الدروس شرح الحلقة الثانية - ج4

- السيد كمال الحيدري المزيد...
359 /
55

ففي هذين المثالين لا يكون العلم الإجمالي منجّزاً، لأنّ الترخيص في جميع الأطراف لا يمكّن المكلّف من المخالفة القطعية؛ لكثرة الأطراف، و بالتالي يختلّ الركن الرابع من أركان المنجّزية، و باختلاله تبطل منجّزية العلم الإجمالي و يتمكّن المكلّف من إجراء البراءة في أطراف الشبهة غير المحصورة.

و فرق هذا النحو من الاختلال عن سابقه في اختلال الركن الثالث في صورة خروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء هو: أنّ أصالة البراءة هناك لا تجري في الطرف الخارج عن محلّ الابتلاء؛ لعدم ترتّب أثر عمليّ على جريانها فيه، و أمّا هنا فإنّ كلّ طرف من أطراف الشبهة غير المحصورة داخل في محلّ الابتلاء، و لكن بسبب كثرة الأطراف لا تقع المخالفة القطعيّة خارجاً، و من ثمّ تجري البراءة في كلّ طرف يضع المكلّف يده عليه.

و بهذا يختم الحديث عن أركان منجّزية العلم الإجمالي و بيان الحالات التي تختلّ فيها الأركان الأربعة.

أضواء على النصّ‏

قوله (قدس سره): «لاستصحاب منجّز للتكليف». فقد يكون المكلّف على يقين سابق بطهارة الإناء «أ» و بعد العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين إمّا هو و إمّا الإناء «ب» يحصل عنده شكّ لاحق بنجاسة الإناء «أ»، فيستصحب طهارته السابقة، فهل يمكن القول بجريان الأصل المؤمّن في «ب» كما في حالة استصحاب تكليف منجّز؟ هذا بحث نوكل تحقيقه إلى دراسات أعلى، و يكفي هنا أن نعرف أنّ اختلال الركن الثالث في‏

حالته الأولى هو أن يكون الاستصحاب الجاري في أحد الطرفين استصحاباً مثبتاً للتكليف لا مؤمّناً عنه.

56

قوله (قدس سره): «لأنّ العلم الإجمالي موجود حقيقة». إذ لا يوجد سريان للعلم من الجامع إلى الفرد بخصوصه أو إلى جامع أضيق دائرة كما في اختلال الركن الثاني.

قوله (قدس سره): «و معنى الخروج كذلك». أي: عن محلّ الابتلاء.

57

و الآنَ بعدَ أنْ اتّضحَتْ القاعدةُ العمليّةُ الثانويّةُ و هي البراءةُ الشرعيّةُ، و القاعدةُ العمليّةُ الثالثةُ و هي منجّزيةُ العلمِ الإجماليِّ، نستعرضُ جملةً مِن الحالاتِ التي وقعَ البحثُ في إدراجِها ضمنَ القاعدةِ الأُولى أو الثانية.

حالة تردّد أجزاء الواجب بين الأقلّ و الأكثر

و الحالةُ الرئيسيّةُ من حالاتِ التردّدِ هي: ما إذا وجبَ مركّبٌ بوجوبٍ واحدٍ، و كان كلُّ جزءٍ في المركّبِ واجباً بوجوبٍ ضمنيٍّ، و تردّدَ أمرُ هذا المركّبِ بين أنْ يكونَ مشتملًا على تسعةِ أجزاءٍ أو عشرةٍ، فهل تدخلُ هذه الحالةُ في حالاتِ العلمِ الإجماليِّ أو حالاتِ الشكِّ البدويِّ؟

و يجبُ أنْ نعرفَ قبلَ كلِّ شي‏ءٍ أنّ العلمَ الإجماليَّ لا يمكنُ أن يوجَدَ إلا إذا افتُرضَ جامعٌ بينَ فردينِ متباينينِ و كان ذلك الجامعُ معلوماً و مردَّداً في انطباقِه بينَ الفردين، و أمّا إذا كانَ الجامعُ معلوماً

في ضمنِ أحدِ الفردينِ و يحتملُ وجودُه في ضمنِ فردٍ آخرَ أيضاً، فليس هذا من العلمِ الإجماليِّ، بل هو علمٌ تفصيليٌّ بالفردِ الأوّلِ مع الشكِّ البدويِّ في الفردِ الثاني. و هذا معناهُ أنّ طرفَي العلمِ الإجماليِّ يجبُ أنْ يكونا متباينَين، و يستحيلُ أن يكونا متداخلَين تداخلَ الأقلِّ و الأكثر.

58

و على هذا الأساسِ يبدو أنّ الحالةَ المطروحةَ للبحثِ ليست من حالاتِ العلمِ الإجماليِّ؛ إذ ليس فيها علمٌ بالجامعِ بين فردَينِ متباينينِ، بل علمٌ تفصيليٌّ بوجوبِ التسعةِ و شكٌّ بدويٌّ في وجوبِ العاشرِ. و قولُ القائلِ: «إنّا نعلمُ بوجوبِ التسعةِ أو العشرةِ» كلامٌ صوريٌّ؛ لأنّ التسعةَ ليستْ مباينةً للعشرة.

و قد حاولَ بعضُ المحقّقينَ إبرازَ أنّ الدورانَ في الحقيقةِ بينَ متباينَينِ لا بينَ متداخلَينِ، لكي يتشكّلَ علمٌ إجماليٌّ و تُطبَّقَ القاعدةُ الثالثةُ. و حاصلُ المحاولةِ أنّ الوجوبَ المعلومَ في الحالةِ المذكورةِ، إمّا متعلّقٌ بالتسعةِ المطلقةِ، أو بالتسعةِ المقيّدةِ بالجزءِ العاشر، و إطلاقُ التسعةِ و تقييدُها حالتان متباينتان، و بذلك يتشكّلُ علمٌ إجماليٌّ بوجوبِ التسعةِ أو العشرة.

فإنْ قيلَ: إنّ العلمَ الإجماليَّ بوجوب التسعةِ أو العشرةِ منحلٌّ إلى العلمِ التفصيليِّ بأحدِ طرفَيْهِ و الشكِّ البدويِّ في الطرفِ الآخر، لأنّ التسعةَ معلومةُ الوجوبِ على أيِّ حالٍ، و الجزءُ العاشرُ مشكوكُ الوجوبِ، و إذا انحلَّ العلمُ الإجماليُّ سقطَ عن المنجّزية.

قلنا: إنّ طرفَي العلم الإجماليِّ هما: وجوبُ التسعةِ المطلقةِ و وجوبُ التسعةِ المقيَّدةِ بالعاشر، و كلٌّ من هذين الطرفين ليس معلوماً بالتفصيل، و إنّما المعلومُ وجوبُ التسعةِ على الإجمال، و هذا نفسُ العلمِ الإجماليِّ، فكيف ينحلُّ به؟

59

فالصحيحُ أنْ يتّجهَ البحثُ إلى أنّه هل يوجدُ علمٌ إجماليٌّ أو لا؟ بدلًا عن البحث في أنّه هل ينحلُّ بعد افتراضِ وجودِه؟

و التحقيقُ هو عدمُ وجودِ علمٍ إجماليٍّ بالتكليفِ، و ذلك لأنّ وجوبَ التسعةِ المطلقةِ لا يعني وجوبَ التسعةِ و وجوبَ الإطلاقِ، فإنّ الإطلاقَ كيفيّةٌ في لحاظ المولى تُنتجُ عدمَ وجوبِ العاشرِ و ليس شيئاً يوجبُه على المكلّفِ، و أمّا وجوبُ التسعةِ في ضمنِ العشرةِ، فمعناهُ وجوبُ التسعةِ و وجوبُ العاشر، و هذا معناه أنّنا حينما نلحظُ ما أوجبَه المولى على المكلّفِ نجدُ أنّه ليس مردّداً بين متباينين، بل بينَ الأقلِّ و الأكثرِ، فلا يمكنُ تصويرُ العلمِ الإجماليِّ بالوجوب، و إنّما يمكنُ تصويرُ العلمِ الإجماليِّ بالنسبةِ إلى الخصوصيات اللحاظيةِ التي تحدِّدُ كيفيةَ لحاظِ المولى للطبيعةِ عندَ أمرِه بها، لأنّه إمّا أن يكونَ قد لاحظَها مطلقةً أو مقيّدةً، غير أنّ هذا ليس علماً إجماليّاً بالتكليفِ ليكونَ منجّزاً.

و هكذا يتّضحُ أنّه: لا يوجدُ علمٌ إجماليٌّ منجّزٌ، و أنّ البراءةَ تجري عن الأمرِ العاشرِ المشكوكِ كونَه جزءاً للواجب؛ فيكفيهِ الإتيانُ بالأقلّ.

60

الشرح‏

اتّضح ممّا قدّمناه في البحوث السابقة أنّ القاعدة العملية الثانوية هي البراءة الشرعيّة و موضوع جريانها هو الشبهات البدوية، و أمّا الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي فتجري فيها أصالة الاشتغال المطابقة للقاعدة العملية الأوّلية على مسلك نظرية «حقّ الطاعة» و هي المعبّر عنها بمنجّزية العلم الإجمالي.

و لكن هناك حالات من الشكّ و التردّد وقع الكلام فيها بين الأصوليّين في أنّها هل تدرج ضمن القاعدة الثانوية و تجري فيها البراءة، أم تدرج ضمن القاعدة الثالثة و تجري فيها أصالة الاشتغال؟

و الحالات ثلاث، هي:

1 احتمال الجزئية، أو دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر في الواجب.

2 احتمال الشرطيّة.

3 دوران الأمر بين التعيين و التخيير.

احتمال الجزئية و دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر

من المسائل الأصولية المهمّة و التي تترتّب عليها آثار كثيرة في الفقه هي مسألة دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر، كما إذا أوجب الشارع الصلاة و شكّ المكلّف في أنّها الصلاة المركّبة من عشرة أجزاء أو المركّبة من تسعة أجزاء، فهل يجب عليه الإتيان بالأقلّ باعتباره القدر المتيقّن و تجري البراءة عن الزائد أي الجزء العاشر، أم أنّ الأصل الجاري في الجزء العاشر هو الاحتياط؟

في بادئ الأمر ينبغي الالتفات إلى أنّ الأقلّ و الأكثر على قسمين:

61

الأوّل: الأقلّ و الأكثر غير الارتباطيّين، و نعني به ما لو كان هناك وجوبان مستقلّان أحدهما أقلّ و الآخر أكثر، كما لو علم المكلّف بأنّه مدين لزيد و تردّد في أنّه مدين له بتسعة دراهم أو عشرة، أو علم بوجوب قضاء صوم شهر رمضان و تردّد في أنّ الواجب عليه قضاء خمسة أيّام أو ستّة، فإنّ من الملاحظ في هذين المثالين أنّ وجوب أداء تسعة دراهم لا يرتبط بوجوب أداء عشرة دراهم، و كذا وجوب صوم خمسة أيّام لا يرتبط بوجوب أداء ستّة أيّام، و إنّما كلّ منهما وجوبان مستقلّان.

و قد ذهب مشهور الأصوليّين في هذا القسم إلى جريان البراءة عن الأكثر؛ باعتبار أنّ وجوب الأقلّ هو القدر المتيقّن، و وجوب الأكثر مشكوك فتجري البراءة عنه.

الثاني: الأقلّ و الأكثر الارتباطيّان، و نعني به ما لو كان هناك وجوب واحد مستقلّ لشي‏ء مركّب من أجزاء و شكّ في أنّه مركّب من تسعة أجزاء أو عشرة، كالصلاة فإنّها مركّبة من قيام و ركوع و سجود و غير ذلك، فإيجابها من قبل الشارع يعني جعل وجوب واحد على ذلك المركّب لا أنّه يجعل عدّة وجوبات بعدد أجزائها. نعم كلّ جزء منها يتّصف بالوجوب الضمنيّ لا الاستقلاليّ، فمثال هذه الحالة: لو علم المكلّف بوجوب صلاة الظهر عليه و تردّد في أنّ الواجب هو الصلاة بتسعة أجزاء من دون سورة، أو هو الصلاة بعشرة أجزاء أي بإضافة السورة.

إنّ هذا المثال هو من موارد الشكّ بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين، إذ من الواضح أنّ الشارع لا يريد وجوب الركوع بمفرده و إنّما الركوع الذي يكون قبله قيام و بعده سجود و بقيّة الأجزاء المتقدّمة عليه و المتأخّرة عنه، فأجزاء الصلاة إذاً مترابطة فيما بينها، و السؤال: لو تردّد أمر هذا المركّب بين‏

62

أن يكون مشتملًا على تسعة أجزاء أو عشرة، فهل تدخل هذه الحالة ضمن‏

موارد الشكّ البدوي في الجزء العاشر و تجري البراءة عنه و يكون الواجب عليه هو التسعة فقط، أم تدخل ضمن موارد الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي و من ثمّ يحكم بمنجّزية الجزء العاشر و وجوب الإتيان به؟

اختلفت كلمة الأصوليّين في هذا القسم من الدوران بين الأقلّ و الأكثر، فمنهم من قال بجريان البراءة عن الأكثر كالشيخ الأنصاري‏ (1)، و هذا يعني أنّ حالة التردّد المذكور ترجع إلى القاعدة الثانوية، و منهم من قال بإجراء الاحتياط كصاحب الكفاية (2)، و هو يعني أنّ الحالة المذكورة ترجع إلى موارد الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي.

و التحقيق أن يقال: إنّ العلم الإجمالي لكي يكون موجوداً و منجّزاً (3) لا بدّ من شرطين:

أولاهما: أن يكون الطرفان متباينين لا متداخلين، كما لو علم بنجاسة أحد الإناءين أو بحرمة أحد اللحمين و هكذا، فالجامع المعلوم بالإجمال هنا بين فردين متباينين، ففي مثله ينعقد العلم الإجمالي و إلّا أي لو كانا متداخلين فلا.

و ثانيهما: أن تكون نسبة العلم بالجامع إلى الطرفين على حدٍّ سواء، بمعنى أنّ نسبة احتمال انطباق الجامع على الإناء «أ» هي نفسها نسبة انطباقه‏

____________

(1) () فرائد الأصول: ج 2، ص 74.

(2) () في أحد قوليه، انظر: كفاية الأصول: ص 364 363، و ذهب في قول آخر في حواشيه على الرسائل إلى جريان البراءة الشرعيّة دون العقليّة.

(3) () باعتبار أنّ وجود العلم الإجمالي شي‏ء و منجّزيته شي‏ء آخر، فربما يكون موجوداً إلّا أنّه غير منجز كما تقدّم في أمثلة الانحلال الحكمي.

63

على الإناء «ب»، و أمّا لو اختلفت النسبة بأن كان وجود الجامع في أحد الطرفين متيقّناً و في الآخر مشكوكاً، فلا يبقى مجال لوجود العلم الإجمالي،

بل يكون أحد الطرفين منجّزاً بالعلم التفصيلي، و الآخر مشكوكاً بالشكّ البدويّ فتجري البراءة عنه.

إذا اتّضحت هذه المقدّمة، نأتي إلى المقام فنقول: إنّ حالة دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر في مثل وجوب الصلاة ليست داخلة في حالات العلم الإجمالي؛ لعدم توفّر الشرطين المذكورين، إذ إنّ الأقلّ و الأكثر أمران متداخلان و ليسا بمتباينين، كما أنّ نسبة الجامع إليهما ليست على حدٍّ سواء، فإنّ الأقلّ وجوب التسعة داخل في الأكثر و وجوبه متيقّن، و ليس الأكثر وجوب العشرة كذلك، فالصلاة بتسعة أجزاء واجبة على كلّ حال سواء كان الجزء العاشر واجباً فيها أم لا، لأنّ الواجب إن كان هو الصلاة ذات التسعة أجزاء فوجوبها واضح، و إن كان هو الصلاة ذات العشرة أجزاء فالأجزاء التسعة واجبة أيضاً لدخول التسعة فيها. و أمّا وجوب الأكثر الجزء العاشر فهو مشكوك، لأنّه ليس بواجب إن كان الواجب هو الصلاة بتسعة أجزاء، نعم هو واجب على تقدير كون الواجب هو عشرة أجزاء، و من ثمّ فهو محتمل الوجوب و مشكوك، فتجري البراءة عن وجوبه.

و إذا كان الترديد بين شيئين متداخلين و نسبة الجامع إلى أحد الطرفين تختلف عن نسبته إلى الآخر فلا وجود للعلم الإجمالي، و الموجود هو العلم التفصيلي بالأقلّ و الشكّ البدوي في الآخر.

و من هنا كان لا بدّ للأصوليّين القائلين (بإدراج دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر في ضمن حالات الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي) من تصوير التباين بينهما، كما حاول صاحب الكفاية (رحمة الله عليه).

64

محاولة صاحب الكفاية

حاول صاحب الكفاية لأجل تشكيل العلم الإجمالي بين الأقلّ و الأكثر

من إبراز التباين بين الأقلّ و الأكثر عبر التصوير التالي:

إنّ المعلوم بالإجمال إمّا أن يكون متعلّقاً بتسعة أجزاء أو بعشرة، فإن كان وجوب الصلاة متعلّقاً بالتسعة فهو يعني تعلّقه بالتسعة المطلقة أي بالتسعة بقيد الإطلاق، بمعنى أنّ المكلّف يجب عليه الإتيان بالتسعة سواء أتى بالجزء العاشر أو لا، و إن كان متعلّقاً بالعشرة فهو يعني تعلّقه بالتسعة المقيّدة بالجزء العاشر.

و من الواضح أنّ تقييد التسعة و إطلاقها حالتان متباينتان، و تشكيل العلم الإجمالي بين أمرين متباينين ممكن و لا محذور فيه، و بعد تشكّله بين وجوب التسعة و العشرة كان المقام مجرىً لأصالة الاشتغال و الإتيان بالأكثر و هو الصلاة مع السورة في المثال.

إلفاتة: إنّ النظرية الفلسفيّة في الأعداد قائمة على القول بأنّ مراتب الأعداد بمثابة الأنواع و أنّ كلّ نوع منها منحصر في فرد واحد. فالرقم اثنان نوع، و الثلاثة نوع، و هكذا باقي الأعداد، و ليس العدد نوعاً و له أفراد متمثّلة في مراتبه. و الفرق بين التسعة و العشرة مثلًا يكون في أنّ العشرة متمايزة عن التسعة بأنّها تسعة بإضافة واحد، فالتسعة متضمّنة في العشرة، و من هنا احتاج صاحب الكفاية إلى إبراز خصوصيّة في التسعة تحدّد تمايزها عن العشرة و هي أنّها مأخوذة مع قيد الإطلاق بخلاف العشرة فإنّها تسعة مأخوذة مع قيد و هو وجود الجزء العاشر، و من ثمّ يكون الدوران بين التسعة و العشرة بين أمرين متباينين لا متداخلين، و بذلك يتشكّل علم إجماليّ بينها و يكون منجّزاً للجزء العاشر.

65

فإن قيل: إنّ العلم الإجماليّ الذي يريد صاحب الكفاية تصويره بين الأقلّ و الأكثر عبر تصوير التباين، منحلّ أساساً إلى العلم التفصيلي بوجوب التسعة، و الشكّ البدوي في الجزء العاشر؛ لأنّ وجوب التسعة

معلوم على كلّ حال كما ذكرنا، و الجزء العاشر مشكوك الوجوب، فتجري البراءة عنه، فما أجهد نفسه في تصويره و تشكيله منحلّ، و بانحلاله يسقط عن المنجّزية.

كان الجواب: إنّ كون وجوب التسعة معلوماً على كلّ حال أوّل الكلام، فأيّ تسعة هي المعلومة؟ التسعة بقيد الإطلاق أم التسعة المقيّدة بالجزء العاشر؟ إذ إنّنا لا ندّعي بأنّ العلم الإجمالي يدور بين التسعة و العشرة ليشكل علينا بالانحلال، بل نقول بأنّه يدور بين التسعة المطلقة و المقيّدة، و من الواضح أنّ وجوب التسعة بهذا المعنى ليس معلوماً بالتفصيل و على كلّ حال، و إنّما المعلوم بالتفصيل هو وجوب التسعة إجمالًا، و هذا هو نفس العلم الإجمالي و عينه، فكيف يدّعى أنّ العلم بها يحلّ العلم الإجمالي؟!

بعبارة مختصرة: إنّ العلم بوجوب التسعة هو الذي سبّب وجود العلم الإجمالي، لأنّه لا يعلم أي تسعة هي الواجبة، التسعة المطلقة أم المقيّدة؟ و بعد كونها السبب في تشكيل العلم الإجمالي كيف يمكن القول إنّ العلم بها يسبّب انحلاله؟!

تعليق المصنّف على المحاولة

إنّ الصحيح في مناقشة صاحب الكفاية (رحمة الله عليه) في محاولته هو البحث عن أصل وجود العلم الإجمالي، و ليس مناقشته بدعوى الانحلال التي تفترض التسليم بوجود العلم الإجمالي بين الأقلّ و الأكثر في المقام و تحاول تصوير انحلاله من خلال اختلال الركن الثاني.

66

و حاصل تعليق المصنّف (قدس سره): أنّ العلم الإجمالي غير موجود في محلّ البحث (دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر)، و ما تخيّله صاحب الكفاية من علم إجماليّ إنّما هو علم إجماليّ بالنسبة إلى عالم لحاظ الخصوصيّات و هو

خاصّ بالمولى و لا دخل للمكلّف فيه، و ما له دخل و علاقة بالمكلّف هو العلم الإجمالي في التكليف و لا وجود للعلم الإجمالي فيه.

توضيحه: تقدّم في بحث «التقابل بين الإطلاق و التقييد» أنّ هناك أقوالًا ثلاثة في تصوير التقابل في عالم الثبوت:

1 تقابل النقيضين، و هو مختار المصنّف (قدس سره).

2 تقابل العدم و الملكة، و هو مختار الميرزا النائيني (رحمة الله عليه).

3 تقابل الضدّين، و هو مختار السيّد الخوئي (قدس سره).

و السيّد الشهيد (قدس سره) في مناقشته لمحاولة صاحب الكفاية (رحمة الله عليه) يجري على مبنى أستاذه السيّد الخوئي (رحمة الله عليه)، فيقول:

إنّ الإطلاق و التقييد أمران وجوديّان. فالإطلاق لحاظ عدم القيد، و التقييد هو لحاظ القيد، و لحاظ الشي‏ء و لحاظ عدمه أمران متباينان، و من ثمّ يمكن تصوير علم إجماليّ بين الأقلّ و الأكثر؛ لأنّ أحد الطرفين (التسعة) هو التسعة مع لحاظ عدم الجزء العاشر، و الطرف الآخر (العشرة) هو التسعة مع لحاظ الجزء العاشر، و تشكيل العلم الإجمالي بينهما أمر ممكن بعد كون الأطراف متباينة.

إلّا أنّ هذا العلم الإجمالي غير منجّز؛ لأنّه علم إجماليّ في اللحاظ الذهني، فإنّ الأجزاء التسعة إن لوحظت بدون الجزء العاشر فهي تسعة و إن لوحظت معه فهي عشرة، و الخصوصيّات اللحاظية التي تحدّد كيفيّة لحاظ الطبيعة المأمور بها هي من اختصاصات المولى و لا علاقة للمكلّف‏

67

بها، و أمّا ما له علاقة به فهو الواقع الخارجي و لا وجود للعلم الإجمالي فيه؛ لأنّ ما هو موجود في الخارج هو التسعة المطلقة (الأقلّ) و هي التسعة لا غير؛ إذ لا يوجد بإزاء الإطلاق شي‏ء خارجاً، فالإطلاق كما قلنا لحاظ

عدم القيد في عالم اللحاظ، و لا يقع في قباله شي‏ء ليوجبه الشارع، و أمّا ما يقع في قبال الطرف الآخر أي التسعة المقيّدة فهو شيئان هما التسعة و الجزء العاشر الذي يكون بإزاء القيد.

و من الواضح أنّ التسعة الموجودة في الخارج هي نفسها التسعة التي تقع في قبال الأكثر، فالطرفان إذاً متداخلان في عالم الخارج و ليسا بمتباينين، نعم هما متباينان في عالم اللحاظ، و لكن لا علاقة لذلك بالمكلّف.

بعبارة مختصرة: إنّ ما يدخل في عهدة المكلّف و يتنجّز في حقّه هو الواقع الخارجي، و الواقع الخارجي عند دوران الأمر بين التسعة و العشرة متداخل، و لا وجود للعلم الإجمالي بين المتداخلين كما أوضحناه في الشرطين السابقين، و ما يوجد فيه العلم الإجمالي هو عالم اللحاظ و هو غير داخل في عهدة المكلّف و لا علاقة به إطلاقاً.

و بهذا يتّضح عدم وجود علم إجماليّ منجّز عند دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين، و أنّ الأصل الجاري في حالة التردّد المذكورة هو البراءة عن الجزء العاشر و بالتالي عن الأكثر، و يحصل الامتثال بالإتيان بالصلاة ذات الأجزاء التسعة (الأقلّ) وفاقاً لما ذكره الشيخ الأعظم (رحمة الله عليه).

بقي أن نشير إلى صورتين تطرحان في حالة الشكّ في الجزئية، و هما مادّة بحثنا الآتي بعد الوقوف مع النصّ.

68

أضواء على النص‏

قوله (قدس سره): «إلّا إذا افترض جامع بين فردين متباينين». هذا هو الشرط الأوّل من شروط وجود العلم الإجمالي و تنجّزه.

قوله (قدس سره): «و كان ذلك الجامع معلوماً». هذا هو الشرط الثاني.

قوله (قدس سره): «فليس هذا من العلم الإجمالي». لعدم توفّر الشرطين المذكورين.

قوله: «إنّ الحالة المطروحة للبحث». أي: دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر.

قوله (قدس سره): «كلام صوريّ». أي: أنّ ظاهره و صورته توهم التباين بين وجوب التسعة و العشرة، و حقيقة الحال أنّ التسعة داخلة في العشرة و ليست مباينة لها.

قوله (قدس سره): «و قد حاول بعض المحقّقين». كصاحب الكفاية (رحمة الله عليه).

قوله (قدس سره): «إمّا متعلّق بالتسعة المطلقة». أي: التسعة بقيد الإطلاق عن الجزء العاشر.

قوله (قدس سره): «لأنّ التسعة معلومة الوجوب على أيّ حال». أي: هي واجبة سواء كان الجزء العاشر واجباً أم لا.

قوله (قدس سره): «ما أوجبه المولى على المكلّف». في عالم الخارج لا اللحاظ.

قوله (قدس سره): «قد لاحظتها». أي: الطبيعة.

قوله (قدس سره): «ليس علماً إجماليّاً بالتكليف». بل هو علم إجماليّ بالخصوصيّات اللحاظية.

قوله (قدس سره): «لا يوجد علم إجماليّ منجّز». «منجّز» قيد احترازيّ؛ إذ في عالم اللحاظ يوجد علم إجماليّ بين التسعة المطلقة و المقيّدة و لكنّه ليس بمنجّز للتكليف.

قوله (قدس سره): «فيكفيه الإتيان». أي: المكلّف.

69

و لا فرقَ في جريانِ البراءَةِ عن مشكوكِ الجزئيةِ بين أنْ يكونَ الشكُّ في أصلِ الجزئيّةِ، كما إذا شكَّ في جزئيّة السورةِ، أو في إطلاقِها بعدَ العلمِ بأصلِ الجزئيّةِ، كما إذا علمْنا بأنّ السورةَ جزءٌ

و لكنْ شكَكْنا في أنّ جزئيّتَها هل تختصُّ بالصحيحِ أو تشملُ المريضَ أيضاً؟ فإنّه تجري البراءَةُ حينئذٍ عن وجوبِ السورةِ بالنسبة إلى المريض خاصّة.

و هناك صورةٌ من الشكِّ في إطلاقِ الجزئيةِ وقعَ البحثُ فيها و هي: ما إذا ثبتَ أنّ السورةَ مثلًا جزءٌ في حال التذكّرِ و شكَّ في إطلاقِ هذه الجزئيةِ للناسي، فهل تجري البراءةُ عن السورةِ بالنسبةِ إلى الناسي؛ لكي نثبتَ بذلك جوازَ الاكتفاءِ بما صدرَ منه في حالةِ النسيانِ مِن الصلاةِ الناقصةِ التي لا سورةَ فيها؟

فقد يقال: إنّ هذه الصورةَ هي إحدى حالاتِ دورانِ الواجبِ بين الأقلِّ و الأكثرِ، فتجري البراءةُ عن الزائد.

و لكن اعتُرضَ على ذلك: بأنّ حالاتِ الدورانِ المذكورةَ تفترضُ وجودَ أمرٍ موجَّهٍ إلى المكلَّفِ على أيِّ حالٍ، و يتردّدُ متعلَّقُ هذا الأمرِ بين التسعةِ أو العشرةِ مثلًا، و في الصورةِ المفروضةِ في المقامِ نحن نعلمُ بأنّ غيرَ الناسي مأمورٌ بالعشرة مثلًا بما في ذلك السورةُ لأنّنا نعلمُ بجزئيّتها في حال التذكّر، و أمّا الناسي فلا يحتملُ أن يكونَ مأموراً بالتسعةِ أي بالأقلِّ، لأنَّ الأمرَ بالتسعةِ لو صدرَ

70

من الشارع لكان متوجّهاً نحو الناسي خاصّةً؛ لأنّ المتذكّرَ مأمورٌ بالعشرةِ لا بالتسعةِ، و لا يُعقلُ توجيهُ الأمر إلى الناسي خاصّة، لأنّ الناسيَ لا يلتفتُ إلى كونِه ناسياً لينبعثَ عن ذلك الأمرِ؛ وعليه فالصلاةُ الناقصةُ التي أتى بها ليستْ مصداقاً للواجب يقيناً، و إنّما يحتملُ كونُها مسقطةً للواجب عن ذمّتِه، فيكونُ من حالاتِ الشكِ‏

في المسقطِ، و تجري حينئذٍ أصالةُ الاشتغال. و تأتي تتمّةُ الكلامِ عن ذلك في حلقةٍ مقبلةٍ إن شاء اللهُ تعالى.

71

الشرح‏

ما زال حديثنا في الحالة الأولى من حالات التردّد، و هي دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر في أجزاء الواجب، أو ما يعبَّر عنه ب «حالة الشكّ في الجزئية»، و انتهينا إلى أنّ الأصل الجاري فيها هو البراءة عن الأكثر و الاكتفاء بالإتيان بالأقلّ.

و لكن بقي في تتمّة بحث الحالة الأولى أن نتعرّض إلى صورتين، هما:

صورتان للشكّ في الجزئية

الصورة الأولى: أن يكون الشكّ في أصل الجزئية، و هي محلّ كلامنا فيما سبق، كما لو شكّ المكلّف في جزئية السورة في الصلاة، و قلنا إنّ الأصل العملي الجاري في مثل هذا النحو من الشكّ في الجزئية هو البراءة عن وجوب السورة.

الصورة الثانية: أن لا يكون الشكّ في أصل الجزئية بل يكون في إطلاقها، كما إذا علم بجزئية السورة في الصلاة و لكنّه شكّ و تردّد في أنّها جزء مطلقاً بنحو تشمل حالة الحضر و السفر، و الصحّة و المرض، أم أنّ وجوبها يختصّ بحالة الحضر و الصحّة فقط.

و السؤال: هل حال الشكّ في إطلاق الجزئية كحاله عند الشكّ في أصلها، بمعنى أنّه يحكم بإجراء أصل البراءة عن المشكوك؟

يجيب المصنّف (قدس سره) عن هذا التساؤل بأن لا فرق في جريان البراءة عن‏

جزئية شي‏ء مشكوك بين أن يكون الشكّ في أصل جزئيّته أو في إطلاقها بعد العلم بكونه جزءاً في بعض الحالات. ففي المثال المتقدّم يعلم المكلّف بأنّ‏

72

السورة جزء في حال الصحّة و الحضر و لكنّه يشكّ في شمول جزئيّتها لحال المرض و السفر، فجزئيّتها و وجوبها في هاتين الحالتين قدر متيقّن فيتنجّز، و أمّا الأكثر من ذلك أي جزئيّتها في حال السفر و المرض فمشكوك و تجري البراءة عنه.

و هذا ممّا لا إشكال فيه بين الأصوليّين، إنّما الخلاف وقع بينهم في حالة من حالات إطلاق الجزئية و هي ما لو شكّ في إطلاقها و شمولها للناسي، فهل المجرى هنا البراءة أيضاً؟

إطلاق الجزئية للناسي‏

وقع البحث بين الأصوليّين في أنّ المكلّف إذا علم مثلًا بجزئية السورة في الصلاة و لكنّه شكّ في أنّها جزء فيها في حال الذكر فقط، أو أنّها جزء حتّى في حال النسيان، فهل يكون الأصل الجاري هنا البراءة و يكون حال النسيان حال المرض و السفر، أم أنّ هناك خصوصيّة في النسيان توجب تميّزه عنهما و يكون المجرى عند الشكّ في شمول جزئية السورة له أصالة الاشتغال؟

و ثمرة هذا البحث تظهر فيما لو صلّى المكلّف بلا سورة ناسياً ثمّ تذكّر بعد ذلك، فعلى القول بجزئية السورة مطلقاً في حال التذكّر و النسيان تكون صلاته باطلة لأنّه لم يأت بالمأمور به و يجب عليه إعادتها، و أمّا على القول بجزئيّتها بالنسبة للمتذكّر فقط فتكون صلاته صحيحة و لا موجب لإعادتها بعد وقوعها مصداقاً للمأمور به.

و لا ينبغي أن يُغفل أنّ تصوير الثمرة هذه إنّما هو على طبق مقتضى‏

القاعدة و بغضّ النظر عن الأدلّة الخاصّة التي تصحّح بها الصلاة من قبيل حديث «لا تعاد».

73

إذا اتّضح محلّ البحث، نقول: قد يقال بأنّ الشكّ في شمول الجزئية للناسي هو من موارد الدوران بين الأقلّ و الأكثر؛ باعتبار أنّ المكلّف يعلم بجزئية السورة للصلاة حسب الفرض، و يشكّ في أنّها جزء للذاكر فقط أو أنّ جزئيّتها تشمله و الناسي، فتكون جزئية السورة للمتذكّر الأقلّ معلومة على كلّ حال، و أمّا جزئيّتها للناسي أيضاً الأكثر فهو أمرٌ مشكوك فتجري البراءة عنه.

إلّا أنّه اعترض على ذلك بأنّ الشكّ في إطلاق جزئيّة السورة لو كان بالنسبة إلى المرض أو السفر أو ما شابههما من حالات لأمكن القول بجريان البراءة عن جزئيّتها فيها؛ و ذلك لأنّ المولى بإمكانه أن يوجّه خطابين إلى المكلّف يتكفّل أحدهما بيان وجوب الصلاة ذات الأجزاء العشرة أي مع السورة في حال الصحّة، و يتكفّل الآخر بيان وجوب الصلاة ذات الأجزاء التسعة أي بدون سورة في حال المرض، و من ثمّ إذا علم المكلّف بجزئية السورة و شكّ في اختصاصها بالصحيح أم تشمله و المريض، أمكنه الحكم بجزئيّتها للصحيح فقط لأنّه القدر المتيقّن، و أمّا جزئيّتها للمريض فمشكوك و تجري البراءة عنه، إذ لو كان مراداً للمولى لأبرزه بخطاب؛ فإنّه ممكن حسب الفرض و لا محذور فيه.

و أمّا بالنسبة إلى الناسي فلا يمكن أن نجري البراءة في حقّه عند الشكّ في شمول الجزئية له؛ لعدم إمكان توجيه خطاب بعدم جزئية السورة إليه و يبقى الأمر المتوجّه إليه هو الأمر بالعشرة لا بالتسعة.

بيان ذلك: أنّ صدق الامتثال من المكلّف يتوقّف على وجود أمر متوجّه إليه، فلكي يحكم على صلاته بالصحّة ينبغي وجود الأمر بها قبل‏

ذلك و وقوعها على طبق المأمور به، و الناسي باعتباره مكلّفاً بالصلاة لأنّها

74

لا تسقط بحال لو صلّى بلا سورة و أردنا الحكم على صلاته بالصحّة فلا بدّ من أن يكون هناك أمر متوجّه إليه، و هو لا يخلو من أحد أمرين:

أن يكون الأمر المتوجّه إليه هو الأمر بالصلاة ذات الأجزاء التسعة، أي بلا سورة.

أن يكون الأمر المتوجّه إليه هو الأمر بالصلاة ذات الأجزاء العشرة، أي مع السورة و هو نفس الأمر المتوجّه إلى المتذكّر.

أمّا الأمر الأوّل، فلا يعقل توجيهه إلى الناسي خاصّة؛ لأنّ الناسي لا يلتفت إلى كونه ناسياً، و بمجرّد التفاته إلى ذلك صار متذكّراً و يجب عليه الإتيان بالصلاة مع السورة (العشرة). فلا يمكن أن يقول الشارع له: «أيّها الناسي صلِّ تسعة أجزاء»، لأنّه لا يرى نفسه ناسياً، و لا يكون مثل هذا الخطاب فعليّاً أبداً.

فلم يبقَ لأجل تصحيح صلاة الناسي إلّا القول بأنّ الأمر المتوجّه إليه هو الأمر بالعشرة الذي يشمل المتذكّر، و من ثمّ لو صلّى ناسياً بلا سورة فلا يحكم على صلاته بالصحّة لأنّها ليست مصداقاً للمأمور به قطعاً؛ إذ المفروض أنّه مأمور بالعشرة و ما أتى به الناسي هو التسعة لا العشرة.

نعم، لأجل كونه ناسياً قد يحصل له الشكّ فيما بعد بأنّ ما أتى به في حال النسيان أ يكون مسقطاً للأمر بالصلاة أم لا؟ و هذا النحو من الشكّ يكون شكّاً في المسقط و هو مجرى الاشتغال لا البراءة؛ لأنّه يعلم يقيناً باشتغال ذمّته بوجوب الصلاة ذات الأجزاء العشرة، فلو أتى بالصلاة مع السورة يقطع بفراغ ذمّته، و أمّا لو أتى بالصلاة من دونها كما في حال النسيان فلا يحصل له القطع بفراغ ذمّته، وعليه فعند الشكّ في شمول‏

الجزئية للناسي يكون المجرى هو الاشتغال لا البراءة.

75

هذا ما يمكن أن يقال على مستوى هذه الحلقة، و تبقى للبحث تتمّة يستعرضها السيّد الشهيد (قدس سره) في الحلقة الثالثة و هناك يقول بإمكان توجيه خطاب للناسي من قبل الشارع، و من ثمَّ يكون الشكّ في إطلاق جزئية شي‏ء بالنسبة إليه مجرى البراءة الشرعيّة.

فتلخّص: أنّ الأصل الجاري عند دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر في أجزاء الواجب هو البراءة عن الأكثر سواء كان الشكّ في أصل الجزئية أو في إطلاقها، إلّا في حالة الشكّ في إطلاقها بالنسبة إلى الناسي على مستوى هذه الحلقة فإنّه مجرى أصالة الاشتغال.

هذا كلّه في الحالة الأولى من حالات التردّد الثلاث.

أضواء على النصّ‏

قوله (قدس سره): «بعد العلم بأصل الجزئية». بنحو القضية المهملة، بمعنى أنّ المكلّف يعلم بجزئية السورة و لكنّه يشكّ في أنّها جزء مطلقاً أو في حال الصحّة فقط.

قوله: «و لكن اعترض على ذلك». أي: على جريان البراءة بالنسبة إلى الناسي.

قوله: «تفترض وجود أمر موجّه إلى المكلّف». لأنّ الامتثال فرع توجّه الأمر.

قوله (قدس سره): «و في الصورة المفروضة». و هي الشكّ في إطلاق الجزئية للناسي بعد العلم بجزئيّتها بالنسبة إلى المتذكّر.

قوله (قدس سره): «لأنّ المتذكّر مأمور بالعشرة لا بالتسعة». كما هو المفروض.

قوله: «ليست مصداقاً للواجب يقيناً». باعتبار أنّ ما هو المصداق للواجب أي الصلاة بعشرة أجزاء لم يأت به، و ما أتى به أي تسعة أجزاء ليست مصداقاً له، فيكون حال الناسي حال من علم بدخول شي‏ء في عهدته‏

و شكّ في أنّ ما أتى به مسقط له، و الشكّ في المسقط مجرى الاشتغال.

76

حالة احتمال الشرطيّة

عالجْنا فيما سبقَ حالةَ احتمالِ الجزءِ الزائدِ، و الآن نعالجُ حالةَ احتمالِ الشرطِ الزائد، كما لو احتملَ أنّ الصلاةَ مشروطةٌ بالإيقاعِ في المسجدِ على نحوٍ يكونُ إيقاعُها في المسجدِ قيداً شرعياً في الواجب.

و تحقيقُ الحالِ في ذلك: أنّ مرجعَ القيدِ الشرعيِّ كما تقدّمَ عبارةٌ عن تخصيصِ المولى للواجبِ بحصّةٍ خاصّةٍ على نحوٍ يكونُ الأمرُ متعلّقاً بذاتِ الفعل و بالتقيّدِ. فحالةُ الشكِّ في شرطيةِ شي‏ءٍ، مرجعُها إلى العلمِ بوجوبِ ذاتِ الفعلِ و الشكِّ في وجوبِ التقيّد.

و هذا أيضاً دورانٌ بين الأقلِّ و الأكثرِ بالنسبةِ إلى ما أوجبَه المولى على المكلَّفِ، و ليس دوراناً بين المتباينين، فلا يُتصوّرُ العلمُ الإجماليُّ المنجّزُ، بل تجري البراءةُ عن وجوبِ التقيّد.

و قد يُفصّلُ بين أن يكونَ ما يحتملُ شرطيّتُه محتملَ الشرطيّةِ في نفس متعلَّقِ الأمرِ ابتداءً، أو في متعلَّقِ المتعلَّقِ، أي الموضوع.

ففي خطاب «أعتقْ رقبةً» المتعلّقُ للأمر هو العتقُ، و الموضوعُ هو الرقبةُ، فتارةً يُحتملُ كونُ الدعاءِ عندَ العتقِ قيداً في الواجب، و أخرى يُحتملُ كونُ الإيمان قيداً في الرقبة.

ففي الحالة الأُولى: تجري البراءةُ؛ لأنّ قيديّةَ الدعاءِ للمتعلّقِ‏

77

معناها تقيّدُه و الأمرُ بهذا التقييدِ، فيكونُ الشكُّ في هذه القيديّةِ راجعاً إلى الشكِّ في وجوبِ التقييدِ، فتجري البراءةُ عنه.

و في الحالةِ الثانيةِ: لا تجري البراءةُ؛ لأنّ قيديّةَ الإيمانِ للرقبةِ لا تعني الأمرَ بهذا التقييدِ؛ لوضوحِ أنّ جعلَ الرقبةِ مؤمنةً ليس تحتَ الأمرِ، و قد لا يكونُ تحتَ الاختيارِ أصلًا، فلا يعودُ الشكُّ في هذه القيديّةِ إلى الشكِّ في وجوبِ التقييدِ لتجري البراءةُ.

و الجوابُ: إنّ تقييدَ الرقبةِ بالإيمانِ و إنْ لم يكنْ تحتَ الأمرِ على تقديرِ أخذِه قيداً، و لكنّ تقيّدَ العتقِ بإيمانِ الرقبةِ المعتوقةِ تحتَ الأمرِ على هذا التقديرِ. فالشكُّ في قيديّةِ الإيمانِ شكٌّ في وجوبِ تقيّدِ العتقِ بإيمان الرقبةِ، و هو تقيّدٌ داخلٌ في اختيارِ المكلَّفِ، و يُعقلُ تعلّقُ الوجوبِ به، فإذا شكَّ في وجوبِه جرتِ البراءةُ عنه.

78

الشرح‏

يقع البحث في «حالة احتمال الشرطية»، و هي الحالة الثانية من حالات التردّد الثلاث التي وقع الكلام فيها بين الأصوليّين في إدراجها ضمن القاعدة الثانوية أو القاعدة الثالثة، أي منجّزية العلم الإجماليّ.

حالة احتمال الشرطية

يشبه هذا البحثُ البحثَ السابق، إلّا أنّ المشكوك هنا هو الشرط لا

الجزء، فإنّ أجزاء الواجب تنقسم إلى قسمين:

1 الأجزاء الداخلية، و هي المصطلح عليها بالأجزاء، كالسورة و الركوع و السجود بالنسبة إلى الصلاة، و قد مضى الحديث عنها فيما سبق و انتهينا إلى جريان البراءة عن الجزء المشكوك.

2 الأجزاء الخارجيّة، و هي المصطلح عليها بالشرائط و القيود، كالطهارة في الصلاة، و هي محلّ البحث في المقام.

و السؤال المطروح هنا: لو شكّ المكلّف في شرطيّة شي‏ء في الواجب، فهل الأصل الجاري هنا هو البراءة أم الاشتغال؟

و الجواب: إنّ الأصل الجاري هو البراءة كما هو الحال عند الشكّ في جزئية شي‏ء للواجب، و كما قلنا هناك بأنّ البراءة تجري سواء كان الشكّ في أصل الجزئية أو في إطلاقها فكذلك الحال هنا.

و توضيحه: أنّ الشكّ في شرطيّة شي‏ء للواجب يكون على حالتين:

الأولى: أن يكون الشكّ في أصل شرطيّته، كما لو شكّ المكلّف في أنّ‏

79

الإتيان بالصلاة في المسجد شرط في الصلاة بنحو يكون إيقاعها فيه قيداً في الصلاة.

الثانية: أن يعلم بشرطيّة شي‏ء و لكنّه يشكّ في إطلاقه، كما لو علم المكلّف بشرطية الطهارة المائية في الصلاة و لكنّه شكّ في شرطيّتها أ تختصّ بالصحيح أم تشمله و المريض؟

أمّا الحالة الأولى من الشكّ في الشرطية فلا إشكال في جريان البراءة عن الشرط المشكوك و هو إيقاع الصلاة في المسجد في المثال، لأنّ مرجع شرطية شي‏ء للواجب و تقييده به إلى تخصيص الواجب بذلك القيد بنحو يكون الوجوب متعلّقاً بذات الواجب و بتقيّده بالقيد، و أمّا نفس القيد فخارج‏

عن الوجوب، كما تقدّمت الإشارة إليه في بحث «قاعدة تنوّع القيود و أحكامها» من مباحث الدليل العقلي، و من ثمّ يكون مرجع الشكّ في اشتراط الصلاة بإيقاعها في المسجد إلى العلم بوجوب الصلاة و الشكّ في تقيّدها بالقيد المذكور، فيكون من موارد دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر، و هو مجرى البراءة، حيث إنّ وجوب الأقلّ و هو وجوب الصلاة معلوم و متيقّن، و أمّا الأكثر وجوب إيقاع الصلاة في المسجد فهو مشكوك، فتجري البراءة عنه ويحكم بصحّة الصلاة مطلقاً سواء كانت في المسجد أو في غيره كالبيت مثلًا.

و أمّا الحالة الثانية و هي الشكّ في إطلاق الشرطية فالمجرى فيها أيضاً البراءة عن إطلاق الشرط و الاقتصار على القدر المتيقّن، فلو علم المكلّف بشرطيّة الطهارة المائية في الصلاة و شمولها للصحيح و شكّ في إطلاق شرطيّتها و شمولها للمريض أيضاً، فبإمكانه أن يجري البراءة عن شمولها له، لأنّ شرطية الطهارة المائية بالنسبة إلى الصحيح معلومة و متيقّنة فتتنجّز

80

في حقّه، و أمّا شرطيّتها بالنسبة للمريض فمشكوكة، فتجري البراءة عنها.

فتحصّل: أنّ الشكّ في الشرطيّة مجرى للبراءة لا لمنجّزية العلم الإجماليّ، باعتبار أنّ المقام سواء كان الشكّ في أصل الشرطية أو في إطلاقها من موارد دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر بالنسبة إلى ما أوجبه المولى، و ليس من موارد الدوران بين المتباينين ليتشكّل علم إجماليّ.

احتمال الشرطيّة .. تفصيل و مناقشة

حاول بعض الأصوليّين التفصيل بين نحوين من احتمال الشرطية و الشكّ فيها، فحكم بإجراء البراءة في أحد النحوين دون الآخر، و هما:

1 أن يكون المشكوك في شرطيّته شرطاً على فرض ثبوته في المتعلّق.

2 أن يكون المشكوك في شرطيّته شرطاً في الموضوع.

فإنّ من الواضح أنّه يوجد لدينا حكم شرعيّ و متعلّق و موضوع. ففي قول الشارع: «اعتق رقبة» نلاحظ أنّ الحكم هو الوجوب المستفاد من صيغة فعل الأمر «اعتق»، و المتعلّق هو العتق، و الموضوع هو الرقبة، و المشكوك في شرطيّته تارةً يكون شرطاً في المتعلّق و هو العتق في المثال كما لو شكّ في اشتراط الدّعاء عند العتق، و أخرى يكون شرطاً في الموضوع و هو الرقبة في المثال كما لو شكّ في اشتراط الإيمان في الرقبة التي يُراد عتقها.

ففي الحالة الأولى تجري البراءة عن تقيّد العتق بالدّعاء و اشتراطه به؛ لأنّ الشكّ في شرطيّته في العتق يعني الشكّ في تقيّد العتق به ليكون المأمور به شرعاً ذات العتق و تقيّده بالدّعاء، و الشكّ في وجوب التقييد مجرى للبراءة كما ذكرنا في بداية البحث.

81

بعبارة أخرى: إنّ الشكّ في شرطيّة الدّعاء في العتق (المتعلّق) يرجع إلى دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر؛ لأنّ احتمال شرطيّته يعني الشكّ في أنّ الشارع أوجب العتق فقط (الأقل)، أو أوجبه مع الدعاء (الأكثر)، فتجري البراءة عن الأكثر، لأنّ الأقلّ معلوم على كلّ حال، و أمّا الأكثر فيشكّ في شرطيّته.

و أمّا في الحالة الثانية فلا تجري البراءة عن الشرط المشكوك؛ لأنّ الشكّ فيه لا يرجع إلى الشكّ في وجوب التقييد لتجري البراءة عنه، و من ثمَّ يجب على المكلّف عتق الرقبة المتّصفة بالإيمان عند الشكّ في شرطيّة الإيمان؛ و ذلك لوجهين:

الأوّل: أنّ الموضوع متقدّم على الحكم رتبة، فلا وجود للحكم‏

و الوجوب إلّا بعد تحقّق الموضوع بكلّ قيوده و شروطه، فكيف يكون الشرط و القيد واقعاً تحت الأمر و متعلّقاً به و الذي يعني تأخّره عن الأمر، فمن الممكن أن يتعلّق الأمر بالمتعلّق لأنّه متأخّر، و لكن من غير الممكن أن يتعلّق بالموضوع لتقدّمه عليه، كما أوضحناه في قاعدة تنوّع القيود العقلية.

و المفروض في المقام أنّ الإيمان من قيود الموضوع (الرقبة)، و من ثمّ لا يمكن أن يتعلّق به الأمر و يقع تحته ليقال بأنّ الواجب هو ذات المقيّد مع التقيّد، وعليه فلا يكون الشكّ في الإيمان شكّاً في وجوب التقييد لتجري البراءة عنه كما ذكرناه في النحو الأوّل.

الثاني: أنّ قيود الموضوع ليست من مسئوليّة المكلّف و لا يجب عليه الإتيان بها، لأنّها قيود للوجوب و لا وجود للوجوب قبلها كي ينبعث نحو تحقيقها، و ما يقع ضمن دائرة مسئوليّته هو قيود الواجب فقط، كما أنّ كثيراً منها ليست اختيارية كما في المقام، فإنّ اتّصاف الرقبة بالإيمان ليس باختيار

82

المكلّف و إنّما هو باختيار نفس العبد المعتَق، و ما هو غير مقدور لا يعقل وقوعه تحت الأمر ليقال بإجراء البراءة عنه عند الشكّ في شرطيّته.

فتلخّص ممّا عرضناه: أنّ احتمال الشرطيّة يكون مجرى للبراءة فيما لو كان الشرط المشكوك شرطاً في المتعلّق، بخلاف ما لو كان شرطاً في الموضوع فإنّه مجرى للاحتياط لا للبراءة.

هذا حاصل التفصيل المذكور في المقام.

إلّا أنّ المصنّف (قدس سره) يناقشه بما مفاده: إنّ من الصحيح أنّ الإيمان في المثال ليس داخلًا تحت الأمر لأنّه من قيود الموضوع، كما أنّ من الصحيح أيضاً أنّه ليس باختيار المكلّف، و لكن أن يختار المكلّف عبداً مؤمناً عند إرادة العتق أمر واقع تحت اختياره و قدرته. كما أنّ الإيمان ليس قيداً للموضوع ليشكل‏

بما ذكر و إنّما هو قيد للعتق، بمعنى أنّ الإيمان شرط في عتق الرقبة، فهو إذاً تقييد للعتق بإيمان الرقبة المعتوقة لا أنّه تقييد لنفس الرقبة.

بعبارة ثانية: إنّ نفس الإيمان ليس داخلًا تحت الأمر ليقال بعدم إمكان ذلك و إنّما نقول إنّ الداخل في عهدة المكلّف هو تقييد العتق بأن يكون عتقاً لرقبة مؤمنة، و مثل هذا التقييد مقدور للمكلّف، فيرجع الشكّ في الإيمان شكّاً في تقييد العتق بإيمان الرقبة التي يُراد عتقها، و الشكّ في التقييد كما ذكرنا مراراً مجرى لأصالة البراءة، لأنّه من موارد شكّ المكلّف بين الأقلّ و الأكثر، فإنّه يعلم بوجوب العتق و يشكّ في أنّه واجب مطلقاً أو مشروط بإيمان الرقبة المعتوقة، فتجري البراءة عن الأكثر.

و بهذا يظهر أنّ الأصل الجاري عند احتمال الشرطية هو البراءة عن الشرط المشكوك مطلقاً سواء كان شرطاً للمتعلّق أو للموضوع، و بذلك تتوافق الحالتان الأولى و الثانية من حالات التردّد الثلاث.

83

أضواء على النصّ‏

قوله (قدس سره): «كما لو احتمل أنّ الصلاة مشروطة». هذا مثال للشكّ في أصل الشرطية، أمّا مثال الشكّ في إطلاق الشرطية فلم يشر له المصنّف (قدس سره) و قد أشرنا له في الشرح.

قوله (قدس سره): «إنّ مرجع القيد الشرعي كما تقدّم». في قاعدة تنوّع القيود و أحكامها في مباحث الدليل العقلي من هذه الحلقة.

قوله (قدس سره): «فلا يتصوّر العلم الإجماليّ المنجّز». إشارة إلى أنّ العلم الإجماليّ موجود و لكن وجوده في عالم لحاظ الخصوصيّات و هو غير منجّز كما تقدّمت الإشارة إليه في تعليق المصنّف على محاولة صاحب الكفاية (رحمة الله عليه).

قوله (قدس سره): «لوضوح أنّ جعل الرقبة مؤمنة ليس تحت الأمر». هذا هو الوجه‏

الأوّل لعدم كون شرط الموضوع مأموراً به و من ثمّ عدم جريان البراءة عنه عند الشكّ به.

قوله (قدس سره): «و قد لا يكون تحت الاختيار أصلًا». هذا هو الوجه الثاني.

قوله (قدس سره): «و يعقل تعلّق الوجوب به». لأنّه بهذا التصوير أي تقيّد العتق بإيمان الرقبة المعتوقة يصبح قيداً للمتعلّق لا للموضوع.

84

حالات دوران الواجب بين التعيين و التخيير

و قد يدورُ أمرُ الواجبِ الواحدِ بينَ التعيينِ و التخييرِ، سواء كانَ التخييرُ المحتملُ عقليّاً أو شرعيّاً.

و مثالُ الأوّلِ: ما إذا علمَ بوجوبٍ مردّدٍ بين أن يكونَ متعلّقاً بإكرام زيدٍ كيفما اتّفقَ، أو بإهداءِ كتابٍ له.

و مثالُ الثاني: ما إذا علمَ بوجوبٍ مردّدٍ بين أن يكونَ متعلّقاً بإحدى الخصالِ الثلاثِ: (العتقِ أو الإطعامِ أو الصيام)، أو بالعتقِ خاصّة.

و في هذه الحالاتِ نلاحظُ أنّ العنوانَ الذي يتعلّقُ به الوجوبُ مردّدٌ بينَ عنوانينِ متباينينِ، و إن كان بينَهما من حيثُ الصدقِ الخارجيِّ عمومٌ و خصوصٌ مطلقٌ، و حيث إنّ الوجوبَ يتعلّقُ بالعناوين صحَّ أنْ يُدّعَى وجودُ علمٍ إجماليٍّ بوقوعِ أحدِ العنوانينِ المتباينين في عالم المفهومِ متعلّقاً للوجوب، و مجرّدُ أنّ أحدَهما أوسعُ صدقاً من الآخرِ لا يوجبُ كونَهما من الأقلِّ و الأكثرِ ما داما

متباينَينِ في عالم العناوين و المفاهيمِ الذي هو عالمُ عروضِ الوجوبِ و تعلّقِه. فالعلمُ الإجماليُّ بالوجوبِ إذاً موجودٌ.

و لكنَّ هذا العلم مع هذا غيرُ منجّزٍ للاحتياطِ و رعايةِ الوجوبِ التعيينيِّ المحتمل، بل يكفي المكلَّفَ أن يأتيَ بالجامع و لو

85

في ضمنِ غيرِ ما يحتملُ تعيُّنَه؛ و ذلك لاختلال الركنِ الثالث من أركانِ تنجيزِ العلمِ الإجماليِّ المتقدّمة، و هو أنْ يكونَ كلٌّ من الطرفين مشمولًا في نفسِه للبراءةِ بقطعِ النظر عن التعارض الحاصلِ بين الأصلينِ من ناحيةِ العلمِ الإجماليِّ، فإنّ هذا الركنَ لا يصدقُ في المقام؛ و ذلك لأنّ وجوبَ الجامعِ الأوسعِ صدقاً ليس مجرىً للبراءةِ بقطع النظرِ عن التعارضِ بين الأصلينِ؛ لأنّه إن أريدَ بالبراءةِ عنه التوصّلُ إلى ترْكِ الجامعِ رأساً، فهذا توصُّلٌ بالأصل المذكورِ إلى المخالفةِ القطعيّةِ التي تتحقّقُ بتركِ الجامعِ رأساً، فإذا كان أصلٌ واحدٌ يؤدّي إلى هذا المحذورِ تعذّرَ جريانُه.

و إن أُريدَ بالبراءةِ عنه التأمينُ من ناحيةِ الوجوبِ التخييريِّ فقط فهو لغوٌ، لأنّ المكلَّفَ في حالةِ تركِ الجامعِ رأساً يعلمُ أنّه غيرُ مأمونٍ من أجل صدورِ المخالفةِ القطعيّةِ منه، فأيُّ أثرٍ لنفي استنادِ عدم الأمنِ إلى جهةٍ مخصوصة.

و بهذا يتبرهنُ أنّ أصلَ البراءةِ عن وجوبِ الجامعِ لا يجري بقطعِ النظرِ عن التعارض، و في هذه الحالةِ تجري البراءةُ عن الوجوبِ التعيينيِّ بلا معارضٍ.

86

الشرح‏

الحالة الثالثة من حالات التردّد التي وقع البحث فيها بين الأصوليّين في إدراجها ضمن أصالة البراءة أو قاعدة منجّزية العلم الإجماليّ هي دوران الأمر بين التعيين و التخيير.

دوران الأمر بين التعيين و التخيير

قد يعلم المكلّف بوجوب شي‏ء و يشكّ في أنّه معيّن أو مخيّر بين عدّة بدائل، فهل يكون المقام من أمثلة الدوران بين الأقلّ و الأكثر ليصار إلى إجراء البراءة عن الأكثر؟

الإجابة بالإيجاب، و هي تتوقّف كما هو واضح على تصوير الأقلّ و الأكثر في المقام. فالأقل هو التخيير باعتبار أنّ المكلّف يكون مخيّراً بين عدّة بدائل و يعدّ ممتثلًا بالإتيان بأيٍّ منها، بخلاف التعيين فإنّه لا بدّ من الإتيان به و لا يكون ممتثلًا إلّا إذا أتى به بخصوصه، و حيث إنّ ذلك يستلزم مشقّة أكبر من سابقه كان هو الأكثر في المقام.

هذا إجمال البحث، و قبل تفصيله ينبغي لنا استذكار معاني بعض المفردات الواردة في بحث المصنّف (قدس سره) و التي لها صلة مسيسة به، فنقول: إنّ معنى الواجب التخييري هو الواجب الذي له بدائل، و يعدّ المكلّف ممتثلًا عند الإتيان بواحد منها و لا يعتبر عاصياً إلّا إذا ترك جميع البدائل، و هذا ما ذكرناه سابقاً (1)، و قلنا: إنّ التخيير على قسمين:

____________

(1) () في بحث «التخيير و الكفائية في الواجب» ضمن مباحث الدليل العقلي.

87

1 التخيير الشرعي: و يقصد به ما لو كانت البدائل مذكورة في لسان الدليل الشرعي، كما ورد في كفّارة الإفطار العمدي في شهر رمضان، فإنّها و بحسب الدليل الشرعي مردّدة بين خصال ثلاث: العتق أو الإطعام أو الصيام.

2 التخيير العقلي: و هو التخيير بين بدائل لم ترد في الدليل الشرعي، و إنّما يحكم العقل بالتخيير بينها، كما لو أمر الشارع بالصلاة و كان وقتها موسّعاً فللمكلّف أن يأتي بالحصّة الواقعة أوّل الوقت أو في وسطه أو في آخره، أو كما أمر الشارع بإكرام زيد، فإنّ إكرامه يتحقّق باحترامه أو بتقديم مبلغ ماليّ إليه أو بإهداء كتاب له، فإنّها بدائل أدركها العقل و لم ترد في لسان الدليل.

إذا عرفت ذلك، نقول: قد يعلم المكلّف بوجوب شي‏ء و يدور أمره بين أن يكون واجباً تخييريّاً و له بدائل و بين أن يكون تعيينيّاً و يجب الإتيان به بخصوصه، و حالة الشكّ هذه يمكن تصوّرها في كلا قسمي التخيير، فقد يعلم المكلّف بوجوب كفّارة الإفطار العمدي و لكنّه يشكّ في أنّ الواجب عليه هو العتق بخصوصه أو هو الواجب المردّد بين العتق أو الإطعام أو الصيام، و هذا هو مثال التخيير الشرعي. و قد يعلم بوجوب إكرام زيد و يشكّ في أنّ وجوب الإكرام تعيينيّ و ينحصر بإهداء كتاب له، أو تخييريّ بين إهداء الكتاب و الاحترام و تقديم مبلغ ماليّ، و هذا هو مثال التخيير العقلي.

و السؤال المطروح هنا: هل المقامُ من موارد الشكّ المقرون بالعلم الإجماليّ، و من ثمّ يجب الاحتياط و الإتيان بالواجب التعييني، أم هو من موارد الشكّ البدوي الذي تجري فيه البراءة عن الأكثر، أي التعيين‏

88

المحتمل، و يتنجّز الأقل أي التخيير و يعتبر المكلّف ممتثلًا لو أتى بأيّ بديل‏

من البدائل الشرعية في التخيير الشرعي و العقلية في التخيير العقلي؟

و الجواب: إنّ دوران الأمر بين التعيين و التخيير يكون في موردين:

التعيين و التخيير في المسألة الأصولية.

التعيين و التخيير في المسألة الفقهية.

و ما ذكرناه من الإجابة المجملة في بداية البحث كان بناءً على كون التعيين و التخيير المحتملين من النحو الثاني، و هو مورد نظر المصنّف (قدس سره) في هذا البحث، و أمّا دوران الأمر بين التعيين و التخيير في المسألة الأصولية فلم يتطرّق له هنا، إلّا أنّنا مع هذا نعرضه باختصار و بما ينسجم مع شرحنا لهذه الحلقة ليقف القارئ على البحث بتمامه، خصوصاً و أنّ النتيجة مختلفة في الموردين كما سيتّضح، فنقول و بالله التوفيق:

التعيين و التخيير في المسألة الأصولية

و يعنى به التعيين و التخيير في عالم الحجّية، و مثاله المعروف: لو علم المكلّف بوجوب التقليد و دار أمره بين تقليد الأعلم بخصوصه أي أنّ وجوب تقليده تعيينيّ، و بين التخيير بينه و بين غير الأعلم.

و قد اتّفقت كلمة الأصوليّين في حالة الدوران هذه على أنّ الأصل الجاري هو الاشتغال و الانتهاء إلى التعيين؛ إذ المفروض أنّ ذمّة المكلّف مشغولة بوجوب التقليد، فإن قلّد الأعلم فسيحصل له القطع ببراءة الذمّة، بخلاف تقليد غير الأعلم فإنّ عدم فراغ الذمّة يبقى محتملًا و يرجع ذلك إلى الشكّ في حجّية قوله، و الشكُّ في الحجّية مساوق لعدم الحجّية كما مرّ بنا في بداية هذه الحلقة (1).

____________

(1) () في بحث «الأصل عند الشكّ في الحجّية».

89

بعبارة ثانية: إنّ المكلّف حيث إنّه يعلم باشتغال ذمّته بوجوب التقليد،

و الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، فلا بدّ إذاً من الاقتصار على تقليد الأعلم، إذ لا يعقل أن يكون أسوأ حالًا من غير الأعلم، و أمّا غير الأعلم فما دام قوله مشكوك القبول فيحكم بعدم حجّيته؛ لأنّ الأصل عند الشكّ في حجّية شي‏ء عدم حجّيته.

و بعبارة ثالثة: إنّ أصل البراءة لا يجري عن تقليد الأعلم (الأكثر) لأنّه واجب على كلّ حال، إمّا بالوجوب التعييني و إمّا أنّه عدل لغير الأعلم؛ أي أنّه واجب تخييريّ، و من ثمّ يكون تقليده محقّقاً للامتثال و فراغ الذمّة، بخلاف تقليد غير الأعلم فإنّه لا يحقّق الامتثال على كلّ حال بل يحقّقه على فرض كون وجوب التقليد تخييريّاً، و ما دام مشكوكاً فتجري البراءة عنه بلا معارض، و بذلك يثبت التعيين و ينتفي التخيير.

فظهر أنّ دوران الأمر بين التعيين و التخيير في المسألة الأصولية مجرىً لأصالة الاشتغال و القول بالتعيين، و تفصيل البحث أكثر نوكله إلى دراسات أعلى.

التعيين و التخيير في المسألة الفقهيّة

إنّ دوران أمر الواجب بين التعيين و التخيير في المسألة الفقهيّة هو موضع نظر المصنّف (قدس سره) في بحث الدوران بين التعيين و التخيير، و بحثنا يشمل ما لو كان التخيير المحتمل عقليّاً أو شرعيّاً كما أوضحنا أمثلته في بداية البحث.

و في هذا النحو من الدوران أي في المسألة الفقهيّة قد يقال بأنّه من موارد الشكّ المقرون بالعلم الإجماليّ، و بالتالي فهو مجرى لأصالة الاشتغال و الإتيان بالأكثر، أي التعيين، فلو علم المكلّف بوجوب إكرام زيد و شكّ في‏

90

أنّ وجوب إكرامه يتحقّق بأيّ نحو اتّفق أو أنّه متعيّن بإهداء كتاب، يتعيّن‏

إهداء الكتاب؛ إذ بإكرامه يحصل القطع بفراغ الذمّة بخلاف ما لو أكرمه بشي‏ء آخر.

قد يقال بذلك، و لا يخفى أنّه متوقّف على تصوير التباين بين الإهداء المطلق و الإهداء الخاص الحاصل بتقديم كتاب في المثال، حيث تقدّم أنّ واحدة من شرائط انعقاد العلم الإجماليّ هو وجود التباين بين الطرفين، و أمّا لو كانا متداخلين كما في الأقل و الأكثر فلا ينعقد العلم الإجماليّ و يكون الأقلّ متيقّناً فيتنجّز و تجري البراءة عن الأكثر لأنّه مشكوك.

و حاصل تصوير التباين: أنّ الإهداء العامّ و الخاصّ و إن كان بينهما عموم و خصوص في الصدق الخارجي؛ إذ إنّ إهداء الكتاب فرد من أفراد الإهداء العامّ، إلّا أنّهما بحسب المفاهيم عنوانان مستقلّان. فالإهداء المطلق و كيفما اتّفق عنوان، و الإهداء بتقديم كتابٍ عنوانٌ آخر، و حيث إنّ الأحكام تعرض العناوين و المفاهيم و لا تتعلّق بالأفعال الخارجيّة مباشرة كما أشرنا في بحث اجتماع الأمر و النهي‏ (1) صحّ أن يقال بوجود العلم الإجماليّ بين الطرفين التعيين من جهة و التخيير من جهة أخرى، و الأصل الجاري عند الشكّ المقرون بالعلم الإجماليّ هو الاشتغال، و الذي يعني وجوب الأخذ بالواجب التعييني.

إن قلت: إنّ أحد طرفي العلم الإجماليّ و هو الإهداء المطلق في المثال أوسع صدقاً من الآخر، و بالتالي فالطرفان من الأقلّ و الأكثر و ليسا

____________

(1) () حيث قال هناك: «فقد يقال بأنّ ذلك أي تغاير عنوان الأمر و النهي يكفي لأنّ الأحكام تتعلّق بالعناوين لا بالأشياء الخارجية مباشرة، و بحسب العناوين يكون متعلّق الأمر مغايراً لمتعلّق النهي».

91

بمتباينين ليقال بتشكيل العلم الإجماليّ و من ثمّ الاشتغال.

قلت: إنّ مجرّد كون أحد الطرفين أوسع صدقاً في الخارج لا يعني عدم تباينهما مفهوماً و عنواناً، و ما تعرضه الأحكام و تتعلّق به مباشرة هو العنوان لا المعنون الخارجي، و المفروض أنّه متباين في المقام، فصحّ أن يقال بوجود العلم الإجماليّ.

هذا ما يمكن أن يقال في تصوير التباين و بيان العلم الإجماليّ بين التعيين و التخيير في المسألة الفقهيّة.

و الجواب عنه: إنّ العلم الإجماليّ المذكور غير منجّز للاحتياط و الأخذ بالتعيين المحتمل، بل يكفي الإتيان بالإهداء بأيّ نحو اتّفق؛ و ذلك لاختلال الركن الثالث من أركان منجّزية العلم الإجماليّ.

توضيح ذلك: ذكرنا في البحوث السابقة أنّ لمنجّزية العلم الإجماليّ أركاناً أربعة، و كان الثالث منها شمول دليل الأصل في حدِّ نفسه و بقطع النظر عن التعارض الناشئ من العلم الإجماليّ لكلا الطرفين، و أمّا لو كان أحدهما محروماً من الأصل المؤمّن لسبب غير التعارض، فلا يكون العلم الإجماليّ منجّزاً و تجري البراءة عن الطرف الآخر بلا معارض.

و المقام من هذا القبيل، فإنّ الطرف الأعمّ أي التخيير لا تجري فيه البراءة؛ لأنّ جريانها فيه يدور بين أمرين لا ثالث لهما:

إمّا القول بجريانها في التخيير مع عدم الإتيان بالتعيين.

أو القول بجريانها فيه مع الإتيان بالتعيين.

فإن أُريد الأوّل لزمت المخالفة القطعيّة، لأنّه يكون قد ترك الإهداء العامّ و ترك إهداء الكتاب، و بذلك يكون قد خالف وجوب إكرام زيد المعلوم، و قد تقدّم فيما سبق أنّ البراءة لا تجري في موارد يلزم من جريانها

92

فيها المخالفة القطعيّة، و لا فرق في عدم جريان البراءة عند تأديتها إلى ذلك‏

بين أن تستلزم المخالفة القطعيّة بأصلين كما لو جرت في كلا الطرفين، و بين أن تستلزم ذلك بأصل واحد كما في المقام، فإنّ جريان البراءة في التخيير يستلزم المخالفة القطعيّة، و من ثمّ لا يكون الأصل جارياً.

و إن أُريد بجريان البراءة عن التخيير جريانها فيه مع الإتيان بالطرف الآخر أي التعيين فهو غير معقول؛ لأنّ نفي الإلزام عن جميع البدائل بجريان البراءة في التخيير يستلزم نفي الإلزام عن الطرف الواقع في التعيين لأنّه أخصّ، فنفي الأعمّ يستلزم نفي الأخصّ و إلّا لما كان الأعمّ منفيّاً، فمن نفى حقيقة الحيوانية عن شي‏ء يكون قد نفى عنه حقيقة الإنسانية أيضاً، و في المقام كذلك فمن أجرى البراءة لنفي وجوب الإهداء العامّ الذي يشمل تقديم المال و الاحترام و إهداء الكتاب يكون قد نفى إهداء الكتاب الواقع في طرف التعيين أيضاً.

بعبارة أخرى: إنّ المكلّف بتركه الجامع أي الإهداء كيفما اتّفق يكون قد ترك الفرد المعيّن في الطرف الآخر، فإنّ تركه يتحقّق بترك الجامع، و الحال أنّ المكلّف يعلم بأنّه غير مأمون من العقاب بتركه للجامع لأجل صدور المخالفة القطعيّة، فيكون القول بجريان البراءة في التخيير مع الإتيان بالتعيين لغواً و لا فائدة فيه، إذ ما دام إجراؤها فيه يستلزم الوقوع في المخالفة القطعيّة، فأيُّ فائدة تترتّب على القول بجريان البراءة في أمر لا يأمن المكلّف بتركه؟!

و بعد اتّضاح عدم جريان البراءة في التخيير لأجل المحذور المذكور إمّا بصورة مباشرة فيما لو قلنا بجريانها فيه مع عدم الإتيان بالتعيين، و إمّا بصورة غير مباشرة فيما لو قلنا بجريانها فيه مع الإتيان بالتعيين فتجري في‏

93

الطرف الآخر أي التعيين بلا معارض.

فتحصّل من مجموع ما ذكرناه في حالات التردّد الثلاث أنّ البراءة

الشرعية تجري عن الجزء المشكوك و الشرط المشكوك، و كذلك تجري عن التعيين عند دوران أمر الواجب بينه و بين الوجوب التخييري، و بهذا نختم الحديث في قاعدة منجّزية العلم الإجماليّ.

أضواء على النصّ‏

قوله (قدس سره): «و في هذه الحالات». أي: أعمّ من أن يكون التخيير فيها عقليّاً أو شرعيّاً.

قوله (قدس سره): «و حيث إنّ الوجوب يتعلّق بالعناوين». و هكذا بالنسبة إلى باقي الأحكام، و إنّما ذكر الوجوب باعتباره مورد البحث عند الدوران بين التعيين و التخيير.

قوله (قدس سره): «و مجرّد أنّ أحدهما». أي: أحد العنوانين.

قوله (قدس سره): «و لكن هذا العلم مع هذا». أي: مع كونه علماً إجماليّاً بين متباينين.

قوله (قدس سره): «غير منجّز للاحتياط و رعاية الوجوب». العطف تفسيريّ.

قوله (قدس سره): «إن أُريد بالبراءة عنه». أي: عن الجامع الأوسع صدقاً.

قوله (قدس سره): «التوصّل إلى ترك الجامع رأساً». يعني مع عدم الإتيان بالأخصّ.

قوله (قدس سره): «من ناحية الوجوب التخييري فقط». مع الإتيان بالأخصّ.

قوله (قدس سره): «فأيّ أثر لنفي استناد عدم الأمن إلى جهة مخصوصة». فإنّ عدم الأمن من العقاب عند إجراء البراءة عن الجامع هو صدور المخالفة القطعيّة، و لا فائدة من إجرائها في أمر لا يأمن المكلّف بتركه.

94

2- الاستصحاب‏

تعريف الاستصحاب‏

عُرّف الاستصحابُ بأنّه الحكمُ ببقاءِ ما كان، و هو قاعدةٌ مِن قواعدِ الاستنباطِ لدى كثيرٍ من المحقّقين، و وظيفةُ هذه القاعدةِ على الإجمال أنّ كلّ حالةٍ كانتْ متيقّنةً في زمان، و مشكوكةً بقاءً، يمكنُ إثباتُ بقائِها بهذه القاعدةِ التي تُسمَّى بالاستصحاب.

و قد اختلفَ القائلونَ بالاستصحاب في أنّ الاعتماد عليه هل هو على نحو الأماريّةِ أو على نحو الأصلِ العمليِّ؟

كما اختلفوا في طريقةِ الاستدلالِ عليه. فقد استدلَّ بعضُهم عليه بحكمِ العقلِ و إدراكِه و لو ظنّاً ببقاءِ الحالةِ السابقة، و بعضُهم بالسيرةِ العقلائيةِ، و بعضُهم بالروايات.

و من هنا وقعَ الكلامُ في كيفيّةِ تعريفِ الاستصحابِ بنحوٍ يكونُ محوراً لكلِّ هذه الاتّجاهاتِ و صالحاً لدعوى الأماريّةِ تارةً، و دعوى الأصليّة أخرى، و للاستدلالِ عليه بالأدلّة المتنوّعةِ المذكورة.

و لذلك اعترضَ السيدُ الأستاذُ على التعريف المتقدِّمِ بأنّه إنّما يناسبُ افتراضَ الاستصحابِ أصلًا، و أمّا إذا افتُرضَ أمارةً، فلا يصحُّ تعريفُه بذلك، بل يجبُ تعريفُه بالحيثيّةِ الكاشفةِ عن البقاء، و ليست هي إلّا اليقينَ بالحدوث. فينبغي أن يُقالَ حينئذٍ: إنّ‏

95

الاستصحابَ هو اليقينُ بالحدوث، فلا يوجدُ معنىً جامعٌ يلائمُ كلَّ المسالكِ يُسمَّى بالاستصحاب.

و يردُ عليه أوّلًا: أنّ حيثية الكاشفية عن البقاءِ ليستْ على فرضِ وجودِها قائمةً باليقين بالحدوث، فضلًا عن الشكِّ في البقاء، بل بنفسِ الحدوثِ؛ بدعوى غلبةِ أنّ ما يحدثُ يبقى، و ليس اليقينُ إلّا طريقاً إلى تلك الأمارةِ، كاليقين بوثاقةِ الراوي، فلو أُريدَ تعريفُ الاستصحابِ بنفسِ الأمارةِ لتعيَّنَ أنْ يُعرّفَ بالحدوثِ مباشرةً.

و ثانياً: أنّه سواءٌ بُني على الأماريّةِ أو على الأصليّةِ، لا شكَّ في وجودِ حكمٍ ظاهريٍّ مجعولٍ في موردِ الاستصحابِ، و إنّما الخلافُ في أنّه هل هو بنكتةِ الكشف أو لا؟ فلا ضرورةَ على الأماريّةِ في أن يُعرّفَ الاستصحابُ بنفسِ الأمارةِ، بل تعريفُه بذلك الحكمِ الظاهريّ المجعولِ يلائمُ كلا المسلكين أيضاً.

و ثالثاً: أنّ بالإمكانِ تعريفَ الاستصحابِ بأنّه «مرجعيّةُ الحالةِ السابقةِ بقاءً» و يرادُ بالحالةِ السابقةِ اليقينُ بالحدوث، و هذه المرجعيّةُ أمرٌ محفوظٌ على كلِّ المسالكِ و الاتّجاهاتِ، لأنّها عنوانٌ يُنتزعُ من الأماريّةِ و الأصليّةِ معاً، و يبقى المجالُ مفتوحاً لافتراضِ أيِّ لسانٍ يُجعلُ به الاستصحابُ شرعاً، من: لسانِ جعلِ الحالةِ السابقةِ منجّزةً، أو لسانِ جعلِها كاشفةً، أو جعلِ الحكمِ ببقاءِ المتيقّنِ، لأنّ المرجعيةَ تُنتزعُ منْ كلِّ هذه الألسنةِ، كما هو واضحٌ.

96

الشرح‏

قلنا في بداية الأصول العمليّة أنّ البحث فيها يكون في قسمين:

الأوّل: القاعدة العمليّة في حالة الشكّ.

الثاني: الاستصحاب.

و قد مرّ بحث القسم الأوّل حيث استعرضنا فيه ثلاثة أصول عمليّة:

1 القاعدة الأوّلية: و هي أصالة الاشتغال العقلي بناءً على مختار المصنّف (قدس سره)، و البراءة العقلية بناءً على مختار المشهور.

2 القاعدة الثانوية: و هي البراءة الشرعيّة على جميع المباني.

3 القاعدة الثالثة: و هي منجّزية العلم الإجماليّ، على أنّ السيّد الشهيد (قدس سره) قد ذكر شيئاً يرتبط بالتخيير ضمن مباحثها.

و حان وقت الحديث عن القسم الثاني أي الاستصحاب و هو القاعدة الرابعة من القواعد العمليّة التي تحدّد الموقف العملي للمكلّف في حالة الشكّ.

قاعدة الاستصحاب‏

لا يخفى أنّ البحث في الاستصحاب على درجة عالية من الأهمّية، فهو إن لم يكن في مصافّ البحث عن حجّية الظهور و خبر الواحد فلا أقلّ من أنّه يأتي بعدهما، ذلك أنّ له تأثيراً مباشراً على كثير من المسائل الفقهيّة من أوّل كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الديات، و هذا واضح لمن تتبّع أبواب الفقه و خاض غمار بحثها.

97

بل إنّه يتدخّل في إثبات بعض المسائل الأصوليّة أيضاً، كما ظهر لنا ذلك في بحث البراءة الشرعيّة عند استعراض أدلّتها، فقد كان (الاستصحاب) إحدى أدلّتها، و هذا مما يضفي عليه أهمّية أيضاً.

و لهذا نجد الفقهاء يهتمّون بدراسته، و لو حسبت المقطع الزمني الذي يستغرقه الطالب في دراسته في السطح و بحوث الخارج لتجاوز السنوات‏

بالجمع لا بالتثنية، مع أنّ الأمر اللطيف في المسألة أنّه لا يعتمد في حجّيته إلّا على روايات قليلة جدّاً يجمعها المضمون التالي: «لا تنقض اليقين بالشكّ»، و هذا يؤشّر إلى قدرة علمائنا على تفريع المسائل و تطبيق الأصول عليها و مدى العمق الذي يتحلّون به، و هو ليس بغريب ممن تربّى في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

و أوّل ما نستهلّ به بحثنا عن الاستصحاب هو تعريفه و بيان حقيقته.

تعريف الاستصحاب‏

ذكر الأصوليّون تعاريف متعدّدة للاستصحاب‏ (1)، أسدّها و أخصرها كما يقول الشيخ الأعظم تعريفه ب: «إبقاء ما كان»، و المراد بالإبقاء: الحكم بالبقاء (2).

في حين حاول صاحب الكفاية توضيح تعريف أستاذه بعبارة تشمل الحكم و الموضوع معاً، فعرّفه ب: «الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم‏

____________

(1) () كتعريفه بأنّه: «إثبات الحكم في الزمان الثاني تعويلًا على ثبوته في الزمان الأوّل». انظر: زبدة الأصول: ص 106.

أو تعريفه بأنّه: «كون حكم أو وصف يقينيّ الحصول في الآن السابق، مشكوك البقاء في الآن اللاحق»، كما عن المحقّق القمّي في: القوانين.

(2) () فرائد الأصول: ج 2، ص 174.

98

شكّ في بقائه» (1).

و بهذا يظهر أنّ ما ذكره المصنّف (قدس سره) في تعريفه في المتن: (الحكم ببقاء ما كان) ناظر بالدرجة الأساس إلى ما ذكره الشيخ في رسائله.

و كيف كان، فإنّ الاستصحاب باختصار و بنحو الإجمال لأنّه سيتّضح‏

أكثر عند استعراض أركانه هو أنّ يتيقّن المكلّف بوجود شي‏ء سابقاً ثمّ يشكّ في بقائه، فيحكم ببقاء ذلك المتيقّن، كما لو تيقّن بالطهارة ثمّ بعد مدّة شكّ فيها نتيجة شكّه في صدور ناقض لها، فيستصحب الطهارة أي يحكم ببقائها، و هذا مثال لاستصحاب الحكم. أو كما لو كان متيقّناً بطهارة ثوبه ثمّ شكّ في بقاء طهارته نتيجة شكّه في أنّ قطرة الدم التي سقطت من جسمه: أَ عَلَى الأرض وقعت أم على ثوبه؟ فبإمكانه أن يستصحب بقاء طهارته و من ثمّ الحكم بجواز الصلاة به، و هو مثال لاستصحاب الموضوع الذي يترتّب عليه أثر شرعيّ، فإنّ طهارة الثوب موضوع للحكم بجواز الدخول إلى الصلاة بالثوب المستصحب الطهارة.

و بالرغم من اتّفاق القائلين بالاستصحاب و أنّه من قواعد استنباط الحكم الشرعي، اختلفوا فيما بينهم في أمرين:

الأوّل: أمارية الاستصحاب و أصليّته، (أي: أمارة هو أم أصل عملي؟) و الفرق بينهما كما أشرنا له في الفرق بين الأمارات و الأصول في أوائل هذه الحلقة يتلخّص في أنّ الحيثيّة الكاشفة هي تمام الملاك لجعل الأمارة، فليست الأمارة حكماً بل هي كاشفة عنه، بخلاف الأصل العملي فإنّه بنفسه حكم شرعيّ يحدّد الوظيفة العمليّة للمكلّف عند الشكّ و ليس كاشفاً عنه. بعبارة ثانية: إنّ نوعيّة الحكم المشكوك هي المأخوذة بعين الاعتبار عند جعل‏

____________

(1) () كفاية الأصول: ص 384.

99

الأصل العملي، نعم قد يؤخذ الكشف في بعض الأصول كأصالة الفراغ، فإنّ التعبّد بصحّة العمل المفروغ عنه يرتبط بكاشف معيّن عن الصحّة إلّا أنّ الكشف المأخوذ ليس بنحو يكون هو تمام الملاك لجعلها، و إنّما يؤخذ بنحو الانضمام إلى نوعيّة الحكم المشكوك.

و بكلمة واحدة: إنّ الكشف هو الملاك التامّ لجعل الأمارة، و أمّا الأصل العملي فملاك جعله هو ملاحظة نوعيّة الحكم المشكوك، و إن أُخذ الكشف‏

في الجعل في بعض الأحيان فهو بنحو جزء الملاك و الانضمام إلى نوعيّة الحكم المشكوك.

إذا عرفت ذلك، فقد ذهب بعض إلى أنّ الاستصحاب أمارة، و ذهب آخر إلى أنّه أصل عمليّ.

و لك أن تقول: سواء أ كان أمارة أو أصلًا، ما ثمرة هذا الاختلاف؟

فنقول: إنّ ثمرته تظهر في المدلول الالتزامي و المثبتات، فإنّها حجّة بناءً على أمارية الاستصحاب، إذ إنّ مثبتات الأمارة حجّة كما هو معروف، بخلاف ما لو قلنا بأنّ الاستصحاب أصل عمليّ فإنّه على هذا لا تكون مثبتاته حجّة؛ لعدم حجّية مثبتات الأصول العمليّة. و هذه ثمرة مهمّة.

الثاني: اختلف القائلون بحجّية الاستصحاب أيضاً في طريقة الاستدلال عليه إلى ثلاثة اتّجاهات:

1 الاستدلال عليه بحكم العقل و إدراكه، بدعوى أنّ العقل يدرك و لو إدراكاً ظنّياً ببقاء الحالة السابقة، فهو يدرك أنّ الشي‏ء إذا وُجد فهو باقٍ، و لا يخفى أنّ حكمه بالبقاء ظنّي لا قطعيّ.

2 الاستدلال عليه بالسيرة العقلائيّة، بدعوى أنّها قائمة في مقام العمل على بقاء الحالة السابقة.

100

3 الاستدلال عليه بالروايات كما سيأتي.

و لسنا الآن في مقام تقييم هذه الاتّجاهات و بيان الصحيح منها لأنّه سيأتي بيانها و تحقيق الكلام فيها في بحث أدلّة الاستصحاب بقدر ما نودّ القول بأنّ هناك اختلافاً بين القائلين بحجّيته في كيفيّة الاستدلال عليه.

و من هنا وقع الكلام في إمكانيّة وضع تعريف جامع يوضّح حقيقة الاستصحاب مع وجود هذين الاختلافين (الاختلاف في أمارية

الاستصحاب و أصليّته، و الاختلاف في طريقة الاستدلال عليه)، و السؤال: هل يمكن بيان تعريف له ينسجم مع كونه أمارة أو أصلًا، و يتمشّى مع الاتّجاهات الثلاثة في طريقة الاستدلال عليه؟

و على هذا الأساس أشكل السيّد الخوئي (قدس سره) على التعريف المتقدّم للاستصحاب، و انتهى إلى عدم إمكان تصوّر تعريف واحد يوضّح الاستصحاب على جميع المباني.

اعتراض السيّد الخوئي على التعريف‏

اعترض السيّد الخوئي (رحمة الله عليه) (1) على تعريف الاستصحاب ب «الحكم ببقاء ما كان» بأنّه لا يناسب كلا المبنيين في بيان حقيقته من كونه أمارة أو أصلًا عمليّاً، و إنّما ينسجم مع كونه أصلًا عمليّاً فقط؛ لأنّ معنى أصليّته هو أنّه حكم من الشارع ببقاء ما كان، و هذا التعريف لا يناسب كون الاستصحاب أمارة، لأنّها كاشفة عن الحكم و ليست حكماً.

بتعبير آخر: إنّنا إن بنينا على أنّ الاستصحاب أصل عمليّ كما لعلّه المشهور عند الأصوليّين فتعريفه ببقاء ما كان صحيح، و أمّا إن بنينا على‏

____________

(1) () انظر: مصباح الأصول: ج 3، ص 5.

101

أنّه أمارة كما هو الظاهر من كلمات السيّد الخوئي‏ (1) فالتعريف السابق غير صحيح و لا بدّ من تعريفه بنحو آخر يناسب كونه أمارة، و حيث إنّ الملحوظ من قبل الشارع عند جعله الأمارة هو كاشفيّتها كما ذكرنا فينبغي إذاً تعريفه بالحيثيّة الكاشفة، و ليست هي في المقام إلّا اليقين بالحدوث و أنّ ما يحدث يبقى غالباً.

فتحصّل: أنّ تعريف الاستصحاب على أساس الأمارية لا بدّ من‏

اشتماله على الحيثيّة الكاشفة و هي اليقين بالحدوث، وعليه يكون التعريف الصحيح بناءً على الأمارية هو: «اليقين بالحدوث و الشكّ في البقاء».

و بهذا يظهر عدم صلاحيّة التعريف المتقدّم لتوضيح الاستصحاب على مبنى الأصليّة، و هكذا الحال في كلّ تعريف؛ ذلك أنّ الحيثيّة المأخوذة في الأمارة تختلف عنها في الأصل العملي، و في النهاية لا يوجد معنىً جامع له يلائم جميع المسالك.

مناقشة المصنف لأستاذه‏

أجاب السيّد الشهيد (قدس سره) عن اعتراض أستاذه السيّد الخوئي (رحمة الله عليه) بثلاثة أجوبة:

الجواب الأوّل: لو تنزّلنا مع السيّد الخوئي و قلنا بأمارية الاستصحاب و من ثمّ ضرورة تعريفه بالحيثيّة الكاشفة، إلّا أنّا لا نسلّم أنّها قائمة باليقين بالحدوث، بل نقول إنّها قائمة بنفس الحدوث و مترتّبة عليه، و ما اليقين إلّا طريق إليه و ليس له مدخليّة في أنّ ما يحدث يبقى، كما هو الحال في جعل الحجّية لخبر الثقة، فإنّ حجّيته متقوّمة بوثاقة الراوي لا باليقين بوثاقته، نعم‏

____________

(1) () المصدر السابق.

102

اليقين طريق لمعرفة الوثاقة.

فإذا كان حال خبر الثقة و هو أمارة ما وصفناه، فالاستصحاب على القول بأماريّته كذلك، فتكون كاشفيّته متقوّمة بالحدوث لا باليقين بالحدوث كما ادّعاه السيّد الخوئي (رحمة الله عليه).

أضف إليه: أنّ الظاهر من كلماته (قدس سره) أنّ الحيثيّة الكاشفة في الاستصحاب تتقوّم بركنين هما: اليقين بالحدوث، و الشكّ في البقاء، في حين إنّ الركن الثاني يكفي فيه مجرّد الشكّ في الارتفاع حتّى لو لم يصدق عليه الشكّ في البقاء كما سيأتي توضيحه في البحث القادم، فانتظر.

فاتّضح أنّ الجواب الأوّل للمصنّف (قدس سره) ينحلّ في الحقيقة إلى إجابتين:

الأولى: أنّ الحيثيّة الكاشفة في الاستصحاب على فرض قبول أماريّته هي نفس الحدوث لا اليقين به.

الثانية: أنّ ما انتهى إليه المعترض من تعريف الاستصحاب ب: «اليقين بالحدوث و الشكّ في البقاء» غير صحيح، و ذلك لجريان الاستصحاب حتّى مع عدم صدق الشكّ في البقاء كما ستعرف في بحث «التمييز بين الاستصحاب و غيره».

الجواب الثاني: إنّ نقطة الارتكاز التي اعتمدها السيّد الخوئي (قدس سره) في إشكاله بعدم إمكان وضع تعريف يلائم كلا المسلكين هي أنّ الاستصحاب إذا كان أمارة فلا يصحّ تعريفه بالحكم، لأنّه حينئذ يكون كاشفاً عن الحكم و ليس بحكم، و الحال أنّه (قدس سره) كغيره من الأصوليّين يقسّم الأحكام الظاهرية إلى أمارات و أصول، فالأمارة حكم شرعيّ كما أنّ الأصل العملي حكم شرعي، نعم الفرق بينهما يكمن في ملاك جعل الحجّية لهما من قبل الشارع، ففي حين يكون تمام ملاك جعلها في الأمارة هو نكتة

103

الكاشفيّة نجد أنّ ملاك جعلها في الأصل هو نوعيّة الحكم المشكوك لا الكاشفيّة، و من المعلوم أنّ الكاشفيّة و عدمها ليست مرتبطة بالحكم و إنّما مرتبطة بملاكه.

فظهر أنّ الأمارة و الأصل كلاهما حكم شرعيّ، و من ثمّ يكون تعريف الاستصحاب ب «الحكم ببقاء ما كان» صحيحاً حتّى على مبنى أمارية الاستصحاب.

بعبارة ثانية: إنّنا سواء بنينا على أماريّة الاستصحاب أم على أصليّته، فلا شكّ في وجود حكم ظاهريّ مجعول من قِبل الشارع في مورد

الاستصحاب، و الخلاف إنّما هو في نكتة جعله فهل هي الكاشفيّة ليقال بأنّ الاستصحاب أمارة، أم لا ليقال بأنّه أصل عملي؟ و لكنّ هذا لا علاقة له بذلك الحكم الظاهري المجعول في مورد الاستصحاب، و من ثمّ يمكن تعريف الاستصحاب بذلك الحكم الظاهري، و هو ينسجم مع كلا المسلكين، حيث إنّه كما ينطبق على الأصل ينطبق على الأمارة أيضاً، و لا ضرورة لتعريفه بناءً على الأمارية بالحيثيّة الكاشفة كما ادّعاه (قدس سره).

الجواب الثالث: لو سلّمنا بأنّ ما ذكر من تعريف للاستصحاب ليس معنىً جامعاً لكلا المسلكين، إلّا أنّ بالإمكان أن نذكر تعريفاً للاستصحاب ينسجم مع مسلك الأمارية و الأصلية و هو: «مرجعيّة الحالة السابقة بقاءً»، و الحالة السابقة هي اليقين بالحدوث، فإنّ الحالة السابقة إن كانت هي الطهارة فالآن نبني على الطهارة، و إن كانت هي النجاسة فنبني الآن على النجاسة، و إن كانت الحلّية فنبني الآن على الحلّية و هكذا.

فإنّ مثل هذا التعريف معنى جامع و صالح للانطباق على الاستصحاب سواء كان أمارة أم أصلًا عمليّاً؛ ذلك أنّ عنوان «المرجعيّة» في التعريف أمر

104

محفوظ على المسلكين، و بالإمكان انتزاعه من الاستصحاب سواء كان أمارة أم أصلًا. و كذلك هو معنى جامع يلائم الألسنة الشرعيّة المتعدّدة التي تجعل الحجّية للاستصحاب.

توضيح ذلك: عند ما يقطع المكلّف بشي‏ء فإنّ لقطعه خصوصيّات متعدّدة:

1 الكاشفيّة، بمعنى أنّ القاطع بشي‏ء يحصل له الانكشاف و لا يحتمل الخلاف و إلّا لما كان قاطعاً.

2 المحرّكية و الجري العملي على طبقه.

3 المنجّزية و المعذّرية، بمعنى أنّ قطعه إن كان مصيباً فهو منجّزٌ و يستحقُّ المخالفُ العقوبةَ، و إلّا فهو معذّر له أمام المولى.

فلو قطع المكلّف بتكليفٍ، لزال عنه الشكّ و التردّد و انكشف له التكليف أوّلًا، و لكان قطعه محرّكاً له للإتيان به ثانياً، و لتنجّز التكليف في حقّه، و في حال عدم المطابقة مع الواقع كان معذوراً ثالثاً، و قد أشرنا إلى هذه الخصوصيّات في مبحث حجّية القطع، فراجع.

و لكن هذا الأمر هل هو كذلك في الحكم الظاهري؟ (أي: أنّ الشارع عند ما يجعل الأمارة حجّة كخبر الثقة أ يكون مثل القطع في كلّ الخصوصيّات، أم كأنّه كالقطع في بعضها دون البعض الآخر؟) بعبارة أخرى: ما المقصود بحجّية خبر الثقة مثلًا عند ما يقال بأنّه حجّة؟

و الجواب: إنّ هناك مسالك متعدّدة في تصوير معنى حجّية الأمارة كخبر الثقة:

المسلك الأوّل: إنّ معنى حجّيته هو جعل الكاشفيّة له، فإنّ خبر الثقة و إن كان لا يفيد إلّا الكشف الظنّي و لا يصل كشفه إلى (100%)، و لا