الدروس شرح الحلقة الثانية - ج4

- السيد كمال الحيدري المزيد...
359 /
105

يرفع الشكّ و التردّد من وجدان المكلّف، إلّا أنّ الشارع تمّم كشفه و نزّله بمنزلة الكاشف التامّ و جعله طريقاً إلى الواقع.

و بعبارة واضحة: إنّ الشارع بجعله خبر الثقة حجّة يكون قد جعل له الخصوصيّة الأولى من خصوصيّات القطع أي الكاشفيّة، و من ثمّ تترتّب عليه الآثار الأخرى من المنجّزية و الجري العملي.

و هذا المسلك هو مختار الميرزا النائيني (رحمة الله عليه) (1) و المعبّر عنه بمسلك جعل الطريقيّة.

المسلك الثاني: إنّ معنى جعل خبر الثقة حجّة هو جعله منجّزاً و معذّراً، أي أنّ الشارع نزّل الأمارة منزلة القطع في الخصوصيّة الثالثة لا الأولى كما هو الحال في المسلك الأوّل، و هذا هو مختار صاحب الكفاية (2).

المسلك الثالث: إنّ معنى حجّيته هو جعل الحكم المماثل، أي جعل حكم مماثل على طبق مؤدّى الأمارة، فإذا أخبر زرارة بوجوب صلاة الجمعة يجعل الشارع وجوباً في عهدة المكلّف على طبقه و مماثلًا لما أخبر به، و هو مختار الشيخ الأنصاري (رحمة الله عليه) (3)، و الذي يعبّر عنه بمسلك جعل الحكم المماثل.

و كيف كان، هناك ثلاثة مسالك في تصوير معنى حجّية الحكم الظاهري و الأمارة تحديداً، و كما تأتي هذه المسالك في تصوير حجّية خبر الثقة تأتي في تصوير حجّية الاستصحاب على القول بأماريّته.

و لسنا الآن بصدد تقييم المسالك المذكورة و اختيار الصحيح منها أو القول بمسلك رابع في تفسير حجّية الحكم الظاهري، بل نريد التأكيد على‏

____________

(1) () انظر: أجود التقريرات: ج 2، ص 197.

(2) () كفاية الأصول: ص 263.

(3) () فرائد الأصول: ج 1، ص 109.

106

أنّ تعريف الاستصحاب ب «مرجعيّة الحالة السابقة بقاءً» كما ينسجم مع مسلك الأماريّة و الأصليّة ينسجم أيضاً مع هذه المسالك الثلاثة في تفسير حجّيته؛ إذ إنّ التعريف المذكور يلائمها جميعاً.

فإن قلنا بحجّية الاستصحاب بلسان كونه كاشفاً كما في المسلك الأوّل فالتعريف ينطبق عليه و يكون معنى حجّيته هو جعل الحالة السابقة كاشفة، و إن قلنا بحجّيته بلسان كونه منجّزاً كما في المسلك الثاني فالتعريف بمرجعيّة الحالة السابقة ينطبق عليه أيضاً و يكون معنى حجّيته هو جعل الحالة السابقة منجّزة، و كذلك الحال بناءً على المسلك الثالث؛ إذ يكون‏

معنى حجّيته هو الحكم ببقاء المتيقّن و جعل حكم مماثل على طبق الحالة السابقة.

و بهذا يتّضح أنّ بالإمكان وضع تعريف واحد يلائم جميع المسالك في بيان حقيقته و في تصوير حجّيته، و هو تعريفه بمرجعيّة الحالة السابقة، فهذا العنوان أي المرجعيّة كما يصحّ انتزاعه من الأمارة يصحّ انتزاعه من الأصل، و كذلك يمكن انتزاعه من الألسنة الثلاثة المطروحة في بيان حجّيته، و بذلك يظهر بطلان ما أفاده السيّد الخوئي (قدس سره) من عدم إمكان تصوير تعريف جامع للاستصحاب يتلاءم مع جميع المباني و المسالك.

أضواء على النصّ‏

قوله (قدس سره): «عرّف الاستصحاب». كما في كلمات الشيخ الأعظم (رحمة الله عليه).

قوله (قدس سره): «لدى كثير من المحقّقين». يبدو أنّ المسألة خلافيّة، إلّا أنّ كون الاستصحاب من قواعد الاستنباط مقبول عند الأكثر، لا أنّه إجماعيّ.

قوله (قدس سره): «كما اختلفوا في طريقة الاستدلال عليه». و تفصيله يأتي في البحوث اللاحقة، و تحديداً عند استعراض أدلّة الاستصحاب.

107

قوله (قدس سره): «و ليست هي إلّا اليقين بالحدوث». من باب أنّ ما يحدث و يتيقّن به الإنسان ثمّ يشكّ فيه فهو باقٍ في الأعمّ الأغلب.

قوله (قدس سره): «ليست على فرض وجودها». أي: أنّنا لا نسلّم أوّلًا بأمارية الاستصحاب و ضرورة وجود الحيثيّة الكاشفة ليعرّف الاستصحاب بها.

قوله (قدس سره): «فضلًا عن الشكّ في البقاء». إشارة إلى ما يأتي في البحث اللاحق عند التمييز بين الاستصحاب و قاعدة اليقين من عدم اشتراط كون الشكّ شكّاً في البقاء في جريان الاستصحاب.

وعليه فملخّص جواب المصنّف (قدس سره): إنّ وجود الشكّ في البقاء ليس ضروريّاً في جريان الاستصحاب، كما أنّ الحيثيّة الكاشفة التي اشترطها السيّد الخوئي ليست هي اليقين بالحدوث بل هي نفس الحدوث، هذا كلّه على فرض تسليم وجودها.

قوله (قدس سره): «إلّا طريقاً إلى تلك الأمارة». و هي الحدوث.

قوله (قدس سره): «من لسان جعل الحالة السابقة منجّزة». و هو مسلك الآخوند الخراساني.

قوله (قدس سره): «أو لسان جعلها كاشفة». و هو مسلك الميرزا النائيني.

قوله (قدس سره): «أو جعل الحكم ببقاء المتيقّن». أي: جعل حكم مماثل للمتيقّن كما هو مسلك الشيخ الأعظم.

قوله (قدس سره): «لأنّ المرجعيّة». أي: مرجعيّة الحالة السابقة.

108

التمييز بين الاستصحاب و غيره‏

هناك قواعدُ مزعومةٌ تشابهُ الاستصحابَ، و لكنّها تختلفُ عنه في حقيقتِها. منها: قاعدةُ اليقينِ، و هي تشتركُ مع الاستصحابِ في افتراضِ اليقينِ و الشكِّ، غير أنّ الشكَّ في مواردِ القاعدةِ يتعلّقُ بنفس ما تعلّقَ به اليقينُ و بلحاظِ نفسِ الفترةِ الزمنيّةِ، و أمّا في مواردِ الاستصحابِ فالشكُّ يتعلّقُ ببقاءِ المتيقّنِ، لا بنفسِ المرحلةِ الزمنيةِ التي تعلّقَ بها اليقينُ.

و إذا أردْنا مزيداً من التدقيق أمكننا أنْ نلاحظَ أنّ الاستصحابَ لا يتقوّمُ دائماً بالشكِّ في البقاءِ، فقد يجري بدونِ ذلك، كما إذا وقعتْ‏

حادثةٌ، و كان حدوثُها مردّداً بين الساعةِ الأُولى و الساعةِ الثانية، و يُشكُّ في ارتفاعِها، فإنّنا بالاستصحابِ نُثبتُ وجودَها في الساعةِ الثانيةِ مع أنّ وجودَها المشكوكَ في الساعةِ الثانيةِ ليس بقاءً على أيِّ حالٍ بل هو مردّدٌ بين الحدوثِ و البقاءِ، و مع هذا يثبتُ بالاستصحاب.

و لهذا كان الأَولى أنْ يقالَ: إنّ الاستصحابَ مبنيٌّ على الفراغ عن ثبوت الحالةِ المرادِ إثباتُها، و قاعدةُ اليقينِ ليستْ كذلك.

و من نتائجِ الفرقِ المذكورِ بين الاستصحابِ و قاعدةِ اليقينِ: أنّ الشكَّ في مواردِ قاعدةِ اليقينِ ناقضٌ تكويناً لليقينِ السابق، و لهذا يستحيلُ أن يجتمعَ معه في زمانٍ واحد، و أمّا الشكُّ في مواردِ الاستصحابِ فهو ليس ناقضاً حقيقةً.

109

و منها: قاعدةُ المقتضي و المانع، و هي القاعدةُ التي يُبنى فيها عندَ إحرازِ المقتضي و الشكِّ في وجودِ المانعِ على انتفاءِ المانعِ و ثبوتِ المقتضَى بالفتح. و هذه القاعدةُ تشتركُ مع الاستصحابِ في وجودِ اليقينِ و الشكِّ، و لكنّهما فيها متعلّقان بأمرين متغايرين ذاتاً، و هما المقتضي و المانعُ، خلافاً لوضعهما في الاستصحابِ، حيث إنّ متعلّقهما واحدٌ ذاتاً فيه.

و كما تختلفُ هذه القواعدُ في أركانها المقوِّمةِ لها، كذلك في حيثياتِ الكشفِ النوعيِّ المزعومةِ فيها، فإنّ حيثيّةَ الكشفِ في الاستصحابِ تقومُ على أساسِ غلبةِ أنّ الحادثَ يبقى، و حيثيةَ الكشفِ في قاعدةِ اليقينِ تقومُ على أساسِ غلبةِ أنّ اليقينَ لا يخطئُ،

و حيثيةَ الكشفِ في قاعدةِ المقتضي و المانعِ تقومُ على أساسِ غلبةِ أنّ المقتضياتِ نافذةٌ و مؤثّرةٌ في معلولاتها.

و البحثُ في الاستصحاب يقعُ في عدّةِ مقاماتٍ:

الأوّل: في أدلّته.

و الثاني: في أركانِه التي يتقوّمُ بها.

و الثالث: في مقدار ما يثبتُ بالاستصحاب.

و الرابع: في عمومِ جريانِه.

و الخامس: في بعض تطبيقاتِه.

و سنتكلّمُ في هذه المقامات تباعاً إن شاء اللهُ تعالى.

110

الشرح‏

قبل الدخول في بحث الاستصحاب و استعراض التفاصيل المتعلّقة به، نودّ الوقوف مع بعض القواعد المشابهة للاستصحاب و ليست هي باستصحاب ليتسنّى لنا التمييز بينه و بينها.

التمييز بين الاستصحاب و غيره‏

هناك عدّة قواعد تشابه الاستصحاب إلّا أنّ حقيقتها تختلف عنه، و في هذا الصدد يطرح الأصوليّون ثلاثة قواعد:

الأولى: قاعدة اليقين.

الثانية: قاعدة المقتضي و المانع.

الثالثة: قاعدة الاستصحاب القهقرائي.

و وجه الشبه بين هذه القواعد و الاستصحاب هو اشتراك الجميع في وجود اليقين و الشكّ فيها كما سيتّضح، و من هنا كان لزاماً البحث في وجه الاختلاف و التمييز بين الاستصحاب و القواعد المذكورة.

و التمييز يكون من خلال البحث في أمرين:

1 التمييز بلحاظ الأركان المقوّمة للقواعد.

2 التمييز بلحاظ حيثيّة الكشف النوعي الموجود فيها.

فإنّ كلّا من الاستصحاب و القواعد الثلاث المذكورة تحتوي على أركان مقوّمة لها، و من ثمّ يجب معرفة وجه الاختلاف بين الاستصحاب و غيره من خلال هذه الأركان، كما أنّ للاستصحاب و للقواعد المشابهة له حيثيّة خاصّة من حيثيّات الكشف، و هي أيضاً مختلفة بين الاستصحاب و كلّ‏

111

قاعدة من القواعد، و يجب معرفة الاختلاف بهذا اللحاظ أيضاً.

فالبحث إذاً يقع في نقطتين من نقاط الاختلاف و التمييز بين الاستصحاب و بين كلّ قاعدة من القواعد الثلاث.

التمييز بين الاستصحاب و غيره بلحاظ الأركان المقوّمة

في هذه النقطة من التمييز نودّ البحث عن وجه الفرق بين الاستصحاب و قاعدة اليقين أوّلًا، و بينه و بين قاعدة المقتضي و المانع ثانياً، و بينه و بين الاستصحاب القهقرائي ثالثاً، من حيث الأركان المقوّمة، و إليك البحث فيها تباعاً.

أوّلًا: التمييز بين الاستصحاب و قاعدة اليقين‏

إنّ وجه الفرق بين الاستصحاب و قاعدة اليقين بالرغم من اشتراكهما معاً في وجود اليقين و الشكّ يكمن في أنّ الاستصحاب يتصوّر فيما لو كان‏

هناك يقين سابق و شكّ لاحق، مع الالتفات إلى وحدة المتعلّق ذاتاً و اختلاف زمان اليقين و الشكّ، كما لو كان المكلّف على يقين من طهارته في الساعة الأولى ثمّ شكّ في بقائها في الساعة الثانية، ففي مثل هذه الحالة يحكم بإجراء استصحاب بقاء الطهارة، و ذلك لتوفّر أركانه من اليقين السابق و الشكّ اللاحق و وحدة القضيّة المتيقّنة و المشكوكة و اختلاف زمانهما.

و أمّا قاعدة اليقين فتتصوّر فيما لو كان الشكّ اللاحق قد سرى إلى نفس اليقين السابق، كما لو كان متيقّناً سابقاً بعدالة زيد نتيجة شهادة عدلين، ثمّ تبيّن فيما بعد فسقهما، فإنّ تبيّن فسق الشاهدين سيجعله شاكّاً في عدالة زيد، و من الواضح أنّ هذا الشكّ يسري إلى نفس اليقين السابق و يتّحد معه في نفس الزمان.

112

بعبارة ثانية: إنّ المورد الذي يوجد فيه يقين سابق و شكّ لاحق على نحوين:

الأوّل: أن يكون لدى المكلّف يقين سابق و شكّ لاحق في زمانين مختلفين بنحو لا يكون الشكّ سارياً إلى اليقين، و هو مورد جريان الاستصحاب.

الثاني: أن يكون الشكّ اللاحق سارياً إلى اليقين السابق بنحو يتّحد معه زماناً، كما في مثال عدالة زيد، و هو مورد قاعدة اليقين، و لذا يعبّر عنها في بعض الأحيان بقاعدة الشكّ الساري.

ثمّ إنّ السيّد الشهيد (قدس سره) حاول تنقيح المسألة بشكل أكبر و تمحيص الفارق بين الاستصحاب و قاعدة اليقين رغم اعترافه‏ (1) بصحّة الفارق المذكور، فقال: قد ذكر مشهور الأصوليّين أنّ ركني الاستصحاب‏

الأساسيّين هما اليقين بالحدوث و الشكّ في البقاء، في حين إنّ الصحيح أنّ الاستصحاب لا يتقوّم بالشكّ في البقاء دائماً، بل يجري في بعض الأحيان بوجود اليقين السابق و الشكّ اللاحق حتّى مع عدم صدق الشكّ في البقاء عليه، أمّا حالة صدق الشكّ في البقاء على الشكّ اللاحق فأمثلته واضحة، و أمّا حالة وجود الشكّ مع عدم صدق الشكّ في البقاء عليه فمثاله: ما لو تيقّن بنجاسة ثوبه و لكنّه تردّد في أنّ النجاسة حصلت في الساعة الأولى أو الثانية، ثمّ حصل له شكّ في اللحظة الحاضرة و هي الساعة الثانية بأنّ النجاسة إذا كانت قد حصلت في الساعة الأولى فهي مرتفعة، و أمّا إذا حصلت في الساعة الثانية فهي باقية، فإنّ المكلّف في مثل هذه الحالة يمكنه إجراء استصحاب بقاء النجاسة في الساعة الثانية بالرغم من أنّ الشكّ في‏

____________

(1) () انظر: بحوث في علم الأصول: ج 6، ص 15.

113

البقاء ليس موجوداً على كلّ حال؛ إذ إنّ نجاسة الثوب إن كانت قد حصلت في الساعة الأولى يكون شكّه في الساعة الثانية شكّاً في البقاء و يجري الاستصحاب هنا بلا إشكال، إذ كلا الركنين موجودان.

و أمّا إذا كانت النجاسة قد حصلت في الساعة الثانية فلا يكون الشكّ في ارتفاعها شكّاً في البقاء، بل هو شكّ مردّد بين حدوث النجاسة و بقائها؛ لأنّ الساعة الثانية هي ساعة الحدوث حسب الفرض، و الشكّ في ارتفاع النجاسة قد حصل فيها أيضاً، فلا يكون شكّاً في البقاء إذاً بل هو مردّد بينه و بين الحدوث، و لكن مع هذا نقول بجريان الاستصحاب بالرغم من عدم صدق الركن الثاني و هو الشكّ في البقاء، و سبب ذلك أنّنا لا نشترط أكثر من وجود اليقين السابق و الشكّ اللاحق؛ فإنّ ذلك يكفي لجريان الاستصحاب حتّى لو لم يصدق على الشكّ أنّه شكّ في البقاء، فإنّ المكلّف في نهاية الأمر متيقّن بنجاسة ثوبه و شاكّ في ارتفاعها، فيستصحب بقاء النجاسة، بخلاف ما لو قلنا بتقوّم الاستصحاب بكلا الركنين فإنّه لا يجري‏

الاستصحاب في الحالة المذكورة.

و بناءً على مختار المصنّف (قدس سره) يكون الأَولى في التفرقة بين الاستصحاب و قاعدة اليقين أن نقول: إنّ الحالة السابقة في الاستصحاب مفروغ عن ثبوتها، بخلاف قاعدة اليقين فإنّ الحالة السابقة فيها ليس مفروغاً عن ثبوتها، و قد اتّضح ممّا ذكرناه آنفاً سبب عدول المصنّف (قدس سره) في وجه الفرق، حيث انتهينا إلى أنّ الاستصحاب قد يجري من دون وجود الركن الثاني و من ثمّ لا يكون مقوّماً للاستصحاب، فعدل إلى التفرقة بلحاظ الركن الأوّل أي اليقين بالحدوث.

و لهذا قال (قدس سره) في بحوثه الأصوليّة العليا بعد الاعتراف بصحّة التفرقة

114

بين الاستصحاب و قاعدة اليقين بالشكّ الساري و عدمه: «و هذا الفرق صحيح، و إن كان ينبغي تمحيصه بأنّ الاستصحاب لا يتقوّم بالشكّ في البقاء بل بالشكّ في شي‏ء فرغ عن ثبوته، و ثمرته تظهر فيما إذا علمنا إجمالًا بحدوث شي‏ء إمّا الآن أو قبل ساعة، و على تقدير حدوثه قبل ساعة يحتمل بقاؤه، فإنّه هنا يجري الاستصحاب رغم أنّ الشكّ في البقاء ليس فعليّاً على كلّ تقدير ..» (1).

فظهر أنّ المفروغيّة عن الحالة السابقة و عدمها هي ملاك التفرقة الدقيق بين الاستصحاب و قاعدة اليقين.

و هناك فرق آخر بينهما يتلخّص في أنّ الشكّ في قاعدة اليقين ناقض تكوينيّ و حقيقيّ لليقين السابق، لأنّا ذكرنا أنّه يتعلّق بنفس ما تعلّق به اليقين و يسري إليه و يتّحد معه زماناً، و لذا يستحيل اجتماعهما فيكون ناقضاً

له. فالشكّ في عدالة الشاهدين الموثّقين لزيد ينقض اليقين بعدالة زيد و يزلزله حقيقة، بخلاف الشكّ اللاحق في الاستصحاب فإنّه لا ينقض اليقين السابق تكويناً و حقيقةً، بل يبقى اليقين السابق على حاله و الشكّ على حاله أيضاً و ذلك لأنّ اليقين قد تعلّق بالحدوث و الشكّ تعلّق بالبقاء، و متعلّقهما و إن كان واحداً ذاتاً إلّا أنّ زمان تعلّق اليقين به يختلف عن زمان تعلّق الشكّ و بالإمكان اجتماعهما، وعليه فلا يكون ناقضاً حقيقيّاً له.

إن قلت: إذا لم يكن الشكّ اللاحق في الاستصحاب ناقضاً لليقين السابق فلما ذا قال الشارع: «لا تنقض اليقين بالشكّ أبداً» كما يأتي في أدلّته.

قلت: يقصد به عدم النقض اعتباراً و تعبّداً و الجري على طبق اليقين‏

____________

(1) () بحوث في علم الأصول: ج 6، ص 15، و قد ذكر هذه الفكرة مرّة أخرى في نفس الجزء ص 113 112.

115

السابق كما لو لم يكن الشكّ موجوداً.

فتلخّص: أنّ الشكّ في قاعدة اليقين ناقض تكوينيّ لليقين السابق و ليس كذلك في الاستصحاب.

التمييز بين الاستصحاب و قاعدة المقتضي و المانع‏

من القواعد التي تشترك مع الاستصحاب في وجود اليقين و الشكّ: قاعدة المقتضي و المانع، و هي القاعدة التي تتأتّى فيما لو علم بوجود المقتضي و تحقّق الشرط و شكّ في وجود المانع، فإنّه يُبنى على انتفائه و بالتالي تحقّق المقتضي، كما لو علم بوجود النار و علم أيضاً بتحقّق قرب الورقة منها و لكنّه شكّ في تحقّق الاحتراق نتيجة شكّه في يبوسة الورقة و ابتلالها، فإنّه يحكم بمقتضى هذه القاعدة بانتفاء الرطوبة المانع و يثبت بذلك الاحتراق أي المقتضى.

إلّا أنّ هذه القاعدة بالرغم من وجود اليقين و الشكّ فيها تختلف عن الاستصحاب في متعلّقها. ففي حين يكون متعلّق اليقين و الشكّ واحداً في‏

الاستصحاب و ركناً من أركانه، يكون متعلّقهما مختلفاً في قاعدة المقتضي و المانع، فإنّ متعلّق اليقين هو المقتضي و متعلّق الشكّ هو المانع، و من المعلوم أنّ المقتضي و المانع أمران مختلفان ذاتاً.

بعبارة واضحة: إنّ مجرى الاستصحاب يكون فيما لو شكّ في بقاء المتيقّن سابقاً فيكون المتيقّن و المشكوك أمراً واحداً ذاتاً، و يبقى الاختلاف بينها بلحاظ الفترة الزمنيّة، فاليقين يكون في حدوث الشي‏ء و الشكّ في بقائه، و أمّا في قاعدة المقتضي و المانع فإنّ المتيقّن و المشكوك أمران مختلفان ذاتاً.

116

التمييز بين الاستصحاب و الاستصحاب القهقرائي‏

يشترك الاستصحاب القهقرائي مع الاستصحاب المتعارف في وجود اليقين و الشكّ أيضاً، و نقطة الفرق بينهما تكمن في أنّ اليقين في الاستصحاب المتعارف متقدّم زماناً على الشكّ، بينما يكون الأمر بالعكس في الاستصحاب القهقرائي.

و مثاله: ما لو نظر الفقيه إلى لفظ «الشبهة» و تيقّن بأنّ معناها في العصر الحالي هو الشكّ نتيجة مراجعة كلمات اللغويّين و الفهم العامّ للكلمة، و لكنّه شكّ في أنّها عند ما تُطلق في روايات المعصومين (عليهم السلام) هل يُراد منها نفس هذا المعنى؟ فهنا قد يقال بأنّ الفقيه بإمكانه أن يرجع باليقين الحالي لمعنى اللفظ إلى الوراء حتّى يصل إلى زمان الشكّ و يثبت أنّ معنى الكلمة في ذلك الزمان هو نفس معناها الحالي، و هذا هو الاستصحاب القهقرائي.

و في حقيقة الأمر أنّ هذا الاستصحاب أصل عقلائيّ يرجع إلى أصالة الثبات في اللغة و غلبة بقاء مفرداتها على معانيها. و تحقيقه أكثر يأتي في محلّه.

إنّ ما يهمّنا في هذا البحث هو الوقوف على نقطة التمييز بين الاستصحاب المتعارف و الاستصحاب القهقرائي و قد ظهر أنّه يتلخّص في موقعيّة اليقين و الشكّ زماناً، فإن تقدَّمَ اليقين على الشكّ فهو مورد جريان الاستصحاب و إن تأخّر عنه زماناً فهو مورد جريان الاستصحاب القهقرائي.

و لا يفوتنا أن نشير إلى أنّ المصنّف (قدس سره) و إن لم يشر إلى القاعدة الثالثة المشابهة للاستصحاب، إلّا أنّا آثرنا إدراجها إكمالًا للبحث كما هو المتعارف عند الأصوليّين و منهم السيّد الشهيد (قدس سره) في بحوثه العليا.

هذا كلّه في بيان التمييز بين الاستصحاب و ما شابهه من قواعد بلحاظ الأمر الأوّل، و هو التمييز من خلال الأركان المقوّمة للقواعد.

117

التمييز بين الاستصحاب و غيره بلحاظ الحيثيّة الكاشفة

كما يختلف الاستصحاب عن غيره من القواعد المشابهة في الأركان المقوّمة، كذلك يختلف عنها في الحيثيّة الكاشفة، بمعنى أنّ نكتة الكشف الموجودة في الاستصحاب و التي في ضوئها جعل الشارع الحجّية له تختلف عن نكتة الكشف الموجودة في القواعد الثلاث المشابهة له.

فقد ذكرنا فيما سبق أنّ نكتة الكشف في الاستصحاب هي غلبة بقاء ما يحدث، بمعنى أنّ ما يحدث و يتيقّن بحدوثه ثمّ يشكّ في بقائه فهو باقٍ في الأعمّ الأغلب، و أمّا نكتة الكشف في قاعدة اليقين فهي غلبة أنّ اليقين لا يخطئ، فإذا حصل اليقين عند إنسان فهو لا يُخطئ في الأعمّ الأغلب. و أمّا نكتة الكشف في قاعدة المقتضي و المانع فهي أنّ المقتضي إذا تحقّق فيتحقّق المقتضى في الأعمّ الأغلب، و في الاستصحاب القهقرائي هي غلبة بقاء مفردات اللغة على معانيها.

فإنّ من الملاحظ أنّ حيثيّة الكشف في كلّ قاعدة تختلف عن حيثيّة

الكشف الموجودة في الاستصحاب، و هو وجه آخر للتمييز بينه و بين القواعد الثلاث المشابهة له.

فهرسة البحث في الاستصحاب‏

بعد الوقوف على التمهيد السابق الذي عرضنا فيه:

أوّلًا: تعريف الاستصحاب.

و ثانياً: التمييز بين الاستصحاب و غيره.

ندخل الآن في بحوث الاستصحاب، و البحث فيه يقع ضمن عدّة مقامات:

118

الأوّل: في أدلّة الاستصحاب.

الثاني: في أركانه التي يتقوّم بها.

الثالث: في مقدار ما يثبت به.

الرابع: في عموم جريانه.

الخامس: في بعض تطبيقاته.

و سنقف على هذه الأبحاث بالتفصيل تباعاً إن شاء الله تعالى، شارعين في بحث أدلّته.

أضواء على النصّ‏

قوله (قدس سره): «فالشكّ يتعلّق ببقاء المتيقّن». أي: أنّ الشكّ يختلف مع اليقين بلحاظ الفترة الزمنية، فهو يتعلّق ببقاء المتيقّن في حين إنّ اليقين يتعلّق بحدوثه.

قوله (قدس سره): «كما إذا وقعت حادثة». و هي نجاسة الثوب في المثال الذي ذكرناه في الشرح.

قوله (قدس سره): «و يشكّ في ارتفاعها». أي: في اللحظة الحاضرة.

قوله (قدس سره): «ليس بقاء على أيّ حال». بل هو بقاء في حال وقوع الحادثة في الساعة الأولى.

قوله (قدس سره): «و قاعدة اليقين ليست كذلك». أي: أنّ ثبوت الحالة السابقة ليس مفروغاً عنه لسريان الشكّ إلى اليقين.

قوله (قدس سره): «و ثبوت المقتضى بالفتح». أي: المعلول و هو الاحتراق في المثال.

قوله (قدس سره): «و لكنّهما فيها». أي: اليقين و الشكّ في قاعدة المقتضي و المانع.

119

1. أدلة الاستصحاب‏

و قد استُدِلّ على الاستصحابِ تارةً بأنّه مفيدٌ للظنّ بالبقاء، و أخرى بجريان السيرةِ العقلائيةِ عليه، و ثالثةً بالروايات.

أمّا الأوّلُ: فهو ممنوعٌ صغرى و كبرى، أمّا صغرويّاً فلأنّ إفادةَ الحالةِ السابقةِ بمجرّدِها للظنِّ بالبقاءِ ممنوعةٌ، و إنّما قد تفيدُ لخصوصيةٍ في الحالةِ السابقةِ مِن حيثُ كونِها مقتضيةً للبقاءِ و الاستمرار.

و قد يُستشهدُ لإفادةِ الحالةِ السابقةِ للظنِّ بنحوٍ كلِّيٍّ بجريانِ السيرةِ العقلائيةِ على العملِ بالاستصحابِ، و العقلاءُ لا يعملونَ إلّا بالطرق الظنيّةِ و الكاشفة.

و يردُ على هذا الاستشهادِ: أنّ السيرةَ العقلائيةَ على افتراضِ وجودِها فالأقربُ في تفسيرها أنّها قائمةٌ بنكتة الألفةِ و العادة، لا بنكتة الكشفِ، و لهذا يقالُ بوجودِها حتّى في الحيوانات التي تتأثّرُ بالألفة.

و أمّا كبرويّاً فلعدم قيامِ دليلٍ على حجّيةِ مثلِ هذا الظنّ.

و أمّا الثاني ففيه: أنّ الجريَ و الانسياقَ العمليَّ على طبق الحالةِ السابقةِ و إن كان غالباً في سلوكِ الناس، و لكنّه بدافعٍ من الألفة و العادةِ التي توجبُ الغفلةَ عن احتمال الارتفاعِ، أو الاطمئنانِ بالبقاءِ في كثيرٍ من الأحيان، و ليس بدافعٍ من البناءِ على حجّيةِ الحالةِ السابقةِ في إثباتِ البقاءِ تعبّداً.

120

الشرح‏

يقع الكلام في المقام الأوّل من بحوث الاستصحاب، و هو الحديث في أدلّته.

أدلة الاستصحاب‏

استدلّ الأصوليّون على الاستصحاب بأدلّة متعدّدة:

الأوّل: الدليل العقلي، و هو أنّ الاستصحاب مفيد للظنّ ببقاء الحالة السابقة في الأعمّ الأغلب، و ما كان كذلك فهو حجّة. فالدليل إذاً يطرح على شكل قياس من الشكل الأوّل، و نتيجته القول بحجّية الاستصحاب.

أمّا الصغرى، فلأنّ الاستصحاب يحتوي على اليقين بالحدوث، و العقل حسبما يدّعي أصحاب هذا الدليل يدرك أنّ ما يحدث يبقى غالباً، و هذا الإدراك إدراك ظنّي؛ إذ المفروض أنّ الشكّ قد حصل، و لكن حيث إنّ الشي‏ء الحادث يبقى غالباً فيدرك العقل بقاء المتيقّن بنحو الظنّ.

و أمّا الكبرى، فلحجّية مطلق الظنّ.

الثاني: السيرة العقلائيّة؛ بدعوى أنّ العقلاء يعملون بالاستصحاب في حياتهم، و أنّ سيرتهم جارية على العمل بالحالة السابقة و كأنّ الشكّ غير موجود فيها.

الثالث: الروايات الشريفة.

إلّا أنّ عمدة أدلّة الاستصحاب هو الدليل الثالث، و أمّا الدليل الأوّل و الثاني فمناقش فيهما.

121

مناقشة الدليل الأوّل‏

أمّا الدليل الأوّل فهو ممنوع صغرى و كبرى.

أمّا النقاش في الصغرى، فباعتبار أنّ إفادة الحالة السابقة للظنّ بالبقاء ليس له معنى محصّل؛ إذ ليس لدينا قاعدة قطعيّة و كلّية تفيد أنّ كلّ ما يحدث يبقى، و إنّما إفادة الحالة السابقة للظنّ بالبقاء راجع إلى طبيعة الشي‏ء المتيقّن، فإنّ بعض الأشياء حين النظر إليها نجد أنّها قابلة للاستمرار و البقاء، كما لو نظرنا إلى إنسان في مقتبل عمره فإنّ فيه مظنّة البقاء بحكم صغر سنّه و من ثمّ لو تيقّن بحياته سابقاً و شكّ في بقائها، فمن الممكن القول بأنّ الحالة السابقة تورث الظنّ بالبقاء.

بخلاف ما لو كان عمره حين تيقّن الحياة مائة سنة ثمّ حصل الشكّ في بقاء حياته بعد عشرين عاماً، فمن البعيد في مثل ذلك القول بأنّ الحالة السابقة تورث بنفسها الظنّ بالبقاء، و مثاله الأوضح: ما لو شكّ في بقاء الزمان فإنّه حادث، و لكن الظنّ بالبقاء غير موجود لأنّه متصرّم و ليس فيه مظنّة البقاء.

إذاً، ليس هناك قاعدة كلّية تفيد أنّ ما يحدث يبقى غالباً، و إنّما ذلك يرتبط بالشي‏ء المتيقّن نفسه، فبعضه يوجد فيه ظنّ بالبقاء لوجود قابلية

الاستمرار و البقاء فيه، و بعضه لا.

إلّا أنّه قد استشهد لإفادة الحالة السابقة للظنّ بالبقاء بنحو القاعدة الكلّية بالسيرة العقلائية، فادّعي قيامها على ذلك، و أنّ العقلاء يعملون ببقاء الحالة السابقة بنحو كلّي، و بالتالي تكون صغرى الدليل العقلي تامّة بضميمة السيرة العقلائيّة، و هذا ليس استدلالًا بالسيرة العقلائية على الاستصحاب، و إنّما هو استشهاد بها على صحّة صغرى الدليل العقلي.

122

إن قلت: لعلّ قيام السيرة العقلائية على العمل بالظنّ بالبقاء ليس من باب كاشفيّة الحالة السابقة للظنّ بالبقاء، و إنّما من باب التعبّد، فلا يتمّ الاستشهاد بها على الصغرى.

قلت: إنّ العقلاء عند ما يبنون على شي‏ء يبنون عليه لأجل نكتة كاشفة لا لأجل التعبّد، كما في خبر الثقة فإنّهم يعملون به لأجل كاشفيّته عن الواقع غالباً، و حالهم في المقام كذلك، فإنّهم لا يعملون بالحالة السابقة تعبّداً، بل لأجل كاشفيّتها و إفادتها للظنّ بالبقاء.

هذا، و لكن أصل الاستشهاد بالسيرة على إفادة الحالة السابقة للظنّ بالبقاء غير صحيح؛ لوجهين:

الأوّل: إنّا لا نسلّم قيام مثل هذه السيرة العقلائية على العمل بالحالة السابقة و إفادتها للظنّ بالبقاء.

الثاني: لو تنزّلنا و قلنا بوجودها، فإنّ النكتة فيها ليست كاشفيّة الحالة السابقة للظنّ بالبقاء، و إنّما هي الألفة و العادة، فإنّ الإنسان إذا ألِفَ شيئاً و اعتاد عليه و صار أكثر التصاقاً به و احتياجاً إليه حدث عنده الظنّ ببقاء الحالة السابقة، بخلاف ما لو لم يألفه و لم يكن معتاداً عليه و محتاجاً إليه.

و بهذا يظهر أنّ الظنّ ببقاء الحالة السابقة عند العقلاء مرتبط قوّةً

و ضعفاً بالأمور المذكورة من الألفة و العادة، لا أنّ عملهم بالحالة السابقة و ترتيب الأثر عليها راجع إلى نكتة كشفها و إفادتها بنفسها للظنّ بالبقاء. و الشاهد عليه وجود مثل هذا الجري عند الحيوان، فإنّه الآخر يرتّب الأثر على الحالة السابقة، حيث إنّه يعود إلى نفس الدار التي خرج منها للرعي بعد إتمام رعيه، و من الواضح أنّ نكتة الكشف لا يعقل تصوّرها في الحيوان، فهو يعمل بالحالة السابقة لأجل أُلفته و عادته الناشئة من الذهاب‏

123

و المجي‏ء المتكرّر.

و أمّا النقاش في الكبرى، فلعدم قيام دليل يدلّ على حجّية مطلق الظنّ، فإنّنا حتّى لو سلّمنا بتماميّة الصغرى، فإنّ الكبرى أي كلّ ظنّ حجّة لم يقم دليل عليها، بل الدليل على خلافها، إذ توجد مجموعة من الآيات و الروايات على النهي عن العمل بالظنّ و أنّه لا يغني من الحقّ شيئاً، خرج عنه بعض الظنون كخبر الثقة لقيام الدليل الخاص على حجّيته، و أمّا الباقي فيبقى تحت عموم الأدلّة الناهية.

بل ينبغي القول بعدم حجّية الظنّ في المقام حتّى مع فرض انتفاء العمومات الناهية عن العمل بالظنّ؛ لأنّه في أحسن الأحوال يشكّ في حجّيته، و الشكّ في الحجّية مساوق لعدم الحجّية كما هو معلوم و محقّق في الأصول.

مناقشة الدليل الثاني‏

كان الدليل الثاني على حجّية الاستصحاب هو السيرة العقلائية بدعوى قيامها على العمل بالحالة السابقة، و كانت مثل هذه السيرة معاصرة للمعصوم (ع)، و لو لم تكن مرضيّة عنده لنهى عنها، و لو ردع عنها لوصل إلينا و اشتهر لأنّه ممّا تعمّ به البلوى، فمن عدم وصول مثل ذلك نكتشف‏

إمضاءه لها.

و أمّا النقاش في السيرة فحاصله: أنّ العقلاء و إن كانت سيرتهم قائمة على العمل بالحالة السابقة و جريهم على طبقها، فإنّ الإنسان يعود إلى بيته الذي غاب عنه مدّة مع أنّه يحتمل خرابه أو تغيّره، أو أنّ المرء يعود و يشتري لحماً من قصّاب قد اشترى منه سابقاً، إلّا أنّ هذه السيرة العقلائية و الجري العملي على طبق الحالة السابقة مع غلبتها في سلوك الناس لم يثبت كونها

124

بسبب حجّية الحالة السابقة في إثبات البقاء تعبّداً كما هو مفاد الاستصحاب ليقال بدلالة السيرة العقلائية على حجّية الاستصحاب، بل لعلّ عملهم ببقاء الحالة السابقة راجع إلى أحد أمرين:

الأوّل: الألفة و العادة، كما ذكرناه سابقاً، إذ إنّ الإنسان إذا ألِف شيئاً و اعتاد عليه غفل عن احتمال ارتفاعه، ففي مثال عودة المرء إلى بيته تكون الألفة و العادة موجبة لغفلته عن احتمال التغيّر و الخراب، لا لأجل حجّية العمل بالحالة السابقة.

الثاني: الاطمئنان بالبقاء، أي أنّ العقلاء إنّما يعملون بالحالة السابقة و يرتّبون الأثر عليها لأجل الاطمئنان الحاصل لديهم ببقاء الحالة السابقة، و من ثمّ تكون السيرة دليلًا على حجّية الاطمئنان لا الاستصحاب الذي يفيد الظنّ بالبقاء تعبّداً.

و مراجعة دقيقة لسيرة العقلاء تؤيّد ما ذكرناه، فإنّ التاجر مثلًا إذا أراد إرسال مال إلى التاجر الآخر الذي كان قد تعامل معه سابقاً، إنّما يقوم بإرساله لأجل اطمئنانه بوجوده، لا لأجل استصحاب الحالة السابقة، فربما لو شكّ في وجوده لموت أو غيره لما أرسل المال إليه، و الذي يفيدنا في سيرة العقلاء لإثبات حجّية الاستصحاب هو قيامها مع وجود الشكّ في البقاء، و الحال أنّ قيامها على ذلك غير معلوم.

فاتّضح أنّ قيام السيرة العقلائية على حجّية الاستصحاب و العمل بالحالة السابقة مطلقاً غير صحيح. نعم، قد يعمل العقلاء بها و لكنّه من باب الألفة و العادة أو الاطمئنان بالبقاء، مع أنّ الذي يفيدنا في المقام هو القول بجريان السيرة على العمل بالحالة السابقة حتّى مع الشكّ في البقاء لكاشفيّتها عن البقاء، و هو ما لم يثبت قيام السيرة عليه.

125

و بهذا يظهر بطلان كلا الدليلين العقلي و السيرة العقلائية فينحصر إثبات حجّية الاستصحاب بالدليل الثالث فهو عمدة الأدلّة، و إليه يجب أن توجّه أعنّة البحث، و هو ما سنقف عليه بعد إلقاء نظرة على النصّ.

أضواء على النصّ‏

قوله (قدس سره): «بأنّه مفيد للظنّ بالبقاء». من باب أنّ ما حدث يبقى غالباً.

قوله (قدس سره): «بجريان السيرة العقلائيّة عليه». أي: على الاستصحاب.

قوله (قدس سره): «فلأنّ إفادة الحالة السابقة بمجرّدها». أي: بقطع النظر عن العوامل الخارجة عن نفس الحالة السابقة، فإنّها بمفردها لا تفيد الظنّ بالبقاء، نعم قد تفيد ذلك لخصوصيّة فيها، كما لو كانت الحالة السابقة مقتضية للبقاء بطبعها.

قوله (قدس سره): «و العقلاء لا يعملون إلّا بالطرق الظنّية الكاشفة». هذا جواب لإشكال مقدّر مفاده: لعلّ عمل العقلاء بالحالة السابقة لأجل التعبّد، لا لأجل إفادتها للظنّ بالبقاء كما هو مقتضى صغرى الدليل الأوّل.

قوله (قدس سره): «لإفادة الحالة السابقة للظنّ بنحو كلّي». أي بنحو الموجبة الكلّية، أي: أنّ الحالة السابقة تفيد الظنّ بالبقاء مطلقاً لا لأجل خصوصيّة فيها.

قوله (قدس سره): «إنّ السيرة العقلائية على افتراض وجودها». أي: أنّنا لا نسلّم بوجودها أساساً.

قوله (قدس سره): «و لهذا يقال بوجودها». أي: الحالة السابقة و ترتيب الأثر عليها، و الضمير و إن كان بحسب العبارة يعود إلى السيرة العقلائية إلّا أنّها لمّا كانت لا تصحّ في الحيوان اضطررنا إلى إرجاعه بالنحو الذي ذكرناه.

قوله (قدس سره): «التي توجب الغفلة». بمعنى: أنّهم لو تنبّهوا فلعلّهم لا يعملون بالحالة السابقة و لا يرتّبون أثراً عليها.

126

و أمّا الثالثُ أي الأخبارُ فهو العمدةُ في مقام الاستدلال. فمِن الرواياتِ المستدلِّ بها: صحيحةُ زرارةَ عن أبي عبد الله (عليه السلام)، حيث سألهُ عن المرتبةِ التي يتحقّقُ بها النومُ الناقضُ للوضوء، فأجابَه. ثم سألهُ عن الحكم في حالةِ الشكِّ في وقوع النومِ إذ قال لهُ: فإن حُرِّكَ في جنبِه شي‏ءٌ و لم يعلمْ به؟ فكأنّ عدمَ التفاته إلى ما حُرّكَ في جنبِه جعلَه يشكُّ في أنّه نامَ فعلًا أو لا، فاستفهمَ عن حكمِه فقال له الإمامُ (عليه السلام): «لا، حتّى يستيقنَ أنّه قد نامَ حتى يجي‏ءَ من ذلك أمرٌ بيّنٌ و إلّا فإنّه على يقينٍ من وضوئه، و لا ينقضُ اليقينَ أبداً بالشكّ، و لكن ينقضُه بيقينٍ آخر».

و الكلامُ في هذه الروايةِ يقعُ في عدّةِ جهاتٍ:

الجهة الأولى: في فقه الروايةِ بتحليل مفادِ قولِه: «و إلّا فإنّه على يقينٍ من وضوئه، و لا ينقضُ اليقينَ بالشكِّ»، و ذلك بالكلام في نقطتين:

النقطة الأولى: أنّه كيف اعتُبر البناءُ على الشكِّ نقضاً لليقين مع أنّ اليقينَ بالطهارةِ حدوثاً لا يتزعزعُ بالشكّ في الحدثِ بقاءً؟ فلو

أنّ المكلّفَ في الحالةِ المفروضةِ في السؤالِ بنى على أنّه محدثٌ لما كان ذلك منافياً ليقينِه؛ لأنّ اليقينَ بالحدوثِ لا ينافي الارتفاعَ، فكيف يُسندُ نقضُ اليقينِ إلى الشكّ؟

127

و التحقيقُ: أنّ الشكَّ ينقضُ اليقينَ تكويناً إذا تعلّقَ بنفس ما تعلّقَ به اليقينُ، و أمّا إذا تغايرَ المتعلّقانِ فلا تنافي بين اليقينِ و الشكّ، فيكون الشكُّ ناقضاً و هادماً لليقين.

و على هذا الأساسِ نعرفُ أنّ الشكَّ في قاعدة اليقينِ ناقضٌ تكوينيٌّ لليقينِ المفترضِ فيها؛ لوحدةِ متعلّقَيهما ذاتاً و زماناً، و أنّ الشكَّ في موردِ الاستصحابِ ليس ناقضاً تكوينيّاً لليقينِ المفترضِ فيه؛ لأنّ أحدَهما متعلّقٌ بالحدوث، و الآخر متعلّقٌ بالبقاءِ، و لهذا يجتمعان في وقتٍ واحد.

و لكن مع هذا قد يُسندُ النقضُ إلى هذا الشكِّ، فيقال إنّه ناقضٌ لليقين، بإعمالِ عنايةٍ عرفيّةٍ و هي أن تُلغى ملاحظةُ الزمانِ فلا نقطّعُ الشي‏ءَ إلى حدوثٍ و بقاءٍ، بل نلحظُه بما هو أمرٌ واحد، ففي هذه الملاحظةِ يُرى الشكُّ و اليقينُ واردين على مصبٍّ واحدٍ و متعلّقٍ فاردٍ، فيصحُّ بهذا الاعتبارِ إسنادُ النقضِ إلى الشكِّ، فكأنّ الشكَّ نقضَ اليقينَ، و بهذا الاعتبارِ يُرى أيضاً أنّ اليقينَ و الشكَّ غيرُ مجتمعَينِ، كما هو الحالُ في كلِّ منقوضٍ مع ناقضِه، و على هذا

الأساسِ جرى التعبيرُ في الروايةِ فأسندَ النقضَ إلى الشكِّ و نهَى عن جعلِه ناقضاً.

128

الشرح‏

يقع الكلام في عمدة أدلّة الاستصحاب و هو الأخبار الواردة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، و هي متعدّدة إلّا أنّها لمّا كانت تشترك في مضمون واحد تقريباً و هو عدم نقض اليقين بالشكّ، اكتفى المصنّف (قدس سره) هنا بذكر واحدة منها، و هي المعبّر عنها في كلمات الأصوليّين ب «صحيحة زرارة الأولى».

دلالة الأخبار على حجّية الاستصحاب‏

من الروايات التي استدلّ بها على حجّية الاستصحاب هي صحيحة زرارة الواردة في باب الوضوء، فقد روى زرارة عن الإمام أبي عبد الله الصادق (ع)، قال: قلت له: الرجل ينام و هو على وضوء أ توجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟ فقال (ع): «يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الأذن، فإذا نامت العين و الأذن و القلب وجب الوضوء»، قلت: فإن حُرّك على جنبه شي‏ء و لم يعلم به؟ قال (ع): «لا، حتّى يستيقن أنّه قد نام، حتّى يجي‏ء من ذلك أمرٌ بيّن، و إلّا فإنّه على يقين من وضوئه، و لا تنقض اليقين أبداً بالشكّ، و إنّما تنقضه بيقين آخر» (1).

و تقريب الاستدلال بها: أنّ الإمام (ع) حكم ببقاء الوضوء مع الشكّ‏

في انتقاضه بالنوم تمسّكاً بالاستصحاب، و تمسّكه (ع) بالاستصحاب يعني حجّيته.

____________

(1) () تهذيب الأحكام: ج 1 ص 8، ح 11؛ وسائل الشيعة: ج 1، ص 245، أبواب نواقض الوضوء، ب 1، ح 1.

129

هذا إجمال الكلام في الاستدلال بالصحيحة، و تفصيله يتوقّف على الحديث في الصحيحة من جهات ثلاث:

الأولى: في فقه الرواية و تحليل ما يحتاج إلى تحليل من فقراتها.

الثانية: في انطباق الصحيحة على الاستصحاب أو على قاعدة المقتضي و المانع.

الثالثة: في استفادة حجّية الاستصحاب منها كقاعدة عامّة أو حجّيته في باب الوضوء فقط.

و إليك البحث في الجهات الثلاث تباعاً.

صحيحة زرارة .. الجهة الأولى‏

و هي البحث في فقه الرواية و تحديداً قوله (ع): «و إلّا فإنّه على يقين من وضوئه و لا تنقض اليقين بالشكّ»، و الكلام في هذه الجهة يكون في نقطتين:

النقطة الأولى: تصوير النقض.

النقطة الثانية: تصوير الجزاء.

تصوير النقض‏

إنّ الرواية عبّرت ب «لا تنقض اليقين بالشكّ»، فهي قد افترضت أنّ البناء على الشكّ يعدّ نقضاً لليقين، و الحال أنّ اليقين السابق باقٍ و ثابت على حاله، و الشكّ و إن حصل فيما بعد فإنّه لا يزلزل اليقين السابق، فكيف عبّرت الرواية بذلك؟

توضيح التساؤل أكثر: لو حصل للمكلّف يقين بشي‏ء كالطهارة في‏

زمان، ثمّ شكّ في ذلك في زمان آخر، فلا يعتبر شكّه في الطهارة الحاصل متأخّراً، ناقضاً لليقين السابق بالطهارة؛ لتغاير الزمان. فزمان اليقين‏

130

بالطهارة سابق، و الشكّ بها متأخّر، و أحدهما متعلّق بالحدوث، و الآخر متعلّق بالبقاء، و لا محذور في أن يكون المكلّف على يقين من حدوث طهارته في الساعة الأولى و شكّ في بقائها في الساعة الثانية، و الشاهدُ على عدم نقض الشكّ المتأخّر لليقين السابق هو إمكانُ اجتماعهما عند المكلّف. فهو في الوقت الذي يوجد عنده يقين سابق بحدوث الطهارة شاكّ في اللحظة الحاضرة في بقائها، و اجتماعهما دليل عدم تناقضهما، فكيف عبّرت الصحيحة ب «لا تنقض اليقين بالشكّ» في حين إنّ المكلّف لو أراد البناء على الحدث و حكم بارتفاع الطهارة لما كان قد نقض يقينه السابق بالطهارة؟

و إجابةً نقول: إنّ التحقيق أن يُقال: إنّ الشكّ إنّما يكون ناقضاً لليقين و هادماً له حقيقةً فيما لو تعلّق بنفس ما تعلّق به اليقين، و هو لا يحصل إلّا إذا سرى الشكّ إلى نفس اليقين السابق و اتّحد معه زماناً، ففي مثل هذه الحالة يكون الشكّ ناقضاً تكويناً و حقيقةً لليقين، و لا يمكن اجتماعهما أبداً.

و أمّا إذا كان متعلّق اليقين غير متعلّق الشكّ و مغايراً له فيمكن لليقين و الشكّ أن يجتمعا و لا يكون الشكّ ناقضاً لليقين و مزلزلًا له.

في ضوء هذه المقدّمة الواضحة فرّقنا سابقاً بين قاعدة اليقين و الاستصحاب و قلنا: إنّ الشكّ في قاعدة اليقين يسري إلى نفس اليقين و يتّحد معه زماناً و لذا يكون ناقضاً له، و ذلك لوحدة المتعلّق ذاتاً و زماناً، و أمّا الشكّ في الاستصحاب فإنّه و إن كان يتعلّق بنفس متعلّق اليقين ذاتاً إذ إنّ واحدة من أركان الاستصحاب هي وحدة القضيّة المتيقّنة و المشكوكة كما سيأتي إلّا أنّ زمانهما مختلف و متغاير، فزمان اليقين سابق و الشكّ متأخّر.

بعبارة ثانية: إنّ متعلّق اليقين هو ذات الشي‏ء بلحاظ الحدوث، و متعلّق‏

الشكّ هو ذاته بلحاظ البقاء، و بعد اختلاف زماني اليقين و الشكّ يبقى‏

131

اليقين السابق على حاله و لا يسري إليه الشكّ، و من ثمّ يمكن اجتماعهما في وقت واحد عند المكلّف، و على هذا الأساس جاء طرح التساؤل السابق و أنّ النقض كيف أُسند إلى الشكّ، مع أنّ اليقين السابق باقٍ على حاله؟

و هنا نقول: إنّ هناك نكتة دعت الرواية إلى التعبير ب «لا تنقض اليقين بالشكّ»، و هي: أنّ العرف ينظر إلى الشي‏ء المتيقّن و المشكوك على أنّه شي‏ء واحد و ذلك من خلال إلغاء خصوصيّة الزمان المقطّعة له إلى حدوث و بقاء، فإنّه بهذه النظرة العرفية يكون الشكّ متعلّقاً بنفس ما تعلّق به اليقين فيصحّ إسناد النقض إلى الشكّ، و واضح أنّه إسناد تسامحيّ لا حقيقيّ، و إلّا فبحسب الدقّة العقلية لا يكون ناقضاً كما أشرنا له.

بيان ذلك: أنّنا إذا رجعنا إلى العقل نجد أنّ زمان حدوث الشي‏ء و زمان بقائه مقطعان زمنيان مختلفان، فالزمان كما قرأنا في الفلسفة (1) و إن كان حقيقة واحدة تتّصل أجزاؤها بعضها ببعض بنحو لا يتخلّلها فواصل، فهو تدريجيّ و لا ينقضي منه آن إلّا بمجي‏ء آن آخر، إلّا أنّ العقل يقوم بتقسيمه إلى مقاطع كالليل و النهار، و الحدوث و البقاء، و اليوم الأوّل و الثاني، لأغراض تنفع الإنسان و تساهم في تكامله، كما يقسّم الرياضي الخط المستقيم إلى النقطة «أ» و «ب» لأغراض علميّة.

و لكن هذا الشي‏ء المقسّم في نظر العقل يراه العرف شيئاً واحداً من دون أن يقطعه إلى مقطع زمانيّ سابق و مقطع زمانيّ لاحق، و بهذه الملاحظة يكون الشكّ متعلّقاً بنفس ما تعلّق به اليقين، إذ النظر إلى ذات الشي‏ء المتعلّق و المشكوك مع قطع النظر عن الزمان يجعل من الطهارة مثلًا المتيقّنة سابقاً

و المشكوكة لاحقاً أمراً واحداً، و بهذه الملاحظة يصحّ إسناد النقض‏

____________

(1) () انظر: نهاية الحكمة: ص 214.

132

إلى الشكّ، غاية الأمر أنّه إسناد مجازيّ لأنّ نقض الشكّ لليقين عند البناء عليه نقض مسامحيّ لا تكوينيّ حقيقيّ، حيث ذكرنا أنّ الشكّ لا ينقض اليقين السابق بحسب الدقّة العقلية.

فتلخّص: أنّ إسناد نقض الشكّ لليقين في الصحيحة مجازيّ و بحسب العناية العرفية، فإنّ العرف لا يقطّع الشي‏ء إلى حدوث و بقاء، بل ينظر له على أساس أنّه شي‏ء واحد كان متيقّناً سابقاً و الشكّ تعلّق به، و هما بنظره لا يجتمعان، فإمّا أن يرتّب المكلّف أثر اليقين و لا يعتني بالشكّ، أو بالعكس، و الصحيحة قد افترضت أنّ الاعتناء يجب أن ينصبّ على اليقين و كأنّ الشكّ غير موجود.

هذا تمام الكلام في النقطة الأولى من الجهة الأولى في بحث صحيحة زرارة، و قد اتّضح فيها صحّة إسناد النقض إلى الشكّ، و أمّا النقطة الثانية فهي مادّة بحثنا بعد إلقاء أضواء على النصّ.

أضواء على النصّ‏

قوله (قدس سره): «إذ قال له». أي: قال الإمام (ع) لزرارة.

قوله (قدس سره): «فكأنّ عدم التفاته». أي: زرارة، و هو كلام المصنّف (قدس سره) و ليس جزءاً من الصحيحة.

قوله (قدس سره): «فقال له الإمام (عليه السلام): لا». أي: لا يجب عليه الوضوء.

قوله (قدس سره): «و إلّا فإنّه على يقين». «إلّا»: أصلها: إن لا، فأُدغمت النون في اللّام لأنّها ساكنة، و «إن» أداة شرط و الجملة الواقعة بعدها شرطيّة، شرطها قوله (ع): «إن لم يستيقن أنّه قد نام»، و أمّا الجزاء ففيه ثلاثة احتمالات يأتي بحثها.

قوله (قدس سره): «و لا ينقض .. و لكن». وردت الصحيحة بصيغة المخاطب: «و لا

133

تنقض .. و لكن تنقضه» و المخاطب هو زرارة، لا بصيغة الغائب.

قوله (قدس سره): «كيف اعتبر البناء على الشكّ». فيما لو أراد المكلّف ترتيب الأثر على الشكّ.

قوله (قدس سره): «فيكون الشكّ ناقضاً و هادماً لليقين». أي: «ليكون الشكّ ..» فهذه الفاء سببية.

قوله (قدس سره): «لأنّ أحدهما متعلّق بالحدوث و الآخر متعلّق». «أحدهما»: يعني اليقين، «و الآخر»: يعني الشكّ.

قوله (قدس سره): «و لكن مع هذا». أي: مع أنّ اليقينَ متعلّق بالحدوثِ و الشكَّ بالبقاء، و إمكان اجتماعهما في وقت واحد.

قوله (قدس سره): «بل نلحظه». أي: ذلك الشي‏ء و هو المتيقّن.

134

النقطةُ الثانيةُ: في تحديدِ عناصرِ الجملةِ المذكورةِ الواردةِ في كلامِ الإمامِ (عليه السلام)، فإنّها جملةٌ شرطيةٌ، و الشرطُ فيها هو إنْ لا يستيقنَ أنّه قد نامَ، و أمّا الجزاءُ ففيه ثلاثةُ احتمالات:

الأوّلُ: أنْ يكونَ محذوفاً و مقدَّراً، و تقديرُه «فلا يجبُ الوضوءُ»، و يكونُ قولُه: «فإنّه على يقينٍ ... إلخ» تعليلًا للجزاءِ المحذوف.

و قد يلاحظُ على ذلك: أنّه التزامٌ بالتقدير و هو خلافُ الأصلِ في المحاورةِ، و التزامٌ بالتكرارِ؛ لأنّ عدمَ وجوبِ الوضوءِ يكونُ قد بُيّنَ مرّةً قبلَ الجملةِ الشرطيةِ، و مرّةً في جزائِها المقدَّرِ.

و تندفعُ الملاحظةُ الأُولى: بأنّ التقديرَ في مثل المقامِ ليس على‏

خلافِ الأصلِ؛ لوجودِ القرينةِ المتّصلةِ على تعيينهِ و بيانِه، حيثُ صرّحَ بعدمِ وجوبِ الوضوءِ قبلَ الجملةِ الشرطيّةِ مباشرةً.

و تندفعُ الملاحظةُ الثانيةُ بأنّ التكرارَ الملفَّقَ من التصريح و التقدير ليس على خلاف الطبعِ، و ليس هذا تكراراً حقيقيّاً، كما هو واضحٌ.

فهذا الاحتمالُ لا غبارَ عليه من هذه الناحية.

الثاني: أنْ يكونَ الجزاءُ قولَه: «فإنّه على يقينٍ من وضوئه»، فيتخلّصُ بذلك من التقدير.

و لكن يُلاحظُ حينئذٍ أنّه لا ربطَ بين الشرطِ و الجزاءِ؛ لوضوحِ أنّ اليقينَ بالوضوءِ غيرُ مترتِّبٍ على عدمِ اليقينِ بالنومِ، بل هو ثابتٌ على أيِّ حالٍ، و من هنا يتعيّنُ حينئذٍ لأجلِ تصويرِ الترتّبِ بين‏

135

الشرطِ و الجزاءِ أنْ يُحمل قولُه «فإنّه على يقينٍ من وضوئه» على أنّه جملةٌ إنشائيةٌ يُرادُ بها الحكمُ بأنّهُ متيقّنٌ تعبّداً، لا خبريةٌ تتحدّثُ عن اليقينِ الواقعيِّ لهُ بوقوع الوضوءِ منه، فإنّ اليقينَ التعبُّدِي بالوضوءِ يمكنُ أن يكونَ مترتِّباً على عدم اليقينِ بالنوم؛ لأنّه حكمٌ شرعيٌّ، خلافاً لليقينِ الواقعيِّ بالوضوءِ فإنّه ثابتٌ على أيِّ حالٍ، و لكنَّ حملَ الجملةِ المذكورةِ على الإنشاءِ خلافُ ظاهرِها عرفاً.

الثالثُ: أنْ يكونَ الجزاءُ قولَه: «و لا ينقض اليقينَ بالشكِّ»، و أمّا قولُه: «فإنّه على يقين من وضوئه» فهو تمهيدٌ للجزاء أو تتميمٌ للشرط.

و هذا الاحتمالُ أضعفُ من سابقِه؛ لأنّ الجزاءَ لا يناسِبُ الواوَ،

و الشرطَ و تتميماتِه لا تناسبُ الفاءَ.

و هكذا يتبيّنُ أنّ الاحتمالَ الأوّلَ هو الأقوى، و لكنْ يبقى أنّ ظاهرَ قولِه: «فإنّه على يقين من وضوئه» كونُه على يقينٍ فعليٍّ بالوضوءِ، و هذا إنّما ينسجمُ مع حملِ اليقينِ على اليقينِ التعبّديِ الشرعيِّ كما يفترضُه الاحتمالُ الثاني، لأنّ اليقينَ إذا حملْناه على اليقين التعبّدي الشرعيِّ فهو يقينٌ فعليٌّ بالوضوء، و لا ينسجمُ مع حملِه على اليقين الواقعيِّ؛ لأنّ اليقينَ الواقعيَّ بالوضوء ليس فعلياً، بل المناسبُ حينئذٍ أن يقالَ: «فإنّه كان على يقينٍ من وضوئه». فظهورُ الجملةِ المذكورةِ في فعليّة اليقينِ قد يُتّخذُ قرينةً على حمْلها

136

على الإنشائية.

فإن قيل: أو ليسَ المكلّفُ عندَ الشكِّ في النوْمِ على يقينٍ واقعيٍّ فعلًا بأنّه كان متطهّراً، فلما ذا تفترضونَ أنّ فعليةَ اليقينِ لا تنسجمُ مع حملِه على اليقينِ الواقعيّ؟

قلنا: إنّ إسنادَ النقض إلى الشكّ في جملة «و لا ينقض اليقين بالشكّ» إنّما يصحُّ إذا أُلغِيَتْ خصوصيّةُ الزمان و جُرّدَ الشي‏ءُ المتيقّنُ و المشكوكُ عن وصْف الحدوثِ و البقاءِ كما تقدّم توضيحه، و بهذا اللحاظِ يكونُ الشكُّ ناقضاً لليقين و لا يكونُ اليقين فعلياً حينئذ.

و لكنّ الظاهرَ أنّ ظهورَ جملة «فإنّه على يقينٍ من وضوئه» في أنّه جملةٌ خبريةٌ لا إنشائيةٌ، أقوى من ظهورِ اليقينِ في الفعلية، و هكذا

نعرفُ أنّ مفاد الروايةِ أنّه: إذا لم يستيقنْ بالنومِ فلا يجبُ الوضوءُ، لأنّه كان على يقينٍ من وضوئه ثم شكَّ، و لا ينبغي أن يُنقضَ اليقينُ بالشكِّ.

137

الشرح‏

ما زال حديثنا في الجهة الأولى من جهات البحث في صحيحة زرارة الدالّة على حجّية الاستصحاب، و قد انتهينا من بحث النقطة الأولى، و حان وقت الحديث عن النقطة الثانية المتكفّلة لتصوير الجزاء في الجملة الشرطيّة.

تصوير الجزاء في صحيحة زرارة

لا شكّ في وجود جملة شرطيّة في الصحيحة و هي قوله (ع): «و إلّا فإنّه على يقين من وضوئه»، فإنّ «إن» هي أداة الشرط، و الشرط هو «إن لم يستيقن أنّه قد نام»، و هذا ممّا لا خلاف فيه بين الأصوليّين، إنّما وقع الكلام بينهم في تصوير الجزاء، و في هذا الصدد تطرح ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأوّل: أن يقال: بأنّ الجزاء محذوف و مقدّر، و تقديره: «فلا يجب الوضوء»، و يكون معنى الجملة: إن لم يستيقن أنّه قد نام فلا يجب عليه الوضوء، و أمّا قوله (ع): «فإنّه على يقين من وضوئه» فهو تعليل للجزاء المحذوف، بمعنى أنّ سبب عدم وجوب إعادة الوضوء لمن شكّ في تحقّق النوم الناقض للوضوء هو كونه على يقين سابق به، و قد ذهب لهذا الاحتمال شيخنا الأعظم (رحمة الله عليه) في رسائله‏ (1).

و قد لوحظ على هذا الاحتمال بملاحظتين:

الأولى: أنّه يلزم منه التقدير، و هو خلاف الأصل المتعارف في المحاورات، و لا يخفى أنّ الرواية أشبه بمحاورة بين زرارة و الإمام‏

____________

(1) () فرائد الأصول: ج 2، ص 201.

138

الصادق (ع)، و الأصل في المحاورة أن يكون جزاء الجملة الشرطية مذكوراً لا مقدّراً.

الثانية: أنّه يلزم منه التكرار، فإنّ الجزاء المقدّر (فلا يجب الوضوء) ذكر في الرواية قبل هذا المقطع، حيث سأل زرارة الإمام (ع) فقال له: «قلت: فإن حرّك على جنبه شي‏ء و لم يعلم به، فقال (ع): لا»، أي لا يجب الوضوء، فإذا افترضنا أنّ الجزاء المقدّر في الجملة الشرطيّة هو «فلا يجب الوضوء» أيضاً، فهذا يعني تكرار ما هو مذكور سابقاً، و التكرار على خلاف الأصل أيضاً.

و يمكن الجواب عن كلتا الملاحظتين:

أمّا ملاحظة التقدير فيمكن دفعها بأنّ القول بكون التقدير على خلاف الأصل في المحاورات العرفية إنّما هو لأجل تأديته إلى فتح باب الاحتمالات المتعدّدة في مراد المتكلّم، فواحد يحتمل أن يكون مراده شيئاً و ثانٍ يحتمل أن يكون مراده شيئاً آخر و ثالث يحتمل شيئاً ثالثاً و هكذا، و حيث إنّ المعروف بين العقلاء أنّ المتكلّم يبيّن تمام مراده بكلامه، فيكون التقدير في مثل هذه الحالة على خلاف الأصل في المحاورات بسبب تأديته إلى إجمال الكلام و تردّده بين احتمالات متعدّدة.

و أمّا إذا فرضنا أنّ التقدير يكون مسبوقاً بكلام صرّح فيه المتكلّم بما هو مقدّر، و يكون ذلك التصريح السابق بمثابة القرينة المتّصلة التي تعيّن المقدّر و تبيّنه بما لا تترك مجالًا للشكّ في وجود احتمال آخر في الشي‏ء المقدّر، فلا

يكون التقدير في مثل هذه الحالة على خلاف الأصل؛ لانتفاء النكتة و هي تردّد الكلام بين احتمالات، إذ المفروض أنّه مسبوق بالتصريح الذي يُعين على تحديد المراد من المقدّر.

139

و المقام من هذا القبيل، فإنّ الإمام (ع) في جوابه لزرارة صرّح بعدم وجوب الوضوء بقوله (ع): «لا» أي لا يجب الوضوء، و من ثمّ يكون تقدير الجزاء ب: «فلا يجب الوضوء» تقديراً بعد تصريح و هو ليس مخالفاً للأصل في باب المحاورات العرفية.

و أمّا ملاحظة التكرار فتندفع بأنّ التكرار الذي يكون على خلاف الأصل في المحاورات هو التكرار بنحو التأكيد اللفظي، أي إعادة ما ذكر سابقاً بعينه من دون غرض، و لهذا يقال بأنّه لو دار الأمر بين حمل اللفظ في جملة على أن يكون تأكيداً محضاً لأمر سابق و بين حمله على التأسيس لمطلب جديد، تحمل اللفظة على الثاني، فإنّ التكرار و إعادة اللفظ بعينه و إرادة نفس ما هو مذكور سابقاً على خلاف الأصل، و أمّا التكرار الملفّق من التصريح و التقدير فليس على خلاف الأصل في المحاورات، لأنّه ليس تأكيداً لفظيّاً بل هو تقدير ما هو مصرّح به سابقاً و كم له نظير في المحاورات.

و المقام من هذا القبيل فإنّ المقدّر «فلا يجب الوضوء» مصرّح به قبل الجملة الشرطية، فهو تقدير بعد تصريح، و مثل هذا التكرار الملفّق لا يقدح في الأصل في المحاورات لأنّه ليس تكراراً حقيقيّاً و إعادة للّفظ السابق بعينه، و هو أمرٌ متعارف عليه في محاورات العقلاء.

فظهر ممّا عرضناه في إجابة الملاحظتين أنّ الاحتمال الأوّل لا غبار عليه من هذه الجهة أي التقدير و التكرار، نعم قد يشكل عليه من جهة أخرى كما سيتّضح في عرض إشكال آخر و جوابه فيما بعد، فترقّب.

الاحتمال الثاني: أن يكون الجزاء في الجملة الشرطيّة هو قوله (ع): «فإنّه على يقين من وضوئه» (1)، و بذلك يكون الجزاء مصرّحاً به في الكلام و لا

____________

(1) () انظر: فوائد الأصول: ج 4، ص 336.

140

يحتاج إلى تقدير كما ذكرناه في الاحتمال الأوّل.

و لكن يلاحظ على هذا الاحتمال و الملاحظ صاحب الكفاية بأنّ لازمه عدم وجود ربط و ترتّب بين الجزاء و الشرط، فإنّه من المعلوم أنّ العلاقة بين الشرط و الجزاء في الجملة الشرطية هي علاقة العلّة بالمعلول، و لذا يقترن الجزاء عادةً بالفاء الذي هو حرف يفيد الترتّب في اللغة العربية، كما لو قلت: حرّكت يدي فتحرّك المفتاح، فإنّ حركة المفتاح معلولة لحركة اليد و مترتّبة عليها، و المقام من هذا القبيل.

فلكي يقال بأنّ جملة «فإنّه على يقين من وضوئه» جزاء للشرط ينبغي تصوير ترتّبها على الشرط و أنّها معلول له، و الحال أنّه لا ربط بين الشرط و جزائه على هذا الاحتمال، فأيّ ترتّب بين كون المكلّف على يقين من وضوئه (الجزاء) و بين عدم يقينه بالنوم (الشرط)؟ حيث إنّه من الواضح أنّ يقينه السابق بالوضوء ثابت على أيّ حال سواء استيقن أنّه قد نام أو لا، فإنّ المراد من اليقين هو اليقين بحدوث الوضوء، و هو موجود حتّى مع فرض تيقّنه بالنوم فضلًا عن عدم تيقّنه به كما هو مفاد الشرط.

إذاً، لكي يقال بالاحتمال الثاني في تصوير الجزاء لا بدّ من تصويره بنحو يحفظ معه الترتّب بينه و بين الشرط، و هو ما حاوله صاحب الكفاية (رحمة الله عليه)، و خلاصة محاولته: أنّ جملة «فإنّه على يقين من وضوئه» و إن كانت بحسب صياغتها اللغوية و ظاهرها جملة اسمية خبرية، فإنّ ظاهرها الإخبار عن أنّ المكلّف كان على يقين من وضوئه قبل عروض الخفقة و الخفقتين و تحريك‏

شي‏ء على جنبه، إلّا أنّنا و لأجل تصوير الترتّب بين الشرط و الجزاء نحملها على أنّها جملة إنشائية و بصدد جعل المكلّف متيقّناً تعبّداً بالوضوء بالرغم من الشكّ فيه الناشئ من شكّه في النوم الناقض له، فإنّه إذا بنينا على‏

141

ذلك فسيكون الترتّب موجوداً، إذ إنّ الشارع يمكنه أن يحكم في حقّ من كان على يقين بوضوئه سابقاً ثمّ شكَّ فيه، يحكم عليه شرعاً بأنّه على يقين بوضوئه تعبّداً، و التعبّد باليقين بالوضوء مترتّب كما هو واضح على عدم اليقين بالنوم، أو قل على الشكّ في الوضوء الناشئ من الشكّ في النوم، و بذلك تكون الجملة المذكورة جزاءً للشرط.

بعبارة أخرى: إنّ ظاهر جملة «فإنّه على يقين من وضوئه» أنّها جملة خبرية تشير إلى اليقين الواقعي بالوضوء و الذي كان المكلّف متّصفاً به قبل عروض الشكّ، و لكن حمل اليقين في الجملة على هذا المعنى لمّا كان موجباً لنفي الارتباط بين الشرط و الجزاء، فتعيّن حمله على اليقين التعبّدي الذي يمكن تصوّره من خلال حمل الجملة على الإنشاء لا الإخبار، بمعنى أنّ الإمام (ع) في قوله لزرارة: «و إلّا فإنّه على يقين من وضوئه» يريد القول بأنّ من كان على يقين من وضوئه سابقاً ثمّ شكّ فيه فهو باق تعبّداً على يقينه، فيكون اليقين التعبّدي مسبّباً عن عدم اليقين بالنوم و مترتّباً عليه.

هذا خلاصة ما أفاده صاحب الكفاية (قدس سره) في محاولة تصوير الربط بين الشرط و الجزاء وفق هذا الاحتمال.

إلّا أنّ السيّد الشهيد (قدس سره) يعلّق على هذه المحاولة بأنّها خلاف ظاهر الجملة، فإنّ الظاهر عرفاً من قوله (ع): «فإنّه على يقين من وضوئه» أنّها جملة خبرية تخبر عن اليقين السابق بالوضوء، لا أنّها جملة إنشائية.

إن قلت: إنّ استعمال الجملة الخبرية و إرادة الإنشاء منها غير عزيز في الشريعة، فقد جاء استعمال الإخبار في الإنشاء في موارد عديدة على لسان‏

الشارع، كما في بعض تعبيرات الأئمّة (عليهم السلام) عند إرادة إنشاء حكم بوجوب إعادة الصلاة أو الغسل مثلًا بقولهم: «يعيد»، و لا شكّ أنّه إخبار قصد

142

به الإنشاء، فلِمَ لا يكون المقام كذلك؟

قلت: إنّ الأمر و إن كان كما ذكر، إلّا أنّه فيما لو كانت الجملة الخبرية فعليّة كما في «يعيد»، لا فيما إذا كانت اسمية كما في المقام، إذ لم يعهد استعمال الجملة الخبرية الاسمية في مقام الإنشاء (1).

الاحتمال الثالث: أن يكون الجزاء في الجملة الشرطيّة هو قوله (ع): «و لا تنقض اليقين بالشكّ»، و يكون المعنى: إن لم يستيقن المكلّف أنّه قد نام فلا ينقض اليقين بالشكّ، و أمّا قوله (ع): «فإنّه على يقين من وضوئه» فهو جملة واقعة بعد الشرط و قبل الجزاء، و فيها احتمالان:

1 أن تكون من متمّمات الشرط.

2 أن تكون من ممهّدات الجزاء.

فلا هي واقعة بعد الجزاء تعليلًا له كما هو مفاد الاحتمال الأوّل، و لا هي بعينها الجزاء كما هو مفاد الاحتمال الثاني، و إنّما هي إمّا من متمّمات الشرط (إن لم يستيقن أنّه قد نام)، أو من ممهّدات الجزاء (و لا ينقض اليقين بالشكّ).

و لم يدخل المصنّف (قدس سره) في تفصيل هذه النقطة و اختيار الصحيح منها، ذلك أنّ تصوير الجزاء ب «لا تنقض اليقين بالشكّ» لا يتأثّر سواء كانت الجملة التي قبله ممهّدة له أو متمِّمة للشرط.

و أصل هذا الاحتمال غير مقبول عنده (قدس سره)؛ ذلك أنّ الجزاء بناءً عليه يكون مقترناً بالواو، في حين أنّ الصحيح هو اقترانه بالفاء، لأنّه مترتّب على‏

الشرط، و ما يفيد الترتّب في اللغة هو الفاء لا الواو. هذا إن قلنا إنّ الجزاء هو «لا تنقض اليقين بالشكّ» و ما قبله تمهيد له.

____________

(1) () و قد أشار إلى هذا الجواب السيّد الخوئي، انظر: مصباح الأصول: ج 3، ص 17.

143

و أمّا إذا قلنا بأنّ ما قبله من متمّمات الشرط فالمشكلة من ناحيتين:

الأولى: نفس المشكلة السابقة، و هي اقتران الشرط بالواو.

الثانية: إذا كانت جملة «فإنّه على يقين من وضوئه» من متمّمات الشرط فالمناسب هو عطفها على الشرط بالواو لا الفاء لأنّه المناسب للتتميم، و كان حقّ الكلام أن يكون: (و إلّا و أنّه على يقين من وضوئه فلا ينقض اليقين بالشكّ)، مع أنّه ليس كذلك.

و بهذا يظهر ضعف هذا الاحتمال أيضاً كسابقه.

مختار السيّد الشهيد

بعد بطلان الاحتمالين الثاني و الثالث لاستلزامهما مخالفة الظهور، يتعيّن أن يكون الاحتمال الأوّل هو الصحيح و الأقوى كما يقول المصنّف (قدس سره)، و لا مشكلة فيه من ناحية التقدير و التكرار اللّذين أجبنا عنهما فيما سبق.

نعم، تبقى مشكلة جديدة لا بدّ من الإجابة عنها ليحكم بصحّة الاحتمال الأوّل، و حاصل الإشكال الجديد هو: أنّ هذا الاحتمال يفترض أنّ الجزاء مقدّر و هو «فلا يجب الوضوء»، و أمّا قوله (ع): «فإنّه على يقين من وضوئه» فهو بمثابة التعليل لهذا الجزاء، بمعنى أنّ علّة عدم وجوب إعادة الوضوء عند الشكّ فيه هو كون المكلّف على يقين واقعي حقيقيّ سابقاً، و لكن الظاهر من قوله (ع): «فإنّه على يقين من وضوئه» أنّ المكلّف على يقين فعليّ الآن بالوضوء لا أنّه على يقين به في السابق، و اليقين الفعلي لا يلائم كونه وجدانيّاً حقيقيّاً و إنّما يلائم كونه تعبّدياً، و ما يلائم تعبّدية اليقين هو الاحتمال الثاني في تصوير الجزاء و الذي صوّر جملة «فإنّه على يقين ...»

بأنّها جملة إنشائيّة لا خبرية؛ ذلك أنّ اليقين الواقعي السابق غير فعليّ الآن على مستوى البقاء؛ لعروض الشكّ في بقائه نتيجة الشكّ في حصول النوم‏

144

الناقض له، و لو كان هو المراد في الجملة لكان من المناسب أن يُقال في الصحيحة: (فإنّه كان على يقين من وضوئه)، و لا يكتفى بالقول بأنّه على يقين من وضوئه، الظاهر في اليقين الفعلي.

بينما لو حملنا اليقين في الجملة على اليقين التعبّدي كما هو حاصل محاولة صاحب الكفاية فسيكون موافقاً لظاهرها، لأنّ اليقين التعبّدي يقين فعليّ، فيكون ظهور جملة «فإنّه على يقين من وضوئه» في فعليّة اليقين بمثابة القرينة المتّصلة لحمل الجملة المذكورة على الإنشاء لا الإخبار، و هو ما يتوافق مع الاحتمال الثاني في تصوير الجزاء لا الأوّل.

فإن قيل: لما ذا تقولون بأنّ حمل اليقين في جملة «فإنّه على يقين من وضوئه» على اليقين الفعلي لا ينسجم مع اليقين الواقعي و بالتالي لا بدّ من حمل الجملة المذكورة على الإنشاء، فإنّنا يمكننا أن نحمله على اليقين الفعلي و مع ذلك نقول بأنّ المذكور في الجملة هو اليقين الواقعي بالوضوء، لأنّ المقصود باليقين بالوضوء هو اليقين بحدوثه، و هو موجود فعلًا عند المكلّف حتّى بعد عروض الشكّ، فإنّ اليقين بالحدوث و الشكّ في البقاء يمكن اجتماعهما، و من ثمّ يكون شاكّاً فعلًا في البقاء، مع أنّه متيقّن فعلًا بالحدوث، فلما ذا إذاً تفترضون أنّ فعليّة اليقين لا تنسجم مع كونه اليقين الواقعي؟

كان الجواب: إنّنا ذكرنا سابقاً أنّ إسناد النقض إلى الشكّ في الصحيحة في حالة البناء على الشكّ لا يتصوّر إلّا في حالة إلغاء خصوصيّة الزمان و عدم تقطيع الشي‏ء المتيقّن إلى حدوث و بقاء، فبناءً على ذلك لا يكون اليقين الواقعي بالوضوء فعليّاً، إذ المفروض أنّ الشكّ فيه موجود أيضاً،

و بعد وجوده لا يكون اليقين بالوضوء فعليّاً، إذ كيف يجتمع يقين فعليّ‏

145

بالوضوء و شكّ فعليّ به أيضاً؟

و باتّضاح عدم تماميّة هذا الاعتراض المثار على الإشكال، نبقى بحاجة إلى دفعه لأجل الانتهاء إلى صحّة الاحتمال الأوّل في تصوير الجزاء.

و في حقيقة الأمر أنّ الأصوليّ يبقى مردّداً بين مخالفة أحد ظهورين؛ إمّا حمل جملة «فإنّه على يقين من وضوئه» على اليقين الفعلي الذي يحصل بالقول بأنّها جملة إنشائية، و هو خلاف ظهورها في أنّها جملة خبرية.

أو حملها على اليقين الواقعي الذي يحصل بالقول بأنّها جملة خبرية، و هو خلاف ظهورها في فعليّة اليقين.

و من هنا يطرح هذا السؤال: أيّ من الظهورين أقوى: ظهورها في الإخبار لا الإنشاء أقوى من ظهورها في فعليّه اليقين لا واقعيّته ليُقال بصحّة الاحتمال الأوّل في تصوير الجزاء، أم العكس ليقال بصحّة الاحتمال الثاني في تصويره؟

يقول المصنّف (قدس سره) بأنّ ظهور الجملة في الإخبار أقوى من ظهورها في فعليّة اليقين؛ ذلك أنّ حملها على اليقين الفعلي يتوقّف على حملها على الإنشاء أوّلًا و هو غير ظاهر في نفسه، إذ إنّ الجملة بحسب تركيبها اللغوي خبرية كما هو واضح، بخلاف القول بظهورها في الإخبار فهو ظاهر في نفسه، و لا يمنع منه شي‏ء سوى دعوى ظهور اليقين فيها بأنّه يقين فعليّ. و هذا المبرّر المتوقّف على حمل الجملة على الإنشاء غير تامّ في نفسه؛ لأنّه إذا كان اليقين في هذه الجملة تعبّديّاً فما ذا يقال في حقّ اليقين في الجملة التي بعدها «و لا ينقض اليقين بالشكّ»؟

فإنّه لا يخلو من أن يكون إمّا يقيناً تعبّديّاً أيضاً، أو وجدانيّاً و لا ثالث،

و لا شكّ في حمله على الثاني، إذ لا معنى لحمله على اليقين التعبّدي، لأنّ‏

146

المعنى سيكون: «إنّ اليقين التعبّدي أي الحجّة لا ينبغي نقضه بالشكّ»، و هذا أمرٌ واضح و لا يحتاج إلى بيان، فإنّ اليقين التعبّدي لا يحصل إلّا عند الشكّ و حكم الشارع بعدم الاعتناء به، و لا معنى لتعبير الشارع ثانياً بعدم نقضه بالشكّ، فينحصر حمل اليقين في الجملة الثانية على اليقين الوجداني.

و إذا كان اليقين في جملة «و لا تنقض اليقين بالشكّ» وجدانيّاً فهو في جملة «فإنّه على يقين من وضوئه» وجدانيّ أيضاً؛ لئلّا يلزم منه انثلام وحدة السياق أوّلًا، و لأنّ العلاقة بين الجملتين هي علاقة الصغرى بالكبرى المشكّلتين لدليل حجّية الاستصحاب ثانياً:

«فإنّه على يقين من وضوئه» صغرى.

«و لا ينقض اليقين بالشكّ» كبرى.

و هذا لا يكون إلّا مع وحدة معنى اليقين في الجملتين، و إلّا لا يصحّ تأليف قياس منهما، و حيث ثبت أنّ معناه في الكبرى وجدانيّ لا تعبّديّ فهو في الصغرى كذلك.

فبان أنّ ظهور جملة «فإنّه على يقين من وضوئه» في فعليّة اليقين غير بيّن في نفسه، بينما ظهورها في الإخبار لا غبار عليه، فيكون أقوى.

و بهذا نصل إلى عدم صحّة الاعتراض الجديد و أنّ الصحيح في تصوير الجزاء هو الاحتمال الأوّل، و يكون مفاد الصحيحة: إنّ المكلّف إذا لم يستيقن أنّه قد نام (الشرط) فلا يجب عليه الوضوء (الجزاء)، و سببه أنّه كان على يقين سابق من وضوئه و لا ينبغي عليه نقض ذلك اليقين بالشكّ.

147

أضواء على النصّ‏

قوله (قدس سره): «في تحديد عناصر الجملة المذكورة». و هي قوله (ع): «و إلّا فإنّه على يقين من وضوئه».

قوله (قدس سره): «يكون قد بيّن مرّة قبل الجملة الشرطيّة». في قوله (ع): «لا»، أي لا يجب عليه الوضوء.

قوله (قدس سره): «حيث صرّح بعدم وجوب». هذا بيان للقرينة المتّصلة على تعيين الجزاء المقدّر.

قوله (قدس سره): «و ليس هذا تكراراً حقيقيّاً». لأنّ التكرار الحقيقي هو إعادة ذكر اللفظ المصرّح به سابقاً، لا تقدير ما هو مصرّح به سابقاً.

قوله (قدس سره): «لا غبار عليه من هذه الناحية». إشارة إلى أنّه قد يشكل على هذا الاحتمال من ناحية أخرى كما سيتّضح فيما بعد.

قوله (قدس سره): «و لكن يلاحظ حينئذ أنّه لا ربط بين الشرط و الجزاء». و الملاحظ هو صاحب الكفاية (رحمة الله عليه).

قوله (قدس سره): «بل هو ثابت». أي: اليقين بالوضوء.

قوله (قدس سره): «فإنّ اليقين التعبّدي بالوضوء يمكن أن يكون ..». قوله «يمكن» إشارة إلى أنّ الأمر راجع إلى الشارع فله أن يجعل اليقين التعبّدي بالوضوء مترتّباً على عدم اليقين بالنوم، و له أن لا يجعله.

قوله (قدس سره): «لأنّه حكم شرعيّ ..». أي: اليقين التعبّدي بالوضوء.

قوله (قدس سره): «على يقين واقعيّ فعلًا ..». أي: يقين بحدوث الوضوء.

قوله (قدس سره): «كما تقدّم توضيحه». في النقطة الأولى.

148

الجهةُ الثانيةُ: في أنّ الروايةَ هل هي ناظرةٌ إلى الاستصحابِ أو إلى قاعدةِ المقتضى و المانعِ؟

فقد يقالُ: إنّ الاستصحابَ يتعلّقُ فيه الشكُّ ببقاءِ المتيقّنِ، و قد فُرضَ في الروايةِ اليقينُ بالوضوءِ، و الوضوءُ ليس له بقاءٌ ليُعقلَ الشكُّ في بقائه، و إنّما الشكُّ في حدوثِ النومِ، و ينطبقُ ذلك على قاعدةِ المقتضى و المانعِ، لأنّ الوضوءَ مقتضٍ للطهارة، و النومَ رافعٌ و مانعٌ عنها. فالمقتضى في موردِ الرواية معلومٌ، و المانعُ مشكوكٌ، فيُبنى على أصالة عدمِ المانع و ثبوتِ المقتضى بالفتح.

و يردُ على ذلك: أنّ الوضوءَ قد فُرضَ له في الشريعةِ بقاءٌ و استمرارٌ، و لهذا عُبِّرَ عن الحدثِ بأنّه ناقضٌ للوضوء، و قيلَ للمصلّي: أنّه على وضوءٍ. و ليس ذلك إلّا لافتراضِه أمراً مستمرّاً، فيتعلّقُ الشكُّ ببقائِه و ينطبقُ على الاستصحاب.

و نظراً إلى ظهور قولِه: «و لا ينقض اليقينَ بالشكّ» في وحدةِ متعلّقِ اليقينِ و الشكِّ، يتعيّنُ تنزيلُ الروايةِ على الاستصحاب.

الجهةُ الثالثةُ: بعد افتراضِ تكفُّلِ الروايةِ للاستصحاب، يقعُ الكلامُ في أنّه هل يُستفادُ منها جعلُ الاستصحابِ على وجهٍ كلّيٍّ كقاعدةٍ عامّةٍ، أو لا تدلُّ على أكثرَ من جريانِ الاستصحابِ في بابِ الوضوءِ عند الشكِّ في الحدث؟

149

قد يقالُ بعدم الدلالةِ على الاستصحاب كقاعدةٍ عامّةٍ؛ لأنّ‏

اللامَ في قولِه «و لا ينقض اليقينَ بالشكّ» كما يمكنُ أن يكونَ للجنسِ فتكونُ الجملةُ المذكورةُ مطلقةً، كذلك يُحتملُ أن يكونَ للعهدِ و للإشارةِ إلى اليقينِ المذكورِ في الجملةِ السابقةِ (فإنّه على يقينٍ من وضوئه) و هو اليقينُ بالوضوءِ، فلا يكونُ للجملةِ إطلاقٌ لغيرِ موردِ الشكِّ في انتقاضِ الوضوءِ، و إجمالُ اللامِ و تردُّدُه بين الجنسِ و العهدِ كافٍ في منع الإطلاق.

و يردُ على ذلك:

أوّلًا: إنّ قولَه «فإنّه على يقينٍ من وضوئه» مسوقٌ مساقَ التعليلِ للجزاءِ المحذوفِ كما تقدّمَ و ظهورُ التعليلِ في كونِه تعليلًا بأمرٍ عرفيٍّ، و تحكيمُ مناسباتِ الحكمِ و الموضوعِ المركوزةِ عليه، يقتضي حملَ اليقينِ و الشكِّ على طبيعيِّ اليقينِ و الشكِّ، لأنّ التعليلَ بكبرى الاستصحابِ عرفيٌّ و مطابقٌ للمناسباتِ العرفيّةِ، بخلافِ التعليلِ باستصحابٍ مجعولٍ في خصوصِ بابِ الوضوء.

و ثانياً: إنّ اللامَ في قولِه «و لا ينقض اليقينَ بالشكّ» لو سُلّمَ أنّها للعهدِ و الإشارةِ إلى اليقينِ الواردِ في جملة «فإنّه على يقينٍ من وضوئه» فلا يقتضي ذلك اختصاصَ القولِ المذكورِ ببابِ الوضوءِ، لأنّ قيدَ «من وضوئه» ليس قيداً لليقين، حيث إنّ اليقينَ لا يتعدَّى عادةً إلى متعلّقِه ب «من»، و إنّما هو قيدٌ للظرف. و محصّلُ العبارةِ: أنّه‏

150

من ناحيةِ الوضوءِ على يقين. و هذا يعني أنّ كلمةَ «اليقينِ» استُعملتْ في معناها الكلّيِّ، فإذا أُشير إليها لم يقتضِ ذلك‏

الاختصاصَ ببابِ الوضوءِ، خلافاً لما إذا كان القيدُ راجعاً إلى نفس اليقينِ، و كان مفادُ الجملةِ المذكورةِ أنّه على يقينٍ بالوضوءِ؛ فإنّ الإشارةَ إلى هذا اليقينِ توجبُ الاختصاصَ.

و على هذا: فالاستدلالُ بالروايةِ تامٌّ، و هناك رواياتٌ عديدةٌ أخرى يُستدلُّ بها على الاستصحاب، و لا شكَّ في دلالةِ جملةٍ منها.

151

الشرح‏

كان كلامنا فيما سبق في الجهة الأولى من البحث في صحيحة زرارة، و قد تناولنا فقه الرواية بتحليل فقرة الاستدلال فيها عبر نقطتين تقدّم البحث فيهما، و حان وقت الحديث عن الجهة الثانية في الصحيحة.

صحيحة زرارة .. الجهة الثانية

إنّ الجهة الثانية من البحث في الصحيحة هي في دلالتها على الاستصحاب أو على قاعدة المقتضي و المانع، و السؤال: هل صحيحة زرارة ناظرة إلى القاعدة محلّ البحث، أم تدلّ على القاعدة الثانية؟

قد يُقال: بأنّ الصحيحة ناظرة إلى قاعدة المقتضي و المانع لا الاستصحاب، لأنّ مورد جريانه هو ما لو كان المتيقّن شيئاً فيه قابلية البقاء و الاستمرار بنحو يحصل للمكلّف اليقينُ بالحدوثِ و الشكُّ في البقاء، فإذا تيقّن بحدوثه و شكّ في بقائه أجرى استصحاب بقائه، و ليس حال المتيقّن في الرواية كذلك، فإنّ الوضوء ليس قابلًا للبقاء و الاستمرار، فهو عبارة عن أفعال مكوّنة من غسلتين و مسحتين، و بمجرّد الانتهاء منها ينتهي‏

الوضوء و لا يبقى.

بعبارة ثانية: بين فقهائنا بحثٌ في معنى الوضوء، فما المراد به؟ أنفس الأفعال، أم الطهارة و الحالة المعنوية التي تبيح للمكلّف عند حصولها الصلاة و الطواف و سائر ما هو مشروط بالطهارة؟ لكلٍّ من القولين ذهب جماعة.

152

و لا يخفى أنّ القول بعدم قابليّة الوضوء للبقاء و الاستمرار مبنيّ على تعريفه بسببه أي الأفعال الخارجيّة، فحيث إنّ سبب الوضوء ينتهي و غير قابل للاستمرار فلا معنى لاستصحاب بقاء الوضوء عند الشكّ فيه، فهو غير باقٍ أصلًا ليُشكّ في بقائه.

إن قلت: إنّ الشكّ إن لم يكن متعلّقاً بالوضوء في الصحيحة، فبم تعلّق إذاً؟

قلت: إنّه متعلّق بحدوث النوم الناقض للوضوء لا أنّه شكّ في بقاء الوضوء.

و بهذا تكون الصحيحة ناظرة إلى قاعدة المقتضي و المانع، باعتبار أنّ الوضوء مقتضٍ للطهارة، و الشكّ متعلّق بحدوث النوم الناقض له، و من الواضح أنّ ما تعلّق به اليقين شي‏ء و ما تعلّق به الشكّ شي‏ءٌ آخر، و هو مورد جريان قاعدة المقتضي و المانع لا الاستصحاب؛ لعدم وحدة متعلّق اليقين و الشكّ. فاليقين تعلّق بالمقتضي للطهارة أي الوضوء، و الشكّ تعلّق بالمانع و هو النوم، و في مثل هذه الحالة يحكم بجريان أصالة عدم المانع، و يثبت فيه المقتضي و تأثيره في وجود المقتضى.

هذا إشكال يُثار لصرف الصحيحة عن الاستصحاب إلى قاعدة المقتضي و المانع، و قد اتّضح أنّه مبنيّ على تفسير الوضوء بالأفعال و السبب‏

الخارجي المحصّل له.

و الجواب عن هذا الإشكال: إنّ الشارع المقدّس قد افترض أنّ الوضوء في الشريعة قابل للبقاء و الاستمرار، و لذا ورد في نصوص الشارع بأنّ الحدث و النوم مثلًا ناقضان للوضوء، و لو لم تكن فيه قابلية الاستمرار و البقاء لما صحّ التعبير عنهما بأنّهما ناقضان له.

153

بعبارة أخرى: إنّنا لا نقبل تفسير الوضوء بالسبب و الفعل الخارجي، و إنّما نقول إنّه الطهارة المترتّبة عليه و التي يستباح بها التكاليف المشروطة به، و واضح أنّ هذه الحالة المعنوية لا تزول عن المكلّف بمجرّد الانتهاء من الغسل و المسح، بل تبقى ما لم يرفعها رافع كالحدث و النوم، و من ثمّ فبالإمكان من تيقّنها سابقاً و الشكّ فيها لاحقاً، فيُستصحب بقاؤها.

أضف إليه: أنّ مورد قاعدة المقتضي و المانع هو ما لو كان متعلّق اليقين و الشكّ متعدّداً، في حين إنّ الظاهر من قوله (ع): «و لا تنقض اليقين بالشكّ» أنّ الشكّ يتعلّق بنفس ما تعلّق به اليقين، أي أنّ متعلّقهما واحد، و هو مورد جريان الاستصحاب لا قاعدة المقتضي و المانع. فالصحيحة تامّة إذاً من هذه الجهة أيضاً.

صحيحة زرارة .. الجهة الثالثة

ممّا يُثار على الاستدلال بهذه الصحيحة على الاستصحاب القول باختصاصها بباب الوضوء، و توهّمُ ذلك ناشئ من ورود ذكر الوضوء على لسان السائل و المجيب، حيث جاء السؤال من زرارة بالنحو التالي: «الرجل ينام و هو على وضوء»، و كان جواب الإمام (ع) بعدم وجوب الإعادة معلّلًا ب: «فإنّه على يقين من وضوئه».

و التساؤل المهمّ المطروح في البحث: هل يستفاد من هذه الصحيحة

جعل الاستصحاب حجّة على وجه كلّي و بنحو يكون قاعدة عامّة تدخل في عملية الاستنباط في جميع أبواب الفقه، أم أنّ المستفاد منها حجّيته في باب الوضوء فقط؟

غير خافٍ أنّ القول باختصاص الصحيحة بباب الوضوء يصيّر الاستصحاب قاعدة فقهيّة مختصّة بباب الوضوء كبقيّة القواعد الفقهيّة التي‏

154

يختصّ كلّ منها ببابه، كقاعدة «لا تعاد» المختصّة بالصلاة. طبعاً، كلامنا إنّما هو وفق هذه الصحيحة فقط، و إلّا فيمكن القول بحجّية الاستصحاب كقاعدة عامّة حتّى لو انتهينا في هذا البحث باختصاص الصحيحة بباب الوضوء؛ لوجود أخبار صحيحة أخرى يمكننا من خلالها إثبات حجّيته بنحو كلّي.

و كيف كان، فكلامنا في هذه الجهة يقع في إثبات هذا الأمر أو نفيه.

فقد يُقال باختصاص الصحيحة بباب الوضوء و عدم دلالتها على حجّية الاستصحاب بنحو القاعدة العامّة، و ذلك لأنّ اللام في قوله (ع): «و لا تنقض اليقين بالشكّ» لا تخلو من أحد احتمالين:

الأوّل: أن تكون للجنس، بمعنى أنّ الإمام (ع) لم يكن نظره إلى مورد السؤال أي الوضوء فقط، و إنّما كان نظره إلى كلّ يقين يُشكّ فيه سواء كان في الوضوء أم الصلاة أم الصوم أم غيرها، و على ذلك تكون صحيحة زرارة دالّة على حجّية الاستصحاب بشكل مطلق، فيتمّ الاستدلال بها.

الثاني: أن تكون للعهد، بمعنى أنّ الإمام (ع) في قوله: «و لا تنقض اليقين بالشكّ» كان ناظراً إلى اليقين الذي ذكره في الجملة السابقة، أي قوله: «فإنّه كان على يقين من وضوئه»، و من الواضح أنّ اليقين المذكور فيها هو اليقين المختصّ بالوضوء، فيكون المقصود في الجملة الثانية الواقعة بعدها

مباشرةً هو المختصّ بالوضوء أيضاً، و على هذا الاحتمال لا يتمّ الاستدلال بالصحيحة على حجّية الاستصحاب بنحو كلّي، و إنّما على حجّيته في باب الوضوء فقط.

و حيث إنّ كلا الاحتمالين وارد و لا معيّن لأحدهما، فيسقط الاستدلال بهما على حجّية الاستصحاب بنحو كلّي.