القوانين المحكمة في الأصول - ج3

- الميرزا القمي المزيد...
231 /
53

للمذكّى و الميتة، و على شرب التّتن، و على حلّيّة لحم الحمير إن لم نقل بوضوحه و شككنا فيه لأنّه يصدق على كلّ منها أنّه شي‏ء فيه حلال و حرام عندنا، بمعنى أنّه يجوز لنا أن نجعله مقسّما لحكمين، فنقول: هذا إمّا حلال و إمّا حرام، و إنّه من جملة الأفعال التي يكون بعض أنواعها أو أصنافها حلالا و بعضها حراما، و اشتركت في أنّ الحكم الشّرعي المتعلّق بها غير معلوم.

أقول: و فيه نظر (1)، إذ هذا التفسير يوجب استعمال اللّفظ في المعنيين مع كونه خلاف المتبادر من الرّواية أيضا.

بيانه: أنّ خروج الأعيان التي لا يتعلّق بها فعل المكلّف، كالسّماء و ذات الباري تعالى مثلا إنّما هو لأجل عدم إمكان الاتّصاف بشي‏ء من الحلّ و الحرمة، لا من جهة عدم اتّصافها بهما معا، و عدم قابليّتها لانقسامها إليهما.

و خروج الأفعال الضّروريّة لبقاء الحياة إنّما هو لأجل أنّه لا يتّصف بأحدهما أيضا شرعا، و إن كان يمكن اتّصافه بهما جميعا لأجل أنّه فعل مكلّف اختياريّ، و كذلك خروج ما تعيّن حلّه أو حرمته لأنّه لا تتّصف إلّا بأحدهما، فيلزم استعمال قوله (عليه السلام): «فيه حلال و حرام». في معنيين:

أحدهما: أنّه قابل للاتّصاف بأحدهما.

و بعبارة اخرى، يمكن تعلّق الحكم الشّرعي به ليخرج ما لا يقبل الاتّصاف بشي‏ء منهما.

و الثاني: أنّه ينقسم إليهما، و يوجد النّوعان فيه إما في نفس الأمر أو عندنا،

____________

(1) و قد علّق في «الفصول» ص 303 على هذا التّنظّر، و اعتبر أنّ هذه الوجوه الأربعة التي أوردها غير واردة.

54

و هذا غير جائز مع أنّه لا معنى لإخراج المذكورات، لأنّ المراد بقوله: فهو لك حلال، أنّ مجهوله حلال، و لا يتصوّر الجهالة في المخرجات حتى يحتاج الى الإخراج، مع أنّه لا معنى للإخراج حينئذ، و اعتبار المفهوم المخالف إلّا بتأويل السّالبة المنفيّة [المنتفية] الموضوع و هو غير مفيد.

فإن قلت: إنّ هذا يرد على ما ذكرت من اختصاصها بشبهة الموضوع أيضا.

قلت: (1) نعم، و لكن نقول: فائدة القيد هنا التنبيه على أنّ القابليّة لهما و احتمال كلّ منهما في نظر المكلّف لا يوجب الحرمة، و لمّا كانت الحرمة و الحلّية في الموضوع ممّا ثبت في الجملة، و أذهان المكلّفين متوجّهة إليها فيحتاج الى التنبيه، لتبادر أذهانهم الى احتمال الحرمة، بخلاف مجهول الحكم أصلا، فالتقييد هنا ليس لأجل الاحتراز و لا لاعتبار [الاعتبار] مفهوم المخالف.

هذا مع أنّ ما ذكر في معنى الحديث يستلزم استعمالا آخر للّفظ في المعنيين، إذ قوله (عليه السلام): «حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه». لا بدّ أن يكون المراد منه:

حتّى تعرف من الأدلّة الشّرعية الحرمة، إذا أريد معرفة الحكم المشتبه، و حتّى تعرف من الخارج من البيّنة أو غيرها، الحرمة، إذا أريد معرفة الموضوع المشتبه، فليتأمّل.

و الحاصل، أنّ الرّواية مع قطع النّظر عن كلّ ذلك أيضا ظاهرة فيما ذكرنا، و هو المعنى المنساق منها الى الأذهان الخالية، و يؤيّده ما روي عن الصادق عليه الصلاة و السلام: «كلّ شي‏ء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل‏

____________

(1) راجع «الفصول» ص 345، ففيه فائدة حول هذا الجواب.

55

نفسك، و ذلك مثل يكون الثوب عليك‏ (1) قد اشتريته و هو سرقة أو المملوك عندك و لعله حرّ قد باع نفسه أو خدع فبيع أو قهر (2) أو امرأة تحتك و هي أختك أو رضيعتك، و الأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة» (3). فإنّ التّمثيل و إن لم يكن مخصّصا للعام، و لكن في شمول العام لنفس الحكم تأمّل، مع أنّ قيام البيّنة أيضا شاهد على ما ذكرنا، سيّما بعد التعميم بقوله:

و الأشياء كلّها على هذا.

و تخصيص العامّ الثاني ليس بأولى من تخصيص الأوّل. و أيضا المتبادر من العين الشّخص الموجود في الخارج، و هو إنّما يناسب شبهة الموضوع.

و بالجملة، فالظاهر من الرّواية أنّ كلّ شي‏ء له نوعان أو صنفان: حكم الشّارع في أحدهما بالحلّ، و في الآخر بالحرمة، فهو يعني مصداقه لك حلال و إن لم تعلم بأنّه فرد من أفراد الحلال أو من أفراد الحرام، و يجوز لك تناوله حتّى تعرف الحرام بعينه، يعني أنّ هذا العين حرام.

و اعلم أنّ المتبادر الظّاهر من ملاحظة المصداق و المفهوم، و الكلّيّ و الفرد في العرف و العادة، هو الكلّيّ القريب المعهود إطلاقه على الفرد في اصطلاح التخاطب، لا كلّ ما يمكن فرضه من الأجناس البعيدة و الأفراد الفرضيّة، و كذلك المعتبر في الكلّيّ ما لوحظ في عنوان الحكم من الصّفات الممكنة له.

____________

(1) في «الكافي» مثل الثوب يكون قد اشتريته و هو سرقة.

(2) في «الوسائل» فبيع قهرا.

(3) «الكافي»: 5/ 309 باب النّوادر 191 الحديث 40، «الوسائل» 17/ 89 الحديث 22053، و رواه الشيخ بإسناده عن علي بن ابراهيم أيضا في «التهذيب» 7/ 21 باب الزيادات الحديث 9.

56

فعلى هذا، لو حصل الشّك في حرمة الميتة، فنقول: إنّ الميتة ليس لها فردان حلال و حرام حتّى يقال: إنّه حلال حتّى تعرف الحرام بعينه، و إن أمكن أن يقال:

إنّ الميتة من حيث إنّه مأكول، و المأكول منه حلال و منه حرام، فهو حلال حتّى تعرف أنّه حرام، إذ المأكول ليس عنوانا للحكم الشرعيّ في مصطلحات الشّرع و مكالماته، بل هو إمّا اللّحم أو المذكّى منه.

و كلامنا ليس على عنوان اللّحم كما هو العنوان في اللّحم المشترى من السّوق حتّى يقال: إنّ من اللّحم ما هو حلال و ما هو حرام، و كذا الكلام ليس في أكل الطيّب و الخبيث حتى يقال: إنّه حلال حتّى تعرف أنّه من أيّهما، و كذلك مثال لحم الحمير، فإنّ لحم الدّوابّ ليس عنوانا للحكم حتى يجعل له فردان أو أفراد، و كلامنا في معرفة لحم الحمير من حيث إنّه لحم الحمير، و هكذا.

فالمتبادر من قوله (عليه السلام): «فهو لك حلال». يعني المصداق الأولى المعهود المتعارف من عنوان الكلّي الصادق عليه، و أمثلته ممّا مثّله الصادق عليه الصلاة و السلام في الرّواية واضحة.

و ممّا ذكرنا يظهر الكلام في التّتن و الصّوت المشتبه بالغناء، فإنّ الكلّيّ المتصوّر في التّتن إن جعل نفس المشروب المنقسم بالطيّب و الخبيث، فصدق الشّرب عليه أوّلا ممنوع، و حرمة مطلق استعمال الخبيث ممنوع أيضا، فلم يتردّد هذا الكلّيّ بين كلّيّين، فيبقى اندراجه تحت الجهالة بنفس الحكم الشرعيّ، و مقتضى الأدلّة السّابقة حلّة (1).

____________

(1) و قد ذكر الشيخ الحرّ العاملي في الفائدة (51) من «الفوائد الطوسية» ص 224 رسالة-

57

و أمّا الغناء، فإنّه و إن أمكن إثبات عنوانين للصّوت، هو الغناء و غير الغناء، و لكنّ الأظهر فيه أيضا جهالة الحكم كما لا يخفى.

ثمّ ممّا ذكرنا ظهر لك أنّ الأصل في شبهة الموضوع أيضا أصالة البراءة، و الظّاهر أنّه لا خلاف فيه حتّى من الأخباريّين، و وجهه ظاهر ممّا مرّ.

[حجّة من يقول بوجوب التّوقف من الآيات و الأخبار]

احتجّ القائلون بوجوب التوقّف أيضا: بالآيات و الأخبار.

أمّا الآيات فمثل قوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ (1)، و: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (2)، و أمثالهما.

و أمّا الأخبار: فمثل ما رواه الكليني (رحمه اللّه)(3) في الموثّق عن سماعة بن مهران عن أبي الحسن موسى عليه الصلاة و السلام قال في جملتها: «و ما لكم و القياس إنّما هلك من هلك من قبلكم بالقياس». ثمّ قال: «إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به و إن جاءكم ما لا تعلمون فها»، و أهوى بيده الى فيه.

و في الحسن عن هشام بن سالم قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه الصلاة و السلام:

ما حقّ اللّه تعالى على خلقه؟ فقال: «أن يقولوا ما يعلمون و يكفّوا عمّا لا يعلمون، فإذا فعلوا ذلك فقد أدّوا الى اللّه حقّه» (4).

____________

- رأى فيها أولويّة الاحتياط و هو يناقش من ذهب من علمائنا الى التحريم فيها من المناسب مراجعتها.

(1) الإسراء: 26.

(2) البقرة: 195.

(3) «الكافي» 1/ 57 الحديث 13.

(4) «الكافي»: 1/ 50 الحديث 12.

58

و في الموثّق‏ (1) عن ابن بكير عن حمزة بن الطيّار أنّه عرض على أبي عبد اللّه عليه الصلاة و السلام بعض خطب أبيه (عليه السلام) حتّى إذا بلغ موضعا منها، قال له: «كفّ و اسكت». ثمّ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «لا يسعكم فيما ينزل بكم ممّا لا تعلمون إلّا الكفّ عنه و التثبّت له و الرّد الى أئمة الهدى (عليهم السلام) حتى يحملوكم فيه على القصد و يجلوا عنكم فيه العمى و يعرّفوكم فيه الحقّ، قال اللّه تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏» (2).

الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة، و هذا أوضحها دلالة.

و استدلّوا أيضا: بحديث التثليث المشهور بين الخاصّة و العامّة، قال الصادق عليه الصلاة و السلام فيما رواه في الكافي‏ (3) عن عمر بن حنظلة: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) و سلم: «حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشّبهات نجا من المحرّمات، و من أخذ بالشّبهات ارتكب المحرّمات فهلك من حيث لا يعلم».

و تقريب الاستدلال، أنّ من الأشياء ما يجوز فعله لقيام دليل معتبر عليه، و منها لا يجوز فعله كذلك، و منها ما يحتمل الأمرين، إمّا لعدم بلوغ دليله إلينا أو للاحتمال و الدليل في الاشتباه، فمن ترك الشّبهات- يعني جميعها- نجا من المحرّمات- أي ممّا هو حرام في الواقع- و من أخذ بها، أي بجميعها، ارتكب المحرّمات لوجوده فيها جزما، لإخبار المعصومين (عليهم السلام) أو للعلم العادي بذلك، و المراد مجاز المشارفة إن لم يحمل الشّبهات على العموم، و بغيره من الأخبار

____________

(1) «الكافي» 1/ 50 الحديث 1.

(2) النحل: 43.

(3) 1/ 68 الحديث 10.

59

الدالّة على التوقّف عند الشّبهة.

[الجواب على أدلة المتوقفين‏]

و الجواب عن أدلّة الأوّل: القول بموجبها، إذ نحن أيضا نكفّ عن حكم ما لم نعلم حكمه بالخصوص، و الذي نحكم به هو حكم ما لم نعرف حكمه بالخصوص من حيث إنّا لا نعرف حكمه بالخصوص، لا من حيث هو بالخصوص، فنحن لا نحكم فيما لا نصّ فيه إلّا بما علمنا من الكتاب و السنّة و الإجماع، و هو أصالة البراءة.

فإن قلت: أخبار التوقّف مطلقة و لا وجه لتقييدها بما ذكرت، بل مقتضاها التوقّف عن الحكم فيما لا نعلم حكمه بالخصوص‏ (1)، خصوصا و عموما.

قلت: أوّلا: إنّ من تتبّع تلك الأخبار يظهر له أنّ مرادهم (عليهم السلام) من ذلك المنع عن العمل بالقياس‏ (2)، و لا نطيل الكلام بذكر تلك الأخبار، و إن شئت فراجع الى مظانّها من كتاب «الكافي» و غيره. و أكثر الكتب جمعا لذلك هو كتاب «وسائل الشيعة» في أبواب القضاء، و لا ريب أنّ القياس إنّما يثبت حكم الجزئيّات لا الكلّيّات.

و ثانيا: إنّ المعارضات ممّا دلّ على أصل البراءة أقوى سندا و دلالة و اعتضادا بالكتاب و السنّة و العقل و العمل، بل الإجماع و الموافقة للملّة السّمحة السّهلة، و نفي العسر و الحرج و الضّرر، فهي أولى بالتقييد و التأويل‏ (3).

فحاصل البحث: أنّكم تقولون إنّ حكم المشتبه و ما لا يعلم حكمه بالخصوص،

____________

(1) أي حكم واحد شخصي معلوم و لم نعلم حكمه بالخصوص، كما في الحاشية.

(2) و من أين لنا حتى نقطع بثبوت هذا المراد، و التّقييد ليس من بيّنة عليه.

(3) و كذا ذكره الوحيد في رسالة أصالة البراءة من «الرسائل الأصولية» ص 365.

60

هو التوقّف لهذه الأخبار، و نحن نقول: هو أصالة البراءة لتلك الأخبار و الأدلّة، و أدلّتنا أقوى، فنطرح أدلّتكم، أو نقول: غاية الأمر تساوي الطّرفين، فيرجع الى ما تعارض فيه النصّان، و سيجي‏ء أنّ المختار فيه التخيير، فيرجع الى أصالة البراءة أيضا.

و ثالثا: إنّ دلالة تلك الأخبار على الوجوب ممنوعة، بل الظّاهر من كلّها أو من ملاحظة مجموعها؛ الاستحباب و الأولويّة و نحن لا نمنعه‏ (1)، بل نقول:

باستحباب الاحتياط و الترك‏ (2) فيما يحتمل الحرمة، و التوقف‏ (3) في العمل و الفتوى، و العمل على الاحتياط. و لا يخفى ما ذكرنا على من لاحظها أدنى ملاحظة، فإنّها مذكورة في سياق الوعظ و التزهيد و الترغيب في الخبر، و الردع عمّا سعى أن يصير موجبا للدخول في الحرام، لا النّهي و الزّجر الصّريح في الحرمة.

و رابعا: إنّ بما ذكرنا يحصل الجمع بين الأدلّة جمعا قريبا لا تشمئزّ منه الأفهام المستقيمة، بخلاف ما لو حمل على ظواهر ما ذكرتم، فإنّ حمل أخبار أصل البراءة على خلاف ظاهرها، مثل حملها إمّا على شبهة الموضوع، أو على ما يحتمل الوجوب لا ما يحتمل الحرمة؛ بعيد، بل لا يمكن جريانه في بعضها، مثل قوله (عليه السلام): «أيّما إمرئ ركب أمرا بجهالة». حيث ورد في لبس المخيط للإحرام، و حكاية التزويج في العدّة المذكورة في صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج الآتية

____________

(1) في الحاشية: فلا وجه لمنع دلالتها على الوجوب، بل هي صريحة في الوجوب كما لا يخفى.

(2) عطف تفسير.

(3) كالعطف التّفسيري للاحتياط و الترك.

61

في حكم الاحتياط، و كذلك حملها على التقيّة (1) لاختلاف العامة في المسألة.

و خامسا: نقول: إنّ ذلك حيث يمكن الرّجوع الى الأئمة (عليهم السلام) كما يستفاد من بعضها، أو الى أصحابهم و كتب أخبارهم. و نحن نقول: إنّ من شرائط العمل بأصل البراءة الفحص و البحث عن الدّليل لا مطلقا كما سيجي‏ء.

و سادسا: يمكن أن يقال: إنّ ذلك حكم ما لا نصّ فيه قبل الاطلاع بما صدر عنهم في حكمه من الإباحة.

و أما حديث التثليث‏ (2) الجواب عنه:

أمّا أوّلا: فإنّه لا يدلّ على الحرمة، بل إنّما يدلّ على أنّ ارتكاب الشّبهة مظنّة الوقوع في الحرام [الواقعي‏]، و إذا وقع في الحرام الواقعي فهو يهلكه بالخاصيّة كالسّم المجهول، أو انّ من ارتكب جميع الشّبهات فلا ينفكّ عن فعل الحرام.

و على فرض استلزام ذلك الحرمة إنّما يدلّ على الحرمة إذا استوعب جميع الشّبهات و هو غير محلّ النّزاع، بل النّزاع في مطلق الشّبهة و كل ما صدق عليه لا جميعها، فلا يفيد ذلك أزيد من الكراهة كالنهي عن الصّرف لخوف الوقوع في الرّبا، و عن بيع الأكفان لخوف الوقوع في محبة موت النّاس، و أمثال ذلك.

و الحاصل، أنّ مطلب المستدلّ إثبات المؤاخذة و العقاب الأخروي في ارتكاب ما لا نصّ فيه، و هذا لا يدلّ عليه.

و أمّا ثانيا: فنقول: إنّ ما لا نصّ فيه ليس بشبهة للأدلّة المتقدمة، غاية الأمر أن يقال: إنّه شبهة من حيث الحكم بالخصوص، و إمّا من حيث العموم، و إنّه من جملة

____________

(1) اي و كذلك حمل أخبار أصل البراءة في الشّبهة الحكمية على التّقية.

(2) الّذي عرفته قبل صفحات ثلاث.

62

ما لا تعلم [نعلم‏] حكمه، فحكمه الواضح البيّن هو الحليّة سيما فيما هو منفعة خالصة، و لا يدرك العقل فيها مضرّة. و لو فرض فيها مضرّة. و لو فرض فيها مضرّة كامنة لا تعلمها [نعلمها] فارتكابها من جهة الاعتماد على رخصة الشّارع لعلّه ترياق لهذا السّم الكامن فيه، فلا مانع من القول باستحباب الاجتناب فيما لا نصّ فيه من جهة جهالة حكمه بالخصوص.

و كذلك الكلام في شبهة الموضوع و فيما تعارض فيه النصّان فللكلّ جنبتان يستحبّ الاجتناب عنها من جهة الخصوصيّة، و يجوز ارتكابها من جهة عموم الأدلّة فيما لا نعلم.

و أمّا ثالثا: فالعمل بهذا الحديث يوجب حرمة الموضوع المشتبه أيضا (1).

و القول: بأنّ أكل الفاكهة الغير المنصوصة حرام لهذا الحديث، و أكل مال العاشر الذي معيشته من العشور حلال إذا احتمل وجود الحلال فيه غريب، بل هذه الرّواية في موضوع الحكم الشرعي أظهر من غيره، و حمل ما مرّ من الأدلّة المبيحة لما لا نصّ فيه على الشّبهة في موضع الحكم، و حمل هذه على نفس الحكم كما ترى، فكما ترد هذه الرّواية نقضا علينا ترد عليهم أيضا (2).

و أمّا رابعا: فعلى فرض دلالتها على الحرمة تحملها على الاستحباب كما هو ظاهر سياقها أيضا، لكون ما ذكرناها من الأدلّة أقوى من جهات شتى كما مرّ.

فإن قلت: إنّ مقبولة عمر بن حنظلة التي ذكر فيها هذا الحديث، ذكر الصادق عليه الصلاة و السلام فيها أوّلا من جملة وجوه الترجيح بين الأخبار تقديم‏

____________

(1) كما هو في الشّبهة الحكمية.

(2) لقولهم بعدم وجوب الاجتناب في الشّبهة الموضوعية.

63

المشهور على الشّاذ معلّلا بأنّه المجمع عليه، و المجمع عليه لا ريب فيه.

ثم قال: «و إنّما الأمور ثلاثة أمر بيّن رشده فيتبع، و أمر بيّن غيّة فيجتنب، و أمر مشكل يردّ علمه الى اللّه تعالى و رسوله (صلى الله عليه و آله) و سلم. قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) و سلم: حلال بيّن ...» الى آخر ما ذكرنا. و هذا يدلّ على وجوب ترك الشّبهات. فإنّ تعليل الامام (عليه السلام) تقديم المجمع عليه بأنّه لا ريب فيه، و بأنّ الشاذّ النّادر من الأمر المشكل الذي لا يجوز القول به، و يجب ردّه الى اللّه و رسوله (صلى الله عليه و آله) و سلم يدلّ على وجوب ترك الشّبهة.

قلت: استدلاله (عليه السلام) بكلامه في هذا المقام إبداء للحكمة، و وجه المنع عن اتباع الأمر المشكل، فإنّ وجه منع رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) و سلم عن الشّبهة إنّما كان هو الوقوع في الحرام، فإذا كان الوقوع في الحرام مع الجهالة منشأ للمنع، فمع معلوميّة الحق المجمع عليه و ثبوت الحجّة فهو أولى بالمنع، فإذا كان ذلك مكروها فيكون هذا حراما، و إن لم نوجّه المقام بذلك فلا بدّ أن نقول بعدم وجوب العمل بالمرجّحات المذكورة في هذه المقبولة، و انّ العمل عليها يكون مستحبا و أنتم لا تقولون به.

و إن جعلتم المراد من الشّبهات في قوله (عليه السلام) نظير الشّاذّ النّادر فيما نحن فيه، فنحن أيضا نقول بحرمتها فلا نزاع بيننا، و إنّما النزاع فيما تكافأ الاحتمالان أو الأمارتان بالنسبة الى الشّرع‏ (1)، و ما استدلّ عليه الصادق عليه الصلاة و السلام ليس كذلك.

و أمّا خامسا: فلأنّ الظّاهر من بعض الرّوايات أنّه لا عقاب على الشّبهات.

منها ما رواه علي بن محمد الخزّاز في «كفاية النصوص» على ما نقل عنه بسنده عن الحسن عليه الصلاة و السلام أنّه قال في جملة حديث: «إنّ في حلالها

____________

(1) راجع مبحث البراءة في «الفصول» ص 356، ففيه زيادة بيان.

64

- أي الدنيا- حسابا و في حرامها عقابا و في الشّبهات عتابا فأنزل الدّنيا بمنزلة الميتة، خذ منها ما يغنيك، إن كان حلالا كنت قد زهدت فيها، و إن كان حراما لم تكن أخذت من الميتة، و إن كان العتاب فالعتاب سهل يسير» (1).

[الكلام فيما تعارض فيه النصّان‏]

هذا الكلام فيما لا نصّ فيه، و أمّا الكلام فيما تعارض فيه النصّان، فالمختار فيه أيضا أصالة البراءة عن تعيين أحدهما، و التخيير في العمل بأيّهما أراد، و سيجي‏ء الكلام فيه في باب التراجيح.

و أمّا الشّبهة في موضوع الحكم فقد عرفت حالها أيضا في الجملة، و نقول هاهنا: الظّاهر أنّه لا خلاف في أصالة البراءة فيها، و الأخباريّون أيضا وافقوا الأصوليّين في ذلك‏ (2)، و حملوا الأدلّة الدالّة على أصل البراءة التي ذكرناها فيما لا نصّ فيه على شبهة الموضوع، و أخبار التثليث، و ما دلّ على التوقّف على شبهة نفس الحكم، و جعلوا ما لا نصّ فيه من جملة ذلك و قد عرفت بطلانه.

و كيف كان، فالظّاهر أنّه لا إشكال في أنّ الأصل في شبهة الموضوع الإباحة، و لكن يستحب اجتنابها، و يظهر من الأخباريين دخولها في الحلال البيّن بمقتضى حديث التثليث، و قد أشرنا الى أنّ ذلك مع القول بوجوب التوقّف فيما لا نصّ فيه، غريب.

ثمّ إنّ الأدلّة على هذا المطلب في غاية الكثرة، منها العمومات المتقدّمة فيما لا نصّ فيه، مثل صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدّمة، و غيرها من الأخبار المتقدّمة

____________

(1) «كفاية الأثر» ص 227، «مستدرك الوسائل» 12/ 51 الحديث 13489.

(2) راجع الفائدة (49) من «الفوائد الطوسية» ص 199، و أشار إليها الوحيد في رسالة البراءة من «الرسائل الأصولية» ص 396.

65

المستفيضة الدالّة على أنّ «كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام، فهو حلال حتّى تعرف الحرام بعينه»، و سيجي‏ء بعضها أيضا.

[تصوّر الاشتباه في الموضوع‏]

ثمّ إنّ الاشتباه في الموضوع يتصوّر على وجوه:

أحدها: مجرّد احتمال اتّصاف الموضوع بالحرمة (1)، مثل احتمال طريان الغصب على ما حازه المسلم من المباحات كالحطب و الحشيش، بل تساوي احتماله مع احتمال عدمه.

و الثاني: أن يختلط الحلال و الحرام اختلاط مزج و شوب لا يتمايزان عادة، كاختلاط حبوب الحنطة و أجزاء السّمن و الدّبس.

و الثالث: أن يحصل العلم لك بأنّ هذا الموضوع واحد من الأمور التي بعضها حرام يقينا و لا يعلم أنّه هل هو أو غيره، و هو على قسمين:

الأوّل: إنّ الأمور المردّد فيها محصورة معدودة، يمكن الإحاطة بها بلا عسر و صعوبة.

و الثاني: أن يكون مردّدا بين أمور غير محصورة عادة، بمعنى تعسّر الإحاطة و تعذّرها، و لا خلاف في حرمة القسم الثاني، كما أنّه لا خلاف في حلّيّة غير القسم الأوّل من القسم الثالث.

و أمّا هو فاختلفوا فيه‏ (2)، فذهب جماعة من الأصوليين الى وجوب اجتنابه،

____________

(1) و المقصود به الاحتمال الضعيف لقرينة قوله: بل تساوي احتماله مع احتمال عدمه فيما ذكره من المثال.

(2) راجع مبحث الشّبهة في طريق الحكم في رسالة أصالة البراءة للوحيد من «الرّسائل الأصولية» ص 401.

66

فقالوا: يجب اجتناب الشّبهة المحصورة دون غيرها، و استدلّ عليه‏ (1) بأنّ الحكم بحلّيّة المجموع، يستلزم الحكم بحلّيّة ما هو حرام علينا قطعا، و طهارة ما هو نجس جزما كالإناءين المشتبهين و الثوبين كذلك، و الدّرهمين اللّذين أحدهما غصب.

و إن حكمنا بأنّ أحدهما نجس أو حرام، فهو ترجيح من غير مرجّح شرعيّ، و بأنّ الحرمة و النجاسة تكليفان يجب امتثالهما، و لا يتمّ إلّا باجتناب الجمع، و ما لا يتمّ الواجب إلّا به، فهو واجب.

[الفرق بين المحصور و غير المحصور]

و الفرق بين المحصور و غير المحصور (2)، أنّ ارتكاب جميع المحتملات ممكن و متحقّق عادة في المحصور، فيحصل اليقين باستعمال الحرام و النجس بخلاف غير المحصور، فلا يتحقّق العلم فيه عادة لمكلّف واحد باستعمال المحظور. و حصوله لجميع المكلّفين غير مضرّ، لأنّ كلّا مكلّف بعلم نفسه، و إذ ليس فليس، و ذلك كواجد المنيّ في الثوب المشترك، و بأنّ الشّبهة المحصورة ليست بداخلة فيما لا يعلم حتى يشمله أدلّة الأصل، لأنّ حرمة أحدها أو نجاسته يقينيّة فيجب امتثالهما يقينا، كعموم: أَطِيعُوا اللَّهَ،* و غيره.

أقول: و الأقوى فيه أيضا أصالة البراءة، بمعنى أنّه يجوز الاستعمال بحيث لا يحصل العلم بارتكاب الحرام، و نحن لا نحكم بحلّيّة المجموع أبدا حتى يلزم الحكم بحلّيّة الحرام الواقعيّ اليقينيّ، و لا نحكم بحلّيّة أحدهما بعينه و حرمته ليلزم التحكّم، بل نقول بحلّيّة الاستعمال ما لم يتحقّق استعمال ما لا ينفكّ عن استعمال‏

____________

(1) و هذا الدليل ضعيف لما ستعرفه من المصنّف.

(2) راجع «الفوائد الحائرية» للوحيد ص 246 و 247.

67

الحرام جزما، لا بمعنى الحكم بأنّه الحلال الواقعي حتّى يلزم التحكّم، بل بمعنى التخيير في استعمال أيّ منهما أراد من حيث إنّه مجهول الحرمة لعدم المرجّح، و نحن نقول بوجوب إبقاء ما هو مساو للحرام الواقعيّ أو أزيد منه.

فإن قلت: إذا جعلت المعيار عدم العلم بارتكاب الحرام الواقعيّ، فلم لا تقول بجواز ارتكاب الجميع على التدريج، لعدم حصول العلم في كلّ مرتبة من الاستعمالات، و الذي يوجب حصول العلم بارتكاب الحرام إنّما هو إذا ارتكب الجميع دفعة.

قلت: أوّلا: نقول به إذ لا دليل عقلا و شرعا يدلّ على الحرمة و العقاب، و لا إجماع على بطلانه، و القائل به موجود كما سنشير إليه.

و ثانيا: نقول: كما أنّ ارتكاب الحرام الواقعيّ المتيقّن حرام، فتحصيل اليقين بارتكاب الحرام أيضا حرام، و تحريمه حينئذ من هذه الجهة، فارتكاب الفرد الآخر الذي يوجب العلم بارتكاب الحرام الواقعيّ، مقدّمة لتحصيل اليقين بارتكابه، و مقدّمة الحرام حرام، و يمكن منع المقدّمتين‏ (1).

نعم، يثبت اشتغال الذّمّة بحق الغير، و حصول النجاسة بعد استعمال الجميع، و يترتّب عليهما آثارهما حينئذ، و إن لم يحصل العقاب بالارتكاب، فليتأمّل.

و كيف كان، فلا دليل على حرمة ارتكاب ما لا يحصل العلم معه بالحرام، لعموم الأدلّة المتقدّمة.

و أمّا التمسّك بأنّ الاجتناب عن الحرام و النجس واجب و لا يتمّ إلّا بالاجتناب‏

____________

(1) أي حرمة تحصيل اليقين بارتكاب الحرام إذا لم يعلم بارتكاب الحرام بنفس ذلك العقل بخصوصه، و حرمة مقدمة الحرام كما في الحاشية منه.

68

عن الجميع، فبطلانه واضح، لمنع حرمة ما لم يعلم حرمته، و نجاسة ما لم يعلم نجاسته.

بيان ذلك: أنّ اتّصاف الأعيان بالحلّ و الحرمة و النجاسة و الطهارة يرجع الى ملاحظة حال فعل المكلّف، و إن كان الحكمة الباعثة للحكم كامنة في تلك الأعيان، فالأعيان و إن اتّصفت بذاتها من جهة تلك الحكمة بالحرام و النجس مثلا من دون تقييد بالعلم و الجهل، و لكن اتّصافها بهما من جهة ملاحظة إضافة فعل المكلّف إليها لا يكون إلّا في صورة العلم.

هذا مع أنّه يرد على ذلك النقض بغير المحصور، فإنّ الحرام و النجس فيها أيضا يقينيّ و التمسّك بلزوم العسر و الحرج لا يثبت الحلّ و الطهارة، بمعنى ترتّب جميع آثارهما، سيّما بحيث يصير قاعدة كلّيّة مثبتة للحكم مطّرد، لأنّ مقتضى ذلك الحكم بطهارة صحراء وسيع الفضاء الذي تنجّس بعضه و لم يعلم محلّها لمن يزاولها بالرّطوبة و يحتاج الى مزاولتها، و لا حرج على من لا يزاولها و لا يحتاج إليها في الاجتناب عنها، و ليس تطهير عضو منه إذا اتّفق مباشرته عسرا و حرجا، كما لا يخفى.

و قد يكون اجتناب الثوبين اللّذين أحدهما نجس حرجا عظيما، كما لو احتاج الى لبس أحدهما في السّفر في أيّام الشّتاء و وقوع المطر، فإن كان لزوم العسر يوجب الحكم بالطهارة، فاحكم هنا بالطهارة.

و كذلك الكلام في الاضطرار الى أكل الميتة و شرب الماء النجس، فإنّ الاضطرار و العسر و الحرج لا يوجب الحكم بالطهارة.

69

أمّا ما قد يتمسّك بذلك في مثل طهارة الحديد مع ورود الأخبار بالنجاسة (1)، فذلك تأسيس للحكم و دفع لا رفع لحكم ثابت، و بينهما فرق واضح، مع أنّ الإجماع و أصل الطهارة الثابتة بالأخبار و الأدلّة موجودان، و الخاصّ إنّما يعارض العامّ لو قاومه، فالأخبار الواردة في الحديد لا تقاوم تلك الأدلّة التي أحدها نفي الحرج و العسر.

و الحاصل، أنّ التمسّك بالعسر و الحرج حيث استقلّ بالدّلالة أيضا، يوجب دوران الحكم مدار لزومهما، سيّما و الاضطرار الى الحرام غايته عدم العقاب على أكله مثلا، و لا يوجب ذلك دفع جميع آثاره، فإذا اضطرّ الى سرقة مال الغير لدفع الجوع المهلك، فعدم العقاب على أكل لا يستلزم عدم اشتغال الذمّة بعوضه، سيّما إذا كان قادرا عليه.

و أمّا الفرق بأنّ ارتكاب جميع المحتملات ممكن و متحقّق عادة في المحصور فيحصل اليقين باستعمال الحرام و النجس دون غيره.

ففيه: أنّ امكان ارتكاب الجميع لا يوجب الحكم بوجوب الاجتناب عن الجميع، و لا يوجب حصول اليقين باستعمال الحرام لمن لم يستعملها جميعا. و ما ذكره من حكم واجدي المنيّ في الثوب المشترك، يجري في الثوب المحصور إذا ارتكب كلّ من المكلّفين بعض أفراده.

و أمّا أنّ الشّبهة المحصورة ليست بداخلة فيما لا يعلم ... الخ.

____________

(1) و قد نقل جماعة من علمائنا إجماع الإمامية على العمل بمضمون عدد من الأخبار التي تفيد طهارته و ما يمكن ان يستفاد من مثل حديث واحد على النجاسة غير مستقيم و هو شاذ مخالف لما عليه كثير الأدلّة و التي منها بعض الأخبار، يمكن مراجعتها في «الوسائل» ج 3 ص 530 باب 83، طهارة الحديد.

70

[روايات في الباب‏]

فيعلم جوابه ممّا مرّ. لأنّ كون حرمة أحدها يقينيّة أو نجاسته يقينيّة، بمعنى اتّصافه في نفس الأمر بالحكمة الموجبة للحرمة أو النجاسة لا يوجب اليقين باتّصافه بالحرمة و النجاسة، مضافا الى المكلّف، فلم يثبت العلم بالتكليف حتى يجب الاجتناب عنه من باب المقدمة، مع أنّ الأخبار المستفيضة وردت في حلّية الشراء من العامل و السّارق مثل صحيحة أبي عبيدة عن الباقر عليه الصلاة و السلام قال: سألته عن الرّجل منّا يشتري من السّلطان من إبل الصّدقة و غنم الصّدقة و هو يعلم أنّهم يأخذون منهم أكثر من الحقّ الذي يجب عليهم؟. قال:

فقال (عليه السلام): «ما الإبل و الغنم إلّا مثل الحنطة و الشعير و غير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه» (1).

و صحيحة معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه الصلاة و السلام:

أشتري من العامل الشّي‏ء و أنا أعلم أنّه يظلم؟ فقال: «اشتر منه» (2).

و صحيحة أبي بصير (3) قال: سألت أحدهما (عليهما السلام) عن شراء الخيانة و السّرقة؟

فقال (عليه السلام): «لا، إلّا أن يكون قد اختلط معه غيره، و أمّا السّرقة بعينها فلا، إلّا أن يكون من متاع السّلطان فلا بأس بذلك».

و موثّقة إسحاق بن عمار و رواية محمد بن أبي حمزة و رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه و غيرها، و لا حاجة الى ذكرها.

و يدلّ عليه أيضا ما ورد من حلّيّة ما يختلط بالحرام بإخراج الخمس.

____________

(1) كما في «الكافي» 5/ 228 الحديث 2، و «الوسائل» 17/ 219 الحديث 22376.

(2) «تهذيب الأحكام» 6/ 337 الحديث 938، و «الوسائل» 17/ 219 الحديث 22375.

(3) «الكافي» 5/ 228 الحديث 1، «الوسائل» 17/ 335 الحديث 22695.

71

و هذا كلّه موافق للأصل الذي قرّرنا و الأخبار العامة الدالّة على عدم المؤاخذة بدون العلم، و المقيّدة للإطلاق و الرّخصة حتّى يرد فيه نهي، و ما دلّ بالعموم على أنّ «كلّ ما فيه حلال و حرام فهو حلال حتّى تعرف الحرام بعينه». و القول بأنّ قاعدة الشّبهة المحصورة و وجوب الاجتناب عن الجميع لكونه مقدّمة للواجب أصل، و خروج جوائز الظّالم، و الشّراء من العامل و السّارق بسبب تلك الأخبار، ليس بأولى من أن يقال: قاعدة أصل البراءة الثابتة بالأدلّة العقليّة و النقليّة يقتضي الحلّ. خرجنا عن مقتضاها في الإناءين المشتبهين و الوطء في المشتبهة بالأجنبيّة إن كان إجماعيّا و هو غير معلوم، و القصاص في المشتبه بمحرّم الدّم و نحوها بالدّليل، و بقي الباقي تحت الأصل، مع أنّك قد عرفت بطلان كونه مقدّمة للواجب بمنع الوجوب.

ثمّ إنّ هاهنا قولا آخر و هو أنّ الحلال المشتبه بالحرام يجب التخلّص منه بالقرعة، لما ورد من أنّها لكلّ أمر مشكل‏ (1)، و خصوص بعض الأخبار مثل ما رواه الشيخ الجليل الحسن بن علي بن أبي شعبة في «تحف العقول» (2) عن موسى بن محمّد بن الرضا عن أخيه أبي الحسن الثالث (عليهما السلام) حين سأله يحيى بن أكثم عن مسائل فسأل عنها أخاه (عليه السلام) فأجابه، فكان من جملة تلك المسائل انّه سأله عن رجل أتى الى قطيع غنم فرأى الرّاعي ينزو على شاة منها فلمّا بصر بصاحبها خلّى سبيلها فدخلت بين الغنم كيف تذبح؟ و هل يجوز أكلها أم لا؟

فأجاب (عليه السلام): «إن عرفها ذبحها و أحرقها و إن لم يعرفها قسّم الغنم قسمين و ساهم‏

____________

(1) كما في «البحار» 88/ 234.

(2) ص 477 و 480.

72

بينهما، فإذا وقع على أحد النّصفين فقد نجا النّصف الآخر، ثم يفرّق النّصف الآخر فلا يزال كذلك حتى يبقى شاتان فيقرع بينهما فأيّهما وقع السّهم بها ذبحت و أحرقت و نجا سائر الغنم».

[الجواب عن العمومات في القرعة]

و الجواب عن العمومات في القرعة أنّه لا إشكال فيما نحن [بعد] فيه ما عرفت من الأدلّة عن خصوص الرواية بحملها على الاستحباب، لعدم مقاومتها للعمومات و الخصوصات المتقدّمة أو يعمل بها بالخصوص في هذا المورد، كما يقال بالاجتناب في الإناءين المشتبهين بالدليل الخاصّ به.

قال العلّامة المجلسي (رحمه اللّه) في «الأربعين» بعد ذكر هذه الرّواية: إنّ هذا الخبر يدلّ على أنّ الحلال المشتبه بالحرام يجب التخلّص عنه بالقرعة، اختاره بعض الأصحاب، و هو مؤيّد بما ورد في الأخبار المستفيضة انّ كلّ مشكل فيه القرعة (1). و قيل: يجب الاحتراز عن الجميع من باب المقدّمة. و قيل: يجوز التصرّف فيه أجمع إلّا الاحتراز [الأخير] فإنّه عند التصرّف فيه يعلم أنّه أكل الحرام أو وطء بالحرام و أمثالهما.

و قيل: يحلّ له الجميع لما ورد في الأخبار الصحيحة: «إذا اشتبه عليك الحلال و الحرام فأنت على حلّ حتى تعرف الحرام بعينه»، و هذا أقوى عقلا و نقلا.

و يمكن حمل هذا الخبر على الاستحباب أو العمل به في خصوص تلك المادّة و العمل بتلك الأخبار في سائر الموادّ، و الأحوط اجتناب الجميع في المحصور، و لتفصيل الكلام فيه مقام آخر انتهى كلامه رفع مقامه.

____________

(1) عوالي اللئالي: 2/ 111 الحديث 308، و 3/ 511 الحديث 69.

73

ثمّ إنّ بعضهم‏ (1) أسند الى الأخباريين أقوالا أربعة فيما لا نصّ فيه، و قال:

التوقّف و هو المشهور، و الحرمة ظاهرا، و الحرمة واقعا، و وجوب الاحتياط.

و صرّح بعضهم بأنّ هذه المذاهب فيما إذا احتمل الحرمة و غيرها من الأحكام، أمّا إذا احتمل الوجوب و غيره سوى الحرمة فهم مثل المجتهدين.

أقول: و لعلّ القائل بالحرمة ظاهرا نظر إلى إفادة الأخبار الدالّة على ترك الشّبهات، و أخبار التثليث حكم الشّبهة على الظّاهر و إن كان حلالا في الواقع، بتقريب أنّها حكم الواقعة من حيث إنّها مجهولة لا من حيث هي، و القائل بها واقعا نظر الى ظاهر الحكم، فإنّه يفيد الحرمة واقعا، و لا يخفى ضعفهما بعد ما مرّ.

و أمّا التوقّف و الاحتياط فلم أتحقّق الفرق بين مواردهما.

و قال بعض المتأخّرين‏ (2): إنّ التوقّف عبارة عن ترك الأمر المحتمل للحرمة، و حكم آخر من الأحكام الخمسة، و الاحتياط عبارة عن ارتكاب الأمر المحتمل للوجوب، و حكم آخر ما عدا التحريم كما هو ظاهر موارد التوقّف و الاحتياط، و من توهّم أنّ التوقّف هو الاحتياط، فقد سها و غفل.

[المراد بالتّوقف‏]

أقول: المراد بالتوقّف هو السّكوت عن الفتوى في الواقعة الخاصّة و عدم الإذعان بالمطلوبيّة و المبغوضيّة، و الحاصل، الإذعان بالجهل. ثمّ بعد ذلك فإمّا يحكم بأصالة البراءة و الرّخصة، أو يحكم بلزوم الاحتياط، فالقول بالتوقّف لا ينفكّ عن أحد القولين.

أمّا عن قول المجتهدين، فبأن نحملها على التوقّف عن الحكم للواقعة من حيث‏

____________

(1) و هو الوحيد راجع رسالة أصالة البراءة من «رسائله الأصولية» ص 350.

(2) و هو الفاضل التوني في «الوافية» ص 192 في الجواب عن أدلّة وجوب الاحتياط.

74

الخصوص كما أشرنا سابقا إليه، و ذكرنا أنّ ظاهر أخبار التوقّف أيضا المنع عن العمل بالقياس، و الغرض بيان المنع عن التكليف في تحصيل الحكم الخاصّ بالواقعة من جهة القياس و نحوه، و هو لا ينافي الحكم بأصالة البراءة من جهة أنّها مجهولة الحكم بالعموم لما مرّ من الأدلّة للمختار.

و أمّا عن قول الأخباريين، فبأن نحملها على ذلك و نقول: إنّ الحكم العامّ من حيث الجهالة، هو الاحتياط، إذ لا ثالث.

[المراد بالاحتياط]

و المراد بالاحتياط هو الأخذ بما لا يحتمل الضّرر، أو ما كان أقلّ ضررا سواء كان فعلا أو تركا، كما هو المتبادر منه في العرف و الشّرع، بل هو الظّاهر من أهل اللّغة، و تخصيصها بما احتمل الوجوب و غيره، لا وجه له.

فالظّاهر أنّ كلّ من يوجب الاحتياط يوجب التوقّف عن الحكم الخاصّ، و الحكم بالبراءة الأصليّة عموما، و أنّ القائل بوجوب التوقّف يوجب الاحتياط، و يشهد بما ذكرناه أنّ الفاضل المحدّث الحرّ العاملي (رحمه اللّه) قال في «الوسائل» (1)- باب وجوب التوقّف و الاحتياط في القضاء و الفتوى و العمل في كلّ مسألة نظرية لم يعلم حكمها بنصّ عنهم (عليهم السلام)- ثمّ ذكر في الباب أخبار التوقّف و الاحتياط، و في الباب أيضا مواضع دلالة على ما قلناه. فحينئذ نقول: المجتهدون و الموجبون للاحتياط، كلاهما متوقّفون عن الحكم الخاصّ بالواقعة، و نزاعهم في أنّ الحكم العامّ حينئذ هل هو البراءة الأصلية أو الاحتياط.

و أمّا ما يتوهّم من أنّ المراد من التوقّف، التوقّف عن الإفتاء، و المراد من‏

____________

(1) ج 27 الباب 12 و فيه 68 حديثا.

75

الاحتياط، الاحتياط في العمل، فهو غلط (1). لأنّ من أوجب الاحتياط يفتي بوجوب الاحتياط و الأخذ بما لا يحتمل الضّرر أو لا يكون أقلّ ضررا، لا بأنّ الحكم الخاص للواقعة هو هذا.

و الحاصل، أنّ جعل التوقّف و الاحتياط قولين في المسألة، لا يرجع الى محصّل.

فظهر أنّ ما ذكرناه [ذكرنا] من الآيات و الأخبار الدالّة على التوقّف، بيان لجزء مطلب المحتاطين، و هو التوقّف عن الحكم الخاصّ أو هو مع الحكم بأصالة البراءة.

و أمّا أدلّتهم على وجوب الاحتياط، فها أنا أذكر الكلام في الاحتياط، و يعلم أدلّتهم في تضاعيفه فأقول: قال المحقق (رحمه اللّه) في «المعارج» (2): العمل بالاحتياط غير لازم، و صار آخرون الى وجوبه. و قال آخرون: مع اشتغال الذّمة يكون العمل بالاحتياط واجبا، و مع عدمه لا يجب.

مثال ذلك‏ (3): إذا ولغ الكلب في الإناء فقد نجس، و اختلفوا هل يطهر بغسلة واحدة، أم لا بدّ من سبع؟ و فيما عدا الولوغ هل يطهر بغسلة أم لا بدّ من ثلاث غسلات؟

____________

(1) فالمتوهم يستفيد بعد جهة الخفاء بأنّ المتوقف لا يفتي و المحتاط يفتي فهذا هو الفرق بينهما، و المصنف لا يقول و لا يظن فرقا بينهما بحسب الفتوى و العمل، نعم إنّما الفرق بينهما بحسب التّعبير.

(2) ص 216 في المسألة الثالثة من الفصل الثالث فيما ألحق بأدلّة الأصول و ليس منها.

(3) اي مثال اشتغال الذمّة.

76

احتج القائلون بالاحتياط: بقوله (عليه السلام): «دع ما يريبك الى ما لا يريبك» (1).

و بأنّ الثّابت اشتغال الذّمة يقينيّا فيجب أن لا يحكم ببراءتها إلّا بيقين، و لا يقين إلّا مع الاحتياط.

و الجواب عن الحديث أن نقول: هو خبر واحد لا يعمل بمثله في مسائل الأصول.

سلّمناه لكن إلزام المكلّف بالأثقل مظنّة الرّيبة لأنّه إلزام بمشقّة لم يدلّ الشّرع عليها، فيجب اطراحها بموجب الخبر.

و الجواب عن الثاني أن نقول: البراءة الأصليّة- مع عدم الدلالة الناقلة- حجّة.

و إذا كان التقدير، [تقدير] عدم الدلالة الشرعيّة على الزّيادة، كان العمل بالأصل أولى، و حينئذ لا نسلّم اشتغال الذّمة مطلقا، بل لا نسلّم اشتغالها إلّا بما حصل الاتّفاق عليه، أو اشتغالها بأحد الأمرين.

و يمكن‏ (2) أن يقال: قد أجمعنا على الحكم بنجاسة الإناء و اختلفنا فيما به يطهر، فيجب أن يؤخذ بما حصل الإجماع عليه في الطهارة ليزول [فيزول‏] ما أجمعنا عليه من النجاسة بما أجمعنا عليه من الحكم بالطهارة. انتهى.

أقول: قد عرفت عدم الإشكال في عدم وجوب الاحتياط فيما لا نصّ فيه، و شبهة الموضوع للعقل و النقل، و ستعرف فيما تعارض فيه النصّان في محلّه.

فالقول بوجوب الاحتياط مطلقا لا يحتاج ضعفه الى البيان، و لعلّ القول به مختصّ بالأخباريين.

____________

(1) «الوسائل» 27/ 167 الحديث 33506.

(2) ربما هذا تأييد للقائل بالاحتياط على تقدير الاشتغال.

77

و أمّا ما يظهر من بعض المجتهدين العمل عليه وجوبا كالسيّد (رحمه اللّه) و غيره، فهو في غير ما لا نصّ فيه، بل هو ممّا ثبت اشتغال الذّمة فيه بزعمهم كما لا يخفى على من لاحظ مظانّها، فلاحظ «الانتصار» (1) و «المسائل الناصريّة» (2) و سائر كلمات من ذهب الى هذه الطريقة كالشهيد (رحمه اللّه) في كثير من كلماته.

و أمّا التفصيل‏ (3)، فيحتاج الكلام فيه الى بيان المعنى المراد من اشتغال الذّمة.

فأقول: لا ريب أنّ الأقوى، بل المتعيّن أنّ مع اشتغال الذّمة بشي‏ء لا بدّ من حصول اليقين برفعه أو الظنّ القائم مقامه للاستصحاب، و قولهم (عليهم السلام): «لا تنقض اليقين إلّا بيقين مثله» (4).

[المراد بالاشتغال‏]

و المراد بالاشتغال هو الاشتغال المعلوم، كذلك فالرّافع و المزيل أيضا لا بدّ أن يكون كذلك، و في غيره لم يثبت. فإذا علمنا التكليف بالصلاة في الجملة، فلا يثبت اشتغال ذمّتنا إلّا بما ظهر لنا أنّه صلاة، إمّا بالعلم أو الظنّ الاجتهاديّ بأنّه هو الصلاة، و لم يثبت اشتغال ذمّتنا بما هو صلاة في نفس الأمر خاصّة، فإنّ الألفاظ و إن كانت أسامي للأمور النّفس الأمريّة، و لكنّ التكليف لم يثبت إلّا بما أمكننا معرفته، لعدم توجّه الخطاب الشّفاهي إلينا حتّى نتّبع ظاهر اللّفظ بعد تسليم ظهوره‏

____________

(1) في وجوب القنوت بين كل تكبيرتين من تكبيرات العيد لأنّ باقي الفقهاء لا يراعي ذلك، تمسّكا بأنّه لا يحصل اليقين ببراءة ذمته من الوجوب إلّا بالقنوت. راجع «الانتصار» ص 171.

(2) للسيد المرتضى و كذا «الانتصار».

(3) اي تفصيل الكلام في ردّ القول بوجوب الاحتياط مطلقا، و يحتمل أن يكون المراد بالتّفصيل، التّفصيل المذكور من الأقوال.

(4) «التهذيب» 1/ 8 الحديث 11، و «الوسائل» 1/ 245 الحديث 631.

78

فيه، و عدم ثبوت الاشتراك بسبب الإجماع إلّا بما أمكننا معرفته علما أو ظنّا لاستحالة التكليف بالمحال في بعضها، و لزوم العسر و الحرج المنفيّ في أكثرها، مع أنّا قد أشرنا في مباحث الأخبار الى أنّ طريقة مكالمة الشّارع هي طريقة العرف، فإنّهم يكتفون بظاهر أفهام المكلّفين، فلا يجب على الشّارع أن يتفحّص عن المخاطب أيضا، هل فهم المراد الواقعيّ النفس الأمريّ أو شيئا آخر، فإنّه ممّا لا يمكن غالبا، بل يؤدّي الى التسلسل، إذ إعادة الكلام في تفهيمه أيضا ربّما يكون فيه ذلك المحذور، مع أنّهم (عليهم السلام) كثيرا ما رأوا من المخاطبين غفلتهم و اشتباههم فيما هو مرادهم، فقالوا: أين تذهبون إني قلت كذا و هو فهم كذا، و مع ذلك فيكتفون بمجرّد ظهور فهم المراد و الظنّ به أيضا. فلم يعلم من الخطابات المتوجّهة الى المشافهين إلّا تكليفهم بما بيّنوه لهم و أعلموهم أنّه هو الصلاة مثل قوله (صلى الله عليه و آله) و سلم:

«صلّوا كما رأيتموني أصلي» (1). أو أمكنهم معرفة أنّه هو الصلاة، و لم يظهر أنّ الخطابات المتوجّهة إليهم كان خطابا بما في نفس الأمر مع عدم علم المخاطبين بما في نفس الأمر حتّى يقال: إنّا أيضا مشتركون معهم في ذلك للإجماع على الاشتراك. و لا ريب أنّ الظنّ الاجتهاديّ فيما يعلم مدخليّته في العبادة، يحصل في جانب العدم و أصل البراءة، و عدم العلم بغيره و لا الظنّ به.

فإذا رأينا الأدلّة متعارضة في وجوب السّورة في الصّلاة و لم يحصل لنا مرجّح، فالظنّ الاجتهاديّ يفيد التخيير (2) عقلا و نقلا، و لم يثبت علينا في تحصيل ماهيّة الصلاة و المعرفة بها إلّا متابعة الظنّ الاجتهاديّ، و هو في عدم‏

____________

(1) «عوالي اللئالى» 3/ 85 الحديث 75.

(2) التّخيير فيما تعارض فيه النصّان.

79

الوجوب حينئذ.

و أمّا فيما لم يتعارض فيه النصّان لعدم بلوغ نصّ فيه إلينا، كما شكّ في مدخليّة شي‏ء في العبادة و عدمها، مثل بعض الحركات و الأفعال القليلة التي لم يعلم اشتراط عدمها في الصّلاة، و شكّ في مدخليّة تركها فيها، فنقول أيضا: الأصل عدم مدخليّة ذلك في العبادة، و الأصل براءة الذّمة عن التكليف به فيها، إذ لم يثبت من أدلّة وجوب الصلاة إلّا هذا المقدار من الأجزاء و الشّرائط، فإنّ تكليفنا ليس إلّا تحصيل الظنّ بتلك الماهيّة و لم يثبت اشتغال ذمّتنا بتحصيل أزيد من ذلك.

و القول بعدم جواز العمل بالظنّ الاجتهاديّ و وجوب الاحتياط في أوّل الأمر كلام سخيف و خيار ركيك لا يذهب إليه‏ (1) الأفهام المستقيمة، كما حقّقناه سابقا في مباحث الأخبار، و كلامنا في هذا المقام بعد الفراغ من أنّ الظنّ الاجتهاديّ حجّة، و إشكالنا في وجوب الاحتياط و عدمه فيما لم يحصل ظنّ من جهة الأدلّة غير الأصل، مع أنّ تحصيل اليقين في الصلاة من جهة قراءة السّورة، لا يجدي في صيرورة الصّلاة هي الصّلاة النفس الأمريّة، لاشتمال الصّلاة على مسائل لا تحصى، لا يمكن تحصيل القطع في جميعها كما أشرنا إليه ثمّة، و ما بعضه قطعيّ فليس جميعه بقطعيّ.

فالقول بأنّ اشتغال الذمّة بماهيّة العبادة يوجب وجوب الاحتياط في أجزائها المشكوكة من غير نصّ ضعيف جدّا، فضلا عما شكّ فيه من جهة تعارض النّصوص.

نعم، القول بأنّ اشتغال الذمّة يقينا يوجب تحصيل القطع بالبراءة، يصحّ فيما لو

____________

(1) بتقدير (ذوي).

80

شكّ في حصول الماهيّة الثابتة بالدّليل المفروغ عنها في الخارج، بسبب الشّك في حصول بعض أجزائها و هو معنى الاستصحاب، و مقتضى قولهم: لا تنقض اليقين بالشّك أبدا، و هذا مثل ما لو شك في فعل الصلاة مع بقاء الوقت أو في بعض أجزائها ما لم يدخل في آخر، الى غير ذلك ممّا لا يحصى.

و أمّا ما ذكره المحقّق‏ (1) من مثال الولوغ، فالمفصّل يقول: إنّ الذمّة مشغولة بوجوب تطهير الإناء، و لا يحصل اليقين به إلّا بالسّبع.

و فيه: أنّه لم يثبت اشتغال الذمّة في التطهير إلّا بأحد الأمرين أو بأقلّهما، لأنّه هو المتيقّن الثبوت، و المجمع على ثبوته، و إن لم يكن مجمعا على مطهريّته.

فالتطهير تكليف مغاير لوجوب الاجتناب عن الإناء، و هذا التكليف اختلفت فيه الأمارتان، فإذا لم يترجّح أحدهما على الآخر فنقول: مقتضى الأدلّة التخيير و هو مقتضى أصل البراءة.

[في استصحاب وجوب الاجتناب‏]

و أمّا استصحاب وجوب الاجتناب فهو أمر آخر، و هو أيضا مستصحب يمكن أن يكون مؤيّدا لإحدى الأمارتين و هو أمارة السّبع، و هذا ليس معنى استصحاب شغل الذمّة بالتطهير المقتضي لإيجاب السّبع، فإنّ التطهير تكليف جديد ورد فيه أمارتان مستقلّتان، و حكم التعارض فيهما التخيير و جواز اختيار الأقلّ، فحينئذ نقول: الأصل براءة الذمّة عن وجوب التطهير إلّا بما تيقّن اشتغالها به، و هو الغسل مرّة، و الآخر منفيّ بالأصل و إن كان استصحاب النجاسة يؤيّد العمل بالسّبع، و هذا هو مراد المحقق‏ (2) (رحمه اللّه)، لا أنّ اشتغال الذّمة بوجوب الاجتناب عنه الذي هو معنى‏

____________

(1) في «المعارج» ص 216.

(2) يعنى انّ المحقّق يريد بما مرّ من قوله: و يمكن أن يقال قد أجمعنا ما ذكرناه من أنّ‏

81

النجاسة يقتضي أن يكون المطهّر هو السّبع لا غير، فإنّه لا يقتضي إلّا وجوب حصول ما يرفع النجاسة في نفس الأمر. فلمّا أمكن تحصيل العلم بالرّافع بالظنّ الاجتهاديّ، فمقتضى الظنّ الاجتهاديّ هو الاكتفاء بالواحد كما اقتضاه التخيير، فلا منافاة بين العمل على مقتضى استصحاب النجاسة و العمل على كون الرّافع هو الغسلة الواحدة، لأنّ الظنّ الاجتهاديّ يقوم مقام العلم و اليقين الرّافع لليقين، فنقول حينئذ: الاستصحاب، و قولهم (عليهم السلام): «لا تنقض اليقين إلّا بيقين». يقتضي أنّ النجاسة في الإناء المذكور ثابتة (1) حتّى يحصل في الخارج ما ثبت رافعيّته لها في نفس الأمر، لا أنّها ثابتة حتّى يثبت رافعيّة ما هو ثابت في نفس الأمر.

سلّمنا، لكن نقول: قد ثبت رافعيّته بالأمارة الشرعيّة، و هو التخيير بين الأمارتين المقتضي للاكتفاء بالأقلّ، و بسبب اختلاف الاستصحاب في الموارد

____________

- استصحاب النجاسة يؤيّد العمل برواية السّبع و يوافقه، و لا يريد انّه يقتضي أن يكون المطهّر هو السّبع بالبيان الذي ذكره المصنّف، و لكن لا يخفى انّ ما ذكره من البيان لا يلائم ظاهر كلام المحقّق، بل ظاهر كلامه سواء كان عن جانب القائل بالاحتياط و كان مختار، هو انّ النجاسة المتيقنة الاجماعية لا ترتفع إلا بيقين كذلك، و لا تكفي الأدلّة الظنيّة في رفع ذلك اليقين، فلا يحكم بالطهارة بدون سبع و إن لم يحكم أيضا بأن المطهّر هو السّبع لا غير، فالمطهّر الواقعي مشكوك أي غير متيقن انّه الغسلة الواحدة أو الغسلات السّبع فتستصحب النجاسة الى حصول المطهّر الإجماعي هو السّبع كما عن حاشية الملا محمد تقي الهروي.

(1) أي أنّ النجاسة ليست ثابتة حتى يثبت رافعية ما هو ثابت الرّافعية في نفس الأمر حتى يترتب عليه بقاء النجاسة من بعد الغسلة الواحدة، لأنّه لم يثبت رافعيّته عندنا، و لو سلّمنا بقاء النجاسة حتى يثبت الرّافعية عندنا فنقول قد ثبت رافعية الغسلة الواحدة عندنا أيضا بالأمارة الشرعية.

82

من جهة المطابقة لأصل البراءة و عدمها، ربّما يتوهّم أنّ الاستصحاب قد يصير مؤسّسا لإثبات حكم شرعيّ كما يقال: إنّ استصحاب الطهارة يدلّ على أنّ المذي ليس بناقض، فأثبت الاستصحاب هذا الحكم، أعني عدم الناقضيّة لهذا الموضوع، أعني المذي.

و كذا فيما نحن فيه، يقال: إنّ استصحاب النجاسة و اشتغال الذمّة بالاجتناب هو الذي أوجب السّبع، و هذا غفلة، إذ المقتضي للحكم بعدم الناقضيّة هو أصل البراءة (1) و التخيير بين الأمارتين، فإنّ الأمارتين في المذي قد تعارضتا في أنّه ناقض للوضوء أم لا، و أصالة البراءة و عدم ثبوت التكليف بالطّهارة الجديدة و عدم ترجيح إحدى الأمارتين على الأخرى المقتضي للتخيير، أثبت هذا الحكم.

و المتوهّم قد توهّم أنّ المثبت له هو استصحاب الطّهارة، و هو كما ترى، فإنّه إنّما يثبت بقاء الطّهارة لو لم يثبت رافعه الواقعيّ.

فإذا فرضنا موضع هذا المثال، أنّ الوضوء التّجديديّ إذا ظهر مسبوقيّته بالحدث، فهل يكون رافعا للحدث أم لا، و تعارض الأمارتان فيه، فمقتضى التخيير و الأصل هو كونه رافعا، و إن كان مقتضى استصحاب الحدث هو العدم.

ففيما نحن فيه نقول: إنّ استصحاب النجاسة و إن كان يقتضي عدم الطهارة إلّا بالسّبع، و لكنّ استصحاب براءة الذمّة عن التكليف بالسّبع، و تكافؤ الأمارتين الموجب للتخيير أثبت الاكتفاء بالأقلّ.

____________

(1) أورد عليه في «الإشارات» بأنّ الأصل بنفي التكليف و النّاقضية حكم وضعي، و بأنّ التخيير فرع التّكافؤ و ما دلّ على عدم ناقضيّته مؤيّد بما دلّ على حصر النّواقض عمل الجمهور و الإجماعات المنقولة، كما عن الملا محمد تقي الهروي.

83

و لعلّه الى ما ذكرنا ينظر كلام العضديّ كما فسّره التفتازاني، قال في الاستصحاب: و أكثر الحنفيّة على بطلانه، فلا يثبت به حكم شرعيّ.

قال التفتازاني: كأنّه يشير الى أنّ خلاف الحنفيّة في إثبات الحكم الشرعي دون النفي الأصلي، و هذا ما يقولون: إنّه حجّة في الدّفع لا في الإثبات، حتّى أنّ حياة المفقود بالاستصحاب يصلح حجّة لبقاء ملكه لا لإثبات الملك له في مآل مورثه.

أقول: (1) و الوجه في ذلك أنّ أصالة عدم انتقال المآل الى المفقود ينافي ما يقتضيه استصحاب البقاء، فيحتاج في إثبات الانتقال الى دليل آخر.

فحاصل مراد المحقّق: أنّه لا يمكن التمسّك في إثبات السّبع باشتغال الذّمة بالتطهير، لأنّه لم يثبت إلّا بأحد الأمرين أو بالأقلّ خاصة.

نعم، يمكن أن يقال بما هو موافق لترجيح السّبع من جهة الاستصحاب، و أنت خبير بأنّ الأصل و الاستصحاب لا يعارضان الدليل. و قد عرفت أنّ الدليل- و هو التخيير بين الأمارتين- موجود، و مقتضاه الاكتفاء بالأقلّ.

و إن شئت قل: هناك تعارض الأصلان‏ (2) و لا مرجّح لأحدهما، أو الترجيح للمتأخّر، فعلم بما حقّقناه أنّه لا نزاع في وجوب الاحتياط إذا ثبت اشتغال الذمّة، و النّزاع إنّما هو في موضوع الاشتغال و عدم الاشتغال، فالنّزاع [بالنّزاع‏] لفظيّ‏ (3).

____________

(1) فالعضدي مقصوده ليس ما فهمه التفتازاني، بل مقصوده من قوله: فلا يثبت به حكم شرعي، انّ استصحاب الوجودي معارض باستصحاب العدمي فلا يكون حجّة لأجل المعارض إلّا إن كان له مرجحا آخر.

(2) أراد بالأصلين المتعارضين استصاب النجاسة المقتضي لإيجاب الأكثر و أصل البراءة من الزّائد المقتضي للاكتفاء بالأقل.

(3) و نحن نرى بأنّ الاشتغال لم يثبت إلا بالقدر الذي ثبت من النص و الاجماع و بما علم‏

84

[كلام المحقق الخوانساري‏]

نعم، هنا كلام آخر و هو ما ذكره المحقّق الخوانساري (رحمه اللّه) في «شرح الدّروس» (1) بعد ما اختار هو أيضا ما اخترناه من جواز التمسّك بالأصل و عدم وجوب الاحتياط في ماهيّة العبادات أيضا. قال في مسألة استعمال الماء المشتبه بالنجس في ردّ الاستدلال على عدم جواز التوضّؤ: بأنّ اشتغال الذمّة متيقّن و لا يزول بالصّلاة، و معه أنّ اليقين بوجوب الصّلاة يقتضي اليقين بالإتيان بأجزائها و شرائطها التي تثبت بالدّليل، و قد علمت أنّه لم يثبت بالدّليل سوى اشتراطها بالطهارة بالماء، و بعدم التطهير بالماء [بالمياه‏] المتنجّسة المتيقّنة أو المظنونة على وجه، و هذا ليس منها.

سلّمنا ثبوت اشتراطها بالماء الطاهر، لكن نقول: إنّه طاهر بالوجه الذي قرّرنا.

نعم، لو حصل يقين بالتكليف بأمر، و لم يظهر معنى ذلك الأمر، بل يكون متردّدا بين أمور، فلا يبعد حينئذ القول بوجوب تلك الأمور جميعا ليحصل اليقين بالبراءة.

و كذا لو قال الآمر: إنّ الأمر الفلانيّ مشروط بكذا، و لم يعلم أو يظنّ المراد من كذا، فعلى هذا أيضا الظّاهر وجوب الإتيان بكلّ ما يمكن أن يكون كذا حتّى يحصل اليقين أو الظّن بحصوله. انتهى ما أردناه.

و صرّح بعدم وجوب الاحتياط في أجزاء العبادة و شرائطها في مواضع كثيرة أخر أيضا.

____________

- من الأدلّة، فلو شك ما ثبت أو في جزء منه بعد كونه في محلّه للزم الاحتياط فيما ندّعيه بالقول إنّ الاشتغال في الواقع و نفس الأمر إلّا ما ثبت من الأدلّة فقط، فاللازم تحصيله بالاحتياط فالكبرى مسلّمة و الصغرى مختلفة فالنزاع إذا لفظي.

(1) «مشارق الشموس» 1/ 281.

85

و يمكن ان يكون مراده بما استثناه بقوله: نعم ... الخ. مثل الأمر بقضاء الفائتة المنسيّة المتردّدة بين الخمس‏ (1)، و مثل اشتراط صحة الصّلاة بعدم التكفير المختلف في تفسيره بأنّه وضع الكفّ اليمنى على اليسرى أو بالعكس، أو غير ذلك مثل من اشتبه عليه الأمر في وجوب القصر في الصلاة أو الإتمام، أو الظّهر و الجمعة.

و نقول: و إن كان مقتضى النظر الجليل هو ما ذكره (رحمه اللّه)، و لكن دقيق النظر يقتضي خلاف ذلك، فإنّ التكليف بالأمر المجمل المحتمل لأفراد متعدّدة بإرادة فرد معيّن عند الشّارع مجهول عند المخاطب، مستلزم لتأخير البيان عن وقت الحاجة (2)، الذي اتّفق أهل العدل على استحالته و كلّ ما يدّعى كونه من هذا القبيل فيمكن منعه، إذ غاية ما يسلّم في القصر و الإتمام و الظهر و الجمعة و أمثالهما، أنّ الإجماع وقع على من ترك الأمرين بأن لا يفعل شيئا منهما يستحقّ العقاب، لا أنّ من ترك أحدهما المعيّن عند الشّارع المبهم عندنا، بأن ترك فعلهما مجتمعين يستحقّ العقاب.

و نظير ذلك مطلق التكليف بالأحكام الشرعيّة سيّما في أمثال زماننا على مذهب أهل الحقّ من التخطئة، فإنّ التحقيق أنّ الذي ثبت علينا بالدّليل هو تحصيل ما يمكننا تحصيله من الأدلّة الظنّية، لا تحصيل الحكم النّفس الأمريّ في كلّ واقعة، و لذلك لم نقل بوجوب الاحتياط، و ترك العمل بالظنّ الاجتهاديّ في أوّل الأمر أيضا.

نعم، لو فرض حصول الإجماع أو ورود النصّ على وجوب شي‏ء معيّن عند

____________

(1) راجع «الفصول» ص 359، ففيه زيادة بيان في المقام.

(2) و قد لا ينهض هذا الكلام لإمكان خفاء البيان علينا و عدم وصوله إلينا.

86

اللّه مردّد عندنا بين أمور، من دون اشتراطه بالعلم به المستلزم ذلك الفرض لإسقاط قصد التعيين في الطّاعة لتمّ ذلك، و لكن لا يحسن حينئذ قوله: فلا يبعد حينئذ القول بالوجوب، بل لا بدّ من القول باليقين و الجزم بالوجوب، و لكن من أنّ أين هذا الفرض، و أنّى يمكن إثباته.

و حكاية التكليف بثلاث صلوات فيمن فاتته إحدى الخمس، إنّما هو بالنصّ و الدليل الخاصّ، لا لأنّه مكلّف بالإتيان بذلك المجهول، و لا يتمّ إلّا بالمجموع، و لذلك اقتصر المجهول على الثلاث دون الخمس كما ذهب اليه بعضهم. فإنّ الأوّل هو مورد النصّ، و لو كان ذلك من جهة امتثال التكليف للمجهول من باب المقدّمة التي هو الاحتياط، للزم الخمس خصوصا مع ملاحظة وجوب الجهر و الإخفات.

و بالجملة، لو لم يكن النصّ لم نقل بوجوب قضاء المنسيّة (1) على المختار من كون القضاء بالفرض الجديد، و عموم الأوامر الدالّة على وجوب قضاء ما فات لا يشمل المجهول، لما ذكرنا من استحالته، و لأنّه خلاف ظاهر تلك الأوامر، فإنّ ظاهرها صورة العلم، فلاحظها.

و لو قلنا: بالوجوب، لقلنا: إنّه لم يثبت إلّا العقاب على ترك جميع المحتملات لا على ترك الفائت النّفس الأمريّ حتى يلزم الإتيان بالجميع كما أشرنا.

____________

(1) فيه: أنّ مقتضى الأصل لزوم الخمس و الاكتفاء بالثّلاث لأجل النص، لا أنّ الأصل عدم وجوب شي‏ء أو عدم وجوب ما زاد عن واحدة و الالتزام بالثّلاث للنص، ثم إنّ مواضع النّظر في سائر كلامه أيضا ظاهرة كما انّ عدم الحاجة الى السّؤال بقوله: فإن قلت، نعم و الى جوابه مع ما فيها من التّكليفات ظاهر أيضا. هذا كما عن حاشية الهروي.

87

فإن قلت‏ (1): نعم، جهالة المأمور به توجب استحالة طلبه، و لكن تأخير البيان عن وقت الحاجة دليل على إرادة فعل كلّها، فلا مانع من الأمر بقضاء المنسيّة مع جهالته و تأخير البيان، فيكشف ذلك من إرادة كلّها لئلّا يلزم المحذور، و ذلك نظير من يحمل المفرد المحلّى في مثل قوله تعالى: وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ (2) على العموم، على القول باشتراكه بين العهد و الجنس و الاستغراق، فيجب أن يحمل الأمر بقضاء الفائت على كلّ الخمس، و كذلك النّهي عن التكفير على كلّ محتملاته.

قلت: مع أنّ هذا ليس إتيانا بالاحتياط و التزاما للأفراد المتعدّدة لأجل تحصيل المكلّف به كما هو المطلوب، بل هو الإثبات لإرادة العموم و هو شي‏ء آخر.

يرد عليه: أنّه لم يتوجّه إلينا خطاب حتّى يجري فيه ما ذكر، و لعلّه كان البيان موجودا و اختفى علينا، فلا بدّ أن يبيّن حكم مثل ذلك، مضافا الى أنّ إخراج كلام الحكيم عن اللّغوية و الإغراء بالجهل القبيح [بالقبيح‏] كما يحصل بالحمل على العموم، فقد يحصل بالتخيير، لم لا يكون تأخير البيان مع تعدّد الاحتمال قرينة للتخيير، فإذا فرض الأمر بالاعتداد بالقرء مثلا مع عدم البيان، فنقول: إنّ ذلك قرينة على التخيير.

و كذلك الكلام في الفريضة المنسيّة لو فرض ثبوت دليل على وجوبها بنفسها، مع أنّ الفائدة في الإتيان بالكلّ إن كان هو تحصيل اليقين بالمكلّف به الواقعي، فلا ريب أنّه لا يحصل بذلك أيضا، لأنّ اشتراط قصد التعيين في الامتثال بالمكلّف به، من المسائل الاجتهادية، و هو ممّا لا يمكن هنا، فمع عدمه كيف يحصل اليقين‏

____________

(1) و هو إيراد على قوله: و عموم الأوامر الدّالة على وجوب القضاء.

(2) البقرة: 275.

88

بأنّه هو، و مجرّد المطابقة في عدد الركعات‏ (1) لا يكفي في الإتيان به، سيّما مع المخالفة في الجهر و الإخفات.

و كما أنّ عدد الركعات دخيل في الماهيّة، فالنيّة و الجهر و الإخفات أيضا كذلك، إلّا أن يقال بعد تسليم تعلّق الخطاب و وجوب تحصيل البراءة عمّا في نفس الأمر، فيكتفى بالظنّ مع تعذّر العلم، و هو إنّما يتمّ في الإتيان بالجميع، لأنّ الصلاة الموافقة للفائتة في العدد أقرب إليها من المخالفة.

و يدفعه: أنّ غاية ذلك، أنّ ذلك أقرب البدلين، و مطلوبك إثبات وجوب الإتيان بقضاء الفائت لا ببدله. و مرادنا من هذه البدليّة غير مثل المغايرة الحاصلة لأصل الفائت المعلوم مع تداركه، فإنّه ممّا لا مناص عنه، بل المراد من البدليّة هنا بدل القضاء لا بدل الأداء، فإنّ الفرد الموافق للفائت في العدد فيما بين الخمس، بدل من القضاء المتعيّن في صورة العلم، كما أنّ إحدى الخمس على التخيير أيضا بدل عنها، و أحد البدلين و إن كان أقرب من الآخر و أرجح، لكن لم يثبت وجوب البدليّة عن القضاء، و ما يتمسّك به هنا هو أدلّة وجوب القضاء لا بدل القضاء.

و من هذا القبيل‏ (2) النهي عن البهيمة الموطوءة المجهولة في جملة قطيع، و لكنّ النصّ ورد هناك بالقرعة، و هو أيضا مشكل‏ (3) لمعارضته بما ذكرنا من الأدلّة العقليّة، و قد بيّنا الحال فيها.

____________

(1) في نسخة الأصل (الركعة).

(2) بمعنى انّ من قبيل الأمر بقضاء الفوائت النهي من البهيمة الموطوءة، انّ النّهي تعلّق بنفس الحرام لا بما احتمله، فحينئذ بعد فرضنا عدم علمنا به لا يجب الاجتناب عن الجميع.

(3) فالعمل بالنّص كالاجتناب بالجميع مشكل.

89

و أمّا الكلام في مثل التّكفير (1)، فلعلّ الكلام فيه أيضا يرجع الى الكلام في الشّبهة المحصورة، و قد حقّقنا أنّه لا يجب فيها الاجتناب عن الجميع، للأصل، و لقوله (عليه السلام): «كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه» (2). و من هذا الباب الصلاة فيما شكّ في كونه ممّا يجوز فيه الصلاة و عدمه، كالمشتبه بالخزّ و المشتبه بفضلة غير المأكول، كالعظم المردّد بين كونه من البعير أو الفيل.

و كذلك الكلام في صورة اشتباه القبلة، فإنّ الأصل عدم وجوب الاستقبال حينئذ، إذ لم يثبت من الأدلّة إلّا حال الإمكان. و ظهر من ذلك ضعف الاستدلال بأنّه مكلّف بالصلاة مستقبلا و هو لا يتمّ إلّا بالصلاة الى أربع جوانب.

نعم، استدلال المشهور على ذلك برواية خراش‏ (3) و هي مع ضعفها معارضة بنصوص صحيحة تدلّ على كفاية الصلاة الواحدة بأيّ جهة شاء.

و ممّا ذكرنا (4) يظهر ضعف القول بوجوب الجمع بين الظهر و الجمعة لمن اشتبه عليه الأمر، و كذلك القصر و الإتمام في الأربعة فراسخ، و نحو ذلك ممّا تعارضتا

____________

(1) الذي عرفت من الكلام السّابق في مسألة المحقّق السّبزواري.

(2) «الكافي» 5/ 313 ح 30.

(3) محمد بن الحسن بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن العباس عن عبد اللّه بن المغيرة عن اسماعيل بن عباد عن خراش عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

قلت جعلت فداك إنّ هؤلاء المخالفين علينا يقولون: إذا أطبقت علينا أو أظلمت فلم نعرف السّماء كنّا و أنتم سواء في الاجتهاد، فقال: ليس كما يقولون، إذا كان ذلك فليصل لأربع وجوه «الوسائل» 4/ 311 الحديث 5239، و مثله في «التهذيب» 2/ 45، الحديث 145، و «الاستبصار» 1/ 295 الحديث 1086.

(4) من عدم وجوب اتيان الجميع في الشّبهة.

90

فيه الأمارتان أو اختلفت الأمّة فيها على قولين، لأنّ المقتضى تعارض الأمارتين و الاحتمالين التّخيير [لأن مقتضى تعارض الأمارتين و التّخيير و الاحتمالين‏]، و الأصل عدم وجوب التعيين لمن لم يثبت عليه الخصوصيّة، و التكلّف بأحدهما المعيّن عند الشّارع المجهول عند المكلّف، لم يثبت لما أشرنا سابقا، مع أنّه لا معنى للاحتياط هنا لحرمة (1) كلّ منهما على فرض ثبوت الآخر، فالمكلّف المحتاط و إن كان خرج بزعمك عن تبعة ترك الواجب لأجل إتيانه بمحتملاته، لكنّه بقي عليه تبعة ارتكاب المحرّم الواقعيّ جزما.

و لا ريب أنّ ارتكاب ما لم يعلم فيه ارتكاب الحرام، و احتمل فيه إتيان الواجب أسلم من ارتكاب ما علم فيه ارتكاب الحرام و إتيان الواجب.

فإن قلت: (2) فعلى هذا يلزم حرمة الجمع، لعدم الدّليل على فعله فيكون تشريعا فلا معنى لاستحبابه، بل جوازه أيضا.

قلت: التشريع المحرّم إنّما هو إدخال ما ليس من الدّين، أو شكّ أنّه منه بقصد أنّه منه، لا الإتيان بما احتمل أن يكون منه رجاء أن يكون منه، فالإتيان بهما مجتمعا باعتقاد أنّه أحد أفراد المأمور به، و أنّ التكليف مردّد بين كلّ منهما منفردا، و كليهما مجتمعا، ليس عليه دليل، بل هو تشريع محرّم، و لكنّ الإتيان بهما من حيث إن كلّا منهما يحتمل أن يكون نفس مطلوب الشّارع الواقعيّ الذي نابه‏

____________

(1) هذه الحرمة تشريعية لا شرعية فترتفع بالاحتياط كما ذكر السيد علي القزويني في حاشيته.

(2) اي على ما ذكرت من منع الاحتياط في مسألة الظهر و الجمعة يلزم حرمة الجمع مع أنّك معترف باستحباب الاحتياط على نحو الجمع. فأجاب انّ ما ذكرنا يرد على صورة وجوب الاحتياط لا رجحان الاحتياط.

91

التخيير بينهما في حال الاضطرار، فلا دليل على حرمته، و الأصل جوازه، و لكنّه يحتاج الى إثبات رجحان ذلك فإنّ العبادة مشروطة به، و مبنى ذلك‏ (1) هو أنّ المكلّف به حينئذ هو أحدهما تخييرا، لكنّه إذا فعل أحدهما لأجل الامتثال ثمّ فعل الآخر لاحتمال أن يكون هو المراد في نفس الأمر الذي له مصلحة خاصّة و إن لم يكن مطلوبا منه بالخصوص رجاء أن يحصل له تلك المصلحة مع عدم اعتقاد أنّ الجميع من أفراد المأمور به، فهو إتيان بما يرفع احتمال فوت هذه المصلحة منه.

و لمّا كان المستفاد من الكتاب العزيز: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ‏ (2). فلعلّ في هذا الفعل حسنة تذهب السّيئة، ففعله احتياط بهذا المعنى، و هو حسن.

____________

(1) و هو مبنى عدم التّشريع في صورة رجاء المطلوب، و في الحاشية لملا محمد تقي الهروي: هذا مبنى الرّجحان على مختاره في عدم وجوب الاحتياط، و أمّا على ما اخترناه من وجوبه فالمبنى هو انّ الشّى‏ء المعيّن الذي هو الواجب فى الواقع لا يحصل الامتثال به على وجه اليقين إلّا بالفعلين فيكون كل منها راجحا، بل واجبا من باب المقدمة العلمية، فيأتي بكلّ منهما بنيّة الاحتياط و رجاء حصول الواجب به، أي يقصد أنّ الواجب يحصل به أو بصاحبه، لا يقصد حصوله به بخصوصه، و حينئذ فلا يلزم تشريع أصلا. و ظاهر ما يأتي من المصنّف (رحمه اللّه) حيث يقول، و لقائل انّ يمنع التّشريع ... الخ إلّا أنّ احتمال التّشريع على مختارنا من وجوب الفعلين أقوى، و لعل وجهه تخيّل أنّ وجوب كل منهما يوجب أن يقصد بكل منها حصول الواجب المعيّن به بخصوصه و هو تشريع. و فيه: أنّه لا يوجب ذلك، بل مقتضى كون كل منها مقدمة للعلم بحصول الواجب هو ما ذكرناه من أنّه ينوي بكل منهما حصول الواجب به أو بصاحبه أي يأتي بكل منهما لا بالجزم بأنّه الواجب الأصلي المعيّن في الواقع ليلزم التّشريع، بل رجاء انّه هو، و هذا ليس تشريعا، بل ناف للتشريع.

(2) هود: 114.

92

و يشمله عموم مثل قوله (عليه السلام): «دع ما يريبك الى ما لا يريبك» (1). فإنّه محمول على مطلق الرّجحان كما سيجي‏ء بيانه.

و من هذا القبيل ما يفعله الصّلحاء من إعادة عباداتهم بعد زيادة معرفتهم بمسائل العبادات، كما هو المنقول عن أعاظم العلماء و الصّلحاء مع عدم قيام دليل على وجوبه، بل و لا نصّ بالخصوص على فعله كما صرّح به الشهيد (رحمه اللّه) في «قواعده» مع أنّ ذلك أيضا لا يوجب تحصيل اليقين كما لا يخفى، فانّ تعيين النيّة من المسائل الخلافيّة، و إنّما يجوز هذا الفعل عند من يكتفي بالنيّة المتردّد فيها.

و كذلك الكلام في إعادة الوضوء احتياطا لمن يشكّ في الحدث.

قال الشهيد (رحمه اللّه): فطريق الاحتياط لا يحصل بمجرّد الفعل في مسائل الأحداث أو الشّك في الطهارات، بل ينبغي إيجاد السّبب اليقينيّ ثمّ الفعل، لأنّ الفعل مع النيّة المشكوك فيها كلّا فعل عند بعض الأصحاب. انتهى.

هذا و لقائل أن يمنع التشريع على القول بالوجوب أيضا إذا جعل من باب المقدّمة، فالأولى منع الوجوب.

[كلام الشهيد في «الذكرى»]

و ذكر الشهيد (رحمه اللّه) في «الذكرى» (2) كلاما لا بأس بذكره، قال في خاتمة مباحث الأوقات: اشتهر بين متأخّري الأصحاب قولا و فعلا الاحتياط بقضاء الصّلاة بتخيّل اشتمالها على خلل، بل جميع العبادات الموهم فيها ذلك. و ربّما تداخلوا [تداركوا] ما لا مدخل للوهم في صحّته و بطلانه في الحياة و في الوصيّة بعد الوفاة، و لم نظفر بنصّ في ذلك بالخصوص، و للبحث فيه مجال، إذ يمكن أن يقال‏

____________

(1) «الوسائل» 27/ 167 الحديث 33506.

(2) «ذكرى الشيعة» ص 138.

93

بشرعيّته بوجوه، منها:

قوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ‏ (1)، و فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏ (2)، وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ‏ (3)، وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا (4)، وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ (5).

و قول النبيّ (صلى الله عليه و آله) و سلم: «دع ما يريبك الى ما لا يريبك» (6)، و: «إنّما الأعمال بالنيّات» (7)، و: «من اتّقى الشبهات استبرأ لدينه و عرضه» (8). و قوله (عليه السلام) للمتيمّم لمّا أعاد صلاته لوجود الماء في الوقت: «لك الأجر مرّتين»، و الذي لم يعد: «أصبت السّنّة» (9)، و قول الصادق عليه الصلاة و السلام في الخبر السّالف: «انظروا الى عبدي يقضي ما لم أفترض عليه» (10)، و قول العبد الصالح (عليه السلام) في مكاتبة عبد اللّه بن وضّاح: «أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة و تأخذ بالحائطة لدينك» (11).

____________

(1) آل عمران: 102.

(2) التغابن: 16.

(3) الحج: 78.

(4) العنكبوت: 69.

(5) المؤمنون: 60.

(6) «الوسائل» 27/ 167 الحديث 33506.

(7) «الوسائل»: 1/ 48 الحديث 89.

(8) «الوسائل» 27/ 173 الحديث 33527.

(9) «سنن أبي داود» 1/ 86 الحديث 338.

(10) «الوسائل» 4/ 77 الحديث 4556.

(11) «الوسائل» 4/ 177 الحديث 4840.

94

و ربما يخيّل المنع بوجوه، منها:

قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (1)، و: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ‏ (2) وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (3)، و فتح باب الاحتياط يؤدّي إليه. و قول النبيّ (صلى الله عليه و آله) و سلم: «بعثت بالحنيفية السّمحة السّهلة» (4).

و روى حمزة بن حمران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «ما أعاد الصلاة فقيه [قطّ] يحتال لها و يدبّرها حتّى لا يعيدها» (5).

و الأقرب الأوّل، لعموم قوله تعالى: أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى‏ عَبْداً إِذا صَلَّى‏ (6)، و قول النبيّ (صلى الله عليه و آله) و سلم: «الصلاة خير موضوع فمن شاء استقلّ و من شاء استكثر» (7).

و لأنّ الاحتياط المشروع في الصلاة من هذا القبيل، فإنّ غايته التجويز. و لهذا قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «و إن كنت صلّيت أربعا كانتا هاتان نافلة لك» (8). و لأنّ إجماع شيعة عصرنا و ما راهقه‏ (9) عليه، فإنّهم لا يزالون يوصون بقضاء العبادات مع فعلهم إيّاها و يعيدون كثيرا منها قضاء و أداء، و النهي عن إعادة الصلاة هو في‏

____________

(1) البقرة: 185.

(2) النساء: 28.

(3) الحج: 78.

(4) «البحار» 66/ 42.

(5) «الوسائل» 8/ 248 الحديث 10556.

(6) القلم: 10.

(7) «مستدرك الوسائل»: 3/ 43 الحديث 2972.

(8) «الوسائل» 8/ 218 الحديث 10467.

(9) بمعنى قاربه يقال: يجب الصوم على الغلام إذا راهق الحلم أي قاربه، من قولهم: راهق الغلام مراهقة فهو مراهق، إذا قارب الاحتلام و لم يحتلم.

95

الشّك الذي يمكن فيه البناء. انتهى كلامه (رحمه اللّه).

[قول الميرزا في أدلّة الطّرفين‏]

أقول: و للنظر في أكثر أدلّة الطرفين مجال واسع يظهر لمن تأمّلها، و لكن ما ذكره الشهيد- مع ما تحقّق في محلّه من المسامحة في أدلّة السّنن الثابتة بالإجماع و الأخبار المعتبرة- يكفي في جواز هذا الاحتياط و استحبابه، و يدلّ عليه قول أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام لكميل بن زياد: «أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت» (1). و سنبيّن وجه دلالته، هذا و لكن خوف الوقوع في الوسواس حاصل في البناء على الاحتياط و هو الغالب الوقوع في أكثر النّاس، فمن خاف الوقوع فيه فلا يظهر رجحان الاحتياط له، و قد أشرنا الى ذلك في مباحث الأخبار أيضا فلاحظ (2).

ثمّ إنّ الاحتياط هو الأخذ بما هو أوقى للنفس من الهلاك في صورة الاحتمال لا في صورة الجزم، فالإتيان بالواجب المعلوم و ترك المحرّم كذلك ليس باحتياط، فكلّ ما دلّ عليه الدليل و اقتضاه فليس باحتياط، فمثل الإتيان بالفعل المشكوك فيه من أفعال الصلاة ممّا لم يتجاوز محلّه، و الشّك في فعل الصلاة ما دام وقته باقيا، و الشّك في عدد الركعات الثنائيّة و الثلاثيّة ما دام في الصلاة و أمثال ذلك، حكمه وجوب الإتيان، للأصل و الاستصحاب، فالمظنون العدم.

و أمّا منع خروج الوقت في الصلاة و الدّخول في الفعل اللّاحق في أجزائها، فالظّاهر من حال المسلم الاتيان بها، و هو مظنون، فلا يجب ذلك فيها لذلك أو

____________

(1) «الوسائل» 27/ 167 الحديث 33509.

(2) الوجه الخامس من قانون الاختلاف في حجية خبر الواحد العاري عن القرائن من مبحث السنة ج 2 ص 435.

96

لأجل تساوي الطرفين و أصالة البراءة، مع أنّ الشّارع نصّ على المذكورات، فلا حاجة الى التمسّك بالقاعدة.

و أمّا البناء على الأكثر في الرّباعيّة، فهو و إن كان خلاف الاحتياط من هذه الجهة، لكن مع ملاحظة جبره بصلاة الاحتياط، فهو أيضا يصير من هذا القبيل.

و الحقّ أنّ أمثال هذه المقامات لا يحسن إيرادها في هذه المسألة، و قد وافقنا فيه الشهيد (رحمه اللّه) فإنّ دأبه في «القواعد» الإتيان بما يمكن تحقّق القاعدة فيه مع قطع النظر عن النصّ، و إن ورد فيه النصّ أيضا.

و قد يروى أنّه يذكر في قاعدة نفي العسر و الحرج‏ (1) القصر و التيمّم و نحوهما، و في قاعدة الاحتياط (2) أمثال ما ذكرنا.

ثمّ إنّه (رحمه اللّه) قال في آخر القاعدة (3): أمّا ستارة الخنثى كالمرأة، و جمعها بين إحرامي الرّجل و المرأة، فالأقرب وجوبه لتساوي الاحتمالين، و من هذا الباب الجمع بين المذاهب مهما أمكن في صحة العبادة و المعاملة.

أقول: و ما ذكره ممنوع، و هذا باب مطّرد شائع في الفقه تجري فيه المسألة، فإنّهم كثيرا ما يستشكلون في حكم الخنثى، فتراهم يختلفون في وجوب الاجتناب من الحرير عليها و ذلك لعدم ورود النصّ فيها بالخصوص، فهي مكلّفة جزما، لكنّها لا تعلم أنّ تكليفها تكليف الرجل أو المرأة، فمن يوجب الاحتياط عليها الاجتناب عن الحرير في الصلاة. فقال في «الذكرى» (4): يحرم على‏

____________

(1) في القاعدة الثانية المشقة موجبة لليسر من «القواعد و الفوائد» 1/ 123.

(2) من «القواعد و الفوائد» 1/ 310 القاعد [107].

(3) [107] من 1/ 312.

(4) «ذكرى الشيعة» ص 145.

97

الخنثى لبسة حرير أخذا بالاحتياط. و قال في «المدارك» (1): هل يحرم على الخنثى لبس الحرير؟ قيل: نعم، أخذا بالاحتياط. و قيل: لا، لاختصاص التحريم بالرّجل، و الخنثى ليست رجلا على اليقين. و كذلك في مسألة السّتر، قال في «الذكرى» (2): و الأقرب إلحاق الخنثى بالمرأة في وجوب السّتر، أخذا بالمبرئ للذّمة، و هكذا.

و مقتضى ما اخترناه في أصل المسألة التخيير و براءة ذمّتها عن زيادة التكليف، و خالف في «الذكرى» (3) هذه الطريقة في مسائل الجهر و الإخفات، فقال:

الخنثى تتخيّر في الجهر و الإخفات، و إن جهرت في مواضع الجهر فهو أولى، إذا لم يستلزم سماع من يحرم سماعه.

و أمّا ما ذكروه من وجوب الصلاة على جميع القتلى إذا اشتبه الكافر بالمسلم بنيّة الصلاة على المسلمين معلّلا بعدم حصول الامتثال إلّا بذلك، فمع أنّ الأكثر اعتبروا مراعاة كميش الذّكر (4) فيه للرّواية الواردة في فعله (صلى الله عليه و آله) و سلم بقتلى بدر في‏

____________

(1) «مدارك الأحكام» 3/ 177.

(2) ص 140.

(3) ص 190.

(4) ممّا يفيد الختان، و في الحديث كما عن «مجمع البحرين» «لا توار- يعني من القتلى- إلّا كميشا» يعنى من كان ذكره صغيرا، قيل: و لا يكون ذلك إلّا في كرام الناس. و انّ هذا دليل النّجابة، و المسلم هو النّجيب، قال في «اللمعة و روضتها البهية»: و يجب مواراة المسلم المقتول في المعركة دون الكافر فإن اشتبه بالكافر فليوار كميش الذّكر أي صغيره، لما ورد من فعل النبي (صلى الله عليه و آله) و سلم ذلك في قتلى بدر، و قال (صلى الله عليه و آله) و سلم: لا يكون ذلك إلّا في كرام الناس. و قيل يجب دفن الجميع احتياطا و هو حسن، و القرعة وجه، و أمّا-

98

مواراة من كان منهم كذلك فيه، أنّه لا دليل عليه حينئذ، و التكليف لم يثبت بالصلاة على من هو مسلم في نفس الأمر، بل المسلّم إنّما هو الصلاة على من علم إسلامه.

نعم، لو ثبت الإجماع على وجوبه إذا لم يتميّز ملاحظة الذّكر أيضا مع إسقاط قصد التعيين في الامتثال، فللوجوب على الجميع وجه كما أشرنا سابقا (1).

و ذهب بعضهم هنا الى وجوب القرعة، و ضعّفه في الذكرى‏ (2) و قال: إنّ محلّها الإشكال في مواضع مخصوصة، و لو اطّردت القرعة لجنح إليها فيما اختلف فيه من الأحكام، فيستغني عن الاجتهاد فقهاء الإسلام.

أقول: و إن سلّم كون القرعة فيه ضعيفا لعدم ثبوت الوجوب و الإشكال في الأمر، لكن ما ذكره أضعف، فإنّ التمسّك بالقرعة في موضوع الحكم بعد ما ثبت تعلّق الحكم به مطّرد لعموم الحديث الوارد فيها من أنّها لكلّ أمر مشكل، حتّى أنّ السيّد الجليل ابن طاوس (رحمه اللّه) ذهب الى العمل بالقرعة في الصلاة الى أيّ الجهات للمتحيّر.

و أمّا استنباط الفتاوى و الأحكام بالقرعة، فهو ممّا دلّ الإجماع على خلافه و خرج من العموم بالدّليل، كما صرّح هو (رحمه اللّه) في «القواعد» (3)، فإنّه بعد ذكر مقامات ما يجري فيه القرعة، مثل أئمّة الصّلاة عند الاستواء في المرجّحات، و الأولياء في تجهيز الميّت مع الاستواء، و الموتى في الصلاة و الدّفن مع الاستواء

____________

- الصلاة عليه فهي تابعة للدفن، و قيل يصلّى على الجميع و يفرد المسلم بالنيّة و هو حسن، انتهى.

(1) في ذيل كلام المحقق الخوانساري في قضاء الفائت كما في الحاشية.

(2) ص 54.

(3) ج 2 ص 23.

99

في الأفضلية و عدمها، و بين المزدحمين في الصفّ الأوّل مع استوائهم في الورود، و في المزاحمة في الدّعاوى، و الدّروس، و تعارض البيّنات و غير ذلك. قال:

و لا تستعمل في العبادات غير ما ذكرنا [ه‏] و لا في الفتاوى و الأحكام المشبهة [المشتبهة] إجماعا.

و أقول: ما ذكره من عدم استعمالها في غير ما ذكره في العبادات [العبارات‏] ينافي ما نقلناه عن ابن طاوس و إن كان ضعيفا أيضا لما أشرنا إليه سابقا.

[استدلال القائل بوجوب الاحتياط بروايات‏]

ثمّ إنّ القائل بوجوب الاحتياط استدلّ بروايات منها قوله (صلى الله عليه و آله) و سلم: «دع ما يريبك الى ما لا يريبك».

و فيه: بعد سلامة السّند و جواز إثبات مثل هذا الأصل بمثل هذا الخبر (1)، أنّ القائل بوجوب الاحتياط يقول به في الفتوى و العمل و الفتوى بالاحتياط، سيّما إذا كان حاصلا من الجمع بين المذاهب كما أشار إليه الشهيد في «القواعد» (2) و صار شاقّا على المكلّف. و تحميل هذه الكلفة على عباد اللّه محلّ الرّيبة و الخوف عن المؤاخذة، مع أنّ ملّة النبيّ (صلى الله عليه و آله) و سلم سمحة سهلة، و العسر و الحرج منفيّان بالكتاب و السّنة. فالرّواية مقلوبة على المستدلّ كما نبّه عليه كلام المحقّق السّابق‏ (3)، مع أنّ العدول عن الاستحباب الى الوجوب فيما تردّد الأمر بينهما يوجب قصد الوجوب فيما يحتمل كونه مستحبّا في نفس الأمر، و جواز مثل ذلك‏

____________

(1) و قد مرّ عن المحقق في «المعارج» ص 216 في الجواب عن الحديث بأنّه خبر واحد لا نعمل بمثله في مسائل الأصول، سلّمنا، لكن إلزام المكلّف بالأثقل مظنّة الرّيبة لأنّه إلزام مشقة لم يدل الشّرع عليها، فيجب إطراحها بموجب الخبر.

(2) في 1/ 312 القاعدة [107].

(3) الحلّي صاحب «معارج الأصول».

100

إنّما يتمّ على القول بعدم اعتبار نيّة الوجه، و لم يظهر من أدلّة الاحتياط أنّ عدم الاعتبار بنيّة الوجه هو الاحتياط، مع قطع النّظر عن عدم التمكّن ممّا هو مطلوب في الواقع من الجهات الأخر أيضا، و صيرورة بعض أجزاء المركّب قطعيّا لا يوجب قطعيّة نفسه، كما مرّ ذكره مرارا.

هذا مع أنّا بعد ما ورد من الأدلّة القاطعة في أنّ الحكم فيما لم يبلغنا فيه نصّ أو دليل شرعيّ عامّ أو خاصّ، هو الإباحة كما أشرنا، فلا يبقى لنا ريبة حتّى ندعه الى ما لا يريبنا.

و كذا فيما تعارض فيه الأمارتان، فإنّ الأدلّة من العقل و النقل دلّت على أنّ الحكم فيها التخيير أو الإباحة و الرّجوع الى أصل البراءة لتساقطهما، فأين الرّيبة، مع أنّه لو كان الاحتياط واجبا لم تخل الأخبار الواردة في علاج المتعارضين عن ذكر الاحتياط، و التي ذكر فيها الاحتياط ليس إلّا قليل منها، و دلالتها على الوجوب أيضا ممنوعة، مع أنّه يمكن أن يمنع دلالة الرّواية على المطلوب بأن يقال: الرّيبة هنا بمعنى التهمة، يعني: دع ما يوجب وقوعك الى التهمة الى ما لا يوجبه.

قال الجوهري‏ (1): الرّيب: الشّك، و الرّيب: ما رابك من أمر، و الإسم: الرّيبة- بالكسر- و هي التّهمة و الشّك. انتهى.

فيكون مفاد الحديث مفاد قولهم: اتّقوا مواضع التّهم، مع أنّ الظّاهر عدم الصّحة

____________

(1) في «الصّحاح» 1/ 141.

101

فيما نحن فيه‏ (1) إن أردنا التشكيك، فإنّ المناسب للعمل بالأصل أو التخيير أنّه عمل بما لا يوجب اليقين بالبراءة، لا بما يوجب الشّك، و الحمل على إرادة أن لا تفعل ما يحدث الشّك، بمعنى أنّه يبدّل يقين عدم حصول المأمور به بالشّك في [الشك‏] حصوله بعيد، مع أنّه يلزم حينئذ التفكيك بين الرّيبتين، فإنّه يصير حينئذ معنى قوله (صلى الله عليه و آله) و سلم: «الى ما لا يريبك»، الى ما لا يوجد معه شكّ في حصول الامتثال، و إن حصل اليقين بارتفاع عدم الامتثال.

و إنّما قلنا ذلك لأنّ الشّك إنّما يكون سنوحه و حدوثه إذا ثبت هناك يقين السّابق، و اليقين السابق هو عدم الامتثال، و المقصود بالذّات ليس إبقاء ذلك العدم، بل اليقين بتحقّق الامتثال، و اللّفظ إنّما يناسب الأوّل، و لكنّه لا يصحّ.

فالظّاهر أنّ مراده (عليه السلام) هو ترك ما يوجب التهمة، و يرفع طهارة الذّيل و نظافة السّاحة، و إطلاق التّهمة على من يسلك سبيل الاحتياط بعيد.

هذا كلّه، مع أنّ المطلوب إن كان الاجتناب عن المشكوك فيه الى المتيقّن، فهو يشمل ما يحتمل الاستحباب أو الكراهة مع الإباحة، فيلزم إمّا إخراج المستحبّ و المكروه و إرادة مطلق الرّجحان من صيغة الأمر، لعدم جواز استعمال اللّفظ في معنييه كما حقّقناه في محلّه، و الثاني يوجب بطلان الاستدلال و الأوّل بعيد، فالأولى حمل الرّواية على الاستحباب، و كيف كان فهو لا يقاوم أدلّة أصالة البراءة فنحملها على الاستحباب.

____________

(1) يعني عدم صحة الاستدلال بهذه الرّواية فيما نحن فيه، يعني في الشّبهة التّحريمية أو حتى في مطلق الشّبهة التي قلنا فيها بالبراءة، و اختار الأخباريون في مثلها الاحتياط إن أريد بالرّيب في الرّواية الشّك.

102

و منها: ما نقل عن أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام أنّه قال لكميل بن زياد:

«أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت».

و فيه:- بعد الإغماض عن السّند (1)- أنّه لا يدلّ إلّا على الرّخصة بقرينة التقييد بمشيّة المخاطب، غاية الأمر الاستحباب.

فإنّ الظّاهر أنّ المراد حصر الأخ في الدّين إدّعاء من قبيل قولهم: الأسد زيد، يعني هو هو. فكما أنّ الاحتياط لحفظ الأخ و تعاطي ما هو مصلحته مركوز في طبيعتك لا حاجة الى الأمر به، فكذلك لا بدّ أن يكون دينك، و لا مانع لك من جهة الشّارع من أخذ ما هو حائطة له، و يستحبّ أن تأخذ بما هو الحائط له بما شئت.

و منها: ما رواه الشيخ عن الحسن بن محمّد بن سماعة عن سليمان بن داود عن عبد اللّه بن وضّاح قال: كتبت الى العبد الصّالح (عليه السلام): يتوارى القرص و يقبل اللّيل، ثمّ يزيد اللّيل ارتفاعا و يستر عنّا الشمس، و ترتفع فوق الجبل حمرة و يؤذّن عندنا المؤذّن، فاصلّي حينئذ و افطر إن كنت صائما، أو أنتظر حتّى تذهب الحمرة التي فوق الجبل؟ فكتب (عليه السلام) إليّ: «أرى لك أن تنتظر حتّى تذهب الحمرة و تأخذ بالحائطة لدينك» (2).

____________

(1) رواه الحسن بن محمد بن الحسن الطوسي عن أبيه عن المفيد عن علي بن محمد الكاتب عن زكريا بن يحيى التميمي عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري عن الرضا (عليه السلام) كما هو في «الوسائل» 27/ 167، و في «أمالي الشيخ المفيد» المجلس الثالث و الثلاثون يحيى بن زكريا الكتنجي يكنّى أبا القاسم ذكره الشيخ فيمن لم يرو عنهم (عليه السلام) قال: و لقي العسكري، و في النسخ «زكريا بن يحيى» مقلوبا و هو تصحيف.

و إلّا فقد وثّق النّجاشي زكريا بن يحيى التّميمي و كذا داود بن القاسم الجعفري و في علي بن محمد بن حبيش الكاتب مراجعة.

(2) «الوسائل» 4/ 176 الحديث 4840.