القوانين المحكمة في الأصول - ج3

- الميرزا القمي المزيد...
231 /
103

و فيه:- بعد الاغماض عن السند (1)- أنّه لا دلالة فيها على ما نحن فيه، إذ الظّاهر أنّ الحمرة المشكوك فيها هي المتردّدة بين كونها من شعاع الحمرة المغربيّة أو من نور الشمس، فوق الأفق اللّائحة على ذروة الجبل على القول بكفاية استتار الشمس‏ (2)، بحيث لا يبقى ضوؤها في الجبال و الجدران و نحوهما، و حينئذ فلا ريب في وجوب الاحتياط لأجل استصحاب عدم الغروب.

و إن شئت فقل: لأجل اشتغال الذّمة الثّابتة بصلاة المغرب على الظّاهر، لصحّة إطلاق اشتغال الذّمة حينئذ. فإنّ الظّاهر من حال المكلّف الصّحيح السّالف المشرف بالوقت الشّاك في تحقّقه كونه مكلّفا بالفعل، فيصحّ أن يقال: لو فعل الصلاة حينئذ فلا يبرئ ذمّته، و يبقى شغل ذمّته مستصحبا. و قد عرفت أنّ التمسّك بالأصل لا يجوز في مثله، و قد ذكرنا في بحث الأمر مع علم الآمر بفقد الشّرط ما يوضّح هذا المطلب.

سلّمنا، لكنّها لا تدلّ إلّا على الاستحباب كما لا يخفى على من لاحظ الاسلوب.

و منها: ما رواه الشيخ (رحمه اللّه)(3) عن عليّ بن السّندي عن صفوان عن عبد الرحمن‏

____________

(1) ربما لسليمان بن داود فإنّه ليس بالمتحقّق بنا، و لم يذكره الشيخ في الرجال، و هذا غريب، و نقل العلّامة عن ابن الغضائري تضعيفه، و المجلسي في «الوجيزة» قال بضعفه، و لا يبعد أن يكون الشاذكوني لقبا له و لأبيه، و قد ذهب السيد الخوئي الى وثاقته بعد ما وثّقاه النّجاشي و علي بن ابراهيم.

(2) من غير حاجة الى زوال الحمرة المشرقية.

(3) في «التهذيب» 5/ 517 الحديث 1631، و رواه في «الوسائل» 13/ 46 الحديث 17201 بسند آخر عن محمد بن يعقوب مثله إلّا ان فيه فقال: لا بل عليهما أن يجزي كل واحد منهما الصيد».

104

بن الحجّاج قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجلين أصابا صيدا و هما محرمان، الجزاء بينهما أم على كلّ واحد منهما جزاء؟ فقال (عليه السلام): «لا، بل عليهما جميعا و يجزي كلّ واحد منهما الصّيد». فقلت: إنّ بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه.

فقال: «اذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا، فعليكم بالاحتياط حتّى تسألوا عنه فتعلموا».

و فيه: بعد سلامة السّند- (1) أنّ ذلك لا ينافي العمل بالأصل إذ هو مشروط باليأس عن الدّليل عند مظنّته، و هو موقوف على التتبّع التامّ، كما سنذكره. فكما أنّ الآن لا يمكننا الحكم بأصل البراءة حتّى نتفحّص عن الأدلّة، فكذلك أصحاب الأئمّة (عليهم السلام)، إذ هم أيضا كثيرا ما ظهر لهم أنّ للشي‏ء حكما بالإجمال و لم يعرفوه بالتفصيل، و عرفوا أنّهم مكلّفون بالسّؤال و التحصيل، سيّما فيما ورد أحكامهم في نوعه، مثل مسألة جزاء الصيد و نحوه، و قد عرفت ما يبيّن هذا المقصد في مبحث الاستقصاء في الفحص عن المخصّص. و يظهر من ذلك المبحث بطلان قول من لا يوجب الفحص مطلقا.

و أمّا ما قيل في الجواب: من أنّ ذلك ممّا ثبت فيه اشتغال الذّمة بشي‏ء مجمل له فردان، و المطلوب فرد واحد معيّن عند الشّارع مبهم عند المخاطب، و ذلك ممّا لا خلاف في وجوب الإتيان بما يحصل اليقين ببراءة الذمّة، فقد عرفت بطلانه بما لا مزيد عليه‏ (2). و دعوى عدم الخلاف مع ما عرفت كلام المحقق (رحمه اللّه) و نقله‏

____________

(1) حسن كالصّحيح.

(2) فقد علم بأنّ شرط التّكليف العلم التّفصيلي، و انّ التّكليف بالشّي‏ء المعيّن عند الشّارع المبهم عند المكلّف لا يصحّ.

105

الأقوال الثلاثة كما ترى.

و منها: ما رواه ابن أبي جمهور في «عوالي اللئالي» (1) عن العلّامة (رحمه اللّه) مرفوعا الى زرارة «قال: سألت الباقر عليه الصلاة و السلام فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيّهما آخذ؟ فقال (عليه السلام): يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك و دع الشّاذ النادر. فقلت: يا سيّدي إنّهما معا مشهوران مرويّان مأثوران عنكم. فقال (عليه السلام): خذ بما يقول أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك. فقلت:

إنّهما معا عدلان مرضيّان موثّقان. فقال (عليه السلام): انظر الى ما وافق منهما مذهب العامّة فاتركه و خذ بما خالفهم، فإنّ الحقّ فيما خالفهم. فقلت: ربّما كانا معا موافقين لهم أو مخالفين، فكيف أصنع؟

فقال (عليه السلام): إذن فخذ فيه بالحائط لدينك و اترك ما خالف الاحتياط.

فقلت: إنّهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له، فكيف أصنع؟

فقال (عليه السلام): إذن فتخيّر أحدهما فتأخذ به ودع الآخر».

و فيه:- بعد تسليم السّند- أنّه معارض بأقوى منه ممّا دلّ على التخيير (2) أو براءة الذّمة عن التكليف من جهة التساقط و الرّجوع الى الأصل كما سيجي‏ء في آخر الكتاب إن شاء اللّه تعالى.

بل، ببعض الأخبار [أخبار] التوقّف الدّالة على الأخذ بأحدهما من باب التسليم أيضا (3)، غاية الأمر تعارض تلك الأخبار الواردة في العلاج و تساقطهما، فيرجع الى‏

____________

(1) 4/ 133 الحديث 229.

(2) و ذلك قبل إعمال النّظر في المرجّحات كما هو في الأخبار.

(3) لما كان يتوهم أنّ أخبار التّوقف موافقة لأخبار الاحتياط و مؤيّدة لها، و انّ المتوقفين-

106

أصل البراءة أيضا، فالأولى حمل الرّواية- مثل نظائرها- على الاستحباب.

و قد يؤيّد ذلك بصحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي ابراهيم (عليه السلام)(1) قال:

«سألته عن الرّجل يتزوّج المرأة في عدّتها بجهالة، أ هي ممّن لا تحلّ له أبدا؟

فقال (عليه السلام): لا، أمّا إذا كان بجهالة فليتزوّجها بعد ما تنقضي عدّتها، و قد يعذر النّاس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك.

فقلت: بأيّ الجهالتين يعذر، بجهالته أن يعلم أنّ ذلك محرّم عليه، أم بجهالته أنّها في عدّة؟

فقال (عليه السلام): إحدى الجهالتين أهون من الاخرى، الجهالة بأنّ اللّه حرّم عليه ذلك، و ذلك بأنّه لا يقدر على الاحتياط معها.

فقلت: فهو في الأخرى معذور؟

قال: نعم، إذا انقضت عدّتها فهو معذور في أن يتزوّجها». الحديث.

فظهر من الرّواية جواز ترك الاحتياط مع إمكان أن يحصل العلم بأنّها في العدّة، و أنّ الاحتياط أحسن كما يشعر به كلمة: أهون‏ (2).

____________

- هم القائلون بالاحتياط كما لا يخفى على من راجع الأقوال المنسوبة الى الأخباريين أشار المصنّف بكلمة التّرقي الى أنّ خبر «الغوالي» كما انّه معارض بما دلّ على التخيير أو البراءة كذلك معارض أيضا ببعض أخبار التّوقف كالمروي في «الكافي» عن سماعه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه أحدهما يأمر بأخذه و الآخر ينهاه عنه، كيف يصنع؟ قال (عليه السلام): يرجئه حتى يلقاه من يخبره، فهو في سعة حتى يلقاه، و في رواية أخرى بأيّهما أخذت من باب التّسليم وسعك. انتهى كلام «الكافي» كما عن الملا محمد تقي الهروي.

(1) الكافى 5/ 431 باب 273 الحديث 3 كما في «الوسائل» ج 20/ 451 الحديث 26068.

(2) و كذا في «الوافية» ص 193.

107

تنبيه [: إعمال أصل البراءة قبل الشّرع‏]

لا إشكال في جواز إعمال أصل البراءة قبل الشّرع، سيّما في الأشياء النّافعة الخالية عن المضرّة، بل العقل يحكم بالإباحة لما مرّ.

و أمّا بعد بعث النبيّ (صلى الله عليه و آله) و سلم و بعث الشّريعة، فلا ريب أنّ المكلّفين يرون كثيرا من المنافع التي لم تبلغ عقولهم الى مضارّها منهيّة عنها، و كثيرا من الأمور التي لم تبلغ عقولهم الى منافعها و حصول الضّرر في تركها مأمورا بها، ففيما لم تبلغهم حقيقة الأمر من جهة عدم كونهم مجاورين في خدمة النبيّ (صلى الله عليه و آله) و سلم مستمرّين في صحبته يتردّدون في كون ذلك باقيا على حاله الأوّل أو ورد فيه حكم، فلا يحكم العقل حينئذ بالإباحة جزما، لخوف الضّرر إلّا بعد الفحص و السّؤال. ثمّ إذا لم يبلغهم شي‏ء بعد ذلك، فيحكم أيضا بالإباحة و البراءة، ثمّ تستمرّ هذه السّجيّة الى زمان الغيبة، بل يصير ذلك فيها أظهر (1)، فلا يجوز العمل بالأصل من دون فحص لذلك‏ (2). و لأنّه‏ (3) يوجب انطواء باب الشّرع في غير الضّروريّات لو بني الأمر

____________

(1) يصير الفحص و البعث و السّؤال في زمن غيبته (عليه السلام) أظهر من زمن ظهوره، لأنّ أسباب الخلط و الاختلال و الاشتباه فيه كثير، بل نقول إنّ العلم الإجمالي باختلاف الأدلة إنمّا حصل في زمن الغيبة دون زمن الحضور، فمقتضى الفحص في زماننا موجود دون زمن الحضور.

(2) اي لخوف الضّرر.

(3) اي عدم لزوم الفحص يوجب نفي الشّرع لأنّ كثيرا من الأحكام الشرعية غير ضرورية و ربما يعتبر البعض أكثرها لإجمالها فلا تفيد شيئا، فلو بني على أصالة البراءة و الإباحة لم يبق في الشّرع الشّريف أكثر الأحكام، هذا دليل آخر للزوم الفحص عند العمل إلّا انّه لا يخفى عليك أنّ هذا الدّليل لا يدل على لزوم الفحص في كل مسألة، بل يدل على مقدار من المسائل بحيث لو لم تفحص للزم نفي الشّرع.

108

عليه، و لم يثبت لإعمال أصل البراءة شرط غير ذلك.

و لكنّ بعض المتأخّرين‏ (1) ذكر هنا لجواز العمل بأصل البراءة و أصالة النّفي و أصالة عدم تقدّم الحادث شروطا ثلاثة، و نحن نذكرها محرّرا كلامه عمّا لا يحتاج إليه، و [أو] لا يمكن توجيهه، و نطوّل الكلام بدفعه.

الأوّل: أن لا يكون إعمال الأصل مثبتا لحكم الشرعي [شرعي‏] من جهة أخرى، مثل أن يقال في الإناءين المشتبهين، أو الثّوبين المشتبهين الأصل عدم وجوب الاجتناب عن أحدهما، فإنّه يوجب الحكم بوجوب الاجتناب عن الآخر، أو يقال في الماء الملاقي للنجاسة المشكوك كرّيته: الأصل عدم بلوغه كرّا، فإنّه يوجب الاجتناب عنه، أو يقال في الكرّ التدريجيّ الحصول الملاقي للنجاسة: الأصل عدم تقدّم حصول الكرّية، فإنّه يوجب الحكم بالنجاسة.

الثاني: أن لا يتضرّر بسبب التمسّك به مسلم، مثل ما لو فتح إنسان قفصا لطائر فطار، أو حبس شاة فمات ولدها، أو أمسك رجلا فهربت دابّته، فالتمسّك بالأصل‏ (2) يوجب تضرّر المالك، و يمكن أن يندرج تحت قاعدة الإتلاف الموجب للضمان، أو يكون المراد بقوله (صلى الله عليه و آله) و سلم: «لا ضرر و لا ضرار». ما يشمل ما نحن فيه، فلا بدّ للمفتي التوقّف، و لصاحب الواقعة الصّلح.

الثالث: أن لا يكون ذلك الأمر جزء عبادة مركّبة (3)، بل المثبت لتلك الأجزاء

____________

(1) و هو الفاضل التوفي في «الوافية» ص 193.

(2) فالتّمسك بأصالة عدم ضمان الفاتح و الحابس و المتمسّك يوجب ضرر المالك.

(3) أي لا يكون ذلك الأمر الذي يريد أن ينفى بالأصل جزء عبادة لو ثبت جزئيّته، لأنّ المثبت لتلك الأجزاء الموجودة هو النص لا بالأصل، هذا مفاد عبارته كما نقل عنه في باب الصّحيح و الأعم.

109

هو النصّ، و في الكلّ نظر.

أمّا الأوّل: فلأنّ العقل يحكم بجواز التمسّك بأصل البراءة إذا لم يثبت دليل على شي‏ء. فإذا فرض كون الاستدلال به موجبا لشغل الذمّة من جهة أخرى، فلا وجه لمنعه، لأنّ ذلك‏ (1) دليل أيضا، و ليس ذلك إثبات الحكم من غير دليل.

مثلا: إذا شكّ في اشتغال ذمّته بدين عظيم، و كان له مال يستطيع به الحجّ لولاه، فالتمسّك بأصالة البراءة عن ذلك الدّين يوجب إيجاب الحجّ عليه، و ذلك غير مخالف لعقل و لا نقل، بل هو موافق لهما.

و أمّا ما ذكره من الأمثلة التي أوجبت وقوعه في هذا التوهّم، فكلّها غير منطبقة على مدّعاه.

أمّا الأوّل‏ (2): فلأنّ الدّليل قام على وجوب اجتنابهما من النصّ و الإجماع، و لذلك لا يصحّ التمسّك بالأصل.

و أمّا ما لا دليل عليه بالخصوص كالدّرهم الحرام في دراهم محصورة، فلا دليل على وجوب اجتناب الجميع، و يمكن جريان الأصل فيه و لا مانع من استلزامه الحكم بوجوب الاجتناب عن الباقي، سيّما مع ملاحظة الأخبار الواردة فيه كما تقدّم.

____________

(1) أي كون الأصل دليلا، فهذا ليس إثبات الحكم من غير دليل.

(2) إنّ مسألة الإناءين المشتبهين في شبهة محصورة لا ريب في وجوب اجتنابهما بالنصّ و الإجماع و لذا يقول بوجوب اجتنابهما حتى من لا يذهب الى وجوب اجتناب الشّبهة المحصورة، بمعنى أنّ العلم الإجمالي منجّز للتكليف بأنّ أجري في أحدهما بعينه فهو معارض بالآخر، و إن اجري بأحدهما لا يعينه فهو معارض بآخر لا بعينه، فقول المصنّف: إنّ النصّ و الاجماع أوجبا لعدم جريان الأصل لا أنّه مثبت لحكم شرعي لا يخفى ما فيه لما عرفت.

110

و أمّا الثاني: فالظّاهر أنّه فرضه فيما حصل الماء تدريجا، و إلّا، فقد يبقى ماء في الغدير بعد ما كان كثيرا غاية الكثرة، فلا معنى للأصل هنا.

و حينئذ (1) نقول: إنّ التمسّك بأصالة عدم الكرّيّة صحيح، و لا يوجب ذلك الحكم بوجوب الاجتناب عمّا لاقاه، لمعارضته باستصحاب طهارة الماء و طهارة الملاقي‏ (2).

و لو فرض‏ (3) محلّ يستلزم حكما كما لو أردنا بذلك الماء تطهير نجس، فلا مانع من استلزام التمسّك بأصالة عدم الكرّيّة فيه الحكم بعدم جواز التطهير منه كما أشرنا سابقا. كما أنّ التمسّك بأصالة طهارة الماء (4) كما يوجب رفع وجوب الاجتناب عنه، يثبت وجوب التّوضّؤ به، فلا يجوز التيمّم.

و أمّا الثالث: ففيه‏ (5): أنّ المراد بأصل عدم تقدّم الحادث، التمسّك بالعدم‏

____________

(1) أي و حين إذ كان مراده من المثال ما ذكرنا.

(2) و لا يخفى عليك أيضا، بأنّ هذه المعارضة موجودة في الدّرهم الحرام في دراهم محصورة.

(3) اي لو فرض إجراء أصالة عدم الكريّة يستلزم حكما أي يكون له معارضا.

(4) لا يخفى عليك بأن التمسّك بأصالة الطهارة أيضا لا يثبت وجوب التّوضؤ به لمعارضته بأصالة عدم رفع الحدث.

(5) حاصل المراد أنّ الشك في تقدم الحادث و تأخّره قد يكون بالنّسبة الى نفس الحادث، مثلا قد علمنا بنزول المطر و لكن نشك نحن بأنّ أوّل نزوله كان في يوم الخميس أو الجمعة، فهنا نقول: بأنّ الأصل عدم تقدّمه عن يوم الجمعة، ففي المثال نقول: الأصل عدم تقدّم الكريّة عن الزّمن الذي علم بكريّته التي نعلم تقدّم النجاسة عنه، سواء كان الزّمن الذي علمنا فيه ظرف حصوله في الواقع أو ظرف العلم محال لا يوجب الحكم بالنجاسة في المثال، و قد يكون بالنّسبة الى حادث آخر فحينئذ-

111

الأوّلي المعلوم بالنّسبة الى وجود ذلك الحادث بعينه، فيقال: الأصل عدم تقدّم الحادث على الزّمان الذي علم بوجوده، سواء كان ذلك الزّمان ظرف الحصول في الواقع، أو ظرف العلم فقط.

و أمّا إذا لوحظ أحد الحادثين بالنّسبة الى الآخر، فلا يمكن دعوى أصالة عدم تقدّم وجود أحدهما على الآخر، فإنّ الحادثين المتحقّقين في الخارج اللّذين لم يعلم تقدّم أحدهما على الآخر، فنسبة التقدّم و التأخّر في الوجود إليهما متساوية، فلا يمكن التمسّك بأصالة عدم تقدّم أحدهما على الآخر، و هذا هو الوجه في عدم الجواز.

نعم‏ (1)، يمكن أن يقال: إذا استعمل من ذلك الماء ثمّ علم بالنجاسة، و شكّ في أنّ الكرّية مقدّمة أم وقوع النجاسة، و أنّ الاستعمال هل كان بعد النجاسة أم قبله، فيمكن أن يتمسّك بأصالة عدم تقدّم النجاسة على الاستعمال، و ذلك ليس لأصالة عدم تقدّم أحد الحادثين‏ (2) على الآخر، بل لأنّ العلم بالنجاسة لمّا كان متأخّرا عن الاستعمال، و أصالة العدم الملحوظ بالنّسبة الى النجاسة مستصحبة الى أنّ العلم بها، فيظنّ بقاء عدم النجاسة الى حين حصول العلم و الاستعمال، أيضا قد

____________

- يتعارض أصالة عدم تقدّم أحدهما على أصالة تقدّم الآخر و بعد هذه المعارضة لا يمكن لنا أن نتمسّك بأصالة عدم التقدّم، فإنّ الوجه في عدم جواز التمسّك بأصالة النّفي و البراءة هو المعارضة لا كونه مثبتا لحكم شرعي. و الكلام في جريان الأصل و عدم جريانه في هذه الأمثلة ليس إلّا بواسطة الدّليل.

(1) هذا استدراك من عدم جواز التمسّك بأصالة عدم التقدّم.

(2) و هما نجاسة الماء و استعماله.

112

فرض حصوله في زمان ظنّ بقاء عدم النجاسة، و هذا لا غائلة فيه أصلا (1).

و أمّا الثاني: ففيه: أنّ نفي الضّرر من الأدلّة الشرعيّة المجمع عليها، و لا فرق بينه و بين غيره، و قد عرفت أنّه لا يجوز التمسّك بأصل البراءة مع ثبوت الدّليل، بل قبل التفحّص عن الدّليل، فإن ثبت الضّرر و تحقّق اندراج محلّ النزاع فيه، فلا إشكال في عدم الجواز و إن ثبت عدمه، فلا إشكال في الجواز.

و إن شكّ فيه، فكذلك أيضا (2) لعدم ثبوت الدّليل، فلا محصّل لما ذكره، و المشهور دخول أمثال ذلك‏ (3) تحت قاعدة الإتلاف لصدقه عليه عرفا.

و أمّا شمول قوله (صلى الله عليه و آله) و سلم «لا ضرر و لا ضرار» (4)، لذلك، فهو موقوف على فهم فقه الحديث.

فنقول: لا ريب أنّه ليس باقيا على حقيقته يقينا، لوجود الضّرر في الإسلام في غاية الكثرة (5). فأمّا المراد من النّفي، النّهي، يعني يحرم الضّرر و الضّرار، أو المراد أنّ المنفيّ هو الضّرر الخالي عن الجبران، فالقصاص ضرر، لكنّه مع الجبران لمسبوقيّته بقتل النّفس عدوانا، و كذلك مقاصّة الحقّ و الغرامة عن الغاصب، بل‏

____________

(1) يعني أنّ التمسّك بأصالة عدم تقدّم النجاسة على الاستعمال ليس لأجل أصالة عدم تقدّم أحد الحادثين على الآخر فيكون فيه غائلة معارضة كل من الأصلين بالآخر كمّا مرّ، بل لأجل أنّ العلم بالنجاسة لمّا كان متأخّرا عن الاستعمال و التمسّك بالأصل هذا لا غائلة فيه، كما عن الملا محمد تقى الهروي.

(2) أي جواز التمسّك بأصل البراءة في صورة الشّك في ثبوت الضّرر و عدم ثبوته.

(3) أمثال الأمثلة التي ذكرها الشّارط.

(4) «الوسائل» 18/ 32 الحديث 23073- 23075.

(5) فإن كثيرا من التّكاليف قد يكون فيها ضرر، فكيف يمكن أن يقال ببقاء النّفي على حقيقته و هي نفي الجنس أو الماهيّة.

113

يمكن أن يقال: إنّها ليست بضرر.

فإن قلنا: إنّ المراد به النّهي، فلا دلالة فيها على الضّمان في المذكورات، لأنّ غايته العقاب على تلك الأفعال.

أمّا الضّمان فيحتاج الى دليل آخر مثل قاعدة الإتلاف، و أمّا على إبقائها على الحقيقة و تقيّدها بعدم الجبران، فلا يدلّ على الضّمان أيضا، لأنّ معنى الرّواية حينئذ: لم يجوّز اللّه للعباد و لم يشرّع لهم ضررا بغير جبران. فكلّ ما رخّص فيه الشّارع من أقسام الضّرر، فهو مع الجبران، و لا يستلزم ذلك أنّ كلّ ضرر حصل من فعل المكلّف. و إن لم يرخّصه الشّارع، ففيه جبران فضلا عن قدر الجبران، إذ ليس معنى الخبر حينئذ (1): لا يبقى الضّرر الحاصل من المكلّف على أيّ نحو كان بلا جبران، بل جعل اللّه لكل ضرر جبرانا و إن فعله المكلّف بدون إذن الشّارع، و أنّ الجبران يتعلّق بمآل ضارّ [الضارّ] بمثل ما أضرّ، أو نحو ذلك، ففي كلتا الصّورتين‏ (2) يجوز إجراء أصل البراءة في عدم الضّمان، بل و عدم التغرير أيضا.

و يندرج في ثمرات المعنى الأوّل‏ (3)، مثل ثبوت خيار الغبن، فيقال: إلزام البيع و عدم ثبوت الخيار للبائع، و عدم ردّ المشتري ضرر بالبائع، و دفع هذا الضّرر يحصل بثبوت الخيار، و لكن لا يجري ذلك‏ (4) في مثل الأمثلة المذكورة، فيقال:

يجب على المتلف الغرامة و إلّا لزم الضّرر و هو حرام للحديث، فإنّ الضّرر قد

____________

(1) أي حين قيد النّفي بعدم الجبران.

(2) في صورة حمل النّفي على النّهي أو النفي لكن مع التّقييد.

(3) المعنى الأوّل هو قوله: إنّ معنى الرّواية حينئذ لم يجوّز اللّه للعباد و لم يشرّع لهم ضررا بغير جبران.

(4) الذي ذكرناه من المعنى الأوّل.

114

حصل، و هذا عدم‏ (1) تدارك الضّرر، لا نفس الضّرر.

و يمكن أن يقال: (2) يجب تداركه من بيت المال، و إلّا لزم الضّرر فتعيين [فتعيّن‏] التدارك من مال المتلف يحتاج الى الرّجوع الى قاعدة الإتلاف، و هو خروج‏ (3) عن الاستدلال بنفي الضّرر، مع أنّ حكاية سمرة بن جندب المشتملة على هذا اللّفظ التي رواها الأصحاب، لا تدلّ إلّا على تحريم الضّرر، و سيجي‏ء ذكرها.

نعم، روى البزنطي في الصحيح عن حمّاد عن المعلّى [بن‏] الخنيس عن الصادق عليه الصلاة و السلام قال: «من أضرّ بطريق المسلمين شيئا فهو ضامن» (4). و هو غير المدّعى.

و قال بعض الأفاضل في صورة كون الإضرار ظلما: الظّاهر مع ملاحظة قوله (صلى الله عليه و آله) و سلم: «لا ضرر و لا ضرار»، الحكم بلزوم الجبران، و إلزام المضارّ لما يحكم به أهل الخبرة، ثمّ الصّلح أو إبراء المستضرّ تحصيلا ليقين البراءة (5)، لاحتمال الزّيادة بحسب الشّرع.

____________

(1) عدم لزوم تدارك الغرامة.

(2) في عدم الغرامة في الأمثلة المذكورة.

(3) إذا الكلام في ثبوت موارد الضّرر و ليس موارد قاعدة الإتلاف.

(4) في «الوسائل» 29/ 240 الحديث 35540، و لكن ليس كما هو في اسناد المصنف و انّما هو عن محمد بن الحسن باسناده عن أحمد بن محمد عن علي بن النعمان عن أبي الصباح الكناني، قال: قال ابو عبد اللّه (عليه السلام): من أضرّ بشي‏ء من طريق المسلمين فهو له ضامن. كما هو في «التهذيب» كتاب الديات، باب 8 الحديث 34 و 40، و رواه الصدوق في «الفقيه» 4/ 115 الحديث 395 باسناده عن الحسين بن سعيد عن علي بن النعمان مثله و الكليني في «الكافي» 7/ 350 ح 307.

(5) راجع ما ذكره الفاضل التوني في «الوافية» 195.

115

و فيه: أنّه إن أراد استفادة ذلك من الرّواية؛ فهو ممنوع كما ذكرنا (1).

و إن أراد من قاعدة الإتلاف؛ فهو مع أنّه خروج عمّا نحن فيه؛ لا وجه للزوم الصّلح و غيره مع الرّجوع الى أهل الخبرة، لأنّه المحكم شرعا.

[الآيات و الرّوايات الدالّة على نفي العسر و الحرج‏]

ثمّ إنّ ظاهر استدلال الفقهاء في كثير من المواضع يفيد أنّ المراد من الرّواية عدم إضرار اللّه تعالى بعباده أيضا، كما يظهر من استدلالهم في إخراج المؤن في الزّكاة بنفي الضّرر، و بخيار الغبن‏ (2) في البيع. فإنّ اللّه تعالى لو جعل البيع لازما حينئذ، فيلزم منه إضرار عبده، و هو من إضرار العبيد بعضهم بعضا أيضا (3) و حينئذ فيكون معنى الرّواية: لم يرض لعباده بضرر، لا من جانبه و لا من جانب بعضهم لبعض. و هذا معنى ثالث للرواية، و هو الأظهر بالنّسبة الى الرّواية و بالنّسبة الى العقل و عمل الأصحاب، و هو نظير (4) استدلالهم بنفي العسر و الحرج.

فإذا انجرّ الكلام الى هنا، فلا بأس أن نشرح هذا المقام و نبيّن جليّة الحال، فإنّ كلامهم خال عن بيانه، و لم نقف في مقالاتهم [مقاماتهم‏] شيئا في توضيح هذا المقصد و تبيانه، مع أنّه في غاية الإجمال و نهاية الإشكال.

فنقول: قد تداول العلماء الاستدلال بنفي العسر و الحرج و نفي الضّرر في الموارد الكثيرة، غاية الكثرة، سواء كان الضّرر و الحرج من جانب اللّه أو من جانب العبد. و الآيات و الأخبار الدالّة على نفي العسر و الحرج كثيرة، و بعضها

____________

(1) من عدم دلالة الرّواية على لزوم الجبران.

(2) و بخيار الغبن معطوف على قوله: في إخراج المؤن، فقوله: فإنّ اللّه تعالى ... الخ بيان استدلالهم.

(3) فإنّ لزوم البيع كما انّه من إضرار اللّه عبيده و كذلك يكون من إضرار العبيد بعضهم بعضا.

(4) فإنّ الاستدلال بنفي الضّرر نظير الاستدلال بنفي الحرج.

116

صريح في العموم، و أمّا خبر الضّرر فقد ذكر في «التذكرة» (1) قوله (صلى الله عليه و آله) و سلم:

«لا ضرر و لا ضرار في الإسلام». و عن طرق الخاصّة كثيرة، أكثرها في حكاية سمرة بن جندب.

منها: ما رواه في «الكافي» (2) و «التهذيب» (3) في الموثّق لابن بكير عن زرارة عن الباقر عليه الصلاة و السلام قال: إنّ سمرة بن جندب كان له عذق‏ (4) في حائط لرجل من الأنصار، و كان منزل الأنصاريّ بباب البستان، و كان يمرّ به الى نخلته و لا يستأذن، فكلّمه الأنصاريّ أن يستأذن إذا جاء فأبى سمرة، فلمّا تأبى جاء الأنصاري الى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) و سلم فشكا إليه و خبّره الخبر، فأرسل إليه رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) و سلم و خبّره بقول الأنصاريّ و ما شكا إليه، و قال: إذا أردت الدّخول فاستأذن، فأبى، فلمّا أبى ساومه حتّى بلغ به من الثّمن له ما شاء اللّه، فأبى أن يبيع، فقال: «لك بها عذق مذلّل في الجنّة»، فأبى أن يقبل. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) و سلم للأنصاريّ:

«اذهب فاقلعها و ارم بها إليه، فإنّه لا ضرر و لا ضرار» (5). و ليس فيها قيد في‏

____________

(1) «تذكرة الفقهاء» 5/ 291.

(2) 5/ 293 باب 2 ح 181.

(3) 7/ 174 ح 651.

(4) العذق بالفتح- النّخلة بحملها، و في بعض النسخ و في «الكافي»: «عذق يمدّ لك في الجنة».

(5) الضّرار فعال من الضّر بمعنى لا يضر أحد الآخر فينقصه شيئا من حقه، و لا هو يجازيه على إضراره بإدخال الضّرر عليه، و الضّرر فعل الواحد و الضّرار فعل الاثنين أو الضّرر ابتداء الفعل، و الضّرار الجزاء عليه، و قيل الضّرر ما تضرّ به صاحبك و تنتفع أنت. و في بعض النسخ «و لا إضرار» و لعلّه غلط كما في تصريح الطريحي في «مجمعه»، و كذا ورد مع الألف في «من لا يحضره الفقيه» 3/ 45.

117

الإسلام‏ (1).

و روى طلحة بن زيد عن الصادق عليه الصلاة و السلام قال: «إنّ الجار كالنّفس غير مضارّ و لا آثم» (2). و صحيحة البزنطي و قد تقدّمت.

[في معنى عسر و الحرج‏]

و معنى العسر و الحرج هو المشقّة و الشدّة و الضيق. و معنى الضّرر هو ما قابل الانتفاع، و سيجي‏ء الكلام في تفاوت معنى لفظي الضّرر و الضّرار، و العسر المنفيّ عن فعل اللّه تعالى، مثل رخصة القعود في الصلاة و الإفطار في الصوم للمريض، و عن أفعال العباد كتكليف الوالدين ولدهما بما يكون حرجا.

ثمّ إنّ تلك المذكورات إمّا ترد على التكاليف الثابت نوعها كما ذكر، أو على نفس التكليف، فينفيه رأسا، كعدم نجاسة الحديد.

ثمّ إنّ هاهنا اشكالا من وجوه:

الأوّل: [أنّ‏] نفي المذكورات بعنوان العموم كيف يجتمع مع ما نشاهد من التكليف بالجهاد و الحجّ و الصّوم في الصّيف الحار، و الجهاد الأكبر الذي هو مجاهدة النفس و تخليتها عن الرّذائل و تحليتها بالفضائل، و دفع الشّكوك و الشّبهات، و التولّي عن أديان الآباء و الأمّهات؟

و الثاني: هل للمذكورات حدّ، أو موكول الى العرف و اللّغة؟

و الثالث: أنّها مثل أصل البراءة و أصل العدم و غيرهما، فلا يعارض بها الدّليل أو هي من الأدلّة.

و على الثاني فهل يخصّص بها سائر الأدلّة، أو يرجع الى المرجّحات، لأنّ بينها

____________

(1) عبارة: «و ليس فيها قيد في الاسلام» ليست في المصدرين «التهذيب» و «الكافي».

(2) «الكافي»: 2/ 666 ج 2، و 5/ 292 ج 1 من الباب 181.

118

تعارضا من وجه؟

و الرابع: أنّا نرى بعض التكاليف لم يرض الشّارع فيها لنا بأدنى مشقّة، كما يظهر من باب التيمّم، و كذلك الكلام في الضّرر، فإنّا نرى التكليف بالخمس و الزّكاة و صرف المال في الحجّ و في إنفاق الوالدين و غيرهما، و كذلك الإشكال من سائر الوجوه.

فنقول: الذي يقتضيه النظر في مجامع الكلام و أطرافها بعد حصول القطع بأنّ التكاليف الشّاقة واردة في الشّريعة، أنّ العسر و الحرج و الضّرر المنفيّات هي التي تزيد على ما هي لازمة لطبائع التكاليف الثابتة من حيث هي، التي معيارها طاقة متعارف الأوساط من الناس الذين هم الأصحّاء الخالون عن المرض و العجز و العذر، بل هي منتفية من الأصل إلّا فيما ثبت، و بقدر ما ثبت، و هو ما لا ينفكّ عنه عامّة النّاس، سالمين عن الأمراض و الأعراض.

فنقول: إنّ اللّه تعالى لا يريد بعباده العسر و الحرج و الضّرر إلّا ما حصل منه من جهة التكاليف الثابتة بحسب أحوال متعارف أوساط [أوسط] النّاس، و هم الأغلبون، فالباقي منفيّ، سواء لم يثبت أصله أصلا، أو ثبت و لكن على نهج لا يستلزم هذه الزّيادة.

ثمّ إنّ ذلك النفي إمّا من جهة تنصيص الشّارع، كالقصر و الإتمام و الإفطار و القعود و الاضطجاع في الصلاة و التيمّم و أكل الميتة في الاضطرار و التقيّة و بيع البيض و البطّيخ و نحوهما قبل الاختبار و ثبوت الخيارات في البيع و جواز تزويج المرأة من دون نظر و لا وصف دفعا لمشقّة الأقارب و المرأة للحياء، و إمّا من جهة التعميم، كجواز الاجتهاد في الجزئيّات كالقبلة و الوقت، أو الكلّيّات كالأحكام‏

119

الشرعيّة للعلماء.

و هذه المذكورات من باب الدّليل، و إلّا فلا فائدة في الاستدلال بها.

فنقول: قاعدة لزوم البيع تعارض قاعدة الضّرر، و بينهما عموم من وجه‏ (1)، و يحكم بالخيار ترجيحا للثاني من جهة العقل و العمل و غيرهما، و لو كانت من باب الأصل لما عارضت الدّليل.

ثمّ إنّه يشكل الأمر في الإضرار لو استلزم نفيه تضرّر الغير، سيّما إذا استلزم التصرّف في ملكه تضرّر الغير، و صرّح بعضهم بجوازه حينئذ.

و الأولى أن يقال: إنّه يجوز إذا لم يتضرّر الجار مع عدم تضرّر نفسه بتركه.

____________

(1) في حاشية السيد علي القزويني: و التّحقيق أنّ هذه القاعدة كقاعدة نفي الحرج لا يعارضها سائر القواعد و لا أدلّة سائر الأحكام تكليفيّة أو وضعية إذا كانت بينها نسبة العموم من وجه حتى يرجع الى قواعد الترجيح كما زعمه، و تبعه صاحب «العوائد» لحكومة هذه القاعدة عليها، فإنّ دليلها و هو لا ضرر و لا ضرار في الاسلام، بدلالته اللفظية متعرّض لبيان مقدار موضوعات سائر القواعد و الأدلّة العامة و هو ما لا يترتب عليه ضرر، و نحوه قاعدة الجرح. و قضية ذلك انتفاء التعارض عما بينهما، لأنّ الدليل المحكوم عليه الذي بيّن مقدار موضوعه لا ينافي في الدليل الحاكم لكونه كالمفسّر له، نظير ما لو قال في خطاب: أكرم العلماء، و في آخر: أضف الفقراء، و في ثالث: اخلع المرأة، و هكذا، ثم قال بخطاب عام آخر: إنّ موضوعات أحكامي العدول و هذا كما ترى بيان لمقدار موضوعات الخطابات المذكورة لا أنّ مدلوله ينافي مداليلها، كما هو معنى التعارض المعروف بتنافي مدلولي الدّليلين، و هذا هو الوجه في تقديم الدليل الحاكم على المحكوم عليه، لا أنّه يرجّح عليه لمرجّح داخلي أو خارجي، لأنّ الترجيح فرع على التعارض و قد عرفت انتفائه مع الحكومة، و إنّما لا يحكم القاعدة على أدلة التكليف الضررية كالأمثلة المتقدمة، لعدم قبول موضوعاتها التفصيل و التقسيم الى مورد الضّرر و غير مورد الضّرر.

120

و أمّا مع تضرّر نفسه بتركه، فهو أولى بعدم الضّرر.

و الحديث يحكم بنفي الضّرر مطلقا، فلا بدّ من الاكتفاء بأقل الضّررين إذا دار الأمر بينهما و أرجحهما اختيارا، فلم يظهر وجوب دفع الضّرر عن الجار مع تضرّر نفسه. فلاحظ الرّوايات الواردة في حكاية سمرة فإنّه (صلى الله عليه و آله) و سلم أراد الجمع بين الحقّين بأن يستأذن سمرة في الدّخول أو يبيع نخلته بأعلى القيم أو نحو ذلك، فلم يرض، فحكم بقطعها و رميها. فإنّ تصرّف سمرة كان في ملكه و لكن بحيث يتضرّر الأنصاريّ، فظهر أنّ التصرّف في ملكه مع تضرّر الجار إذا أمكن دفعه بحيث لا يتضرّر نفسه، حرام منفيّ.

نعم، لو قصد الإضرار فهو حرام مطلقا، و هو غير ما نحن فيه، و هو أحد محتملات حكاية سمرة كما يظهر من رواية أبي عبيدة. ففي آخرها قال (صلى الله عليه و آله) و سلم:

«ما أراك يا سمرة إلّا مضارّا، اذهب يا فلان فاقطعها (1) و اضرب بها وجهه» (2).

و لكن سائر الأخبار مطلقة لا يمكن حملها على ذلك، للإطلاق‏ (3)، و ظاهر اتّفاقهم على العموم.

[في معنى الضّرر و الضّرار]

بقي الكلام في معنى الضّرر و الضّرار. قال ابن الأثير (4) معنى قوله (صلى الله عليه و آله) و سلم:

لا ضرر و لا ضرار: أي لا يضرّ الرجل أخاه فينقصه شيئا من حقّه. و الضّرار فعال، من الضّرّ، أي لا يجازيه [بجازية] على إضراره بإدخال الضّرر عليه. و الضّرر فعل الواحد، و الضّرار فعل الاثنين، و الضّرر ابتداء الفعل، و الضّرار الجزاء عليه.

____________

(1) و في نسخة «الوسائل» فاقلعها.

(2) «من لا يحضره الفقيه» 3/ 103 ح 3423، «الوسائل» 25/ 437 ح 32279.

(3) فالإطلاق جاء في مقام البيان، فبعد ذلك لا يمكن حمله على المقيّد.

(4) كما عن «النهاية في غريب الحديث و الأثر» 3/ 81.

121

و قيل: الضّرر ما تضرّر به صاحبك و تنتفع أنت به، و الضّرار أن تضرّه من غير أن تنتفع به.

و قيل: هما بمعنى واحد، و تكرارهما للتأكيد. انتهى.

و قيل: الضّرر هو الإسم، و الضّرار المصدر، فيكون منهيّا عن الفعل الذي هو المصدر و عن إيصال الضّرر الذي هو الإسم.

و لا يذهب عليك أنّ حرمة الضّرار على المعنى الأوّل لا يستلزم حرمة المقاصّة، مع أنّه لا يعدّ ضررا، مع أنّ الحرام هو المضارّة من حيث هي‏ (1).

و أمّا الثالث: فقد ظهر ما فيه ممّا مرّ هنا و ما أسلفناه في أوائل الكتاب، و ما ذكره من إثباته من النصّ، فلا وجه له إذ ورود النصّ في كون الشّي‏ء جزء عبادة لا يدلّ على انتفاء غيره.

و أمّا ما ورد في بيان العبادات، كصحيحة حمّاد، و بعض الأخبار الواردة في بيان الوضوء، فهي أيضا لا تتمّ لعدم دلالتها على أكثر الواجبات، و عدم تمييز الواجب من المستحبّ فيها، و كذلك سائر الاشتباهات التي ليس هنا مقام ذكرها، لا يخفى على من لاحظها، فانحصر إتمام الماهيّة بضميمة الأصل.

____________

(1) اي من حيث المضارة لا من حيث المقاصة.

122

قانون: [استصحاب الحال‏]

استصحاب‏ (1) الحال: و هو كون حكم أو وصف يقينيّ الحصول في الآن السّابق مشكوك البقاء في الآن اللّاحق. و المراد من المشكوك أعمّ من المتساوي الطرفين ليشمل المظنون البقاء و غيره، و إن كان مراد القوم من الشّك هنا هو الاحتمال المرجوح في الواقع [الرافع‏] لأنّ بناءهم‏ (2) في الحجّية على حصول الظنّ.

و نحن إنّما عمّمنا الشّك لأنّا لا ننقض اليقين إلّا بيقين مثله، بسبب الأخبار الآتية، فلا يضرّنا تساوي الطرفين، بل كون البقاء مرجوحا أيضا.

فالاستصحاب عندنا قد يستند في حجّيته الى الظنّ الحاصل من جهة اليقين‏

____________

(1) من باب استفعال، مأخوذ من استصحب القوم اي رافقهم يقال كما في «تاج العروس» 2/ 140: استصحبه: دعاه الى الصّحبة و لازمه، و كل ما لازم شيئا فقد استصحبه، انظر «تهذيب اللغة» 4/ 154، و «معجم مقاييس اللغة» 3/ 335، و «لسان العرب» 1/ 520 و استصحبت الكتاب و غيره حملته صحبتي، و من هنا قيل استصحبت الحال إذا تمسّكت بما كان ثابتا، كأنّك جعلت تلك الحالة مصاحبة غير مفارقة راجع «المصباح المنير» 333 و «مجمع البحرين» 2/ 99.

(2) إنّ القائلين بحجيّة الاستصحاب من باب الظّن كقدماء الأصحاب لا يعتبرون الظنّ الشخصي في الاستصحاب، بل اعتمادهم على الظنّ النّوعي، نعم حكي عن الشيخ البهائى و صاحب «الدروس» اعتبار الظنّ الشّخصي و المعروف هو الأوّل فحينئذ الشك اللّاحق الذي هو معتبر في الاستصحاب على هذا الرّأي أعم من أن يكون مساوي الطرفين أو مظنون البقاء و مرجوح البقاء، و مع وجود الظّن النّوعي على خلافه، فلا معنى لإسناد المصنّف إليهم بكون تساوي الطّرفين أو مرجوح البقاء يضرّهم.

123

السّابق، و قد يستند في حجّيته الى الأخبار، و هو لا يستلزم حصول الظنّ إلّا أن يدّعى أنّ الأخبار أيضا مبتنية على الاعتماد بالظنّ الحاصل من الوجود السّابق، و هو مشكل‏ (1).

و اعلم أنّ الاستصحاب إنّما يجري فيما إذا حصل فيه الاحتمال، فما علم استمراره أو عدم استمراره، فليس باستصحاب، و لا فرق في ذلك بين الموقّت و غير الموقّت، و لا بين الأحكام الطلبيّة و الوضعيّة.

و ما قيل‏ (2): بعدم جريانه في الأحكام الطلبيّة لأنّها إمّا أمر أو نهي و كلّ منهما موقّت أو غير موقّت. و على التقديرين‏ (3) إمّا أن يقال بدلالتهما على التكرار أو لا، و كذلك الفور و عدمه، و لا معنى للاستصحاب في شي‏ء منها، لأنّ ما يفعل في الوقت فهو بحسب الأمر، و ما يفعل خارج الوقت فهو بفرض جديد، و في غير الموقّت، فإن قيل بالتّكرار، فهو من مقتضى التّكرار، و إن لم يقل فهو من مقتضى الامتثال اللّازم للطبيعة بعد حصول الاشتغال بها المستلزم لوجوب إبراء الذمّة، فهو من غرائب الكلام، إذ الشّك قد يحصل في التكليف في الموقّت، كمن شكّ في وجوب إتمام الصّوم لو حصل له المرض في أثناء النهار، مع شكّه في أنّه هل يبيح له الفطر أم لا، و كذلك في صورة الدّلالة على التكرار و غيره، و هو واضح.

____________

(1) اي كون الأخبار مبنية على الاعتماد بالظنّ بالوجود السّابق.

(2) و القائل هو الفاضل التوني في «الوافية» ص 201.

(3) في الحاشية للهروي: «لا يخفى أنّ التّقادير على ما ذكره أربعة، و مراده بالتّقديرين هما الأمر و النّهي الغير الموقتين بقرينة قوله: و في غير الموقتين فإن قيل بالتّكرار ...

الخ.

124

ثمّ إنّ الاستصحاب في الأحكام الوضعيّة على ما ذكره المتوهّم‏ (1)، لا يجري فيما كان من قبيل المؤقّت كالحيض، و التأبيد، و الدّوام كالزّلزلة، و يجري في بعض المطلقات، كالتغيير بالنّجاسة الذي هو سبب لتنجيس الكرّ، و الطهارة التي هو شرط لجواز المضيّ في الصلاة.

و أنت خبير بأنّ الكلام في الأوّل يظهر جوابه ممّا ذكرنا سابقا لإمكان حصول الشّك فيها و الاحتياج الى التمسّك بالاستصحاب.

و أمّا الأخير فالجريان فيه واضح، و هو إمّا بإجرائه في نفس السّبب، كما لو شكّ في بقاء التغيير؛ كما لو مزج للتغيّر جسم طاهر له لون، أو في مسبّبه.

و المسبّب إمّا هو الحالة الحاصلة من النجاسة المغيّرة، و إمّا الحكم الشرعيّ الذي هو وجوب الاجتناب عنه، و قس عليه حال الطهارة.

فظهر ممّا ذكرنا أنّ الاستصحاب يجري في الأحكام الطلبيّة و التخييريّة الابتدائية و الوضعيّة و ما يستتبعها من الأحكام الطلبيّة اللّازمة لها.

ثمّ إنّ الاستصحاب ينقسم على أقسام كثيرة، فتارة من جهة الحال السّابق أنّه الوجود أو العدم، و أنّه ما ثبت من الشّرع أو العقل أو الحسّ، و أنّ ما ثبت من الشّرع وضعيّ أو غيره، و هل ثبت بالإجماع‏ (2) أو غيره من الأدلّة.

و تارة من جهة المزيل، فقد يكون المزيل ثابتا، بمعنى إنّا نعلم أنّ له مزيلا في‏

____________

(1) يمكن مقصوده الفاضل التوني.

(2) فقد يثبت بالإجماع و قد يثبت بغيره، و قد فرّق بينهما الغزالي في «المستصفى» 1/ 197.

125

نفس الأمر من شأنه إزالته، و هو قد يكون‏ (1) ماهيّته معلوم [معلومة] لنا، و لكن قد وقع الشّك في حصوله. و قد يكون معلوما و يحصل الشّك في صدقه على الشي‏ء الحاصل، و قد لا يكون لنا معلوما أصلا و يشكّ في حصوله أو في صدقه على شي‏ء حاصل، و قد لا يكون ثابتا (2)، بل نشكّ في أنّ الشّي‏ء الفلانيّ هل هو مزيل أم لا، و سيجي‏ء أمثلتها.

و تارة من جهة حصول الحكم السّابق، فقد يثبت الحكم في الجملة (3) و لا يعلم شي‏ء من الاستمرار و عدم الاستمرار أصلا، و قد يثبت الحكم مع الاستمرار في الجملة، و قد يثبت الحكم مع الاستمرار المقيّد الى غاية معيّنة.

و اختلف كلام القوم في حجّيته و عدمها في المقامات الثلاث‏ (4).

قال العضدي‏ (5): معنى استصحاب الحال أنّ الحكم الفلانيّ قد كان و لم يظنّ عدمه، و كلّ ما هو كذلك فهو مظنون البقاء.

[الاختلاف في صحة الاستدلال به‏]

و قد اختلف في صحّة الاستدلال به لإفادته ظنّ البقاء و عدمها لعدم إفادته إيّاه.

____________

(1) اي المزيل الذي ثبت في نفس الأمر و شكّ في وجوده.

(2) هذا عطف على قوله: و قد يكون ثابتا.

(3) و هذا القسم يرجع الى الشك في المقتضى.

(4) من جهة الحال السّابق، و من جهة المزيل، و من جهة حصول الحكم السّابق.

(5) و كما في «شرح مختصر الأصول» 2/ 453، و كذا قال ابو الحسين في «المعتمد»:

2/ 325، ذهب قوم من أهل الظّاهر و غيرهم الى الاحتجاج بذلك. و ذكر الآمدي في «الإحكام» 2/ 367: قد اختلف فيه، فذهب أكثر الحنفية و جماعة من المتكلّمين كأبي الحسين البصري و غيره الى بطلانه، و من هؤلاء من جوّز التّرجيح به لا غير، و ذهب جماعة من أصحاب الشّافعي كالمزني و الصّيرفي و الغزالي و غيرهم من المحقّقين الى صحة الاحتجاج به و هو المختار.

126

فأكثر المحقّقين كالمزنيّ‏ (1) و الصّيرفيّ‏ (2) و الغزاليّ‏ (3)، على صحّته، و أكثر الحنفيّة على بطلانه‏ (4)، فلا يثبت به‏ (5) حكم شرعيّ.

و لا فرق عند من يرى صحّته بين أن يكون الثابت به نفيا أصليّا كما يقال فيما اختلف في كونه نصابا: لم يكن الزّكاة واجبة عليه و الأصل بقاؤه، أو حكما شرعيّا مثل قول الشافعيّة في الخارج من غير السبيلين: إنّه كان قبل خروج الخارج‏

____________

(1) اسماعيل بن يحيى بن اسماعيل، ابو ابراهيم المزني (175- 264) نسبته الى مزينة (من مضر) صاحب الامام الشافعي من اهل مصر و إمام الشافعيين، قال الشافعي فيه:

المزني ناصر مذهبي، و قال في قوّة حجته: لو ناظر الشيطان لغلبه. من كتبه «الجامع الكبير» و «الجامع الصغير» و «المختصر» و «الترغيب في العلم» راجع «وفيات الأعيان» 1/ 71، «فقه الشافعية» ص 257.

(2) محمد بن عبد اللّه الصّيرفي، أبو بكر (...- 330 ه) من أئمّة اصول الفقه و المتكلّمين الفقهاء من الشافعية، من أهل بغداد قال القفال الشاشي: كان الصيرفي من أعلم الناس بالأصول بعد الامام الشافعي، و قال الإسنوى: كان إماما في الفقه و الاصول، و اثنى عليه ابن السبكي، له مصنفات منها: «شرح رسالة الشافعي- في اصول الفقه» و «البيان في دلائل الأعلام على أصول الأحكام» في أصول الفقه، أيضا.

و من آرائه الأصولية القول بوجوب شكر المنعم، و قد وقعت بينه و بين الأشعري مناظرة في هذا الشّأن ذكرها ابن السّبكي.

توفي لثمان بقين من شهر ربيع الآخر، و قيل توفي بمصر في شهر رجب راجع «طبقات الشافعية الكبرى» 2/ 141، «طبقات الإسنوى» ص 256، «طبقات الفقهاء» ص 120، «العقد المذهب» ص 49.

(3) راجع «المستصفى» 1/ 197.

(4) و كذا في «المحصول» للرّازي 4/ 1435، و «الزبدة» للبهائي ص 106، و «التهذيب» للحلي ص 293، و «العدة» للشيخ 2/ 756.

(5) أي غير حال الشّرع من الموضوعات الخارجية لا حال العقل.

127

متطهّرا، و الأصل البقاء حتّى يحصل معارض، و الأصل عدمه، الى آخر ما ذكره.

و يظهر منه أنّ من قال بالحجّية لم يفرّق بين استصحاب حال الشّرع و غيره‏ (1)، و النّفي الأصليّ الذي ذكره أعمّ من البراءة الأصليّة التي يسمّى استصحابها استصحاب حال العقل، بل يمكن إدراج استصحاب البقاء لا يتمّ إلّا باعتبار استصحاب عدم المزيل، فليتأمّل.

و لكنّ المحقّق الخوانساري (رحمه اللّه)(2) في «شرح الدروس» (3) في مبحث الاستنجاء بالأحجار قال: و هو ينقسم الى قسمين باعتبار انقسام الحكم المأخوذ فيه الى شرعيّ و غيره، و مثّل للأوّل‏ (4) بنجاسة ثوب أو بدن، و للثاني برطوبته.

ثمّ قال: و ذهب بعضهم الى حجّيته بقسميه، و بعضهم الى حجّية القسم الأوّل فقط.

أقول: و يدخل في غير الشرعيّ جميع ما يتعلّق بالحكم و غيره، مثل مطلق أصالة العدم التي هو أصل في كلّ حادث، بل ممكن.

و منها عدم نقل اللّفظ عن المعنى اللّغوي، و عدم تعدّد الوضع، و عدم التغيير في الماء المتلوّن، و عدم التذكية في الجلد المطروح. و مثل أصالة بقاء المعنى‏ (5) اللّغوي على حاله، و أصالة بقاء المفقود، و هو يستلزم كون مثل أصالة عدم النقل‏

____________

(1) هذا التفريع على مذهب الحنفيّة.

(2) استدرك عمّا ذكره العضدي.

(3) «مشارق الشموس» 1/ 76.

(4) مراده انّ الحكم الشرعي عبارة عن الأحكام الشرعية الجزئية لا الكلية.

(5) في نسخة الأصل (معنى).

128

و أصالة بقاء المعنى اللّغوي أيضا خلافيّا.

و بعضهم فرّق في استصحاب حال الشّرع بين ما ثبت بالإجماع أو بغيره، فنفى الأوّل دون الثاني كالغزاليّ‏ (1).

و ذهب المحقّق الخوانساري الى منع حجّية الاستصحاب بالمعنى المشهور، يعنى إثبات حكم في زمان، لوجوده في زمان سابق عليه، بكلا قسميه اللّذين نقلناهما عنه.

ثمّ قال: نعم، الظّاهر حجّية الاستصحاب بمعنى آخر، و هو أن يكون دليل شرعيّ على أنّ الحكم الفلاني بعد تحقّقه، ثابت الى حدوث حال كذا أو وقت كذا مثلا، معيّن في الواقع، بلا اشتراطه بشي‏ء أصلا (2).

فحينئذ إذا حصل ذلك الحكم، فيلزم الحكم باستمراره الى أن يعلم وجود ما جعل مزيلا له، و لا يحكم بمجرّد الشّك في وجوده.

و استدلّ عليه أوّلا: (3) إذا كان أمر أو نهي بفعل الى غاية مثلا، فعند الشّك بحدوث تلك الغاية لو لم يمتثل التكليف المذكور، لم يحصل الظنّ بالامتثال و الخروج عن العهدة، و ما لم يحصل الظنّ لم يحصل الامتثال و الخروج عن العهدة، فلا بدّ من بقاء ذلك التكليف حال الشّك أيضا و هو المطلوب.

و ثانيا: بالرّوايات الآتية.

____________

(1) في «المستصفى» 1/ 197.

(2) و قد صرّح في بعض كلماته عدم اشتراطه بعلم المكلّف، بأن يكلّف بشي‏ء معلوم عنده و غير معلوم عند المخاطب، فإنّ مثل هذا التكليف غير قبيح بعد أن كان للمكلّف طريق الى امتثاله و لو بالأخذ بالاحتياط.

(3) و حاصل هذا انّ قاعدة الاشتغال تدلّ على حجيّة الاستصحاب.

129

ثمّ قال: فإن قلت: هذا كما يدلّ على حجّية ما ذكرت كذلك يدلّ على حجّية ما ذكره القوم، لأنّه إذا حصل اليقين في زمان فينبغي أن لا ينقض في زمان آخر بالشّك، نظرا الى الرّواية، و هو بعينه ما ذكروه.

قلت: الظّاهر أنّ المراد من عدم نقض اليقين بالشّك، أنّه عند التّعارض لا ينقض به.

و المراد بالتّعارض: أن يكون شي‏ء يوجب اليقين لو لا الشّك، و فيما ذكروه ليس كذلك، لأنّ اليقين يحكم في زمان ليس ممّا يوجب حصوله في زمان آخر لو لا عروض شكّ، و هو ظاهر.

ثمّ قال: فإن قلت: هل الشّك في كون الشّي‏ء مزيلا للحكم مع اليقين بوجوده كالشّك في وجود المزيل أو لا؟

قلت: فيه تفصيل، لأنّه إن ثبت بالدّليل أنّ ذلك الحكم مستمرّ الى غاية معيّنة في الواقع، ثمّ علمنا صدق تلك الغاية على شي‏ء و شككنا في صدقها على شي‏ء آخر أم لا، فحينئذ لا ينقض اليقين بالشّك. و أمّا إذا لم يثبت ذلك، بل إنّما ثبت أنّ ذلك الحكم مستمرّ في الجملة، و مزيله الشّي‏ء الفلانيّ، و شككنا في أنّ الشّي‏ء الآخر أيضا مزيله أم لا، فحينئذ لا ظهور في عدم نقض الحكم و ثبوت استمراره. انتهى.

فظهر ممّا ذكره‏ (1) المخالفة في المقامين الأخيرين.

و قال المحقّق السّبزواري في «الذّخيرة» بعد نقل الاستدلال على نجاسة الماء

____________

(1) قد مرّ ان الاستصحاب على مقامات، ففي مقام الأوّل قد ظهر الخلاف من العضدي، و امّا المقامان الآخران فقد ذكرهما المصنّف بقوله: و تارة ... و تارة ...، قد ظهر منه المخالفة، امّا المقام الثاني بقوله: و فيه تفصيل، و أمّا الثالث بقوله: نعم، الظاهر ... الخ.

130

الكرّ الذي سلب الإطلاق عنه بعد ممازجته بالمضاف النجس: بأنّ الماء المضاف قبل امتزاجه بالكرّ كان نجسا فيستصحب فيه الحكم المذكور الى أن يثبت الرّفع، لأنّ اليقين لا ينقض إلّا باليقين، و إذا ثبت نجاسته بعد الامتزاج، يلزمه منه نجاسة الجميع، لأنّ الكرّ المفروض بعد سلب اسم الإطلاق عنه ينفعل بذلك المضاف الممتزج به.

و يرد عليه: (1) أنّ التّحقيق أنّ استمرار الحكم تابع لدلالة الدّليل على الحكم، فإذا دلّ الدّليل على الاستمرار كان ثابتا و إلّا فلا. و هاهنا [فهاهنا] لمّا دلّ الإجماع على استمرار النجاسة في الماء المضاف النجس الى زمان ملاقاته مع الماء الكثير، حكمنا به، و بعد الملاقاة، فالحكم مختلف فيه‏ (2)، فإثبات الاستمرار يحتاج الى دليل.

لا يقال: قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة: (3) «فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشّك أبدا و لكن تنقضه بيقين آخر» (4)، يدلّ على استمرار أحكام اليقين بيقين آخر ما لم يثبت الرّافع، لأنّا نقول: التحقيق أنّ الحكم الشرعيّ الذي تعلّق به اليقين إمّا أن يكون مستمرّا، بمعنى أنّ له دليلا دالّا على الاستمرار بظاهره‏

____________

(1) على الاستدلال المشهور، و هو مقول لقول المحقّق السّبزواري المذكور.

(2) فقيل بثبوت النجاسة، و قالوا بعدم ثبوتها فلا يكون الحكم إجماعيّا.

(3) «التهذيب» 1/ 446، باب 21/ 8 المياه و أحكامها، ح 1335، و «الاستبصار» 1/ 184 ح 641، أو باب 109 ح 13.

(4) ليس في الرّواية المذكورة عبارة «و لكن تنقضه بيقين آخر» نعم يمكن أن تكون في مثل رواية أخرى، كما في «الكافي» 3/ 351 في باب السّهو في الثلاث و الأربع ح 3 و هي عن زرارة أيضا.

131

أم لا. و على الأوّل فالشّك في رفعه على أقسام:

الأوّل: إذا ثبت أنّ الشّي‏ء الفلانيّ رافع للحكم، لكن وقع الشّك في وجود الرّافع.

و الثاني: أنّ الشّي‏ء الفلانيّ رافع للحكم، لكن معناه مجمل، فوقع الشّك في كون بعض الأشياء هل هو فرد له أو لا.

و الثالث: أنّ معناه معلوم و ليس بمجمل، لكن وقع الشّك في اتّصاف بعض الأشياء به، و كونه فردا له لعارض كتوقّفه على اعتبار متعذّر و غير ذلك.

الرابع: وقع الشّك في كون الشّي‏ء الفلانيّ هل هو رافع للحكم المذكور أم لا.

و الخبر المذكور إنّما يدلّ على النهي عن النّقض بالشّك، و إنّما يعقل ذلك في الصّورة الأولى من تلك الصّور الأربعة دون غيرها من الصّور، لأنّ في غيرها من الصّور لو نقض الحكم بوجود الأمر الذي يشك في كونه رافعا، لم يكن النّقض بالشّك، بل إنّما حصل النّقض باليقين بوجود ما يشكّ في كونه رافعا، أو باليقين بوجود ما يشكّ في استمرار الحكم معه لا بالشّك، فإنّ الشّك في تلك الصّور كان حاصلا من قبل و لم يكن بسببه نقض، و إنّما حصل النّقض حين اليقين بوجود ما يشكّ في كونه رافعا للحكم بسببه، لأنّ الشّي‏ء إنّما يستند الى العلّة التامّة أو الجزء الأخير منها، فلا يكون في تلك الصّور نقض للحكم اليقينيّ بالشّك، و إنّما يكون ذلك في صورة خاصّة غيرها، فلا عموم في الخبر ... الى آخر ما ذكره. و هو أيضا يدلّ على أنّه لا يجوز العمل بالاستصحاب إلّا في بعض الصّور الذي هو ما علم الرّافع و لكن الشّك في وجوده. و يظهر منه (رحمه اللّه) في غير هذا المواضع نفي حجّية الاستصحاب في الأمور الخارجيّة مطلقا.

132

[حاصل الأقوال‏]

فحاصل الأقوال رجع الى ثمانية: الأوّل: الحجّية مطلقا (1).

الثاني: عدمها مطلقا (2).

الثالث: الحجّية في نفس الحكم الشرعيّ دون الأمور الخارجيّة (3).

الرابع: العكس.

الخامس: الحجّية في نفس الحكم الشرعيّ إذا ثبت بغير الإجماع.

السادس: الحجّية فيه إذا كان وضعيّا دون غيره‏ (4).

السابع: الحجّية فيه إذا كان مستمرّا الى غاية معيّنة و حصل الشّك في حصول الغاية (5).

الثامن: الحجّية فيه إذا كان الشّك في حصول الرّافع المعلوم الرّافعيّة لا غير (6).

و الأظهر هو القول بالحجّية مطلقا كما هو ظاهر أكثر المتأخّرين.

لنا: وجوه من الأدلّة.

____________

(1) و هو المشهور أو قل الأكثر عنه فقهائنا (رحمه اللّه) راجع «التمهيد» ص 371 قاعدة 96، «الوافية» ص 218، «المعالم» ص 523، «الزبدة» ص 106، رسالة الاستصحاب من «الرسائل الأصولية» ص 424 للوحيد البهبهاني.

(2) كما في «الوافية» ص 203، و «الحدائق الناضرة» 1/ 52، و غيرهما.

(3) و قد حكاه بعض المعاصرين كما نقل في «الفصول» ص 367.

(4) كما و قد أحصاها الوحيد في «فوائده» ص 275، و «رسائله- رسالة الاستصحاب» ص 424، و صاحب «الفصول» ص 367، بل وصل بها الى اثني عشر قولا.

(5) ذهب إليه الفاضل الخوانساري في «شرح الدروس» 1/ 76 في مبحث الاستنجاء بالأخبار.

(6) ذهب اليه الفاضل السّبزواري في «الذخيرة» ص 116 في بيان حكم الكرّ المسلوب اطلاقه بممازجة المضاف المتنجس.

133

الأوّل [في مظنون البقاء]

إنّ الوجدان السّليم يحكم بأنّ ما تحقّق وجوده أو عدمه في حال أو في وقت و لم يحصل الظنّ بطروّ عارض يرفعه، فهو مظنون البقاء، و على هذا الظنّ بناء العالم و أساس عيش بني آدم من الاشتغال بالحرث و التجارة، و بناء الدّار و البستان، و إرسال المكاتب الى الأمكنة البعيدة، و المسافرة الى الجزائر، و البلاد الواقعة في السّواحل، و القراض‏ (1)، و غير ذلك ممّا يرتكبه العقلاء و الأزكياء، من دون لزوم سفه أو منقصة عليهم.

و هذا الظنّ ليس من محض الحصول في الآن السّابق‏ (2)، لأنّ ما ثبت جاز أن يدوم و جاز أن لا يدوم، بل لأنّا إذا فتّشنا من الأمور الخارجيّة من الأعدام‏

____________

(1) القراض في كلام أهل الحجاز المضاربة، و منه حديث الزهري: لا تصلح مقارضة من طعمته الحرام، يعني القراض كما في «لسان العرب» قال الزّمخشري: أصلها من القرض في الأرض و هو قطعها بالسّير فيها، و كذلك هي المضاربة أيضا من الضّرب في الأرض.

(2) و قد وافق في ذلك السيد صدر الدين فقال بعد دعوى رجحان البقاء: إنّ الرّجحان لا بد له من موجب، لأنّ وجود كل معلول يدل على وجود علّة له إجمالا و ليست هي اليقين المتقدّم بنفسه، لأنّ ما ثبت جاز أن يدوم و جاز أن أن لا يدوم، و يشبه أن يكون هي كون الأغلب في أفراد الممكن القار أن يستمر وجوده بعد التحقّق، فيكون رجحان وجود هذا الممكن الخاص للإلحاق بالأعم الغالب، هذا إذا لم يكن رجحان الدّوام مؤيّدا بعادة أو أمارة و إلّا فيقوى بهما، و قس على الوجود حال العدم إذا كان يقينا، انتهى، و كلامه (قدس سرّه) في تتميم الدّليل يتضمّن دعويين: إحداهما قضاء الوجدان بحصول ظنّ البقاء في موارد الاستصحاب، و أخراهما كون منشئه الغلبة و كلّ محل بحث. هذا كما أفاد السيد علي القزويني في حاشية.

134

و الموجودات، وجدناها باقية مستمرّة بوجودها الأوّل غالبا على حسب استعداداتها و تفاوتها في مراتبها، فنحكم فيما لم نعلم بحاله بما وجدناها في الغالب إلحاقا بالأعمّ الأغلب.

ثمّ إنّ كلّ نوع من أنواع الممكنات يلاحظ فيه زمان الحكم ببقائه بحسب ما غلب فيه أفراد ذلك النوع. فالاستعداد الحاصل للجدران القويمة يقتضي مقدارا من البقاء بحسب العادة، و الاستعداد الحاصل للإنسان يقتضي مقدارا منه، و للفرس مقدارا آخر، و للحشرات مقدارا آخر، و لدود القزّ، و البقّ، و الذّباب مقدارا آخر (1)، و كذا للرطوبة في الصيف و الشتاء، و هكذا.

فهنا مرحلتان:

الأولى: إثبات الاستمرار في الجملة.

و الثانية: إثبات مقدار الاستمرار.

ففيما جهل حاله من الممكنات القارّة، يثبت ظنّ الاستمرار في الجملة بملاحظة حال أغلب الممكنات، مع قطع النّظر عن تفاوت أنواعها، و ظنّ‏ (2) مقدار خاصّ من الاستمرار بملاحظة حال النّوع الذي هو من جملتها.

فالحكم الشرعيّ مثلا نوع من الممكنات قد يلاحظ من جهة ملاحظة مطلق الممكن، و قد يلاحظ من جهة ملاحظة مطلق الأحكام الصّادرة عن الموالي الى العبيد [العبد]، و قد يلاحظ من جهة ملاحظة سائر الأحكام الشرعيّة، فإذا أردنا

____________

(1) تأمّل دقة المصنّف في الأمثلة التي عرضها، فقد رتبها و بدأ بأطولها بقاء ثم الأقصر فالاقصر و هكذا.

(2) عطف على يثبت ظنّ الاستمرار في الجملة أي و يثبت ظنّ مقدار ... الخ.

135

التكلّم في استصحاب الحكم الشّرعيّ فنأخذ الظنّ الذي ادّعيناه من ملاحظة أغلب الأحكام الشرعيّة، لأنّه الأنسب به و الأقرب إليه، و إن أمكن ذلك بملاحظة أحكام سائر الموالي و عزائم سائر العباد أيضا.

ثمّ إنّ الظنّ الحاصل من جهة الغلبة في الأحكام الشرعيّة. محصّله: إنّا نرى أغلب الأحكام الشرعيّة مستمرّة بسبب دليلها الأوّل، بمعنى أنّه ليس أحكامه آنيّة مختصّة بآن الصّدور، بل يفهم من حاله من جهة أمر خارجيّ عن الدّليل، أنّه يريد استمرار ذلك الحكم الأوّل، من دون دلالة الحكم الأوّل على الاستمرار، و إذا رأينا منه في مواضع غير عديدة أنّه اكتفى حين إبداء الحكم بالأمر المطلق القابل للاستمرار و عدمه، ثمّ علمنا أنّ مراده كان من الأمر الأوّل الاستمرار، فنحكم فيما لم يظهر مراده من الاستمرار و عدمه بالاستمرار، و نقول: إنّ مراده هنا أيضا من الأمر؛ الاستمرار إلحاقا بالأغلب، فقد حصل الظنّ بالدّليل، و هو قول الشّارع بالاستمرار، و كذلك الكلام في موضوعات [الموضوعات‏] الأحكام‏ (1) من الأمور الخارجيّة، فإنّ غلبة البقاء يورث الظنّ القويّ ببقاء ما هو مجهول الحال، و لمّا لم يكن وجود الممكن إلّا بوجود علّته التامّة فيعلم أنّ غالب الموجودات المستمرّة (2) علّتها موجودة إمّا بكون علّة الوجود هي علّة البقاء على حسب معتاد المعلولات، أو بتجدّد العلّة للبقاء، بل يمكن أن يقال ذلك‏ (3) في الحكم‏

____________

(1) فإن هذا الحكم ليس مختصا فقط بالأحكام الشرعية، بل يجري في موضوعات الأحكام أيضا.

(2) صفة لغالب الموجودات لا لقوله: الموجودات، و إلّا لم يكن لقوله: غالب فائدة، بل يكون مضمرا، فتأمّل، هذا كما في الحاشية.

(3) أي عدم إمكان وجود الممكن إلّا بوجود علّته، إمّا أن يكون علّة الوجود، بل علّة

136

الشرعيّ أيضا، فإنّه كما يمكن أن يكون علّة البقاء هو الأمر الأوّل و كان القرائن الخارجيّة كاشفة عنه‏ (1)، يمكن أن يكون علّة الاستمرار شيئا آخر، و هو نفس القرائن الخارجيّة من تنصيص آخر أو إجماع على الاستمرار و نحو ذلك.

و الحاصل، أنّ العمدة هو إثبات الظنّ بالبقاء في كلّ ما ثبت، و قد أثبتناه من الضّرورة و الوجدان، و منكره مكابر.

و لا يهمّنا إثبات السّبب الباعث على الظنّ و إن كان الظّاهر أنّه هو الغلبة على حسب تفاوت العادة المستندة (2) حصولها إلى علل لتلك الأفراد الحاصلة، و إنّما اللّائق بالبحث إثبات حجّية هذا الظنّ نظرا الى أنّ الأصل حرمة العمل بالظنّ إلّا ما خرج بالدّليل، و قد بيّنا سابقا في مباحث الأخبار حجّية ظنّ المجتهد مطلقا إلّا ما أخرجه الدّليل، و أنّ هذا الأصل غير مسلّم، فإنّ دليله إن كان هو الإجماع فهو فيما نحن فيه ممنوع، إذ هو أوّل الكلام، و إن كان ظواهر الآيات و الأخبار، فإن كان دليل حجّية تلك الظّواهر؛ الآيات، فحجّيتها فيما نحن فيه أوّل الكلام، و إن كان غيره، فإن كان هو دعوى القطع بسبب تواترها، ففيه: أنّ غايته تواتر معنى اللّفظ (3) في الجملة لا عموما، إذ دعوى القطع بالمعنى كليّة فيما نحن فيه ممنوع،

____________

- البقاء أو تتجدّد العلّة للبقاء، كما في الحاشية.

(1) فإنّ السّبب الباعث على ظنّ البقاء في مورد الاستصحاب في الأحكام يمكن أن يكون هو الغلبة و يمكن أن يكون القرائن الخارجية، فعلى هذا يكون الاستصحاب من باب الشّرع لا العقل.

(2) صفة العادة، و في بعض النسخ المستند بلا تاء التأنيث فحينئذ التّذكير باعتبار متعلّقها و هو الحصول، كما عن الحاشية.

(3) تواترا معنويّا فلا دلالة على العموم.

137

و إن كان دعوى الظنّ و الظّهور، فأيّ دليل على حجّيته إلّا حجّية ظنّ المجتهد و هو موجود فيما نحن فيه، و فيما ذكرنا ثمّة غنية عن الإعادة فراجعها.

و أمّا ما استدلّ به الآخرون من أنّ ما ثبت دام‏ (1)، فهو كلام‏ (2) خال عن التحصيل.

و غاية توجيهه ما ذكره المحقّق (رحمه اللّه)(3) قال: المقتضي للحكم الأوّل ثابت فيثبت الحكم، و العارض لا يصلح رافعا له، فيجب الحكم بثبوته في الثاني.

أمّا أنّ مقتضى الحكم الأوّل ثابت فلأنّا نتكلّم على هذا التقدير.

و أمّا أنّ العارض لا يصلح رافعا له، فلأنّ العارض إنّما هو احتمال تجدّد ما يوجب زوال الحكم، لكن احتمال ذلك يعارضه احتمال عدمه فيكون كلّ منهما مدفوعا بمقابله، فيبقى الحكم الثّابت سليما من رافع‏ (4).

و أنت خبير بما فيه، إذا المقتضي للحكم الأوّل إن سلّم كونه مقتضيا حتّى في الأوان اللّاحقة، فلا معنى للاستصحاب، بل هو محض النصّ، و إن فرض كونه مقتضيا في الآن الأوّل فقط، فلا معنى لاقتضائه في غيره، و إن أخذ كونه مقتضيا في الجملة، فتساوي احتمال وجود الرّافع و عدمه و تساقطهما لا ينفع في إثبات الحكم في الأوان اللّاحقة من جهة المقتضي، بل عدم المقتضي حينئذ هو مقتضى العدم كما مرّ إليه الإشارة.

____________

(1) و نقل مثله في «المعارج» ص 206، و «المعالم» ص 521.

(2) لما كنت قد عرفته بأنّ ما ثبت جاز أن يدوم و جاز أن لا يدوم.

(3) الحلّي في «المعارج» ص 206.

(4) الى هنا ينتهي كلام المحقق (رحمه اللّه).

138

الثاني: [الأخبار الدّالة على حجّيته عموما]

الأخبار المستفيضة عن أئمّتنا (عليهم السلام) الدّالة على حجّيته عموما، مثل صحيحة زرارة (1) عن الباقر عليه الصلاة و السلام. قال: قلت له: الرّجل ينام و هو على وضوء، أ توجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: «يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب، و الأذن، فإذا نامت العين، و الأذن، و القلب، وجب الوضوء.

قلت: فإن حرّك على جنبه شي‏ء و لم يعلم به. قال: لا، حتّى يستيقن أنّه قد نام، حتّى يجي‏ء من ذلك أمر بيّن و ألّا فإنّه على يقين من وضوئه، و لا تنقض اليقين أبدا بالشّك و إنّما تنقضه بيقين آخر».

و اليقين و الشّك في الحديث محمولان على العموم‏ (2)، أمّا على ما اخترناه في محلّه، من كون المفرد المحلّى باللّام حقيقة في تعريف الجنس و جواز تعليق الأحكام بالطبائع فواضح، لعدم انفكاك الطبيعة عن الأفراد.

و أمّا على القول بالاشتراك أو عدم تعلّق الأحكام بالطبائع، فعدم القرينة على الفرد الخاص المعيّن و استلزام إرادة فرد ما الإغراء بالجهل يعيّن الحمل على الاستغراق.

و لا يرد عليه‏ (3) حينئذ أنّه يصير من باب رفع الإيجاب الكلّيّ لوقوعه في حيّز

____________

(1) كما في «الوسائل» 1/ 247 الباب الأوّل من أبواب نواقض الوضوء، ح 1.

(2) و فرضه من هذا الكلام اثبات حجية الاستصحاب مطلقا لا خصوص اثبات استصحاب الطهارة فقط كما ظن بعض.

(3) دفعا لما يمكن أن يقال: بأنّ اليقين و الشّك لو كانا مفيدين للعموم فمجيئهما عقيب‏

139

النّفي، لأنّه بعيد عن اللّفظ، و ينفيه التّأكيد بقوله: أبدا، فيصير ذلك من باب: لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (1). مع أنّ كون قوله (عليه السلام): «و لا ينقض اليقين أبدا بالشّك»، في قوّة الكبرى الكليّة (2) لإثبات المطلوب، يعيّن ذلك أيضا. و جعل الكبرى منزّلة على إرادة يقين الوضوء، بعيد لإشعار قوله (عليه السلام): فإنّه على يقين من وضوئه. على ذلك فيكون الكبرى حينئذ بمنزلة التكرار.

و من ذلك يظهر أنّ القول بأنّ سبق حكاية يقين الوضوء يمكن أن يصير قرينة للعهد فيحمل عليه أيضا بعيد، سيّما مع ملاحظة أنّ المعهود هو الشّخص لا نوع يقين الوضوء إلّا أن يرتكب فيه نوع استخدام، و هو خلاف الظّاهر.

و الحاصل، أنّه لا يحسن الإشكال في العموم في اليقين، و كذلك لفظ الشّك لأنّه تابع لليقين، و المفهوم من الكلام أنّ موضعهما واحد.

هذا و لمّا كان من البديهيّات الأوّليّة عدم اجتماع اليقين و الشّك في شي‏ء واحد، بل و لا الظنّ و الشّك‏ (3) أيضا، فلا يمكن حمل اللّفظ على ظاهره.

فمعنى عدم جواز نقض اليقين بالشّك، عدم جواز نقض حكم اليقين، فما كان‏

____________

- النّفي، يفيدان نفي العموم لا عموم النّفي، و حينئذ مفاد ذلك السّالبة الجزئية، فلا يفيد حجّية الاستصحاب مطلقا. فيجيب عن هذا انّه بعيد عن اللّفظ إذ الظّاهر من اللفظ عموم النّفي لا نفي العموم، و ينفي هذا الاحتمال قوله: أبدا ... الخ. فحينئذ مفاده كمفاد إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ في إفادة عموم النّفي.

(1) لقمان: 18.

(2) بمعنى أنّ اليقين بالوضوء و العلم به، و ليس شي‏ء من اليقين يجوز نقضه بشك، فإذا ليس حكم اليقين بالوضوء مما يجوز نقضه بالشّك.

(3) قال في الحاشية منه (رحمه اللّه): فيه تعريض الى الشهيد في «الذكرى» حيث قال: إنّ مآله الى اجتماع الظنّ و الشّك.

140

حكم الوضوء في حال تيقّنه و هو جواز الدّخول في الصلاة مثلا، لا يجوز نقضه بالشّك في الوضوء.

ثمّ [إنّك‏] إذا تأمّلت في فقه الحديث، تعلم أنّ نظر الإمام (عليه السلام) على نفي تحقّق النّوم في الخارج ليس أقلّ من نظره الى إثبات الطّهارة، و توجّهه (عليه السلام) الى بيان ما به يتحقّق النّوم و غلبته باستيلائه على القلب و الأذن دون العين فقط، يفيد أنّه (عليه السلام) اعتبر اليقين في الأمور الخارجيّة أيضا، و إن كان من أسباب الأمور الشرعيّة، فلا وجه للقول بتخصيص دلالة الحديث باستصحاب الأحكام الشرعيّة دون الخارجيّة، لأنّ ذلك إنّما هو شأنهم، و من قبيل حصول النّوم في الخارج حصول الجفاف و الرّطوبة و أمثال ذلك ممّا يتعلّق بها الأحكام الشرعيّة.

و أمّا ما ذكره المحقّق الخوانساري (رحمه اللّه)(1): من أنّ الرّواية لا تدلّ إلّا على ما ثبت استمراره الى غاية من جهة الشّرع، تمسّكا بأنّ المراد من عدم نقض اليقين بالشّك هو عدم النقض عند التّعارض، و معنى التّعارض هو أن يكون الشّي‏ء موجبا لليقين لو لا الشّك.

فقد أورد عليه: بأنّه كذلك في استصحاب القوم أيضا، يعني ما لم يثبت الاستمرار الى غاية أيضا، سواء ثبت الاستمرار في الجملة أو ثبت الحكم على الإطلاق، إذ المفروض أنّ الكلام ليس فيما كان مقيّدا بوقت أو ما اختصّ ثبوته بآن، فإنّ الشّك لو فرض عدم عروضه في الزّمان الذي عرض فيه أو عند الحال التي فرض عروضه عندها حينئذ، لكنّا قاطعين بالبقاء أيضا، لأنّ عدم العروض إنّما يكون عند القطع بأنّ جزء من أجزاء علّة الوجود لم يرتفع، و مع عدم ارتفاعه‏

____________

(1) فإنّ إيراده على الاستعمال أيضا هو إيراد على كليّة كبراه.

141

يحصل اليقين بوجود المعلول، لأنّ بقاء المعلول إنّما هو ببقاء العلّة التامّة، و زواله إنّما هو بعدمها.

و حاصل هذا الإيراد، هو استدلال آنيّ على أنّ علّة الوجود في هذا المعلول هو علّة البقاء الى آن حصول الشّك. يعني يظهر من فرض انتفاء الشّك أنّ العلّة الموجدة هي المبقية، فلا يرد الاعتراض على الإيراد بأنّ انتفاء الشّك إنّما يستلزم ثبوت اليقين لو ثبت أنّ علّة الوجود في الآن الأوّل هو علّة الوجود في الآن الثاني أيضا. فكما أنّ انتفاء الشّك في الصّورة التي فرضها المستدلّ، يوجب اليقين بالحكم بسبب الاستمرار المنصوص عليه من الشّارع، فكذلك فيما ذكره القوم، انتفاء الشّك يوجب اليقين بالحكم، ضرورة عدم الواسطة بين الشّك و اليقين بالحكم السّابق.

فإنّ المراد هنا (1) من الشّك ما ينافي اليقين السّابق و هو أعمّ من الظنّ، و القطع بانتفاء الحكم السّابق أيضا ليس كلامنا فيه حتّى يقال: إنّه إذا انتفى الشّك فقد يثبت اليقين بالوجود و قد يثبت اليقين بالعدم، بل الكلام إنّما هو في ثبوت الحكم السّابق و الشّك في زواله، بحيث لولاه لثبت الحكم السّابق مع الفراق من انتفاء احتمال القطع بالعدم.

و الحاصل، أنّ المراد بالشّك هنا احتمال زوال الحكم السّابق، لا مجرّد التردّد بين الاحتمالين، فإذا انتفى هذا الاحتمال، لا يبقى إلّا اليقين السّابق مع أنّ ذلك يضرّ المستدلّ أيضا، فإنّ الشّك فيما فرضه على هذا التقدير إذا فرض انتفاؤه‏

____________

(1) و هنا بيان لعدم وجود واسطة بين اليقين و الشّك، و أنّ المراد من الشّك هو احتمال زوال اليقين فيشمل الظّن بعدم البقاء.

142

فلا يثبت استصحابه، لاحتمال تحقّقه في ضمن القطع بعدم الحكم السّابق، لا بانسحابه.

لا يقال: إنّ الشّك قد يوجبه نفس الدّخول في الوقت الثاني، و فرض عدمه إنّما هو بفرض عدم الوقت الثاني، و هو لا يثبت إلّا اليقين في الآن الأوّل، فلم يتّحد مورد الشّك و اليقين، بخلاف ما ذكره المستدلّ، فإنّه إذا فرض انتفاء الشّك فيثبت اليقين في محلّه من جهة نصّ الشّارع على الاستمرار، لأنّا نقول: مع أنّ هذا الفرض نادر الوقوع سيّما في الأحكام الشرعيّة المفروض عدم ملاحظة اعتبار الآن الأوّل، و لا عدم اعتبار الآن الثاني، غاية الأمر حصول اليقين في الآن الأوّل لا بشرط الآن الأوّل، فالقدر المتحقّق إنّما هو ثبوته في ظرف الخارج، و انتفاء الشّك يحصل مع ملاحظة عدم اعتبار ثانويّة الآن الثاني، و لا يحتاج الى اعتبار عدم الآن الثاني حتّى ينتقل الى الآن الأوّل.

و يفيد اليقين في الآن الأوّل مع أنّه يرد النّقض فيما لو فرض فيما فرضه المستدلّ أيضا أن يصير الآن المتأخّر سببا للشّكّ في ثبوت الاستمرار المنصوص عليه الى غاية معيّنة، هل هو ثابت فيه أو ينحصر في الآنات المتقدّمة عليه حرفا بحرف.

و الحاصل، أنّ ما ذكره في معنى الحديث أنّه لا ينقض اليقين المفروض في زمان الشّك الذي لو لا الشّك لكان ثابتا بالشّك، و هو مع أنّه يجري في استصحاب القوم ليس بأولى من أن يقال: المراد بالحديث: لا ينقض حكم اليقين الثّابت سابقا بسبب الشّك كما أشرنا، بل هذا أولى و أظهر، و هو المتبادر من الحديث.

و أمّا قوله (رحمه اللّه) في جملة ما نقلنا عنه سابقا (1): قلت فيه تفصيل، فمرجعه ليس الى القول بعدم التفرقة بين الصّورتين، و أنّ الفرق إنّما يتحقّق بثبوت الاستمرار الى‏

____________

(1) في الصفحة 76 من هذا الكتاب، و القول هو قول المحقّق الخوانساري.

143

غاية و عدمه كما اختاره أوّلا كما قد يتوهّم، بل التفصيل في الصورة الأولى‏ (1)، و الفرق بين الشّك في كون الشّي‏ء فردا من أفراد المزيل، مع العلم بكونه ماهيّة واحدة، و الشّك في تعدّد ماهيّة المزيل، و لم يتعرّض لبيان عدم الفرق، و سنبيّنه.

و أمّا ما ذكره المحقّق السبزواري (رحمه اللّه) من الفرق بين الأقسام المذكورة في كلامه، و هو أيضا لا يرجع الى محصّل، فلتذكر [فلنذكر] أوّلا أمثلة للصّور المذكورة، ثمّ نتعرّض لإبطال الفرق.

فمثال الأوّل: استمرار علاقة الزّوجيّة مع الشّك في ثبوت موت الزّوج، و استمرار نجاسة البدن و الثوب مع الشّك في الغسل.

و مثال الثاني: استمرار الطهارة الى زمان الحدث مع الشّك في كون المذي حدثا إذا حصل المذي، من جهة تعارض الأدلّة و استمرار نجاسة البدن و الثوب الى زمان التطهير بالماء، مع غسله بماء السّيل المشكوك في كونه ماء.

و مثال الثالث: كلّ شي‏ء مجهول الحال، الذي فيه حلال و حرام، فهو حلال حتّى تعرف أنّه حرام. فإنّ الحلال و الحرام ماهيّتان معلومتان و أفرادهما الواقعيّة أيضا معلومة متعيّنة في متن الواقع، بحيث لو علم أنّه مغصوب يقال: إنّه حرام، و لو علم أنّه من المباحات الأصليّة المحازة من دون تعدّد يقال: إنّه حلال، لكن بسبب الاختلاط و الاشتباه الخارجيّين اللّذين أوجبا تعذّر المعرفة، لا يعلم أنّ هذا الشّخص الموجود المجهول الحال، فرد من أيّ الصّنفين و متّصف بأيّهما (2).

____________

(1) و هي الشّك في أنّ كون الشي‏ء مزيلا.

(2) و المثال الذي قد ذكره المصنّف لا يعرف أنّ المستصحب أي شي‏ء، نعم يعرف منه أنّ فرد الحلال و الحرام قد يختلطا و يشتبها، و حينئذ يتعذر المعرفة بحالهما، و قد مثّل-

144

و مثال الرّابع: الشّك في كون استحالة الكلب بالملح إذا وقع في المملحة، مطهّرا.

و أقول: إنّ دلالة الخبر على الأقسام الأربعة واضحة، و لا اختصاص له بالصّورة الأولى، فإنّ كلّ ذلك من موارد نقض اليقين بالشّك.

قوله: بل إنّما حصل النّقض باليقين بوجود ما يشكّ ... الخ.

فيه: أنّ المتبادر من الخبر، أنّ موضع الشّك و اليقين و موردهما شي‏ء واحد، فاليقين بوجود المذي مثلا لم يرد على اليقين بالطهارة، بل هما أمران متغايران، فالشّك و اليقين كلاهما لا بدّ أن يلاحظ بالنّسبة الى الطهارة، فمراد من لا يفرّق بين الصّور أنّ وجود المذي بعنوان اليقين، لمّا كان يستتبع الشّك بزوال الطهارة التي كانت يقينيّة، فقد صدق تواردهما على موضوع واحد، و هكذا غيره من الأمثلة.

قوله: فإنّ الشّك في تلك الصّور كان حاصلا من قبل ... الخ.

فيه: أنّ ما كان حاصلا من قبل هو الشّك في كون نوع هذا الشّي‏ء دافعا لنوع ذلك الحكم.

و أمّا الشّك في رفع الحكم الخاصّ، فإنّما حصل بشخص الشّك الحاصل من جهة يقين حصول هذا الشّي‏ء الخاصّ، فإنّ حصول ما هو مشكوك في كونه من الرّافعات، مستلزم للشّك في رفع هذا الحكم الخاصّ بحصوله الخاصّ بعد الحكم الخاصّ، و هذا

____________

- صاحب «الفصول» بما لو شك المتطهر في كون الخارج منه بولا أو دما مع عدم إمكان التّميز بالمشاهدة، و كالتّيمم بما يشك في كونه أرضا أو معدنا مع عدم إمكان التّميّز، كما ذكر في «الفصول» ص 372 و هو الأنسب في المقام، هذا و لم أذكر عبارة مع إمكان المشاهدة أيضا التي هي لصاحب «الفصول» حتى ينطبق الكلام على ظاهر عبارة المحقق السّبزواري.

145

الشّك لم يكن من قبل، فصدق أنّ اليقين انتقض بالشّك لا باليقين و هذا ظاهر.

و ممّا ذكرنا (1)، ظهر أنّ العلّة التامّة أو الجزء الأخير منها هو الشّك المسبّب عن هذا اليقين لا نفس اليقين، و صحيحة [و صحيحته‏] الأخرى و هي مذكورة في زيادات كتاب الطهارة من «التهذيب» و هي طويلة و فيها مواضع من الدّلالة ممّا يقرب من صحيحته المتقدّمة و صحيحته الأخرى أيضا، و هي مذكورة في باب السّهو في الثلاث و الأربع من «الكافي» (2) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «و إذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع و قد أحرز الثلاث، قام فأضاف إليها ركعة أخرى و لا شي‏ء عليه، و لا ينقض اليقين بالشّك و لا يدخل الشّك في اليقين، و لا يخلط أحدهما بالآخر، و لكنّه ينقض الشّك باليقين و يتمّ على اليقين فيبني عليه، و لا يعتدّ بالشّك في حال من الحالات» (3).

و ما رواه الشيخ‏ (4) عن الصفّار عن عليّ بن محمد القاساني قال: كتبت إليه (عليه السلام) و أنا بالمدينة عن اليوم الذي يشكّ فيه من رمضان هل يصام أم لا؟ فكتب (عليه السلام):

«اليقين لا يدخل فيه الشّك، صم للرؤية و أفطر للرؤية».

____________

(1) من مراد المحقّق السّبزواري من العلّة التّامة في غير الصّورة الأولى هو مجموع الشّك و اليقين، و مراده من الجزء الأخير هو اليقين بوجود ما يشك، و المصنّف يقول: إنّ العلّة التامّة الخبر الأخير هو الشّك في المسبّب عن اليقين لا نفس اليقين.

(2) 3/ 352 ح 3.

(3) و في «الاستبصار» ج 1 في أبواب السّهو 216 ح 1417، و «التهذيب» باب 10 في أحكام السهو في الصلاة و ما يجب إعادة الصلاة ح 41، «جامع أحاديث الشيعة» 5/ 66 في الخلل باب 24 ح 4.

(4) في «التهذيب» 4/ 214 ح 28، «الوسائل» 10/ 256 باب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 13.

146

و ما رواه العلّامة المجلسيّ (رحمه اللّه) في «البحار» (1) في باب من نسي أو شكّ في شي‏ء من أفعال الوضوء عن «الخصال» (2) عن أبيه عن سعد بن عبد اللّه، عن محمّد بن عيسى اليقطيني، عن القاسم بن يحيى، عن جدّه الحسن بن راشد، عن أبي بصير و محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «من كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه فإنّ الشّك لا ينقض اليقين».

و في أواخر «الخصال» (3) في حديث الأربعمائة عن الباقر (عليه السلام) عن أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام قال: «من كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه فإنّ الشّك لا ينقض اليقين».

و عن «البحار» (4) أيضا أنّ أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام قال: «من كان على يقين فأصابه الشّك فليمض على يقينه، فإنّ اليقين لا يدفع بالشّك».

ثمّ قال: أصل هذا الخبر في غاية الوثاقة و الاعتبار على طريقة القدماء، و إن لم يكن صحيحا بزعم المتأخرين، و اعتمد عليه الكليني و ذكر أكثر أجزائه متفرّقة في أبواب «الكافي»، و كذا غيره من أكابر المحدّثين. انتهى.

و لا يخفى أنّ ما ذكره مع اعتضادها بغيرها من الأخبار الصحيحة، و دليل العقل يجعلها أقوى من الصّحيح- باصطلاح المتأخّرين- بكثير.

____________

(1) 77/ 359 ح 2.

(2- 3) ص 619

(4) 2/ 272 ح 2، و «الإرشاد» ص 159 للشيخ المفيد.

147

الثالث الرّوايات الكثيرة الدالّة عليها باجتماعها

، فإنّها و إن كانت واردة في موارد خاصّة، لكنّ استقراءها و التأمّل فيها يورث الظنّ القويّ بأنّ العلّة في تلك الأحكام هو الاعتماد على اليقين السّابق، و هذا ليس من القياس في شي‏ء، بل في كلّ من الرّوايات إشعار بالعليّة لو لم نقل باستقلاله في الدلالة، فلا أقلّ من أنّه يفيد ظنّا ضعيفا بها، فإذا اجتمعت‏ (1) الظّنون الضّعيفة فيقوى في غاية القوّة، و يصدق عليه أنّه ظنّ حصل من كلام الشّارع لا من الترديد أو الدّوران و نحوهما، و إن شئت جعلته من عموم ظنّ المجتهد الذي أثبتنا حجّيته.

و الفرق بينه و بين الدّليل الأوّل أنّ المعتمد في الأوّل الظنّ الحاصل بسبب وجود الحكم في الآن السّابق، و فيما نحن فيه الظنّ الحاصل من تلك الأخبار، بأنّ العمل على مقتضى اليقين السّابق لازم و إن لم يكن مظنونا في نفسه، و بينهما فرق بيّن.

فمن الرّوايات قول الصادق عليه الصلاة و السلام في موثّقة عمّار (2): «كلّ شي‏ء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر». و قوله (عليه السلام) أيضا (3) بطرق متعدّدة: «كلّ ماء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر».

و وجه انطباقهما على الاستصحاب ظاهر إذا جعلنا المراد أنّ كلّ شي‏ء أو كلّ ماء يحكم بطهارته حتّى يحصل العلم بإصابة ما يعلم أنّه نجس إيّاه، مثل الشّك في‏

____________

(1) في نسخة الأصل (اجتمع).

(2) و كذا ذكره المصنّف في «جامع الشّتات» 2/ 47

(3) «الوسائل» 1/ 133 ح 323 و فيه: إلا ما علمت، و في «الوسائل» أيضا و 27/ 174.

148

إصابة البول للثوب أو الماء.

و هناك معنيان آخران يمكن‏ (1) حمل الرّوايتين عليهما، نظير قوله (عليه السلام): «كلّ شي‏ء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام». كما تقدّم الكلام فيه‏ (2).

فنقول على حملها على الشّبهة في الموضوع: إنّ الأشياء أو المياه بعضها متّصف في الخارج بالنجاسة الواقعيّة التي يعلم أنّ ملاقيها نجس، و بعضها غير متّصف بها و لكن اشتبه حال فرد من الأفراد أنّه من أيّهما. فنقول: إنّ الشّي‏ء المجهول الحال أو الماء المجهول الحال يحكم بأنّه طاهر واقعا من حيث إنّه مجهول الحال‏ (3)، و ظاهرا من حيث هو هذا الفرد حتّى يحصل العلم بأنّه هو الفرد النجس.

و على حملهما على الشّبهة في الحكم الشرعي، فنقول: إنّ هذا الشّي‏ء المشتبه الحكم في أنّه نجس أم لا، مثل العصير العنبيّ بعد الغليان أو الجسم الملاقي له، هل حكمه الشّرعيّ بالخصوص الطهارة أو النجاسة، فهو طاهر حتّى تعلم أنّه قذر.

و من هذا الباب ما استدلّ بعضهم‏ (4) على عدم تنجّس الماء القليل بملاقاة النجاسة بقوله (عليه السلام): «كلّ ماء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر». و هذا المعنى أبعد المعاني الثلاثة من اللّفظ.

____________

(1) فإنّ الرواية يمكن ان تنطبق على الاستصحاب، و البعض قد يجعلها منطبقة على الشّبهة الموضوعية و على الشبهة الحكمية إلّا أنّ الأظهر حملها على الاستصحاب.

(2) في أوائل القانون السّابق.

(3) و هذا الكلام شبيه لكلام السيد في شرحه «للوافية» حيث قال فيه: إنّ الطهارة او الإباحة حكم واقعي للشي‏ء من حيث إنّه غير معلوم الحكم، و حكم ظاهري له من حيث إنّه شي‏ء خاص ككونه هذا النوع من النبات او الحيوان، و لعل حكمه الواقعي من حيث الخصوصية مخالف لحكمه الظّاهري.

(4) كابن أبي عقيل كما نقل عنه في «المختلف» ص 177.

149

و توضيح المقام: أنّ قوله (عليه السلام): «كلّ شي‏ء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر». يحتمل معاني ثلاثة:

الأوّل: كلّ جزئيّ حقيقيّ من الأشياء علم طهارته سابقا واقعا أو شرعا، فهو محكوم بطهارته حتّى تعلم أنّه صار قذرا بملاقاة ما ينجّسه شرعا، كما إذا شكّ عند ترشّش البول في إصابته الثوب‏ (1).

و الثاني: كلّ جزئيّ حقيقيّ لم يعلم أنّه هل هو من الأشياء التي اتّصفت بالنجاسة بسبب ملاقاتها للنجاسة أم من الأشياء الباقية على طهارتها، فيحكم بكونه من الأشياء الباقية على الطهارة حتّى يعلم أنّه من الأشياء التي اتّصف بالنجاسة، كما لو اشتبه الثّوب المتنجّس بالثّوب الطّاهر.

و كذلك الكلام فيما لو اشتبه الجزئيّ الطاهر المعيّن بنجس العين، كالعذرة المتردّدة بين عذرة الإنسان و عذرة البقر (2).

و الثالث: كلّ مجهول الحكم بكلّيته، و بشخصه جميعا، المحتمل لأن يكون حكمه حكم الأعيان النّجسة بالذّات بكليّها كالكلب و العذرة، أو حكم الأعيان الطّاهرة بالذّات بكليّها، كالغنم و الظبي، و ذلك مثل ابن آوى، فهو طاهر حتّى تعلم أنّه نجس.

و كذلك المعاني الثلاثة في قوله (عليهم السلام): «كلّ ماء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (3).

و الفرق بين المعنى الثالث و المعنيين الأوّلين لزوم اعتبار المفهوم الكلّي في ذلك‏

____________

(1) فالشبهة في الحدوث.

(2) الشبهة في الحادث.

(3) فالشبهة في الحكم و في الحادث أيضا.

150

الشّي‏ء هنا، إذ الجهالة لم تتعلّق بحكم الجزئيّ من حيث إنّه جزئي، بل من حيث إنّه كلّيّ أو فرد لكلّيّ، نظير قوله (عليه السلام): «كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي». بخلاف الأوّلين.

و كذلك يعتبر هنا العلم بالنّجاسة من حيث الثّبوت من الدليل الشرعيّ على الوجه الكلّي، خلاف السّابقين، فإنّ العلم إنّما يحصل من الأمور الخارجيّة كالبيّنة و القرائن، فهذا من جملة الشّبهة في الحكم، و السّابقان من جملة الشّبهة في الموضوع.

إذا عرفت هذا، و ظهر لك الفرق بين المعاني، عرفت أنّ المعاني متغايرة متباينة لا يجوز إرادتها جميعا في إطلاق واحد، كما حقّقناه في أوائل الكتاب.

و القول بأنّ كلّ شي‏ء عامّ قابل لإرادة الكلّي و الجزئيّ، و كذلك العلم يشمل العلم بالكلّي و الجزئي، فيصحّ إرادة معنى عامّ يندرج الكلّ فيه، لا يصلح مع تفاوت إضافة الطهارة و القذارة الى الأشياء، و كذلك سبب العلم.

و لا ريب أنّ كلام المعصوم (عليه السلام) منزّل على موارد حاجات المكلّفين‏ (1).

و قد تختلف‏ (2) موارد الحاجات، فقد يمكن أن يراد بسبب موضع الحاجة أنّ كلّ شي‏ء طاهر، طاهر باليقين السّابق حتّى تعلم من الخارج ملاقاته للنجاسة، أو أنّ كلّ شي‏ء مشتبه بين أمور طاهرة و نجسة فيحكم بأنّه من الأشياء الطاهرة حتّى تعلم من الخارج أنّه من الأشياء النجسة، أو أنّ كلّ شي‏ء يحتمل أن يكون حكمه‏

____________

(1) فقد نزل بحسب موارد الحاجات للمكلّفين، و ليس مورد الحاجة إلّا أحد هذه الموارد فلا يمكن حمل الخبر على تمام المورد.

(2) في نسخة الأصل (يختلف).

151

الشّرعيّ الطهارة أو النجاسة فيحكم أنّه طاهر حتّى يعلم من جانب الشّرع أنّ حكمه النجاسة، مع أنّ المعنى الثالث يساوق أصل البراءة، و قد عرفت اشتراط العمل به بالفحص و البحث عن الدّليل، بخلاف المعنيين الأوّلين، و الرّواية ظاهرة في البناء على الطهارة من دون الفحص، و هو يناسب المعنيين الأوّلين، لا المعنى الثالث، لأنّه من المسائل الاجتهاديّة المحتاجة الى البحث و الفحص.

و إدخال المعنيين الأوّلين في الثالث بأن يقال: كلّ شي‏ء مجهول طهارته و نجاسته، سواء كان كابن آوى و الفأرة، أو كالجسم الطّاهر المشكوك الملاقاة بالنجس، أو كأحد الإناءين المشتبهين، فهو حتّى يعلم من الشّارع حكمه، فيصير الكلّ من باب الجهل بالحكم الشرعيّ، و لا ينافي شي‏ء منها لزوم الفحص عن الدليل، في غاية البعد من اللّفظ و المعنى.

و الحاصل، أنّ الجهالة بالحكم الشرعيّ إمّا جهالة به من حيث الخصوص، أو جهالة من حيث اشتباه الحكم في الخصوص بعد وضوحه في كلّ من المشتبهين، أو جهالة محضة مطلقة، و كذلك العلم الذي يحصل بالحكم يختلف باختلاف الجهالة، و لا بدّ في إرادة كلّ منهما من ذكر لفظ يدلّ عليه، فلا بدّ أن يحمل اللّفظ على ما هو الظّاهر فيه.

فنقول: ظاهر العموم هو العموم الأفرادي و إرادة الأشخاص لا الأنواع، فليس بظاهر في إرادة الكلّيّ و لا الجزئيّ بملاحظة الكلّيّ، و هو يرجع الى المعنيين الأوّلين، و الثاني أظهرهما.

فالاستدلال به على المعنى الثالث غير واضح، سيّما مع ملاحظة أنّ المتبادر من العلم هو اليقين الواقعي، و الغالب أنّه يحصل في الموضوع لا الحكم، لأنّ العلم بالحكم الشّرعيّ غالبا إنّما هو من الأدلّة الظنيّة، غاية الأمر كونها واجب العمل،

152

و هو لا يوجب العلّيّة الحقيقية، و لذلك قال (عليه السلام) في بيان الحكم المجهول محضا:

«كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي». لا حتّى يعلم أنّه حرام، مع أنّ حمله على المعنى الثالث مع ورود قوله (عليه السلام): «كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي». و كذلك على المعنى الأوّل مع ما ورد من الأخبار الدالّة على عدم جواز نقض اليقين بالشّك، يشبه التأكيد (1)، بخلاف إرادة المعنى الثاني فإنّه تأسيس‏ (2) كبيان الحلّ في قوله (عليه السلام): «كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال».

و ممّا يبعّد إرادة المعنى الأوّل و يقرّب المعنى الثاني، أنّ الظّاهر أنّ لفظ قذر صفة مشبّهة دالّة على الثّبوت، مناسبة الإرادة [لإرادة] ما ثبت قذارته بالذّات أو بسبب الملاقاة، لا فعل ماض مقيّد لتجدّد حصول القذارة، فيفيد أنّ الشّك إنّما هو في أنّ الشّي‏ء هو الطّاهر أو القذر (3)، لا في أنّ الشّي‏ء حصل له قذارة أم لا.

و حاصل المقام، أنّ إرادة معنى عامّ يشمل المعاني الثلاثة، لا يمكن إلّا مع التجوّز و التكلّف الذي لا يناسب الاستدراك.

و الحمل على المعنى الثالث دون الأوّلين بعيد لفظا و معنى‏ (4)، و كذلك إرادة

____________

(1) و قد تعرّض في «الفصول» ص 373 ما فيه فائدة في التّأكيد و التّأسيس.

(2) أي لو حمل الخبر لكان من قبيل التأكيد بخلاف لو حملناه على الشّبهة الموضوعية فيكون تأسيسا لبيان قاعدة الطهارة كتأسيس كل شي‏ء ... الخ في الشبهة الموضوعية لبيان قاعدة الحل، هذا كما في حاشية ميرزا محمد علي چهاردهي.

(3) و الفرق بين الصّورتين انّ موضوع الاستصحاب كان معلوم الطهارة سابقا، فلا بد و ان يحصل العلم، و أمّا في شبهة الموضوع فلم يكن الموضوع الخاص فيه بعينه معلوم الطهارة قبل زمان الشّك.

(4) إنّ البعد بحسب اللفظ لظاهر العموم في إرادة الأشخاص لا الأنواع، و لظاهر العلم كما كنت قد عرفت، و أمّا بحسب المعنى فالأمر واضح.