القواعد الفقهية - ج2

- محمد كاظم‏ المصطفوي المزيد...
184 /
105

أما ما يقع له به مشاهدة فالأفعال كالغصب و السرقة و القطع- و ما شاكلها- فله أن يشهد إذا علم بالمشاهدة، و لا يصير عالما بذلك بغير مشاهدة.

و أما ما يقع العلم به سماعا فثلاثة أشياء النسب و الموت و الملك.

فاذا استفاض في الناس- كل واحد من تلك الثلاثة- فصار عالما متحملا للشهادة بالاستفاضة. (1)

و قال المحقق الحلي (رحمه اللّه): و مستندها: إما المشاهدة أو السماع أو هما، مما يفتقر إلى المشاهدة الأفعال- المذكورة في كلام الشيخ (رحمه اللّه)- لانّ آلة السمع لا تدركها، فلا يصير شاهدا بشي‏ء من ذلك إلا بالمشاهدة.

و ما يكفي فيه السماع- فالثلاثة المذكورة في كلام الشيخ (رحمه اللّه)- لتعذر الوقوف عليه مشاهدة في الأغلب. و يتحقق كل واحد من هذه بتوالي الأخبار من جماعة أو يستفيض ذلك حتى يتاخم العلم. (2)

و قال الشهيد الثاني (رحمه اللّه): المراد بالاستفاضة هنا شياع الخبر إلى حد يفيد السامع الظن المقارب للعلم. (3)

و اما ما يعتبر فيه المشاهدة و السماع. قال شيخ الطائفة (رحمه اللّه): و اما ما يحتاج إلى سماع و إلى مشاهدة، فهو كالشهادة على العقود كالبيع و الصرف و السلم و الصلح و الاجارات و النكاح و نحو ذلك، لا بد فيها من مشاهدة المتعاقدين، و سماع كلام العقد منهما، لانّه لا يمكن تحمّل الشهادة قطعا- بحسب الواقع- إلا كذلك، فانّه يزيد على الأفعال فانه يفتقر إلى سماع كلام العقد منهما. (4)

و قال المحقق الحلّي (رحمه اللّه): ما يفتقر إلى السماع و المشاهدة- كالعقود المذكورة في‏

____________

(1). المبسوط، ج 8، ص 180، 181

(2). شرائع الاسلام، ج 4، ص 132، 133

(3). اللمعة الدمشقية، ج 3، ص 135

(4). المبسوط، ج 8، ص 112

106

كلام الشيخ- فإن حاسة السمع يكفي في فهم اللفظ، و يحتاج إلى البصر لمعرفة اللافظ. (1)

قال الامام الخميني (رحمه اللّه): الضابط في ذلك- فيما يصير شاهدا- العلم القطعي و اليقين، فهل يجب أن يكون العلم مستندا إلى الحواس الظاهرة فيما يمكن كالبصر في المبصرات و السمع في المسموعات، و الذوق في المذوقات، و هكذا. فاذا حصل العلم القطعي بشي‏ء من غير المبادي الحسية لم يجز الشهادة، ام يكفى العلم القطعي بأي سبب كالعلم الحاصل من التواتر و الاشتهار؟ وجهان:

الأشبه الثاني- لحجية القطع الذاتية المطلقة- نعم يشكل جواز الشهادة فيما إذا حصل العلم من الأمور غير العادية كالجفر و الرمل و إن كان حجة للعالم. (2) و هناك فروع شتى، تدرس في كتاب القضاء.

____________

(1). شرائع الاسلام، ج 4، ص 135

(2). تحرير الوسيلة، ج 2، ص 575، 576

107

الخلاصة

1. من شروط حجية البينة كون الشهادة ناشئة عن العلم.

2. إن الشهادة لغة عبارة عن الأخبار عما شاهده و عاينه.

3. توجد هناك نصوص دالة- صريحا و ظاهرا- على اعتبار العلم في الشهادة.

الأسئلة

1. هل يعتبر العلم في الشهادة بحسب معناها العرفي؟

2. ما هو مستند العلم في الشهادة؟

3. هل يجوز الشهادة عن العلم الحاصل من غير المبادي الحسية؟

108

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

109

5 اشتراط التعدد في الشهود

من الشروط التي لها دور في تحقق البينة و اعتبارها الشرعية هو تعدد الشاهد.

و ها هو الفارق بينها و بين الخبر الواحد الذي من الحجج الشرعية بحسب السيرة قال المحقق صاحب الجواهر (رحمه اللّه): الأولى: ايكال الفرق بينهما إلى العرف، فكل ما عدّ فيه إنه من الشهادة اعتبر فيه التعدد و غيره من الأحكام الثابتة لها و إلّا كان من غير الشهادة- كالرواية و الخبر العادل- و الظاهر وفاء العرف بذلك من غير مدخلية لاعتبار الحاكم. (1)

و من حسن الحظ أن المتبادر من البينة في الشرع هو الشاهد المتعدد و عليه كانت البينة متقومة بتعدد الشاهد. و بدونه لا مجال لتحققها.

كما قال شيخ الشيعة الامامية الشيخ المفيد (رحمه اللّه): و البينة تقوم بالشهود اذا كانوا عدولا. (2)

و قال المحقق النراقي (رحمه اللّه): البينة إمّا معناها اللغوي، و هو ما ينكشف به الشي‏ء و يبين، و لا شك أنه لا يحصل بالشاهد الواحد، أو معناها المصطلح في الأخبار و هو الشاهد المتعدد. (3)

قال السيد المراغي (رحمه اللّه): يمكن أن يقال: أنّ البينة حقيقة في شهادة العدلين في زماننا

____________

(1). الجواهر، ج 41، ص 8

(2). المقنعة، ص 725

(3). عوائد الأيام، ص 821

110

و ما قبله بل قبل الشرع كانوا يطلقون البينة على الشهادة. (1) و الذي يؤكد المطلوب هو إطلاق البينة في غير واحد من الروايات على شهادة العدلين. (2)

اختصاص البينة بالموضوعات‏

إن البينة أمارة شرعية بالنسبة إلى كشف الموضوعات التي لها آثار عملية، كما هو شأن الأمارات بحسب صياغتها الأصلية و أدلتها الشرعية.

و لا صلة لها بالأحكام الفقهية التي تستنبط من أدلة الاستنباط.

و الذي يرشدنا إلى ذلك- الاختصاص- بكل وضوح هو موثّقة مسعدة بن صدقة التي ورد في ذيلها: الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة. (3)

دلت على أمارية البينة في الموضوعات، فان الأشياء المستبينة تنطبق بالموضوعات فحسب، و لا علاقة لها بالأحكام.

و مهما يكن فاختصاص البينة بالموضوعات مما لا خلاف فيه و لا اشكال عليه، بشي‏ء فالأمر متسالم عليه عند الفقهاء.

و يؤكّد ذلك أنّ معنى البينة هو الشهادة الحسية و هي تختص بالموضوعات التي تكون صالحة للدرك الحسّي و أما الأحكام كآراء شرعية لا تخضع بالحس.

قال المحقق النراقي (رحمه اللّه): الثابت من الأخبار هو حجية اخبار العدلين عن مشاهدة و عيان، أي الشهادة المستندة إلى إحدى الحواس الظاهرة، المعبّر عنها بالشهادة الحسية. (4) فتم المطلوب.

ترتب الأثر

قد المحنا أن الموضوعات التي تقوم بها البينة لا بد أن تكون ذات أثر شرعي، ذلك لانّ البينة اذا قامت على شي‏ء- من الموضوعات- بلا أثر شرعا، لا تثمر بشي‏ء فيكون‏

____________

(1). العناوين، ج 2، ص 655

(2). الوسائل، ج 18، أبواب كيفية الحكم‏

(3). الوسائل، ج 12، ص 60

(4). عوائد الأيام، ص 817

111

وجودها و عدمها سيان، و اذن لا ارضية للحجية و لا مجال للتعبد. كما قال: المحقق النراقي (رحمه اللّه) بعد ما: ثبتت أصالة وجوب شهادة العدلين، فاعلم: أن ذلك إنما يكون فيما يترتب عليها أثر، و يتبعها حكم لمن يشهد ان عنده أو لغيره. و أماما ليس كذلك فلا معنى لقبوله و حجيته.

فلو شهد العدلان: بأنا اكلنا البارحة خبزا ... لم يكن واجب القبول، و لا حجة و لا معتبرا؛ إذ ليست تلك- الأخبار- دالة على ذلك و انما هي- الأخبار- عارضة لما يترتب عليه اثر. (1) فان للاثر هناك دور موضوعي للحجية.

نطاق البينة

قال المحقق النراقي (رحمه اللّه): إن شهادة العدلين الثابتة حجيتها غير مخصوصة بما كان إخبارا عن حق لازم للغير، و لا بما كان عند الحاكم في محل الترافع، بل يعم كل خبر مستند إلى الحس و العيان، عن الوقائع و الصنائع و القيم و الأحوال، و الطهارات، و النجاسات، و المعاملات، و الشهادات في استخراج الحقوق و طيّ الدعاوي و غيرها فيكون الكل مقبولا إلا ما أخرجه الدليل. (2) ذلك لعموم حجية البينة الثابتة بالأدلة القطعية.

____________

(1). عوائد الأيام، ص 823، 824

(2). المصدر السابق، ص 817، 818

112

الخلاصة

1. من شروط الشهادة تعدد الشاهد و هذا هو المائز بينها و بين الخبر العادل.

2. البينة تختص بالموضوعات، و لا صلة لها بالأحكام.

3. الموضوعات التي تقوم بها البينة لا بد أن تكون ذات آثار شرعية.

الأسئلة

1. ما هو الدليل على اعتبار التعدد في البينة؟

2. ما هو الدليل على اختصاص البينة بالموضوعات؟

3. هل يختص البينة بما كان عند الحاكم في محل الترافع؟

113

6 شروط الشاهد

توجد هناك عدة أمور كشروط في تحقق الأهلية للشاهد بالنسبة إلى الشهادة، و قد تعبّر عنها بصفات الشهود، و هي عبارة عن الأمور الستة التالية:

1) البلوغ؛ 2) العقل؛ 3) الايمان؛ 4) العدالة؛ 5) ارتفاع التهمة؛ 6) طهارة المولد.

إن لتلك الشروط صلة وثيقة بأهلية الشاهد للشهادة و التفصيل بما يلي:

اشتراط البلوغ‏

قال المحقق الحلي (رحمه اللّه): يشترط فيه البلوغ فلا تقبل شهادة الصبي ما لم يصير مكلفا. (1)

و قال العلامة الحلي (رحمه اللّه): الأول- من صفات الشاهد- البلوغ، فلا تقبل شهادة الصبي إن كان مراهقا. و قال الشيخ فخر الدين (رحمه اللّه): الصبي إما ان لا يكون مميزا، أو يكون و الأول لا تقبل شهادته إجماعا.

و الثاني إما أن لا يكون قد بلغ عشر سنين أو يكون قد بلغ، و الأول لا تقبل شهادته في غير القصاص و القتل و الجراح، إجماعا. و أما في الجراح و الشجاج- خاصة فيمن بلغ عمره عشر سنين خلاف-.

____________

(1). شرائع الاسلام، ج 4، ص 125

114

الأصح أنه لا يقبل شهادته مطلقا؛ لقوله تعالى: ... وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ .... (1)

فان لفظ الرجال لا يطلق على الصبيان-، و لأن الصبي لا يقبل قوله على نفسه بالاقرار فلا يقبل على غيره بطريق أولى- و لأنه يعلم عدم مؤاخذته على الكذب، فلا مانع من الكذب. (2)

و قال الشهيد الثاني (رحمه اللّه): و أما استثناء الجراح و القتل فلحسنة جميل قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) تجوز شهادة الصبي؟ قال: نعم في القتل و يؤخذ بأول كلامه، و لا يؤخذ بالثاني. (3)

و رواية حمران‏ (4)- بعين المضمون- و لفظ الروايتين تضمن القتل، فيمكن أن يدخل فيه الجراح بطريق أولى، و من ثم ذكر الأكثر الجراح. (5)

و التحقيق أن الروايتين المتلوتين صحيحتان، و دلالتهما على جواز شهادة الصبي في القتل تامة.

و أما الجواز في الجراح فلا دليل عليه، و مع احتمال الخصوصية في القتل لا مجال للأولوية هناك.

كما قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه): تقبل شهادتهم في القتل، و في قبول شهادتهم في الجرح اشكال. (6)

اشتراط العقل‏

يشترط في الشاهد أن يكون عاقلا، لأن المجنون غير صالح للشهادة بلا خلاف قال المحقق الحلي (رحمه اللّه): من صفات الشاهد: كمال العقل، فلا تقبل شهادة المجنون إجماعا،

____________

(1). البقرة، 282

(2). ايضاح الفوائد، ج 4، ص 417، 418

(3). الوسائل، ج 18، ص 252

(4). المصدر السابق‏

(5). مسالك الافهام، ج 2، ص 320

(6). تكملة المنهاج، ج 1، ص 78، 79

115

و اما ما يناله الجنون أدوارا فلا باس بشهادته حال إفاقته. (1) ذلك لعموم حجية البينة، و عدم وجود المانع آنذاك و قال الشهيد الثانى (رحمه اللّه): لمّا كان الشاهد من شرطه أن يميّز المشهود به و يكون مرضيا، لم تجز شهادة المجنون سواء كان جنونه مطلقا، ام يقع أدوارا، و قد قال تعالى: ... مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ... (2) و المجنون بنوعيه غير مرضي و هذا محل وفاق بين المسلمين لكن غير المطبق إذا كمل عقله في غير دوره و استحكمت فطنته قبلت شهادته، لزوال المانع. (3)

و قال المحقق صاحب الجواهر (رحمه اللّه): لا تقبل شهادة المجنون اجماعا بقسميه بل ضرورة من المذهب أو الدين، على وجه لا يحسن من الفقيه ذكر ما دل على ذلك من الكتاب و السنة.

و قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه) و يشترط في الشاهد: العقل، فلا عبرة بشهادة المجنون حال جنونه، بلا خلاف فيه بين المسلمين و عليه جرت السيرة العقلائية، و تقبل- شهادته- حال إفاقته، إذا كان واجدا لسائر الشرائط؛ و ذلك لاطلاق الأدلة. (4)

اشتراط الايمان‏

يشترط في الشاهد أن يكون مؤمنا كامل الايمان، فمن لم يكن كذلك ليس أهلا للشهادة قال المحقق الحلي (رحمه اللّه) من صفات الشاهد: الايمان، فلا تقبل شهادة غير المؤمن، و إن اتصف بالاسلام، لا على مؤمن و لا على غيره لاتصافه بالفسق و الظلم المانع من قبول الشهادة. (5)

و قال الشهيد الثاني (رحمه اللّه): ظاهر الأصحاب الاتفاق على اشتراط الايمان في الشاهد و ينبغي أن يكون هو الحجة. (6)

و قال المحقق صاحب الجواهر (رحمه اللّه): لا تقبل شهادة غير المؤمن بلا خلاف أجده فيه،

____________

(1). شرائع الاسلام، ج 4، ص 126

(2). البقرة، 282

(3). مسالك الافهام، ج 2، ص 320

(4). تكملة المنهاج، ج 2، ص 80

(5). شرائع الاسلام، ج 4، ص 126

(6). مسالك الافهام، ج 2، ص 321

116

بل عن جماعة الاجماع عليه، بل لعله من ضروري المذهب في هذا الزمان، للأصل بعد اختصاص اطلاقات الكتاب و السنة و لو للتبادر و غيره بالمؤمن، خصوصا نحو:

رجالكم‏ (1) و ممن ترضون‏ (2). بناء على اختصاص الخطاب بالمشافهين، و ليس المخالف بموجود في زمن الخطاب، و لو سلم العموم- فقد ورد- الخبر المفسر (3) لقوله تعالى: ترضون، برضا دينه و لا ريب في كونه غير مرضي الدين.

و بالجملة: لا يمكن إحصاء وجوه الدلالة في النصوص على عدم قبول شهادتهم. (4)

و قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه): لا تقبل شهادة غير المؤمن، بلا خلاف، فان تم الاجماع فهو و إلّا ففي إطلاق الحكم- ان كان قاصدا- اشكال. (5)

و التحقيق: أن هناك للايمان دور موضوعي فلا يكون الشاهد بلا ايمان صالحا للشهادة؛ لماله من المكانة البارزة.

____________

(1). البقرة، 282

(2). البقرة، 282

(3). الوسائل، ج 18، ص 295

(4). الجواهر، ج 41، ص 16، 17

(5). تكملة المنهاج، ج 1، ص 80

117

الخلاصة

1. يشترط في الشاهد البلوغ و العقل و الايمان و العدالة و ارتفاع التهمة و الايمان.

2. لا تقبل شهادة الصبي و المجنون إجماعا.

3. لا تقبل شهادة غير المؤمن لاتصافه بالظلم المانع عن القبول.

الأسئلة

1. هل تقبل شهادة الصبي في الجراح؟

2. هل يصح شهادة المجنون حال إفاقته؟

3. ما هو الدليل على اشتراط الايمان في الشهادة؟

118

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

119

7 اشتراط العدالة

يشترط في الشاهد أن يكون عادلا و لا أهلية للفاسق تجاه الشهادة بلا خلاف قال شيخ الشيعة الامامية الشيخ المفيد (رحمه اللّه): و البينة تقوم بالشهود إذا كانوا عدولا.

و العدل من كان معروفا بالدين و الورع من محارم اللّه عزّ و جل. و لا تقبل شهادة الفاسق. (1)

و قال شيخ الطائفة (رحمه اللّه): لا يجوز للحاكم أن يقبل إلّا شهادة العدول، فأمّا من ليس بعدل فلا تقبل شهادته؛ لقوله تعالى: ... وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ... (2)- فان للعدل دور موضوعي هناك- و العدالة في اللغة أن يكون الانسان متعادل الأحوال متساويا.

و أمّا في الشريعة هو من كان عدلا في دينه عدلا في مروته عدلا في احكامه.

فالعدل في الدين أن يكون مسلما و لا يعرف منه شي‏ء من أسباب الفسق. (3)

و قال المحقق الحلي (رحمه اللّه) يشترط في الشاهد: العدالة؛ اذ لا طمأنينة- و لا اعتماد بالشهادة- مع التظاهر بالفسق.

و لا ريب في زوال- العدالة بارتكاب- الكبائر، و كذا- بارتكاب- الصغائر مع الاصرار. (4)

و قال الشهيد الثاني (رحمه اللّه): العدالة شرط في قبول الشهادة فلا تقبل شهادة الفاسق‏

____________

(1). المقنعة، ص 726

(2). الطلاق، 2

(3). المبسوط، ج 8، ص 8

(4). شرائع الاسلام، ج 4، ص 126

120

اجماعا، قال تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا .... (1) و الشهادة نبأ فيجب التبيّن عندها، و قال تعالى و اشهدوا ذوى عدل،- الآية المذكورة في كلام الشيخ الانيف بالذكر.

و قال تعالى: ... مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ .... (2) و الفاسق ليس بمرضي الحال. (3)

و قال المحقق صاحب الجواهر (رحمه اللّه): أن العدالة شرط هناك كتابا (4) و سنة (5) مستفيضة أو متواترة، و اجماعا بقسميه. (6)

و من الروايات صحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور قال قلت: لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم و عليهم؟ فقال: أن تعرفوه بالستر و العفاف و كف البطن و الفرج و اليد و اللسان، و يعرف باجتناب الكبائر التي أو عد اللّه عليها النار. الحديث. (7) دلت على أن العدالة من الشروط المرتكزة هناك. و الروايات الواردة في الباب كثيرة تكاد أن تبلغ حدّ التواتر.

و قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه): لا تقبل شهادة غير العادل، بلا خلاف و لا اشكال. و تدل عليه الآية الكريمة الواردة في الوصية، قال عزّ و جلّ: ... إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ... (8) فان اعتبار العدالة في الشاهد على الوصية المبني أمرها على التوسعة- فتقبل فيها شهادة المرأة و شهادة غير المسلم إذا لم يوجد مسلم- يقتضي اعتبارها في غير الوصية جزما. (9)

و بالتالى: فلا شك في اشتراط العدالة، و هي الاجتناب عن المعاصي الكبيرة و عدم الاصرار على الصغيرة.

____________

(1). الحجرات، 6

(2). البقرة، 282

(3). مسالك الافهام، ج 2، ص 321

(4). الطلاق، 2

(5). الوسائل، ج 18، باب 41، ص 288

(6). الجواهر، ج 41، ص 25

(7). الوسائل، ج 18، ص 288

(8). المائدة، 106

(9). تكملة المنهاج، ج 1، ص 87

121

اشتراط ارتفاع التهمة

يشترط في الشاهد أن يكون بريئا عن الاتهام، و لا تقبل شهادة من كان في معرض التهمة، لعدم تحقق الاعتماد عليه آنذاك.

قال شيخ الشيعة الامامية الشيخ المفيد (رحمه اللّه): و لا تقبل شهادة المتهم. (1)

و قال شيخ الطائفة (رحمه اللّه): كل من يجرّ بشهادته نفعا إلى نفسه أو يدفع ضررا عنها، فان شهادته لا تقبل، فالجارّ إلى نفسه هو أن يشهد الغرماء للمفلس المحجور عليه ...

و ما شاكله؛ لقوله (عليه السّلام): لا يجوز شهادة خصم و لا ظنين‏ (2)، و هو المتهم و هؤلاء متهمون. (3)

و قال المحقق الحلي (رحمه اللّه): و من شروط الشاهد: ارتفاع التهمة. (4) بأن لا يكون هناك دافعا للكذب.

و قال الشهيد الثاني (رحمه اللّه): شهادة المتهم مردودة إجماعا. (5)

و قال المحقق صاحب الجواهر (رحمه اللّه) من الشروط ارتفاع التهمة في الجملة. (6) بلا خلاف أجد فيه نصا و فتوى بل الاجماع بقسميه عليه، بل النصوص مستفيضة أو متواترة. (7)

منها صحيحة عبد اللّه بن سنان قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): ما يردّ من الشهود؟ قال:

فقال: الظنين و المتهم. (8) و الروايات الواردة في الباب كثيرة تكاد تبلغ حد التواتر، و بما أن موارد التهمة ذكرت في النصوص و سطرت في كتاب الشهادات، لم تكن التهمة مانعة عن قبول الشهادة بقول مطلق، كما قال الامام الخميني (رحمه اللّه) ارتفاع التهمة- شرط- لا مطلقا. (9)

اشتراط طهارة المولد

يشترط في الشاهد أن يكون مشروع النسب، فلا اعتبار بشهادة ولد الزنا، بلا خلاف.

قال شيخ الطائفة (رحمه اللّه): شهادة ولد الزنا إذا كان عدلا مقبولة عند قوم.

____________

(1). المقنعة، ص 726

(2). المستدرك، كتاب الشهادات، باب 22، ح 2

(3). المبسوط، ج 8، ص 8

(4). شرائع الاسلام، ج 4، ص 129

(5). مسالك الافهام، ج 2، ص 323

(6). البحث بحاجة إلى التحقيق.

(7). الجواهر، ج 41، ص 60

(8). الوسائل، ج 18، ص 274

(9). تحرير الوسيلة، ج 2، ص 573

122

لكن أخبار أصحابنا يدل على أنه لا يقبل شهادته. (1)

قال المحقق الحلي (رحمه اللّه): من صفات الشاهد طهارة المولد فلا تقبل شهادة ولد الزنا أصلا. (2)

و قال العلامة الحلّي (رحمه اللّه): لا تقبل شهادة ولد الزنا مطلقا.

و قال الشيخ فخر الدين (رحمه اللّه): و احتج- على ذلك- بوجوه: الأول: أن الشهادة من المناصب الجليلة- و لا أهلية لولد الزنا- فكما لا يجوز أن يكون إماما، لا يجوز أن يكون شاهدا، و لرواية عبيد بن زرارة عن الامام الباقر (عليه السّلام) قال سمعته يقول: لو أن اربعة شهدوا عندي على رجل بالزنا و فيهم ولد الزنا لحددتهم جميعا؛ لأنه لا يجوز شهادته و لا يؤم الناس. (3)

الثاني: ما رواه أبا بصير- بسند معتبر- عن الامام الصادق (عليه السّلام) قال: سالته عن ولد الزنا أ تجوز شهادته؟ قال: لا، قلت: أن يزعم أنه يجوز، قال: اللّهم لا تغفر ذنبه. (4) و هذا الدعاء يدلّ على أنّ الافتاء بقبول شهادته من الذنوب العظيمة. (5)

و من حسن الحظ ان النصوص هناك مستفيضة فيها صحاح، منها صحيحة محمد بن مسلم قال: قال ابو عبد اللّه (عليه السّلام): لا تجوز شهادة ولد الزنا. (6) و منها صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سألته عن شهادة ولد الزنا قال: لا و لا عبد. (7)

و منها صحيحة علي بن جعفر (عليه السّلام) في كتابه عن أخيه (عليه السّلام) قال: سألته عن ولد الزنا هل تجوز شهادته؟ قال: لا يجوز و لا يؤم. (8)

دلت هذه الصحاح على المطلوب دلالة تامة. و الحكم مفتى به. قال الامام الخميني (رحمه اللّه): لا تقبل شهادة ولد الزنا و إن كان عادلا. (9)

____________

(1). المبسوط، ج 18، ص 228

(2). شرائع الاسلام، ج 4، ص 132

(3). الوسائل، ج 18، ص 276

(4). المصدر السابق‏

(5). ايضاح الفوائد، ج 4، ص 425

(6). الوسائل، ج 18، ص 276، 277، ح 3، 6، 7

(7). المصدر السابق‏

(8). المصدر السابق‏

(9). تحرير الوسيلة، ج 2، ص 573

123

الخلاصة

1. يشترط العدالة في الشاهد فلا تقبل شهادة الفاسق بالنص و الاجماع.

2. يشترط في الشاهد أن لا يكون متهما بالشهادة على خلاف الحق فلا تقبل شهادة المتهم بالنص و الاجماع.

3. يشترط في الشاهد طهارة المولد فلا تقبل شهادة ولد الزنا ذلك للنص الصحيح.

الأسئلة

1. ما هو معنى العدالة؟

2. ما هو الدليل- من النص و الاجماع- على عدم قبول الشهادة من المتهم؟

3. هل تقبل شهادة ولد الزنا إن كان عادلا؟

124

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

125

8 نسبة القاعدة مع القواعد الأخرى‏

توجد هناك عدة قواعد تجري في الشبهات الموضوعية، و ربما تنتهي نتيجة تلك القواعد على خلاف نتيجة البينة فيتحقق التعارض بينهما.

و يكون أهمها- القواعد- بما يلي:

1) قاعدة الفراغ؛ 2) قاعدة التجاوز؛ 3) قاعدة الصحة؛ 4) قاعدة عدم التزكية؛ 5) قاعدة الطهارة؛ 6) قاعدة الاستصحاب؛ 7) قاعدة الحلّ؛ 8) قاعدة الاحترام؛ 9) قاعدة تصديق الأمين؛ 10) قاعدة حجية الظن في الصلاة.

إنّ تلك القواعد تسمّى بالأصول العملية الشرعية التنزيلية، على أساس الاعتبار فان قاعدة الحلّ مثلا- باعتبار تنزيل الحلال الظاهري منزلة الحلال الواقعي في ضوء- كل شي‏ء لك حلال، تسمّى بالأصل التنزيلى.

كما قال سيد الشهيد الصدر (رحمه اللّه): و يسمى الأصل- الحلّ- في حالة بذل هذه العناية التنزيلية بالأصل التنزيلى. (1)

و من الطبيعى تحقق المعارضة هناك، فان التمسك بقاعدة الحل- مثلا- تجاه الشي‏ء الذي شك في حلّيته يثمر الحلّية.

____________

(1). الحلقة الثالثة، ص 16

126

و أن ذاك إذا قامت البينة على حرمة ذلك الشي‏ء يثبت الحرمة نتيجة للبينة و بعد التعارض في بداية الأمر نحكم بتقدم البينة على ما هو متسالم عليه عند الأصحاب.

و بعد ذلك نتحدث عن شأن هذا التقدم حتى يتبين لنا نسبة البينة مع القواعد و الأصول التنزيلية.

إنّ الانتباه على المطلوب بحاجة ماسة إلى تبيين مكانة البينة و دورها العلمي بحسب الاعتبار الشرعي. و تبيين مكانة تلك القواعد.

أمارية البينة

إن البينة من أبرز الأمارات و أهمها دورا و نطاقا، و الأمارات كالبينة و اليد و السوق، كلها مجعولة كحجة شرعية تثمر احراز الواقع بالتعبد الشرعي.

و الأصول الشرعية كقاعدة الصحة و الطهارة و الحل، كلها مجعولة كحجة شرعية لاثبات الحكم الظاهري في حالة الشك بالنسبة إلى الحكم الواقعي.

كما قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه) إن الحكم الظاهري على قسمين.

احدهما: حكم ظاهري مجعول في ظرف الشك و الجهل بالواقع حقيقة من دون نظر إلى الواقع اصلا.

و ثانيهما: حكم ظاهري مجعول ايضا في ظرف الشك في الواقع و الجهل به إلّا أنه ناظر إلى الواقع و كاشف عنه.

و الأول مفاد الأصول العملية الشرعية كقاعدة الطهارة و الحلية و الاستصحاب.

و الثاني مفاد الأمارات.

أما الأول فلأن المجعول في موارد تلك الأصول هو الحكم الظاهري في ظرف الشك و الجهل بالواقع، و من الطبيعي أن ذلك إنما يكون من دون لحاظ نظرها إلى الواقع أصلا، و لذا أخذ الشك في موضوعه في لسانها، من دون نظر إلى الواقع أصلا.

و أما الثاني- و هو مفاد الأمارات- فلأن المجعول في مواردها إنما هو حجيتها

127

بلحاظ نظرها إلى الواقع، و إثباتها له على ما هو عليه.

- و على رأي السيد الاستاذ كان المجعول فيها الطريقية و الكاشفية و العلم التعبدي. (1)

فاستبان لنا أن الأصول التنزيلية تجري في مجال الشك، و الأمارة هي العلم التعبدي و التقدم بنحو الحكومة:

بعد ما تبين لنا مكانة الأمارة و الأصل الشرعي بحسب الاعتبار الشرعى.

يتضح لنا أن التقدم هناك يكون بنحو الحكومة؛ ذلك لأن الدليل الحاكم يكون رافعا لموضوع الدليل المحكوم تعبدا، و تلك العلاقة قائمة بين الأمارة و الأصول الشرعية بكل وضوح.

كما قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه): الحكومة هي عبارة عن انتفاء الموضوع؛ لثبوت المتعبد به- المحكوم- بالتعبد الشرعي.

و ذلك كالأمارات بالنسبة إلى الأصول الشرعية التي منها الاستصحاب، فانه بعد ثبوت ارتفاع المتيقن السابق- بالامارة- بالتعبد الشرعي لا يبقى موضوع للاستصحاب؛ فإن موضوعه الشك، و قد ارتفع تعبدا و إن كان باقيا وجدانا، لعدم كون الأمارة مفيدة للعلم الوجداني.

و كذا سائر الأصول الشرعية- من أصالة الطهارة و الصحة و الحل و غيرها- فانه بعد كون الأمارة علما تعبديا، لما في تعبير- الأئمة (عليهم السّلام) عمن قامت عنده الأمارة بالعارف و الفقيه و العالم- لا يبقي موضوع لأصل من اصول الشرعية تعبدا. (2)

و بالتالي: فتبين لنا بكل وضوح أن البينة تتقدم على تلك القواعد بنحو الحكومة.

و الذي يرشدنا إلى ذلك كله بأسلوب راشد هو قوله (عليه السّلام): الأشياء كله على ذلك حتى تستبين أو تقوم به البينة. (3)

____________

(1). المحاضرات، ج 2، ص 251- 253

(2). مصباح الأصول، ج 39، ص 251

(3). الوسائل، ج 12، ص 60

128

و يحسن بنا أن نأخذ بالتمثيل الموارد التالية:

1. في مجال الصحة: إذا نرى شخصا يباشر عقدا من العقود المعاملية، و شككنا في صحة هذا العقد و فساده نحكم بصحته على أساس القاعدة و نلتزم بترتيب الآثار.

و بعد ذلك إذا قامت البينة على أنّ ذاك الشخص العاقد لم يعرف معنى العقد يثبت بطلان العقد من الأساس فلا يبقى مجال للحمل على الصحة.

2. في مجال الطهارة: إذا نرى ماء شككنا في طهارته نتمسك بالقاعدة فنحكم بالطهارة و ترتب آثارها.

و بعد ذلك إذا قامت البينة على نجاسة ذلك الماء نثبت النجاسة، و لا يبقى مجال لأصالة الطهارة.

3. في مجال تصديق الأمين: علينا أن نصدق الأمين بالنسبة إلى تلف الأمانة بلا تفريط، و أمّا إذا قامت البينة على تفريط الأمين تثبت الخيانة، فلا يبقى موضوع للتصديق.

129

الخلاصة

1. ان الأمارة قد تتعارض مع القواعد و الأصول التنزيلية كقاعدة الطهارة و التجاوز و الفراع و ما شاكلها فتقدم عليها بنحو الحكومة.

2. إن القواعد المتلوة تكون من الأصول الشرعية العلمية، و مفادها اثبات الحكم الظاهري في ظرف الشك من دون نظر إلى الواقع.

3. إن البينة من الأمارات الشرعية و المجعول في مورد الأمارات حكم ظاهري مع الكشف عن الواقع.

الأسئلة

1. ما هو الدليل على حكومة البينة على الأصول الشرعية؟

2. ما هو الفرق بين الأمارة و الأصل الشرعي من ناحية جعل الحكم؟

3. ما هو التمثيل للتعارض بين البينة و قاعدة تصديق الأمين؟

130

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

131

9 نسبة البينة مع الأمارات الأخرى‏

توجد هناك عدة أمارات تفيد احراز المؤدى بالعلم التعبدي، و لها آثار هامة في المجال العملي.

أهمها- الأمارات- ما يلي:

1) قاعدة الاقرار؛ 2) قاعدة اليد؛ 3) قاعدة السوق.

فان تلك الأمارات قد تتعارض مع البينة، فعلينا أن نتحدث عن النسبة القائمة بين المتعارضين هناك حالة التعارض.

التحقيق: أن تلك الأمارات و إن كانت في مرتبة واحدة- الطريقيّة و الكاشفية- إلّا أن الترتيب القائم بينها- تقدما و تأخرا- مما تسالم عليه الأصحاب، فالأمر متسالم عليه عندهم.

فالذي نراه كارسال مسلم عند الفقهاء، أن الاقرار يقدّم على البينة- عند التعارض و البينة تتقدم على قاعدتي اليد و السوق بلا خلاف.

الاستدلال بالسيرة

يمكننا أن نستدل على تحقق الترتيب بين الأمارات بالسيرة العقلائية فلا شك في أن العقلاء بصفة عامة يقدّمون الاقرار على البينة و يقدّمون البينة على قاعدة اليد و السوق.

132

و تكون تلك السيرة ممضاة شرعا، و يستفاد ذلك الامضاء من الروايات الواردة في كتاب القضاء و عليه يقال: إنه قد استقرت السيرة على المطلوب، و هي الحجة المعتبرة فيكفينا الاستناد إليها هناك. و تم المطلوب.

و أما نوعية التقدم بأن يقال: إن الاقرار حاكم على البينة أو أنه وارد عليها، و كذلك البينة بالنسبة إلى قاعدة اليد، مما لا يمكن الالتزام به، ذلك لأن الأمارات كلها في مرتبة واحدة، و نتيجة التعارض على أساس القاعدة تنتهى إلى التساقط و عليه فيكون تقدّم بعضها على بعض على أساس التسالم البالغ حد الضرورة، كما استقرت منهجية الحكم في كتاب القضاء على هذا الأسلوب عند الفقهاء اجمع. و على أساس السيرة هناك اتجاه رائع من السيد الشهيد الصدر (رحمه اللّه)، يمكننا أن نعيّن نوعية التقدم هناك على ضوء ذلك الاتجاه.

قال: لوحظت في أدلة الحجية- للأمارة- الأهمية الناشئة من قوة الاحتمال. (1) فعلى هذا الأساس يمكن أن يكون التقدم هناك منطلقا عن قوة احتمال الكشف، و بما أن لتلك الأهمية صلة بحكومة الأمارة على الأصول يمكن أن يكون الاقرار حاكما على البينة و البينة على قاعدتي اليد و السوق، لقوة الاحتمال.

تعارض البيّنتين‏

لا شك في أن البينة قد تتعارض مع بينة أخرى، و في تلك الحالة يتحدث عن نتيجة التعارض، و عملية الجمع بين المتعارضين. و التفصيل بما يلي.

قال شيخ الشيعة الامامية الشيخ المفيد (رحمه اللّه): و إذا تنازعا نفسان في شي‏ء، و أقام كلّ واحد منهما بينة على دعواه بشاهدين عدلين لا ترجيح لبعضهم على بعض بالعدالة، حكم لكل واحد من النفسين بنصف الشي‏ء، و كان بينهما جميعا نصفين.

و إن رجح بعضهم على بعض في العدالة حكم لأعدلهما شهودا.

____________

(1). الحلقة الثالثة، ص 13

133

و إن كان الشي‏ء في يد أحدهما و استوى شهودهما في العدالة، حكم للخارج اليد منه، و نزعت يد المتشبث به منه.

و إن كان لأحدهما شهود اكثر عددا من شهود صاحبه مع تساويهم في العدالة حكم لأكثرهما شهودا مع يمينه باللّه عزّ و جل على دعواه. (1)

فصرّح الشيخ (رحمه اللّه) بعملية الترجيح هناك بالمرجحات المنصوصة (2) و في نهاية المطاف ألمح إلى نتيجة المعارضة فحكم بالتنصيف بين الطرفين على أساس قاعدة:

العدل و الانصاف. (3)

و من البين أن ذلك يختص بما يقبل التقسيم و أماما لا يقبل كالزوجية مثلا فيشكل الأمر.

و قال شيخ الطائفة (رحمه اللّه): إن التعارض- هناك- إنما يكون بأن يشهد كل واحد منهما بغير ما تشهد به الأخرى، لا يرجح إحداهما على الأخرى.

من ذلك إذا شهد شاهدان أنّ هذه الدار لزيد، و شهد آخران أنّ هذه لعمرو، تعارضتا؛ لأن الدار لا يجوز أن يكون كلّها ملكا لكل واحد منهما.

و منه اذا شهد شاهدان أنه باع هذا الفرس من زيد بالف عند الزوال، و شهد آخر ان أنه باعه من عمرو بالف في ذلك الوقت، فهما متعارضتان؛ لأن عقد البيع مع كل واحد منهما في زمان واحد محال.

فاذا تعارضتا فمذهبنا أنه يستعمل فيه القرعة، فمن خرج اسمه حكم له به. (4)

و قال العلامة الحلي (رحمه اللّه): اذا تعارض البيّنتان: يحكم للأعدل، فللأكثر فان تساويا أقرع. (5)

إن الوظيفة في بداية المواجهة عملية الترجيح فان لم يكن ترجيح هناك نواجه مشكلة تحله قاعدة القرعة.

التحقيق: ان مقتضى القاعدة في التعارض التساقط ذلك لأن دليل الحجية لا يشمل للمتعارضين، للجمع بين الضدين. و لا لأحدهما؛ للترجيح بلا مرجح، فلا يتم دليل‏

____________

(1). المقنعة، ص 370، 371

(2). الوسائل، ج 18، ص 181

(3). القواعد، ص 159

(4). المبسوط، ج 8، ص 262

(5). ايضاح الفوائد، ج 4، ص 383

134

الحجية، فيسقط الاعتبار لعدم الدليل عليه. قال السيد اليزدي: إذا تعارض البينتان فالأقوى سقوطهما، قال السيد الحكيم: إن الحكم يكون كذلك: لأصالة التساقط في الأمارات المتعارفة. (1)

و من الجدير بالذكر أن التساقط هناك إنما يكون بعد فقد الترجيح، و أما مع وجود الترجيح بالمرجحات المنصوصة،- في كتاب القضاء باب 12 من أبواب كيفية الحكم- كان دليل الحجية شاملا للراجح، لأنه ترجيح مع المرجّح المنصوص.

و أما الرجوع إلى القرعة مع عدم الترجيح- المستفاد من تلك النصوص- يرشدنا إلى التساقط و المواجهة بمشكلة تحلّ بالقرعة. قال السيد اليزدي: الأقوى- هناك- الرجوع إلى المرجحات المنصوصة و غيرها، و مع عدمها فإلى القرعة. (2) و الحمد للّه.

____________

(1). مستمسك العروة الوثقى، ج 8، ص 18

(2). العروة الوثقى، ج 3، ص 154

135

الخلاصة

1. إن الاقرار يقدم على البينة، و هي تتقدم على قاعدتي اليد و السوق بلا خلاف.

2. قد تتعارض البينتان و إذن فالمرجع هو المرجحات المنصوصة.

3. و بعد فقد المرجح قد يقال: بالتنصيف فيما يقبل و فيما لا يكون قابلا للتنصيف القرعة.

الأسئلة

1. هل استقرت السيرة على الترتيب بين الأمارات؟

2. ما هو دور قاعدة العدل و الانصاف عند تعارض البينتان؟

3. ما هو مقتضى القاعدة في التعارض؟

136

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

137

الباب الثالث قاعدة نفي العسر و الحرج‏

138

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

139

1 العسر و الحرج‏

المعنى: ان العسر خلاف اليسر، و الحرج خلاف السعة كما قال الفيومي: العسر هو الصعب الشديد. (1) و الحرج: هو التعب و الضيق. (2)

و هذا المعنى لهاتين الكلمتين لغة، هو معنا هما المصطلح الشرعي، لاصالة عدم النقل، و يؤكد ذلك التبادر الموجود هناك.

و من البيّن أن العسر أخف من الحرج، و كليهما من مصاديق المشقة، فان بداية المشقة هي مرحلة العسر، و نهاية المشقة هي مرحلة الحرج و عليه كان تركيبهما كجزئي الموضوع للقاعدة تحديدا للموضوع، فيتبين منه أن الموضوع هو المشقة بشتى مراحلها- المرحلة النازلة (العسر) المرحلة المتوسطة (بين العسر و الحرج)، المرحلة العالية، (الحرج)- و بالتالي فلا بد في تحقق الموضوع هناك من التركيب المتلو، و بذكر أحد الجزءين و ترك الآخر يوجد النقص في الموضوع، و هذا هو الدافع الاساسي للتركيب.

و ما عثرنا لحد الآن على اتجاه أجود من ذلك تجاه تركيب العسر و الحرج.

و يؤيد ذلك ما ألمح به السيد المراغي (رحمه اللّه) قائلا: لا كلام في امتناع التكليف بما لا يطاق.

____________

(1). المصباح المنير، ج 2، ص 552

(2). المصدر السابق، ج 1، ص 277

140

و لا كلام ايضا في جواز التكليف بما دون العسر- بمعنى السعة و اليسر و السهولة- بل وقوعه، و قد نطق الكتاب و السنة بوقوع ذلك. (1)

قد يشكل و يقال: انه لا شك في أن مفهوم العسر يختلف عن مفهوم الحرج، فلا يصح جعلهما موضوعا واحدا لقاعدة واحدة، بل الصحيح أن يكون كل واحد منهما موضوعا مستقلا، فتصبح القاعدة المتلوة قاعدتين:

1. نفي العسر؛ 2. نفي الحرج.

و التحقيق انه لا مجال لهذا الاشكال، و ذلك:

اولا انه لا مباينة بين المفهومين كما قال السيد المراغي: و فسر الحرج بالضيق، و فسر العسر بالصعوبة و الشدة، و كلها متقاربة مفهوما و مصداقا. (2)

و ثانيا ان الاختلاف اليسير بين العسر و الحرج مفهوما لا يضر باتحادهما مصداقا و يكفينا ذلك الاتحاد.

و ثالثا: أن العسر و الحرج بعد وقوعهما كموضوع واحد، يطلق كل واحد على الآخر في الفقه، فيتحدان مفهوما و مصداقا بحسب الاصطلاح الفقهي. و تعدد التعبير يرشدنا إلى تعدد الاعتبار، فان المشقة باعتبار الضغط الجسمي يعبر عنها بالعسر، و باعتبار الضغط الروحي يعبر عنها بالحرج، و عليه يقال: أن العسر بدني و الحرج نفسي.

معنى القاعدة

و بعد توضيح المفردات و اتمام صياغة القاعدة- نفي العسر و الحرج- نقول: أن معنى القاعدة هو عدم جعل الحكم الشرعي عند المشقة كما قال المحقق صاحب الجواهر (رحمه اللّه): نفي الحرج و نحوه- نفي العسر- مما يقتضي برفع التكليف. (3)

و قال المحقق النراقي (رحمه اللّه): و يرجع في تعيين معنى العسر و الضيق- الحرج- الى العرف، فيحكم بانتفاء كل ما يعد في العرف عسرا و ضيقا. (4)

____________

(1). العناوين، ج 1، ص 285

(2). المصدر السابق‏

(3). الجواهر، ج 17، ص 150

(4). عوائد الأيام، ص 61

141

و قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه): ان العسر يوجب ارتفاع التكليف بمقدار يرتفع به العسر. (1)

و قال: ان مفاد نفي الحرج في عالم التشريع هو نفي الحكم الحرجي، و هذا هو الصحيح‏ (2)، و بالتالي فالحكم الذي كان موجبا للمشقة على المكلف لم يكن مجعولا شرعا و كان ذلك امتنانا من اللّه على العباد.

أما عدم الجعل فهو ما صرح به قوله تعالى: ... ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ .... (3)

و أما الامتنان فهو يستبان من قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها .... (4)

و من قوله تعالى: ... يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ .... (5) و تم المعنى.

____________

(1). مصباح الاصول، ج 2، ص 373

(2). المصدر السابق، ص 530

(3). الحج، 78

(4). البقرة، 286

(5). البقرة، 185

142

الخلاصة

1. العسر خلاف اليسر و الحرج خلاف السعة و هما يتحدان مصداقا.

2. المعنى المشترك بين العسر و الحرج هو عبارة عن المشقة.

3. معنى نفي الحرج هو نفي الحكم الحرجي بمعنى عدم جعله شرعا.

الأسئلة

1. ما هو الدافع لتركيب الموضوع في القاعدة؟

2. ما هو الدليل على كون النفي هناك امتنانا على العباد؟

3. هل يكون بين مفهومي العسر و الحرج مباينة؟

143

2 أدلة اعتبار القاعدة

إن قاعدة نفي العسر و الحرج تكون عريقة في الكتاب و السنة و الاجماع و العقل و قد صرّحت الآيات و تواترت الروايات و تسالم الفقهاء و ارشد العقل في ذلك الحقل و في ضوء ذلك يقال: أن تلك القاعدة من أرسخ القواعد مدركا، و أرساها مستندا.

قال الشهيد (رحمه اللّه): من القواعد، المشقة موجبة لليسر، لقوله تعالى: ... ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ... (1)- و قوله تعالى- ... يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ... (2)، و قول النبي (صلى الله عليه و آله): بعثت بالحنفية السمحة السهلة. (3)

و قال المحقق النراقي (رحمه اللّه): تكاثرت الآيات و استفاضت الاخبار على نفي العسر و الحرج أعني الضّيق في الدين و التكاليف، و مقتضى تلك الظواهر انتفاءهما رأسا. (4)

و قال المحقق السيد المراغي (رحمه اللّه) بعد الاستدلال بالآيات و الروايات: و يدل عليه- مدلول القاعدة- ايضا العقل القاطع، فان قبح ذلك مما لا ينكره العقلاء، و اجماع علمائنا و أكثر المخالفين لنا. (5)

قال الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه): ان قاعدة نفي الحرج مما ثبتت بالأدلة الثلاثة بل الأربعة في‏

____________

(1). الحج، 78

(2). البقرة، 185

(3). القواعد و الفوائد، ص 52

(4). عوائد الأيام، ص 61

(5). العناوين، ج 1، ص 285

144

مثل- اختلال النظام-؛ لاستقلال العقل بقبح التكليف بما يوجب اختلال نظام امر المكلف. (1)

و التفصيل بما يلي:

1. الآيات‏

و هي كثيرة: منها، قوله تعالى: ... وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ .... (2)

و منها قوله تعالى: ... ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ .... (3)

و منها قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها .... (4)

و منها قوله تعالى: ... يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ .... (5)

إن تلك الآيات تدلنا الى نفي الحكم الحرجي، بمعنى عدم جعل الحكم الذي يوجب مشقة على المكلف، و بما أن الدلالة على المطلوب تكون تامة، لم يكن هناك اختلاف عند الفقهاء حول الدلالة. و عليه لا يوجد الاختلاف في فهم المعنى كالاختلاف الذي يوجد في محاولة نفي الضرر، ذلك لعدم الأرضية.

2. الروايات‏

و هي مع كثرتها البالغة بمستوى التواتر، على طائفتين:

الاولى: ما تتضمن استناد الحكم- نفي الحرج- الى قوله تعالى: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ: (6)

منها صحيحة زرارة في بيان آية التيمم، فلما وضع الوضوء عمّن لم يجد الماء، اثبت بعض الغسل مسحا؛ لانه قال: بِوُجُوهِكُمْ،* ثم وصل بها، وَ أَيْدِيكُمْ،* ثم قال: منه أي من ذلك التيمم؛ لانه علم ان ذلك اجمع لم يجر على الوجه؛ لانه يعلّق من ذلك الصعيد ببعض الكف، و لا يعلّق ببعضها، ثم قال: ... ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ .... (7)

____________

(1). الرسائل، ص 119

(2). الحج، 78

(3). المائدة، 6

(4). البقرة، 286

(5). البقرة، 185

(6). الحج، 78

(7). الوسائل، ج 2، ص 98، الباب 13 من ابواب التيمم، ح 1

145

منها موثقة أبي بصير في الغدير من المطر يبول فيه الصبي و الدابة تروث: أن الدين ليس بمضيق، فان اللّه عزّ و جل يقول: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. (1)

و منها حسنة محمد بن الميسر في الماء القليل في الطريق يريد الجنب أن يغتسل منه و يداه قذرتان، قال: يتوضّأ و يغتسل،- قال اللّه عزّ و جل- ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. (2)

ان في تلك الروايات المعتبرة استند الحكم إلى الآية، فيتبين لنا بكل وضوح أن الحجر الأساسي للقاعدة هو نص الكتاب الكريم و القاعدة متخذة منه.

الطائفة الثانية هي الروايات التي تدلنا على الحكم بدون الاستناد إلى الآية و هي الواردة بعبارات شتى:

منها صحيحة محمد بن مسلم عن الامام الباقر (عليه السّلام) قال: سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: الشيخ الكبير و الذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان. (3)

و منها صحيحة البزنطي عن الامام الباقر (عليه السّلام)- قال بعدم لزوم التساؤل عن تزكية الفراء المشتري من السوق- أن أبا جعفر (عليه السّلام) كان يقول: إن الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالة، و إن الدين أوسع من ذلك. (4)

و ها هي نماذج من الروايات الواردة في محاولة القاعدة، و بها غنى و كفاية.

3. الاجماع‏

قد تسالم الفقهاء بالنسبة إلى نفي الحكم الحرجي فالأمر متسالم عليه عندهم و يكون مدلول القاعدة كإرسال مسلم عند الفقهاء كلهم.

____________

(1). المصدر السابق، ج 1، ص 120، ح 14

(2). المصدر السابق، ص 113، ح 5

(3). المصدر السابق، ج 7، ص 150، ح 1

(4). المصدر السابق، ج 1، ص 171، ح 3

146

و التسالم الحاصل بهذا المستوى يرشد الى ما يقال: ان الحكم هناك يكون من الضروريات الفقهية.

و قد يشكل أن الاجماع في المسألة المتلوة منبثق عن المدارك المسطرة و عليه كان ذلك الاجماع مدركيا، فلم يكن من الاجماع التعبدي الصالح للاستناد.

و قد المحنا إلى الاجابة عن هذا الأشكال، بأن المقصود من الاجماع هناك هو التسالم، لا الاجماع المصطلح عند الأصوليين.

و قال المحقق النراقي (رحمه اللّه): الاجماع مخصوص بما لا يمكن تحمله، و اما ما أمكن و لو بالمشقة الشديدة فلم يثبت إجماع على نفيه بعمومه، و إن وقع الاجماع في بعض المواقع الخاصة (1). و هذا هو الاشكال بالنسبة إلى مدلول الاجماع.

و التحقيق أنه لا مجال لهذا الاشكال؛ ذلك لأن البحث عن التفكيك بين ما لا يمكن تحمله و ما لا يمكن، يكون بحثا عن نطاق القاعدة سعة و ضيقا، و لا صلة له بالاجماع الذي اعترف المحقق النراقي بتحقيقه في الجملة.

____________

(1). عوائد الأيام، ص 57

147

الخلاصة

1. إن القاعدة ثابتة بالأدلة الأربعة و هي من اسمى القواعد مدركا.

2. إن مدلول القاعدة متسالم عليه عند الاصحاب بل يكون من ضروريات الفقهية.

3. الروايات الدالة على صحة القاعدة تبلغ حد التواتر.

الأسئلة

1. ما هي الآية التي هي أقوى الأدلة على المطلوب؟

2. ما هو مفاد الطائفة الأولى من الروايات حول القاعدة؟

3. هل يوجد هناك إجماع تعبدي بمعنى الكلمة؟

148

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

149

3 الدليل العقلي‏

إنّ الذي يستدل به على نفي الحكم الحرجي هناك هو قاعدة: قبح التكليف بما لا يطاق الذي يستحيل صدوره من الشارع الحكيم، و عليه يقال: إن الحكم الحرجي عبارة عن التكليف الذي لا يطاق و هو ممتنع الصدور. كما قال المحقق السيد المراغي (رحمه اللّه): لا كلام في امتناع التكليف بما لا يطاق. فإن قبح ذلك مما لا ينكره العقلاء. (1)

و اشكل على هذا الاستدلال المحقق النراقي (رحمه اللّه) قائلا: من الأدلة على نفي الحرج دليل العقل و هو قبح تحميل ما فيه- الحرج- و لكنه مختص ببعض أفراده، و هو ما كان متضمنا لتحميل ما هو خارج عن الوسع و الطاقة، أعني كان تكليف لما لا يطاق، و لا يمكنه الاتيان به.

و أما سوى ذلك فلا قبح فيه، اذا كان بإزائه عوض و أجر و دفع مضرة و نقصان.

و لذا ترى العقلاء يحمّلون أولادهم و عبيدهم مشاقا كثيرة فيحتجمونهم و يأمرونهم بشرب الأشربة الكريهة، بل قد يقطعون أعضائهم.

و لو كان تحميل كلما كان فيه مشقة قبيحا لبطل كثير من التكاليف؛ لاشتمالها على المشقة بل معنى التكليف حمل ما فيه كلفة و مشقة. (2)

____________

(1). العناوين، ج 1، ص 284، 285

(2). عوائد الأيام، ص 57

150

و التحقيق أنه لا مجال لهذا الاشكال؛ ذلك:

أولا ان المقصود من المشقة الموجبة لنفي التكليف هو المشقة العارضية لا المشقة الذاتية للتكليف.

و ثانيا يمكننا أن نقول: أن قبح التكليف الحرجي قاعدة عقلية لها العموم الشامل لشتى الموارد. إلّا أنها مخصصة بالأدلة التي تدل على شرعية التكاليف الشاقة.

و أشكل المحقق سيدنا البجنوردي (رحمه اللّه) على الاستدلال المتلوّ قائلا: و مثل هذا المعنى- التكليف بما لا يطاق- ليس مفاد قاعدة لا حرج؛ لأن ظاهر أدلة نفي الحرج آية و رواية أنه تبارك و تعالى في مقام الامتنان على هذه الامة، و لا امتنان في رفع ما لا يمكن جعله و وضعه.

فمعنى عدم الحرج في الدين هو عدم جعل حكم يوجب الضيق على المكلفين، و بهذا المعنى فسر في جميع التفاسير من العامة و الخاصة. (1)

و التحقيق أن هذا الاشكال ايضا مما لا يمكن المساعدة عليه؛ ذلك لأن الامتنان لا يختص برفع التكليف، بل قد يصدق على عدم الجعل، كما ان مفاد لا حرج هو عدم جعل الحكم الحرجي، و هذا هو اقوى منّة من اللّه على العباد.

و بالتالي: فيمكن ان نقول: أن العقل يرشدنا إلى مدلول القاعدة، إلّا أن الحكم هناك منبثق عن الآيات و الروايات بكل وضوح، و عليه فلا حاجة في الحكم المتلو، إلى الدليل العقلي.

نطاق القاعدة

ان لقاعدة نفي الحرج نطاق واسع، فكلما عرضت المشقة في ايجاد العمل الشرعي يفسح المجال للقاعدة و عليه توجد لها موارد من التطبيق في شتّى الأبواب.

و قد المح إلى موارد تطبيق القاعدة الشيخ الشهيد قائلا: و هذه القاعدة- نفي الحرج‏

____________

(1). القواعد الفقهية، ج 1، ص 211

151

- يعود إليها جميع رخص الشرع كأكل الميتة في المخمصة. و مخالفة الحق للتقية قولا و فعلا لا اعتقادا عند الخوف على النفس أو البضع أو المال أو القريب أو بعض المؤمنين. و منها إبدال القيام عند التعذر في الفريضة، و مطلقا في النافلة، و صلاة الاحتياط غالبا.

و منها قصر الصلاة و الصوم- لليسر- و ان كان فرض السفر.

و منها المسح على الرأس و الرجلين بأقل مسمّى.

و منها ترك الجمعة- في السفر- و القصر.

و منها إباحة كثير من محظورات الاحرام مع الفدية.

و إباحة الفطر للحامل و المرضع و الشيخ و الشيخة و ذوي العطاش.

و التداوي بالنجاسات و المحرمات عند الاضطرار.

و إباحة الفطر عند الاكراه عليه مع عدم القضاء.

و منها استنابة الحج- للضعيف العاجز- و المريض المأيوس من برئه و خائف العدو.

و الجمع بين الصلاتين في السفر و المطر و الوحل و الأعذار بغير كراهية.

و منها إباحة المخطوبة المجيبة للنكاح.

و إباحة اكل مال الغير مع بذل القيمة مع الإمكان- و بدون البذل- مع عدم الامكان، عند الاشراف على الهلاك.

و منها العفو عما لا يتم الصلاة فيه منفردا مع نجاسته و عن دم القروح و الجروح.

و منها قصر الصلاة في الخوف كمية و كيفية، و فعلها مع الحركات الكثيرة المبطلة مع الاختيار. و قصر المريض كيفيّة.

و منها شرعية المزارعة و المساقاة و القراض و إن كان معاملة على معدوم؛ لكثرة الحاجة إليها.

152

و منها شرعية الطلاق و الخلع دفعا لمشقة المقام على الشقاق و سوء الأخلاق.

و منها شرعية الدية بدلا عن القصاص. (1)

ان هذه الفروع هي مهام الموارد للتطبيق.

و يوجد هناك موارد أخرى الجزئية و لا يسعنا المجال لاستقصائها. (2)

____________

(1). القواعد و الفوائد، ص 52- 56

(2). هناك مجال للتحقيق في الفروع.

153

الخلاصة

1. الدليل العقلي على نفي الحرج هو قبح التكليف بما لا يطاق.

2. ان العقل تجاه القاعدة يلعب دور التأييد.

3. نطاق القاعدة واسع فلها موارد في شتّى الأبواب.

الأسئلة

1. ما هو الاشكال بالنسبة إلى الدليل العقلي هناك؟

2. ما هي الصلة بين التقية و نفي الحرج؟

3. ما هو مورد لا حرج في باب الصلاة؟

154

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}