الدروس شرح الحلقة الثانية - ج4

- السيد كمال الحيدري المزيد...
359 /
205

الشرح‏

بعد أن تمّت دلالة النصوص الشرعيّة و تحديداً صحيحة زرارة على حجّية الاستصحاب، يقع الكلام في عموم جريانه، في قبال بعض التفصيلات التي حاولت تخصيص جريانه في حالة دون أخرى كما سيتّضح و هو المقام الرابع من البحث في الاستصحاب.

عموم جريان الاستصحاب‏

في ضوء ما انتهينا إليه من حجّية الاستصحاب بالدليل المتقدّم أي صحيحة زرارة، يمكننا القول بجريان الاستصحاب في جميع الموارد التي تتوفّر فيها أركانه، و هذا العموم يستند في الحقيقة إلى إطلاق الصحيحة المتقدّمة، فإنّ الإمام (ع) نهى عن نقض اليقين بالشكّ مطلقاً و لم يفصّل في الموارد.

إلّا أنّ بعض الأصحاب حاول التفصيل في جريان الاستصحاب، من قبيل:

1 التفصيل بين موارد الشكّ في المقتضي و الشكّ في الرافع.

2 التفصيل بين الشبهات الحكمية و الشبهات الموضوعيّة.

بدعوى جريان الاستصحاب فيما لو كان الشكّ في الرافع و الشبهة موضوعيّة، و غير ذلك من التفصيلات.

و لكن المصنّف (قدس سره) اقتصر هنا على ذكر التفصيل الأوّل، و لتوضيحه‏

نذكر المقدّمة التالية:

206

إنّ الاستصحاب كما تقدّم يتقوّم باليقين بالحدوث و الشكّ في البقاء، و الحالة السابقة التي يُراد استصحاب بقائها على نحوين:

الأوّل: أن يكون المستصحَب قابلًا لو خلّي و طبعه و لم يعترضه عارض و مانع للبقاء و الاستمرار، من قبيل ما يقال في الفيزياء بأنّ الشي‏ء إذا تحرّك و لم يعقه عائق ففيه إمكانية الاستمرار و الحركة، فحركة الجسم لو لا الاحتكاك بالأشياء الخارجيّة المزاحمة قابلة للدوام و الاستمرارِ و التوقّفُ يحصل لأمور خارجيّة، هذا مثال في الأمور التكوينيّة. و مثاله في الشرعيّات الوضوء و باقي الطهارات، فإنّه شي‏ء لو خلّي و طبعه و لم يعرضه ناقض كالحدث و النوم فهو قابل للاستمرار، و من ثمّ يجوز للمتوضّئ لصلاة الظهر أن يصلّي بوضوئه المغرب في حالة محافظته عليه.

الثاني: أن لا يكون المستصحَب كذلك، بمعنى أنّه أمر محدود القابليّة في نفسه، فهو يقتضي الانتهاء بعد مدّة محدودة بطبعه حتّى لو لم يعترضه عارض، من قبيل الشمعة المشتعلة، فإنّها تنقضي بعد مدّة بحسب طبعها حتّى لو لم تهبّ عليها ريح و تطفئها.

إذا اتّضح ذلك نقول: إنّ الشكّ في بقاء الحالة السابقة تارةً يكون من قبيل الشكّ في شي‏ء من النحو الأوّل، أي الشكّ في بقاء أمر يقتضي بطبعه الدوام و الاستمرار و ينشأ الشكّ عادةً من عروض رافع، و هو المسمّى بالشكّ في الرافع. و أخرى يكون في شي‏ء من النحو الثاني، أي الشكّ في أمر محدود القابليّة للبقاء، و هذا الشكّ كما يحصل من الشكّ في وجود مانع و رافع عن بقائه في الفترة المحدودة يحصل أيضاً لأجل احتمال انقضائه و انتهاء قابليّته لا لأجل طروّ المانع عن بقائه، و هو المسمّى بالشكّ في المقتضي.

207

و قد فصّل الشيخ الأنصاري‏ (1) و المحقّق النائيني‏ (2) رحمهما الله بين الصورتين و قالا بجريان الاستصحاب في حالة كون الشكّ شكّاً في الرافع لا المقتضي.

و قد يُرى لأوّل وهلة أنّ هذا التفصيل لا وجه له؛ لأنّ صحيحة زرارة أي دليل الاستصحاب مطلقة و نهت عن نقض اليقين بالشكّ سواء كان الشكّ شكّاً في الرافع أو المقتضي، فما لم تقم قرينة على الاختصاص لا يكون للقول به وجه.

و من هنا صار القائل بالاختصاص بصدد بيان القرائن و الوجوه الموضّحة لصحّة دعواه باختصاص جريان الاستصحاب في موارد الشكّ في الرافع.

اختصاص جريان الاستصحاب بموارد الشكّ في الرافع‏

أبرز القائل بالاختصاص وجهين لبيان دعواه، و كلاهما يستند إلى كلمة «النقض» الواردة في صحيحة زرارة حيث عبّر الإمام (ع): ب «لا تنقض اليقين بالشك»، و الوجهان هما:

الوجه الأوّل: إنّ معنى النقض لغةً (3) و عرفاً: حلّ ما هو محكم و مبرم، فيُقال لمن استطاع أن يتخلّل الأمر المحكم و المبرم و يفكّكه و يحلّل أجزاءه أنّه نقضه، و يقال للدليل المحكم في حالة الإشكال عليه بأنّه دليل منقوض، في حين إنّه لا يقال لمن فصل الخيوط المتفكّكة بعضها عن بعض أنّه نقضها،

____________

(1) () فرائد الأصول: ج 2، ص 197.

(2) () انظر: أجود التقريرات: ج، 2 ص 351.

(3) () قال ابن منظور: «النقض: إفساد ما أبرمت من عقد أو بناء، و في الصحاح: النقض: نقض البناء و الحبل و العهد»، لسان العرب: ج 7، ص 242 نقض.

208

و ما ذلك إلّا لأجل عدم وجود حلّ و تفكيك لأمر محكم و مبرم، فالنقض إذاً عمليّة حلّ و تفكيك للأمر المحكم.

إذا اتضح ذلك نأتي إلى محلّ الكلام، فإنّنا نجد أنّ الإمام (ع) عبّر عن الشكّ في الصحيحة في حالة البناء عليه بأنّه ناقض للوضوء، و لذا نهى عن الأخذ به و ترتيب الأثر عليه، و صدق النقض على الشكّ لا يتمّ إلّا إذا كانت الحالة السابقة أمراً محكماً و مبرماً و فيه قابليّة للبقاء و الاستمرار، إذ بدون قابليّته لذلك لا يكون محكماً و لا يصدق على العمل بالشكّ أنّه نقض لليقين السابق.

بعبارة أخرى: إنّ الحالة السابقة لو كانت أمراً ليست فيه قابليّة البقاء و الاستمرار فهذا يعني أنّه أمر غير محكم، إذ المفروض أنّه ينتهي بانتهاء فترة قابليّته المحدودة و يكون منقوضاً بنفسه و لا يحتاج إلى الشكّ ليكون ناقضاً له، فلأجل صدق «النقض» في الصحيحة على الشكّ لا بدّ من افتراض كون المستصحب أمراً قابلًا للدوام و الاستمرار، و مثل ذلك لا يكون إلّا في موارد الشكّ في الرافع، فإنّ المستصحب لو لا عروض الرافع محكم و باق، و يكون الشكّ في طروّ الرافع شكّاً في حلّ إبرامه و إحكامه و استمراره، فيستصحب بقاءه، بخلاف موارد الشكّ في المقتضي، فإنّ الأخذ بالشكّ لا يصدق عليه «النقض» المنهيّ عنه؛ لعدم إحكام الحالة السابقة و قابليّتها للبقاء.

و بهذا يظهر أنّ كلمة «النقض» قرينة على اختصاص الصحيحة بموارد الشكّ في الرافع.

الوجه الثاني: أنّ الصحيحة المتقدّمة قد افترضت أنّ العمل بالشكّ و الأخذ به يعدّ نقضاً لليقين بالشكّ و هو منهيّ عنه، و ذكرنا أنّ النهي فيها

209

نهي إرشاديّ إلى الحكم ببقاء المتيقّن و الجري العملي على طبق اليقين‏

السابق، كما لو لم يكن الشكّ موجوداً، و من الواضح أنّ صدق النقض بالشكل المذكور لا يحصل إلّا مع وحدة متعلّق اليقين و الشكّ بحيث يكون الشكّ متعلّقاً بعين ما تعلّق به اليقين. و هذا الشكّ:

إمّا يتعلّق بعين ما تعلّق به اليقين حقيقةً، كما في قاعدة اليقين، فإنّ الشكّ فيها يتعلّق بعين ما تعلّق به اليقين حقيقة، و لذا يعبّر عنه بالشكّ الساري و يؤدّي إلى زلزلة اليقين السابق من أساسه.

أو يتعلّق بعين ما تعلّق به اليقين عناية و مجازاً، كما في الاستصحاب، فإنّ الشكّ فيه يتعلّق بعين ما تعلّق به اليقين مجازاً لا حقيقةً، إذ إنّ اليقينَ تعلّقَ بحدوثِ الشي‏ءِ و الشكَّ تعلّقَ ببقائِه، و لكن حيث إنّ المستصحب يفترض أنّه قابل للبقاء و الاستمرار و الدوام لو لا عروض الشكّ فيرى العرف أنّ الشكّ في الاستصحاب يكون متعلّقاً بعين ما تعلّق به اليقين، و يصحّ إسناد النقض إلى الشكّ بهذه العناية.

بعبارة واضحة: إنّ صدق النقض العملي في الصحيحة يتوقّف على وحدة متعلّق اليقين و الشكّ حقيقةً أو مجازاً، و وحدة المتعلّق حقيقة أمر غير معقول في الاستصحاب؛ لأنّ اليقين يتعلّق بحدوث الشي‏ء و الشكّ في بقائه، فلم يبق سوى وحدتهما مجازاً، و هي لا تحصل إلّا إذا فرضنا أنّ اليقين موجود إلى حين زمان الشكّ، و وجوده كذلك يعني قابليّة المستصحب للبقاء و الاستمرار ليصدق عندئذ على الأخذ بالشكّ أنّه نقض لليقين، و هو منهيّ عنه.

و من الواضح أنّ افتراض كون المستصحب كذلك إنّما يكون في حالات الشكّ في الرافع، ليمكن سحب المتيقّن من زمان الحدوث إلى زمان‏

210

البقاء، فيكون العمل بالشكّ نقضاً له، بخلاف ما لو لم يكن كذلك، كما في موارد الشكّ في المقتضي، فإنّ وحدة متعلّق اليقين و الشكّ لا يمكن‏

تصويرها لا حقيقةً و لا مجازاً:

أمّا حقيقة، فلأنّ متعلّق اليقين في الاستصحاب هو الحدوث و متعلّق الشكّ هو البقاء كما هو واضح.

و أمّا مجازاً، فلأنّ المستصحب حسب الفرض غير قابل للبقاء و الاستمرار، و من ثمّ لا يرى العرف أنّ الشكّ متعلّق بعين ما تعلّق به اليقين، و بعد عدم صدق الوحدة و لو عنايةً و مجازاً لا يصدق على العمل بالشكّ أنّه نقض لليقين السابق بالشكّ اللاحق.

فتلخّص: أنّ العناية العرفية التي صحّحت إسناد النقض إلى الشكّ في الصحيحة و هي قابليّة المستصحَب للبقاء و الاستمرار توجد في موارد الشكّ في الرافع لا المقتضي، و بهذا تكون الصحيحة مختصّة بها.

هذان وجهان ادُّعي وجودهما في كلمة «النقض» في الصحيحة، و من خلالهما تخصّص حجّية الاستصحاب و جريانه بموارد الشكّ في الرافع.

مناقشة المصنف لوجهي الاختصاص‏

ناقش السيّد الشهيد (قدس سره) كلا الوجهين:

أمّا الأوّل، فإنّه متوقّف على أن يكون المنقوض بالشكّ هو المستصحب و المتيقّن؛ إذ بناءً عليه لا بدّ من البحث و التفتيش عن جهة إحكام و إبرام فيه ليصدق على العمل بالشكّ حينئذ أنّه نقض لليقين بالشكّ و قد نهت عنه الصحيحة، إلّا أنّ الصحيح أنّ النقض فيها لم يسند إلى المتيقّن و إنّما أُسند إلى نفس اليقين، و اليقين أمرٌ محكم و مبرم لأنّه حالة من الرسوخ و الإحكام تتّصف بها النفس الإنسانية سواء كان متعلّقه أي المتيقّن أمراً محكماً أم لا،

211

و من ثمّ يكون إسناد المنقوضية إليه في الرواية صحيحاً سواء كان المستصحب أمراً قابلًا للبقاء و الاستمرار بطبعه أم لا، فتكون الصحيحة

دالّة على جريان الاستصحاب في موارد الشكّ في الرافع و المقتضي معاً.

و أمّا الثاني، فلأنّ المستدلّ لمّا رأى أنّ صدق النقض في الصحيحة متوقّف على وحدة متعلّق اليقين و الشكّ، و أنّ الوحدة الحقيقيّة غير ممكنة في الاستصحاب، توسّل بعناية عرفية تصوّر وحدتهما مجازاً و هي قابليّة المستصحب للبقاء و الاستمرار، و جواب المصنّف عن ذلك تتلخّص بالقول: إنّنا قد صحّحنا سابقاً إسناد النقض إلى الشكّ بلا حاجة إلى هذه العناية، و ذلك من خلال إلغاء خصوصيّة الزمان و تقطيع المستصحب إلى حدوث و بقاء، فإنّ الوحدة المجازية تحصل بذلك في نظر العرف و يرى بعد الإلغاء المذكور أنّ العمل بالشكّ يعدّ نقضاً لليقين و هو منهيٌّ عنه.

و من الواضح أنّ هذه العناية كما توجد في موارد الشكّ في الرافع توجد أيضاً في موارد الشكّ في المقتضي؛ لأنّ صدق النقض بعد إلغاء خصوصيّة الزمان و تجريد المتيقّن من الحدوث و البقاء موجود في كلا الموردين كما لا يخفى.

و بهذا يظهر بطلان كلا وجهي الاختصاص، و أنّ الصحيح بنظر المصنّف (قدس سره) جريان الاستصحاب في موارد الشكّ في الرافع و المقتضي، و هو عبارة أخرى عن عموم جريان الاستصحاب.

أضواء على النص‏

قوله (قدس سره): «ففي مثل ذلك يجري استصحابه». أي: المتيقّن الذي يشكّ في بقائه.

قوله (قدس سره): «و أمّا إذا كانت». أي: الحالة السابقة.

212

قوله (قدس سره): «في افتراض قابليّته». أي: المتيقّن.

قوله (قدس سره): «و هذا لا يصدق». أي: نقض اليقين بالشكّ.

قوله (قدس سره): «و مثال الأوّل». و هو تعلّق الشكّ بعين ما تعلّق به اليقين حقيقة.

قوله (قدس سره): «و مثال الثاني». و هو تعلّق الشكّ بعين ما تعلّق به اليقين عنايةً و مجازاً.

قوله (قدس سره): «فإنّ الشكّ هنا». أي: في الثاني الذي يكون الشكّ فيه متعلّقاً بعين ما تعلّق به اليقين عناية.

قوله (قدس سره): «و لكن حيث إنّ المتيقّن له قابليّة». هذه هي النكتة التي يستفيد منها القائل باختصاص جريان الاستصحاب بموارد الشكّ في الرافع.

قوله (قدس سره): «قد تعلّق به». أي: بالمتيقّن.

قوله (قدس سره): «و إضافتهما إلى ذات واحدة». أي: اليقين و الشكّ.

قوله (قدس سره): «كما تقدّم توضيحه». في الجهة الأولى من البحث في صحيحة زرارة.

213

5. تطبيقات‏

1. استصحاب الحكم المعلق‏

في مواردِ الشبهةِ الحكميةِ: تارةً يُشكُّ في بقاءِ الجعلِ؛ لاحتمالِ نسخِه، فيجري استصحابُ بقاءِ الجعل.

و أخرى: يُشكُّ في بقاءِ المجعولِ بعدَ افتراضِ تحقّقِه و فعليّتِه، كما إذا حرمَ العصيرُ العنبيُّ بالغليان، و شُكّ في بقاءِ الحرمةِ بعدَ ذهابِ الثلثينِ بغيرِ النارِ، فيجري استصحابُ المجعول.

و ثالثةً: يكونُ الشكُّ في حالةٍ وسطى بين الجعلِ و المجعول. و توضيحُ ذلك في المثال الآتي:

إذا جعلَ الشارعُ حرمةَ العنبِ إذا غلى، و نفترضُ عنباً و لكنّه بعدُ لم يغلِ، فهنا المجعولُ ليس فعليّاً، بل فعليّتُه فرعُ تحقّقِ الغليانِ، فلا علمَ لنا بفعليّةِ المجعولِ الآن، و لكنّا نعلمُ بقضيّةٍ شرطيةٍ و هي: أنّ هذا العنبَ لو غلى لحرمَ، فإذا تيبّس العنبُ بعدَ ذلك و أصبح زبيباً نشكُّ في أنّ تلك القضيةَ الشرطيةَ هل لا تزالُ باقيةً بمعنى أنّ هذا الزبيبَ إذا غلى يحرُمُ كالعنب أو لا؟ فالشكُّ هنا ليس في بقاءِ الجعلِ و نسخِه إذ لا نحتملُ النسخَ، و ليس في بقاءِ المجعولِ بعدَ العلمِ بفعليّتِه؛ إذ لم يوجد علمٌ بفعليّةِ المجعولِ بعدُ، و إنّما الشكُّ في بقاءِ تلك القضيةِ الشرطية.

214

فقد يقالُ: إنّه يجري استصحابُ تلكَ القضيّةِ الشرطيةِ لأنّها

متيقّنةٌ حدوثاً و مشكوكةٌ بقاءً، و يُسمَّى باستصحابِ الحكمِ المعلَّقِ أو بالاستصحابِ التعليقي.

و لكنْ ذهبَ المحقّقُ النائينيُّ (رحمه الله) إلى عدم جريانِ الاستصحابِ؛ إذ ليس في الحكمِ الشرعيِّ إلّا الجعلُ و المجعولُ، و الجعلُ لا شكَّ في بقائِه، فالركنُ الثاني مختلٌّ، و المجعولُ لا يقينَ بحدوثِه، فالركنُ الأوّلُ مختلّ.

و أمّا القضيّةُ الشرطيّةُ فليس لها وجودٌ في عالم التشريعِ بما هي قضيّةٌ شرطيّةٌ وراءَ الجعلِ و المجعولِ ليجريَ استصحابُها.

215

الشرح‏

يقع الكلام في بعض تطبيقات الاستصحاب، و هو المقام الخامس من البحث فيه، و التطبيقات المستعرضة هنا خمسة:

1 استصحاب الحكم المعلّق.

2 استصحاب التدريجيّات.

3 استصحاب الكلّي.

4 الاستصحاب في حالات الشكّ في التقدّم و التأخّر.

5 الاستصحاب في حالات الشكّ السببي و المسبّبي.

و سنتناول هذه التطبيقات بالبحث و التحليل بما ينسجم و هذه الحلقة. و نبدأ باستصحاب الحكم المعلّق.

استصحاب الحكم المعلّق‏

ينقسم استصحاب الحكم إلى قسمين:

الأوّل: الاستصحاب التنجيزيّ.

الثاني: الاستصحاب التعليقيّ.

أمّا الأوّل فيُقصد به الاستصحاب الذي يكون المستصحب فيه أمراً منجّزاً و فعليّاً، كما لو كان المكلّف على علم بوضوئه سابقاً ثمّ شكّ في بقائه لاحقاً، فيجري استصحاب بقائه. و المستصحب هنا قضية تنجيزيّة و غير معلّقة على شي‏ء، و هذا القسم هو ما تكلّمنا عنه في البحوث السابقة، و ما سقناه من أمثلة في استصحاب الحكم سابقاً كان لهذا القسم من الاستصحاب.

216

و أمّا القسم الثاني فهو الذي يكون المستصحب فيه قضيّة تعليقيّة لا تنجيزيّة، و لتوضيحه نقدّم المقدّمة التالية: في بادئ الأمر لا ينبغي إغفال أنّ محلّ كلامنا هو موارد الشبهات الحكميّة لا الموضوعيّة، و لهذا عبّر المصنّف (قدس سره) في عنوان هذا التطبيق ب «استصحاب الحكم المعلّق»، و الحكم كما مرّ بنا في بداية الحلقة (1) له مرحلتان: الثبوت و الإثبات، و أُولى المرحلتين تحتوي على مراتب ثلاث هي: الملاك و الإرادة و الاعتبار أي الجعل، و أوضحنا في قاعدة إمكان التكليف المشروط أنّ الحكم الشرعي تارةً يُراد به الجعل، و أُخرى المجعول، و الأوّل يُراد به الحكم الذي يجعله المولى على نهج القضيّة الحقيقيّة و الذي يلحظ فيه القيود تقديراً، و أمّا الثاني فيُقصد به فعليّة الحكم التي تتمّ في حال وجود القيود خارجاً، كما إذا وجد مكلّف مستطيع فإنّ وجوب الحجّ سيكون فعليّاً في حقّه و مجعولًا بالنسبة إليه، و أمّا قبل ذلك فإنّ وجوب الحجّ موجود في الشريعة على مستوى‏

الجعل بالنسبة إليه.

إذا اتّضح ذلك نقول: إنّ الشكّ في الحكم في موارد الشبهة الحكميّة يكون على أنحاء ثلاثة:

الأوّل: أن يعلم المكلّف بالجعل، ثمّ يشكّ في بقائه نتيجة شكّه في نسخه. فإنّنا نعلم أنّ هناك أحكاماً قد جعلت ثمّ نسخت بعد فترة من الزمن، كتقديم الصدقة عند إرادة مناجاة الرسول (ص)، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً (2)، و قد ذكر المفسِّرون‏ (3) أنّ الآية نُسخت و لم يعمل بها سوى أمير المؤمنين (ع).

____________

(1) () في بحث «الحكم الشرعي و تقسيمه».

(2) () المجادلة: 12.

(3) () انظر: مجمع البيان: ج 9، ص 417.

217

و على أيّ حال، فقد يشكّ المكلّف في بقاء الجعل بعد علمه به سابقاً، و سبب شكّه في البقاء هو احتمال نسخه، و في مثل هذه الحالة يجري استصحاب بقاء الجعل؛ لتماميّة أركان الاستصحاب في هذا النحو من الشكّ.

الثاني: أن يعلم المكلّف بالمجعول ثمّ يشكّ في بقائه، و في هذا النحو لا إشكال في جريان استصحاب بقاء المجعول لتماميّة أركانه أيضاً، كما إذا كان المكلّف على علم بفعليّة وجوب الحجّ أي المجعول في حقّه، ثمّ شكّ في بقائه؛ لشكّه في بقاء الاستطاعة، فيستصحب بقاء المجعول، أو كما إذا علم بحرمة العصير العنبي إذا غلى بالنار و لم يذهب ثلثاه، ثمّ شكّ في بقاء الحرمة بعد ذهاب الثلثين بغير النار، كما لو أغلاه على النار و أنزله قبل ذهاب الثلثين ثمّ وضعه في الشمس فذهب منه الثلثان، ففي مثل هذه الحالة يشكّ في بقاء الحرمة المعلومة سابقاً، لأنّ ذهاب الثلثين لو كان بالنار لعلم بحلّية العصير قطعاً و لكن المفروض أنّ ذهاب الثلثين حصل بالشمس، و من ثمّ فاحتمال بقاء الحرمة موجود فيستصحب بقاء الحرمة السابقة، أي المجعول.

فتحصّل: أنّ المكلّف لو كان عالماً بالجعل أو المجعول ثمّ شكّ في بقائهما فيستصحب بقاء الجعل و المجعول لتماميّة أركان الاستصحاب فيهما، و الاستصحاب في كليهما استصحاب لحكم تنجيزيّ و غير معلّق على شي‏ء.

الثالث: أن يكون الشكّ في حالة برزخية و وسطى بين الجعل و المجعول، و مثاله: ما لو جعل الشارع حرمة العنب بنحو القضيّة الشرطيّة، فقال: «يحرم العنب إذا غلى»، و كان أمام المكلّف لم يغل بعد، فحرمته ليست فعليّة؛ إذ المفروض عدم حصول الغليان، فلو فرض أنّ المكلّف كان عالماً بهذه القضيّة الشرطيّة، ثمّ شكّ في بقائها بعد يبوسة العنب و تحوّله إلى زبيب، فهل يحكم على الزبيب بالحرمة عند الغليان؟

218

إنّ الملاحظ هنا أنّ الشكّ لم يكن شكّاً في الجعل؛ لأنّ المفروض أنّ المكلّف لا يحتمل نسخ القضيّة الشرطيّة المعلومة سابقاً، بل لا يزال يعلم بأنّ العنب يحرم إذا غلى، كما أنّه ليس شكّاً في المجعول؛ لأنّ حرمة العنب المعلومة سابقاً ليست فعليّة بل هي معلّقة على الغليان و هو لم يحصل. فالمعلوم سابقاً إذاً قضيّة شرطيّة و الحكم فيها معلّق على شي‏ء، و المشكوك هو بقاء تلك القضية الشرطية، و السؤال: هل بالإمكان استصحاب بقاء القضية الشرطية بالنسبة إلى الزبيب و الحكم عليه بالحرمة إذا غلى كما كان يحكم على العنب بالحرمة عند الغليان، أم أنّ الاستصحاب لا يجري؟

قد يُقال: بأنّ القضية الشرطية كانت معلومة سابقاً و الآن يشكّ في بقائها، فيُستصحب بقاؤها، فإنّ المكلّف كان بإمكانه الإشارة إلى العنب الذي لم يغلِ و يقول إنّ هذا العنب يحرم إذا غلى، و بعد تحوّل العنب إلى زبيب يشكّ في بقاء تلك القضية الشرطية، فيستصحب بقاءها؛ لتماميّة أركان الاستصحاب، و يترتّب عليه أنّ الزبيب يحرم إذا غلى.

إن قلت: كيف يمكن جريان الاستصحاب مع أنّ العنب شي‏ء

و الزبيب شي‏ءٌ آخر، في حين إنّ واحداً من أركان الاستصحاب هو وحدة القضية المتيقّنة و المشكوكة، و ليس المستصحب في المقام كذلك؟

قلت: تقدّم منّا القول أنّ المقصود بالوحدة في الركن الثالث هو الوحدة العرفية لا الدقّية، و العرف يرى أنّ الحرمة التي تثبت للزبيب عند غليانه على تقدير وجودها هي نفس الحرمة الثابتة للعنب عند الغليان، فيكون شأن قيديّة العنبية في الحرمة حال الغليان شأن تغيّر الماء، حيث قلنا إنّ الشكّ في بقاء نجاسة ماء الحوض بعد زوال التغيّر مجرىً لاستصحاب بقاء النجاسة الثابتة قبل زوال التغيّر؛ لأنّ العرف يرى وحدة الماء في المتيقّن‏

219

و المشكوك و أنّ النجاسة الثابتة للماء بعد زوال التغيّر لو كانت هي امتداد للنجاسة السابقة الثابتة قبل زوال التغيّر.

و كذلك الحال في المقام، فإنّ حرمة الزبيب إذا غلى لو كانت موجودة فهي امتداد للحرمة التعليقيّة للعنب عند الغليان، فيجري استصحاب القضية الشرطية؛ لتماميّة أركان الاستصحاب فيها، و هذا الاستصحاب هو المسمّى ب «استصحاب الحكم التعليقي» أو «الاستصحاب التعليقي».

الاستصحاب التعليقي في نظر الميرزا

و رغم ما ذكرناه من تماميّة أركان الاستصحاب الأربعة بالنسبة إلى الاستصحاب التعليقي ذهب الميرزا النائيني (رحمة الله عليه) (1) إلى عدم جريانه بدعوى أنّ الشريعة لا تحتوي إلّا على الجعل و المجعول، فإنّ الحكم إمّا يكون موجوداً في الشريعة و يلحظ من قبل الشارع بنحو القضية الحقيقيّة فيكون جعلًا، و إمّا يكون موجوداً و متحقّقاً فعلًا لتحقّق قيوده خارجاً، فيكون مجعولًا، و لا يوجد في الشريعة ما لا هو جعل و لا مجعول.

و عند ملاحظتنا لهما لا نجد أنّ أركان الاستصحاب تامّة فيهما؛ لأنّ الجعل في تشريع حرمة العنب إذا غلى معلوم الحدوث و البقاء و لا يوجد شكّ في بقائه، و من ثمّ لا يجري استصحابه؛ لاختلال الركن الثاني، و المجعول أي فعليّة الحرمة لا يوجد يقين بحدوثه ليستصحب، إذ المفروض أنّ العنب لم يغل فعلًا، و من ثمّ لا يجري فيه الاستصحاب؛ لاختلال الركن الأوّل.

بعبارة ثانية: ما هو موجود في الشريعة أي الجعل و المجعول لا يجري فيه الاستصحاب؛ لعدم تماميّة أركانه، و ما تتمّ فيه الأركان أي القضية

____________

(1) () انظر: أجود التقريرات: ج 2، ص 412 411.

220

الشرطية ليس شيئاً ثالثاً وراء الجعل و المجعول في عالم التشريع، لأنّ القضية الشرطية ترجع في حقيقتها إلى قضية حملية و هي وجود الحكم عند وجود موضوعه، فإنّ الحكم بحرمة العنب فعلًا متوقّف على وجود الغليان و عند تحقّقه يحكم بحرمته فعلًا، فقولنا: «يحرم العنب إذا غلى» عبارة أخرى عن قولنا: «العنب المغليّ حرام» و بالعكس، و لهذا الحكم ثبوتان أحدهما ثبوته في مرحلة الجعل و الأخرى ثبوته في مرحلة المجعول عند تحقّق موضوعه، و ليس هناك شي‏ء ثالث غير هذا.

و يجاب عنه: إنّه لا يشترط في المستصحب أن يكون جعلًا أو مجعولًا، لأنّها دعوىً بلا دليل، فإنّا نقول بجريانه فيما لو وجدت الأركان الأربعة من اليقين السابق و الشكّ اللاحق و وحدة متعلّقهما و ترتيب الأثر الذي يخرج جريانه عن اللغوية، فمتى ما وجدت جرى الاستصحاب و إلّا فلا.

و لم يتعرّض المصنّف (قدس سره) لمناقشة ما ذكره الميرزا (رحمة الله عليه) و اكتفى بنقل القولين في جريان الاستصحاب التعليقي تاركاً تحقيقه إلى دراسات أعلى.

أضواء على النصّ‏

قوله (قدس سره): «تارةً يشكّ في بقاء الجعل». بعد العلم بوجوده.

قوله (قدس سره): «بعد ذهاب الثلثين بغير النار». قيّد المصنّف ذهاب الثلثين بغير النار لأنّ ذهابهما بالنار يحلّل العصير بلا إشكال.

قوله (قدس سره): «إذ لم يوجد علم بفعليّة المجعول». باعتبار أنّ الغليان لم يحصل.

قوله (قدس سره): «و الجعل لا شكّ في بقائه». لأنّ المكلّف على يقين بحرمة العنب إذا غلى و لا شكّ لديه في ذلك.

قوله (قدس سره): «بما هي قضيّة شرطيّة». إشارة إلى أنّ القضيّة الشرطيّة هي نفس الجعل و لكنّه حوّل إلى قضيّة شرطيّة.

221

2. استصحاب التدريجيّات‏

الأشياءُ إمّا قارّةٌ توجدُ و تبقى، و إمّا تدريجيةٌ، كالحركةِ توجدُ و تفنى باستمرار.

فبالنسبةِ إلى القسمِ الأوّلِ لا إشكالَ في جريانِ الاستصحابِ. و أمّا بالنسبةِ إلى القسمِ الثاني، فقد يقالُ بعدمِ اجتماعِ الركنِ الأوّلِ و الثاني معاً، لأنّ الأمرَ التدريجيَّ سلسلةُ حدوثاتٍ، فإذا علمَ بأنّ شخصاً يمشي و شكَّ في بقاءِ مشيِه لم يكنْ بالإمكان استصحابُ المشيِ لترتيبِ ما له من الأثر، لأنّ الحصّةَ الأولى منه معلومةُ الحدوث، و لكنّها لا شكَّ في تصرّمِها، و الحصّةَ الثانيةَ مشكوكةٌ و لا يقينَ بها، فلم تمَّ أركانُ الاستصحابِ في شي‏ءٍ؛ و من هنا يُستشكلُ‏

في إجراءِ الاستصحابِ في الزمانِ، كاستصحابِ النهارِ و نحوِ ذلك لأنّه من الأمور التدريجية.

و الجوابُ على هذا الإشكالِ: أنّ الأمرَ التدريجيَّ على الرغم مِن تدرُّجِه في الوجودِ و تصرُّمِه قطعةً بعدَ قطعةٍ، لهُ وحدةٌ و يُعتبرُ شيئاً واحداً مستمرّاً على نحوٍ يصدقُ على القطعةِ الثانيةِ عنوانُ البقاءِ، فتتمُّ أركان الاستصحابُ حينما نلحظُ الأمرَ التدريجيَّ بوصفِه شيئاً واحداً مستمرّاً فنجدُ أنّه متيقّنٌ بدايةً و مشكوكٌ نهايةً فيجري استصحابُه، و هذه الوحدةُ مناطُها في الأمرِ التدريجيِّ اتصالُ‏

222

قطعاتِه بعضِها ببعضٍ اتصالًا حقيقياً، كما في حركةِ الماءِ من أعلى إلى أسفلَ، أو اتّصالًا عرفياً، كما في حركةِ المشيِ عندَ الإنسان، فإنّ المشيَ يتخلّلُه السكونُ و الوقوفُ و لكنّه يُعتبرُ عرفاً متواصلًا.

223

الشرح‏

التطبيق الثاني من تطبيقات قاعدة الاستصحاب هو استصحاب التدريجيّات، و هو مادّة هذا البحث.

استصحاب التدريجيات‏

عند ما ينظر العرف إلى الأشياء يقسّمها إلى قسمين:

1 أشياء قارّة و ثابتة، بمعنى أنّها إذا وجدت تبقى و يرى العرف أنّ لها

حدوثاً و بقاءً، كأغلب الأشياء التي حولنا. فزيد إذا وجد يبقى و نقول عنه إنّ عمره بلغ كذا، و هذه الشجرة حدثت و هي ما زالت باقية، و يُقال للإنسان إذا توضّأ و لم يحدث أنّه باق على وضوئه، و أمثال ذلك.

2 أشياء تدريجيّة و غير قارّة، بمعنى أنّها توجد و تفنى باستمرار فهي حدوث ثمّ حدوث ثان ثمّ ثالث و هكذا، فلها في كلّ آن حدوث جديد غير الحدوث السابق الذي وجد ثمّ انعدم، كالزمان فإنّه أمر تدريجي و غير قارّ، فكلّ آن منه يحدث ثمّ يفنى و يحدث آن جديد ثمّ يفنى، فليس له حدوث و بقاء، و كذلك الحركة فإنّها شي‏ء تدريجيّ و كلّ مقطع منها يحدث ثمّ يفنى و يحدث مقطع آخر، فهي عبارة عن حدوثات متعدّدة.

فالأشياء بنظر العرف إذاً قارّة و تدريجيّة، و إنّما قيّدنا ب «نظر العرف» لأنّ جميع الأشياء بل كلّ عالم المادّة حسب النظرة الفلسفيّة متحرّكة بالحركة الجوهرية كما يقول صدر المتألّهين و أتباعه، و معناها أنّ كلّ ما في عالم المادّة في حالة حركة دائمة في كلّ آن، غاية الأمر قد يحسّ بها الإنسان تارةً و قد لا

224

يشعر بها أُخرى، و استُدلّ على ذلك ببراهين عقلية و نقلية. بل أضافت المدرسة العرفانية إلى ذلك المجرّدات أيضاً و ادّعت أنّ كلّ ما في الإمكان فضلًا عن عالم المادّة متحرّك و غير ثابت، قال تعالى: بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (1)، و قال: وَ تَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ‏ (2).

و على الضدّ تماماً يرى الفخر الرازي أنّ الحركة عبارة عن مجموعة سكونات، فالإنسان السائر من بيته إلى السوق لو أردنا تقسيم مسيره إلى (1000) نقطة فسيكون له في كلّ نقطة سكون، و حركته عبارة عن اجتماع‏

هذه السكونات، و لكن حيث إنّ السكون في نقطة (1) غيره في النقطة (2) و إنّ الفاصلة بين السكونات قليلة جدّاً نراه متحرّكاً، وعليه فالأشياء جميعاً قارّة حسب وجهة نظره.

و لسنا الآن في صدد تقييم هذه النظريات و محاكمتها بقدر ما نودّ الإشارة إلى أنّ هناك نظريات فلسفيّة و عرفانيّة لا ترى قراراً و ثباتاً لشي‏ء سوى الله تعالى، في حين ترى أُخرى أنّ الحركة عبارة عن سكونات متعدّدة، و من ثمّ فما ذكرناه من تقسيم للأشياء إنّما هو بحسب نظر العرف.

و باتّضاح هذا نقول: لا شكّ في جريان الاستصحاب في القسم الأوّل الذي يكون للأشياء فيه حدوث و بقاء في نظر العرف، لتماميّة أركان الاستصحاب فيها، فعند اليقين بوجود زيد و الشكّ في بقائه، يستصحب بقاؤه فيما لو كان هناك أثر شرعيّ يترتّب على بقائه، و كذا يستصحب بقاء الطهارة عند اليقين بحدوثها و الشكّ في بقائها.

و أمّا في القسم الثاني فقد يقال بعدم جريان الاستصحاب فيه؛ لعدم‏

____________

(1) () سورة ق: 15.

(2) () النمل: 88.

225

تماميّة أركان الاستصحاب. فلو فرضنا أنّ الشارع قال: «سبّح إن كان زيد ماشياً» و تيقّن المكلّف بمشيه ثمّ شكّ فيه، فلا يستطيع أن يستصحب بقاء مشيه و ترتّب الأثر الشرعي عليه؛ ذلك أنّ المشي أمرٌ تدريجيّ و حدوثات متعدّدة، و ليس له حدوث واحد متيقّن ثمّ يشكّ في بقائه ليجري استصحابه، بل هو مجموعة حدوثات كلّ واحد منها حدث ثمّ فني ثمّ حدث آخر و هكذا، فالحدوث الأوّل و إن كان متيقّن الحدوث إلّا أنّه متيقّن الارتفاع أيضاً و لا يوجد شكّ في بقائه، و أمّا الحدوث الآخر فهو حدوث جديد غير السابق، و هكذا إلى أن نصل إلى الوجود الأخير الذي يشكّ فيه، فإنّ الشكّ فيه شكّ في حدوث جديد غير متيقّن سابقاً.

بعبارة واضحة: إنّ الحصّة الأولى من المشي قد علم بوجودها و علم‏

بارتفاعها و لا يوجد شكّ في بقائها، و كذلك في باقي الحصص اللاحقة له فلا يوجد في أيٍّ منها شكّ في البقاء، هذا أوّلًا.

و ثانياً: إنّ ما تيقّن بحدوثه أوّلًا من حصص المشي غير ما تيقّنه ثانياً منها، لأنّ الحصّة الثانية حدوث جديد حصل بعد تصرّم الأوّل و انقضائه، و هذا يعني عدم وحدة القضية المتيقّنة و المشكوكة.

و أمّا بالنسبة إلى الحصّة التي يشكّ في بقائها أي الأخيرة فليست متيقّنة الحدوث، لأنّها حصّة لو كانت موجودة فهي موجودة بحدوث جديد غير الحدوث السابق، و هذا يعني اختلال الركن الأوّل بالنسبة لها.

فظهر أنّ كلّ حصّة من المشي عدا الحصّة الأخيرة لا يوجد فيها شكّ في البقاء، و أمّا الحصّة الأخيرة المشكوك بقاؤها فلا يوجد للمكلّف يقين بحدوثها، و من ثمّ لا تتمّ أركان الاستصحاب في حصّة من حصص المشي، وعليه فلو رأى زيداً ماشياً ثمّ شكّ في بقائه لا يمكنه استصحاب بقاء المشي.

226

و أمثلة الأمور التدريجيّة في الفقه كثيرة، منها: إثبات بقاء الليل أو النهار في شهر رمضان، فلو شكّ الصائم في دخول الغروب فلا يمكنه فيما لو انتهينا إلى عدم جريان الاستصحاب في التدريجيّات استصحاب بقاء النهار و إثبات عدم جواز الأكل و الشرب و سائر المفطرات، و كذلك لو شكّ في طلوع الفجر فلا يمكنه استصحاب بقاء الليل، لإثبات جواز المفطرات، و سببه أنّ الزمان أمرٌ تدريجيّ.

فلأجل القول بجريان الاستصحاب في مثل هذين المثالين و غيرهما لا بدّ من الإجابة عن الإشكال المتقدّم في استصحاب بقاء الأمور التدريجيّة.

و يمكن الجواب عنه: أنّ الأشياء غير القارّة و التدريجيّة في وجودها و إن كانت بحسب الدقّة العقلية لا تتوفّر فيها أركان الاستصحاب كما ذكر في‏

الإشكال، إلّا أنّ المدار في التعامل مع المسائل المرتبطة بالاستصحاب و تحديد أركانه هو العرف لا الدقّة العقلية، و العرف عند ما ينظر إلى الأمر التدريجي كالزمان و المشي يجد أنّ كلّ واحد منهما له وجود واحد مستمرّ و له حدوث و بقاء، و لهذا يقال عن النهار مثلًا حدث و ما زال باقياً، و عن زيد في حالة مشيه ما زال ماشياً، و ما ذاك إلّا لأنّ العرف يرى أنّ عنوان البقاء يصدق على القطعة الثانية من الزمان و الحصّة الثانية من المشي، وعليه فلو تيقّن بالنهار أو المشي ثمّ شكّ في بقائهما يستصحب البقاء.

و لو حلّلنا سبب الوحدة في الأمور التدريجيّة في نظر العرف لوجدنا أنّه أحد أمرين:

الأوّل: الاتّصال الحقيقي بين أجزاء الوجود التدريجي، كما في الزمان فإنّه بالرغم من كونه حدوثات متعدّدة و لا توجد منه قطعة إلّا بعد تصرّم السابقة إلّا أنّه يوجد بين أجزائه اتّصال حقيقيّ بنحو لا يتخلّل بين قطعه فواصل، و لأجل ذلك يراه العرف شيئاً واحداً مستمرّاً و له حدوث و بقاء.

227

الثاني: الاتّصال العرفي بين أجزاء الوجود التدريجي و حصصه، كما في المشي فإنّه و إن كان عبارة عن حدوثات متعدّدة و تحصل تدريجيّاً و يتخلّل السكون بين حصصه حقيقة أي لا يوجد بين حصصه اتّصال حقيقيّ كما في الزمان إلّا أنّ العرف يراه برغم ذلك أمراً واحداً متواصلًا، فيُقال لزيد الماشي كان ماشياً و لا يزال، فعند الشكّ في بقائه ماشياً بعد العلم بمشيه سابقاً يستصحب بقاؤه ماشياً و يترتّب الأثر الشرعي عليه في المثال و هو وجوب التسبيح.

إن قلت: إنّنا لا نرى السكون بين حصص المشي؟

قلت: ليس بالضرورة أن تكون المشاهدة البصرية دليلًا على وجود الشي‏ء أو عدمه عند عدمها، فإنّ عدم رؤية الشي‏ء بعد قيام الدليل العقلي‏

عليه لا ينفي وجوده في الواقع كما لا يخفى، و الدليل قد قام على تخلّل السكون عند المشي و إن لم يكن مرئياً، نعم العرف يرى المشي أمراً واحداً متواصلًا و هو كافٍ لجريان الاستصحاب عند الشكّ في بقائه.

أضواء على النص‏

قوله (قدس سره): «الأشياء إمّا قارّة». من القرار و الاستقرار و الثبات.

قوله (قدس سره): «لأنّ الأمر التدريجي سلسلة حدوثات». و كلّ حدوث لاحق يحصل بعد تصرّم الحدوث السابق.

قوله (قدس سره): «و الحصّة الثانية». من المشي.

قوله (قدس سره): «و من هنا يستشكل في إجراء الاستصحاب في الزمان». ذكر المصنّف (قدس سره) في بداية البحث الحركة مثالًا للأشياء التدريجيّة، و عبّر هنا بالزمان؛ باعتبار أنّ الزمان هو مقدار حركة الأشياء، و لا فرق بينه و بينها إلّا في التعيّن و الإبهام، فالحركة مبهمة و الزمان معيّن.

228

قوله (قدس سره): «اتّصال قطعاته بعضها ببعض اتّصالًا حقيقيّاً». لا أنّ بين قطعاته أي الأمر التدريجي فواصل و نقاطاً و سكوناً كما يقول به الفخر الرازي و فسّر حركة الأشياء بذلك.

قوله (قدس سره): «فإنّ المشي يتخلّله السكون و الوقوف». أمّا الوقوف فواضح و مشاهد، و أمّا السكون فقد أُقيم عليه البرهان العقلي و إن لم يكن مُشاهداً.

229

3. استصحاب الكليّ‏

إذا وُجد زيدٌ في المسجدِ مثلًا فقد وُجد الإنسان فيه ضمناً؛ لأنّ الطبيعيَّ موجودٌ في ضمن فردِه. فهناك وجودٌ واحدٌ يضافُ إلى الفردِ و إلى الطبيعيِّ الكلِّيِّ، و من حيثُ تعلُّقِ اليقينِ بالحدوثِ و الشكِّ في البقاءِ به: تارةً يتواجدُ كلا هذين الركنينِ في الفردِ و الطبيعيِّ معاً، و أخرى يتواجدان في الطبيعيِّ فقط، و ثالثةً لا يتواجدان لا في الفردِ و لا في الطبيعيِّ، فهناك ثلاثُ حالاتٍ:

الحالةُ الأُولى: أن يُعلمَ بدخولِ زيدٍ إلى المسجدِ و يُشكَّ في خروجِه، فهنا الوجودُ الحادثُ في المسجدِ بما هو وجودٌ لزيدٍ، و بما هو وجودٌ لطبيعيِّ الإنسانِ متيقّنُ الحدوثِ و مشكوكُ البقاءِ. فإنْ كان الأثرُ الشرعيُّ مترتِّباً على وجودِ زيدٍ؛ بأن قيلَ: «سبِّحْ ما دامَ‏

زيدٌ موجوداً في المسجدِ»، جرى استصحابُ الفردِ. و إنْ كان الأثرُ مترتّباً على وجودِ الكلِّيِّ بأن قيلَ: «سبِّحْ ما دام إنسانٌ في المسجدِ»، جرى استصحابُ الكلِّيِّ. و يُسمى هذا بالقسمِ الأوّلِ من استصحابِ الكليّ.

الحالةُ الثانيةُ: أن يُعلمَ بدخولِ أحدِ شخصينِ إلى المسجدِ قبلَ ساعةٍ، إمّا زيدٍ، و إمّا خالدٍ، غيرَ أنّ زيداً فعلًا نراهُ خارجَ المسجدِ، فإذا كان هو الداخلَ فقد خرجَ، و أمّا خالدٌ فلعلّه إذا كان هو

230

الداخلَ لا يزالُ باقياً، فهنا إذا لوحظَ كلٌّ من الفردين، فأركانُ الاستصحابِ فيه غيرُ متواجدةٍ، لأنّ زيداً لا شكّ في عدمِ وجودِه فعلًا، و خالدٌ لا يقينَ بوجودِه سابقاً ليُستصحبَ. و لكنْ إذا لوحظَ طبيعيُّ الإنسانِ أمكنَ القولُ بأنّ وجودَه متيقّنٌ حدوثاً و مشكوكٌ بقاءً، فيجري استصحابُه إذا كان له أثرٌ، و يُسمّى هذا بالقسمِ الثاني من استصحابِ الكليّ.

الحالةُ الثالثةُ: أن يُعلمَ بدخولِ زيدٍ و بخروجِه أيضاً، و لكنْ يُشكُّ في أنّ خالداً قد دخلَ في نفس اللحظةِ التي خرجَ فيها زيدٌ، أو قبلَ ذلكَ، على نحوٍ لم يخلُ المسجدُ من إنسانٍ، فهنا لا مجالَ لاستصحابِ الفردِ، كما تقدّمَ في الحالةِ السابقة. و قد يقالُ بجريان استصحابِ الكليّ، لأنّ جامعَ الإنسانِ متيقّنٌ حدوثاً مشكوكٌ بقاءً. و يُسمّى هذا بالقسمِ الثالثِ من استصحابِ الكليّ.

و الصحيحُ عدمُ جريانِه؛ لاختلالِ الركنِ الثالث؛ فإنّ وجودَ الجامعِ المعلومِ حدوثاً مغايرٌ لوجودِه المشكوكِ و المحتملِ بقاءً، فلم‏

يتّحدْ متعلّقُ اليقينِ و متعلّقُ الشكِّ.

و بكلمةٍ أخرى: إنّ الجامعَ لو كان موجوداً فعلًا فهو موجودٌ بوجودٍ آخرَ غيرِ ما كان حدوثاً، خلافاً للحالةِ الثانية، فإنّ الجامعَ لو كان موجوداً فيها بقاءً فهو موجودٌ بعينِ الوجودِ الذي حدثَ ضمنَه.

231

الشرح‏

يقع البحث في التطبيق الثالث من تطبيقات الاستصحاب و هو استصحاب الكلّي، و هو من الأبحاث المهمّة في علم الأصول، إلّا أنّ السيّد الشهيد (قدس سره) اقتصر هنا على بيان أساسيّات البحث من تصوّر الأقسام الثلاثة و بيان جريان الاستصحاب فيها، و لم يتعرّض لجزئيّات البحث و تفصيلاته.

استصحاب الكلّي‏

توجد في استصحاب الكلّي حالات ثلاث، و قبل استعراضها نشير إلى نكتتين لهما علاقة مسيسة بالبحث، و هما:

الأولى: إنّ المقصود من الكلّي هنا هو الكلّي الطبيعي، فإنّ الكلّي يُطلق و يُراد به أحد معانٍ ثلاثة: الطبيعي، المنطقي، العقلي. و توضيحها يتمّ من خلال المثال التالي: عند ما يقال: «الإنسان كلّي»، تارةً يكون نظرنا إلى «الإنسان» أي الموضوع في الجملة و الذي يكون له أفراد متعدّدة في الخارج كزيد و عمرو و خالد و ... و هذا ما نسمّيه بالكلّي الطبيعي.

و أخرى يكون نظرنا إلى «كلّي» المحمول في الجملة و هو «ما لا يمتنع صدقه على كثيرين»، و هو المسمّى بالكلّي المنطقي.

و ثالثة يكون نظرنا إلى الموضوع و المحمول أي إلى الإنسان بوصفه كلّياً و لا يمتنع صدقه على كثيرين، و هذا ما يعبّر عنه بالكلّي العقلي.

و ما نتحدّث عنه هنا هو الكلّي الطبيعي دون المنطقي و العقلي.

الثانية: إنّ كلامنا في استصحاب الكلّي مبنيّ على القول بأنّ الكلّي الطبيعي موجود في الخارج بوجود أفراده، فإنّ في مسألة وجود الكلّي الطبيعي في الخارج قولين:

232

1 القول بعدم وجوده في الخارج، فالإنسان لا وجود له خارجاً و إنّما الموجود هو أفراده كزيد و عمرو و ....

2 القول بوجوده خارجاً، و هو رأي المحقّقين من العلماء، لكن وجوده ليس بوجود مستقلّ بنحو يكون له وجود و للفرد وجود، بل هو موجود بنفس وجود الفرد. فوجود زيد مثلًا وجود له و وجود للإنسان، و الفرق بينهما أنّ وجود زيد وجود مع العوارض المشخّصة و وجود الإنسان بلا عوارض مشخّصة، و بحث استصحاب الكلّي مبنيّ على هذه النظرية.

إذا اتّضحت هاتان النكتتان اللتان يتحرّر بهما كلّ البحث نقول: إنّ في استصحاب الكلّي ثلاث حالات:

فإنّ الكلّي الموجود بوجود الفرد إمّا أن تكون أركان الاستصحاب تامّة فيه و في الفرد أيضاً بأن يكون كلّ منهما متيقّن الحدوث و مشكوك البقاء، فيجري استصحاب الكلّي و الفرد و هو القسم الأوّل من استصحاب الكلّي.

و إمّا أن تكون الأركان تامّة في الكلّي دون الفرد فيجري استصحاب الكلّي دون استصحاب الفرد، و هو القسم الثاني من استصحاب الكلّي.

و إمّا أن لا تكون الأركان تامّة في الكلّي و في الفرد معاً، فلا يجري الاستصحاب في أيٍّ منهما، و هو القسم الثالث من استصحاب الكلّي.

هذه حالات ثلاث بنحو الإجمال، و تفصيل الكلام فيها يحصل باستعراض كلّ حالة منها مع مثال يتّضح المقصود من خلاله.

حالات ثلاث في استصحاب الكلّي‏

الحالة الأولى: أن تتوافر أركان الاستصحاب في الكلّي و الفرد معاً، بأن يكون كلّ منهما متيقّناً سابقاً و مشكوكاً لاحقاً، و فرض أنّ الأثر الشرعي‏

233

مترتّب على بقاء كلٍّ منهما، كما لو قال الشارع: «سبّح ما دام زيد موجوداً في المسجد» و علم المكلّف بدخول زيد إلى المسجد و شكّ في خروجه منه، فيستصحب بقاءه و يترتّب عليه الأثر الشرعيّ أي التسبيح. و كذلك يجري استصحاب الكلّي لو كان هناك أثر شرعي يترتّب عليه، كما لو قيل: «سبّح ما دام إنسان في المسجد»؛ لتماميّة أركان الاستصحاب في الكلّي، إذ المفروض أنّ وجود زيد في المسجد معلوم، و العلم بوجوده فيه يعني العلم بوجوده كفرد أوّلًا، و العلم بوجود الكلّي الطبيعي (الإنسان) ثانياً، لأنّ الكلّي الطبيعي موجود بوجود الفرد كما ذكرنا، فالعلم بوجود زيد في المسجد هو علم بوجود الإنسان فيه أيضاً، فيكون الكلّي نتيجة العلم بوجود زيد في المسجد متيقّنَ الحدوث، و مشكوكَ البقاء؛ نتيجةَ الشكّ في بقاء زيد، فيجري استصحاب بقاء الكلّي و يترتّب عليه وجوب التسبيح.

و يعبّر عن هذا القسم من استصحاب الكلّي ب «القسم الأوّل من استصحاب الكلّي».

الحالة الثانية: أن تتوافر أركان الاستصحاب في الكلّي دون الفرد، و في مثل هذه الحالة يجري استصحاب الكلّي فقط إن كان هناك أثر شرعيّ يترتّب على بقائه.

مثاله: ما لو قال الشارع: «سبّح ما دام إنسان في المسجد»، و قال‏

أيضاً: «سبّح ما دام زيد أو خالد في المسجد»، و علم المكلّف بدخول أحد الفردين في المسجد إمّا زيد أو خالد، و لكنّه يعلم قطعاً بدخول إنسان، غايته أنّه متردّد في كونه زيداً أو خالداً، ثمّ بعد ساعة رأى زيداً خارج المسجد، فعندئذ سيحصل له شكّ في بقاء الإنسان في المسجد، فإنّه إن كان متحقّقاً في ضمن زيد فزيد قد خرج قطعاً، و إن كان متحقّقاً في ضمن خالد فلعلّه لا يزال باقياً في المسجد و لم يخرج منه. و بعبارة أخرى: إنّ خالداً لو كان هو

234

الداخل فيحتمل خروجه و يحتمل بقاؤه.

و في مثل هذه الحالة لا يمكن استصحاب الفرد و ترتيب الأثر الشرعي عليه، لأنّ أركان الاستصحاب غير تامّة في كلا الفردين، أمّا زيد فلأنّه بعد رؤيته خارج المسجد لا يوجد شكّ في بقائه حتّى لو كان هو الداخل إلى المسجد، فلا يجري استصحابه؛ لاختلال الركن الثاني، و أمّا خالد فلأنّه و إن كان لا يعلم بخروجه لو كان هو الداخل إلّا أنّه لا يقين بدخوله، فلا يجري استصحاب بقائه؛ لاختلال الركن الأوّل، هذا بالنسبة إلى استصحاب الفرد.

و أمّا استصحاب الكلّي فيجري؛ لتماميّة أركان الاستصحاب فيه، لأنّ المكلّف بعلمه بدخول أحد الفردين زيد أو خالد في المسجد يحصل له اليقين بدخول كلّي الإنسان إلى المسجد، غايته أنّه لا يستطيع تحديده في زيد أو خالد، و لكن هذا الترديد لا يؤثّر على اليقين بدخول كلّي الإنسان إلى المسجد، ثمّ بعد رؤية زيد خارج المسجد يشكّ في بقاء كلّي الإنسان؛ إذ لو كان كلّي الإنسان متحقّقاً في ضمن زيد فهو قد خرج و خلا المسجد من الإنسان، و لكن لو كان الداخل خالداً فلعلّه موجود إلى الآن.

و بعبارة أخرى: إنّ المقطوع بخلوّ المسجد منه هو زيد لا كلّي الإنسان فإنّه مشكوك في بقائه، فيُستصحب بقاؤه و يترتّب عليه أثره الشرعي و هو

وجوب التسبيح. و يسمّى هذا القسم في عبارات الأصوليّين بالقسم الثاني من استصحاب الكلّي.

الحالة الثالثة: أن لا تتوافر أركان الاستصحاب في الكلّي و الفرد، و بالتالي لا يجري الاستصحاب فيهما معاً.

و مثاله: ما لو علم المكلّف بدخول زيد إلى المسجد، ثمّ علم بخروجه منه، و لكنّه شكّ في دخول خالد تزامناً مع خروج زيد أو قبله بنحو لم يخل‏

235

المسجد من إنسان، و فرض أنّ هناك أثراً شرعيّاً كوجوب التسبيح إن كان هناك فرد أو كلّي الإنسان في المسجد.

و في مثل هذه الحالة لا يجري استصحاب الفرد؛ لعدم تماميّة أركان الاستصحاب فيه كما هو واضح، لأنّ زيداً علم بخروجه فلا يوجد شكّ في بقائه، و خالداً لا يقين بدخوله، و من ثمّ يكون الشكّ فيه شكّاً في أصل دخوله المسجد لا في بقائه.

و أمّا استصحاب الكلّي فقد يُقال بجريانه لتوافر أركان الاستصحاب فيه؛ بدعوى أنّ اليقين بالحدوث حاصل بدخول زيد إلى المسجد، و أمّا الشكّ في البقاء فهو حاصل؛ لاحتمال دخول خالد المتزامن مع خروج زيد أو قبله، و في النهاية يكون كلّي الإنسان معلوم الحدوث و مشكوك البقاء فيستصحب، و هو المعبَّر عنه بالقسم الثالث من استصحاب الكلّي.

و لكن الصحيح كما يقول المصنّف (قدس سره) عدم جريان استصحاب الكلّي في هذا القسم؛ لاختلال الركن الثالث من أركان الاستصحاب، إذ إنّ طبيعيَّ الإنسان المتيقّن الحدوث سابقاً هو وجوده ضمن زيد، و هو معلوم الارتفاع لأنّ المفروض أنّ زيداً قد خرج، و الذي يشكّ في بقائه هو وجود الإنسان ضمن خالد، فيكون متعلّق الحدوث و متعلّق الشكّ شيئين متغايرين لا شيئاً واحداً، و الاستصحاب لا يجري عند تغاير متعلّق اليقين و الشكّ.

بعبارة موجزة: إنّ كلّي الإنسان الموجود في ضمن زيد غيره الموجود ضمن خالد، و ما هو معلوم الحدوث هو وجود الإنسان ضمن زيد، و ما هو مشكوك البقاء هو وجوده ضمن خالد، و أحدهما غير الآخر.

إن قلت: ما الفرق بين هذا القسم من استصحاب الكلّي و سابقه حيث حكم هناك بجريان الاستصحاب و هنا بعدم الجريان؟

236

قلت: إنّ كلّي الإنسان في القسم الثاني أو الجامع المعلوم تحقّقه بين زيد أو خالد هو نفسه متيقّن الحدوث و مشكوك البقاء، حيث قلنا هناك إنّ دخول كلّي الإنسان إلى المسجد متيقّن الحدوث، و الترديد هو في كونه متحقّقاً ضمن زيد أو خالد، و ما هو مشكوك البقاء هو نفس جامع الإنسان المعلوم سابقاً لا جامع و كلّي آخر و متحقّق ضمن فرد آخر كما هو الحال في المقام، فإنّ جامع الإنسان لو كان موجوداً في المسجد فعلًا فهو موجود بوجود آخر أي ضمن خالد غير الجامع المتيقّن الحدوث و الموجود ضمن زيد، وعليه فالركن الثالث غير تامّ في هذا القسم و لا يجري الاستصحاب.

و لا يخفى أنّ هذا الجواب مبنيّ على النظرية الفلسفية القائلة بتكثّر الكلّي الطبيعي بتكثّر أفراده، بمعنى أنّ الإنسان الموجود في ضمن زيد غير الموجود في ضمن خالد و هكذا، و لا يتمّ على القول بأنّ للإنسان وجوداً واحداً و أنّ زيداً و خالداً و ... أفراد لذلك الوجود الواحد، إذ بناءً عليه لا يكون الركن الثالث مختلّا و لا مانع من جريان استصحاب الكلّي؛ لأنّ الإنسان المتيقّن الحدوث و المشكوك البقاء واحد. و لكن لمّا كان رأي المحقّقين مستقرّاً على الأوّل اتّفقت كلمة الأصوليّين تقريباً على عدم جريان استصحاب الكلّي في هذا القسم، و منه يظهر مدى تأثير النظريات الفلسفيّة على علم الأصول.

أضواء على النصّ‏

قوله (قدس سره): «فقد وجد فيه». أي: في المسجد.

قوله (قدس سره): «لأنّ الطبيعي موجود في ضمن فرده». بمعنى أنّ للطبيعي وجوداً خارجيّاً و لكنّه موجود في ضمن الفرد لا مستقلًّا.

قوله (قدس سره): «و الشكّ في البقاء به». أي: بهذا الوجود الواحد الذي يضاف إلى‏

237

الفرد و إلى الكلّي الطبيعي.

قوله (قدس سره): «لأنّ زيداً لا شكّ في عدم وجوده». أي: أنّ الركن الثاني غير موجود.

قوله (قدس سره): «و خالد لا يقين بوجوده سابقاً». أي: أنّ الركن الأوّل غير موجود.

قوله (قدس سره): «لا مجال لاستصحاب الفرد كما تقدّم». في الحالة الثانية.

قوله (قدس سره): «إنّ الجامع لو كان موجوداً فعلًا». أي: في حالة الشكّ.

قوله (قدس سره): «فإنّ الجامع لو كان موجوداً فيه». يحتمل رجوع الضمير إلى المسجد، و في بعض النسخ: «فيها» بدل «فيه»، و عندئذ يرجع إلى الحالة الثانية، و هو الأصحّ.

238

4. الاستصحاب في حالات الشكّ في التقدّم و التأخّر

تارةً يُشكُّ في أنّ الواقعةَ الفلانيةَ حدثتْ أو لا؛ فيجري استصحابُ عدمِها، أو يُشكُّ في أنّها ارتفعتْ أو لا؛ فيجري استصحابُ بقائِها.

و أخرى نعلمُ بأنّها حدثتْ أو ارتفعتْ و لكنّا لا نعلمُ بالضبطِ تاريخَ حدوثِها أو ارتفاعِها. مثلًا: نعلمُ أنّ زيداً الكافرَ قد أسلمَ، و لكنْ لا نعلمُ هل أسلمَ صباحاً أو بعدَ الظهر؟ فهذا يعني أنّ فترةَ ما قبلَ الظهرِ هي فترةُ الشكِّ، فإذا كان لبقاءِ زيدٍ كافراً في هذه الفترةِ و عدمِ إسلامِه فيها أثرٌ مصحّحٌ للتعبّدِ جرى استصحابُ بقائِه كافراً و عدمِ إسلامِه إلى الظهر، و ثبتَ بهذا الاستصحابِ كلُّ أثرٍ شرعيٍّ يترتّبُ على بقائه كافراً و عدمِ إسلامِه في هذه الفترة.

و لكنْ إذا كان هناك أثرٌ شرعيٌّ مترتّبٌ على حدوثِ الإسلام بعدَ الظهر، فلا يترتّبُ هذا الأثرُ على الاستصحابِ المذكورِ، لأنّ الحدوثَ كذلك لازمٌ تكوينيٌّ لعدمِ الإسلامِ قبلَ الظهر، فهو بمثابةِ نباتِ اللحيةِ بالنسبةِ إلى حياةِ زيد.

و من ناحيةٍ أخرى: نلاحظُ أنّ موضوعَ الحكمِ الشرعيِّ قد

يكونُ بكاملِه مجرىً للاستصحابِ إثباتاً أو نفياً، و قد يكونُ مركّباً من جزءين أو أكثرَ، و يكونُ أحدُ الجزءينِ ثابتاً وجداناً، و الآخرُ غيرَ

239

متيقّنٍ.

ففي هذه الحالةِ لا معنى لإجراءِ الاستصحابِ بالنسبةِ إلى الجزءِ الثابتِ وجداناً كما هو واضحٌ، و لكنْ قد تتواجدُ أركانُه و شروطُه لإثباتِ الجزءِ الآخرِ المشكوكِ فيثبتُ الحكمُ، أو لنفيِه فيُنفي الحكمُ.

و مثالُ ذلك: أنْ يكونَ إرثُ الحفيدِ من جدِّه مترتّباً على موضوعٍ مركّبٍ من جزءين: أحدُهما موتُ الجدِّ، و الآخرُ عدمُ إسلامِ الأبِ إلى حينِ موتِ الجدّ، و إلّا كان مقدَّماً على الحفيدِ، فإذا افترضْنا أنّ الجدَّ ماتَ يومَ الجمعةِ و أنّ الابنَ كان كافراً في حياةِ أبيه و لا ندري هل أسلمَ على عهدِه أو لا؟ فهنا الجزءُ الأوّلُ من موضوعِ إرثِ الحفيدِ محرزٌ وجداناً، و الجزءُ الثاني و هو عدمُ إسلامِ الأبِ مشكوكٌ، فيجري استصحابُ الجزءِ الثاني، و بضمِّ الاستصحابِ إلى الوجدانِ نحرزُ موضوعَ الحكمِ الشرعيِّ لإرثِ الحفيدِ، و لكن على شرطِ أنْ يكونَ الأثرُ الشرعيُّ مترتّباً على ذاتِ الجزءين. و أمّا إذا كانَ مترتّباً على وصفِ الاقترانِ و الاجتماعِ بينهما فلا جدوى للاستصحابِ المذكورِ؛ لأنّ الاقترانَ و الاجتماعَ لازمٌ عقليٌّ و أثرٌ تكوينيٌّ للمستصحب، و قد عرفْنا أنّ الآثارَ الشرعيّةَ المترتّبةَ على المستصحَبِ بواسطةٍ عقليةٍ لا تثبتُ.

و قد يُفترضُ أنّ الجزءَ الثاني معلومُ الارتفاعِ فعلًا، بأن كنّا نعلمُ فعلًا أنّ الأبَ قد أسلمَ و لكنْ نشكُّ في تاريخِ ذلك و أنّه هل أسلمَ‏

240

قبلَ وفاةِ أبيهِ أو بعدَ ذلك، و في مثلِ ذلك يجري استصحابُ كفرِ الأبِ إلى حينِ وفاةِ الجدِّ و لا يضرُّ بذلك أنّنا نعلمُ بأنّ الأبَ لم يعُد كافراً فعلًا، لأنّ المهمَّ تواجدُ الشكِّ في الظرفِ الذي يرادُ إجراءُ الاستصحابِ بلحاظِه، و هو فترةُ حياةِ الجدِّ إلى حينِ وفاتِه فيُستصحبُ بقاءُ الجزءِ الثاني من الموضوع، و هو كفرُ الأبِ إلى حينِ حدوثِ الجزءِ الأوّلِ و هو موتُ «الجدِّ» فيتمُّ الموضوعُ.

و كما قد يجري الاستصحابُ على هذا الوجهِ لإحراز الموضوع بضمِّ الاستصحابِ إلى الوجدانِ، كذلك قد يجري لنفيِ أحدِ الجزءين، ففي نفسِ المثالِ إذا كان الأبُ معلومَ الإسلامِ في حياةِ أبيه و شكَّ في كفرِه عند وفاتِه، جرى استصحابُ إسلامِه و عدمِ كفرِه إلى حينِ موتِ الأب، و نفيْنا بذلكَ إرثَ الحفيدِ من الجدِّ سواءٌ كنّا نعلمُ بكفر الأب بعدَ وفاةِ أبيه أو لا.

و على هذا الأساسِ قد يُفترضُ أنّ موضوعَ الحكمِ الشرعيِّ مركّبٌ من جزءينِ و أحدُ الجزءينِ معلومُ الثبوتِ ابتداءً و يُعلمُ بارتفاعِه، و لكنْ لا ندري بالضبط متى ارتفع؟ و الجزءُ الآخرُ معلومُ العدمِ ابتداءً و يُعلمُ بحدوثِه، و لكن لا ندري بالضبط متى حدثَ؟ و هذا يعني أنّ هذا الجزءَ إذا كانَ قد حدثَ قبلَ أنْ يرتفعَ ذلك الجزءُ فقد تحقّقَ موضوعُ الحكم الشرعيِّ لوجودِ الجزءين معاً في زمانٍ واحد، و أمّا إذا كان قد حدثَ بعدَ ارتفاعِ الجزءِ الآخر، فلا

241

يجدي في تكميلِ موضوعِ الحكم.

و في هذه الحالةِ إذا نظرْنا إلى الجزءِ المعلومِ الثبوتِ ابتداءً نجدُ أنّ المحتملَ بقاؤُه إلى حينِ حدوثِ الثاني، فنستصحبُ بقاءَه إلى ذلك الحين، لأنّ أركانَ الاستصحابِ متواجدةٌ فيه، و يترتّبُ على ذلك ثبوتُ الحكمِ.

و إذا نظرْنا إلى الجزءِ الثاني المعلومِ عدمُه ابتداءً نجدُ أنّ من المحتملِ بقاءَ عدمِه إلى حين ارتفاعِ الجزءِ الأوّل، فنستصحبُ عدمَه إلى ذلك الحينِ، لأنّ أركانَ الاستصحابِ متواجدةٌ فيه، و يترتّبُ على ذلك نفيُ الحكم.

و الاستصحابانِ متعارضانِ؛ لعدم إمكانِ جريانِهما معاً و لا مرجّحَ لأحدهما على الآخر، فيسقطان معاً، و تُسمّى هذه الحالةُ بحالةِ مجهولَي التاريخ.

و حالةُ مجهولَي التاريخ لها ثلاثُ صور:

إحداها: أن يكونَ كلٌّ من زمانِ ارتفاعِ الجزءِ الأوّلِ و زمانِ حدوث الجزء الثاني مجهولًا.

ثانيتها: أن يكونَ زمانُ ارتفاعِ الجزءِ الأوّلِ معلوماً و لنفرضْه الظهرَ و لكنّ زمانَ حدوثِ الجزءِ الثاني مجهولٌ و لا يُعلمُ هل هو قبلَ الظهر أو بعدَه؟

ثالثتُها: أن يكونَ زمانُ حدوثِ الجزءِ الثاني معلوماً و لنفرضْه‏

242

الظهرَ و لكنّ زمانَ ارتفاعِ الجزءِ الأوّلِ مجهولٌ و لا يُعلمُ هل هو قبلَ الظهر أو بعدَه.

و في الصورةِ الأُولى: لا شكَّ في جريانِ كلٍّ من الاستصحابين المشارِ إليهما بمعنى استحقاقِه للجريانِ و وقوعِ التعارضِ بينهما.

و أمّا في الصورةِ الثانيةِ: فقد يُقالُ بأنّ استصحابَ بقاءِ الجزءِ الأوّلِ لا يجري، لأنّ بقاءَه ليس مشكوكاً، بل هو معلومٌ قبلَ الظهر، و معلومُ العدمِ عندَ الظهر، فكيف نستصحبُه؟ و إنّما يجري استصحابُ عدمِ حدوثِ الجزءِ الثاني فقط.

و ينعكسُ الأمرُ في الصورةِ الثالثةِ، فيجري استصحابُ بقاءِ الجزءِ الأوّلِ دونَ عدمِ حدوثِ الجزءِ الثاني؛ لنفسِ السبب، و هذا ما يُعبَّرُ عنه بأنّ الاستصحابَ يجري في مجهولِ التاريخِ دونَ معلومِه.

و قد اعتُرضَ على ذلك: بأنّ معلومَ التاريخِ إنّما يكونُ معلوماً حين ننسِبُه إلى ساعاتِ اليومِ الاعتيادية، و أمّا حين ننسبُه إلى الجزءِ الآخرِ المجهولِ التاريخِ، فلا ندري هل هو موجودٌ حينهُ أو لا؟ فيمكنُ جريانُ استصحابِه إلى حينِ وجودِ الجزءِ الآخرِ، و هذا ما يُعبَّرُ عنه بأنّ الاستصحابَ في كلٍّ من مجهولِ التاريخِ و معلومِ التاريخِ يجري في نفسِه و يسقطُ الاستصحابانِ بالمعارضةِ، لأنّ ما هو معلومُ التاريخ إنّما يُعلمُ تاريخُه في نفسه لا بتاريخِه النسبيِّ، أيْ مضافاً إلى الآخرِ، فهما معاً مجهولانِ بلحاظِ التاريخِ النسبيّ.

243

و قد تُفترضُ حالتانِ متضادّتانِ كلٌّ منهما بمفردِها موضوعٌ لحكمٍ شرعيٍّ، كالطهارة من الحدثِ و الحدثِ، أو الطهارةِ من الخبثِ و الخبثِ، فإذا علمَ المكلّفُ بإحدى الحالتينِ و شكّ في طروِّ الأخرى استصحبَ الأولى، و إذا علمَ بطروِّ كلتا الحالتين و لم يعلم المتقدّمةَ و المتأخّرةَ منهما تعارضَ استصحابُ الطهارةِ مع استصحابِ الحدثِ أو الخبثِ؛ لأنّ كلّا من الحالتين متيقّنةٌ سابقاً و مشكوكةٌ بقاءً، و يُسمّى أمثالُ ذلك بتواردِ الحالتين.

244

الشرح‏

التطبيق الرابع من تطبيقات بحث الاستصحاب هو الاستصحاب في حالات الشكّ في التقدّم و التأخّر، و هو من الأبحاث المعقّدة، و إليك الكلام فيه تفصيلًا.

الاستصحاب في حالات الشكّ في التقدّم و التأخّر

حينما ننظر إلى المستصحب فإنّه تارةً يكون بكامله و بمفرده موضوعاً للحكم الشرعي، و أخرى يكون مركّباً من جزءين أو أكثر موضوعاً له، فهاهنا حالتان:

الحالة الأولى: أن يكون المستصحب المتيقّن سابقاً و المشكوك لاحقاً بمفرده و بكامله موضوعاً للحكم الشرعي، كما هو الحال في أغلب حالات الاستصحاب، فإنّ المكلّف الذي يشكّ في بقاء عدالة زيد بعد اليقين بحدوثها يستصحب بقاءها، و العدالة موضوع للحكم الشرعي كقبول‏

الشهادة بمفردها من دون أن ينضمّ إليها شي‏ء آخر.

و في هذه الحالة توجد صورتان:

الأولى: أن يعلم المكلّف بحدوث الواقعة كالطهارة، ثمّ يشكّ في ارتفاعها فيستصحب بقاءها، أو يعلم بعدم حدوث الواقعة ثمّ يشكّ في حدوثها فيستصحب عدمها، و هذا ممّا لا إشكال فيه.

الثانية: أن يعلم بحدوث الواقعة أو ارتفاعها و لكنّه يجهل تاريخ حدوثها أو ارتفاعها، و مثاله: ما لو كان زيد كافراً ثمّ أسلم و مات أبوه عند الظهر، و شككنا في إسلام زيد (الابن) هل حدث قبل الظهر و موت أبيه،

245

أم بعده؟ فإنّ من المعروف في الشريعة أنّ الولد الكافر لا يرث أباه المسلم، فلو كان زيد قد أسلم قبل الظهر فهو يرث أباه بلا إشكال، و أمّا لو كان قد أسلم بعد الظهر فلا يرثه.

و هذا يعني أنّ فترة ما قبل الظهر هي فترة الشكّ في إسلامه، لأنّ ما بعد الظهر يعلم بإسلام زيد حسب الفرض، و في مثل هذه الحالة يجري استصحاب عدم إسلامه و بقاء كفره إلى الظهر، فإنّه كان كافراً سابقاً و شكّ في ارتفاعه و تحقّق إسلامه عند الظهر فيستصحب بقاء عدم إسلامه إلى الظهر وقت موت أبيه، و من ثمّ يترتّب عليه عدم إرثه لأبيه، هذا مثال للعلم بارتفاع أمر و الجهل بتاريخ ارتفاعه.

و كذلك الحال عند العلم بحدوث أمر و الجهل بتاريخ حدوثه، كما لو كنّا نعلم بإسلام زيد قبل الظهر وقت موت الأب، ثمّ رأيناه كافراً بعد الظهر، و شككنا في أنّ كفره هل حدث قبل موت أبيه أي قبل الظهر أو بعده؟ فيستصحب بقاء إسلامه إلى حين موت الأب ويحكم بترتّب الحكم الشرعي عليه و هو الإرث.

و لكن ينبغي أن يلاحظ أنّ الأثر الشرعي و هو إرث الولد من أبيه في المثال الثاني و عدم إرثه منه في المثال الأوّل إنّما يُقال بترتّبه على بقاء المستصحب فيما لو كان مترتّباً على بقائه أو ارتفاعه مباشرةً و من دون واسطة عقلية، و إلّا فلا يجري الاستصحاب لأنّه سيكون أصلًا مثبتاً.

بيانه: إنّنا ذكرنا في المثال الأوّل أنّ زيداً لو كان كافراً سابقاً ثمّ رؤي مسلماً بعد الظهر، و شكّ في تقدّم إسلامه على الظهر أو تأخّره عنه فيستصحب بقاء كفره إلى حين موت أبيه و يثبت عدم إرثه منه، و أمّا لو كان هناك أثر يترتّب على إسلام زيد الحادث بعد الظهر كما لو قيل: «تصدّق إن‏

246

أسلم زيد بعد الظهر»، فمثل هذا الأثر لا يترتّب على استصحاب بقاء كفره إلى الظهر، لأنّ هذا الاستصحاب إنّما يثبت عدم إسلامه إلى الظهر، و أمّا حدوث إسلامه بعد الظهر فهو لازم عقليّ له؛ إذ لا توجد آية أو رواية تقول بأنّ إسلام زيد إذا لم يكن موجوداً قبل الظهر فهو موجود بعده، نعم هو لازم عقليّ لعدم إسلامه قبل الظهر، و الاستصحاب لا يثبت الأثر الشرعي المترتّب على اللازم العقلي للمستصحب، لأنّه سيكون أصلًا مثبتاً و هو ليس بحجّة كما تقدّم.

و ليس حال الإرث كذلك؛ لأنّه أثر شرعيّ يترتّب على بقاء المستصحب مباشرةً كما هو واضح.

الحالة الثانية: أن يكون موضوع الحكم الشرعي الذي يُراد استصحابه مركّباً من جزءين فأكثر، و يكون أحد الجزءين ثابتاً بالوجدان و الآخر محتملًا و غير متيقّن، ففي مثل هذه الحالة لا معنى لجريان الاستصحاب بالنسبة إلى الجزء الثابت بالوجدان إذ لا يوجد شكّ في بقائه ليستصحب، و أمّا بالنسبة إلى الجزء الآخر فيمكن إحراز بقائه تعبّداً بالاستصحاب فيما إذا توفّرت أركانه، و من ثمّ يثبت كلا جزئي الموضوع، أحدهما بالوجدان، و الآخر

بالتعبّد، فيترتّب عليه الحكم الشرعي.

و مثاله: أن يكون إرث الحفيد (زيد) من جدّه مترتّباً على موضوع مركّب من جزءين:

1 موت الجدّ.

2 كفر الأب و عدم إسلامه إلى حين موت الجدّ.

فلو تحقّق هذان الجزءان ورث الحفيد جدّه و إلّا فلا، فإذا افترضنا أنّ موت الجدّ حدث ظهر يوم الجمعة و كان الأب أبو زيد كافراً ثمّ أسلم، و شكّ في أنّ إسلامه أ كان قبل الظهر ليكون هو الوارث له، أم بعده فيكون‏

247

الحفيد وارثاً له؟ فهنا يستصحب بقاء عدم إسلام الأب إلى حين موت الجدّ؛ لأنّ كفره سابقاً متيقّن، ثمّ يشكّ في ارتفاعه قبل موت الجدّ فيستصحب بقاء كفره و عدم إسلامه إلى حين موته، و يثبت أنّ موت الجدّ حدث و ابنه كان كافراً، و بهذا يكون كلا جزئي إرث الحفيد متحقّقاً، أمّا موت الجد فبالوجدان، و أمّا عدم إسلام الأب فبالاستصحاب. هذا مثال لإثبات الحكم الشرعي المترتّب على موضوع ذي جزءين.

و أمّا مثال نفي الحكم المترتّب على موضوع ذي جزءين، فهو نفس المثال السابق، و لكن نفترض أنّ الأب كان مسلماً ثمّ كفر و شكّ في أنّ كفره حصل قبل ظهر يوم الجمعة وقت موت الجدّ أم بعده؟ فيستصحب بقاء إسلامه إلى حين موت الجدّ، و هذا يعني أنّ موت الجدّ حدث و ولده مسلم، و بالتالي يكون هو الوارث له لا الحفيد.

فظهر أنّ موضوع الحكم الشرعي لو كان مركّباً من جزءين و كان أحدهما ثابتاً بالوجدان، و الآخر مشكوكاً، فيمكن إجراء الاستصحاب في الجزء الثاني و إثبات وجوده تعبّداً فيما لو كانت أركان الاستصحاب تامّة فيه.

و هذا الاستصحاب تارةً يجري لإحراز الجزء المشكوك تعبّداً، و بضمّه إلى الجزء الآخر المحرز بالوجدان يثبت كلا جزئي الموضوع و يترتّب عليه الحكم الشرعي.

و أخرى يجري لإحراز عدمه فلا يكون الحكم الشرعي موجوداً؛ لعدم إحراز أحد جزئي الموضوع و من ثمّ لا يكون الموضوع محرزاً.

و لا بدّ من الالتفات إلى أنّ إثبات إرث الحفيد من خلال إحراز كلا جزئيه موت الجدّ و عدم إسلام الأب يتمّ إذا كان مترتّباً على ذات‏

248

الجزءين لا على الجزءين بشرط الاقتران.

توضيحه: تارةً يقول الشارع: «إذا حدث موت الجدّ و كان الابن كافراً ورث الحفيد»، فإرث الحفيد مترتّب على حدوث الجزءين بأيّ نحو كان، سواء اقترنا أم وجد أحدهما بعد الآخر، فالمهمّ هو حدوثهما و وجودهما، و أخرى يقول: «إذا اقترن موت الجدّ و كفر ابنه ورث الحفيد»، بمعنى أنّ مجرّد حدوث الجزءين لا يكفي لإرث الحفيد ما لم يقترن حدوثهما، و في مثل هذه الحالة لا يكون إرث الحفيد مترتّباً باستصحاب بقاء كفر الأب إلى حين موت الجدّ، ذلك أنّ إرثه لم يكن مترتّباً على حدوث ذات الجزءين كيفما اتّفق، بل على حدوثهما بوصف الاقتران و الاجتماع، و استصحاب بقاء كفر الأب إلى ظهر يوم الجمعة إنّما يثبت بقاء كفر الأب و عدم إسلامه فقط، و لا يثبت أنّ كفره كان مقارناً لموت الجدّ، نعم لازم بقاء كفره إلى حين موت الجدّ هو اقترانه مع موت الجدّ، و هو لازم عقليّ للمستصحب لا شرعيّ، و الاستصحاب لا يثبت الآثار الشرعيّة المترتّبة على اللوازم العقلية للمستصحب، لأنّه يكون أصلًا مثبتاً.

هذا كلّه فيما إذا كان الجزء الثاني مشكوكاً، و مجهول التاريخ من حيث تقدّمه على موت الجدّ أو تأخّره عنه، و كذلك الحال فيما لو كان الجزء الثاني‏

أي عدم إسلام الأب معلوم الارتفاع فعلًا، كما لو كان الأب كافراً سابقاً ثمّ شُوهد يوم السبت مسلماً، و شكّ في حدوث إسلامه قبل ظهر الجمعة وقت موت الجدّ أو بعد ذلك، فإنّ إرث الحفيد لا يتأثّر بذلك، لأنّ ما هو مهمّ في ترتّب هذا الأثر الشرعي هو ظرف موت الجدّ، و في ذلك الظرف نجد أنّ إسلام الأب و ارتفاع كفره مشكوك، فيجري استصحاب بقاء كفره و عدم إسلامه، فيثبت إرث الحفيد.

249

و الكلام نفسه يأتي في إثبات عدم إرثه فيما لو كانت حالة الأب السابقة هي الإسلام، و شوهد يوم السبت كافراً، و شكّ أنّ حدوث كفره تقدّم على ظهر الجمعة أو تأخّر عنه، فيستصحب بقاء إسلامه إلى ظهر الجمعة وقت موت الجدّ، و يكون هو الوارث و يمنع الحفيد من الإرث، لأنّ المهمّ في الاستصحاب هو وجود الشكّ في ظرف جريان الاستصحاب لا بعد ذلك.

فاتّضح أنّ استصحاب الجزء الثاني من جزئي موضوع الحكم الشرعي لا يؤثّر فيه معلوميّة الارتفاع في وقت متأخّر عن تحقّق الجزء الأوّل، لأنّ المطلوب في جريان الاستصحاب هو وجود الشكّ في البقاء في الظرف الذي يُراد إجراء الاستصحاب بلحاظه، حتّى لو كان المستصحب معلوم الارتفاع فيما بعد.

و على هذا الأساس ينفتح باب البحث في فرع جديد يرتبط بالحالة الثانية، أعني حالة تركّب موضوع الحكم الشرعي من جزءين، فقد ذكرنا إلى هنا حالة مجهوليّة التاريخ في أحد الجزءين و هو إسلام الأب في المثال، و الآن نبحث حالة مجهوليّة تاريخ كلا الجزءين، و هي المعروفة ب «حالة مجهولي التاريخ».

حالة مجهولي التاريخ‏

و هذه الحالة كما أشرنا تتصوّر فيما لو كان موضوع الحكم الشرعي مركّباً من جزءين، و فرض أنّ الجزء الأوّل عدم إسلام الأب معلوم الثبوت ابتداءً ثمّ علم بارتفاعه و لكن لا يعلم بالضبط متى ارتفع، أي جهل تاريخ ارتفاعه، و الجزء الثاني موت الجدّ كان معلوم العدم ابتداءً ثمّ علم بحدوثه و حصول موت الجدّ، و لكن لم يعلم تاريخ موته، فكلّ من إسلام الأب و موت الجدّ اللذين يشكّلان جزئي موضوع إرث الحفيد معلوم‏

250

الثبوت و العدم ابتداءً، و معلوم الارتفاع و الحدوث لاحقاً، و لكن لم يعلم تاريخ ارتفاع الأوّل و تاريخ حدوث الثاني، و حينئذٍ نكون أمام حالتين:

إمّا أن يكون حدوث موت الجدّ قبل ارتفاع الجزء الأوّل أي عدم إسلام الأب فيتحقّق كلا جزئي موضوع إرث الحفيد، لأنّ موت الجدّ قبل إسلام ابنه يوجب إرث الحفيد.

أو يكون حدوث موت الجدّ بعد إسلام ابنه و ارتفاع كفره، و حينئذٍ لا يحكم بإرث الحفيد، لعدم تحقّق موضوعه، إذ المفروض أنّه مركّب من جزءين و أحدهما أي موت الجدّ و إن كان متحقّقاً إلّا أنّ الجزء الآخر أي عدم إسلام الأب غير متحقّق، لأنّه قد أسلم قبل موت أبيه فيكون هو الوارث له لا الحفيد.

ثمّ إنّنا إذا نظرنا إلى كلا جزئي الموضوع نجد أنّ أركان الاستصحاب فيه تامّة، فإنّ عدم إسلام الأب (الجزء الأوّل) كان معلوماً سابقاً و الآن و إن كنّا نعلم بارتفاعه إلّا أنّنا نشكّ في ارتفاعه حين موت الجدّ، بمعنى أنّه عند موت الجدّ هل كان الأب باقياً على عدم إسلامه، أم أنّه أسلم ثمّ مات أبوه؟ فيستصحب بقاء عدم إسلامه إلى حين موت الجدّ، و يترتّب عليه إرث الحفيد. هذا من جهة الجزء الأوّل.

و أمّا من جهة الجزء الثاني، فإنّ أركان الاستصحاب تامّة فيه أيضاً، فإنّ موت الجدّ كان معلوم العدم سابقاً و الآن و إن كنّا نعلم بحدوث موته إلّا أنّنا نشكّ في أنّ موته أ حَدَث و ابنُه لا يزال كافراً، أم حدث بعد إسلام ابنه و ارتفاع كفره؟ فيستصحب عدم حدوث موت الجدّ إلى حين إسلام ابنه، بمعنى أنّ إسلام الابن حصل و أبوه على قيد الحياة، فيكون هو الوارث لأبيه لا الحفيد.

251

و هذا يعني أنّ الأثر الشرعي المترتّب على استصحاب بقاء عدم إسلام الأب إلى حين موت الجدّ هو إرث الحفيد، و أنّ الأثر الشرعي المترتّب على بقاء حياة الجدّ إلى حين ارتفاع كفر الأب هو عدم إرثه، فالاستصحابان متعارضان، و لا يمكن ترجيح إجراء أحدهما على الآخر لأنّه ترجيح بلا مرجّح، فيتعارضان و يتساقطان معاً.

و تسمّى هذه الحالة بحالة مجهولي التاريخ في كلمات الأصوليّين، و توجد فيها صور ثلاث، نستعرضها من خلال تطبيقها على المثال المتقدّم.

ثلاث صور في مجهولي التاريخ‏

الصورة الأولى: أن يكون كلّ من زمان ارتفاع الجزء الأوّل و حدوث الجزء الثاني مجهولًا، فلا عدم إسلام الأب الذي كان يعلم بحدوثه ابتداءً و ارتفاعه لاحقاً يعلم بزمان ارتفاعه، و لا موت الجدّ الذي يعلم بعدمه ابتداءً و حدوثه لاحقاً يعلم بزمان حدوثه.

الصورة الثانية: أن يكون زمان ارتفاع الجزء الأوّل أي عدم إسلام الأب معلوماً دون زمان حدوث الجزء الثاني أي موت الجدّ، كما لو فرض أنّ إسلامه و ارتفاع كفره حصل في ظهر الجمعة، و أمّا زمان موت الجدّ (الجزء الثاني) فلا يعلم تحقّقه قبل ظهر الجمعة أو بعده.

الصورة الثالثة: عكس الصورة الثانية، أي أن يكون زمان حدوث الجزء الثاني موت الجدّ معلوماً كأن يكون ظهر الجمعة، و أمّا زمان ارتفاع كفر الأب فغير معلوم و أنّه تحقّق قبل ظهر الجمعة أم بعده؟

هذه صور ثلاث يختلف فيها الحال بالنسبة إلى إحراز موضوع إرث الحفيد بالاستصحاب. ففي الصورة الأولى يجري الاستصحاب في كلا الجزءين و يتعارضان؛ لأنّ عدم إسلام الأب يُعلم بوجوده سابقاً و يشكّ في‏

252

ارتفاعه قبل و حين حدوث موت الجدّ، فيُستصحب بقاؤه إلى حين موته، و كذلك الحال في الجزء الثاني، فإنّ موت الجدّ كان معلوم العدم سابقاً و يشكّ في حدوثه قبل و عند تحقّق ارتفاع كفر الأب، فيُستصحب عدم حدوث موت الجدّ إلى حين إسلام ابنه و ارتفاع كفره.

و لا يخفى أنّ الاستصحاب الأوّل لو جرى بمفرده و من دون معارضة الاستصحاب الثاني له لأحرز كلا جزئي موضوع إرث الحفيد، و لكنّه معارض بالاستصحاب الثاني، أي استصحاب عدم موت الجدّ إلى حين إسلام ابنه، فيتعارض الاستصحابان و لا ترجيح لأحدهما على الآخر فيتساقطان، كما تقدّم.

و أمّا في الصورة الثانية التي يكون فيها زمان الجزء الأوّل معلوماً فقد يقال بعدم جريان الاستصحاب في الجزء الأوّل لعدم تماميّة أركان الاستصحاب بالنسبة إليه، لأنّه بعد العلم بارتفاع كفر الأب في ظهر الجمعة لا يوجد شكّ في بقاء عدم إسلامه و كفره ليُستصحب بقاؤه، و بعبارة ثانية: إنّ الركن الثاني من أركان الاستصحاب أي الشكّ في البقاء غير موجود بالنسبة إلى الجزء الأوّل، لأنّه معلوم الحدوث و الارتفاع، فيجري الاستصحاب في موت الجدّ بلا معارض، فيقال: إنّه كان معلوم العدم سابقاً و يشكّ في حدوثه قبل ظهر الجمعة، فيستصحب بقاء عدمه إلى‏

ذلك الوقت، بمعنى أنّ الأب أسلم في حياة الجدّ فيكون وارثاً له بعد موته و لا تصل النوبة إلى إرث الحفيد.

و على خلاف ذلك تكون الصورة الثالثة، فيقال بعدم جريان الاستصحاب في الجزء الثاني، لأنّ المفروض أنّه معلوم العدم سابقاً و معلوم الحدوث لاحقاً و لا يوجد شكّ في البقاء ليُستصحب عدمُ حدوث موته، فلا يكون الاستصحاب جارياً؛ لاختلال الركن الثاني، فيجري في الجزء الأوّل بلا

253

معارض، فيقال: إنّ عدم إسلام الأب كان معلوماً، و عند حدوث موت الجدّ في ظهر الجمعة يُشكّ في ارتفاعه في ذلك الوقت، فيُستصحب بقاء عدم إسلام الأب و كفره إلى حين موت الجدّ، و يثبت إرث الحفيد.

و هذا ما يعبّر عنه في كلمات الأصوليّين بأنّ الاستصحاب يجري في مجهول التاريخ دون معلومه.

و يمكن الجواب عن ذلك (إجراء الاستصحاب في مجهول التاريخ دون معلومه في الصورتين الثانية و الثالثة): بأنّ الجزء المعلوم التاريخ في الصورتين إنّما هو معلوم بالنسبة إلى ساعات اليوم الاعتيادية من الليل و النهار، و هو ظهر الجمعة في المثال، و ليس معلوماً عند قياس أحد الجزءين إلى الآخر، فلو نسبنا عدم إسلام الأب في الصورة الثانية إلى حدوث موت الجدّ لوجدناه مجهول التاريخ بهذا اللحاظ بالرغم من كونه معلوماً بالقياس إلى ساعات اليوم؛ إذ المفروض أنّه ارتفع عند ظهر الجمعة، و لكنّا لا نعلم هل ارتفع و موت الجدّ متحقّق أم لا؟ و كذلك بالنسبة إلى موت الجدّ فإنّه معلوم بالقياس إلى ساعات اليوم، و لكن لو نسبناه إلى الجزء الأوّل أي عدم إسلام الأب لوجدناه مجهولًا، لأنّا لا نعلم هل حدث و كفر الأب مرتفع أو لا؟

و بذلك يظهر أنّ كلّاً من الجزءين في الصورتين و إن كان معلوم التاريخ‏

بالقياس إلى ساعات اليوم إلّا أنّه مجهول التاريخ بالقياس إلى الجزء الآخر، و ما هو مهمّ في الاستصحاب هو إثبات تواجدهما معاً ليترتّب عليه إرث الحفيد، أو عدم تواجدهما ليترتّب عليه عدم إرثه، و بهذه النظرة لا يكون الجزء الأوّل في الصورة الثانية و لا الجزء الثاني في الصورة الثالثة معلوم التاريخ، و إنّما مجهول، فيتعامل مع الجزءين في كلتا الصورتين معاملة مجهولي التاريخ و يقال بجريان الاستصحاب في كلا الجزءين و تعارضهما ثمّ التساقط.

254

و سبب جريان الاستصحاب في كلا الجزءين في كلتا الصورتين هو وجود اليقين السابق بكلّ جزء و الشكّ في بقائه إلى حين وجود الجزء الآخر، فيجري استصحاب بقائه، و ينتهى إلى تعارض الاستصحابين و تساقطهما كما ذكرناه في صورة مجهولي التاريخ.

و قبل أن نختم الحديث في هذا التطبيق نشير إلى فرع أخير يرتبط بمسألة الاستصحاب في حالات الشكّ في التقدّم و التأخّر و هو المسمّى بتوارد الحالتين.

توارد الحالتين‏

يطلق مصطلح «توارد الحالتين» على الحالتين المتضادّتين اللتين تكون كلّ منهما بمفردها موضوعاً لحكم شرعيّ، و كانت كلّ حالة متيقّنة الحدوث سابقاً و مشكوكة البقاء لاحقاً، و لم يعلم المتقدّمة و المتأخّرة منهما.

و فرق هذه الحالة عن السابقة هو أنّ حالة مجهولي التاريخ تكون فيما لو كان الحكم الشرعي مترتّباً على موضوع مركّب من جزءين كإرث الحفيد المركّب من موت الجدّ و عدم إسلام الأب، و أمّا في هذه المسألة فإنّ كلّاً من الحالتين بمفردها تعتبر موضوعاً لحكم شرعيّ، كالحدث و الطهارة منه، أو كالخبث و الطهارة منه، فإنّ كلًّا من الحدث و الطهارة منه حالتان متضادّتان و كلّ منهما موضوع لحكم شرعيّ، و كذلك الخبث و الطهارة منه.

و هنا: إذا علم المكلّف بإحدى الحالتين كالطهارة و شكّ في طروّ الحدث و ارتفاع الطهارة المعلومة سابقاً فيستصحب بقاء الطهارة، و الحال نفسه لو كان الخبث متيقّناً و شكّ في طروّ الطهارة. و أمّا إذا علم بطروّ كلتا الحالتين و شكّ في المتقدّم منهما و المتأخّر، كما لو علم بالطهارة و علم بالحدث و لكن لا يعلم أيّهما السابق، فلو كان يعلم بتقدّم الطهارة فهو الآن محدث و لو كان العكس فهو الآن متطهّر، و في مثل هذه الحالة يجري الاستصحاب فيهما