القواعد الفقهية - ج2

- محمد كاظم‏ المصطفوي المزيد...
184 /
155

4 التنبيه الاوّل في نسبة القاعدة مع الأدلة الأخرى 1

توجد هناك عدة بحوث لها صلة بقاعدة نفي الحرج، و تسمى تلك البحوث في مصطلح الفقهاء، بالتنبيهات، و الاول في نسبة القاعدة مع الأدلة الأخرى.

يتحدث هناك عن نسبة قاعدة نفي الحرج مع العمومات و القواعد، و التفصيل بما يلي:

1. نسبة نفي الحرج مع أدلة الأحكام العامة:

لا شك في تقدم القاعدة على الأدلة العامة، و لكن قد يتساءل بأن هذا التقدم هل يكون على نهج الحكومة أو على نهج التخصيص؟

التحقيق أن التقدم هناك يكون بنحو الحكومة؛ ذلك لأن قاعدة: نفي الحرج ناظرة إلى الأدلة المثبتة للأحكام فتفسر النطاق و تبين الموضوع و ها هو معنى الحكومة، كما قال الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه): ان الدليل الناظر بدلالته اللفظية إلى اختصاص دليل عام ببعض أفراده حاكم عليه، و لا يلاحظ فيه النسبة الملحوظة بين المتعارضين، نظير حكومة أدلة الحرج على ما يثبت بعمومه التكليف في موارد الحرج، و عليه جرت سيرة الفقهاء. (1)

____________

(1). المكاسب، رسالة في نفي الضرر، ص 373

156

تقرير آخر

قال الشيخ في تقرير آخر: و أما القواعد و العمومات المثبتة للتكليف فلا إشكال بل لا خلاف في حكومة أدلة نفي الحرج عليها لا لأن النسبة بينهما عموم من وجه فيرجع إلى أصالة البراءة، كما قيل، أو إلى المرجحات الخارجية المعاضدة لقاعدة نفي الحرج كما زعم.

بل لأن أدلة نفي العسر بمدلولها اللفظي حاكمة على العمومات المثبتة للتكليف، فهي بالذات مقدمة عليها، و هذا هو السر في عدم ملاحظة الفقهاء المرجّح الخارجي، بل يقدّمونها من غير مرجّح خارجي.

و مما يوضح ما ذكرناه ما رواه عبد الأعلى مولى آل سام في من عثر فانقطع ظفره فجعل عليه مرارة، فكيف يصنع بالوضوء فقال (عليه السّلام): يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ أمسح عليه. (1)

فان في احالة الامام (عليه السّلام) لحكم هذه الواقعة إلى عموم نفي الحرج، و بيان أنه ينبغي أن يعلم منه ان الحكم في هذه الواقعة المسح فوق المرارة مع معارضة العموم المذكور بالعمومات الموجبة للمسح على البشرة دلالة واضحة على حكومة عمومات نفي الحرج بأنفسها على العمومات المثبتة للتكاليف من غير ملاحظة تعارض و ترجيح. (2)

الفرق بين الحكومة و التخصيص‏

إن لكل واحد منهما- الحكومة و التخصيص- ميزات و خصائص بها يتميز كل واحد منهما عن الآخر، و هي بما يلي:

قال المحقق النائيني (رحمه اللّه) إن ضابط التخصيص أن لا يكون في اللفظ إشعار أصلا بالحكم الثابت في العام، فان قوله: لا تكرم زيدا، لا تعرّض له بحسب المدلول بالحكم الثابت في جميع أفراد العلماء الشامل لزيد، فكونه بيانا للعام إنما هو بحكم العقل، فان العقل يحكم بأن المتكلم لم يقصد من العموم هذا الفرد.

____________

(1). الوسائل، ج 1، ص 327

(2). الرسائل، ص 119، 120

157

و ضابط الحكومة: أن يكون هذا الوجه من الجمع- التقدم- مدلولا لفظيا.

فان مثل قوله: لا شك لكثير الشك، يبيّن بنفس مدلوله اللفظي موضوع قوله:

إذا شككت فابن على الأكثر، و يضيّق دائرة الموضوع.

فالفرق بين التخصيص و الحكومة هو أنّ بيانية الخاص للعام إنما هو بحكم العقل، و بيانية الحكم للمحكوم انما هو بنفس مدلوله.

و فرق آخر بينهما، و هو أنّ الحكومة تتوقف على ورود المحكوم أولا ثمّ ورود الحاكم، و ذلك لأنه مسوق لبيان حكمه و متفرع عليه، بخلاف التخصيص الذي هو أحد اقسام التعارض.

و بالجملة لو لم يرد حكم من الشارع لا عموما و لا خصوصا، فلا مجال لورود قوله:

لا حرج في الدين، و هذا بخلاف مثل لا تكرم زيدا فانه غير متفرع على ورود أكرم العلماء. (1)

فاستبان من هذا البيان الجميل تمايز الحكومة عن التخصيص، و أنّ تقدم القاعدة على أدلة الأحكام العامة على نهج الحكومة.

و قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه) إن الدليل الحاكم قد: يكون ناظرا إلى عقد الحمل، كدليل «لا حرج» بالنسبة إلى الأدلة المثبتة للتكاليف.

فان دليل- لا حرج- لا يكون ناظرا إلى عقد الوضع، و أن الوضوء- الحرجي- مثلا ليس بوضوء. بل ناظر إلى عقد الحمل، و أن الوضوء الحرجي ليس بواجب.

و قد- ثبت- أن الدليل الحاكم من حيث كونه ناظرا إلى الدليل المحكوم و مفسرا له، يكون متاخرا عنه رتبة سواء كان من حيث الزمان متقدما عليه أو متأخرا عنه.

- و المعيار- أن الدليل الحاكم الناظر إلى الدليل المحكوم هو الذي لو لم يكن الدليل المحكوم مجعولا كان الحاكم لغوا. (2)

فثبت لنا ان قاعدة نفي الحرج حاكمة على أدلة الأحكام العامة على أساس المعايير الاصولية.

____________

(1). منية الطالب، ج 3، ص 407، 408

(2). مصباح الاصول، ج 2، ص 542

158

الخلاصة

1. إنّ للقاعدة تنبيهات تثمر كلها الانتباه بالنسبة إلى خصائص القاعدة.

2. إنّ قاعدة نفي الحرج حاكمة على أدلة الأحكام الأولية بحسب المعايير.

3. الفرق بين الحكومة و التخصيص من جهة الدليل، فان تقدّم الحاكم يكون بالدليل اللفظي، و تقدم التخصيص يكون بحكم العقل.

الأسئلة

1. ما هو الدليل على حكومة القاعدة على العمومات؟

2. هل النسبة بين نفي الحرج و بين الأدلة العامة عموما من وجه؟

3. هل يستفاد حكومة القاعدة على الأدلة الأولية من الروايات؟

159

5 التنبيه الاوّل في نسبة القاعدة مع الأدلة الأخرى 2

نسبة قاعدة «لا حرج» مع قاعدة «الاحتياط»

إنّ الاحتياط في الشبهة غير المحصورة قد ينتهي الى العسر و الحرج و ان ذاك هل تتقدم قاعدة نفي الحرج على قاعدة الاحتياط بنحو الحكومة أو تتعارض؟

التحقيق أن نفي الحرج حاكم على الاحتياط؛ ذلك لثبوت معيار الحكومة، و هو كونه ناظرا عليه، كما مر بنا في البحث السالف بالذكر.

قال الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه): لا اشكال بل لا خلاف في حكومة أدلة نفي الحرج على- القواعد و العمومات- بل أدلة نفي العسر بالنسبة إلى قاعدة الاحتياط من قبيل الدليل بالنسبة إلى الأصل- على نهج الورود- فتقديمها عليها أوضح من تقديمها على- العمومات الاجتهادية. (1) فاستبان لنا أن رأي الشيخ- تجاه التقدم- في بداية البحث على الحكومة و في نهاية البحث على الورود.

و هناك رأي على نفي الحكومة و ثبوت التعارض بين القاعدتين، كما قال المحقق الخراساني (رحمه اللّه): في محاولة الاحتياط: إنه لا كلام بالنسبة إلى عدم وجوب الاحتياط التام، فيما يوجب عسره اختلال النظام.

____________

(1). الرسائل، ص 119، 120

160

و أمّا فيما لا يوجب فمحل نظر، بل منع؛ لعدم حكومة قاعدة نفي العسر و الحرج على قاعدة الاحتياط و ذلك؛ لما حققناه في معنى ما دلّ نفي الضرر و العسر، من أن التوفيق بين دليلهما و دليل التكليف أو الوضع المتعلقين بما يعمهما هو نفيهما عنهما بلسان نفيهما. (1) فلا يكون له حكومة على الاحتياط العسر، اذا كان بحكم العقل؛ لعدم العسر في متعلق التكليف، و إنما هو في الجمع بين محتملاته احتياطا. (2)

و توضيح البحث و تحقيقه بما يلي: قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه): و اختار- المحقق الخراساني (رحمه اللّه)- عدم حكومة قاعدة نفي الحرج و الضرر على قاعدة الاحتياط، بدعوى أن ظاهر الادلة إنما هو نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، و ان النفي بحسب ظاهر الأدلة متوجه إلى الفعل الحرجي أو الضرري و يكون المراد نفي الحكم عن الفعل الحرجي أو الضرري، نظير قوله ((عليه السّلام)): لا ربا بين الوالد و الولد. فانه نفي للحكم بلسان نفي الموضوع، فاذا لا تكون قاعدة نفي الحرج و الضرر حاكمة على قاعدة الاحتياط؛ إذ الفعل الذي تعلق به الحكم الشرعي واقعا المردد بين أطراف الشبهة ليس حرجيا و لا ضرريا، كي يرتفع حكمه بأدلة نفي الحرج و الضرر، بل الحرج إنما ينشأ من الاحتياط، و الجمع بين المحتملات، و وجوب الجمع بين المحتملات ليس حكما شرعيا ليرتفع بأدلة نفي الحرج، و إنما هو بحكم العقل، و عليه فلا بد من الاحتياط و إن كان مستلزما للعسر و الحرج.

و الصحيح ما ذكره الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه) من حكومة قاعدة نفي الحرج على قاعدة الاحتياط أما أوّلا: فلأن ظاهر أدلة نفي الحرج أو الضرر ليس نفي الحكم بلسان نفي الموضوع على ما ذكره- المحقق الخراساني (رحمه اللّه)-، لان الفعل الحرجي او الضرري ليس مذكورا في لسان الأدلة؛ و انما المذكور لفظ الضرر- و الحرج- و ليس لفظ الضرر- او

____________

(1). البحث بحاجة إلى التحقيق حول رأي المحقق الخراساني في الحكومة.

(2). كفاية الاصول، ج 2

161

الحرج- عنوانا للفعل، ليكون النفي راجعا الى الفعل- الحرجي او- الضرري.

و أما ثانيا: فلان قاعدة نفي الحرج و الضرر حاكمة على قاعدة الاحتياط في مثل المقام، مما كانت أطراف الشبهة من التدريجيات، و لو على مسلك- المحقق الخراساني (رحمه اللّه)-؛ لأن الحرج في مثل ذلك يكون في الأفراد المتاخرة، و يكون فعلها و الاتيان بها حرجيا، فيعلم بعدم ثبوت التكليف فيها؛ لأن التكليف إن كان في الواقع متعلقا بالأفراد المتقدمة فقد امتثله المكلف على الفرض و ان كان متعلقا بالأفراد المتأخرة كان متعلقه حرجيا، فيرتفع بقاعدة نفي الحرج. (1) و بالتالي فقاعدة نفي الحرج حاكمة على قاعدة الاحتياط.

____________

(1). مصباح الاصول، ج 2، ص 229- 231

162

الخلاصة

1. قد تتقابل القاعدة مع قاعدة الاحتياط في شبهة غير المحصورة.

2. إنّ نفي الحرج حاكم على الاحتياط على رأي الشيخ الأنصاري.

3. إنّ نفي الحرج يتعارض مع الاحتياط على رأي المحقق الخراساني.

الأسئلة

1. ما هي صورة التعارض بين القاعدتين بحسب التمثيل؟

2. ما هو الدليل على حكومة قاعدة نفي الحرج على الاحتياط؟

3. ما هو الدليل على تحقق التعارض بين القاعدتين؟

163

6 التنبيه الاوّل في نسبة القاعدة مع الأدلة الأخرى 3

نسبة نفي الحرج مع نفي الضرر

بما ان النسبة بين القاعدتين المتلوتين أعم من وجه، فقد يتحقق التقابل بينهما، و اذن فهل يتقدم نفي الحرج على نفي الضرر بنحو الحكومة، أو يتعارض؟ هناك مسلكان:

المسلك الأول على الحكومة

قد يقال: إن قاعدة لا حرج تتقدم على قاعدة لا ضرر بنحو الحكومة؛ ذلك لأن الحرج رافع لموضوع الضرر، فعند تحقق الحرج لا يفسح المجال للضرر، و ها هو المعيار في حكومة الدليل. و هذا هو الرأي للشيخ الأنصاري (رحمه اللّه) كما قال في مسالة تعارض الضررين: قد يتعارض الضرران بالنسبة الى شخص واحد أو شخصين، فمع فقد المرجح يرجع إلى الأصول و القواعد الأخر، كما اذا أكره على الولاية من قبل الجائر المستلزم للإضرار على الناس، فانه يرجع إلى قاعدة نفي الحرج؛ لأن إلزام الشخص بتحمل الضرر لدفع الضرر من غيره حرج و قد ذكرنا توضيح ذلك في مسالة التولي من قبل الجائر من كتاب المكاسب. (1)

____________

(1). المكاسب، ص 57

164

و مثله إذا كان تصرف المالك في ملكه موجبا لتضرر جاره و تركه موجبا لتضرر نفسه، فانه يرجع الى عموم: الناس مسلطون على أموالهم.

و يمكن الرجوع إلى قاعدة: نفي الحرج؛ لأن منع المالك لدفع ضرر الغير حرج و ضيق عليه.

إما لحكومته- نفي الحرج- ابتداء على نفي الضرر. و إما لتعارضهما و الرجوع إلى الأصل و لعل هذا أو بعضه منشأ اطلاق جماعة و تصريح آخرين‏ (1) بجواز تصرف المالك في ملكه و إن تضرر الجار.

و الظاهر: عدم الفرق بين كون ضرر المالك بترك التصرف أشد من ضرر الغير أو أقل. إمّا لعدم ثبوت الترجيح بقلة الضرر.

و إمّا لحكومته نفي الحرج على الضرر؛ فإن تحمل الغير على الضرر و لو يسيرا لأجل دفع الضرر عن الغير و لو كثيرا حرج، و لذا اتفقوا على أنه يجوز للمكره الإضرار على الغير بما دون القتل؛ لأجل دفع الضرر عن نفسه، و لو كان أقل من ضرر الغير. (2)

و قال في تقرير آخر: لو ألزم الشارع الإضرار على نفسه، لدفع الضرر المتوجه إلى الغير فإنه حرج قطعا. (3)

و بالتالي فتكون قاعدة نفي الحرج حاكمة على قاعدة الضرر.

المسلك الثاني على التعارض‏

قد يقال: إنه لا ترجيح و لا تقدّم لاحدى القاعدتين على الأخرى، و عليه فاذا اجتمعتا في مورد واحد يتحقق التعارض بينهما و ينتهي الأمر إلى التساقط و هذا هو الرأي للمحقق الخراساني (رحمه اللّه) كما قال: توارد دليلي العارضين كدليل نفي العسر و دليل نفي الضرر مثلا، فيعامل معهما معاملة المتعارضين.

فقال: لم نقل بحكومة دليله على دليله؛ لعدم ثبوت نظره إلى مدلوله. (4)

____________

(1). هناك مجال للتحقيق.

(2). الرسائل، ص 316، 317

(3). المكاسب، ص 58

(4). كفاية الاصول، ج 2، ص 271

165

و بالتالي فبما أنّ دليل نفي الحرج لم يكن ناظرا إلى دليل نفي الضرر، لا مجال لحكومته عليه؛ لأن معيار الحكومة هو كون الحاكم ناظرا إلى المحكوم.

قال المحقق النائيني (رحمه اللّه): اما مسالة حكومة لا حرج على لا ضرر، فهي تتوقف على أمرين:

الاول: كون لا حرج مثبتا للحكم ايضا، و إلا لا يعقل تعارضه مع لا ضرر، و اجتماعه معه في مورد واحد حتى يكون حاكما عليه، و إن شئت قلت: إن هذا الشرط يرجع إلى منع الصغرى، و حاصله: عدم إمكان تعارض لا ضرر مع لا حرج.

الثاني: أن يكون لا حرج ناظرا إلى لا ضرر و معنى النظر أن يكون الحكم في طرف المحكوم مفروض التحقق حتى يكون الحاكم ناظرا إلى الحكم الثابت في المحكوم.

و أما لو كان كل واحد منهما في عرض الآخر، و لا أولوية لفرض تحقق أحدهما قبل الآخر فلا معنى للحكومة.

و بالجملة: لا وجه لجعل لا حرج حاكما على لا ضرر، فلا يمكن علاج التعارض- هناك- بالحكومة. (1)

و التحقيق: أن الحرج و كذا الضرر من العناوين الثانوية التي لها تقدم على العناوين الأوّلية بنحو الحكومة، على أساس أدلتها الشرعية.

و ها هو التقدم بحسب مكانتها الدلالية، بلا شبهة و لا اشكال.

و أما تقدّم نفي الحرج على نفي الضرر فهو مما لا يمكن المساعدة عليه؛ ذلك لأن كليهما يكون في مرتبة واحدة، و الحكومة بحاجة ماسة إلى التقدم الرتبية.

كما قال سيدنا الأستاذ: لا وجه لحكومة أدلة نفي الحرج على أدلة نفي الضرر، فان كل واحد منهما ناظر إلى الأدلة الدالة على الأحكام الأولية. و يقيدها بغير موارد الحرج و الضرر في مرتبة واحدة.

فلا وجه لحكومة احدهما على الآخر. (2) و عليه فلا أرضية للحكومة هناك.

____________

(1). منية الطالب، ج 3، ص 430، 431

(2). مصباح الاصول، ج 2، ص 566

166

الخلاصة

1. إنّ قاعدة نفي الحرج حاكمة على قاعدة نفي الضرر على مسلك الشيخ الأنصاري.

2. إنّ القاعدتين تتعارضان عند المواجهة، على مسلك المحقق الخراساني.

3. لا أرضية للتعارض بين القاعدتين على ما هو التحقيق.

الأسئلة

1. ما هو الدليل على حكومة نفي الحرج على نفي الضرر؟

2. ما هو الدليل على التعارض بين القاعدتين؟

3. ما هو الدليل على عدم المجال للتعارض هناك؟

167

7 التنبيه الثاني في أنّ نفي الحرج رخصة أو عزيمة؟

قد تحدثنا عن دور القاعدة بأنها تثمر نفي الحكم الحرجي، و في ضوء ذلك يبحث عن نوعية النفي هناك، بان النفي يكون بنحو الرخصة، أو يكون بنحو العزيمة و البحث يكون من البحوث التي لها آثار ايجابية هامة.

و التفصيل بما يلي:

1. الرأي على العزيمة

قد يقال: ان نتيجة النفي هي العزيمة؛ ذلك لأن بعد نفي الحكم بمعنى الكلمة لم يكن مبررا لصحة العمل المنفي، فاذا أوتي به كان ذلك من التّشريع المحرّم.

قال المحقق صاحب الجواهر (رحمه اللّه) في مسألة إفطار الشيخ الكبير: ثم لا يخفى عليك أن الحكم في المقام و نظائره من العزائم لا الرخص؛ ضرورة كون المدرك فيه نفي الحرج و نحوه- نفي العسر- مما يقتضي برفع التكليف. (1)

و قال المحقق النائيني (رحمه اللّه): توهّم بعض الأعاظم‏ (2) أنه لو تحمل المشقة و توضّأ أو اغتسل حرجيا لصح وضوؤه و غسله؛ لورود نفي الحرج في مقام الامتنان، فلا يكون‏

____________

(1). جواهر الكلام، ج 17، ص 150

(2). و لعله السيد اليزدي، و البحث بحاجة إلى التحقيق.

168

الانتقال إلى التيمم عزيمة.

فقال انه لا أساس لهذا التوهم، و انه لا فرق بين الحكومة و التخصيص- هناك- و كون الامتنان حكمة أو علة لا يقتضي صحة الوضوء و الغسل إذا كان حرجيا أو ضرريا.

- فقال-: و لا يمكن تصحيحه- الوضوء- لا بالملاك و لا بالترتب، و لا بما يقال إنّ التيمم رخصة لا عزيمة، و ذلك لأن مقتضى الحكومة خروج الفرد- الحرجي- أو الضرري عن عموم أدلة الوضوء و الغسل، و عدم ثبوت الملاك له؛ لعدم وجود كاشف له و لا معنى لاحتمال الرخصة في المقام.

فان التخصيص بلسان الحكومة كاشف عن عدم شمول العام للفرد الخارج.

ففي ضوء هذا الرأي يصبح النتيجة بطلان العبادة الحرجية. (1)

2. الرأي على الرخصة

قد يقال: إن نفي الحرج امتنان على العباد و هو ينطبق على الرخصة فحسب و هذا هو الرأي للسيد الطباطبائي اليزدي ((رحمه اللّه)). قال في البحث عن مسوغات التيمم:

اذا لم يكن استعمال الماء مضرا، بل كان موجبا للحرج و المشقة كتحمل ألم البرد او الشين مثلا، فلا يبعد الصحة. و ان كان يجوز معه التيمم؛ لان نفي الحرج من باب الرخصة لا العزيمة. فان صحة الوضوء الحرجي ينطبق على الامتنان، و بطلانه على خلاف الامتنان. (2)

الاتجاه حول الحكم‏

قال السيد الحكيم (رحمه اللّه) اما صحة العبادة، لأن أدلّة الحرج لما كانت امتنانية لم تصلح أن ترفع إلّا فعلية وجوب الوضوء الحرجي، و لا ترفع ملاكه؛ إذ ليس في رفع الملاك امتنان، و إذا كان الملاك باقيا أمكن التعبد به، و التقرب بموافقته، فيصح الوضوء و الغسل عبادة.

____________

(1) منية الطالب، ج 3، ص 412

(2) العروة الوثقى، ص 143

169

- أما العزيمة- لأن كونه- نفي الحرج- للامتنان ينافي كونه من باب العزيمة؛ لان العزيمة كلفة على خلاف الامتنان.

فان قلت: دليل الحرج- مثلا- إذا كان دالّا على انتفاء الالزام لم يكن دليل على وجود الملاك ليكون هو المقرب؛ إذا العلم بوجوده إنما كان بتوسط العلم بوجود الالزام، فاذا فرض البناء على انتفاء الالزام كان وجود الملاك مما لا دليل عليه.

قلت: الأدلة الأولية كما تدل على وجود الحكم الفعلي مطلقا حتى في صورة وجود الحرج تدل على وجود الملاك مطلقا حتى في الصورة المذكورة، فاذا دل دليل نفي الحرج على انتفاء الالزام و لم يدل على انتفاء الملاك، وجب الحكم بعدم حجية دليل الحكم الفعلي على ثبوته، و بقاء حجيته على ثبوت الملاك، فيحصل التفكيك في الحجية بين الدلالتين، و هو مما لا باس به كما يظهر من كلماتهم في كثير من المقامات:

منها باب التعارض حيث يظهر منهم الاتفاق على حجية المتعارضين في نفي الدليل الثالث و لو بناء على التساقط.

و منها باب قضاء الفائت حيث يتمسكون بما دل على وجوب قضاء الفائت في موارد الفوت للحرج أو الاضطرار أو نحوهما، فلولا بنائهم على وجود الملاك للأدلة الأولية لم يكن وجه للتمسك المذكور؛ اذ مع عدم الملاك لا يصدق الفوت.

و بالجملة بناء الأصحاب على ما ذكر لا ينبغي التأمل فيه.

و لأجل ما ذكرنا من كون المقرب وجود الملاك يندفع الاشكال على صحة الوضوء، بأنه بعد ارتفاع الوجوب بدليل الحرج لا مجال للالتزام بوجود الطلب في الجملة؛ لعدم الدليل عليه، و مراتب الطلب لا دليل على كونها استقلالية، ليصح الالتزام ببقاء مرتبة منه دون الالزام، بل من الجائز أن تكون ارتباطية متلازمة ثبوتا و سقوطا.

فيكفينا هنا الامتثال بالملاك الموجود في العمل. (1)

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى، ج 4، ص 330- 332

170

الخلاصة

1. قد يتحدث عن نوعية النفي في لا حرج، عزيمة و رخصة، و يترتب على هذه المحادثة آثار عملية.

2. إنّ مفاد النفي هناك هو العزيمة على رأي صاحب الجواهر.

3. و يكون مفاد القاعدة هي الرخصة على رأي السيد اليزدي.

الأسئلة

1. ما هو الأثر الذي يترتب على البحث عن الرخصة و العزيمة، بحسب التمثيل؟

2. ما هو الدليل على كون القاعدة مثمرة للعزيمة؟

3. ما هو الدليل على تحقق الرخصة، نتيجة للرخصة؟

171

8 التنبيه الثالث في المقارنة بين نفي الحرج و الأحكام الشاقة

لا شك في شرعية عدة أحكام صعبة تعبر عنها بالتكاليف الشاقة، و هي بايجابيتها تعارض سلبية الأحكام الحرجية، فعلينا أن نبحث عن الكفاح تجاه المشكلة.

و التفصيل بما يلي:

قال المحقق النراقي (رحمه اللّه): الاشكال في المقام، أن نفيهما- العسر و الحرج- بعنوان العموم كيف يجتمع مع ما يشاهد من التكاليف الشاقة و الأحكام الصعبة التي لا يشك العرف في كونها عسرا أو صعبا بل حرجا و ضيقا، كالتكليف بالصيام في الأيام الحارّة الطويلة، و بالحج و الجهاد و مقارعة السيف و السنان و الأمر بالقرار في مقابلة الشجعان و النهي عن الفرار من الميدان و عدم المبالات بلوم اللوام في اجراء الأحكام، و التوضؤ بالمياه الباردة في ليالي الشتاء سيما في الأسفار. و أشد منها الجهاد الأكبر مع أحزاب الشيطان، و المهاجرة عن الأوطان لتحصيل ما وجب من مسائل الحلال و الحرام و ترك الرسوم و العادات المتداولة بين الأنام المخالفة لما يرضى به الملك العلام.

إنّ تلك الموارد تكون من التكاليف الشاقة التي تثمر نقض القاعدة، فعلينا أن نعالج هذه المشكلة بالأسلوب الراشد. (1)

____________

(1) عوائد الأيام، ص 61، 62

172

الاتجاهات حول المشكلة

قد بادر جمع من الفقهاء الى حل الاشكال في هذا الحقل و اتخذوا سبلا شتى.

و التفصيل بما يلي:

الحرج المنفي هو الحرج الزائد على ما هو الطبيعي‏

قال المحقق الميرزا القمي (رحمه اللّه): و الذي يقتضيه النظر- بعد القطع بأن التكاليف الشاقة و المضار الكثيرة واردة في الشريعة- أن المراد بنفي العسر و الضرر و الحرج نفي ما هو زائد على ما هو لازم لطبائع التكاليف الثابتة بالنسبة إلى طاقة أوساط الناس مبرّئين عن المرض و العذر الذي هو معيار التكاليف، بل هي منتفية من الأصل الا فيما ثبت، و بقدر ما ثبت.

و الحاصل: انا نقول: إن اللّه سبحانه لا يريد بعباده العسر و الحرج الا من جهة التكاليف الثابتة بحسب أحوال متعارف الأوساط. و هم الأغلبون.

و الباقي منفي سواء لم يثبت أصله- من قبل الشرع- اصلا، أو ثبت- أصل التكليف شرعا- و لكن على نهج لا يستلزم هذه- المشقة العارضة- الزيادة. و عليه فيكون الحرج المنفي هو الحرج الزائد على ما هو طبيعي التكليف و لا اطلاق لأدلة نفي الحرج. (1)

قال المحدث الكبير الشيخ حر العاملي (رحمه اللّه): أقول نفي الحرج مجمل لا يمكن الجزم به عدا تكليف ما لا يطاق، و الّا اذا نلتزم بالاطلاق- لزم نفي جميع التكاليف. (2)

و عليه فلا مجال للتعارض؛ ذلك لعدم الاطلاق لنفي الحرج حتى يشمل نفي التكاليف الشاقة.

و التحقيق أن نفي الاطلاق هناك مما لا يمكن المساعدة عليه؛ ذلك لأن كلية القاعدة منطلقة من الآيات و الروايات و تكون تلك الكلّية متسالم عليها عند الفقهاء كلهم.

____________

(1). قوانين الاصول، ج 2، ص 49، 50

(2). الفصول المهمة، بحث نفي الحرج، ص 40

173

قال المحقق النراقي (رحمه اللّه): و إجمال نفي الحرج يقتضي رفع اليد منه في أبواب الفقه و هو خلاف سيرة الفقهاء و طريقتهم، بل الكل يتمسكون به في موارد كثيرة.

و التكاليف الشرعية بحسب الذات لا تكون حرجية عادة. (1)

قال العلامة الطباطبائي السيد بحر العلوم (رحمه اللّه): و أما ما ورد في هذه الشريعة من التكاليف الشديدة- كالحج و الجهاد و الزكاة و الدّية على العاقلة و نحوها- فليس شي‏ء منها من الحرج في شي‏ء، فان العادة قاضية بوقوع مثلها، و الناس يرتكبون مثل ذلك من دون تكليف و من دون عوض- كالمحارب للحمية، أو بعوض يسير- كما إذا أعطي على ذلك أجرة، فانا نرى أن كثيرا يفعلون ذلك بشي‏ء يسير.

و بالجملة فما جرت العادة بالاتيان بمثله و المسامحة فيه، و إن كان عظيما في نفسه كبذل النفس و المال الكثير، فليس ذلك من الحرج في شي‏ء نعم:

تعذيب النفس و تحريم المباحات و المنع عن جميع المشتبهات أو نوع منها على الدوام حرج و ضيق، و مثله منتف في الشرع. (2)

إنّ الذي تبين لنا من كلام السيد العلامة هو أنّ الحرج المنفي ما لا يتحمل عادة، و أما ما جرت العادة بالاتيان بمثله فليس من الحرج بشي‏ء.

ففي ضوء هذا الاتجاه كان المعيار للحرج إيجابيا و سلبيا هو التحمل و عدمه.

و هذا هو الذي ألمح إليه سيدنا الاستاذ قائلا: أن الحرج المنفي في الشريعة المقدسة إنما هو بمعنى المشقة التي لا تتحمل عادة.

و ليس الحرج المنفي في الشريعة المقدسة بمعنى مطلق الكلفة- المشقة- و إلّا كان جميع التكاليف حرجية، فانها كلفة و منافية لحرية الانسان و للعمل بما تشتهي الأنفس. (3)

____________

(1). عوائد الأيام، ص 611

(2). مفاتيح الاصول، ص 536، نقل عن السيد الاستاذ (بحر العلوم)

(3). مصباح الاصول، ج 2، ص 565

174

الخلاصة

1. إنّ هناك عدة أحكام شاقة كالجهاد و الحج و الصوم و غيرها، فان تلك الأحكام تعارض عموم نفي الحرج و المشقة.

2. إنّ الحرج المنفي- على رأي المحقق القمي- هو المشقة الزائدة على ما هو لازم لطبيعة التكليف، و عليه لا يتحقق التعارض هناك.

3. لا اطلاق لدليل نفي الحرج- على رأي الحر العاملي- و عليه فالحرج المنفي المتيقن هو ما لا يطاق، و أما على رأي السيد (بحر العلوم) فالتكاليف الشاقة ليست حرجية عادة.

الأسئلة

1. ما هو الدليل على أن المقصود من الحرج المنفي هو المشقة الزائدة؟

2. هل يكون لدليل نفي الحرج إجمال هناك؟

3. ما هو المقصود من العمل الحرجي على رأي السيد؟

175

9 كفاية الملاك في الامتثال‏

قال السيد الحكيم (رحمه اللّه): إن الالتزام بارتفاع الطلب من أصله لا يقدح في امكان التقرب؛ لكفاية وجود الملاك فيه، كما هو موضح في باب ضد الاهم. (1) حيث التزم المحققون بامكان التقرب بالمهم مع التزامهم بانتفاء اصل الطلب عنه عند المزاحمة مع الأهم، لمنافاة طلبه- بأي مرتبة و لو استحبابية- لطلب الأهم بناء على عدم الترتب.

مع أن الاشكال في بقاء مرتبة من الطلب بعد ارتفاع مرتبة الالزام بدليل نفي الحرج أو الضرر إنما يبتني على القول بأن اختلاف الوجوب و الاستحباب إنما هو لاختلاف مرتبتي الطلب قوة و ضعفا.

لكن أوضحنا في محله- في الأصول- ضعفه، و أن الاختلاف بينهما إنما هو باختلافهما بالترخيص و عدمه، فان تحقق أضعف طلب من المولى يوجب حكم العقل بوجوب موافقته إلّا أن يرد من المولى ترخيص في مخالفته و حينئذ فادلة نفي الحرج لا ترفع شيئا من الطلب و لا مرتبة منه، و انما تقتضي الترخيص، فيرتفع الوجوب، فالطلب يكون بحاله باقيا بلا نقص فيه اصلا، فيمكن التقرب به، و إن لم نقل بصحة التقرب بالملاك.

____________

(1). البحث بحاجة إلى التحقيق في مسألة الترتب.

176

و أما ما قد يقال: من أن أدلة الحرج و الضرر إذا كانت امتنانية، لم تجد في مورد إقدام المكلف على الامتثال؛ اذ لا امتنان على المكلف برفع التكليف في ظرف إقدامه على موافقته- التكليف- كما هو الحال في الاقدام على المعاملة المحاباتية مع العلم بالتفاوت، فكما لا تجري أدلة نفي الضرر لرفع لزوم المعاملة حينئذ، لا تجري أدلة نفي الحرج في المقام ايضا.

فيكون الوضوء و الغسل الحرجيان واجبين على المكلف في ظرف إقدامه عليهما، و لا دليل على رفع وجوبهما حينئذ.

ففيه: أن ذلك يتم في غير العبادات كالانفاق و نحوه.

أما العبادات: فيعتبر في صحتها صدورها عن داعي الأمر، فيكون الأمر مؤديا إلى الحرج، و تبطل في صورة الاقدام عليها لا من جهة الأمر بنحو لا يكون الوقوع في الحرج مستندا إليه؛ لفقد التقرب المعتبر فيها حينئذ.

و الذي يتحصل مما ذكرنا امور:

الأول: أنه يكفي في عبادية الطهارة المائية وجود الملاك.

الثاني: أنه يمكن إثبات وجود الملاك بأدلة وجوب الطهارة المائية بنحو الدلالة الالتزامية.

الثالث: أنه لو بني على عدم صحة التعبد بالملاك فيمكن التقرب بالطلب الفعلي.

الرابع: أن أدلة نفي الحرج لا تنفي الطلب و إنما تنفي الالزام.

الخامس: أن الاقدام على الفعل لا يمنع من تطبيق أدلة نفي الحرج في العبادات، و ان كان يمنع عنه في غيرها. (1)

إن هذا البيان الجميل هو الذي صدر من أهله و وقع في محلّه و هذا هو الإتجاه الراشد في محاولة المطلوب و في ضوئه يتبين لنا بكل وضوح أن نفي الحرج يثمر الرخصة التي تنبثق عن رحمة اللّه الواسعة على العباد، و عليه فاذا بادر المكلف‏

____________

(1). مستمسك العروة الوثقى، ج 4، ص 332- 334

177

الى الوضوء الحرجي صح وضوؤه على ما هو التحقيق.

و قال سيدنا الاستاذ: الأقوى هو الحكم بصحة الطهارة المائية مع العلم بالضرر و العلم بالحرج، لكن في خصوص الغسل و الوضوء دون غيرهما.

و الوجه في ذلك أن الغسل و كذا الوضوء مستحب لنفسه، فبعد رفع وجوب الوضوء لأدلّة نفي الضرر أو أدلة نفي الحرج يبقى استحبابه بحاله، لعدم حكومة أدلة نفي الضرر و نفي الحرج إلّا على الأحكام الالزامية. (1) و بالتالي فيصح الوضوء على أمره الاستحبابي.

____________

(1). مصباح الاصول، ج 2، ص 553

178

الخلاصة

1. إن الاتيان بالعمل الحرجي مجزئ، ذلك لامكان التقرب بالملاك، و إن قلنا بارتفاع الطلب من أصله مع أن القاعدة لا ترفع الطلب- على ما هو التحقيق- و انما تقضي الترخيص فحسب.

2. إنّ اقدام المكلف على العمل الحرجي على خلاف الامتنان يثمر الصحة في المعاملات، و لا يوجب صحة العمل في العبادات، لفقد التقرب المعتبر فيها.

3. إنّ الحكم بصحة الوضوء و كذا الغسل ينبثق عن الأمر الاستحبابي هناك بعد سقوط أمره الوجوبي نتيجة للقاعدة و هو يكفي في الصحة.

الأسئلة

1. ما هي العلاقة بين التقرب بالملاك و بين بحث الترتب الأصولي؟

2. ما هو المقصود من مراتب الطلب هناك؟

3. هل تختص حكومة نفي الحرج على الأحكام الالزامية؟

179

10 خاتمة

و قد تحدث المحقق السيد المراغي (رحمه اللّه) عن صحة ما سلكه السيد العلامة، و قال: فالحق أن ما ورد في الشرع ليس مما يعدّ عسرا و حرجا عرفا. (2)

الرأي على التخصيص‏

قال المحقق النراقي بعد تعرض الاتجاهات المختلفة: التحقيق أنه لا حاجة إلى ارتكاب أمثال هذه التأويلات و التوجيهات، بل الأمر في قاعدة نفي العسر و الحرج كما في سائر العمومات المخصصة الواردة في الكتاب الكريم، و الأخبار الواردة في الشرع القويم.

فان أدلة نفي العسر و الحرج يدلّان على انتفائهما كلية؛ لأنهما لفظان مطلقان واقعان موقع النفي- و قد تمت مقدمات الحكمة- فيفيدان العموم.

و قد ورد في الشرع التكليف ببعض الأمور الشاقة و التكاليف الصعبة أيضا، و لا يلزم من وروده إشكال في المقام كما لا يريد بعد قوله سبحانه: وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ .... (1) إشكال في تحريم كثير مما ورائه، و لا بعد قوله: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَ‏

____________

(2) العناوين، ج 1، ص 299

(1). النساء، 24

180

مُحَرَّماً ... (1) تحريم أشياء كثيرة بل يخصص بأدلة تحريم غيره عموم ذلك فكذا هاهنا.

فان تخصيص العمومات بتخصيصات كثيرة ليس بعزيز بل هو أمر في أدلة شائع، و عليه استمرت سيرة الفقهاء.

فغاية الأمر كون أدلة نفي العسر و الحرج عمومات يجب العمل بها فيما لم يظهر لها مخصص، و بعد ظهوره يعمل بقاعدة التخصيص، فلا يرد شي‏ء من الاشكال.

ففى ضوء هذا الرأي لم يكن أي تعارض بين عموم نفي الحرج و بين التكاليف الشاقة لأن تلك التكاليف مخصصات لعموم القاعدة، و إذن فلا أرضية للاشكال.

و التحقيق: أن الالتزام بالتخصيص هناك مما لا يمكن المساعدة عليه، ذلك لأن الحرج من العناوين الثانوية للأحكام و عليه قلنا بحكومة قاعدة نفي الحرج على أدلة الأحكام الأولية- صعبة كانت أو سهلة- و للحكومة ميزات و خصائص، منها تأخير الدليل الحاكم عن الدليل المحكوم في الرتبة، و عليه كان نفي الحرج حاكما على أساس المعايير المقررة، و لا يمكن أن يكون الدليل المحكوم مخصصا للدليل الحاكم.

و بالتالي: فالاجابة عن مشكلة التعارض- على منهج التخصيص- تكون إجابة خاطئة. (2)

الرأي على التخصص‏

التحقيق: أن التكاليف الشاقة خارجة عن نطاق القاعدة بنحو التخصص، لا التخصيص، ذلك لأن تلك التكاليف لم تكن داخلة في مدى نفي الحرج من الأساس.

فان دليل نفي الحرج بأسلوبه الراشد- الحكومة- يرشدنا إلى نفي الحكم الذي يعرضه العسر و الحرج، فالنفي يختص بالحرج العارضي للعمل الشرعي و لا صلة له بالحرج الذاتي للتكاليف الشرعية.

و في ضوء التخصص و الخروج الموضوعي يقال: أن الحرج بمفهومه الفقهي ينصرف عن التكاليف الشاقة بعناوينها الأولية فلا يصدق العسر و الحرج على تلك‏

____________

(1). الانعام، 145

(2) عوائد الأيام، ص 63، 64

181

التكاليف بحسب الاصطلاح الفقهي و عليه فأوّل تكليف شاق بحسب دليله الشرعي كالجهاد، بالنسبة إلى المكلف المتمكن لم يكن مصداقا للحرج و لا يطلق عليه الحرج.

و أما بالنسبة إلى المريض يصبح مصداقا للحرج المنفي كما قال تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى‏ حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ... (1). أي لا إثم عليهم في ترك الجهاد (2) فيكون الجهاد على هؤلاء من الحرج المنفي امتنانا عليهم، و كذلك الأمر في الصوم و غيره‏ (3).

نفي الحرج و التساهل‏

إنّ نفي العسر و الحرج و إمحاء الأحكام الحرجية عن صحيفة الأعمال بالمعنى السالف بالذكر،- امتنانا على العباد- عبارة عن المساهلة مع الناس التي تنطلق من منطلق قوله (صلى الله عليه و آله): بعثت بالحنفية السهلة السمحة (4)، و هو- النفي- بهذا المعنى ينطبق مع التساهل الذي يكون من متطلبات اليوم الحضارية.

و من الجدير بالذكر أن المقصود من التساهل هو الذي يسهل الأمور ضد التعذيب و الضغط. فلا بد أن يكون ذلك في إطار مشروع.

و أما التساهل بمعنى الحرية المطلقة- و هدم الحدود الشرعية- فهو يسمح المجال للاعتداءات و الجرائم للمعتدين، بالمناهج التقدّمية.

الحرج الشخصي و النوعي‏

توجد هناك نكتة تلعب دورا لاستكمال البحث و هي: أن الحرج الرافع للتكليف عبارة عن الحرج الشخصي، ذلك لأن الحرج النوعي لا يكون رافعا للتكليف الشخصي، لاختلاف المتعلق، فما رفع بالحرج لم يكن متعلق التكليف و ما تعلق به التكليف لم يرفع بالحرج، و اذن فلا بد أن يكون الحرج شخصيا.

____________

(1). الفتح، 17

(2). تفسير القرآن، ص 1040

(3). البحث بحاجة إلى التحقيق.

(4). أمالي الطوسي، ج 3، ص 141

182

الخلاصة

1. إنّ نفي الحرج كسائر العمومات قابل للتخصيص- على رأي المحقق النراقي- فالتكاليف الشاقة الشرعي مخصصات هناك.

2. التحقيق أن التكاليف الشاقة خارجة عن نطاق القاعدة بالتخصص.

3. المقصود من الحرج هناك هو الحرج الشخصي لا النوعي.

الأسئلة

1. ما هو الدليل على التخصيص هناك؟

2. ما هو الدليل على التخصص هناك؟

3. هل ينطبق نفي الحرج مع التساهل الذي مطلوب اليوم؟

183

فهرس المصادر

1. ابن منظور، محمد، لسان العرب، دار صادر، بيروت.

2. الآملي، الشيخ محمّد تقى، درر الفوائد.

3. البجنوردي، السيد حسن، القواعد الفقهية، دار الكتب العلمية، قم.

4. البخاري، محمّد بن اسماعيل بن ابراهيم مكنّى به ابو عبد الله، صحيح البخاري.

5. التوحيدي، محمد علي، مصباح الفقاهة، مكتبة الدّاوري، قم.

6. الحكيم، مستمسك العروة الوثقى.

7. خوئي، تكملة المنهاج، قم.

8. الخوانساري، موسى بن محمد نجفي، منية الطالب، مؤسسة نشر الاسلامي، قم.

9. الشبر، السيد عبد اللّه، تفسير القرآن، طهران.

10. الشرتونى، المعلم رشيد، مبادي العربية، انتشارات اسماعيلى، قم.

11. الشهيد الصدر، محمد باقر، الحلقة الثالثة، دار الكتب اللبنانى- دار الكتاب المصرى.

12. الشيخ الانصاري، مرتضى، المكاسب رسالة في نفي الضرر، مؤسسه نشر الاسلامي، قم.

13. الشيخ الشريعة الاصفهاني، فتح الله، قاعدة لا ضرر، نشر جماعة المدرسين، قم.

14. الشيخ الطوسي، المبسوط، مكتبة المرتضويّة، طهران.

15.-، المختلف، للعلامة الحلّى، مكتبة الامام امير المؤمنين على (ع)، اصفهان.

16.-، النهاية، انتشارات قدس محمّدى، قم.

17.-، الامالى، جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية، قم.

18. الشيخ المفيد، المقنعة، مؤسسه نشر الاسلامى، قم.

19. الطباطبائي، السيد على، مفاتيح الاصول.

20. الطبرسي، أبي علي الفضل بن الحسن بن الفضل، مجمع البيان.

184

21. العاملي الجبعي، زين الدين بن علي (الشهيد الثاني)، مسالك الافهام، مؤسسة المعارف الاسلامية، قم.

22. العاملي، الحرّ، الفصول المهمّة، منشورات الاعلمي، طهران.

23.-، الوسائل، دار احياء التراث العربي، بيروت.

24. فخر الرازي، تفسير الكبير، بيروت.

25. فخر المحققين، ايضاح الفوائد.

26. الفياض، المحاضرات، مؤسسه احياء آثار امام خمينى (رحمه اللّه)، قم، 1422 ق.

27. الفيّومى، احمد بن محمد المقرئ، المصباح المنير، دار الكتب العلمية، قم.

28. الغلاييني، مصطفى، جامع الدروس العربية، انتشارات نويد اسلام، قم.

29. القمي، الشيخ عباس، مفاتيح الجنان، انتشارات پيام آزادى.

30. الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، المكتبة الدّاورى، قم.

31. لويس معلوف، المنجد، دار المشرق، بيروت.

32. المحقق الحلّي، شرائع الاسلام، منشورات الاعلمى، طهران.

33. المحقق الخراسانى، محمّد كاظم، كفاية الاصول، مكتبة المصطفوي، تهران.

34. المحقق النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام، دار احياء التراث العربي، بيروت.

35. المراغي، مير عبد الفتاح، العناوين، مؤسسه نشر الاسلامى، قم.

36. المصطفوي، السيد كاظم، القواعد، مؤسسه نشر الاسلامى، قم، 1421 ق.

37. مكّى العاملى، محمد بن جمال الدين (الشهيد الاوّل)، الدروس، مؤسسة معتبر الاسلامى، قم.

38.-، القواعد و الفوائد، مكتبة الاسلامية، قم.

39.-، اللمعة الدمشقية، انتشارات علميه، قم.

40. الموسوى الخميني، امام سيد روح اللّه، بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر، مؤسسه تنظيم و نشر آثار الامام الخمينى، قم، ط 3، 1415 ق.

41.-، تحرير الوسيلة، قم.

42. ميرزاي قمي، قوانين الاصول.

43. النراقي، عوائد الأيام، مركز نشر التابع لمكتب الإعلام الاسلامي.

44. النوري، ميرزا حسن، مستدرك الوسائل، المكتبة الإسلامية، طهران.

45. النيسابوري، نظام الدين، شرح النظام، انتشارات لقمان، قم.

46. الواعظ، السيد سرور، مصباح الاصول، مكتبة الدّاوري، قم.

47. اليزدي، السيد كاظم، العروة الوثقى، مكتبة الدّاورى، قم.

48.-، ملحقات العروة الوثقى، مكتبة الدّاوري، قم.