العداوة تجرى مجرى الحال؛ و هذا له نظائر كثيرة فى كلام العرب. و يجرى مجرى هذه الآية فى أن المراد بها الحال قوله تعالى: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهََا فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كََافِرُونَ ؛ [التوبة: 55]و ليس معنى ذلك أنه أراد كفرهم كما أراد تعذيبهم/و إزهاق نفوسهم؛ بل أراد أن تزهق أنفسهم فى حال كفرهم، و كذلك القول فى الأمر بالهبوط، و هذا بيّن.

***

قال سيدنا أدام اللّه تمكينه: و من مستحسن تمدح السادة الكرام قول الشاعر:

ويل أمّ قوم غدوا عنكم لطيّتهم # لا يكتنون غداة العلّ و النّهل‏

صدء السرابيل لا توكى مقانبهم # عجر البطون، و لا تطوى على الفضل‏

قوله: «ويل أم قوم» من الزّجر المحمود الّذي لا يقصد به الشر؛ مثل قولهم: قاتل اللّه فلانا ما أشجعه!و ترّحه ما أسمحه!و قد قيل فى قول جميل:

رمى اللّه فى عينى بثينة بالقذى # و فى الغرّ من أنيابها بالقوادح‏ (1)

إنه أراد هذا المعنى بعينه، و قيل: إنه دعا لها بالهرم و علوّ السن، لأن الكبير يكثر قذى عينيه و تنهتم أسنانه. و قيل: إنه أراد بعينيها رقيبيها، و بغر أنيابها سادات قومها و وجوههم؛ و الأول أشبه بطريقة القوم؛ و إن كان القول محتملا للكل.

فأما قوله:

*لا يكتنون غداة العلّ و النّهل*

فإنما أنهم ليسوا برعاة (2) يسقون الإبل، بل لهم من يخدمهم و يكفيهم و يرعى إبلهم؛

____________

(1) أمالى القالى 2: 109، و اللآلى 736، و البيت من شواهد الرضى على الكافية (الخزانة 3: 93) . القذى: كل ما وقع فى العينين من شي‏ء يؤذيها كالتراب و العود و نحوها. و الغر: جمع أغر و غراء؛ و هو وصف لأسنانها بالبياض. و هو السن. و القوادح: جمع القادح؛ و هو السواد الّذي يظهر فى الأسنان.

(2) ف، حاشية الأصل (من نسخة) : «برعاء» .

158

و إنما يكتنى يرتجز على الدّلو السقاة و الرعاة؛ و فيه وجه آخر؛ قيل: إنهم يسامحون شريبهم و يؤثرونه بالسّقى قبل أموالهم؛ و لا يصولون عليه و لا يكتنون؛ و هذا من الكرم و التفضّل لا من الضعف.

و قيل أيضا: بل عنى أنهم أعزاء ذوو منعة، إذا وردت إبلهم ماء أفرج الناس لها عنه؛ لأنها قد عرفت فليس يحتاج أربابها إلى الاكتناء و التعرف.

و قد قال قوم فى قوله: «يكتنون» : إنه من قوله كتنت يده تكتن إذا خشنت من العمل؛ فيقول: ليسوا أهل مهنة، فتكتن أيديهم و تخشن من العمل؛ بل لهم عبيد يكفونهم ذلك.

و قوله: «صدء السرابيل» فإنما أراد به طول حملهم للسلاح و لبسهم له. و المقانب:

هى الأوعية التى يكون فيها الزاد؛ فكأنه يقول: إذا سافروا لم يشدّوا الأوعية على ما فيها و أطعموا أهل الرفقة؛ و هذه كناية عن الإطعام و بذل/الزاد مليحة. و عجر البطون: من صفات المقانب؛ أراد أنها لا توكأ، و لا تطوى على فضل الزاد.

و لبعض شعراء بنى أسد، و أحسن غاية الإحسان:

رأت صرمة (1) لابنى عبيد تمنّعت # من الحقّ لم تؤزل بحقّ إفالها

فقالت: أ لا تغذو فصالك هكذا # فقلت: أبت ضيفانها و عيالها

فما حلبت إلاّ الثلاثة و الثّنى # و لا قيّلت إلاّ قريبا مقالها

حدابير من كلّ العيال كأنّها # أناضىّ شقر حلّ عنها جلالها

شكا هذا الشاعر امرأته، و حكى عنها أنها رأت إبلا لجيرانها لم تعط فى حمالة (2) ، و لم تعقر فى حق، و لم تحلب لضيف و لا جار؛ فهى سمان. و قوله: «لم تؤزل إفالها» و الإفال:

____________

(1) الصرمة: القطعة من الإبل؛ ما بين العشرين إلى الثلاثين، أو إلى الخمسين.

(2) الحمالة: الإبل.

159

الصّغار، و تؤزل؛ من الأزل و هو الضّيق فى العيش و الشدّة؛ فيقول: فصال هؤلاء سمان لم تلق بؤسا؛ لأن ألبان أمهاتها موفورة عليها.

و حكى عن امرأته أنها تقول له: غذّ (1) أنت فصالك هكذا؛ فقال لها: تأبى ذلك الحقوق و عيالها؛ و هم الجيران و الضيفان.

ثم أخبر أنه لم يلتفت إلى لومها، و أنّ الإبل ما حلبت بعد مقالتها إلا مرتين أو ثلاث.

و لا قيّلت، من القائلة إلا بقرب البيوت حتى نحرها و وهبها.

و الحدابير: المهازيل؛ و إنما يعنى فصاله و هزالها لأجل أنها لا تسقى الألبان؛ و تعقر أمهاتها، و أناضىّ: جمع نضو (2) ، فشبه فصاله من هزالها بأنضاء خيل شقر.

و قوله: «حدابير من كل العيال» فيه معنى حسن؛ لأنه أراد أنها من بين جميع العيال:

مهازيل؛ و هذا تأكيد، لأن سبب هزالها هو الإيثار بألبانها؛ و اختصّت بالهزال من بين كلّ العيال. و العيال هاهنا هم الجيران و الضيفان؛ و إنما جعلهم عيالا لكرمه و أن جوده قد ألزمه مودّتهم؛ فصاروا كأخص عياله.

و مثل ذلك قول الشاعر:

تعيّرنى الحظلان أمّ محلّم‏ (3) # فقلت لها: لا تقذفينى بدائيا (4)

فإنّى رأيت الضّامرين‏ (5) متاعهم # يذمّ و يفنى، فارضخى من وعائيا

فلم تجدينى فى المعيشة عاجزا # و لا حصرما خبّا شديدا و كائيا

الحظلان: الممسكون البخلاء، و الحظل الإمساك. و أم محلّم: امرأته. و معنى قوله:

____________

(1) د، حاشية ف (من نسخة) : «اغذ» .

(2) حاشية الأصل: «كأنه يجمع نضو أنضاء، ثم يجمع أنضاء أناضىّ؛ فهو جمع الجمع» .

(3) فى اللسان: «أم مغلس» .

(4) الأبيات فى اللسان (حظل) و عزاها إلى منظور الدبيرى.

(5) رواية اللسان: «الباخلين» .

160

«تعيرنى الحظلان» /أى بالحظلان‏ (1) ؛ تقول: ما لك لا تكون مثل هؤلاء الذين يحفظون أموالهم.

و الضامرون أيضا: البخلاء؛ فقال لها: رأيت البخلاء يضنّون بما عندهم و هو يفنى و يبقى الذّم، فارضخى من وعائى؛ و هذا مثل؛ أى أعطى الناس مما عندى؛ و هو من قولك:

رضخ له بشي‏ء من عطيته. و الحصرم: الممسك؛ تقول العرب حصرم قوسك، أى شدّد وترها.

و قوله:

*فلم تجدينى فى المعيشة عاجزا*

أى أنا صاحب غارات، أفيد و أستفيد و أتلف و أخلف فلا تخافى الفقر-

و قال مسكين الدارمىّ:

أصبحت عاذلتى معتلّة # قرما (2) ، أم هى و حمى للصّخب‏

أصبحت تتفل فى شحم الدّرى # و تظنّ اللّوم درّا ينتهب‏

لا تلمها إنها من أمّة # ملحها موضوعة فوق الرّكب‏ (3)

يقول: إنها تكثر لومى؛ و كأنها قرمة إلى اللوم، كقرم الأشبال إلى اللحم، و هى و حمى تشتهى الصخب. و الوحم: شدة شهوة الطعام عند الحمل.

و شحم الذّرى. الأسنمة؛ و أراد بـ «تتفل» فيها أى تعوّذ إبلى لتزيّنها فى عينى؛ و تعظم قدرها، فلا أهب منها و لا أنحر؛ ثم أخبر أن أصلها من الزّنج. و الملح: الشحم، و شحم الزّنج‏ (4)

____________

(1) حاشية الأصل: «بل الفصيح أن يقال: عيرته كذا، و عيرته بكذا من كلام؛ العامة قال النابغة:

و عيّرتنى بنو ذبيان خشيته # و هل عليّ بأن أخشاك من عار!

.

(2) حاشية الأصل: «فى شعره قرمت» .

(3) حاشية الأصل: «أى لا عرق لها فى الكرم» .

(4) حاشية الأصل: «أراد أنها ليست بعربية؛ بل زنجية.

161

يكون على أوراكهم و أكفالهم و أنشد أبو العباس محمد بن يزيد (1) :

أي ابنة عبد اللّه و ابنة مالك # و يا ابنة ذى البرد بن و الفرس الورد (2)

إذا ما صنعت الزّاد فالتمسى له # أكيلا؛ فإنّى لست آكله‏ (3) وحدى‏

قصيّا كريما، أو قريبا فإنّنى # أخاف مذمّات الأحاديث من بعدى‏

و إنّى لعبد الضّيف ما دام نازلا # و ما من صفاتى غيرها شيمة العبد

قال أبو العباس: استثنى الكرم فى القصيّ البعيد، و لم يستثنه فى القريب؛ لأن أهله جميعا عنده كرام. و أراد بقوله: «عبد الضيف» أنه يخدم الضيف هو بنفسه لا يرضى أن يخدمه عبده.

قال سيدنا أدام اللّه علوّه: و يشبه ذلك قول المقنّع الكندىّ:

/و إنّى لعبد الضّيف ما دام نازلا # و ما بي سواها خلّة تشبه العبدا (4)

____________

(1) فى الكامل-بشرح المرصفى 5: 145؛ و نسبها إلى قيس بن عاصم المنقرى، و فى حماسة أبى تمام-بشرح التبريزى 4: 205، و عزاها التبريزى إلى حاتم الطائىّ و لم ترد فى ديوانه. و فى الأغانى (12: 144) بسنده: «تزوج قيس بن عاصم المنقرى منفوسة بنت زيد الفوارس الضبى، و أتته فى الليلة الثانية من بنائه بها بطعام فقال: فأين أكيلى؟فلم تعلم ما يريد؛ فأنشأ يقول.. و أورد الأبيات. قال:

«فأرسلت جارية لها مليحة فطلبت له أكيلا، و أنشأت تقول له:

أبى المرء قيس أن يذوق طعامه # بغير أكيل؛ إنه لكريم!

فبوركت حيا يا أخا الجود و الندى # و بوركت ميتا قد حوتك رجوم‏

.

(2) أضافها إلى عمها وجدها الأكبرين، لعزتهما بين قبائل العرب؛ و ذلك أن زيد الفوارس هو ابن حصين بن ضرار بن عمرو بن مالك بن زيد بن كعب بن بجالة بن ذهل بن مالك، أخى عبد اللّه بن سعد ابن ضبة. و يريد بذى البردين جد منفوسة من قبل أمها، و هو عامر بن أحيمر بن بهدلة؛ لقب بذلك لما روى أن النعمان أخرج بردى محرق، و قد اجتمعت وفود العرب و قال: ليقم أعز العرب فليلبسهما، فقام عامر، فاتزر بأحدهما و ارتدى بالآخر؛ و لم ينازعه أحد... فى خبر ذكره المرزوقى فى شرح الحماسة 1668.

(3) حاشية الأصل (من نسخة) : «آكله» ، بضم الكاف و اللام.

(4) حماسة أبى تمام بشرح المرزوقى 1180؛ و فى حاشية الأصل (من نسخة) :

*و ما شيمة لى غيرها تشبه العبدا*

.

162

و إنما اشترط فى كونه عبدا للضيف فى البيت الأول و الثانى‏ (1) ثواءه و نزوله‏ (1) مؤثرا له؛ ليعلم (2) أن الخدمة لضيفه لم تكن لضعة قدره‏ (2) ، بل لما يوجبه الكرم من حق الأضياف‏ (3) ، و أنه يخرج عن أن يكون مخدوما بخروجه من أن يكون ضيفا. و لو قال: «و إنى لعبد الضيف» و لم يشرط (4) لم يحصل هذا المعنى الجليل.

____________

(1-1) حاشية الأصل (من نسخة) : مدة ثوائه و نزوله» .

(2-2) م: أن الخدمة لم تكن لضعة و صغر قدر» .

(3) حاشية الأصل (من نسخة) : «الإضافة» .

(4) م: «يشترط» .

163

مجلس آخر 64

تأويل آية اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ اَلْأَمْثََالَ فَضَلُّوا فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً

إن سأل سائل فقال: بم تدفعون من خالفكم فى الاستطاعة، و زعم أن المكلّف يؤمر بما لا يقدر عليه و لا يستطيعه إذا تعلق بقوله تعالى: اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ اَلْأَمْثََالَ فَضَلُّوا فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ؛ [الإسراء: 48]فإن الظاهر من هذه الآية يوجب أنهم غير مستطيعين للأمر الّذي هم غير فاعلين له، و أن القدرة مع الفعل. و إذا تعلق بقوله تعالى:

فى قصة موسى عليه السلام: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ؛ [الكهف: 67]؛ و أنه نفى أن يكون قادرا على الصبر فى حال هو فيها غير صابر؛ و هذا يوجب أنّ القدرة مع الفعل.

و بقوله تعالى: مََا كََانُوا يَسْتَطِيعُونَ اَلسَّمْعَ وَ مََا كََانُوا يُبْصِرُونَ ؛ [هود: 20].

الجواب، يقال له: أول ما نقوله: إنّ المخالف لنا فى هذا الباب من الاستطاعة لا يصحّ له فيه التعلّق بالسمع؛ لأن مذهبه لا يسلم معه صحة السمع، و لا يتمكن مع المقام عليه من معرفة السمع بأدلته؛ و إنما قلنا ذلك؛ لأن من جوّز تكليف اللّه تعالى الكافر الإيمان و هو لا يقدر عليه لا يمكنه العلم بنفى القبائح عن اللّه عز و جل؛ و إذا لم يمكن ذلك فلا بدّ من أن يلزمه تجويز القبائح فى أفعاله و أخباره؛ و لا يأمن من أن يرسل كذابا، و أن يخبر هو بالكذب-تعالى عن ذلك!فالسمع إن كان كلامه قدح فى حجته تجويز الكذب عليه، و إن كان كلام رسوله قدح فيه ما يلزمه من تجويز تصديق الكذّاب؛ و إنما طرق ذلك تجويز بعض القبائح عليه.

و ليس لهم أن يقولوا: إن أمره تعالى الكافر بالإيمان و إن لم يقدر عليه يحسن من حيث أتى الكافر فيه من قبل نفسه؛ لأنه تشاغل بالكفر فترك الإيمان. و إنما كان يبطل تعلّقنا/بالسمع لو أضفنا ذلك إليه تعالى على وجه يقبح؛ و ذلك لأن ما قالوه إذا لم يؤثّر فى كون ما ذكرناه‏

164

تكليفا لما لا يطاق لم يؤثر فى نفى ما ألزمناه عنهم؛ لأنه يلزم على ذلك أن يفعل الكذب و سائر القبائح، و تكون حسنة منه بأن يفعلها من وجه لا يقبح منه.

و ليس قولهم: إنا لم نضفه إليه من وجه يقبح بشي‏ء يعتمد؛ بل يجرى مجرى قول من جوّز عليه تعالى أن يكذب، و يكون الكذب منه تعالى حسنا؛ و يدّعى مع ذلك صحة معرفة السمع بأن يقول: إننى لم أضف إليه تعالى قبيحا، فيلزمنى إفساد طريقة السمع، فلما كان من ذكرناه لا عذر له فى هذا الكلام لم يكن للمخالف فى الاستطاعة عذر بمثله.

و نعود إلى تأويل الآى؛ أما قوله تعالى: اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ اَلْأَمْثََالَ فَضَلُّوا فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً فليس فيه ذكر للشي‏ء الّذي لا يقدرون عليه، و لا بيان له، و إنما يصح ما قالوه لو بين أنهم لا يستطيعون سبيلا إلى أمر معين؛ فأما و لم يذكر ذلك فلا متعلّق لهم.

فإن قيل: فقد ذكر تعالى من قبل ضلالهم؛ فيجب أن يكون المراد بقوله: فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً إلى مفارقة الضلال.

قلنا: إنه تعالى كما ذكر الضلال فقد ذكر ضرب المثل؛ فيجوز أن يريد أنهم لا يستطيعون سبيلا إلى تحقيق ما ضربوه من الأمثال و ذلك غير مقدور على الحقيقة، و لا مستطاع.

و الظاهر بهذا الوجه أولى؛ لأنه تعالى حكى أنهم ضربوا له الأمثال، و جعل ضلالهم و أنهم لا يستطيعون السبيل متعلّقا بما تقدّم ذكره. و ظاهر ذلك يوجب رجوع الأمرين جميعا إليه، و أنهم ضلّوا بضرب المثل، و أنهم لا يستطيعون سبيلا إلى تحقيق ما ضربوه من المثل؛ على أنه تعالى قد أخبر عنهم بأنهم ضلّوا، و ظاهر ذلك الإخبار عن ماضى فعلهم.

فإن كان قوله تعالى: فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً يرجع إليه، فيجب أن يدلّ على أنهم‏

165

لا يقدرون على ترك الماضى؛ و هذا مما لا نخالف فيه‏ (1) و ليس فيه ما نأباه‏ (1) من أنهم لا يقدرون فى المستقبل أو فى الحال على مفارقة الضلال و الخروج عنه بعد تركه.

و بعد؛ فإذا لم يكن للآية ظاهر، فلم صاروا بأن يحملوا نفى الاستطاعة على أمر كلّفوه/ أولى منا إذا حملنا ذلك على أمر لم يكلّفوه، أو على أنه أراد الاستثقال و الخبر عن عظم المشقة عليهم.

و قد جرت عادة أهل اللغة بأن يقولوا لمن يستثقل شيئا: إنه لا يستطيعه، و لا يقدر عليه، و لا يتمكّن منه؛ أ لا ترى أنهم يقولون: فلان لا يستطيع أن يكلّم فلانا، و لا ينظر إليه، و ما أشبه ذلك، و إنما غرضهم الاستثقال و شدة الكلفة و المشقة.

فإن قيل: فإذا كان لا ظاهر للآية يشهد بمذهب المخالف، فما المراد بها عندكم؟.

قلنا: قد ذكر أبو على أن المراد أنهم لا يستطيعون إلى بيان تكذيبه سبيلا، لأنه ضربوا الأمثال؛ ظنا منهم بأن ذلك يبيّن كذبه، فأخبر تعالى أن ذلك غير مستطاع؛ لأنّ تكذيب صادق، و إبطال حق مما لا تتعلق به قدرة، و لا تتناوله استطاعة.

و قد ذكر أبو هاشم أن المراد بالآية أنهم لأجل ضلالهم بضرب المثل و كفرهم لا يستطيعون سبيلا إلى الخير الّذي هو النجاة من العقاب و الوصول إلى الثواب.

و ليس يمكن على هذا أن يقال: كيف لا يستطيعون سبيلا إلى الخير و الهدى، و هم عندكم قادرون على الإيمان و التوبة؟و متى فعلوا ذلك استحقوا الثواب؛ لأن المراد أنهم مع التمسك بالضلال و المقام على الكفر لا سبيل لهم إلى خير و هدى؛ و إنما يكون لهم سبيل إلى ذلك بأن يفارقوا ما هم عليه.

و قد يمكن أيضا فى معنى الآية ما تقدّم ذكره من أن المراد بنفى الاستطاعة عنهم أنهم مستثقلون للإيمان؛ و قد يخبر عمن استثقل شيئا بأنه لا يستطيعه على ما تقدم ذكره.

____________

(1-1) حاشية الأصل (من نسخة) : «و ليس مما نأباه» .

166

فأما قوله تعالى فى قصة موسى عليه السلام: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً فظاهره يقتضي أنك لا تستطيع ذلك فى المستقبل؛ و لا يدلّ على أنه غير مستطيع للصبر فى الحال أن يفعله فى الثانى.

و قد يجوز أن يخرج فى المستقبل من أن يستطيع ما هو فى الحال مستطيع له؛ غير أن الآية تقتضى خلاف ذلك؛ لأنه قد صبر عن المسألة أوقاتا، إن و لم يصبر عنها فى جميع الأوقات، فلم تنتف الاستطاعة للصبر عنه فى جميع الأحوال المستقبلة.

على أن المراد بذلك واضح، و أنه تعالى خبّر عن استثقاله الصبر عن المسألة عما لا يعرف /و لا يقف عليه؛ لأن مثل ذلك يصعب على النفس؛ و لهذا نجد أحدنا إذا وجد (1) بين يديه ما ينكره و يستبعده تنازعه نفسه إلى المسألة عنه، و البحث عن حقيقته، و يثقل عليه الكفّ عن الفحص عن أمره؛ فلما حدث من صاحب موسى ما يستنكر ظاهره استثقل الصبر عن المسألة عن ذلك.

و يشهد بهذا الوجه قوله تعالى: وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ََ مََا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ؛ [الكهف: 68]؛ فبيّن تعالى أن العلة فى قلة صبره ما ذكرناه دون غيره، و لو كان على ما ظنوا لوجب أن يقول: و كيف تصبر و أنت غير مطيق للصبر!

فأما قوله تعالى: مََا كََانُوا يَسْتَطِيعُونَ اَلسَّمْعَ وَ مََا كََانُوا يُبْصِرُونَ فلا تعلّق لهم بظاهره؛ لأن السمع ليس بمعنى فيكون مقدورا، لأن الإدراك على المذهب الصحيح ليس بمعنى، و لو ثبت أنه معنى على ما يقوله أبو على لكان أيضا غير مقدور للعبد من حيث يختصّ القديم تعالى بالقدرة عليه.

هذا إن أريد بالسمع الإدراك؛ و إن أريد به نفس الحاسة فهى أيضا غير مقدورة للعباد؛ لأن الجواهر و ما تخصّ به الحواس من البنية و المعانى ليصحّ به الإدراك مما ينفرد به القديم تعالى فى القدرة عليه. فالظاهر لا حجّة لهم فيه.

____________

(1) ف، حاشية الأصل (من نسخة) : «إذا جرى بين يديه» .

167

فإن قالوا: فلعلّ المراد بالسمع كونهم سامعين؛ كأنه تعالى نفى عنهم استطاعة أن يسمعوا.

قلنا: هذا خلاف الظاهر؛ و لو ثبت أن المراد ذلك لحملنا نفى الاستطاعة هاهنا على ما تقدم ذكره من الاستثقال و شدة المشقة، كما يقول القائل: فلان لا يستطيع أن يرانى، و لا يقدر أن يكلّمنى؛ و ما أشبه ذلك، و هذا بيّن لمن تأمله.

تأويل خبر يسار عن معاوية بن الحكم‏

إن سأل سائل فقال: ما تأويل ما رواه يسار عن معاوية بن الحكم قال: قلت يا رسول اللّه، كانت لى جارية كانت ترعى غنما لى، قبل أحد، فذهب الذئب بشاة من غنمها، و أنا رجل من بنى آدم آسف، كما يأسفون، لكنّنى‏ (1) غضبت فصككتها صكّة، قال: فعظم ذلك على النبي صلى اللّه عليه و آله، قال، قلت: يا رسول اللّه؛ أ فلا أعتقها؟قال: «ائتنى بها» ، فأتيته بها فقال لها: «أين اللّه؟» فقالت: فى السماء، قال: «من أنا» ؟قالت: أنت رسول اللّه، فقال عليه السلام: / «أعتقها (2) فإنها مؤمنة» .

الجواب، أما قوله: «أنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون» فمعناه أغضب كما يغضبون، قال محمد بن حبيب: الأسف: الغضب، و أنشد للراعى:

فما لحقتنى العيس حتّى وجدتنى # أسيفا على حاديهم المتجرّد

و الأسف أيضا الحزن؛ قال ابن الأعرابىّ: الأسف: الحزن، و الأسف: الغضب، قال كعب بن زهير:

____________

(1) د، و من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «لكننى» .

(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «فأعتقها» .

168

فى كلّ يوم أرى فيه مبيّنة # تكاد تسقط منّى منّة أسفا (1)

و قوله: «و لكنى غضبت فصككتها» أراد لطمتها، يقال: صكّ جبهته، إذا لطمها بيده؛ قال اللّه تعالى: فَأَقْبَلَتِ اِمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهََا ؛ [الذاريات: 29]؛ و قال بشر بن أبى خازم يصف حمار وحش و أتانا:

فتصكّ محجره إذا ما سافها # و جبينه بحوافر لم تنكب‏ (2)

سافها: أى شمها.

و قولها: «فى السماء» ؛ فالسماء هى الارتفاع و العلو، فمعنى ذلك أنّه تعالى عال فى قدرته، عزيز فى سلطانه، لا يبلغ و لا يدرك. و يقال: سما فلان يسمو سموّا، إذا ارتفع شأنه علا أمره، قال اللّه تعالى: أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي اَلسَّمََاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ اَلْأَرْضَ فَإِذََا هِيَ تَمُورُ. `أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي اَلسَّمََاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حََاصِباً ؛ [الملك: 16، 17]فأخبر بقدرته و سلطانه و علوّ شأنه و نفاذ أمره.

و قد قيل فى قوله تعالى: أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي اَلسَّمََاءِ غير هذا، و أن المراد: أ أمنتم من فى السماء أمره و آياته و رزقه؛ و ما جرى مجرى ذلك. و قال أمية بن أبى الصلت شاهدا لما تقدم:

و أشهد أنّ اللّه لا شي‏ء فوقه # عليّا و أمسى ذكره متعاليا

و قال سليمان بن يزيد العدوىّ:

لك الحمد يا ذا الطّول و الملك و الغنى # تعاليت محمودا كريما و جازيا

/علوت على قرب بعزّ و قدرة # و كنت قريبا فى دنوّك عاليا (3)

____________

(1) ديوانه: 70. المنة: القوة؛ و فى حاشيتى الأصل، ف: قبله:

بان الشباب و أمسى الشّيب قد أزفا # و لا أرى لشباب ذاهب خلفا

عاد السواد بياضا فى مفارقه # لا مرحبا ها بذا اللّون الّذي ردفا

.

(2) محجر العين: ما دار بها؛ و يقال: نكبت الحجارة خف البعير إذا أصابته و أدمته.

(3) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «فى علوك دانيا» .

169

و السماء أيضا سقف البيت، و منه قوله تعالى: مَنْ كََانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اَللََّهُ فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى اَلسَّمََاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مََا يَغِيظُ ؛ [الحج: 15].

و قال ابن الأعرابىّ: يقال لأعلى البيت: سماء البيت، و سماوته، و سراته، و صهوته؛ و السماء أيضا: المطر قال اللّه تعالى: وَ أَرْسَلْنَا اَلسَّمََاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرََاراً ؛ [الأنعام: 6]. و منه الحديث الّذي رواه أبو هريرة أن النبي صلى اللّه عليه و آله مر على صبرة طعام؛ فأدخل عليه السلام يده فيها، فنالت أصابعه بللا؛ فقال: ما هذا يا صاحب البرّ؟قال: أصابته السماء يا رسول اللّه، قال عليه السلام: «أ و لا جعلته فوق الطّعام، يراه الناس!من غشّ فليس منا» . و قال المثقّب العبدىّ:

فلمّا أتانى و السّماء تبلّه # فقلت له: أهلا و سهلا و مرحبا

و يقال أيضا لظهر الفرس: سماء؛ كما يقال فى حوافره: أرض. و لبعضهم فى فرس:

و أحمر كالدّينار، أمّا سماؤه # فخصب، و أما أرضه فمحول‏ (1)

و إنما أراد أنه سمين الأعلى، عريان القوائم ممشوقها؛ و كل معانى السماء التى تتصرف و تتنوع ترجع إلى معنى الارتفاع و العلو و السموّ؛ و إن اختلفت المواضع التى أجريت هذه اللفظة فيها.

و أولى المعانى بالخبر الّذي سئلنا عنه ما قدّمناه من معنى العزة و علو الشأن و السلطان، و ما عدا ذلك من المعانى لا تليق به تعالى؛ لأنّ العلوّ بالمسافة لا يجوز على القديم تعالى الّذي ليس بجسم و لا جوهر و لا حالّ فيهما؛ و لأن الخبر و الآية التى تضمنت أيضا ذكر السماء خرجت مخرج المدحة، و لا تمدّح فى العلو بالمسافة؛ و إنما التمدّح بالعلو و الشأن و السلطان و نفاذ الأمر؛ و لهذا لا تجد أحدا من العرب مدح غيره فى شعر أو نثر بمثل هذه اللفظة؛ و أراد بها علوّ المسافة؛ بل لا يريدون إلا ما ذكرناه من معنى العلوّ فى الشأن؛ و إنما يظن فى هذا الموضع خلاف هذا من لا فطنة عنده و لا بصيرة له؛ و الحمد للّه رب العالمين.

____________

(1) البيت لطفيل الغنوى، و هو فى ملحقات ديوانه 63، و اللسان (سما) .

170

مجلس آخر 65

تأويل آية حَتََّى إِذََا جََاءَ أَمْرُنََا وَ فََارَ اَلتَّنُّورُ قُلْنَا اِحْمِلْ فِيهََا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلاََّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ اَلْقَوْلُ وَ مَنْ آمَنَ وَ مََا آمَنَ مَعَهُ إِلاََّ قَلِيلٌ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: حَتََّى إِذََا جََاءَ أَمْرُنََا وَ فََارَ اَلتَّنُّورُ قُلْنَا اِحْمِلْ فِيهََا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلاََّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ اَلْقَوْلُ وَ مَنْ آمَنَ وَ مََا آمَنَ مَعَهُ إِلاََّ قَلِيلٌ ؛ [هود: 40]:

الجواب، قلنا: أمّا التنور فقد ذكر فى معناه وجوه:

أولها أنّه أراد بالتنوّر وجه الأرض؛ و أنّ الماء نبع و ظهر على وجه الأرض و فار؛ و هذا قول عكرمة، و قال ابن عباس مثله، و العرب تسمى وجه الأرض تنوّرا.

و ثانيها أن يكون المعنى أن الماء نبع من أعالى الأرض، و فار من الأماكن المرتفعة منها؛ و هذا قول قتادة؛ و روى عنه فى قوله تعالى: وَ فََارَ اَلتَّنُّورُ ؛ قال: ذكر لنا أنه أرفع الأرض و أشرفها.

و ثالثها أن يكون المراد ب فََارَ اَلتَّنُّورُ أى برز النّور، و ظهر الضوء، و تكاثفت حرارة دخول النهار، و تقضّى الليل. و هذا القول يروى عن أمير المؤمنين عليه السلام.

و رابعها أن يكون المراد بالتنوّر الّذي يختبز فيه على الحقيقة؛ و أنه تنور كان لآدم عليه السلام‏ (1) . و قال قوم: إن التّنّور كان فى دار نوح عليه السلام بعين وردة (2) من أرض الشام. و قال آخرون: بل كان التنّور فى ناحية الكوفة؛ و الّذي‏ (3) روى عنه أن التنّور هو تنور الخبز الحقيقى ابن عباس و الحسن و مجاهد و غيرهم.

____________

(1) م: «لآدم عليه السلام أبى البشر» .

(2) فى حاشيتى الأصل، ف: وردة: اسم امرأة؛ تنسب العين إليها» .

(3) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «و الذين روى عنهم» .

171

و خامسها أن يكون معنى ذلك: اشتدّ غضب اللّه تعالى عليهم، و حلّ وقوع نقمته بهم؛ فذكر تعالى التّنّور مثلا لحضور العذاب، كما تقول العرب: قد حمى الوطيس‏ (1) ؛ إذا اشتد الحرب، و عظم الخطب. و الوطيس هو التّنّور. و تقول العرب أيضا: قد فارت قدر القوم إذا اشتد حربهم؛ قال الشاعر:

تفور علينا قدرهم فنديمها # و نفثؤها عنّا إذا حميها غلا (2)

أراد بقدرهم حربهم، و معنى نديمها: نسكّنها، و من ذلك الحديث المروى عن النبي صلى اللّه عليه و آله أنه نهى عن البول فى الماء الدائم؛ يعنى الساكن. و يقال: قد دوّم الطائر فى الهواء، إذا بسط جناحيه و سكنهما و لم بخفق بهما. و نفثؤها، معناه نسكّنها؛ يقال: قد فثأت غضبه عنى، و فثأت الحارّ بالبارد/إذا كسرته به.

و سادسها أن يكون التنّور الباب الّذي يجتمع فيه ماء السفينة؛ فجعل فوران الماء منه و السفينة (3) على الأرض علما على ما أنذر به من إهلاك قومه؛ و هذا القول يروى عن الحسن.

و أولى الأقوال بالصواب قول من حمل الكلام على التنّور الحقيقى؛ لأنه الحقيقة و ما سواه مجاز؛ و لأن الروايات الظاهرة تشهد له؛ و أضعفها و أبعدها من شهادة الأثر قول من حمل ذلك على شدة الغضب و احتداد الأمر تمثيلا و تشبيها؛ لأن حمل الكلام على الحقيقة التى تعضدها الرواية أولى من حمله على المجاز و التوسع مع فقد الرواية.

و أىّ المعانى أريد بالتنوّر فإن اللّه تعالى جعل فوران الماء منه علما لنبيّه؛ و آية تدلّ على نزول العذاب بقومه؛ لينجو بنفسه و بالمؤمنين.

____________

(1) حاشية الأصل: «روى أن أول من تكلم بحمى الوطيس رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، فقال عليه السلام: «الآن حمى الوطيس» .

(2) البيت فى اللسان (فثأ) ، و مقاييس اللغة (2: 315) منسوبا إلى النابغة الجعدى.

(3) ضبطت فى الأصل بالفتح و الضم معا؛ و فى حاشية الأصل:

«إذا نصبت كان عطفا على «فوران» و يكون «على الأرض» حالا؛ و الرفع أولى» .

172

فأما قوله تعالى: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ فقد قيل: المراد به: احمل من كلّ ذكر و أنثى اثنين، و إنه يقال لكل واحد من الذكر و الأنثى زوج.

و قال آخرون: الزوجان هاهنا الضربان؛ و قال آخرون: الزوج: اللون؛ و إن كل ضرب يسمى زوجا؛ و استشهدوا ببيت الأعشى‏ (1) :

و كلّ زوج من الدّيباج يلبسه # أبو قدامة مجبورا بذاك معا (2)

و معنى‏ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ اَلْقَوْلُ ؛ أى من أخبر اللّه تعالى بعذابه و حلول الهلاك به.

و اللّه أعلم بمراده.

تأويل خبر «رأيت النبي صلى اللّه عليه و آله فى المنام و أنا أشكو إليه ما لقيت من الأود و اللّدد»

إن سأل سائل عن الخبر الّذي يرويه شريك بن عمار الدّهني‏ (3) عن أبى صالح الحنفىّ عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «رأيت النبي صلى اللّه عليه و آله فى المنام و أنا أشكو إليه ما لقيت من الأود و اللّدد» .

الجواب، يقال له: أما الأود فهو الميل، تقول العرب: لأقيمنّ ميلك، و جنفك، و أودك، و درأك، و ضلعك، و صدغك، و ظلعك (بالظاء) ، و صغوك، و صعرك، و صددك؛ كل هذا بمعنى واحد.

و قال ثعلب: الأود إذا كان من الإنسان فى كلامه و رأيه فهو عوج؛ و إذا كان فى الشي‏ء المنتصب مثل عصا/و ما أشبهها فهو عوج؛ و هذا قول الناس كلّهم إلا أبا عمرو الشيبانىّ؛

____________

(1) ديوانه: 86؛ و فى حاشية الأصل: «قبله:

له أكاليل بالياقوت زيّنها # صواغها، لا ترى عيبا و لا طبعا

يمدح هوذة بن على؛ و لم يلبس التاج معدّى غيره» .

(2) حاشية الأصل: «مجبورا؛ من الجبر، و هو الإصلاح» . و فى ديوانه: «محبوا» ؛ و فى حاشية الأصل (من نسخة) : «محبو؛ أى هو محبو» .

(3) فى م: «شريك عن عمار الذهنى» ؛ و هو تحريف، و بنو دهن: حي من العرب.

173

فإنه قال: العوج، بالكسر: الاسم، و العوج، بالفتح: المصدر. و قال ثعلب: كأنه مصدر عوج يعوج عوجا؛ و يقال: عصا معوجّة، و عود معوج؛ و ليس فى كلامهم معوّج.

و أما اللّدد؛ فقيل: هو الخصومات، و قال ثعلب: يقال رجل ألدّ، و قوم لدّ إذا كانوا شديدى الخصومة؛ و منه قول اللّه تعالى: وَ هُوَ أَلَدُّ اَلْخِصََامِ ؛ [البقرة: 204].

و قال الأموىّ: اللدد: الاعوجاج، و الألدّ فى الخصومة: الّذي ليس بمستقيم، أى هو أعوج الخصومة؛ يميل فلا يقوى عليه و لا يستمكن‏ (1) منه، و من ذلك قولهم: لدّ الصّبىّ، و إنما يلدّ فى شقّ فيه؛ و ليس «يلدّ» مستقيما؛ فهو يرجع إلى معنى الميل و الاعوجاج. و قال:

فسّر لنا الحكم بن ظهير، فقال: ألدّ الخصام، أى أعوج الخصام، و أنشد أبو السمح لابن مقبل:

لقد طال عن دهماء لدي و عذرتى # و كتمانها أكنى بأمّ فلان‏

جعلت لجهّال الرّجال مخاضة # و لو شئت قد بيّنتها بلسانى‏

اللّد: الجدال و الخصومة.

و قال أبو عمرو: الألد: الّذي لا يقبل الحق، و يطلب الظلم.

و قوله: «مخاضة» يقول: إنهم يخوضون فى شعرى و يطلبون معانيه، فلا يقفون عليه.

و أنشد أبو السمح:

لا تفتر الكذب القبيح فإنّه # للمرء معيبة و باب لئام‏

و اصدق بقولك حين تنطق؛ إنّه # للصّدق فضل فوق كلّ كلام‏

و إذا صدقت على الرّجال خصمتهم # و الصّدق مقطعة على الظّلام‏

و إذا رماك غشوم قوم فارمه # بألدّ مشتغر المدى غشّام‏

لا تعرضنّ على العدوّ وسيلة # و احذر عدوّك عند كلّ مقام‏

____________

(1) حاشية الأصل (من نسخة) : «يتمكن» .

174

و اعلم بأنه ليس يوما نافعا # عند اللّئيم وسائل الأرحام‏

ما لم يخفك و يلق عندك جانبا # خشنا و تصبحه بكأس سمام‏

و إذا حللت‏ (1) بمأزق فاكرم به # حتّى تفرّج حلبة الإظلام‏

/و اصبر على كرب البلاء فإنّه # ليس البلاء على الفتى بلزام‏

و اعلم بأنّك ميّت و محدّث # عمّا فعلت معاشر الأقوام‏

معنى قوله «مشتغر المدى» ، أى بعيد المدى.

و معنى قوله:

*لا تعرضنّ على العدوّ وسيلة*

أى لا تقاربه و لا تصانعه و لا يكن بينك و بينه إلا صدق العداوة.

و أنشد أيضا شاهدا لما تقدم:

يا وهب أشبه باطلى و جدّى # أشبهت أخلاقى فأشبه مجدى‏

*و جدّ لى عند الخصوم اللّدّ*

***

قال سيدنا أدام اللّه تمكينه: و من أحسن ما وصف به الثغر قول فضالة بن وكيع البكرىّ:

تبسّم عن حمّ اللّثات كأنّها # حصى برد أو أقحوان كثيب‏

إذا ارتفعت عن مرقد علّلت به # من اليانع الغورىّ فرع قضيب‏

قضيب نجاه الرّكب أيام عرّفوا # لها من ذرى مال النّبات خضيب‏

يعنى من يانع الأراك. و معنى نجاه، أى قطعه، و مثله استنجاه أيضا، و مال النبات، أى ناعمه و حسنه، يقال: عشب مال و مادّ، سواء، أى ميّاد ناعم.

و معنى-أيام عرفوا، أى اجتنوه من عرفات، و ذكر أنه خضيب بالطيب الّذي بيديها لإدمانها لاستعماله.

____________

(1) حاشية الأصل (من نسخة) : «و إذا حبست» .

175

و قال الأخطل يصف ثغرا:

شتيتا يرتوى الظمآن منه # إذا الجوزاء أجحرت الضّبابا (1)

الشتيت: المفرق المفلّج الّذي ليس بمتراكب-

و معنى قوله:

*إذا الجوزاء أجحرت الضبابا*

فيه وجهان: أحدهما أنه أراد عند سقوط الجوزاء؛ و ذلك فى شدة البرد و طول الليل إذا اتجحرت الضباب من البرد، و تغيرت الأفواه لطول ليل الشتاء؛ يقول: فثغرها حينئذ عذب غير متغيّر.

و الوجه الآخر أنه أراد عند طلوع الجوزاء فى شدة الحر إذا انجحرت الضّباب من شدة الحر و القيظ؛ فالظمآن حينئذ أشدّ عطشا و أحرّ غلّه/، فريقها يرويه و يبرد غلّته.

و قال آخر:

فويل بها (2) لمن تكون ضجيعه # إذا ما الثّريّا ذبذبت كلّ كوكب‏

قوله: «فويل بها» من الزّجر المحمود: مثل قولهم: ويل أمه ما أشجعه!فكأنه يقول: نعم الضجيع هى عند السّحر، إذا تحادرت النجوم للمغيب، كما قال ذو الرّمة:

و أيدى الثّريّا جنّح فى المغارب‏ (3)

____________

(1) حاشية الأصل: «قبله:

أ فاطم اعرضي قبل المنايا # كفى بالموت هجرا و اجتنابا

برقت بعارضيك و لم تجودى # و لم يك ذاك من نعمى ثوابا

كذلك أخلفتنا أم بشر # على أن قد جلت غرّا عذابا

و انظر الديوان ص 55.

(2) حاشية الأصل: «نسخة س: «فويل أمها» .

(3) ديوانه: 55، و صدره:

*ألا طرقت ميّ هيوما بذكرها*

.

176

و مثل قول الآخر:

نعم شعار الفتى إذا برد اللّيـ # ل سحيرا و قفقف الصّرد (1)

و إنما يعنى أنها فى ذلك الوقت الّذي تتغير فيه الأفواه طيبة الريق عذبته.

و أنشد أبو العباس المبرّد لأم الهيثم:

و عارض كجانب العراق # أنبت برّاقا من البرّاق‏ (2)

يذاق‏ (3) مثل العسل المراق‏ (4)

قال أبو العباس: فى هذا قولان:

أحدهما أنه وصفت ثغرا. و عارضاه: جانباه، و العراق: ما يثنى ثم يخرز كعراق القربة، فأخبرت أنه ليس فيه اعوجاج و لا تراكب و لا نقص.

و قولها:

*أنبت براقا من البرّاق*

أى ما تنبته الأرض إذا مطرت من النّور.

قال المبرّد: و القول الأول عندنا أصح لذكرها العسل.

و أنشد أحمد بن يحيى لتأبط شرا (5) :

____________

(1) من القفقفة؛ و هى الرعدة، و الصرد: الّذي آلمه الصرد؛ و هو شدة البرد؛ و البيت فى اللسان (قفف) ، و الكامل-بشرح المرصفى 3: 63، و ذكر بعده:

زيّنها اللّه فى الفؤاد كما # زيّن فى عين والد ولد

و هو أيضا فى كتاب الألفاظ 121، 212؛ و ذكر قبله:

ما اكتحلت مقلة برؤيتها # فمسّها الدّهر بعدها رمد

و نسب البيتين إلى عمر بن أبى ربيعة، و هما فى ملحقات ديوانه: 483.

(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «البراق» بكسر الباء.

(3) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «يداف» .

(4) حاشية الأصل: «نسخة ش: المذاق» .

(5) البيتان فى الأصمعيات: 35، و المخصص: 10: 103، و اللسان (صوح) .

177

و شعب كشلّ‏ (1) الثّوب شكس طريقه # مجامع ضوجيه‏ (2) نطاف مخاصر

تعسّفته باللّيل لم يهدنى له # دليل، و لم يحسن له النّعت خابر

قال: يعنى بالشّعب فم جارية. كشلّ الثوب، يعنى كفّ الثوب إذا خاطه الخيّاط.

و الشّكس: الضيّق، يصفها بصغر الفم و حسنه و رقّة الشفتين. و ضوجاه: جانباه و ضوج الوادى/: جانبه؛ و يعنى بالنّطاف: الريق. و المخاصر: الباردة، من الخصر.

و قوله: «لم يهدنى له دليل» ؛ أى لم يصل إليه غيرى، كما قال جرير:

ألا ربّ يوم قد شربت بمشرب # شفى الغيم، لم يشرب به أحد قبلى‏ (3)

الغيم و الغين: العطش؛ و إنما يعنى ريق جارية.

قال المبرّد و قال آخرون: بل يعنى شعبا من الشّعاب مخوفا ضيّقا، سلكه وحده.

قال أبو العباس: إنما كنى بالشّعب عن فم جارية؛ ثم أخذ فى وصف الشّعب؛ ليكون الأمر أشدّ التباسا.

قال سيدنا أدام اللّه علوّه: و الأشبه أن يكون أراد شعبا حقيقيّا، لأن تأبط شرا كان لصا وصّافا للأهوال التى تمضى به، و يعاينها فى تلصّصه. و كان كثيرا ما يصف تدلّيه من الجبال، و تخلّصه من المضايق، و قطعه المفاوز، و أشباه ذلك؛ و القطعة التى فيها البيتان كلّها تشهد بأن الوصف لشعب لا لفم جارية؛ لأنه يقول بعد قوله: «و شعب كشلّ الثوب» :

لدن‏ (4) مطلع الشّعرى، قليل أنيسه # كأنّ الطّخا فى جانبيه معاجر (5)

____________

(1) حاشية الأصل. «يقال: شللت الثوب إذا خطته خياطة خفيفة» . و فى حاشية الأصل: أيضا «نسخة س: كشك» ؛ و هى رواية د، ف، و الأصمعيات، و اللسان، و المخصص.

(2) كذا فى الأصول؛ و فى حاشية الأصل: «ضوجيه: جانبيه، و الضوج: منعطف الوادى» .

و فى الأصمعيات و اللسان و المخصص: «صوحيه» بالصاد، و الصوح: وجه الجبل القائم.

(3) ديوانه: 461.

(4) حاشية الأصل (من نسخة) : «لدى» .

(5) فى حاشيتى الأصل، ف: «الطخاء، ممدود: السحاب؛ و لعله قصره ضرورة. و إن رويت الطخا بالضم، كان جمع طخية» .

178

به من نجاء الدّلو بيض أقرّها # خبار لصمّ الصخر فيه قراقر (1)

و قرّرن حتّى كنّ للماء منتهى # و غادرهنّ السّيل فيما يغادر

به نطف زرق قليل ترابها # جلا الماء عن أرجائها فهو حائر

و هذه الأوصاف كلّها لا تليق إلا بالشّعب دون غيره؛ و تأوّل ذلك على الفم تأوّل بعيد.

و قد أحسن كثيّر فى قوله يصف ثغرا:

و يوم الحبل قد سفرت و كفّت # رداء العصب عن رتل براد (2)

و عن نجلاء تدمع فى بياض # إذا دمعت و تنظر فى سواد

و عن متكاوس فى العقص جثل # أثيث النبت ذى غدر جعاد (3)

و قال أبو تمام فى هذا المعنى:

/و على العيس خرّد يتبسّمـ # ن عن الأشنب الشّتيت البراد (4)

كان شوك السيّال حسنا فأضحى # دونه للفراق شوك القتاد (5)

و قال البحترىّ:

و أرتنا خدّا يراح له الور # د، و يشتمه جنى التّفّاح‏ (6)

و شتيتا يغضّ من لؤلؤ النّظ # م، و يزرى على شتيت الأقاحى‏

فأضاءت تحت الدّجنّة للشّر # ب، و كادت تضي‏ء للمصباح‏ (7)

____________

(1) حاشية الأصل: «يعنى بالدلو النجم، و ما يزعمون من كون المطر عند طلوع نجم و سقوط نجم.

و النجاء: جمع نجو، و هو السحاب الّذي هراق ماءه، و يجوز أن يكون المعنى: من مياه النجاء بيض. ، فاقتصر على ذكر النجاء؛ لأنها تدل على المياه و الحبار: الارض الرخوة» .

(2) ديوانه 2: 159، و الأغانى 2: 177-178، (طبع دار الكتب المصرية) . و يقال: ثغر رتل؛ إذا كان حسن التنضيد مستوى النبات. و البراد: البارد.

(3) الشعر المتكاوس: الكثيف المتراكم. و الجثل: الكثيف الملتف.

(4) ديوانه: 75.

(5) حاشية الأصل: «السيال: ياسمين البر، و له شوك. تشبه به الأسنان؛ فيقول: كان أسنانها مثل شوك السيال حسنا، فاعترض دونها شوك الفراق» .

(6) ديوانه 1: 120.

(7) حاشية الأصل (من نسخة) : «كالمصباح» .

179

و قال أيضا:

سفرت كما سفر الرّبيع الطّلق عن # ورد يرقرقه الضّحى مصقول‏

و تبسّمت عن لؤلؤ فى رصفه # برد يردّ حشاشة المتبول‏

و قد جمع كلّ ما يوصف به الثّغر فى قوله:

كأنما تضحك عن لؤلؤ # منضّد أو برد أو أقاح‏ (1)

____________

(1) ديوانه: 1: 112.

180

مجلس آخر 66

تأويل آية قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذََلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اَللََّهِ مَنْ لَعَنَهُ اَللََّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ وَ جَعَلَ مِنْهُمُ اَلْقِرَدَةَ وَ اَلْخَنََازِيرَ وَ عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ؛ أُولََئِكَ شَرٌّ مَكََاناً وَ أَضَلُّ عَنْ سَوََاءِ اَلسَّبِيلِ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذََلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اَللََّهِ مَنْ لَعَنَهُ اَللََّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ وَ جَعَلَ مِنْهُمُ اَلْقِرَدَةَ وَ اَلْخَنََازِيرَ وَ عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ؛ أُولََئِكَ شَرٌّ مَكََاناً وَ أَضَلُّ عَنْ سَوََاءِ اَلسَّبِيلِ ؛ [المائدة: 60].

فقال: ما أنكرتم أن تكون هذه الآية دالة على أنه تعالى جعل الكافر كافرا؛ لأنه أخبر بأنه جعل منهم من عبد الطاغوت؛ كما جعل القردة و الخنازير؟و ليس يجعله كافرا إلا بأن خلق كفره!.

الجواب، يقال له‏ (1) : قبل أن نتكلّم فى تأويل الآية بما تحتمله من المعانى: (2) كيف يجوز أن يخبرنا بأنه‏ (2) جعلهم‏ (3) ؛ كفارا و خلق كفرهم!و الكلام خرج مخرج الذّم لهم؛ و التوبيخ على كفرهم، و المبالغة فى الإزراء عليهم!و أىّ مدخل لكونه خالقا لكفرهم فى باب ذمّهم!و أىّ نسبة بينه و بين ذلك!بل لا شي‏ء أبلغ فى عذرهم و براءتهم من أن يكون/ خالقا لما ذمّهم من أجله. و هذا يقتضي أن يكون الكلام متناقضا مستحيل المعنى؛ و نحن نعلم أن أحدا إذا أراد ذمّ غيره، و توبيخه و تهجينه بمثل هذا الضرب من الكلام إنما يقول:

أ لا أخبركم بشرّ الناس و أحقّهم بالذم و اللوم!من فعل كذا، و صنع كذا؛ و كان على كذا و كذا؛ فيعدّد من الأحوال و الأفعال قبائحها، و لا يجوز أن يدخل فى جملتها ما ليس بقبيح؛ و لا ما هو من فعل الذم و من جهته؛ حتى يقول فى جملة ذلك: و من تشاغل بالصّنعة الفلانية التى أسلمها إليه و حمله عليها؛ و إن عقلا يقبل هذه الشبهة لعقل ضعيف سخيف.

____________

(1) حاشية الأصل: «نسخة س: لهم» .

(2-2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف:

«كيف يجوز أن يخبر اللّه تعالى» .

(3) م: «يجعلهم» .

181

فإن قيل: أ ليس قد ذمّهم فى الكلام بأن جعل منهم القردة و الخنازير؛ و لا صنع لهم فى ذلك!و كذلك يجوز أن يذمّهم و يجعلهم عابدين للطاغوت؛ و إن كان من فعله!

قيل‏ (1) : إنما جعلهم قردة و خنازير عقوبة لهم على أفعالهم و باستحقاقهم، فجرى ذلك مجرى أفعالهم، كما ذمّهم بأن لعنهم و غضب عليهم؛ من حيث استحقّوا ذلك منه بأفعالهم و عبادتهم للطاغوت؛ فإن كان هو خلقها فلا وجه لذمهم بها؛ لأن ذلك مما لا يستحقونه بفعل متقدّم كاللّعن و المسخ.

ثم نعود إلى تأويل الآية فنقول: لا ظاهر للآية يقتضي ما ظنّوه، و أكثر ما تضمنته الإخبار بأنه خلق و جعل من يعبد الطاغوت كما جعل منهم القردة و الخنازير؛ و لا شبهة فى أنه تعالى هو خلق الكافر، و أنه لا خالق له سواه؛ غير أن ذلك لا يوجب أنه خلق كفره و جعله كافرا.

و ليس لهم أن يقولوا: كما نستفيد من قوله: جَعَلَ مِنْهُمُ اَلْقِرَدَةَ وَ اَلْخَنََازِيرَ أنه جعل ما به كانوا كذلك؛ هكذا نستفيد من قوله: جعل منهم من عبد الطاغوت أنه خلق ما به كان عابدا للطاغوت؛ و ذلك إنما استفدنا ما ذكروه من الأول؛ لأنّ الدليل قد دلّ على أنّ ما به يكون القرد قردا و الخنزير خنزيرا؛ لا يكون إلاّ من فعله.

و ليس ما به يكون الكافر كافرا مقصورا على فعله تعالى؛ بل قد دلّ/الدليل على أنه يتعالى عن فعل ذلك و خلقه، فافترق الأمران.

و فى الآية وجه آخر؛ و هو ألاّ يكون قوله تعالى: وَ عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ معطوفا على القردة و الخنازير؛ بل معطوفا على‏ مَنْ لَعَنَهُ اَللََّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ ؛ و تقدير الكلام: من لعنه اللّه، و من غضب عليه، و من عبد الطاغوت، و من جعل اللّه منهم القردة و الخنازير؛ و هذا هو الواجب؛ لأن‏ عَبَدَ فعل، و الفعل لا يعطف على الاسم، فلو عطفناه على القردة و الخنازير لكنا قد عطفنا فعلا على اسم، فالأولى عطفه على ما تقدم من الأفعال.

____________

(1) د، و من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «قلنا» .

182

و قال قوم: يجوز أن يعطف‏ عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ على الهاء و الميم فى‏ مِنْهُمْ ؛ فكأنه جعل منهم، و ممّن عبد الطاغوت القردة و الخنازير؛ و قد يحذف «من» فى الكلام؛ قال الشاعر:

أ من يهجو رسول اللّه منكم # و يمدحه و ينصره سواء (1)

أراد: و من يمدحه و ينصره.

فإن قيل: فهبوا هذا التأويل ساغ فى قراءة من قرأ بالفتح، أين أنتم عن قراءة من قرأ وَ عَبَدَ بفتح العين و ضمّ الباء، و كسر التاء من‏ اَلطََّاغُوتَ ، و من قرأ عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ بضم العين و الباء، و من قرأ وَ عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ بضم العين و التشديد، و من قرأ و عبّاد الطّاغوت !

قلنا: المختار من هذه القراءة عند أهل العربية كلّهم القراءة بالفتح، و عليها جميع القراء السبعة؛ إلا حمزة فإنه قرأ؛ عَبَدَ بفتح العين و ضم الباء، و باقى القراءات شاذة غير مأخوذ بها.

قال أبو إسحاق الزجاج فى كتابه فى معانى القرآن: " عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ نسق على‏ مَنْ لَعَنَهُ اَللََّهُ "قال: "و قد قرئت‏ عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ ؛ و عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ ؛ و الّذي أختاره وَ عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ ".

"و روى عن ابن مسعود رحمه اللّه: و عبدوا الطّاغوت فهذا يقوّى: وَ عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ " قال: "و من قرأ وَ عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ بضم الباء و خفض الطاغوت فإنه عند بعض أهل العربية ليس بالوجه من جهتين: إحداهما أن «عبد» على وزن «فعل» ، و ليس هذا من أمثلة الجمع؛ /لأنهم فسّروه خدم الطاغوت. و الثانى أن يكون محمولا على «و جعل منهم عبدا للطّاغوت» . ثم خرّج لمن قرأ عَبَدَ وجها فقال: إن الاسم بنى على «فعل» ؛ كما يقال: رجل حذر أى مبالغ فى الحذر؛ فتأويل‏ عَبَدَ أنّه بلغ الغاية فى طاعة الشيطان". و هذا كلام الزجاج.

و قال أبو على الحسن بن عبد الغفار الفارسىّ محتجا لقراءة حمزة: "ليس‏ عَبَدَ لفظ

____________

(1) البيت لحسان، ديوانه: 9، و روايته: «فمن يهجو... » .

183

جمع؛ أ لا ترى أنه ليس فى أبنية الجموع شي‏ء على هذا البناء!و لكنه واحد يراد به الكثرة؛ أ لا ترى أن فى الأسماء المفردة المضافة إلى المعارف ما لفظه لفظ الإفراد و معناه الجمع، كقوله تعالى: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا ؛ [إبراهيم: 34]و كذلك قوله: وَ عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ جاء على «فعل» لأنّ هذا البناء يراد به الكثرة و المبالغة؛ و ذلك نحو «يقظ و ندس» ؛ فهذا كأنّ تقديره أنّه قد ذهب فى عبادة الشيطان و التذلّل له كلّ مذهب".

قال: "و جاء على هذا لأن «عبد» فى الأصل صفة، و إن كان قد استعمل استعمال الأسماء، و استعمالهم إياه استعمالها لا يزيل عنه كونه صفة؛ أ لا ترى أنّ «الأبرق و الأبطح» (1) و إن كانا قد استعملا استعمال الأسماء حتى كسّرا هذا النحو عندهم من التكسير فى قولهم: «أبارق و أباطح» ؛ فلم يزل عنه حكم الصفة، يدلّك على ذلك تركهم صرفه، كتركهم صرف «أحمر» ، و لم يجعلوا ذلك كأفكل و أ يدع‏ (2) ؛ و كذلك‏ عَبَدَ و إن كان قد استعمل استعمال الأسماء لم يخرجه ذلك عن أن يكون صفة، و إذا لم يخرج عن أن يكون صفة لم يمتنع أن يبنى بناء الصفات على «فعل» "

و هذا كلام مفيد فى الاحتجاج لحمزة؛ فإذا صحت قراءة حمزة و عادلت قراءة الباقين المختارة، و صح أيضا سائر ما روى من القراءات التى حكاها السائل كان الوجه الأول الّذي ذكرناه فى الآية يزيل الشبهة فيها.

و يمكن فى الآية وجه آخر على جميع القراءات المختلفة فى‏ عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ ؛ و هو أن يكون المراد بجعل منهم عبد الطاغوت؛ أى نسبه إليهم، و شهد عليه بكونه من جملتهم.

و لـ «جعل» مواضع قد تكون بمعنى الخلق و الفعل؛ كقوله: وَ جَعَلَ اَلظُّلُمََاتِ وَ اَلنُّورَ ، [الأنعام: 1]؛ /و كقوله: وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلْجِبََالِ أَكْنََاناً ؛ [النحل: 81]؛ و هى هاهنا تتعدى إلى مفعول واحد؛ و قد تكون أيضا بمعنى التسمية و الشهادة؛ كقوله تعالى: وَ جَعَلُوا اَلْمَلاََئِكَةَ اَلَّذِينَ هُمْ عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ إِنََاثاً ؛ [الزخرف: 19]؛ و كقول القائل: جعلت البصرة

____________

(1) الأبرق: أرض فيها حجارة سود و بيض، و الأبطح: الأرض المنبطحة.

(2) الأفكل: الرعدة، و الأيدع: صبغ أحمر؛ و هو المسمى دم الأخوين.

184

بغداد، و جعلتنى كافرا، و جعلت حسنى قبيحا؛ و ما أشبه ذلك؛ فهى هاهنا تتعدى إلى مفعولين.

و لـ «جعل» مواضع أخر لا حاجة بنا إلى ذكرها؛ فكأنه تعالى قال: و نسب عبد الطاغوت إليهم، و شهد أنهم من جملتهم.

فإن قيل: لو كانت‏ جَعَلَ هاهنا على ما ذكرتم لوجب أن تكون متعدية إلى مفعولين؛ لأنها إذا لم تتعد إلاّ إلى مفعول واحد فلا معنى لها إلا الخلق.

قلنا: هذا غلط من متوهّمه؛ لأن‏ جَعَلَ هاهنا متعدية إلى مفعولين، و قوله تعالى:

مِنْهُمْ يقوم مقام المفعول الثانى عند جميع أهل العربية، لأن كلّ جملة تقع فى موضع خبر المبتدأ فهى تحسن أن تقع فى موضع المفعول الثانى؛ كجعلت و ظننت و ما أشبههما.

و قال الشاعر:

أبا لأراجيز يا ابن اللّؤم توعدنى # و فى الأراجيز خلت اللؤم و الخور (1)

و قد فسر هذا على وجهين: أحدهما على الغاء «خلت» من حيث توسطت الكلام؛ فيكون «فى الأراجيز» على هذا فى موضع رفع بأنه خبر المبتدأ، و الوجه الثانى على إعمال «خلت» فيكون «فى الأراجيز» فى موضع نصب من حيث وقع موقع المفعول الثانى. و هذا بيّن لمن تدبره.

قال سيدنا أدام اللّه علوّه: أنشد ثعلب عن ابن الأعرابىّ:

أما و أبى للصّبر فى كلّ خلّة # أقرّ لعينى من غنى رهن ذلّة

و إنى لأختار الظّما فى مواطن # على بارد عذب و أغنى بغلّة

و أستر ذنب الدّهر حتى كأنّه # صديق، و لا اغتابه عند زلّة

و لست كمن كان ابن أمّى مقترا # فلمّا أفاد المال عاد ابن علّة

فدابرته حتى انقضى الودّ بيننا # و لم أتمطّق من نداه ببلّة

/و كنت له عند الملمّات عدّة # أسدّ بمالى دونه كلّ خلّة

____________

(1) البيت للعين المنقرى يهجو العجاج؛ و هو من شواهد الكتاب (1: 60) .

185

قال الشريف المرتضى رضى اللّه عنه: الأولى فى هذه القطعة إطلاقها. الخلّة: الحاجة، و الخلّة أيضا: الخصلة. و الخلّة، بالضم: المودّة، و الخلّة أيضا، بالضم: ما كان خلوا من المرعى.

و الخلّة، بالكسر: ما يخرج من الأسنان بالخلال.

و الخليل: الحبيب؛ من المودة و المحبة، و الخليل أيضا: الفقير؛ و كلا الوجهين قد ذكر فى قوله تعالى: وَ اِتَّخَذَ اَللََّهُ إِبْرََاهِيمَ خَلِيلاً ؛ [النساء: 125]، و منه حديث ابن مسعود:

«تعلموا القرآن فإنه لا يدرى أحدكم متى يختلّ إليه» .

قال أبو العباس ثعلب يكون من شيئين: أحدهما من الخلّة التى هى الحاجة؛ أى متى يحتاج إليه، و يكون من الخلة و هى النبات الحلو؛ و يكون معناه: متى يشتهى ما عنده، مشبّه بالإبل؛ لأنها ترعى الخلّة فإذا ملّتها عدلوا بها إلى الحمض؛ فإذا ملّت الحمض اشتهت الخلّة؛ و من أمثالهم: «جاءوا مخلّين فلاقوا حمضا» ؛ أى جاءوا مشتهين لقتالنا فلاقوا ما كرهوا.

و الخلّة أيضا: بنت المخاض و الذكر الخلّ؛ و يقال: جسم خلّ إذا كان مهزولا؛ قال الشاعر:

فاسقنيها يا سواد بن عمرو # إنّ جسمى بعد خالى لخلّ‏ (1)

و يقال أيضا: فصيل مخلول إذا شدّ لسانه حتى لا يرضع؛ و يقال: خللته فهو خليل و مخلول؛ و مثله أجررته؛ قال الشاعر:

فلو أنّ قومى أنطقتنى رماحهم # نطقت؛ و لكنّ الرّماح أجرّت‏ (2)

أى لم يعملوا فى الحرب شيئا فكنت أفتخر بهم.

و قوله:

*أقرّ لعينى من غنى رهن ذلّة*

____________

(1) من قصيدة تنسب لتأبط شرا، و قيل إنها لابن أخته خفاف بن نضلة، و قيل للشنفرى، و قيل لخلف الأحمر؛ و أولها:

إنّ بالشّعب الّذي دون سلع # لقتيلا دمه ما يطلّ‏

و هى فى حماسة أبى تمام-بشرح المرزوقى 827-839 و انظر اللآلى: 919.

(2) البيت فى حماسة أبى تمام-بشرح المرزوقى 161؛ من قطعة لعمرو بن معديكرب .

186

يقول: أختار الصيانة مع الفقر أحبّ إلى من الغنى مع الذلّ؛ و مثله:

إذا كان باب الذّلّ من جانب الغنى # سموت إلى العلياء من جانب الفقر

صبرت و كان الصّبر منّى سجيّة # و حسبك أنّ اللّه أثنى على الصّبر

و قوله:

و أستر ذنب الدهر حتى كأنه # صديق...

أراد: أنى لا أشكو ما يمسّنى به الدهر من خصاصة؛ بل أستر ذلك و أظهر التجمّل حتى لا أسوأ الصديق و أسر العدوّ. و هذا المعنى/أراد بقوله: «و لا اغتابه عند زلّتى» .

و قوله:

*فلما أفاد المال عاد ابن علّة*

فالعرب تقول: هم بنو أعيان؛ إذا كان أبوهم واحدا و أمهم واحدة؛ فإذا كان أبوهم واحدا و أمهاتهم شتى قيل أولاد علاّت؛ و منه الحديث المأثور عن النبي صلى اللّه عليه و آله أنه قال:

«النبيون أولاد علاّت» ؛ أى أمهاتهم شتّى و أبوهم واحد؛ و كنى الشاعر بذلك عن التباعد و التقاطع و التقالى؛ لأن الأكثر فى بنى العلاّت ما ذكرناه.

و قوله: «و دابرته» أى قاطعته.

و قوله:

*و لم أتمطّق من نداه ببلّة*

فالتمطّق يكون بالشفتين، و التلمّظ يكون باللسان، و كنى بذلك عن أنه لم يصب من خيره شيئا؛ و صان نفسه عنه.

187

مجلس آخر 67

تأويل آية اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ فِرََاشاً وَ اَلسَّمََاءَ بِنََاءً وَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلاََ تَجْعَلُوا لِلََّهِ أَنْدََاداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ

إن سأل سائل فقال: ما تأويل قوله تعالى: اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ فِرََاشاً وَ اَلسَّمََاءَ بِنََاءً وَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلاََ تَجْعَلُوا لِلََّهِ أَنْدََاداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ؛ [البقرة: 22].

و ما الّذي أثبت لهم العلم به؟و كيف يطابق وصفهم هاهنا بالعلم لوصفهم بالجهل فى قوله تعالى: قُلْ أَ فَغَيْرَ اَللََّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا اَلْجََاهِلُونَ ؛ [الزمر: 64].

الجواب، قلنا: هذه الآية معناها متعلّق بما قبلها؛ لأنه تعالى أمرهم بعبادته، و الاعتراف بنعمته؛ ثم عدّد عليهم صنوف النّعم التى ليست إلا من جهته؛ ليستدلّوا بذلك على وجوب عبادته؛ و إن العبادة إنما تجب لأجل النّعم المخصوصة؛ فقال جل من قائل: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ وَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. `اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ فِرََاشاً وَ اَلسَّمََاءَ بِنََاءً إلى آخر الآية؛ و نبّه فى آخرها على وجوب توحيده و الإخلاص له، و ألاّ يشرك به شي‏ء، بقوله تعالى: فَلاََ تَجْعَلُوا لِلََّهِ أَنْدََاداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ .

و معنى قوله تعالى: جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ فِرََاشاً أى يمكن أن تستقرّوا عليها و تفرشوها و تتصرفوا فيها؛ و ذلك لا يمكن إلا بأن تكون مبسوطة ساكنة دائمة السكون.

و قد استدل أبو عليّ بذلك، و بقوله تعالى: وَ اَللََّهُ جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ بِسََاطاً على بطلان ما تقوّله المنجّمون من أن الأرض كريّة الشكل؛ و هذا القدر/لا يدرك؛ لأنه يكفى فى النعمة علينا أن يكون فيها بسائط و مواضع مسطوحة يمكن التصرّف عليها؛ و ليس يجب أن يكون جميعها كذلك؛ و معلوم ضرورة أن جميع الأرض ليس مسطوحا مبسوطا و إن كان‏

188

مواضع التصرّف منها بهذه الصفة، و المنجّمون لا يدفعون أن يكون فى الأرض بسائط و سطوح يتصرّف عليها، و يستقرّ فيها؛ و إنما يذهبون إلى أن بجملتها شكل الكرة.

و ليس له أن يقول: قوله: و جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ فِرََاشاً يقتضي الإشارة إلى جميع الأرض و جملتها؛ لا إلى مواضع منها، لأن ذلك تدفعه الضرورة من حيث أنا نعلم بالمشاهدة أنّ فيها ما ليس ببساط و لا فراش؛ و لا شبهة فى أن جعله السماء على ما هى عليه من الصّفة ممّا له تعلّق بمنافعنا و مصالحنا. و كذلك إنزاله تعالى منها الماء الّذي هو المطر الّذي تظهر به الثمرات فننتفع بنيلها و الاغتذاء بها.

فأما قوله تعالى: فَلاََ تَجْعَلُوا لِلََّهِ أَنْدََاداً فإن الندّ هو المثل و العدل؛ قال حسان ابن ثابت:

أ تهجوه و لست له بندّ # فشرّ كما لخيركما الفداء (1)

فأما قوله تعالى: وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فيحتمل وجوها:

أولها أن يريد أنكم تعلمون أنّ الأنداد التى هى الأصنام و ما جرى مجراها التى تعبدونها من دون اللّه تعالى لم ينعم عليكم بهذه النعم التى عدّدها و لا بأمثالها، و أنها لا تضرّ و لا تنفع، و لا تسمع و لا تبصر؛ و معلوم أن المشركين الذين كانوا يعبدون الأصنام ما كانوا يدّعون و لا تعتقدون أنّ الأصنام خلقت السماء و الأرض من دون اللّه و لا معه تعالى؛ فالوصف لهم هاهنا بالعلم إنما هو لتأكيد الحجة عليهم. و يصح لزومها لهم؛ لأنهم مع العلم بما ذكرناه يكونون أضيق عذرا.

و الوجه الثانى أن يكون المراد بقوله تعالى: وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أى تعقلون و تميزون، و تعلمون ما تقولون و تفعلون، و تأتون و تذرون، لأنّ من كان بهذه الصفة فقد استوفى شروط التكليف، و لزمته الحجة، و ضاق عذره فى التخلّف عن النظر و إصابة الحق.

و نظير ذلك/قوله تعالى: إِنَّمََا يَتَذَكَّرُ أُولُوا اَلْأَلْبََابِ ؛ [الزمر: 9]و إِنَّمََا يَخْشَى اَللََّهَ مِنْ عِبََادِهِ اَلْعُلَمََاءُ ؛ [فاطر: 28].

____________

(1) ديوانه: 9.

189

و الوجه الثالث ما قاله بعض المفسرين كمجاهد و غيره أن المراد بذلك أهل الكتابين التوراة و الإنجيل خاصة. و معنى‏ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أى أنكم تعلمون أنه إله واحد فى التوراة و الإنجيل.

فعلى الوجهين الأولين لا تنافى بين هذه الآية و بين قوله تعالى: قُلْ أَ فَغَيْرَ اَللََّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا اَلْجََاهِلُونَ ؛ لأنّ علمهم تعلّق بشي‏ء، و جهلهم تعلق بغيره. و على الوجه الثالث إذا جعل الآية التى سئلنا عنها مختصة بأهل الكتاب أمكن أن تجعل الآية التى وصفوا فيها بالجهل تتناول غير هؤلاء؛ ممن لم يكن ذا كتاب يجد فيه بيان التوحيد؛ و كلّ هذا واضح بحمد اللّه.

***

قال سيدنا أدام اللّه علوّه: و مما يفسّر من الشعر تفاسير مختلفة؛ و القول محتمل للكلّ قول امرئ القيس:

و قد اغتدى و معى القانصان # و كلّ بمربأة مقتفر (1)

فيدركنا فغم داجن # سميع بصير طلوب نكر

ألصّ الضّروس، حنيّ الضّلوع، # تبوع، أريب، نشيط، أشر

فأنشب أظفاره فى النّسا # فقلت: هبلت!أ لا تنتصر!

فكرّ إليه بمبراته # كما خلّ ظهر اللّسان المجر

فظلّ يرنّح فى غيطل # كما يستدير الحمار النّعر

قال ابن السّكّيت: القانصان: الصائدان، و المربأة: الموضع المرتفع يربأ فيه، و المقتفر:

الّذي يقتفر آثار الوحش و يتبعها. و قال غيره: القانصان: البازى و الصقر.

و الفغم: الكلب الحريص على الصيد؛ يقال: ما أشدّ فغمه!أى ما أشد حرصه!، قال الأعشى:

____________

(1) ديوانه: 10-12.

190

نؤمّ ديار بنى عامر # و أنت بآل عقيل فغم‏ (1)

أى مولع، و الدّاجن: الّذي يألف الصيد، و السميع: الّذي إذا سمع حسّا لم يفته، و البصير: الّذي إذا رأى شيئا من بعد لم يكذبه بصره، و التبوع: الّذي إذا تبع الصيد أدركه و لم يعجز عن لحقوقه/، و النّكر: المنكر الحاذق بالصيد، و يروى «نكر» بالضم.

و قال ابن السكيت و غيره فى قوله:

*فأنشب أظفاره فى النّسا*

أى أنشب الكلب أظفاره فى نسا الثور، و النّسا: عرق فى الفخذ معروف. «فقلت:

هبلت» ؛ أى: فقلت للثور: هبلت، أ لا تنتصر من الكلب!قالوا: و هذا تهكّم منه بالثور و استهزاء به، و الأصل فى التهكّم الوقوع على الشي‏ء؛ يقال: تهكّم البيت إذا وقع بعضه على بعض.

و معنى:

*فكرّ إليه بمبراته*

قال ابن السكّيت و غيره: معناه: فكرّ الثور إلى الكلب بمبراته؛ أى بقرنه.

و معنى:

*كما خلّ ظهر اللسان المجرّ*

أى طعنه كما يجرّ الرجل لسان الفصيل، و هو أن يقطع طرف لسانه أو يشقّه حتى لا يقدر على الشرب من خلف أمه، و ذلك إذا كبر و استغنى عن الشرب.

و معنى:

*فظل يرنّح فى غيطل*

أى ظل الكلب يرنّح‏ (2) ، أى يميد و يتمايل كالسكران، و الغيطل: الشجر الملتف، و يكون أيضا الجلبة و الصياح.

____________

(1) ديوانه: 30.

(2) حاشية الأصل: «ترنح: تمايل من السكر و غيره، و رنح عليه، على ما لم يسم على فاعله، إذا استدار» .

191

و قوله:

*كما يستدير الحمار النعر*

فالنّعر: الّذي يدخل فى رأسه ذباب أزرق أو أخضر، فيطح برأسه و ينزو، فشبّه الكلب فى اضطرابه و نزوّه بالحمار النّعر، قال ابن مقبل:

ترى النّعرات الزّرق تحت لبانه # أحاد و مثنى أصعقتها صواهله‏ (1)

و قال أحمد بن عبيد: القانصان: الفرس و صاحبه؛ و الحجّة أن الفرس تسمى قانصا قول عدىّ بن زيد:

تقنصك الخيل و يصطادك الطّ # ير و لا تنكع لهو القنيص‏ (2)

أى لا تمنع به.

قال: و قوله:

*فأنشب أظفاره فى النّسا*

معناه فأنشب الكلب أظفاره فى نسا الثور، فقلت لصاحب الفرس أو لغلامى الممسك للفرس: هبلت!أ لا تدنو إلى الثور فتطعنه فقد أمسكه عليك الكلب!قال: و محال أن يكون امرؤ القيس أغرى الثور بقتل كلبه؛ لأن امرأ القيس يفخر بالصيد و يصفه فى أكثر شعره بأنه مرزوق منه مظفّر فيه، كقوله:

إذا ما خرجنا قال ولدان أهلنا: # تعالوا إلى أن يأتنا الصّيد نحطب‏ (3)

و كقوله:

مطعم للصّيد ليس له # غيره كسب على كبره‏ (4)

____________

(1) اللسان (نعر) .

(2) شعراء النصرانية 470، و اللسان (نكع) .

(3) خزانة الأدب 2: 197؛ و لم يرد فى ديوانه بشرح البطليوسى.

(4) حاشية الأصل: «أى يطعم الصيد؛ و اللام دخلت للتقوية» و البيت فى اللسان (طعم) ، و شرح الستة للأعلم ص 56.

192

فمحال على هذا أن يغرى الثور بقتل كلبه.

قال: و تأويل «أ لا تنتصر!» أ لا تدنو من الثور!/و الدليل على أن «تنتصر» بمعنى «تدنو» قول الراعى:

و أفرغن فى وادى جلاميد بعد ما # علا البيد سافى القيظة المتناصر

أى المتدانى.

و قال مضرّس بن ربعىّ:

فإنّك لا تعطى امرأ حظّ غيره # و لا تملك الشّقّ الّذي الغيث ناصره‏

أى دان منه.

و معنى: «ألصّ الضّروس» أى بعض أسنانه ملتصق ببعض.

و حنيّ الضلوع: أى مشرف الضلوع عاليها. و يروى: «حنى الضّلوع» بالنون أى منحنيها. و يقال: إن الضّلوع إذا تقوّست كان أوسع لجوفه و أقوى له؛ و يروى أيضا: «خفىّ الضلوع» أى ضلوعه خفية داخلة فى جنبه.

و معنى:

*فظلّ يرنّح فى غيطل*

أى ظلّ الثور يرنّح فى غيطل لمّا طعنه صاحب الفرس. و قد يجوز أيضا أن يكون ترنّح الثور لظفر الكلب به، و لأنه أنشب أظفاره فيه؛ و كلّ ذلك محتمل.

و مما يحتمل أيضا على وجوه مختلفة قول امرئ القيس:

فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها # لما نسجتها من جنوب و شمأل‏ (1)

قال قوم: معناه لم يدرس رسمها لنسج هاتين الريحين فقط؛ بل لتتابع الرياح و الأمطار؛ و الدليل على ذلك قوله فى البيت الآخر:

____________

(1) ديوانه: 19.

193

*فهل عند رسم دارس من معوّل‏ (1) *

و قال آخرون: و معنى: «لم يعف رسمها» لم يدرس، فالرسم على هذا القول باق غير دارس.

و معنى قوله فى البيت الآخر: «رسم دارس» ، أى فهل عند رسم سيدرس فى المستقبل! و إن كان الساعة موجودا غير دارس!

و قال آخرون فى معنى قوله: «لم يعف» مثل الوجه الثانى؛ أى أنه لم يدرس أثرها لما نسجتها، بل هى بواق ثوابت، فنحن نحزن لها، و نجزع عند رؤيتها، و لو عفت و امّحت لاسترحنا، و هذا مثل قول ابن أحمر:

ألا ليت المنازل قد بلينا # فلا يبكين ذا شجن حزينا

و مثل قول الآخر:

/ليت الدّيار التى تبقى لتحزننا # كانت تبين إذا ما أهلها بانوا

و ليس قوله:

*فهل عند رسم دارس من معوّل*

نقضا لهذا، إنما هو كقولك: درس كتابك، أى ذهب بعضه و بقى بعض.

و قال أبو بكر العبدىّ: معناه لم يعف رسمها من قلبى، و هو دارس من الموضع، فلم يتناول قوله: «لم يعف رسمها» ما تناوله قوله: «فهل عند رسم دارس» من جميع وجوهه فيتناقض الكلام.

و قال آخرون: أراد بقوله: «لم يعف» ، لم يدرس، ثم أكذب نفسه بقوله:

*فهل عند رسم دارس من معوّل*

____________

(1) ديوانه: 21، و أوله:

*و إنّ شفائى عبرة مهراقة*

.

194

كما قال زهير:

قف بالدّيار التى لم يعفها القدم # بلى، و غيّرها الأرواح و الدّيم‏ (1)

و كما قال الآخر:

فلا تبعدن يا خير عمرو بن مالك # بلى، إنّ من زار القبور ليبعدا

أراد «ليبعدن» ، فأبدل الألف من النون الخفيفة؛ و هذا وجه ضعيف، و بيت زهير ليس يجب فيه ما توهّم من المناقضة و التكذيب؛ لأنه يمكن أن يحمل على ما ذكرناه فى أحد الوجوه المتقدمة؛ من أنه أراد أنّ رسمها لم يعف و لم يبطل كلّه، و إن كان قد غيّرت الدّيم و الأرواح بعضه و أثّرت فى بعض.

فأما البيت الثانى فلا حجّة فيه؛ لأنه لم يتضمن إثباتا و نفيا، و إنما دعاء له ألا يبعد، ثم رجع إلى قوله: «بلى» إنه ليبعد من زار القبور، و ما يدعى به غير واجب و لا ثابت، فكيف ينافى الإثبات الثانى!

و يمكن فى البيت وجه آخر، و هو أن يكون معنى: «لم يعف رسمها» أى لم يزد و يكثر فيظهر حتى يعرفه المترسّم؛ و يثبته المتأمل، بل هو خاف غير لائح و لا ظاهر. ثم قال من بعد:

*فهل عند رسم دارس من معوّل*

فلم يتناقض الأول؛ لأنه قد أثبت الدروس له فى كلا الموضعين. و لا شبهة فى أن «عفا» من حروف الأضداد التى تستعمل تارة فى الدروس، و أخرى فى الزيادة و الكثرة؛ قال اللّه تعالى:

حَتََّى عَفَوْا ؛ [الأعراف: 95]؛ أى كثروا؛ و يقال: قد عفا الشّعر إذا كثر، و قال الشاعر:

____________

(1) ديوانه 145.

195

و لكنّا نعضّ السّيف منها # بأسوق عافيات اللّحم كوم‏

/أراد كثيرات اللحم؛ يقال: قد عفا و بر البعير إذا زاد؛ و يقال: أعفيت الشعر و عفوته إذا كثرته و زدت فيه، و أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بأن تحفى الشوارب و تعفى اللّحى؛ أى توفر، و هذا الوجه عندى أشبه مما تقدم.

196

مجلس آخر 68

تأويل آية يََا أُخْتَ هََارُونَ مََا كََانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَ مََا كََانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا. `فَأَشََارَتْ إِلَيْهِ قََالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كََانَ فِي اَلْمَهْدِ صَبِيًّا

إن سأل سائل عن قوله تعالى: يََا أُخْتَ هََارُونَ مََا كََانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَ مََا كََانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا. `فَأَشََارَتْ إِلَيْهِ قََالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كََانَ فِي اَلْمَهْدِ صَبِيًّا ؛ [مريم: 28، 29].

فقال: من هارون الّذي نسبت مريم إلى أنها أخته؟و معلوم أنها لم تكن أختا لهارون أخى موسى. و ما معنى‏ مَنْ كََانَ فِي اَلْمَهْدِ صَبِيًّا ، و لفظة «كان» تدلّ على ما مضى‏ (1) و عيسى عليه السلام فى حال قولهم ذلك كان فى المهد؟

الجواب، قلنا: هارون الّذي نسبت إليه مريم قد قيل فيه أقوال:

منها أن هارون المذكور كان رجلا فاسقا مشهورا بالعهر و الشرّ و فساد الطريقة، فلما أنكروا ما جاءت به من الولد، و ظنوا بها ما هي مبرأة منه نسبوها إلى هذا الرجل تشبيها و تمثيلا؛ و كان تقدير الكلام: يا شبيهة هارون فى فسقه و قبيح فعله؛ و هذا القول يروى عن سعيد بن جبير.

و منها أن هارون هذا كان أخاها لأبيها دون أمّها؛ و قيل إنه كان أخاها لأبيها و أمها، و كان رجلا معروفا بالصلاح و حسن الطريقة و العبادة و التألّه.

و قيل: إنه لم يكن أخاها على الحقيقة؛ بل كان رجلا صالحا من قومها، و إنه لما مات شيّع جنازته أربعون ألفا، كلّهم يسمّى هارون، من بنى إسرائيل، فلما أنكروا ما ظهر من أمرها قالوا لها: يََا أُخْتَ هََارُونَ ؛ أى يا شبيهته فى الصلاح، ما كان هذا معروفا منك، و لا كان و والدك ممن يفعل القبيح، و لا تتطرّق عليه الرّيب!

____________

(1) ف: «ما مضى من الزمان» .

197

و على قول من قال إنه كان أخاها يكون معنى قولهم: إنك من أهل بيت الصلاح و السداد؛ لأن أباك لم يكن امرأ سوء، و لا كانت أمك بغيّا، و أنت مع ذلك أخت هارون المعروف بالصلاح و العفة، فكيف أتيت بما لا يشبه نسبك، و لا يعرف من مثلك!

و يقوّى هذا القول ما رواه المغيرة بن شعبة قال: لما أرسلنى/رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله إلى أهل نجران قال لى أهلها: أ ليس نبيّكم يزعم أن هارون أخو موسى، و قد علم اللّه ما كان بين موسى و عيسى من السنين!فلم أدر ما أردّ عليهم حتى رجعت إلى النبي صلى اللّه عليه و آله فذكرت ذلك فقال لى: «فهلاّ قلت إنهم كانوا يدعون بأنبيائهم و الصالحين قبلهم» !

و منها أن يكون معنى قوله: يََا أُخْتَ هََارُونَ يا من هى من نسل هارون أخى موسى؛ كما يقال للرجل: يا أخا بنى تميم، و يا أخا بنى فلان.

و ذكر مقاتل بن سليمان فى قوله تعالى: يََا أُخْتَ هََارُونَ (1) قال: روى عن النبي صلى اللّه عليه و آله أنه قال: «هارون الّذي ذكروه هو هارون أخو موسى عليهما السلام» .

قال مقاتل: تأويل‏ (1) يََا أُخْتَ هََارُونَ يا من هى من نسل هارون، كما قال تعالى:

وَ إِلى‏ََ عََادٍ أَخََاهُمْ هُوداً ؛ [الأعراف: 65]، وَ إِلى‏ََ ثَمُودَ أَخََاهُمْ صََالِحاً ؛ [الأعراف: 73]يعنى بأخيهم أنه من نسلهم و جنسهم.

و كلّ قول من هذه الأقوال قد اختاره قوم من المفسرين.

فأما قوله تعالى: مَنْ كََانَ فِي اَلْمَهْدِ صَبِيًّا فهو كلام مبنىّ على الشرط و الجزاء، مقصود به إليهما؛ و المعنى: من يكن فى المهد صبيا، فكيف نكلّمه!و وضع فى ظاهر اللفظ الماضى موضع المستقبل، لأن الشارط لا يشرط إلا فيما يستقبل، فيقول القائل: إن زرتنى زرتك؛ يريد إن تزرنى أزرك؛ قال اللّه تعالى: إِنْ شََاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذََلِكَ؛ ؛ [الفرقان: 10]يعنى إن يشأ يجعل.

____________

(1-1) ساقط من الأصل؛ و المثبت عن د، ف.

198

و قال قطرب: معنى‏ كََانَ هاهنا معنى صار؛ فكأن المعنى: و كيف نكلّم من صار فى المهد صبيا، و يشهد بذلك قول زهير:

أجزت إليه حرّة أرحبيّة # و قد كان لون اللّيل مثل الأرندج‏ (1)

و قال غيره: كََانَ هاهنا بمعنى خلق و وجد؛ كما قالت العرب: كان الحرّ، و كان البرد؛ أى وجدا و حدثا.

و قال قوم: لفظة كََانَ و إن أريد بها الماضى فقد يراد بها الحال و الاستقبال؛ كقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنََّاسِ ؛ [آل عمران: 110]، أى أنتم كذلك، و قوله تعالى: هَلْ كُنْتُ إِلاََّ بَشَراً رَسُولاً [الإسراء: 73]و قوله تعالى: وَ كََانَ اَللََّهُ عَلِيماً حَكِيماً ؛ [النساء: 17]؛ و إن كان قد قيل فى هذه الآية الأخيرة غير هذا؛ قيل إن القوم شاهدوا من آثار علمه و حكمته تعالى ما شاهدوا، فأخبرهم أنه لم يزل عليما حكيما، أى فلا تظنّوا أنه استفاد علما و حكمة لم يكن عليهما.

و مما يقوى مذهب/من وضع لفظة الماضى فى موضع الحال و الاستقبال قوله تعالى:

وَ إِذْ قََالَ اَللََّهُ يََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ [المائدة: 110]، و قوله تعالى: وَ نََادى‏ََ أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ أَصْحََابَ اَلنََّارِ ؛ [الأعراف: 44]؛ و قولهم فى الدعاء: غفر اللّه لك، و أطال بقاءك! و ما جرى مجرى ذلك.

و معنى الكلّ يفعل اللّه ذلك بك؛ إلاّ أنه لما أمن اللبس وضع لفظ الماضى فى موضع المستقبل، قال الشاعر:

____________

(1) ديوانه: 323؛ و الرواية فيه:

زجرت عليه حرّة أرحبيّة # و قد كان لون الليل مثل اليرندج‏

الضمير يعود إلى الطريق فى البيت قبله، و الحرة: الكريمة، و الأرحبية: منسوب إلى أرحب؛ و هو بطن من همدان تنسب إليه النجائب؛ لأنها من نسله. و الأرندج و اليرندج: السواد، يسود به الخف-

199

فأدركت من قد كان قبلى و لم أدع # لمن كان بعدى فى القصائد مصعدا (1)

أراد لمن يكون بعدى.

و مما جعلوا فيه المستقبل فى موضع الماضى قول الصّلتان العبدىّ يرثى المغيرة بن المهلّب‏ (2) :

قل للقوافل و الغزاة (3) إذا غزوا # و الباكرين و للمجدّ الرّائح‏

إنّ الشّجاعة و السّماحة ضمّنا # قبرا بمرو على الطّريق الواضح‏

فإذا مررت بقبره فاعقر به # كوم الجلاد و كلّ طرف سابح‏ (4)

و انضح جوانب قبره بدمائها # فلقد يكون أخا دم و ذبائح‏

معناه: «فلقد كان كذلك» .

____________

(1) د، ف: «الفضائل مصعدا» ، و فى حاشيتى الأصل، ف: «أى بلغت درجة من كان قبلى» .

(2) فى حاشيتى الأصل، ف: «هذه قصيدة رواها الأصمعى لزياد الأعجم، و تروى للصلتان العبدىّ؛ و هى إحدى المراثى السبع، و قال غيره: هى لزياد الأعجم؛ و هو من عبد القيس، و كان يلقب بالصلتان، و إنما قيل له الأعجم للثغة فى لسانه، و يقال: إنه نشأ فى العجم، و كان من أشعر أهل زمانه؛ و كان اصطفاه المهلب بن أبى صفرة الأزدى؛ فكان زياد يمدحه و أهله، و كان ألثغ، يقول للجرادة «زرادة» ، فقال له شاعر:

و ما صفراء تدعى أم عوف # كأنّ رجيلتيها منجلان‏

فقال زياد:

أردت زرادة و أظنّ أخرى # أردت بما أردت به لسانى‏

و كان يقول: «أنا أقول «السعر» ، و «الأرب» تقوم لى، أراد «الشعر» ، و «العرب» .

و القصيدة فى أمالى اليزيدى 1-7.

(3) فى الأمالى: «و الغزىّ» كغنى.

(4) الكوم: جمع كوماء؛ و هى الناقة السمينة؛ و الجلاد: جمع جلدة؛ و هى أدسم الإبل لبنا.

و فى د: «كوم المطىّ» ، و فى الأمالى: «كوم الهجان» . و الطرف: الأصيل من الخيل. و السابح:

الّذي يجرى بقوة. و فى أمالى اليزيدى: «لما أنشد زياد الأعجم المهلب هذا الموضع من القصيدة قال: أ عقرت يا أبا أمامة؟قال: لا و اللّه، أصلحك اللّه!قال: و لم؟قال: لأنى كنت على ابنة الأتان، قال: أما إنك لو عقرت ما بقى بالبصرة طرف عتيق، و لا حمل نجيب إلا شدّ بمربطك أو نيخ بفنائك» .

200

تأويل خبر «لا عدوى و لا هامة و لا طيرة»

إن سأل سائل فقال: كيف يطابق ما روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أنه قال:

«لا عدوى و لا هامة و لا طيرة» و أنه قيل له: إن النّقبة (1) تقع بمشفر البعير فتجرب لذلك الإبل، فقال عليه السلام: «فما أعدى الأول؟» لما روى عنه عليه السلام من قوله: «لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ» ، و قوله: «فرّ من المجذوم فرارك من الأسد» ، و أن رجلا مجذوما أتاه ليبايعه بيعة الإسلام فأرسل إليه بالبيعة، و أمره بالانصراف، و لم يأذن له عليه السلام، و روى عنه عليه السلام أنه قال: «الشؤم فى المرأة و الدار و الدّابة» ؛ و ظواهر هذه الأخبار متنافية متناقضة فبيّنوا وجه الجمع بينها.

الجواب، قلنا: إن ابن قتيبة قد سأل نفسه عن اختلاف هذه الأخبار، و أجاب عن ذلك بما نذكره على وجهه، و نذكر ما عندنا فيه، فإنه خلّط/و أتى بما ليس بمرضىّ.

قال: "إنّ لكلّ‏ (2) من هذه الأخبار معنى و موضعا؛ فإذا وضع موضعه زال الاختلاف".

قال: "و للعدوى معنيان:

أحدهما عدوى الجذام، و إنّ المجذوم تشتد رائحته حتى تسقم فى الحال مجالسيه و مؤاكليه، و كذلك المرأة تكون تحت المجذوم فتضاجعه فى شعار واحد، فيوصل إليها الأذى؛ و ربما جذمت، و كذلك ولده ينزعون فى الكبر إليه، و كذلك من كان به سلّ و دقّ‏ (3) ، و الأطباء تأمر بألاّ يجالس المسلول و المجذوم؛ و لا يريدون بذلك معنى العدوى؛ و إنما يريدون بذلك تغيّر الرائحة، و أنها قد يسقم فى الحال اشتمامها. و الأطباء أبعد الناس من الإيمان بيمن أو شؤم، و كذلك النّقبة تكون بالبعير و هو جرب رطب، فإذا خالط الإبل و حاكّها أوصل إليها بالماء الّذي يسيل منه نحوا مما به؛ فهذا هو المعنى الّذي قال فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:

«لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ» ".

____________

(1) النقبة: أول شي‏ء يظهر من الجرب؛ و جمعها نقب. (و انظر نهاية ابن الأثير 4: 168) .

(2) تأويل مختلف الأحاديث ص 123 و ما بعدها؛ مع اختلاف فى العبارة.

(3) الدق: نوع من الحمى.

201

قال: "و قد ذهب قوم إلى أنه أراد بذلك ألاّ يظن أنّ الّذي نال إبله من ذوات العاهة، فيأثم. "

قال: "و ليس لهذا عندى وجه؛ لأنا نجد الّذي خبرتك به عيانا» ".

قال: "و أما الجنس الآخر من العدوى فهو الطاعون ينزل ببلد فيخرج منه خوفا من الطاعون، و حكى عن الأصمعىّ عن بعض البصريين أنه هرب من الطاعون، فركب حمارا و مضى بأهله نحو سفوان‏ (1) ، فسمع حاديا يحدو خلفه، و هو يقول:

لن يسبق اللّه على حمار # و لا على ذى ميعة مطار (2)

أو يأتى الحقّ‏ (3) على مقدار # قد يصبح اللّه أمام السّارى‏

و قد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «إذا كان بالبلد الّذي أنتم فيه فلا تخرجوا منه» .

و قال أيضا: «إذا كان ببلد فلا تدخلوه» ؛ يريد بقوله: «لا تخرجوا» من البلد إذا كان فيه.

كأنكم تظنون أن الفرار من قدر اللّه تعالى ينجيكم؛ و يريد بقوله: «إذا كان ببلد فلا تدخلوه» إن مقامكم بالموضع الّذي لا طاعون فيه أسكن لأنفسكم، و أطيب لعيشكم/". قال: "و من ذلك المرأة تعرف بالشؤم، و الدار، فينال الرجل مكروها أو جائحة فيقول: أعدتنى بشؤمها» ".

قال: "فهذا الّذي قال فيه عليه السلام: «لا عدوى» ".

"فأما الحديث الّذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى اللّه عليه و آله أنه قال: «الشؤم فى المرأة و الدار و الدابّة» فإن هذا يتوهّم فيه الغلط على أبى هريرة، و أنه سمع من النبي صلى اللّه عليه و آله شيئا فلم يعه. "

و روى ابن قتيبة خبرا و رفعه إلى أبى حسّان الأعرج أنّ رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يحدّث عن النبي صلى اللّه عليه و آله أنه قال: «إنما الطّيرة فى المرأة و الدار و الدابة» ، فطارت

____________

(1) سفوان: منزل قريب من البصرة.

(2) الميعة: مصدر ماع الفرس إذا جرى.

(3) حاشية الأصل: «نسخة س: الحتف» ، و هى رواية ابن قتيبة.

202

شققا (1) فقالت: كذب و الّذي أنزل القرآن على أبى القاسم، من حدث بهذا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله!و إنما قال رسول اللّه: «كان أهل الجاهلية يقولون: إن الطيرة فى المرأة و الدار و الدابة» ، ثم قرأت: مََا أَصََابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاََّ فِي كِتََابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهََا ؛ [الحديد: 22].

و روى خبرا يرفعه إلى أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه و آله فقال:

يا رسول اللّه إنا نزلنا دارا فكثر فيها عددنا، و كثر بها أموالنا، ثم تحولنا منها إلى أخرى، فقلّت فيها أموالنا، و قلّ عددنا، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «ذروها فهى ذميمة» .

قال ابن قتيبة: "و هذا ليس ينقض الحديث الأول؛ و إنما أمرهم بالتحوّل منها؛ لأنهم كانوا مقيمين فيها على استثقال ظلّها، و استيحاش لما نالهم فيها، فأمرهم بالتحوّل منها، و قد جعل اللّه فى غرائز الناس و تركيبهم استثقال ما نالهم السوء فيه؛ و إن كان لا سبب لهم فى ذلك؛ و حب من جرى على يده الخير لهم و إن لم يردهم به، و بغض من جرى على يده الشر لهم و إن لم يردهم به.

قال سيدنا أدام اللّه علوه: ما وجدنا ابن قتيبة عمل شيئا أكثر من أنه لما أعجزه تأويل الأخبار التى سأل نفسه عنها، و المطابقة بينها و بين قوله عليه السلام: «لا عدوى و لا طيرة» ادّعى الخصوص فيما ظاهره العموم، و خصّ العدوى بشي‏ء دون آخر؛ و كلاهما سواء، و أورد تأويلا /يدفعه نص قول النبي صلى اللّه عليه و آله؛ لأنه عليه السلام لما سئل عن النّقبة تقع بمشفر البعير فتجرب لذلك الإبل قال عليه السلام: «فما أعدى الأول؟» تكذيبا بعدوى هذه النّقبة و تأثيرها، فاطّرح ابن قتيبة ذلك، و زعم أن الجرب يعدى و يؤثر فى المخالط و المؤاكل، و عوّل فى ذلك على قول الأطباء، و ترك قول الرسول صلى اللّه عليه و آله.

و من طريف أمره أنه قال: "إن الأطباء ينهون عن مجالسة المسلول و المجذوم؛ و لا يريدون

____________

(1) الشفقة فى الأصل: القطع.