أمالي المرتضي - ج2

- السيد المرتضى المزيد...
631 /
353

على هذا المعنى؛ و أشعرت باقى النمل؛ و خوّفتهم من الضرر بالمقام، و أنّ النجاة فى الهرب إلى مساكنها؛ فتكون إضافة القول إليها مجازا و استعارة؛ كما قال الشاعر:

*و شكا إلى بعبرة و تحمحم‏ (1) *

و كما قال الآخر:

*و قالت له العينان سمعا و طاعة*

و يجوز أيضا أن يكون وقع من النملة كلام ذو حروف منظومة-كما يتكلّم أحدنا- يتضمن المعانى المذكورة، و يكون ذلك معجزة لسليمان عليه السلام؛ لأنّ اللّه تعالى سخّر له الطّير، و أفهمه معانى أصواتها على سبيل المعجزة له. و ليس هذا بمنكر؛ فإنّ النطق بمثل هذا الكلام المسموع منّا لا يمتنع وقوعه ممن ليس بمكلّف و لا كامل العقل؛ أ لا ترى أنّ المجنون و من لم يبلغ الكمال من الصبيان قد يتكلّمون بالكلام المتضمّن للأغراض؛ و إن كان التكليف و الكمال عنهم زائلين.

و القول فيما حكى عن الهدهد يجرى على الوجهين اللذين ذكرناهما فى النملة؛ فلا حاجة بنا إلى إعادتهما. و أما حكايته أنه قال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذََاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ ؛ [النمل: 21]، و كيف يجوز أن يكون ذلك فى الهدهد و هو غير مكلّف و لا يستحق مثله العذاب.

فالجواب أن العذاب اسم للضّرر الواقع، و إن لم يكن مستحقا؛ و ليس يجرى مجرى العقاب الّذي لا يكون إلاّ جزاء على أمر تقدم. و ليس بممتنع أن يكون معنى‏ لَأُعَذِّبَنَّهُ أى لأولمنّه، و يكون اللّه تعالى قد أباحه الإيلام له؛ كما أباحه الذبح لضرب من المصلحة، كما سخّر له الطير يصرّفها فى منافعه و أغراضه؛ و كلّ هذا لا ينكر فى نبىّ مرسل تخرق له العادات؛ و تظهر على يده المعجزات؛ و إنما يشتبه على قوم يظنون أنّ هذه الحكايات تقتضى كون النملة و الهدهد مكلّفين؛ و قد بيّنا أنّ الأمر بخلاف ذلك.

____________

(1) لعنترة العبسى، من المعلقة ص 204-بشرح التبريزى:

*فازورّ من وقع القنا بلبانه*

و التحمحم: صوت مقطع ليس بالصهيل.

354

تأويل آية قُلْ تَعََالَوْا أَتْلُ مََا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاََّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً

إن سأل سائل عن قوله تعالى: قُلْ تَعََالَوْا أَتْلُ مََا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاََّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ؛ [الأنعام: 151].

و كيف‏ (1) يجوز أن يكون من جملة ما حرّم علينا ألاّ نشرك به شيئا؛ و الأمر بالعكس من ذلك.

الجواب، قيل له: هذا السؤال‏ (2) سؤال من لا تأمل عنده بموضوع الآية و ترتيب خطابها؛ لأنّ التحريم المذكور فيها لا يجوز البتّة على مذهب أهل العربية أن يكون متعلّقا بقوله: أَلاََّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ؛ و إنما هو من صلة الجملة الأولى؛ و لو تعلّق التحريم المذكور بقوله: أَلاََّ تُشْرِكُوا لم يخل أن يكون تعلّقه به تعلق الفاعل أو المفعول؛ و كأنه قال: حرّم ألا تشركوا، أو المبتدأ و الخبر؛ فكأنه قال: الّذي حرم ربّكم عليكم ألاّ تشركوا.

و التعلّق الأول يمنع منه أن لفظة حرم من صلة لفظ مََا التى هى بمعنى الّذي؛ فلا تعمل فيما بعدها؛ أ لا ترى أنّك إذا قلت: حرّمت كذا، فالتحريم عامل فيما بعده عمل الفعل فى المفعول؛ فإذا قلت: الّذي حرّمت كذا بطل هذا المعنى، و لم يجز أن يكون التحريم متعلّقا بما بعده على معنى الفعلية؛ بل على سبيل المبتدأ و الخبر.

و لا يجوز أن يكون فى الآية التعلّق على هذا الوجه؛ لأنّ صدر الكلام يمنع من ذلك؛ أ لا ترى أنه تعالى قال: أَتْلُ مََا حَرَّمَ ف مََا حَرَّمَ منصوب، لأنه مفعول‏ أَتْلُ ؛ و إذا كان كذلك لم يجز أن يكون‏ مََا حَرَّمَ مبتدأ حتى يكون‏ أَلاََّ تُشْرِكُوا خبرا له.

و إذا بطل التعلّق بين الكلام من كلا الوجهين نظرنا فى قوله تعالى: أَلاََّ تُشْرِكُوا ما ذا

____________

(1) ط: «فكيف» .

(2) من نسخة بحاشيتى ف، ط: «سؤال» .

355

يتعلق به؟و احتجنا إلى إضمار متعلّق به؛ و لم يجز أن نضمر «حرّم» ألا تشركوا به؛ لأن ذلك واجب غير محرّم؛ فيجب أن يضمر «ما أوصاكم» ألا تشركوا به شيئا، أو «أتل عليكم» ألا تشركوا. و الإضمار الأول يشهد له آخر الآية فى قوله تعالى: ذََلِكُمْ وَصََّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ، و الإضمار الثانى يشهد له أوّل الآية من قوله تعالى: أَتْلُ و ما وصانا به فقد أمرنا به و ندبنا إليه.

فإن قيل: فما موضع «أن» من الإعراب؟

قلنا: فى ذلك وجوه ثلاثة:

أحدها الرفع؛ و يكون التقدير: ذلك ألاّ تشركوا به شيئا؛ فكأنه مبتدأ و خبر.

و الثانى النّصب؛ إما على أوصى ألا تشركوا، أو على اتل ألاّ تشركوا.

و الثالث ألاّ يكون لها موضع، و يكون المعنى: لا تشركوا به شيئا.

فأما موضع‏ تُشْرِكُوا فيمكن فيه وجهان:

النصب بـ «أن» ؛ و الثانى الجزم بـ «لا» على جهة النهى.

فإن قيل كيف يعطف النهى فى قوله تعالى: وَ لاََ تَقْتُلُوا أَوْلاََدَكُمْ على الخبر و هو أوصى‏ أَلاََّ تُشْرِكُوا .

قلنا: ذلك جائز؛ مثل قوله تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَ لاََ تَكُونَنَّ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ ؛ [الأنعام: 14]؛ و مثله قول الشاعر:

حج و أوصى بسليمى الأعبدا # ألاّ ترى و لا تكلّم أحدا

*و لا يزل شرابها مبرّدا*

فعطف «لا تكلّم» -و هو نهى-على الخبر.

و يمكن فى الآية وجه غير مذكور فيها، و الكلام يحتمله؛ و هو أن يكون الكلام قد انقطع عند قوله تعالى: أَتْلُ مََا حَرَّمَ رَبُّكُمْ و الوقف هاهنا، ثم ابتدأ عَلَيْكُمْ أَلاََّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً .

356

و إذا كانت على هذا الوجه احتمل: عَلَيْكُمْ أَلاََّ تُشْرِكُوا وجهين:

أحدهما أن يراد به: يلزمكم و واجب عليكم ذلك؛ كما يقال: عليك درهم، و عليك أن تفعل كذا، ثم قال: وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً ، أى أوصى بالوالدين إحسانا.

و الوجه الآخر أن يريد الإغراء؛ كما تقول: عليك زيدا، و عليك كذا إذا أمرت بأخذه و البدار إليه.

و لم يبق بعد هذا إلا سؤال واحد؛ و هو أن يقال: كيف يجوز أن يقول تعالى: أَتْلُ مََا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ، ثم يأتى بذكر أشياء غير محرمات حتى تقدروا لها الوصية أو الأمر، و صدر الكلام يقتضي أنّ الّذي يأتى به من بعد لا يكون إلا محرّما؟أ لا ترى أن القائل إذا قال: تعال أتل عليك ما وهبت كذا و كذا، لا بدّ أن يكون ما يعدّده و يذكره من الموهوبات؛ و إلا خرج الكلام من الصحّة.

الجواب عن ذلك أن التحريم لما كان إيجابا و إلزاما أتى ما بعده من المذكورات على المعنى دون اللفظ بذكر الأمور الواجبات و المأمورات للاشتراك فى المعنى. و أيضا فإن فى الإيجاب و الإلزام تحريما؛ أ لا ترى أنّ الواجب محرم الترك، و كلّ شي‏ء ذكر بعد لفظ التحريم فيه على بعض الوجوه تحريم.

فإن قيل: ألاّ حملتم الآية على ما حملها قوم عليه من أن لفظة «لا» زائدة فى قوله: أَلاََّ تُشْرِكُوا ، فكأنه عز و جل حرّم أن تشركوا به؛ و استشهد على زيادة «لا» بقوله تعالى:

مََا مَنَعَكَ أَلاََّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ؛ [الأعراف: 12]، و بقول الشاعر:

فما ألوم البيض ألا تسخرا # لما رأين الأشمط القفندرا (1)

و بقول الشاعر:

ألا يا لقوم قد أشطّت عواذلى # و يزعمن أن أودى بحقّى باطلى‏

و يلحيننى فى اللّهو إلا أحبّة # و للّهو داع دائب غير غافل‏

____________

(1) القفندر: القبيح المنظر؛ و البيتان فى اللسان (قفندر) .

357

قلنا: قد أنكر كثير من أهل العربية زيادة «لا» فى مثل هذا الموضع، و ضعّفوه و حملوا قوله: مََا مَنَعَكَ أَلاََّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ على أنه خارج على المعنى؛ و المراد به: ما دعاك إلى ألا تسجد!و من أمرك بألاّ تسجد!لأن من منع من شي‏ء فقد دعى إلى ألا يفعل.

و متى حملنا قوله تعالى: أَلاََّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً على أن لفظة «لا» زائدة على تضعيف قوم لذلك فلا بدّ فيما اتصل به هذا الكلام من تقدير فعل آخر؛ و هو قوله تعالى:

وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً ؛ لأن ذلك لا يجوز أن يكون معطوفا على المحرّم؛ و لا بدّ من إضمار:

«و وصينا بالوالدين إحسانا» . و إذا احتجنا إلى هذا الإضمار و لم يغننا عنه ما ارتكبناه من زيادة لفظة «لا» ، فالأولى أن نكتفى بهذا الإضمار فى صدر الكلام على حاله من غير إلغاء شي‏ء منه، و نقدر ما تقدّم بيانه؛ فكأنه تعالى وصّى ألا تشركوا به شيئا و بالوالدين إحسانا. و يشهد لذلك و يقوّيه آخر الآية.

358

تأويل آية وَ لاََ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ََ إِلَيْكَ وَحْيُهُ، وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً

إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَ لاََ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ََ إِلَيْكَ وَحْيُهُ، وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ؛ [طه: 114]

فقال: ما معنى هذه الآية؟فإن ظاهرها لا يدلّ على تأويلها.

الجواب، قلنا: قد ذكر المفسّرون فى هذه الآية وجهين نحن نذكرهما، و نوضّح عنهما، ثم نتلوهما بما خطر لنا فيهما زائدا على المسطور.

و أحد ما قيل فى هذه الآية أن النبي صلى اللّه عليه و آله كان إذا نزل عليه القرآن و سمعه من جبرئيل قرأ عليه السلام معه ما يوحى به إليه من القرآن أولا أولا قبل استتمامه و الانتهاء إلى المنزّل منه فى الحال، و قطع الكلام عليها، و إنما كان يفعل النبىّ عليه السلام ذلك حرصا على حفظه و ضبطه، و خوفا من نسيان بعضه، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ليثبت النبىّ صلى اللّه عليه و آله فى تلاوة ما يسمعه من القرآن، حتى ينتهى إلى غايته لتعلّق بعض الكلام ببعض.

قالوا: و نظير هذه الآية قوله تعالى: لاََ تُحَرِّكْ بِهِ لِسََانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. `إِنَّ عَلَيْنََا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ. `فَإِذََا قَرَأْنََاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. `ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنََا بَيََانَهُ ؛ [القيامة: 16-19]؛ فضمن اللّه تعالى أنه يجمع له عليه السلام حفظ القرآن، ثم يثبّته فى صدره، ليؤدّيه إلى أمّته، و أسقط عنه كلفة الاستعجال بترداد تلاوته، و المسابقة إلى تلاوة كل ما يسمعه منه؛ تخفيفا عنه و ترفيها له، و أكدوا ذلك بقوله تعالى: فَإِذََا قَرَأْنََاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ أى إذا انتهينا إلى غاية ما تريد إنزاله فى تلك الحال، فحينئذ اتبع قراءة ذلك و تلاوته، فلم يبق منه ما ينتظر فى الحال نزوله.

و الوجه الآخر أنهم قالوا: إنما نهى النبىّ عليه السلام عن تلاوة القرآن على أمته و أداء ما يسمعه منه إليهم، قبل أن يوحى إليه عليه السلام ببيانه، و الإيضاح عن معناه و تأويله؛ لأنّ تلاوته على من لا يفهم معناه، و لا يعرف مغزاه لا تحسن.

359

قالوا: و معنى قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ََ إِلَيْكَ وَحْيُهُ المراد به: قبل أن يقضى إليك وحى بيانه، و تفسير معناه؛ لأن لفظة «القضاء» و إن كانت على وجوه معروفة فى اللغة، فهى هاهنا بمعنى الفراغ و الانتهاء إلى الغاية؛ كما قال تعالى: فَقَضََاهُنَّ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ؛ [فصلت: 12].

و كما قال الشاعر:

و لمّا قضينا من منى كلّ حاجة # و مسّح بالأركان من هو ماسح‏ (1)

أى فرغنا من حاجاتنا، و انتهينا إلى غاية الوطر منها.

فأما الجواب الثالث الزائد على ما ذكر فهو أنه غير ممتنع أن يريد: لا تعجل بأن تستدعى من القرآن ما لم يوح إليك به؛ فإن اللّه تعالى إذا علم مصلحة فى إنزال القرآن عليك أمر بإنزاله، و لم يدّخره عنك؛ لأنه لا يدخر عن عباده الاطّلاع لهم على مصالحهم.

فإن قيل على هذا الوجه: إنه يخالف الظاهر؛ لأنه تعالى قال: وَ لاََ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ و لم يقل بطلبه و استدعائه، و الظاهر يقتضي أن الاستعجال بنفس القرآن لا بغيره.

قلنا: الأمر على ما ظنه السائل. و على الوجوه الثلاثة فى تأويل الآية لا بدّ من تقدير ما ليس فى الظاهر؛ لأن على الوجهين الأولين المذكورين لا بدّ من أن يقدّر: لا تعجل بتلاوة القرآن؛ إما على سبيل الدرس و التحفّظ على ما ذكر فى الوجه الأول، و أن يتلوه على أمّته قبل إنزال البيان. و أىّ فرق فى مخالفة الظّاهر؛ بين أن يقدّر: و لا تعجل بتلاوة القرآن، أو يقدر: لا تعجل بطلب القرآن و استدعاء نزوله؟

فإن قيل: هذا يدلّ على وقوع معصية من النبي عليه السلام فى استدعائه ما لم يكن له أن يستدعيه من القرآن؛ لأنّ النهى لا يكون إلا عن قبيح.

قلنا: النهى لا يكون إلا عن قبيح لا محالة؛ لكن النهى لا يدلّ

____________

(1) البيت ينسب لكثير؛ و انظر الجزء الأول ص...

360

على وقوع الفعل المنهىّ عنه؛ لأنه قد ينهى عن الفعل من لم يواقعه قطّ و لا يواقعه، أ لا ترى أن النبىّ عليه السلام نهى عن الشّرك و سائر القبائح؛ كما نهينا، و لم يدلّ ذلك على وقوع شي‏ء مما نهى عنه منه!

و هذا أيضا يمكن أن يكون جوابا لمن اعتمد على الوجهين الأولين إذا قيل له: أ فوقع منه عليه السلام تلاوة القرآن على أمته قبل نزول بيانه، أو عجل بتكريره على سبيل الدرس كما نهى عنه؟

و يمكن من اعتمد على الوجه الأول فى تأويل الآية أن يقول فى قوله تعالى: لاََ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ و إن كان ظاهره النهى ليس بنهى على الحقيقة؛ و قد يرد ما هو بلفظ النهى و هو غير نهى على التحقيق، كما يرد ما هو بصفة الأمر و ليس بأمر؛ و إنما ذلك تخفيف عنه عليه السلام و ترفيه، و رفع كلفة المشقة، فقيل له عليه السلام: لا تتكلّف المسابقة إلى تكرير ما ينزل عليك خوفا من أن تنساه؛ فإن اللّه تعالى يكفيك هذه المئونة، و يعينك عن حفظه و ضبطه؛ كما قال تعالى فى الآية الأخرى: إِنَّ عَلَيْنََا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ ؛ أى جمعه فى حفظك و تأمورك‏ (1) .

و بعد؛ فإن الأولى التوقف عن معرفة غاية الكلام التى ينتهى إليها، و يقطع عليها.

و التلاوة لما يرد منه الأوّل فالأول؛ تلاوة لما لا يعرف معناه؛ لتعلق الكلام بعضه ببعض؛ فندب عليه السلام إلى الأول من التوقف على غايته‏ (2) .

و أما الوجه الثانى الّذي اعتمد فيه على أنّ النهى إنما هو عن تلاوته على الأمة قبل نزول بيانه؛ فإن كان المعتمد على ذلك يقول: ليس يمتنع أن تكون المصلحة فى التوقّف عن الأداء قبيل البيان؛ فنهى عليه السلام عن ذلك؛ لأنّ المصلحة فى خلافه؛ فهذا جائز لا مطعن فيه؛ و إن كان القصد إلى أنّ الخطاب لا يحسن إلا مع البيان؛ على مذهب من يرى أنّ البيان لا يتأخر عن الخطاب؛ فذلك فاسد، لأنّ الصحيح أن البيان يجوز أن يتأخر عن وقت الخطاب؛ و إنما لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة.

____________

(1) التامور: القلب.

(2) حاشية ف: «التوقيف على علته» .

361

و قد بينا الكلام فى هذه المسألة، و الأدلّة على صحة ما ذهبنا إليه منها فى مواضع من كتبنا، و تكلمنا على فساد قول من أوجب اقتران البيان بالخطاب.

على أنّ من اعتمد على هذه الطريقة فى هذا الموضع فقد غلط؛ لأنّ الآية تدلّ على أنّ اللّه تعالى قد خاطب نبيّه عليه السلام بما يحتاج إلى بيان من غير انضمام البيان إليه. و إذا جاز ذلك فى خطابه تعالى لنبيه عليه السلام جاز مثله فى خطاب النبىّ عليه السلام لأمته؛ لأنّ من أبطل تأخير البيان عن زمان الخطاب يوجب ذلك فى كل خطاب.

و ليس يمكن أن يدّعى أنه تعالى قد بيّن له؛ لأن تأويلهم يمنع من ذلك؛ لأنه قيل له على هذا الوجه: لا تعجل بتلاوة القرآن على أمّتك قبل أن يقضى إليك وحيه؛ يعنى قبل أن ينزل إليك بيانه؛ فالبيان متأخّر عنه على ذلك الوجه؛ و ذلك قبيح على مذهب من منع من تأخير البيان من وقت الخطاب.

و التأويل الّذي ذكرناه زائدا على الوجهين المذكورين يمكن أن تفسّر به الآية الأخرى التى هى قوله تعالى: لاََ تُحَرِّكْ بِهِ لِسََانَكَ ، بطلب ما لم ينزل عليك من القرآن؛ فإنّ علينا إنزال ما تقتضى المصلحة إنزاله عليك و جمعه لك؛ و قوله تعالى: فَإِذََا قَرَأْنََاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. `ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنََا بَيََانَهُ ، يدلّ ظاهره على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب؛ لأنّه تعالى أمره: إذا قرأ عليه الملك و أوحى به إليه أن يقرأه، ثم صرّح بأن البيان يأتى بعده؛ فإنّ «ثمّ» لا يكون إلا للتراخى، و ما هو مقترن بالشي‏ء لا تستعمل فيه لفظة «ثمّ» أ لا ترى أنه لا يقال: أتانى زيد ثم عمرو، و إنما حضرا فى وقت واحد!

362

مسألة

إن سأل سائل عن قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتََابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا مِنْ عِبََادِنََا، فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَ مِنْهُمْ سََابِقٌ بِالْخَيْرََاتِ ؛ [فاطر: 32].

فقال: أىّ معنى لقوله تعالى: أَوْرَثْنَا ؟و ما الكتاب المشار إليه؟و إذا كان الاصطفاء هو الاختيار و الاجتباء-و ذلك لا يليق إلا بمن هو معصوم مأمون منه القبيح كالأنبياء و الأئمة عليهم السلام-فكيف قال بعد ذلك: فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ ، و هنا وصف لا يليق بمن ذكرناه؟

الجواب، إن الّذي يجب اعتماده فى تأويل هذه الآية أن قوله تعالى: فَمِنْهُمْ ترجع الكناية فيه إلى العباد؛ لا إلى الذين اصطفوا؛ و هو أقرب إليه فى الذكر، فكأنه تعالى قال: و من عبادنا ظالم لنفسه و مقتصد و سابق بالخيرات.

فإن قيل: فأىّ فائدة فى وصف العباد بهذه القسمة؟و كيف عدل عن وصف الذين اصطفاهم، و ورّثهم الكتاب؟

قلنا: الوجه فى ذلك ظاهر؛ لأنّه تعالى لما علّق توريث الكتاب بمن اصطفاهم من عباده أراد أن يبيّن وجه الاختصاص؛ و إنما علّق وراثة الكتاب ببعض العباد دون بعض؛ لأنّ فى العباد من هو ظالم لنفسه، و من هو مقتصد، و من هو سابق بالخيرات؛ فوجه المطابقة بين الكلام واضح.

و نحن الآن متبعون ما قيل فى تأويل هذه الآية؛ و موضّحون عمّا فيه من صحة أو اختلال.

ذكر أبو عليّ الجبّائى و من تابعه أنّ المراد بالذين اصطفوا الأنبياء عليهم السلام، و الظالم لنفسه من ارتكب الصغيرة منهم؛ و إنما وصف بذلك من حيث فوّت نفسه الثواب الّذي زال عنه بفعل الصغيرة؛ و يؤدّى سائر الواجبات. و السابق إلى الخير هو الّذي استكثر من فعل النوافل؛ و هذا التأويل يفسد من جهة أنّ الدليل قد دلّ على أنّ الأنبياء

363

عليهم السلام لا يقع منهم شي‏ء من المعاصى و القبائح. و قد أشبعنا الكلام فى ذلك فى كتابنا المعروف «بتنزيه الأنبياء و الأئمة» عليهم السلام.

و لو عدلنا عن ذلك لم يجز ما قاله؛ لأنّ قولنا: فلان ظالم لنفسه من أوصاف الذمّ، و الذمّ لا يستحقّه فاعل الصغيرة؛ فكيف تجرى عليه أوصاف الذم؟و لا شبهة فى أن قولنا:

فلان ظالم لنفسه من أوصاف الذم؛ لأنهم يقولون فى كلّ من فعل قبيحا: إنه قد ظلم، من حيث فعل ما يستحقّ به العقاب؛ و كأنه أدخل على نفسه ضررا ما كان يستحقّه، فأشبه بذلك الظالم لغيره.

و لا يجوز أن يوصف فاعل الصغيرة بأنّه ظالم لنفسه من حيث فوّت نفسه الثواب؛ لأنّه إن عنى بذلك الثواب الّذي يبطل بعقاب الصغيرة، فعند أبى عليّ أن الصغيرة ينحبط عقابها بالثواب الكثير؛ من غير أن ينقص من الثواب شي‏ء؛ لأنه لا يذهب إلى الموازنة التى يذهب إليها أبو هاشم، فما فوّتت الصغيرة عنده ثوابا كان مستحقّا له، و إن عنى بتفويت الثواب أنّه لو لم يفعل هذه المعصية لكان يستحقّ على الامتناع منها ثوابا فإنه يفعلها. فهذا يوجب أن يكون الأنبياء عليهم السلام فى كل حال مفوّتين لأنفسهم الثواب بفعل المباحات؛ لأنهم لو فعلوا الطاعات بدلا منها لاستحقّوا الثواب، و لوجب أن يوصفوا على الفائتة بأنهم ظالمون لأنفسهم.

على أنّ وضع الكلام و ترتيبه يقتضيان أنّ الظالم لنفسه فى الآية فى موضع ذمّ، لأنه تعالى جعله بإزاء المقتصد، و ليس بإزاء المقتصد إلا المسرف المذموم.

فإن قيل: فقد قلتم فى تأويل حكايته تعالى عن آدم و حوّاء عليهما السلام قولهما رَبَّنََا ظَلَمْنََا أَنْفُسَنََا ، [الأعراف: 23]: إنما أراد أنّا نقصناها الثواب الّذي كنا نستحقّه لو فعلنا ما ندبنا إليه من الامتناع من تناول الشجرة.

قلنا: إنما قلنا ذلك هناك، و عدلنا عن الظاهر فى هذه اللفظة لقيام الدليل أن النبىّ عليه السلام لا يواقع المحظور، كبيرا و لا صغيرا من الذنوب. و ليس فى الآية التى نحن فى الكلام عليها ضرورة توجب العدول عن الظاهر، بل قد بينا أن ترتيب الكلام و مقابلته‏

364

يقتضيان أن لفظة ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ فى الآية تقتضى الذم، لأنها بإزاء المقتصد.

على أنه غير ممتنع أن تكون لفظة «ظلم» بخلاف لفظة ظالم فى عرف الاستعمال، كما أن عند مخالفنا أن لفظة «آمن» بخلاف لفظة «مؤمن» ، لأنهم يصفون صاحب الكبيرة بأنه آمن و لا يسمّونه بأنه مؤمن، و يزعمون أن الانتقال عن الاشتقاق إلى إفادة استحقاق الثواب إنما هو فى مؤمن دون آمن، فلا ينبغى أن ينكروا مثل ذلك فى ظلم و ظالم.

و تأول قوم هذه الآية على أنّ المراد من اختاره اللّه تعالى للتكليف، و توريث الكتاب من العقلاء البالغين، ثم قسّمهم الأقسام التى تليق بهم، من غير أن يكون المراد بالآية الأنبياء عليهم السلام.

و هذا الجواب يفسد، لأن اللّه تعالى يقول: ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتََابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا مِنْ عِبََادِنََا ، و من اصطفاه اللّه و اختاره و اجتباه بالإطلاق لا يكون إلا ممدوحا معظّما، فكيف يكون فيهم من يستحق الذم و العقاب؟و من يختار اللّه تكليفه شيئا مخصوصا لا يقال بالإطلاق إن اللّه تعالى اصطفاه. و المعتزلة أبدا تنكر على المرجئة تأويلهم قوله تعالى:

وَ لاََ يَشْفَعُونَ إِلاََّ لِمَنِ اِرْتَضى‏ََ ؛ [الأنبياء: 28]، على أن المراد من ارتضى الشفاعة فيه، و يقولون: من ارتضى شيئا يتعلق به لا يوصف بأنه مرتضى على الإطلاق، فكيف يثبتونه هاهنا.

و وجدت أبا قاسم البلخىّ يقول فى كتابه تفسير القرآن: "إنه تعالى أراد العقلاء البالغين و يجوز أن يكونوا عند الاصطفاء أخيارا أتقياء ثم ظلم بعضهم نفسه؛ فيكون كما قال تعالى:

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ؛ [المائدة: 54]؛ و هو فى وقت الارتداد غير مؤمن. كذلك يكون فى حال ظلمه نفسه ليس من المصطفين". قال: "و يجوز أيضا أن يكون فيهم من ظلم نفسه ثم تاب و أصلح؛ و يكون قوله: فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ ، أى منهم من كان قد ظلم نفسه؛ ليس أنه فى هذا الوقت ظالم لها".

هذه ألفاظه بعينها حكيناها عنه؛ و هذا فاسد؛ لأن من كان منهم ظالما فاعلا للقبيح‏

365

لا يوصفون على الإطلاق بأن اللّه تعالى اصطفاهم. فهذا الوصف يقتضي أن تكون الجماعة أخيارا. و قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ بخلاف هذا؛ لأنّ وصفهم بأنهم آمنوا فى الماضى لا يمنع من الردّة فى المستقبل؛ و قوله تعالى: اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا يمنع أن يكون فيهم من ليست هذه صفته.

و أما حمل ذلك على من ظلم ثم تاب فهو غير صحيح؛ لأنّ من تاب لا يوصف بعد التوبة بأنه ظالم لنفسه؛ لأن التوبة تمنع من إجراء ألفاظ الذم.

و وجدت بعضهم يتأوّل هذه الآية على أن المراد ب ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ من جهد نفسه فى العبادة و حمل عليها؛ و قال: هذا يليق بأوصاف الأنبياء عليهم السلام، و لا تمنع النبوّة منه.

و هذا أيضا غير صحيح؛ لأنا قد بينا أن لفظة ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ يذمّ بها فى التعارف، فكيف تجرى على المدح!و من هذا الّذي يسمى من جهد نفسه فى العبادة بأنّه ظالم نفسه بالإطلاق!

على أن السابق إلى الخيرات هو المجتهد فى العبادة، الحامل على نفسه فيها، فأىّ معنى للتكرار؟و هذا تأويل يفسد القسمة، و هذه الجملة توضّح أن التأويل الصحيح ما قدمناه.

فأما قوله تعالى‏ اَلْكِتََابَ فالظاهر أنه كناية عن القرآن المنزّل على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله؛ فقد صارت هذه اللفظة بالإطلاق عبارة عنه؛ و لهذا إذا أطلق القائل فقال:

هذا ينطق به الكتاب، و محرّم فى الكتاب، و ورد فى الكتاب لم يفهم منه إلا ما ذكرناه.

و معنى‏ أَوْرَثْنَا يعنى علمه و فوائده و أحكامه؛ و ليس يليق ذلك بالأنبياء المتقدمين؛ فإنه لا حظّ لهم فى علم هذا الكتاب؛ و إنما يختص بهذه الفائدة نبيّنا عليه السلام و الأئمة من ولده عليهم السلام؛ لأنهم المتعبّدون بحفظه و بيانه، و العمل بأحكامه.

و ذلك كلّه واضح بحمد اللّه و منّه.

366

تأويل آية وَ لاََ يَمْلِكُ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ اَلشَّفََاعَةَ إِلاََّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَ لاََ يَمْلِكُ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ اَلشَّفََاعَةَ إِلاََّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ ؛ [الزخرف: 86].

الجواب، قلنا: أما اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ فالمراد به ما كان يعتقده المشركون، و يدعونه إلها من دون اللّه. و الهاء فى‏ دُونِهِ راجعة إلى اسم اللّه تعالى. و تحقيق الكلام:

و لا يملك الذين يدعون إلها و أربابا من دون اللّه تعالى الشفاعة. و لما كثر استعمال هذه اللفظة فيمن يعبد من دون اللّه، و يدعى إلها رازقا استحسنوا الحذف لظهور الأمر فى المراد؛ و لهذا حمل محققو المفسّرين قوله تعالى: قُلْ مََا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لاََ دُعََاؤُكُمْ ؛ [الفرقان: 77] الآلهة من دونه، و حذف ما يتعلّق بهذا الدعاء فى هذه الآية أشكل من حذفه فى قوله تعالى:

اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ؛ لأنّ قوله جل و عز: مِنْ دُونِهِ قد نبّه و أيقظ على أنّ المراد: من كان يدعى إلها من دونه.

و الآية الأخرى لا دليل فيها من لفظها على ما يتعلق به قوله: دُعََاؤُكُمْ .

و معنى أنهم لا يملكون الشفاعة، أى ليس لهم أن يفعلوها و يتصرّفوا فيها؛ لأن معنى المالك ليس هو إلا من كان قادرا على التصرّف فيه؛ و ليس لأحد أن يمنعه من ذلك؛ و الشفاعة قد بيّنا فى غير موضع من كتبنا أنها لا تستعمل على طريقة الحقيقة إلا فى طلب إسقاط المضارّ؛ و إنما استعملت فى إيصال المنافع تجوّزا فيه و استعارة.

و قيل فى معنى الآية وجهان: أحدهما أنّ المعبودين من عيسى و من مريم و الملائكة و عزير عليهم السلام؛ لا يملك الشفاعة عند اللّه تعالى‏[أحد منهم‏]فى أحد إلا فيمن شهد بالحق، و أقرّ التوحيد، و بجميع ما يجب عليه الإقرار به.

و الوجه الآخر أنّ الذين يدعون من دون اللّه من البشر و الأجسام و جميع المعبودات لا يملك الشفاعة عند اللّه إلا من شهد بالحق منهم يعنى عيسى و عزيرا و الملائكة عليهم السلام؛ لا يملكون‏

367

الشفاعة عند اللّه تعالى إلا إذا كانوا على الحق شاهدين به؛ معترفين بجميعه؛ فإنهم يملكون الشفاعة عند اللّه؛ و إن كان لا يملكها ما عداهم من المعبودات.

و الفرق بين الوجهين أنّ الوجه الأول يرجح الاستثناء فيه إلا من تتناوله الشفاعة؛ و فى الوجه الثانى يرجح الاستثناء إلى الشافع دون المشفوع فيه.

فإن قيل: أى الوجهين أرجح؟

قلنا: الثانى؛ و إنما رجحناه لأن المقصد بالكلام أنّ الذين يدعونهم من دون اللّه تعالى لا يملكون لهم نفعا؛ كما قال تعالى فى مواضع إنهم لا ينفعونكم، و لا يضرونكم، و لا يرزقونكم؛ و وضع الكلام على نفى منفعة تصل إليهم من جهتهم؛ و لا غرض فى عموم من يشفعون فيه أو خصوصه.

و لما كان فيمن عبدوه من نبىّ أو ملك من يجوز أن يشفع فيمن تحسن الشفاعة له، وجب استثناؤه حتى لا يتوهّم أنّ حكم جميع من عدّده واحد؛ فى أنه لا تصح منه الشفاعة؛ و أنّ من كان تصح منه الشفاعة إنما يشفع فيمن تحسن الشفاعة له ممن لم يكن كافرا و لا جاحدا.

و يترجّح هذا الوجه من جهة أخرى؛ و هى أنا لو جعلنا الاستثناء يرجع إلى من يشفع فيه لكان الكلام يقتضي أنّ جميع من يدعون من دون اللّه يشفع لكل من شهد بالحق، و الأمر بخلاف ذلك؛ لأنه ليس كل من عبدوه من دون اللّه تعالى تصح منه الشفاعة؛ لأنهم عبدوا الأصنام، و بعض عبد الكواكب و الشفاعة لا تصح منها؛ فلا بدّ من أن تخصص الكلام و نقدره هكذا: لا يملك بعض الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا فيمن شهد بالحق؛ فعود الاستثناء إلى الشافعين و أولى؛ حتى يتخصص.

و أيضا فلو عاد الاستثناء إلى المشفوع فيه لوجب أن يكون على غير هذه الصيغة فيقول:

«إلا فيمن شهد بالحق» و إذا قال: «إلا من شهد بالحق» كان ذلك بأن يرجع إلى الشافع أولى؛ لأنه أليق باللفظ، لأنا إذا أردنا أن نستثنى من جماعة لا يشفعون قلنا: هؤلاء

368

لا يشفعون إلا من كان بصفة كذا؛ و إذا كان الاستثناء ممن يشفع فيه قلنا: لا يشفعون إلا فيمن صفته كذا.

و أيضا فعلى الوجه الأول و قد تقدم عموم ظاهر فى اللفظة يجوز أن يستثنى منه و هو قوله تعالى: اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ و ما جرى ذكر المشفوع فيه عموما يستثنى بعض.

فإن قيل: الشفاعة لفظ جنس، يقتضي العموم.

قلنا: قد بينا فى غير موضع أن ألفاظ الجنس لا تقتضى الاستغراق، و ضربنا المثل بمن يقول: هذه أيام أكل اللحم، و زمان لبس الجباب، فإنه يقتضي الجنس من غير استغراق.

و إن توهّم خصوص أو عموم فخطؤهما لا يعقل.

فإن قيل: أىّ فائدة فى قوله تعالى‏ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ و بأى شي‏ء يتعلق علمهم.

قلنا: ليس كلّ من شهد بالحق يكون عالما؛ لأن المقلّد و المبخّت ربما شهد بالحق على وجه لا ينفع؛ و إنّما لا ينفع ذلك مع العلم فكأنه تعالى قال‏ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ صحة ما شهدوا به.

فإن قيل: إذا كان المستثنى هم الأنبياء و الملائكة فهؤلاء لا يشهدون بالحق إلا مع العلم.

قلنا: ذلك صحيح إلا أنّ الاستثناء لما تناول فى اللفظة من كان يصفه، و كان مجرد هذه اللفظة لا ينفع فى المعنى المقصود إلا مشروطا بالعلم وجب اشتراط العلم؛ ليعلم افتقاد تلك الصفة فيمن كانت إليه؛ و هذا واضح.

فإن قيل: هذان الوجهان اللّذان ذكرتموهما، و رجّحتم أحدهما يقتضيان مشاركة نبينا عليه السلام فى الشفاعة للمذنبين؛ و من مذهب المسلمين أنّه ينفرد بالشفاعة.

قلنا: ليس فيما ذكر تضعيف لهذين الجوابين من وجوه:

أحدها أنّ انفراده عليه السلام بالشفاعة للمذنبين حتى لا يشاركه أحد فيها ليس بمعلوم و لا مقطوع عليه؛ و إنما يرجع فيه إلى أقوال قوم غير محصّلين؛ أ لا ترى أنّ عند المسلمين كلّهم إلا عند المعتزلة و من وافقهم أن للمؤمنين شفاعة بعضهم فى بعض!فكيف يدّعى الاختصاص فى هذه الرتبة!

369

و ثانيها أن المزية المدّعاة لنبينا عليه السلام فى الشفاعة إنما هى على الأنبياء المتقدمين دون الملائكة؛ لأنّه لا خلاف فى أن للملائكة شفاعة، و قد نطق القرآن بذلك فقال:

لاََ يَشْفَعُونَ إِلاََّ لِمَنِ اِرْتَضى‏ََ وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ؛ [الأنبياء: 28]. و إذا كان الأمر على ما ذكرناه فالاستثناء يعود إلى الملائكة عليهم السلام؛ لأنهم من جملة المعبودين، فلا يمنع نفى الشفاعة عن الكل أن يستثنوا لأن لهم شفاعة.

و ثالثها أنّ الشفاعة قد تكون إلى اللّه تعالى و إلى غيره؛ فإن ثبت ما ادّعى من تفرّد نبينا عليه السلام بالشفاعة عند اللّه تعالى فى مذنبى أمته، جاز أن نثبت الشفاعة لغيره عند غير اللّه تعالى؛ فكأنه قال: أنتم تعبدون من لا يشفع فيكم فى الدنيا و لا ينصركم؛ و استثنى من يجوز عليه أن يشفع فى الدنيا.

و رابعها أن يكون المراد بالشفاعة هاهنا النّصرة و المعونة و المنفعة؛ لأن الشفاعة فيمن تتناوله نفع يوصل إليه؛ و إرادة الشفاعة فى الأمة معنى الشفاعة، و هو المنفعة و النّصرة؛ و تقدير الكلام: إنكم تعبدون من لا ينفعكم و لا يضرّكم و لا يعينكم؛ و لما كان فى جملة هؤلاء المعبودين من يصح أن يضرّ و ينفع استثنى؛ ليبين أنّ حكمهم مفارق لحكم غيرهم؛ و هذا بيّن لمن تأمله. ـ

370

مسألة

إن اعترض معترض على ما نقوله من أنّ الاستثناء إنما يخرج من الجمل ما صحّ دخوله فيها؛ و ليس بواجب أن يخرج منها ما وجب دخوله؛ بأن يقول: هذا يقتضي حسن أن يقول القائل: جاءنى رجل إلا زيدا؛ لأنّ لفظة «رجل» تصلح أن تقع على زيد و عمرو.

يقال له: من حق الاستثناء فى اللغة العربية أن يدخل على الجمل من الكلام فيخرج منها ما يصلح دخوله على مذهب مخالفنا. و لا يصحّ دخول الاستثناء على ألفاظ الوحدة. و رجل لفظ واحد، و إن وقع فى المعنى على الطويل و القصير، و زيد و عمرو. و الاستثناء إنما يخرج من الجمل ما يتناولها لفظها دون معناها؛ فلهذا لم يستحسنوا: جاءنى رجل إلا زيدا؛ و قد يستحسنون فى هذا الموضع ما يجرى مجرى الاستثناء بغير لفظة «إلاّ» ؛ فيقولون: جاءنى رجل ليس زيدا و ليس بزيد، فيخرجون من الكلام ما صحّ تناوله له-و إن لم يسموه استثناء، -و لا استحسنوا لفظة «إلا» إلاّ خاصة للاستثناء. و لو لا صحة الأصل الّذي ذكرناه لما استحسنوا أن يقولوا: جاءنى رجال إلا زيدا؛ لأنهم أخرجوا بالاستثناء ما تصلح لفظة «رجال» له دون ما تتناوله وجوبا.

فإن قيل: ألاّ كان قوله: «جاءنى رجال» للجنس دون ما يدعى من تناوله للثلاثة فصاعدا، فلهذا حسن الاستثناء منه بإلاّ. و لفظة «رجل» فى قولهم: جاءنى رجل للجنس!

قلنا: لو كان لفظة «رجال» أريد به جنس الرجال على العموم حسن استثناء النكرة منه، من غير وصف لها، و لا تقريب من المعرفة؛ حتى نقول: جاءنى رجال إلا رجلا؛ لأنه إذا أريد الجنس حسن ذلك لا محالة، كحسنه لو قال جاءنى الرجال (بالألف و اللام) إلا رجلا؛ و أجمعوا على أنّ ذلك لا يجوز؛ لأنه غير مفيد. و لو أريد بلفظة «رجال» هاهنا الجنس لكان استثناء الرجل الواحد منها من غير وصف له مفيدا. فأما لفظة «رجل» فى الإثبات كقولهم:

جاءنى رجل، فإنه لا يجوز أن يكون عبارة عن الجنس فى شي‏ء من كلامهم. و لو أرادوا به الجنس لحسن الاستثناء؛ كما يحسن من ألفاظ الجنس؛ و إنما يراد فى بعض المواضع بلفظة «رجل» الجنس إذا كانت فى النفى، مثل قولهم: ما جاءنى رجل، و ما ضربت رجلا؛ و هاهنا يجوز أن تستثنى فتقول: إلا زيدا.

371

مسألة

إن سأل سائل عن معنى قوله تعالى: يََا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخََاذِكُمُ اَلْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى‏ََ بََارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذََلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بََارِئِكُمْ فَتََابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوََّابُ اَلرَّحِيمُ ؛ [البقرة: 54].

فقال: كيف يجوز أن يتعبّدهم بقتل أنفسهم، و العبادة بذلك لا تحسن إلا أن تكون مصلحة لهذا المكلّف فى دينه؛ إما بأن يفعل طاعة أو يمتنع من قبيح؛ و هو بعد الموت قد خرج من كلّ تكليف، فلا يصحّ منه شي‏ء من الأفعال!

الجواب، إن المفسرين قد اختلفت أقوالهم فى هذه الآية.

فمنهم من ذهب إلى أنه تعالى كلّفهم أن يقتلوا أنفسهم القتل الحقيقىّ المعهود.

و منهم من ذهب إلى أنه تعالى كلّفهم أن يقتل بعضهم بعضا.

و منهم من حمل الآية على أن المراد بها تكليف الاستسلام للقتل؛ و يقول: إنهم استحقوا بعبادة العجل القتل، فلما تابوا أمرهم اللّه تعالى بأن يستسلموا لمن يقتلهم؛ كما كلف اللّه القاتل لغيره أن يستسلم للقود منه.

فأما الوجه الأول فيبطل بما ذكر فى السؤال؛ و لا يجوز أن يكون وجه حسن هذا التكليف المصلحة لغير المقتول؛ لأنّ مصلحة زيد لا تكون وجها فى وجوب الفعل على عمرو؛ و لا يمكن أن يقال: إنّ مصلحة المأمور بقتل نفسه فى نفس الأمر و التكليف قبل أن يقتل نفسه؛ فإن ذلك ربما كان لطفا له فى بعض العبادات؛ و ذلك لأن الأمر بما ليس له وجه وجوب أو ندب لا يحسن؛ بل يكون الأمر قبيحا؛ و إذا كان الأمر قبيحا لم يحسّنه أن يكون فيه لطف لبعض المكلّفين؛ بل يمنع منه كما يمنع من أن يلطف لبعض المكلّفين بما هو قبيح فى نفسه؛ فلم يبق بعد إبطال هذا الوجه إلا الوجهان الأخيران؛ من الاستسلام لمن يقتلهم القتل الّذي استحقوه، أو قتل بعضهم بعضا؛ فقد روى أنهم برزوا بأسيافهم؛ و اصطفّوا صفين يضرب بعضهم بعضا، فمن قتل منهم كان شهيدا، و من نجا كان تائبا.

372

و يمكن فى الآية وجه آخر؛ ما رأينا أحدا من المفسرين سبق إليه؛ و هو إن لم يزد فى القوة على ما ذكروه لم ينقص عنه؛ و هو أن يكون المراد بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أى اجتهدوا فى التوبة ممّا أقدمتم عليه، و الندم على ما فات، و إدخال المشاقّ الشديدة عليكم فى ذلك؛ حتى تكادوا أن تكونوا قتلتم أنفسكم؛ و قد يسمّى من فعل ما يقارب الشي‏ء باسم فاعله. و مذهب أهل اللغة فى ذلك معروف مشهور؛ يقولون: ضرب فلان عبده حتى قتله، و فلان قتله العشق، و أخرج نفسه، و أبطل روحه، و ما جرى مجرى ذلك؛ و إنما يريدون المقاربة و المشارفة و المبالغة فى وصف التناهى و الشدة؛ فلما أراد تعالى أن يأمرهم بالتناهى و المبالغة فى النّدم على ما فات، و بلوغ الغاية القصوى فيه جاز أن يقول: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ .

فإذا قيل طعنا على هذا الجواب: إنما تسمّى مقاربة القتل قتلا مجازا و توسّعا، و حمل الكلام على حقيقته أولى!

الجواب، أن الوجهين اللذين ذكرهما المفسرون فى هذه الآية من قتل بعضهم بعضا، و الاستسلام للقتل مبنيان أيضا على المجاز؛ و ظاهر التنزيل بخلافهما؛ لأن الاستسلام للقتل ليس بقتل على الحقيقة؛ و إنما سمى باسمه من حيث يؤدّى إليه، و كذلك قتل بعضهم بعضا مجاز؛ لأن القاتل غير المقتول؛ و ظاهر الآية يقتضي أن القاتل هو المقتول.

و أما استشهادهم فى تقوية هذا الوجه بقوله: وَ لاََ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يعنى إخوانكم فلا يغنى شيئا؛ لأنّ ذلك مجاز لا محالة؛ و إنما حمل على الإخوان بدليل. و الظاهر أن يكون تكليفا لقتل الواحد نفسه، و سلامة على نفسه.

فإن قيل: كيف يجوز أن يستحقّ القتل بعد التوبة من الوجوه التى بها استحق القتل؟

قلنا: غير ممتنع أن يكلّفنا اللّه تعالى-بعد التوبة من الكفر-القتل امتحانا؛ لا على سبيل العقوبة.

فإن قيل: كيف يصح أن تكون التوبة نفسها قتل أنفسهم؛ و التوبة هى الندم و العزم، و هما غير القتل!

373

قلنا: الجواب الصحيح عن السؤال أن الفاء فى الآية عاطفة للقتل على التوبة، و ليست بمنبئة أن القتل هو التوبة على ما ظنّه بعض من لم يتأمل. و هو جار مجرى قوله: ضربت زيدا فعمرا؛ فالفاء هاهنا عاطفة و قائمة مقام الواو؛ إلا أن لها زيادة على حكم الواو، فإن الفاء تقتضى الجمع الّذي تقتضيه الواو، و تقتضى الترتيب و التعقيب اللذين لا يفهمان من الواو؛ فكأنه تعالى قال: فتوبوا إلى بارئكم و اقتلوا أنفسكم؛ فلما أمرهم بالقتل عقيب التوبة؛ أدخل الفاء التى هى علامة على ذلك.

و قد أجاب بعض الناس بأن قال: ما لا تتم التوبة إلا به، و معه يصحّ أن يسمّى باسمها؛ كما يقال للغاصب إذا عزم على التوبة: إنّ توبتك ردّ ما غصبت؛ و إنما يريد: أن توبتك لا تتم إلا به.

و قد بينا ما يغنى عن ذلك فى الجواب الّذي اخترناه، و هو أولى و أوضح.

374

مسألة

إن سأل سائل عن قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ جُنََاحٌ فِيمََا طَعِمُوا إِذََا مَا اِتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ ثُمَّ اِتَّقَوْا وَ آمَنُوا ثُمَّ اِتَّقَوْا وَ أَحْسَنُوا وَ اَللََّهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ ؛ [المائدة: 93].

هذه الآية تشاغل المفسّرون بإيضاح الوجوه فى التكرار الّذي تضمّنته؛ و ظنوا أنه المشكل منها، و تركوا ما هو أشدّ إشكالا من التكرار؛ و هو أنه تعالى نفى الجناح عن الذين آمنوا و عملوا الصالحات فيما يطعمونه بشرط الاتقاء و الإيمان و عمل الصالحات. و إذا أريد بالاتقاء تجنّب القبائح و المحارم، كان ذلك شرطا صحيحا فى نفى الجناح؛ إلا أنّ الإيمان و عمل الصالحات ليس بشرط فى نفى الجناح على وجه و لا سبب؛ لأن من جانب القبيح المحظور عليه لم يكن عليه جناح فيما يطعمه، و إن لم يكن مؤمنا، و لا ممن عمل الصالحات، أ لا ترى أن المباح إذا وقع من الكافر لا إثم عليه و لا وزر!و وقوعه منه مع كفره فى نفى الإثم كوقوعه من المؤمنين.

و الإشكال إنما هو فى اشتراط الإيمان و عمل الصالحات؛ و ليس لذلك تأثير معقول فى نفى الجناح.

و نحن نبين ما يحل هذه الشبهة القوية، و نتكلم على التكرار، و لنا فى ذلك طريقان: أحدهما أن نضم إلى المشروط المصرّح بذكره غيره حتى يظهر تأثير ما ذكره من الشروط. أو نجعل ما ولى الاتقاء من الإيمان، و عمل الصالحات ليس بشرط حقيقىّ و إن كان معطوفا على الشرط، و كل ذلك جائز إذا قاد الدليل إليه، و أحوج إلى التعويل عليه.

أما الوجه الأول فبيانه أن يكون تقدير الكلام: ليس على الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا و غيره إذا ما اتقوا و آمنوا و عملوا الصالحات، لأن الشرط فى نفى الجناح لا بدّ أن يكون له تأثير؛ حتى يكون متى انتفى ثبت الجناح. و قد علمنا أنّ باتّقاء المحارم ينتفى الجناح فيما يطعم، فهو الشرط الّذي لا زيادة عليه. و لما ولى ذكر الاتقاء الإيمان و عمل الصالحات و لا تأثير لهما فى نفى الجناح-وجب أن نقدّر هناك ما تؤثّر هذه الأفعال فى نفى الجناح‏

375

عنه، فأشرنا إلى إضمار ما تقدم ذكره حتى يصحّ الشرط، و يطابق المشروط، لأن من اتقى الحرام فيما يطعم لا جناح عليه فيما يطعم؛ لكنه قد يصح أن يثبت عليه الجناح فيما أخلّ به من واجب، و ضيّعه من فرض، فإذا شرطنا أنه مع اتقاء القبيح ممّن آمن باللّه و بما أوجب عليه الإيمان به، و عمل الصالحات ارتفع الجناح عنه من كلّ وجه.

و ليس بمنكر حذف ما قدرناه لدلالة الكلام عليه، فمن عادتهم أن يحذفوا ما يجرى هذا المجرى، و تكون قوة الدّلالة عليه و سوقها إليه مغنيين عن النطق به. و فى القرآن و فصيح كلام العرب و أشعارها أمثلة كثيرة لذلك لا تحصى، فمنه قوله تعالى: وَ إِذْ آتَيْنََا مُوسَى اَلْكِتََابَ وَ اَلْفُرْقََانَ [البقرة: 53]؛ فقد ذكر فى الآية وجوه؛ من أوضحها أنه تعالى أراد: آتينا موسى الكتاب و محمدا الفرقان، لأنه لما عطف الفرقان على الكتاب الّذي أوتيه موسى عليه السلام، و علمنا أنه لا يليق به-لأن الفرقان ليس مما أوتيه موسى عليه السلام-وجب أن نقدّر ما يطابق ذلك.

و مثله قول الشاعر:

تراه كأنّ اللّه يجدع أنفه # و عينيه إن مولاه بات له وفر (1)

لما كان الجدع لا يليق بالعين-و إن كانت معطوفة على الأنف الّذي يليق به الجدع- أضمرنا ما يليق بالعين، و هو البخص و ما يجرى مجراه.

و مثله:

يا ليت زوجك قد غدا # متقلّدا سيفا و رمحا

و مثله:

*علفتها تبنا و ماء باردا (2) *

و الإضمار مع قوة الدّلالة أحسن من الإظهار، و أدخل فى البلاغة و الفصاحة.

____________

(1) حاشية الأصل (من نسخة) : «كان له وفر» ، و البيت فى (الحيوان 6: 40) ؛ و نسبه إلى خالد بن الطيفان؛ و قد أورده المؤلف فى هذا الجزء ص 259.

(2) بقيته:

*حتى شتت همّالة عيناها*

و هو من شواهد ابن عقيل 1: 524، و قد أورده المؤلف كاملا فى هذا الجزء ص 259.

376

و أما بيان الوجه الثانى فهو أنا نعدل عن ظاهر الشرط فيما ولى الاتقاء؛ من ذكر الإيمان و عمل الصالحات، و نجعله ليس بشرط و إن كان معطوفا على شرط، لأن العدول عن الظاهر بالأدلّة القاهرة واجب لازم مستعمل فى أكثر القرآن؛ فكأنه تعالى لما أراد أن يبيّن وجوب الإيمان و عمل الصالحات و تأكّد لزومه، عطفه على ما هو واجب لازم من اتقاء المحارم لاشتراكهما فى الوجوب؛ و إن لم يشتركا فى كونهما شرطا فى نفى الجناح فيما يطعم؛ و هذا تفسّح و توسّع فى البلاغة يحار فيها العقل استحسانا و استغرابا؛ و تعويل على أن المخاطب بذلك على إرساله و العدول عن تفصيله يضع كلّ شي‏ء منه فى موضعه؛ و كم فى القرآن من هذه الغرائب فى الفصاحة و العجائب و الحذوف و الاختصارات التى لا يتجاسر بليغ و لا فصيح على الإقدام عليها، و المرور بشعبها خوفا من الزلل و الخلل!

و أما الجواب عن مشكل التكرار فالوجه فيه على الجملة أن نجعل الأحوال التى يقع فيها الاتقاء و الإيمان و عمل الصالحات مختلفة بمضىّ و استقبال، فيزول التكرار، أو نجعل المأمور به من الاتقاء و الإيمان و عمل الصالحات مشروطا مخصوصا، يتناول الأوّل غير متناول الثانى، و الثانى غير متناول الأول؛ فيزول أيضا بذلك التكرار.

و قد أوّل المفسرون على اختلافهم بكثير من الجملة التى أشرنا هاهنا إليها، و ذكروا أن الشرط الأول يتعلّق بالزمان الماضى، و الشرط الثانى متعلّق‏ (1) بالدوام على ذلك و الاستمرار على فعله، و الثالث مختص باتقاء ظلم العباد.

و ذكر أبو عليّ الجبائىّ هذا بعينه، و استدلّ على أنّ الاتقاء الثالث يختصّ بظلم العباد بقوله تعالى: وَ أَحْسَنُوا ، و أن الإحسان إذا كان متعديا وجب أن يكون ما أمروا باتقائه من المعاصى أيضا متعديا؛ و هذا ممن اعتمده من المفسرين مزج؛ لاختلاف الأحوال باختلاف المأمور به؛ و ما ينبغى أن يكون كذلك، بل الواجب أن نبطل التكرار. إما من جهة اختلاف الأحوال من غير أن نمزجها باختلاف غيرها؛ أو نعدل عن اختلاف الأحوال فنبطل التكرار من حيث اختلاف المأمور به فى عموم و خصوص.

____________

(1) حاشية ف (من نسخة) : «يتعلق» .

377

و لعل أبا عليّ و غيره إنما عدل فى الشرط الثالث عن ذكر الأحوال لمّا ظن أنّه لا يمكن فيه ما أمكن فى الأول و الثانى. و نحن نبين أن الأمر بخلاف ما ظنه؛ و هو أنه لا يمتنع أن يحمل الشرط الأول على الماضى من الزمان، و الثانى على الحال، و الثالث على المنتظر و المستقبل.

و ليس لأحد أن يقول: لا واسطة عند المتكلّمين بين الماضى و المستقبل؛ لأنّ الفعل إما أن يكون معدوما فيكون مستقبلا، أو موجودا فيكون ماضيا؛ و إنما يجعل الأحوال ثلاثة النحويون، و لا يرتضى ذلك المتكلمون.

و الجواب عن هذا أنّ الصحيح أنه لا واسطة بين العدم و الوجود على ما ذكر، غير أن الموجود فى أقرب الزمان لا يمتنع أن نسميه حالا، و بينه و بين الماضى الغابر السالف فرق؛ كما كان كذلك بينه و بين المنتظر.

و أما بيان اختلاف المأمور؛ فأن يحمل الاتقاء الأوّل على اتقاء المعاصى العقلية التى تختصّ المكلّف و لا تتعداه، و الإيمان الأول الإيمان باللّه تعالى و بما أوجب الإيمان به، و الإيمان الثانى الإيمان بقبح هذه المعاصى و وجوب تجنبها، و الاتقاء الثالث الاتقاء لما يتعدّى من المعاصى من الظلم و الإساءة.

و ليس ينبغى أن يفزع فى أن الاتقاء الثالث يختص بمظالم العباد إلى ما اعتمده أبو عليّ من قوله تعالى: وَ أَحْسَنُوا من حيث كان الإحسان إذا كان متعديا فكذلك ما عطف عليه؛ لأن ذلك من ضعيف الاستدلال، لأن قول اللّه تعالى: وَ أَحْسَنُوا ليس بصريح فى أن المراد به الإحسان المتعدّى؛ لأنه غير ممتنع أن يريد به فعل الحسن و المبالغة فيه، و إن اختص الفاعل و لم يتعدّه؛ أ لا ترى أنهم يقولون لمن بالغ فى فعل الحسن و تناهى فيه و إن اختصه: أحسنت و أجملت!ثم إن سلّم أن المراد به الإحسان المتعدّى لم يمتنع أن يعطفه و هو متعدّ على فعل لا يتعدى؛ أ لا ترى أنه لو صرّح بذلك فقال: اتقوا المعاصى كلّها و القبائح، و أحسنوا إلى غيركم لكان حسنا غير قبيح!و إنما ينبغى أن يفزع فى التخصيص إلى الفرار من التكرار، و حمله على ما يفيد، و ذلك يغنى عما تكلّفه أبو عليّ.

378

فإن قيل: أىّ فائدة فى تخصيص الذين آمنوا و عملوا الصالحات بنفى الجناح فيما يطعمونه بالشرط المذكور؟و من ليس بمؤمن يشاركهم فى هذا الحكم مع ثبوت الشرط!

قلنا: تعليق الحكم بالصفة أو الاسم لا يدلّ على نفيه عمن عدا المسمى أو الموصوف؛ و قد دلّ العلماء على ذلك فى مواضع كثيرة؛ و ليس بممتنع على المذهب الصحيح أن يعلّق الحكم باسم أو صفة، و يكون من عدا الموصوف أو المسمى مشاركا فى ذلك الحكم.

و قد قيل: إن السبب فى نزول هذه الآية أنّه لما نزل تحريم الخمر قال المسلمون: كيف بإخواننا الذين تناولوا الخمر قبل نزول تحريمها، و ماتوا و هى فى أجوافهم؟و كيف بإخواننا الطائفين فى أطراف البلاد و هم لا يشعرون بهذا التحريم؟فأنزل اللّه تعالى هذه الآية تطييبا لنفوسهم، و إعلاما لهم: أن من يطعم-ما لم يبيّن له تحريمه-لا جناح عليه.

و قيل أيضا: إن الآية وردت فى قوم حرّموا على أنفسهم اللحوم، و سلكوا طريق الترهّب؛ كعثمان بن مظعون و غيره، فبيّن اللّه سبحانه أن الحلال لا جناح فى تناوله، و إنما يجب التجنّب للمحرّم، و هذه الأسباب لا تبقى معها مسألة عن سبب تخصيص المؤمنين بنفى الجناح.

و كل هذا واضح. ـ

379

مسألة

سئل رضى اللّه عنه عن قوله عز و جل فى قصة زكريا عليه السلام: أَنََّى يَكُونُ لِي غُلاََمٌ وَ قَدْ بَلَغَنِيَ اَلْكِبَرُ وَ اِمْرَأَتِي عََاقِرٌ ؛ [آل عمران: 40].

فكأنه سأل أمرا يستحيل كونه، و قد علمنا لا محالة أن زكرياء يعلم أنّ اللّه تعالى لا يعجزه ما يريد، فما وجه الكلام؟

فأجاب عن ذلك و قال: إنّه غير ممتنع أن يكون زكرياء عليه السلام لم يسأل الذرية فى حال كبره و هرمه؛ بل قبل هذه الحال، فلما رزقه اللّه تعالى ولدا على الكبر، و مع كون امرأته عاقرا قال: أَنََّى يَكُونُ لِي غُلاََمٌ وَ قَدْ بَلَغَنِيَ اَلْكِبَرُ وَ اِمْرَأَتِي عََاقِرٌ من غير إنكار منه لقدرة اللّه تعالى على ذلك؛ بل ليرد من الجواب ما يزداد به بصيرة و يقينا.

و يجوز أيضا أن يكون سأل الولد مع الكبر و عقم امرأته، ليفعل اللّه تعالى ذلك على سبيل الآية له، و خرق العادة من أجله؛ فلما رزقه اللّه تعالى الولد عجب من ذلك، و أنكره بعض من تضعف بصيرته من أمّته، فقال عليه السلام: أَنََّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ ليرد من الجواب ما يزول به شكّ غيره؛ فكأنه سأل فى الحقيقة لغيره لا لنفسه؛ و يجرى ذلك مجرى سؤال موسى عليه السلام أن يريه اللّه تعالى نفسه لما شكّ قومه فى ذلك، فسأل لهم لا لنفسه.

380

مسألة

و سئل أيضا رضى اللّه تعالى عنه عن قوله تعالى: وَ إِذْ نَجَّيْنََاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ اَلْعَذََابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنََاءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِسََاءَكُمْ ؛ [البقرة: 49].

فقال: أىّ شي‏ء فى استحياء النساء من سوء العذاب؟و إنما العذاب فى ذبح الأبناء!

فقال: أمّا قتل الذكور و استبقاء الإناث فهو ضرب من العذاب و الإضرار؛ لأنّ الرجال هم الذين يردعون النساء عما يهممن به من الشر، و هو واقع منهن فى الأكثر مع الرّدع؛ فإذا انفردن وقع الشرّ و لا مانع؛ و هذه مضرّة عظيمة.

و وجه آخر و هو أن الراجع إلى قوله: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ اَلْعَذََابِ هو قتل الأبناء دون استبقاء النساء؛ و إنما ذكر استحياء النساء لشرح كيفية الحال؛ لا لأنّ من جملة العذاب ذلك؛ كما يقول أحدنا: فلان عذبنى بأن أدخلني داره و عليه ثياب فلانية، و ضربنى بالمقارع و فلان حاضر؛ و ليس كلّ ما ذكره من جملة العذاب؛ و إنما العذاب هو الضرر دون غيره، و ذكر الباقى على سبيل الشرح للحال.

و وجه آخر، و هو أنه روى أنهم كانوا يقتلون الأبناء، و يدخلون أيديهم فى فروج النساء لاستخراج الأجنّة من بطون الحوامل؛ فقيل: يستحيون النّساء، اشتقاقا من لفظة الحياء و هو الفرج؛ و هذا عذاب و مثلة، و ضرر شديد لا محالة.

381

مسألة

و سئل أيضا فقيل: أ ليس قد وعد اللّه تعالى المؤمنين فى عدّة مواضع من كتابه المجيد بالجنّة و الخلود فى النعيم، فما معنى قول النبىّ عليه السلام: مََا أَدْرِي مََا يُفْعَلُ بِي وَ لاََ بِكُمْ [الأحقاف: 9].

فقال: إنه لا يجوز أن يريد النبىّ عليه السلام بقوله: مََا أَدْرِي مََا يُفْعَلُ بِي وَ لاََ بِكُمْ الثواب أو العقاب و دخول الجنة أو النار؛ لأنه عليه السلام عالم بأنّ الجنّة مأواه، و الثواب عاقبته، و لا يجوز أن يشكّ فى أنه ليس من أهل النار؛ و إن شك فى ذلك من حال غيره، و المراد بالآية: إنّى لا أدرى ما يفعل بى و لا بكم؛ من المنافع و المضارّ الدنيوية؛ كالصحة و المرض و الغنى و الفقر و الخصب و الجدب؛ و هذا المعنى صحيح واضح لا شبهة فيه.

و يجوز أيضا أن يريد أننى لا أدرى ما يحدثه اللّه تعالى من العبادات، و يأمرنى به و إياكم من الشرعيات، و ما ينسخ من الشرائع و ما يقرّ منها و يستدام؛ لأن ذلك كلّه مغيّب عنه عليه السلام؛ و هذا يليق بقوله تعالى فى أول الآية: قُلْ مََا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ اَلرُّسُلِ ؛ و فى آخرها: إِنْ أَتَّبِعُ إِلاََّ مََا يُوحى‏ََ إِلَيَّ .

382

مسألة

و سئل أيضا عن قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمََّا أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ فَسْئَلِ اَلَّذِينَ يَقْرَؤُنَ اَلْكِتََابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جََاءَكَ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاََ تَكُونَنَّ مِنَ اَلمُمْتَرِينَ ؛ [يونس: 94].

كيف يكون النبىّ عليه السلام فى شك مما أوحى إليه؟و كيف يسأل عن صحة ما أنزل إليه الذين يقرءون الكتاب من قبله و هم اليهود و النصارى المكذّبون له؟

فقال: إن قوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمََّا أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ ظاهر الخطاب له عليه السلام، و المعنى لغيره؛ كما قال تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ ؛ [الطلاق: 1] فكأنه قال: فإن كنت أيّها السامع للقرآن فى شكّ ممّا أنزلناه على نبينا؛ فاسأل الذين يقرءون الكتاب.

و ليس يمتنع عند من أنعم النظر أن يكون الخطاب متوجّها إلى النبىّ صلى اللّه عليه و آله، و ليس إذا كان الشك لا يجوز عليه لم يحسن أن يقال له: إن شككت فافعل كذا، كما قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ؛ [الزمر: 65]، و معلوم أن الشرك لا يجوز عليه.

و لا خلاف بين العلماء فى أنّه عليه السلام داخل فى ظاهر آيات الوعيد و الوعد، و إن كان لا يجوز أن يقع منه ما يستحق به من العقاب. و إن قيل له: إن أذنبت عوقبت؛ فهكذا لا يمتنع أن يقال له: إن شككت فافعل كذا و كذا؛ و إن كان ممن لا يشك.

و وجدت بعض المفسّرين يجعل (إن) هاهنا بمعنى «ما» التى للجحد، و يكون تقدير الكلام: ما كنت فى شك مما أنزلنا إليك، و استشهد على ذلك بقوله تعالى: قََالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ؛ [إبراهيم: 11]، أى ما نحن، و قوله تعالى: إِنْ أَنْتَ إِلاََّ نَذِيرٌ ؛ [فاطر: 23]؛ أى ما أنت إلا نذير، و لا شك و لا شبهة فى أن لفظة إِنْ

383

قد تكون بمعنى «ما» فى بعض المواضع؛ إلا أنه لا يليق بهذا الموضع أن تكون‏ إِنْ بمعنى «ما» ؛ لأنه لا يجوز أن يقول تعالى: ما أنت فى شك مما أنزلنا إليك؛ فاسأل الذين يقرءون الكتاب؛ لأن العالم لا حاجة به إلى المسألة؛ و إنما يحتاج أن يسأل الشاكّ.

غير أنه يمكن نصرة هذا الجواب بأنه تعالى لو أمره بسؤال أهل الكتاب من غير أن ينفى شكّه لأوهم أمره بالسؤال أنه شاكّ فى صدقه، و صحة ما أنزل عليه، فقدّم كلاما يقتضي نفى الشك عنه فيما أنزل عليه، ليعلم أنّ أمره بالسؤال ليزول الشكّ عن غيره، لا عنه.

فأما الذين أمر بمسألتهم فقد قيل إنهم المؤمنون من أهل الكتاب، الراجعون إلى الحق؛ ككعب الأحبار، و من جرى مجراه ممن أسلم بعد اليهودية، لأن هؤلاء لا يصدقون عمّا شاهدوه فى كتبهم من صفات النبي عليه السلام و البشارة به؛ و إن كان غيرهم ممن أقام على الكفر و الباطل لا يصدق عن ذلك.

و قال قوم آخرون: إنّ المراد بالذين يقرءون الكتاب جماعة اليهود، ممن آمن و ممن لم يؤمن؛ فإنهم يصدقون عما وجدوه فى كتبهم من البشارة بنبىّ موصوف، يدّعون أنه غيرك، و أنك إذا قابلت بتلك الصفات صفاتك علمت أنت و كلّ من أنصف أن المبشّر بنبوته هو أنت.

و قال آخرون: ما أمره أن يسألهم عن البشارة به؛ لأنهم لا يصدقون عن ذلك؛ بل أمره عليه السلام أن يسألهم عما تقدم ذكره على هذه الآية بغير فصل من قوله تعالى: وَ لَقَدْ بَوَّأْنََا بَنِي إِسْرََائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَ رَزَقْنََاهُمْ مِنَ اَلطَّيِّبََاتِ فَمَا اِخْتَلَفُوا حَتََّى جََاءَهُمُ اَلْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ فِيمََا كََانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ؛ [يونس: 93]ثم قال تعالى:

فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمََّا أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ فَسْئَلِ اَلَّذِينَ يَقْرَؤُنَ اَلْكِتََابَ مِنْ قَبْلِكَ ؛ [يونس: 94]، أى فى شك مما تضمنته هذه الآية من النعمة على بنى إسرائيل؛ فما كانت اليهود تجحد ذلك، بل تقرّ به، و تفخر بمكانه.

و هذا الوجه يروى عن الحسن البصرىّ. و كلّ ذلك واضح لمن تأمله.

384

مسألة

سئل رضى اللّه عنه فقيل: ما القول فيما يخبر به المنجّمون من وقوع حوادث، و يضيفون ذلك إلى تأثيرات النجوم؟

و ما المانع من أن تؤثر الكواكب على حدّ تأثير الشمس الأدمة (1) فينا؟

و إن كان تأثير الكواكب مستحيلا فما المانع من أن تكون التأثيرات من فعل اللّه تعالى بمجرى العادة عند طلوع هذه الكواكب و انتقالها؟

فلينعم ببيان ذلك؛ فإن الأنفس إليه متشوقة.

و كيف تقول: إن المنجمين حادسون‏ (2) ؛ مع أنه لا يفسد من أقوالهم إلا القليل؛ حتى إنهم يخبرون بالكسوف و وقته و مقداره فلا يكون إلا على ما أخبروا به؛ فأىّ فرق بين إخبارهم بحصول هذه التأثيرات فى هذا الجسم، و بين حصول تأثيرها فى أجسامنا؟

الجواب، اعلم أن المنجمين يذهبون إلى أن الكواكب تفعل فى الأرض و من عليها أفعالا يسندونها إلى طباعها، و ما فيهم أحد يذهب إلى أن اللّه تعالى أجرى العادة؛ بأن يفعل عند قرب بعضها من بعض، أو بعده أفعالا من غير أن يكون للكواكب أنفسها تأثير فى ذلك، و من ادّعى هذا المذهب الآن منهم فهو قائل بخلاف ما ذهبت القدماء فى ذلك، و متجمّل بهذا المذهب عند أهل الإسلام، و متقرب إليهم بإظهاره. و ليس هذا بقول لأحد ممن تقدم‏

و كأن الّذي كان يجوز أن يكون صحيحا-و إن دلّ الدليل على فساده-لا يذهبون إليه؛ و إنما يذهبون إلى المحال الّذي لا يمكن صحته؛ و قد فرغ المتكلّمون من الكلام فى أنّ الكواكب لا يجوز أن تكون فينا فاعلة، و تكلمنا نحن أيضا فى مواضع على ذلك، و بيّنّا بطلان الطبائع التى يهذون بذكرها، و إضافة الأفعال إليها، و بيّنا أن الفاعل لا بدّ أن يكون حيّا قادرا. و قد علمنا أن الكواكب ليست بهذه الصفة، فكيف تفعل و ما يصحّح الأفعال مفقود فيها!و قد سطر المتكلمون طرفا كثيرة فى أنها ليست بحية و لا قادرة،

____________

(1) حاشية ف من نسخة: «فى الأدمة» .

(2) حادسون: ظانون.

385

أكثرها معترض. و أشفّ‏ (1) ما قيل فى ذلك أن الحياة معلوم أن الحرارة الشديدة، كحرارة النار تنفيها و لا تثبت معها. و معلوم أنّ حرارة الشمس أشدّ و أقوى من حرارة النار بكثير؛ لأنّ الّذي يصل إلينا على بعد المسافة من حرارة الشمس بشعاعها يماثل أو يزيد على حرارة النار؛ و ما كان بهذه الصفة من الحرارة يستحيل كونه حيّا.

و أقوى من ذلك كلّه فى نفى كون الفلك و ما فيه من شمس و قمر و كوكب أحياء السمع و الإجماع؛ فإنه لا خلاف بين المسلمين فى ارتفاع الحياة عن الفلك و ما يشتمل عليه من الكواكب، و أنها مسخّرة مدبّرة مصرّفة؛ و ذلك معلوم من دين رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ضرورة؛ و إذا قطعنا على نفى الحياة و القدرة عن الكواكب، فكيف تكون فاعلة!

و على أننا قد سلّمنا لهم استظهارا فى الحجة أنها قادرة؛ قلنا: إن الجسم و إن كان قادرا فإنه لا يجوز أن يفعل فى غيره إلاّ على سبيل التوليد؛ و لا بدّ من وصلة بين الفاعل و المفعول فيه، و الكواكب غير مماسّة لنا، و لا وصلة بيننا و بينها، فكيف تكون فاعلة فينا!فإن ادّعى أن الوصلة بيننا الهواء؛ فالهواء أوّلا لا يجوز أن يكون آلة فى الحركات الشديدة، و حمل الأثقال؛ ثم لو كان الهواء آلة تحرّكنا بها الكواكب لوجب أن نحسّ بذلك، و نعلم أنّ الهواء يحرّكنا و يصرّفنا؛ كما نعلم فى غيرنا من الأجسام إذا حركناه بآلة يوضع تحريكه لنا بها. على أنّ فى الحوادث الحادثة فينا ما لا تجوز أن يفعل بآلة، و لا يتولّد عن سبب، كالإرادات و الاعتقادات و أشياء كثيرة؛ فكيف فعلت الكواكب ذلك فينا و هى لا يصحّ أن تكون مخترعة للأفعال؛ لأن الجسم لا يجوز أن يكون قادرا إلا بقدرة، و القدرة لا تجوز لأمر يرجع إلى نوعها أن تخترع بها الأفعال.

فأما الأدمة فليس تؤثّرها الشمس على الحقيقة فى وجوهنا و أبداننا؛ و إنما اللّه تعالى هو المؤثر لها و فاعلها بتوسط حرارة الشمس؛ كما أنه تعالى هو المحرق على الحقيقة بحرارة النار، و الهاشم لما يهشمه الحجر بثقله، و حرارة الشمس مسوّدة للأجسام من جهة معقولة مفهومة؛ كما أن النار تحرق الأجسام على وجه معقول، فأىّ تأثير للكواكب فينا يجرى هذا المجرى فى

____________

(1) فى حاشية ف: «أشفّ: أفضل» .

386

تمييزه و العلم بصحته، فليشر إليه؛ فإن ذلك لا قدرة عليه. و مما يمكن أن يعتمد فى إبطال أن تكون الكواكب فاعلة فينا و مصرّفة لنا أن ذلك يقتضي سقوط الأمر و النهى و المدح و الذمّ عنا، و نكون معذورين فى كلّ إساءة تقع منّا و نجيئها بأيدينا، و غير مشكورين على شي‏ء من الإحسان و الإفضال؛ و كلّ شي‏ء نفسد به قول المجبرة؛ فهو مفسد لهذا المذهب.

و أما الوجه الآخر و هو أن يكون اللّه تعالى أجرى العادة بأن يفعل أفعالا مخصوصة عند طلوع كوكب أو غروبه، أو اتصاله أو مفارقته فقد بيّنا أنّ ذلك ليس بمذهب للمنجّمين البتّة؛ و إنما يتجملون الآن بالتظاهر به، و أنه قد كان جائزا أن يجرى اللّه تعالى العادة بذلك؛ لكن لا طريق إلى العلم بأن ذلك قد وقع و ثبت؛ و من أين لنا بأن اللّه تعالى‏[أجرى‏]العادة بأن يكون زحل أو المريخ إذا كان فى درجة الطالع كان نحسا، و أن المشترى إذا كان كذلك كان سعدا؟و أىّ سمع مقطوع به جاء بذلك؟و أىّ نبىّ خبّر به و استفيد من جهته؟

فإن عوّلوا فى ذلك على التجربة بأنا جرّبنا ذلك و من كان قبلنا فوجدناه على هذه الصفة؛ و إذا لم يكن موجبا وجب أن يكون معتادا.

قلنا: و من سلّم لكم صحة هذه التجربة و انتظامها و اطرادها؟و قد رأينا خطأكم فيها أكثر من صوابكم، و صدقكم أقلّ من كذبكم!فألاّ نسبتم الصحة إذا اتفقت منكم إلى الانفاق الّذي يقع من المخمّن و المرجّم!فقد رأينا من يصيب من هؤلاء أكثر ممن يخطئ، و هو على غير أصل معتمد، و لا قاعدة صحيحة.

فإذا قلتم: سبب خطأ المنجّم ذلك دخل عليه فى أخذ الطالع أو تسيير الكواكب.

قلنا: و لم لا كانت إصابته سببها التخمين!و إنما كان يصح لكم هذا التأويل و التخريج لو كان على صحة أحكام النجوم دليل قاطع هو غير إصابة المنجّم؛ فأما إذا كان دليل صحة الأحكام الإصابة، فألاّ كان دليل فسادها الخطأ!فما أحدهما فى المقابلة إلا كصاحبه.

و مما أفحم به القائلون بصحة الأحكام، و لم يتحصل منهم عنه جواب أن قيل لهم فى شي‏ء بعينه: خذوا

387

الطالع و احكموا؛ هل يؤخذ أو يترك؟فإن حكموا إما بالأخذ أو الترك خولفوا؛ و فعل خلاف ما خبّروا به.

و قد أعضلتهم هذه المسألة، و اعتذروا عنها بأعذار ملفّقة لا يخفى على عاقل سمعها بعدها من الصواب. فقالوا فى هذه المسألة: يجب أن يكتب هذا المبتلى بها ما يريد أن يفعل، أو يخبر به غيره؛ فإنا نخرج ما قد عزم عليه من أحد الأمرين.

و هذا التعليل منهم باطل؛ لأنه إذا كان النظر فى النجوم يدلّ على جميع الكائنات التى من جملتها ما يختاره أحدنا؛ من أخذ هذا الشي‏ء أو تركه، فأىّ فرق بين أن يطوى ذلك فلا يخبر به و لا يكتبه؛ حتى يقول المنجم ما عنده، و بين أن يخبر به و يكتبه قبل ذلك!و إنما فزعوا إلى الكتابة و ما يجرى مجراها حتى لا يخالف المنجّم فيما يذكره؛ و يحكم به من أخذ أو ترك.

و لو كانت الأحكام صحيحة؛ و فيها دلالة على الكائنات لوجب أن يعرف المنجم ما اختاره من أحد الأمرين على كل حال.

و لو نزلنا تحت حكمهم؛ و كتبنا ما نريد أن نفعله لما وجدنا إصابتهم فى ذلك إلا أقلّ من خطئهم، و لم يزيدوا فيه على ما يفعله المخمّن المرجّم من نظر فى طالع و لا غارب، و لا رجوع إلى أصل؛ و إلا فالبلوى بيننا و بينكم.

و كان بعض الرؤساء بل الوزراء ممن كان فاضلا فى الأدب و الكتابة، و مشغوفا بالنجوم، عاملا عليها قال لى يوما-و قد جرى حديث يتعلق بأحكام النجوم، و رأى من مخائلى التعجب ممن يتشاغل بذلك، و يفنى زمانه به-: أريد أن أسألك عن شي‏ء فى نفسى، فقلت: سل عما بدا لك، قال: أريد أن تعرفنى: هل بلغ بك التكذيب بأحكام النجوم إلى ألاّ تختار يوما لسفر، و لبس ثوب جديد، و توجّه فى حاجة؟فقلت: قد بلغت إلى ذلك و الحمد للّه و زيادة عليه، و ما فى دارى تقويم، و لا أنظر فيه، و ما رأيت مع ذلك إلا خيرا.

ثم أقبلت عليه فقلت: ندع ما يدلّ على بطلان أحكام النجوم مما يحتاج إلى فكر دقيق، و رويّة طويلة، و هاهنا شي‏ء قريب لا بخفى على أحد ممن علت طبقته فى الفهم، أو انخفضت؛ خبّرنى لو فرضنا جادّة مسلوكة، و طريقا يمشى فيه الناس ليلا و نهارا، و فى محجّته آبار متقاربة

388

و بين بعضها و بعض طريق يحتاج سالكه إلى تأمّل و توقّف حتى يتخلص من السقوط فى بعض تلك الآبار؛ هل يجوز أن تكون سلامة من يمشى فى هذا الطريق من العميان كسلامة من يمشى من البصراء؛ و قد فرضنا أنه لا يخلو طرفة عين من المشاة فيه بصراء و عميان؟و هل يجوز أن يكون عطب البصراء يقارب عطب العميان، و سلامة العميان مقاربة لسلامة البصراء؟

فقال: هذا مما لا يجوز، بل الواجب أن تكون سلامة البصراء أكثر من سلامة العميان؛ و لا يجوز فى مثل هذا التقارب.

فقلت: إذا كان هذا محالا، فأحيلوا نظيره، و ما لا فرق بينه و بينه، و أنتم تجيزون شبيه ما ذكرناه و عديله؛ لأن البصراء هم الذين يعرفون أحكام النجوم، و يميّزون سعدها من نحسها، و يتوقون بهذه المعرفة مضارّ الزمان و يتخطّونها، و يعتمدون منافعه و يقصدونها. و مثال العميان كلّ من لا يحسن تعلّم النجوم، و لا يلتفت إليه من الفهماء و الفقهاء و أهل الديانات و العبادات، ثم سائر العوام و الأعراب و الأكراد؛ و هم أضعاف أضعاف من يراعى عدد النجوم. و مثال الطريق الّذي فيه الآبار الزمان الّذي يمضى عليه الخلق أجمعون. و مثال آباره مصائبه و نوائبه و محنه.

و قد كان يجب لو صحّ العلم بالنجوم و أحكامها أن تكون سلامة المنجمين أكثر، و مصائبهم أقل؛ لأنهم يتوقون المحن لعلمهم بها قبل كونها، و تكون محن كل من ذكرنا من الطبقات الكثيرة أوفر و أظهر؛ حتى تكون السلامة هى الطريقة الغريبة؛ و قد علمنا خلاف ذلك، و أن السلامة و المحن فى الجميع متقاربة غير متفاوتة.

فقال: ربما اتفق مثل ذلك.

فقلت له: فيجب أن نصدّق من خبّرنا فى ذلك الطريق المسلوك الّذي فرضناه بأن سلامة العميان كسلامة البصراء، و نقول: لعل ذلك اتّفق.

و بعد فإن الاتفاق لا يستمر بل ينقطع؛ و هذا الّذي ذكرناه مستمر غير منقطع. فلم يكن عنده عذر صحيح.

389

و مما يفسد مذهب المنجمين، و يدل على ما لعلّه يتفق لهم من الإصابة على غير أصل، أنا قد شاهدنا جماعة من الزراقين‏ (1) الذين لا يعرفون شيئا من علم النجوم، و لا نظروا قطّ فى شي‏ء منه، يصيبون فيما يحكمون به إصابات مستطرفة؛ و قد كان المعروف بالشعرانىّ الّذي شاهدناه، و هو لا يحسن أن يأخذ الأصطرلاب للطالع، و لا نظر قطّ فى زيج، بل و لا تقويم؛ غير أنه ذكّى حاضر الجواب، فطن بالزّرق، معروف به، كثير الإصابة و بلوغ الغاية فيما يخرجه من من الأسرار. و لقد اجتمع يوما بين يدىّ جماعة كانوا عندى، و كلّنا قد اعتزمنا جهة نقصدها لبعض الأغراض؛ فسأله أحدنا عما نحن بصدده، فابتدأ من غير أخذ طالع، و لا نظر فى تقويم، فأخبرنا بالجهة التى أردنا قصدها، ثم عدل إلى كل واحد من الجماعة، فأخبره عن كثير من تفصيل أمره و أغراضه، حتى قال لأحدهم: و أنت من بين الجماعة قد وعدك واعد بشي‏ء يوصله إليك، و قلبك به متعلّق؛ و فى كمك شي‏ء مما يدلّ على هذا؛ و قد انقضت حاجتك و انتجزت، و جذب يده‏ (2) إلى كمه، و استخرج ما فيه، فاستحيا ذلك الرجل، و وجم و منع من الوقوف على ما فى كمه بجهده، فلم ينفعه ذلك، و أعان الحاضرون على إخراج ما فى كمه لما أحسوا بالإصابة من الزرّاق، فأخرج من كمه رقاع كثيرة، فى جملتها صكّ على دار الضرب بصلة من خليفة الوزراء فى ذلك الوقت؛ فعجبنا مما اتفق من إصابته مع بعده من صناعة النجوم.

و كان لنا صديق يقول أبدا: من أدلّ دليل على بطلان أحكام النجوم إصابة الشعرانىّ.

و جرى يوما مع من يتعاطى علم النجوم هذا الحديث فقال: عند المنجمين أن السّبب فى إصابة من لا يعلم شيئا من علم النجوم أنّ مولده و ما يتولاّه و تقتضيه كواكبه اقتضى له ذلك.

فقلت له: لعلّ بطليموس، و كل عالم من علماء المنجمين و مصيب فى أحكامه عليها إنما سبب إصابته مولده، و ما تقتضيه كواكبه من غير علم و لا فهم؛ فلا يجب أن يستدل بالإصابة على

____________

(1) الزرق: تعليم الشعبذة و الحيل (دوزى 1: 587) .

(2) ط «ضرب» .

390

العلم إذا كانت تقع من جاهل؛ و يكون سببها المولد؛ و إذا كانت الإصابة بالمواليد فالنظر فى علم النجوم عبث و لعب لا يحتاج إليه؛ لأن المولد إن اقتضى الإصابة أو الخطأ فالتعلّم لا ينفع، و تركه لا يضرّ؛ و هذه علة تسرى إلى كل صنعة حتى يلزم أن يكون كل شاعر مفلق، و صانع حاذق، و ناسج للديباج، و مدبّق لا علم له بتلك الصناعة؛ و إنما اتفقت الصنعة بغير علم لما تقتضيه كواكب مولده، و ما يلزم على هذا من الجهالات لا يحصى.

و اعلم أن التعب بعلم مراكز الكواكب و أبعادها و أشكالها و تسييراتها متى لم تكن ثمرته العلم بالأحكام، و الاطلاع على الحوادث قبل كونها لا معنى له و لا غرض فيه؛ لأنه لا فائدة فى أن يعلم ذلك كلّه، و تختص نفس العلم به، و ما يجرى الاطلاع على ذلك إذا لم تتعد المعرفة إلى العلم بالأحكام إلا مجرى العالم بعدد الحصى وكيل النوى، و معرفة أطوار الجبال و أوزانها.

و كما أن العناء فى تعرّف ذلك عبث و سفه لا يجدى نفعا، فكذلك العلم بشكل الفلك و تسييرات كواكبه و أبعادها، و المعرفة بزمان قطع كل كوكب للفلك و تفاصيلها فيه، و ما شقى‏ (1) القوم بهذا الشأن و أفنوا أعمارهم إلاّ لتقديرهم أنه يفضى إلى معرفة الأحكام؛ فلا تغترّ بقول من يقول منهم: إنا ننظر فى ذلك لشرف نفوسنا بعلم الهيئة و لطيف ما فيها من الأعاجيب؛ فإن ذلك تجمّل منهم، و تقرّب إلى أهل الإسلام، و لو لا أن غرضهم معرفة الأحكام لما تعنّوا بشي‏ء من ذلك كلّه، و لا كانت فيه فائدة، و لا منه عائدة.

و من أدلّ الدليل على بطلان أحكام النجوم أنّا قد علمنا أنّ من جملة معجزات الأنبياء عليهم السلام الإخبار عن الغيوب، و عدّ ذلك خارقا للعادات؛ كإحياء الميت و إبراء الأكمه و الأبرص؛ و لو كان العلم بما يحدث طريقا نجوميا، لم يكن ما ذكرناه معجزا و لا خارقا للعادة.

و كيف يشتبه على مسلم بطلان أحكام النجوم، و قد أجمع المسلمون قديما و حديثا على تكذيب المنجمين، و الشهادة بفساد مذاهبهم و بطلان أحكامهم!و معلوم من دين الرسول عليه السلام ضرورة التكذيب بما يدّعيه المنجمون، و الإزراء عليهم؛ و التعجيز لهم؛ و فى الروايات عنه عليه السلام من ذلك ما لا يحصى كثرة؛ و كذلك عن علماء أهل بيته عليهم السلام و خيار

____________

(1) من نسخة بحاشيتى ف، ط: «سعى» .

391

أصحابه فما زالوا يبرءون من مذاهب المنجمين، و يعدّونها ضلالا و محالا، و ما اشتهر هذه الشهرة فى دين الإسلام كيف يغتر بخلافه منتسب إلى الملة، و مصلّ إلى القبلة!

فأما إصابتهم فى الإخبار عن الكسوفات و ما مضى فى أثناء المسألة من طلب الفرق بين ذلك و بين سائر ما يخبرون به من تأثيرات الكواكب فى أجسامنا، فالفرق بين الأمرين أنّ الكسوفات و اقترانات الكواكب و انفصالها طريقه الحساب و تسيير الكواكب؛ و له أصول صحيحة، و قواعد سديدة؛ و ليس كذلك ما يدّعونه من تأثيرات الكواكب فى الخير و الشر و النفع و الضّر؛ و لو لم يكن فى الفرق بين الأمرين إلا الإصابة الدائمة المتصلة فى الكسوفات و ما يجرى مجراها، و لا يكاد يبين فيها خطأ البتة، و أن الخطأ المعهود الدائم هو فى الأحكام الباقية؛ حتى إن الصواب هو العزيز فيها، و ما يتفق لعلّه فيها من الإصابة قد يتفق من المخمّن أكثر منه. فحمل أحد الأمرين على الآخر بهت و قلة دين.

392

مسألة فى المنامات‏

ما القول فى المنامات؟أ صحيحة هى أم باطلة؟و من فعل من هى؟و من أىّ جنس هى؟و ما وجه صحتها فى الأكثر؟و ما وجه الإنزال عند رؤية المباشرة فى المنام؟و إن كان فيها صحيح و باطل، فما السبيل إلى تمييز أحدهما من الآخر؟

الجواب؛ اعلم أنّ النائم غير كامل العقل؛ لأن النوم ضرب من السهو، و السهو ينفى العلوم، و لهذا يعتقد النائم الاعتقادات الباطلة لنقصان عقله، و فقد علومه. و جميع المنامات إنما هى اعتقادات يبتدئ بها النائم فى نفسه، و لا يجوز أن تكون من فعل غيره فيه؛ لأنّ من عداه من المحدثين-كانوا بشرا أو ملائكة أو جنّا-أجسام، و الجسم لا يقدر أن يفعل فى غيره اعتقادا ابتداء؛ بل و لا شيئا من الأجناس على هذا الوجه؛ و إنما يفعل ذلك فى نفسه على سبيل الابتداء.

و إنما قلنا: إنه لا يفعل فى غيره جنس الاعتقادات متولّدا لأنّ الّذي يعدّى الفعل من محلّ القدرة إلى غيرها من الأسباب إنما هو الاعتمادات، و ليس فى أجناس الاعتمادات ما يولّد الاعتقادات؛ و لهذا لو اعتمد أحدنا على قلب غيره الدهر الطويل، ما تولد فيه شي‏ء من الاعتقادات؛ و قد بيّن ذلك و شرح فى مواضع كثيرة، و القديم تعالى هو القادر على أن يفعل فى قلوبنا ابتداء من غير سبب أجناس الاعتقادات. و لا يجوز أن يفعل فى قلب النائم اعتقادا؛ (1) لأن أكثر اعتقادات النائم‏ (1) جهل، و تتناول الشي‏ء على خلاف ما هو به؛ لأنه يعتقد أنه يرى و يمشى، و أنه راكب، و على صفات كثيرة؛ و كلّ ذلك على خلاف ما هو به؛ و هو تعالى لا يفعل الجهل؛ فلم يبق إلا أن الاعتقادات كلّها من جهة النائم.

و قد ذكر فى المقالات أن المعروف بصالح قبة كان يذهب إلى أنّ ما يراه النائم فى منامه على الحقيقة؛ و هذا جهل منه أيضا؛ هو جهل السوفسطائية؛ لأن النائم يرى أن رأسه مقطوع

____________

(1-1) ط: «لأن أكثر الاعتقادات للنائم» .

393

و أنه قد مات، و أنه قد صعد إلى السماء؛ و نحن نعلم ضرورة خلاف ذلك كله؛ و إذا جاز عند صالح هذا أن يعتقد اليقظان فى السراب أنه الماء، و فى المردى‏ (1) إذا كان فى الماء أنه مكسور؛ و هو على الحقيقة صحيح لضرب من الشبهة و اللّبس؛ فألاّ جاز ذلك فى المنام و هو من الكمال أبعد، و إلى النقص أقرب!

و ينبغى أن يقسم ما يتخيل النائم أنه يراه إلى أقسام ثلاثة:

منها ما يكون من غير سبب يقتضيه، و لا داع يدعو إليه اعتقادا مبتدأ.

و منها ما يكون من وسواس الشيطان، يفعل فى داخل سمعه كلاما خفيا يتضمن أشياء مخصوصة؛ فيعتقد النائم إذا سمع ذلك الكلام أنه يراه؛ فقد نجد كثيرا من النّيّام يسمعون حديث من تحدّث بالقرب منهم، فيعتقدون أنهم يرون ذلك الحديث فى منامهم.

و منها ما يكون سببه، و الداعى إليه خاطرا يفعله اللّه تعالى، أو يأمر بعض الملائكة بفعله.

و معنى هذا الخاطر أيضا أن يكون كلاما يفعل فى داخل السمع، فيعتقد النائم أيضا أنه ما يتضمّن ذلك الكلام. و المنامات الداعية إلى الخير و الصلاح فى الدين يجب أن تكون إلى هذا الوجه مصروفة؛ كما أن ما يقتضي الشر منها الأولى أن تكون إلى وسواس الشيطان مصروفة.

و قد يجوز على هذا فيما يراه النائم فى منامه ثم يصحّ ذلك حتى يراه فى يقظته على حدّ ما يراه فى منامه، و فى كل منام يصحّ تأويله أن يكون سبب صحته أنّ اللّه تعالى يفعل كلاما فى سمعه لضرب من المصلحة بأنّ شيئا يكون. و قد كان على بعض الصفات، فيعتقد النائم أن الّذي يسمعه هو يراه؛ فإذا صحّ تأويله على ما يراه؛ فما ذكرناه إن لم يكن مما يجوز أن تتفق فيه الصحة اتفاقا؛ فإن فى المنامات ما يجوز أن يصح بالاتفاق، و ما يضيق فيه مجال نسبته إلى الاتفاق؛ فهذا الّذي ذكرناه يمكن أن يكون وجها فيه.

فإن قيل: أ ليس قد قال أبو عليّ الجبائىّ فى بعض كلامه فى المنامات: إن الطبائع لا تجوز أن تكون مؤثّرة فيها؛ لأن الطبائع لا تجوز على المذاهب الصحيحة أن تؤثر فى شي‏ء، و أنه غير ممتنع مع ذلك أن يكون بعض المآكل يكثر عندها المنامات بالعادة؛ كما أن فيها ما يكثر عنده بالعادة تخييل الإنسان-و هو مستيقظ-ما لا أصل له.

____________

(1) المردى: خشبة يدفع بها الملاح السفينة «المجداف» .

394

قلنا: قد قال ذلك أبو عليّ-و هو خطأ-لأن تأثيرات المآكل بمجرى العادة على المذاهب الصحيحة، إذا لم تكن مضافة إلى الطبائع؛ فهو من فعل اللّه تعالى؛ فكيف نضيف التخيّل الباطل و الاعتقاد الفاسد إلى فعل اللّه تعالى!

فأما المستيقظ الّذي استشهد به فالكلام فيه و الكلام فى النائم واحد، و لا يجوز أن نضيف التخيّل الباطل إلى فعل اللّه تعالى فى نائم و لا يقظان؛ فأما ما يتخيّل من الفاسد و هو غير نائم؛ فلا بدّ من أن يكون ناقص العقل فى الحال، و فاقدا للتمييز بسهو؛ و ما يجرى مجراه، فيبتدئ اعتقادا لا أصل له كما قلنا فى النائم.

فإن قيل: فما قولكم فى منامات الأنبياء عليهم السلام؟و ما السبب فى صحتها؟حتى عدّ ما يرونه فى المنام، مضاهيا لما يسمعونه من الوحى!

قلنا: الأخبار الواردة بهذا الجنس غير مقطوع على صحتها؛ و لا هى ممّا توجب العلم؛ و قد يمكن أن يكون اللّه تعالى أعلم النبىّ بوحى يسمعه من الملك على الوجه الموجب للعلم: إنى سأريك فى منامك فى وقت كذا ما يجب أن تعمل عليه، فيقطع على صحته من هذا الوجه؛ لا بمجرد رؤيته له فى المنام؛ و على هذا الوجه يحمل منام إبراهيم عليه السلام فى ذبح ابنه؛ و لو لا ما أشرنا إليه: كيف كان يقطع إبراهيم عليه السلام بأنه متعبّد بذبح ولده!

فإن قيل: فما تأويل ما يروى عنه عليه السلام من قوله: «من رآنى فقد رآنى، فإن الشيطان لا يتخيل بى» ، و قد علمنا أن المحق و المبطل و المؤمن و الكافر قد يرون النبىّ عليه السلام فى النوم، و يخبر كلّ واحد منهم عنه بضدّ ما يخبر به الآخر؛ فكيف يكون رائيا له فى الحقيقة مع هذا!.

قلنا: هذا خبر واحد ضعيف من أضعف أخبار الآحاد، و لا معوّل على مثل ذلك. على أنه يمكن مع تسليم صحته أن يكون المراد به: من رآنى فى اليقظة فقد رآنى على الحقيقة؛ لأن الشيطان لا يتمثل بى لليقظان؛ فقد قيل: إن الشياطين ربما تمثلت بصورة البشر؛ و هذا التأويل أشبه بظاهر ألفاظ الخبر؛ لأنه قال: «من رآنى فقد رآنى» ؛ فأثبت غيره رائيا له، و نفسه مرئيّة، و فى النوم لا رائى فى الحقيقة و لا مرئىّ؛ و إنما ذلك فى اليقظة. و لو حملناه على‏

395

النوم لكان تقدير الكلام: من اعتقد أنه يرانى فى منامه و إن كان غير راء لى على الحقيقة فهو فى الحكم كأنه قد رآنى؛ و هذا عدول عن ظاهر لفظ الخبر، و تبديل لصيغته؛ و هذا الّذي رتبناه فى المنامات و قسّمناه أسدّ تحقيقا من كلّ شي‏ء قيل فى أسباب المنامات، و ما سطر فى ذلك معروف غير محصّل و لا محقق.

فأما ما يهذى به الفلاسفة فى هذا الباب فهو ممّا يضحك الثكلى؛ لأنهم ينسبون ما صحّ من المنامات لما أعيتهم الحيل فى ذكر سببه إلى أن النّفس اطّلعت على عالمها، فأشرفت على ما يكون.

و هذا الّذي يذهبون إليه فى حقيقة النفس غير مفهوم و لا مضبوط؛ فكيف إذا أضيف إليه الاطلاع على عالمها؟و ما هذا الاطلاع؟و إلى أى شي‏ء يشيرون بعالم النفس؟و لم يجب أن تعرف الكائنات عند هذا الاطلاع؟و كل هذا زخرفة، و مخرقة؛ و تهاويل لا يتحصل منها شي‏ء.

و قول صالح قبة-مع أنه تجاهل محض-أقرب إلى أن يكون مفهوما من قول الفلاسفة؛ لأن صالحا ادّعى أن النائم يرى على الحقيقة ما ليس يراه، و لم يشر إلى أمر غير معقول و لا مفهوم؛ بل ادّعى ما ليس بصحيح و إن كان مفهوما؛ و هؤلاء عوّلوا على ما لا يفهم مع الاجتهاد، و لا يعقل مع قوة التأمل و التدبّر؛ فالفرق بينهما واضح.

و أمّا سبب الإنزال فيجب أن يبنى على تحقيق سبب الإنزال فى اليقظة مع الجماع، ليس هو ما يهذى به أصحاب الطبائع؛ لأنا قد بينا فى غير موضع أن قول أصحاب الطبع لا أصل له، و أن الإحالة فيه على سراب لا يتحصّل. و أما سبب الماء فإن اللّه تعالى أجرى العادة بإخراج الماء من ظهر الرجل عند هذه الحركة المخصوصة؛ و ليس يمتنع أن يجرى اللّه العادة؛ بأن يخرج هذا الماء من الظهر عند اعتقاد النائم أنه يجامع؛ و إن كان هذا الاعتقاد باطلا. ـ

396

مسألة

سئل رضى اللّه عنه عن الخبر المنسوب إلى الصادق عليه السلام من أنه قال: «لقد آخى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم بين سلمان و أبى ذرّ، و لو اطّلع أبو ذرّ على ما فى قلب سلمان لقتله» . و كيف يجوز أن يؤاخى النبىّ عليه السلام بين رجلين، يستحلّ أحدهما إذا اطّلع على ما فى قلب الآخر دمه!و ما القول فيمن تأوّل هذا القول و هو «قتله» على أن الهاء راجعة على ما فى قلبه، و أراد: لقتله علما؟و هل ذلك تأويل جائز أم لا؟و ما القول أيضا فيمن تأوله على غير هذا الوجه فقال: إنّ معنى قوله: «لقتله» ؛ أى لكدّ فكره و خاطره كدّا يجهده، و أنه عبّر بالقتل هاهنا على سبيل المبالغة فى تعبيره عن شدة المبالغة و المشقة؛ كما يقول القائل: قتلنى انتظار فلان، و متّ إلى أن رأيتك، و إلى أن تخلّصت من الشدة التى كنت فيها عدة دفعات؛ و هو يريد الإخبار عن شدة الكلفة و المشقة و المبالغة فى وصفها.

الجواب، و باللّه التوفيق؛ إنّ هذا الخبر إذا كان من أخبار الآحاد التى لا توجب علما و لا تثلج صدرا، و كان له ظاهر ينافى المعلوم المقطوع به تأوّلنا ظاهره على ما يطابق الحق و يوافقه إن كان ذلك سهلا، و إلا فالواجب اطراحه و إبطاله. و إذا كان من المعلوم الّذي لا يحيل سلامة سريرة كل واحد من سلمان و أبى ذرّ، و نقاء صدر كل واحد منهما لصاحبه، و أنهما ما كانا من المدغلين فى الدين، و لا المنافقين فلا يجوز مع هذا المعلوم أن يعتقد أنّ الرسول عليه السلام يشهد بأن كل واحد منهما لو اطلع على ما فى قلب صاحبه لقتله على سبيل الاستحلال لدمه، و يعلم أنه إن كان قال ذاك فله تأويل غير هذا الظاهر الّذي لا يليق بهما.

و من أجود ما قيل فى تأويله أن الهاء فى قوله: «لقتله» راجعة إلى المطّلع لا إلى المطّلع عليه؛ كأنه أراد: أنه إذا اطّلع على ما فى قلبه، و علم موافقة باطنه لظاهره، و شدة إخلاصه له اشتد ضنّه و محبته له، و تمسّكه بمودته و نصرته، فقتله ذلك الضنّ و الودّ، بمعنى أنه كاد يقتله، .

كما يقولون: فلان يهوى غيره، و تشتد محبته له حتى إنه قد قتله حبه و أتلف نفسه، و ما جرى‏

397

مجرى هذا من الألفاظ و تكون فائدة هذا الخبر حسن الثناء من النبىّ عليه السلام على الرجلين، و أنه آخى بينهما و باطنهما كظاهرهما، و سرّهما فى النقاء و الصفاء كعلانيتهما؛ حتى لو أنّ أحدهما اطّلع على ما فى قلب الآخر لأعجب به، و كاد يقتله محبة له، و ضنّا به؛ و هذا أشبه بمنزلة الرجلين فى نفوسهما و عند النبي عليه السلام، و أليق بأن يكون مدحا و تقريظا؛ و ذلك الوجه الآخر يقتضي غاية الذم و نهاية الوصف بالنفاق، و سوء الدخيلة لأن من يظهر جميلا- و لو اطّلع على باطنه لاستحلّ دمه-هو عين المنافق المداهن.

فأما تأويل هذه اللفظة و حملها على العلم فغير مرضىّ، لأن المطلع على ما فى قلب غيره لا يكون إلا عالما بما اطّلع عليه. و أىّ معنى للفظة «قتله» فى هذا الموضع!و هل ذلك إلا تكرير؛ و مما لا فائدة فيه!

فأما حمله على أنه كدّ خاطره، و قسّم فكره فكاد يقتله فممّا المسألة عنه قائمة. و لم يكون مثل كل واحد من هذين الرجلين متى اطّلع على قلب صاحبه كدّ خاطره و أتعب قلبه، حتى كاد يقتله، لو لا أنه يطّلع على سوء و مكر!و هذا هو النفاق الّذي ننزّه الرجلين عنه؛ و لا يليق بهما، و لا بالنبى عليه السلام أن يصفهما به.

398

مسألة

الإجباء فى اللغة العربية هو أن يباع الزرع قبل أن يبدو صلاحه؛ يقال أجبى الرجل يجبى إجباء إذا فعل ذلك، فمعنى ما روى عنه عليه السلام: «من أجبى فقد أربى» أنّ من باع الزرع قبل أن يبدو صلاحه-و قد نهى عن ذلك و حظر عليه-يجرى مجرى من أربى؛ لأنه فاعل لمعصية محظورة عليه؛ و إن لم يكن بيع ما لم يبد صلاحه ربا فى الحقيقة و لا معناه؛ غير أنه جار مجراه فى الحظر و المعصية، و جار مجرى قول القائل: من زنى فقد سرق؛ أى هو عاص مخالف للّه تعالى؛ كما أن ذاك بهذه الحال.

399

مسألة

ما ورد فى القرآن من معاتبات الرسول عليه السلام مع عصمته و طهارته، و كونه الحجة على الخلق أجمعين.

الجواب، أنه إذا ثبت بالدليل عصمة الأنبياء عليهم السلام فكلّ ما ورد فى القرآن مما له ظاهر ينافى العصمة، و يقتضي وقوع الخطأ منهم؛ فلا بدّ من صرف الكلام عن ظاهره، و حمله على ما يليق بأدلة العقول؛ لأن الكلام يدخله الحقيقة و المجاز، و يعدل المتكلم به عن ظاهره.

و أدلة العقول لا يصح فيها ذلك، أ لا ترى أن القرآن قد ورد بما لا يجوز على اللّه تعالى من الحركة و الانتقال، كقوله تعالى: وَ جََاءَ رَبُّكَ وَ اَلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22]، و قوله تعالى:

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اَللََّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ اَلْغَمََامِ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ ؛ [البقرة: 210]، و لا بدّ مع وضوح الأدلة على أن اللّه تعالى ليس بجسم، و استحالة الانتقال عليه، الّذي لا يجوز إلا على الأجسام من تأوّل هذه الظواهر و العدول عما يقتضيه صريح ألفاظها؛ قرب التأويل أو بعد.

و لو جهلنا العلم بالتأويل جملة لم يضرّ ذلك مع التمسك بالأدلة؛ و كان غاية ما فيه ألاّ نعلم قصد المتكلم بما أطلقه من كلامه؛ و نعلم إذا كان حكيما أنّ له غرضا صحيحا.

على أن ظواهر الآيات التى خوطب بها النبىّ عليه السلام مما ظاهره كالعتاب؛ منها المقصود به أمته، و الخطاب متوجّه إليه؛ و لهذا روى عن ابن عباس أنه قال: نزل القرآن بإياك أعنى و اسمعى يا جارة. و يشهد بذلك قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ [الطلاق: 1]؛ فخاطب النبىّ عليه السلام، و المراد بذلك جميع الأمة.

و منها ما يظن أنه عتاب و ليس كذلك؛ بل هو تعليم و تأديب؛ و لا محالة أن تأديب النبىّ عليه السلام كان صادرا عن اللّه تعالى.

و المواعظ له ترادفت فى كل وقت؛ و الشروع فى ذكر الآيات و التنبيه على المراد بها يطول؛

400

غير أن جملة الكلام ما ذكرناه؛ و نذكر بعض ذلك لنبيّن أنّ الكلام فى الجميع على هذا المنهاج.

فمن الآيات قوله تعالى: وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اَللََّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى اَلنََّاسَ وَ اَللََّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشََاهُ ؛ [الأحزاب: 37]. و كقوله تعالى: مََا كََانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى‏ََ حَتََّى يُثْخِنَ فِي اَلْأَرْضِ ؛ [الأنفال: 67]؛ و كقوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مََا أَحَلَّ اَللََّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضََاتَ أَزْوََاجِكَ ؛ [التحريم: 1]. و قوله تعالى: عَفَا اَللََّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ؛ [التوبة: 43]؛ إلى مثال هذه الآى.

أما قوله تعالى: وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اَللََّهُ مُبْدِيهِ فالقصة فيه مشهورة؛ و هى أنّ العرب كانت تحرّم على نفوسهم نكاح زوجة من استضافوه إلى نفوسهم بالبنوّة و ادّعوه؛ كما يحرّمون أزواج الأبناء فى الحقيقة؛ فلما أراد اللّه تعالى نسخ ذلك لما علم فيه من المصلحة، أعلم نبيّه قبل طلاق زيد بن حارثة-الّذي كان النبىّ عليه السلام تبناه-زينب بنت جحش زوجته، و أمره بتزويجها إذا فارقها؛ فلما خاصم زيد زوجته عازما على طلاقها، وعظه النبىّ عليه السلام، و كفّه عن ذلك إشفاقا من شكوته عنه؛ مع ما عزم عليه من نكاحها أن يرجف عليه المنافقون؛ و يضيفوا إليه ما قد نزّهه اللّه تعالى منه عند إخفاء عزمه على تزويجها بعد فراق زيد لها؛ لينته إلى أمر اللّه تعالى فى ذلك؛ يشهد بصحة ما ذكرناه قوله تعالى: فَلَمََّا قَضى‏ََ زَيْدٌ مِنْهََا وَطَراً زَوَّجْنََاكَهََا لِكَيْ لاََ يَكُونَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوََاجِ أَدْعِيََائِهِمْ إِذََا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً [الأحزاب: 37].

فإن قيل: فالعتاب حاصل؛ لأنه كان ينبغى أن يظهر ما أضمره، و يخشى اللّه و لا يخشى الناس.

الجواب عن ذلك أنّ إخبار اللّه تعالى أنه أخفى ما اللّه مبديه هو خبر محض؛ لا يتعلّق به ذم.

و قوله تعالى: وَ تَخْشَى اَلنََّاسَ وَ اَللََّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشََاهُ ، فالشبهة به أيضا ضعيفة؛

401

لأنه خبّر أنه خشى الناس، و اللّه أحقّ بالخشية، و لم يخبر أنه لم يفعل الأحقّ و عدل إلى الأدون؛ فمن أين حصول العتاب مع الّذي بيّنّاه!

على أن غاية الاقتراح فى هذا أنّه عليه السلام فعل ما غيره أولى منه؛ و ليس يكون بترك الأولى عاصيا؛ و إنما يكون تاركا للأفضل. و الوجه فى تركه العذر الّذي بينا.

و أما قوله تعالى: مََا كََانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى‏ََ حَتََّى يُثْخِنَ فِي اَلْأَرْضِ فالعتاب فى الحقيقة متوجّه إلى سواه؛ لأنّ اللّه تعالى قد صرّح بذلك فى تمام الآية بقوله: تُرِيدُونَ عَرَضَ اَلدُّنْيََا وَ اَللََّهُ يُرِيدُ اَلْآخِرَةَ ، و قوله: لَوْ لاََ كِتََابٌ مِنَ اَللََّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمََا أَخَذْتُمْ عَذََابٌ عَظِيمٌ [الأنفال: 68]. و القصة فى هذه الآية أيضا مشهورة؛ و إنما أضاف الأسرى إلى نبيه عليه السلام بقوله: مََا كََانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى‏ََ ، و إن كان المراد بالخطاب من أسر؛ لأنهم أسروهم، ليكونوا فى يده عليه السلام؛ فهم فى الحقيقة أسراؤه و مضافون إليه؛ و إن لم يأمره بأسرهم.

فأما قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مََا أَحَلَّ اَللََّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضََاتَ أَزْوََاجِكَ إذا تؤمّل فى الحقيقة لم يكن فيه عتاب؛ و إنما هو توجّع له عليه السلام؛ يدلّ على ذلك أن تحريم الرجل زوجته أو طلاقه إياها، أو اعتزاله بعض إمائه ليس بقبيح؛ بل هو مباح، و ما هو بهذه الصفة لا يستحق الفاعل له عتابا؛ فلما فعل النبىّ عليه السلام ذلك لمرضاة بعض أزواجه، و أدخل المشقة على نفسه بفعله قال اللّه تعالى له: لم فعلت ذاك؟و ألاّ أمسكتها على ما كنت عليه؟و لم تبتغى مرضاة أزواجك بإدخال المشقة على نفسك؟

هذا هو الظاهر؛ و إذا نزل على اقتراح الخصم فى هذه الآية كان النبىّ عليه السلام قد عدل عن الأولى؛ فكان الإمساك و ترك التحريم أفضل، و له أن يحرّم.

و يجرى قوله تعالى له ما قال مجرى قول الواحد منّا لغيره: لم تركت صلاة الليل؟و لم‏

402

تترك صيام ثلاثة أيام فى كل شهر؟و إن كان بترك ذلك لم يفعل قبيحا؛ بل أخلّ بمندوب إليه، و ما غيره أولى.

فأما قوله تعالى: عَفَا اَللََّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ فليس يقتضي معصية؛ و ذاك أن المقصد فى الغالب بمثل هذا الخطاب التعظيم للمخاطب و استيضاح ما عنده فيما فعله؛ أ لا ترى أن الواحد منّا يقول لغيره: لم كان كذا و كذا، رحمك اللّه و غفر لك!و هو لا يقصد إلاّ الملاطفة له، و حسن المحاورة؛ و لا يقصد الاستصفاح له عن زلة؛ و إنما الغرض الإجمال فى الخطاب. و قد صار ذلك عرفا بين الناس؛ و المقصد به التوقير و الإجلال.

فأمّا قوله: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ فليس يجب حمله على العتاب؛ لأن هذه اللفظة ليست موضوعة لذلك خاصة؛ بل قد تطلق و يراد بها الاستفهام، و تارة يراد بها التقرير، و تارة العتاب؛ و هى محتملة لجميع المذكور فلم نحملها فى حق النبىّ عليه السلام على العتاب دون بقية الأقسام!و غاية ما فى ذلك حمله على ترك الأولى حسب ما تقدم فى الآيات.

و استقصاء ذلك و ذكر ما فى الآيات يطول؛ و يكفى فى التنبيه على الآى الباقية ما ذكرناه.