القوانين المحكمة في الأصول - ج3

- الميرزا القمي المزيد...
231 /
153

المعنى الأوّل دون الثاني، و فهم هذا المرام يحتاج الى تأمّل تامّ.

ثمّ نرجع الى ما كنّا فيه و نقول: إنّ انطباق الرّواية بالمعنى الأوّل على الاستصحاب ظاهر، و كذلك على المعنيين الأخيرين، و لكنّهما يرجعان الى استصحاب حال العقل، و هو البراءة الأصليّة.

و أمّا المعنى الأوّل فيمكن حمله عليه، و على استصحاب حال الشّرع إذا علم طهارته سابقا شرعا.

و منها: صحيحة عبد اللّه بن سنان الدّالّة على طهارة الثّوب الذي أعاره الذمّي، و عدم وجوب غسله لأنّه أعاره طاهرا و لم يستيقن بنجاسته، و قد مرّت الصحيحة الأخرى في شبهة الموضوع و ما في معناها إلى غير ذلك من الرّوايات.

الرّابع: [ما ثبت الإجماع على اعتباره‏]

إنّه ثبت الإجماع على اعتباره في بعض المسائل‏ (1)، كتيقّن الطهارة و الشّك في الحدث و عكسه، و تيقّن طهارة الثوب و الجسد و الشّك في نجاستهما، و بناء الشّاهد على ما شهد به ما لم يعلم رافعها، و الحكم ببقاء علاقة الزّوجيّة في المفقود، و كذا الحال [المآل‏] في عزل نصيبه من الميراث، و غير ذلك ممّا لا يحصى، فيكون حجّة، لأنّ علّة عملهم فيها هو اليقين السّابق فيجب العمل فيما تحقّقت علّته‏ (2)، أو لأنّه ثبت حجّيته في بعض المسائل، فلا قائل بالفصل.

و أورد عليه: بأنّ العلّة لعلّها كانت في خصوصها نصّ أو إجماع أو غير ذلك.

____________

(1) و كذا في «الفوائد» ص 275 للبهبهاني.

(2) من باب تنقيح المناط.

154

فدعوى العليّة ممنوع، و كذا دعوى الإجماع المركّب، إذ هي إنّما تتمّ لو ثبت أنّ عملهم إنّما كانت من جهة الاستصحاب، و الإنصاف أنّ ملاحظة هذه الموارد الكثيرة يورث الظنّ القويّ لو لم نقل بالعلم بأنّ المناط هو الاستصحاب.

و بالجملة، الأدلّة التي ذكرنا سيّما مع اجتماعها لا يبقى معها مجال الشّك و الرّيب في حجّية الاستصحاب و جواز الاعتماد عليه.

و احتجّ النافون: بالآيات و الأخبار الدالّة على حرمة العمل بالظّن إلّا ما أخرجه الدّليل، و لا دليل على حجّية هذا الظّن، و أنّه لا يجوز إثبات المسائل الأصوليّة بأخبار الآحاد.

و ربّما منع بعضهم حصول الظّن منه‏ (1) أيضا، و قد عرفت الجواب عن أدلّة حرمة العمل بالظنّ في باب خبر الواحد و إثبات حجّية ظنّ المجتهد، مع أنّك عرفت دلالة الأخبار عليه أيضا، بل الحقّ أنّ حجّية الأخبار (2) أيضا لا تثبت إلّا بإثبات حجّية ظنّ المجتهد كما بيّناه ثمّة.

و أمّا أنّ المسألة الأصوليّة لا تثبت بالظنّ، فقد عرفت أنّ التّحقيق خلافه ثمّة أيضا.

____________

(1) من الاستصحاب، و اعلم أنّ المعروف من المحقّقين النّافين أنّهم يمنعون حصول الظنّ و إلّا فكل ظن المجتهد يكون حجّة، مسلّم عندهم من جهة الدّليل الذي ذكروا: و هو أنّ باب العلم مسدود و الطريق منحصر في الظّن فيكون حجّة و لا ترجيح لظن على ظن، غير أنّ الظنّ الذي يحصل من القياس و الاستحسان و الرّمل و أمثالهما ليس بحجة عندهم وفاقا للوفاق، و لأنّه كان منهيا عنه في زمان الأئمّة (عليهم السلام) و الصّدر الأوّل، فكذا بعده، و قد استوفى ذكر ذلك الوحيد البهبهاني في «فوائده» ص 276، و في هذا الكلام كلام.

(2) التي تدل على حرمة العمل بالظنّ.

155

و أمّا إنكار حصول الظّن منه، فمع أنّه مكابرة لا يليق بالجواب، مدفوع بعدم الاحتياج إليه، نظرا الى الأخبار أيضا.

حجّة القول بالحجّية، في نفس الحكم الشرعيّ دون الأمور الخارجيّة: فهو دليل النافين من منع حجّية مطلق الظّن أو نفي الظّن و منع دلالة الأخبار، فإنّه لا يظهر شمولها للأمور الخارجيّة مثل رطوبة الثّوب و نحوها، إذ يبعد أن يكون مرادهم بيان الحكم في مثل هذه الأمور الذي ليس حكما شرعيّا، و إن كان يمكن أن يصير منشأ للحكم الشّرعيّ بالعرض، و مع عدم الظّهور لا يمكن الاحتجاج بها.

هكذا قرّر المنع المحقّق الخوانساري (رحمه اللّه) في «حاشية شرح الدّروس» قال:

و هذا ما يقال أنّ الاستصحاب في الأمور الخارجيّة لا عبرة به.

أقول: و فيه: أنّ اليقين و الشّك عامّان سيّما في رواية «الخصال». و بعد كون المراد بيان حكم الأمور الخارجيّة سيّما إذا كان مستلزما للأحكام الشرعيّة ممنوع، مع أنّ عدم جواز نقض اليقين في كلامه كما يرجع في الطهارة عن الحدث و الخبث الى إبقاء الطهارة بالمعنيين‏ (1)، فيرجع الى عدم النجاسة، و عدم وصول النّجس و عدم حصول ما يوجب الحدث أيضا كالنّوم و غيره كما لا يخفى على من تأمّل في الرّوايات، مثل ما في صحيحة زرارة (2): قلت: «إن رأيته في ثوبي و أنا في الصلاة؟ قال: تنقض الصلاة و تعيد إذا شككت في موضع منه ثمّ رأيته، و إن لم تشكّ ثمّ رأيته رطبا قطعت و غسلته ثمّ بنيت على الصلاة، لأنّك لا تدري لعلّه‏

____________

(1) اي الطهارة من الحدث و الخبث.

(2) «الوسائل» 3/ 483 باب 44 أبواب النجاسات ح 1، و قد رواها الشيخ الصدوق في «العلل» 361 باب 80 «جامع أحاديث الشيعة» 2/ 165 باب 23 من أبواب النجاسات ح 6.

156

شي‏ء أوقع عليك، فليس ينبغي أن تنقص [ينقض‏] اليقين بالشّك». الحديث.

بل قال المحدّث البارع الحرّ العاملي في كتاب «الفصول المهمّة في أصول الأئمّة (عليهم السلام)» (1). بعد ما ذكر فرقة من الأخبار التي ذكرنا: أقول: هذه الأحاديث لا تدلّ على حجّية الاستصحاب في نفس الحكم الشرعيّ، و إنّما تدلّ عليه في موضوعاته و متعلّقاته، كتجدّد حدث بعد الطهارة أو طهارة بعد الحدث أو طلوع الصبح أو طلوع الشمس أو غروبها أو تجدّد ملك أو نكاح أو زوالهما أو نحو ذلك كما هو ظاهر من أحاديث المسألتين، و قد حقّقناه في «الفوائد الطوسيّة» (2).

أقول: و يظهر ممّا ذكرنا حجّة القول بالعكس و جوابه أيضا.

و حجّة القول بنفي الحجّية في الحكم الشرعيّ: إذا ثبت من الإجماع أنّ ثبوت الحكم في الآن المتأخّر يحتاج الى دليل و لو كان الإجماع ثابتا في الآن المتأخّر أيضا لما حصل هنا خلاف، فالخلاف في مسألة المتيمّم الذي أصاب الماء في أثناء الصلاة مثلا كاشف عن أنّ الإجماع لم ينعقد إلّا على وجوب المضيّ في الحال الأوّل، و هو ما قبل رؤية الماء و إلّا لكان المخالف خارقا للإجماع، و إذا لم يثبت الإجماع، و المفروض عدم دليل آخر على الانسحاب، فلا يثبت الحكم السّابق في الآن المتأخّر.

و فيه: أنّ هذا الكلام يجري في غير ما ثبت الحكم من الإجماع أيضا، إذ لو كان النصّ الدالّ على ثبوت الحكم في الآن الأوّل شاملا للآن المتأخّر بعمومه، فهذا استدلال بالعموم لا بالاستصحاب، و إن لم يكن فيه شمول له، فلا دليل على ثبوت‏

____________

(1) 1/ 628.

(2) ص 196 فائدة (49).

157

الحكم في الآن المتأخّر. و هذا الدليل إنّما يناسب القول بنفي حجّية الاستصحاب مطلقا لا التفصيل.

و الحلّ: أنّا لا نقول في صورة استصحاب حال الإجماع، أنّ الإجماع موجود في الآن المتأخّر، و لا نقول أيضا: لا بدّ أن تكون‏ (1) المسألة في الآن المتأخّر أيضا إجماعيّة، بل نقول: إنّ الإجماع أيضا كالنصّ كاشف من حكمة واقعيّة أوجبت صدور الحكم عن الشّارع بثبوت الحكم، و لم يقيّد ثبوت الحكم بالآن الأوّل، بأن يكون الإجماع بشرط الآن الأوّل و عدم انضمام الآن الآخر إليه، و كذلك النصّ، بل إنّما ثبت مطلق الحكم في الآن الأوّل، و هو لا يفيد اختصاصه به.

ثمّ لا نقول: بأنّ علّة حصوله في الأوان المتأخّرة هو حصوله في الآن الأوّل، لعدم الدّليل على ذلك، بل نقول: أنّ الظّن الحاصل ببقاء ما ثبت في الآن الأوّل نظرا الى ملاحظة أغلب الموارد، فيتبع ذلك الظّن ثمّ يكشف ذلك عن كون مراد الشّارع في إثبات الحكم هو إثباته مستمرّا كما أشرنا سابقا، و لا يتفاوت الحال في ذلك بين ما ثبت بالإجماع و غيره.

و حجّة التفصيل في الحكم الوضعيّ أو غير الوضعيّ مع ظهور وهنه بحيث لا يحتاج الى البيان: قد ظهر مع جوابه ممّا مر.

و حجّة القول بحجّيته إذا كان استمرار الحكم ثابتا من الشّرع الى غاية معيّنة دون غيره: فقد عرفت ممّا نقلناه عن «شرح الدروس».

و حاصله، أنّ الدّليل على الحجّية فيما لو ثبت استمرار الحكم الى غاية معيّنة في الواقع بدون اشتراطه بالعلم بها، أمران:

____________

(1) في نسخة الاصل (يكون).

158

أحدهما: الأخبار الحاكمة بعدم جواز نقض اليقين بالشّك.

و الثاني: أنّه لا يحصل الظّن بالامتثال إلّا باستصحابه الى حصول اليقين بالغاية، و ذلك في الوجوب و التحريم و ما يستلزمهما من الأحكام الوضعيّة، فلأنّ عدم اعتقاد إباحته يوجب عدم امتثال أمر اللّه تعالى، فإنّ الاعتقاد بما سنّنه واجب، واجبا كان أو مباحا أو غيرهما.

و لعلّ نظره‏ (1) الى أنّ اشتغال الذمّة مستصحب، و شغل الذمّة اليقينيّ مستدع‏

____________

(1) و هو حاصل كلام المحقّق الخوانساري، قال السيد علي القزويني في حاشيته: لا بمعنى إثبات الاستصحاب مطلقا باستصحاب اشتغال الذمّة ليتوجّه إليه الدّور، بل بمعنى إثبات وجوب الحكم ببقاء التكليف عند الشك في دخول الغاية الذي هو معنى الاستصحاب بأصل الاشتغال، نظرا الى أنّه لو لم يمتثل التكليف المشكوك في ذلك الوقت لم يحصل الظّن بامتثال التكليف اليقيني من أوّل الأمر، فلم يحصل امتثاله، و حيث إنّ الشغل اليقيني يستدعي اليقين بالبراءة الذي يقوم مقامه الظّن بها، و هو موقوف على امتثال ذلك التكليف عند الشك في دخول الغاية فواجب امتثاله، و هذا فرع على الحكم ببقائه في ذلك الوقت و هو معنى الاستصحاب، و لا يذهب عليك انّ هذا التّقرير لا يتمّ في غير مثل وجوب الصوم الذي دلّ الدليل على استمراره الى دخول الليل الذي هو الغاية المعينة فيه إلّا بتكلّف و هو الذي أشار إليه أخيرا بقوله:

فالمكلّف به أمران ... الخ.

و محصّله، أن كل حكم دلّ الدليل المثبت على استمراره الى غاية معينة و لو كان نحو الطهارة المستمرّة الى غاية حصول النّوم أو البول أو غيره من الأحداث، فقد اقتضى دليله بالالتزام و وجوب إجرائه الى دخول تلك الغاية، و الإجراء المذكور من قبيل المكلّف به الذي وجوبه شغل يقيني به و ينحلّ الى أصل الإجراء، و استمراره الى الغاية على معنى اجرائه في وقت دخول الغاية، فعند الشك في دخولها يجب اجرائه أيضا تحصيلا لليقين بالبراءة عنه، و نتيجة ذلك وجوب الحكم ببقاء الحكم المذكور في ذلك-

159

لحصول البراءة اليقينيّة بالإجماع كما إدّعاه بعضهم. و رفع الاشتغال لا يحصل إلّا بالاستصحاب الى الغاية اليقينيّة فالمكلّف به أمران: نفس الحكم، و إجراؤه الى غاية، و لا يحصل الامتثال إلّا بإتيانهما معا.

فلا يرد عليه ما قيل: إنّ هذا الدليل جار فيما إذا ثبت تحقّق حكم في الواقع مع الشّك في تحقّقه بعد انقضاء زمان لا بدّ للتحقّق منه. و هذا هو الذي أجرى القوم فيه الاستصحاب بتقريب أنّ الدّليل للحكم يحتمل أن يراد منه وجود الحكم في الزّمان الذي يشكّ في وجود الحكم فيه، و أن يراد منه عدم وجوده فيه، و لا يحصل اليقين بالبراءة إلّا في الامتثال في زمان الشّك أيضا، فإنّ الإتيان الى الغاية جزء المأمور به مثلا فيما فرضه، بخلاف فرض استصحاب القوم، ففي استصحابهم لم يثبت شغل الذمّة إلّا بالحكم في الجملة، و لا ما قيل: إنّ تحصيل القطع أو الظّن بالامتثال إنّما يلزم مع القطع أو الظّن بثبوت التكليف، و في زمان الشّك ليس شي‏ء منهما حاصلا، لأنّا نقول: لا حاجة الى دليل آخر يدلّ على ثبوت التكليف في آن الشّك، بل التكليف الأوّل لمّا كان مركّبا لا يحصل الامتثال به إلّا بإتيان جميع أجزائه، سواء بقي اليقين بالتكليف أو الظّن أو الشّك.

و الحاصل‏ (1)، أنّ الاستصحاب و إن أمكن فرض تحقّقه فيما نحن فيه، لكنّه لا حاجة الى تحقّقه و لا التمسّك به، و ذلك نظير أصل البراءة، فكما انّه بالذّات‏

____________

- الوقت المشكوك في بقائه فيه و هو الاستصحاب و قد ثبت بأصل الاشتغال و لو لا هذا التوجيه لم يستقم التعبير عن الحكم بالمكلّف به، و جعله أمرين نفس الحكم و اجرائه الى غاية، و لا ريب أنّ إجراء الحكم غير نفس الحكم و الأوّل من فعل المكلّف بخلاف نفس الحكم فتدبر.

(1) اي ما ذكره المحقق الخوانساري من كفاية الظنّ في مقام الامتثال.

160

يقتضي رفع التكليف حتّى يثبت التكليف، سواء اعتبر استصحابه أم لا، فشغل الذمّة أيضا يقتضي إبراءه، سواء اعتبر استصحابه أم لا، و إنّما اكتفى بحصول ظنّ الامتثال مع أنّ المعتبر في رفع شغل الذمّة اليقينيّ هو اليقين بالرّفع، تنبيها على كفاية الظّن الاجتهاديّ الذي هو بمنزلة اليقين، فلو كان حصول الغاية الموصوفة المذكورة بظنّ معتبر فيكفي في الامتثال.

و هذا كلام‏ (1) سار في مطلق التكليف الثابت، و لا اختصاص له باستمرار الحكم و عدمه.

قال في «شرح الدروس» بعد كلام في هذا المقام: و الحاصل، أنّه إذا أورد نصّ أو إجماع على شي‏ء معيّن مثلا معلوم عندنا، أو ثبوت حكم الى غاية معلومة عندنا، فلا بدّ من الحكم بلزوم تحصيل اليقين أو الظنّ بوجود ذلك الشّي‏ء المعلوم حتّى يتحقّق الامتثال، و لا يكفي الشّك في وجوده، و كذا بلزوم الحكم ببقاء ذلك الحكم الى أن يحصل العلم أو الظنّ بوجود تلك الغاية المعلومة، فلا يكفي الشّك في وجودها في ارتفاع ذلك الحكم.

و كذا إذا ورد نصّ أو إجماع على وجوب شي‏ء معيّن في الواقع مردّد في نظرنا بين أمور، و نعلم أنّ ذلك التكليف غير مشروط بشي‏ء من العلم بذلك الشّي‏ء مثلا، أو على ثبوت حكم الى غاية معيّنة في الواقع مردّدة عندنا بين أشياء، و نعلم أيضا عدم اشتراطه بالعلم مثلا، يجب الحكم بوجوب تلك الأشياء المردّد فيها في نظرنا، و بقاء ذلك الحكم الى حصول تلك الأشياء أيضا، و لا يكفي الإتيان بشي‏ء واحد منها في سقوط التكليف، و كذا حصول شي‏ء واحد في ارتفاع الحكم، و سواء

____________

(1) اي نظر المحقّق الخوانساري.

161

في ذلك كون ذلك الواجب شيئا معيّنا في الواقع مجهولا عندنا، أو أشياء كذلك، أو غاية معيّنة في الواقع مجهولة عندنا، أو غايات كذلك، و سواء أيضا تحقّق‏ (1) قدر مشترك بين تلك الأشياء و الغايات أو تباينها بالكليّة.

و أمّا إذا لم يكن كذلك، بل ورد نصّ مثلا على أنّ الواجب الشّي‏ء، الفلاني، و نصّ آخر أنّ ذلك الواجب شي‏ء آخر، أو ذهب بعض الأمّة الى وجوب شي‏ء و الآخرون الى وجوب شي‏ء آخر دونه، و ظهر بالنصّ أو الإجماع في الصّورتين أنّ ترك ذينك الشّيئين معا سبب لاستحقاق العقاب، فحينئذ لم يظهر وجوب الإتيان بهما معا حتّى يتحقّق الامتثال، بل الظّاهر الاكتفاء بواحد منهما، سواء اشتركا في أمر أو تباينا بالكليّة، و كذلك الحكم في ثبوت الحكم الى الغاية.

أقول: و قد أشرنا الى بعض هذه المطالب قبل العثور الى هذا الكلام في المبحث السّابق، و أوردنا على ما نقلنا من بعض كلماته في «شرح الدروس» ما يدفعه تقييده هنا بقوله: و نعلم أنّ ذلك التكليف غير مشروط بشي‏ء من العلم بذلك الشّي‏ء، فلاحظ و تأمّل.

____________

(1) قال الملا محمد تقي الهروي في حاشيته: الغالب بعد كلمة سواء لفظ الماضي نحو سواء كان كذا أم كذا، إلّا أن لفظ تحقّق هنا ليس ماضيا، بل هو بضم القاف مصدر بقرينة عطف تباينها عليه، و بقرينة قوله السّابق: و سواء في ذلك كون ذلك الواجب ...

الخ. يعني تحقّق قدر مشترك بين تلك الأشياء أي اشتراكها في نوع أو جنس قريب، و تبيانها اي عدم اشتراكها في ذلك سيّان، فالأوّل: كما إذا وجب شي‏ء معيّن في الواقع مردّد عنده بين الصلاة و البيع و الطلاق، و كما إذا قال: افعل هذا إلى أن يجي‏ء شعبان، و لم يعلم أنّ المراد شهر شعبان أو شخص اسمه شعبان.

162

هذا، و لكنّ التّمييز (1) بين الموارد و معرفة ما يجري فيه هذا الاستصحاب، أعني لزوم العمل على استمرار الاشتغال حتّى يحصل اليقين بالبراءة، و أنّ المكلّف به في المردّد بين أمور، هل هو أحدها المعيّن عند اللّه المبهم عندنا أو المكلّف به أن لا يترك جميع المحتملات، فيكفي الإتيان بالبعض، أمر مبهم مشكل.

و الحقّ، أنّ إثبات الأوّل في غاية الصّعوبة و نهاية النّدرة إن لم نقل بأنّه غير متحقّق. و كذلك الكلام في الأمر المستمرّ الى غاية معيّنة عند اللّه تعالى، مبهمة عندنا.

و قد ذكرنا بعض الأمثلة في المبحث السّابق‏ (2)، و نقول هنا أيضا: لو استدلّ القائل بوجوب ثلاثة أحجار في الاستنجاء بأنّ حكم النجاسة مستمرّ الى حصول المطهّر الشرعيّ بالإجماع، و لم يتحقّق المطهّر إلّا بالثلاثة، فيقال له: لا.

ثمّ الإجماع على أنّ النجاسة ثابتة الى أن يحصل المطهّر الشرعيّ، بل إنّما نسلّمه على أنّ الصلاة لا تصحّ بعد التغوّط إلّا مع حصول أحد من أشياء ثلاثة: إمّا الغسل بالماء، أو التمسّح بثلاثة أجسام طاهرة، أو التمسّح بطاهر.

فلو قال: الإجماع ثبت على وجوب شي‏ء و هو أحدها المعيّن عند اللّه تعالى المبهم عندنا.

فيقال: الإجماع على ذلك ممنوع، بل إنّما يسلّم الإجماع على أنّ ترك مجموع‏

____________

(1) و هذا الكلام هو أيضا في ردّه على المحقق الخوانساري.

(2) في صحة تعيين موارد قاعدة الاشتغال.

163

الثلاثة موجب للعقاب. و هكذا في كلّ ما يرد عليك، فعليك بالاجتهاد في كلّ مورد خاصّ و العمل على مقتضاه.

ثمّ إنّ ما ذكرنا عن المحقّق الخوانساري، هو ظاهر ما اختاره المحقّق‏ (1) في آخر كلامه بعد ما اختار أوّلا حجّية الاستصحاب مطلقا، و استحسنه صاحب «المعالم» (رحمه اللّه)(2) إلّا أنّه قال: هذا رجوع عن القول بالاستصحاب.

فإن أراد الرّجوع عن القول بالاستصحاب في جميع الموارد فحسن، و إن أراد أنّه رجوع منه مطلقا، كما هو ظاهر كلامه، فهو غير صحيح، لما ظهر لك أنّه أيضا انسحاب الحكم في زمان الشّك في الاستمرار و هذا معنى الاستصحاب.

و أمّا حجّة القول الأخير و جوابه: يظهر ممّا ذكرنا مفصّلا، فلا نعيد.

و ينبغي هاهنا التّنبيه على أمور:

الأول: [الاستصحاب يتبع الموضوع‏]

إنّ الاستصحاب يتبع الموضوع‏ (3)، و حكمه في مقدار قابليّة الامتداد، و ملاحظة الغلبة فيه، فلا بدّ من التأمّل في أنّه كلّيّ أو جزئيّ، فقد يكون الموضوع الثابت حكمه أوّلا مفهوما كلّيّا مردّدا بين أمور، و قد يكون جزئيّا حقيقيّا معيّنا،

____________

(1) في «معارج الأصول» ص 206.

(2) ص 524

(3) لو أردنا استصحاب الموضوع فلا بد لنا من ملاحظة مقدار بقائه، ففي زمان الاستصحاب إن أمكن له البقاء فيستصحب و إلّا فلا، و كذلك في استصحاب حكم الموضوع لو أردنا استصحابه، إلّا أنّ هذا لا يناسب القول بحجّية الاستصحاب مطلقا حتى في الشّك في المقتضى، نعم يناسب القول بالشّك في الرّافع.

164

و بذلك‏ (1) يتفاوت الحال، إذ قد تختلف‏ (2) أفراد الكلّيّ في قابليّة الامتداد و مقداره، فالاستصحاب حينئذ ينصرف الى أقلّها استعدادا للامتداد.

و هاهنا لطيفة يعجبني أن أذكرها من باب التّفريع على هذا الأصل ممّا ألهمني اللّه تعالى به ببركة دين الإسلام و الصّادعين به عليهم الصلاة و السلام. و هو أنّ بعض السّادة (3) الفضلاء الأزكياء من أصحابنا (4)، ذاكرني حكاية ما جرى بينه و بين أحد من أهل الكتاب من اليهود و النصارى من أنّه تمسّك بأنّ المسلمين قائلون بنبوّة نبيّنا (عليه السلام) فنحن و هم متّفقون على حقيّته و نبوّته في أوّل الأمر، فعلى المسلمين أن يثبتوا بطلان دينه.

ثمّ ذكر أنّه أجابه بما هو المشهور: من أنّا لا نمنع نبوّة نبيّ لا يقول بنبوّة محمّد (صلى الله عليه و آله) و سلم، فموسى أو عيسى (عليهما السلام) الذي يقول بنبوّته اليهود أو النصارى، نحن لا نعتقده، بل نعتقد بموسى أو عيسى (عليهما السلام) الذي أخبر عن نبوّة محمّد (صلى الله عليه و آله) و سلم و صدّقه‏ (5)، و هذا مضمون ما ذكره الرضا عليه الصلاة و السلام في جواب الجاثليق‏ (6)، فإنّه قال له (عليه السلام): ما تقول في نبوّة عيسى و كتابه، هل تنكر منهما شيئا؟ قال الرضا (صلوات اللّه و سلامه عليه): «أنا مقرّ بنبوّة عيسى و كتابه و [ما]

____________

(1) فلكونه كلّيا مردّدا.

(2) في نسخة الأصل (يختلف).

(3) في نسخة الأصل (سادة).

(4) و هو السيد حسين القزويني كما نقل في بعض الحواشي.

(5) بأن نقول بنبوّة موسى الذي أقرّ بنبوّة محمد (صلى الله عليه و آله) و سلم، و نبوّة عيسى الذي بشّر بنبوّة محمد (صلى الله عليه و آله) و سلم و لا نقول بنبوّة كل موسى، و كل عيسى لم يقرّا بنبوّة النبي الخاتم (صلى الله عليه و آله) و سلم.

(6) و هو بفتح الثاء المثلّثة: رئيس النصارى في بلاد الاسلام، و لغتهم السّريانية، و جمعه جثالقة و هو عند بعض الطوائف المسيحية الشرقية مقدّم الأساقفة.

165

بشّر به أمّته، و ما أقرّت به الحواريّون، و كافر بنبوّة كلّ عيسى لم يقرّ بنبوّة محمّد (صلى الله عليه و آله) و سلم و [ب] كتابه و لم يبشّر به أمّته» (1).

قال الفاضل: فأجابني بأنّ عيسى بن مريم المعهود الذي لا يخفى على أحد حاله و شخصه، أو موسى بن عمران المعلوم الذي لا يشتبه على أحد من المسلمين و لا أهل الكتاب، جاء بدين و أرسله اللّه نبيّا، و هذا القدر مسلّم الطّرفين، و لا يتفاوت ثبوت رسالة هذا الشّخص و إتيانه بدين بين أن يقول: بنبوّة محمّد (صلى الله عليه و آله) و سلم أم لا. فنحن نقول: دين هذا الرّجل المعهود رسالته باق بحكم الاستصحاب، فعليكم بإبطاله. و بذلك أفحم [أقحم‏] الفاضل المذكور في الجواب.

فتأمّلت هوينا (2) فقلت في إبطال الاستصحاب بعد فرض تسليم جواز التمسّك به في أصول الدّين: (3) أنّ موضوع الاستصحاب لا بدّ أن يكون معيّنا حتّى يجري على منواله، و لم يتعيّن هنا إلّا النبوّة في الجملة، و هو كلّيّ قابل للنبوّة الى آخر الأبد، بأن يقول اللّه تعالى: أنت نبيّ و صاحب دين الى يوم القيامة، و للنبوّة الممتدّة الى زمان محمّد (صلى الله عليه و آله) و سلم، بأن يقول له: أنت نبيّ و دينك باق الى زمان محمّد (صلى الله عليه و آله) و سلم، و لأن يقول: أنت نبيّ بدون أحد القيدين، فعلى المخالف أن يثبت:

إمّا التصريح بالامتداد الى آخر الأبد و أنّى له بإثباته، و المفروض أنّ الكلام ليس فيه أيضا، و إمّا الإطلاق، فهو أيضا في معنى القيد (4)، و لا بدّ من إثباته، و من‏

____________

(1) «عيون أخبار الرضا (عليه السلام)» 2/ 141 باب 12 ح 1.

(2) تصغير هيّنا، يقال شي‏ء هيّن أي سهل، و هنا بمعنى أنّه تأمل تأمّلا سهلا بسيطا.

(3) إذا المطلوب فيها العلم و ليس الظنّ.

(4) في معنى دوامه و استمراره الى يوم القيامة.

166

الواضح أنّ مطلق النبوّة غير النبوّة المطلقة (1)، و الذي يمكن استصحابه هو النبوّة المطلقة لا مطلق النبوّة، إذ الكلّيّ لا يمكن استصحابه إلّا بما يمكن من بقاء أقلّ أفراده امتدادا و استعدادا كما ذكرنا (2).

و لنأت بمثال لتوضيح المقام، و هو: انّا إذا علمنا أنّ في هذه القرية حيوانا، و لكن لا نعلم أيّ نوع من الطّيور أو البهائم أو الحشار (3) و الدّيدان، ثمّ غبنا عنها مدّة، فلا يمكن لنا الحكم ببقائه في مدّة يعيش فيها أطول الحيوان عمرا، فترى أنّ الفرس أطول عمرا من الغنم، و العصافير أطول عمرا من الخطاطيف‏ (4)، و الفئران من الدّيدان، و هكذا، فإذا احتمل عندنا كون الحيوان الذي في بيت خاصّ إمّا عصفور أو فأرة أو دودة (5) قزّ، فكيف يحكم بسبب العلم بحصول القدر المشترك باستصحابها الى زمان ظنّ بقاء أطولها أعمارا، فبذلك بطل تمسّك أهل الكتاب، إذ على فرض التسليم و التنزّل و المماشاة معهم، نقول: إنّ القدر الذي ثبت لنا من نبوّتهما هو القدر المشترك بين أحد المقيّدات الثلاثة، فمع إمكان كونها النبوّة الممتدّة الى زمان نبوّة محمّد (صلى الله عليه و آله) و سلم كيف يجري الاستصحاب الى آخر الأبد؟

____________

(1) اعلم ان المطلق هو المقابل للمقيّد فإذا قيل: موسى نبيّ مطلقا اي مستمرا، و النبي المطلق هو غير المقيّد.

(2) و قد تعرّض في «الفصول» ص 380 الى المذكور ببيان حسن كذلك.

(3) كان الأولى به أن يقول: الحشرات أو الحشر، و لا داعي لأن يذكر الدّيدان لأنّها قد تدخل تحت عنوان الحشرات. و حشرة هي الهامّة من هوام الأرض كالخنافس و العقارب و الدّابة الصغيرة من دواب الأرض كالفئران و الضّباب، و (عند علماء الحيوان): كل كائن يقطع في خلقه ثلاثة أطوار أي يكون (بيضة، فدودة، ففراشة)

(4) جمع الخطّاف و هو العصفور الأسود أو قل طائر.

(5) في نسخة الأصل (دود).

167

ثمّ إنّك بعد ما بيّنا لك سابقا (1)، لا أظنّك رادّا علينا أمر الاستصحاب في الحكم الشرعيّ بما ذكرنا في هذا المقام، بأن نقول: يمكن أن يردّ الاستصحاب فيها بمثل ذلك، و يقال: إنّ الأحكام الواردة في الشّرع إنّما يسلّم جريان الاستصحاب فيها إن ثبت كونها مطلقات و لم تكن مقيّدة الى وقت خاصّ و اختفى علينا، أو ممتدّة الى آخر الأبد، و الذي يجوز إجراء الاستصحاب فيه هو الأوّل، و ذلك لأنّ التتبّع و الاستقراء يحكمان بأنّ غالب الأحكام الشرعيّة في غير ما ثبت في الشّرع له حدّ، ليست بآنيّة (2) و لا محدودة الى حدّ معيّن، و أنّ الشّارع يكتفي فيها فيما ورد عنه مطلقا في استمراره، و يظهر من الخارج أنّه أراد منه الاستمرار، فإنّ تتبّع أكثر الموارد و استقراؤها يحصّل الظّن القويّ بأنّ مراده من تلك المطلقات هي الاستمرار الى أن يثبت الرّافع من دليل عقليّ أو نقليّ.

فإن قيل: فهذا مردود عليك‏ (3) في حكاية النبوّة.

قلنا: ليس كذلك، فإنّ الغالب في النبوّة هو التّحديد، بل إنّما الذي ثبت علينا و نسلّمه من الامتداد القابل لأن نمتدّه الى الأبد، هو نبوّة نبيّنا (صلى الله عليه و آله) و سلم مع أنّا لا نحتاج في إثباته الى التمسّك بالاستصحاب حتّى يتمسّك الخصم بأنّ نبوّته أيضا مردّدة بين الأمور الثلاثة، بل نحن متمسّكون بما نقطع به من النّصوص و الإجماع.

____________

(1) من أنّ استصحاب كل شى‏ء يتبعه في ملاحظة مقدار استعداده و قد رأينا أن الأحكام الشرعية مستمرّة.

(2) و لما عرفت بأنّها ليست بآنيّة يبقى الإطلاق بمعنى قابلية الاستمرار، و عند ذلك يمكن إجراء الاستصحاب فيها.

(3) يعني بمثل ما ذكرناه من إمكان جريان الاستصحاب في الأحكام الشّرعية نقول في النبوّة.

168

نعم‏ (1) لو كان تمسّكنا بالاستصحاب في الدّوام، لاستظهر علينا الخصم بما نبّهناه عليه.

فإن قيل: قولكم بالنسخ يعيّن الإطلاق و يبطل التحديد، لأنّ إخفاء المدّة و عدم بيان الآخر مأخوذ في ماهيّة النّسخ، و هو بعينه مورد الاستصحاب.

قلنا: ما سمعت من مخاصمتنا مع اليهود في تصحيح النّسخ و إبطال قولهم في بطلانه، إنّما هو من باب المماشاة معهم في عدم تسليمهم التّحديد، و إبطال قولنا بقبح النّسخ و إلّا فالتحقيق أنّ موسى و عيسى على نبيّنا و آله و (عليهما السلام) أخبرا بنبوّة محمّد (صلى الله عليه و آله) و سلم و كتابهما ناطق به، لا أنّ نبوّتهما مطلقة و نحن نبطلها بالنّسخ، فلمّا كان اليهود منكرين‏ (2) لنطق كتابهم و نبيّهم بذلك، و زعموا دوام دينهم أو إطلاق النّبوّة و تمسّكوا بالاستصحاب من باب المماشاة معنا، و تمسّكوا ببطلان النّسخ بناء عليه أيضا، فنحن نخاصمهم على هذا الفرض في تصحيح النّسخ، و هذا لا يضرّ ما أوردناه عليهم في تمسّكهم بالاستصحاب.

فإن قيل: أحكام شرع عيسى (عليه السلام) مثلا مطلقات، و النّسخ يتعلّق بالأحكام.

قلنا: إطلاق الأحكام مع اقترانها ببشارة عيسى (عليه السلام) برسول بعده اسمه أحمد (صلى الله عليه و آله) و سلم لا ينفعهم، لاستلزامه وجوب قبول رسالته (صلى الله عليه و آله) و سلم، و بعد قبوله فلا معنى لاستصحاب أحكامهم كما لا يخفى فافهم ذلك و اغتنم.

____________

(1) اي لو أردنا إثبات نبوّة نبيّا (صلى الله عليه و آله) و سلم الطّاهرين بالاستصحاب لاستظهر علينا خصمنا.

(2) في نسخة الأصل (منكرا).

169

الثاني: [الكلام فى حصول الشّك في رفع الحكم السّابق‏]

قد عرفت أنّ الاستصحاب المصطلح، لا يحقّق إلّا مع حصول الشّك في رفع الحكم السّابق، فاعلم أنّ ذلك الشّك إنّما يحصل بسبب حصول تغيّر ما (1) في الموضوع، إمّا في وصف من أوصافه القلّة و الكثرة في الماء القليل المتنجّس إذا تمّم كرّا، أو في سببه‏ (2) كالكرّ المتغيّر بالنجاسة إذا زال تغيّره من قبل نفسه، أو في حال من أحواله، كالإناءين المشتبهين، فإنّ الاجتناب عن الإناء المتنجّس في حال العلم به كان واجبا، و حصل الشّك في الوجوب بسبب حصول الجهالة به في وقت الاشتباه، و أمّا مع تغيّر حقيقته‏ (3) فظاهرهم أنّه لا مجال للاستصحاب، و ذلك مناط قولهم بأنّ الاستحالة من المطهّرات.

و ربما يستدلّ على ذلك‏ (4) بأنّ النجس و الحرام مثلا إنّما هو الكلب و العذرة مثلا، لا الملح و الدّود و التّراب و الرّماد، مثلا إذا انقلب الكلب في المملحة بالملح، أو العذرة بالدّود، أو التّراب، أو الرّماد (5)، و من هذا القبيل استحالة النّطفة بقرا أو غنما، و الماء النّجس بولا لحيوان مأكول اللّحم.

____________

(1) يحتمل ان تكون ما موصولة و يمكن أن تكون غيرها.

(2) في حاشية السيد علي القزويني: و لا بدّ من استخدام في الضّمير المجرور، لأنّ التّغير الزّائل بنفسه في الكرّ المتغيّر بالنجاسة ليس سببا لنفس الموضوع و هو الماء، بل سببه لحكمه و هو النجاسة، فعود الضّمير الى الموضوع غير صحيح و الى حكمه استخدام.

(3) لأنّه غير خفي بأنّ الاستصحاب من جملة شروطه أيضا هو بقاء موضوعه، فإنّ الاستصحاب هو بقاء ما كان على ما كان أو قل إبقاء ما كان على الوصف الذي قد كان عليه.

(4) يعني على انقطاع الاستصحاب مع تغير الحقيقة.

(5) و كذا قال الوحيد في «الفوائد» ص 281، و إن تأمّل الميرزا القمّي في قوله كما ترى.

170

و فيه إشكال‏ (1) من وجهين:

الأوّل: أنّ المناط في الحكم إن كان هو التّسمية، فإذا تحولت‏ (2) الحنطة النّجسة طحينا أو خبزا، و اللّبن سمنا، فيلزم طهارتها، و هو باطل جزما. و إن كان المناط تبدّل الحقيقة و الماهيّة [و الماهيّة] فما الدليل عليه.

ثمّ ما ذا معيار تبدّل الماهيّة [الماهيّة] و الحقيقة (3)؟

فقد تراهم يحكمون بطهارة الرّماد دون الفحم، و طهارة الخمر بانقلابه خلّا، فما الفرق بين الأمرين؟ بل تبدّل العذرة بالفحم ليس بأخفى من تبدّل الخمر بالخلّ، و إن لوحظ فيه تبدّل الخواصّ بالمرّة، ففي ذلك أيضا عرض عريض لا يمكن ضبطه غالبا.

و يمكن أن يقال: (4) المعيار هو تبدّل الحقائق عرفا، لا محض تغيّر الأسماء، و هذا يتمّ فيما كان مقتضى الحكم هو نفس الحقيقة، كالعذرة و الكلب، فإنّ علّة النّجاسة في أمثالهما من النّجاسات عينا و المحرّمات عينا هو ذاتها، فيتبع ثبوت الحكم بقاء الحقيقة و مع انتفاء الحقيقة فلا حكم، فكأنّه قال الشّارع: الكلب نجسة أو حرام ما دام كلبا، و العذرة نجسة (5) ما دامت عذرة، فإذا استحال ماهيّته، فينتفي الحكم.

و ألحق بعض الفقهاء المتنجّس- كالخشب المتنجّس- بالنجس بالأولويّة (6)،

____________

(1) لأنّ الاستحالة من المطهرات، كما أنّ مورد تغيير الموضوع ليس مورد الاستصحاب.

(2) في نسخة الأصل (تحوّل).

(3) و هذا إشكال آخر.

(4) في دفع الإشكال.

(5) في نسخة الأصل (نجس).

(6) و في «مفتاح الكرامة» للسيد محمد جواد العاملي 1/ 321: و ألحق في «المعالم»

171

و فيه نظر. فإنّ من الظّاهر أنّ نجاسة الخشب حينئذ ليس لأنّه خشب لاقى نجسا، بل لأنّه جسم لاقى نجاسة، و هذا المعنى لم يزل.

و الحاصل، أنّ الحقائق المتخالفة عرفا، كالعذرة و التّراب و الرّماد، لها أحكام مستقلّة برأسها، سواء كانت متوافقة في الحكم أو متخالفة، و أمّا مسحوق ماهيّة كالطّحين للحنطة، أو منضوجها، كاللّحم المطبوخ، و الخبز، و نحو ذلك، فلا يتبدّل بذلك حقيقتها عرفا، كما [لا] تتبدّل حقيقة أيضا، فما ثبت تبدّل حقيقته عرفا، فينتفي فيه حكم الاستصحاب، لثبوت التعارض حينئذ بين ما دلّ على حكم حقيقة المستحال إليه، و ما يستصحب من حكم المستحيل، بعموم [فعموم‏] ما دلّ على طهارة التّراب أو الدّود أو الملح و حلّيتها يعارض استصحاب النجاسة.

و سنبيّن‏ (1) أنّ الاستصحاب من حيث هو، لا يعارض الدّليل من حيث هو، مع أنّ حصول الظّن بالبقاء في مثل ذلك ممنوع.

____________

- المتنجّس بالنّجس، و نسبه في «الذّخيرة» الى البعض، قال الاستاذ أيّده اللّه تعالى كما عن المصدر المذكور: و لعلّه الظّاهر من إطلاق الفقهاء، بل يستفاد منهم الإجماع عليه.

) في حاشية السيد علي القزويني: و فيه ما لا يخفى من عدم الاستقامة لوجهين: عدم جريان استصحاب النّجاسة بعد تبدّل موضوعه، و عدم معقولية التعارض بينه و بين دليل الطّهارة، بل الوجه فيه الى الأدلّة الاجتهاديّة على تقدير وجودها في عنوان الرّماد، فإن كان فيها عام أو مطلق يتناول، و إلّا فيندرج في عموم أصالة الطّهارة المستنبطة من قوله (صلى الله عليه و آله) و سلم: كل شى‏ء نظيف حتى تعلم انّه قذر. و هكذا في الملح و الدّود و التّراب و غيرها من موارد الاستحالة، فالطّهارة فيها بأسرها تثبت إمّا بعموم الدّليل أو بالأصل العام، و لعلّه الى ذلك يرجع كلام المصنّف، و إنّما وقع التعارض من قلمه سهوا.

(1) في التنبيه الثالث الآتي بقوله: و إن أراد أنّ الاستصحاب من حيث إنّه استصحاب لا يعارض الدّليل النطقي من حيث هو هو إجماعا.

172

و دلالة الأخبار أيضا غير واضحة، إذ حكم اليقين إنّما كان ثابتا لشي‏ء آخر، و الذي لا يجوز نقضه بالشّك هو الحكم المتعلّق بالماهيّة السّابقة، و لم يبق بحالها حتّى يحكم جواز نقض حكمها، فما حصل الجزم بالاستحالة العرفيّة، فيحكم بانقطاع الاستصحاب فيه، و ما حصل الجزم بعدمه، فيجزم بجريان الاستصحاب فيه، و ما حصل الشّك فيه، فيرجع الى سائر الأدلّة ثمّ الى الأصل.

و ممّا ذكرنا، يعرف الكلام في الانتقال، مثل انتقال دم الإنسان الى بطن القمّل و البرغوث و البقّ.

و هنا و إن كان تبدّل الحقيقة في غاية الخفاء سيّما في أوّل مصّ هذه الحيوانات للدّم، و خصوصا في العلق، و لكن إطلاق دم الحيوان الغير ذي النّفس على هذا الدّم، مع عدم تصوّر دم لأغلب هذه إلّا ما في بطنها من جهة المصّ، يوجب الحكم بالطّهارة.

ففي الحقيقة يرجع الكلام في أمثال ذلك الى وجود المعارض، لا عدم إمكان جريان الاستصحاب، و لذلك توقّف بعض المتأخّرين‏ (1) في إفادة تغيّر الموضوع في ترك العمل بالاستصحاب، و تأمّل في كون تغيّر الموضوع قاطعا للاستصحاب.

____________

(1) نقل في الحاشية انّه المحقق و العلامة و الشيخ محمد بن الشيخ حسن و لم أجد في بعض مصادرهم الأصولية ذلك أصولا و لا سيّما الأوّلين. و يمكن مقصوده ما تعرّض إليه فقها في «المعتبر» ص 117، و ص 128 المحقّق، و في «منتهى المطلب» ص 179- 180 العلّامة أو ما نقل عنهما المحقق السّبزواري في «الذخيرة» 172، و أعلم أنّ الوحيد في «فوائده» ص 281، و في رسالة الاستصحاب من «رسائله الأصولية» ص 443 تعرّض لنفس المسألة قال في نهايتها: و تأمّل بعض المتأخّرين في ذلك و ليس بشي‏ء.

173

الثالث: [بعض الشّروط التى ذكرها الفاضل التوني للعمل بالاستصحاب‏]

ذكر بعض المتأخّرين‏ (1) للعمل بالاستصحاب بعض الشّروط، مثل أن لا يكون هناك دليل شرعيّ آخر يوجب انتفاء الحكم الثابت أوّلا في الوقت الثاني، و إلّا فتعيّن العمل بذلك الدّليل إجماعا، و مثل أن لا يعارضه استصحاب آخر.

أقول: إن أراد من الدّليل ما ثبت رجحانه على معارضه، فلا اختصاص لهذا الشّرط بالاستصحاب، بل كلّ دليل عارضه دليل أقوى منه مترجّح عليه، فلا حجّية فيه، و يعمل على الدّليل الرّاجح، فلا مناسبة لذكر ذلك في شرائط الاستصحاب.

و إن أراد من الدّليل ما يقابل الأصل.

ففيه: أنّ الإجماع على ذلك إن سلّم في أصل البراءة و أصل العدم، فهو في الاستصحاب ممنوع.

أ لا ترى أنّ جمهور المتأخّرين قالوا: أنّ مال المفقود في حكم ماله حتّى يحصل العلم العادي بموته، استصحابا للحال السّابق، مع ما ورد من الأخبار المعتبرة بالفحص أربع سنين‏ (2)، ثمّ التقسيم بين الورثة، و عمل عليها جماعة من‏

____________

(1) و هو الفاضل التوني في «الوافية» ص 208.

(2) في حاشية السيد علي القزويني لا شهادة فيه بما استشهد له من مقاومة الاستصحاب للدليل، فإنّ مبنى ما عليه جمهور المتأخّرين من استصحاب الحالة السّابقة في مال المفقود الى أن يحصل العلم العادي بموته، على تقدير عدم حصول الفحص أربع-

174

المحقّقين، فكيف يدّعى الإجماع على ذلك؟

و إن أراد أنّ الاستصحاب من حيث إنّه استصحاب لا يعارض الدّليل النّطقي من حيث هو هو إجماعا، فله وجه.

كما أنّ العام من حيث إنّه عامّ لا يعارض الخاصّ، و المفهوم من حيث إنّه مفهوم لا يعارض المنطوق كذلك. و ذلك لا ينافي تقديمه على الدّليل من حيث الاعتضاد الخارجي، كما هو كذلك في العامّ و المفهوم أيضا.

ثمّ إن أخذنا (1) كون الحكم مظنون البقاء في تعريف الاستصحاب، و لا [فلا] معنى لجعل عدم الدّليل المعارض شرطا لفقد الظّن مع الدليل على خلافه، فلا استصحاب.

و إن لم نأخذ الظّن في ماهيّة فنقول: إن جعلنا وجه حجّية الاستصحاب هو الظّن الحاصل من الوجود الأوّل، فإذا تحقّق دليل بدّل الظّن بالوهم، فهذا يبطل الاستدلال به، و يصحّ أن يقال: عدم الدّليل شرط لجواز العمل به، إذ ليس هناك ظنّ بالبقاء حينئذ.

و لكن يرد عليه أنّه لا اختصاص له بالاستصحاب كما أشرنا سابقا، و إن جعلنا مبناه هو عدم جواز نقض اليقين إلّا باليقين كما هو مدلول الأخبار، فإذا ثبت دليل‏

____________

- سنين، و حينئذ فلا دليل في مقابلة الاستصحاب، و حيث حصل الفحص أربع سنين فهو قاطع شرعي للاستصحاب، و لا نظنّ جمهور المتأخّرين انّهم معربون عنه على هذا التقدير بالعمل بالاستصحاب دون قاعدة الفحص التي هي بمنزلة الدّليل الحاكم على الاستصحاب بحكومة دليلها على دليله، نظير الظّن الاجتهادي إذا حصل في مورد على خلاف مقتضى استصحاب الحالة السّابقة.

(1) و هنا ايراد آخر على الشّرط المذكور.

175

على رفع الحكم، فإن كان يقينيّا واقعيّا فهو ليس غير يقين يرفع اليقين، و هو مقتضى مدلول تلك الأخبار، و كذلك إن كان ظنيّا واجب العمل.

و لا ريب أنّ عدم اليقين بالخلاف شرط في العمل باليقين السّابق، و هذا أيضا يرجع الى اشتراط العمل بأحد الدّليلين بعدم ما يوجب بطلانه من يقين على خلافه أو ظنّ أقوى منه، و لا اختصاص له بالاستصحاب.

و إن شئت توجيه الكلام‏ (1) على نحو ما ذكرنا، فقل: المراد أنّ الظّن الاستمراريّ لا يقاوم الظّن الإطلاقيّ على الوجه الأوّل‏ (2)، و عدم جواز نقض اليقين الثّابت بعموم الأخبار، لا يقاوم ما يدلّ على نقض ذلك اليقين بالخصوص، فضعف الاستصحاب إمّا من جهة كونه انسحابا للحكم لا حكما مستقلّا، و إمّا من جهة أنّه عامّ لثبوته من عموم الأخبار الدالّة على عدم جواز نقض اليقين إلّا بيقين، لا يقاوم ما دلّ على نفي مورده بالخصوص، و ذلك لا ينافي جواز العمل به في موارد الدّليل النافي للحكم بالخصوص من جهة المرجّحات الخارجية كما أشرنا.

و ممّا ذكرنا، يظهر حال اشتراط عدم معارضة الاستصحاب الآخر.

ثمّ إن [إنّ‏] تعارض الاستصحابين قد يكون في موضوع واحد، كما في الجلد المطروح‏ (3)، فإنّ استصحاب عدم التذكية يقتضي كونه ميتة المستلزم للنجاسة.

و قد يقرّر بأنّ الموت حتف الأنف و الموت بالتذكية كلاهما حادثان في مرتبة واحدة، و أصالة عدم المذبوحيّة الى زمان الموت يقتضي النّجاسة لاستلزامه‏

____________

(1) و هو كلام بعض المتأخّرين.

(2) و هو بناء على حجيّة الاستصحاب لأجل الظنّ الحاصل من الوجود الأوّل.

(3) و قد ذكر هذه المسألة في «الوافية» ص 209

176

مقارنته مع الموت حتف الأنف، و أصالة عدم تحقّق الموت حتف الأنف الى زمان الموت يقتضي مقارنته للتذكية المستلزمة للطهارة، فإن ثبت مرجّح لأحدهما فهو، و إلّا فيتساقطان.

و التّحقيق إنّما هو في محلّ التنافي، و إلّا فيبقى كلّ منهما على مقتضاه في غيره.

و كذلك إذا حصل التّرجيح لأحدهما في محلّ التنافي، لا ينفي حكم الآخر في غيره.

فيمكن أن يقال في مثله: إنّه لا ينجس ملاقيه مع الرّطوبة (1)، و لكن لا يجوز الصلاة معه أيضا (2).

و ممّا يرجّح الطّهارة، الأصل و استصحاب طهارة الملاقي و غير ذلك و ممّا يعاضد عدم جواز الصلاة معه، استصحاب اشتغال الذّمة بالصلاة، و الشّك في تحقيق السّاتر الشّرعيّ.

و قد يكون في موضعين، مثل الموضع الطّاهر الذي نشر عليه الثوب المغسول من المنيّ ثمّ شكّ في إزالة النّجاسة، فيحكم بطهارة الموضع و جواز التيمّم و السّجود عليه، لاستصحاب طهارته السّابقة، و وجوب غسل الثوب ثانيا و عدم جواز الصلاة فيه.

لا يقال: إنّ الثوب حينئذ محكوم بنجاسته شرعا للاستصحاب، و كلّ نجس لاقى مع الرّطوبة ما يقبل النّجاسة فينجّسه.

لأنّا نقول: المحلّ أيضا بعد الملاقاة، محكوم بطهارته شرعا، للاستصحاب،

____________

(1) لأصالة الطهارة فيما يلاقيه.

(2) لأصالة النّجاسة لعدم إحراز التزكية.

177

فإنّ كليّة الكبرى ممنوعة، و إنّما المسلّم في منجّسيّة المتنجّس هو غير ما ثبت نجاسته من الاستصحاب، و كون المحلّ ممّا يقبل النّجاسة مطلقا أيضا ممنوع.

و من هذا الباب أيضا الصّيد الواقع في الماء القليل بعد رميه بما يمكن موته به، و اشتبه استناد الموت الى الماء أو الى الجرح، فيتعارض استصحاب طهارة الماء (1) و استصحاب عدم حصول التذكية، أعني الموت بالمذكّى الشرعيّ المستلزم لنجاسته.

و الأقرب هنا أيضا العمل بهما في غير مادّة التنافي لاستحالة الحكم بطهارة الماء و نجاسته، و لكن يمكن الحكم بطهارة الماء و حرمة الصّيد (2).

و أمّا نجاسة الصيد، فيأتي فيه الكلام السّابق في الجلد المطروح، و ذلك يصير مرجّحا آخر لطهارة الماء أيضا مع سائر المرجّحات.

و إعمال الأصلين المتنافيين في غير موضع التنافي في الشّرع كثير، فقد يحكم بحرمة الجماع لأحد الزّوجين و حليّته للآخر، بأن أقرّت على نفسها بما يحرّمه عليها، و أنكر الزّوج، و نحو ذلك.

____________

(1) و الكلام فيما لم يثبت ميتته و إلّا ينجس الماء.

(2) حرمة أكل السّمك المصطاد.

178

قانون الاستقراء:

هو الحكم على الكلّيّ بما وجد في الجزئيّات، و هو إمّا تامّ، و إمّا ناقص.

و أمّا الأوّل: فهو ما وجد الحكم في جميع الجزئيّات، مثل أن يقال: الجسم إمّا حيوان أو نبات أو جماد، و كلّ منها متحيّز، فكلّ جسم متحيّز. و هو الذي يسمّونه بالقياس المقسّم، و هو يفيد اليقين، و لا ريب في حجّيته، لكنّه ممّا لا يكاد يوجد في الأحكام الشرعيّة.

و أمّا الثاني: فهو ما ثبت الحكم في الأغلب و هو ممّا يفيد الظّن الغالب، و يتفاوت الظّن الغالب فيه بتفاوت مراتب الكثرة، فربّما يصير الظّن متاخما للعلم، و أمثلته في الشّرع كثيرة.

منها: الحكم بسماع شهادة العدلين، و منها: الحكم بأنّ كلّ صلاة واجبة لا يجوز أن تفعل‏ (1) على الرّاحلة، لأنّ كلّ ما وجدناه من أفراده فهو كذلك، فيحكم على الكلّيّ بذلك. و يترتّب عليه استحباب الوتر بجوازها على الرّاحلة.

و الظّاهر أنّه حجّة، لإفادته الظّن بالحكم الشرعيّ، و قد أثبتنا مشروحا أنّ ظنّ المجتهد حجّة، و ليس ذلك من باب القياس حتّى يشمله أدلّة حرمته، كما لا يخفى.

____________

(1) في نسخة الأصل (يفعل).

179

قانون القياس‏

في اللّغة: التقدير (1) و المساواة (2) كما يقال: قست الأرض بالقصبة أي قدّرتها، و: فلان لا يقاس بفلان أي لا يساوى.

و في الاصطلاح: إجراء حكم الأصل في الفرع لجامع بينهما، و هو علّة لثبوت الحكم في الأصل.

و هي إمّا مستنبطة أو منصوصة، أما الأخير فسيجي‏ء الكلام فيه.

و أمّا الأوّل: فذهب الأصحاب كافّة عدا ابن الجنيد (رحمه اللّه) من قدمائنا في أوّل أمره، و بعض العامّة الى حرمة العمل به، و ذهب الآخرون الى جوازه.

و ربّما يستدل على الحرمة بالآيات و الأخبار الدالّة على حرمة العمل بالظنّ و ليس بذلك، لما مرّ من أنّها ظاهرة في أصول الدّين، مع أنّا إذا أثبتنا جواز العمل بظنّ المجتهد مطلقا إلّا ما أخرجه الدّليل، فلا يتمّ الاستدلال بها أيضا، إذ حرمته بعد التسليم إنّما يسلم مع عدم انسداد باب العلم، فالأولى الاستدلال بالأخبار المتواترة على ما إدّعاه جماعة من أصحابنا، روتها العامّة عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) و سلم‏

____________

(1) و قريب من هذا في «لسان العرب» و في «مجمع البحرين» و الأصل في القياس التقدير.

(2) في «اتحاف ذوي البصائر بشرح روضة النّاظر»: 4/ 2097 يطلق القياس في اللغة على اطلاقين الأوّل: على التقدير، و الثاني: على المساواة، و اختلف العلماء في اللفظ، فمنهم من جعله حقيقة في التقدير مجاز في المساواة، و منهم من جعله مشترك لفظي بين التقدير و المساواة، و منهم من جعله مشترك اشتراكا معنويّا بين التقدير و المساواة.

180

و الخاصّة عن أئمّتهم عليهم الصلاة و السلام.

منها: ما نقله البيضاوي و غيره‏ (1) عنه (صلى الله عليه و آله) و سلم أنّه قال: «تعمل هذه الأمّة برهة بالكتاب، و برهة بالسنّة، و برهة بالقياس، و إذا فعلوا ذلك فقد ضلّوا».

و منها ما رواه صاحب «المحصول» (2) قال (صلى الله عليه و آله) و سلم: «ستفرق أمتي على بضع و سبعين فرقة، أعظمهم فتنة قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحرّمون الحلال و يحلّلون الحرام».

و أمّا أخبار الخاصّة فكتبهم مشحونة بها (3) لا حاجة الى نقلها.

و ما يتراءى لنا [يترأنا] في بعض أخبارنا من عمل أئمتنا عليهم الصلاة و السلام بالقياس، فهو إمّا من باب التقيّة أو المجادلة بالتي هي أحسن، أو لتعليم أصحابهم طريق دفاع المخالفين كما لا يخفى على البصير، بل حرمته ضروريّ من المذهب بحيث لا يتخالجه شكّ و ريبة، فإنّا نرى علماءنا في جميع الأعصار و الأمصار ينادون في كتبهم الأصوليّة و الفقهيّة بحرمته مستندا إيّاها الى أئمّتهم‏

____________

(1) كالرّازي في «المحصول» 4/ 1138، و كالغزالي في «المستصفى» 2/ 115، و أيضا الهيثمي في «مجمع الزّوائد» 1/ 182، و الخطيب في «الفقيه و المتفقه» 2/ 179 و غيرهم.

(2) 4/ 1138، و كذا ذكره الغزالي في «المستصفى» كما في المصدر السّابق، و أيضا أخرجه الطبراني في «الكبير» 18/ 51- 50 رقم 90، و البيهقي في «المدخل» 207، و الحاكم 4/ 340، و غيرهم.

(3) ابن حجر في «المطالب العالية» 3/ 121، و ابن عدي في «الكامل» 2/ 663 و 7/ 2483، و ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» 2/ 134 و «سند الشّاميين» رقم (1172)، و «المستدرك على الصحيحين» 4/ 430، و «الإحكام» لابن حزم، 2/ 506، و «كنز العمال» 1/ 1056، 1058، و غيرهم كثير.

181

عليهم الصلاة و السلام.

فنحن نثبت أوّلا حرمة العمل بالقياس كسائر أصول ديننا و مذهبنا بالإجماع و الضّرورة و الأخبار المتواترة.

ثمّ نقول: إنّ الأصل في الأحكام الفقهيّة جواز العمل بالظنّ، لا أنّه يحرم العمل بالظنّ إلّا ما أثبته الدّليل، فإنّه طريق لا يكاد يمكن إتمامه كما شرحناه مستوفى في مباحث الأخبار، و بذلك يتخلّص عن الإشكال في أنّ دليل وجوب عمل المجتهدين بالظنّ عقليّ قطعيّ مبنيّ على لزوم تكليف ما لا يطاق، و ترجيح المرجوح لولاه، و الدليل القطعيّ لا يقبل التخصيص، فكيف يستثنى من ذلك القياس.

أو نقول: إنّ ما ذكروه من طرق استنباط العلّة في القياس، ممّا لا يفيد الظّن، سيّما بعد ملاحظة ما ورد في الأخبار و كلمات أصحابنا الأخيار من المنع عنه، سيّما بعد ملاحظة أنّ مبنى الشريعة على جمع المختلفات و تفريق المتّفقات، فقد ترى أنّ الشّارع حكم باتّحاد المنزوح من البئر لنجاسة الكلب و الخنزير و الشّاة، و باختلاف الأبوال النّجسة و المني و البول، و جمع في موجبات الوضوء بين النوم و البول و الغائط، و حكم بحرمة صوم العيد و وجوب سابقه و ندب لاحقه، و أمر بقطع اليد للسّارق دون الغاصب، و أمثال ذلك ممّا لا يعدّ و لا يحصى.

و مع ذلك، فكيف يحصل الظّن بعلّة الحكم من دون تنصيص الشّارع العالم بالحكم الخفيّة و المصالح الكامنة، سيّما مع ملاحظة مثل قوله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ‏ (1)، و قوله تعالى: وَ عَلَى الَّذِينَ‏

____________

(1) النساء: 160.

182

هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَ مِنَ الْبَقَرِ وَ الْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ‏ (1). الآية، فإنّه تدلّ على أنّ علّة التحريم عصيانهم، لا وصف ثابت في المذكورات.

و الإنصاف أنّ منع حصول الظنّ بكثير من الطرق التي ذكروها مكابرة، فالأولى الاعتماد على الجواب الأوّل.

و أمّا الآيتان فلا ينافيان جواز القياس، و إلّا فكان القياس منافيا للقول بالنسخ، و لم يقل به أحد.

و أيضا، سنبيّن أنّ علّة الحكم قد تكون غائيّة، و قد تكون فاعليّة، و قد تكون مادّيّة. فالقياس حينئذ يرجع الى ملاحظة العلّة الباعثة على التحريم، و هو العصيان، لا بالنسبة الى حسن أو قبح في نفس الفعل. فيمكن أن يقاس غير اليهود من الظالمين عليهم في حرمة الطيّبات، لاشتراكهم في الظّلم و العصيان.

احتجّوا بقوله تعالى: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (2) فإنّ العبور لغة المجاوزة، و القياس عبور عن حكم الأصل الى الفرع، و في هذا الاستدلال من البعد و التمحّل ما لا يخفى على ذي بصيرة، بل الظّاهر من الاعتبار الاتّعاظ، و إن كان فيه أيضا مجاوزة و عبور من حال الغير الى حال نفسه.

سلّمنا، لكنّ سياق الآية يقتضي ذلك، قال تعالى: يُخْرِبُونَ‏ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (3)، فإذا اريد منه حينئذ جاوزوا من‏

____________

(1) الأنعام: 146.

(2) الحشر: 2.

(3) الحشر: 2.

183

حكم الخمر الى النبيذ، أو من البرّ الى الذرّة، لكان في غاية البعد من الاستقامة، و لا يليق ذلك بجاهل، فضلا عن اللّه تعالى.

و بقوله تعالى: إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ‏ يَمُنُّ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ‏ (1) أنّ كون ذلك استدلالا بالقياس، ممنوع، بل يجوز أن يكون مرادهم أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) و سلم لا يمكن أن يكون بشرا، لعدم قابلية البشر لهذه الرتبة أو أنّ ايثاركم علينا في النبوّة ترجيح بلا مرجّح، مع أنّ ذلك استدلال بالقياس في العقليّات، و قياس القياس في الأحكام الشرعيّات التي هو محلّ النزاع بالعقليّات يتضمّن مصادرة لا يخفى إذ المنكر ينكر القياس في الجميع.

و احتجّوا أيضا: ببعض الأخبار الضّعيفة دلالة و سندا، و بعمل الصّحابة شائعا من دون نكير، و هو ممنوع، بل نقل خلافه عن أبي بكر و عمر و ابن عبّاس و غيرهم.

و بالجملة، قطعيّة بطلانه عندنا من جهة مذهب أئمّتنا عليهم الصلاة و السلام يغنينا عن إطالة الكلام في هذا المرام بالنقض و الإبرام، و ذكر شرائط القياس و أقسامه و أحكامه، فلنكتف في هذا الباب بذكر مسألتين:

الأولى في حجّية المنصوص العلّة

، أعني ما استفيد علّة الحكم من كلام الشّارع، قبالا لما يستنبط من العقل، سواء كان صريحا و نصّا مصطلحا، بمعنى مقابل الظّاهر، كقوله (عليه السلام) لعلّة كذا، أو لأجل كذا أو كان ظاهرا مثل دلالة التّنبيه و الإيماء كما سنبيّنه.

____________

(1) ابراهيم: 11.

184

و يمكن أن يراد به المعنى المقابل للظاهر، فيكون مقابلا لدلالة التنبيه، كما يظهر من بعضهم، فحينئذ لا بدّ من ذكر دلالة التنبيه على حدة.

و اختلف الأصحاب في حجّيته، فمنعه المرتضى (رحمه اللّه)(1) و أثبته الآخرون.

و قال المحقّق (رحمه اللّه)(2): إذا نصّ الشّارع على العلّة، و كان هناك شاهد حال يدلّ على سقوط اعتبار ما عدا تلك العلّة في ثبوت الحكم جاز تعدية الحكم و كان ذلك برهانا.

و لعلّ مراده بشاهد الحال ما يفيد القطع، كما فهمه بعض المتأخّرين، و لكن عبارة «الشرائع» (3) في مبحث الصلاة في ملك الغير يشهد بأنّه يريد من شاهد الحال أعمّ ممّا يفيد الظّن، حيث جعل من أفراد المأذون [فيه ما حصل الإذن‏] بشاهد الحال كما إذا كان هناك أمارة تشهد له أنّ المالك لا يكره. و اعترضه في «المدارك» (4) بأنّ ذلك لا يكفي، بل يلزم العلم بالرضا.

و أمّا كلام العلّامة (رحمه اللّه)(5) فليس فيه هذا القيد، بل أطلق و قال: إنّ العلّة إذا كانت منصوصة و علم وجودها في الفرع كان حجّة، و إن قلنا أنّ مراد المحقّق من شاهد الحال الدّالّ على سقوط اعتبار ما عدا تلك العلّة، كون المقام خاليا عمّا يفيد اشتراك شي‏ء آخر في سببيّة الحكم، فيرجع كلامه أيضا الى ما هو ظاهر كلامه (رحمه اللّه).

و كيف كان، فوجه حجّية ما ذكره المحقّق ظاهر، لأنّ التّعليل حينئذ يصير

____________

(1) راجع «الذريعة» 2/ 684

(2) في «المعارج» 185

(3) «شرائع الاسلام» 1/ 56.

(4) «مدارك الأحكام» 3/ 185

(5) في «التهذيب» ص 248، المبحث الثالث.

185

بمنزلة كبرى كليّة ينضمّ إليها صغرى وجدانيّة، فيقال: إنّ معنى قول الشّارع:

حرّمت الخمر لأنّه مسكر، أنّ الخمر حرام لأنّه مسكر، و كلّ مسكر حرام.

فنقول: أنّ النبيذ مسكر، و كلّ مسكر حرام، فهو حرام.

و أمّا وجه إطلاق العلّامة فهو أنّ المتبادر من التعليل هو ذلك، فاعتبار القيد الذي ذكره المحقّق (رحمه اللّه) لغو، لخروج ما لم يكن على ظاهر التعليل عن محلّ النزاع، فلا ضرورة الى إخراجه.

بيان ذلك: أنّ قول الشّارع: حرّمت الخمر لأنّه مسكر، معناه المتبادر، لأنّه من أفراد المسكر و من مصاديقه، لا لأنّه هذا الفرد الخاصّ من المسكر.

و كذلك قوله (عليه السلام) حرّمت الخمر لإسكاره، المتبادر منه لأجل الإسكار الحاصل في الخمر لا غير الإسكار، لا لأجل الإسكار المختصّ بالخمر، لا للإسكار الحاصل في غيره.

و توضيح ذلك: أنّ القصر (1) قد يكون للصّفة و قد يكون للموصوف، فإذا لاحظنا كون الخمر من أفراد كليّات متعدّدة كالمائع و المسكر و الحاصل من العنب، فإذا أضفنا أحد الكليّات إليها فقد يزيد بالإضافة مقصوريّة حكم عليها من جهة كونها من أفراد ذلك الكلّي دون غيره من الكليّات، فيقال: حرمة الخمر لأجل إسكاره لا لأجل ميعانه، و لا لأجل كونه من ماء العنب.

و قد يزيد مقصوريّة الحكم عليها من جهة تحقّق ذلك الكلّي في ضمن هذا الفرد لا الفرد الآخر، فيقال: حرمة الخمر لأجل الإسكار المختصّ بها، لا لأجل مطلق الإسكار، فلا بدّ أن يلاحظ أنّ المتبادر من اللّفظ أيّ المعنيين.

____________

(1) اي قصر الحكم.

186

و الإنصاف أنّ المتبادر هو المعنى الأوّل، و الثاني في غاية البعد، بل هو محض احتمال لا يلتفت اليه. و من ذلك ظهر بطلان حجّة المانعين، و هو أنّ العلّة كما يمكن أن تكون هي الإسكار في المثال المذكور، فيحتمل أن تكون هي إسكار الخمر بحيث تكون الإضافة الى الخمر معتبرة في العلّة، فإن لم نقل بحصول القطع بذلك فلا ريب في حصول الظّن القويّ، و الظّن المستفاد من دلالة الألفاظ لا ريب في حجّيته و لا إشكال في جواز العمل به، و ليس الظّن الحاصل منه أقصر من سائر الظنون. و إنّما دعا المحقّق و أمثاله الى الفرار عنه‏ (1) على ما هو ظاهر كلامه و اعتبار شاهد الحال على سقوط اعتبار غيرها الخوف من الوقوع في القياس، و أنت خبير بأنّ هذا ليس بقياس، بل هو مدلول كلام الشّارح، فهو في الحقيقة قضيّة كليّة مستفادة من الشّرع، يندرج تحته ما هو من أفراده، و على فرض تسليم تسميته قياسا، فلا دليل على حرمته.

و الحاصل، أنّ الإجماع و الضّرورة لم يتنافى [يتبنا في‏] حرمة العمل بهذا القسم من القياس لو سلّم كونه قياسا، و كذلك الكلام في المسألة الآتية (2) لو جعلناها من القياس.

و أمّا الأخبار، فدلالتها موقوفة على ثبوت الحقيقة الشّرعيّة للفظ القياس في هذا القسم، أو أنّ مرادهم من الأخبار ما يشتمل [يشمل‏] ذلك و لم يثبت الحقيقة الشرعية فيه، و لم يعلم أنّ مصطلح زمانهم‏ (3) أيضا ذلك. و القدر المتيقّن هو

____________

(1) اي عن الاحتمال المذكور في حجّة المانع.

(2) و هي مسألة القياس بالأولويّة.

(3) و هو مصطلح العرف في زمانهم.

187

القياس المستنبط، سيّما و من المعلوم أنّ ردعهم (عليهم السلام) إنّما كان عن العمل بما أحدثوه و أبدعوه من قبل أنفسهم و من جهة عقولهم القاصرة لقصر العقول عن البلوغ الى مصالح الأحكام المخفيّة، و لم يتمسّك من تمسّك بذلك فيما نحن فيه إلّا من جهة الاعتماد على كلام الشارع، غاية الأمر التشكيك في الدخول و عدم الدخول، فلم يثبت الحرمة.

و أما الجواز، فيمكن إثباته لاندراجه تحت عموم ظنّ المجتهد، أو نقول: إنّ النّسبة بين ما دلّ على حرمة العمل بالقياس و وجوب العمل بمدلولات الأخبار، تعارض من وجه، و ذلك أقوى لاعتضاده بالأصل و الشهرة و غيرهما.

ثمّ إنّ العلّامة (رحمه اللّه) قال: لا نزاع بين الفريقين في أنّ العلّة المستفادة من الشّرع بعنوان الاستقلال واجب الاتّباع. يعني، أنّا إذا علمنا أنّ علّة حرمة الخمر هو مطلق الإسكار مستقلّا فلا نزاع في التعدّي، إنّما النّزاع في أنّ معنى قول الشّارع: حرّمت الخمر لأنّه مسكر، هل هو ذلك أم لا.

و اعترضه صاحب «المعالم» (رحمه اللّه): (1) بأنّ السّيد (رحمه اللّه) مع أنّه معترف بأنّه يفيد العلّيّة فهو من المانعين، فلعلّ العلّامة (رحمه اللّه) لم يقف على احتجاجه، فإنّه احتجّ على المنع بأنّ علل الشّرع إنّما تنبئ عن الدّواعي الى الفعل، أو عن وجه المصلحة فيه، و قد يشترك الشّيئان في صفة واحدة و قد تكون في احداهما داعية الى فعله دون الآخر مع ثبوتها فيه، و قد يكون مثل المصلحة مفسدة، و قد يدعو الشّي‏ء الى غيره في حال دون حال، و على وجه دون وجه، و قدر منه دون قدر. قال: و هذا باب في الدّعاوي معروف، و لهذا جاز أن يعطى على وجه الإحسان فقير دون فقير

____________

(1) ص 516

188

و درهم دون درهم و في حال دون حال، و إن كان فيما لم نفعله الوجه الذي فعلناه بعينه، الى آخر ما ذكره‏ (1).

ثمّ قال‏ (2): و دلالته على كون النّزاع في المعنى ظاهرة، يعني أنّ النزاع في إفادة العلّة تعدّي الحكم، لا في مجرّد أنّ اللّفظ هل يفيد العليّة أم لا.

أقول: و حاصل كلام السيّد (رحمه اللّه) على ما فهمه بعض المحقّقين‏ (3) أيضا هو ما ذكرناه في حجّة المانعين، من أنّه يمكن أن يكون العلّة باعثة و داعية الى الحكم في المحلّ الخاصّ لا مطلقا، أو تكون تلك العلّة مصلحة للحكم في خصوص المحلّ لا غير.

سلّمنا، لكن يرجع النّزاع مع السيّد (رحمه اللّه) الى أنّ المثبتين يقولون: يستفاد العليّة من قوله: لأنّه مسكر، و لكنّ المراد من العلّة هو العلّة التامّة العامّة الغير المختصّة بالمحلّ.

و السّيد أيضا يقول: يستفاد العليّة منه، و لكنّ المراد منها أعمّ، فيرجع النزاع الى تفسير معنى العلّة، كما أنّه على ما ذكره العلّامة (رحمه اللّه) يرجع النزاع الى تفسير قول الشّارع: لأنّه مسكر، مثلا.

ثمّ إنّ العلّة المستفادة قد تكون من جملة العلل الفاعليّة، و قد تكون من جملة العلل الغائيّة، و قد تكون غيرهما، و كلّها داخلة في المبحث، و وجوه المصالح الكامنة في نفس الشّي‏ء الواجب أو الحرام من الأسباب التي تشبه أن تكون من‏

____________

(1) في «المعالم» ص 516

(2) الشيخ حسن في «معالمه» ص 517

(3) كالشيخ حسن في المعالم ص 517

189

العلل الماديّة.

فقول الشّارع: إذا وجدت طعم النّوم فتوضّأ، يدلّ على أنّ العلّة في وجوب الوضوء هو النّوم، و كذا غيره من الموجبات، و كذلك: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ‏ (1) يدلّ على أنّ الصلاة علّة غائيّة.

و المراد بالعلّة هنا هو السّبب، و لا مانع من تعدّد الأسباب.

و كذلك: يحرم الخمر لأنّه مسكر، يدلّ على أنّ العلّة في الحرمة هو جهة القبح الحاصلة من الخمر من جهة الإسكار، و يمكن إدراجه تحت العلّة الغائيّة، يعني لئلّا يحصل به السّكر، كما يمكن إدراجه تحت الماديّة. و كذلك: «ماء البئر واسع لا يفسده شي‏ء ... لأنّ له مادة» (2).

تدلّ على أنّ تلك العلّة الماديّة يقتضي عدم التنجّس.

و بأدنى تأمّل يظهر لك وجه التعدّي و طريقته في كلّ موضع، فالتعدّي في الأوّلين من المخاطب بالوضوء و الصلاة شفاها الى غيره إذا حصل فيه العلّة، و في الثالث من الخمر الى كلّ مسكر، و في الرابع من البئر الى ماء الحمّام و نحوه، و هكذا.

ثم إنّ العلّة قد تكون علّة لنفس الحكم من حيث هو، فلا يتخلّف عنها أينما وجدت و لا يثبت بدونها أبدا، و قد تكون علّة لتشريع‏ (3) عبادة و تأسيس أساس.

و بعبارة اخرى: تؤسّس أساسا و تشريع [و الشّرع‏] عبادة لأجل حصول‏

____________

(1) المائدة: 6

(2) «الوسائل» 1/ 141 ح 347

(3) أو قل جزء علّة: و قد يسمونها بالحكمة.

190

مصلحة، و ذلك لا يستلزم تلازم العلّة مع جميع أفراد تلك العبادة و الأساس كما أنّ سور البلد يحاط عليه لأجل دفع ما عسى أن يسنحه سانح‏ (1) و إن لم يسنحه السّوانح في الغالب. و من هذا القبيل تعليل غسل الجمعة برفع أرياح الآباط (2)، و تسنين العدّة لأجل عدم اختلاط المياه، فذلك لا ينافي عدم الرّخصة في تركهما إذا انتفت‏ (3) العلّة و المصلحة، كما لا ينافي رجحان شي‏ء آخر يوجب ذلك من غسل البدن و التنظيف، و غيره من غير جعله عبادة شرعيّة.

تنبيه: [في طرق مقرّرة عند القائسين‏]

لمعرفة العلّة طرق مقرّرة عند القائسين مضبوطة في مظانّها.

و حاصل الكلام فيه، أنّ العلّة إما تستفاد من جهة الشّارع من إجماع بسيط أو مركّب، أو كتاب أو سنّة أو من جهة غيره.

أمّا الأوّل: فأمّا المستفاد من الإجماع فكثير، مثل أنّ التعدّي‏ (4) من قوله (عليه السلام):

«اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (5). الى وجوب غسل البدن و الإزالة عن المسجد و المأكول و المشروب و غيرهما، إنّما هو لأجل استفادة أنّ علّة

____________

(1) السّانح: ما أتاك عن يمينك، و يقال: سنح لي رأي و شعر يسنح أي عرض لي أو تيسّر، و قد ذكر في موضعه ابن السّكيت يقال: سنح له سانح فسنحه عما أراد أي ردّه و صرفه، و سنح بالرّجل و عليه: أخرجه أو أصابه بشرّ، راجع «لسان العرب» مادة سنح.

(2) جمع إبط و هو ما تحت الجناح، يذكّر و يؤنّث. و أرياح: مقصوده روائح الآباط.

(3) في نسخة الأصل (انتفى).

(4) التّعدي بالعلّة المستفادة من الاجماع.

(5) «الوسائل» 3/ 405 ح 3988.

191

وجوب الغسل عن الثّوب هي النّجاسة و دليله الإجماع، فيجب الاحتراز عنه في كلّ ما يشترط فيه الطهارة.

و أمّا الكتاب و السنّة: فإمّا يستفاد العلّة منهما بصريح اللّفظ الدالّ عليها بالوضع، أو بسبب التّنبيه و الإيماء المحسوب من الدلالة الالتزاميّة، و لكلّ منهما مراتب مختلفة في الوضوح و الخفاء.

أمّا الأوّل: فكقوله (عليه السلام): لعلّة كذا أو لأجل كذا أو لأنّه كذا أو كي يكون كذا أو إذن يكون كذا، و نحو ذلك. و دونها في الظّهور اللّام و الباء و إن كانت هذه أيضا ظاهرة.

[دلالة التّنبيه و الإيماء]

و أمّا الثاني: أعني دلالة التّنبيه و الإيماء، فقد مرّ الإشارة إليه في مباحث المفاهيم. و نقول هنا أيضا: إنّ الضابطة فيه كلّ اقتران بوصف لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل لكان بعيدا، فيحمل على التعليل دفعا للاستبعاد، كقوله (صلى الله عليه و آله) و سلم للأعرابي الذي قال: واقعت امرأتي في شهر رمضان و أنا صائم. «أعتق رقبة» (1). فإنّ السّؤال عن مثله (صلى الله عليه و آله) و سلم يقتضي الجواب المطابق. فجوابه لا بدّ أن يكون لحصول غرضه. فكأنّه (صلى الله عليه و آله) و سلم قال: إذا واقعت فكفّر. و كما أنّ هذا اللّفظ دالّ على التعليل، فكذلك تقديره و إن كان دونه في الظّهور، لحصول الاحتمال البعيد بعدم قصد الجواب، كما إذا قال العبد: طلعت الشمس، فقال المولى: اسقني ماء.

و لكن هذا الاحتمال في مثل ما نحن فيه، لا يلتفت إليه قبل، و هذا هو مراد المحقّق (رحمه اللّه) في «المعتبر» حيث حكم بحجّية تنقيح المناط القطعيّ كما إذا قيل له (صلى الله عليه و آله) و سلم: صلّيت مع النّجاسة. فيقول: أعد صلاتك. فإنّه يعلم منه أنّ علّة الإعادة

____________

(1) «الوسائل» 10/ 46 ح 12793

192

هي نجاسة البدن أو الثوب، و لا مدخليّة لخصوص المصلّي أو الصلاة، و كذلك لا مدخل في الأعرابية إذ الهنديّ و الأعرابيّ حكمهما في الشّرع واحد، و كذا كون المحلّ أهلا فإنّ الزّنا أجدر. و أفرط الحنفيّة و قالوا: لا مدخليّة لكونه وقاعا أيضا، فيكون الأكل و غيره من المفطرات أيضا كذلك.

أقول: إن ثبت انحصار العليّة من القاطع الخارجيّ كالإجماع، فلا كلام فيه، و لكنّه خارج عمّا نحن فيه، و إلّا فيرجع الكلام في ذلك الى السّبر و التقسيم.

و سيجي‏ء أنّه لا يفيد القطع و لا يجوز الاعتماد عليه، مع أنّ الحكم بأولويّة لزوم العتق في صورة الزّنا ممنوع، و ستعرف الكلام في تحقيق ما هو المعتبر في القياس بطريق الأولى إذ غاية الأمر أن يحكم العقل بأنّ الزّنا أجدر و أولى بالانتقام، لكنّه هل هو في الآخرة أو في الدّنيا و أنّه القتل أو الرّجم أو الكفّارة أو غيرها، فيحتاج تعينها [تعيينها] الى دليل.

فالتّحقيق أنّ دلالة التّنبيه مبتنية على الاستفادة من اللّفظ من باب الالتزام، و حجّية هذه الاستفادة تثبت بما ثبت منه حجّية سائر الدلالات اللّفظية، و ليس ذلك من جهة تنقيح المناط، أعني إلقاء الفارق و إثبات الجامع به، كما سنشير إليه.

و من أمثلة التّنبيه: أنّه (عليه السلام) سئل عن جواز بيع الرّطب بالتّمر (1). فقال (صلى الله عليه و آله) و سلم:

«أ ينقص الرّطب إذا جفّ؟ فقالوا: نعم. فقال: فلا إذن». فاقتران الحكم أعني قوله (صلى الله عليه و آله) و سلم: فلا، بالنقصان، ينبّه على أنّ علّة منع البيع هو النقصان.

و اعلم، أنّ في هذا المثال قد اجتمع التصريح و التنبيه، لمكان الفاء، و إذن، و لا منافاة، لاستفادة العليّة بدونهما أيضا.

____________

(1) «عوالي اللئالي» 2/ 254 ح 28

193

و من أمثلته أن يفرّق بين حكمين بوصفين مثل: للرّاجل سهم و للفارس سهمان.

و كذلك ذكر الوصف المناسب و هو في الاصطلاح وصف ظاهر منضبط يحصل من ترتّب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودا للعقلاء من حصول مصلحة أو دفع مفسدة، مثل قوله (عليه السلام): «لا يقضي القاضي و هو غضبان» (1). و مثل: أكرم العلماء و أهن الجهّال. فيغلب في الظّن من [مع‏] المقارنة مع المناسبة ظنّ الاعتبار.

و أمّا مثال النّظير، فهو ما رواه الجمهور من حكاية سؤال الخثعميّة فإنّها قالت له (صلى الله عليه و آله) و سلم: «إنّ أبي أدركته الوفاة و عليه فريضة الحجّ، فإن حججت عنه أ ينفعه ذلك؟ فقال النبيّ (صلى الله عليه و آله) و سلم: أ رأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أ كان ينفعه ذلك.

فقالت: نعم. قال (صلى الله عليه و آله) و سلم: فدين اللّه أحقّ أن يقضى» (2). فإنّها سألته عن دين اللّه فذكر نظيره و هو دين الناس، فنبّه على التعليل به، أي كونه علّة للنفع، و إلّا لزم العبث، فيفهم منه أنّ نظيره و هو دين اللّه أيضا علّة للنفع.

و أمّا الثاني: أي ما يستفاد من غير الشّرع، فهي وجوه، منها:

الدّوران، و هو الاستلزام في الوجود و العدم، و سمّي الأوّل بالطّرد و الثاني بالعكس، و قد يكون في محلّ واحد، كإسكار الخمر، فإنّ الحرمة دائرة معه وجودا و عدما، فقبل حصول السّكر حلال، و بعد انقلاب الخمر خلّا حلال، و في حال الإسكار حرام.

و قد يكون في محلّين، ككون الشّي‏ء مكيلا بحرمة التّفاضل، فإنّ التّفاضل‏

____________

(1) «الكافي» 7/ 413 ح 2

(2) «بحار الأنوار» 85/ 315

194

حلال في الثياب دون الحنطة و الشّعير مثلا، و الأوّل أقوى لكونه أقلّ احتمالا من الثاني.

و اختلفوا فيه، و الأكثر على المنع، لأنّ بعض الدّورانات لا يفيد ظنّ العليّة، كدوران الحدّ و المحدود و العلّة و المعلول المتساوي، و المعلولين المتساويين لعلّة واحدة، و الحركات و الزّمان و نحو ذلك، فلا يفيد أصله.

بيان الملازمة: أنّ الاقتضاء إن كان من ماهيّة، فلا يمكن التخلّف، و إن كان من جهة خصوص محلّ خاصّ، فلم يستفد من الدّوران. و الإنصاف أنّ حصول الظّن بكثير منها، مثل ما كان العلّة وصفا مناسبا لا يمكن إنكاره، بل قد يوجب إفادة القطع كما في التجربيّات، و لكنّه ليس ذلك من جهة الدّوران من حيث هو.

[السّبر و التّقسيم‏]

و منها: السّبر و التقسيم، و هو عبارة عن عدّ أوصاف ادّعي بالاستقراء الانحصار فيها، و سلب العليّة عن كلّ واحد منها إلّا المدّعى، و هو أيضا يفيد القطع إذا ثبت بالدليل القاطع انحصار الأوصاف في المعدود، و ثبت بالقاطع سلب العلّيّة من غير واحد منها، و هو في العقليّات كثير، لكنّها في الشرعيّات لا يكاد يوجد، و كيف كان فالكلام في إفادة الظّن بالعلّيّة في الشرعيّات.

و احتجّ المثبت: بأنّ الأحكام لمّا كانت في الغالب معلّلة بعلل ظاهرة، و لم يظهر للمجتهد بعد البحث و التأمّل سوى الأوصاف المذكورة، و انتفت‏ (1) العلّيّة عن كلّ واحد سوى الوصف المدّعى، فيغلب الظّن بتعليل الحكم به.

و احتجّ النافون‏ (2)- و هم الأكثرون-: جواز الاستغناء عن العلّة، لأنّه لو وجب‏

____________

(1) في نسخة الأصل (و انتفى)

(2) للظن و للحجيّة من جهة نفي الظّنّ.

195

التعليل لزم التسلسل، فإنّ الحكم بعلّيّة العلّة يحتاج الى علّة، و هكذا عليّة تلك العلّة و هلم جرّا.

سلّمنا، لكن يجوز أن يكون العلّة جزئيّ أحدها أو ما يتركّب من بعضها، مثل وصفين منها أو ثلاثة أو مجموعها.

سلّمنا، لكن يجوز كون الحكم موقوفا على شرط موجود في الأصل مفقود في الفرع، أو ثبوت مانع في الفرع.

و التّحقيق، أنّ هذه الاحتمالات تمنع القطع لا الظّن، و لكن لا حجّة في العمل بهذا الظّن، بل قام الدليل و الضّرورة على بطلانه.

ثمّ إنّهم ذكروا أنّ إلحاق حكم المسكوت عنه بالمنصوص عليه قد يكون بإلقاء الفارق، فيقال: لا فرق بين الأصل و الفرع إلّا كذا و كذا، و كلّ ذلك لا تأثير له في الحكم، و هذا الذي تسمّيه الحنفيّة استدلالا (1)، و سمّاه الغزالي‏ (2) ب: تنقيح المناط، و هو أن يقال: هذا الحكم لا بدّ له من مؤثّر، و هو إمّا القدر المشترك بين الأصل و الفرع، أو القدر الذي امتاز به الأصل من الفرع، و التالي باطل لأنّ الفارق ملغى، فثبت أنّ المشترك هو العلّة، و هو متحقّق في الفرع، فيجب تحقّق الحكم فيه، و أنت خبير بأنّ هذا أيضا يرجع الى السّبر و التقسيم.

و يرد عليه ما يرد عليه، و فرض حصول القطع في ذلك إنّما يكون من جهة أمور خارجة، كما أشرنا سابقا.

[تخريج المناط]

و منها: تخريج المناط، و وجه تسميته أنّه إبداء مناط الحكم.

____________

(1) في «المستصفى» 2/ 98

(2) في «المستصفى» 2/ 98، و في «المحصول» 4/ 1231

196

و حاصله، تعيين العلّة في الأصل بمجرّد إبداء المناسبة بينها و بين الحكم، من دون نصّ أو غيره، كالإسكار لتحريم الخمر فإنّه مناسب لشرع التحريم، و كالقتل العمد العدواني فإنّه مناسب لشرع القصاص، و يسمّى مناسبة و إخالة أيضا لأنّه بالنظر إليه يخال أنّه علّة، أي يظنّ [بظنّ‏].

و أمّا تحقيق المناط، فهو عبارة عن النّظر و الاجتهاد في وجود العلّة المعلومة علّيّتها بنصّ الشّارع أو استنباط في الفرع.

المسألة الثانية القياس بطريق الأولى،

و هو ما كان اقتضاء الجامع فيه للحكم بالفرع أقوى و أوكد منه في الأصل. و يظهر من بعضهم‏ (1) أنّه هو القياس الجليّ كما يستفاد من صاحب «المعالم» (2). و الظّاهر أنّه أعمّ منه من وجه كما يظهر من تعريف الأكثر للقياس الجليّ: بأنّه ما كان الفارق بين أصله و فرعه مقطوعا بنفيه، أي بنفي تأثيره.

سواء كانت العلّة الجامعة بينهما منصوصة و لو بالالتزام، كإلحاق تحريم ضرب الوالدين بتحريم التأفيف لهما، العلّة كفّ الأذى عنهما.

أو غير منصوصة، كإلحاق الأمة بالعبد في تقويم النصيب [النّصف‏] عند العتق، يعني إذا أعتق أحد الشّريكين شقصه‏ (3)، حيث عرفنا أنّه لا فارق بينهما إلّا الذّكورة في الأصل، و الأنوثة في الفرع، و علمنا عدم التفات الشّارع الى ذلك في‏

____________

(1) كالعلّامة في «التهذيب» ص 272، و كثير من العامة.

(2) ص 518

(3) الشّقص: النّصيب، و في العين المشتركة من كل شي‏ء، و الجمع أشقاص، و منه «انّ رجلا اعتق شقصا من مملوك».

197

العتق خاصة.

و أمّا الخفيّ، فهو ما لا يكون نفي تأثير الفارق بين الأصل و الفرع مقطوعا به، كقياس القتل بالمثقّل على القتل بالمحدّد، و أنت خبير بأنّ هذا التعريف للجليّ يشمل ما لو كان العلّة في الفرع أضعف، أو مساويا أيضا.

ثمّ إنّ دعوى كون ما كان الجامع فيه في الفرع أقوى ممّا يحصل به العلم الشرعيّ بسبب العلم بعدم تأثير الفارق فيه مطلقا محلّ تأمّل واضح، لأنّه إذا كانت‏ (1) العلّة مستفادة من غير النصّ من وجوه الاستنباط، فإذا لم يعتمد عليها في الأصل و لم يحصل الاطمئنان بالعليّة، فكيف يكتفى بوجودها في الفرع و إن كان أقوى، مع أنّه كيف يحصل العلم بعدم تأثير الفارق بمجرّد كون العلّة آكد في الفرع إلّا أن يقال: إنّ المفروض نفي تأثير الفارق من جميع الوجوه إلّا من جهة مدخليّة خصوصيّة المادّة، و فيما كان الوصف المناسب في الفرع آكد ينتفي هذا الاحتمال أيضا، فإنّ الإيذاء إذا كان علّة لتحريم التأفيف، فالقول بأنّه لعلّه كان لخصوصية الإيذاء الحاصل بالتأفيف مناسبة للتحريم لم تكن حاصلة في الضّرب باطل، لأنّ احتمال مدخليّة الخصوصيّة إنّما هو لاحتمال أن يكون للمادّة مدخليّة في التحريم، و مناسبة للحكم بالتحريم لم تكن لمادّة أخرى كالضّرب و هو معلوم الانتفاء.

فالحاصل، أنّ القياس حجّة إذا حصل الظّن بالعليّة في مورد الحكم، و لو من غير جهة النصّ. و فرض انحصار المانع عن حصول الظّن بالعليّة مطلقا في احتمال مدخليّة المادة، و إذا انتفى هذا الاحتمال بسبب الأولويّة، فتصير العلّة مستقلّة،

____________

(1) في نسخة الأصل (كان)

198

و هذا هو الباعث لبعض أصحابنا على العمل به. و أنت تعلم أنّ حصول الظّن بالعليّة لم يثبت جواز الاكتفاء به مطلقا، بل لا بدّ إمّا من القطع أو الظّن الذي لم يدلّ دليل على بطلانه كالمنصوص العلّة، فلا بدّ أوّلا من إثبات علّة الحكم في الأصل في الجملة، ثمّ إبطال تأثير الفارق بينه و بين الفرع، بحيث تصير العلّة قطعيّة في نفس الأمر، أو قطعيّة العمل ثمّ العمل عليه، و إلّا فلا دليل على جواز العمل عليه، و إن كان عليّتها في الفرع أظهر و آكد.

و بالجملة، القول بحجيّة القياس بطريق الأولى.

أمّا من جهة محض كون العلّة في الفرع آكد، و إن كان استنباط العلّة من مثل الدّوران و الترديد، فلا دليل على حجّيته أصلا.

و أمّا من جهة الإجماع على كون الوصف علّة مستقلّة أو غيره ممّا يفيد القطع، فلا حاجة في الحجّية الى الآكديّة في الفرع.

و أمّا من جهة النصّ بالعليّة في الأصل بأن يفهم منه كونها علّة مستقلّة، فلا حاجة في الحجّية أيضا الى كونها في الفرع آكد كسائر أفراد المنصوص العلّة، و كذا ما كان من قبيل دلالة التّنبيه.

و أمّا من جهة المستفاد من النصّ هو العليّة في الجملة، بمعنى أنّا نفهم منه أنّ العلّة مع الخصوصيّة مثبتة للحكم و نشك أنّ للخصوصيّة مدخليّة أم لا، و لم يكن تأمّل في استقلال العلّة إلّا من جهة الخصوصيّة، و احتمال مدخليّة الأصل في عليّة العلّة لأجل مناسبة بينها و بين العلّة يقوّيها.

و حينئذ يمكن أن يقال: إنّ الآكديّة في الفرع ينفي هذا الاحتمال، فإنّه ينفي ما يتصوّر أشديّة مناسبة العلّة للحكم في الأصل، فينتفي الفارق رأسا على المفروض، و من ذلك يعلم أنّ مرادهم من القطع بانتفاء الفارق و اندراج ذلك تحت‏

199

القياس الجليّ، هو أنّ الخصوصيّة لا مدخليّة لها (1) جزما.

فظهر من جميع ما ذكرنا أنّه لا يجوز الاعتماد على مجرّد آكديّة العلّة في الفرع، بل إنّما يجوز العمل به إذا كان في النصّ تنبيه على العلّة و انتقال من الأصل الى الفرع، و هذا هو المعبّر عنه بالمفهوم الموافق، و ذكروا له أمثلة:

منها: قوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏ (2).

و منها: قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ‏ (3). الآية.

و منها: قوله تعالى: وَ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ‏ (4).

الآية. و هو الذي يقولون أنّه تنبيه بالأدنى على الأعلى، أو بالأعلى على الأدنى، أي بالتّأفيف على الضّرب مثلا، أو بالقنطار على الدّينار، و إن شئت فاقتصر على التّنبيه بالأدنى على الأعلى بأن تجعل الأدنى عبارة عن الأقلّ مناسبة لترتّب الحكم عليه، و الأعلى عن الأكثر مناسبة، فإنّ التأفيف أقلّ مناسبة بالتحريم من الضّرب، و الذّرة بالجزاء ممّا فوقها، و القنطار أقلّ مناسبة بالتأدية ممّا دونه، و الدّينار أقلّ مناسبة بعدمها ممّا فوقه، و لذلك كان الحكم في المسكوت أولى، و لأجل مدخليّة المناسبة اختلفوا في أنّ دلالة هذه الآيات على الأعلى هل هو من باب القياس الجليّ أو المفهوم أو المنطوق؟

فقيل: إنّه من باب القياس، و هو ظاهر العلّامة (رحمه اللّه) في «التهذيب» (5)، حيث‏

____________

(1) في نسخة الأصل (له).

(2) الإسراء: 13.

(3) الزلزلة: 7.

(4) آل عمران: 75.

(5) ص 248

200

قال بعد نقل منع التعبّد بالقياس من الشيعة: و الأقوى عندي أنّ العلّة إذا كانت منصوصة و علم وجودها في الفرع، كان حجّة، و كذا قياس تحريم الضّرب على تحريم التّأفيف.

و قال في موضع آخر (1) بعد ذلك: أمّا إذا نصّ على العلّة ثمّ علم وجود تلك العلّة في الفرع فإنّ الحكم يتعدّى إليه، إذ لولاه لوجد المقتضي مع انتفاء معلوله، و هو باطل. و لا يمكن أن يكون ما نصّ الشّارع عليه مخصّصا بمحلّ الوفاق و إلّا لم تكن العلّة تامّة، و قياس الضّرب على التّأفيف ليس من هذا الباب، لأنّ الحكم في الفرع أقوى. انتهى.

و ظاهر كلامه أنّه يعمل بمجرّد كون العلّة في الفرع أقوى و إن لم يثبت العليّة بالقاطع من إجماع أو نصّ صريح أو تنبيه، و هو مشكل لظهور كونه قياسا، و اندراجه تحت ما دلّ على حرمته من الأخبار و إن لم يسلّم ثبوت الإجماع و الضّرورة فيه، سيّما مع ورود الأخبار في خصوص ما كان الفرع أقوى أيضا، مثل ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) في باب الديات‏ (2)، عن أبان قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): «ما تقول في رجل قطع إصبعا من أصابع المرأة، كم فيها؟ قال: «عشرة من الإبل». قلت: قطع اثنين. قال: «عشرون». قلت: قطع ثلاثا؟ قال: «ثلاثون».

قلت: قطع أربعا؟ قال: «عشرون». قلت: سبحان اللّه، يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون، و يقطع أربعا فيكون عليه عشرون! إنّ هذا كان يبلغنا و نحن بالعراق فنتبرّأ ممّن قال، و نقول: إنّ الذي قاله شيطان.

____________

(1) من «التهذيب» ص 251

(2) «من لا يحضره الفقيه» 4/ 119 ح 5239.

201

فقال (عليه السلام): مهلا يا أبان، هذا حكم رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) و سلم إنّ المرأة تعاقل الرّجل الى ثلث الدّية فإذا بلغت الثلث رجعت المرأة الى النّصف. يا أبان إنّك أخذتني بالقياس، و السّنّة إذا قيست محق الدّين».

و ما روي من قوله (عليه السلام) لأبي حنيفة (1): «لو كان الدّين يؤخذ بالقياس لوجب على الحائض أن تقضي الصلاة لأنّها أفضل من الصّوم».

و بالجملة، ظاهر كلام العلّامة هذا و كثير من استدلالاته و استدلالات غيره من فقهائنا في كثير من المواضع، يأبى عن حمل قولهم على ما لو كان في دليل الأصل تنبيه على العلّة أو نصّ أو إجماع، و إلّا لما احتاج الى الاعتماد على الأولويّة.

و الذي يظهر منهم الاعتماد على مجرّد الأولويّة مع أنّ كثيرا من تلك المواضع إنّما يثبت الحكم في الأصل بالإجماع، أو يلازم دليل آخر، و ليس من الأدلّة النطقيّة التي يستفاد منها العلّة بالنصّ أو بالتّنبيه أو ثبت بالكتاب و السنّة، لكن ليس فيها تنصيص و لا تنبيه بالعلّة. فقد تراهم يستدلّون في مسألة كون الزّنا بذات البعل محرّما أبدا بالأولويّة بالنّسبة الى تزويجها، مع أنّهم يستدلّون في كون تزويجها محرّما أيضا بالأولويّة بالنّسبة الى تزويجها في العدّة الرجعيّة الثّابت تحريمها بالنصّ، فأين النصّ على العلّة في الأصل أو التّنبيه عليها، مع أنّه لو استدلّ في كون التزويج بها محرّما أبدا بالنصّ مثل موثّقة أديم بن الحرّ (2) قال: قال أبو عبد اللّه عليه الصلاة و السلام: «التي تتزوّج و لها زوج، يفرّق بينهما، ثمّ لا يتعاودان أبدا».

____________

(1) و في مؤداها في «الوسائل» ج 18 باب 6 صفات القاضي ح 25- 27- 28.

(2) «تهذيب الأحكام» 5/ 1329 ح 1132، «الوسائل» 20/ 446 ح 26055

202

فنقول: لم يستفد من الحديث بعنوان القطع و لا الظّن أنّ العلّة هو (1) هتك عرض الزّوج و الدّخول في حريم المتزوّجة حتّى يقال: إنّ الدّخول في الحريم و هتك العرض في جانب الزّنا أقوى و آكد، مع أنّه لو سلّم ذلك، فيمتنع كونها فيه أقوى، بل التزويج أدخل في الاعراض عن الاعتناء بشأن الزّوج الأوّل، و هو كلام وقع في البين بتقريب أنّ ظاهر كلام العلّامة (رحمه اللّه) أنّ مراده ليس بيان تفريع محض آية التّأفيف و أمثاله، بل مراده حكم جواز قياس ما كان العلّة في الفرع أقوى، سواء ورد بأصله نصّ أم لا.

فلنرجع الى ما كنّا فيه من خلافهم في تفريع آية التّأفيف و أمثاله على قياس [القياس‏] الجليّ أو المفهوم أو المنطوق. و الذي يقول: إنّه من باب القياس الجليّ، لا بدّ أن يقول: يحصل من ملاحظة الفرع أنّ الفارق الذي يتصوّر من جانب الأصل- و هو الخصوصيّة- ملغى، لأنّ الفرع أشدّ مناسبة للحكم، فيتعدّى إليه من هذه الجهة. و الذي يقول: بأنّه من باب المفهوم الموافق، يقول: إنّه دلالة التزاميّة للّفظ و يسمّونه: فحوى الخطاب و لحن الخطاب‏ (2). و الذي يقول: إنّه [دلالة التزامية للفظ] منطوق، يقول: إنّ المنع من التّأفيف في العرف حقيقة في المنع عن الأذيّة، للتبادر.

____________

(1) التّذكير باعتبار خبره و هو لفظ هتك، كما في الحاشية.

(2) فحوى الخطاب ما يفهم منه على سبيل القطع ذكره المحقّق السّلطان في حاشيته ص 334 نقلا عن العلّامة الشيرازي في شرحه على «المختصر». و لحن الخطاب أيضا هو ما يفهم من الكلام، و عن «القاموس» ألحنه القوم أفهمه إيّاه تلحنه و اللاحن العالم بغرائب الكلام و هذا يقتضي دخول القطع في مفهوم اللحن أيضا، فالفحوى و اللحن مترادفان لغة و اصطلاحا، كما عن حاشية القزويني.