القوانين المحكمة في الأصول - ج3

- الميرزا القمي المزيد...
231 /
203

و كذلك مثل قولهم: لا تعطه ذرّة، حقيقة في المنع عن الإعطاء مطلقا، و هكذا.

و احتجّ القائل‏ (1): بأنّه ليس من باب القياس، بأنّا نقطع بإفادة الصّيغة للمعنى من غير توقّف على استحضار القياس المصطلح.

و أجيب‏ (2): بأنّ المتوقّف على استحضاره هو القياس الشرعيّ لا الجليّ، فإنّه بما يعرفه كلّ من يعرف اللّغة من غير افتقار الى نظر و اجتهاد.

أقول: بعد ما عرفت ما ذكرنا في القياس الجليّ، ظهر لك بطلان هذا الإطلاق في كلام المجيب، إلّا أن يريد بالجليّ هذا القسم الخاصّ منه.

و احتجّ القائل‏ (3) بأنّه من باب القياس: أنّه لو قطع النّظر عن المعنى المناسب الموجب للحكم الجامع بينهما، و عن كونه آكد في الفرع لما حكم به، و هو معنى القياس.

و أجيب‏ (4): بأنّه لم يعتبر لإثبات الحكم حتّى يكون قياسا، بل لكونه شرطا في دلالة الملفوظ على حكم المفهوم. يعني أنّ الانتقال الى الفرع بواسطة ملاحظة المعنى المناسب، ليس من باب القياس بأن يفهم المخاطب هذا المعنى بتوسّط حركة ذهنيّة سريعة من الأصل الى الفرع، و ملاحظة المعنى المناسب للحكم، بل بواسطة تبادر المعنى الى الذّهن من اللّفظ أوّلا بواسطة الدلالة اللّفظيّة الالتزاميّة، و لو كان قياسا لما قال به النافي للقياس.

____________

(1) و هي حجّة النّافين كما نقلها في «المعالم» ص 519.

(2) و المجيب هو صاحب «المعالم» ص 519

(3) و هي حجّة الذّاهبين الى كون مثله قياسا كما ذكرها في «المعالم» ص 518.

(4) و المجيب هو صاحب «المعالم» ص 519

204

و ردّ (1): بأنّه لا نافي للقياس الجليّ الذي يعرف الحكم فيه بطريق الأولى، حتّى يصحّ أن يقال إنّه قائل بهذا المفهوم دون القياس، و يجعل هذا حجّة على إنّه ليس بقياس.

و قد يقال: أنّ هذا دفع للسند و لا يضرّ الجواب، و هو كذلك، لكنّه جعله بعضهم من أدلّة المانعين لكونه قياسا، فحينئذ ينطبق الردّ عليه و يدفعه.

و قال التفتازاني: و الحقّ أنّ النزاع لفظيّ، و استحسنه في «المعالم» (2). و لعلّ وجهه أنّ الطرفين اتّفقا على الانفهام من اللّفظ، و أنّه لا حاجة في الانفهام الى ملاحظة الأصل و الفرع و العلّة و استحضار القياس المصطلح. فالنّزاع في تسمية ذلك بالمفهوم أو القياس الجليّ، و ذلك أيضا مبنيّ على إرادة هذا القسم الخاصّ من الجليّ و هو القياس بطريق الأولى، لما مرّ.

أقول: و هذا أيضا إنّما يتمّ إذا سلّمنا أنّ كلّ قياس بطريق الأولى ممّا لا ينفكّ تصوّر الفرع من تصوّر الأصل حتّى يصحّ أن يقال: إنّ النزاع لفظيّ. و قد عرفت الكلام فيه في حكاية إلحاق الزّنا بالتّزويج، إلّا أن يراد تردّد المقام بين المفهوم و بين هذا القسم الخاصّ من القياس بطريق الأولى، الذي هو قسم خاصّ من القياس الجليّ.

و اعلم، أنّ ما ذكرنا من تفسير الجلي في الردّ المذكور هو عبارة التفتازاني، و هو موهم لكون القياس الجلي نفس القياس بطريق الأولى كما يفهم من‏

____________

(1) و الرّاد هو السلطان في حاشيته على «المعالم» ص 334.

(2) ص 519

205

«المعالم» (1)، و ليس كذلك، بل لا ينافي كلامه إرادة كونه أعمّ منه، كما هو صريح الأكثرين، فإنّ الموصول وصلته وصف تقييديّ لا توضيحيّ.

فحاصل الكلام في القياس بطريق الأولى الذي يقول به الشّيعة، لا بدّ أن يكون قياس نصّ على علّته أو نبّه عليها، و دفع احتمال مدخليّة خصوصيّة الأصل فيها من جهة كون العلّة في الفرع أقوى، لا غير. فكلّ من ينكر من أصحابنا العمل بالمنصوص العلّة مثل السيّد (رحمه اللّه)(2) تمسّكا باحتمال مدخليّة الخصوصيّة، لا بدّ أن يخصّص كلامه بما لو كان الفرع أولى بالحكم، لأنّ ذلك الاحتمال مندفع فيه حينئذ، فتأمّل، فإنّ ذلك أيضا منحصر فيما لو كان الاحتمال من جهة ملاحظة أشدّيّة مناسبة خصوصيّته للعلّة لا مطلقا، فاحفظ ما ذكرنا لئلّا يختلط عليك الأمر.

ثمّ إنّ أصحابنا قد يتمسّكون في إلحاق حكم بالآخر، بإيجاد الطريق بين المسألتين، و يقولون: إنّه ليس بقياس، كما قال الشهيد الثاني في «الروضة» (3) في مسألة إلحاق الغائب و المجنون و الطفل- إذا كانوا مدّعى عليهم- بالميّت، في وجوب اليمين الاستظهاريّ، أنّ ذلك من باب اتّحاد طريق المسألتين لا من باب القياس، ثمّ تنظّر فيه.

و مرادهم من اتّحاد الطّريق، أنّ دليلهما واحد من جهة اشتمال دليل أحدهما على نصّ بالعليّة أو تنبيه عليها، بحيث يشمل الآخر، فيستفاد من النصّ الوارد في الميّت أنّ العلّة في وجوب اليمين هو أنّه لا لسان له للجواب.

____________

(1) ص 519

(2) كما عرفت عنه في «الذريعة» ص 685، و صرّح عن قوله بذلك صاحب «المعالم» ص 514.

(3) بل في «مسالك الأفهام» 13/ 462

206

و وجه النّظر، أنّ العلة إنّما يسلم [يسلّم‏] حجيّتها إذا ثبت دلالة النصّ على استقلالها مطلقا. و كذلك التّنبيه إنّما يسلم إذا ثبت عدم الفارق بينهما.

و يمكن أن يقال بالفرق هنا لعدم رجوع الميّت الى الدنيا، و احتمال رجوع هؤلاء الى الدّعوى كاملا.

إذا عرفت هذا، فلا تغتّر بما أوردناه على العلّامة، و نظر أنّه في العمل بالقياس بطريق الأولى في غير صورة التّنبيه على العلّة، و أنّ الظّاهر منه ذلك، إذ لعلّ مراده أيضا فيما يستفاد العلّة من النصّ، و اعتماده على الأولويّة لإثبات الاستقلال فيما يحتمل فيه مدخليّة المادّة، و كذلك فيما تمسّكوا فيه باتّحاد الطّريق.

و الغفلة في طريق الاستنباط و الاشتباه في الحدس لا يوجب القول بأنّهم يعملون بالقياس المحرّم، و قد ذكرنا نظير ذلك في الإجماعات المنقولة، فكما أنّه قد تقع الغفلة في دعوى الإجماع و يحصل الخطأ في الحدس، فكذلك في فهم العلّة من النصّ و استقلاله، فهم معذورون في خطائهم بعد الاجتهاد لا أنّهم عاملون بالقياس المحرّم أو يسمّون المشهور غالبا [عالما] بالإجماع، و ذلك لا يوجب القدح في أصل العمل بالعلّة المنصوصة أو المنبّهة أو الإجماع المنقول.

207

قانون: [الاستحسان و المصالح المرسلة]

ممّا يستدلّ به العامّة، الاستحسان و المصالح المرسلة.

أمّا الاستحسان: فقال به: الحنفيّة (1)، و الحنابلة (2)، و أنكره غيرهم‏ (3).

قال الشّافعيّ: من استحسن فقد شرّع‏ (4).

و اختلفوا في تعريفه بما لا يرجع الى ما يمكن أن يكون محلّا للنزاع، و لا حاجة لنا الى ذكرها، و أظهرها: أنّه دليل ينقدح في نفس المجتهد و يعسر عليه التّعبير عنه، أو أنّه العدول من حكم الدّليل الى العادة لمصلحة الناس، و المناسب لطريقهم أن يوجّه بأن يكون مرادهم أن ينقدح في نفس المجتهد رجحان استحسان من غير أن يكون مستندا الى دليل شرعيّ، أو أنّه العدول من حكم الدّليل الشرعيّ الى العادة التي لم تعتبر شرعا، و إلّا فالحكم بالعادة المعتبرة شرعا ليس باستحسان مردود، مثل: العدول عمّا تقتضيه قاعدة الإجارة في دخول الحمّام من غير تعيين مدّة المكث، و مقدار الماء المسكوب، و شرب الماء من السّقاء من غير تعيين، لأنّ تلك العادة كالإجماع، بل هو إجماع.

و الحاصل، أنّ الاستحسان هو ما يستحسنه المجتهد بطبعه أو بعادته أو نحو ذلك من دون أمارة شرعيّة، و هو باطل لعدم الدّليل عليه، و لأنّه لا يفيد الظّن بكونه‏

____________

(1) و هو المحكي عنهم كما في «المحصول» 4/ 1446، و «المستصفى» 1/ 213

(2) القول بالاستحسان مذهب احمد، كما نقل في «شرح روضة النّاظر» عن القاضي يعقوب.

(3) بل في «المحصول»: 4/ 1447 اتفق أصحابنا على إنكار الاستحسان.

(4) و ردّ الشّي‏ء قبل فهمه محال، و هو تتمّة ما في «المستصفى» 1/ 213.

208

حكما شرعيّا في الحقيقة، و لإجماع الإماميّة و أخبارهم.

و احتجّوا عليه بقوله تعالى: فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ‏ (1)، وَ اتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ‏ (2).

و أجيب: بأنّ المراد: الأظهر و الأولى، فعند التّعارض الرّاجح بدلالته، فإذا تساويا فالرّاجح بحكمه، و بقوله (صلى الله عليه و آله) و سلم‏ (3): «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن».

و أجيب: بأنّ المراد ما رآه جميع المسلمين حسنا و هو الإجماع.

و أمّا المصالح المرسلة (4):

فالمراد بالمصلحة دفع ضرر أو جلب منفعة للدّين أو الدّنيا.

و المصالح إمّا معتبرة في الشّرع و لو بالحكم القطعيّ من العقل، من جهة إدراك مصلحة خالية عن المفسدة كحفظ الدّين و النّفس، و العقل و المال و النّسل، فقد اعتبر الشّارع صيانتها و ترك ما يؤدّي الى فسادها.

و إمّا ملغاة، كإيجاب صيام الشّهرين لأجل الكفّارة على الغنيّ حتما، لكونه أزجر له.

____________

(1) الزّمر: 18.

(2) الزّمر: 55.

(3) رواه البزار و الطيالسي و أبو نعيم و البيهقي في الاعتقاد عن ابن مسعود انظر «كشف الخفاء» 2/ 188، «المقاصد الحسنة» 581، «المستصفى» 1/ 214، و نقله عندنا في «عوالي اللئالى»: 1/ 381 ح 6.

(4) و قد يعبرون بعضهم عنها بالاستصلاح كالخوارزمي في «الكافي»، و الغزالي في «المستصفى»، و اطلق إمام الحرمين و ابن السّمعاني عليه اسم الاستدلال.

209

و إمّا مرسلة (1)، يعني لم يعتبرها الشّارع و لا ألغاها، و كانت راجحة و خالية عن المفسدة. و هذا هو الذي ذهب الى حجّيتها (2) بعض العامّة (3)، و نفاها أصحابنا، و أكثر العامّة (4).

و هو الحقّ، لعدم الدّليل على حجّيته‏ (5)، و لأنّا نرى أنّ الشّارع ألغى بعضها و اعتبر بعضها، فإلحاق المرسلة بأحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجّح.

احتجّوا: بأنّ عدم اعتبارها يؤدّي الى خلوّ وقائع عن الحكم‏ (6)، و هو باطل‏

____________

(1) و وجه تسميتهم لها بالمرسلة يمكن لأنّ الشّارح أطلقها، فلم يقيّدها و لم يلغها.

(2) في نسخة الأصل (حجّيته).

(3) كمالك كما عن «المحصول» 4/ 1471، و بعض الشافعية كما عن «شرح روضة النّاظر» 3/ 1383، و قال الامام في «البرهان»: و هو المحكي عن مالك و أفرط في القول به حتى جرّه الى استحلال القتل، و أخذ المال لمصالح تقتضيها في غالب الظنّ، و إن لم يجد لها مستندا.

(4) كابن قدامة و بعض الحنابلة و بعض الشّافية و بعض المتكلّمين كما عن «شرح روضة النّاظر» 3/ 1384، تنبيه: نسب هذا المذهب الى جمهور العلماء من الحنابلة و الشّافعية و الحنفيّة، و لكن الحقيقة خلاف ذلك، فمن تتبع و استقراء يجدهم في الفقه كلّهم يستدلّون بالمصالح المرسلة و لكن يختلفون سعة و ضيقا في الأخذ بها.

قال القرافي في «شرح تنقيح الفصول»: «أمّا المصلحة المرسلة فالمنقول أنّها خاصة بنا، و إذا تفقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا و جمعوا و فرّقوا بين المسألتين لا يطلبون شاهدا بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا و فرّقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، و هذا هو المصلحة المرسلة، فهي- حينئذ- في جميع المذاهب، و قال ابن دقيق العبد:

«إنّه لا يخلو أي مذهب من اعتباره في الجملة، و لكن الامام مالك قد توسّع في الأخذ بها، و يليه الامام أحمد».

(5) في نسخة الأصل (حجّيتها).

(6) راجع «المحصول» 4/ 1472.

210

لما عرفت في حكم ما لا نصّ فيه، و من أمثلتها: ضرب المتّهم بالسّرقة محافظة على المال. و منها: فصد الحامل أو شربها لدواء، إذا علم أنّهما يوجبان لشفائها و سقوط ولدها، فإنّهما يوجبان إبقاء نفس، و تركهما يوجب إتلاف نفسين.

و من أمثلتهما: انّ أهل الحرب إذا تترّسوا بأسارى المسلمين فيجوز رميهم، و إن أدّى الى تلف الأسارى إذا علم أنّهم إذا لم يرموا ظفروا على الإسلام و إنّما أفتى بجوازه أصحابنا لدليل خارجيّ، و لذلك لا يجوز قتل من يعلم من حاله أنّه لو لم يقتل لأوجب تلف جماعة.

211

المقصد الخامس في النّسخ‏

و هو في اللّغة: الإزالة (1).

و في الاصطلاح: رفع الحكم الشّرعيّ بدليل شرعيّ متأخّر (2) على وجه لولاه لكان ثابتا.

و تقييد الحكم «بالشّرعيّ» لإخراج رفع مقتضى البراءة الأصليّة بالدّليل الشّرعيّ.

و «الدّليل الشّرعيّ» لإخراج الارتفاع بالموت و الجنون و نحوهما.

و «بالمتأخّر» لإخراج الشّرط و الاستثناء و غيرهما من المخصّصات.

و أمّا القيد الأخير، فلإخراج الحكم المحدود الى وقت، أو الوارد بصيغة الأمر على القول بعدم إفادته للتكرار، فيبقى إثبات الحكم بعنوان الإطلاق القابل للاستصحاب مثل الحكم بحلّ الأشياء أو حرمتها، و نحو ذلك.

و ما يقال: إنّ هذا القيد مستغنى عنه، لأنّ في أمثال المخرجات لا رفع لعدم الثبوت فيخرج بقيد الرّفع.

يمكن رفعه بأنّ الرّفع ليس مستعملا في حقيقته، و إلّا لزم البداء المحال على اللّه‏

____________

(1) كما في «مجمع البحرين»، و منه الحديث «شهر رمضان نسخ كل صوم» أي أزاله، يقال: نسخت الشّمس الظّل: أي أزالته، و نسخ الآية بالآية: إزالة حكمها بها، فالأولى منسوخة و الثانية ناسخة.

(2) و كذا في «الزّبدة» ص 154.

212

تعالى، و لذلك قيل: النّسخ هو رفع مثل الحكم الشّرعيّ الثّابت‏ (1)، و ذلك يتحقّق في المخرجات أيضا، مع أنّ ذلك يرد على القيد المتأخّر أيضا، إذ الكلام لا يتمّ إلّا بآخره، فلم يثبت شي‏ء حتى يرفع إلّا أن يقال: المراد الرّفع ظاهرا، المترتّب على الثّبوت ظاهرا فإنّ حقيقة النّسخ هو التخصيص، فإنّه تخصيص في أزمان الحكم، فيصحّ تعقيبه للتصريح بالدّوام أيضا، و لا تناقض، و لا يصحّ تعقيبه للمحدود الى زمان، و للأمر على القول بعدم إفادته للتكرار.

____________

(1) و قيد: مثل الحكم الثّابت بالدّليل الشّرعي جعله المحقّق في «المعارج» ص 162، و مثله صاحب «المعالم» ص 509، و العلّامة في «مبادئ الوصول» ص 174.

213

قانون‏

[قانون: جواز النّسخ و وقوعه في الشّرع‏]

الحقّ جواز النّسخ، و وقوعه في الشّرع، و المخالف في الأوّل بعض فرق اليهود، و في الثاني أبو مسلم بن بحر الأصفهاني‏ (1)، سيّما في القرآن، لقوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ‏ (2).

لنا على الجواز: عدم الدليل على استحالته، و ستسمع بطلان ما تمسّك به اليهود. و على وقوعه آية العدّة، فإنّ قوله: وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ‏ (3) الدالّة على وجوب الإنفاق عليها في حول، و هو عدّتها ما لم تخرج، فإن خرجت فتنقضي عدّتها و لا شي‏ء لها، نسخت بآية أربعة أشهر و عشرا.

و تخلّص عنها الأصفهاني: بأنّ حكمها باقية في الجملة، فإنّ الحامل إذا كان مدّة حملها عاما فتعتدّ بالحول.

و هو مدفوع: بأنّ الاعتداد حينئذ ليس بالحول من حيث هو، بل بالوضع، و آية القبلة نسخت الصلاة الى بيت المقدس.

و أجاب عنه: بأنّ حكمها باق لبقاء الاستقبال إليه عند الاشتباه.

و هو مدفوع أيضا: بأنّه ليس من حيث الخصوصيّة كما لا يخفى.

____________

(1) محمد بن بحر الأصفهاني 254- 322 ه معتزلي، ولي اصفهان و بلاد فارس للمقتدر العباسي و استمر حتى دخل ابن بويه أصفهان سنة 321 ه، فعزل. و من كتبه في التفسير «جامع التّأويل» في أربعة عشر مجلّدا، و «مجموع رسائله».

(2) فصّلت: 40.

(3) البقرة: 240.

214

و كذلك آية الصدقة قبل النجوى مع الرّسول (صلى الله عليه و آله) و سلم، و غيرها ممّا لا نطيل بذكرها و ذكر ترّهات أبي مسلم، و العمر أشرف من أن يضيّع في أمثاله.

و لعلّ أبا مسلم يقول فيما ثبت بالبديهة نسخه، كأكثر ما ورد في الشرائع السّالفة بأنّها كانت محدودة، فلا ينافي إنكاره إسلامه.

و أمّا ما تمسّك به من الآية، فمدفوع: بأنّ المراد أنّه لا يأتيه كتاب يبطله، و لم يتقدّم عليه كتاب يردّه، مع أنّ النّسخ ليس بإبطال، بل بيان لانتهاء مدّة الحكم، أو مرجع الضمير هو المجموع من حيث المجموع.

و أمّا اليهود، ففرقة منهم منعوه عقلا، و فرقة سمعا، و فرقة جوّزه مطلقا، لكنّها أنكرت معجزات نبيّنا (صلى الله عليه و آله) و سلم، و فرقة أقرّت بها و اعترفت بنبوّته (صلى الله عليه و آله) و سلم للعرب دون غيرهم.

و تمسّك من قال باستحالته عقلا باستحالة كون الشّي‏ء حسنا قبيحا، و الأمر يقتضي كونه حسنا، و رفعه يقتضي كونه قبيحا.

و جوابه: منع كون الحسن و القبح ذاتيّين في جميع الأشياء، بل قد يكون بالوجوه و الاعتبارات، و ذلك كشرب الأدوية و أكل الأغذية، فقد يكون مصلحة في وقت و مفسدة في آخر، و قد يكون الفعل مصلحة الى زمان، و مفسدة بعده.

و بذلك يندفع ما يتمسّك بعضهم بقوله تعالى: وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (1) من باب الإلزام، فإنّ السّنّة هو مجموع الأمرين، فالمجموع سنّة واحدة و لا تبديل فيه، بخلاف سنّة العباد، فإنّ أطبّاء الأبدان قد يمهّدون شرب الدّواء على كيفيّة خاصّة، على ترتيب خاصّ للمنضج و المسهل و المقوّي و غير ذلك، و قد يحصل لهم البداء

____________

(1) فاطر: 43.

215

في هذا التمهيد و الترتيب، بخلافه تعالى فإنّه لا يمكن في حقّه البداء، و النّسخ بيان لانتهاء مدّة الحكم الأوّل بعد إخفائها لمصلحة، لا بداء و لا ظهور له تعالى، بعد الجهل و الخفاء تعالى شأنه عن ذلك.

و احتجّ الآخرون: (1) بقول موسى على نبيّنا و آله و (عليه السلام)، هذه شريعة مؤيّدة ما دامت السّماوات و الأرض، و قوله (عليه السلام): (2) «تمسّكوا بالسّبت أبدا» (3).

و الجواب: المنع.

و دعوى التّواتر غير مسموعة لانقطاع عدد التّواتر عنهم عند ما استأصلهم بخت‏نصّر (4)، بل الرّواية مختلفة من ابن الرّاوندي‏ (5).

سلّمنا، لكن المراد بالتأبيد طول الزّمان، كما ورد في التوراة: إنّ العبد يستخدم [ستّ‏] سنين ثمّ يعرض عليه العتق، فإن أبى فليثقب أذنه و يستخدم أبدا (6).

____________

(1) القائلون بامتناعه سمعا بأحد المعاني المذكورة.

(2) و قد ذكره العلّامة في «مبادئ الوصول» ص 178.

(3) ففي سفر الخروج فصل 31 ص 144 طبع بيروت 1937 م «فاحفظوا السّبت فإنّه مقدس لكم، و من خرقه يقتل قتلا، كل من يعمل فيه عملا تنقطع تلك النّفس من شعبها، فليحافظ بنو اسرائيل على السبت مواظبين عليه مدى أجيالهم عهدا أبديّا.

(4) هو ابن الملك (نابو بولصر) ملك بابل، توفي بعد ابيه سنة 607 ق م.

انتزع بلاد الموصل، و هاجم الإسرائيليين راجع «دائرة المعارف» لوجدي 2/ 51.

و ذكروا أنّ بخت بالتّشديد أصله بوخت و معناه ابن، و نصّر كبقم صنم، و كان وجد عند الصّنم و لم يعرف له اب فنسب إليه (قاله في القاموس).

(5) ابن الرّاوندي من علماء اليهود كما من الحاشية و قد روى الخبرين أو الخبر الأخير بدون ذكر قيد الأبد أو ذكر الغاية للتمسّك بالسّبت بمجي‏ء نبيّنا (صلى الله عليه و آله) و سلم.

(6) ذكره في «الزبدة» ص 155.

216

و في موضع آخر منها: يستخدم العبد خمسة سنين ثمّ يعتق، فعلم أنّ المراد من الأوّل طول المدّة.

هذا مع ما يرد عليهم من المعارضة بوقوع النّسخ عندهم، فقد ورد في التوراة أنّه تعالى أمر آدم (عليه السلام) بتزويج بناته من بنيه ثمّ حرم [حرّم‏] ذلك في شريعة موسى‏ (1)، و أنّه أحلّ لنوح (عليه السلام) وقت خروجه من الفلك كلّ دابّة ثمّ حرّم كثيرا منها في شرع موسى، مع أنّ التأبيد في الزّمان بمنزلة دلالة العامّ على الأفراد، فيجوز التخصيص فيهما معا، و التناقض المتوهّم مندفع بذلك كنظائره.

و احتجّ اليهود أيضا: بأنّه لمّا بيّن شرع موسى (عليه السلام) فاللّفظ الدالّ عليه إمّا أن يدلّ على دوام شرعه أو لا.

و على الأوّل، فإمّا أن يقترن بشي‏ء يدلّ على أنّه سينسخ أم لا.

أمّا على الأوّل، فمع أنّه مستلزم للتناقض، يرد عليه أنّه ممّا تقضي العادة بنقله متواترا لتوفّر الدّواعي عليه، و لو نقل لما وقع الخلاف فيه مع أنّه لو جاز ذلك و لم ينقل لورد عليكم أيضا أنّه يجوز أن يكون شرع نبيّكم أيّها المسلمون مقرونا بذلك و لم ينقل.

و أمّا على الثاني، فيلزم التّلبيس و الإغراء بالقبيح، و على الثاني فلا يقتضي إلّا فعله مرّة واحدة لأنّ الأمر لا يقتضي الدّوام و ذلك لا يسمّى نسخا.

و فيه: أنّا نختار أوّلا: أنّه ذكر ما يدلّ على الدّوام و لا يضرّه التصريح بخبر النّسخ و لا عدمه.

أمّا الأوّل فلأنّ التصريح بأنّه سينسخ حينئذ قرينة على التجوّز في الدّوام فلا

____________

(1) و كذا ذكر في «الزبدة» ص 154.

217

تناقض.

و أمّا الثاني: فلأنّه يستلزم القبيح لو كان وقت الحاجة الى البيان.

و أمّا تأخير البيان عن وقت الخطاب فلا قبح فيه، كما مرّ في محلّه.

و ثانيا: أنّه لم يذكر ذلك، و لكن جميع الشّرائع ليس من باب الأمر إذ بيان الحلّيّة و الحرمة للأشياء ممّا يقبل الاستمرار و عدم الاستمرار، و إذا كان ظاهره الاستمرار فيصحّ النّسخ و يتحقّق حقيقته.

و ثالثا: نقول: إنّ هذا الاستدلال منهم و إن كان لإبطال النّسخ و لكن لازم مرادهم إثبات دوام شريعة موسى (عليه السلام) أيضا، و أنت خبير بأنّ هناك شقّا آخر لم يذكروه، و هو أن يكون البيان على سبيل التّحديد الى زمان محمّد (صلى الله عليه و آله) و سلم، لما لا يكون البيان كذلك، فلا يلزم محال و لا قبيح.

و القول: بأنّ الحسن لا يمكن أن يصير قبيحا و بالعكس، رجوع الى الدّليل الأوّل.

نعم، ينهض هذا الدّليل مع الإغماض عمّا أوردنا عليه الى الآن لو كان في مقابل من يريد بيان ثبوت الإسلام بإثبات نسخ شريعة موسى (عليه السلام)، فيمكن أن يرد هذا الاعتراض بأنّ هذا الشّقّ ليس من باب النّسخ، مع أنّ لهم أن يمنعوا النّسخ من رأس بدون التمسّك بهذه الاحتمالات، لكن لا ينفعهم في إثبات دينهم إلّا مع التمسّك بالرّوايات أو بالاستصحاب، و قد عرفت حال الرّوايات هنا و حال الاستصحاب في مبحث الاستصحاب، فهم في المقامين في مقام الاستدلال و نحن في مقام المنع، و لم يبق شي‏ء لهم يلزموننا به بحول اللّه و قوّته، و بقي الكلام مع التّحقيق، و هو محتاج الى الإنصاف و فتح عين البصيرة.

218

قانون‏

[قانون: في جواز النّسخ بعد حضور وقت العمل‏]

لا ريب في جواز النّسخ بعد حضور وقت العمل بتمامه و التمكّن منه، سواء فعله أو لم يفعله، و إلّا فلم يكن الكفّار مكلّفين بالفروع، بل العصاة التّاركون للفعل رأسا مع أنّ المصلحة الباعثة عليه تحصل بدونه.

و مرادنا بالتمكّن أعمّ من ارتفاع المانع الحاصل من جانب اللّه تعالى أوّلا أو من جانب العبد من جانب ترخيصه تعالى، فحينئذ يدخل في جملة النّسخ قبل حضور وقت العمل نسخ الواجب الموسّع قبل الإتيان به للمريد له المؤخّر إيّاه من جهة رخصة الشّارع، إلّا أن يكون المطلوب منه الحصول من مجموع المكلّفين لا من كلّ واحد، فيكفي إتيان بعضهم دون الباقين في جواز النّسخ.

و لعلّه من هذا الباب نسخ آية تقديم الصّدقة على النّجوى، و كذلك الممنوع عنه في أوّل الوقت لمرض أو إغماء و نحو ذلك. و من هذا الباب حكاية ذبح إسماعيل (عليه السلام)، فإنّه تعالى منع منه و حجزه عن الإتيان به، و كذلك من تمكّن من بعضه دون بعض آخر منه.

[الاختلاف في جواز النّسخ قبل حضور وقت العمل‏]

و اختلفوا في جوازه قبل حضور وقت العمل، فأكثر أصحابنا و المعتزلة و بعض الأشاعرة: على العدم‏ (1).

و المنقول عن المفيد: الجواز (2)، و هو مذهب أكثر الأشاعرة (3).

____________

(1) راجع «العدة» 2/ 518، و «الذريعة» 1/ 430، و «الزّبدة» ص 155، و «المستصفى» 1/ 111- 121.

(2) كما في «المعالم» ص 504، و «المعارج» ص 168 و «العدة» 2/ 518.

(3) راجع «البحر المحيط للزركشي» 4/ 90.

219

و قيل: بالوقف.

و الأوّل أقوى لقبح الأمر بالقبيح و النّهي عن الحسن، فإنّ مقتضى النّهي أوّلا عن شي‏ء قبحه، فإذا جاء الأمر النّاسخ فيعطى حسن القبيح إذ المفروض اتّحاد متعلّقهما، و كذلك حكاية النّهي عن الحسن، و للزوم اجتماع الحسن و القبح في شي‏ء واحد من جهة واحدة و هو محال.

و ما يقال: إنّ النّهي قد تعلّق بمثل ما أمر به لا بنفسه، و كذلك الأمر، فهو باطل.

لأنّ المكلّف به أوّلا هو الطبيعة، أمرا كان أو نهيا، و قد ورد النّاسخ بها أيضا، إذ المفروض عدم تحصيل الطبيعة في ضمن فرد حتّى يتصوّر هناك مائز بينهما.

و كذلك ما يقال: إنّ الأمر الأوّل تعلّق باعتقاد وجوب الفعل و النّاسخ بنفسه، و كذلك النهي الأوّل و النّاسخ إذ ذلك خروج عن المتنازع، إذ بعد تسليم جواز الأمر و النهي و إرادة الاعتقاد بالوجوب و الحرمة و التوطين عليهما لا نفس المأمور به و المنهيّ عنه كما هو الأظهر، و قد بيّناه في مبحث عدم جواز الأمر مع علم الأمر بانتفاء الشّرط، فلم يتوارد النّاسخ و المنسوخ على شي‏ء واحد، و الكلام حينئذ في كون ذلك نسخا، فيرجع حينئذ الى المناقشة في الاصطلاح، و إطلاق المنسوخ على مثل ذلك، و إلّا فلا ننكر جواز ذلك كما بيّناه ثمّة.

و القول: بأنّ حسن الاعتقاد يتبع حسن المعتقد، فإذا لم يكن في نفس المعتقد حسن لا يجوز الأمر به للزوم الإغراء بالقبيح؛ ضعيف، بل قد يحسن نفس الأمر و التوطين على شي‏ء مع علمه بأنّه سيمنعه من جهة مصلحة، و إنّما نسلّم قبح ذلك لو ترتّب عليه مفسدة و تأخّر بيانه عن وقت الحاجة.

و يؤيّده ما ورد في الأخبار أيضا، مثل قويّة أبي المعزا عثمان بن عيسى عن‏

220

أبي بصير (1) قال: «سألته عن رجل فجر بامرأة ثمّ أراد بعد أن يتزوّجها؟

فقال (عليه السلام): إذا تابت حلّ له نكاحها. قلت له: كيف تعرف توبتها؟ قال: يدعوها الى ما كان عليه من الحرام، فإن امتنعت و استغفرت ربّها، عرف توبتها».

و موثّقة عمّار (2) عن الصّادق عليه الصلاة و السلام قال: «سألته عن الرّجل يحلّ له أن يتزوّج امرأة كان يفجر بها، فقال: إن أنس منها رشدا، فنعم، و إلّا فليراودها على الحرام، فإن تابعته فهي عليه حرام، و إن أبت فليتزوّجها».

و الحاصل، أنّه إن أريد من جواز النّسخ قبل حضور وقت العمل مثل ذلك فنحن نجوّزه، و إن أريد إرادة نفس الفعل ثمّ نسخه قبل التمكّن منه؛ فنستحيله.

و الكلام فيه نظير ما حقّقنا في مبحث الأمر مع العلم بانتفاء الشّرط.

احتج المجوّزون‏ (3) بوجوه ضعيفة، أقواها ثلاثة:

الأوّل: قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ‏ (4).

و فيه: أنّه أريد به ما يعمّ محو الأمر الابتلائيّ الذي قصد منه محض الاعتقاد، فقد عرفت الكلام فيه.

و إن أريد محض الإيجاد و الإعدام، مثل إحياء زيد و إماتة عمرو، فهو أيضا خارج عمّا نحن فيه.

و إن أريد محو الأمر بالمأمور به المطلوب بذاته في نفس الأمر، فهو مستلزم للبداء الحقيقيّ المحال على اللّه تعالى الموجب لاجتماع الحسن و القبح، و تحسين‏

____________

(1) «الاستبصار» 3/ 168 ح 614، «تهذيب الأحكام» 7/ 327 ح 1348.

(2) «الاستبصار» 3/ 168 ح 615.

(3) و قد نقلها في «المعالم» ص 504.

(4) الرّعد: 38.

221

القبيح و تقبيح الحسن، فلا بدّ من تخصيص الآية بغيره، لقيام البرهان على استحالته، مع أنّ مدلول الآية أنّه تعالى يمحو ما يشاء، و الكلام في ثبوت مشيّته لهذا المحو، و هو ممنوع، بل الظّاهر من الآية هو البداء الاصطلاحي الذي هو من خواصّ مذهب الشّيعة.

الثاني: أنّه تعالى أمر ابراهيم (عليه السلام) بذبح ولده إسماعيل (عليه السلام) ثمّ نسخ ذلك قبل وقت الذّبح، فإنّ الظّاهر من قول اسماعيل (عليه السلام): يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ (1) بعد قول إبراهيم (عليه السلام): إِنِّي أَرى‏ فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ‏ (2)، و غير ذلك ممّا هو يستفاد من المقام في الآية مثل الفداء و الإقدام على ترويع الولد الذي لو لم يكن مأمورا به لامتنع من مثله، و غير ذلك، دالّة على أنّه كان مأمورا بالذّبح لا بمحض المقدّمات كما قيل‏ (3)، مع أنّه مناف لعظم شأنهما و غير مناسب لهذا المدح العظيم، و لا يدلّ عليه أيضا قوله تعالى: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا (4). و لا ينافي كونه مأمورا بتمام الذّبح.

و فيه: أنّ هذا الأمر أيضا ابتلائيّ، لامتحان ابراهيم و اسماعيل على نبيّنا و آله و (عليهما السلام) و إظهار مرتبتهما على النّاس، لا أنّه كان الذّبح في نفسه مطلوبا.

و ظاهر الأمر و إن كان هو إرادة المأمور به، لكنّ القاطع دلّ على إخراجه من ظاهره و حمله على إرادة التوطين، و قد مرّ بعض الكلام فيه في مباحث الأوامر.

و الفداء يمكن إن يكون من أجل ما اعتقده ظاهرا من فعل المأمور به.

____________

(1- 2) الصّافات: 102.

(3) راجع «المعالم» ص 505.

(4) الصّافات: 105.

222

و قد يجاب: بما روي أنّه قد ذبح لكن كلّما قطع التحم.

و هو مع سلامته، فيه: أنّ التبادر من الذّبح المأمور، به هو ما يزهق الرّوح فيرجع الى إخراج الكلام عن الظّاهر، مع أنّه لا معنى حينئذ للنسخ إذ المأمور به لم يكن إلّا الطبيعة، و هي تحصل بفرد واحد، و الأمر يقتضي التّكرار، فلم يبق مورد للنسخ.

الثالث: ما روي‏ (1) أنّ النبي (صلى الله عليه و آله) و سلم امر ليلة المعراج بخمسين صلاة، ثمّ راجع الى أن عادت الى خمس.

و فيه: بعد ما أورد عليه من أنّ فيه من علامات الوضع من جهة أنّ فيه طعنا على الأنبياء (عليهم السلام) بالإقدام على المراجعة في الأوامر المطلقة، و سلامة سيّده [سنده‏]، أنّ ذلك نسخ قبل التمكّن، لأنّ علم المكلّفين من شرائط التمكّن، و قد حصل ذلك قبله.

و يمكن أن يقال: إنّ ذلك كان إخبارا عن الإيجاب فيما بعد، معلّقا في علمه تعالى بعدم شفاعة النبيّ (صلى الله عليه و آله) و سلم، فيندرج تحت البداء المصطلح.

الرابع: أنّ المصلحة قد تتعلّق بنفس الأمر و النهي، فجاز الاقتصار عليهما من دون إرادة الفعل.

و يظهر الجواب عنه بملاحظة ما مرّ، فلا نعيد.

____________

(1) «الاحتجاج» 1/ 329، «من لا يحضره الفقيه» 1/ 125 ح 2/ 66 و نقله في «المعالم» ص 504.

223

قانون‏

[قانون: يجوز نسخ الكتاب بالكتاب‏]

يجوز نسخ الكتاب بالكتاب اتّفاقا إلّا من أبي مسلم، و قد مرّ بطلانه.

و بالسنّة المتواترة، خلافا للشافعي‏ (1) و من تبعه، استنادا الى قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها (2)، و السنّة ليست بخير من الكتاب و لا مثلها، و أيضا الضمير في [نأت‏] للّه تعالى.

و فيه: أنّ الظّاهر أنّ المراد بما ينسخه تعالى هو الحكم الثّابت بالآية، لا نفس الآية و تلاوته.

و المراد من كونها خيرا كونها مشتملة على مصلحة، مثل المصلحة السّابقة، أو خيرا منها، و هو لا يتفاوت بالكتاب و السنّة. و أمّا إضافة الإتيان إليه تعالى، فلا يضرّ، إذ ما يأتيه الرّسول (صلى الله عليه و آله) و سلم هو ما أتاه اللّه تعالى بلا ريب.

و كذلك يجوز نسخ السنّة المتواترة بالكتاب، و خالف فيه أيضا بعض العامّة (3)، و هو أيضا ضعيف لا يليق بالنظر اليه.

و أمّا نسخ الكتاب و السنّة المتواترة بخبر الواحد، فالأكثرون على المنع‏ (4)، و جوّزه بعض العامّة (5)، و قال بعضهم: لا خلاف في جوازه إنّما الخلاف في الوقوع.

____________

(1) كما في «المستصفى» 1/ 123.

(2) البقرة: 106.

(3) في «المعالم» ص 506: و أنكره شذوذ منهم و هو ضعيف جدا لا يلتف إليه.

(4) و كذا عن صاحب «المعالم» ص 506.

(5) و جوّزه شرذمة كما في «المعالم» ص 506.

224

و استدلّ الأكثرون: بأنّهما قطعيّان، و خبر الواحد ظنّيّ، و لا يترك القطعيّ بالظنيّ.

و ادّعى بعضهم الإجماع عليه، فإن ثبت الإجماع فهو، و إلّا فلا يخفى أنّ الدّليل الأوّل مقدوح بما مرّ في بحث التخصيص، إذ القدر المسلّم قطعيّته هو متن الكتاب و السنّة المتواترة.

و أمّا دلالتهما على التّأبيد فلا قطع به، مع أنّه لو صرّح بالتّأبيد فهو أيضا يصير كالعامّ بالنسبة الى الأزمان، فلم لا يجوز تخصيصه بظنّ أقوى منه، فإذا فرض حصول ظنّ من خبر الواحد يغلب على الظنّ الحاصل من عموم الدّوام في الكتاب و السنّة بالنّسبة الى الوقت الذي نفاه خبر الواحد، فلا مانع من العمل به، و فائدة النّزاع و ثمرته قليلة عندنا لندور مثله.

و ذكر القائلون به أمثلة لوقوعه: منها: أنّ أهل قباء سمعوا مناديه (صلى الله عليه و آله) و سلم: ألا إنّ القبلة قد تحوّلت، و استداروا و لم ينكر عليهم أحد من الصّحابة.

و هو ممنوع، بأنّا لا نعلم أنّه خبر واحد، و لعلّه حفّ بقرينة أفاد القطع لهم.

ثمّ إنّ المراد بكون خبر الواحد ناسخا أن يكون نفس الخبر رافعا للحكم، كما سنشير إليه.

أمّا دلالة الخبر على كون آية فلانيّة منسوخة بكذا، فهو خارج عمّا نحن فيه، و الأظهر جواز إثبات النّسخ به بهذا المعنى، و إلّا فالفائدة ليست بنادرة على ذلك.

و أمّا الإجماع: فاختلفوا في جواز نسخه أو النّسخ به، و بنوا الخلاف على أنّ الإجماع هل يتحقّق قبل انقطاع الوحي أم لا؟

فالأكثرون على عدم انعقاد الإجماع إلّا بعد وفاته (صلى الله عليه و آله) و سلم، لأنّه إن كان قوله (صلى الله عليه و آله) و سلم فيهم، فلا عبرة بقول غيره و إلّا فلا عبرة بقول المجمعين، و حينئذ

225

فلا يجوز أن يكون منسوخا، لأنّ النّاسخ إمّا الكتاب، و إمّا السنّة، و إمّا الإجماع، و إمّا القياس.

أمّا القياس فإنّما يكون حجّة عندهم إذا لم ينعقد الإجماع على خلافه.

و أمّا الكتاب و السنّة فلأنّ المفروض أنّهما قبل الإجماع، و النّاسخ لا بدّ أن يتأخّر.

و أمّا الإجماع فلأنّه لا بدّ له من مستند، فهو إمّا نصّ أو قياس، فإن كان نصّا فيكون الإجماع الأوّل باطلا، لكونه على خلاف الشيخ؛ فلا نسخ.

و إن كان قياسا فيكون الثاني باطلا، لما مرّ، و أنّه لا يجوز أن يكون ناسخا، فلأنّ المنسوخ إمّا أن يكون نصّا أو إجماعا أو قياسا، و الكلّ باطل.

أمّا الأوّلان فلامتناع انعقاد الإجماع على خلاف النصّ و الإجماع.

و أمّا الثالث فلبطلانه بالذّات حينئذ، فلا نسخ.

هذا ما ذكر الجمهور، و اعتمد المرتضى‏ (1) من أصحابنا في عدم الجواز على الإجماع، و الشيخ‏ (2) على أنّ الإجماع دليل عقليّ و النّسخ لا يكون إلّا بدليل شرعيّ.

و ذكر بعضهم‏ (3)، أنّ الإجماع إنّما يكون من مستند قطعيّ، فيكون النّاسخ هو لا نفس الإجماع، و دعوى الإجماع مشكلة.

و كون الإجماع دليلا شرعيّا (4) واضح، و قد مرّ ما يدلّ عليه في محلّه، و لا

____________

(1) في «الذريعة» 1/ 456.

(2) في «العدة» 2/ 538، و حكاه المحقق عن الشيخ كما في «المعالم» ص 507.

(3) حكاه عن بعض المتأخّرين في «المعالم» ص 507.

(4) ردّ على ما كان قد ذكره الشيخ.

226

حاجة عندنا في حجّية الإجماع الى مستند آخر لكشفه عن رأي المعصوم (عليه السلام).

و المراد من ناسخيّة الإجماع أو منسوخيّته هو باعتبار كشفه.

و المناقشة في استناد النّسخ الى المستند دون الإجماع مناقشة ضعيفة.

و التّحقيق عندنا، أنّ الإجماع ينعقد في زمان النبي (صلى الله عليه و آله) و سلم، و أمّا بعده كما يظهر من ملاحظة ما قدّمناه في محلّه، و لا مانع من كونه ناسخا و لا منسوخا (1).

و أمّا المخالفون، فيدلّ على بطلان ما ذهبوا إليه- مضافا الى ما ظهر هنا و في بحث الاجماع- أنّ أدلّتهم على حجّية الإجماع ينادي بعدم اختصاص تحقّقه بما بعد وفاته (صلى الله عليه و آله) و سلم مثل قوله تعالى: وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ‏ (2)، و قوله (صلى الله عليه و آله) و سلم: «لا تجتمع أمتي على الخطأ» (3)، و نحو ذلك كما لا يخفى.

____________

(1) في «الذريعة» 1/ 456 قال المرتضى: اعلم أنّ مصنّفي أصول الفقه ذهبوا كلّهم إلى أنّ الاجماع لا يكون ناسخا و لا منسوخا و اعتلّوا في ذلك: بأنّه دليل مستقرّ بعد انقطاع الوحي، فلا يجوز نسخه و لا النّسخ به ... و الأقرب أن يقال: إنّ الأمّة مجمعة على أنّ ما ثبت بالإجماع لا ينسخ و لا ينسخ به، هذا الكلام للسيد (رحمه اللّه) و قد ذكره في «المعالم» ص 507 عنه أيضا.

(2) النساء: 115.

(3) «المنخول» ص 405.

227

قانون‏

[قانون: زيادة العبادة المستقلّة على العبادات ليست نسخا للمزيد عليه‏]

زيادة العبادة المستقلّة على العبادات ليست نسخا للمزيد عليه، صلاة كانت أو غيرها، عند جمهور العلماء، لأنّه لا يرفع إلّا العدم الأصليّ و هو ليس بحكم شرعيّ. و لعلّ مرادهم‏ (1) لو لم ينف الحصر المستفاد من الشّرع، و إلّا فثبت النّسخ للحصر، و لكن هذا ليس بنسخ للمزيد عليه.

و ذهب جماعة من العامّة الى أنّ زيادة صلاة على الصّلوات الخمس نسخ، لأنّه يخرج الوسطى عن كونه وسطى‏ (2).

و أورد عليه: بأنّ ذلك نسخ لحكم عقليّ و هو كونها وسطى، فلا يكون نسخا.

مع أنّه يرد عليهم أنّ الزيادة المستقلّة أيضا نسخ، لأنّه يخرج الأخيرة عن كونها أخيرة.

و فيه: أنّ المراد زوال ما يترتّب على الوسطى من الأحكام الشرعيّة، مثل شدّة المحافظة و غيرها، و ليست في الأخيرة.

و قيل: بل الحقّ أنّه نسخ إن كان ذلك لأجل كونها وسطى الصّلوات المفروضات مطلقا، و لو كان لكونها وسطى الخمس، لم يزل الحكم، لعدم زوال الوصف المذكور.

أقول: و على الأوّل أيضا لا يلزم النّسخ، لأنّ الحكم إذا تعلّق بوسطى مطلق الصلاة، فالموصوف تابع لتحقّق الوصف و لا مدخليّة لخصوصيّته في الحكم،

____________

(1) من عدم النّسخ.

(2) و هو ظاهر الفساد كما في «المعالم» ص 510.

228

فانتقال الحكم من ذات الى ذات من جهة أنّها شي‏ء واحد من جهة الوصف، لم يوجب زوال الحكم من المتّصف بالصّفة من جهة أنّه متّصف بها، و إن زال الحكم عنه من جهة الخصوص.

و أمّا العبادة الغير المستقلّة، فاختلفوا في كون زيادتها نسخا، و مثّلوا لذلك بزيادة ركعتين على ركعتين على سبيل الاتّصال.

و الحقّ، أنّه ليس بنسخ لنفس الركعتين كما يفهم من بعضهم، فإنّ وجوب الرّكعتين باق على حاله، و انضمام الركعتين إليهما لا يخرجهما عن وجوب.

و كذلك ليس بنسخ من جهة الإجزاء و عدم الإجزاء لأنّهما مع أنّهما حكمان عقليّان لا يجري فيهما النّسخ لم يثبت ارتفاع إجزاء الأوّلين [الأوليين‏]، غاية الأمر أنّ إجزاءهما كان على حال، و الآن صار على حال آخر.

نعم، لو فرض حكم الشّارع بأنّهما لا يجزيان إلّا منفردين، ثمّ قال: لا يجزيان إلّا منضمّين، فهو يصير نسخا.

و كذلك إذا استفاد من الشّرع وجوب إلصاق التشهّد بالركعتين الأوّلين [الأوليين‏] ثمّ رفع حكم وجوبه و أخّره عن الرّكعتين الأخيرتين، إذ أوجب التشهد و التسليم أوّلا بشرط الاتّصال بالأوليين ثمّ أخّرهما عن الأخيرتين.

و ثمرة هذا النّزاع، تظهر في جواز إثبات مثل ذلك بخبر الواحد بناء على عدم جوازه إذا ثبت الأصل بالقطعيّ، و هذه الثّمرة نادرة عندنا، بل لا تكاد توجد.

229

قانون‏

[قانون: معرفة النّاسخ‏]

يعرف النّاسخ إمّا بتنصيص الشّارع صريحا، كأن يقول: هذا ناسخ لذلك، أو بما يؤدّي ذلك، كما في قوله (صلى الله عليه و آله) و سلم‏ (1): «كنت نهيتكم عن زيارة المقابر ألا فزوروها، و كنت نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحي ألّا فادّخروها».

أو بالاجماع عليه.

و إمّا بالعلم بالمتأخّر لضبط التّاريخ.

و إذا حصل التضادّ و لم يعلم النّسخ بأحد الوجوه المذكورة فيجب التوقّف لا التخيير.

و هذا ليس من قبيل الأخبار الواردة عن أئمّتنا (عليهم السلام).

و ثبوت التخيير في العمل بين متضادّيها و مناقضيها لو امتنع التّرجيح، بل الكلام فيما نحن فيه إنّما هو إذا علم بأنّ أحدهما رافع لحكم الآخر.

و أيضا قد أشرنا سابقا الى الفرق بين إثبات النّسخ بخبر الواحد، بمعنى أنّ خبر الواحد هو الذي يرفع الحكم مستقلا، و ما كان خبر الواحد ناقلا لحكاية النّسخ، و الحكم فيهما مختلف، فلا تغفل.

____________

(1) «علل الشّرائع» ح 3، و قد نقله في «المستصفى» 1/ 127

230

قانون‏

[قانون: نسخ التّلاوة]

يجوز نسخ التّلاوة دون الحكم و بالعكس، و هما معا.

و المخالف في المذكورات شاذّ، و حجّته واهية، و يكفينا الوقوع.

أمّا الأوّل: فكما ورد في أخبارنا أنّه كان من القرآن أنّ الشيخ و الشّيخة إذا زنيا فارجموهما نكالا من الحقّ، فنسخ تلاوته مع استقرار حكمه‏ (1).

و أمّا الثاني: فهو إمّا مع البدل، كتبديل العدّة بالحول بأربعة أشهر و عشرا، أو بلا بدل كنسخ الصّدقة قبل النّجوى‏ (2).

و يجوز بالأثقل كما يجوز بالأخفّ و المساوي كما في تبديل الكفّ عن الكفّار الثّابت بقوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَ لِيَ دِينِ‏ (3) بآية الجهاد، و صوم عاشوراء برمضان‏ (4).

و أمّا الثالث: فروي أنّ سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة، و نسخ حكمها و تلاوتها (5).

____________

(1) و كذا عندهم كما في «المستصفى» 1/ 122.

(2) و ذكرهما في «المستصفى» 1/ 122.

(3) الكافرون: 6.

(4) و كذا في «المستصفى» 1/ 119.

(5) «بحار الأنوار» 31/ 424، «الاحتجاج» 1/ 222، و راجع تفسير «البيان» للسيد الخوئي مبحث النّسخ لمزيد من البيان.

231

القوانين المحكمة في الأصول المتقنة

تأليف‏

المحقّق النّحرير و الفقيه الشّهير و الأصولي الكبير

الميرزا ابي القاسم القمّي (قدس سرّه)

(1152- 1231 ه)

شرحه و علّق عليه‏

رضا حسين صبح‏