أمالي المرتضي - ج2

- السيد المرتضى المزيد...
631 /
203

بذلك معنى العدوى، و إنما يريدون تغيّر الرائحة؛ و أنها تسقم من أدمن اشتمامها". و هذا غلط لأن الأطباء إنما تنهى عن ذلك خوفا من العدوى، و سبب العدوى عندهم هو اشتمام الرائحة، و انفصال أجزاء من السقيم إلى الصحيح، و ليس إذا كان غير هذا عدوى عند قوم ما يوجب ألاّ يكون هذا أيضا من العدوى.

و لما حكى عن غيره تأويلا صحيحا فى قوله عليه السلام. «لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ» ادّعى أن العيان يدفع، و أىّ عيان معه!و نحن نجد كثيرا ممن يخالط الجربى فلا يجرب، و نجد إبلا صحاحا تخالط ذوات العاهات فلا يصيبها شي‏ء من أدوائها؛ فكأنه إنما يدّعى أن العيان يدفع قول النبي صلى اللّه عليه و آله: «فما أعدى الأول» ؟

و الوجه عندنا فى قول النبي عليه السلام: «لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ» أنه عليه السلام إنما نهى عن ذلك؛ و إن لم يكن مؤثرا على الحقيقة؛ لأنّ فاعله كالمدخل الضرر على غيره؛ لأنّ من اعتقد أن ذلك يعدى و يؤثر فأورد على إبله؛ فلا بدّ من أن يلحقه لما تقدم من اعتقاده ضرر و غمّ، و لا بدّ من أن يذم من عامله بذلك؛ فكأنه عليه السلام نهى عن أذى الناس و التعرّض لذمهم.

و قد يجوز أيضا فيه ما حكاه ابن قتيبة عن غيره مما لم يرتضه من أنهم متى ظنوا ذلك اثموا فنهى عليه السلام عن التعرض لما يؤثم.

و لو نقل ابن قتيبة ما قاله عليه السلام فى الطاعون: «إذا كان ببلد فلا تدخلوه» ، و أمره لمن شكا إليه ما لحقه فى الدار بالتحوّل عنها إلى هاهنا لكان قد أصاب، لأنه حمل ذلك على أن تجنّب البلد أسكن للنفس و أطيب للعيش؛ /و كذلك الدار، و هذا يمكن فى قوله عليه السلام:

«لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ» بعينه.

فأما قوله عليه السلام: «فرّ من المجذوم فرارك من الأسد» ، فليس فيه أنّ ذلك لأجل العدوى؛ و قد يمكن أن يكون لأجل نتن ريحه و استقذاره، و نفور النفس عنه، و أن ذلك ربما دعا إلى تعييره و الإزراء عليه. و امتناعه عليه السلام من إدخال المجذوم عليه ليبايعه‏

204

يجوز أن يكون الغرض فيه غير العدوى؛ بل بعض الأسباب المانعة التى ذكرنا بعضها.

و أما حديث الطاعون و القول فيه على ما قاله؛ فقد كان سبيله لما عوّل فى عدوى الجذام و الجرب على قول الأطباء أن يرجع أيضا إلى أقوالهم فى الطاعون؛ لأنهم يزعمون أنّ الطاعون الّذي يعرض من تغير الأهوية و ما جرى مجراها يعدى كعدوى الجرب و الجذام، و العيان الّذي ادعاه ليس هو أكثر من وجود من يجرب أو يجذم لمخالطة من كان بهذه الصفة.

و هذا العيان موجود فى الطاعون؛ فإنا نرى عمومه لمن يسكن البلد الّذي يكون فيه، و يطرأ إليه.

فأما الخبر الّذي يتضمّن أن الشؤم فى المرأة و الدار و الدابة، فالّذى ذكره من الرواية فى معناه يزيل الشبهة به؛ على أنه لو لم يكن هاهنا رواية فى تأويله جاز أن يحمل على أن الّذي يتطير به المتطيّرون، و يدّعون أن الشؤم فيه هو المرأة، و الدار، و الدابة؛ و لا يكون ذلك إثباتا للطّيرة و الشؤم فى هذه الأشياء؛ بل على طريق الإخبار بأنّ الطّيرة الثابتة إنما هى فيها لقوّة أمرها عند أصحاب الطّيرة و ما ذكره بعد ذلك فى الدار؛ و أمره عليه السلام بانتقاله عنها تأويل قريب؛ و كان يجب أن يهتدى إليه فيما تقدم. و ما التوفيق إلا من عند اللّه.

205

مجلس آخر 69

تأويل آية وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إِلاََّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مََا يَشََاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ

إن سأل سائل عن تأويل قوله تعالى: وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إِلاََّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مََا يَشََاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ؛ [الشورى: 51].

فقال: أ و ليس ظاهر هذا الكلام يقتضي جواز الحجاب عليه و أنتم تمنعون من ذلك!

الجواب، /قلنا: ليس فى الآية أكثر من ذكر الحجاب، و ليس فيها أنه حجاب له تعالى أو لمحلّ كلامه أو لمن يكلّمه. و إذا لم يكن فى الظاهر شي‏ء من ذلك جاز صرف الحجاب إلى غيره عز و جل؛ مما يجوز أن يكون محجوبا. و قد يجوز أن يريد تعالى بقوله:

أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أنه يفعل كلاما فى جسم محتجب على المكلّم، غير معلوم له على سبيل التفصيل، فيسمع المخاطب الكلام و لا يعرف محلّه على طريق التفصيل، فيقال على هذا: هو مكلّم من وراء حجاب.

و روى عن مجاهد فى قوله تعالى: وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إِلاََّ وَحْياً قال: هو داود أوحى فى صدره فزبر الزّبور، أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ و هو موسى، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً و هو جبريل إلى محمد صلى اللّه عليه و آله.

فأما الجبّائىّ فإنه ذكر أنّ المراد بالآية: وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إلا مثل ما يكلّم به عباده من الأمر بطاعته، و النهى لهم عن معاصيه، و تنبيهه إيّاهم على ذلك من جهة الخاطر أو المنام، و ما أشبه ذلك على سبيل الوحى.

قال: و إنما سمى اللّه تعالى ذلك وحيا لأنه خاطر و تنبيه، و ليس هو كلاما لهم على سبيل الإفصاح، كما يفصح الرجل منّا لصاحبه إذا خاطبه. و الوحى فى اللغة إنما هو ما جرى مجرى الإيماء و التنبيه على شي‏ء من غير أن يفصح به؛ فهذا هو معنى ما ذكره اللّه تعالى فى الآية.

206

قال: و عنى بقوله: أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أن يحجب ذلك الكلام عن جميع خلقه، إلا من يريد أن يكلّمه به؛ نحو كلامه تعالى لموسى عليه السلام، لانه حجب ذلك عن جميع الخلق إلا موسى عليه السلام وحده فى كلامه إياه أولا. فأما كلامه إياه فى المرة الثانية فإنه إنما أسمع ذلك موسى و السبعين الذين كانوا معه، و حجب‏ (1) عن جميع الخلق سواهم. فهذا معنى قوله عز و جل:

أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ ، لأن الكلام هو الّذي كان محجوبا عن الناس.

و قد يقال: إنه تعالى حجب عنهم موضع الكلام الّذي أقام الكلام فيه؛ فلم يكونوا يدرون من أين يسمعونه؛ لأنّ الكلام عرض لا يقوم إلا فى جسم.

و لا يجوز أن يكون أراد بقوله: أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أنّ اللّه تعالى كان مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ /يكلّم عباده؛ لأن الحجاب لا يجوز إلاّ على الأجسام المحدودة.

قال: و عنى بقوله: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مََا يَشََاءُ إرساله ملائكته بكتبه و بكلامه إلى أنبيائه عليهم السلام، ليبلّغوا عنه ذلك عباده على سبيل إنزاله القرآن على محمد صلى اللّه عليه و آله، و إنزاله سائر الكتب على أنبيائه.

فهذا أيضا ضرب من الكلام الّذي يكلّم اللّه تعالى عباده و يأمرهم فيه بطاعته، و ينهاهم عن معاصيه؛ من غير أن يكلّمهم على سبيل ما كلم به موسى، و هذا الكلام هو خلاف الوحى الّذي ذكره‏ (2) اللّه تعالى فى أول الآية لأنه قد أفصح لهم فى هذا الكلام بما أمرهم به و نهاهم عنه.

و الوحى الّذي ذكره تعالى فى أول الآية إنّما هو تنبيه و خاطر، و ليس فيه إفصاح.

و هذا الّذي ذكره أبو عليّ أيضا سديد، و الكلام محتمل لما ذكره.

و يمكن فى الآية وجه آخر، و هو أن يكون المراد بالحجاب البعد و الخفاء، و نفى الظهور. و قد تستعمل العرب لفظة «الحجاب» فيما ذكرناه؛ يقول أحدهم لغيره إذا استبعد فهمه، و استبطأ فطنته: بينى و بينك حجاب، و تقول للأمر الّذي تستبعده و تستصعب طريقه: بينى و بين هذا الأمر حجب و موانع و سواتر؛ و ما جرى مجرى ذلك؛ فيكون

____________

(1) د، حاشية ف (من نسخة) : «حجبه» .

(2) حاشية الأصل: «ش «ذكر» ، بالبناء للمجهول.

207

معنى الآية: أنّه تعالى لا يكلّم البشر إلاّ وحيا؛ بأن يخطر فى قلوبهم، أو بأن ينصب لهم أدلة تدلّهم على ما يريده أو يكرهه منهم؛ فيكون من حيث نصبها للدلالة على ذلك و الإرشاد إليه مخاطبا و مكلّما (1) للعباد بما يدلّ عليه. و جعل هذا الخطاب من وراء حجاب من حيث لم يكن مسموعا-كما يسمع الخاطر و قول الرسول-و لا ظاهرا معلوما لكل من أدركه؛ كما أن أقوال الرسل المؤدّين عنه تعالى من الملائكة بهذه الصفة. فصار الحجاب هاهنا كناية عن الخفاء و عبارة عمّا تدلّ عليه الدلالة. و ليس لأحد أن يقول: إنّ الّذي تدلّ عليه الأجسام من صفاته تعالى و أحواله و مراده. و لا يقال: إنّه تعالى مكلّم لنا به؛ و ذلك أنه غير ممتنع على سبيل التجوّز (2) أن يقال فيما يدلّ عليه الدليل الّذي نصبه اللّه تعالى ليدل على مراده، و يرشد إليه: إنه مكلّم لنا و مخاطب به؛ /و لا يمتنع المسلمون أن يقولوا: إنه تعالى خاطبنا بما دلّت عليه الأدلة العقلية، و أمرنا بعبادته و اجتناب ما كرهه منا، و فعل ما أراده، و هكذا يقولون فيمن فعل فعلا يدل على أمر من الأمور:

قد خاطبنا فلان بما فعل من كذا و كذا، و قال لنا، و أمرنا؛ و زجرنا، و ما أشبه ذلك من الألفاظ التى يجرونها على الكلام الحقيقى. و هذا الاستعمال أكثر و أظهر من أن يورد أمثلته و نظائره.

***

قال سيدنا أدام اللّه تمكينه: و من مستحسن ما قيل فى الذئب قول أسماء بن خارجة ابن حصن الفزارىّ:

و لقد ألمّ بنا لنقريه # بادى الشّقاء محارف الكسب‏ (3)

يدعو الغنى أن نال علقته # من مطعم غبّا إلى غبّ‏

____________

(1) د، ف، حاشية الأصل (من نسخة) : «أو مكلما» .

(2) حاشية الأصل (من نسخة) : «التجويز» .

(3) من قصيدة له فى الأصمعيات 9-11، مطلعها:

إنّى لسائل كلّ ذى طبّ # ما ذا دواء صبابة الصبّ‏

.

208

و طوى ثميلته و ألحقها # بالصّلب بعد لدونة الصّلب‏

يا ضلّ سعيك ما صنعت بما # جمّعت من شبّ إلى دبّ!

لو كنت ذا لبّ تعيش به # لفعلت فعل المرء ذى اللّبّ‏

و جمعت صالح ما احترفت و ما # جمّمت من نهب إلى نهب‏

و أظنّه شغبا تدلّ به # فلقد منيت بغاية الشّغب‏

أو كان غير مناصل نعصى بها # مشحوذة و ركائب الرّكب‏ (1)

فاعمد إلى أهل الوقير فما # يخشاك غير مقرمص الزّرب‏

أحسبتنا ممّن تطيف به # فاخترتنا للأمن و الخصب‏

و بغير معرفة و لا سبب # أنّى، و شعبك ليس من شعبى‏

لمّا رأى أن ليس نافعه # جدّ تهاون صادق الإرب‏

و ألحّ إلحاحا لحاجته‏ (2) # شكوى الضّرير و مزجر (3) الكلب‏

بادى التّكلّح يشتكى سغبا # و أنا ابن قاتل شدّة السّغب‏

/فرأيت أن قد نلته بأذى # من عذم‏ (4) مثلبة و من سبّ‏

و رأيت حقّا أن أضيّفه # إذ أمّ سلمى و اتّقى حربى‏ (5)

فوقفت معتاما أزاولها # بمهنّد ذى رونق عضب‏

فعرضته فى ساق أسمنها # فاجتاز بين الحاذ و الكعب‏

____________

(1) د، و من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «إذ كان» ؛ و يقال: عصى بالسيف يعصى؛ إذا ضرب، و فى حاشيتى الأصل، ف: «عروض هذا البيت من القطعة سالم، لأنها «متفاعلن» ، و أعارض سواه أحذ و ضربه أحذ مضمر» .

(2) د، ف، حاشية الأصل (من نسخة) : «لحاجته» .

(3) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «بمزجر الكلب» .

(4) العذم: العض؛ و من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «من بعد مثلبة» ؛ و من نسخة أخرى:

«من عظم مثلبة» .

(5) فى حاشيتى الأصل، ف: «يجوز أن يكون معناه: فرأيت إن عاملته بشي‏ء يؤذينى و يرجع باللوم و السب عليّ، فأعطيته تفاديا من ذلك.

209

فتركته‏ (1) لعياله جزرا # عمدا و علّق رحلها صحبى‏

ذكر ذئبا طرقه ليلا.

و قوله: «محارف الكسب» مثل ضربه، أى لا يبقى له نشب إلا شي‏ء يكتسبه.

و قوله:

*يدعو الغنى أن نال علقته*

أى إن وجد ما يتعلّق به من مطعم.

غبّا: أى بين يومين، فذلك عنده الغنى.

و الثّميلة: ما يبقى فى البطن من طعام أو علف، و معنى طوى ثميلته: ذهب بها، و أراد أنه لم يبق فى بطنه ما يمسكه. و اللدونة: اللين، و اللدن: اللين، فأراد أنه ألحق بقية طعامه بصلبه بعد أن لان ما صلب منها.

ثم أقبل على الذئب كالعاذل له فقال: ما صنعت بما جمعت من شبّ إلى دبّ!و هذان اسمان للشباب و الهرم لا يفردان و لا يلفظ بهما إلا هكذا، و المعنى فيهما: هو منذ كنت شابا حتى أن دببت على العصا، ثم قال: لو كنت ذا لبّ لجمعت ما تصيبه.

و معنى «احترفت» اكتسبت. و معنى «من نهب إلى نهب» ؛ أى من عدوتك على الغنم إلى العدوة الأخرى.

ثم قال: إن كان تعرّضك لنا شغبا علينا فقد منيت بغاية الشّغب؛ أى هو ينافرك و يقاتلك، و ليس هاهنا ما تغير عليه، و إنما معنا «مناصل» أى سيوف مشحوذة، و ركائبنا التى نمتطيها؛ فاعمد إلى أهل الوقير، و الوقير: القطيع من الغنم، و لا يسمّى و وقيرا إلا إذا كان فيه حمار؛ يقول: فعليك بمواضع الغنم فإنما يخشاك الراعى.

و المقرمص: الّذي يتخذ القرموصة، و أصله المكان الضيّق، و هو هاهنا

____________

(1) حاشية الأصل (من نسخة) : «فتركتها» .

210

حفرة (1) يحتفرها الراعى فى الرمل فى شدة الحر للشاة الكريمة الصفيّة؛ حتى إذا بركت كان ضرعها فى القرموصة.

و معنى «شعبك ليس من شعبى» ، أى لست من جنسى و لا شكلى.

و الإرب: الخديعة عند الحاجة

و شكوى الضرير: الّذي قد مسه الضرّ. و مزجر الكلب، أى هو قريب المكان بقدر مزجر الكلب إذا زجرته، أى إذا خسأته.

و السّغب: الجوع؛ و أراد/بقوله:

*و أنا ابن قاتل شدة السّغب*

أى أنا ابن من كان يقرى و يطعم.

ثم رجع إلى كرمه فقال: و رأيت بعد ما سببته و عضضته بالأذى و العذم أن أضيفه و أقريه لأنه ضيف و إن كان ذئبا، فوقفت أنظر فى ركائبى و أختار أسمنها. و الاعتيام: الاختيار؛ و أزاولها: ألابسها (2) . و الحاذان: حدّا الفخذين اللذين يليان الذنب.

و خبّر أن رحل المطيّة التى عقرها علّقه بعض أصحابه على مطية أخرى.

***

و قال النجاشىّ‏ (3) يذكر ذئبا:

____________

(1) د، و حاشية ف (من نسخة) : «حفيرة» .

(2) حاشية الأصل (من نسخة) : «ألامسها» .

(3) هو قيس بن عمرو بن مالك الحارثى؛ ذكره ابن قتيبة فى الشعراء 288-293؛ و فى حاشيتى الأصل، ف: «قال ابن دريد: النجاشىّ: كلمة حبشية يسمون ملوكهم بها؛ كما يسمون كسرى و قيصر.

و قال غيره: النجاشى، بسكون الياء و لا يجوز تشديده قال س: قرأت أنا بخط ابن جنى: النجاشىّ؛ بكسر النون و التشديد و صحح عليه. و فى شعر الفرزدق «و النجاشيا» . و انظر الاشتقاق ص 239 و الأبيات فى حماسة ابن الشجرى 207، و معانى ابن قتيبة 207-208. و خزانة الادب:

4-367.

211

و ماء كلون الغسل قد عاد آجنا # قليل به الأصوات فى بلد محل‏ (1)

وجدت عليه الذّئب يعوى كأنّه # خليع خلا من كلّ مال و من أهل‏ (2)

فقلت له: يا ذئب هل لك فى فتى # يواسى بلا منّ عليك و لا بخل؟

فقال: هداك اللّه للرّشد!إنّما # دعوت لما لم يأته سبع قبلى‏

فلست بآتيه و لا أستطيعه # و لاك اسقنى إن كان ماؤك ذا فضل‏ (3)

فقلت: عليك الحوض إنّى تركته # و فى صغوه فضل القلوص من السّجل‏ (4)

فطرّب يستعوى ذئابا كثيرة # و عدّيت، كلّ من هواه على شغل‏ (5)

***

و روى أن الفرزدق نزل بالغريّين فعراه بأعلى ناره ذئب، فأبصره مقعيا يصي‏ء و مع الفرزدق مسلوخة، فرمى إليه بيد فأكلها، فرمى إليه بما بقى فأكله؛ فلما شبع ولى عنه فقال:

و ليلة بتنا بالغريّين ضافنا # على الزّاد موشيّ الذّراعين أطلس‏ (6)

تلمّسنا حتى أتانا و لم يزل # لدن فطمته أمّه يتلمّس‏

____________

(1) قال البغدادى: «كان النجاشىّ عرض له ذئب فى سفر له، فدعاه إلى طعام و قال له: هل لك ميل فى أخ-يعنى نفسه-يواسيك فى طعامه بغير من و لا بخل؟فقال له الذئب: قد دعوتنى إلى شي‏ء لم يفعله السباع قبلى من مؤاكلة بنى آدم، و هذا لا يمكننى فعله، و لست بآتيه و لا أستطيعه؛ و لكن إن كان فى مائك الّذي معك فضل عما تحتاج إليه فاسقنى منه. و هذا الكلام وضعه النجاشىّ على لسان ذئب؛ كأنه اعتقد فيه أنه لو كان ممن يعقل أو يتكلم لقال هذا القول. و أشار به إلى تعشقه للفلوات التى لا ماء فيها، فيهتدى الذئب إلى مظانه فيها» و الغسل: ما يغسل به من سدر و نحوه، و الآجن: الماء المتغير الطعم.

و فى المعانى «كلون البول» .

(2) الخليع: الّذي خلعه أهله لجناية و تبرءوا منه.

(3) البيت من شواهد الرضى على أن حذف النون من «لكن» لالتقاء الساكنين ضرورة؛ تشبيها بالتنوين أو بحرف المد و اللين من حيث كانت ساكنة. و أورده سيبويه فى باب ضرورة الشعر (الكتاب 1: 9) و قال الأعلم: «حذف النون لالتقاء الساكنين ضرورة لإقامة الوزن؛ و كان وجه الكلام أن يكسر لالتقاء الساكنين، شبهها فى الحذف بحرف المد و اللين؛ إذا سكنت و سكن ما بعدها؛ نحو يغزو العدو، و يقضى الحق، و يخشى اللّه» .

(4) الصغو: الجانب المائل؛ و ضبطت فى الأصل بالفتح و الكسر معا، و السجل: الدلو العظيمة.

(5) التطريب: ترجيع الصوت و مده.

(6) ديوانه: 485، و حماسة ابن الشجرى 208. أطلس: أغبر تعلوه حمرة.

212

فلو أنّه إذ جاءنا كان دانيا # لألبسته لو أنه يتلبّس‏ (1)

و لكن تنحّى جنبة بعد ما دنا # فكان كقاب القوس أو هو أنفس‏

فقاسمته نصفين بينى و بينه # بقيّة زاد و الرّكائب نعّس‏ (2)

و كان ابن ليلى إذ قرى الذّئب زاده # على طارف الظّلماء لا يتعبّس‏ (3)

***

/و لابن عنقاء الفزارىّ، و اسمه قيس بن بجرة-و قيل بجرة بالضم-الأبيات المشهورة فى الذئب:

و أعوج من آل الصّريح كأنّه # بذى الشّثّ سيد آبه الليل جائع‏ (4)

بغى كسبه أطراف ليل كأنّه # و ليس به ظلع من الخمص ظالع‏

فلمّا أتاه‏ (5) الرّزق من كلّ وجهة # جنوب الملا و آيسته المطامع‏ (6)

طوى نفسه طىّ الجرير كأنّه # حوى حيّة فى ربوة، فهو هاجع‏ (7)

فلمّا أصابت متنه الشّمس حكّه # بأعصل، فى أنيابه السّمّ ناقع‏ (8)

____________

(1) ف: «لو أنه كان يلبس» ، و هى رواية الديوان و ابن الشجرى.

(2) د، ف: «زادى» ، و هى رواية الديوان.

(3) د، ف: «طارق الظلماء» ؛ و هى رواية الديوان.

(4) الأبيات فى المؤتلف و المختلف: 158، أعوج: فرس و الصريح: فحل من خيل العرب؛ و فى حاشيتى الأصل، ف: «ش: آخر الليل» ؛ و رواية البيت فى المؤتلف:

و يخطو على صمّ صلاب كأنّه # بذى الشّثّ سيد آخر الليل جائع‏

.

(5) حاشية الأصل (من نسخة) : «أباه» .

(6) حاشية الأصل: «نسخة ابن الشجرى: «أيأسته» .

(7) حاشية الأصل: «حوى حية، أى تحوى حية، و حوى الحية: مقدار استدارتها» .

(8) يريد بالأعصل: الناب المعوج.

213

و فكّك لحييه فلمّا تعاديا # صأى ثمّ أقعى، و البلاد بلاقع‏ (1)

و همّ بأمر ثمّ أزمع غيره، # و إن ضاق رزق مرّة فهو واسع‏

و عارض أطراف الصّبا و كأنّه # رجاع غدير هزّه الرّيح رائع‏ (2)

و لآخر فى الذئب:

فقلت: تعلّم أنّنى غير نائم # إلى مستقلّ بالخيانة أنيبا

بعيد المطاف لا يفيد على الغنى # و لا يأتلى ما اسطاع إلاّ تكسّبا

معنى «أنيب» غليظ الناب. لا أنام إليه، أى لا أثق به، من ذلك استنمت إلى فلان أى اطمأننت إليه.

و معنى «لا يفيد على الغنى» أى لا يلتمس مطعما و هو شبعان.

و لحميد بن ثور فى الذئب:

فظلّ يراعى الجيش حتى تغيّبت # حباش، و حالت دونهنّ الأجارع‏ (3)

إذا ما غدا يوما رأيت غيابة (4) # من الطّير ينظرن الّذي هو صانع‏

خفيف المعا إلاّ مصيرا يبلّه # دم الجوف أو سؤر من الحوض ناقع‏

هو البعل الدّانى من النّاس كالذى # له صحبة و هو العدوّ المنازع‏

ينام بإحدى مقلتيه و يتّقى # بأخرى المنايا، فهو يقظان هاجع‏

/وصف ذئبا يتبع الجيش طمعا فى أن يتخلف رجل يثب عليه لأنه من بين السباع لا يرغب

____________

(1) صأى: صاح، و هذا البيت و الّذي يليه ينسبان لحميد بن ثور (و انظر ديوانه 105، 106) .

(2) رجاع الغدير: ما يتراجع من الماء و يتلفف إذا ضربته الريح. و البيت فى اللسان (رجع) .

(3) من قصيدة فى ديوانه 103-106، و فى حاشية الأصل (من نسخة) : «حناش» ، و فى حاشية ف و الأصل أيضا: «فى شعره:

*يظلّ يراعى الخنس حيث تيمّمت*

و يعنى الخنس بقر الوحش، الواحد أخنس و خنساء.

(4) الغيابة: كل شي‏ء أظل الإنسان فوق رأسه.

214

فى القتلى، و لا يكاد يأكل إلا ما فرسه.

و حباش‏ (1) : اسم هضبة. و قال بعضهم: و ليس بمعروف أن حباش اسم من أسماء الشمس:

و أخبر أن الطير تتبعه لتصيب مما يقتل.

و المصير: المعا. و البعل: الدّهش.

____________

(1) م: «خباش» ، بالخاء المعجمة، تحريف.

215

مجلس آخر 70

تأويل آية وَ لَمََّا جََاءَ مُوسى‏ََ لِمِيقََاتِنََا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قََالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قََالَ لَنْ تَرََانِي وَ لََكِنِ اُنْظُرْ إِلَى اَلْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكََانَهُ فَسَوْفَ تَرََانِي فَلَمََّا تَجَلََّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى‏ََ صَعِقاً، فَلَمََّا أَفََاقَ قََالَ سُبْحََانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ اَلْمُؤْمِنِينَ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَ لَمََّا جََاءَ مُوسى‏ََ لِمِيقََاتِنََا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قََالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قََالَ لَنْ تَرََانِي وَ لََكِنِ اُنْظُرْ إِلَى اَلْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكََانَهُ فَسَوْفَ تَرََانِي فَلَمََّا تَجَلََّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى‏ََ صَعِقاً، فَلَمََّا أَفََاقَ قََالَ سُبْحََانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ اَلْمُؤْمِنِينَ ؛ [الأعراف: 143].

و قال: ما تنكرون أن تكون هذه الآية دالة على جواز الرؤية عليه عزّ و جلّ!لأنها لو لم تجز لم يجز أن يسألها موسى عليه السلام؛ كما لا يجوز أن يسأل اتخاذ الصاحبة و الولد؛ و لو كانت أيضا الرؤية مستحيلة لم يعلّقها بأمر يصح أن يقع و هو استقرار الجبل. فإذا علمنا صحة استقرار الجبل فى موضعه فيجب أن تكون الرؤية أيضا صحيحة فى حكم ما علّقت به. و قوله تعالى:

فَلَمََّا تَجَلََّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ يقتضي جواز الحجاب عليه تعالى؛ لأن التجلّى و الظهور لا يكونان إلا بعد احتجاب و استتار.

الجواب، قلنا: أول ما نقوله إنه ليس فى مسألة الشي‏ء دلالة على صحة وقوعه و لا جوازه؛ لأن السائل يسأل عن الصحيح و المحال، مع العلم و فقد العلم؛ لأغراض مختلفة؛ فلا دلالة فى ظاهر مسألة الرؤية على جوازها.

و لأصحابنا عن هذه المسألة أجوبة:

أوّلها و هو الأولى و الأقوى-أن يكون موسى عليه السلام لم يسأل الرؤية لنفسه؛ و إنما سألها لقومه، فقد روى أنهم طلبوا ذلك منه و التمسوه، فأجابهم بأنها لا تجوز عليه تبارك و تعالى؛ فلم يقنعوا بجوابه، و آثروا أن يرد الجواب من قبل ربه تعالى، فوعدهم ذلك، و غلب فى ظنه أن الجواب إذ ورد من جهته جلّ و عزّ كان أحسم للشبهة؛ و أبلغ فى دفعها عنهم، فاختار السبعين الذين حضروا الميقات؛ /ليكون سؤاله‏

216

بمحضر منهم، فيعرفوا ما يرد من الجواب، فسأل و أجيب بما يدلّ على أن الرؤية لا تجوز عليه تعالى.

و يقوّى هذا الجواب أشياء، منها قوله تعالى: يَسْئَلُكَ أَهْلُ اَلْكِتََابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتََاباً مِنَ اَلسَّمََاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى‏ََ أَكْبَرَ مِنْ ذََلِكَ فَقََالُوا أَرِنَا اَللََّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ اَلصََّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اِتَّخَذُوا اَلْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَتْهُمُ اَلْبَيِّنََاتُ فَعَفَوْنََا عَنْ ذََلِكَ وَ آتَيْنََا مُوسى‏ََ سُلْطََاناً مُبِيناً ؛ [النساء: 153].

و منها قوله تعالى: وَ إِذْ قُلْتُمْ يََا مُوسى‏ََ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتََّى نَرَى اَللََّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ اَلصََّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ؛ [البقرة: 55].

و منها قوله تعالى: فَلَمََّا أَخَذَتْهُمُ اَلرَّجْفَةُ قََالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيََّايَ أَ تُهْلِكُنََا بِمََا فَعَلَ اَلسُّفَهََاءُ مِنََّا ؛ [الأعراف: 155]لأن إضافة ذلك إلى السفهاء تدلّ على أنه كان بسببهم و من أجلهم؛ و إنما سألوا ما لا يجوز عليه.

و منها ذكر الجهرة فى الرؤية، و هى لا تليق إلا برؤية البصر دون العلم؛ و هذا يقوّى أن الطلب لم يكن للعلم الضرورىّ، على ما سنذكره فى الجواب الثانى.

و منها قوله: أَنْظُرْ إِلَيْكَ لأنا إذا حملنا الآية على طلب الرؤية لقومه أمكن أن يحمل قوله: أَنْظُرْ إِلَيْكَ على حقيقته؛ فإذا حملت الآية على طلب العلم الضرورىّ احتيج إلى حذف فى الكلام، و يصير تقديره: أرنى أنظر إلى الآيات التى عندها أعرفك ضرورة.

و يمكن فى هذا الوجه الأخير خاصة أن يقال: إذا كان المذهب الصحيح عندكم هو أنّ النظر فى الحقيقة غير الرؤية، فكيف يكون قوله: أَنْظُرْ إِلَيْكَ حقيقة فى جواب من حمل الآية على طلب الرؤية لقومه؟

فإن قلتم: لا يمتنع أن يكونوا التمسوا الرؤية التى معها يكون النظر و التحديق إلى الجهة، فسأل على حسب ما التمسوا.

قيل لكم: هذا ينقض فرقكم فى هذا الجواب بين سؤال الرؤية، و بين سؤال جميع‏

217

ما يستحيل عليه من الصاحبة و الولد؛ و ما يقتضي الجسمية بأن تقولوا: الشك فى الرؤية لا يمنع من صحة معرفة السمع، و الشك فى جميع ما ذكر يمنع من ذلك؛ لأن الشكّ الّذي لا يمنع من معرفة السمع إنما هو فى الرؤية التى لا يكون معها نظر، و لا تقتضى التشبيه.

فإن قلتم: يحمل/ذكر النّظر على أن المراد به نفس الرؤية على سبيل المجاز؛ لأنّ من عادة العرب أن يسمّوا الشي‏ء باسم الطريق إليه، و ما قاربه و داناه.

قلنا: فكأنّكم عدلتم من مجاز إلى مجاز؛ فلا قوة فى هذا الوجه؛ و الوجوه التى ذكرناها فى تقوية هذا الجواب المتقدمة أولى.

و ليس لأحد أن يقول: لو كان عليه السلام إنما سأله الرؤية لقومه لم يضف السؤال إلى نفسه فيقول: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ و لا كان الجواب مختصا به؛ و هو قوله تعالى: لَنْ تَرََانِي ، و ذلك لأنه غير ممتنع وقوع الإضافة على هذا الوجه؛ مع أن المسألة كانت من أجل الغير؛ إذا كانت هناك دلالة تؤمن من اللبس و تزيل الشبهة.

فلهذا يقول أحدنا إذا شفع فى حاجة غيره للمشفوع له: أسألك أن تفعل بى كذا، و تجيبنى إلى كذا. و يحسن أن يقول المشفوع إليه: قد أجبتك و شفّعتك‏ (1) ، و ما جرى مجرى ذلك؛ و إنما حسن هذا لأن للسائل فى المسألة غرضا (2) ، و إن رجعت إلى الغير فتحقّقه بها و تكلّفه كتكلّفه إذا اختصه و لم يتعدّه.

فإن قيل؛ كيف يجوز منه عليه السلام مع علمه باستحالة الرؤية عليه تعالى أن يسأل فيها لقومه!و لئن جاز ذلك ليجوزنّ أن يسأل لقومه سائر ما يستحيل عليه من كونه جسما، و ما أشبهه متى شكّوا فيه.

قلنا: إنما صحّ ما ذكرناه فى الرؤية و لم يصحّ فيما سألت عنه؛ لأن مع الشك فى جواز الرؤية التى لا تقتضى كونه جسما يمكن معرفة السمع، و أنه حكيم صادق فى أخباره، فيصح

____________

(1) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «أسعفتك» .

(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «أغراضا» .

218

أن يعرفوا بالجواب الوارد من جهته تعالى استحالة ما شكّوا فى صحته و جوازه؛ و مع الشك فى كونه جسما لا يصحّ معرفة السمع، فلا يقع بجوابه انتفاع و لا علم.

و قد قال بعض من تكلم فى هذه الآية: قد كان جائزا أن يسأل موسى عليه السلام لقومه ما يعلم استحالته؛ و إن كانت دلالة السمع لا تثبت قبل معرفته؛ متى كان المعلوم أن فى ذلك صلاحا للمكلّفين فى الدين، و إنّ ورود الجواب يكون لطفا لهم فى النظر فى الأدلة، و إصابة الحق منها؛ غير/أن من أجاب بذلك شرط أن يتبين النبي عليه السلام فى مسألته علمه باستحالة ما سأل عنه، و أن غرضه فى السؤال ورود الجواب ليكون لطفا.

و الجواب الثانى فى الآية أن يكون موسى عليه السلام إنما سأل ربّه أن يعلمه نفسه ضرورة بإظهار بعض أعلام الآخرة، التى تضطرّ إلى المعرفة، فتزول عنه الدواعى و الشكوك و الشبهات، و يستغنى عن الاستدلال، فتخفّ المحنة عليه بذلك؛ كما سأل إبراهيم عليه السلام ربه تعالى أن يريه كيف يحيى الموتى طلبا لتخفيف المحنة، و إن كان قد عرف ذلك قبل أن يراه؛ و السؤال إن وقع بلفظ الرؤية فإن الرؤية تفيد العلم كما تفيد الإدراك بالبصر، و ذلك أظهر من أن يستدل عليه أو يستشهد عليه؛ فقال له جل و عز: لَنْ تَرََانِي أى لن تعلمنى على هذا الوجه الّذي التمسته منى، ثم أكّد ذلك بأن أظهر فى الجبل من آياته و عجائبه ما دلّ به على أنّ إظهار ما تقع به المعرفة الضرورية فى الدنيا مع التكليف و بيانه لا يجوز، و أن الحكمة تمنع منه.

و الوجه الأول أولى لما ذكرناه من الوجوه؛ و لأنه لا يخلو موسى عليه السلام من أن يكون شاكّا فى أنّ المعرفة الضرورية لا يصح دخولها (1) فى الدنيا أو عالما بذلك. فإن كان شاكا فهذا مما لا يجوز على النبي عليه السلام؛ لأن الشكّ فيما يرجع إلى أصول الديانات و قواعد التكليف لا يجوز عليهم، و لا سيما أن يعلم اللّه ذلك على حقيقتهم بعض أمتهم، فيزيد عليهم فى المعرفة؛ و هذا أبلغ فى التنفير عنهم من كل شي‏ء يمنع‏ (2) منه فيهم. و إن كان عالما فلا وجه لسؤاله إلا أن

____________

(1) ف: «حصولها» .

(2) حاشية الأصل (من نسخة) : «يمتنع منه» .

219

يقال: إنه سال لقومه، فيعود إلى معنى الجواب الأول.

و الجواب الثالث فى الآية ما حكى عن بعض من تكلم فى هذه الآية من أهل التوحيد و هو أن قال: يجوز أن يكون موسى عليه السلام/فى وقت مسألته ذلك كان شاكا فى جواز الرؤية على اللّه تعالى؛ فسأل عن ذلك ليعلم هل يجوز عليه أم لا. قال: و ليس شكّه فى ذلك بمانع من أن يعرف اللّه تعالى بصفاته، بل يجرى مجرى شكّه فى جواز الرؤية على بعض ما لا يرى من الأعراض فى أنه غير مخلّ بما يحتاج إليه فى معرفته تعالى؛ فلا يمتنع أن يكون غلطه فى ذلك ذنبا صغيرا أو تكون التوبة الواقعة منه لأجل ذلك.

و هذا الجواب يبعد من قبل أن الشك فى جواز الرؤية التى لا تقتضى تشبيها، و إن كان لا يمنع من معرفته تعالى بصفاته فإن الشكّ فى ذلك لا يجوز على الأنبياء من حيث يجوز من بعض من بعثوا إليه أن يعرف ذلك على حقيقته، فيكون النبىّ شاكا فيه و غيره عارفا به؛ مع رجوعه إلى المعرفة باللّه تعالى، و ما يجوز علينا فلا يجوز عليهم، و هذا أقوى فى التنفير و أزيد على كل ما يوجب أن يجنّبه الأنبياء.

فإن قيل: ففى‏ (1) أىّ شي‏ء كانت توبة موسى عليه السلام على الجوابين المتقدمين؟.

قلنا: اما من ذهب إلى أن المسألة كانت لقومه فإنه يقول: إنما تاب لأنه أقدم على أن سأل على لسان قومه ما لم يؤذن له فيه؛ و ليس للأنبياء ذلك؛ لأنه لا يؤمن أن يكون الصلاح فى المنع منه، فيكون ترك إجابتهم إليه منفّرا عنهم.

و من ذهب إلى أنه سأل المعرفة الضرورية يقول: إنه تاب من حيث سأل معرفة لا يقتضيها التكليف. و على جميع الأحوال تكون التوبة من ذنب صغير لا يستحق عليه العقاب و لا الذم.

و الأولى أن يقال فى توبته عليه السلام: إنه ليس فى الآية ما يقتضي أن تكون التوبة وقعت من المسألة أو من أمر يرجع إليها؛ و قد يجوز أن يكون سأل ذلك؛ إما لذنب صغير تقدم

____________

(1) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «فعن» .

220

تلك الحال، أو تقدم النبوة فلا ترجع إلى المسألة. و قد يجوز أن يكون ما أظهره من التوبة على سبيل الرجوع إلى اللّه تعالى؛ و إظهار الانقطاع إليه، و التقرب منه، و إن لم يكن هناك ذنب معروف.

و قد يجوز أن يكون الغرض فى ذلك مضافا إلى ما قلناه تعليما و توفيقا على ما نستعمله و ندعو به عند الشدائد و نزول الأهوال، و تنبيه القوم المخطئين خاصة على التوبة مما التمسوه من الرؤية/المستحيلة عليه تعالى؛ فإن الأنبياء، و إن لم يقع منهم القبيح عندنا فقد يقع من غيرهم؛ و يحتاج من وقع ذلك منه إلى التوبة و الاستقالة.

فأما قوله تعالى: فَلَمََّا تَجَلََّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ فإن التجلّى هاهنا التعريف و الإعلام و الإظهار لما تقتضى المعرفة، كقولهم: هذا كلام جلىّ أى واضح، و كقول الشاعر:

تجلّى لنا بالمشرفيّة و القنا # و قد كان عن وقع الأسنّة نائيا

أراد أن تدبيره دل عليه حتى علم أنه المدبّر له و إن كان نائيا عن وقع الأسنة، فأقام ما ظهر من دلالة فعله مقام مشاهدته، و عبر عنه بأنه تجلّى منه.

و فى قوله: لِلْجَبَلِ وجهان:

أحدهما أن يكون لأهل الجبل، و من كان عند الجبل، فحذف؛ كما قال تعالى: وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]؛ فَمََا بَكَتْ عَلَيْهِمُ اَلسَّمََاءُ وَ اَلْأَرْضُ ؛ [الدخان: 29]؛

و قد علمنا أنه بما أظهره من الآيات إنما دلّ من كان عند الجبل على أن رؤيته تعالى غير جائزة.

و الوجه الآخر أن يكون معنى‏ لِلْجَبَلِ أى بالجبل، فأقام اللام مقام الباء؛ كما قال تعالى:

آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ؛ [الأعراف: 123]؛ أى به؛ و كما يقولون: أخذتك لجرمك و بجرمك.

221

و لما كانت الآية الدالة على منع ما سئل فيه إنما حلّت الجبل و ظهرت فيه جاز أن يضاف التجلى إليه.

و قد استدل بهذه الآية كثير من العلماء الموحّدين على أنه تعالى لا يرى بالأبصار من حيث نفى الرؤية نفيا عاما بقوله تعالى: لَنْ تَرََانِي ؛ ثم أكّد ذلك بأن علّق الرؤية باستقرار الجبل الّذي علمنا أنه لم يستقرّ. و هذه طريقة للعرب فى تبعيد الشي‏ء؛ لأنهم يعلّقونه بما يعلم أنه لا يكون؛ كقولهم: لا كلمتك ما أضاء الفجر، و طلعت الشمس؛ و كقول الشاعر:

إذا شاب الغراب رجوت أهلى # و صار القار كاللبن الحليب‏

و مما يجرى هذا المجرى قوله تعالى: وَ لاََ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ حَتََّى يَلِجَ اَلْجَمَلُ فِي سَمِّ اَلْخِيََاطِ ؛ [الاعراف: 40].

و ليس لأحد أن يقول: إذا علّق الرؤية باستقرار الجبل؛ و كان ذلك فى مقدوره، فيجب أن تكون الرؤية معلقة به أيضا فى مقدوره؛ بأنه لو كان الغرض بذلك التبعيد لعلّقه بأمر يستحيل، كما علّق/دخولهم الجنة بأمر مستحيل؛ من ولوج الجمل فى سمّ الخياط؛ و ذلك أن تشبيه الشي‏ء بغيره لا يجب أن يكون من جميع الوجوه؛ و لمّا علّق وقوع الرؤية باستقرار الجبل-و قد علم أنه لا يستقرّ-علم نفى الرؤية. و ما عدا ذلك من كون الرؤية مستحيلة و غير مقدورة، و استقرار الجبل بخلافها يخرج عن ما هو الغرض فى التشبيه على أنه إنما علّق تعالى جواز الرؤية باستقرار الجبل فى تلك الحال التى جعله فيها دكّا، و ذلك محال لما فيه من اجتماع الضّدين، فجرى مجرى جواز الرؤية فى الاستحالة. و ليس يجب فى كل ما علّق بغيره أن يجرى مجراه فى سائر وجوهه؛ حتى إذا كان أحدهما مع انتفائه مستحيلا كان الآخر بمثابته؛ لأن تعلّق دخول الكفار الجنة إنما علّق بولوج الجمل فى سمّ الخياط؛ و ولوج الجمل فى سمّ الخياط مستحيل، بل معلوم أن الأول فى المقدور و إن كان لا يحسن و الثانى ليس فى المقدور. و هذه الجملة كافية فى تأويل هذه الآية، و بيان ما فيها، و الحمد للّه.

***

222

قال سيدنا أدام اللّه تمكينه: و إنى لأستجيد قول أبى العيص بن حرام بن عبد اللّه بن قتادة بن جابر بن ربيعة بن كابية (1) المازنىّ رضى اللّه عنه.

و كم من صاحب قد بان عنّى # رميت بفقده و هو الحبيب‏ (2)

فلم أبد الّذي تحنو ضلوعى # عليه، و إنّنى لأنا الكئيب‏

مخافة أن يرانى مستكينا # عدوّ أو يساء به قريب‏

فيشمت كاشح و يظنّ أنّى # جزوع عند نائبة تنوب‏

فبعدك شدّت الأعداء طرفا # إلى و رابنى دهر مريب‏

معنى، شدّت الأعداء طرفا، أى نظرت إلى نظرا شديدا (3) فظهر الغضب فى عيونها-

و أنكرت الزّمان و كلّ أهلى # و هرّتنى لغيبتك الكليب‏

يقال: كلب و كليب مثل عبد و عبيد-

و كنت تقطّع الأبصار دونى # و ان و غرت من الغيظ القلوب‏

و يمنعنى من الأعداء أنّى # و إن رغموا لمخشىّ مهيب‏

/فلم أر مثل يومك كان يوما # بدت فيه النّجوم فما تغيب‏

و ليل ما أنام به طويل # كأنّى للنّجوم به رقيب‏

و ما يك جائيا لا بدّ منه # إليك فسوف تجلبه الجلوب‏

____________

(1) ف، و حاشية الأصل (من نسخة) : «حارثة» .

(2) الأبيات فى لباب الآداب 407، 408 مع اختلاف فى الرواية و عدد الأبيات.

(3) ف: «شزرا» .

223

مجلس آخر 71

تأويل آية وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادََّارَأْتُمْ فِيهََا وَ اَللََّهُ مُخْرِجٌ مََا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. `فَقُلْنََا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِهََا كَذََلِكَ يُحْيِ اَللََّهُ اَلْمَوْتى‏ََ وَ يُرِيكُمْ آيََاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادََّارَأْتُمْ فِيهََا وَ اَللََّهُ مُخْرِجٌ مََا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. `فَقُلْنََا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِهََا كَذََلِكَ يُحْيِ اَللََّهُ اَلْمَوْتى‏ََ وَ يُرِيكُمْ آيََاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ؛ [البقرة: 72، 73].

فقال: كيف ذكر تعالى هذا بعد ذكره‏ (1) البقرة و الأمر بذبحها؟و قد كان ينبغى أن يتقدّمه، لأنه إنما أمر بذبح البقرة لينكشف أمر القاتل، فكيف أخّر ذكر السبب عن المسبب، و بنى الكلام بناء يقتضي أنه كان بعده؟

و لم قال: وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً ، و الرواية وردت بأن القاتل كان واحدا؟و كيف يجوز أن يخاطب الجماعة بالقتل و القاتل بينها واحد!و إلى أىّ شي‏ء وقعت الإشارة بقوله تعالى:

كَذََلِكَ يُحْيِ اَللََّهُ اَلْمَوْتى‏ََ ؟.

الجواب، قيل له: أما قوله تعالى؛ وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً ففيه وجهان:

أولهما أن تكون هذه الآية-و إن أخّرت-فهى مقدّمة فى المعنى على الآية التى ذكرت فيها البقرة؛ و يكون التأويل: وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادََّارَأْتُمْ فِيهََا فسألتم موسى فقال: إنّ اللّه يأمركم أن تذبحوا بقرة، فأخر المقدم و قدم المؤخر؛ و مثل هذا فى القرآن و كلام العرب كثير.

و مثله: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي أَنْزَلَ عَلى‏ََ عَبْدِهِ اَلْكِتََابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً. `قَيِّماً [الكهف: 1، 2].

____________

(1) حاشية الأصل (من نسخة) : «بعد ذكر البقرة» .

224

و قال الشاعر:

إنّ الفرزدق صخرة ملمومة # طالت-فليس تنالها-الأوعالا (1)

أراد: طالت الأوعال فليس تنالها.

و مثله:

طاف الخيال و أين منك لماما! # فارجع لزورك بالسّلام سلاما

أراد: طاف الخيال لماما و أين هو منك!

و الوجه الثانى أن يكون وجه تأخير قوله تعالى: وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً أنه علّق بما هو متأخر فى الحقيقة، و واقع بعد ذبح البقرة، و هو قوله تعالى: /فَقُلْنََا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِهََا كَذََلِكَ يُحْيِ اَللََّهُ اَلْمَوْتى‏ََ ؛ لأن الأمر بضرب المقتول ببعض البقرة إنما هو بعد الذبح؛ فكأنه تعالى قال: فَذَبَحُوهََا وَ مََا كََادُوا يَفْعَلُونَ و لأنكم‏ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادََّارَأْتُمْ فِيهََا أمرناكم أن تضربوه ببعضها، لينكشف أمره. فأما إخراج الخطاب مخرج ما يتوجّه إلى الجميع مع أن القاتل واحد فعلى عادة العرب فى خطاب الأبناء بخطاب الآباء و الأجداد، و خطاب العشيرة بما يكون من أحدها؛ فيقول أحدهم: فعلت بنو تميم كذا، و قتل بنو فلان فلانا؛ و إن كان القاتل و الفاعل واحدا من بين الجماعة؛ و منه قراءة من قرأ: يُقََاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ [التوبة: 111]؛ بتقديم المفعولين على الفاعلين؛ و هو اختيار الكسائى و أبى العباس ثعلب؛ فيقتل بعضهم و يقتلون؛ و هو أبلغ فى وصفهم، و أمدح لهم، لأنهم إذا قاتلوا و قتلوا بعد أن قتل بعضهم كان ذلك أدلّ على شجاعتهم و قلة جزعهم و حسن صبرهم.

و قد قيل: إنه كان القاتلان اثنين، قتلا ابن عم لهما، و إن الخطاب جرى عليهما بلفظ الجمع؛ كما قال تعالى: وَ كُنََّا لِحُكْمِهِمْ شََاهِدِينَ [الأنبياء: 79]؛ يريد داود و سليمان

____________

(1) البيت فى شرح شواهد سيبويه للأعلم (2: 356) .

225

عليهما السلام؛ و الوجه الأول أولى و أقوى بشهادة الاستعمال الظاهر له، و لأن أكثر أهل العلم أجمعوا على أن القاتل كان واحدا.

و معنى‏ فَادََّارَأْتُمْ فتدارأتم؛ أى تدافعتم، و ألقى بعضكم القتل على بعض؛ يقال: دارأت فلانا إذا دافعته و داريته، إذا لاينته، و دريته إذا ختلته؛ و يقال: ادّرأ القوم إذا تدافعوا.

و الهاء فى قوله: فَادََّارَأْتُمْ فِيهََا تعود إلى النفس، و قيل: إنها تعود على القتلة، أى اختلفتم فى القتلة؛ لأن‏ قَتَلْتُمْ تدل على المصدر؛ و القتلة من المصادر، تدل عليها الأفعال، و رجوع الهاء إلى النفس أولى و أشبه بالظاهر.

فأما قوله تعالى: كَذََلِكَ يُحْيِ اَللََّهُ اَلْمَوْتى‏ََ فالإشارة وقعت به إلى قيام المقتول عند ضربه ببعض أعضاء البقرة؛ لأنه روى أنه قام حيا و أوداجه تشخب دما، فقال: قتلنى فلان!

و نبّه اللّه تعالى بهذا الكلام و بذكر هذه القصة على جواز ما أنكره مشركو قريش و استبعدوه من البعث و قيام الأموات؛ لأنهم قالوا: أَ إِذََا كُنََّا عِظََاماً وَ رُفََاتاً أَ إِنََّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ؛ [الإسراء: 49]؛ فأخبرهم اللّه تعالى بأنّ الّذي/أنكروه و استبعدوه هيّن عليه، غير متعذر فى اتساع قدرته.

و كان مما ضرب تعالى لهم من الأمثال، و نبّههم عليه من الأدلة ذكر المقتول الّذي ضرب ببعض البقرة فقام حيا. و أراد تعالى: أننى إذا كنت قد أحييت هذا المقتول بعد خروجه عن الحياة، و يئس قومه من عوده و انطواء خبر كيفية قتله عنهم، و رددته حيا مخاطبا باسم قاتله؛ فكذلك فاعلموا أن إحياء جميع الأموات عند البعث لا يعجزنى و لا يتعذر عليّ. و هذا بين لمن تأمله.

***

قال سيدنا أدام اللّه علوّه: و من الشعر المشهور بالجودة فى ذم الدنيا و التذكير بمصائبها قول‏

226

نهشل بن‏ (1) حرّىّ يرثى أخاه مالكا:

ذكرت أخى المخوّل بعد يأس‏ (2) # فهاج عليّ ذكراه اشتياقى‏

فلا أنسى أخى ما دمت حيّا # و إخوانى بأقرنة العناق‏ (3)

يجرّون الفصال إلى النّدامى # بروض الحزن من كنفى أفاق‏ (4)

و يغلون السّباء إذا أتوه # بضمر الخيل و الشّول الحقاق‏ (5)

إذا اتّصلوا و قالوا: يا لغوث! # و راحوا فى المحبّرة الرّقاق‏ (6)

أجابك كلّ أروع شمّرىّ # رخىّ البال منطلق الخناق‏ (7)

أناس صالحون نشأت فيهم # فأودوا بعد إلف و اتساق‏

مضوا لسبيلهم و لبثت عنهم # و لكن لا محالة من لحاق‏ (8)

كذى الإلف الّذي أدلجن عنه # فحنّ و لا يتوق إلى متاق‏ (9)

____________

(1) هو نهشل بن حرىّ بن ضمرة بن ضمرة، شاعر شريف مشهور مخضرم، بقى إلى أيام معاوية، و كان مع على فى حروبه، و قتل أخوه مالك بصفين؛ و هو يومئذ رئيس بنى حنظلة، و كانت رايتهم معه؛ و رثاه نهشل بمراث كثيرة. (و انظر الشعر و الشعراء 619-621) .

(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: رواية أبى محمد الأسود: بعد هدء» .

(3) ف، و حاشية الأصل (من نسخة) : «العناق، بفتح العين و كسرها: موضع» .

(4) «أفاق: موضع فى بلاد يربوع.

(5) فى حاشيتى الأصل، ف: «السباء فى الأصل: شراء الخمر، و أراد هاهنا نفس الخمر؛ و على هذا قول لبيد:

*أغلى السّباء بكلّ ادكن عاتق*

و الشول: جمع شائلة؛ و هى الناقة التى خف لبنها و ارتفع ضرعها و أتى عليها سبعة أشهر من يوم نتاجها، و الحقاق: الضوامر، يعنى أنهم يبيعون الخيل و الإبل و يشترون بها الخمر.

(6) المحبرة: الثياب المنقشة.

(7) الأروع: الّذي يعجبك حسنه و جماله، و الشمرىّ: الماضى فى الأمور؛ و فى حاشية الأصل (من نسخة) : «دارمىّ» .

(8) حاشية الأصل: «نسخة س:

«لا محالة فى لحاق» ، و رواية الأسود «فى لحاقى» .

(9) فى حاشيتى الأصل، ف من نسخة:

«كذا الإلف» .

227

أرى الدّنيا و نحن نعيث فيها # مولّية تهيّأ لانطلاق‏

أعاذل قد بقيت بقاء قيس # و ما حىّ على الدّنيا بباق‏

[هبطت السّيلحين و ذات عرق # و أوردت المطىّ على حذاق‏] (1)

كأنّ الشّيب و الأحداث تجرى # إلى نفس الفتى فرسا سباق‏

فإما الشّيب يدركه و إما # يلاقى حتفه فيما يلاقى‏

/فإن تك لمّتى بالشّيب أمست # شميط اللّون واضحة المشاق‏ (2)

فقد أغدو بداجية أرانى # بها المتطلّعات من الرّواق‏ (3)

الداجية: اللمّة السوداء. و أرانى: «أ فاعل» ، من المراناة-

إلى كأنّهنّ ظباء قفر (4) # برهبى، أو بباعجتى فتاق‏ (5)

يرامضن‏ (6) الحبال لغير وصل # و ليس حبال وصلى بالرّماق‏

و عهد الغانيات كعهد قين # ونت عنه الجعائل مستذاق‏

القين: الحداد، و الجعائل: جمع جعالة و هى أجرته، و أراد أن القين إذ عدم الجعالة رحل و لم يستقرّ فى مكان-

كجلب السّوء يعجب من رآه # و لا يشفى الحوائم من لماق‏

الجلب: الغيم الّذي لا مطر فيه، و الحوائم: العطاش، و لماق: شي‏ء قليل-

فلا يبعد مضائى فى الموامى # و إشرافى العلاية و انصفاقى‏ (7)

____________

(1) ورد هذا البيت فى ف و حاشية الأصل، من رواية الأسود. و السيلحين، و ذات عرق، و حذاق: مواضع.

(2) حاشية الأصل: «شبه الشعر بالمشاقة؛ و هى الكتان غير المغزول» .

(3) الرواق: الخيمة.

(4) حاشية الأصل (من نسخة) : «نفر» .

(5) رهبى: موضع. و الباعجان: مثنى باعجة؛ و هى متسع الوادى. و فتق: موضع أيضا.

(6) فى حاشيتى الأصل، ف: نسخة س: «يوامضن» ، و نسخة الأسود «يوامقن» .

(7) العلاية: ما علا من الأرض. و الانصفاق: الانصراف.

228

و غبراء القتام جلوت عنّى‏ (1) # بعجلى الطّرف سالمة المآقى‏

و قد طوّفت فى الآفاق حتى # سئمت النّصّ بالقلص العتاق‏ (2)

و كم قاسيت من سنة جماد # تعضّ اللّحم ما دون العراق‏ (3)

إذا أفنيتها بدّلت أخرى # أعدّ شهورها عدّ الأواقى‏

و أفنتني الشّهور و ليس تفنى # و تعداد الأهلّة و المحاق‏

و ما سبق الحوادث ليث غاب # يجرّ لعرسه جزر الرّفاق‏

[كميت تعجز الحلفاء عنه # كبغل المرج حطّ من الزّناق‏] (4)

[تنازعه الفريسة أم شبل # عبوس الوجه فاحشة العناق‏] (4)

و لا بطل تفادى الخيل منه # فرار الطّير من برد بعاق‏ (5)

[كريم من خزيمة أو تميم # أغرّ على مساعفة مزاق‏] (6)

[فذلك لن تخاطأه المنايا # فكيف يقيه طول الدهر واق‏]

***

و أحسن حارثة بن بدر الغدانىّ فى قوله:

يا كعب ما راح من قوم و لا ابتكروا # إلاّ و للموت فى آثارهم حادى‏

/يا كعب ما طلعت شمس و لا غربت # إلاّ تقرّب آجالا لميعاد

و لأبى العتاهية فى هذا المعنى:

إذا انقطعت عنى من العيش مدّتى # فإنّ بكاء الباكيات قليل‏ (7)

____________

(1) حاشية الأصل: نسخة الأسود «نفضت» .

(2) النص: أرفع السير.

(3) العراق: العظام التى يقشر عنها معظم اللحم و تبقى عليه بقية.

(4) فى حاشيتى الأصل، ف: و الزنقة: المضيق فى الجبل، و جمعه زناق» .

(5) البعاق: المندفع.

(6) تكملة من رواية الأسود فى حاشيتى الأصل، ف. و المساعفة: المساعدة، و المزاق: المسرعة التى تمزق الهواء.

(7) هذه الأبيات فى حماسة ابن الشجرى 142، مع اختلاف فى الترتيب و عدد الأبيات.

229

سيعرض عن ذكرى و تنسى مودّتى # و يحدث بعدى للخليل خليل‏

أجلّك قوم حين صرت إلى الغنى # و كلّ غنىّ فى العيون جليل‏

و ليس الغنى إلا غنى زيّن الفتى # عشيّة يقرى أو غداة ينيل‏

و لم يفتقر يوما و إن كان معدما # جواد و لم يستغن قطّ بخيل‏

إذا مالت الدّنيا إلى المرء رغّبت # إليه، و مال النّاس حيث يميل‏

أرى علل الدّنيا عليّ كثيرة # و صاحبها حتى الممات عليل‏

و إنّى و إن أصبحت بالموت موقنا # فلى أمل دون اليقين طويل‏ (1)

و قد أحسن البحترىّ فى قوله فى هذا المعنى:

أخىّ متى خاصمت نفسك فاحتشد # لها، و متى حدّثت نفسك فاصدق‏

أرى علل الأشياء شتّى و لا أرى التـ # جمّع إلاّ غاية للتّفرّق‏ (2)

أرى العيش ظلاّ توشك الشّمس نقله # فكس فى ابتغاء العيش كيسك أومق‏ (3)

أرى الدّهر غولا للنّفوس و إنما # يقى اللّه فى بعض المواطن من يقى‏

فلا تتبع الماضى سؤالك لم مضى # و عرّج على الباقى فسائله لم بقى‏

و لم أر كالدّنيا خليلة صاحب # محبّ متى تحسن بعينيه تعنق‏ (4)

تراها عيانا و هى صنعة واحد # فتحسبها صنعى لطيف و أخرق‏

و قد قيل إن السبب فى خروج البحترىّ عن بغداد فى آخر أيامه كان هذه الأبيات؛ لأن بعض أعدائه شنّع عليه بأنه ثنوىّ من حيث قال:

*فتحسبها صنعى لطيف و أخرق*

و كانت العامة حينئذ غالبة على البلد، فخاف على نفسه فقال لابنه أبى الغوث: قم يا بنيّ حتى نطفئ عنا هذه الثائرة بخرجة نلمّ فيها ببلدنا؛ فخرج و لم يعد.

____________

(1) لم أعثر على هذه الأبيات فى ديوانه؛ و هى فى مجموعة المعانى 5، 6 مع اختلاف فى الرواية.

(2) ف، و حاشية الأصل (من نسخة) ، مجموعة المعانى: «علة للتفرق» .

(3) مق، أى تحامق.

(4) مجموعة المعانى، د، و نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «تطلق» .

230

و أحسن أيضا غاية الإحسان فى قوله:

أغشى الخطوب فإمّا جئن مأربتى # فيما أسيّر أو أحكمن تأديبى‏ (1)

إن تلتمس أخلاف الخطوب‏ (2) و إن # تلبث مع الدّهر تسمع بالأعاجيب‏

و فى قوله:

متى تستزد فضلا من العمر تغترف # بسجليك من شهد الخطوب و صابها (3)

تشذّبنا (4) الدّنيا بأخفض سعيها # و غول الأفاعى بلّة من لعابها

يسرّ بعمران الدّيار مضلّل # و عمرانها مستأنف من خرابها

و لم أرتض الدّنيا أوان مجيئها # فكيف ارتضائيها أوان ذهابها!

أفول لمكذوب عن الدّهر زاغ عن # تخيّر آراء الحجى و انتخابها

سيرديك أو يثويك أنّك محلس # إلى شقّة يبكيك بعد مآبها (5)

و هل أنت فى مرموسة طال أخذها # من الأرض إلا حفنة من ترابها (6)

وجدت الآمدىّ يروى فى هذا البيت «أنك محبس» بالباء؛ و تفسير ذلك أنّ المعنى أنك موقوف إلى أن تصير إلى هذا؛ من قولك: أحبست فرسا فى سبيل اللّه، و أحبست دارا؛ أى أى وقفتها. و الرواية المشهورة: «أنك مجلس» باللام؛ و المعنى أنك متهيئ للرحيل و متخذ حلسا.

و الحلس: هو الكساء الّذي يوضع تحت الرحل؛ و هذا أشبه بالمعنى الّذي قصده البحترىّ؛ و أولى بأن يختاره؛ مع دقة طبعه و سلامة ألفاظه.

____________

(1) ديوانه 1: 69.

(2) فى الديوان: «الأمور» .

(3) ديوانه: 1: 47، و فى حاشية الأصل (من نسخة) : «شهد الأمور» .

(4) حاشية الأصل (من نسخة) : «تسيرنا» .

(5) محلس: مقيم. و الشقة: الطريقة.

(6) حاشية الأصل (من نسخة) : «حثوة» .

231

مجلس آخر 72

تأويل آية هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ وَ جَعَلَ مِنْهََا زَوْجَهََا لِيَسْكُنَ إِلَيْهََا فَلَمََّا تَغَشََّاهََا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ، فَلَمََّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اَللََّهَ رَبَّهُمََا لَئِنْ آتَيْتَنََا صََالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلشََّاكِرِينَ. `فَلَمََّا آتََاهُمََا صََالِحاً جَعَلاََ لَهُ /شُرَكََاءَ فِيمََا آتََاهُمََا فَتَعََالَى اَللََّهُ عَمََّا يُشْرِكُونَ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ وَ جَعَلَ مِنْهََا زَوْجَهََا لِيَسْكُنَ إِلَيْهََا فَلَمََّا تَغَشََّاهََا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ، فَلَمََّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اَللََّهَ رَبَّهُمََا لَئِنْ آتَيْتَنََا صََالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلشََّاكِرِينَ. `فَلَمََّا آتََاهُمََا صََالِحاً جَعَلاََ لَهُ /شُرَكََاءَ فِيمََا آتََاهُمََا فَتَعََالَى اَللََّهُ عَمََّا يُشْرِكُونَ ؛ [الأعراف: 189، 190].

فقال: أ ليس ظاهر هذه الآية يقتضي جواز الشرك على الأنبياء؛ لأنه لم يتقدم إلا ذكر آدم و حواء عليهما السلام؛ فيجب أن يكون قوله: جَعَلاََ لَهُ شُرَكََاءَ فِيمََا آتََاهُمََا يرجع إليهما.

الجواب، قلنا: كما أنّ ذكر آدم و حواء قد تقدّم، فقد تقدم ذكر غيرهما فى قوله تعالى:

هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ ، و معلوم أنّ المراد بذلك جميع ولد آدم، و قد تقدم ذكر ولد آدم فى قوله: فَلَمََّا آتََاهُمََا صََالِحاً ؛ و المعنى: فلما آتاهما ولدا صالحا، و المراد بهذا الجنس دون الواحد؛ و إن كان اللفظ لفظ واحد؛ و المعنى: فلما آتاهما جنسا من الأولاد صالحين؛ و إذا كان الأمر على ما ذكرناه جاز أن يرجع قوله: جَعَلاََ لَهُ شُرَكََاءَ إلى ولدهما؛ و قد تقدم ذكرهما.

فإن قيل: إنما وجب رده إلى آدم و حواء لأجل التثنية فى الكلام؛ و لم يتقدم ذكر اثنين إلا ذكرهما.

قلنا: إن جعل هذا ترجيحا فى رجوعه إليهما جاز أيضا أن يجعل قوله فى آخر الآية:

فَتَعََالَى اَللََّهُ عَمََّا يُشْرِكُونَ وجها مقربا لرجوع الكلام إلى جملة الأولاد. و يجوز أن يكون أشير فى التثنية إلى الذكور و الإناث من ولد آدم أو إلى جنسين منهم؛ فحسنت التثنية لذلك‏

232

على أنه إذا تقدم فى الكلام أمران ثم تلاهما حكم من الأحكام، و علم بالدليل استحالة تعلّقه بأحد الأمرين وجب ردّه إلى الآخر.

و إذا علمنا أن آدم عليه السلام لا يجوز عليه الشرك لم يجز عود الكلام إليه، فوجب عوده إلى المذكورين من ولده.

و ذكر أبو على الجبائىّ ما نحن نورده على وجهه، قال: إنما عنى‏ (1) اللّه تعالى بهذا أنه تعالى خلق بنى آدم‏ (1) من نفس واحدة؛ لأن الإضمار فى قوله تعالى: خَلَقَكُمْ إنما عنى به بنى آدم، و النفس الواحدة التى خلقهم منها هى آدم؛ لأنه خلق حواء من آدم؛ و يقال: إنه تعالى خلقها من ضلع من أضلاعه‏ (2) ؛ فرجعوا جميعا إلى أنهم خلقوا من آدم؛ و بيّن ذلك بقوله: وَ خَلَقَ مِنْهََا زَوْجَهََا ؛ لأنه عنى به أنّه خلق من هذا النفس زوجها، و زوجها هو حواء.

و عنى بقوله: فَلَمََّا تَغَشََّاهََا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً ، و حملها (3) هو حبلها منه فى /ابتداء الحمل؛ لأنه فى ذلك الوقت خفيف عليها.

و عنى بقوله: فَمَرَّتْ بِهِ أنّ مرورها بهذا الحمل، و تصرّفها به كان عليها سهلا لخفّته؛ فلما كبر الولد فى بطنها ثقل ذلك عليها، فهو معنى قوله: أَثْقَلَتْ ؛ و ثقل عليها عند ذلك المشى و الحركة.

و عنى بقوله: دَعَوَا اَللََّهَ رَبَّهُمََا أنهما دعوا عند كبر الولد فى بطنها فقالا: لئن آتيتنا يا ربّ نسلا صالحا لنكوننّ من الشاكرين لنعمتك علينا؛ لأنهما أراد أن يكون لهما أولاد تؤنسهما فى الموضع الّذي كانا فيه؛ لأنهما كانا فردين مستوحشين؛ فكان إذا غاب أحدهما عن الآخر بقى الآخر مستوحشا بلا مؤنس؛ فلما آتاهما نسلا صالحا معافى، و هم الأولاد الذين كانوا يولدون لهما لأن حواء كانت تلد فى كلّ بطن ذكرا و أنثى فيقال: إنها ولدت فى خمسمائة بطن ألف ولد.

____________

(1-1) حاشية ف (من نسخة) : «إنما عنى اللّه تعالى خلق بنى آدم» .

(2) م: «و يقال من طينته» .

(3) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «و أن حملها» .

233

و عنى بقوله: فَلَمََّا آتََاهُمََا صََالِحاً جَعَلاََ لَهُ شُرَكََاءَ فِيمََا آتََاهُمََا (1) أى أن هذا النسل الصالح الّذي هم ذكر و أنثى جعلا له شركاء فيما آتاهما (1) من نعمة؛ و أضافا تلك النعم إلى الذين اتخذوهم آلهة مع اللّه عزّ و جلّ من الأصنام و الأوثان، و لم يعن بقوله: جَعَلاََ آدم و حواء عليها السلام؛ لأن آدم لا يجوز عليه الشرك باللّه لأنه نبىّ من أنبيائه، و لو جاز الشرك و الكفر على الأنبياء لما جاز أن يثق أحدنا بما يؤديه إليه الأنبياء عن اللّه عز و جل؛ لأن من جاز عليه الكفر جاز عليه الكذب و من جاز عليه الكذب لم يؤخذ بأخباره؛ فصحّ بهذا أنّ الإضمار فى قوله: جَعَلاََ إنما يعنى به النسل.

و إنما ذكر ذلك على سبيل التثنية؛ لأنهم كانوا ذكرا و أنثى، فلما كانوا صنفين جاز أن يجعل إخباره عنهما كالإخبار عن الاثنين إذا كانا صنفين.

و قد دلّ على صحة تأويلنا هذا قوله تعالى فى آخر الآية: فَتَعََالَى اَللََّهُ عَمََّا يُشْرِكُونَ ، فبيّن عز و جل أنّ الذين جعلوا للّه شركاءهم جماعة، فلهذا جعل إضمارهم إضمار الجماعة، فقال: يُشْرِكُونَ ؛ مضى كلام أبى عليّ.

و قد قيل فى قوله تعالى: فَلَمََّا آتََاهُمََا صََالِحاً مضافا إلى الوجه المتقدم-الّذي هو أنه أراد بالصلاح الاستواء فى الخلقة و الاعتدال فى الأعضاء-وجه آخر؛ و هو أنّه لو أراد الصلاح فى الدين لكان الكلام أيضا مستقيما؛ لأن الصالح فى الدين قد يجوز أن يكفر بعد صلاحه، /فيكون فى حال صالحا، و فى آخر مشركا؛ و هذا لا يتنافى.

و قد استشهد فى جواز الانتقال من خطاب إلى غيره، و من كناية عن مذكور إلى مذكور سواه؛ ليصحّ ما قلناه من الانتقال من الكناية عن آدم و حوّاء إلى ولدهما بقوله تعالى:

إِنََّا أَرْسَلْنََاكَ شََاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً `لِتُؤْمِنُوا بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ ، فانصرف عن مخاطبة الرسول عليه السلام إلى مخاطبة المرسل إليهم، ثم قال: وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ ، يعنى الرسول عليه السلام، ثم قال: وَ تُسَبِّحُوهُ ، [الفتح: 9]؛ و هو يعنى مرسل الرسول؛ فالكلام

____________

(1-1) ساقط من الأصل، و المثبت عن د، ف.

234

واحد متّصل بعضه ببعض، و الخطاب منتقل من واحد إلى غيره؛ و يقول الهذلىّ‏ (1) :

يا لهف نفسى كان جدّة خالد # و بياض وجهك للتّراب الأعفر

و لم يقل: و بياض وجهه.

و قال كثيّر:

أ سي‏ء بنا، أو أحسنى لا ملومة # لدينا، و لا مقليّة إن تقلت‏ (2)

فخاطب ثمّ ترك الخطاب. و قال آخر:

فدى لك يا فتى و جميع أهلى # و ما لى إنّه منه أتانى‏ (3)

و لم يقل: منك أتانى.

و وجدت أبا مسلم محمد بن بحر يحمل هذه الآية على أنّ الخطاب فى جميعها غير متعلّق بحواء و آدم، و يجعل الهاء فى‏ تَغَشََّاهََا ، و الكناية فى‏ دَعَوَا اَللََّهَ رَبَّهُمََا و آتََاهُمََا صََالِحاً راجعتين إلى من أشرك؛ و لم يتعلق بآدم و حواء من الخطاب إلا قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ ؛ لأن الإشارة فى قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ إلى الخلق عامة، و كذلك قوله تعالى: وَ جَعَلَ مِنْهََا زَوْجَهََا ، ثم خص منها بعضهم كما قال تعالى: هُوَ اَلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ حَتََّى إِذََا كُنْتُمْ فِي اَلْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ، فخاطب الجماعة بالتسيير فى البر و البحر، ثم خص راكب البحر بقوله تعالى: وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ؛ [يونس: 22]كذلك الآية أخبرت عن جملة البشر؛ و أنهم مخلوقون من نفس واحدة و زوجها، و هما آدم و حواء عليهما السلام ثمّ عاد الذكر إلى الّذي سأل اللّه تعالى ما سأل؛ فلما أعطاه إياه ادعى الشّركاء فى عطيته.

قال: و جائز أن يكون عنى بقوله: هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ المشركين؛ خصوصا إذ كان كلّ بنى آدم مخلوقا من نفس واحدة و زوجها.

____________

(1) هو أبو كبير، و البيت من قصيدة له فى شعر الهذليين 2: 101.

(2) أمالى القالى 2: 109.

(3) حاشية الأصل: «فدى و فداء كلاهما صحيح، فإذا قلت فدى فهو مقصور من الممدود» .

235

و يجوز أن يكون المعنى فى قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ خلق كلّ واحد منكم من نفس واحدة؛ و هذا يجي‏ء كثيرا فى القرآن و فى كلام العرب؛ قال اللّه تعالى:

وَ اَلَّذِينَ يَرْمُونَ اَلْمُحْصَنََاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدََاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمََانِينَ جَلْدَةً ؛ [النور: 4]أى فاجلدوا كل واحد ثمانين جلدة.

و قال عز و جل: وَ مِنْ آيََاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوََاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهََا ؛ [الروم: 21]فلكل نفس زوج منها أى من جنسها.

فَلَمََّا تَغَشََّاهََا ، أى تغشّى كلّ نفس زوجها. حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً و هو ماء الفحل.

فَمَرَّتْ بِهِ أى مارت، و المور: التردّد. و المراد تردّد هذا الماء فى رحم هذه الحامل. فَلَمََّا أَثْقَلَتْ أى ثقل حملها؛ أى بمصير ذلك الماء لحما و دما و عظما. دَعَوَا اَللََّهَ أى الرجل و المرأة لمّا استبان حمل المرأة فقالا: لَئِنْ آتَيْتَنََا صََالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلشََّاكِرِينَ. `فَلَمََّا آتََاهُمََا صََالِحاً أى أعطاهما ما سألا من الولد الصالح نسبا ذلك إلى شركاء معه، فَتَعََالَى اَللََّهُ عَمََّا يُشْرِكُونَ .

و قال قوم: معنى‏ جَعَلاََ لَهُ شُرَكََاءَ أى طلبا من اللّه أمثالا للولد الصالح فشركا بين الطّلبتين و تكون الهاء فى قوله: لَهُ راجعة إلى الصالح لا إلى اللّه تعالى. و يجرى مجرى قول القائل: طلبت منى درهما فلما أعطيتك أشركته بآخر؛ أى طلبت آخر مضافا إليه.

و على هذا الوجه لا يمتنع أن يكونا قوله: جَعَلاََ و الخطاب كله متوجها إلى آدم و حواء عليهما السلام.

236

مجلس آخر 73

تأويل آية قََالَ أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ. `وَ اَللََّهُ خَلَقَكُمْ وَ مََا تَعْمَلُونَ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: قََالَ أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ. `وَ اَللََّهُ خَلَقَكُمْ وَ مََا تَعْمَلُونَ ؛ [الصافات: 95، 96].

فقال: أ ليس ظاهر هذا القول يقتضي أنه خالق لأعمال العباد، لأن‏ مََا هاهنا بمعنى «الّذي» ؛ فكأنه قال: خلقكم و خلق أعمالكم.

الجواب، قلنا: قد حمل أهل الحق هذه الآية على أنّ المراد بقوله: وَ مََا تَعْمَلُونَ أى و ما تعملون فيه من الحجارة و الخشب و غيرهما؛ مما كانوا يتخذونه أصناما/و يعبدونها.

قالوا: و غير منكر أن يريد بقوله: وَ مََا تَعْمَلُونَ ذلك؛ كما أنه قد أراد ما ذكرناه بقوله:

أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ لأنه لم يرد أنكم تعبدون نحتكم الّذي هو فعل لكم؛ بل أراد ما تفعلون فيه النّحت؛ و كما قال تعالى فى عصا موسى عليه السلام: تَلْقَفُ مََا يَأْفِكُونَ [الأعراف: 117]و تَلْقَفْ مََا صَنَعُوا ؛ [طه: 69]؛ و إنما أراد تعالى أنّ العصا تلقف الحبال التى أظهروا سحرهم فيها، و هى التى حلتها صنعتهم و إفكهم؛ فقال: مََا صَنَعُوا و مََا يَأْفِكُونَ و أراد ما صنعوا فيه، و ما يأفكون فيه؛ و مثله قوله تعالى: يَعْمَلُونَ لَهُ مََا يَشََاءُ مِنْ مَحََارِيبَ ، [سبأ: 13]؛ و إنما أراد المعمول فيه دون العمل؛ (1) و هذا الاستعمال أيضا سائغ‏ (1) شائع؛ لأنهم يقولون: هذا الباب عمل النّجار. و فى الخلخال: هذا من عمل الصائغ؛ و إن كانت الأجسام التى أشير إليها ليست أعمالا؛ و إنما عملوا فيها؛ فحسن إجراء هذه العبارة.

فإن قيل: كلّ الّذي ذكرتموه و إن استعمل فعلى وجه المجاز و الاتساع؛ لأن العمل فى

____________

(1-1) حاشية الأصل (من نسخة) : «و هذا فى الاستعمال» .

237

الحقيقة لا يجرى إلا على فعل الفاعل دون ما يفعل فيه؛ و إن استعير فى بعض المواضع.

قلنا: ليس نسلّم لكم أنّ الاستعمال الّذي ذكرناه على سبيل المجاز؛ بل يقول: هو المفهوم الّذي لا يستفاد سواه، لأن القائل إذا قال: هذا الثوب عمل فلان لم يفهم منه إلا أنّه عمل فيه، و ما رأينا أحدا قط يقول فى الثوب بدلا من قوله: هذا من عمل فلان: هذا مما حلّه عمل فلان؛ فالأول أولى بأن يكون حقيقة.

و ليس ينكر أن يكون الأصل فى الحقيقة ما ذكروه، ثم انتقل بعرف الاستعمال إلى ما ذكرناه؛ و صار أخصّ به، و مما لا يستفاد من الكلام سواه؛ كما انتقلت ألفاظ كثيرة على هذا الحدّ و الاعتبار فى المفهوم من الألفاظ إلا ما يستقرّ عليه استعمالها دون ما كانت عليه فى الأصل؛ فوجب أن يكون المفهوم و الظاهر من الآية ما ذكرناه.

على أنا لو سلّمنا أن ذلك مجاز لوجب المصير إليه من وجوه:

منها ما يشهد به ظاهر الآية و يقتضيه، و لا يسوغ سواه.

و منها ما تقتضيه الأدلة القاطعة الخارجة عن الآية؛ فمن ذلك أنه تعالى أخرج الكلام مخرج التهجين لهم، و التوبيخ لأفعالهم و الإزراء على مذاهبهم، فقال: أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ. `وَ اَللََّهُ خَلَقَكُمْ وَ مََا تَعْمَلُونَ /و متى لم يكن قوله: وَ مََا تَعْمَلُونَ المراد تَعْمَلُونَ فيه؛ ليصير تقدير الكلام: أ تعبدون الأصنام التى تنحتونها، و اللّه خلقكم و خلق هذه الأصنام التى تفعلون فيها التخطيط و التصوير؛ لم يكن للكلام معنى، و لا مدخل فى باب التوبيخ. و يصير على ما يذكره المخالف كأنه قال: أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ و اللّه خلقكم و خلق عبادتكم؛ فأىّ وجه للتقريع!و هذا إلى أن يكون عذرا أقرب من أن يكون لوما و توبيخا؛ إذا خلق عبادتهم للأصنام؛ فأىّ وجه للومهم عليها و تقريعهم بها!على أن قوله عز و جلّ: خَلَقَكُمْ وَ مََا تَعْمَلُونَ بعد قوله: أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ خرج مخرج التعليل للمنع من عبادة غيره تعالى؛ فلا بدّ أن يكون متعلقا بما تقدم من قوله: أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ و مؤثرا فى المنع من عبادة غير اللّه. فلو أفاد قوله: مََا تَعْمَلُونَ نفس العمل‏

238

الّذي هو النحت دون المعمول فيه لكان لا فائدة فى الكلام؛ لأن القوم لم يكونوا يعبدون النحت؛ و إنما كانوا يعبدون محل النحت؛ و لأنه كان لا حظّ فى الكلام للمنع من عبادة الأصنام. و كذلك إن حمل قوله تعالى: مََا تَعْمَلُونَ على أعمال أخر ليست نحتهم، و لا هى ما عملوا فيه لكان أظهر فى باب اللغو و العبث و البعد عن التعلق بما تقدم؛ فلم يبق إلا أنه أراد: أنه خلقكم و ما تعملون فيه النحت، فكيف تعبدون مخلوقا مثلكم!

فإن قيل: لم زعمتم أنه لو كان الأمر على ما ذكرناه لم يكن للقول الثانى حظّ فى باب المنع من عبادة الأصنام؟و ما تنكرون أن يكون لما ذكرناه وجه فى المنع من ذلك؟ (1) ؛ كما أن ما ذكرتموه‏ (1) أيضا لو أريد لكان وجها؛ و هو أن من خلقنا و خلق الأفعال فينا لا يكون إلا الإله القديم، الّذي تحقّ له العبادة، و غير القديم-كما يستحيل أن يخلقنا-يستحيل أن يخلق فينا الأفعال على الوجه الّذي يخلقها القديم تعالى؛ فصار لما ذكرناه تأثير.

قلنا: معلوم أن الثانى إذا كان كالتعليل للأول و المؤثر فى المنع من العبادة فلان يتضمن أنكم مخلوقون و ما تعبدونه أولى من أن ينصرف إلى ما ذكرتموه ممّا لا يقتضي أكثر من خلقهم دون خلق ما عبدوه؛ و أنه لا شي‏ء أدلّ على/المنع من عبادة الأصنام من كونها مخلوقة كما أن عابدها مخلوق.

و يشهد لما ذكرناه قوله تعالى فى موضع آخر: أَ يُشْرِكُونَ مََا لاََ يَخْلُقُ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ. `وَ لاََ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَ لاََ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ؛ [الأعراف: 191، 192] فاحتج تعالى عليهم فى المنع من عبادة الآلهة دونه بأنها مخلوقة لا تخلق شيئا، و لا تدفع عن أنفسها ضرا و لا عنهم؛ و هذا واضح.

على أنه لو ساوى ما ذكروه ما ذكرناه فى التعلّق بالأول لم يسغ حمله على ما ادعوه؛ لأن فيه عذرا لهم فى الفعل الّذي عنّفوا به و قرّعوا من أجله؛ و قبيح أن يوبخهم بما يعذرهم؛ و يذمّهم بما ينزّههم على ما تقدم.

____________

(1-1) فى حاشيتى الأصل، ف: نسخة ش «و إن كان ما ذكرتموه» .

239

على أنا لا نسلّم أن من يفعل أفعال العباد و يخلقها يستحق العبادة؛ لأن من جملة أفعالهم القبائح، و من فعل القبائح لا يكون إلها، و لا تحقّ له العبادة؛ فخرج ما ذكروه من أن يكون مؤثرا بانفراده فى العبادة.

على أن إضافته العمل إليهم بقوله: تَعْمَلُونَ يبطل تأويلهم الآية؛ لأنه لو كان تعالى خالقا له‏ (1) لم يكن عملا لهم؛ لأن العمل إنما يكون لمن يحدثه و يوجده، فكيف يكون عملا لهم و اللّه خلقه!و هذه مناقضة، فثبت بهذا أن الظاهر شاهد لنا أيضا.

على أن قوله: وَ مََا تَعْمَلُونَ يقتضي الاستقبال؛ و كل فعل لم يوجد فهو معدوم.

و محال أن يقول تعالى: إنى خالق للمعدوم!

فإن قالوا: اللفظ و إن كان للاستقبال فالمراد به المضىّ؛ فكأنه قال: و اللّه خلقكم و ما عملتم!

قلنا: هذا عدول منكم عن الظاهر الّذي ادّعيتم أنكم متمسكون به؛ و ليس أنتم بأن تعدلوا عنه بأولى منا؛ بل نحن أحق؛ لأنا نعدل عنه لدلالة؛ و أنتم تعدلون بغير حجة.

فإن قالوا: فأنتم أيضا تعدلون عن هذا الظاهر بعينه على تأويلكم، و تحملون لفظ الاستقبال على لفظ الماضى.

قلنا: لا نحتاج نحن فى تأويلنا إلى ذلك؛ لأنا إذا حملنا قوله تعالى: وَ مََا تَعْمَلُونَ على الأصنام المعمول فيها-و معلوم أن الأصنام موجودة قبل عملهم فيها-فجاز أن يقول تعالى:

إنى خلقتها؛ و لا يجوز أن يقول: إنى خلقت ما سيقع من العمل فى المستقبل.

على أنه تعالى/لو أراد بذلك أعمالهم؛ لا ما عملوا فيه على ما ادعوه لم يكن فى الظاهر حجة على ما يريدون؛ لأن الخلق هو التقدير و التدبير؛ و ليس يمتنع فى اللغة أن يكون الخالق خالقا لفعل غيره إذا قدّره و دبّره؛ أ لا ترى أنهم يقولون: خلقت الأديم؛ و إن لم يكن الأديم فعلا لمن يقال

____________

(1) حاشية الأصل: «نسخة ش: «لها» .

240

ذلك فيه!و يكون معنى خلقه لأفعال العباد أنه مقدر لها، و معرف لنا مقاديرها و مراتبها و ما به نستحق عليها من الجزاء.

و ليس يمتنع أن يقال: إنه خالق للأعمال على هذا المعنى إذا ارتفع الإبهام و فهم المراد؛ فهذا كله تقتضيه الآية. و لو لم يكن فى الآية شي‏ء مما ذكرناه مما يوجب العدول عن حمل قوله:

وَ مََا تَعْمَلُونَ على خلق نفس الأعمال لوجب أن نعدل بها عن ذلك، و نحملها على ما ذكرناه بالأدلة العقلية الدّالة على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقا لأعمالنا، و إن تصرفنا محدث بنا، و لا فاعل له سوانا؛ و كل هذا واضح بين‏ (1) .

***

قال سيدنا أدام اللّه علوّه: و إنى لأستحسن لبعض نساء بنى أسد قولها:

أ لم ترنا غبّنا ماؤنا # زمانا، فظلنا نكدّ البئارا (2)

فلمّا عدا الماء أوطانه # و جفّ الثّماد فصارت حرارا (3)

و ضجّت إلى ربّها فى السّماء (4) # رءوس العضاه تناجى السّرارا

و فتّحت الأرض أفواهها # عجيج الجمال وردن الجفارا (5)

لبسنا لدى عطن ليلة # على اليأس آتابنا و الخمارا (6)

و قلنا: اعبروا النّدى حقّه # و صبر الحفاظ، و موتوا حرارا (7)

____________

(1) ف: «واضح بين بحمد اللّه» .

(2) الكد هنا: انتزاع السائل.

(3) الثماد: بقايا الماء فى الحوض و الحفر، جمع ثمد. و الحرار: جمع حرة، و هى حجارة سوداء.

(4) فى حاشيتى الأصل، ف: «بخط عبد السلام البصرى:

*و عجّت عجيجا إلى ربّها*

.

(5) الجفار: جمع جفرة، و هى البئر الواسعة.

(6) الآتاب: جمع إتب؛ و هو برد أو ثوب يؤخذ فيشق فى وسطه، ثم تلقيه المرأة فى عنقها من غير جيب و لا كمين.

(7) موتوا حرارا؛ أى جودوا بأنفسكم. و فى حاشية الأصل: «نسخة س: وجدت بخط المرتضى رضى اللّه عنه: «فى مجموع أكثره بخط الرضىّ رضى اللّه عنه: حرار: جمع حرة» .

241

فإنّ النّدى لعسى مرّة # يردّ إلى أهله ما استعارا

فبتنا نوطّن أحشاءنا # أضاء لنا عارض فاستطارا (1)

و أقبل يزحف زحف الكسير # سياق الرعاء البطاء العشارا

/تننّى و تضحك حافاته # خلال الغمام و تبكى مرارا

كأنّا تضي‏ء لنا حرّة # تشدّ إزارا و تلقى‏ (2) إزارا

فلمّا خشينا بأن لا نجاء # و ألاّ يكون قرار قرارا

أشار إليه امرؤ فوقه # هلمّ، فأمّ‏ (3) إلى ما أشارا

***

و أنشد أبو هفّان لولاّدة المهزميّة (4) :

لو لا اتّقاء اللّه قمت بمفخر # لا يبلغ الثّقلان فيه مقامى‏

بأبوّة فى الجاهليّة سادة # بذّوا العلى أمراء فى الإسلام‏

جادوا فسادوا مانعين أذاهم # لنداهم، بذل‏ (5) على الأقوام‏

قد أنجبوا فى السّؤددين‏ (6) و أنجبوا # بنجابة الأخوال و الأعمام‏

قوم إذا سكتوا تكلّم مجدهم # عنهم؛ فأخرس دون كلّ كلام‏

____________

(1) حاشية الأصل: «نسخة ش «فبينا» ، و بخط المرتضى رضى اللّه عنه: «نوطد أحسابنا» .

(2) حاشية الأصل: «بخط عبد السلام: و ترخى» .

(3) حاشية الأصل: «بخط عبد السلام: فصار» .

(4) حاشية الأصل: «قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولى رحمه اللّه: هو أبو هفان عبد اللّه بن أحمد المهزمى. و أبو هفان، بكسر الهاء» .

(5) بذل: جمع بذول، أى باذلون.

(6) فى حاشيتى الأصل، ف: «أى الأبوة و الأمومة» .

242

و قالت امرأة من بنى سعد بن بكر (1) :

أيا أخوىّ الملزمىّ ملامة (2) # أعيذ كما (3) باللّه من مثل ما بيا

سألتكما باللّه إلاّ جعلتما (4) # مكان الأذى و اللّوم أن تأويا ليا (5)

أيا أمتا حبّ الهلالىّ قاتلى # شطون النّوى يحتلّ عرضا يمانيا (6)

أشمّ كغصن البان جعد مرجّل # شعفت به لو كان شيئا مدانيا (7)

فإن لم أوسّد ساعدى بعد هجعة # غلاما هلاليا فشلّ بنانيا (8)

ثكلت أبى إن كنت ذقت كريقه # لشي‏ء و لا ماء الغمامة غاديا (9)

و لضاحية الهلالية:

ألمّ كبير لمّة ثمّ شمّرت # به جلّة يطلبن برقا يمانيا (10)

/[ألا ليتنا و النّفس تسكن للمنى # يمانون إن أمسى حبيب يمانيا]

و لها:

و إنّى لأهوى القصد ثمّ يردّنى # عن القصد (11) ميلات الهوى فأميل‏

____________

(1) الأبيات فى حماسة ابن الشجرى: 156-157؛ منسوبة إلى ضاحية الهلالية.

(2) فى ابن الشجرى:

*أيا أخوىّ اللائمىّ على الهوىّ*

.

(3) م، و ابن الشجرى: «أعندكما» .

(4) ابن الشجرى: «لما خلعتما» .

(5) أن تأويا لى؛ أى أن ترحمانى.

(6) حاشية الأصل: «أمتا، أى أمى، و شطون، أى هو شطون النوى، و العرض: سفح الجبل، أى بسفح يمان» .

(7) حاشية الأصل: «أراد بالجعد السخىّ الكريم، و هو من الأضداد، قال طرفة:

أنا الرّجل الجعد الّذي تعرفونه # خشاش كرأس الحية المتوقد

.

(8) حاشية الأصل: «نسخة س: فشلت بنانيا» و هى رواية ابن الشجرى.

(9) فى ابن الشجرى بعد هذا البيت:

و أقسم لو خيّرت بين فراقه # و بين أبى لاخترت أن لا أبا ليا

.

(10) فى حاشيتى الأصل، ف: «كبير، رجل، و نسخة س «كثير» ، لمة: إلماما، شمرت، أى ذهبن به، و الجلة: المسان من الإبل، و يجوز أن يريد بها الجليلة؛ و من نسخة: «يطرن برقا يمانيا» .

(11) القصد: الأمر السوىّ و الطريقة المستقيمة.

243

و ما وجد مسجون بصنعاء موثق # بساقيه من حبس الأمير كبول‏

و ما ليل مولى مسلم بجريرة # له بعد ما نام العيون عويل‏

بأكثر منّى لوعة يوم عجّلوا (1) ، # فراق حبيب ما إليه سبيل‏

و لعمرة (2) بنت العجلان أخت عمرو ذى الكلب بن عجلان الكاهلىّ ترثى أخاها عمرا، و قد كان فى بعض غزواته نائما، فوثب عليه نمران فأكلاه، فوجدت فهم سلاحه، فادّعت قتله‏ (3) :

سألت بعمرو أخى صحبه # فأفظعنى حين ردّوا السّؤالا

و قالوا: أتيح له نائما # أعزّ السّباع عليه أحالا (4)

أتيح له نمرا أجبل # فنالا لعمرك منه منالا

فأقسمت‏ (5) يا عمرو لو نبّهاك # إذا نبّها منك أمرا (6) عضالا

[إذن نبها غير رعديدة # و لا طائش رعش حين صالا] (7)

إذا نبّها ليث عرّيسة # مفيتا مفيدا نفوسا و مالا (8)

____________

(1) د، ف، حاشية الأصل (من نسخة) : «يوم راعنى» .

(2) فى حاشيتى الأصل، ف: «نسخة س: وجدت هذه القصيدة فى دواوين هذيل منسوبة إلى جنوب أخت عمرو» ؛ و هى أيضا فى ديوان الهذليين 3: 120-123 و خزانة الأدب و زهر الآداب (طبعة الحلبى) 795-796؛ و شواهد العينى... منسوبة إلى الحنوب.

(3) فى ديوان الهذليين عن أبى عبيدة: «كان ذو الكلب يغزو فهما؛ فوضعوا له الرصد على الماء فأخذوه و قتلوه، ثم مروا بأخته جنوب؛ فقالت لهم: ما شأنكم؟فقالوا: إنا طلبنا أخاك عمرا، فقالت:

لئن طلبتموه لتجدنه منيعا، و لئن أضفتموه لتجدن جنابه مريعا؛ و لئن دعوتموه لتجدنه سريعا. قالوا: فقد أخذناه و قتلناه، و هذا سلبه؛ قالت: لئن سلبتموه لا تجدن ثنته وافية، و لا حجزته جافية، و لا ضالته كافية؛ و لرب ثدى منكم قد افترشه، و نهب قد احتوشه، و ضب قد احترشه؛ ثم قالت ترثيه... » و أورد القصيدة.

(4) أحال: حمل عليه فقتله و أكله.

(5) فى ديوان الهذليين: «فأقسم» .

(6) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «داء» ؛ و هى رواية ديوان الهذليين.

(7) من ديوان الهذليين.

(8) العريس و العريسة: مأوى الأسد؛ و المفيت: مهلك النفوس.

244

هزبرا فروسا لاعدائه # هصورا إذا لقى القرن صالا (1)

هما مع تصرّف ريب المنون # من الأرض ركنا ثبيتا أمالا (2)

هما يوم حمّ له يومه # و قال أخو فهم بطلا و فالا (3)

معنى «فال» أخطأ؛ يقال: رجل فائل الرأى-

و قالا (4) قتلناه فى غارة # بآية ما إن ورثنا النّبالا

كأنها تهزأ بهم و تكذبهم؛ أى بعلامة أن قد ورثتم النبال-

فهلاّ و من قبل ريب المنون # فقد كان رجلا و كنتم رجالا

و قد علمت فهم يوم‏ (5) اللّقاء # بأنّهم لك كانوا نفالا (6)

/كأنهم لم يحسّوا به # فيخلوا النّساء له و الحجالا

و لم ينزلوا بمحول‏ (7) السّنين # به فيكونوا عليه عيالا

و قد علم الضّيف و المجتدون # إذا اغبرّ أفق و هبّت شمالا (8)

و خلّت عن اولادها المرضعات # و لم تر عين لمزن بلالا (9)

بأنّك كنت الرّبيع المغيث # لمن يعتريك و كنت الثّمالا (10)

و خرق تجاوزت مجهوله # بوجناء حرف تشكّى الكلالا (11)

____________

(1) ديوان الهذليين: «لأقرانه» . و الهزبر: اسم السبع، و الفروس: الّذي يدق الأعناق.

(2) الثبيت: الثابت؛ و فى ديوان الهذليين «ركنا عزيزا» .

(3) حم: قدر.

(4) حاشية الأصل (من نسخة) : «و قالوا» .

(5) حاشية الأصل (من نسخة) : «عند» ، و هى رواية ديوان الهذليين.

(6) نفالا: غنائم.

(7) ديوان الهذليين: «لزبات السنين» ، و اللزبات: الشدائد.

(8) ديوان الهذليين: «و المرملون» . و هبت شمالا؛ أى الريح: .

(9) بلالا، أى بللا.

(10) و فى حاشية الأصل: «يقال: فلان ثمال قومه إذا كان الاعتماد و المعول عليه.

(11) الخرق: الفلاة الواسعة؛ و الوجناء: الناقة الشديدة؛ و الحرف: الضامر؛ شبهت بحرف الجبل؛ و فى حاشية الأصل (من نسخة) :

*و خرق تجاوزت مجهولة*

.

245

فكنت النهارية شمسه # و كنت دجى اللّيل فيه الهلالا

و خيل سمت لك فرسانها # فولّوا و لم يستقلّوا قبالا (1)

[و حىّ أبحت، و حىّ صبحت # غداة الهياج منايا عجالا] (2)

و كلّ قبيل و إن لم تكن # أردتهم، منك باتوا وجالا (3)

____________

(1) القبال: شسع النعل، تريد شيئا قليلا.

(2) من ديوان الهذليين.

(3) الوجال: المتخوفون.

246

مجلس آخر 74

تأويل آية وَ لاََ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كََانَ اَللََّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَ لاََ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كََانَ اَللََّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ؛ [هود: 34].

فقال: أ ليس ظاهر هذه الآية يقتضي أنّ نصح النبي صلى اللّه عليه و آله لم ينفع‏ (1) الكفار الذين أراد اللّه بهم الكفر و الغواية، و هذا بخلاف مذهبكم!

الجواب، قلنا: ليس فى ظاهر الآية ما يقتضيه خلاف مذهبنا؛ لأنه تعالى لم يقل إنه فعل الغواية أو أرادها؛ و إنما أخبر أن نصح‏ (2) النبىّ عليه السلام لا ينفع إن كان اللّه يريد غوايتهم. و وقوع الإرادة لذلك أو جواز وقوعها لا دلالة عليه فى الظاهر؛ على أن الغواية هاهنا الخيبة و حرمان الثواب؛ و يشهد بصحة ما ذكرناه فى هذه اللفظة قول الشاعر:

فمن يلق خيرا يحمد النّاس أمره # و من يغو لا يعدم على الغىّ لائما (3)

فكأنه قال: إن كان اللّه يريد أن يعاقبكم بسوء أعمالكم و كفركم، و يحرمكم ثوابه فليس ينفعكم/نصحى ما دمتم مقيمين على ما أنتم عليه؛ إلا أن تقلعوا و تتوبوا.

و قد سمى اللّه تعالى العقاب غيا، فقال: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم: 59]؛ و ما قبل هذه الآية يشهد بما ذكرناه؛ و أن القوم استعجلوا عقاب اللّه تعالى: قََالُوا يََا نُوحُ قَدْ جََادَلْتَنََا فَأَكْثَرْتَ جِدََالَنََا فَأْتِنََا بِمََا تَعِدُنََا إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ. `قََالَ إِنَّمََا يَأْتِيكُمْ بِهِ اَللََّهُ إِنْ شََاءَ وَ مََا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ. `وَ لاََ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي... الآية؛ [هود: 32، 33]؛ فأخبر أن نصحه لا ينفع من يريد اللّه أن ينزل به العذاب، و لا يغنى عنه شيئا.

____________

(1) حاشية الأصل (من نسخة) : «لا ينفع» .

(2) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف:

«و إنما أخبرنا.

(3) البيت للمرقش الأصغر (المفضليات 247-طبعة المعارف) .

247

و قال جعفر بن حرب: إن الآية تتعلق بأنه كان فى قوم نوح طائفة تقول بالجبر، فنبّههم اللّه تعالى بهذا القول على فساد مذهبهم؛ و قال لهم على طريق الإنكار عليهم و التعجب من قولهم: إن كان القول كما تقولون من أن اللّه يفعل فيكم الكفر و الفساد، فما ينفعكم نصحى؛ فلا تطلبوا منى نصحا و أنتم على ذلك لا تنتفعون به؛ و هذا جيد.

و روى عن الحسن البصرىّ فى هذه الآية وجه صالح؛ و هو أنه قال: المعنى فيها إن كان اللّه يريد أن يعذّبكم فليس ينفعكم نصحى عند نزول العذاب بكم، و إن قبلتموه و آمنتم به؛ لأنّ كان من حكم اللّه تعالى ألاّ يقبل الإيمان عند نزول العذاب؛ و هذا كله واضح فى زوال الشبهة بالآية.

قال سيدنا أدام اللّه تمكينه: و من مستحسن ما قيل فى صفة المصلوب قول أبى تمام الطائىّ فى قصيدة يمدح بها المعتصم، و يذكر قتل الأفشين و حرقه و صلبه: (1)

ما زال سرّ الكفر بين ضلوعه # حتى اصطلى سرّ الزّناد الوارى‏ (2)

نارا يساور جسمه من حرّها # لهب كما عصفرت شقّ إزار

طارت لها شعل يهدّم لفحها # أركانه هدما بغير غبار

فصّلن منه كلّ مجمع مفصل # و فعلن فاقرة بكلّ فقار (3)

مشبوبة رفعت لأعظم‏ (4) مشرك # ما كان يرفع ضوأها للسّارى‏

صلّى لها حيّا و كان وقودها # ميتا، و يدخلها مع الكفّار (5)

____________

(1) من قصيدة فى ديوانه: 151-155؛ مطلعها:

الحقّ أبلج و السيوف عوار # فحذار من أسد العرين حذار

و كان الأفشين من أكابر قواد المعتصم، وجهه لحرب بابك الخرمىّ؛ فقبض عليه و حمله إلى المعتصم فقطعه و صلبه و انتهى أمر. ، ثم علم المعتصم خيانة من الأفشين؛ فقبض عليه و قتله و صلبه على خشبة بابك سنة 226 هـ.

(2) سر الزناد: النار المخبوءة فيها.

(3) الفاقرة: الداهية.

(4) حاشية الأصل (من نسخة) : «لأعظم» ، بضم الظاء.

(5) حاشية الأصل (من نسخة) : «الفجار» ، و هى رواية الديوان.

248

/و كذاك أهل النّار فى الدّنيا هم # يوم القيامة جلّ أهل النار

يا مشهدا صدرت بفرحته إلى # أمصارها القصوى بنو الأمصار

رمقوا أعالى جذعه فكأنما # رمقوا الهلال‏ (1) عشيّة الإفطار

و استنشقوا منه قتارا نشره # من عنبر ذفر و مسك دارى‏ (2)

و تحدّثوا عن هلكه بحديث‏ (3) من # بالبدو عن متتابع الأمطار

قد كان بوّأه الخليفة جانبا # من قلبه حرما على الأقدار

فسقاه ماء الخفض غير مصرّد # و أنامه فى الأمن غير غرار (4)

و لقد شفى الأحشاء من برحائها # أن صار بابك جار مازيار (5)

ثانيه فى كبد السّماء و لم يكن # لاثنين ثان إذ هما فى الغار (6)

و كأنّما انتبذا لكيما يطويا # عن ناطس‏ (7) خبرا من الأخبار

سود اللّباس كأنما نسجت لهم # أيدى السّموم مدارعا من قار

بكروا و أسروا فى متون ضوامر # فبدت لهم من مربط النّجّار

لا يبرحون و من رآهم خالهم # أبدا على سفر من الأسفار

كادوا النّبوّة و الهدى فتقطّعت # أعناقهم فى ذلك المضمار

____________

(1) الديوان: «وجدوا» .

(2) القتار: الرائحة، و نشره: فوحانه؛ و الذفر: الحاد، و الدارى: منسوب إلى دارين؛ و هى فرضة يجلب منها المسك. و من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: و استنشئوا» .

(3) ف، و حاشية الأصل (من نسخة) ، و الديوان: «كحديث» .

(4) غرار: قليل.

(5) مازيار: رجل، و ضبط فى الأصل بفتح الزاى و كسرها معا.

(6) كذا وردت الرواية فى الأصول؛ و تأويله: و لم يكن كاثنين إذ هما فى الغار ثان؛ أى لم يكن كهذه القضية قضية أخرى. و فى الديوان: «ثانيا إذ هما» ، بتسهيل الهمزة، و فى حاشية الأصل:

«أى هو ثان فى الصلب و الضلالة لما زيار؛ و ليس هو كأبي بكر إذ كان مع النبي عليه السلام فى الغار» .

(7) فى حاشيتى الأصل، ف: «ناطس اسم ملك الروم» .

249

و له يذكر صلب بابك:

لمّا قضى رمضان منه قضاءه # شالت به الأيّام فى شوّال‏ (1)

ما زال مغلول العزيمة سادرا # حتى غدا فى القيد و الأغلال‏

مستبسلا للبأس طوقا من دم‏ (2) # لما استبان فظاظة الخلخال‏

أهدى لمتن الجذع متنيه كذا # من عاف متن الأسمر العسّال‏ (3)

لا كعب أسفل موضعا من كعبه # مع أنّه عن كلّ كعب عال‏

/سام كأنّ العزّ يجذب ضبعه # و سموّه من ذلّة و سفال‏

متفرّغ أبدا و ليس بفارغ # من لا سبيل له إلى الأشغال‏

قال سيدنا أدام اللّه علوّه: و من عجيب الأمور أن أبا العباس أحمد بن عبيد اللّه بن عمار ينشد هذه الأبيات المفرطة فى الحسن فى جملة مقابح أبى تمام، و ما خرّجه-بزعمه-من سقطه و غلطه؛ و يقول فى عقبها: و لم يسمع بشعر وصف فيه مصلوب بأغثّ من هذا الوصف، و أين كان عن مثل إبراهيم بن المهدى يصف صلب بابك فى قصيدة يمدح بها المعتصم:

ما زال يعنف بالنّعمى فنفّرها # عنه الغموط، و وافته الأراصيد (4)

حتى علا حيث لا ينحطّ مجتمعا # كما علا أبدا ما أورق العود

يا بقعة ضربت فيها علاوته # و عينه، و ذوت أغصانه الميد

بوركت أرضا و أوطانا مباركة # ما عنك فى الأرض للتّقديس تعريد

لو تقدر الأرض حجّتك البلاد فلا # يبقى على الأرض إلاّ حجّ جلمود

لم يبك إبليس إلاّ حين أبصره # فى زيّه، و هو فوق الفيل مصفود

كناقة النّحر تزهى تحت زينتها # و حدّ شفرتها للنّحر محدود

____________

(1) من قصيدة فى ديوانه 259-265 يمدح فيها المعتصم، و أولها:

آلت أمور الشّرك شرّ مآل # و أقرّ بعد تخمّط و صيال‏

.

(2) الديوان‏

*متلبّسا للموت طوقا من دم*

.

(3) العسال: المضطرب.

(4) يعنى القضاء الواقف له بالمرصاد.

250

ما كان أحسن قول النّاس يومئذ # أ يوم بابك هذا أم هو العيد!

صيّرت جثّته جيدا لباسقة # جرداء، و الرّأس منه ما له جيد

فآض تلعب هوج العاصفات به # على الطّريق صليبا طرفه عود

كأنّه شلو كبش و الهواء له # تنوّر شاوية، و الجذع سفّود

و هكذا ينبغى أن يطعن على أبيات أبى تمام من يستجيد هذه الأبيات و يفرط فى تقريظها؛ و ليت من جهل شيئا عدل عن الخوض فيه و الكلام عليه؛ فكان ذلك و أولى به. و أبيات أبى تمام فى نهاية القوّة و جودة المعانى و الألفاظ و سلامة السّبك و اطراد/النسج، و أبيات ابن المهدى مضطربة الألفاظ، مختلفة النسج، متفاوتة الكلام؛ و ما فيها شي‏ء يجوز أن يوضع عليه اليد إلا قوله:

حتّى علا حيث لا ينحط مجتمعا # كما علا أبدا ما أورق العود

و بعده البيت الأخير و إن كان بارد الألفاظ.

و قد أحسن مسلم بن الوليد فى قوله:

ما زال يعنف بالنّعمى و يغمطها # حتى استقلّ به عود على عود (1)

نصبته حيث ترتاب الرياح به # و تحسد الطّير فيه أضبع البيد (2)

و للبحترىّ فى هذا المعنى من قصيدة يمدح بها أبا سعيد أو لها:

لا دمنة بلوى خبت و لا طلل # يردّ قولا على ذى لوعة يسل‏ (3)

إن عزّ دمعك فى آي الرّسوم فلم # يصب عليها فعندى أدمع بلل‏

هل أنت يوما معيرى نظرة فترى # فى رمل يبرين عيرا سيرها رمل!

حثّوا النّوى بحداة ما لها وطن # غير النّوى، و جمال ما لها عقل‏

____________

(1) ديوانه: 133، يعنف بالتعمى: يسرف و يجاوز حقه فيها، و يغمطها: يكفرها.

(2) قال شارح ديوانه: «ترتاب الرياح، أى تستنكر؛ يريد: إذا خلف أحد على ذلك المكان أتته ريحه قبيحة منه؛ يقول: جعلته فى مكان تبلغه الطير، و لا تبلغه الضبع فتحسد الطير» .

(3) ديوانه 2: 214.

251

يقول فيها:

تحمله البرد من أقصى الثّغور إلى # أدنى العراق سراعا ريثها عجل‏ (1)

بسرّ من راء منكوسا تجاذبه # أيدى الشّمال فضولا كلّها فضل‏

أمسى يردّ حريق الشمس جانبه # عن بابك، و هى فى الباقين تشتعل‏

تفاوتوا بين مرفوع و منخفض # على مراتب ما قالوا و ما فعلوا

ردّ الهجير لحاهم بعد شعلتها # سودا، فعادوا شبابا بعد ما اكتهلوا

سما له حابل الآساد فى لمة # من المنايا، فأمسى و هو محتبل‏

حالى الذّراعين و السّاقين لو صدقت # له المنى لتمنّى أنّها عطل‏

من تحت مطبق أرض الشّام فى نفر # أسرى يودّون ودّا أنّهم قتلوا

/غابوا عن الأرض أنأى غيبة و هم # فيها؛ فلا وصل إلاّ الكتب و الرّسل‏

و له فى هذا المعنى:

ما زلت تقرع باب بابك بالقنا # و تزوره فى غارة شعواء (2)

حتى أخذت بنصل سيفك عنوة # منه الّذي أعيا على الأمراء

أخليت منه البذّ و هى قراره # و نصبته علما بسامرّاء (3)

لم يبق فيه خوف بأسك مطمعا (4) # للطّير فى عود و لا إبداء

فتراه مطّردا على أعواده # مثل اطراد كواكب الجوزاء

مستشرفا للشّمس منتصبا لها # فى أخريات الجذع كالحرباء

____________

(1) البرد: جمع يريد؛ و فى حاشية الأصل (من نسخة) : «تأتى به البرد» .

(2) ديوانه 1: 4، من قصيدة يمدح فيها محمد بن يوسف مطلعها:

زعم الغراب منبئ الأنباء # أنّ الأحبّة آذنوا بتناء

.

(3) البذّ: كورة بين أذربيجان و أران. و سامراء: لغة فى سرّ من رأى؛ مدينة كانت بين بغداد و تكريت.

(4) ف: «مطعما» .

252

مجلس آخر 75

تأويل آية شَهْرُ رَمَضََانَ اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ هُدىً لِلنََّاسِ وَ بَيِّنََاتٍ مِنَ اَلْهُدى‏ََ وَ اَلْفُرْقََانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ اَلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضََانَ اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ هُدىً لِلنََّاسِ وَ بَيِّنََاتٍ مِنَ اَلْهُدى‏ََ وَ اَلْفُرْقََانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ اَلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ؛ [البقرة: 185].

فقال: كيف أخبر تعالى بأنه أنزل فيه القرآن، و قد أنزله فى غيره من الشهور على ما جاءت به الرواية؟و الظاهر يقتضي أنه أنزل الجميع فيه، و ما المعنى فى قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ اَلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ؟و هل أراد الإقامة و الحضور اللذين هما ضدّا (1) الغيبة، أو أراد المشاهدة و الإدراك؟.

الجواب، قلنا: أما قوله تعالى: أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ فقد قال قوم: المراد به أنه تعالى أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا فى شهر رمضان، ثم فرق إنزاله على نبيه صلى اللّه عليه و آله بحسب ما تدعو الحاجة إليه.

و قال آخرون: المراد بقوله‏ أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ أنه أنزل فى فرضه و إيجاب صومه على الخلق القرآن؛ فيكون‏ فِيهِ بمعنى فى فرضه، كما يقول القائل: أنزل اللّه فى الزكاة كذا و كذا، يريد فى فرضها، و أنزل اللّه فى الخمر كذا و كذا يريد فى تحريمها.

و هذا الجواب إنما هرب متكلّفه من شي‏ء، و ظن أنه قد اعتصم بجوابه عنه، و هو بعد ثابت على ما كان عليه؛ لأن قوله: اَلْقُرْآنُ إذا كان يقتضي ظاهره إنزال/جميع القرآن فيجب على هذا الجواب أن يكون قد أنزل فى فرض الصيام جميع القرآن؛ و نحن نعلم أنّ قليلا من القرآن يتضمّن إيجاب صوم شهر رمضان، و أن أكثره خال من ذلك.

فإن قيل: المراد بذلك أنه أنزل فى فرضه شيئا من القرآن، و بعضا منه.

____________

(1) حاشية الأصل: «نسخة ش: «ضد الغيبة» .