أمالي المرتضي - ج2

- السيد المرتضى المزيد...
631 /
253

قيل: فألاّ اقتصر على هذا، و حمل الكلام على أنه تعالى أنزل شيئا من القرآن فى شهر رمضان و لم يحتج إلى أن يجعل لفظة فِيهِ بمعنى فى فرضه و إيجاب صومه.

و الجواب الصحيح، أن قوله تعالى: اَلْقُرْآنُ فى هذا الموضع لا يفيد العموم و الاستغراق، و إنما يفيد الجنس من غير معنى الاستغراق، فكأنه قال: شَهْرُ رَمَضََانَ اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ هذا الجنس من الكلام؛ فأىّ شي‏ء نزل منه فى الشهر فقد طابق الظاهر.

و ليس لأحد أن يقول: إن الألف و اللام هاهنا لا يكونان إلا للعموم و الاستغراق؛ لأنا لو سلمنا أن الألف و اللام صيغة العموم و الصورة المقتضية لاستغراق الجنس لم يجب أن يكون هاهنا بهذه الصفة؛ لأن هذه اللفظة قد تستعمل فى مواضع كثيرة من الكلام و لا يراد بها أكثر من الإشارة إلى الجنس و الطبقة من غير استغراق و عموم؛ حتى يكون حمل كلام المتكلم بها على خصوص أو عموم؛ كالناقض لغرضه و المنافى لمراده؛ أ لا ترى أن القائل إذا قال:

فلان يأكل اللحم، و يشرب الخمر، و ضرب الأمير اليوم اللصوص، و خاطب الجند لم يفهم من كلامه إلا محض الجنس و الطبقة من غير معنى خصوص و لا عموم؛ حتى لو قيل له: فلان يأكل جميع اللحم، و يشرب جميع الخمر أو بعضها لكان جوابه: إننى لم أرد عموما و لا خصوصا؛ إنما أريد أنّه يأكل هذا الجنس من الطعام، و يشرب هذا الجنس من الشراب؛ فمن فهم من كلامى العموم أو الخصوص فهو بعيد من فهم مرادى.

و أرى كثيرا من الناس يغلطون فى هذا الموضع، فيظنون أنّ الإشارة إلى الجنس من غير إرادة العموم و الاستغراق ليست مفهومة؛ حتى يحملوا قول من قال: أردت الجنس فى كل موضع على العموم؛ و هذا بعيد ممّن يظنه؛ لأنه كما أنّ العموم و الخصوص مفهومان/ فى بعض المواضع بهذه الألفاظ فكذلك الإشارة إلى الجنس و الطبقة من غير إرادة عموم و لا خصوص مفهومة مميزة؛ و قد ذكرنا أمثلة ذلك.

فأما قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ اَلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فأكثر المفسرين حملوه على أنّ المراد بمن شهد منكم الشهر من كان مقيما فى بلد غير مسافر. و أبو عليّ حمله على أنّ المراد

254

به فمن أدرك الشهر و شاهده و بلغ إليه و هو متكامل الشروط فليصمه، ذهب فى معنى شَهِدَ إلى معنى الإدراك و المشاهدة.

و قد طعن قوم على تأويل أبى عليّ و قالوا: ليس يحتمل الكلام إلاّ الوجه الأول.

و ليس الأمر على ما ظنوه؛ لأن الكلام يحتمل الوجهين معا؛ و إن كان للقول الأول ترجيح و مزية على الثانى من حيث يحتاج فى الثانى من الإضمار إلى أكثر مما يحتاج إليه فى الأول؛ لأن على القول الأول لا يحتاج إلى إضمار الإقامة و ارتفاع السفر؛ لأن قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ يقتضي الإقامة؛ و إنما يحتاج إلى إضمار باقى الشروط من الإمكان و البلوغ و غير ذلك.

و فى القول الثانى يحتاج مع كلّ ما أضمرناه فى القول الأول إلى إضمار الإقامة؛ و يكون التقدير: فمن شاهد الشهر و هو مقيم مطيق بالغ إلى سائر الشروط؛ فمن هذا الوجه كان الأول أقوى.

و ليس لأحد أن يقول: إن‏ شَهِدَ بنفسه من غير محذوف لا يدلّ على إقامة؛ و ذلك أنّ الظاهر من قولهم فى اللغة: فلان شاهد إذا أطلق و لم يضف أفاد الإقامة فى البلد؛ و هو عندهم ضدّ الغائب و المسافر؛ و إن كانوا ربما أضافوا فقالوا: فلان شاهد لكذا، و شهد فلان كذا؛ و لا يريدون هذا المعنى؛ ففى إطلاق‏ شَهِدَ دلالة على الإقامة من غير تقدير محذوف؛ و هذه جملة كافية بحمد اللّه.

***

قال سيدنا أدام اللّه علوّه: وجدت أبا العباس بن عمّار يعيب على أبى تمام فى قوله:

لمّا استحرّ الوداع المحض و انصرمت # أواخر الصّبر إلا كاظما وجما (1)

رأيت أحسن مرئىّ و أقبحه # مستجمعين لى: التّوديع و العنما

/قال أبو العباس: و هذا قد ذمّ مثله على شاعر متقدم؛ و هو أن جمع بين كلمتين احداهما لا تناسب الأخرى؛ و هو قول الكميت:

و قد رأينا بها حورا منعّمة # رودا تكامل فيها الدّلّ و الشّنب‏

____________

(1) ديوانه 302؛ من قصيدة يمدح فيها إسحاق بن إبراهيم المصعبىّ.

255

فقيل له: أخطأت و باعدت بقولك: «الدّلّ و الشّنب» ؛ أ لا قلت كقول ذى الرّمة:

بيضاء فى شفتيها حوّة لعس # و فى اللّثات و فى أنيابها شنب‏ (1)

قال: فقال الطائىّ:

*مستجمعين لى: التّوديع و العنما*

فجعل المنظر القبيح للتوديع، و التوديع لا يستقبح، و إنما يستقبح عاقبته و هى الفراق، و جعل المنظر الحسن الخضاب؛ و شبهه بالعنم، و لم يذكر الأنامل المخضّبة. و إنما سمع قول المجنون:

و يبدى الحصى منها إذا قذفت به # من البرد أطراف البنان المخضّب‏ (2)

قال: و هذا هو الأصل؛ استعاره الناس من بعد، فقال الشاعر:

النّشر مسك، و الوجوه دنا # نير، و أطراف الأكفّ عنم‏ (3)

و أغرب أبو نواس فى قوله:

تبكى فتذرى الدّرّ من طرفها # و تلطم الورد بعنّاب‏ (4)

قال. فلم يحسن هذا العلج أن يستعير شيئا من محاسن القائلين.

قال سيدنا أدام اللّه علوّه: و هذا غلط من ابن عمار و سفه على أبى تمام؛ لأن الكميت جمع بين شيئين متباعدين؛ و هما الدّل و هو الشكل و الحلاوة و حسن الهيئة، و الشّنب و هو برد الأسنان، و تطرّق عليه بذلك بعض العيب، و أبو تمام بين شيئين غير متفرّقين‏ (5) ، لأن التوديع إنما أشار به إلى ما أشارت إليه بإصبعها من وداعه عند الفراق، و شبّه مع ذلك أصابعها

____________

(1) ديوانه: 5. اللمى سمرة فى الشفة؛ و الحوة: حمرة فى الشفتين تضرب إلى السواد.

(2) البيت فى الأغانى 2: 20 (طبع دار الكتب المصرية) ، و قبله:

فلم أر ليلى بعد موقف ساعة # بخيف منى ترمى جمار المحصّب‏

.

(3) البيت للمرقش الأكبر (المفضليات: 238، طبعة المعارف) .

(4) ديوانه: 361.

(5) حاشية الأصل (من نسخة) : «مفترقين» .

256

بالعنم، و العنم نبت أغصانه غضة دقاق شبه الأصابع، و قيل: إن العنم واحدته عنمة؛ و هى العظاية الصغيرة البيضاء؛ و هى أشبه شي‏ء بالأصابع البيضاء الغضة؛ و هذا حكاه صاحب/ كتاب العين.

و قيل: إن العنم نبت له نور أحمر تشبّه به الأصابع المخضوبة، فوجه حسن قوله: «التوديع و العنم» أنّ التوديع كان بالإصبع التى تشبه العنم، فجمع بينهما بذلك؛ و لا حاجة به إلى ذكر الأنامل المخضّبة على ما ظنّ أبو العباس؛ بل ذكر المشبّه به أحسن و أفصح من أن يقول التوديع و الأنامل التى تشبه العنم.

فأما قوله: إن التوديع لا يستقبح؛ و إنما يستقبح عاقبته فخطأ؛ و مطالبة الشاعر بما لا يطالب بمثله الشعراء؛ لأن التوديع إذا كان منذرا بالفراق و بعد الدار و غيبة المحبوب لا محالة إنه مكروه مستقبح.

و قوله: مستقبح عاقبته صحيح، إلا أن ما يعقبه و يثمره لما كان عند حضوره متيقنا مذكورا عاد الإكراه و الاستقباح إليه. و نحن نعلم أن الناس يتكرهون و يستقبحون تناول الأشياء الملذة من الأغذية و غيرها إذا علموا ما فى عواقبها من المكروه؛ فإن من تقدّم إليه طعام مسموم و أعلم بذلك يتكرّهه و يستقبح تناوله لما يتوقعه من سوء عاقبته؛ و إن كان ملذا فى الحال؛ و لم نزل الشعراء تذكر كراهتها للوداع و هربها منه. لما يتصور فيه من‏ (1) ألم الفرقة، و غصص الوحشة (1) . و هذا معروف مشهور، و قد قال فيه أبو تمام:

أ آلفة النحيب كم افتراق # أظلّ فكان داعية اجتماع‏ (2)

و ليست فرحة الأوبات إلاّ # لموقوف على ترح الوداع‏

فجعل للوداع ترحا يقابل فرح الإياب، و هذا صحيح.

فأما قول جرير:

أ تنسى إذ تودّعنا سليمى # بفرع بشامة سقى البشام‏ (3)

____________

(1-1) حاشية الأصل (من نسخة) : «ألم الفرقة و غصص الاستيحاش» .

(2) ديوانه: 193.

(3) ديوانه: 512.

257

فإنه دعا للبشام-و هو شجر-بالسّقى؛ لأنها ودعته عنده، فسر بتوديعها، و قول الشاعر:

من يكن يكره الفراق فإنى # أشتهيه لموضع التّسليم‏

إنّ فيه اعتناقة لوداع # و انتظار اعتناقة لقدوم‏

فمن شأن الشعراء أن يتصرّفوا فى المعانى بحسب أغراضهم و قصودهم، فإذا رأى أحدهم مدح/شي‏ء قصد إلى أحسن أوصافه فذكرها، و أشار بها؛ حتى كأنه لا وصف له غير ذلك الوصف الحسن؛ و إذا أراد ذمّه قصد إلى أقبح أحواله فذكرها؛ حتى كأنه لا شي‏ء فيه غير ذلك؛ و كلّ مصيب بحسب قصده.

و لهذا ترى أحدهم يقصد إلى مدح الشيب فيذكر ما فيه من وقار و خشوع، و أن العمر معه أطول، و ما أشبه ذلك، و يقصد إلى ذمه فيصف ما فيه من الإدناء إلى الأجل، و أنه آخر الألوان و أبغضها إلى النساء؛ و ما أشبه ذلك؛ و هذه سبيلهم فى كل شي‏ء وصفوه؛ و لمدحهم موضعه، و لذمهم موضعه؛ فمن ذمّ الوداع لما فيه من الإنذار بالفراق و بعد الدار قد ذهب مذهبا صحيحا؛ كما أنّ من مدحه لما فيه من القرب من المحبوب و السرور بالنظر إليه-و إن كان يسيرا-قد ذهب أيضا مذهبا صحيحا.

و من غلط ابن عمار القبيح قوله بعد أن أنشد شعر المجنون، قال: و هذا هو الأصل، ثم استعاره الناس من بعد؛ فقال الشاعر:

النّشر مسك، و الوجوه دنا # نير، و أطراف الأكفّ عنم‏

و هذا الشعر للمرقّش الأكبر؛ و هو و المرقّش الأصغر جميعا كانا على عهد مهلهل بن ربيعة، و شهدا حرب بكر بن وائل، فكيف يكون قول المرقّش الأكبر بعد قول المجنون لو لا الغفلة!ـ

258

مجلس آخر 76

تأويل آية وَ إِذْ آتَيْنََا مُوسَى اَلْكِتََابَ وَ اَلْفُرْقََانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَ إِذْ آتَيْنََا مُوسَى اَلْكِتََابَ وَ اَلْفُرْقََانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ؛ [البقرة: 53]. فقال: كيف يكون ذلك، و الفرقان هو القرآن، و لم يؤت موسى القرآن، و إنما اختصّ به محمد صلى اللّه عليه و آله؟

الجواب، قلنا: قد ذكر فى ذلك وجوه:

أولها أن يكون الفرقان بمعنى الكتاب المتقدم ذكره؛ و هو التوراة، فلا يكون هاهنا اسما للفرقان المنزل على محمد صلى اللّه عليه و آله، و يحسن نسقه على الكتاب لمخالفته للفظه؛ كما قال تعالى: اَلْكِتََابَ وَ اَلْحِكْمَةَ ؛ [البقرة: 151]، و إن كانت الحكمة مما يتضمنها الكتاب، و كتب اللّه تعالى كلها فرقان، يفرق بين الحق و الباطل، و الحلال/و الحرام.

و يستشهد على هذا الوجه بقول طرفة:

فما لى أرانى و ابن عمّى مالكا # متى أدن منه ينأ عنّى و يبعد (1)

فنسق «يبعد» على «ينأ» و هو بعينه، و حسّن ذلك اختلاف اللفظين. و قال عدى بن زيد:

و قدّمت الأديم لراهشيه # و ألفى قولها كذبا و مينا (2)

و المين الكذب.

و ثانيها أن يكون الكتاب عبارة عن التوراة، و الفرقان انفراق البحر الّذي أوتيه موسى عليه السلام.

____________

(1) من المعلقة ص 86-بشرح التبريزى.

(2) حاشية الأصل: «يعنى الزباء و جذيمة، و الراهشان: عرقان فى الذراعين، و الأديم: النطع، و كانت قد وعدته بأن تتزوجه، ثم غدرت به فقتلته على نطع، و هو الأديم الّذي ذكره» .

259

و ثالثها أن يراد بالفرقان الفرق بين الحلال و الحرام، و الفرق بين موسى و أصحابه المؤمنين و بين فرعون و أصحابه الكافرين؛ لأنّ اللّه تعالى قد فرق بينهم فى أمور كثيرة؛ منها أنه نجّى هؤلاء و أغرق أولئك.

و رابعها أن يكون الفرقان المراد به القرآن المنزّل على نبينا صلى اللّه عليه و آله؛ و يكون المعنى فى ذلك: و آتينا موسى التوراة و التصديق و الإيمان بالفرقان الّذي هو القرآن؛ لأن موسى عليه السلام كان مؤمنا بمحمد صلى اللّه عليه و آله و ما جاء به، و مبشرا ببعثته. و ساغ حذف القبول و الإيمان و التصديق و ما جرى مجراه و إقامة الفرقان مقامه؛ كما ساغ فى قوله تعالى:

وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ ؛ [يوسف: 82]، و هو يريد أهل القرية.

و خامسها أن يكون المراد الفرقان القرآن، و يكون تقدير الكلام: وَ إِذْ آتَيْنََا مُوسَى اَلْكِتََابَ الّذي هو التوراة، وَ آتينا محمدا اَلْفُرْقََانَ ، فحذف ما حذف مما يقتضيه الكلام؛ كما حذف الشاعر فى قوله:

تراه كأنّ اللّه يجدع أنفه # و عينيه إن مولاه كان له وفر (1)

أراد: و يفقأ عينيه؛ لأن الجدع لا يكون بالعين؛ و اكتفى بـ «يجدع» من «يفقأ» .

و قال الشاعر:

تسمع للأحشاء منه لغطا # و لليدين جسأة و بددا

أى و ترى لليدين؛ لأنّ الجسأة و البدد (2) لا يسمعان و إنما يريان.

و قال الآخر:

علفتها تبنا و ماء باردا # حتّى شتت همّالة عيناها (3)

أراد و سقيتها ماء باردا، فدلّ علفت على سقيت.

____________

(1) البيت فى (الحيوان 6: 40) و نسبه إلى خالد بن الطيفان؛ و الرواية فيه:

تراه كأنّ اللّه يجدع أنفه # و أذنيه إن مولاه ثاب له وفر

.

(2) الجسأ: اليبس، و البدد: تباعد ما بين اليدين أو الفخذين.

(3) البيت من شواهد النحاة فى باب المفعول معه على أنه إذا لم يمكن عطف الاسم الواقع بعد الواو على ما قبله تعين النصب على المعية، أو على إضمار فعل يليق به. و هو فى ابن عقيل 1: 524، غير منسوب.

260

و قال الآخر (1) :

يا ليت بعلك قد غدا # متقلّدا سيفا و رمحا

أراد حاملا رمحا.

و وجدت أبا بكر بن الأنبارىّ يقول: إن الاستشهاد بهذه الأبيات لا يجوز على هذا الوجه؛ لأنّ الأبيات اكتفى فيها بذكر فعل عن ذكر فعل غيره، و الآية اكتفى فيها باسم دون اسم‏

و الأمر و إن كان على ما قاله فى الاسم و الفعل؛ فإن موضع الاستشهاد صحيح؛ لأن الاكتفاء فى الأبيات بفعل عن فعل إنما حسن من حيث دلّ الكلام على المحذوف و المضمر و اقتضاه، فحذف تعويلا على أن المراد مفهوم غير ملتبس و لا مشتبه.

و هذا المعنى قائم فى الآية، و إن كان المحذوف اسما؛ لأن اللبس قد زال، و الشبهة قد أمنت فى المراد بها؛ فحسن الحذف؛ لأن الفرقان إذا كان اسما للقرآن؛ و كان من المعلوم أن القرآن إنما أنزل على نبينا صلى اللّه عليه و آله دون موسى عليه السلام استغنى عن ان يقال: و آتينا محمدا الفرقان؛ كما استغنى الشاعر أن يقول: و يفقأ عينيه، و ترى لليدين جسأة و بددا، و ما شاكل ذلك.

إلا أنه يمكن أن يقال فيما استشهد به فى جميع الأبيات مما لا يمكن أن يقال مثله فى الآية؛ و هو أنّه يقال: لا محذوف، و لا تقدير لفعل مضمر؛ بل الكلام فى كلّ بيت منها محمول على المعنى؛ و معطوف عليه؛ لأنه لما قال:

*تراه كأنّ اللّه يجدع ألفه*

و كان معنى الجدع هو الإفساد للعضو و التشويه به عطف على المعنى، فقال: «و عينيه» فكأنه قال: كأنّ اللّه يجدع أنفه، أى يفسده و يشوّهه، ثم قال: «و عينيه» . و كذلك لما كان السامع للغط من الأحشاء عالما به عطف على المعنى فقال: «و لليدين جسأة و بددا» ؛ أى أنّه يعلم هذا و ذاك معا؛ و كذلك لما كان فى قوله: «علفت» معنى غذيت عطف عليه الماء؛ لأنه مما

____________

(1) هو عبد اللّه بن الزبعرى، كما فى حواشى ابن الفوطية على الكامل 189 ليبسك. و انظر حواشى شرح المرزوقى للحماسة 1147.

261

يغتذى به؛ و كذلك لما كان المتقلّد للسيف حاملا له جاز أن يعطف عليه الرمح المحمول.

و هذا أولى فى الطعن على الاستشهاد بهذه الأبيات مما ذكره ابن الأنبارىّ.

***

أخبرنا أبو الحسن على بن محمد الكاتب قال أخبرنا محمد بن يحيى الصولىّ قال أخبرنا يحيى بن على بن يحيى/المنجم قال أخبرنا أحمد بن يحيى بن جابر البلاذرىّ عن الهيثم بن عدىّ قال: لما دخل خالد بن صفوان الأهتمىّ‏ (1) على هشام بن عبد الملك-و ذلك بعد عزله خالد ابن عبد اللّه القسرىّ-قال: فألفيته جالسا على كرسىّ فى بركة ماؤها إلى الكعبين، فدعا لى بكرسىّ فجلست عليه؛ فقال يا خالد، ربّ خالد جلس مجلسك كان ألوط بقلبى، و أحبّ إلى منك! فقلت: يا أمير المؤمنين؛ إنّ حلمك لا يضيق عنه، فلو صفحت عن جرمه!فقال: يا خالد؛ إنّ خالدا أدلّ فأملّ، و أوجف فأعجف؛ و لم يدع لراجع مرجعا، و لا لعودة موضعا. ثم قال: أ لا أخبرك عنه يا ابن صفوان!قلت: نعم، قال: إنه ما بدأنى بسؤال حاجة مذ قدم العراق حتى أكون أنا الّذي أبدؤه بها، قال خالد: فذاك أحرى أن ترجع إليه، فقال متمثلا:

إذا انصرفت نفسى عن الشّي‏ء لم تكد # إليه بوجه آخر الدّهر تقبل‏ (2)

ثم قال: حاجتك يا ابن صفوان، قلت: تزيدنى فى عطائى عشرة دنانير، فأطرق ثم قال:

و لم؟و فيم؟العبادة أحدثتها فنعينك عليها، أم لبلاء حسن أبليته عند أمير المؤمنين؟ أم لما ذا يا ابن صفوان؟إذا يكثر السؤال، و لا يحتمل ذلك بيت المال. قال: فقلت:

يا أمير المؤمنين؛ وفّقك اللّه و سدّدك، أنت و اللّه كما قال أخو خزاعة:

إذا المال لم يوجب عليك عطاءه # قرابة قربى، أو صديق توامقه‏ (3)

منعت-و بعض المنع حزم و قوّة- # و لم تفتلتك المال إلاّ حقائقه‏

____________

(1) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «الأهتم» .

(2) البيت لمعن بن أوس، و هو فى الحماسة 1131- بشرح المرزوقى.

(3) البيتان لكثير؛ و هما فى ديوانه 2: 83، و الأغانى 11: 192 (طبعة الدار) و أمالى القالى 2: 88، و توامقه، توده؛ مفاعلة من الموامقة؛ و تفتلتك، أى يخرجه من يدك و قبضتك.

262

فلما قدم خالد البصرة، قيل له: ما الّذي حملك على تزيين الإمساك له؟قال: أحببت أن يمنع غيرى كما منعنى، فيكثر من يلومه.

قال سيدنا أدام اللّه علوّه: و كان خالد مشهورا بالبلاغة و حسن العبارة.

***

و بالإسناد المتقدم عن المدائنىّ قال: قال حفص بن معاوية بن عمرو الغلابىّ، قلت لخالد: يا أبا صفوان، إنى لأكره أن تموت و أنت من أيسر أهل البصرة فلا يبكيك إلا الإماء، قال: فابغنى امرأة، قلت: صفها لى أطلبها لك، قال: أريد بكرا كثيّب، أو ثيّبا كبكر، /لا ضرعا صغيرة، و لا مسنّة كبيرة؛ لم تقرأ فتجبن‏ (1) ، و لم تفتّ‏ (2) فتمجن؛ قد نشأت فى نعمة، و أدركتها خصاصة، فأدّبها الغنى، و أذلّها الفقر، حسبى من جمالها أن تكون فخمة من بعيد، مليحة من قريب؛ و حسبى من حسنها أن تكون واسطة قومها، ترضى منى بالسّنة؛ إن عشت أكرمتها، و إن متّ ورّثتها، لا ترفع رأسها إلى السماء نظرا، و لا تضعه إلى الأرض سقوطا. فقلت: يا أبا صفوان؛ إنّ الناس فى طلب هذه مذ زمان طويل فما يقدرون عليها.

و كان يقول: إن المرأة لو خفّ محملها، و قلّت مئونتها ما ترك اللئام فيها للكرام بيتة ليلة؛ و لكن ثقل محملها، و عظمت مئونتها فاجتباها الكرام، و حاد عنها اللئام.

و كان خالد من أشحّ الناس و أبخلهم؛ كان إذا أخذ جائزة أو غيرها قال للدرهم:

أما و اللّه لطالما أغرت فى البلاد و أنجدت؛ و اللّه لأطيلن ضجعتك، و لأديمنّ صرعتك.

و سأله رجل من بنى تميم فأعطاه دانقا، فقال: يا سبحان اللّه!أ تعطى مثلى دانقا!فقال له: لو أعطاك كلّ رجل من بنى تميم مثل ما أعطيتك لرحت ذا مال عظيم.

و سأله رجل، فأعطاه درهما فاستقلّه، فقال: يا أحمق، أ ما علمت أنّ الدرهم عشر العشرة، و العشرة عشر المائة، و المائة عشر الألف، و الألف عشر دية مسلم!و كان يقول: و اللّه ما تطيب نفسى بإنفاق درهم إلا درهما قرعت به باب الجنة، أو درهما اشتريت به موزا.

____________

(1) من نسخة بحاشية ف: «فتحنن» ، و انظر عيون الأخبار 4: 5.

(2) حاشية الأصل: «لم تفت من الفتوة» .

263

و قال: لأن يكون لى ابن يحب الخمر أحبّ إلى من أن يكون لى ابن يحبّ اللحم؛ لأنه متى طلب اللحم وجده، و الخمر يفقده أحيانا.

و كان يقول: من كان ماله كفافا فليس بغنىّ و لا فقير؛ لأن النائبة إذا نزلت به أجحفت بكفافه؛ و من كان ماله دون الكفاف فهو فقير، و من كان ماله فوق الكفاف فهو غنىّ.

و كان يقول: لأن يكون لأحدكم جار يخاف أن ينقب عليه بيته خير من أن يكون له جار من التجار؛ لا يشاء أن يعطيه مالا و يكتب به عليه صكّا إلا فعل.

264

مجلس آخر 77

تأويل آية إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ اَلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ، وَ لََكِنَّ اَلظََّالِمِينَ/بِآيََاتِ اَللََّهِ يَجْحَدُونَ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ اَلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ، وَ لََكِنَّ اَلظََّالِمِينَ/بِآيََاتِ اَللََّهِ يَجْحَدُونَ ؛ [الأنعام: 33].

فقال: كيف يخبر عنهم بأنهم لا يكذّبون نبيّه عليه السلام، و معلوم منهم إظهار التكذيب، و العدول عن الاستجابة و التصديق، و كيف ينفى عنهم التكذيب ثم يقول:

إنهم بآيات اللّه يجحدون؟و هل الجحد بآيات اللّه إلا تكذيب نبيه عليه السلام!

الجواب، قلنا: قد ذكر فى هذه الآية وجوه:

أولها أن يكون إنما نفى تكذيبهم بقلوبهم تدينا و اعتقادا، و إن كانوا يظهرون بأفواههم التكذيب؛ لأنّا نعلم أنه قد كان فى المخالفين له عليه السلام من يعلم صدقه، و لا ينكر بقلبه حقّه؛ و هو مع ذلك معاند؛ فيظهر خلاف ما يبطن، و قد قال تعالى: وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ اَلْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ ؛ [البقرة: 146].

و مما يشهد لهذه الوجه من طريق الرواية ما رواه سلاّم بن مسكين عن أبى يزيد المدنىّ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لقى أبا جهل فصافحه أبو جهل، فقيل له: يا أبا الحكم، أ تصافح هذا الصّبيّ؟فقال: و اللّه إنى لأعلم أنه نبىّ؛ و لكن متى كنا تبعا لبنى عبد مناف!فأنزل اللّه تعالى الآية.

و فى خبر آخر أن الأخنس بن شريق خلا بأبي جهل، فقال له: يا أبا الحكم، أخبرنى عن محمد صلى اللّه عليه و آله، أصادق هو أم كاذب!فإنه ليس هاهنا من قريش أحد غيرى و غيرك يسمع كلامنا، فقال له أبو جهل: ويحك!و اللّه إنّ محمدا لصادق، و ما كذب‏

265

محمد قط؛ و لكن إذا ذهب بنو قصىّ باللواء و الحجابة و السّقاية و النّدوة و النبوّة، ما ذا يكون لسائر قريش!

و الوجه الثانى أن يكون معنى: فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ أى لا يفعلون ذلك بحجة، و لا يتمكون من إبطال ما جئت به ببرهان؛ و إنما يقتصرون على الدعوى الباطلة؛ و هذا فى الاستعمال معروف؛ لأنّ القائل يقول: فلان لا يستطيع أن يكذّبنى و لا يدفع قولى؛ و إنما يريد أنه لا يتمكّن من إقامة دليل على كذبه، و حجة فى دفع قوله؛ و إن كان يتمكن من التكذيب بلسانه و قلبه، فيصير ما يقع من التكذيب من غير حجّة و لا برهان غير معتد به.

و روى عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام أنه قرأ هذه الآية بالتخفيف: فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ ، و يقول: أنّ المراد بها أنهم/لا يأتون بحق هو أحقّ من حقك.

و قال محمد بن كعب القرظىّ: معناها لا يبطلون ما فى يديك؛ و كل ذلك يقوّى هذا الوجه؛ و سنبيّن أنّ معنى هذه اللفظة مشدّدة يرجع إلى معناها مخففة.

و الوجه الثالث أن يكون معنى الآية أنهم لا يصادفونك و لا يلفونك متقوّلا؛ كما يقولون:

قاتلته فما أجبنته، أى ما وجدته جبانا، و حادثته فما أكذبته؛ أى لم ألفه كاذبا؛ و قال الأعشى:

أثوى و قصّر ليلة ليزوّدا # فمضى و أخلف من قتيلة موعدا (1)

أراد أنه صادف منها خلفا المواعيد، و مثله قولهم: أصممت القوم؛ إذا صادفتهم صما، و أخليت الموضع، إذا صادفته خاليا؛ قال الشاعر:

أبيت مع الحدّاث ليلى فلم أبن # فأخليت فاستجمعت عند خلائيا

أى أصبت مكانا خاليا.

____________

(1) ديوانه: 150.

266

و مثله لهيمان بن أبى قحافة:

يسنّ أنيابا له لوامجا (1) # أوسعن من أشداقه المضارجا (2)

يعنى بـ «أوسعن» أصبن منابت واسعة فنبتن فيها.

و قال عمرو بن براق:

تحالف أقوام عليّ ليسمنوا # و جرّوا عليّ الحرب إذ أنا سائم‏ (3)

يقال: أسمن بنو فلان، إذا رعت إبلهم فصادفوا فيها سمنا.

و قال أبو النجم:

مستأسدا ذبابه فى غيطل # يقلن للرائد أعشبت انزل‏ (4)

أى أصبت مكانا معشبا.

و قال ذو الرّمة:

تريك بياض لبّتها و وجها # كقرن الشّمس أفتق ثمّ زالا (5)

أى وجد فتقا من السحاب.

و ليس لأحد أن يجعل هذا الوجه مختصا بالقراءة بالتخفيف دون التشديد؛ لأن فى الوجهين معا يمكن هذا الجواب، لأن «أفعلت» و «فعلت» يجوزان فى هذا الموضع، و «أفعلت» بالتخفيف هو الأصل ثم شدد تأكيدا و إفادة لمعنى التكرار؛ و هذا مثل أكرمت و كرّمت، و أعظمت و عظّمت، و أوصيت و وصّيت، و أبلغت و بلّغت؛ و هو كثير/؛ قال اللّه تعالى:

فَمَهِّلِ اَلْكََافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [الطارق: 17]؛ إلا أن التخفيف أشبه بهذا الوجه؛ لأن استعمال هذه اللفظة مخففة فى هذا المعنى أكثر.

و الوجه الرابع ما حكى الكسائىّ من قوله: إن المراد أنهم لا ينسبونك إلى الكذب فيما أثبت به؛ لأنه كان أمينا صادقا لم يجرّبوا عليه كذبا؛ و إنما كانوا يدفعون ما أتى به، و يدّعون أنه فى نفسه كذب؛ و فى الناس من يقوّى هذا الوجه، و أن القوم كانوا يكذّبون ما أتى به، و إن

____________

(1) اللمج: الأكل.

(2) المضارج: الثياب المشقوقة؛ و البيت فى اللسان (ضرج) .

(3) البيت فى الأغانى 21: 114.

(4) الطرائف الأدبية 59.

(5) ديوانه 434.

267

كانوا يصدقونه فى نفسه بقوله تعالى: وَ لََكِنَّ اَلظََّالِمِينَ بِآيََاتِ اَللََّهِ يَجْحَدُونَ ؛ و بقوله تعالى: وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَ هُوَ اَلْحَقُّ ؛ [الأنعام: 66]؛ و لم يقل: و كذّبك قومك. و كان الكسائىّ يقرأ: فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ بالتخفيف و نافع من بين سائر السبعة، و الباقون على التشديد؛ و يزعم أنّ بين أكذبه و كذّبه فرقا، و أن معنى أكذب الرجل، أنه جاء بكذب، و معنى كذّبته أنه كذاب فى كل حديثه. و هذا غلط و ليس بين «فعّلت» و «أفعلت» فى هذه الكلمة فرق من طريق المعنى أكثر مما ذكرناه من أنّ التشديد يقتضي التكرار و التأكيد، و مع هذا لا يجوز أن يصدّقوه فى نفسه، و يكذّبوا بما أتى به؛ لأن من المعلوم أنه عليه السلام كان يشهد بصحة ما أتى به و صدقه، و أنه الدين القيم، و الحق الّذي لا يجوز العدول عنه؛ فكيف يجوز أن يكون صادقا فى خبره و كان الّذي أتى به فاسدا!بل إن كان صادقا فالذى أتى به حقّ صحيح، و إن كان الّذي أتى به فاسدا؛ فلا بد من أن يكون فى شي‏ء من ذلك كاذبا؛ و هو تأويل من لا يتحقق المعانى.

و الوجه الخامس أن يكون المعنى فى قوله تعالى: فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ أن تكذيبك راجع إلى، و عائد عليّ؛ و لست المختص به؛ لأنه رسول فمن كذبه فهو فى الحقيقة مكذّب للّه تعالى و رادّ عليه. و هذا كما يقول أحدنا لرسوله: امض فى كذا فمن كذّبك فقد كذبنى، و من دفعك فقد دفعنى؛ و ذلك من اللّه على سبيل التسلية لنبيه عليه السلام؛ و التعظيم و التغليظ لتكذيبه.

و الوجه السادس أن يريد: فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ فى الأمر الّذي يوافق فيه تكذيبهم، و إن كذبوك فى غيره.

و يمكن فى الآية وجه سابع، و هو أن يريد تعالى أن جميعهم لا يكذبونك و إن كذّبك بعضهم؛ فهم الظالمون الذين ذكروا فى آخر الآية بأنهم يجحدون بآيات اللّه؛ و إنما سلّى نبيه عليه السلام بهذا القول و عزّاه؛ فلا ينكر أن يكون موسى عليه السلام لما استوحش من تكذيبهم له و تلقيهم إياه بالرد؛ و ظن أنه لا متّبع له منهم، و لا ناصر لدينه فيهم أخبره‏

268

اللّه تعالى بأنّ البعض و إن كذبك فإن فيهم من يصدقك و يتبعك و ينتفع بإرشادك و هدايتك؛ و كل هذا واضح و المنة للّه.

***

قال سيدنا أدام اللّه علوّه: و من جيد الشعر قول مطرود بن كعب الخزاعىّ:

يا أيّها الرّجل المحوّل رحله # ألاّ نزلت بآل عبد مناف! (1)

هبلتك أمّك لو نزلت عليهم # ضمنوك من جوع و من إقراف‏ (2)

الآخذون العهد من آفاقها # و الرّاحلون لرحلة الإيلاف‏

و المطعمون إذا الرّياح تناوحت # و رجال مكّة مسنتون عجاف‏

و المفضلون إذا المحول ترادفت # و القائلون هلمّ للأضياف‏

و الخالطون غنيّهم بفقيرهم # حتى يكون فقيرهم كالكافي‏ (3)

كانت قريش بيضة فتفلّقت # فالمحّ خالصة لعبد مناف‏ (4)

____________

(1) معجم الشعراء 375، و سيرة ابن هشام 1: 117 (على حاشية روض الأنف) ؛ و ذكر أنه رثى بها عبد المطلب بن عبد مناف؛ و فى معجم الشعراء: «هلا حللت» ، و فى ابن هشام: «هلا سألت عن آل عبد مناف» .

(2) قال السهيلىّ فى شرح هذا البيت: «أى منعوك من أن تنكح بناتك أو أخواتك من لئيم؛ فيكون الابن مقرفا للؤم أبيه و كرم أمه؛ فيلحقك وصم من ذلك؛ و نحو منه قول مهلهل:

أنكحها فقدها الأراقم فى # جنب، و كان الحباء من أدم‏

أى أنكحت لغربتها من غير كف‏ء» .

(3) الكافى: الغنىّ الّذي يكفى غيره.

(4) البيت فى اللسان (مح) ، و السيرة 1: 94 و ابن أبى الحديد 3: 453، و العينى 4: 140 منسوب إلى ابن الزبعرى. و المح: صفرة البيض؛ كالمحة. و خالصة: مصدر؛ و فى حاشية الأصل (من نسخة) : «خالصها» ؛ و هى رواية اللسان. و زاد فى رواية ابن هشام:

إمّا هلكت-أبا الفعال-فما جرى # من فوق مثلك عقد ذات نطاف‏

إلاّ أبيك أخى المكارم وحده # و الفيض مطّلب أبى الأضياف‏

.

269

أما قوله:

*و الراحلون لرحلة الإيلاف*

فكان هاشم صاحب إيلاف قريش للرحلتين و أول من سنهما، فألفوا الرحلتين: فى الشتاء إلى اليمن و الحبشة و العراق، و فى الصيف إلى الشام. و فى ذلك يقول ابن الزّبعرى:

عمرو العلا هشم الثريد لقومه # و رجال مكّة مسنتون عجاف‏ (1)

و هو الّذي سنّ الرّحيل لقومه # رحل الشّتاء و رحلة (2) الأضياف‏

فأما «المسنتون» فهم الذين أصابتهم السنة المجدبة الشديدة.

و قوله:

*و الخالطون غنيّهم بفقيرهم*

من أحسن الكلام و أخصره؛ و إنما أراد أنهم يفضلون على الفقير حتى يعود غنيا/ ذا ثروة.

و لأحمد بن يوسف أبيات على هذا الوزن يمزح بها مع ولد سعيد بن سلم الباهلىّ، و كان لهم صديقا:

أ بني سعيد إنّكم من معشر # لا يعرفون كرامة الأضياف‏ (3)

قوم لباهلة بن يعصر إن هم # نسبوا حسبتهم لعبد مناف‏

قرنوا الغداء إلى العشاء و قرّبوا # زادا لعمر أبيك ليس بكاب‏

و كأنّنى لمّا حططت إليهم # رحلى نزلت بأبرق العزّاف‏ (4)

بينا كذلك إذ أتى كبراؤهم # يلحون فى التّبذير و الإسراف‏

____________

(1) سيرة ابن هشام 1: 94، و العينى 1: 140، و ابن أبى الحديد 3: 453.

(2) حاشية الأصل (من نسخة) : «برحلة» .

(3) الأبيات فى معجم البلدان 1: 78، روى عن المبرد أنه عزاها لرجل يهجو بنى سعد بن قتيبة الباهلى.

(4) أبرق العزاف: ماء لبنى أسد بن خزيمة بن مدركة. و فى حاشية الأصل: «مغارة بعينها» .

270

أراد بقوله: «قرنوا الغداء إلى العشاء» من بخلهم و اختصارهم فى المطعم؛ و يقال: إنّ هذا الشعر حفظ و صار من أكثر ما يسبّون به و يسبّ قومهم؛ و لرب مزح جرّ جدّا، و عثرة الشعر لا تستقال؛ و الشعر يسير بحسب جودته.

و لقد أحسن دعبل بن على فى قوله:

نعونى و لمّا ينعنى غير شامت # و غير عدوّ قد أصيبت مقاتله‏ (1)

يقولون إن ذاق الرّدى مات شعره # و هيهات عمر الشّعر طالت طوائله!

سأقضى ببيت يحمد النّاس أمره # و يكثر من أهل الرّواية حامله‏

يموت رديّ الشّعر من قبل ربّه # و جيّده يبقى؛ و إن مات قائله‏ (2)

و لآخر فى هذا المعنى‏ (3) :

لا تعرضنّ بمزح لامرئ فطن # ما راضه قلبه أجراه فى الثّبت‏ (4)

فربّ قافية بالمزح جارية # مشئومة لم يرد إنماؤها نمت‏

إنّى إذا قلت بيتا مات قائله # و من يقال له و البيت لم يمت‏

____________

(1) الأبيات فى الكامل 4: 111-بشرح المرصفى، و الموشح: 381.

(2) حاشية الأصل (من نسخة) : «إذا مات» .

(3) من أبيات فى (الكامل 4: 110-111 بشرح المرصفى) ؛ و نسبها أيضا لدعبل؛ و أولها:

أحببت قومى و لم أعدل لحبّهم # قالوا: تعصبت جهلا، قول ذى بهت‏

.

(4) الثبت: الدرج؛ و فى حاشية الأصل (من نسخة) : «الشفة» ؛ و هى رواية الكامل.

271

مجلس آخر 78

تأويل آية أخرى‏ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاََّ أَنْ قََالُوا وَ اَللََّهِ رَبِّنََا مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ. `اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ/وَ ضَلَّ عَنْهُمْ مََا كََانُوا يَفْتَرُونَ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاََّ أَنْ قََالُوا وَ اَللََّهِ رَبِّنََا مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ. `اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ/وَ ضَلَّ عَنْهُمْ مََا كََانُوا يَفْتَرُونَ ؛ [الأنعام: 23، 24]و عن قوله تعالى: وَ لَوْ تَرى‏ََ إِذْ وُقِفُوا عَلَى اَلنََّارِ فَقََالُوا يََا لَيْتَنََا نُرَدُّ وَ لاََ نُكَذِّبَ بِآيََاتِ رَبِّنََا وَ نَكُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ. `بَلْ بَدََا لَهُمْ مََا كََانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَ لَوْ رُدُّوا لَعََادُوا لِمََا نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ ؛ [الأنعام: 27، 28].

فقال: كيف يقع من أهل الآخرة نفى الشرك عن أنفسهم، و القسم باللّه تعالى عليه و هم كاذبون فى ذلك؛ مع أنهم عندكم فى تلك الحال لا يقع منهم شي‏ء من القبيح لمعرفتهم باللّه تعالى ضرورة؛ و لأنهم ملجئون هناك إلى ترك جميع القبائح، و كيف قال من بعد: وَ لَوْ رُدُّوا لَعََادُوا لِمََا نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ فشهد عليهم بالكذب، ثم علّقه بما لا يصح فيه معنى الكذب و هو التمنى؛ لأنهم تمنوا و لم يخبروا!

الجواب، قلنا: أول ما نقوله: إنه ليس فى ظاهر الآية ما يقتضي أن قولهم: مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ إنما وقع فى الآخرة دون الدنيا؛ و إذا لم يكن ذلك فى الظاهر جاز أن يكون الإخبار يتناول حال الدنيا، و سقطت المسألة؛ و ليس لأحد أن يتعلّق فى وقوع ذلك فى الآخرة بقوله تعالى قبل الآية: وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكََاؤُكُمُ اَلَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام: 22]؛ و أنه عقّب ذلك بقوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ؛ فيجب أن يكون الجميع مختصا بحال الآخرة؛ لأنه لا يمنع أن تكون الآية تتناول ما يجرى فى الآخرة، ثم تتلوها آية تتناول ما يجرى فى الدنيا؛ لأن مطابقة كل آية لما قبلها فى مثل هذا

272

غير واجبة، و قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ لا تدلّ أيضا على أن ذلك يكون واقعا بعد ما خبر تعالى عنه فى الآية الأولى؛ فكأنه تعالى قال على هذا الوجه: إنا نحشرهم فى الآخرة و نقول: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون؟و ما كان فتنتهم و سبب ضلالهم فى الدنيا إلا قولهم:

وَ اَللََّهِ رَبِّنََا مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ .

و قد قيل فى الآية-على تسليم أنّ هذا القول يقع منهم فى الآخرة-: إنّ المراد به أنا ما كنا عند نفوسنا و فى اعتقادنا مشركين؛ بل كنا نعتقد أنا على الحق و الهدى، و قوله تعالى من بعد:

اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ لم يرد هذا الخبر الّذي وقع منهم فى الآخرة؛ بل إنهم كذبوا على أنفسهم فى دار الدنيا بإخبارهم/أنهم مصيبون محقّون غير مشركين؛ و ليس فى الظاهر إلا أنهم كذبوا على أنفسهم من غير تخصيص بوقت؛ فلم يحمل على آخرة دون دنيا.

و لو كان للآية ظاهر يقتضي وقوع ذلك فى الآخرة لحملناه على الدنيا؛ بدلالة أن أهل الآخرة لا يجوز أن يكذبوا لأنهم ملجئون إلى ترك القبيح.

فأما قوله تعالى حاكيا عنهم: يََا لَيْتَنََا نُرَدُّ و قوله تعالى: فإنّهم لَكََاذِبُونَ فمن الناس من حمل الكلام كله على وجه التمنى؛ فصرف قوله تعالى: وَ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ إلى غير الأمر الّذي تمنوه؛ (1) لأن التمنى لا يصح معه الصدق و الكذب‏ (1) ؛ لأنهما إنما يدخلان فى الأخبار المحضة؛ لأن قول القائل: ليت اللّه رزقنى ولدا؛ و ليت فلانا أعطانى مالا أفعل به كذا و كذا لا يكون كذبا و لا صدقا؛ وقع ما تمناه أو لم يقع؛ فيجوز على هذا أن يكون قوله تعالى: وَ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ مصروفا إلى حال الدنيا، كأنه تعالى قال: و هم كاذبون فيما يخبرون به عن أنفسهم فى الدنيا من الإضافة و اعتقاد الحق؛ أو يريد أنّهم كاذبون أن خبّروا (2) عن أنفسهم أنهم متى ردوا آمنوا و لم يكذبوا؛ و إن كان ما كان مما حكى عنهم من التمنى ليس بخبر.

____________

(1-1) حاشية الأصل (من نسخة) ؛ «لأن التمنى لا يصح فيه معنى الصدق و الكذب» .

(2) حاشية الأصل (من نسخة) : «أن يخبروا» .

273

و قد يجوز أيضا أن يحمل قوله تعالى: وَ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ على غير الكذب الحقيقىّ؛ بل يكون المراد و المعنى أنهم تمنوا ما لا سبيل إليه فكذب‏ (1) أملهم و تمنّيهم؛ و هذا مشهور فى الكلام؛ لأنهم يقولون لمن تمنى ما لا يدرك: كذب أملك، و أكدى رجاؤك؛ و ما جرى مجرى ذلك؛ قال الشاعر:

كذبتم و بيت اللّه لا تأخذونها # مراغمة ما دام للسّيف قائم‏

و قال آخر:

كذبتم و بيت اللّه لا تنكحونها # بنى شاب قرناها تصرّ و تحلب‏ (2)

و لم يرد الكذب فى الأقوال؛ بل فى التمنى و الأمل.

و ليس لأحد أن يقول: كيف يجوز من أهل الآخرة مع معارفهم الضرورية، و أنهم عالمون بأنّ الرجوع إلى الدنيا لا سبيل إليه أن يتمنوه؛ و ذلك أنه غير ممتنع أن يتمنى المتمنّى ما يعلم أنّه لا يحصل و لا يقع؛ و لهذا يتعلّق التمنى للشي‏ء/بألاّ يكون ما قد كان. و لقوّة اختصاص التمنى بما يعلم أنه لا يكون غلط قوم فجعلوا إرادة ما علم المريد أنه لا يكون تمنيا؛ فهذا الّذي ذكرناه وجه فى تأويل الآية.

و فى الناس من يجعل بعض الكلام تمنّيا و بعضه إخبارا، و علّق تكذيبهم بالخبر دون لَيْتَنََا ؛ فكان تقدير الآية: يا ليتنا نرد-و هذا هو التمنى-ثم قال من بعد: فإنّا لاََ نُكَذِّبَ بِآيََاتِ رَبِّنََا وَ نَكُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ ، فأخبروا بما علم اللّه تعالى أنهم فيه كاذبون؛ و إن لم يعلموا من أنفسهم مثل ذلك؛ فلهذا كذّبهم اللّه تعالى. و كل هذا واضح.

***

أخبرنا أبو عبيد اللّه المرزبانىّ قال حدثنى أحمد بن عبد اللّه، و عبد اللّه بن يحيى العسكريّان‏ (3) قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزىّ قال حدثنا أبو بكر محمد بن عبد اللّه العبدىّ قال حدثنا

____________

(3) حاشية الأصل (من نسخة) : «فكذب أملهم» بالتشديد.

(1) البيت فى اللسان (قرن) ، و سيبويه 1: 259، 2: 65؛ و شاب قرناها: لقب لامرأة.

(2) حاشية الأصل (من نسخة) : «العسكرى» .

274

أبو مسعر (1) -رجل منا من بنى غنم بن عبد القيس-قال: ورد (2) منصور بن سلمة النّمرىّ على البرامكة، و هو شيخ كبير-و كان مروان بن أبى حفصة صديقا لى؛ على أنى كنت أبغضه و أمقته فى اللّه-فشكا إلى و قال: دخل علينا اليوم رجل أظنه شاميا-و قد تقدمته البرامكة فى الذكر عند الرشيد-فأذن له، فدخل فسلّم و أجاد، فأذن له الرشيد، فجلس. قال:

فأوجست منه خوفا فقلت: يا نفس، أنا حجازىّ نجدى شافهت العرب و شافهتنى، و هذا شامىّ؛ أ فتراه أشعر منى!قال: فجعلت أرفو (3) نفسى إلى أن استنشده هارون؛ فإذا هو و اللّه من أفصح الناس، فدخلنى له حسد؛ قال: فأنشده قصيدة تمنيت أنها لي؛ و أنّ عليّ غرما، فقلت له: ما هى؟قال: أحفظ منها أبياتا، و هى:

أمير المؤمنين إليك خضنا # غمار الموت من بلد شطير

بخوص كالأهلّة جانفات # تميل على السّرى و على الهجير

حملن إليك آمالا عظاما # و مثل الصخر و الدّرّ النّثير

فقد وقف المديح بمنتهاه # و غايته و صار إلى المصير

إلى من لا تشير إلى سواه # -إذا ذكر النّدى-كفّ المشير

/قال مروان: فوددت أنه قد أخذ جائزتى و سكت. و عجبت من تخلّصه إلى تلك القوافى.

ثم ذكر ولد أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، فأحسن التخلص، و رأيت هارون يعجب بذلك؛ فقال:

يد لك فى رقاب بنى عليّ # و منّ ليس بالمنّ اليسير

فإن شكروا فقد أنعمت فيهم # و إلاّ فالنّدامة للكفور

مننت على ابن عبد اللّه يحيى # و كان من الحتوف على شفير

و قد سخطت لسخطتك المنايا # عليه؛ فهى حائمة النّسور

____________

(1) حاشية الأصل (من نسخة) : «أبو مسعود» .

(2) الخبر فى الأغانى 12: 16-17.

(3) أرفو نفسى: أسكنها من الرعب.

275

و لو كافأت ما اجترحت يداه # دلفت له بقاصمة الظّهور

و لكن جلّ حلمك و اجتباه # على الهفوات عفو من قدير

فعاد كأنّه لم يجن ذنبا # و قد كان اجتنى حسك الصدور

و إنّك حين تبلغهم أذاة # -و إن ظلموا-لمحترق الضّمير

و إن الرشيد قال لما سمع هذا البيت: هذا و اللّه معنى كان فى نفسى؛ و أدخله بيت المال فحكّمه فيه.

عدنا إلى الخبر، قال مروان: و كان هارون يبسم و يكاد يضحك للطف ما سمع؛ ثم أومأ إلى أن أنشد، فأنشدته قصيدتى التى أقول فيها:

خلّوا الطّريق لمعشر عاداتهم # حطم المناكب كلّ يوم زحام‏ (1)

حتى أتيت على آخرها؛ فو اللّه ما عاج ذلك الرجل/-يعنى النمرىّ-بشعرى، و لا حفل به.

قال: و أنشده منصور يومئذ:

إنّ لهارون إمام الهدى # كنزين من أجر و من برّ

يريش ما تبرى اللّيالى و لا # تريش أيديهنّ ما يبرى‏

كأنّما البدر على رحله # ترميك منه مقلتا صقر

قال و أنشده أيضا:

و لمن أضاع لقد عهدتك حافظا # لوصيّة العبّاس بالأخوال‏

/قال مروان: و أخلق به أن يغلبنى و أن يعلو عليّ عنده؛ فإنى ما رأيت أحسن من تخلّصه إذا ذكر الطالبيّين‏ (2) .

***

____________

(1) بعده فى رواية الأغانى:

ارضوا بما قسم الإله لكم به # و دعوا وراثة كلّ أصيد حام‏

أنّى يكون و ليس ذاك بكائن # لبنى البنات وراثة الأعمام!

.

(2) د، و من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «إلى ذكر الطالبيين» .

276

أخبرنا المرزبانىّ قال حدثنى أبو عبد اللّه الحكيمىّ قال حدثنى يموت بن المزرّع قال حدثنى أبو عثمان الجاحظ قال: كان منصور النّمرىّ ينافق الرشيد و يذكر هارون فى شعره؛ و يريه أنّه من وجوه شيعته، و باطنه و مراده بذلك أمير المؤمنين عليه السلام، لقول النبي صلى اللّه عليه و آله: «أنت منى بمنزلة هارون من موسى» ؛ إلى أن وشى عنده بعض أعدائه-و هو العتّابىّ-فقال: يا أمير المؤمنين، هو و اللّه الّذي يقول:

متى‏ (1) يشفيك دمعك من همول # و يبرد ما بقلبك من غليل!

و أنشده أيضا:

شاء من النّاس راتع هامل # يعلّلون النّفوس بالباطل‏ (2)

و منصور يصرّح فى هذه القصيدة بالعجائب؛ فوجّه الرشيد برجل من فزارة، و أمره أن يضرب عنق منصور حيث تقع عينه عليه؛ فقدم الرجل رأس عين‏ (3) بعد موت منصور بأيام قلائل.

قال المرزبانىّ: و يصدّق قول الجاحظ أنّ النّمرىّ كان يذكر هارون فى شعره؛ و هو يعنى به أمير المؤمنين عليّا عليه السلام ما أنشدناه‏ (4) محمد بن الحسن بن دريد للنّمرىّ:

آل الرّسول خيار الناس كلّهم # و خير آل رسول اللّه هارون‏

رضيت حكمك لا أبغى به بدلا # لأنّ حكمك بالتّوفيق مقرون‏

***

و روى أنّ أبا عصمة الشيعىّ لما أوقع بأهل ديار ربيعة أوفدت ربيعة وفدا إلى الرشيد، فيهم منصور النّمرىّ؛ فلما صاروا بباب الرشيد أمرهم باختيار من يدخل عليه، فاختاروا عددا بعد عدد، إلى أن اختاروا رجلين؛ النّمرىّ أحدهما؛ ليدخلا و يسألا حوائجهما-و كان

____________

(1) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «متى ينفك» .

(2) الأغانى 12: 19.

(3) رأس عين: من مدن الجزيرة، بين حران و نصيبين.

(4) حاشية الأصل: «نسخة س: ما أنشده» .

277

النّمرىّ مؤدبا، لم يسمع منه شعر قط قبل ذلك، و لا عرف به-فلما مثل هو و صاحبه بين يدى الرشيد قال لهما: قولا ما تريدان، فاندفع النّمرىّ فأنشد:

*ما تنقضى حسرة منّى و لا جزع*

فقال له الرشيد: قل حاجتك و عدّ عن هذا، فقال:

*إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع*

/و أنشده القصيدة حتى أتى إلى قوله:

ركب من النّمر عاذوا بابن عمّهم # من هاشم إذ ألحّ الأزلم الجذع‏ (1)

متّوا إليك بقربى منك تعرفها # لهم بها فى سنام المجد مطّلع‏

إنّ المكارم و المعروف أودية # أحلّك اللّه منها حيث تجتمع‏ (2)

إذا رفعت امرأ فاللّه رافعه # و من وضعت من الأقوام متّضع‏

نفسى فداؤك و الأبطال معلمة # يوم الوغى و المنايا بينهم قرع‏

حتى أتى إلى آخرها؛ فقال: ويحك!قل حاجتك فقال: يا أمير المؤمنين، أخربت الديار، و أخذت الأموال، و هتك الحرم؛ فقال: اكتبوا له بكلّ ما يريد؛ و أمر له بثلاثين ألف درهم، و احتبسه عنده، و شخص أصحابه بالكتب، و لم يزل عنده يقول الشعر فيه حتى استأذنه فى الانصراف فأذن له؛ ثم اتصل بالرشيد قوله:

شاء من النّاس راتع هامل # يعلّلون النّفوس بالباطل‏

تقتل ذرّيّة النّبيّ و يرجو # ن خلود الجنان للقاتل‏

ما الشّكّ عندى فى كفر قاتله # لكنّنى قد أشكّ فى الخاذل‏

فامتعض الرشيد و أنفذ من يقتله؛ فوجده فى بعض الروايات ميتا، و فى أخرى عليلا لما به، فسئل الرسول ألاّ يأثم به؛ و أن ينتظر موته، ففعل و لم يبرح حتى توفّى، فعاد بخبر موته إلى هارون.

____________

(1) الأغانى 12: 19. الأزلم الجذع: اسم للدهر.

(2) د، و من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «تنتج» .

278

و للنّمرىّ:

لو كنت أخشى معادى حقّ خشيته # لم تسم عينى إلى الدّنيا و لم تنم‏

لكنّنى عن طلاب الدّين محتبل # و العلم مثل الغنى و الجهل كالعدم‏

يحاولون دخولى فى سوادهم # لقد (1) أطافوا بصدع غير ملتئم‏

ما يغلبون‏ (2) النّصارى و اليهود على # حبّ‏ (3) القلوب و لا العبّاد للصّنم‏

____________

(1) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «فقد» .

(2) حاشية الأصل: «نسخة ش: ما تغلبون» .

(3) حاشية الأصل: «نسخة ش: حب» ، بفتح الحاء.

279

مجلس آخر79

تأويل آية وَ إِذَا اَلْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ. `بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَ إِذَا اَلْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ. `بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ؛ [التكوير: 8، 9]

فقال: كيف يصحّ أن يسأل من لا ذنب له و لا عقل؟و أىّ فائدة فى سؤالها عن ذلك؟ و ما وجه الحكمة فيه؟و ما الموءودة؟و من أىّ شي‏ء اشتقاق هذه اللفظة؟

الجواب، قلنا: أما معنى‏ سُئِلَتْ ففيه وجهان:

أحدهما أن يكون المراد أن قاتلها طولب بالحجة فى قتلها، و سئل عن قتله لها، و بأىّ ذنب كان؛ على سبيل التوبيخ و التعنيف و إقامة الحجة. فالقتلة هاهنا هم المسئولون على الحقيقة لا المقتولة؛ و إنما المقتولة مسئول عنها. و يجرى هذا مجرى قولهم: سألت حقى، أى طالبت به؛ و مثله قوله تعالى: وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ اَلْعَهْدَ كََانَ مَسْؤُلاً ؛ [الإسراء: 34]؛ أى مطالبا به مسئولا عنه.

و الوجه الآخر أن يكون السؤال توجّه إليها على الحقيقة على سبيل التوبيخ لقائلها، و التقريع له، و التنبيه له على أنّه لا حجة له فى قتلها؛ و يجرى هذا مجرى قوله تعالى لعيسى عليه السلام:

أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنََّاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلََهَيْنِ مِنْ دُونِ اَللََّهِ ؛ [المائدة: 116]، على طريق التوبيخ لقومه و إقامة الحجة عليهم.

فإن قيل على هذا الوجه: كيف يخاطب و يسأل من لا عقل له و لا فهم!

و الجواب، أن فى الناس من زعم أن الغرض بهذا القول إذا كان تبكيت الفاعل و تهجينه‏

280

و إدخال الغمّ عليه فى ذلك الوقت على طريق العقاب لم يمتنع أن يقع، و إن لم يكن من الموءودة فهم له؛ لأن الخطاب و إن علّق عليها، و توجّه إليها فالغرض فى الحقيقة غيرها؛ و هذا يجرى مجرى من ضرب ظالم طفلا من ولده يقول: و لم‏ (1) ضربت؟و ما ذنبك؟و بأى شي‏ء استحلّ‏ (2) هذا منك؟و غرضه تبكيت الظالم لا خطاب الطفل. فالأولى أن يقال فى هذا: إن الأطفال و إن كان‏ (3) من جهة العقول لا يجب فى وصولهم إلى الأغراض المستحقة أن يكونوا كاملى العقول؛ كما يجب مثل ذلك فى الوصول إلى الثواب؛ فإنّ الخبر متظاهر، و الأمة متفقة على أنهم فى الآخرة، و عند دخولهم الجنان يكونون على/أكمل الهيئات؛ و أفضل الأحوال؛ و إنّ عقولهم تكون كاملة؛ فعلى هذا يحسن توجّه الخطاب إلى الموءودة؛ لأنها تكون فى تلك الحال ممن تفهم الخطاب و تعقله، و إن كان الغرض فيه التبكيت للقائل، و إقامة الحجة عليه.

و قد روى عن أمير المؤمنين عليه السلام؛ و ابن عباس، و يحيى بن يعمر، و مجاهد، و مسلم ابن صبيح، و أبى الضحى؛ و مروان، و أبى صالح، و جابر بن زيد أنهم قرءوا سالت بفتح السين و الهمزة و إسكان التاء بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ بإسكان اللام و ضم التاء الثانية؛ على أن الموءودة موصوفة بالسؤال، و بالقول‏ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ .

و روى القطعىّ عن سليمان الأعمش عن حفص عن عاصم: قُتِلَتْ بضم التاء الثانية، و فى‏ سُئِلَتْ مثل قراءة الجمهور بضم السين.

و روى عن أبى جعفر المدنى: قُتِلَتْ بالتشديد و إسكان التاء الثانية.

و روى عن بعضهم: وَ إِذَا اَلْمَوْؤُدَةُ بفتح الميم و الواو.

فأما من قرأ سألت بفتح السين؛ فيمكن فيه الوجهان اللذان ذكرناهما؛ من أن اللّه تعالى أكملها فى تلك الحال، و أقدرها على النطق.

____________

(1) حاشية الأصل: «نسخة س: «لم» ، بغير واو» .

(2) حاشية الأصل (من نسخة) : «استحل» بالبناء للمجهول.

(3) م: «كانوا» .

281

و الوجه الآخر أن يكون معنى سألت أى سئل لها و طولب بحقها و انتصف لها من ظالمها؛ فكأنها هى السائلة تجوزا و اتساعا. و من قرأ بفتح السين من سألت و يضم التاء الثانية من‏ قُتِلَتْ فعلى أنها هى المخاطبة بذلك.

و يجوز على هذا الوجه أيضا قُتِلَتْ بإسكان التاء الأخيرة كقراءة الجماعة؛ لأنه إخبار عنها، كما يقال: سأل زيد: بأى ذنب ضرب؛ و بأى ذنب ضربت. و يقوّى هذه القراءة فى سألت ما روى عن النبي صلى اللّه عليه و آله من قوله: «يجي‏ء المقتول ظلما يوم القيامة و أوداجه تشخب دما، اللون لون الدم، و الريح ريح المسك، متعلقا بقاتله يقول: يا رب سل هذا فيم قتلنى»

فأما القراءة المأثورة عن حفص عن عاصم فى ضم التاء الأخيرة من‏ قُتِلَتْ مع ضم السين سُئِلَتْ فمعناها وَ إِذَا اَلْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ : ما تبغى؟فقالت: بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ فأضمر قولها. و العرب قد تضمر مثل هذا لدلالة الخطاب عليه، و ارتفاع الإشكال عنه؛ مثل قوله تعالى: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرََاهِيمُ اَلْقَوََاعِدَ مِنَ اَلْبَيْتِ وَ إِسْمََاعِيلُ رَبَّنََا تَقَبَّلْ مِنََّا ؛ أى و يقولان ذلك؛ و نظائره/فى القرآن كثيرة (1) جدا.

فأما قراءة من قرأ قُتِلَتْ بالتشديد فالمراد به تكرار الفعل بالموءودة هاهنا، و إن كان لفظها لفظ واحدة فالمراد به الجنس، و إرادة التكرار جائزة.

فأما من قرأ المودة بفتح الميم و الواو، فعلى أن يكون الرحم و القرابة، و أنه يسأل قاطعها عن سبب قطعها و تضييمها، قال اللّه تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحََامَكُمْ ؛ [محمد: 22].

فأما الموءودة فهى المقتولة صغيرة، و كانت العرب فى الجاهلية تئد البنات بأن يدفنوهنّ أحياء، و هو قوله تعالى: أَ يُمْسِكُهُ عَلى‏ََ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي اَلتُّرََابِ ؛ [النحل: 59]؛ و قوله تعالى: قَدْ خَسِرَ اَلَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاََدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ ؛ [الأنعام: 140].

و يقال: إنهم كانوا يفعلون ذلك لأمرين:

____________

(1) ف، و حاشية الأصل (من نسخة) : «كبيرة» .

282

أحدهما أنهم كانوا يقولون: إن الملائكة بنات اللّه، فألحقوا البنات باللّه، فهو أحق بها منّا.

و الأمر الآخر أنهم كانوا يقتلونهنّ خشية الإملاق، قال اللّه تعالى: وَ لاََ تَقْتُلُوا أَوْلاََدَكُمْ مِنْ إِمْلاََقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيََّاهُمْ ؛ [الأنعام: 151].

قال سيدنا أدام اللّه علوّه: و وجدت أبا عليّ الجبائىّ و غيره يقول: إنما قيل لها موءودة؛ لأنها ثقّلت بالتراب الّذي طرح عليها حتى ماتت. و فى هذا بعض النظر؛ لأنهم يقولون من الموءودة: وأدت أئد وأدا، و الفاعل وائد، و الفاعلة وائدة، و من الثّقل يقولون: آدنى الشي‏ء يئودنى؛ إذا أثقلنى، أودا.

و روى عن النبي صلى اللّه عليه و آله أنه سئل عن العزل فقال: «ذاك الوأد الخفىّ» .

و قد روى عن جماعة من الصحابة كراهية ذلك، و قال قوم فى الخبر الّذي ذكرناه: إنه منسوخ بما روى عنه عليه السلام أنه قيل له: إن اليهود يقولون فى العزل هى الموءودة الصغرى، فقال:

«كذبت يهود، لو أراد اللّه تعالى أن يخلقه لم يستطع أن يصرفه» .

و قد يجوز أن يكون قوله عليه السلام: «ذاك الوأد الخفىّ» على طريق تأكيد الترغيب فى طلب النسل و كراهية العزل؛ لا على أنه محظور محرّم.

***

و صعصعة بن ناجية بن عقال، جدّ الفرزدق بن غالب؛ كان ممن فدى الموءودات فى الجاهلية، و نهى عن قتلهن. و يقال: إنه أحيا ألف موءودة، و قيل دون ذلك.

و قد افتخر الفرزدق بهذا فى قوله:

/و منّا الّذي منع الوائدات # و أحيا الوئيد فلم توأد (1)

و فى قوله:

و منّا الّذي أحيا الوئيد و غالب # و عمرو، و منّا حاجب و الأقارع‏ (2)

____________

(1) ديوانه: 203.

(2) ديوانه: 517.

283

و فى ذلك يقول أيضا:

أنا ابن عقال و ابن ليلى و غالب # و فكّاك أغلال الأسير المكفّر (1)

ليلى: أم غالب، و عقال: هو محمد (2) بن سفيان بن مجاشع، و فكّاك الأغلال: ناجية ابن عقال، و المكفّر: هو الّذي كفّر و كبّل بالحديد-

و كان لنا شيخان ذو القبر منهما # و شيخ أجار النّاس من كلّ مقبر (3)

ذو القبر، غالب و كان يستجار بقبره، و الّذي أجار الناس من المقبر و أحيا الوئيدة صعصعة (4) -

على حين لا تحيا البنات و إذ هم # عكوف على الأصنام حول المدوّر (5)

أنا ابن الّذي ردّ المنيّة فضله # و ما حسب دافعت عنه بمعور (6)

أبى أحد العينين‏ (7) صعصعة الّذي # متى تخلف الجوزاء و النّجم يمطر

أجار بنات الوائدين و من يجر # على القبر (8) يعلم أنّه غير مخفر

و فارق ليل من نساء أتت به‏ (9) # تعالج ريحا ليلها غير مقمر

فارق، يعنى امرأة ماخضا؛ شبهها بالفارق من الإبل، و هى الناقة يضربها المخاض فتفارق الإبل، و تمضى على وجهها حتى تضع-

____________

(1) ديوانه: 476-477.

(2) حاشية الأصل: «هذا فى نسخة ابن الشجرى» ، و فيها (من نسخة) : «هو عقال بن محمد ابن سفيان بن مجاشع» .

(3) حاشية الأصل: «من كل مقبر، أى الّذي يدفن البنات أحياء و يجعلهم فى القبر» .

(4) حاشية الأصل: «فى نسخة الشجرى: حقه: و الّذي أجار الناس و أحيا الناس من المقبر و أحيا الوليد صعصعة» .

(5) المدور: صنم يدورون حوله.

(6) حاشية الأصل: «المعور: ذو العورة؛ و هو من قوله تعالى: إِنَّ بُيُوتَنََا عَوْرَةٌ ؛ أراد أنه حصن لا يتمكن منه أحد» .

(7) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «الغيثين» ، و هى رواية الديوان.

(8) حاشية الأصل (من نسخة) : «على الفقر» .

(9) حاشية الأصل (من نسخة) : «أبى» و هى رواية الديوان.

284

فقالت: أجر لى ما ولدت فإننى # أتيتك من هزلى الحمولة مقتر (1)

رأى الأرض منها راحة فرمى بها # إلى جدد (2) منها و فى شرّ محفر

فقال لها: يا مىّ إنى بذمّتى # لبنتك جار من أبيها القنوّر

القنوّر: السيئ الخلق-

***

و أخبرنا المرزبانىّ قال أخبرنا محمد بن يحيى الصولىّ قال حدثنا محمد بن زكريا الغلابىّ عن العباس بن بكار الضبىّ عن أبى بكر الهذلىّ. قال الصولىّ و حدثنا القاسم بن إسماعيل/عن أبى عثمان المازنىّ عن أبى عبيدة بطرف منه قال: وفد صعصعة بن ناجية جدّ الفرزدق على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فى وفد بنى تميم‏ (3) ؛ و كان صعصعة منع الوئيد فى الجاهلية؛ فلم يدع تميما تئد (4) و هو يقدر على ذلك؛ فجاء الإسلام و قد فدى فى بعض الروايات أربعمائة جارية، و فى الرواية الأخرى ثلاثمائة، فقال للنبى صلى اللّه عليه و آله: بأبى أنت و أمى أوصنى!قال: «أوصيك بأمك و أبيك و أختك و أخيك و أدانيك أدنانيك» ، فقال: زدنى يا رسول اللّه، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:

«احفظ ما بين لحييك و رجليك» ؛ ثم قال صلى اللّه عليه و آله: «ما شي‏ء بلغنى عنك فعلته» ؟ فقال: يا رسول اللّه؛ رأيت الناس يموجون على غير وجه، و لم أدر أين الصواب، غير أنّى علمت أنهم ليسوا عليه، فرأيتهم يئدون بناتهم؛ فعرفت أنّ ربهم عز و جل لم يأمرهم بذلك، فلم أتركهم يئدون، و فديت ما قدرت عليه.

و فى رواية أخرى إن صعصعة لما وفد على النبي صلى اللّه عليه و آله، سمع قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. `وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ؛ [الزلزلة: 7، 8].

قال: حسبى، ما أبالى ألاّ أسمع من القرآن غير هذا!

و يقال: إنه اجتمع جرير و الفرزدق يوما عند سليمان بن عبد الملك فافتخرا، فقال الفرزدق:

____________

(1) مقتر: قليل المال؛ تعنى زوجها.

(2) د، و من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «خدد» ؛ و هى رواية الديوان.

(3) ف: «فى وفد من بنى تميم» .

(4) حاشية الأصل (من نسخة) : «فلم يدع تميما يئد» .

285

أنا ابن محيى الموتى، فقال له سليمان: أنت ابن محيى الموتى!فقال: إن جدى أحيا الموءودة و قد قال اللّه تعالى: وَ مَنْ أَحْيََاهََا فَكَأَنَّمََا أَحْيَا اَلنََّاسَ جَمِيعاً ؛ [المائدة: 32]؛ و قد أحيا، جدى اثنتين و تسعين موءودة. فتبسم سليمان و قال: إنك مع شعرك لفقيه.

تأويل خبر أنه نهى أن يصلّى الرجل و هو زناء

إن سأل سائل عن معنى الخبر الّذي يروى‏ (1) عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أنه نهى أن يصلّى الرجل و هو زناء.

الجواب؛ قلنا: الزناء هو الحاقن الّذي قد ضاق ذرعا ببوله؛ يقال: أزنأ الرجل بوله فهو يزنئه إزناء، و زنأ بوله يزنأ زنأ، قال الأخطل:

فإذا دفعت إلى زناء قعرها # غبراء مظلمة من الأحفار (2)

يعنى ضيق القبر، و يقال: لا تأت فلانا فإن منزله زناء، فيجوز أن يكون ضيّقا، و يجوز أن يكون عسر المرتقى؛ و كلاهما يئول إلى المعنى. و يقال: موضع زناء إذا كان ضيّقا صعبا، و من ذلك قول أبى زبيد (3) يصف أسدا:

/أبنّ عرّيسة عنّابها أشب # و دون غايته مستورد شرع‏ (4)

____________

(1) ف: «روى» .

(2) ديوانه: 81، و اللسان (زنأ) .

(3) فى حاشيتى الأصل، ف: «ذكر أبو سعيد الضرير، و هو أحمد بن خالد قال: هو أبو زبيد حرملة بن المنذر بن معديكرب بن حنظلة بن النعمان بن حبة بن سعد، و هو من بنى هنىّ» . و البيتان فى شعراء النصرانية بعد الإسلام 1: 67-68؛ من قصيدة أولها:

من مبلغ قومنا النائين إذ شخصوا # أنّ الفؤاد إليهم شيّق ولع‏

يصف فيها الأسد.

(4) أبنّ: أقام، و العريسة: مأوى الأسد فى الغياض، و عنابها أشب: أى شجر العناب فيها متداخل، و المستورد: موضع الورود. و الشرع: الّذي يشرع فيه؛ يعنى موارد الوحش، و فى ف: «دون غايتها» و فى حاشيتها (من نسخة) : «دون غابتها» .

286

شأس الهبوط زناء الحاميين متى # يبشع بواردة يحدث لها فزع‏ (1)

يعنى «بزناء الحاميين» أنه ضيق جانبى الوادى. و قوله: «متى يبشع بواردة» ، أى يضيق بجماعة ممن يرده؛ و إنما يحدث لها فزع من الأسد. و الشأس: الغليظ؛ يقال: مكان شأس، إذا كان غليظا؛ و من ذلك قولهم: زنأ فلان فى الجبل إذا كابد الصعود فيه؛ و هو يزنأ فى الجبل.

و روى أبو زيد: "أن‏ (2) قيس بن عاصم المنقرىّ أخذ صبيّا له يرقّصه-و أمّ ذلك الصبىّ منفوسة، و هى بنت زيد الفوارس بن ضرار الضبىّ، فجعل قيس يقول له:

أشبه أبا أمّك أو أشبه عمل # و لا تكوننّ كهلّوف و كل‏ (3)

يريد عملى. الوكل: الجبان. و الهلّوف: الهرم المسنّ، و هو أيضا الكبير اللحية؛ و إنما أراد به هاهنا الجبان-

*و ارق إلى الخيرات زنأ فى الجبل‏ (4) *

فأخذته أمه و جعلت ترقصه، و تقول:

أشبه أخى أو أشبهن أباكا # أمّا أبى فلن تنال ذاكا

*تقصر عن مناله‏ (5) يداكا"*

____________

(1) فى حاشيتى الأصل، ف: «قبلهما:

هذا و قوم غضاب قد أبتّهم # على الكلاكل حوضى عندهم ترع‏

تبادرونى كأنّى فى أكفّهم # حتى إذا ما رأوني خاليا نزعوا

و استحدث القوم أمرا غير ما و هموا # و طار أبصارهم شتى و ما وقعوا

كأنما يتفادى أهل أمرهم # من ذى زوائد فى أرساغه فدع‏

ضرغامة أهرت الشّدقين ذى لبد # كأنه برنسا فى الغاب مدرع‏

بالثّنى أسفل من حمّاء ليس له # إلا بنيه و إلا أهله شيع‏

قد أبتهم: أنمتهم و أشخصتهم على صدورهم. و قوله: «حوضى عندهم ترع» أى لم يصنعوا بى شيئا. و قوله: «فى أكفهم» أى ظنوا أنى فى أيديهم فلما رأونى دهشوا و نزعوا عما طمعوا فيه» .

(2) النوادر 92-93.

(3) البيتان و الخبر فى اللسان (زنأ-عمل) .

(4) فى اللسان قبل هذا البيت:

*يصبح فى مضجعه قد انجدل*

.

(5) فى اللسان: «أن تناله» .

287

مجلس آخر 80

تأويل آية وَ هَدَيْنََاهُ اَلنَّجْدَيْنِ. `فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ. `وَ مََا أَدْرََاكَ مَا اَلْعَقَبَةُ. `فَكُّ رَقَبَةٍ. `أَوْ إِطْعََامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. `يَتِيماً ذََا مَقْرَبَةٍ. `أَوْ مِسْكِيناً ذََا مَتْرَبَةٍ. `ثُمَّ كََانَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ تَوََاصَوْا بِالصَّبْرِ وَ تَوََاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ.

`أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ. `وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيََاتِنََا هُمْ أَصْحََابُ اَلْمَشْأَمَةِ. `عَلَيْهِمْ نََارٌ مُؤْصَدَةٌ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَ هَدَيْنََاهُ اَلنَّجْدَيْنِ. `فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ. `وَ مََا أَدْرََاكَ مَا اَلْعَقَبَةُ. `فَكُّ رَقَبَةٍ. `أَوْ إِطْعََامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. `يَتِيماً ذََا مَقْرَبَةٍ. `أَوْ مِسْكِيناً ذََا مَتْرَبَةٍ. `ثُمَّ كََانَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ تَوََاصَوْا بِالصَّبْرِ وَ تَوََاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ.

`أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ. `وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيََاتِنََا هُمْ أَصْحََابُ اَلْمَشْأَمَةِ. `عَلَيْهِمْ نََارٌ مُؤْصَدَةٌ ؛ [البلد 10-20].

فقال‏ (1) : ما تأويل هذه الآية؟و ما معنى ما تضمنته‏ (1) .

الجواب، أما ابتداء الآية فتذكير بنعم اللّه تعالى عليهم، و ما أزاح به علتهم فى تكاليفهم، و ما تفضّل به عليهم من الآلات التى يتوصلون بها إلى منافعهم، و يستدفعون بها المضارّ عنهم؛ لأن الحاجة ماسّة فى أكثر المنافع الدينية و الدنيوية إلى العين للرؤية، و اللسان للنطق، و الشفتين لحبس الطعام و الشراب/و مسكهما فى الفم و النطق أيضا.

فأما النّجد فى لغة العرب فهو الموضع المرتفع من الأرض، و الغور الهابط منها؛ و إنما سمّى الموضع المرتفع من أرض العرب نجدا لارتفاعه.

و اختلف أهل التأويل فى المراد بالنجدين، فذهب قوم إلى أنّ المراد بهما طريقا الخير و الشرّ؛ و هذا الوجه يروى عن على أمير المؤمنين عليه السلام، و ابن مسعود، و عن الحسن و جماعة من المفسرين.

____________

(1-1) ساقط من الأصل، و ما أثبته عن ف.

288

و روى أنه قيل لأمير المؤمنين عليّ عليه السلام: إن ناسا (1) يقولون فى قوله: وَ هَدَيْنََاهُ اَلنَّجْدَيْنِ : إنهما الثديان، فقال عليه السلام: لا، إنهما الخير و الشر.

و روى عن الحسن أنه قال: بلغنى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال: «أيها الناس، إنهما نجدان: نجد الخير و نجد الشر، فما جعل نجد الشرّ أحبّ إليكم من نجد الخير» .

و روى عن قوم آخرين أنّ المراد بالنّجدين ثديا الأم.

فإن قيل: كيف يكون طريق الشر مرتفعا كطريق الخير، و معلوم أنه لا شرف و لا رفعة فى الشر؟

قلنا: يجوز أن يكون إنما سماه نجدا لظهوره و بروزه لمن كلّف اجتنابه؛ و معلوم أن الطريقتين جميعا باديان ظاهران للمكلفين. و يجوز أيضا أن يكون سمّى طريق الشر نجدا من حيث يحصل فى اجتناب سلوكه و العدول عنه الشرف و الرفعة؛ كما يحصل مثل ذلك فى سلوك طريق الخير؛ لأن الثواب الحاصل فى اجتناب طريق الشر كالثواب فى سلوك طريق الخير.

و قال قوم: إنما أراد بالنجدين أنا بصّرناه و عرفناه ماله و عليه، و هديناه إلى طريق استحقاق الثواب؛ و ثنىّ النجدين على عادة العرب فى تثنية الأمرين إذا اتفقا فى بعض الوجوه، و أجرى لفظة أحدهما على الآخر، كما قيل فى الشمس و القمر: القمران، قال الفرزدق:

*لنا قمراها و النّجوم الطّوالع‏ (2) *

و لذلك نظائر كثيرة.

فأما قوله تعالى: فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ ؛ ففيه وجهان:

أحدهما أن يكون‏ فَلاَ بمعنى الجحد و بمنزلة «لم» ، أى فلم يقتحم العقبة؛ و أكثر

____________

(1) د، و من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «أناسا» .

(2) ديوانه: 519؛ صدره:

*أخذنا بآفاق السّماء عليكم*

.

289

ما يستعمل هذا الوجه بتكرير لفظ «لا» ؛ كما قال سبحانه: فَلاََ صَدَّقَ وَ لاََ صَلََّى ؛ [القيامة: 31] أى لم يصدّق و لم يصلّ، و كما قال الحطيئة:

و إن كانت النّعماء فيهم جزوا بها # و إن أنعموا، لا كدّروها و لا كدّوا (1)

و قلّما يستعمل هذا المعنى من غير تكرير لفظ؛ لأنهم لا يقولون: لا جئتنى و زرتنى؛ يريدون: ما جئتنى؛ فإن قالوا: لا جئتنى و لا زرتنى صلح؛ إلا أن فى الآية ما ينوب مناب التكرار و يغنى عنه، و هو قوله تعالى: ثُمَّ كََانَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا ؛ فكأنه قال: فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ ، و لا آمن؛ فمعنى التكرار حاصل.

و الوجه الآخر: أن تكون «لا» جارية مجرى الدعاء؛ كقولك: لا نجا و لا سلم، و نحو ذلك.

و قال قوم: فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ أى فهلاّ اقتحم العقبة!أو أ فلا اقتحم العقبة!قالوا:

و يدل على ذلك قوله تعالى: ثُمَّ كََانَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ تَوََاصَوْا بِالصَّبْرِ ، و لو كان أراد النفى لم يتصل الكلام.

و هذا الوجه ضعيف جدا، لأن قوله تعالى: فَلاَ خال من لفظ الاستفهام، و قبيح حذف حرف الاستفهام فى مثل هذا الموضع، و قد عيب على عمر بن أبى ربيعة قوله:

ثمّ قالوا: تحبّها؟قلت: بهرا # عدد القطر و الحصى و التراب‏ (2)

فأما الترجيح بأن الكلام لو أريد به النفى لم يتصل فقد بيّنا أنه متصل، مع أنّ المراد به النفى؛ لأن قوله تعالى: ثُمَّ كََانَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا معطوف على قوله: فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ ، أى فلا اقتحم العقبة، ثم كان من الذين آمنوا. و المعنى أنه ما اقتحم العقبة و لا آمن؛ على ما بينا.

فأما المراد بالعقبة فاختلف فيه، فقال قوم: هى عقبة ملساء فى جهنم، و اقتحامها فكّ رقبة.

و روى عن النبي صلى اللّه عليه و آله أنه قال: «إن أمامكم عقبة كئودا لا يجوزها المثقلون‏ (3) ، و أنا أريد أن أتخفف لتلك العقبة» : و روى عن ابن عباس أنه قال: هى عقبة كئود فى

____________

(1) ديوانه: 20.

(2) ديوانه: 423 (مطبعة السعادة) ، و فى حاشية الأصل (من نسخة) :

«عدد الرمل» .

(3) حاشية الأصل: «المثقلون‏[بالفتح‏]أى أثقلهم الذنوب، و المثقلون‏[بالكسر] أصحاب الأثقال» .

290

جهنم، و روى أيضا أنه قال: العقبة هى النّار نفسها؛ فعلى الوجه الأول يكون التفسير للعقبة بقوله: فَكُّ رَقَبَةٍ على معنى ما يؤدّى إلى اقتحام هذه العقبة؛ و يكون سببا لجوازها و النجاة منها، لأن فكّ رقبة و ما أتى بعد ذلك ليس هو النار نفسها و لا موضعا منها.

و قال آخرون: بل العقبة ما ورد مفسّرا لها من فكّ الرقبة و الإطعام فى يوم المسغبة؛ و إنما سمّى ذلك عقبة لصعوبته على النفوس/و مشقته عليها.

و ليس يليق بهذا الوجه الجواب الّذي ذكرناه فى معنى قوله: فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ و أنه على وجه الدعاء؛ لأن الدعاء لا يحسن إلا بالمستحق له؛ و لا يجوز أن يدعى على أحد بأن لا يقع منه ما كلّف وقوعه، و فكّ الرقبة و الإطعام المذكور من الطاعات؛ فكيف يدعى على أحد بأن لا يقع منه!فهذا الوجه يطابق أن تكون‏ اَلْعَقَبَةَ هى النّار نفسها أو عقبة فيها.

و قد اختلف الناس فى قراءة: فَكُّ رَقَبَةٍ ، فقرأ أمير المؤمنين عليه السلام، و مجاهد، و أهل مكة، و الحسن، و أبو رجاء العطاردىّ، و أبو عمرو، و الكسائىّ: فَكُّ رَقَبَةٍ بفتح الكاف و نصب الرقبة، و قرءوا أو أطعم على الفعل دون الاسم. و قرأ أهل المدينة، و أهل الشام، و عاصم، و حمزة، و يحيى بن وثاب، و يعقوب الحضرمىّ: فَكُّ بضم الكاف و بخفض‏ رَقَبَةٍ `أَوْ إِطْعََامٌ على المصدر و تنوين الميم و ضمها.

فمن قرأ على الاسم ذهب إلى أن جواب الاسم بالاسم أكثر فى كلام العرب، و أحسن من جوابه بالفعل؛ أ لا ترى أن المعنى: ما أدراك ما اقتحام العقبة!هو فكّ رقبة، أو إطعام؛ و ذلك هو أحسن من أن يقال: هو فكّ رقبة، أو أطعم.

و مال الفرّاء إلى القراءة بلفظ الفعل، و رجّحها بقوله تعالى: ثُمَّ كََانَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا ، لأنه فعل؛ و الأولى أن يتبع فعلا. و ليس يمتنع أن يفسّر اقتحام العقبة-و إن كان اسما-بفعل؛ يدل على الاسم؛ و هذا مثل قول القائل: ما أدراك ما زيد؟يقول-مفسرا-: يصنع الخير، و يفعل المعروف، و ما أشبه ذلك، فيأتى بالأفعال.

و السغب: الجوع؛ و إنما أراد أنه يطعم فى يوم مجاعة؛ لأن الإطعام فيه أفضل و أكرم.

291

فأما «مقربة» فمعناه يتيما ذا قربى؛ من قرابة النسب و الرّحم؛ و هذا حضّ على تقديم ذى النسب و القربى المحتاجين على الأجانب فى الإفضال.

و المسكين: الفقير الشديد الفقر. و المتربة: مفعلة، من التراب، أى هو لاصق بالأرض من ضرّه و حاجته؛ و يجرى مجرى قولهم فى الفقير: مدقع؛ و هو مأخوذ من الدّقعاء؛ و هى الأرض التى لا شي‏ء فيها.

و قال قوم: ذََا مَتْرَبَةٍ أى ذا عيال. و المرحمة: مفعلة من الرحمة؛ و قيل إنه من الرّحم.

و قد يمكن فى‏ مَقْرَبَةٍ أن يكون غير مأخوذ من القرابة و القربى؛ بل هو من القرب، الّذي هو من الخاصرة، فكأن المعنى أنه يطعم من انطوت خاصرته و لصقت من شدة الجوع و الضر؛ و هذا أعم فى المعنى من الأول و أشبه بقوله‏ ذََا مَتْرَبَةٍ ؛ لأن كل ذلك مبالغة فى وصفه بالضّرّ؛ و ليس من المبالغة فى الوصف بالضرّ أن يكون قريب النّسب. و اللّه أعلم بمراده.

***

قال سيدنا أدام اللّه علوّه: و من طريف المدح و مليحه قول الشاعر:

و كأنّه من وفده عند القرى # لو لا مقام المادح المتكلّم‏

و كأنّه أحد النّدى ببنائه‏ (1) # لو لا مقالته أطب للمؤدم‏ (2)

و يقارب ذلك فى المعنى قول محمد بن خارجة:

سهل الفناء إذا حللت ببابه # طلق اليدين مؤدّب الخدّام‏

و إذا رأيت صديقه و شقيقه # لم تدر: أيّهما أخو الأرحام! (3)

و مثله لأبى الهندىّ:

نزلت على آل المهلّب شاتيا # غريبا عن الأوطان فى زمن المحل‏ (4)

فما زال بى إكرامهم و افتقادهم‏ (5) # و إنعامهم حتى حسبتهم أهلى‏

____________

(1) حاشية الأصل: «نسخة س: «أحد الندىّ ببابه» .

(2) المؤدم: الآكل.

(3) و فى حاشية الأصل (من نسخة) : «سهل القياد» .

(4) أمالى القالى 1: 41؛ و فى حاشية الأصل (من نسخة) : «فى زمن محل» .

(5) ف، حاشية الأصل (من نسخة) : «و اقتفاؤهم» .

292

و لأثال بن الدقعاء يمدح عقبة بن سنان الحارثىّ:

أ لم ترنى شكرت أبا سعيد # بنعماه و قد كفر الموالى‏ (1)

و لم أكفر سحائبه اللّواتى # مطرن عليّ واهية العزالى‏ (2)

فمن يك كافرا نعماه يوما # فإنى شاكر أخرى اللّيالى‏

فتى لم تطلع الشّعرى من افق # و لم تعرض ليمن أو شمال‏ (3)

على ندّ له إن عدّ مجد # و مكرمة و إتلاف لمال‏

و أصبر فى الحوادث إن ألمّت # و أسعى للمحامد و المعالى‏

فتى عمّ البريّة بالعطايا # فقد صاروا له أدنى العيال‏

/قال: و لآخر (4) :

لم أقض من صحبة زيد أربى # فتى إذا أغضبته لم يغضب‏

موكّل النّفس بحفظ الغيّب # أقصى الفريقين له كالأقرب‏

فإنه لم يرد أن الضعيف السبب كالقوىّ السبب، و إنما أراد أنه يرعى من غيب الرفيق البعيد الغائب و حقّه ما يرعاه من حق الشاهد الحاضر، و أنه يستوى عنده لكرمه و حسن حفاظه من بعدت داره و قربت معا؛ و هذا بخلاف ما عليه أكثر الناس؛ من مراعاة أمر الحاضر القريب و إهمال حق البعيد (5) .

***

(6) هذا آخر مجلس أملاه سيدنا أدام اللّه علوّه. ثم تشاغل بأمور الحج‏ (7) .

الحمد للّه رب العالمين و صلواته و سلامه على سيدنا نبيّه محمد و آله الطيبين الطاهرين و سلّم كثيرا.

____________

(1) الموالى: الأقرباء.

(2) العزالى: جمع عزلاء؛ و هى فى الأصل مصب الماء من الراوية و نحوها.

(3) ف، و من نسخة بحاشية الأصل:

فتى لم تطلع الشعرى بأفق # و لم تقرض ليمنى أو شمال‏

.

(4) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «و قال آخر» .

(5) إلى هنا تنتهى النسخة المرموز لها بكلمة «الأصل» .

(6) ف: «هذا آخر مجلس أملاه السيد المرتضى ذو المجدين قدس اللّه روحه ثم تشاغل بأمور الحج» .

(7) ف: «هذا آخر مجلس أملاه السيد المرتضى ذو المجدين قدس اللّه روحه ثم تشاغل بأمور الحج» .

293

تكملة أمالى المرتضى‏

294

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

295

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ ربّ يسّر (1)

مسألة

قال‏ (2) الشريف الأجلّ المرتضى، علم الهدى، ذو المجدين أبو القاسم عليّ بن الحسين الموسوىّ رضى اللّه عنه:

إنّه لا يزال المتكلّمون يخالفون النحويّين فى أنّ للفعل ثلاثة أحوال: ماض، و حاضر، و مستقبل. و يقول المتكلّمون: للفعل حالان بغير ثالث؛ لأنّ كلّ معلوم من الأفعال لا يخلو من أن يكون موجودا أو معدوما؛ و بالوجود قد صار ماضيا، و المعدوم هو المنتظر، و لا حال ثالثة.

فلا المتكلّمون يحسنون العبارة عما لحظوه و أرادوه، حتى يزول الخلاف فى المعانى التى هى المهمّ-و لا اعتبار بالعبارات-و لا النحويون يفطنون لإفهام ما قصدوه بلفظ غير مشتبه و لا محتمل؛ فكم من معنى كاد يضيع بسوء العبارة عنه، و قصور الإشارة إليه!

و اعلم أن المواضعات مختلفة، و العرف يختلف باختلاف أهله بحسب عاداتهم. و قولنا:

«فعل» فى عرف المتكلمين ليس هو الّذي يعرفه النحويون، لأنّ الفعل فى عرف أهل الكلام هو الذات الحادثة بعد أن كانت معدومة بقادر، و هذا الحدّ يقتضي أن يكون كلّ موجود من الذوات غير اللّه تعالى وحده فعلا؛ فزيد فعل، و السماء كذلك، و الحرف أيضا-الّذي فرق النحويون بينه و بين الاسم-فعل أيضا، و الفعل أيضا على هذا الحدّ فعل؛ لأنّ الحرف صوت يقطّع على وجه مخصوص، و الأصوات كلّها أفعال.

____________

(1) ط: «رب يسر و لا تعسر» .

(2) هذه الزيادات لم ترد إلا فى ف، ط من الأصول التى اعتمدت عليها؛ و المثبت هنا نص ف، كما أثبت الفروق و الحواشى.

296

غير أنّ المحقّق من عرف القوم أنّ النحويين ما فصلوا بين الاسم و الفعل و الحرف؛ من حيث نفى الاشتراك فى الحدوث و الفعلية؛ بل فصلوا بينها مع اشتراكها فى معنى الفعلية التى يذهب إليها المتكلّمون؛ لما بينها من الفصل فى أحكام أخر؛ يختصّ بها بعضها دون بعض؛ فقالوا: الاسم ما دلّ على معنى لا يقترن بزمان، و الفعل ما اقتضى معنى مقترنا بزمان غير مخصوص، و الحرف ما خلا من هاتين العلامتين؛ فكأنهم قصدوا إلى ما هو فعل حادث على حدّ المتكلمين؛ فصنّفوه و نوّعوه، و سمّوا بعضه اسما، و بعضه فعلا، و بعضه حرفا؛ لاختلاف الأحكام التى عقلوها؛ فلا لوم فى ذلك عليهم؛ و لا مناظرة فيه معهم، و بالمناظرة الصحيحة تزول الشّبهات، و تنحسم التّبعات.

و الّذي يجب تحصيله، و التعويل عليه أنّ الفعل الحادث فى أوّل أحوال وجوده يسمّى فعل الحال؛ فإن تقضّى و عدم صار ماضيا، و الفعل المستقبل هو المنتظر المتوقّع الّذي هو الآن معدوم. فإن فرضنا أنّ الفعل الحادث-الّذي فرضنا أنّه متى تقضّى و عدم صار ماضيا-بقى و لم يتقضّ؛ إما على مذهب من يقطع على بقاء الأعراض، أو على مذهب من يتوقّف عن القطع فيها على بقاء أو فناء؛ فالواجب أن يكون استمراره‏ (1) لا يخرجه من استحقاق الوصف بأنه فعل الحال؛ لأنّ من هو عليه لم يتغير الحال التى وجبت له عنه؛ و لا خرج عنها.

أ لا ترى أنّا لو فرضنا أنه تقضّى و عدم، و خلفه مثل له لكان ذلك الخالف له يستحقّ الوصف بأنه للحال؛ و كذلك ما قام مقامه؛ و أوجب مثل ما يوجبه، لأنه لا فرق فى التّسمية للجلوس بأنه فعل حال؛ بين أن يكون المفتتح بالحدوث من أجزاء الجلوس بقى و استمرّ؛ و بين أن يكون تجدّد أمثاله؛ و الأول باق أو معدوم بعد أن تكون الحالة المخصوصة ما تغيّرت و لا تبدّلت؛ و لا فرق أيضا بين أن يكون ذلك الفعل يوجب حالا مخصوصة كالألوان، أو حكما مخصوصا كالاعتمادات و ما أشبهها؛ فى أن الّذي أتت فيه و لم تخرج عنه هو المنعوت بأنه فعل الحال، و ما خرجت عنه فهو الماضى.

____________

(1) حاشية ط: «قوله: استمراره، أى الحادث» .

297

فإن قيل: كيف قولكم فيما مضى و تقضّى من الأفعال و وصفتموه بأنه ماض لتقضّيه و عدمه؛ أ يجوز أن يكون مستقبلا على وجه من الوجوه، أ و لا يكون من الأفعال مستقبلا إلاّ ما لم يدخل فى الوجود قطّ؟

قلنا: أمّا ما عدم و تقضّى من الأعراض المقطوع على أنها غير باقية فى نفوسها، كالإرادات‏ (1) و الأصوات و ما أشبه ذلك؛ فلا شبهة فى أنّ الماضى منه لا يصحّ أن يكون مستقبلا من فعل قديم أو محدث.

فأما (2) ما يبقى من أجناس الأعراض عند من قطع على بقائها، أو شكّ فى حالها بين جواز البقاء عليها و نفيه فنحن لا نقدر على إعادته؛ و القديم تعالى قادر على إعادته إلى الوجود؛ فهذا الضّرب من فعله تعالى لا يمتنع تسميته بأنه مستقبل، لأنه متوقّع منتظر.

فأما الجواهر المعدومة فلا شبهة فى أنّها ماضية من حيث عدمت، و مستقبلة من حيث كان وجودها مستأنفا متوقّعا؛ لأنّ اللّه تعالى لا بدّ من أن يعيد المكلّفين للثواب أو العقاب، و المكلّف إنما هو مؤلّف من الجواهر.

فإن قيل: هذا يقتضي أن يجتمع فى الشي‏ء الواحد أن يكون ماضيا مستقبلا؛ و هذا كالمتناقض.

قلنا: لا تناقض فى ذلك؛ لأن الجوهر الماضى يستحق الوصف بأنه ماض إذا عدم، و كذلك العرض الماضى من أفعال اللّه تعالى إذا عدم؛ و إن جاز من حيث صحّ وجود ذلك مستأنفا أن يوصف بأنه مستقبل، لأن معنى المستقبل هو المعدوم الّذي يصح وجوده، فلا تنافى بين الأمرين.

و لو ثبت بينهما عرف فى أنّهما لا يجتمعان-و ذلك ليس بثابت-لجاز أن يجعل حدّ المستقبل هو المعدوم الّذي يصحّ وجوده مستقبلا؛ من غير أن يكون الوجود حصل‏ (3) له فى حالة من الأحوال؛ فلا يلزم على ذلك أن يجتمع الوصفان فى فعل واحد.

____________

(1) ط: «كالإدراكات» .

(2) ط: «و أما» .

(3) ط. «مستحصل له» .

298

و قد كنّا قديما أملينا مسألة فى تحقيق الفرق بين الفعل الحال و الماضى و المستقبل؛ و هذا التلخيص الّذي ذكرناه هاهنا أشرح و أسبغ منها، و تكلمنا هناك على ما كان أبو عليّ الفارسى اعتمده و عوّل عليه؛ من قوله تعالى: لَهُ مََا بَيْنَ أَيْدِينََا وَ مََا خَلْفَنََا وَ مََا بَيْنَ ذََلِكَ [مريم: 64]، و قول الشاعر:

و أعلم ما فى اليوم و الأمس قبله # و لكنّنى عن علم ما فى غد عم‏ (1)

و من طريقة أخرى فى اعتبار تأثير الحروف فى الأحوال المختلفة، و استوفينا الكلام على هذه الشبهة؛ فلا طائل فى إعادة ذلك هاهنا؛ و الجمع بين المسألتين يغنى عنه، و ما التوفيق إلا باللّه تعالى.

____________

(1) البيت لزهير بن ابى سلمى، ديوانه: 29.

299

مسألة

قال رضى اللّه عنه: لا معنى لقوله تعالى: وَ مََا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ ؛ [يونس: 61] على ما قاله النحويون: إنه للتأكيد؛ لما بيّنا أن التأكيد إذا لم يفد غير ما يفيده المؤكّد لم يصحّ، و قد علمنا بقوله تعالى: مِنْ قُرْآنٍ أنّه من جملة القرآن، فأىّ معنى لقوله مِنْهُ و تكراره!

قال رضى اللّه عنه: و الصحيح أن معنى‏ مِنْهُ أى من أجل الشّأن و القصة، مِنْ قُرْآنٍ ؛ فيحمل على الشأن و القصّة ليفيد معنى آخر.

و قال أيضا فى قوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اَللََّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذََلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ؛ [يونس: 58]؛ قال: لا يجوز أن يحمل قوله: فَبِذََلِكَ فَلْيَفْرَحُوا على ما تقدم من فضل اللّه و رحمته؛ و لا معنى له على ما يقوله النحويون إنّه للتأكيد؛ كما لا معنى لقول قائل:

زيد و عمرو لهما؛ يريد زيدا و عمرا؛ فالصحيح أن نقول فى هذا: إن معناه: قل بفضل اللّه و معونة اللّه و رحمته؛ لأنّ معونة اللّه و فضل اللّه و رحمته تؤثر فى القول، و يقول: بفضل اللّه و معونته يفرح، فيردّ قوله: بِفَضْلِ اَللََّهِ إلى القول، أى قل: بفضله و معونته هذا القول؛ فإنّ بهذا القول و معونته و رحمته يفرحون؛ فيكون قوله: فَبِذََلِكَ راجعا إلى الفرح بالفضل و الرحمة؛ حتى يكون قد أفاد كلّ واحد من اللفظين فائدة.

300

مسألة

رسمت الحضرة العالية الوزيرية؛ أدام اللّه سلطانها، و أعلى أبدا شأنها و مكانها أن أذكر ما عندى فى إدخال لفظة «كان» فى كونه تعالى عالما فى مواضع كثيرة من القرآن.

و قالت حرس اللّه عزّها: لفظة «كان» إذا كانت للماضى؛ فكيف دخلت على ما هو ثابت فى الحال و مستمرّ دائم!و ما الوجه فى حسن ذلك؟

و الجواب المزيل للشّبهة أنّ الكلام قد تدخله الحقيقة و المجاز؛ و يحذف بعضه و إن كان مرادا، و يختصر حتى يفسّر؛ و لو بسط لكان طويلا. و فى هذه الوجوه التى ذكرناها تظهر فصاحته، و تقوى بلاغته؛ و كلّ كلام خلا من مجاز و حذف و اختصار و اقتصار بعد عن الفصاحة، و خرج عن قانون البلاغة. و الأدلّة لا يجوز فيها مجاز، و لا ما يخالف الحقيقة؛ و هى القاضية على الكلام، و التى يجب بناؤه عليها؛ و الفروع أبدا تبنى على الأصول.

فإذا ورد عن اللّه تعالى كلام ظاهره يخالف ما دلّت عليه أدلّة العقول وجب صرفه عن ظاهره-إن كان له ظاهر-و حمله على ما يوافق الأدلة العقلية و يطابقها؛ و لهذا رجعنا فى ظواهر كثيرة من كتاب اللّه تعالى اقتضى ظاهرها الإجبار أو التشبيه، أو ما لا يجوز عليه تعالى.

و لو سلّمنا تبرّعا و تطوّعا أن دخول «كان» على العلم أو القدرة يقتضي ظاهرها الماضى دون المستقبل لحملنا ذلك على أنّ المراد به الأحوال كلّها؛ لأنّ الأدلة العقلية تقضى على ما يطلق من الكلام، و لا يقضى الكلام على الأدلة.

غير أنّا نبيّن أنّ دخول «كان» على العلم أو القدرة لا يقتضي ظاهرها الاختصاص بالماضى دون المستقبل؛ فإنّ لأهل العربية فى ذلك مذهبا معروفا مشهورا؛ لأن أحدهم يقول: كنت العالم؛ و ما كنت إلا عالما، و عليما خبيرا؛ و ما كنت إلا الشجاع، و إلا الجواد؛ و يريدون بذلك كلّه الإخبار عن الأحوال كلّها؛ ماضيها و حاضرها و مستقبلها؛ و لا يفهم من كلامهم سوى‏

301

ذلك؛ و إذا كانت هذه عبارة عما ذكرناه فصيحة بليغة-و القرآن نزل بأفصح اللغات و أبلغها و أبرعها-وجب حمل لفظة «كان» إذا دخلت فى كونه تعالى عالما و قادرا على ما ذكرنا.

و مما يستشهد به على ذلك قول زياد الأعجم يرثى المغيرة بن المهلّب بن أبى صفرة:

مات المغيرة بعد طول تعرّض # للقتل بين أسنّة و صفائح‏ (1)

ألاّ ليالى فوقه بزّاته # يغشى الأسنة فوق نهد قارح! (2)

فإذا مررت بقبره فاعقر به # كوم المطىّ و كلّ طرف سابح‏ (3)

و انضح جوانب قبره بدمائها # فلقد يكون أخا دم و ذبائح‏

فقال فى ميت قد مضى لسبيله: «فلقد يكون» ، و إنما أراد: «فلقد كان» ، فعبّر بيكون عن «كان» ؛ كذلك جاز أن يراد بلفظة «كان» الأحوال المستقبلة.

و وجه آخر و هو أنه تعالى لما أراد أن يخبر عن كونه عالما فى الأحوال كلّها لم يجز أن يقول:

هو عالم فى الحال أو فى المستقبل؛ لأن ذلك لا ينبئ عن كونه عالما فيما مضى؛ فعدل عن ذلك إلى إدخال لفظة: «كان» الدالة على الأزمان الماضية كلها، و من كان عالما فيما لم يزل من الأحوال فلا بدّ من كونه عالما لنفسه و ذاته؛ لأن الصفات الواجبة فيما لم يزل لا تكون إلاّ نفسية، و الصفات النفسية يجب ثبوتها فى الأحوال كلّها: الماضية و الحاضرة و المستقبلة؛ فصار دخول «كان» فى العلم أو القدرة مطابقا للغرض، و موجبا لثبوت هذه الصفة فى جميع هذه الأحوال، و ليس كذلك لو علّق العلم بالحال أو المستقبل؛ و هذا وجه جليل الموقع.

و وجه آجر و هو أنا إذا سلّمنا أن لفظة «كان» تختص الماضى و لا تتعدّاه لم يكن فى

____________

(1) من قصيدة عدتها 57 بيتا؛ و هى فى أمالى اليزيدى 1-7، و أمالى القالى 3: 8-11؛ و أبيات منها فى معجم الأدباء 11: 170-171، و الشعراء 397.

(2) البزاة: جمع بزة؛ و هى السلاح؛ و النهد من الخيل: الجسيم المشرف. و القارع: الفرس إذا استتم الخامسة و دخل فى السادسة.

(3) الكوم: جمع كوماء؛ و هى الناقة العظيمة السنام. و الطرف: الكريم من الخيل و السابح:

الفرس الّذي يسبح بيديه فى سيره.

302

إدخالها فى العلم إلا أنه تعالى عالم فيما مضى من الأحوال؛ و هو كذلك لا محالة؛ اللهم إلا أن يدّعى أن تعليقها بالماضى يقتضي نفى كونه تعالى عالما فى المستقبل؛ و ليس الأمر على ذلك؛ لأن هذا قول بدليل الخطاب؛ و هو غير صحيح على ما بيّنا فى مواضع من كتبنا؛ لأن تعليق الحكم بصفة أو اسم لا يدل على انتفائه مع انتفاء تلك الصفة أو الاسم، و بيّنا أن قوله عليه السلام: «فى سائمة (1) الإبل الزكاة» لا يدل على أن العاملة (2) و المعلوفة (3) لا زكاة فيهما.

و قد يقول القائل: كان زيد عندى بالأمس، و إن كان عنده فى الحال؛ و ضربت من غلمانى فلانا، و إن كان قد ضرب سواه، فكأنه تعالى-إذا سلّمنا هذا الأصل الّذي قد بينا أنه غير صحيح-أراد أن يثبت بهذا القول كونه تعالى عالما، فيما لم يزل؛ و وكلنا فى أنه عز و جل عالم فى جميع الأحوال إلى الأدلة العقلية الدالة على ذلك؛ و إلى إخباره تعالى عن كونه عالما فى سائر الأوقات بقوله عز و جل: وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ [الأنعام: 101]؛ و ما شاكل ذلك من الألفاظ الدالة على الحال و الاستقبال‏

____________

(1) السائمة من الإبل: الراعية؛ يقال: سامت تسوم سوما، و أسمتها أنا.

(2) العاملة: التى تعمل فى الحرث و الدياسة.

(3) العلوفة و المعلوفة من الإبل: الناقة التى تعلف للسمن و لا ترسل للرعى.