الفوائد الرجالية (للسيد بحر العلوم) - ج1

- السيد بحر العلوم المزيد...
556 /
53

منهم في بيت المقدس. و لما كان بنو إسرائيل يحجون الى بيت المقدس في كل سنة خاف «يربعام» على ملكه إن اذن لهم في الحج اليه من «رحبعام» و اتباعه ان يصرفوهم عنه، او ان يميلوا اليه، فصنع لهم عجلين من ذهب، وضعهما في (دان) و «بيت إيل» و قال: هو ذا آلهتك يا إسرائيل الذين اصعدوك من أرض مصر، و أمر الناس بعبادتهما و الحج اليهما، فأطاعوه، و صاروا بذلك مشركين شركا آخر بعد عبادة العجل.

فكيف تقول- يا أخا اليهود-: إن اليهود ما اشركوا باللّه تعالى و ما اتخذوا إلها غير اللّه تعالى، و انهم كانوا موحدين، و عن غير اللّه معرضين؟ ..

فاعترفوا- حينئذ- بما ذكر من عبادتهم للاصنام بنحو ما ذكره و عجبوا من اطلاعه على ما لم يطلع عليه أحد من أمرهم.

ثمّ قال لهم- أيده اللّه تعالى- و حينئذ كيف جاز لسليمان أن يهم بقتل «يربعام» قبل جنايته و لا يجوز ذلك في شريعة موسى (عليه السلام) و لا في شريعة غيره من الانبياء (عليهم السلام)، و كان سليمان على شريعة موسى (ع) و لو جاز له ما لم يكن جائزا لموسى (ع) كان النسخ جائزا- و انتم تنكرون النسخ- فسكتوا.

و قال كبيرهم داود: كلامكم- يا سيدنا- على العين و الرأس.

فقال لهم- أيده اللّه تعالى-: أخبروني: هل كان بينكم- يا معاشر اليهود- خلاف، أو في كتبكم تباين و اختلاف؟

فقالوا: لا.

فقال لهم: كيف ذلك- و قد افترقتم على ثلاث فرق، تشعب منها احدى و سبعون فرقة و هذه «السامرة» فرقة عظيمة من اليهود، تخالف اليهود في اشياء كثيرة، و التوراة التي في أيديهم مغايرة لما في ايدي باقي اليهود.

54

فقالوا: لا ندرى: لم وقع هذا الاختلاف؟ لكنا نعلم بمخالفة كتاب (السامرة) لكتابنا و كذلك مخالفتهم لنا في أمور كثيرة.

فقال لهم أيده اللّه تعالى: فكيف تنكرون الاختلاف، و تدعون اتفاقكم على شي‌ء واحد.

ثمّ قال لهم- سلمه اللّه تعالى-: هل زيد في التوراة التي أنزلها اللّه تعالى على موسى (عليه السلام) شي‌ء أم نقص منها شي‌ء؟

فقالوا: هي على حالها الى الآن، لا زيادة فيها و لا نقصان.

فقال لهم أيده اللّه تعالى: كيف يكون ذلك- و في التوراة التي في أيديكم أشياء منكرة ظاهرة القبح و الشناعة، منها ما وقع في قصة العجل من نسبة اتخاذه إلها لبني إسرائيل الى هارون النبي (عليه السلام)، و هذه ترجمة عبارة التوراة في فصل. «نزول الألواح و اتخاذ العجل» و هو الفصل العشرون من السفر الثاني: «و لما رأى القوم أن موسى (ع) قد أبطأ عن النزول من الجبل تحرفوا الى هارون، و قالوا: قم فاصنع لنا آلهة يسيرون قدامنا، فان ذلك الرجل- موسى- الذي أصعدنا من بلد مصر لا نعلم ما كان منه، فقال لهم هارون: فكوا شنوف الذهب التي في آذان نسائكم و أبنائكم و بناتكم، و اتوني بها. ففعل ذلك القوم، و نزعوا أقراط الذهب التي كانت في آذانهم، و أتوا بها الى هارون، فاخذها منهم و صورها بقالب، و جعلها عجلا مسبوكا، فاتخذوه إلها و عبدوه، ثمّ إنه لما جاء موسى (ع) من ميقات ربه، و رأى ما صنع هارون (ع) و قومه انكر ذلك، و وبخ هارون، فاعتذر اليه، فقال: لا تلمنى على ذلك فما فعلته الا خشية تفرق بني إسرائيل».

فهذا دليل قاطع على أن التوراة التي عندكم محرفة، و ان فيها زيادة على التوراة التى انزلت على موسى (عليه السلام)، لأن مثل هذا العمل‌

55

لا يصدر من جاهل غبي، فكيف يصدر عن مثل هارون النبي (عليه السلام)، و كيف تأتي له ذلك الاعتذار عند موسى (ع) و تفرق بني إسرائيل- على تقديره- اهون من تصوير هارون لهذه الصورة، و اتخاذها إلها يعبد فكيف خشي على بني إسرائيل من التفرق، و لم يخش عليهم من الكفر و الشرك، و قد قال له موسى: «يا هارون اخلفني في قومي و اصلح و لا تتبع سبيل المفسدين»؟.

فقال داود- و من معه من اليهود-: و أي مانع من ذلك و قد أعان ذلك أيضا جبرئيل (ع) و قصته مذكورة في التوراة كقصة هارون (ع)

فقال لهم- أيده اللّه تعالى-: إن جبرئيل لم يعن على ذلك، و لا في التوراة شي‌ء مما هنالك، و انما السامري وجد أثر الحياة من اثر فرس جبرئيل، فاغوى القوم بهذه الوسيلة، و ما على جبرئيل من ذلك شي‌ء، و لا على اللّه سبحانه و تعالى حيث خلق السبب الذي به وقعت الفتنة، كما خلق أسباب الزنا و القتل، و غيرهما من المعاصي، فانها لا تقع إلا بأسباب و آلات مخلوقة و ليس ذلك من باب الاعانة على الكفر و المعصية، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا.

و في الفصل الرابع من السفر الخامس في ذكر العجل و توبيخ بني إسرائيل على عبادته- قال «و على هارون توجد اللّه وجدا، و كاد ينفذه فاستغفر له أيضا في ذلك».

و هذا صريح في شناعة هذا العمل و فظاعته، و ان اللّه قد توجد به على هارون فكيف تقولون انه لا مانع منه؟

و يقرب من هذه القصة في الشناعة و الفظاعة ما وقع في التوراة من قصة لوط مع ابنتيه، فان في الفصل الثالث و العشرين من السفر الاول من التوراة: «إن لوطا لما صعد من «صوغر» و أقام في الجبل و ابنتاه‌

56

معه، و قد هلك قومه- قالت الكبرى منهما: للصغرى: أبونا شيخ كبير، و ليس في الارض رجل يدخل علينا كسبيل أهل الارض، تعالى نسقي أبانا خمرا، و نضاجعه، و نستبغي منه نسلا، فسقتاه خمرا في تلك الليلة و جاءت الكبرى فاضطجعت مع أبيها، و لم يعلم بنومها و قيامها. فلما كان من الغد، قالت الكبرى للصغرى: هو ذا قد ضاجعت البارحة ابى تعالى فنسقيه خمرا- الليلة- و ادخلي فاضطجعي معه، فسقتاه خمرا في هذه الليلة أيضا، فقامت الصغرى فضاجعته و لم يعلم بنومها و لا قيامها فحملت ابنتا لوط- من أبيهما، و ولدت الكبرى ابنا، و سمته «موآب» هو أبو «بني موآب» إلى هذا اليوم، و ولدت الصغرى ابنا، و سمته «عمون» و هو أبو «بني عمون» الى هذا اليوم»؟.

هذا نص التوراة التي بيد اليهود، و ترجمتها حرفا حرفا. و هذا كذب صريح، و بهتان قبيح، و من الممتنع في العقول وقوع مثل هذا العار و الشنار من رسل اللّه و انبيائه، و ابتلاء بناتهم و ابنائهم بما تبقى شناعته مدى الدهر و ما بقي هذا النسل.

و موآب، و عمون: أمتان عظيمتان بين «البلقاء» و «جبال الشراة» و قد كانت جدة سليمان و داود من بني «موآب» فيكون هذا النسل كله- عند اليهود- زنيمين لعدم حصوله من نكاح صحيح، فان تحريم البنت على الاب مما اتفقت عليه جميع الشرائع و الاديان. و قد كانت الاخت محرمة في الملل السابقة. و لذا قال إبراهيم (عليه السلام)- لما سأله المصريون عن «سارة»: إنها اختي، حتى لا يظن أنها زوجته، فيقتلوه. و لا ريب أن البنت أولى بالتحريم من الأخت.

و من المستبعد- في العادة- ايلاد الطاعن في السن في ليلتين متعاقبتين مع السكر المفرط- الذي ادعوه- و قد كان «لوط (ع)» من بعد قضية (سدوم) قد قارب المائة- كما قيل-

57

ثمّ كيف ظنت البنتان خلو العالم عن الرجال- مع علمهما بأن الهالك هم قوم لوط خاصة و قد علمتا أن إبراهيم (عليه السلام) و قومه في قرية «جيرون» و لم يكن بينهما و بينه إلا مقدار فرسخ واحد، و أن البلية لم تصبهم، و أن جميع العالم- سوى قوم لوط- منها سالمون. فهذا كذب ممزوج بحماقة مفرطة. و لو لم يكن إلا علمهما باطلاع أبيهما على هذا للفعل الشنيع- اذا صحا- و كذا علم إبراهيم (ع) عم أبيهما- على جلالة شأنه و قرب مكانه- لكفى ذلك حاجزا عن ارتكابهما لهذا الأمر الفظيع- على تقدير امكانه- فهذا و مثله مما وقع في توراتكم- يا معاشر اليهود- دليل على وقوع التحريف و الزيادة فيها.

و لو أردنا تفصيل ما وقع في هذه التوراة من التناقض و الاختلاف و ما لا يليق بالباري عز و جل من الجسم، و الصورة، و الندم، و الأسف و العجز و التعب، لطال الكلام و لم يسعه المقام.

و لكن أخبروني- يا معاشر اليهود-: هل تخلو شريعة من الشرائع عن الصلاة؟.

فقالوا: لا، إن الصلاة ثابتة في جميع الشرائع، و ما خلت شريعة منها فقال- أيده اللّه تعالى-: أخبروني عن صلاتكم هذه: ما أصلها و من أين مأخذها- و هذه التوراة، و هي خمسة أسفار قد سبرناها و عرفنا ما فيها سفرا، سفرا، فلم نجد للصلاة في شي‌ء منها اسما و لا ذكرا.

فقال بعضهم: قد علم أمرها من فحوى الكلام، لا من صريحه فان التوراة قد اشتملت على الأمر بالذكر و الدعاء.

فقال لهم- أيده اللّه تعالى- ليس الكلام في الذكر و الدعاء، بل في خصوص هذه الصلاة المعهودة عندكم في ثلاثة أوقات: الصبح و العصر، و العشاء، و هي التى تسمونها: «تفلاه شحريت» و «تفلاه منحا» و «تفلاه عرب». و أما الذكر و الدعاء فكلاهما أمر عام لا يختص‌

58

بوقت دون وقت، و لا جهة دون أخرى، و انتم تتوجهون في هذه الصلاة إلى بيت المقدس، و ليس ذلك شرطا في مطلق الذكر و الدعاء.

و يلزمكم في اشتراط التوجه إلى بيت المقدس محذور آخر لا أركم تخلصون منه. و هو: أن بيت المقدس خطه داود، و بناه ابنه سليمان- عليهما و على نبينا الصلاة و السلام- و كان بين موسى و سليمان أكثر من خمسمائة عام. فكيف كانت صلاة موسى و من بعده من الأنبياء إلى زمان سليمان (ع) و بنائه لبيت المقدس.

و مثل ذلك يلزمكم في أمر الحج، فان الحج عندكم- إلى بيت المقدس- و لم يكن موجودا في زمن موسى (عليه السلام) و من بعده من الأنبياء إلى زمن سليمان، فهل ذلك شي‌ء اخترعتموه أنتم من قبل أنفسكم، أم لكم على ذلك بينة و برهان؟ «فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين».

فقالوا: قد علمنا ذلك من كلام الأنبياء من بعد موسى (عليه السلام) و كتبهم، و تفسير علمائنا للتوراة.

فقال لهم- أيده اللّه تعالى-: إن الأنبياء من بعد موسى كلهم على شريعته، متبعون له في أحكامه، يحكمون بما في التوراة، لا يزيدون عليها شيئا و لا ينقصون.

و أيضا. فانكم- معشر اليهود- لا تجيزون النسخ في الشرائع فكيف جاز لكم إحداث هذه الأشياء التي لم تكن في زمن موسى (عليه السلام) و كيف جاز لعلمائكم تفسير التوراة بما هو خارج من شريعة موسى (عليه السلام) و كيف ادعيتم على الأنبياء: أنهم وضعوا هذه الشرائع الخارجة عن التوراة‌

فبهتوا من هذا الكلام، و انقطعوا، و عجبوا من غزارة علمه و اطلاعه على حالهم، و وقوفه على مذاهبهم و مقالاتهم،

ثمّ جسر أحدهم فقال: نحن نقول: ما كان في زمن موسى‌

59

(عليه السلام) صلاة، فما الذي يلزمنا إن قلنا بذلك؟

فقال لهم- أيده اللّه تعالى-: أنتم- الآن- اعترفتم: بأن الصلاة ثابتة في جميع الشرائع، فكيف تخلو منها شريعة موسى (عليها السلام) التي هي- عندكم- من أعظم الشرائع و أتمها، و مع ذلك، فما الذي دعاكم إلى تجشم فعل هذه الصلاة التي لم تكن في زمن نبيكم، و لا أتى بها كتابكم فانقطعوا عن الجواب و حجلوا من معارضاتهم و مناقضاتهم. في أقوالهم في مجلس واحد.

ثمّ قال للسيد: ليس في القرآن تفصيل الصلاة التى تصلونها أنتم- معاشر المسلمين- فكيف عرفتم ذلك مع خلوه منه؟

فأجاب- أيده اللّه تعالى- إن الصلاة مذكورة في عدة مواضع من القرآن، و قد عرفنا أعدادها، و قبلتها، و كثيرا من أحكامها من القرآن، و علمنا سائر أحكامها و شرائطها من البيانات النبوية، و الأخبار المتواترة. فلسنا- نحن و أنتم- في هذا الأمر سواء إن كنتم تفقهون.

ثمّ قال- أيده اللّه تعالى-: إن التوراة قد اشتملت على أحكام كثيرة لا تعملون بها- الآن- كأحكام التطهير و التنجيس بمغيب الشمس و غيره عند مسيس الذائب، و الحائض، و المنزل، و الأبرص، و جملة من الحيوانات، و سراية الحيض من النساء إلى الرجال فيحيض الرجل بمسهنّ سبعة أيام كحيضهن و قد اشتمل على هذه الأحكام الفصل التاسع و العاشر و الحادي عشر من السفر الثالث، و مواضع أخر من التوراة فارجعوا إليها إن كنتم لا تعملون.

فقالوا: نعم، كل ذلك حق، و كلامكم على العين و فوق الرأس.

فقال لهم- أيده اللّه تعالى- فلم لا تعملون بذلك- و هو مذكور في نص التوراة التى تدعون أنها هي التي انزلت على موسى (عليه السلام)

60

من غير تحريف، و لا تبديل، و الحكم فيها عام لجميع الناس، شامل لجميع الأزمنة، و لم يقع فيها نسخ، و لا أتى من بعد موسى (ع) نبى ناسخ لشريعته إلا عيسى (ع) و محمد (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، و انتم لا تقولون بنبوتهما، و لا بنسخ شريعة موسى (ع) في حال من الأحوال.

فقالوا: ان هذا كله من باب الأوامر، و الأمر يجوز تغييره بحسب الأزمنة بخلاف النهي، و الأمر لجلب الثواب، و النهي لدفع العقاب فاختلفا‌

فقال- أيده اللّه تعالى-. لا فرق بين الأمر و النهي في وجوب الطاعة و الاتباع و امتناع النسخ بغير ناسخ و لا داع، و الأمر اذا كان للايجاب فهو كالنهي. لدفع العقاب مع جلب الثواب و ما ادعيتم: ان جميع هذه الأحكام من باب الأوامر، فليس كذلك. فان عبارات التوراة في تلك المقامات قد جاءت بلفظ الأمر و غيره كالنهي و التحريم و الطهارة و النجاسة، فاتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين.

فانتقلوا من هذا البحث إلى غيره.

فقال كبيرهم: كيف لا تحكمون- يا معاشر المسلمين- بحكم التوراة- و في القرآن: «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ».

فقال- أيده اللّه تعالى- إنه لما ثبت عندنا- نبوة نبينا (ص) و نسخه للشرائع السابقة كان الواجب علينا اتباع هذه الشريعة الناسخة دون الشرائع المنسوخة، فهذا مثل ما وجب عليكم من اتباع شريعة موسى (ع) و العمل بما في التوراة، دون ما تقدمها من الأديان و الشرائع و الكتب و قد بقي جملة من أحكام التوراة لم تنسخ، كأحكام الجراح و القصاص و غيرها فنحن نحكم بها لوجودها في القرآن، لا لوجودها في التوراة.

فقال: ما معنى قوله: «مٰا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهٰا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهٰا أَوْ مِثْلِهٰا» و أي فرق بين النسخ و الإنساء، و ما الفائدة في نسخ الشي‌ء‌

61

و الاتيان بمثله؟

فقال- أيده اللّه تعالى-: الفرق بين النسخ و الإنساء: أن النسخ رفع الحكم، و ان بقي لفظه، و الإنساء: رفعه برفع لفظه الدال عليه و انساؤه: محوه من الخاطر بالكلية و المراد بالمثل: هو الحكم المماثل للأول بحسب المصلحة، بحيث يساوي مصلحته في زمانه مصلحة الاول في زمانه، لا أن تتساوى المصلحتان في زمن واحد، حتى يلزم خلوّ النسخ عن الفائدة.

فضحكوا و تعجبوا من جودة جوابه و حسن محاوراته في خطابه.

ثمّ قال لهم- أيده اللّه تعالى-: يا معاشر اليهود، لو علمنا لكم ميلا و اعتناء بطلب الحق لأتيناكم بالحجج الباهرة و البراهين القاهرة، لكني أنصحكم لاتمام الحجة، و أوصيكم بالانصاف و ترك التقليد، و اتباع الآباء و الاجداد، و ترك العصبية و الحمية و العناد، فان الدنيا فانية منقطعة و كل نفس ذائقة الموت، و لا بد لعباد اللّه من لقاء اللّه تعالى، و هو يوم عظيم ليس بعده إلا نعيم مقيم أو عذاب أليم، و العاقل من استعد لذلك اليوم و اهتم به و شمر في هذه الدار لتصحيح العقائد و القيام بما كلف به من الأعمال و تأمل في هذه الملل المختلفة و المذاهب المتشعبة، و أن الحق لا يكون في جهتين متناقضتين، و لا عذر لأحد في تقليد أب و لا جد و لا الأخذ بمذهب أو ملة بغير دليل و لا حجة، فالناس من جهة الآباء و الأجداد شرع سواء، فلو كان ذلك منجيا لنجا الكل و سلم الجميع.

و يلزم من ذلك بطلان الشرائع و الأديان، و تساوي الكفر و الايمان، فان الكفار و عباد الأوثان يقتفون آثار آبائهم، و لا عذر لهم في ذلك، و لا ينجيهم التقليد من العطب و المهالك فانقذوا أنفسكم من عذاب النار و غضب الجبار، يوم تبلى السرائر و تهتك الاستار و لا ينفع هنالك شفيع‌

62

و لا حميم و لا ناصر و لا مجير، فعليكم بالتخلية عن الأغراض المانعة من التوجه الى الحق، و العلل الصارفة عن الرشد، و نزع النزوع الي مذاهب الآباء و الاجداد، و التوجه الى رب العباد، و الاجتهاد في طلب ما ينجى من عذاب يوم المعاد، و ذلك يحتاج الى رياضة للنفس نافعة، و مجاهدة لها ناجعة، و قد قال اللّه تعالى: «وَ الَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا» و بذلك نطق كل كتاب منزل، و جاء به كل نبي مرسل، و دلّ عليه كل عقل سليم و هدي اليه كل نظر ثاقب مستقيم، فاللّه اللّه في عقائدكم فأصلحوها و في أعمالكم فصححوها، و في انفسكم فانقذوها و لا تهلكوها فما لأحد غير نفسه عند فراق روحه و حلوله في رمسه، و ما أريد بكلامي هذا الا النصح لكم ما استطعت، و ان كنتم لا تحبون الناصحين.

فقالوا: كلامكم على أعيننا و فوق رءوسنا، و نحن طالبون للحق راغبون في الصواب و الصدق.

فقال لهم- أيده اللّه تعالى-: فما الباعث لكم على اختيار الملة اليهودية و ترجيحها على الملة الاسلامية؟

فقالوا: قد اتفق أصحاب الملل- و هم اليهود و النصارى و المسلمون- على نبوة موسى (عليه السلام)، و ثبوت شريعته، و نزول التوراة عليه و اختلفوا في نبوة عيسى، و نبوة محمد (ص) و في الانجيل، و القرآن، فنحن أخذنا بالذي اتفق عليه الجميع، و تركنا ما اختلفوا فيه.

فقال لهم- أيده اللّه تعالى-: إن المسلمين ما اعتقدوا بنبوة موسى و صدقه في دعواه إلا باخبار نبيهم الصادق الأمين، و ذكره في كتابهم: القرآن المبين، و لو لا ذلك ما اعترفوا بنبوة موسى و عيسى، و لا بالتوراة و لا بالانجيل، و أيضا، فانتم لا تقبلون شهادة النصارى، و لا المسلمين في شي‌ء من الأشياء. فكيف تقبلون شهادتهم- و هم يشهدون عليكم بالكفر و الزيغ‌

63

عن الحق- فلم تبق لكم الا شهادتكم لأنفسكم، و هي غير مجدية لكم نفعا فتحيروا من كلامه المبين، و تحقيقه البليغ المتين، و نظر بعضهم الى بعض و أمسكوا- طويلا-.

فقال عزيز- و هو الشاب الذي كان بينهم-: يا سيدي أ لا أقول لك كلاما مختصرا نافعا من باب النصح و المحبة؟ فاستمع و تأمل فيه و أنصف فهو حجة عليك.

فقال- أيده اللّه تعالى-: نعم ما هذا المقال‌

فقال: ان في كتابنا- و هو التوراة- مجي‌ء نبي بعد موسى، إلا أنه من بني إخواننا، لا من بني اسماعيل.

فقال دام ظله-: هذه البشارة قد جاءت بها التوراة في الفصل الثاني عشر من السفر الخامس، و ترجمتها: «إنه تعالى قال لموسى: إني اقيم لهم- أي لبنى إسرائيل- نبيا من بني إخوانهم مثلك، فليؤمنوا به و ليسمعوا له» و اخوان بني إسرائيل هم بنو اسماعيل، فان إسرائيل هو يعقوب بن اسحاق أخي اسماعيل فالنبي الموعود به هو من ولد اسماعيل و هذه حجة لنا، لا علينا.

فخجل عزيز، و تلون ألوانا، و عض على انامله، و ما تكلم بشي‌ء بعد ذلك. ثمّ أعاد عليهم النصح، فقال لهم: قد علمتم اطلاعي على كتبكم و مذاهبكم و علمي بطريقة سلفكم و خلفكم، و إنّى أريد قطع معاذيركم بازالة شبهكم فان كان فيكم من هو اعلم منكم، فارجعوا اليه، و احصوا ما عنده، و آتوني به و لكم المهلة في ذلك الى سنة كاملة، فارجعوا الى الحق، و لا تتمادوا في الغي.

فقالوا: نحن نعتقد بنبوة موسى بالمعجزات الباهرات، و الآيات الظاهرات فقال لهم دام ظله-: هل كنتم في زمن موسى، و رأيتم-

64

باعينكم- تلك المعجزات و الآيات؟

فقالوا: قد سمعنا ذلك.

فقال لهم- دام ظله-: أو ما سمعتم أيضا بمعجزات محمد (ص) و براهينه و آياته و بيناته؟ فكيف صدقتم تلك، و كذبتم هذه مع بعد زمان موسى و قرب زمانه؟ و من المعلوم: أن السماع يختلف قوة و ضعفا بحسب الزمان قربا و بعدا، فكلما طال المدى كان التصديق ابعد، و كلما قصر كان اقرب و أما نحن- معاشر المسلمين- فقد أخذنا بالسماعين، و جمعنا بين الحجتين، و قلنا بنبوة النبيين، و لم نفرق بين أحد من رسله و كتبه و لم نقل- كما قلتم-: نؤمن ببعض، و نكفر ببعض. فالحمد للّه الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه، لقد جاءت رسل ربنا بالحق.»‌

ثمّ قال لهم- ايده اللّه-: لو سألكم ابراهيم (عليه السلام)، و قال: لم تركتم دينى و ملتي، و صرتم الى ملة موسى و دينه «فما كنتم تقولون في جوابه؟ قالوا: كنا نقول لإبراهيم: أنت السابق، و موسى اللاحق و لا حكم للسابق بعد اللاحق.

فقال لهم- أيده اللّه-: فلو أن محمدا (ص) قال لكم: لم- لم تتبعوا دينى- و أنا اللاحق، و موسى السابق-؟ و قد قلتم: لا حكم للسابق بعد اللاحق، و قد أتيتكم بالآيات الظاهرات، و المعجزات الباهرات و القرآن الباقي مدى الزمان، فما كان جوابكم عن ذلك؟.

فانقطعوا، و تحيروا، و لم يأتوا بشي‌ء يذكر، فبهت الذي كفر.

ثمّ عطف- أيده اللّه تعالى- على كبيرهم، و قال: إني اسألك عن شي‌ء فأصدقني و لا تقل الا حقا. هل سعيت في طلب الدين، و تحصيل العلم و اليقين من أول تكليفك الى هذا الحين؟

65

فقال: الانصاف، إني- إلى الآن- ما كنت بهذا الوادي و لا خطر ذلك في ضميري و فؤادي، غير اني اخترت دين موسى لأنه كان نبينا و لم يظهر لنا دليل على نسخ نبوته، و لم نفحص عن دين محمد حق الفحص و لم نبحث عما جاء به حق البحث، و نحن نتأمل في ذلك، و تأتيك أخبارنا فيما يحصل لدينا مما هنالك.

و على ذلك انطوى المجلس. و انقطع الكلام، و الحمد للّه أهل الفضل و الإنعام، و الصلاة و السلام على محمد سيد الأنام، و على آله الأئمة البررة الكرام.

قال العالم الفاضل السيد محمود الطباطبائي في كتابه «المواهب السنية» في اثناء ذكره للسيد (رحمه اللّه): «أما الزاماته للمخالفين و الكفار في النواحي و الأقطار فأشهر من أن يخفى. و قد دخل من بركاته في دين الاسلام ما هو اعرف من أن يذكر، و من عتقائه اليوم من أولادهم من شاهدناه من صلحاء الزمان»‌

و قال- ايضا-: قد تكلم جمع كثير من اليهود في «ذي الكفل» حتى استقل منهم بالكلام من فضلائهم اثنان يقال لهما: عزير و داود.

فألزمهم بما نقله لهم من أسفار التوراة و أثبت وقوع التحريف فيها الى أن انقطعوا عن المقال، فبالغ لهم في النصح، حتى اعترفوا بالعجز و طلبوا الإمهال- الى أن قال- سمعت من بعض الأفاضل: أن احدهما جاء لزيارة السيد (رحمه اللّه). انتهى‌

و ذكر الفاضل السيد محمد باقر في كتابه «روضات الجنات» عند ذكره السيد (رحمه اللّه): «إن تفصيل محاججته- (قدس سره)- مع جماعة الأحبار من اليهود، و انجرار الأمر بميامن أنفاسه الشريفة إلى هداية تلك النكود، و إذعانهم بالحق، و إقرارهم بنبوة نبينا المحمود، أمر‌

66

بيّن ليس يلحقه خمول و لا خمود، و لا يفتقر اثباته الى اقامة البينة و الشهود ...»‌

و توجد النسخة الخطية من المناظرة بتصحيح الحجة المرحوم الشيخ محمد جواد البلاغي في مكتبة الحجة الثبت السيد محمد صادق بحر العلوم.

و لقد ذكرها المرحوم سماحة الحجة السيد علي بحر العلوم في كتابه «اللؤلؤ المنظوم».

اساتذته:

و لقد أخذ الفقه، و اصوله، و الفلسفة، و الحديث عن أساطين العلماء في عصره المتخصصين في تلك الفنون، أما بقية العلوم التي أثرت عنه فقد أخذها من تلقاء المطالعة و البحث و التنقيب، و بحكم حدة ذكائه و سرعة تلقيه، و صفاء روحه.

أما استعراض أسماء اساتذته العظام فهم- على ما نعرف:

الوحيد الآغا محمد باقر البهبهاني «سنة 1118- سنة 1205 ه‍»‌

الشيخ محمد باقر ابن المرحوم محمد باقر الهزارجريبي «000- 1205 ه‍»‌

السيد حسين ابن أبي القاسم جعفر الموسوي الخوانساري «000- 1191 ه‍»‌

السيد حسين ابن الأمير محمد إبراهيم بن محمد معصوم الحسيني القزويني «000- 1208 ه‍»‌

الشيخ عبد النبي القزويني الكاظمي «000- 1213 ه‍ تقريبا»‌

السيد عبد الباقي الحسيني الخاتون‌آبادي «000- 1193 ه‍»‌

الشيخ محمد مهدي الفتوني العاملي «000- 1183 ه‍»‌

والده السيد مرتضى الطباطبائي «000- 1204 ه‍»‌

الشيخ يوسف البحراني- صاحب الحدائق- «1107- 1184 ه‍»‌

الشيخ محمد تقي الدورقي «000- 1186 ه‍»‌

67

الفيلسوف السيد ميرزا مهدي الاصفهاني نزيل خراسان المولود «سنة 1153- و المستشهد سنة 1217»‌

تلاميذه و مدرسته العلمية:

و لقد انحصرت إدارة الحوزة العلمية بسيدنا (قدس سره)، و ظل يدير المحاضرات- بمختلف العلوم الإسلامية- طيلة اكثر من عشرة أعوام حتى نشأ على يديه السخيتين جمع غفير من رواد الفضيلة و طلاب العلوم و الآداب، فكانوا- بعد وفاته- من عيون العلماء و مفاخر الأدباء. و نستعرض أسماء يسير منهم مما توصلنا اليه- على الترتيب-:

الشيخ احمد النراقى- صاحب المستند- المتوفى سنة 1245‌

المولى اسماعيل العقدائي حدود «1340»‌

الشيخ احمد حفيد الوحيد البهبهاني المتولد سنة 1191 و المتوفى سنة 1235 السيد احمد بن السيد حبيب آل زوين الحسني المولود سنة 1193 و المتوفى بعد سنة 1267.

الشيخ ابو علي الحائري صاحب منتهى المقال في الرجال (1216)

الشيخ أسد اللّه التستري صاحب المقابيس (1234)

الامير ابو القاسم حفيد الامير محمد باقر الخاتون‌آبادي (1202) السيد احمد العطار البغدادي (1215)

السيد إبراهيم العطار والد السيد حيدر- جد الحيدريين في الكاظمية (1230)

الشيخ إبراهيم بن يحيى العاملي الطيبي المولود سنة 1154 و المتوفى سنة 1214‌

السيد ابو القاسم جد صاحب الروضات (1240)

المولى الشيخ أحمد الخوانساري ساكن ملاير.

السيد باقر ابن السيد احمد القزوينى المتوفى سنة 1246‌

68

الشيخ تقي ملا كتاب النجفي المتوفى سنة 1250 ه‍‌

الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء (1228)

الشيخ حسين نجف (1251)

الشيخ حسن بن محمد نصار النجفي‌

السيد حسين بن أبي الحسن موسى بن حيدر الشقرائي العاملي (1230)

السيد حيدر الموسوى اليزدي حدود (1260)

السيد دلدار علي الهندي (1235)

الشيخ رفيع بن محمد رفيع الجيلاني الاصفهاني حدود سنة 1245 ه‍‌

المولى زين العابدين السلماسي (1266)

الشيخ زين العابدين- جد آل الزين العامليين (1212)

الشيخ سليمان ابن الشيخ احمد القطيفي (1266)

السيد صدر الدين العاملي (1263)

السيد صادق الفحام (1204)

الشيخ شمس الدين بن جمال الدين البهبهاني صاحب الحواشي (1248)

الشيخ عبد علي البحراني الخطي المتوفى سنة 1213‌

السيد علي آل السيد حسين الغريفي البحراني (1246)

السيد مير علي الطباطبائي- صاحب الرياض- (1231)

الشيخ عبد على بن أميد علي الغروي المتوفى بعد سنة (1226)

السيد عبد اللّه شبر (1242)

الشيخ قاسم بن محمد آل محي الدين الحارثي العاملى (1237)

السيد محمد جواد العاملي صاحب مفتاح الكرامة (1226)

السيد محمد علي العاملي المتوفى سنة 1237 ه‍‌

المولى محمد شفيع الاسترآبادي المتوفى بعد سنة 1238‌

69

السيد محمد المجاهد صاحب المناهل (1242)

الشيخ محمد مهدي النراقي (1209)

السيد محسن الاعرجي الكاظمي صاحب المحصول (1227)

الشيخ محمد إبراهيم الكلباسي (1261)

السيد محمد رضا شبر المتوفى حدود (1230)

الميرزا محمد الاخباري (1233)

المولى الشيخ محمد رضا القاري المتوفى بعد سنة (1232)

السيد محمد الحائرى (1227)

الحاج سيد محمد شفيع الجابلقي (1280)

السيد محمد باقر الرشّي (1260)

الشيخ محمد تقي الاصفهاني صاحب الحاشية على المعالم (1248)

الشيخ محمد ابن الشيخ إبراهيم الجزائري‌

المولى الشيخ محمد علي الهزارجريبي (1245)

السيد محمد القصير الرضوي (1255)

الشيخ محمد علي البروجردي‌

المولى محمد على الأردكاني النحوي‌

الشيخ محمد علي حفيد الشيخ حسن البلاغي النجفي المتوفى بعد سنة 1228‌

الشيخ محمد علي ابن الشيخ محمد حسين الشهير بالزيني العاملي النجفى المتوفى سنة 1235‌

الشيخ ميرزا حسن الزنوزي‌

السيد مرتضى الطباطبائى صهر السيد بحر العلوم‌

المولى اسد اللّه بن عبد اللّه البروجردي الشهير بحجة الاسلام و المتوفى سنة 1271‌

الشيخ محمود السلطان‌آبادي‌

70

المولى محمد علي الكلبايكاني‌

الحاج سيد محمد باقر السلطان‌آبادي‌

الحاج محسن العراقى السلطان‌آبادي‌

الشيخ ميرزا ضياء الدين نزيل بروجرد‌

الشيخ محمد بن جعفر بن يونس ابن الحاج راضي بن شويهى الحميدي الطويهري النجفى المتوفى بعد سنة 1228 ه‍‌

الشيخ محمد رضا ابن الشيخ أحمد النحوي المتوفى سنة 1226 ه‍‌

الشيخ محمد علي الاعسم النجفي المتوفى سنة 1233 ه‍‌

الشيخ محمد رضا الأزري المتوفى سنة 1240‌

الآقا محمد بن محمد صالح اللاهيجى‌

المولى محمد حسن ابن الحاج معصوم القزوينى الحائرى المتوفى سنة 1240‌

الشيخ عبد النبي القزويني اليزدي المتوفى سنة 1200‌

الشيخ عبد الرحيم البروجردي نزيل طهران‌

الشيخ عبد الرحيم ساكن المشهد الرضوي‌

الشيخ علي البحراني‌

المولى محمد علي المحلاتي ساكن شيراز‌

المولى محمد تقى الكلبايكاني المتوفى في النجف الاشرف‌

السيد محمد زينى آل العطار المتوفى سنة 1216‌

و كثير من هؤلاء و غيرهم يروون عنه بالإجازة، و سنثبت في آخر الكتاب نصوص إجازاتهم.

71

صاحب الكرامات:

في الحديث القدسي: «... يا ابن آدم أنا غني لا أفتقر، أطعنى فيما أمرتك أجعلك غنيا لا تفتقر، يا بن آدم أنا حي لا أموت، أطعنى فيما أمرتك أجعلك حيا لا تموت، يا ابن آدم أنا أقول للشي‌ء: كن فيكون أطعني فيما أمرتك اجعلك تقول للشي‌ء: كن فيكون»- كما عن عدة الداعي لابن فهد الحلي- و غيره.

و لقد بلغ سيدنا المترجم له الغاية القصوى من رياضة النفس، و معارضة الهوى، و الوقوف عند الشبهات فضلا عن المحرمات فكان- (قدس سره)- يقطع الليل بالعبادة و التهجد و مناجاة الخالق و الفناء في ذات العالم الاقدس و لا يرى في النهار إلا متكلما في مسألة علمية أو مناظرة او حل مشكلة اجتماعية، أو غير ذلك من شئون المسلمين.

فبذلك و شبهه من السلوك الإلهي استطاع- (قدس سره)- أن يصل الى مرحلة «اليقين» و الفناء في اللّه.

فلا عجب- إذن- إذا ذكر عامة من عاصره أو تأخر عنه من علماء الرجال و التاريخ: أنه كان يفتح له باب الصحن الشريف و الحرم الأقدس حينما يقبل عليهما قبيل الفجر. و أنه كان يتصل بالإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)- في الحرم الشريف- و يسأله عن المسائل فيجاب مباشرة، و يخلو بشخص الإمام (عليه السلام)، فيتناجيان ...

و لا عجب- أيضا- اذا اشتهر على ألسنة المترجمين له: أنه- في عدة مناسبات احصيت- كان يتحدث مع إمام الزمان الحجة عجل اللّه تعالى فرجه، و يتحدث الإمام اليه في مسائل شرعية و اجتماعية: منها- في مسجد السهلة عند صلاة الفجر، و منها- في سامراء في الروضة المشرفة، و منها-

72

في مكة أيام اقامته هناك لإقامة مشاعر الحج و العمرة و بناء المواقيت، الى غيرها من المناسبات التي احصاها عامة من ترجم له ..

و نقلت عنه كرامات أخر خارقة للاسلوب الطبيعي تكاد تلحق بالمعجزات، كقصة تظليل الغمامة له في الصيف القائظ- في طريق كربلا- و كان بصحبته جمع من اجلاء تلامذته كالشيخ الزاهد الشيخ حسين نجف- (قدس سره)- لا يسع استعراضها هذا المقام. حتى اشتهر- (قدس سره)- ب‍ «صاحب الكرامات الباهرة» فكان هذا من القابه المعروفة أيام حياته.

و قال تلميذه الجليل الحجة السيد محمد جواد العاملي صاحب «مفتاح الكرامة»- من قصيدة له في مدحه-:

لك المعجزات البينات أقلها * * *يقيم على ساق الهدى كل مقعد

رعايته للفقراء:

و كان على جانب عظيم من العطف و الرحمة على فقراء الأمة و ضعاف المسلمين بحيث يتحسس مشاكلهم و ينفذ الى واقعهم المؤلم، فيرعاهم رعاية شاملة تقوى نفوسهم، و تغني نفسياتهم أمام المجتمع. و له في هذا المضمار قصص و مواقف جمة احصاها المترجمون له. نشير الى واحدة منها كنموذج لبقيتها:

ذكروا: ان الحجة السيد محمد جواد العاملي صاحب «مفتاح الكرامة»- (قدس سره)- و كان من أعاظم تلاميذه- كان يتعشى- ذات ليلة- إذ بعث اليه السيد بحر العلوم- (قدس سره)- يدعوه للحضور بسرعة، فترك عشاءه و حضر بين يدي استاذه. فلما رآه السيد (رحمه اللّه) أخذ يؤنبه بكلمات شديدة. و ذكر له: أن احدا من اخوانه و جيرانه‌

73

من اهل العلم- و سمّاه له- كان يأخذ كل ليلة من البقال (قسبا) لقوت عياله و لهم قرابة الأسبوع لم يذوقوا الحنطة و الأرز. و في هذا اليوم ذهب الى البقال ليأخذ القسب، فامتنع البقال من اعطائه لثقل دينه، فظل- هذه الليلة- هو و عياله و أطفاله بلا عشاء، فأخذ السيد محمد جواد يعتذر الى السيد- (قدس سره)- بعدم علمه بالموضوع، فقال له السيد (رحمه اللّه): «لو علمت بحاله- و تعشيت و لم تلتفت اليه- كنت يهوديا- أو قال-: كافرا. و انما أغضبني عليك عدم تجسسك عن إخوانك و عدم علمك بحالهم».

فأمر له السيد (رحمه اللّه) «بصينية» كبيرة فيها أنواع الأكل «و صرة» من المال على أن يوصلها الى ذلك الرجل، و يتعشى معه و يستقر، و يأتيه بالخبر حتى يتعشى السيد، و بقي عشاؤه أمامه لم يتناول منه شيئا، حتى رجع «السيد العاملي» من ذلك الرجل، و أخبره باستقراره و فرحه بالطعام و المال، لأنه كان مدينا بقدر المال- تقريبا- فعند اذ تناول السيد عشاءه و جرت القصة الى بعد منتصف الليل. و القصة مفصلة هذا مجملها.

هذه من علاه احدى المعالى * * *و على هذه فقس ما سواها

مساجلاته الادبية:

و بالرغم من عظمته في العلم، و وصوله الغاية القصوى في الزهد و التقوى، كان- (قدس سره)- على جانب كبير من أريحية الأدب و لطف المساجلة و الإخوانيات.

فمن ذلك: أنه دفع- يوما- لتلميذه الحجة السيد محمد جواد العاملي «شاميين»- من نقود زمانه- ليدفعهما الى أحد المحتاجين. فامتثل السيد العاملي، و جاء الى دار السيد ليخبره بامتثاله. فوجده داخل حرمه المقدس فكتب اليه- عجلا- في رقعة: «الشاميين قد دفعتهما» و مهر الرقعة‌

74

معكوسا، فجاء الجواب من قبل السيد (رحمه اللّه):

المبتدا المرفوع جاء منتكس * * *و المهر في الكتاب جاء منعكس

فأجابه السيد العاملي على ذلك.

قد عكس المهر اختلال وهمي * * *إذ لم يكن لي فيهما من سهم

و المبتدا المرفوع لما عرضا * * *على الإمام العلوي انخفضا

و من ذلك: أن المولى النراقى- صاحب جامع السعادات- كتب اليه من «كاشان» بهذين البيتين:

ألا قل لسكان أرض الغري * * *هنيئا لكم في الجنان الخلود

أفيضوا علينا من الماء فيضا * * *فانا عطاشى و أنتم ورود (1)

فأجابه السيد- (قدس سره)-:

ألا قل لمولى يرى من بعيد * * *ديار الحبيب بعين الشهود

لك الفضل من شاهد غائب * * *على شاهد غائب بالصدود

فنحن- على القرب- نشكو الظما * * *و فزتم- على بعدكم- بالورود

و من ذلك: المعركتان الأدبيتان، بينهما زمان يسير:

المعركة الاولى:

يضم أحد النوادي الأدبية المنعقد على شرف أحد أعيان ايران الأديب الكبير الميرزا أحمد النواب (2) جماعة من الشعراء كالشيخ محمد رضا النحوي‌

____________

(1) الظاهر: ان البيتين من قصيدة لشاعر قديم هو خلف بن احمد القيرواني المتوفى سنة 414 ه‍ و استشهد بهما النراقي في ضمن رسالته لسيدنا المترجم له- (قدس سرهما)-.

(2) الميرزا احمد النواب: اديب كبير، كان يقيم في كربلا في عصر السيد بحر العلوم (رحمه اللّه)، و لا يعرف عنه شي‌ء اليوم، و يحتمل ان يكون من آل النواب

75

و غيره من أقطاب هذه المعركة. فيستعرض الجماعة قصيدة العلامة الكبير الشاعر السيد نصر اللّه الحائري المستشهد سنة 1156، و هي التي قالها في مدح تربة كربلا، و مطلعها:

يا تربة شرفت بالسيد الزاكي * * *سقاك دمع الحيا الهامي و حياك ...

و منها قوله:

أقدام من زار مغناك الشريف غدت * * *تفاخر الرأس منه، طاب مثواك

فاعترض بعض الادباء الحاضرين على قافية هذا البيت و ادعى انها نابية، و بدلها بكلمة «حين وافاك» غير أن «النواب» لم يرتض التبديل مدعيا صحة القافية الأولى، و كان لكل فريق، و طال الشجار بين الفريقين:

فاقترح النواب تحكيم سيدنا المترجم له بالأمر و أن قوله هو الفصل فصوّت الحاضرون- بالاجماع- على هذا الاقتراح. و قال النواب للنحوي:

أكتب اليه: «إنا جعلناك- يا أقضى الورى- حكما» فأجازه النحوي بقوله:

إنا جعلناك يا اقضى الورى حكما * * *فأنت أعدل من بالعدل قد حكما

انا اجتمعنا ببيت قد علا شرفا * * *هام الثريا بمن قد حله، و سما

و قد حوى من علا «النواب» بدر علا * * *و من بهاء ابنه نجما سما و نما

و ضم كل أخي علم و ذى أدب * * *حتى غدا حرما للعلم و العلما

و عاد سفليه علويّ كل علا * * *و أرضه من نجوم الفضل- و هى سما-

فأنشدوا بيت شعر فيه قافية * * *أتم فيها نظام البيت من نظما

____________

«في يزد» و هم اسرة علوية من بقايا الصفوية، و يحتمل كونه من الاسرة الهندية التى كانت تستوطن كربلا، و اليها ينسب بعض العقار الى الآن، و هم غير آل النواب الذين يسكنون بغداد، فاولئك اسبق هجرة من سكان بغداد (عن اعيان الشيعة: ج 10 ص 311).

76

فقال ذو أدب منهم و معرفة: * * *لو بدلت صح نسج البيت و انسجما

فثم بدلها من كان بدلها * * *بغيرها، فاستقام النظم و انتظما

فمذ رآها اديب منهم فطن * * *ما زال يستخدم القرطاس و القلما

سما لترجيحه الأولى، و قال: هى الأولى، فاكرم به من حاكم حكما فقال ذاك الأديب الحبر: كيف؟ بل الأخرى احق، فطال الخلف و اختصما‌

و الكل منهم غدا يدلي بحجته * * *فيها، و يزعم ان الحق ما زعما

فاعتاص ظاهرها عنهم و باطنها * * *و باعدت ما غدا من أمرها أمما

و التاث منطقهم عنها و منطقها * * *عنهم، و معربها قد عاد منعجما

و كلما استنطقوها أظهرت خرسا * * *و كلما أسمعوها جددت صمما

فوجهوها الى علياك غامضة * * *عجماء أعيا مداها العرب و العجما

فاكشف نقاب الخفا عن وجهها و أمط * * *عن عينها- لا لقيت السوء- كل عمى

اختر لذا البيت من هاتين قافية * * *يغدو بها مثل سمط الدر منتظما

فانت عون لنا إن أزمة أزمت * * *و انت غوث لنا إن حادث هجما

و امنن بعفو اذا طال الخطاب، فعادات المحبين أن لا يوجزوا الكلما‌

كما لموسى العصا، حال السؤال له * * *عنها، فأسهب وصفا بالذي علما

هذي عصاي التي فيها التوكؤ لي * * *و قد اهش بها في رعيي الغنما

و لي مآرب أخرى، كى يسائله * * *عنها، فيظهر فيها كلما كتما

فلما عرضت هذه القصيدة على سيدنا المترجم له، أمر أن تكون المحاكمة على روي و قافية قصيدة الحائري جريا على نسق واحد، فانبعث الشيخ النحوي، و قال:

يا نبعة نبعت من أحمد الزاكي * * *و نفحة نفحت من عرفه الذاكي

و من غدت قبلة للقصد وجهته * * *و نجعة روضها غض لهلاك

و من برى خلقه البارى لمعدلة * * *و أخذ حق من المشكو للشاكي

77

إنا اليك تقاضينا فانت فتى * * *منزه الحكم عن شك و إشراك

قد ضمنا منزل قد زيد منزلة * * *بباسم في وجوه الوفد مضحاك

«صدر الممالك» محمود المسالك، خواض المهالك، غوث الضارع الباكي‌

قد زينت علماء العصر نادية * * *كأنهم في ذراه شهب أفلاك

فعاد منه و منهم حين ضمهم * * *و ضمه ربع أملاك و إملاك

فأنشدوا بيت شعر في مديح فتى * * *دقت معاليه عن حس و ادراك

اعني ابن فاطمة المولى الشهيد و من * * *لرزئه المجد امسى طرفه باكي

من قطعة من علاه كان مطلعها * * *«يا تربة شرفت بالسيد الزاكي»

«أقدام من زار مغناك الشريف غدت * * *تفاخر الرأس منه طاب مثواك»

فعاب قافية البيت الأخير فتى * * *مبرأ قوله عن إفك أفاك

فقال: لو بدلت صح النظام بها * * *و عاد كالدر منظوما باسلاك

فبدلت فاستقام البيت حين حكى * * *باقى البيوت، و كان الفضل للحاكي

«اقدام من زار مغناك الشريف غدت * * *تفاخر الرأس منه حين وافاك»

فمذ رأى الحال «صدر الملك» مال لترجيح القديمة عن حذق و ادراك‌

و كر للبحث في تحقيق مطلبه * * *بمقول مثل حد السيف بتاك

و للأخيرة ذاك الحبر رجح عن * * *رأي لسر الخفايا أى دراك

و قام يملي عليها من أدلته * * *كالغيث ان جاد لا يمني بامساك

و طال بينهما فيها النزاع و قد * * *كرّا بعزم- يروض الصعب- فتاك

و كلما قرباها منهما بعدت * * *كالصيد منفلتا من قيد اشراك

و كلما أسمعوها اظهرت صمما * * *عن قول كل بليغ القول سفاك

و ارتج الباب حتى ليس يفتحه * * *سكاك فتح و لا «مفتاح» سكاكى

فوجهوها الى علياك و انتظروا * * *و الكل يرنو بطرف شاخص شاكي

و أرسلوها و هم في اسرها ثقة * * *منهم بمولى لقيد الأسر فكاك

78

فافلق برأيك عن ظلمائها فلقا * * *و اكشف دجى شكها عن كل شكاك

و اختر لذا البيت من هاتين قافية * * *يغدو بها كعروس حال إملاك

و خذ صفايا العلا و اترك نفاوتها * * *فانت أفضل أخاذ و تراك

و لا تزال بك الأيام صالحة * * *يذكو شذى عرفها من عرفك الذاكي

و لا تزال الليالي فيك باسمه * * *رضا و طرف العدى من غيظهم باكي

فأجاب سيدنا المترجم له بقوله:

ملكتما في القوافي غير ملاك * * *و لا محكك رأي فيك سفاك

و قلتما: اختر لنا من (تين) قافية * * *حتى نميز به الازكى من الزاكى

كلتاهما نسج داود و ناسجها * * *مقدر السرد في نظم باسلاك

و للاخيرة في فنّ القريض سمت * * *بحسن حبك فتى للنظم حباك

فتى اذا قال بذ القائلين، و إن * * *يمسك فعن كرم يدعو لإمساك

ما قدم الصدر «صدر الملك» زيد علا * * *أولاهما، فهو في غلواء إدراك

لكن حمى ضعفها اذلاث لوثتها * * *و هو الحمى للضعيف الضارع الشاكى

مهما شككت- و ليس الشك من خلقي- * * *فاننى لست في حكمى بشكاك

لكننى لا ارى للبيت قافية * * *مثل التي ليس يحكى فضلها حاكى

«أقدام من زار مغناك الشريف غدت * * *تفاخر الرأس اذ أرست بمغناك»

أضحت تطاول شأوا كل ذي أدب * * *و ان سما رتبة من فوق املاك

استغفر اللّه ما قصدي الفخار و لا * * *فخري القوافي و ان خصت بأملاك

فقرضها العلامة الشيخ محمد علي الاعسم بقوله:

ما ذات ضوء جبين مشرق حاكى * * *شمسا تجلت لنا من فوق أفلاك

حيية ما رآها غير حليتها * * *و لم يذق ريق فيها غير مسواك

و لو تمر على النساك لافتتنوا * * *و أصبحوا في هواها غير نساك

يوما بأبهى سنا من قطعة نظمت * * *فيها محاكمة ما بين املاك

79

لما وقفت عليها طرت من فرح * * *لكن تداركني صحبى بامساك

إن قلت سحرا و حاشى ليس يشبهها * * *سحر فما أنا في قولي بأفاك

تحكى بأحسن نظم «وقعة» عجزوا * * *عنها بنثر و كان الفضل للحاكي

تبدي اختلافا و شكوى و الرضا معهم * * *و لا اختلاف و لا شكوى و لا شاكى

و لا نكير اذا خاضوا بمعضلة * * *لم يدركوها و كانوا أهل إدراك

و الحق ينتظر «المهدي» فيه اذا * * *أعيا على كل نقاد و دراك

فقف على الشيخ نجل الشيخ ثمّ و قل * * *«يا نبعة نبعت من احمد الزاكى

(1)

و يا ذبالته من نوره اتقدت * * *«و نفحة نفحت من عرفه الذاكي»

ملكتم النظم و النثر البديع، و كم * * *سما لدعواه قوم غير ملاك

و كم لكم آية غراء بان لها * * *نهج الهدى لم تدع شكا لشكاك

فامنن بعفو فلسنا من فوارسها * * *و نحن عزل و كل منكم شاكي

و قال الشيخ هادي ابن المرحوم الشيخ أحمد النحوى ايضا:

اكرم بحاكم عدل منصف الشاكى * * *أمن المروع أمان الخائف الباكى

اكرم به رب آراء و إدراك * * *لكل معجمة غماء دراك

فكاك معضلة حلال مشكلة * * *اكرم بحلال إشكال، و فكاك

حكمتما عادلا في حكمه ثقة * * *لم يبق شكا لمرتاب و شكاك

و ليس تأخذه في اللّه لائمة * * *لا زال ينتصف المشكو للشاكى

منزها في القضايا عن مداهنة * * *مبرئ ما حكى في عرضه حاكى

يقضي القضا لا يحابى عنده أحدا * * *ما زال يرضى به المشكو و الشاكى

حاشاه من أن يحابي في القضاء و أن * * *يديل في الحكم مشكوا على شاكى

كم قد هدى برشاد الحق كل أخي * * *غي، و كم رد من إفك و أفاك

و كم أنار لنا طخياء مظلمة * * *منارها لم يبن يوما لسلاك

____________

(1) يقصد الشيخ محمد رضا ابن الشيخ احمد النحوي، و فيه تورية.

80

أماط عنها قناع المشكلات كما * * *قد صان حوزتها عن هتك هتاك

و راض كل شماس من عزومتها * * *بطرف فكر لما قد ندّ دراك

و كلما جنحت تبغي المطار غدت * * *مصفودة مثل صيد وسط أشراك

غمت على العلماء الراسخين كما * * *التاثت على كل ذى لبّ و إدراك

أعيت على الكل حتى قال قائلهم * * *سدت على طرق آرائي و ادراكي

قد فات كل أهالي عصرهم سيما * * *من قد تقدم منهم عصر «سكاكى»

فكم قضيت لنا بالحق معدلة * * *كأنما صدرت عن وحي أملاك

حكيت جدك اقضى العالمين، و ذا * * *فضل به انفرد المحكي و الحاكي

كم مقفلات علوم قد فتحت فما * * *كادت لتغلق يوما دون اسلاك

و كم افضت على الدنيا هدى و ندى * * *كانا حياة لضلال و هلاك

ما فاته أبدا- حاشاه- ذو كرم * * *كلا و لا فاته نسك لنساك

و لا شآه اقتحام يوم ملحمة * * *بل قد شأى كل مقدام و فتاك

كل من الفتك و الجدوى اليه غدا * * *يهمي بعارض سفاح و سفاك

من جده حيدر الكرار من عجبت * * *من كره كل أملاك بأفلاك

قد غادر الشوس و البهم الكماة على * * *نشز من الارض صرعى بين دكداك

مجزرين على الآكام تحسبهم * * *هديا تقرب فيه كف نساك

كم رقعة هدمت دين الضلال و كم * * *يوم به كثر المبكي و الباكي

ببارق قد محاليل القتام كما * * *به محاليل إلحاد و إشراك

تخاله في السنا فجرا و كم فجرت * * *به دماء لمرتابين شكاك

كم بات شاكي جراح منه كل فتى * * *مدجج مستعد للوغى شاكي

و كم بخطئه قد شك مهجة ذي * * *خطا بدين الهدى و الحق شكاك

لا تدع أن راح يحكيه و يشبهه * * *بحد بأس لعمر الجود بتاك

يغشى الهياج بوجه ضاحك و اذا * * *جن الدجى بات فيه خائفا باكى

يحيى الدجى يرقب الاصباح تحسبه * * *ينظم النجم من فجر بأسلاك

81

قد حاز كل مزايا الفخر في كرم * * *الاخلاق لم يبق من ازكى و لا زاكى

ود النسيم بأن يحكى خلائقه * * *فأصبح الفضل للمحكي لا الحاكى

سر الدقائق، مصداق الحقائق، * * *مأمون البوائق عز الضارع الشاكي

من معشر قد زكت أعراقهم و ذكت * * *أعرافهم، حذا الزاكى على الذاكى

ذكوا فهوما كما قد شاء عرفهم * * *يا طيب ذلك من ذاك على ذاكي

ذكوا فروعا نمت في المكرمات فلا * * *تعجب لفرع نما من اصله الزاكى

طوبى لها دوحة في الخلد منبتها * * *طوباك من دوحة في الخلد طوباك

اللّه طهرهم عما يدنسهم * * *من شوب شرك، و من اثواب إشراك

و قبل: اوحى الى آبائه كرما * * *لو لا علاكم لما فلكت افلاكي

فضائل انتشرت رغما لكاتمها * * *هل يكتم العرف من مسك بامساك

شكرا لبارى حياتي حبكم كرما * * *فحبكم من لظى في الحشر فكاكي

بمجدهم و بهم أرجو الفكاك غدا * * *فحبهم لفكاكي جدّ فكاك

قد ارتضى لي- لطفا بي- إمامتهم * * *و ما ارتضى لي هلاكا بين هلاك

الى آخر القصيدة و هى طويلة، يستعرضها كل من كتب عن المعركة.

المعركة الثانية:

و تعرف ب‍ «معركة الخميس» و هي أشهر من الاولى و اعضاؤها: السيد بحر العلوم و فريق من تلاميذه و هم: الشيخ جعفر كاشف، الغطاء، الشيخ حسين نجف السيد صادق الفحام، السيد أحمد العطار، الشيخ علي زين الدين، الشيخ محمد رضا النحوي، الشيخ محمد علي الاعسم، الحاج محمد رضا الازري، ملا يوسف الازرى، السيد إبراهيم العطار، الشيخ محمد بن يوسف الجامعي السيد أحمد القزوينى، الشيخ مسلم بن عقيل الجصاني، السيد محمد زيني البغدادي:-

82

يمر الجامعي محمد بن يوسف على دار الزيني- و كان غائبا ببغداد- فتذكر مجلسه و مناظراته فارتجل أبيات بعثها اليه و هي:

بما بيننا من خالص الود لا نسلو * * *و غير أحاديث الصبابة لا نتلو

مررت على مغناك لا زال آهلا * * *فهاج غرامي و الغرام بكم يحلو

و عيشك إني ما توهمت آنفا * * *بعادك عنى أو رباع الهوى تخلو

و ما «جعفر» في وده الدهر صادقا * * *و ما «صادق» من لم يكن في الهوى يغلو

و في البيت الأخير تعريض بالشيخ جعفر و السيد صادق، و هما اللذان عرفا باخلاصهما للزين من قبل فاستثار ذلك الشيخ جعفر بأبيات بعثها الى الزيني و هي:

لساني اعيى في اعتذاري و ما جرى * * *و إن نال حظا في الفصاحة أوفرا

و لكنني شفعت في مودّتي * * *و محضي للاخلاص سرا و مجهرا

فلو أنني أهديت مالي بأسره * * *و مال الورى- طرا- لكنت مقصرا

فدع عنك شيخا يدعي صفو وده * * *فما كل من يرعى الاخلاء جعفرا

يريك «بأيام الخميس» مودة * * *و في سائر الأيام ينسخ ما يرى

فلا تصحبن غيرى فانك قائل * * *بحق، و كل الصيد في جانب الفرا

فلو رمت من بعدي- و حاشاك- صاحبا * * *فاياك أن تعدو «الرضا» خيرة الورى

فتى شارع للصحب اوضح منهج * * *و جار مع المصحوب من حيث ما جرى

و ان تهجر المجموع منتصرا لنا * * *لبست من الاثواب ما كان افخرا

فأجابه «الجامعي» بقوله:

ألا من لخل لا يزال مشمرا * * *لجلب وداد الخلق سرا و مجهرا

أحاط بود الانس و الجن فانثنى * * *بأعلى حدثنا الاملاك ودا، و أبهرا

و نال من الرحمن اسنى مودة * * *فيا لك ودا ما أجل و اكبرا

يجاذبني ود الشريف ابن أحمد * * *سلالة زين الدين، نادرة الورى

83

و هيهات ان يحظى بصفو وداده * * *و ان كان «بحرا» في العلوم «و جعفرا»

أ مستجلبا ود الرجال بنطقه * * *أظنك ألهمت الطماعة أصغرا

تروم محالا في طلابك رتبة * * *بها خصنى الباري و اكرم من برا

فمهلا «أبا موسى» سيحكم لي «الرضا» * * *و تكسب بالالحاح انك لن ترى

ألا فاجتهد ما شئت في نقض خلتي * * *فمحكم ابرامي يريك المقصرا

فيا أيها المولى الخليط الذي بغى * * *سينصفنى «المهدى» منك فتحصرا

فقم سيدي للحكم انك أهله * * *فديتك أنصفني فقد احرج المرا

و يشير الجامعي الى استنجاده بسيدنا المترجم له و يأخذ بحيفه من الشيخ جعفر.

فقال سيدنا «بحر العلوم» يلاطفهما:

أتاك كوحي اللّه أزهر أنورا * * *قضاء فتى باريه للحكم قد برى

فتى ليس يخشى من ملامة لائم * * *اذا ما رعى عرفا و انكر منكرا

يظاهر مجنيا عليه اذا شكا * * *و ينصره في اللّه نصرا مؤزرا

«محمد» يا ذا المجد لا تكترث و لا * * *يروعنّ منك القلب شيخ تذمرا

فما هي إلا من نوادره التي * * *عرفن له مذ كان اصغر اكبرا

و انك اولى الناس كهلا و يافعا * * *بحبك نجل الطاهرين المطهرا

سمي و في «صادق» الوعد و الهوى * * *خصيص به مذ قسم الود في الورى

كفتك شهادات «الخميس» على الولا * * *ترد خميسا كلما كر أدبرا

و ليس ببدع ذاك فالخلطاء كم * * *جرى بينهم من بينهم مثل ما جرى

و في مثل هذا الخطب داود قد قضى * * *على صاحبيه اذ عليه تسورا

و ما كان هذا بالذى يمترى به * * *فللنص حكم لا يدافع بالمرا

فخذ يا سمي الطهر «جعفر» صادقا * * *من القول حقا غير منفصم العرى

و انك انت النفس مني و انما * * *تعاظمها ما كان عندي ليصغرا

84

و لست اخال الحق ثقلا على فتى * * *لنصرته مذ كان كان مشمرا

اقمنا على النفس الشهادات حسبما * * *أمرنا به في الذكر نصا مقررا

و ان كان ما جئنا كبيرا فاننا * * *رأينا جهاد النفس في اللّه اكبرا

فانطلق الشيخ جعفر مميزا للحكم بقوله:

جرى الحكم من مولاي في حق رقه. * * *و لست لما أمضاه مولاي منكرا

و لكنها في البين تعرض شبهة * * *يزيد دقيق الفكر فيه تحيرا

اذا كنت نفسا منك أدعى و مهجة * * *فكيف أرانى الكيد اصغر اكبرا

و كيف يدانيني الرجال بمفخر * * *و قد نلت من علياك ما كان افخرا

فلست أرى في النفس عذرا موجها * * *سوى أن كسر النفس امرا تقررا

فدع- سيدى- ذا الحكم في مداعبا * * *بل احكم بمر الحق يا خيرة الورى

و أنبرى «الجامعي» المحكوم له فأيد الحكم بقوله:

عذيري من شيخ ألم به المرا * * *فعاد الى أن بات لا يألف الكرى

يخاصمنى كل الخصام فارتأي * * *و اثبت بعد الرأي حجة ما أرى

يحاول نقض الحكم بعد نفوذه * * *و هل ينقض الحكم المسجل إن جرى

و يلهج: إن الحكم كان دعابة * * *و لكنه الجد المصمم أزهرا

أ يحكم لي «المهدى» اعدل من قضى * * *فيثقل حكم الحق فيه و يكبرا

و حكم «الرضا» و (الصادق) القول قبله * * *صريح بنصري لو تأمل أو درى

فايها- بغاة الحق- اني لحائر * * *لما قد دهى الانصاف من حادث عرا

و كأن الحكم قد استفز «الفحام» فانتصر للشيخ جعفر بقوله:

جرى ما جرى بين الخليلين و انتهى * * *و ان كان معروفا لما كان منكرا

فاحفظ مولى لم يزل ذا حفيظة * * *لمخلصه عن ساعد الجد شمرا

فاغرى حكيما بانتصار فالبا * * *عليه من التأنيب و اللوم عسكرا

كلام له ظهر و بطن و لم يكن * * *سوى محض ود بطن ما كان أظهرا

85

مداعبة الاخوان تدعى عبادة * * *لعمرك ما هذا الحديث بمفترى

فلا يستفز الشيخ برق غمامة * * *بدا خلبا في عارض ليس ممطرا

و لا يصرف المهدي عن عادل القضا * * *شقاشق ما كانت تجد لتهدرا

قضى، فتعاطى مذهب الشعر في القضا * * *فكان قضاء عادلا قاطع المرا

و لو يتعاطى مذهب الشرع لم يكن * * *ليقضي أن الصبح لم يك مسفرا

و لما رأى سيدنا بحر العلوم تطور الخصومة أمر الشيخ (النحوى) أن يقف موقف الصلح فتحسم به الدعوى، فقال النحوى:

لعمري لقد ثارت إلى أفق السما * * *عجاجة حرب حولت نحوها الثرى

و جاءت بميدان الخصام فوارس * * *تماروا على أمر، و ليس بهم مرا

و ذلك ان الشيخ شيح زمانه * * *عنيت به بحر المعارف جعفرا

(هو البحر من أي النواحي اتيته) * * *تجد منهلا في كل ناحية جرى

فرده و لا تعدل به ري غيره * * *ترد موردا لا تبتغي عنه مصدرا

تعمد من بغداد انفاذ رقعة * * *تضمن معنى يخجل الروض مزهرا

بنظم حكى الدر النظيم مفصلا * * *بنثر حكى الروض الوسيم منورا

و اعرب عن دعوى وداد (محمد) * * *سلالة زين الدين نادرة الورى

و لا غرو في دعوى وداد هو المنى * * *فيا لك ودا ما أجل و اكبرا

و لكنه مذ قارب الجور و ادعى * * *اختصاص هوى كل له قد تشطرا

فكان عظيما ما ادعى سيما على * * *ذوي وده من كل ذمر تذمرا

و لا سيما الشيخ الذي خلصت له * * *مودته مذ كان أصغر اكبرا

فتى أشرقت في وجهه غرة الهدى * * *و من نوره صبح الحقائق أسفرا

فقال: الى كم ذا تحاول رتبة * * *بها خصني الباري و اكرم من برا

كبرت و لم تقنع بما يكتفى به * * *اظنك الهمت الطماعة أصغرا

تجاذبني الود القديم و ليس من * * *تقدم في ود كمن قد تأخرا

86

فقال: نعم، لكن قضت لي مودتي * * *و محضي للاخلاص سرا و مجهرا

و اني ارعى منه للود خلة * * *(و ما كل من يرعى الاخلاء جعفرا)

و اني امت اليوم في صدق قوله * * *بحقى (كل الصيد في جانب الفرا)

و لست كمن يرميه بالهجر حقبة * * *و ما كان ذو ود- بحال- ليهجرا

(يزيد بأيام- الخميس- مودة * * *وقي سائر الأيام ينسخ ما أرى)

فطال نزاع منهما فتشاجرا * * *معا و اقلا- من نزاع- و أكثرا

و مذ سئما طول النزاع ترافعا * * *الى (حكم) باريه للحكم قد برا

هو الحجة (المهدي) من نور حكمه * * *(اتاك كوحى اللّه أزهر أنورا)

فتى ينصف المظلوم في شد أزره * * *و ينصره في اللّه نصرا مؤزرا

فتى عن ابيه (المرتضى) ورث القضا * * *فكان لما يخفى من الحق مظهرا

و آتاه رب العرش- مذ شب- حكمه * * *و علمه فصل الخطاب و بصرا

فأضحى بنور اللّه ينظر، ما هفا * * *بحكم و لا في معضل قد تحيرا

فيا ليت شعري ما أقول، و كلما * * *أطلت أراني في علاه مقصرا

هنالك قصا ما عليه تنازعا * * *عليه، و بثا عنده كلما جرى

و كل غدا يدلي بحجته و ما * * *الاقي احتجاج منه جهدا و قصرا

و اجلب كل خيله و رجاله * * *على خصمه و الكل للكل شمرا

فلما رأى المهدي- و الهدي ما رأى- * * *و ابصر من ذى الحال ما كان ابصرا

درى ان ذا لا عن خصام و كم و كم * * *لسر خفي مثل ذا قبل ذا درى

و أيقن ان الشيخ- زيد علاؤه- * * *أراد اختبار الشيخ فيما له انبرى

ليظهر ما أخفاه من صفو وده * * *و ما كان ذاك الود يخفى فيظهرا

و ايقن أن ليست لذاك حقيقة * * *و لكن كلام، و اللسان به جرى

و قال: هما خصمان في البغي اشبها * * *خصيمين للمحراب قبل تسورا

جرى حكمه وفقا لداود اذ جرى * * *و قدر ما قد كان داود قدرا

87

و ما كان هذا الحكم الا مشاكلا * * *لدعواهما عند امرئ قد تبصرا

فلا الشيخ مقضي عليه حقيقة * * *و لا الشيخ مقضي له، لو تفكرا

كفى شاهدا في الصدق لي قول صادق * * *فتى قد سما في مجده شامخ الذرى

و اعلى له الرحمن فوق عباده * * *«لعمرك ما هذا الحديث بمفترى»

و حررتها طوعا لأمر أخي علا * * *لخدمته- مذ كنت- كنت محررا

و ذى حلبة جلت جميع جيادها * * *و لكنني كنت السكيت المقصرا

و بعثت صورة المعركة الى السيد محمد زيني ببغداد، فانطلق قائلا:

أتاني كتاب مستطاب بطيه * * *خطاب كنشر المسك فاح معطرا

خطاب سرى في كل قلب سروره * * *خطاب بما تهوى الاماني مبشرا

و ذاك كتاب الشيخ جعفر الذي * * *لديه يود «البحر» لو كان جعفرا

فشاهدت «قسا» «باقلا» عند نطقه * * *و ان نال حظا في الفصاحة اوفرا

يصرح تصريح الحمام بوده * * *فروض عافي منزل القلب ممطرا

و قد خصنى بالود من دون غيره * * *و ان كان هذا الود قد شمل الورى

و انكر ود الشيخ أعني: محمدا * * *حميد السجايا اطيب الناس عنصرا

يزرّ على حسن السجايا قميصه * * *كما هو بالمجد ارتدى و تأزرا

و قال: بأن الشيخ لم يرع خلة * * *«و ما كل من يرعى الاخلاء جعفرا»

و من خص في (يوم الخميس) و داده * * *نراه بأن يعزى الى الهجر اجدرا

و ما لقديم الود عندي مزية * * *و كم من قديم ساده من تأخرا

و كم جريا في حلبة الشوق و الهوى * * *و احرز كل غاية السبق اذ جرى

هناك استفز الشيخ، اعني: محمدا * * *فجلى- مجيبا- حين نظم جوهرا

دعا شوقه يا ناصر الشوق دعوة * * *فلباه ذو أمر من اللّه أمرا

مجيب الندا، مردي العدا، أيد القوى * * *قريب الندى، نائي المدى، سامق الذرى

هو السيد المهدي، بورك هاديا * * *بنور سناه يهتدي من تحيرا

88

فآزره بالحكم، بل كان عونه * * *و ناصره في اللّه نصرا مؤزرا

بنظم بحبات القلوب مفصل * * *تخال نثير النجم منه تنثرا

جريت على النهج القويم مجاوبا * * *و قد سألوني عن حقيقة ما جرى

فقلت: أراني أن ازيد مسرة * * *و احمد رب العالمين و اشكرا

لي الفخر أنى قد عززت عليهما * * *و حسبى عزا في الأنام و مفخرا

و لكنما الاسلام دين محمد * * *و طاعته فيمن عن اللّه أخبرا

و لى مذهب ما زلت أبديه قائلا * * *«تجعفرت باسم اللّه فيمن تجعفرا»

تخذتهما للعين نورا و للحشا * * *سرورا و للايام درعا و مغفرا

فهذا حسامي حين أسطو على العدى * * *و هذا سنانى اذ أقابل عسكرا

فكانا- و قد اصبحت اعزى اليهما- * * *هما سيدا مولى له قد تشطرا

فبعتهما صافي المودة خالصا * * *و محضى للاخلاص سرا و مجهرا

فنلنا بسوق الشوق ربحا معجلا * * *فيا نعم ما بعنا و يا نعم من شرى

ادامهما الرحمن لي و لمعشرى * * *و للناس طرا ما حديثهما جرى

و ختمت المعركة‌

من شعره:

و كان- (قدس سره)- بالاضافة الى مقامه العلمي الرفيع على جانب كبير من الأدب و الشعر، يحتكم عنده الشعراء فيحكم لهم بالشعر- كما مر عليك في «معركة الخميس» و يقول الشعر في كثير من المناسبات الدينية، و اغلب شعره في مدح و رثاء أهل البيت (عليهم السلام) و اليك نموذجا منه:

قصيدة تناهز الثلاثمائة بيت يناقش فيها قصيدة مروان بن أبي حفص- شاعر الرشيد- حيث مدح الرشيد و ضمنه الحديث المكذوب من غضب‌

89

النبي (ص) على أمير المؤمنين (ع) حين أراد أن يتزوج بنت أبي جهل في حياة الزهراء (عليها السلام) و من قصيدة مروان‌

سلام على جمل و هيهات من جمل * * *و يا حبذا جمل و ان صرمت حبلى

الى قوله:

علي ابوكم كان أفضل منكم * * *أباه ذوو الشورى، و كانوا ذوي فضل

و ساء رسول اللّه إذ ساء بنته * * *بخطبته بنت اللعين أبي جهل

فذم رسول اللّه صهر أبيكم * * *على منبر بالمنطق الصادع الفصل

و حكّم فيها حاكمين، أبوكم * * *هما خلعاه خلع ذي النعل للنعل

و قد باعها من بعده الحسن ابنه * * *فقد أبطلا دعواكم الرثة الحبل

و ضيعتموها و هي في غير أهلها * * *و طالبتموها حين صارت الى الأهل

فاجاب سيدنا المترجم:

أ لا عدّ عن ذكرى بثينة أو جمل * * *فما ذكرها عندي يمر و لا يحلي

الى قوله:

و قل للذي خاض الضلالة و العمى * * *و من خبط العشواء في ظلمة الجهل

و من باع بالأثمان جوهرة الهدى * * *كما باع بالخسران جوهرة العقل

هجوت اناسا في الكتاب مديحهم * * *و في العقل بان الفضل منهم و في النقل

و لفقت زورا كادت السبع تنطوى * * *له، و الجبال الشم تهوي الى السفل

علوا حسبا من أن يصابوا بوصمة * * *فيدفع عن أحسابهم أنا أو مثلي

و لكن أبت صبرا نفوس أبية * * *و أنف حميّ لا يقرّ على الذل

فأصغ الى قولي، و هل انا مسمع * * *غداة انادي الهائمين مع الوعل

علي أبونا كان كالطهر جدنا * * *له ماله إلا النبوة من فضل

و ذو الفضل محسود لذى الجهل و العمى * * *لذا حسد الهادي النبي أبو جهل

لئن كانت «الشورى» أبته و قبلها * * *«سقيفتهم» أصل المفاسد و الختل

90

فقد انكرت خير البرية «ندوة» * * *و ضلت رجال الرحلتين عن السبل

أبوا حيدرا اذ لم يكونوا كمثله * * *و ما الناس إلا مائلون الى المثل

أبوه و يأبى اللّه إلا الذي أبوا * * *و هل بعد حكم اللّه حكم لذي عدل

الى قوله:

و زوجه المختار بضعته و ما * * *لها غيره في الناس من كفوء عدل

فاكرم بزوجين الإله ارتضاهما * * *جليلين، جلا عن شبيه و عن مثل

لذلك ما هم الوصي بخطبة * * *حياة البتول الطهر فاقدة المثل

بذا أخبر المختار، و الصدق قوله * * *أبو حسن ذاك المصدّق في النقل

فاضحى بريئا و الرسول مبرئ * * *«و قد أبطلا دعواكم الرثة الحبل»

بذلك فاعلم جهل قوم تحدثوا * * *«بخطبته بنت اللعين (أبي جهل)

نعم رغبت مخزوم فيه و حاولت * * *بذلك فضلا لو اجيبت الى الفضل

فلما أبى الطهر الوصي و لم يجب * * *رمته بما رامت و مالت الى العذل

و ساعدها الرجسان فيه و حاولا * * *إثارة بغضاء من الحقد في الأهل ...

الى قوله:

و ما ضر مجد المرتضى ظلمهم له * * *و لا «فلتة» منهم و «شورى» ذوي خذل

و لا ضره جهل «ابن قيس» و قد هوى * * *و ولاه عمرو العاص في المدحض الزل

و قد بان عجز الأشعري و غره * * *و ما كان بالمرضي و الحكم العدل

نهاهم عن التحكيم و الحكم بالهوى * * *فلم ينتهوا حتى رأوا سبة الجهل

الى قوله:

و ما شان شأن المجتبى سبط أحمد * * *مصالحة الباغي القوي على دخل

فقد صالح المختار من صالح ابنه * * *و صد عن البيت الحرام الى الحل

و القصيدة تناهز الثلاثمائة بيت يستوحي فيها عامة فضائل علي (عليه السلام) و فظائع اعدائهم .... توجد في ديوانه المخطوط لدينا.

91

و له في الحجة القائم (ع)

قالوا: سمعنا بالذي قلتم فلم * * *لم يستبن حتى يراه الناظر

قلنا لهم: سر الإله و نوره * * *جمعا به فهو الخفي الظاهر

و له مشطرا بيتى الشافعي:

«يا أهل بيت رسول اللّه حبكم» * * *حب الرسول و من بالحق ارسله

أجر الرسالة عند اللّه ودّكم * * *«فرض من اللّه في القرآن أنزله»

«كفاكم من عظيم القدر انكم» * * *قد اكمل الدين فيكم يوم اكمله

و انكم بشهادات الصلاة لكم * * *«من لم يصل عليكم لا صلاة له»

و له في تخميس بيتى ابي الحسن التهامي:

تطوف ملوك الارض حوله جنابه * * *و تسعى لكي تحظى بلثم ترابه

فكان كبيت اللّه بيت علابه * * *تزاحم تيجان الملوك ببابه

و يكثر عند الاستلام ازدحامها

اتته ملوك الارض طوعا و أملت * * *مليكا سحاب الارض منه تهللت

و مهما دنت زادت خضوعا به علت * * *اذا ما رأته من يعيد ترجلت

و ان هي لم تفعل ترجل هامها

و له مشطرا لهما:

«تزاحم تيجان الملوك ببابه» * * *ليبلغ من قرب اليه سلامها

و يستلم الأركان عند طوافها * * *«و يكثر عند الاستلام ازدحامها»

«اذا ما رأته من بعيد ترجلت» * * *ليعلو فوق الفرقدين مقامها

فان فعلت هاما على هامها علت * * *«و ان هي لم تفعل ترجل هامها»

و له مجاريا و رادا على كثير عزة:

شجاني منهم ربع خلاء * * *تعفته السوافي فالسماء

92

الى قوله:

و لاح قد لحى فيهم بجهل * * *فقلت: ابرح، فقد برح الخفاء

«ألا إن لائمة من قريش» * * *ثمانية و اربعة سواء

كما الأسباط و النقباء نصا * * *من المختار ليس به خفاء

الى قوله:

بهم فتح المهيمن كل حق * * *و يختم حين ينكشف الغطاء

يكاشف كل كرب اذ ينادى * * *و يأتيه من اللّه النداء

فيدعى بالعزيمة: قم بامري * * *و عجل فيه اذ عظم البلاء

فيظهر، و الإله له ظهير * * *(يقود الجيش يقدمه اللواء)

مؤلفاته:

كان سيدنا المترجم- (قدس سره)- على عظمته في العلم و التحقيق- قليل التأليف لعدة أمور: لانشغاله بالتدريس و الزعامة الدينية، و لكثرة أسفاره في سبيل أداء رسالته الإسلامية، و واجبات الشرع الحنيف و لشدة احتياطه و دقة مسلكه و تثبته في مباحث النظر و الاجتهاد، و لأنه كان يهدف الى الابتكار في التصنيف و الإبداع فيه.

و بالرغم من هذا و ذاك، فقد احتفظ التأريخ العلمي له بيسير من المؤلفات المختلفة المواضيع هى:

1- كتاب المصابيح، في العبادات و المعاملات من الفقه، و هو سفر جليل قيم، و قد اكثر النقل عنه كبار الفقهاء و المحققين منذ عصره حتى اليوم. توجد نسخة منه في (مكتبة العلمين العامة) في النجف الأشرف، و لدى آله الكرام أيضا، و سوف يبرز إلى أفق الطبع- بعدة أجزاء- ان شاء اللّه تعالى- بعد أن يكمل تحقيقه و التعليق عليه من قبل‌

93

لجنة التحقيق في (المكتبة).

2- الدرة النجفية، منظومة في بابي الطهارة، و الصلاة من الفقه يتجاوز عدد أبياتها الألفين، و قد أكمل بعض مواضيع الصلاة منها- نظما- المغفور له حجة الاسلام السيد محمد باقر الحجة الطباطبائي آل صاحب الرياض طبعت عدة مرات، و شرحت من قبل كثيرين شروحا عديدة نظما و نثرا منها المواهب السنية للميرزا محمود الطباطبائي البروجردي (المطبوع) بعضه و لها تكملات و قد أطبق العلماء و الأدباء على أنها لا يوجد لها نظير فيما قبل، فلا غرو أن يقال فيها إنها معجزة علمية و آية بينة، أعيت عن معارضتها الأقلام و عنت دونها الوجوه خاضعة، و قد اكثر شيخ الفقهاء و علّامة المجتهدين في كتابه (الجواهر) من الاستشهاد بابياتها، و كذا غيره من أساطين الفن و كان الشروع في نظمها سنة 1205 أي قبل وفاته بسبع سنين كما ارخه هو- (رحمه اللّه)- في أولها بقوله:

غراء قد و سمتها بالدرة * * *تاريخها عام الشروع (غرة)

و لقد تهافت عليها الباحثون فحفظوها عن ظهر الصدور و كتبوا لها الحواشي و الشروح الكثيرة لا يسع استقصاءها المقام فهي كما قال فيها تلميذه الحجة الشيخ محمد علي الاعسم (رحمه اللّه):

درة علم هي ما بين الدرر * * *فاتحة الكتاب ما بين السور

و لقد أخذت- و لا تزال- دورا هاما في الأوساط العلمية في النجف و ايران، بحيث أخذ العلماء يتداولونها بالحفظ و التدريس، حتى اليوم و سوف يعاد طبعها- مع تكملتها من قبل الحجة السيد محمد باقر الطباطبائي- باخراج و تحقيق لجنة التحقيق في (مكتبة العلمين) ان شاء اللّه‌

3- مشكاة الهداية، هي منثور (الدرة) لم يبرز منها إلا كتاب الطهارة. و قد شرحها تلميذه الأكبر الحجة الشيخ جعفر- صاحب كشف‌

94

الغطاء- بأمر من السيد نفسه.

4- تحفة الكرام في تاريخ مكة و البيت الحرام. و توجد نسخة منها في مكتبة كاشف الغطاء.

5- رسالة في العصير العنبي، مدرجة في كتابه (المصابيح).

6- شرح باب الحقيقة و المجاز من كتاب الوافية للفاضل التوني‌

7- شرح جملة من أحاديث (تهذيب الشيخ الطوسي).

8- الفوائد الأصولية، مطبوعة، جمعها ولده الرضا بعد وفاته.

9- رسالة في تحريم العصير الزبيبي.

10- رسالة في مناسك الحج و العمرة.

11- رسالة في حكم قاصد الأربعة في السفر، أوردها بتمامها تلميذه الجليل الحجة العاملي في كتابه «مفتاح الكرامة».

12- حاشية و شرح على طهارة «شرائع المحقق الحلي»‌

13- رسالة في قواعد أحكام الشكوك.

14- حاشية على ذخيرة الحجة السبزواري.

15- رسالة في تحقيق معنى (أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم)

16- رسالة في انفعال ماء القليل.

17- رسالة في الفرق و الملل.

18- رسالة في الأطعمة و الأشربة.

19- رسالة في تحريم الفرار من الطاعون.

20- الدرة البهية في نظم بعض المسائل الأصولية.

21- رسالة في مناظرته لليهود، و هي التي ادرجناها- آنفا-

22- ديوان شعر كبير، يناهز الألف بيت، أغلبه في مدح و رثاء أهل البيت (ع)

23- الفوائد الرجالية- و هو هذا الكتاب الذي نحن بين يديه-

95

يحتوي على كثير من الفوائد و التحقيقات الرجالية القيمة، و على تراجم عدد كبير من رجال الحديث و الرواية من أصحاب النبي و الأئمة عليهم الصلاة و السلام، و قد بلغ من الشهرة- و هو مخطوط- الى درجة كبيرة قل أن يبلغها أي كتاب مطبوع غيره- فلقد تناقله رجال الحديث كافة منذ عصر مؤلفه، حتى اليوم. و سيتم في ثلاث مجلدات ضخام بتحقيق قيم و إخراج جميل.

هذا ما وصلنا اليه- بعد الجهد- من معرفة مؤلفاته و رسائله، و لقد وقفنا على كثير منها في مكتبات آله الكرام، و لا تزال مخطوطة نسأل اللّه تعالى أن يخرجها الى أفق الطبع، ليعم الانتفاع بها.

و أما تقريرات تلاميذه، فهي كثيرة، منها- تقريرات تلميذه الجليل الحجة صاحب مفتاح الكرامة، في الفقه، و منها- تقريرات تلميذه الآخر المحقق الآغا محمد علي النجفي ابن الآغا محمد باقر الهراجريبي، (قدس اللّه أسرارهم).

و هناك بعض الرسائل الصغار، ربما نسبت الى السيد (قدس سره) منها رسالة السير و السلوك الفارسية، و لكن لا يعضدها التأريخ، و لا يوافقها طريقة السيد (رحمه اللّه) و سلوكه الطافح على سائر مؤلفاته و كتاباته- كما يشهد بذلك- كل من و اكب قلمه الشريف في عامة مؤلفاته، و اللّه اعلم.

مآثره و آثاره:

كان- (رحمه اللّه)- بالإضافة الى مرجعيته العلمية و الدينية الكبرى و كثرة مشاغله الاجتماعية- دائب التفكير و العمل و الإنجازات من حيث المشاريع الخيرية، و الصدقات الجارية. نشير الى يسير من ذلك كما يلي:

1- تعيين و تثبيت مشاعر الحج و مواقيت الإحرام على الوجهة‌

96

الشرعية الصحيحة، و كانت قبل ذلك مغفلة مهملة، فبقي- (قدس سره)- قرابة الثلاث سنوات في مكة في هذا السبيل. و لا يزال عمل الشيعة- اليوم- على نموذج تعيينه للمشاعر و المواقيت.

2- تصديه و اهتمامه في طم أرض «مسجد الكوفة» بالتراب الطاهر- لتسهيل تطهيره- و كانت أرضه مساوية في العمق لأرض «السفينة»- اليوم- و بناء سور المسجد، و تركيز و بناء مقاماته- على اسس قديمة- و وضع الشاخص للزوال «الرخامة» المنصوبة في مقام النبي (ص) و بناء حجرات في المسجد لإيواء المعتكفين- على ما هي اليوم- و غير ذلك من تعميرات في عامة نواحي المسجد، و حواليه.

3- تعيين و تشييد «مقام الحجة المهدي (ع)» في مسجد السهلة، و بناء قبة من الكاشي الأزرق عليه- كما هو اليوم- و كان بين مكان المقام الذي عينه السيد (رحمه اللّه) و بين مكانه السابق أكثر من عشرة أمتار فنقض ذلك، و أشاد هذا بعد قصة تشرفه بالمقام السامي و رؤيته للحجة الغائب (ع)- كما ينقله عامة من كتب عنه، برواية الميرزا القمي صاحب القوانين (رحمه اللّه).

4- تعيين قبر المختار بن أبي عبيدة الثقفي (رحمه اللّه)- المعروف اليوم- من حيث قبر مسلم بن عقيل (سلام اللّه عليه)، و لم يكن قبل ذلك معروفا.

5- تعيين و تشييد مرقدي: هود، و صالح (ع) في وادي السلام في النجف الاشرف و كان مكان قبرهما- قبل ذلك- يبعد عن مكانهما بتعيينه- كما هو اليوم- بعشرات الأمتار، فأمر- (قدس سره)- بنقض الأول، و بناء غيره في مكان آخر‌

6- تعيين و إشادة «مقام المهدي (ع)» في وادي السلام، كما هو المعروف الآن.

97

7- بناء «مئذنة» الصحن العلوى الشريف الجنوبية و تعمير جدران الصحن و غرفه، و ذلك انه حينما رأى- (قدس سره)- تضعضع تلك المواضع كتب الى السلطان فتح علي شاه القاجاري في إيران ان يرسل أموالا طائلة لتصرف في ذلك، فامتثل السلطان أمر السيد، و أرسل فورا ما يكفي لذلك المشروع بتمامه.

8- تجديد بناء جامع الشيخ الطوسي- (قدس سره)- و إضافة المساحة- خارج الحرم الآن- و تعيين مرافق ضرورية للجامع، كما أشير ذلك في مقدمة كتاب «تلخيص الشافي» للشيخ الطوسي، المطبوع- في اربعة اجزاء- بتقديم و تحقيق سماحة العلامة الجليل السيد حسين نجل آية اللّه الورع (التقي) من آل بحر العلوم، أيده اللّه لتحقيق مشاريعه الإسلامية النافعة هذا يسير من كثير من إنجازات و مشاريع سيدنا (بحر العلوم) فلقد ترك لنا بهذا و شبهه من آثاره الحية ما يستحق أن يخلده الزمن على مدى التاريخ و الأجيال-:

تلك آثارنا تدل علينا * * *فاسألوا بعدنا عن الآثار

من ثناء الادب و الشعر:

و من مظاهر عظمة سيدنا المترجم له- أعلى اللّه مقامه-: انثيال الأدباء و الشعراء و تبركهم بمدحه و الثناء عليه اعترافا بماله من مقام رفيع، و مكانة سامية، و اليك يسيرا من كثير لا يسعه المقام:

قال الشيخ مسلم بن عقيل الجصاني المتوفى سنة 1230- على طريقة البند-: «بدا لي أنني اعرض ما يفرض، من خير دعاء حسن حسن الرضا، ناداه من شوق اليه، و الاجابات دعته، و غدت تحمله ريح قبول بيد الإقبال، اذ أقبل، تحدوه نسيمات الهوى و الشوق سوقا، و ثناء يتثنى‌

98

عطفه عطفا، تثني غصن البان بوادي الأيك، من رامة و الأبرق و الجزع و سلع، بتحيات حسان و قرنا خير قران، كقران الشمس بالسعد، فزيدت شرفا، حينئذ بين يدي مولاي، بل مولى الورى خير فتى يهدى اليه المدح هذا القائم الهادي، بأنوار سنا غرته الحاضر و البادي، و من ضاء جبينا، ضوء مصباح بمشكاة، و قد ضاع شذى كالند و المسك به النادي و هذان دعائي و ثنائي، و تحياتي التي تحيى بها موتى الصبابات، الأولى أيدى الجوى و الوجد و الحب، أصابتهم بأسهام غرام، فقضوا نحبهم أو كربوا لما رموا بالكرب من بعد الاحيباب، و من بعد الأصيحاب، أنا الصب الكئيب المغرم المضنى الفؤاد، الدنف القلب المشوق الواله العاني الذي ما بلغ البغية من أحبابه وصلا، و لم يدرك منى، لا، بل أنا العبد الأقل الخاطئ الجاني الذي آلمه لما ألم الشوق و الوجد به، طول الجفا و الصد و الهجران.

أهديها إلى خدمته العليا التى شرفت الناس بها، و اكتسبوا منها البها أعنى به سيدنا الزاكي النجار، الماجد الحاوي الفخار، السند الحامي الذمار الطيب الأعراق عالي النسب الشهم، الكريم الحسب القرم، الرفيع الرتب الندب الكثير الأدب، المصقع قس الفهم، قاموس لغات العرب السبر الذي ما قيس قس الرأي في العقل به الحبر، الكيس الفطن، العلامة البحر بعيد القعر، لا يقذف غير الدر، من فاق على البدر سناء و سنى، زين الصفات الطيب الذات، الذي يفعل فعلا حسنا مجتهد العصر، عزيز المصر و الواحد في الدهر، سمى القدر، و السؤدد و الفخر، ابن طه المصطفى الطهر الزكي الأصل و النجر، الذكي، الالمعي اللوذعى، الندس الحاذق غيث الكرم المندي، ولي النعم المجدي، و من جود يديه و أياديه الولي، المغدق الهامر و الهامي، عظيم الشأن ذو القدر الرفيع الشامخ السامى- جميل الخلق هادي الخلق، طود الحلم بحر العلم، و هو العلم (المهدي) عماد المسلمين‌

99

الثقة البر الأمين، ابن الميامين، الخبير الحاكم الشرع، فتى قد أحكم الحكمة و الأحكام، من رتبته نيط بها العرش، وكيل القائم (المهدي)، في الناس اخو الفضل، حميد الفعل ذو الاحسان و العدل، الهلال، قمر أشرق في أوج العلى بدر كمال، قطب عز و جلال، بحر جود و نوال، محرز في حلبات الفخر، في يوم رهان قصبات السبق، لا يدرك شأوا، حائز حسن الثنا، رب المعالى، وارث العلم الإلهي، من المختار طه، جده أحمد ممدوح السجايا، و هو المحمود ما بين البرايا، ذو الجناب الأقدس الأشرف من قد خلق المجد به، ذو الورع الصالح، أهل الكرم الماتح، رب النسك و التقوى، خليل الجود و الجدوى، حليف الرشد و الزهد، سحاب الطول و الرفد، و من أضحى و أمسى لحجيج الأمل الطلاب، حاجاتهم كعبة قصد و منى، سلمه اللّه تعالى و كفاه، و أطال اللّه للناس بقاه، و وقاه و علينا من لطفا بلقاه، و برشف اليد ذات اليد منه شرفا رب السماوات حبانا، و كسانا بوصال اليد البادي السنا ثوبي سرور و هنا»‌

و من الشعر غدق كثير لا يسع المقام استعراض جميعه فنقتطف منه ما تيسر.

من ذلك أبيات لتلميذه الأكبر آية اللّه الشيخ جعفر الكبير ((قدس سره))- على ما ذكره صاحب المواهب السنية- و غيرها من المجاميع المخطوطة قال:

لساني عن إحصاء فضلك قاصر * * *و فكرى عن إدراك كنهك حاسر

جمعت من الأخلاق كل فضيلة * * *فلا فضل إلا عن جنابك صادر

يكلفني صحبي نشيد مديحكم * * *لزعمهم اني على ذاك قادر

فقلت لهم هيهات لست بقائل * * *لشمس الضحى: يا شمس نورك ظاهر

و ما كنت للبدر المنير بناعت * * *له ابدا بالنور- و الليل عاكر

و لا للسما: بشراك انت رفيعة * * *و لا للنجوم الزهر: انت زواهر

100

و له أيضا:

اليك اذا وجهت مدحي وجدته * * *معيبا و ان كان السليم من العيب

اذ المدح لا يحلو اذا كان صادقا * * *و مدحك حاشاه من الكذب و الريب

و له في برئه من مرض المّ به مؤرخا:

الحمد للّه على عافية * * *كافية لخلقه كافيتك

قد ذاب قلب الوجد من تاريخها * * *شفاء داء الناس في عافيتك

و للحجة السيد محمد جواد العاملى- تلميذه- صاحب مفتاح الكرامة يلتمس منه ملاحظة كتابه مفتاح الكرامة.

اليك زمام الخلق يا خير مرشد * * *و انت نظام الكون في كل مشهد

و أنت امين اللّه قمت بأمره * * *على الدين و الدنيا بأمر محمد

و حجته العصماء من كل وصمة * * *و آيته الكبرى على اليوم و الغد

و انك جنب اللّه خازن علمه * * *و أنك وجه اللّه في كل مقصد

تعاليت عن كل الأنام و لا أرى * * *الى كل سر ثاقب الذهن يهتدي

تباين فيك الناس اذ بنت عنهم * * *فاضحوا و هم ما بين غاو و مهتدى

و بين أناس حائرين و انني * * *لعاذرهم في ذاك غير مفند

ففي كل سرّ من علاك و ظاهر * * *دليل لكل نحو مبدئه يهتدي

لك المعجزات البينات أقلها * * *يقيم على ساق الهدى كل مقعد

أ لست الذي اصمى اليهود بمعجز * * *فخروا عناء للجران و لليد

و أضحوا جميعا مسلمين و إنهم * * *جهابذ، فيهم كل حبر مسود

يضيقون عن عدّ، و تلك بيوتهم * * *بجنح الدجى معمورة بالتهجد

و قاضي قضاة القوم أرشدت امره * * *و قد كان صعبا لا يلين لمرشد

و قومت زيغ «التركمان» و كم لكم * * *بمكة آيات لكل موحد

و طائفة نهج الطريقة قد عدت * * *و آزرها في غيها كل معتدى

101

فحين رأت ما يقطع العذر منكم * * *تجلى عماها بعد طول تردد

و كم فرقه ضلت فروع أصولها * * *رددتم إلى الأصل الأصيل الموصد

و للجن و الأملاك شأن لديكم * * *فسل مسجدا في أرض كوفان ترشد

و قد حل ما قد حل فيه نكاية * * *بقائد جيش السوء من خاتم اليد

و كم فيك سر لا ابوح بذكره * * *مخافة خبّ طائش اللب سمهد

و في درسك الميمون اعدل شاهد * * *على سرك المخزون في كل مشهد

تدير كؤوس العلم من كل غامض * * *على كل حبر بالفضائل مرتدي

و علامة ندب، إمام زمانه * * *و مجتهد في كل فنّ مصمد

هم القوم كل القوم الا لديكم * * *فانهم ما بين بكم و لمد

فيا جبلا من قدرة اللّه باذخا * * *و بحر ندى نادى الوجود به ندى

مدحتك لا أني رجوتك للغنى * * *و ان غاض و فري من طريف و متلد

و لكننى عاينت فيك شمائلا * * *عرفت بها عرف النبي محمد

و قد صنف المومى كتابا بيمنكم * * *يفوق جميع الكتب في كل مقصد

و كم قمت للارشاد بالباب راجيا * * *صلاح كتابي: و الكتابة في يدي

فان تلحظوه زاد نبلا و رفعة * * *و بالغيث يغدو ممرعا كل فدفد

و لا زالت الأيام يا ابن بهائها * * *تروح عليكم بالسرور و تغتدي

و للسيد جواد العاملى أيضا في مدحه بمناسبة تشرفه بزيارة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) قصد الاستشفاء من مرض ألم به.

عليك سلام اللّه موسى بن جعفر * * *سلام محب يرتجي أحسن الرد

و يرجوك محتاجا لأعظم حاجة * * *هي النعمة الكبرى على الحرّ و العبد

فهذا امام العصر بعد إمامه * * *إمام الورى- طرا- سليلكم المهدي

أتاكم- على بعد الديار- يزوركم * * *يجوب فيافي البيد وخدا على وخد

الى قوله:

فيا لك جسما صح في اللّه قلبه * * *فعاد مريضا واهن العظم و الجلد

102

ففى القلب اشواق تقود اليكم * * *و في الجسم أدواء تصدّ عن القصد

و قد قاده الشوق الملح اليكم * * *فحنوا عليه بالشفاء و بالرفد

و ما الرفد كل الرفد إلا لمثله * * *و للرفد أسباب تضيق عن العدّ

و قد جمعت فيه جميعا بفضلكم * * *فكان- بحمد اللّه- واسطة العقد

و له أيضا في مدحه- و قد أرسلها له الى كربلا- و مطلعها:

غرام و ما تخفى الجوانح لا يخفى * * *و كيف و قد أودى به الوجد أو اشفى

الى قوله:

و لكنه للّه في الدهر سنة * * *ففي كل قرن مدّ من فضله لطفا

إمام هدى يهدي الى الحق أهله * * *و ينفي انتحالا كان لولاه لا ينفى

و ناجم هذا العصر مشكاة نوره * * *أجل الورى عرفا و أطيبهم عرفا

هو السيد المهدي من طاب محتدا * * *و نفسا على مرضاة بارئه وقفا

فللّه ما أفنى، و للّه ما اقتنى * * *و للّه ما أبدى، و للّه ما أخفى

و كل امرئ في الناس يسعى لنفسه * * *و يبسط في غفلاتها الزند و الكفا

و قد جل عن هذا، و جلت صفاته * * *و قد جاوز الإغراق و استغرق الوصفا

و لست بمحصى النزر من ذر فضله * * *و لو كنت أملى من فضائله صحفا

و للشيخ إبراهيم العاملى: الطيبي المولود سنة 1154 و المتوفى سنة 1214) و قد أرسلها اليه من الشام:

سقى حيكم يا جيرة العلم الفرد * * *ملث الحيا من غير برق و لا رعد

و لا زالت الارواح تهدي اليكم * * *حديثا عن القيصوم و الشيخ و الرند

تحية مشتاق يحن الى اللقا * * *و لا عجب ان حن صاد الى الورد

و يسألكم رد التحية فاعطفوا * * *على سائل ما زال يقنع بالرد

و بين ضلوعي غلة لا يبلها * * *سوى وصلكم بعد القطيعة و الصد

و لست ترى أشفى لداء بنى الهوى * * *من القرب يأتي بعد ليّ من البعد