أمالي المرتضي - ج2

- السيد المرتضى المزيد...
631 /
303

تأويل آية أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ يُزْجِي سَحََاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكََاماً فَتَرَى اَلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاََلِهِ، وَ يُنَزِّلُ مِنَ اَلسَّمََاءِ مِنْ جِبََالٍ فِيهََا مِنْ بَرَدٍ، فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشََاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشََاءُ يَكََادُ سَنََا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصََارِ. يُقَلِّبُ اَللََّهُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي اَلْأَبْصََارِ

قال رحمه اللّه: سئلت إملاء تفسير قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ يُزْجِي سَحََاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكََاماً فَتَرَى اَلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاََلِهِ، وَ يُنَزِّلُ مِنَ اَلسَّمََاءِ مِنْ جِبََالٍ فِيهََا مِنْ بَرَدٍ، فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشََاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشََاءُ يَكََادُ سَنََا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصََارِ. `يُقَلِّبُ اَللََّهُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي اَلْأَبْصََارِ ؛ [النور: 43، 44].

فأجبت إلى ذلك.

أما قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ فالمراد: أ لم تعلم؛ و إن كان هذا اللفظ مشتركا بين الإدراك و العلم؛ و إنما اختصّ هنا بالعلم دون الإدراك؛ لأن إضافة إزجاء السحاب و تأليفه و جميع ما ذكر فى الآية إلى اللّه تعالى مما لا يستفاد بالإدراك؛ و إنما يعلم بالأدلّة.

فأما قوله تعالى: يُزْجِي سَحََاباً فمعناه يسوق؛ و لا بدّ أن يلحظ فى هذا الموضع السّوق الضعيف الرفيق؛ يقال منه: أزجى يزجى إزجاء، و زجّى يزجّى تزجية، إذا ساق؛ و منه إزجاء الكسير (1) من الإبل إذا سقته سوقا رفيقا حتى يسير؛ و منه قوله تعالى:

بِبِضََاعَةٍ مُزْجََاةٍ ؛ [يوسف: 88]أى مسوقة شيئا بعد شي‏ء على ضعف و قلّة، قال عدىّ بن الرّقاع:

تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه # قلم أصاب من الدّواة مدادها (2)

و قال الأعشى:

الواهب المائة الهجان و عبدها # عوذا تزجّى خلفها أطفالها (3)

____________

(1) ط: «الكبير» .

(2) الطرائف الأدبية: 88؛ و الضمير فى «تزجى» يعود إلى ظبية ترتعى و معها شادنها و أغنّ: فى صوته غنة؛ و هو الصوت الرخيم يخرج من الخياشيم. و الروق هنا:

القرن؛ و إبرته: طرفه المحدد.

(3) ديوانه: 25.

304

أراد بالعوذ الحديثة النّتاج؛ و معنى «تزجّى» أى تسوق أطفالها وراءها سوقا رفيقا؛ لأنها تحنّ فتتبع أطفالها؛ و قال مالك بن الرّيب المازنىّ:

ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلة # بوادى الغضى أزجى القلاص النّواجيا (1)

و السحاب: جمع سحابة؛ و لهذا قال: يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ، أى بين كل سحابة و أخرى، و لو كان هاهنا أيضا اسما للجنس لجاز؛ لأنّ الجنس يوصل بعضه ببعض، و يؤلّف بعضه ببعض؛ و إنما لا يصحّ ذلك فى العين الواحدة.

فأما الرّكام فهو الّذي جعل بعضه فوق بعض؛ و منه قوله تعالى: سَحََابٌ مَرْكُومٌ ؛ [الطور: 44]، و قوله تعالى: فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً ؛ [الأنفال: 37].

فأما الودق فهو المطر؛ يقال ودق يدق ودقا؛ و كلّ ما قطر منه ماء أو رشح فهو وادق؛ و يقال: استودقت الفرس و الأتان إذا حنّت إلى الفحل و استدعت ماءه؛ و يقال أيضا: أو دقت؛ و أتان وديق و ودوق؛ إذا أرادت إنزال الفحل الماء فيها.

و خلال الشي‏ء: خروقه و فروجه؛ و قد قرئ: من خلله بغير ألف.

فأما قوله تعالى: وَ يُنَزِّلُ مِنَ اَلسَّمََاءِ مِنْ جِبََالٍ فِيهََا مِنْ بَرَدٍ فإنّنى وجدت جميع المفسّرين على اختلاف عباراتهم يذهبون إلى أنّه أراد أنّ فى السماء جبالا من برد؛ و فيهم من قال: ما قدره قدر جبال؛ قال: يراد به مقدار جبال من كثرته.

و أبو مسلم بن بحر الأصبهانىّ خاصة انفرد فى هذا الموضع بتأويل طريف؛ و هو أن قال:

"الجبال ما جبل اللّه من برد، و كلّ جسم شديد مستحجر فهو من الجبال؛ أ لم تر إلى قوله تعالى فى خلق الأمم: وَ اِتَّقُوا اَلَّذِي خَلَقَكُمْ وَ اَلْجِبِلَّةَ اَلْأَوَّلِينَ ؛ [الشعراء: 184] و الناس يقولون: فلان مجبول على كذا".

و وجدت أبا بكر محمد بن الحسن بن مقسم النحوىّ يقول فى كتابه المعروف بالأنوار:

"و أمّا مِنْ الأولى؛ و الثانية فبمعنى حدّ التنزيل؛ و نسبته إلى الموضع الّذي نزّل منه؛ كما

____________

(1) جمهرة الأشعار: 296.

305

يقال: جئتك بكذا، و من بلد كذا؛ و أما الثالثة فبمعنى التفسير و التمييز، لأن الجبال تكون أنواعا فى ملك اللّه تعالى؛ فجاءت‏ مِنْ لتمييز البرد من غيره؛ و تفسير معنى الجبال التى أنزل منها. و قد يصلح فى مثل هذا الموضع من الكلام أن يقال: «من جبال فيها برد» بغير «من» ، يترجم برد عن جبال؛ لأنها مخلوقة من برد، كما يقال: الحيوان من لحم و دم، و الحيوان لحم و دم؛ بـ «من» و بغير «من» ".

و وجدت على بن عيسى الرّمانىّ يقول فى تفسيره: "إن معنى‏ مِنْ الأولى ابتداء الغاية؛ لأن السماء ابتداء الإنزال، و الثانية للتبعيض؛ لأن البرد بعض الجبال التى فى السماء، و الثالثة لتبيين الجنس؛ لأنّ جنس الجبال جنس البرد".

و هذه التفاسير على اختلافها غير شافية و لا كافية؛ و أنا أبيّن ما فيها من خلل، ثم أذكر ما عندى أنّه الصحيح:

أمّا من جعل فى السماء جبال برد، أو ما مقداره مقدار الجبال-على اختلاف عباراتهم- فيدخل عليه أن يبقى عليه قوله تعالى: وَ يُنَزِّلُ بغير مفعول؛ و لا ما يتعلق به؛ لأنّ تقدير الكلام على هذه التفاسير: و ينزّل من جبال برد فى السماء؛ فما الشي‏ء الّذي أنزل به! فما تراه مذكورا فى الآية؛ و الكلام كلّه خال منه على هذا التأويل.

فأما أبو مسلم فيلزمه هذا الكلام بعينه، و يلزمه زائدا عليه أنه جعل الجبال اسما للبرد نفسه؛ من حيث كان مجبولا مستحجرا.

و هذا غلط؛ لأن الجبال و إن كانت فى الأصل مشتقة من الجبل و الجمع فقد صارت اسما لذى هيئة مخصوصة.

و لهذا لا يسمّى أحد من أهل اللغة كلّ جسم ضمّ بعضه إلى بعض-مع استحجار أو غير استحجار-بأنه جبل، و لا يخصّون بهذا اللفظ إلا أجساما مخصوصة.

و ليس يمتنع فى اللغة هذا؛ لأنّ اسم الدابة و إن كان مشتقا فى الأصل من الدبيب؛ فقد صار اسما لبعض ما دبّ، و لا يعم كلّ ما وقع منه الدبيب.

306

و ليس يعترض على هذه التأويلات التى ذكرناها ما يظنّه بعض الناس من أنه لا يجوز أن يكون فى السماء جبال برد، أو ما قدره قدر الجبال من البرد؛ لأن ذلك غير ممتنع و لا مستحيل.

فإن قالوا: كيف لا تهوى تلك الجبال من البرد؟

قلنا: يمسكها اللّه تعالى، و يسكّنها كما يمسك الأرض و الفلك.

و إنما ينكر هذا أصحاب الطبائع، الذين لا يقرّون بالخالق جلّت عظمته، فيذكرون فى سبب وقوف الأرض المركز و هو لا يعقل؛ و لو أثبتوا الصانع جلّت عظمته نسبوا سكون الأرض إليه، و استغنوا عن تكلّف ما لا يعقل و لا يفهم.

و الأولى فى تفسير هذا الموضع أن تكون «من» الأولى و الثانية لابتداء الغاية، و الثالثة زائدة لا حكم لها؛ و يكون تقدير الكلام: و ينزّل من جبال فى السماء بردا، فزاد «من» كما يزاد فى قولهم: ما فى الدار من أحد، و كم أعطيتك من درهم!و ما لك عندى من حق؛ و ما أشبه ذلك.

و علامة زيادتها فى هذه المواضع أنك إذا أخرجتها أو ألغيتها كان الكلام مستقلاّ لا يتغيّر معناه، و جرى قوله تعالى: وَ يُنَزِّلُ مِنَ اَلسَّمََاءِ مِنْ جِبََالٍ فِيهََا مِنْ بَرَدٍ مجرى قول القائل: كم حملت لك من الكوفة من سوقها من ثوب!و المعنى: كم حملت لك من سوق الكوفة ثوبا!

و الأولى أن يريد بلفظة اَلسَّمََاءِ هنا ما علا من الغيم و ارتفع فصار سماء لنا؛ لأنّ سماء البيت و سماوته ما ارتفع منه؛ و لأن السحاب لا يكون فى السماء التى هى الفلك للكواكب؛ و إنما هو تحته، و أراد بالجبال التشبيه، لأنّ السحاب المتراكب المتراكم تشبّهه العرب بالجبال و الجمال؛ و هذا شائع فى كلامها، كأنّه تعالى قال: و ينزّل من السحاب الّذي يشبه الجبال فى تراكمه بردا؛ فقد ظهر على هذا التأويل مفعول صحيح لـ ننزل ؛ و لا مفعول لهذا الفعل على التأويلات المتقدمة. ـ

307

فإن قيل: إذا جاز أن تجعلوا مِنْ الأخيرة زائدة حتى يكون المنزّل هو البرد، فألاّ جعلتم‏ مِنْ الثانية هى الزائدة، و يكون تقدير الكلام: و ننزّل من السماء جبالا من برد!

قلنا: ليس يشبه البرد فى نزوله الجبال على وجه و لا سبب؛ و السّحاب المتراكم يشبه الجبال، و قد جرت عادة العرب بتشبيهه بها، فيجب أن تكون الثانية غير زائدة لما ذكرناه، و تكون الأخيرة زائدة؛ و إلاّ بقيتا بلا مفعول؛ و لأنه تعالى قال: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشََاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشََاءُ ؛ و هذه كناية عن البرد لا الجبال؛ لأنه لو كنّى عنها لقال: فيصيب بها؛ و لأنّ الجبال على التأويلات التى حكيناها كلّها منزّل منها، لا منزّلة.

فإن قيل: ألاّ كان المفعول محذوفا مقدّرا؛ و كأنه قال: و ننزّل من جبال برد فى السماء بردا؛ و الكلام يقتضيه؟

قلنا: إنما نقدّر مفعولا محذوفا فى الموضع الّذي لا نجد فيه مفعولا ظاهر، و قد بيّنّا أنّ فى الآية مفعولا ظاهرا، فيجب صرف الكلام إليه. على أنّه لا بدّ من مفعول؛ إما ظاهرا و هو الّذي أشرنا إليه، أو محذوفا على ما تضمّنه السؤال؛ لا سيّما و فى الكلام كناية عنه فى قوله: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشََاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشََاءُ ، و ما رأينا أحدا من المفسّرين لهذه الآية-على اختلافهم و ذكر أكثرهم كلّ ما تقتضيه وجوه الإعراب فى آيات القرآن-تعرّض لذكر المفعول، و لا قال: إنه ظاهر و لا مقدّر محذوف يدلّ الكلام عليه. و هذا على كل حال تقصير ظاهر.

فأما قوله تعالى: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشََاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشََاءُ فالمراد به: فيصيب بضرره من يشاء، و يصرف ضرره عمّن يشاء؛ فإنّ العادة جارية بأنّ البرد يصيب أرضا و يتعدّى ما يجاورها و يلاصقها.

308

فأما قوله تعالى: يَكََادُ سَنََا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصََارِ فسنا البرق ضوأه، و هو مقصور، و سناء المجد و الشرف ممدود، و الهاء فى‏ بَرْقِهِ راجعة إلى البرد أو السحاب؛ فقد جرى ذكر كلّ واحد منهما؛ و يجوز إضافة البرق إليهما.

فأما قوله: يَذْهَبُ بِالْأَبْصََارِ و قد قرئ‏ يَذْهَبُ بضم الياء؛ فالمراد به أنّ البرق من شدة ضوئه يكاد يذهب بالعيون؛ لأنّ النظر إلى ماله شعاع شديد يضرّ بالعين؛ كعين الشمس و ما أشبهها؛ و القراءة بفتح الهاء أجود مع دخول الباء؛ تقول العرب: ذهبت بالشي‏ء؛ فإذا أدخلوا الألف أسقطوا الباء فقالوا: أذهبت الشي‏ء؛ بغير باء.

فأما قوله: يُقَلِّبُ اَللََّهُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ فإنما أراد أنه يأتى بكلّ واحد منهما بدلا من صاحبه، و معاقبا له؛ لما فى ذلك من المصلحة و المنفعة.

فأما قوله تعالى: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي اَلْأَبْصََارِ فإنما أراد بالعبرة العظة و الاعتبار، و روى عن الحسن أنه قال: إنما أراد ذوى أبصار القلوب لا العيون؛ لأنّ العين لا تضاف إليها العبرة و العظة.

و قال الكلبىّ: لأولى الأبصار فى الدين. و ردّ قوم على الكلبىّ بأن قالوا: لو أراد ذلك لقال: لأولى البصائر، لأنّ الدين يقال: فيه بصيرة لا بصر.

و الأولى أن يكون المراد بالأبصار هاهنا العيون، لأن بالعيون ترى هذه العجائب التى عدّدها اللّه تعالى، ثم يكون الاعتبار و العظة فى القلب بها، و يكون من لا موعظة له و لا اعتبار كأنه لا بصر له؛ من حيث لم ينتفع ببصره، فجعل أولى الأبصار هم أولى الاعتبار من حيث انتفع أولو الاعتبار بأبصارهم، و إن لم ينتفع بها من لا اعتبار عنده؛ و هذا كثير فى القرآن؛ فإنه تعالى جعل الكفار فى مواضع كثيرة صما و بكما و عميا؛ من حيث أشبهوا بإعراضهم عن الفكر و التأمل و الاعتبار من لا جوارح له. و هذا بيّن لمن تأمله.

309

مسألة

اعلم أنّ من عادة العرب الإيجاز و الاختصار و الحذف طلبا لتقصير الكلام و اطّراح فضوله، و الاستغناء بقليله عن كثيره؛ و يعدّون ذلك فصاحة و بلاغة. و فى القرآن؛ من هذه الحذوف، و الاستغناء بالقليل من الكلام عن الكثير مواضع كثيرة نزلت من الحسن فى أعلى منازله؛ و لو أفردنا لما فى القرآن من الحذوف الغريبة، و الاختصارات العجيبة كتابا لكان واجبا.

فمن ظاهر ذلك قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ اَلْجِبََالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ اَلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ اَلْمَوْتى‏ََ ؛ [الرعد: 31]و لم يأت ل لَوْ جواب فى صريح الكتاب؛ و إنما أراد: لو أن قرآنا سيرت به الجبال لكان هذا. و مثل هذا الحذف ما روى عن النبىّ صلى اللّه عليه و آله من قوله: «لو كتب هذا القرآن فى إهاب و طرح فى النار ما أحرقته النار» ؛ و المراد: و كانت النار مما لا يحرق جسما لجلالة قدره ما أحرقته؛ فحذف ذلك اختصارا لدلالة الكلام عليه، و مثل هذا قوله تعالى: إِنََّا عَرَضْنَا اَلْأَمََانَةَ عَلَى اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَلْجِبََالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهََا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهََا وَ حَمَلَهَا اَلْإِنْسََانُ إِنَّهُ كََانَ ظَلُوماً جَهُولاً ؛ [الأحزاب: 72]و تقديره: إن السموات و الأرض و الجبال لو كنّ مما يأبى و يشفق، و عرضنا عليهنّ الأمانة لأبين و أشفقن. و جعل المعلوم بمنزلة الواقع فقال: عَرَضْنَا من حيث علم أن ذلك المشروط لو وقع شرطه لحصل هو.

و هذا التأويل الّذي استخرجناه أولى مما ذكره المفسّرون من أنه تعالى أراد: عرضنا الأمانة على أهل السموات و الأرض؛ لأن أهل السموات و الأرض هم الناس و الملائكة، فأىّ معنى لقوله‏ وَ حَمَلَهَا اَلْإِنْسََانُ و هو يريد الجنس!و مثله قول الشاعر:

*امتلأ الحوض و قال قطنى‏ (1) *

____________

(1) بعده:

*حسبى رويدا قد ملأت بطنى*

و البيت فى مقاييس اللغة 5: 14.

310

و المعنى امتلأ حتى لو كان ممن يقول لقال ذلك، و هذا أولى فى نفسى من تفسيرهم هذا البيت بأنه ظهرت منه أمارات القول و النطق.

و هذا الّذي أشرنا إليه هو معنى كلّ ما جرى مجرى هذا البيت؛ من قول الشاعر (1) :

و أجهشت للتّوباذ حين رأيته # و كبّر للرّحمن حين رآنى‏ (2)

فقلت له: أين الذين عهدتهم # بجنبك فى خفض و طيب زمان!

فقال: مضوا، و استودعونى بلادهم # و من ذا الّذي يبقى على الحدثان! (3)

و من المحذوف أيضا قوله تعالى: حَتََّى إِذََا جََاؤُهََا وَ فُتِحَتْ أَبْوََابُهََا وَ قََالَ لَهُمْ خَزَنَتُهََا سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهََا خََالِدِينَ ؛ [الزمر: 73]؛ و لم يأت لإذا جواب فى طول الكلام، و إنما حسن حذف الجواب الّذي هو: «فدخلوها» لورود ما يقوم مقامه؛ و يدل عليه من قوله تعالى: وَ قََالُوا اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي صَدَقَنََا وَعْدَهُ ؛ [الزمر: 74]و ذلك لا يكون إلا بعد الدخول؛ و مثل ذلك قول امرئ القيس:

فلو أنها نفس تموت سويّة # و لكنّها نفس تساقط أنفسا (4)

فحذف جواب، «لو» و الجواب هو: «لكان ذلك أروح لها و أخفّ عليها» ؛ و مثله قول الهذلىّ‏ (5) .

حتى إذا أسلكوهم فى قتائدة # شلاّ كما تطرد الجمّالة الشّردا (6)

و مثل هذا كله فى الحذف: إنما أتمنى كذا لو أعطيته؛ و ظاهر هذا الكلام كأنه مشروط و كأنه قال: إننى أتمناه إذا أعطيته؛ و الأمر بالضّد من ذلك؛ و المعنى: لو أعطيته لبلغت مناى، و لنفعنى؛ و ما أشبه ذلك المعنى.

____________

(1) هو المجنون. الأغانى 1: 179.

(2) التوباذ: جبل فى نجد؛ و الأبيات أيضا فى معجم البلدان (2: 424) من غير عزو.

(3) بعدها فى معجم البلدان و الأغانى:

و إنّى لأبكى اليوم من حذرى غدا # فراقك و الحيان مختلفان‏

.

(4) ديوانه: 142؛ و قوله: «تساقط، أى يموت بموتها بشر كثير.

(5) هو عبد مناف بن ربع الهذلى؛ ديوان الهذليين 2: 42.

(6) قتائدة: موضع، و الجمالة: أصحاب الجمال. و انظر الجزء الأول ص 3.

311

و الشعر القديم و المحدث مملوء من ذلك، قال البحترىّ:

و لو شئت يوم الجزع بلّ غليله # محبّ بوصل منك لو ينفع الوصل‏ (1)

و إنما أراد: لو ينفع الوصل لنفعنى و بلغنى منيتى؛ و ما أشبه ذلك؛ و مثله قوله:

و تعجبت من لوعتى فتبسمت # عن واضحات لو لثمن عذاب‏

و أنت إذا تأملت ضروب المجازات التى يتصرف فيها أهل اللسان فى منظومهم و منثورهم و جدتها كلّها مبنية على الحذف و الاختصار؛ و لأن قوله تعالى: وَ جََاءَ رَبُّكَ ؛ [الفجر: 22]؛ وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ ؛ [يوسف: 82]مما الحذف فيه ظاهر.

و إنما كان الكلام أبلغ و أفصح؛ لأن كلامه قلّل بحذف بعضه و معانيه بحالها؛ و كذلك قولهم فى المدح: فلان البدر، و البحر، و اللّيث؛ و فى الذم: هو الحمار، و الحائط؛ إنما هو مبنىّ على الحذف، لأن المراد هو مشبه و مماثل لما ذكر؛ فأسقط من الكلام ما يقتضي التشبيه؛ لدلالة القول عليه.

فإن قيل: فإذا كانت الفصاحة هى الاختصار، فكيف قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ [الشورى: 11]؛ فزاد الكاف؛ و لا معنى لها إلا الفصاحة؛ فقد صارت الفصاحة بالزيادة كما كانت بالنقصان!

قلنا: دخول الكاف هاهنا ليست على سبيل الزيادة التى لو طرحت لما تغيّر المعنى؛ بل تفيد بدخولها ما لا يستفاد مع خروجها؛ لأنه إذا قال: «ليس مثله شي‏ء» جاز أن يراد من بعض الوجوه، و على بعض الأحوال؛ فإذا دخلت الكاف فهم نفى المثل على كل وجه؛ أ لا ترى أنه لا يحسن أن يقال: ليس كمثله أحد فى كذا بل على الإطلاق و العموم.

و بمثل هذا الجواب نجيب من يسأل عن قولهم: ما إن فى الدار زيد؛ لأنه لو قال:

ما فى الدار زيد لجاز أن يكون نفيه لكونه فيها على وجه دون وجه؛ فإذا قال: «ما إن» فهم نفى كونه على كل حال؛ و هذا يدلّ على أنها مفيدة غير زائدة.

____________

(1) ديوانه: 2: 163.

312

و من قال: إنها دخلت للتوكيد يجب أن يكون مراده ما قصدناه و شرحناه؛ لأن التوكيد متى لم يكن تحته فائدة كان دخوله عبثا.

و هذا الكلام الّذي بسطناه فى تأمّله فوائد كثيرة؛ و كان السبب فيه أن بعض من قرئ عليه كلام حكايته فى وصف كتابين: «و وجدت فيهما من التغلغل و التوصّل إلى مكامن الارتجاف، و مغابن الإسعاف، لا تطرق فجاجها، و لا يفتح رتاجها، و لا يمرّ بشعابها، و لا يلمّ بأبوابها... » ؛ و أطال الكلام، و لم يأت بما يرجع إلى قوله: «من التغلغل» (1) .

و هذا من الحذف الّذي حسّنه طول الكلام، و دلالة ما فيه على المحذوف؛ لأنّ التقدير:

و وجدت فيه من التغلغل الكثير؛ فاستغنى عن ذكره بالمفهوم من الكلام؛ كما استغنى بالمحذوف التى ذكرناها فى القرآن و الشعر بما فى معنى الكلام، و عدّ ذلك فصاحة و بلاغة. و كم بين أن يفهم المعنى و يلحظ من غير لفظ صريح، و بين أن يأتى فيه لفظ مصرّح فى البلاغة و الفصاحة!

و قد كنت أمليت قديما مسألة أوضحت فيها أنّ التأكيد لا بدّ فيه من فائدة، و خطّأت من ذهب إلى خلاف ذلك، و بيّنت أنّ كلّ موضع ادّعى فيه أنّه للتأكيد من غير فائدة مجددة فيه فائدة مفهومة؛ و أن قوله تعالى: فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اَللََّهِ مَتََاباً ؛ [الفرقان: 71] ما ورد هذا المصدر للتأكيد على ما يقوله قوم؛ بل لفائدة مجدّدة؛ لأنه تعالى أراد متابا جميلا مقبولا واقعا فى موقعه، فحذف ذلك اختصارا؛ كما يقول العربىّ الفصيح فى الشعر المستحسن:

هذا هو الشعر، و الفرس الممدوح: هذا هو الفرس؛ و إنما حذف الصفة اختصارا؛ و المراد هذا هو الشعر المستحسن، و الفرس الكريم؛ و مثله قوله تعالى: وَ كَلَّمَ اَللََّهُ مُوسى‏ََ تَكْلِيماً ؛ [النساء: 164]إنه أراد الفضل و المدح. و قال قوم: بل سمع كلامه من غير واسطة؛ و لا متحمّل له.

____________

(1) بعد هذه الكلمة فى ف إشارة إلحاق، كتب إلى جانبها كلمة «تبلد» ، مقرونة برمز «صح» ؛ و ليس هنا ما يقتضي إثباتها.

313

فأما قول القائل: ضربته ضربا، و ما أشبه ذلك من ذكر المصادر مع الأفعال و فى ذكر الأفعال من غير ذكر المصادر لدلالتها عليها فله وجهان: أحدهما أن يكون نفى صفة الضرب اختصارا؛ و أراد ضربا شديدا مبرّحا، فحذف؛ أو يكون أراد أنّه باشر الضّرب و تولاّه؛ لا أنّه أمر به؛ فقد يقال: ضربه إذا أمر بضربه؛ و لا يكادون يقولون: ضربه ضربا إذا أمر بضربه، و لم يباشره.

فأما قول العرب: «لأمر ما جدع قصير أنفه» ، و قولهم: «لأمر ما يسوّد من يسود» ، و ادعاء من ادّعى أن «ما» هنا زائدة لا معنى تحتها و إنما دخلت للتأكيد؛ فالأولى غير ما ذكره؛ و معنى قولهم: لأمر ما كان كذا أنه لأمر لست به عارفا؛ لأنهم لا يكادون يقولون: لأمر ما كان كذا و كذا و أنا به عارف؛ و إن جاز أن يقولوا: لأمر كان كذا و أنا به عارف؛ و إنما قالت الزباء: «لأمر ما جدع قصير أنفه» ؛ لأنّها كانت جاهلة بسبب قطع أنفه، و غير عالمة به؛ و هذا يبطل قول من جعلها زائدة بغير فائدة.

فأما قوله تعالى: فَبِمََا رَحْمَةٍ مِنَ اَللََّهِ لِنْتَ لَهُمْ ؛ [آل عمران: 159]و تقدير قوم أن «ما» هاهنا زائدة فليس الأمر على ما ظنّوه؛ لأن من شأنهم ألا يدخلوا «ما» هاهنا إلا إذا أرادوا الاختصاص و زيادة فائدة على قولهم: فبرحمة من اللّه لنت لهم ؛ لأنّ مع إسقاط «ما» يجوز أن تكون الرحمة سببا للّين و غيرها رقة، و لا يكادون يدخلونها مع «ما» إلا و المراد أنها سببه دون غيرها، فقد أفادت اختصاصا لم يستفد قبل دخولها.

فأما قولهم: «ما إن فى الدار زيد» ، فيشبه أن يكون دخولها لفائدة تزيد على قولهم: «ما فى الدار زيد» ؛ لأنهم إذا قالوا: «ما فى الدار زيد» جاز أن يريدوا أنّه لا تصرّف له فى الدار و لا تأثير لكونه فيها؛ فكأنه ليس حالاّ فيها؛ لأنهم أبدا يقولون: ما فى هذه البلدة أمير؛ و لا لهذا الناس مدبّر؛ يريدون السياسة و التدبير. فإذا قالوا: «ما إن فى الدار زيد» ، أو «ما إن للبلد أمير» فلا بدّ أن يريدوا: أنه ليس فيها على الحقيقة من ذكروه؛ و هذا هو معنى قول أهل العربية: إن ذلك للتأكيد؛ و معنى التأكيد هو الّذي أشرنا إليه؛ لأنّ التأكيد لا يجوز أن يكون لغير فائدة، و أن يكون دخوله كخروجه.

314

فليقس على ما ذكرناه أمثلته، و ليتطلّب لكل شي‏ء ادّعى أنه لمحض التأكيد فائدة قلّت أو كثرت؛ فإنها توجد؛ و ليس جهل الطالب لها بها يقتضي فقدها؛ فإن الأدلّة الواضحة قد دلّت على أنّ العرب مع حكمتهم لا يتكلّمون بما لا يفيد؛ و أنّ الكلام الّذي ما وضع فى الأصل إلا لفائدة قليله فى وجوب الفائدة ككثيره؛ فربما ظهرت هذه الفائدة لكل متدبّر، و ربما خفيت.

و أصول أهل العربية مملوءة من هذا؛ فإنّهم يتمحّلون و يتطلّبون العوامل التى لا تظهر فى تمام الكلام؛ و يقدّرون فيها التقديرات البعيدة حراسة للأصول، و نصرة لما دلّ عليه الدليل. و من تصفّح تمحّلهم للعامل فى الحال إذا عرى الكلام كلّه من تصريح به، و تغلغلهم إلى ضعيف و قوىّ و بعيد و قريب علم أنّ الّذي سلكناه فى تخريج فوائد الحروف الزائدة الداخلة على الكلام، و ظن قوم أنها للتأكيد من غير فائدة زائدة، طريق صحيح لا اعتراض عليه.

315

مسألة

جرى بالحضرة السامية الوزيرية العالية العادلية (1) المنصورة-أدام اللّه سلطانها، و أعلى أبدا شأنها و مكانها-فى بعض الكلام ما روى عن النبي عليه السلام من قوله: «نية المؤمن خير من عمله» .

فقلت: على هذا الخبر سؤال قوىّ؛ و هو أن يقال: إذا كان الفعل إنما يوصف بأنه خير من غيره إذا كان ثوابه أكثر من ثوابه؛ فكيف يجوز أن تكون النية خيرا من العمل؟و معلوم أن النية أخفض ثوابا من العمل؛ و أنه لا يجوز إن يلحق ثواب النية بثواب العمل؛ و لهذا قال أبو هاشم: إن العزم لا بدّ أن يكون دون المعزوم عليه فى ثواب و عقاب:

و ردّ على أبى عليّ قوله: «إنّ العزم على الكفر لا بدّ أن يكون كفرا؛ و العزم على الكبير يجب أن يكون كبيرا» بأن قال له: لا يجب أن يساوى العزم المعزوم عليه فى ثواب و لا عقاب؛ فإن كان هاهنا دليل سمعىّ يدلّ على أن العزم على الكفر كفر، و العزم على الكبير كبير صرنا إليه؛ إلا أنه لا بدّ مع ذلك من أن يكون عقاب العزم دون عقاب المعزوم عليه؛ و إن اجتمعا فى الكفر و الكبير.

و وقع بالحضرة السامية العادلة المنصورة-أدام اللّه سلطانها-من التقدير لذلك و الخوض فيه كلّ دقيق‏ (2) غريب مستفاد؛ و هذه عادتها-حرس اللّه نعمتها-فى كل فن من فنون العلم و الأدب؛ لأنها تنتهى من التحقيق و التدقيق إلى غاية من لا يحسن إلا ذلك الفن؛ و لا يعرف إلا بذلك النوع.

و قال بعض من حضر: قد قيل فى تأويل هذا الخبر وجهان حسنان، فقلت له:

اذكرهما؛ فربما كان الّذي عندى فيه مما استخرجته أحدهما، فقال:

يجوز أن يكون المعنى أن نية المؤمن خير من عمله العارى من نية. فقلت: لفظ

____________

(1) ط، حاشية ف (من نسخة) : «العادلة» .

(2) حاشية الأصل (من نسخة) : «كل دفين» .

316

«أفعل» لا يدخل إلا بين شيئين قد اشتركا فى الصفة، و زاد أحدهما فيها على الآخر؛ و لهذا لا يقول أحد: إن العسل أحلى من الخلّ؛ و لا إن النبي عليه السلام أفضل من إبليس؛ و العمل إذا عرى من نية لا خير فيه، و لا ثواب عليه؛ فكيف تفضّل النية الجميلة عليه؛ و فيها خير و ثواب على كل حال.

قال: و الوجه الآخر أن تكون نية المؤمن فى الجميل خير من عمله الّذي هو معصيته.

فقلت: و هذا يبطل أيضا بما بطل به الوجه الأول، لأن المعصية لا خير فيها فيفضل غيرها عليها فيه.

و قالت الحضرة السامية العادلة المنصورة-أدام اللّه دولتها-تحقيقا لذلك و تصديقا: هذا هجو لنية المؤمن، و الكلام موضوع على مدحها و إطرائها، و أىّ فضل فى أن تكون خيرا من المعاصى، و إنما الفضل أن تكون خيرا مما فيه خير!

فسئلت حينئذ ذكر الوجه الّذي عندى فقلت: لا تحمل لفظة «خير» فى الخبر على معنى «أفعل» الّذي هو للتفضيل و الترجيح و قد سقطت الشبهة، و يكون معنى الكلام: إن نية المؤمن من جملة الخير من أعماله؛ حتى لا يقدّر مقدّر أن النية لا يدخلها الخير و الشر؛ كما يدخل ذلك فى الأعمال. فاستحسن هذا الوجه الّذي لا يحوج إلى التعسّف و التكلّف اللذين يحتاج إليهما إذا جعلنا لفظة «خير» معناها معنى «أفعل» ؛ و انقطع الكلام لدخول الوقت السّعيد المختار لدخول البلد و نهوض الحضرة السامية-أدام اللّه سلطانها- للركوب.

و كان فى نفسى أن أذكر شواهد لهذا الوجه و لواحق يقتضيها الكلام، و خطر بعد ذلك ببالى وجهان سليمان من الطّعن إذا حملنا لفظة الخير فى الخبر على الترجيح و التفضيل؛ و أنا أذكر ذلك:

أمّا شاهد ما استخرجته من التأويل من حمل لفظة «خير» على غير معنى التفضيل و الترجيح فكثير؛ و قد ذكرت فى كتابى المعروف «بالغرر» عند كلامى فى قوله تعالى:

317

وَ مَنْ كََانَ فِي هََذِهِ أَعْمى‏ََ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمى‏ََ وَ أَضَلُّ سَبِيلاً ؛ [الإسراء: 72]من الكلام على هذا الوجه ما استوفيته‏ (1) ، و ذكرت قول المتنبى:

ابعد بعدت بياضا لا بياض له # لأنت أسود فى عينى من الظّلم‏ (2)

و أن الألوان لا يتعجب منها بلفظ «أفعل» الموضوع للمبالغة، و كذلك الخلق كلها؛ و إنما يقال: ما أشدّ سواده!و أن معنى البيت ما ذكره أبو الفتح عثمان بن جنّى من أنه أراد:

أنّك أسود من جملة الظّلم؛ كما يقال: حرّ من أحرارا، و لئيم من لئام؛ فيكون الكلام قد تمّ عند قوله: «لأنت أسود» . و لو أراد المبالغة لما كان تامّا إلا عند صلة الكلام بقوله: «من الظّلم» ؛ و استشهد ابن جنّى أيضا على صحة هذا التأويل بقول الشاعر:

و أبيض من ماء الحديد كأنّه # شهاب بدا و اللّيل داج عساكره‏ (3)

كأنه قال: و أبيض كامن من ماء الحديد.

و قلت أنا: قول الشاعر:

يا ليتنى مثلك فى البياض‏ (4) # أبيض من أخت بنى إباض‏

يمكن حمله على ما حملناه عليه ببيت المتنبى؛ كأنه قال: أبيض من جملة أخت بنى إباض و من عشيرتها و قومها، و لم يرد المبالغة و التفضيل؛ و هو أحسن من قول أبى العباس المبرّد لما أنشد هذا البيت و ضاق ذرعا بتأويله على ما يطابق الأصول الصحيحة أنّ ذلك محمول على الشّذوذ و النّدران.

فإن قيل: كيف تكون نية المؤمن من جملة أعماله على هذا التأويل، و النية لا تسمى عملا فى العرف، و إنما تسمى بالأعمال أفعال الجوارح؛ و لهذا لا يقولون: عملت بقلبى، كما يقولون: عملت بيدى، و لا يصفون أفعال اللّه تعالى بأنها أعمال؟

قلنا: ليس يمتنع أن تسمى أفعال القلوب بأنها أعمال، و إن قل استعمال ذلك فيها، أ لا ترى

____________

(1) المجلس السابع؛ الجزء الأول: 87-94.

(2) ديوانه 4: 35.

(3) البيتان 1: 35 من غير عزو.

(4) البيتان فى اللسان (بيض) .

318

أنهم لا يكادون يقولون: فعلت بقلبى؛ كما يقولون: فعلت بجوارحى؛ و إن كانت أفعال القلوب تستحق التسمية بالفعل حقيقة بلا خلاف؛ و لكن لا تسمى أفعال اللّه تعالى بأنها أعمال؛ لأن هذه اللفظة تختصّ بالفعل الواقع عن قدرة، و القديم تعالى قادر لنفسه؛ كما لا نصفه تعالى بأنه مكتسب لاختصاص هذه اللفظة بمن فعل لجرّ نفع، أو دفع ضرر.

و لو سلّمنا أن اسم العمل يختص بأفعال الجوارح جاز أن يطلق ذلك على النية مجازا و استعارة؛ فباب التجوّز أوسع من ذلك.

و أما الوجهان اللّذان خطرا ببالى إذا قدرنا أن لفظة «خير» فى الخبر محمولة على الفاضلة؛ فأحدهما أن يكون المراد: نية المؤمن مع عمله خير من عمله العارى من نيّة؛ و هذا مما لا شبهة أنه كذلك.

و الوجه الثانى أن يريد: نيّة المؤمن لبعض أعماله قد تكون خيرا من عمل آخر له لا تتناوله هذه النية؛ و هذا صحيح لأن النية لا تجوز أن تكون خيرا من عملها نفسها. و غير منكر أن تكون نيّة بعض الأعمال الشاقة العظيمة الثواب أفضل من عمل آخر ثوابه دون ثوابها؛ حتى لا يظنّ ظان أن ثواب النية لا تجوز أن يساوى أو يزيد على ثواب بعض الأعمال.

و هذان الوجهان فيهما على كل حال ترك لظاهر الخبر لإدخال زيادة ليست فى الظاهر؛ و التأويل الأول إذا حملنا لفظة «خير» على خلاف المبالغة و التفضيل مطابق للظاهر؛ و غير مخالف له؛ و فى هذا كفاية بمشيئة اللّه.

319

مسألة

سأل بعض الإخوان و قد خطر بباله عند قراءة شي‏ء من أخبار الأئمة و أدعية السادة عليهم السلام من ذكر اسم اللّه تعالى الأعظم، و ما خصّ به من الفضيلة دون سائر أسماء اللّه تعالى، و ما أعطى من دعا به من سرعة الإجابة؛ مثل آصف بن برخيا وصىّ سليمان عليه السلام و مجيئه بعرش بلقيس من سبأ اليمن إلى بيت المقدس فى أقل من طرفة العين؛ و ما نقله الأنبياء و الأئمة و الصالحون من المعجزات، و عن قول الأئمة عليهم السلام فى أدعيتهم: «اللهم إنى أسألك باسمك الأعظم» ، و فيهم من قال: «الأعظم الأعظم» متى زاد على ذلك، و منهم من قال: «الأكبر الأكبر» . قال: فهل ترى أن «الأعظم» غير «الأكبر» ، أو «الأعظم الأعظم» غير «الأعظم» مرة واحدة؟. قال: و إذا قلنا «أعظم» فيجب أن يكون ثمّ «ألطف» ، و إذا قلنا «أكبر» يجب أن يكون ثمّ «أصغر» ؛ و اللّه يتعالى من أن يكون له اسم ألطف من اسم أو أصغر، إذ كانت أسماؤه تعالى لا تذكر إلاّ على معنى واحد؛ و لا يشار بها إلا إليه؛ و قد نطق القرآن بتساويها فى المنزلة، و هى قوله تعالى: قُلِ اُدْعُوا اَللََّهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمََنَ أَيًّا مََا تَدْعُوا فَلَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ [الإسراء: 110]؛ و قال تعالى: وَ لِلََّهِ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ فَادْعُوهُ بِهََا ؛ [الأعراف: 180]، و قد خير اللّه تعالى نبيه عليه السلام فى أن يدعوه بأيّها شاء؛ و ذكر أنها كلّها حسنى، فلم خصّ الأئمة عليهم السلام أحدها بالتعظيم دون سائرها، و المقصود بها و المراد منها واحد تبارك و تعالى!

فإن قيل له: لأن فيه ما يشاركه فيه المخلوقون: مثل كريم و رحيم و عالم و حاكم و غير ذلك؛ فلهذا كانت رتبة بعضها فى التعظيم أقل من بعض.

قال: و الجواب عن ذلك أنه قد بقى منها عدة أسماء لا يشاركه فيها أحد من المخلوقين، و لا يستحقها سواه مثل اللّه و إله و سبّوح و قدّوس و ما أشبه ذلك؛ مما لا يوصف بها غيره، و لا تليق إلا به عزّ و جل، فلم اختص الاسم الأعظم بأحد هذه دون الأجرام؛ أم هل الاسم الأعظم أو الأكبر شي‏ء غير هذه الأسماء المتعارفة بين العوام‏ (1) !

____________

(1) حاشيتى ف، ط: «فى هذا الكلام بعض التخليط كأنه ليس من تحرير السيد رحمه اللّه» .

320

مسألة

و سأل غير الأول من الإخوان عن قوله تعالى فى سورة يس: لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ فَهُمْ غََافِلُونَ ؛ [يس: 6].

قال:

إذا كانت آباؤهم لم ينذروا فبأىّ شي‏ء يحتجّ عليهم!و كيف يعاقبهم على عبادة الأصنام و قد قال تعالى: وَ مََا كُنََّا مُعَذِّبِينَ حَتََّى نَبْعَثَ رَسُولاً ؛ [الإسراء: 15]!و كيف يصحّ أن تخلو أمة من الأمم من نذير، مع قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاََّ خَلاََ فِيهََا نَذِيرٌ [فاطر: 24]؛ و قوله تعالى: وَ مََا أَهْلَكْنََا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاََّ لَهََا مُنْذِرُونَ [الشعراء: 208] و قد علم أنّهم كانوا أمما لا يحصيها كثرة غيره تعالى، و قرى كثيرة؛ فكيف هذا! و أىّ شي‏ء المراد به و معلوم أنّ كلامه تعالى لا يتناقض!

قال: فإن قال: إن «ما» التى فى الأمة المتقدمة ليست للنفى بل هى للإثبات، و المعنى فيها: مثل ما أنذر آباؤهم، أو بمعنى الّذي أنذر آباؤهم، أو زائدة؛ لأن الكلام يتم من دونها؛ لتنذر قوما أنذر آباؤهم.

قال: و الجواب عن ذلك أنّ هذا تأويل يفسد، من قبل أنّ المعلوم الّذي لا شك فيه و لا إشكال أنّ اللّه تعالى لم يبعث نبيّا بعد عيسى عليه السلام إلا المبعوث على فترة من الرسل صلى اللّه عليه؛ لأجل ذلك وصفهم بالغفلة لمّا لم ينذر آباؤهم؛ فثبت بهذا أن «ما» التى فى الآية المتقدمة للنفى دون الإثبات، و أن الأخذ بالمعلوم أولى من المظنون.

قال: فإن قيل إن عيسى عليه السلام قد كان بعث إليهم، و شاعت شريعته فيهم، و انتشرت كلمته، و سار الحواريون بدعوته شرقا و غربا، سهلا و جبلا.

قال: فالجواب عن ذلك إذا سلّمنا أن عيسى عليه السلام بعث إليهم فإنّ الفترة إنما كانت بينه و بين محمد صلى اللّه عليه و آله، و أن الحواريين لم يمكثوا بعده إلا قليلا، و أنّ الآباء المذكورين بأنهم لم ينذروا هم الأدنون دون الأبعدين.

321

و لقائل أن يقول: إن عيسى عليه السلام لم يبعث إلا إلى بنى إسرائيل خاصة دون العرب؛ و بذلك نطق القرآن. و له أن يقول: إن الآباء الأبعدين و الأدنين فى الآية سواء. و الّذي يؤيد ذلك قوله تعالى: قَدْ جََاءَكُمْ رَسُولُنََا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى‏ََ فَتْرَةٍ مِنَ اَلرُّسُلِ... ؛ [المائدة: 19]؛ الآية (1) إلى آخرها، و قد صحّ بالجملة و التفصيل أنّ الآباء لم ينذروا، و أن «ما» للنفى فى موضعها من الآية دون الإثبات؛ فكيف القول فى الحجة عليهم؟و لا يحتج محتج بأن العقل هو الحجة عليهم دون الإنذار و الرسل؛ لأن العقل حجّة على من أنذر و على من لم ينذر؛ و عليه معوّل الفلاسفة فى الاستغناء عن الرسل و الأنبياء عليهم السلام.

***

الجواب عن المسألة أن الأولى‏ (2) : أن يكون اسم اللّه تعالى الأعظم خارجا عن هذه الأسماء و الصفات التى فى أيدى الناس يناجون اللّه تعالى بها، و يدعونه و يسألونه؛ لأنّ ذلك الاسم لو كان من جملتها-و قد أجمعوا على أنّ اللّه تعالى لم يسأل به شيئا إلا أعطاه-لكان يجب فى كل داع بهذه الأسماء و الصفات إذا كان الاسم من جملتها أن تجاب دعوته، و تنجح مسألته، و قد علمنا خلاف ذلك، و أنّ أكثر الداعين بهذه الأسماء المسطورة غير مجابين؛ فعلمنا أنّ «الأعظم» ليس من جملتها.

فإذا قيل لنا: فلم خصّ اللّه تعالى بهذا الاسم قوما دون قوم، و لم يجره مجرى سائر أسمائه؟ فالجواب أنه تابع للمصلحة، و إذا كان المعلوم أن كلّ سائل بذلك الاسم مجاب لا محالة، فمن علم أنّ فى إجابته مفسدة لا يجوز أن يمكّن من ذلك الاسم.

فإذا قيل: فينبغى لمن يسأله تعالى، و قال: بحقّ اسمك الأعظم، اعطنى كذا أن يجاب لا محالة؛ و قد علمنا خلاف ذلك؟فالجواب أنه غير ممتنع أن تكون الإجابة إنما تكون واجبة عند التصريح و التلفّظ بهذا الاسم دون الكناية عنه.

____________

(1) بقية الآية: أَنْ تَقُولُوا مََا جََاءَنََا مِنْ بَشِيرٍ وَ لاََ نَذِيرٍ فَقَدْ جََاءَكُمْ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ .

(2) انظر ص 319 من هذا الجزء.

322

فأما تسميته بأنّه أعظم، و أن ذلك يقتضي أن يكون من أسمائه ما ليس بأعظم؛ فالجواب عنه من وجهين:

أحدهما أن تكون لفظة «أفعل» هنا راجعة إلى باقى أسمائه؛ و الوجه الآخر أن ترجع إلى أسماء و صفات غيره.

و بيان الوجه الأول أن معنى «أعظم» هو اختصاصه بفضيلة أن الدّعاء به مجاب، و هذه المزية ليست فى باقى الأسماء؛ فكأنه أعظم منها لاختصاصه برتبة عالية ليست لباقيها.

و أما الوجه الثانى فيكون المعنى أنه أعظم بالإضافة إلى أسمائكم و صفاتكم؛ لأنه ليس لشي‏ء من صفاتنا هذه المزية؛ و لم تجعل هذه المزية لأجل فقد المشاركة فى المعنى؛ فيلزم عليه إله و قديم و رحمن؛ على ما مضى فى السؤال؛ بل لأن اللّه تعالى خصّ هذا الاسم بهذه المزية لما علم من المصلحة.

فأما إلزامنا أن يكون فى أسمائه تعالى ما هو أصغر فلا يلزم على الجواب الثانى؛ فإذا ألزمنا ذلك على الجواب الأول قلنا: إذا كان قولنا «أعظم» بالإضافة إلى أسمائه تعالى معناه أن له هذه المزية و الرتبة، فلا محالة أنه يجب فيما ليس له هذه المزية من أسمائه ألاّ يكون الأعظم.

و لا يجوز أن نقول: أصغر و أحقر و ما يجرى مجرى ذلك؛ لأنه يوهم المهانة؛ و ما لا تجوز فى شي‏ء من أسمائه.

و أما قوله تعالى: وَ لِلََّهِ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ فَادْعُوهُ بِهََا فإنما سمّاها كلها الحسنى؛ و ليس يمتنع أن يكون فيما هو حسن تفاضل و تزايد، و كذلك قوله تعالى: قُلِ اُدْعُوا اَللََّهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمََنَ أَيًّا مََا تَدْعُوا معناه التخيير لنا بين أن ندعوه بأىّ الاسمين شئنا؛ و ما يمضى فى ألفاظ الدعاء من أنى أسألك باسمك الأكبر تارة؛ و أخرى بالأعظم، و الأشبه أن يراد باللّفظتين معنى واحد.

و أ ما تكرير لفظ «الأعظم» فهو على سبيل التأكيد و التفخيم؛ لا لأن «الأعظم» مرة واحدة غير «الأعظم» مرتين، و باللّه التوفيق.

***

323

و الجواب عن المسألة الثانية (1) أنه غير ممتنع عندنا أن يخلو الزمان الطويل و القصير من رسول مبعوث بشريعة؛ و إن كان لا يخلو من إمام؛ و لهذا يقول أصحابنا: إن الإمامة واجبة فى كلّ زمان؛ و ليست كذلك النبوة.

و الوجه فيه أنّ إرسال الرسول تابع لما يعلمه اللّه من المصالح للمكلّفين فى الشرائع و العبادات؛ و غير بعيد فى العقل أن يعلم تعالى أنّه لا شي‏ء من الشرائع فيه مصلحة للمكلّفين؛ فلا تجب الرّسالة بل لا تحسن. فأما قوله تعالى: وَ مََا كُنََّا مُعَذِّبِينَ حَتََّى نَبْعَثَ رَسُولاً ، و قوله: وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاََّ خَلاََ فِيهََا نَذِيرٌ و قوله: وَ مََا أَهْلَكْنََا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاََّ لَهََا مُنْذِرُونَ ؛ فيجوز أن يكون مخصوصا غير عام؛ و يعنى به من الشرائع و العبادات من ألطافه؛ فإن دلّ دليل قاطع على عموم هذه الظواهر قطعنا لأجله على أن الشرائع من ألطاف المكلّفين؛ و إن كان جائزا فى العقل ألاّ يكون الأمر على ذلك.

و قد اختلف أهل التأويل فى تأويل هذه الآية، فقال جماعة: إن لفظة «ما» هاهنا للنفى، و المراد أن آباءهم ما أنذروا، لأنّ المصلحة لم تقتض بعثة رسول إليهم؛ و ليس من المعلوم لنا أنّ عيسى عليه السلام كان الحجة على كلّ مكلّف كان بين زمانه و بين زمان نبيّنا عليه السلام.

و يقوّى هذا الجواب إثبات الفترة و أنّه عليه السلام بعث على فترة من الرسل.

و ذهب قوم من أهل التأويل إلى أن «ما» فى الآية ليست للنّفى بل للإثبات؛ و المراد:

لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم؛ و هذا أيضا جائز.

و يقوّى هذا الجواب و يضعف الأول أن قوله تعالى: فَهُمْ غََافِلُونَ يقتضي الذمّ لهم بالغفلة؛ و ذلك يقتضي أنهم أنذروا فغفلوا و أعرضوا. و لا يذمّ بالغفلة من لا سبيل له إلى العلم و التبين.

و فى الناس من حمل قوله تعالى: مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ على النفى، و المراد أنه لم ينذرهم من هو منهم و على نسبهم و من أنفسهم؛ كما قال تعالى: لَقَدْ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ

____________

(1) انظر ص 320 من هذا الجزء.

324

أَنْفُسِكُمْ ؛ [التوبة: 128]فيكون تلخيص الكلام: لتنذر قوما أنت منهم ما أنذر آباءهم من هو منهم؛ أى من قومهم و من أنفسهم.

و يمكن فى لفظة «ما» وجه آخر و هو أن يراد بها التنكير؛ كأنه قال: لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا و تقف، ثم تبتدئ فتقول: أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ فَهُمْ غََافِلُونَ ؛ كما يقول القائل: أكلت طعاما ما، و لقيت جماعة ما، و يكون الغرض التنكير و الإجمال؛ و ليست لفظة «ما» هاهنا زائدة؛ لأن حدّ الزائد أن يكون دخوله فى عدم الفائدة كخروجه؛ و هى هاهنا مفيدة على ما بيّناه. ـ

325

مسألة

فى الاعتراض على أن من استدلّ بدليل السّحارة على أن العالم ملاء، و ما أبطل به ذلك‏

اعلم أنّ فكرت فيما أجاب به أبو هاشم من يقول: إن العالم ملاء، إذا استدل بالآلة التى تسمّى السّحارة (1) على ذلك؛ و ادّعى أن علّة وقوف الماء عن النزول من الثّقب الصغار التى فى أسفلها إذا سددنا رأسها هو منع الهواء بسدّ الرأس من أن يحدث فى مكان الماء. و قول أبى هاشم:

إن العلة فى وقوف الماء عن السيلان إذا سددنا رأس السّحارة بالإصبع أن الهواء يمنع الماء من النزول لضعف ما يخرج من الماء فى الثّقب الصغار؛ فإذا فتحنا الرأس دفع الهواء الماء من أعلى السحارة فقوى الماء على النزول؛ فوجدته غير واضح، لأن الماء فيه اعتمادات سفلا و ثقل و نفس الهواء على مذهبنا-و هو الصحيح-لا اعتماد فيه البتة؛ فكيف تمنع ما لا اعتماد فيه للجسم الّذي فيه اعتماد سفلا عن الهبوط و النزول!و إذا كان الهواء هو المانع من نزول الماء من الثّقب الصغار-و من مذهب أبى هاشم جواز خلوّ الأماكن من الهواء-فكان يجب أن يجوّز أن يسيل الماء من أسفل السحارة مع سدّ أعلاها بالإصبع؛ بأن يصادف ذلك مكانا خاليا من الهواء الّذي يدّعى أنه مانع من نزول الماء.

فأما تقويته لذلك بذكر الريشة، و أنها تقف فى الهواء فلا تنزل؛ لأن الهواء يمنعها من الهبوط، فأوّل ما فيه أن الريش لخفّته ربما أبطأ نزوله؛ فظنّ أنه واقف؛ و ربما كان فى الهواء اعتمادات مختلفة صعدا، فتمنع هذه الاعتمادات التى هى فى خلاف جهة اعتمادات الريشة من النزول.

فأما إذا كانت الريشة فى هواء ساكن لا اعتماد فيه فإن الهواء لا يجوز أن يمنعها من الهبوط.

و من أطرف الأمور قوله: إن الهواء إذا فتحنا عن رأس السحارة يدافع الماء، و يكون

____________

(1) فى حاشية ف، ط: «إن الآلة المعروفة بالسحارة هى الآلة التى يكون فى رأسها ثقب واحد و فى أسفلها ثقوب كثيرة، إذا ملأناها بالماء ثم سددنا رأسها بالإبهام لم ينزل الماء من الثقب التى فى أسفلها؛ و إذا أزلنا إبهامنا نزل الماء؛ و لا علة لذلك إلا أنها عند سد رأسها بالإبهام منعنا الهواء من أن يخلف فى مكان الماء» .

326

سببا لنزوله من الثقوب؛ لأن الهواء على مذاهبنا لا اعتمادات فيه، فكيف يدافع الماء!و من قال من الفلاسفة: إن فيه اعتمادات صعدا لا يليق دفع الماء بقوله، لأن تلك الاعتمادات فى غير جهة اعتماد الماء. و أىّ عاقل يخفى عليه أن الهواء الساكن المعتدل لا يجوز أن يدفع الماء من رأس السحّارة!

و بعد، فمع القول بجواز خلوّ الأماكن من الهواء؛ و القطع على ذلك فى بعض الأحوال قد كان يجب أن يجوز أن يفتح رأس السحّارة، و لا يسيل الماء من الثّقب من أسفلها؛ لأن الهواء الّذي ادّعى أنه يدافع الماء من رأسها مفقود.

و الّذي يدعيه أبو هاشم من أن السحّارة لو ملئت زئبقا و سدّ رأسها لنزل من الثقوب الصّغار؛ و قوله: إنما كان كذلك لثقل الزّئبق، و أنّ الهواء الّذي يلاقى من تحتها الثقوب الصغار لا يقوى على منعه من النزول؛ كما لا يتم ذلك فى الماء موقوف على التّجربة.

فأما ما جرّبناه فنتكلّم على العلة المفرّقة بين الزّئبق و الماء؛ و الّذي يجب أن يعتمد فى نقض الاستدلال من القائلين بذلك فى الماء و السحارة أن يقال لهم: ما أنكرتم أن يكون اللّه تعالى أجرى العادة بأن يفعل فى الماء السكون و الوقوف مع سدّ رأسها، فلا ينزل من أسفلها، و إذا فتحنا رأسها لم يفعل ذلك السكون فيجرى الماء منها من الثقوب.

و ليس ينبغى أن ينكر أصحابنا خاصّة أن يكون هذا بالعادة؛ و نحن كلّنا نقول: إن انجذاب الحديد إلى حجر المغناطيس إنما هو بالعادة؛ و إلا فالمغناطيس و سائر الأحجار سواء.

و إن بالعادة وقع الشّبع عند تناول الخبز و اللحم، و ارتفع عند غيرهما، و الجنس واحد و ما تقوّل جماعتنا إنه بالعادة أكثر من أن يحصى.

و إذا أنكر الفلاسفة الملحدون تعليقنا ذلك بالعادة لجحدهم الصانع؛ دللناهم على الأصل الّذي لمّا جهلوه ضعف ما نقوله فى نفوسهم، فبثبوته يسهل ذلك كلّه.

فإذا قيل لنا: فما طريقه العادة يجوز فيه الاختلاف؛ فجوّزوا أن تكون السحارة فى بعض البلاد التى لا تتصل بنا أخبارها يسيل الماء من أسفلها مع سدّ رأسها، و لا يسيل مع فتحها.

327

قلنا: نحن نجوّز ذلك، و لا نمنع أن تختلف العادة فيه؛ كما لا نمنع أن يستمرّ فى كلّ بلد؛ و عند كل أحد، و لا يخرج هذا الحكم مع استمراره من أن يكون مستندا إلى العادة؛ أ لا ترى أنّ القاطعين على وقوع العلم الضرورى بمخبر الأخبار إذا كان العدد زائدا على أربعة مع استيفاء باقى الشروط لا يجوّزون أن تختلف العادات فى ذلك؛ بل يقطعون على أنّ العادة مستمرة بذلك فى كل موضع.

فإذا قيل له: كيف يتميّز ذلك و هو معتاد مع الاستمرار من الوجوب؟

قال: فإن المستند إلى العادة لا بدّ من أن يختلف على بعض الوجوه؛ ليفارق بذلك الاختلاف الواجب؛ و يتميّز عنه. و الخبر الّذي يجب عنده حصول العلم الضرورىّ قد يقع مثله و من جنسه؛ مع اختلاف بعض هذه الشروط؛ فلا يجب العلم. فلو كان هناك إيجاب لوجب العلم على كل حال، و هذا بعينه قائم فى السحّارة؛ لأنّ الثقوب لو وسّعت لسال الماء على كل حال، و لو كانت هناك طبيعة موجبة لوقوف الماء لم تختلف الحال على بعض الوجوه.

و بعد، فإن علّة أبى هاشم فى وقوف الماء من السحارة عن السيلان-و إن كنّا قد بيّنا بطلانها-لا نجدها فى القدح المعروف بقدح العدل؛ و هو قدح فى وسطه بربخ‏ (1) مجوّف يبلغ ارتفاعا إلى قريب من أعلاه، و هذا البربخ‏ (1) نافذ من جهة أسفله، و على رأس هذا البربخ فى وسط القدح كالغشاء يحيط به من جوانبه على تجاف عنه؛ و هو من أعلاه مسدود، و من أسفله مفروج، فإذا طرحنا فى هذا القدح ماء فهو ثابت؛ حتى يبلغ إلى محاذاة رأس البربخ، فإذا زاد عليها و لو باليسير خرج جميع الماء من القدح بأن يصعد من أسفل القدح إلى رأس البربخ حتى ينزل جميعه.

و أصحاب الملاء يدّعون أن العلّة فى صعود الماء إلى فوق رأس ذلك من شأنه هو اضطرار الخلاء؛ و حتى لا يخلو مكان من متمكّن فيه، فما العلّة فى صعود الماء ثم هبوطه على مذهب أبى هاشم؟و ما يعلّل فى السحارة لا يتأتى هاهنا؛ و ليس بعد ذلك إلا إسناده إلى العادة، و جريها.

و اللّه ولىّ التوفيق.

____________

(1) البربخ: منفذ الماء و مجراه.

328

مسألة

سئل رضى اللّه عنه عن الفرق بين الألثغ و الأليغ، فقال: الألثغ الّذي تكون فى لسانه ردّة فى حرف بعينه، كالطاء و السين و ما أشبههما من الحروف؛ و الأليغ الّذي تكون فى لسانه فى سائر الحروف ردّة.

329

مسألة

سئل رضى اللّه عنه عن قول النبي صلى اللّه عليه و آله: «أعلمكم بنفسه أعلمكم بربّه» ما معناه؟فقال: معنى هذا الخبر أنّ أحدنا إذا كان عالما بأحوال نفسه و صفاته فلا بدّ أن يكون عالما بأحوال من جعله على هذه الصفات؛ و صيّر له هذه الأحوال و الأحكام؛ لأنّ من علم الفرع لا بدّ أن يكون عالما بأصله الّذي يستند إليه، و يتفرّع عليه، و إذا دخل التزايد فى العلم و كان بالفرع أعلم فهو بالأصل أعلم.

و شرح هذه الجملة أنّ من علم نفسه أنّه محدث مصنوع مخلوق مربوب قادر حىّ؛ عالم فلا بدّ من أن يكون عالما بمن جعله على هذه الصفات، و صيّر له هذه الأحوال و الأحكام، و لو لاه جلّ اسمه لم يكن على شي‏ء منها؛ فالتزايد و التفاضل فى أحد الأمرين يقتضي التزايد و التفاضل فى الآخر.

و لا يلزم على هذه الجملة أن أحدنا قد يعلم نفسه موجودا و إن لم يكن باللّه تعالى عارفا؛ و هو جلّ و عزّ الّذي أوجده، و لولاه لم يكن موجودا، أ لا ترى أن الدّهرية يعلمون العالم و ما فيه موجودا و إن لم يعلموا أن له موجدا، و كذلك قد يعلم أحدنا كونه قادرا و عالما و حيّا و إن لم يعلم من جعله على هذه الأحوال؛ و ذلك أنّا إذا أدخلنا لفظة «أفعل» فقلنا: من كان أعلم بنفسه كان أعلم بربّه، و من علم نفسه موجودا و لم يعلم موجده و خالقه ليس بأعلم بنفسه؛ و إن قيل هو عالم و لفظة المبالغة تقتضى أنه إذا لم يعلم أن له موجدا و مقدرا و مجيبا فليس بأعلم بنفسه. و الّذي يبيّن هذا أنه لا يمتنع فيمن علم قطعة من النّحو أن نقول:

إنه عالم بالنحو، و لا نقول: هو أعلم. إلا إذا كان مستوليا على جميع علومه؛ لا يذهب عليه شي‏ء منها.

و ليس يمتنع أن نعكس لفظ هذا الخبر فنقول: أعلمكم بربّه أعلمكم بنفسه؛ لأنه من كان باللّه أعلم فلا بدّ من أن يكون عالما بأنه خالقنا و رازقنا و محيينا و مميتنا، و الجاعل لنا على هذه الأحوال و الصفات فمن حيث تعلّق كلّ واحد من الأمرين بصاحبه جاز أن يجعل كلّ واحد من الأمرين تارة فرعا، و تارة أصلا.

330

مسألة

و سئل رضى اللّه عنه عن قوله تعالى: وَ مِنْ آيََاتِهِ خَلْقُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اِخْتِلاََفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوََانِكُمْ ؛ [الروم: 22]. و هل يوجب قوله: وَ اِخْتِلاََفُ أَلْسِنَتِكُمْ أن يكون كلامنا على ظاهر الآية خلقا له تعالى؟فقال:

فى هذه الشبهة ثلاثة أجوبة:

منها أن معنى اختلاف ألسنتكم، أى اختلاف لغاتكم فى البيان أو الأشكال.

و منها اختلاف مخارج الكلام من ألسنتكم؛ ككلام الألثغ و الأليغ و الأرتّ و التّمتام و نحوهم.

و منها اختلاف ألسنتكم فى خلقها و أشكالها و صيغها، كالطّويل منها و القصير و العريض و الدقيق. و اللّه تعالى الموفّق للصواب.

331

مسألة

قال رضى اللّه عنه: قد طعن من لا تأمّل له على استدلالنا على أنّ الأفعال الظاهرة فينا من قيام و قعود و أكل و شرب و ما جرى مجرى ذلك متعلّقة بنا، و حادثة من جهتنا بوجوب‏ (1) وقوعها بحسب قصودنا و أحوالنا و دواعينا بأن قال:

كيف يجوز أن تدّعوا العلم الضرورىّ بوجوب وقوع أفعالكم بحسب أحوالكم؟ و إنما تشيرون بالوقوع إلى الحدوث.

و إذا كان حدوث هذه الأفعال لا يعلم ضرورة؛ و إنما يعلم بدقيق الاستدلال و النظر، فكيف يجوز أن تعلموا حكم الذات ضرورة، و أنتم تعلمون تلك الذات بدليل؟و العلم بالذات أصل للعلم بالأحكام؛ و لا يجوز أن يكون العلم بالأصل مستدلاّ عليه، و العلم بالفرع ضروريا.

***

و الجواب عن ذلك أنّ الوجوب أو الجواز حكم للأحوال الموجبة عن الأفعال التى هى ذوات حادثة؛ و نحن نعلم كون الجسم منتقلا و كائنا فى جهة من الجهات ضرورة؛ و إن كنّا لا نعلم الكون الّذي فيه إلا بدلالة، و الوجوب حكم لكونه كائنا، و ليس بحكم للكون الّذي هو الذات، فما علمنا على هذا التقرير الأصل و الفرع إلا ضرورة، و هذان العلمان منفصلان عن العلم بالذات الّذي يحتاج فيه إلى الدلالة.

أ لا ترى أن الشيوخ نصّوا فى كتبهم على أن المدرك منّا للجوهر يعلم ضرورة عند الإدراك كونه متحيزا، و كونه فى جهة مخصوصة، و كونه موجودا!و نصّوا على أنّ هذه العلوم ضرورية و واقعة عند الإدراك؛ و إن كان الإدراك لا يتناوله إلا كونه متحيّزا دون ما عدا هذه الصفة، فكيف يشكل هذا الّذي ذكرناه، و معلوم أن نفاة الأعراض من الموحدين و الملحدين يعلمون كون الجسم متحركا أو ساكنا، و قريبا أو بعيدا ضرورة، و يعلمون كون أحدنا قائما أو قاعدا، أو آكلا أو شاربا كذلك؛ و يعلمون ما هو واجب من هذه الأحوال أو واجب فى الموضع الّذي تجب فيه، أو يجوز ضرورة.

____________

(1) فى حاشيتى ف، ط: «أى استمرار» .

332

و إن كانوا لا يثبتون المعانى التى هى الأعراض، و لا يعرفونها، فكيف يشكل على متأمّل أن الأحكام التى أشرنا إليها و ادّعينا وجوبها على بعض الوجوه ليست أحكاما للمعانى التى لا تعلم إلا بالدلالة و إنما هى أحكام للأحوال المعلومة أيضا ضرورة، و أن ما علمناه ضرورة حكم لأمر نعلمه أيضا ضرورة.

و من حمل نفسه أن يخالف فى وجوب ما ذكرناه دافع للضرورة؛ لأن العلم بما ذكرناه من أوضح الضرورات. و الفرق بين وجوب كون أحدنا آكلا و قد اشتد جوعه و ارتفعت الموانع عنه-و هو صحيح سليم-و بين وجوب آكله إذا جاع غيره معلوم ضرورة؛ و آخر ما يبدأ به العقل.

و إذا كان الفرق الّذي ذكرناه معلوما ثبت ما هو مستند إليه من الوجوب عند قوة الدواعى و خلوصها.

و المعارضة على هذه الطريقة بوجوب الشّبع عند الأكل، و السّكر عند شرب الخمر، و ما جرى مجرى ذلك غير صحيح، لأنه لا وجوب فى سائر ما ذكرناه، أ لا ترى أن فى الناس من يشبع باللّقمة، و فيهم من لا يشبع بأكل العجنة (1) ، و كذلك فى السّكر و الرّىّ.

و لما استند ذلك إلى العادة جاز أن يختلف بالأشخاص و الأحوال، و لما استند ما ذكرناه من الوجوب إلى غير العادة كان مستمرا فى كل شخص، و على كل حال، و على كل وجه و سبب، فأين أحد الأمرين من الآخر!

____________

(1) العجنة قدر ما يعجن فى مرة.

333

مسألة فى تفضيل الأنبياء على الملائكة عليهم السلام‏

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطيبين الطاهرين و سلّم تسليما.

اعلم أنّه لا طريق من جهة العقل إلى القطع بفضل مكلّف على آخر، لأن الفضل المراعى فى هذا الباب هو زيادة استحقاق الثواب، و لا سبيل إلى معرفة مقادير الثواب من ظواهر فعل الطاعات، لأنّ الطاعتين قد تتساوى فى ظاهر الأمر حالهما، و إن زاد ثواب واحدة على الأخرى زيادة عظيمة، و إذا لم يكن للعقل فى ذلك مجال فالمرجع فيه إلى السّمع، فإن دلّ سمع مقطوع به من ذلك على شي‏ء عوّل عليه، و إلا كان الواجب التوقف عنه، و الشكّ فيه.

و ليس فى القرآن، و لا فى سمع مقطوع على صحة ما يدلّ على فضل نبىّ على ملك و لا ملك على نبىّ. و سنبيّن أن آية واحدة مما يتعلق به فى تفضيل الأنبياء على الملائكة عليهم السلام يمكن أن يستدل بها على ضرب من الترتيب نذكره.

و المعتمد فى القطع على أن الأنبياء أفضل من الملائكة عليهم السلام على إجماع الشيعة الإمامية على ذلك، فهم لا يختلفون فى هذا، بل يزيدون عليه، و يذهبون إلى أن الأئمة أفضل من الملائكة، عليهم أجمعين السلام. و إجماعهم حجة لأن المعصوم فى جملتهم.

و قد بيّنا فى مواضع من كتبنا كيفية الاستدلال بهذه الطريقة و رتبناه، و أجبنا عن كلّ سؤال يسأل عنه فيها، و بينّا كيف الطريق مع غيبة الإمام إلى العلم بمذاهبه و أقواله، و شرحنا ذلك، فلا معنى للتشاغل به هاهنا.

و يمكن أن يستدلّ على ذلك بأمره تعالى للملائكة بالسجود لآدم عليه السلام؛ و أنه يقتضي تعظيمه عليهم، و تقديمه و إكرامه، و إذا كان المفضول لا يجوز تعظيمه و تقديمه على الفاضل علمنا أن آدم عليه السلام أفضل من الملائكة، و كل من قال: إن آدم عليه السلام أفضل من الملائكة ذهب إلى أن جميع الأنبياء عليهم السلام أفضل من جميع الملائكة، و لا أحد من الأمة فصل بين الأمرين.

334

فإن قيل: و من أين أنّه أمرهم بالسجود على جهة التقديم و التعظيم؟

قلنا: لا يخلو تعبّدهم بالسجود له من أن يكون على سبيل القبلة و الجهة من غير أن يقترن به تعظيم و تقديم، أو يكون على ما ذكرناه.

فإن كان الأوّل لم يجز أنفة إبليس من السجود و تكبّره عنه؛ و قوله: أَ رَأَيْتَكَ هََذَا اَلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ، [الإسراء: 62]. و قوله: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نََارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ؛ [ص: 76].

و القرآن كله ناطق بأن امتناع إبليس من السجود إنما هو لاعتقاده التفضيل به و التكرمة، فلو لم يكن الأمر على هذا لوجب أن يردّه اللّه تعالى عنه، و يعلمه أنّه ما أمره بالسجود على وجه تعظيمه له و لا تفضيله؛ بل على الوجه الآخر الّذي لا حظّ للتفضيل فيه؛ و ما جاز إغفال ذلك، و هو سبب معصية إبليس و ضلالته؛ فلما لم يقع ذلك دلّ على أن الأمر بالسجود لم يكن إلا على جهة التفضيل و التعظيم. و كيف يقع شكّ فى أنّ الأمر على ما ذكرناه؛ و كلّ نبىّ أراد تعظيم آدم عليه السلام، و وصفه بما اقتضى الفخر و الشرف و نعته بإسجاد الملائكة له؛ و جعل ذلك من أعظم فضائله؛ و هذا مما لا شبهة فيه.

فأمّا اعتماد بعض أصحابنا فى تفضيل الأنبياء على الملائكة على أن المشقة فى طاعة الأنبياء عليهم السلام أكثر و أوفر من حيث كانت لهم شهوات فى القبائح، و نفار عن الواجبات فليس بمعتمد؛ لأنّا نقطع على أنّ مشاق الأنبياء أعظم من مشاقّ الملائكة فى التكليف؛ و الشكّ فى مثل ذلك واجب، و ليس كلّ شي‏ء لم يظهر لنا ثبوته وجب القطع على انتفائه. و نحن نعلم على الجملة أن الملائكة إذا كانوا مكلّفين فلا بدّ من أن تكون عليهم مشاقّ فى تكليفهم، و لو لا ذلك ما استحقوا ثوابا على طاعاتهم. و التكليف إنما يحسن فى كلّ مكلّف تعريضا للثواب؛ و لا يكون التكليف شاقّا عليهم إلا و تكون لهم شهوات فيما حظر عليهم، و نفار عما أوجب.

و إذا كان الأمر على هذا فمن أين يعلم أن مشاقّ الأنبياء عليهم السلام أكثر من

335

مشاق الملائكة؟و إذا كانت المشقّة عامّة لتكليف الأمة (1) ، و لا طريق إلى القطع على زيادتها فى تكليف بعض، و نقصانها فى تكليف آخرين فالواجب التوقّف و الشك.

و نحن الآن نذكر شبه من فضّل الملائكة على الأنبياء عليهم السلام، و نتكلم عليها بعون اللّه.

فما تعلّقوا به فى ذلك قوله تعالى حكاية عن إبليس مخاطبا لآدم و حواء عليهما السلام:

مََا نَهََاكُمََا رَبُّكُمََا عَنْ هََذِهِ اَلشَّجَرَةِ إِلاََّ أَنْ تَكُونََا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونََا مِنَ اَلْخََالِدِينَ ؛ [الأعراف: 20]، فرغّبهما فى التناول من الشّجرة ليكونا فى منزلة الملائكة، حتى تناولا و عصيا.

و ليس يجوز أن يرغب عاقل فى أن يكون على منزلة هى دون منزلته؛ حتى يحمله ذلك على خلاف اللّه تعالى و معصيته؛ و هذا يقتضي فضل الملائكة على الأنبياء عليهم السلام.

و تعلقوا أيضا بقوله تعالى: لَنْ يَسْتَنْكِفَ اَلْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلََّهِ وَ لاَ اَلْمَلاََئِكَةُ اَلْمُقَرَّبُونَ ؛ [النساء: 172]، و تأخير ذكر الملائكة فى مثل هذا الخطاب يقتضي تفضيلهم؛ لأنّ العادة إنما جرت بأن يقال: لن يستنكف الوزير أن يفعل هذا و لا الخليفة، فيقدّم الأدون و يؤخر الأعظم؛ و لم يجز بأن يقال: لن يستنكف الأمير أن يفعل كذا و لا الحارس؛ و هذا يقتضي تفضيل الملائكة عليهم السلام.

و تعلّقوا بقوله تعالى: وَ لَقَدْ كَرَّمْنََا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْنََاهُمْ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ وَ رَزَقْنََاهُمْ مِنَ اَلطَّيِّبََاتِ وَ فَضَّلْنََاهُمْ عَلى‏ََ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنََا تَفْضِيلاً ؛ [الإسراء: 70]؛ قالوا: و ليس بعد بنى آدم مخلوق يستعمل فى الخبر عنه لفظة «من» التى لا تستعمل إلا فى العقلاء إلا الجن و الملائكة؛ و لمّا لم يقل: «و فضلناهم» على «من» بل قال: عَلى‏ََ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنََا علم أنّه إنّما أخرج الملائكة عمّن فضّل بنى آدم عليه؛ لأنّه لا خلاف فى أنّ بنى آدم

____________

(1) حاشية ف (من نسخة) : «الجماعة» .

336

أفضل من الجن؛ و إذا كان وضع الخطاب يقتضي مخلوقا لم يفضّل بنو آدم عليهم؛ فلا شبهة فى أنهم الملائكة.

و تعلقوا بقوله تعالى: وَ لاََ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزََائِنُ اَللََّهِ وَ لاََ أَعْلَمُ اَلْغَيْبَ، وَ لاََ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ؛ [هود: 31]، فلو لا أن حال الملائكة أفضل من حال النبىّ لما قال ذلك.

فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: لم زعمتم أن قوله تعالى: إِلاََّ أَنْ تَكُونََا مَلَكَيْنِ معناه أن تصيرا و تنقلبا إلى صفة الملائكة؛ فإنّ هذه اللفظة ليست صريحة لما ذكرتم؛ بل أحسن الأحوال أن تكون محتملة له.

و ما أنكرتم أن يكون المعنى أنّ المنهىّ عن تناول الشجرة غير كما؛ و أن النهى يختص الملائكة و الخالدين دونكما؟و يجرى ذلك مجرى قول أحدنا لغيره: ما نهيت عن كذا إلا أن تكون فلانا؛ و إنما يعنى أن المنهىّ هو فلان دونك؛ و لم يرد إلا أن تنقلب فتصير فلانا.

و لما كان غرض إبليس إيقاع الشبهة لهما، فمن أوكد الشّبه إيهاما أنهما لم ينهيا و إنّما المنهىّ غيرهما.

و من وكيد ما تفسد به هذه الشبهة أن يقال: ما أنكرتم أن يكونا رغبا فى أن ينقلا إلى صفة الملائكة و خلقهم كما رغّبهما إبليس فى ذلك!و لا تدلّ هذه الرغبة على أنّ الملائكة أفضل منهما؛ لأنه بالتقلّب إلى خلقة غيره لا ينقلب و لا يتغير بانقلاب الصورة و الخلق؛ فإنه إنما يستحق على الأعمال دون الهيئات.

و غير ممتنع أن يكونا رغبا فى أن يصيرا على هيئة الملائكة و صورها؛ و ليس ذلك برغبة فى الثواب و لا الفضل؛ فإن الثواب لا يتبع الهيئات و الصّور، أ لا ترى أنهما رغبا فى أن يكونا من الخالدين؛ و ليس الخلود مما يقتضي مزيّة فى ثواب و لا فضلا فيه؛ و إنما هو نفع عاجل؛ فكذلك لا يمتنع أن تكون الرغبة منهما فى أن يصيرا ملكين إنّما كانت على هذا الوجه.

337

و يمكن أن يقال للمعتزلة خاصة و كلّ من أجاز على الأنبياء الصغائر: ما أنكرتم أن يكونا اعتقدا أن الملك أفضل من النبىّ و غلطا فى ذلك، و كان منهما ذنبا صغيرا؛ لأنّ الصغائر عندكم تجوز على الأنبياء؟و من أين لكم إذا اعتقدا أن الملائكة أفضل من الأنبياء، و رغبا فى ذلك أنّ الأمر على ما اعتقداه مع تجويزكم عليهم الذنوب؟

و ليس لهم أن يقولوا: إنّ الصغائر إنما تدخل فى أفعال الجوارح دون القلوب؛ لأنّ ذلك تحكّم بغير برهان.

و ليس يمتنع على أصولهم أن تدخل الصغائر فى أفعال القلوب و الجوارح معا؛ لأنّ حدّ الصغير عندهم ما نقص عقابه عن ثواب طاعات فاعله. و ليس يمتنع معنى هذا الحدّ فى أفعال القلوب كما لا يمتنع فى أفعال الجوارح.

و يقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: ما أنكرتم أن يكون هذا القول إنما توجّه إلى قوم اعتقدوا أن الملائكة أفضل من الأنبياء؛ فأخرج الكلام على حسب اعتقادهم، و أخّر ذكر الملائكة لذلك؟و يجرى هذا القول مجرى قول من قال منا لغيره: لن يستنكف أبى أن يفعل كذا و لا أبوك؛ و إن كان القائل يعتقد أن أباه أفضل؛ و إنما أخرج الكلام على حسب اعتقاد المخاطب لا المخاطب.

و مما يجوز أن يقال أيضا: إنه لا تفاوت فى الفضل بين الأنبياء و الملائكة؛ و إن ذهبنا إلى أن الأنبياء أفضل منهم؛ و مع التقارب و التدانى يحسن أن يؤخّر ذكر الأفضل الّذي لا تفاوت بينه و بين غيره فى الفضل؛ و إنما مع التفاوت و التدانى لا يحسن ذاك، أ لا ترى أنه يحسن أن يقول القائل: ما يستنكف الأمير فلان من كذا؛ و لا الأمير فلان من كذا؛ و إن كان متساويين، متناظرين أو متقاربين، و لا يحسن أن يقول: ما يستنكف الأمير من كذا و لا الحارس لأجل التفاوت.

و أقوى من هذا أن يقال: إنما أخّر ذكر الملائكة عن ذكر المسيح لأنّ جميع الملائكة

338

أكثر ثوابا لا محالة من المسيح منفردا؛ و هذا لا يقتضي أن كلّ واحد منهم أفضل من المسيح عليه السلام؛ و إنما الخلاف فى ذلك.

و يقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: ما أنكرتم أن يكون المراد بقوله تعالى: عَلى‏ََ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنََا تَفْضِيلاً أنّا فضّلناهم على من خلقنا و هم كثير؛ و لم يرد التبعيض؛ و يجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَ لاََ تَشْتَرُوا بِآيََاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ؛ [البقرة: 41]معناه: لا تشتروا بها ثمنا قليلا، و كلّ ثمن تأخذونه عنها قليل؛ و لم يرد التخصيص و المنع من الثمن القليل خاصة؛ و مثله قول الشاعر:

من أناس ليس فى أخلاقهم # عاجل الفحش و لا سوء الجزع‏ (1)

و إنما أراد نفى الفحش كلّه عن أخلاقهم؛ و إن وصفه بأنه عاجل، و نفى الجزع عنها و إن وصفه بالسّوء؛ و هذا من غريب البلاغة و دقيقها؛ و نظائره فى الشعر و الكلام الفصيح لا تحصر.

و قد كنا أملينا فى تأويل هذه الآية كلاما مفردا استقصيناه و شرحنا هذا الوجه، و أكثرنا من ذكر أمثلته.

و وجه آخر فى تأويل هذه الآية؛ و هو أنّه غير ممتنع أن يكون جميع الملائكة أفضل من جميع بنى آدم؛ و إن كان فى جملة بنى آدم من الأنبياء عليهم السلام من يفضل كلّ واحد منهم على كلّ واحد من الملائكة؛ لأنّ الخلاف إنما هو فى فضل كلّ بنى آدم على كلّ ملك.

و غير ممتنع أن يكون جميع الملائكة فضلاء، يستحقّ كلّ واحد منهم الجزيل الأكثر من الثواب؛ فيزيد ثواب جميعهم على ثواب جميع بنى آدم؛ لأنّ الأفاضل من بنى آدم أقلّ عددا؛ و إن كان فى بنى آدم آحاد؛ كلّ واحد منهم أفضل من كلّ واحد من الملائكة.

و وجه آخر: و مما يمكن أن يقال فى هذه الآية أيضا أنّ مفهوم الآية إذا تؤمّلت

____________

(1) البيت لسويد بن أبى كاهلى اليشكري من قصيدة مفضلية (191-202 طبعة المعارف) .

339

يقتضي أنه تعالى لم يرد الفضل الّذي هو زيادة الثواب؛ و إنما أراد النّعم و المنافع الدنياوية؛ أ لا ترى إلى قوله تعالى: وَ لَقَدْ كَرَّمْنََا بَنِي آدَمَ ؛ و الكرامة إنما هى الترفيه و ما يجرى مجراه.

ثم قال: وَ حَمَلْنََاهُمْ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ وَ رَزَقْنََاهُمْ مِنَ اَلطَّيِّبََاتِ ؛ و لا شبهة فى أنّ الحمل لهم فى البر و البحر و رزق الطيبات خارج مما يستحقّ به الثواب، و يقتضي التفضيل الّذي وقع إطلاقه فيه. و يجب أن يكون ما عطف عليه من التفضيل داخلا فى هذا الباب، و فى هذا القبيل؛ فإنّه أشبه من أن يكون المراد به غير ما سياق الآية وارد به، و مبنىّ عليه.

و أقل الأحوال أن تكون لفظة فَضَّلْنََاهُمْ محتملة للأمرين؛ فلا يجوز الاستدلال بها على خلاف ما نذهب إليه.

و يقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: لا دلالة فى هذه الآية على أنّ حال الملائكة أفضل من حال الأنبياء؛ لأن الغرض فى الكلام إنما هو نفى ما لم يكن عليه؛ لا التفضيل لذلك على ما هو عليه؛ أ لا ترى أن أحدنا لو ظنّ أنه على صفة الملائكة-و هو ليس عليها-جاز أن ينفيها عن نفسه بمثل هذا اللفظ؛ و إن كان على أحوال هى أفضل من تلك الحال و أرفع.

و ليس يجب إذا انتفى مما تبرّأ منه من علم الغيب، و كون خزائن اللّه تعالى عنده أن يكون فيه فضل أن يكون ذلك معتمدا فى كل ما يقع النفى له، و التبرؤ منه.

و إذا لم يكن ملكا كما لم يكن عنده خزائن اللّه تعالى جاز أن ينتفى من الأمرين من غير ملاحظة؛ لأنّ حاله دون هاتين الحالتين.

و مما يوضّح هذا و يزيل الإشكال فيه أنّه تعالى حكى عنه قوله فى آية أخرى: وَ لاََ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اَللََّهُ خَيْراً ؛ [هود: 31]، و نحن نعلم أنّ هذه منزلة غير جليلة؛ و هو على كلّ حال أرفع منها و أعلى؛ فما المنكر أن يكون نفى الملكيّة عنه فى أنه لا يقتضي أنّ حاله دون حال الملك بمنزلة نفى هذه المنزلة!و التعلّق بهذه الآية ضعيف جدا؛ و فيما أوردناه كفاية و باللّه التوفيق.

340

تفسير البيت الّذي ذكره السيد بن محمد الحميرىّ‏ (1) فى قصيدته المذهّبة، و هو:

ردّت عليه الشمس لما فاته # وقت الصّلاة و قد دنت للمغرب‏

قال رضى اللّه عنه: هذا خبر عن رد الشمس له عليه السلام فى حياة النبىّ صلى اللّه عليه و آله؛ لأنه روى أن النبىّ صلى اللّه عليه و آله كان نائما، و رأسه فى حجر أمير المؤمنين عليه السلام؛ فلما حان وقت صلاة العصر كره أن ينهض لأدائها، فيزعج النبىّ صلى اللّه عليه و آله من نومه، فلما مضى وقتها و انتبه النبي عليه السلام دعا اللّه تعالى بردّها له فردّها، فصلّى عليه السلام الصلاة فى وقتها.

فإن قيل: هذا يقتضي أن يكون عليه السلام عاصيا بترك الصلاة.

قلنا: عن هذا جوابان:

أحدهما أنه إنما يكون عاصيا إذا ترك الصلاة بغير عذر، و إزعاج النبىّ عليه السلام و ترويعه لا ينكر أن يكون عذرا فى ترك الصلاة.

____________

(1) حاشية ف: «قال الأصمعى: هو السيد بن محمد بن يزيد بن مفرغ الحميرى، و اسمه إسماعيل، و يكنى أبا هاشم، و السيد نعت وقع له و هو صبى لذكاء فيه، فقيل: سيكون سيدنا، فوقع النعت به، و إنما سمى أبوه مفرغا لأنه كان خاطر أن يشرب سقاء لبن فشربه، فسمى مفرغ السقاء لتفريغه إياه. و قيل إن مفرغا كان حدادا بالمدينة لا نسب له، و إن امرأة استعملته قفلا، فتشهى عليها لبن كرش، فجاءت به، فشرب منه، فقالت له: أفرغ الباقى فى إناء، فقال لها: ما عندى إناء، و جعل يشرب قليلا قليلا؛ حتى أفناه و فرغ الكرش؛ فقالت له: إنك لمفرغ؛ و لا حاجة بك إلى إناء.

و روى عن الحسن بن على المعروف بالكسلان، قال: قال السيد الحميرى:

و لقد عجبت لقائل لى مرة # علامة فهم من العلماء

سمّاك أهلك سيدا لم يكذبوا # أنت الموفّق سيد الشعراء

ما أنت حين تخصّ آل محمد # بالمدح منك و شاعر بسواء

مدح الملوك ذوى الندى لعطائهم # و المدح منك لهم لغير عطاء

.

341

فإن قيل: الأعذار فى ترك جميع أفعال الصلاة لا تكون إلا بفقد العقل و التمييز، كالنوم و الإغماء و ما شاكلهما، و لم يكن عليه السلام فى تلك الحال بهذه الصفة؛ فأما الأعذار التى يكون معها العقل و التمييز ثابتين؛ كالزّمانة، و الرّباط و القيد، و المرض الشديد، و اشتداد القتال؛ فإنما يكون عذرا فى استيفاء أفعال الصلاة، و ليس بعذر فى تركها أصلا، فإنّ كلّ معذور ممن ذكرناه يصلّيها على حسب طاقته؛ و لو بالإيماء.

قلنا: غير منكر أن يكون عليه السلام صلّى مومئا و هو جالس؛ لما تعذّر عليه القيام، إشفاقا من إزعاجه صلى اللّه عليه و آله؛ و على هذا تكون فائدة ردّ الشمس ليصلّى مستوفيا لأفعال الصلاة؛ و لتكون أيضا فضيلة له، و دلالة على علوّ شأنه.

و الجواب الآخر أن الصّلاة لم تفته بمضىّ جميع وقتها؛ و إنما فاته ما فيه الفضل و المزية من أول وقتها.

و يقوّى هذا الوجه شيئان: أحدهما الرواية الأخرى؛ لأن قوله: «حين تفوته» صريح فى أن الفوت لم يقع؛ و إنما قارب و كاد؛ و الأمر الآخر قوله: «و قد دنت للمغرب» يعنى الشمس؛ و هذا أيضا يقتضي أنها لم تغرب و إنما دنت للغروب.

فإن قيل: إذا كانت لم تفته؛ فأىّ معنى للدعاء بردّها حتى يصلّى فى الوقت؛ و هو قد صلّى فيه!

قلنا: الفائدة فى ردّها ليدرك فضيلة الصلاة فى أول وقتها؛ ثم ليكون ذلك دلالة على سموّ مجده، و جلالة قدره فى خرق العادة من أجله.

فإن قيل: إذا كان النبي صلى اللّه عليه و آله هو الداعى بردّها له؛ فإن العادة انخرقت للنبىّ عليه السلام لا لغيره.

قلنا: إذا كان النبىّ عليه السلام إنما دعا بردّها لأجل أمير المؤمنين عليه السلام، و ليدرك ما فاته من فضل الصلاة فشرف انخراق العادة و الفضيلة به ينقسم بينهما عليهما السلام.

342

فإن قيل: كيف يصحّ ردّ الشمس، و أصحاب الهيئة و الفلك يقولون إن ذلك محال لا تناله قدرة!وهبه كان جائزا على مذاهب أهل الإسلام، أ ليس لو ردّت الشمس من وقت الغروب إلى وقت الزوال لكان يجب أن يعلم أهل الشرق و الغرب بذلك؛ لأنها تبطئ فى الطلوع على بعض البلاد؛ فيطول ليلهم على وجه خلاف العادة، و يمتد من نهار قوم آخرين ما لم يكن ممتدا؟ و لا يجوز أن يخفى على أهل البلاد غروبها ثم عودها طالعة بعد الغروب، و كانت الأخبار تنتشر بذلك، و يؤرّخ هذا الحادث العظيم فى التواريخ، و يكون أبهر و أعظم من الطوفان.

قلت: قد دلت الدّلالة الصحيحة الواضحة على أن الفلك و ما فيه من شمس و قمر و نجوم غير متحرك لنفسه و لا طبيعة؛ على ما يهذى به القوم؛ و إن اللّه تعالى هو المحرّك له، و المتصرف باختياره فيه؛ و قد استقصينا (1) الحجج على ذلك فى كثير من كتبنا؛ و ليس هذا موضع ذكر.

فأما علم أهل الشرق و الغرب و السهل و الجبل بذلك على ما مضى فى السؤال فغير واجب؛ لأنا لا نحتاج إلى القول بأنها ردّت من وقت الغروب إلى وقت الزوال و ما يقاربه على ما مضى فى السؤال؛ بل نقول: إن وقت الفضل فى صلاة العصر هو ما يلى، بلا فصل زمان أداء المصلّى فرض الظهر أربع ركعات عقيب الزوال؛ و كلّ زمان و إن قصر و قلّ يجاوز هذا الوقت؛ فذلك الفضل فائت فيه. و إذا ردّت الشمس له هذا القدر اليسير الّذي نفرض أنه مقدار ما يؤدّى فيه ركعة واحدة خفى على أهل الشرق و الغرب و لم يشعروا به؛ بل هو مما يجوز أن يخفى على من حضر الحال و شاهدها؛ إن لم ينعم النظر و التنقير عنها، فبطل السؤال على جوابنا الثانى المبنى على فوت الفضيلة.

فأما الجواب الآخر المبنىّ على أنها كانت فاتت بغروبها للعذر الّذي ذكرناه فالسؤال أيضا باطل عنه؛ لأنه ليس بين مغيب جميع قرص الشمس فى الزمان، و بين مغيب بعضها و ظهور بعضها إلا زمان يسير قصير؛ يخفى فيه رجوع الشمس بعد مغيب جميع قرصها إلى ظهور بعضها على كل قريب و بعيد. و لا يفطن إذا لم يعرف سبب ذلك على وجه خارق للعادة؛ و من فطن بأن ضوء الشمس غاب، ثم عاد بعضه جوّز أن يكون ذلك لغيم أو حائل.

____________

(1) من نسخة بحاشيتى ط، ف: «استوفينا» .

343

تفسير قول السيد فى هذه القصيدة أيضا:

و عليه قد حبست ببابل مرّة # أخرى، و ما حبست لخلق معرب‏

هذا البيت يتضمن الإخبار عن ردّ الشمس ببابل على أمير المؤمنين عليه السلام؛ و الرواية بذلك مشهورة؛ و أنّه عليه السلام لما فاته وقت العصر ردّت له الشمس حتى صلاّها فى وقتها، و خرق العادة هاهنا لا يمكن نسبه إلى غيره عليه السلام؛ كما أمكن ذلك فى أيام النبىّ عليه السلام؛ و الصحيح فى فوت الصلاة هاهنا أحد الوجهين اللذين تقدّم ذكرهما فى ردّ الشمس على عهد النبي صلى اللّه عليه و آله، و هو أن فضيلة أول الوقت فاتته لضرب من الشّغل، فردّت عليه الشمس، ليدرك الفضيلة بالصّلاة فى أول الوقت. و قد بيّنا هذا الوجه فى تفسير البيت الّذي أوله: «ردّت عليه الشمس» ، و أبطلنا قول من يدّعى أنّ ذلك كان يجب أن يعمّ الخلق فى الآفاق معرفته؛ حتى يدوّنوه و يؤرّخوه.

فأما من ادّعى أن الصلاة فاتته بأن تقضّى جميع وقتها؛ إما لتشاغله بتعبئة عسكره، أو لأن بابل أرض خسف لا يجوز الصلاة عليها فقد أبطل؛ لأنّ الشّغل بتعبئة العسكر لا يكون عذرا فى فوت صلاة فريضة؛ و إن أمير المؤمنين عليه السلام أجلّ قدرا، و أثمن دينا من أن يكون ذلك عذرا له فى فوت فريضة.

و أما أرض الخسف فإنما تكره الصلاة فيها مع الاختيار؛ فإذا لم يتمكن المصلّى من الصّلاة فى غيرها، و خاف فوت الوقت وجب أن يصلّى فيها، و تزول الكراهية.

فأما قول الشاعر: «و عليه قد حبست ببابل» فالمراد بـ «حبست» ردّت؛ و إنما كره أن يعيد لفظة الردّ لأنها قد تقدمت.

فإن قيل: «حبست» بمعنى وقفت، و معناه يخالف معنى «ردّت» .

قلنا: المعنيان هاهنا واحد؛ لأنّ الشمس إذا ردّت إلى الموضع الّذي تجاوزته فقد حبست عن السير المعهود و قطع الأماكن المألوفة.

فأما المعرب فهو الناطق الفصيح بحجته؛ يقال: أعرب فلان عن كذا إذا أبان عنه.

344

مسألة

سئل رضى اللّه عنه فقيل: ما يقال لمن يدّعى عند إقامة الدليل على حدث الجسم و الجوهر و العرض شيئا ليس بجسم و لا جوهر و لا عرض أحدث اللّه تعالى الأشياء منه؟و ما الّذي يفسد دعواه غير المطالبة له بالدلالة على صحتها!

الجواب، أول ما نقوله فى هذا الباب إن إحداث شي‏ء من شي‏ء غيره كلام محال ظاهر الفساد؛ لأن المحدث على الحقيقة هو الموجود بعد أن كان معدوما؛ و إذا فرضنا أنه أحدث من غيره فقد جعلناه موجودا فى ذلك الغير؛ فلا يكون محدثا فى الحقيقة؛ و لا موجودا بعد عدم حقيقى؛ فكأنّا قلنا: إنه محدث و ليس بمحدث؛ و هذا متناقض.

على أن الجواهر و الأجسام إنما حكمنا بحدثها؛ لأنها لم تخل من الأعراض، و لم تتقدم فى الوجود عليها، و ما لم يتقدم المحدث فهو محدث مثله.

و إذا كانت الأعراض التى توصّلنا بحدوثها إلى حدوث الأجسام و الجواهر محدثة؛ لا من شي‏ء و لا عن هيولى‏ (1) على ما تموّه هؤلاء المفلسفون به؛ فيجب أن تكون الجواهر و الأجسام أيضا محدثة على هذا الوجه؛ لأنه إذا وجب أن يساوى ما لم يتقدم المحدث فى حدوثه وجب أيضا أن يساويه فى كيفية حدوثه.

على أنا قد بيّنا أنّ ما أحدث من غيره ليس بمحدث فى الحقيقة، و العرض محدث على الحقيقة، فيجب فيما لم يتقدمه فى الوجود أن يكون محدثا على الحقيقة.

و يبيّن ما ذكرناه أن من أحدث من طين أو شمع صورة فهو غير محدث لها على الحقيقة، و كيف تكون كذلك و هى موجودة الأجزاء فى الطين و الشمع؟و إنما أحدث المصوّر تصويرها و تركيبها و المعانى المخصوصة فيها، و هذا يقتضي أنّ الجواهر و الأجسام على مذهب أصحاب الهيولى غير محدثة على الحقيقة؛ و إنما حدث التصوير و التركيب. و إذا كان الدليل على حدوث

____________

(1) حاشية ف: «الهيولى كلمة يونانية يعنون بها مادة لا صورة لها لما يقول أصحاب المعدوم» .

345

جميع الأجسام و الجواهر قد دلّ بطل هذا المذهب.

فأما الّذي يدلّ على بطلان قول من أثبت شيئا موجودا ليس بجوهر و لا جسم و لا عرض من غير جهة المطالبة له بتصحيح دعواه، و تعجيزه عن ذلك فهو أنه لا حكم لذات موجودة ليست بجسم و لا جوهر و لا عرض يعقل؛ و يمكن الإشارة إليه، و ما لا حكم له من الذوات و الصفات لا يجوز إثباته؛ و لا بدّ من نفيه لأنه يؤدى إلى إثبات ما لا فرق بين إثباته و نفيه؛ و تجويز ذلك يؤدى إلى الجهالات و إلى إثبات ما لا يتناهى من الذوات و الصفات.

و قد بيّنا هذه الطريقة فى مواضع من كتبنا؛ لا سيما فى الكتاب الملخّص فى الأصول.

على أنا نقول لمن أثبت الهيولى و ادّعى أنه أصل العالم، و أن الأجسام و الجواهر منها أحدثت: لا تخلو هذه الذات‏ (1) التى يسميها بالهيولى من أن تكون موجودة أو معدومة؛ و ما نريد بالوجود ما تعنونه أنتم بهذه اللفظة؛ لأن الموجود عندكم يكون بالفعل، و يكون بالقوة، و يكون المعدوم عندكم موجودا بالقوة أو فى العلم؛ و إنما نريد بالوجود هذا الّذي نعقله و نعلمه ضرورة عند إدراك الذوات المدركات؛ لأن أحدنا إذا أدرك الجسم متحيّزا علم ضرورة وجوده و ثبوته؛ و كذلك القول فى الألوان و ما عداها من المدركات.

فإن قال: هى موجودة على تحديدكم‏ (2) .

قلنا: فيجب أن تكون متحيّزة؛ لأنها لو لم تكن بهذه الصفة ما حصل منها التحيّز، أ لا ترى أنّ الأعراض لما لم تكن متحيّزة لم يمكن أن يحدث منها التحيز!و إذا أقروا فيها التحيز فهى من جنس الجواهر؛ و بطل القول بأنها ليست بجوهر و وجب لها الحدوث؛ لأنّ دليل حدث الأجسام ينتظمها، و يشتمل عليها؛ فبطل أيضا القول بقدمها و نفى حدوثها.

و إن قالوا: هى معدومة قلنا: إذا كانت معدومة على الحقيقة فما نسومكم إثبات قدم لها و لا

____________

(1) حاشية ف (من نسخة) : «الذوات» .

(2) من نسخة بحاشيتى ط، ف: «على طريقكم» .

346

حدوث؛ لأن هاتين الصفتين إنما تتعاقبان على الموجود؛ فكأنّكم تقولون: إنّ اللّه تعالى جعل من هذه الهيولى المعدومة جواهر و أجساما موجودة. و هذه موافقة فى المعنى لأهل الحق؛ القائلين بأن الجواهر فى العدم على صفة تقتضى وجوب التحيّز لها متى وجدت، و أنّ اللّه تعالى إذا أوجد هذه الجواهر وجب لها فى الوجود التحيّز؛ لما هى عليه فى نفوسها من الصفة فى العدم الموجبة لذلك بشرط الوجود، و أنّ الفاعل إنما يؤثر فى صفة الوجود؛ و لا تأثير له فى الصفة التى كانت عليها الجواهر فى العدم.

على أن هذه الطريقة إذا صاروا إليها تقتضى أنّ لأجناس الأعراض كلّها هيولى؛ لأنّ الدليل قد دلّ على أن للسّواد، و لكل جنس من الأعراض صفة ثابتة فى حال العدم تقتضى كونه على الصفة التى يدرك عليها إن كان مما يدرك فى حال الوجود، و أنّ الفاعل إنما يؤثّر فى إحداثه و إيجاده دون الصفة التى كان عليها فى حال العدم.

و القول فى الأعراض كالقول فى الجواهر فى هذه القضية، و يجب أن يكون للجميع هيولى؛ لأنّ الطريقة واحدة؛ و كلام هؤلاء أبدا غير محصّل و لا مفهوم، و هم يدّعون التحقيق و التحديد، و ما أبعدهم من ذلك!

347

مسألة فى العصمة

ما حقيقة العصمة التى يعتقد وجوبها للأنبياء و الأئمة عليهم السلام؟و هل هى معنى يضطرّ إلى الطاعة و يمنع من المعصية، أو معنى يضامّ الاختيار؟فإن كان معنى يضطر إلى الطاعة و يمنع من المعصية، فكيف يجوز الحمد و الذم لفاعلها!و إن كان معنى يضامّ الاختيار فاذكروه، و دلّوا على صحة مطابقته له، و وجوب اختصاص المذكورين به دون سواهم؛ فقد قال بعض المعتزلة: إن اللّه تعالى عصم أنبياءه بالشهادة لهم بالاستعصام؛ كما ضلّل قوما بنفس الشهادة عليهم بالضلال؛ فإن يكن ذلك هو المعتمد أنعم بذكره، و دلّ على صحته و بطلان ما عساه يعلمه من الطعن عليه؛ و إن يكن باطلا دلّ على بطلانه و صحة الوجه المعتمد فيه دون ما سواه.

الجواب، اعلم أنّ العصمة هى اللّطف الّذي يفعله اللّه تعالى، فيختار العبد عنده الامتناع من فعل القبيح؛ فيقال على هذا: إنّ اللّه تعالى عصمه بأن فعل له ما اختار عنده العدول عن القبيح؛ و يقال: إن العبد معصوم؛ لأنه اختار عند هذا الدّاعى الّذي فعل له الامتناع من القبيح.

و أصل العصمة فى موضوع اللّغة المنع؛ يقال عصمت فلانا من السوء إذا منعت من حلوله به؛ غير أنّ المتكلّمين أجروا هذه اللفظة على من امتنع باختياره عند اللّطف الّذي يفعله اللّه تعالى به؛ لأنّه إذا فعل به ما يعلم أنه يمتنع عنده من فعل القبيح فقد منعه من القبيح؛ فأجروا عليه لفظة المانع قهرا و قسرا؛ و أهل اللغة يتعارفون ذلك أيضا و يستعملونه؛ لأنهم يقولون فيمن أشار على غيره برأى فقبله منه مختارا، و احتمى بذلك من ضرر يلحقه، و سوء يناله: إنه حماه من ذلك الضرر، و منعه و عصمه منه؛ و إن كان ذلك على سبيل الاختيار.

فإن قيل: أ فتقولون فيمن لطف له بما اختار عنده الامتناع من فعل واحد قبيح: إنه معصوم؟

348

قلنا: نقول ذلك مضافا و لا نطلقه؛ فنقول: إنه معصوم من كذا، و لا نطلق فنوهم أنه معصوم من جميع القبائح، و نطلق فى الأنبياء و الأئمة عليهم السلام العصمة بلا تقييد؛ لأنّهم عندنا لا يفعلون شيئا من القبائح، بخلاف ما يقوله المعتزلة من نفى الكبائر عنهم دون الصغائر.

فإن قيل: فإذا كان تفسير العصمة ما ذكرتم فألاّ عصم اللّه تعالى جميع المكلّفين، و فعل بهم ما يختارون عنده الامتناع من القبائح؟

قلنا: كلّ من علم اللّه تعالى أنه له لطفا يختار عنده الامتناع من القبائح؛ فإنه لا بدّ أن يفعل به؛ و إن لم يكن نبيا و لا إماما؛ لأنّ التكليف يقتضي فعل اللّطف على ما دلّ عليه فى مواضع كثيرة؛ غير أنّه لا يمتنع أن يكون فى المكلّفين من ليس فى المعلوم أنّ شيئا متى فعل اختار عنده الامتناع من القبيح؛ فيكون هذا المكلّف لا عصمة له فى المعلوم و لا لطف. و تكليف من لا لطف له يحسن و لا يقبح؛ و إنما القبيح منع اللّطف فيمن له لطف؛ مع ثبوت التكليف.

فأما قول بعضهم: إن العصمة هى الشهادة من اللّه تعالى بالاستعصام فباطل؛ لأن الشهادة لا تجعل الشي‏ء على ما هو به؛ و إنما تتعلق به على ما هو عليه؛ لأنّ الشهادة هى الخبر، و الخبر عن كون الشي‏ء على صفة لا يؤثر فى كونه عليها؛ فنحتاج أولا إلى أن يتقدم لنا العلم بأنّ زيدا معصوم أو معتصم؛ و نوضّح عن معنى ذلك، ثم تكون الشهادة من بعد مطابقة لهذا العلم؛ و هذا بمنزلة من سئل عن حدّ المتحرّك فقال: هو الشهادة بأنه متحرّك؛ أو المعلوم أنه على هذه الصفة.

و فى هذا البيان كفاية لمن تأمّله.

349

مسألة

ما القول فى الأخبار الواردة فى عدة كتب من الأصول و الفروع بمدح أجناس من الطير و البهائم و المأكولات و الأرضين، و ذمّ أجناس منها؛ كمدح الحمام و البلبل و القنبر و الحجل و الدّرّاج و ما شاكل ذلك من فصيحات الطير؛ و ذمّ الفواخت و الرّخم؛ و ما يحكى من أنّ كلّ جنس من هذه الأجناس المحمودة ينطق بثناء على اللّه تعالى و على أوليائه، و دعاء لهم، و دعاء على أعدائهم؛ و أن كلّ جنس من هذه الأجناس المذمومة ينطق بضد ذلك من ذم الأولياء عليهم السلام، كذم الجرّىّ‏ (1) و ما شاكله من السمك، و ما نطق به الجرىّ من أنه مسخ بجحده الولاية، و ورود الآثار بتحريمه لذلك؛ و كذم الدّبّ و القرد و الفيل و سائر المسوخ المحرّمة؛ و كذم البطّيخة التى كسرها أمير المؤمنين عليه السلام فصادفها مرّة فقال:

«من النار إلى النار» ، و رمى بها من يده، ففار من الموضع الّذي سقطت فيه دخان؛ و كذم الأرضين السّبخة، و القول بأنها جحدت الولاية أيضا. و قد جاء فى هذا المعنى ما يطول شرحه؛ و ظاهره مناف لما تدل العقول عليه من كون هذه الأجناس مفارقة لقبيل ما يجوز تكليفه، و يسوغ أمره و نهيه.

و فى هذه الأخبار التى أشرنا إليها أن بعض هذه الأجناس يعتقد الحقّ و يدين به، و بعضها يخالفه؛ و هذا كلّه مناف لظاهر ما العقلاء عليه.

و منها ما يشهد أنّ لهذه الأجناس منطقا مفهوما، و ألفاظا تفيد أغراضا، و أنها بمنزلة الأعجمىّ و العربىّ اللذين لا يفهم أحدهما صاحبه، و أنّ شاهد ذلك من قول اللّه سبحانه فيما حكاه عن سليمان عليه السلام: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ عُلِّمْنََا مَنْطِقَ اَلطَّيْرِ وَ أُوتِينََا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْفَضْلُ اَلْمُبِينُ ؛ [النمل: 16]. و كلام النملة أيضا مما حكاه سبحانه، و كلام الهدهد و احتجاجه و جوابه و فهمه؛ فلينعم بذكر ما عنده فى ذلك مثابا إن شاء اللّه.

***

____________

(1) الجرّىّ: ضرب من السماك.

350

الجواب، و باللّه التوفيق:

اعلم أن المعوّل فيما يعتقد على ما تدلّ الأدلة عليه من نفى و إثبات؛ فإذا دلت الأدلّة على أمر من الأمور وجب أن نبنى كلّ وارد من الأخبار إذا كان ظاهره بخلافه عليه؛ و نسوقه إليه، و نطابق بينه و بينه، و نجلّى ظاهرا إن كان له، و نشرط إن كان مطلقا، و نخصّه إن كان عاما، و نفصّله إن كان مجملا؛ و نوفّق بينه و بين الأدلة من كل طريق اقتضى الموافقة و آل إلى المطابقة؛ و إذا كنا نفعل ذلك و لا نحتشمه فى ظواهر القرآن المقطوع على صحته، المعلوم وروده؛ فكيف نتوقّف عن ذلك فى أخبار آحاد لا توجب علما؛ و لا تثمر يقينا!فمتى وردت عليك أخبار فاعرضها على هذه الجملة و ابنها عليها؛ و افعل فيها ما حكمت به الأدلة، و أوجبته الحجج العقلية؛ و إن تعذّر فيها بناء و تأويل و تخريج و تنزيل؛ فليس غير الاطراح لها، و ترك التعريج عليها؛ و لو اقتصرنا على هذه الجملة لاكتفينا فيمن يتدبّر و يتفكر.

و قد يجوز أن يكون المراد بذمّ هذه الأجناس من الطير أنها ناطقة بضدّ الثناء على اللّه و بذم أوليائه، و نقص أصفيائه معناه ذمّ متخذيها و مرتبطيها، و أنّ هؤلاء المغرين بمحبّة هذه الأجناس و اتخاذها هم الذين ينطقون بضدّ الثناء على اللّه تعالى، و يذمّون أولياءه و أحبّاءه؛ فأضاف النطق إلى هذه الأجناس، و هو لمتخذيها أو مرتبطيها؛ للتجاوز و التقارب، و على سبيل التجوز و الاستعارة؛ كما أضاف اللّه فى القرآن السؤال إلى القرية؛ و إنما هو لأهل القرية، و كما قال تعالى: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهََا وَ رُسُلِهِ فَحََاسَبْنََاهََا حِسََاباً شَدِيداً وَ عَذَّبْنََاهََا عَذََاباً نُكْراً. `فَذََاقَتْ وَبََالَ أَمْرِهََا وَ كََانَ عََاقِبَةُ أَمْرِهََا خُسْراً ؛ [الطلاق: 8، 9]؛ و فى هذا كلّه حذوف. و قد أضيف فى الظاهر الفعل إلى من هو فى الحقيقة متعلّق بغيره؛ و القول فى مدح أجناس من الطير، و الوصف لها بأنها تنطق بالثناء على اللّه تعالى و المدح لأوليائه يجرى على هذا المنهاج الّذي نهجناه.

فإن قيل: كيف يستحق مرتبط هذه الأجناس مدحا بارتباطها، و مرتبط بعض آخر ذمّا بارتباطه؛ حتى علّقتم المدح و الذم بذلك؟

351

قلنا: ما جعلنا لارتباط هذه الأجناس حظا فى استحقاق مرتبطيها مدحا و لا ذما؛ و إنما قلنا: إنه غير ممتنع أن تجرى عادة المؤمنين الموالين لأولياء اللّه تعالى و المعادين لأعدائه بأن يألفوا ارتباط أجناس من الطير. و كذلك تجرى عادة بعض أعداء اللّه تعالى باتخاذ بعض أجناس الطير؛ فيكون متخذ بعضها ممدوحا؛ لا من أجل اتخاذه؛ لكن لما هو عليه من الاتخاذ الصحيح؛ فيضاف المدح إلى هذه الأجناس و هو لمرتبطيها، و النطق بالتسبيح و الدعاء الصحيح إليها و هو لمتخذها تجوزا و اتساعا. و كذلك القول فى الذم المقابل للمدح.

فإن قيل: فلم نهى عن اتخاذ بعض هذه الأجناس إذا كان الذم لا يتعلق باتخاذها، و إنما يتعلق ببعض متخذيها لكفرهم و ضلالهم؟

قلنا: يجوز أن يكون فى اتخاذ هذه البهائم المنهىّ عن اتخاذها و ارتباطها مفسدة و ليس يقبح خلقها فى الأصل لهذا الوجه؛ لأنها خلقت لينتفع بها من سائر وجوه الانتفاع سوى الارتباط و الاتخاذ الّذي لا يمنع تعلق المفسدة به.

و يجوز أيضا أن يكون فى اتخاذها هذه الأجناس المنهىّ عنها شؤم و طيرة؛ فللعرب فى ذلك مذهب معروف. و يصح هذا النهى أيضا على مذهب من نفى الطّيرة على التحقيق؛ لأنّ الطّيرة و التشاؤم-و إن كان لا تأثير لهما على التحقيق-فإن النفوس تستشعر ذلك، و يسبق إليها ما يجب على كل حال تجنّبه و التوقى عنه‏ (1) ؛ و على هذا يحمل معنى قوله عليه السلام: «لا يورد ذو عاهة على مصحّ» .

فأما تحريم السمك الجرّىّ و ما أشبهه فغير ممتنع لشي‏ء يتعلق بالمفسدة فى تناوله؛ كما نقول فى سائر المحرمات. فأما القول بأن الجرّىّ نطق بأنه مسخ بجحده الولاية فهو مما يضحك منه و يتعجب‏ (2) من قائله، و الملتفت إلى مثله.

فأما تحريم الدّب و القرد و الفيل فكتحريم كلّ محرّم فى الشريعة، و الوجه فى التحريم لا يختلف؛ و القول بأنها ممسوخة إذا تكلّفنا حملناه على أنها كانت على خلق حميدة (3) غير

____________

(1) من نسخة بحاشيتى ف، ط: «منه» .

(2) من نسخة بحاشيتى ف، ط: «يعجب» .

(3) من نسخة بحاشيتى ف، ط: «جميلة» .

352

منفور عنها، ثم جعلت على هذه الصّورة الشّنيئة على سبيل التنفير عنها، و الزيادة فى الصّدّ عن الانتفاع بها؛ لأن بعض الأحياء لا يجوز أن يكون غيره على الحقيقة. و الفرق بين كل حيين معلوم ضرورة، فكيف يجوز أن يصير حىّ حيا آخر غيره؟و إذا أريد بالمسخ هذا فهو باطل، و إن أريد غيره نظرنا فيه.

و أما البطيخة فقد يجوز أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام لما ذاقها و نفر عن طعمها؛ و زادت كراهيته لها قال: «من النار و إلى النار» ، أى هذا من طعام أهل النار، و ما يليق بعذاب أهل النار، كما يقول أحدنا ذلك فيما يستوبئه و يكرهه.

و يجوز أن يكون فوران الدّخان عند الإلقاء لها كان على سبيل التصديق، لقوله عليه السلام:

«من النار إلى النار» و إظهار معجز له.

و أما ذمّ الأرضين السّبخة، و القول بأنها جحدت الولاية؛ فمتى لم يكن محمولا معناه على ما قدمناه من جحد أهل هذه الأرض و سكانها الولاية لم يكن معقولا؛ و يجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهََا وَ رُسُلِهِ .

و أما إضافة اعتقاد الحق إلى بعض البهائم و اعتقاد الباطل و الكفر إلى بعض آخر فمما تخالفه العقول و الضرورات؛ لأن هذه البهائم غير عاقلة و لا كاملة و لا مكلّفة، فكيف تعتقد حقا أو باطلا!و إذا ورد أثر فى ظاهره شي‏ء من هذه المحاولات؛ إما اطّرح أو تؤوّل على المعنى الصحيح. و قد نهجنا طريق التأويل، و بيّنا كيف التوصل إليه.

فأما حكايته تعالى عن سليمان عليه السلام: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ عُلِّمْنََا مَنْطِقَ اَلطَّيْرِ وَ أُوتِينََا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْفَضْلُ اَلْمُبِينُ فالمراد به أنه علّم ما يفهم به ما ينطق به الطير؛ و تتداعى فى أصواتها و أغراضها و مقاصدها؛ بما يقع منها من صياح؛ على سبيل المعجزة لسليمان عليه السلام.

فأما الحكاية عن النملة بأنها قالت: يََا أَيُّهَا اَلنَّمْلُ اُدْخُلُوا مَسََاكِنَكُمْ لاََ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمََانُ ؛ [النمل: 18]فقد يجوز أن يكون المراد به أنه ظهر منها دلالة القول‏