خاتمة المستدرك‌ - ج2

- المحدث الشيخ حسين النوري المزيد...
471 /
203

النهار، قائم الليل، و أكثر فوائد هذا الكتاب و تحقيقاته منه (1). انتهى.

قلت: الإجازتان اللتان إليهما في شرح المشيخة موجودتان عندي بخط الشيخين الجليلين.

قال الأول في أولاهما: قٰالَ إِنِّي عَبْدُ اللّٰهِ آتٰانِيَ الْكِتٰابَ (2) الحمد للّه مبيّن طريق الحق. إلى أن قال: و لمّا كان الأخ الأعزّ الأجل الأوحد، المحقق المدقق، إنسان عين الأصحاب المتقين، و عين إنسان الأصحاب على اليقين، مولانا الملإ عبد اللّه بن حسين الششتري رفع اللّه قدره، و أجزل ذكره، ممّن حصل منها أوفر سهم و أولاه، و حصل على أكبر قسم و أعلاه، بعد أن ذاق مرارة الاغتراب عن وطنه، و ذاق غمرات الأهوال في سفره، حزنه و سهلة، و منّ اللّه عليه بحج بيته الحرام، و زيارة قبر رسوله عليه و آله الصلاة و السلام، و الحلول ببلدتنا عيناثا- حرسها اللّه- من قرى الشام، التمس من أخيه و محبة الفقير المعترف بالقصور و التقصير، أحمد بن نعمة اللّه بن أحمد أن أجيز له ما أجيز لي روايته، فامتثلت أمره طاعة و برّا، و إن كان أدام اللّه ضلاله أرفع رتبه و أجلّ قدرا، و أجزت له أن يروي عني. إلى آخره (و تاريخ الإجازة يوم الجمعة 17 شهر محرم الحرام سنة 988) (3).

و قال الثاني- بعد خطبة مليحة غرّاء-: و بعد، فيقول أفقر عباد مولاه إلى كرم اللّه العلي نعمة اللّه علي بن أحمد بن محمّد بن خاتون العاملي، عامله اللّه بالصفح عن زلله، و العفو عن خطله: إن أنفس الرغائب، و أعلى المطالب هو: التوصل للوصول (4) إلى معرفة شريعة الحيّ القيوم، و هو مما يتعذّر بدون‌

____________

(1) نقد الرجال: 197/ 92.

(2) مريم 19: 30.

(3) بحار الأنوار 109: 88، و ما بين القوسين لم يرد في المخطوطة.

(4) في البحار: هو الوصول.

204

الرواية كما هو مقرر عند أهل الدراية، و كان من جملة من هاجر إلى اللّه في تحصيل هذا المعنى، و تاجر للّه حتى حلّ لدينا في المغني (1)، المولى الفاضل، و الأولى الكامل، ذو المناقب و الفواضل، الجامع بحسن أخلاقه الخليقة بين الشريعة و الحقيقة، مولانا ملا عبد اللّه بن عزّ الدين الحسين الششتري، أصلح اللّه أحواله، و كثر في العلماء أمثاله، فشرف الأسماع برائق لفظه، و شرف الأصقاع بحلو القول في وعظه، و طلب من هذا العبد الضعيف، و الجرم النحيف، أن يجيزه بما وصل إليه، و عوّل في الرواية عليه (2). إلى آخر ما ذكره (رحمه اللّه).

و في آخر هذه الإجازة بخط المولى الجليل المجاز له: يقول الفقير إلى اللّه تعالى الغني، عبد اللّه بن حسين الشوشتري: إنه أمرني الأخ العزيز الفاضل، ذو الصفاة الجميلة، و الأخلاق الجليلة، المدعو بقاضي عبد المؤمن، سلمه اللّه تعالى و أبقاه، و يبلغه ما يتمنّاه، أن أجيز له أن يروي عنّي ما يجوز لي روايته عن المشايخ الذين صرت بسببهم من المسندين للأخبار، المجتنبين من قطع السند و الإرسال، فأجزت له أن يروي عنّي جميع الكتب و الأصول المذكورة في كلام الشيخين اللذين سبق ذكرهما في هذه الأوراق، عن الشيخين المذكورين رحمهما اللّه تعالى، عمّن أسندا عنه، إلى أن ينتهي إلى أرباب الأصول، أو إلى أئمة الهدى، و مصابيح الدجى، و أن يجيز ذلك لمن شاء، و كيف شاء، و نسأل اللّه جلّ شأنه أن يجعل ذلك وسيلة إلى رضوانه، و ذريعة إلى جنانه، و لا يكلنا إلى أنفسنا الداعية إلى تمحيص الأفعال، للترفع عند الجهال، و التقرب من الدنيا التي هي مطمح أنظار الأرذال، و صلى اللّه على محمّد و آله الأخيار الأطهار،

____________

(1) في البحار: حتّى جلّ لدينا في المعنى.

(2) بحار الأنوار 109: 94.

205

و كتب العبد المذنب الخاطى عبد اللّه عفى اللّه تعالى عنه. انتهى.

و في الروضات: وجدت بخط جدّي المتبحر المبرور السيد أبي القاسم جعفر، على حاشية أربعين العلامة المجلسي (رحمه اللّه)، أن المولى الفاضل التقي، و الورع المتقي، مولانا عبد اللّه التستري قدّس اللّه لطيفته، كان يقول لابنه و هو يعظه: يا بني، إني بعد ما أمرني مشايخي (رضوان اللّه عليهم) بجبل عامل بالعمل برأيي، ما ارتكبت مباحا بل و لا مندوبا إلى الآن، حتى الأكل و الشرب و النوم و النكاح أو الجماع، و كان يعد ذلك بأصابعه، و كان لفظ النكاح أو لفظ الجماع رابع ما عدّه بإصبعه، و هو (رحمه اللّه) أصدق من أن يتوهم في مقاله غير مخّ الحقيقة، أو محض الحقّية.

و قال المولى محمّد تقي المجلسي (رحمه اللّه) في شرح الفقيه: إن شيخنا المذكور من شدّة احتياطه كان يقص ظفره في جميع أيام الأسبوع، قال: فرأيته في يوم الثلاثاء يقلم أظفاره فقلت: يا شيخنا؛ تقليم الأظفار في يوم الثلاثاء مذموم، قال: بل يستحب التقليم متى طال الظفر، فقلت له: و أين الطول؟

ثم أين الظفر؟

و قال صاحب حدائق المقربين (1): نقل أنه جاء يوما إلى زيارة شيخنا البهائي، فجلس عنده ساعة إلى أن أذّن المؤذّن، فقال الشيخ: صلّ صلاتك هاهنا لأن نقتدي بك، و نفوز بفوز الجماعة، فتأمّل ساعة ثم قام و رجع إلى المنزل، و لم يرض بالصلاة في جماعة هناك.

فسأله بعض أحبته عن ذلك و قال: مع غاية اهتمامك في الصلاة في أول الوقت، كيف لم تجب الشيخ الكذائي إلى مسئوله؟ فقال: راجعت إلى نفسي سويعة فلم أر نفسي لا تتغير بإمامتي لمثله، فلم أرض بها!!.

____________

(1) و هو العالم الجليل الأمير محمد صالح الخاتون‌آبادي صهر العلّامة المجلسي. (منه (قدس سره).

206

و نقل عنه أيضا: أنه كان يجب ولده المولى حسن علي كثيرا، فاتفق أنّه مرض شديدا، فحضر المسجد لأداء صلاة الجمعة مع تفرقة حواسه، فلمّا بلغ في سورة المنافقين إلى قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تُلْهِكُمْ أَمْوٰالُكُمْ وَ لٰا أَوْلٰادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ (1) جعل يكرّر ذلك، فلمّا فرغ سألوه عن ذلك، فقال: إني لمّا بلغت هذا الموضع، تذكرت ولدي، فجاهدت مع النفس بتكرار هذه الآية إلى أن فرضته ميّتا، و جعلت جنازته نصب عيني، فانصرفت عن الآية.

قال: و كان من عبادته أنّه لا يفوت منه شي‌ء من النوافل، و كان يصوم الدهر، و يحضر عنده في جميع الليالي جماعة من أهل العلم و الصلاح، و كان مأكوله و ملبوسه على أيسر وجه من القناعة، و كان مع صومه الدهر كان في الأغلب يأكل مطبوخ غير اللحم.

و نقل: أنه اشترى عمامة بأربعة عشر شاهيّا (2)، و تعمّم بها أربع عشرة سنة.

و نقل المولى محمّد تقي المجلسي (رحمه اللّه) قال: خرجنا يوما في خدمته إلى زيارة الشيخ أبي البركات الواعظ في الجامع العتيق بأصبهان، و كان معمّرا في حدود المائة، فلمّا ورد جناب المولى مجلسه، و تكلّم معه في أشياء قال له الشيخ: أنا أروي عن الشيخ علي المحقق من غير واسطة، و أجزت لك روايتي‌

____________

(1) المنافقون 63: 9.

(2) نقد نحاسي ايراني يشبه البارة التركيّة أو الفلس العراقي، و الكلمة أسپانية الأصل، و كانت اسما لمسكوك من الفضّة الرائجة في تلك الديار، و معناها بالفارسيّة شاهي نحو كلمة ركاليس في اللاتين و يكون أصلها من ركس «شاه». انظر العقد المنير 1: 147.

207

عنه، ثم أمر بأن يوضع عنده قصعة من ماء القند، فلما رآها المولى قال: لا يشرب هذه الشربة إلّا المريض، فقرأ الشيخ: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّٰهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ وَ الطَّيِّبٰاتِ مِنَ الرِّزْقِ (1) ثم قال: و أنت رئيس المؤمنين، و إنّما خلق أمثال ذلك لأجل أمثالك من المؤمنين، فقال: أعذرني في ذلك، فإنّي إلى الآن كنت أزعم أن ماء القند لا يشربه إلّا المريض (2).

و في الرياض: قال صاحب تاريخ عالم آراء في المجلّد الآخر منه بالفارسية ما معناه: إن المولى (3) عبد اللّه المذكور مرض يوم الجمعة الرابع و العشرين من شهر محرم الحرام سنة إحدى و عشرين و ألف، و عاده يوم السبت السيد الداماد، و الشيخ لطف اللّه الميسي العاملي، اللذين كانا يناقشانه في المباحث العلمية، و المسائل الاجتهادية، و لمّا عاداه عانقهما، و عاشرهما في غاية الفرح و السرور، ثم في ليلة الأحد السادس و العشرين من الشهر المذكور قريبا من الصبح بعد ما أقام صلاة الليل و النوافل خرج من البيت ليلا حظ الوقت فلمّا رجع سقط، و لم يمهله الأجل للمكالمة، و اتصل روحه بالملأ الأعلى.

____________

(1) الأعراف 7: 32.

(2) روضات الجنّات 4: 238.

(3) جاء في هامش المخطوط:

و من المشهور ان طلاب المولى المذكور نقلوا له بعض الكلمات الغريبة عن السيد الداماد و أصروا عليه السؤال عن المير عند ما يكتب إليه انّ الطلاب ينقلون عنكم كذا و كذا فما مرادكم فأجابه المير بتحقيق تلك المباحث فأورد الطلاب على كلامه و أصرّوا على المولى المذكور نقل ايراداتهم على كلامه فأجابه المير بالفارسيّة بقوله:

عزيز الوجودا جواب است * * * اين نه چنگ است

كلوخ انداز را * * *پاداش سنگ است

رحم اللّه امرء عرف قدره و لم يتعدّ طوره إلى آخر كلامه المشهور.

208

و كان (رحمه اللّه) في الكمالات النفسانية و التقوى، و ترك المستلذات الدنيوية على الدرجة العليا، و كان يكتفي في المأكول و المشروب بسدّ الرمق، و كان في أكثر أيامه صائما، و يفطر على الطبيخ الشوربا بلا لحم، و قد سكن في مشهد عليّ و الحسين (عليهما السلام) قريبا من ثلاثين سنة، في خدمة المولى المجتهد المغفور مولانا أحمد الأردبيلي رضي اللّه عنه، و كان يستفيد من خدمته العلوم و الفضائل و المسائل، و يقال أنّه أجاز له في إقامة الجمعة و الجماعة و تلقين المسائل الاجتهادية أيضا.

ثم إن يوم وفاته (قدس سره) كانت نوحة الناس عليه كثيرة شديدة، و كانت الأشراف و الأعيان يسعون في وصول أيديهم إلى تحت جنازته تيمّنا و تبرّكا به، و لا يتيسر لهم لغلوّ (1) الناس و ازدحامهم، و جاءوا بجنازته إلى المسجد الجامع العتيق بأصبهان، و غسلوه فيه بماء البئر، و صلّى عليه السيد الداماد في جماعة من العلماء، و أودعوا جنازته في مقبرة إمام زاده إسماعيل، ثم نقلوها إلى مشهد الحسين (عليه السلام) (2). انتهى.

قال صاحب الرياض: أقول: استفادته من المولى أحمد الأردبيلي و لا سيّما قريبا من ثلاثين سنة، بل في إقامته في تلك الأماكن المشرفة في تلك المدة غير مستقيم، فلا حظ. انتهى (3).

و قد ظهر مما مرّ أنه (رحمه اللّه) يروي:

1- عن المولى أحمد الأردبيلي.

2- و عن الشيخ الجليل أحمد بن نعمة اللّه، صاحب القيود و الحواشي‌

____________

(1) الغلو: تصلّب و تشدد حتى تجاوز الحد و المقدار، قاله الطريحي في مجمع البحرين- غلا- 1:

318.

(2) تاريخ عالم آرا 2: 859.

(3) رياض العلماء 3: 203.

209

و المؤلفات التي منها مقتل الحسين (عليه السلام)، و في الأمل: كان عالما فاضلا زاهدا عابدا شاعرا أديبا (1).

عن والده المعظم الشيخ الأجلّ الفرد العلم نعمة اللّه بن العالم الجليل الشيخ شهاب الدين أبي العباس أحمد بن البحر القمقام شمس الدين محمّد ابن خاتون العاملي العيناثي.

في الرياض: هو من أجلّة علماء الإمامية و فقهائها، و أحد الفقهاء المعروف: بابن خاتون، و كان هو و والده و جدّه و سائر سلسلته أهل بيت العلم، و لم يعثر على مؤلفاته إلّا على رسالة مختصرة في العدالة (2).

3- و قد عرفت أن المولى الجليل المتقدم (3) يروي عنه بلا واسطة أيضا.

عن والده المعظم أبي العباس أحمد.

4- و عن أبي الحسن علي بن عبد العالي الكركي المحقق، الآتي (4) ذكره الشريف.

قال سبطه في إجازته المتقدمة للمولى عبد اللّه (5): و هما يرويان عن الجدّ الأكمل الأفضل، المحقق المدقق، شمس الدين محمّد بن خاتون.

و تأتي تتمة الطريق في ترجمة المحقق الثاني (6)، إن شاء اللّه تعالى.

و نقل في الرياض عن معاصره صاحب الأمل أن الشيخ نعمة اللّه يروي عن الشهيد الثاني (7)، مع أنه صرح في ترجمته بأنّه كان من تلامذة الشيخ علي‌

____________

(1) أمل الآمل 1: 40.

(2) رياض العلماء 5: 247.

(3) تقدم في صفحة: 201، و هو: المولى عز الدين عبد اللّه بن الحسين التستري.

(4) يأتي في صفحة: 277 و 278.

(5) هو عبد اللّه بن حسين بن حسين الششتري، و قد تقدمت الإجازة في صفحة: 203، و انظر كذلك البحار 109: 95.

(6) تأتي ترجمته في صفحة: 277 إلى 291.

(7) أمل الآمل 2: 70/ 193.

210

الكركي (1)، فاستشكل بأنّ الشهيد يروي عن المحقق الكركي بواسطة و تارة بواسطتين، قال: و لكن بالبال أن هذا الشيخ عمّر عمرا طويلا فلا إشكال.

انتهى (2).

و يأتي أن عدم رواية الشهيد عن المحقق الثاني لم تكن لتأخّر زمانه، بل لعدم ملاقاته، كيف و هو يروي عن شيخه الجليل علي بن عبد العالي الميسي المعاصر لسميه الكركي، و كان بين وفاتيهما أربع سنين؟ و يأتي أيضا أن الشهيد يروي عن والد الشيخ نعمة اللّه: أبي العباس أحمد، فالإشكال ساقط من أصله.

[الثامن عشر ابن عمة والده الشيخ عبد اللّه بن جابر العاملي]

الثامن عشر: من مشايخ العلامة المجلسي، الفاضل الصالح ابن عمة والده الشيخ عبد اللّه بن العالم الشيخ جابر العاملي.

في الأمل: كان عالما عاملا، عابدا، فقيها (3).

1- عن والده الجليل الشيخ جابر (4).

عن المحقق الثاني (رحمه اللّه) (5).

(حيلولة):

و عن الشيخ عبد اللّه.

2- عن جدّ والد المجلسي من قبل امه العالم الجليل المولى كمال الدين درويش محمّد بن العالم الصالح الشيخ حسن العاملي النطنزي، ثم‌

____________

(1) أمل الآمل 1: 189/ 204.

(2) رياض العلماء 5: 248.

(3) أمل الآمل 1: 112/ 105.

(4) لم يرد لهذا الطريق ذكر في المشجرة بل ورد الطريق التالي فقط و هو: الشيخ عبد اللّه العاملي، عن المولى درويش عن المحقق الثاني.

و لا يخفى ان الشيخ العاملي من مشايخ المولى محمد تقي و ولده محمد باقر المجلسيان.

(5) هذا أقصر طرق الميرزا النوري (رحمه اللّه) و أعلاه إلى المحقّق الثاني الكركي، فلاحظ.

211

الأصفهاني، كان- كما في الرياض- من أكابر ثقات العلماء (1).

و في اللؤلؤة: هو أوّل من نشر الحديث في الدولة الصفوية بأصبهان (2).

و في الأمل: كان فاضلا صالحا زاهدا، من المشايخ و الأجلاء (3).

و في مناقب الفضلاء للأمير محمّد حسين سبط العلامة المجلسي: كانت أم المولى محمّد تقي بنتا للمولى كمال الدين، و هذا المولى كمال الدين في الزهد و العبادة، و هو مدفون في نطنز، و له قبّة معروفة (4).

و في صلاة البحار بعد ذكر دعاء الصباح المعروف لأمير المؤمنين (عليه السلام): و لم أجده في الكتب المعتبرة إلّا مصباح السيد ابن الباقي، و وجدت منه نسخة: قرأ المولى الفاضل مولانا درويش محمّد الأصفهاني- جدّ والدي من قبل أمّه رحمة اللّه عليهما- على العلامة مروّج المذهب نور الدين علي بن عبد العالي الكركي (قدّس اللّه روحه) فأجازه، و هذه صورتها: الحمد للّه، قرأ عليّ هذا الدعاء و الذي قبله، عمدة الفضلاء الأخيار الصلحاء، مولانا كمال الدين درويش محمّد الأصبهاني- بلّغه اللّه تعالى ذروة الأماني- قراءة تصحيح.

كتبه الفقير علي بن عبد العالي في سنة تسع و ثلاثين و تسعمائة حامدا مصليّا (5). انتهى.

عن المحقق الثاني بطرقه الآتية (6).

و هذا السند من أعلى طرق المجلسي، حيث يروي عن المحقق بواسطتين.

____________

(1) رياض العلماء 2: 271.

(2) لؤلؤة البحرين: 150، و فيه:. بعد الدولة.

(3) أمل الآمل 1: 141/ 153.

(4) مناقب الفضلاء: مخطوط.

(5) بحار الأنوار 94: 246.

(6) تأتي في صفحة: 291.

212

[التاسع عشر والده المولى محمّد تقي المجلسي]

التاسع عشر من مشايخه: والده المعظم، و البحر الخضم، المولى محمّد تقي المستغني عن الإطراء و المدح، غير أنّا نذكر بعض عبارات الأجلّاء الكرام، أداء لبعض حقوقه على الإسلام.

قال النقّاد الخبير الحاج محمّد الأردبيلي في جامع الرواة: محمّد تقي بن المقصود علي الملقب بالمجلسي، وحيد عصره، فريد دهره، أمره في الجلالة و الثقة و الأمانة، و علوّ القدر و عظم الشأن و سموّ الرتبة، و التبحر في العلوم أشهر من أن يذكر، و فوق ما تحوم حوله العبارة، أورع أهل زمانه و أزهدهم، و أتقاهم و أعبدهم، بلغ فيضه دينا و دنيا بأكثر أهل زمانه من العوام و الخواص، و نشر أخبار الأئمة (عليهم السلام) بأصبهان.

قال: توفي (قدس اللّه روحه الشريف) سنة 1070، و له نحو من سبع و ستين سنة (1).

و قال صاحب مرآة الأحوال، في طيّ أحواله: و أساس فضله و كماله أعلى من أن يحكيه لسان القلم، و بعد فراغه من التحصيل أتى إلى النجف الأشرف، و اشتغل بالرياضات و تهذيب الأخلاق و تصفية الباطن، حتى صار متّهما بالتصوف، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا، و يستفاد من شرحه للجامعة الكبيرة أنّه فاز بسعادة لقاء صاحب الأمر (عليه السلام) في اليقظة و المنام (2).

و قال المحقق الكاظمي في أوّل المقابيس: و منها: المقدسي، للشيخ الأجل الأكمل الأفضل الأوحد الأعلم، الأعبد الأزهد الأسعد، جامع الفنون العقلية و النقلية، حاوي الفضائل العلمية و العملية، صاحب النفس القدسيّة، و السمات الملكوتيّة، و الكرامات السنّية، و المقامات العليّة، ناشر‌

____________

(1) جامع الرواة 2: 82.

(2) مرآة الأحوال: غير متوفرة لدينا.

213

الأخبار الدينيّة، و الآثار اللدنيّة، و الأحكام النبويّة، و الأعلام الإماميّة، العالم العلم الرباني، المؤيد بالتأييد السبحاني، المولى محمّد تقي بن مجلسي الأصبهاني. إلى آخره (1).

و قال صاحب «حدائق المقربين» كما في الروضات: إنه كان تلميذا للمولى عبد اللّه الشوشتري، و الشيخ بهاء الدين محمّد العاملي، و كان في علوم الفقه و التفسير و الحديث و الرجال فائق أهل الدهر، و في الزهد و التقوى و العبادة و الورع و ترك الدنيا تاليا تلو أستاذه الأول، مشتغلا طول حياته بالرياضات و المجاهدات، و تهذيب الأخلاق و العبادات، و ترويج الأحاديث، و السعي في حوائج المؤمنين، و هداية الخلق، و انتشر بيمن همّته أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، و اهتدى بنور هدايته الجمّ الغفير (2).

و نقل في بعض مؤلفاته الرائقة قال: اتفق لي التشرّف بزيارة العتبات العاليات، فلمّا وردت النجف الأشرف أخذني الشتاء، فعزمت على الإقامة هناك طول الفصل، و رددت دابة الكراء. فرأيت ليلة في الطيف إذا أنا بأمير المؤمنين (عليه السلام) يلاطفني كثيرا و يقول لي: لا تقم بعد ذلك هاهنا، و اخرج إلى بلدك أصفهان، فإنّ وجودك في ذلك المكان أنفع و أبرّ. و لما كان اشتياقي في التشرف بخدمته المقدّسة كثيرا، بالغت في استدعاء الرخصة منه في التوقف، فلم يقبل من ذلك شيئا، و قال: إنّ الشاه عباس قد توفي في هذه السنة، و إنّما يجلس مجلسه الشاه صفي الصفوي، و يحدث في بلادكم الفتن الشديدة، و اللّه تبارك و تعالى يريد أن تكون في مثل هذه النائرة بأصبهان باذلا جهدك في هداية الخلق، أنت تريد أن تجي‌ء إلى باب اللّه وحدك، و اللّه يريد أن تجي‌ء إليه- بيمن‌

____________

(1) مقابس الأنوار: 17.

(2) روضات الجنات 2: 120.

214

هدايتك- سبعون ألفا، فارجع إليهم فإنّه لا بدّ لك من الرجوع.

فرجعت بعد هذه الواقعة إلى أصفهان، و قصصت ما رأيته لبعض خواصي، و هو عرضها بخدمة النواب الرضوان مكان (1) يريد به الشاه صفيّ المذكور، و كان في تلك الأيام في المدرسة الصفوية، فلم يمض إلّا قليل حتى ورد الخبر بأن النواب الخاقان المتقدم قد قبض إلى رحمة اللّه في سفر مازندران، و جلس النواب الشاه صفيّ مكانه.

و كان ينقل عنه أستاذنا المولى محمّد باقر المجلسي (رحمه اللّه) كرامات عديدة و أمورا عجيبة، و منامات غريبة، و مرائي صادقة (2). انتهى ما أردنا نقله.

و قد ذكرنا بعض مناماته الصادقة العجيبة في رسالتنا الفيض القدسي (3)، و ذكرنا فيها نبذة من أحوال ذريّته المباركة الأبرار الأخيار، العلماء النجباء، الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت، و فرعها في السماء.

و هذا المولى الجليل يروي:

عن جمّ من حملة الشريعة و عيون الشيعة.

أوّلهم: الشيخ الأجل المولى عبد اللّه الشوشتري، المتقدم (4) ذكره.

ثانيهم: المحقق الداماد، الآتي ذكره (5).

ثالثهم: الشيخ الفاضل العابد الشيخ يونس الجزائري.

عن الشيخ الجليل عبد العالي.

____________

(1) كلمة فارسية بمعنى: ساكن الجنان.

(2) روضات الجنات 2: 121.

(3) راجع بحار الأنوار 105: 112

(4) تقدم في: صفحة: 201، و لقب فيها بالتستري و هو واحد.

(5) يأتي في صفحة: 248.

215

عن والده المحقق الثاني.

رابعهم: السيد السند السيد حسين بن السيد حيدر الكركي، و قد تقدم (1).

خامسهم: القاضي أبو الشرف الأصفهاني، و قد تقدم في مشايخ ولده المعظم (2).

سادسهم: الشيخ عبد اللّه بن جابر، كما يظهر من آخر الوسائل (3)، و هو أيضا من مشايخ ولده الجليل، كما تقدم (4).

سابعهم: الفاضل الصالح الشيخ جابر بن عباس النجفي (5).

عن العالم الفاضل الجليل الشيخ عبد النّبي بن الشيخ سعد الجزائري النجفي الحائري، صاحب كتاب حاوي الأقوال في معرفة الرجال، الذي قسمه على أربعة أقسام، و قد تقدم ذكره في مشايخ ولده و مشايخ المحدث الجزائري (6).

ثامنهم: المحقق النحرير القاضي (7) معزّ الدين محمّد بن تقي الدين‌

____________

(1) تقدم في: الجزء الأول صفحة: 298، و في الفائدة الثالثة: 193.

(2) انظر صفحة: 200.

(3) وسائل الشيعة 20: 52.

(4) تقدم في: 210.

(5) سقط من المشجرة الطريق السابع هذا، و الذي فيه رواية الشيخ جابر النجفي، عن الشيخ عبد النبي الجزائري، عن الشيخ علي الميسي فقط من دون ذكر لرواية أحد عنه- الشيخ جابر النجفي-.

(6) تقدم في: 160، 161، 178.

(7) قال العلّامة المجلسي في إجازته لبعض تلامذته المسطورة صورتها في آخر إجازات البحار عن ذكره لمشايخ والده المولى محمد تقي [انظر البحار 110: 75] ما لفظه:

و العالم النحرير القاضي معز الدين محمد بن القاضي جعفر الأصفهاني و هو يروي عن الشيخ عبد العالي ابن المحقق الكركي المتوفّى سنة 993.

أقول: أما السيد المير معز الدين محمد بن الأمير محمد بن المير تقي محمد الأصفهاني الحسيني فهو مقدم على هذا القاضي، و هو من السادة الحسينيّة، و هو المجاز عن الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي في سنة 928، ففي هذا المقام سهو قلم من شيخنا العلّامة النوري طاب ثراه، و كأنه حين كتابة المقام لم يرجع إلى البحار. (الجاني آقا بزك الطهراني).

216

الأصفهاني القاضي بأصفهان في عصر السلطان الشاه عباس الماضي.

و في الرياض: كان من الفقهاء و المتكلمين، و الماهرين في العلوم الرياضيّة (1). و وصفه التقي المجلسي في إجازته بقوله: العلّامة الفهّامة (2).

و ولده في إجازات البحار بقوله: سلطان الحكماء، و برهان العلماء، معزّ الدولة القاضي معزّ الدين (3). إلى آخره.

1- عن العالم الجليل الشيخ عبد العالي ابن المحقق الكركي، الآتي ذكره (4).

2- و عن الأجل الأكمل النقاد الورع الخبير أبي إسماعيل الشيخ إبراهيم ابن سليمان القطيفي البحراني الخطي الغروي، هو العالم الفاضل الصالح المحقق المعاصر للمحقق الثاني، صاحب التصانيف الرائقة، و الإجازات النافعة، و المقامات العالية.

و في اللؤلؤة: إن القائم (عليه السلام) دخل عليه في صورة رجل كان يعرفه و سأله عن أبلغ آية في الموعظة، فقرأ الشيخ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيٰاتِنٰا لٰا يَخْفَوْنَ عَلَيْنٰا أَ فَمَنْ يُلْقىٰ فِي النّٰارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيٰامَةِ اعْمَلُوا مٰا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (5) فقال له الامام (عليه السلام): صدقت يا شيخ،

____________

(1) رياض العلماء 5: 47.

(2) بحار الأنوار 110: 75.

(3) بحار الأنوار 110: 22.

(4) يأتي في: صفحة: 251.

(5) فصلت 41: 40.

217

ثم خرج. فسأل عنه أهل بيته، فقالوا: ما رأينا داخلا و لا خارجا (1). انتهى.

عن مروّج الملة و المذهب و الدين المحقق الثاني.

3- و عن شيخه الذي قال- في حقّه-: المحقق المدقق أفضل عصره، و زبدة دهره، المعتمد على اللّه الخلّاق، إبراهيم بن حسن الدرّاق (2).

عن العالم الجليل علي بن هلال الجزائري، أستاذ المحقق الثاني، الآتي (3) ذكره، إن شاء اللّه تعالى.

تاسعهم: الشيخ الأعظم و الواعظ المعظم، الشيخ أبو البركات (4).

عن المحقق الثاني (رحمه اللّه).

عاشرهم: السيد النحرير المدقق المبرّز في فنون العلوم، ظهير الدين إبراهيم بن الحسين الحسيني الهمداني (5)، كذا وصفه في مناقب الفضلاء و قال:

هو المعروف بميرزا إبراهيم الهمداني، كان فاضلا حكيما، له تأليفات، منها حاشية على إلهيّات الشفاء، و كان مخلوطا مربوطا مع شيخنا البهائي طاب ثراه، و بينهما مكاتبات لطيفة (6).

عن شيخه الجليل محمّد بن أحمد بن نعمة اللّه بن خاتون العاملي.

عن والده المحقق شهاب الدين أحمد.

و جدّه العلامة الشيخ نعمة اللّه. إلى آخر ما تقدّم (7).

____________

(1) لؤلؤة البحرين: 160.

(2) في المشجرة: إبراهيم بن أبي الوراق. و ما هنا أصح.

(3) يأتي في: 291.

(4) لم يرد في المشجرة.

(5) لم يرد في المشجرة.

(6) مناقب الفضلاء: مخطوط.

(7) تقدم في: 209.

218

حادي عشرهم (1): العالم النحرير، المتبحر البصير، الجامع الخبير، حاوي فنون الفضائل، شيخ الإسلام و المسلمين، بهاء الملّة و الحق و الدين، محمّد ابن العالم الجليل حسين بن عبد الصمد ابن العالم الرباني صاحب الكرامات الباهرة، شمس الدين محمّد بن علي بن حسن بن محمّد بن صالح الجبعي اللويزاني الحارثي، لانتهاء (2) نسبه الشريف إلى الحارث بن عبد اللّه الأعور الهمداني- بسكون الميم- الحوتي، بضم المهملة و بالمثناة فوق، الكوفي، أبو زهير صاحب أمير المؤمنين (عليه السلام)، و من أوليائه، و هو المخاطب في قوله (عليه السلام):

يا حار همدان من يمت يرني.

الأبيات المعروفة المنسوبة إليه في كلمات جماعة حتى الشيخ المفيد في كتاب المقالات (3). إلّا أنّه (رحمه اللّه) أخرج في أماليه خبرا مسندا عن الأصبغ بن‌

____________

(1) ذكر الميرزا النوري (رحمه اللّه) هنا للمولى المجلسي الكبير أحد عشر طريقا، لم يتعرض لثلاثة منهم في المشجرة و هم:

1- الشيخ أبو البركات.

2- و السيد إبراهيم بن الحسين الحسيني.

3- و الشيخ جابر بن عباس النجفي.

و في المشجرة أحد عشر طريقا أيضا، إلّا انّه لم يتعرض لذكر ثلاثة منهم و هم:

1- المير شرف الدين المتوفّى سنة 1060 ه‍.

2- الشيخ حسن بن زين الدين صاحب المعالم.

3- المولى حسين علي التستري 1075 ه‍.

فصار مجموع مشايخ المولى محمد تقي المجلسي- جمعا بين المستدرك و المشجرة- أربعة عشر شيخا.

(2) كما صرّح به الشهيد الثاني في إجازته للشيخ حسين بن عبد الصمد والد صاحب الترجمة (آقا بزرك).

(3) أوائل المقالات: 85.

219

نباتة قال: دخل الحارث الأعور على أمير المؤمنين (عليه السلام) في نفر من الشيعة و كنت فيهم، فجعل الحارث يتئد في مشيته و يخبط الأرض بمحجنه (1)، و كان مريضا فأقبل عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) و كانت له منزلة فقال: كيف تجدك يا حارث؟

فقال: نال الدهر- يا أمير المؤمنين- مني، و زادني أوارا (2) و غليلا اختصام أصحابك ببابك.

قال: و فيم خصومتهم؟

قال: فيك و في الثلاثة من قبلك، فمن مفرّط منهم غال، و مقتصد قال، و من متردد مرتاب لا يدري أ يقدم أم يحجم.

فقال: حسبك يا أخا همدان، ألا إن خير شيعتي النمط الأوسط، إليهم يرجع الغالي، و بهم يلحق التالي.

فقال له الحارث: لو كشفت فداك أبي و أمي الرين عن قلوبنا، و جعلتنا في ذلك على بصيرة من أمرنا؟

قال: قدك (3)، فإنّك امرؤ ملبوس عليك، إنّ دين اللّه لا يعرف بالرجال، بل بآية الحق، فاعرف الحق تعرف أهله.

يا حارث، إن الحق أحسن الحديث، و الصادع به مجاهد، و بالحق‌

____________

(1) يخبط الأرض: أي: يطؤها بشدّة، و هو مستعمل أصلا لمشي البعير، لأنّه يضرب الأرض بشدّة.

بمحجنه: أي بعصاه المعوج رأسها.

(2) الأوار: شدّة حر الشمس، و لفح النار و وهجها، و العطش، و من كلام لأمير المؤمنين (عليه السلام): فإن طاعة اللّه حرز من أوار نيران موقدة. انظر (لسان العرب- أور- 4: 35).

(3) في المخطوطة و الحجرية: ندل. و المثبت من المصدر و معناه ان أخذت اسم فعل: يكفي.

و ان أخذت اسما فهي بمعنى حسب.

هذا على أن تقرأ بالتخفيف، و أمّا التشديد فهو غلط واضح.

220

أخبرك، فأرعني سمعك، ثم خبّر به من كان له حصافة من أصحابك.

ألا إنّي عبد اللّه و أخو رسوله و صدّيقه الأول في أمتكم (1) حقّا، فنحن الأولون، و نحن الآخرون، و نحن خاصّته- يا حارث- و خالصته.

و أنا صنوه و وصيّه و وليّه و صاحب نجواه و سرّه، أوتيت فهم الكتاب، و فصل الخطاب، و علم القرون و الأسباب، و استودعت ألف مفتاح، كلّ مفتاح يفتح ألف باب، يفضى كلّ باب إلى ألف (2) عهد، و أيدت و اتّخذت، و أمددت بليلة القدر نفلا، و إن ذلك يجري لي و لمن استحفظ من ذريتي ما جرى الليل و النهار، حتى يرث الأرض و من عليها.

و أبشرك- يا حارث- لتعرفني عند الممات، و عند الصراط، و عند الحوض، و عند المقاسمة.

قال الحارث و ما المقاسمة؟.

قال: مقاسمة النار، أقاسمها قسمة صحيحة، أقول: هذا ولييّ فاتركيه، و هذا عدوّي فخذيه.

ثمّ أخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) بيد الحارث فقال: يا حارث أخذت بيدك كما أخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيدي فقال لي- و قد شكوت إليه حسد قريش و المنافقين لي-: إنّه إذا كان يوم القيامة أخذت بحبل اللّه و حجزته- يعني عصمته- من ذي العرش تعالى، و أخذت يا علي أنت بحجزتي، و أخذت ذريّتك بحجزتك، و أخذ شيعتكم بحجزتكم، فما ذا يصنع اللّه بنبيّه، و ما يصنع نبيّه بوصيّة! خذها إليك يا حارث قصيرة من طويلة، أنت مع من أحببت، و لك ما اكتسبت (يقولها ثلاثا).

____________

(1) في المصدر: صديقه الأول صدقته و آدم بين الروح و الجسد ثم انّي صديقه الأول في امّتكم.

(2) ورد في المصدر: ألف ألف.

221

فقام الحارث يجرّ رداءه و هو يقول: ما أبالي بعدها متى لقيت الموت أو لقيني.

قال جميل بن صالح (1): و أنشدني أبو هاشم السيد الحميري (رحمه اللّه) فيما تضمّنه هذا الخبر:

قول علي لحارث عجب * * *كم ثمّ أعجوبة له حملا

يا حار همدان من يمت يرني (2) و ساق الأبيات الدائرة، و هذا الخبر صريح في أن الأبيات للسيد، و إنّما نظم مضمون كلامه (عليه السلام)، و اللّه العالم.

و هذا الشيخ (3) أحد أعيان الطائفة الإماميّة و وجهها، و من كان تشدّ إليه الرحال، و قد جمع فيه من العلوم و الفنون و الفضائل و الخصال و المقبوليّة عند الكافّة على اختلاف مشاربهم و آرائهم و عقائدهم ما لم يجتمع في غيره، و قد أكثر المترجمون من ذكر فضائله و مناقبه، و نحن نقتصر على نقل ما ذكره بعض علماء السنة في ترجمته، و منه يظهر مقامه عند الأصحاب.

قال المولى محمّد المحبّي في خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر:

محمّد بن حسين بن عبد الصمد، الملقب ببهاء الدين بن عزّ الدين الحارثي العاملي الهمداني، صاحب التصانيف و التحقيقات، و هو أحقّ من كلّ حقيق بذكر أخباره و نشر مزاياه، و إتحاف العالم بفضائله و بدائعه، و كان أمّة مستقلة في الأخذ بأطراف العلوم، و التضلّع بدقائق الفنون، و ما أضنّ الزمان سمح بمثله‌

____________

(1) هو أحد رجال سند الخبر، يروي عن أبي خالد الكابلي عن الأصبغ. إلى آخره. (منه (قدس سره)

(2) أمالي المفيد: 3/ 3.

(3) أي: الشيخ البهائي.

222

و لا جاد بندّه، و بالجملة فلم تتشنف الأسماع بأعجب من أخباره (1).

و قد ذكره الشهاب في كتابه (2)، و بالغ في الثناء عليه.

و ذكره السيد علي بن معصوم و قال: ولد ببعلبك عند غروب شمس يوم الأربعاء لثلاث عشر بقين من ذي الحجّة سنة ثلاث و خمسين و تسعمائة، و انتقل به أبوه إلى بلاد العجم، و أخذ عن والده و غيره من الجهابذة، كالعلّامة عبد اللّه اليزدي، حتى أذعن له كلّ مناظر و منابذ، فلمّا اشتدّ كاهله و صفت له من العلم مناهله، ولّي بها شيخوخة الإسلام، ثم رغب في الفقر و السياحة، و استهب من مهاب التوفيق رياحه، فترك المناصب و مال لما هو لحاله مناسب، فحج بيت اللّه الحرام، و زار النبي عليه الصلاة و السلام، ثمّ أخذ في السياحة فساح ثلاثين سنة، و اجتمع في أثناء ذلك بكثير من أهل الفضل.

ثم عاد و قطن بأرض العجم، و هناك همي غيث فضله و انسجم، فألّف و صنّف، و قرط المسامع و شنّف، و قصدته علماء تلك الأمصار، و اتفقت على فضله إسماعهم و الأبصار، و غالت تلك الدولة في قيمته، و استمطرت غيث الفضل من ديمته، فوضعته على مفرقها تاجا، و أطلعته في مشرقها سراجا وهّاجا، و تبسمت به دولة سلطانها شاه عباس، و استنارت بشموس رأيه عند اعتكار حنادس البأس، فكان لا يفارقه سفرا و حضرا و لا يعدل عنه سماعا و نظرا، إلى أخلاق لو مزج بها البحر لعذب طعما، و آراء لو كحلت بها الجفون لم يلف أعمى، و شيم هي في المكارم غرر و أوضاح، و كرم بارق جوده لشائمه لا مع وضّاح، تنفجر ينابيع السماح من نواله، و يضحك ربيع الافضال من بكاء عيون آماله.

____________

(1) خلاصة الأثر 3: 440.

(2) ريحانة الألبّاء 1: 702/ 32.

223

و كانت له دار مشيّدة البناء، رحبة الفناء، يلجأ إليها الأيتام و الأرامل، و يغدو عليها الراجي و الآمل، فكم مهد بها وضع، و كم طفل بها رضع، و هو يقوم بنفقتهم بكرة و عشيّا، و يوسعهم من جاهه جنابا مغشيّا، مع تمسك من التقي بالعروة الوثقى، و إيثار الآخرة على الدنيا، و الآخرة خير و أبقى، و لم يزل آنفا من الانحياز إلى السلطان، راغبا في الغربة عن الأوطان، يؤمل العود إلى السياحة، و يرجو الإقلاع عن تلك الساحة، فلم يقدر له حتى وافاه حمامه، و ترنّم على أفنان الجنان حمامه (1).

و قد أطال أبو المعالي الطالوي (2) في الثناء عليه، و كذلك البديعي (3)، ثم نقل عن الطالوي أنّه ولد بقزوين، و أخذ عن علماء تلك الدائرة، ثم خرج من بلده و تنقلت به الأسفار إلى أن وصل إلى أصفهان، فوصل خبره إلى سلطانها شاه عباس، فطلبه لرئاسة علمائها، فوليها و عظم قدره، و ارتفع شأنه، إلّا إنّه (4) لم يكن على مذهب الشاة في زندقته، لانتشار صيته في سداد دينه، إلّا أنّه غالى في حبّ آل البيت، و ألّف المؤلّفات الجليلة، منها: التفسير المسمى بالعروة الوثقى، و الصراط المستقيم، و التفسير المسمّى بعين الحياة، و التفسير المسمّى بحبل المتين في مزايا الفرقان المبين، و مشرق الشمسين، و شرح الأربعين، و الجامع العباسي فارسي، و مفتاح الفلاح، و الزبدة في الأصول، و التهذيب في النحو، و الملخّص في الهيئة، و الرسالة الهلاليّة، و الاثنا عشريّات الخمس،

____________

(1) سلافة العصر: 290.

(2) هو درويش محمد بن احمد الطالوي الأرنقي، المتوفّى عام 1014، له سانحات دمي القصر في مطارحات بني العصر.

(3) يوسف البديعي الدمشقي الحلبي، المتوفّى عام 1073، له مؤلّفات، و لعلّ ذلك في الحدائق في الأدب.

(4) قول العالم العامي (انّه) يعني شيخنا البهائي و إن كان مذهبه التشيع إلّا انّه ليس على مذهب الشاة في زندقته. (حاشية المخطوطة).

224

و خلاصة الحساب، و المخلاة، و تشريح الأفلاك، و الرسالة الاسطرلابية، و حواشي الكشّاف، و حواشي البيضاوي، و حاشية على خلاصة الرجال، و دراية الحديث، و الفوائد الصمدية في علم العربية، و حاشية الفقيه. و غير ذلك من الرسائل المختصرة، و الفوائد المحرّرة.

و أمّا إشعاره فسأورد لك منها ما يعظم عندك موقعه، و تقف أمانيك عنده و لا تتجاوزه. قال: ثم خرج سائحا فجاب البلاد، و دخل مصر و ألّف بها كتابا سمّاه الكشكول، جمع فيه كلّ نادرة من علوم شتى.

قلت: و قد رأيته و طالعته مرّتين، مرّة بالروم و مرّة بمكة، و نقلت منه أشياء غريبة، و كان يجتمع مدّة إقامته بمصر بالأستاذ محمّد بن أبي الحسن البكري، و كان الأستاذ يبالغ في تعظيمه، فقال له مرّة: يا مولانا، أنا درويش فقير كيف تعظمني هذا التعظيم؟ قال: شممت منك رائحة الفضل.

قال: ثم قدم القدس، و حكى الرضي ابن أبي اللطف القدسي قال:

ورد علينا من مصر رجل من مهابته محترم، فنزل من بيت المقدس بفناء (1) الحرم (عليه سيماء الصلاح، و قد اتسم بلباس السياح، و قد تجنّب الناس، و أنس بالوحشة دون الإيناس، و كان يألف من الحرم) (2) فناء المسجد الأقصى، و لم يسند إليه أحد مدة الإقامة إليه نقصا، فألقي في روعي انّه من كبار العلماء الأعظم، و أجلّه أفاضل الأعاجم، فما زلت لخاطره أتقرّب، و لما لا يرضيه (3) أ تجنب (4) فإذا هو ممن يرحل إليه للأخذ عنه، و تشد له الرحال للرواية عنه،

____________

(1) في المصدر: ببناء.

(2) ما بين القوسين لم يرد في المصدر.

(3) في المصدر: و لما يرتضيه أتحبب.

(4) في المصدر زيادة: حتى آنس بي و اطمأن إلى، و ظهر من حاله لدي.

225

يسمّى بهاء الدين محمّد الهمداني الحارثي (1)، فسألته عند ذلك القراءة في بعض العلوم فقال: بشرط أن يكون ذلك مكتوم [فأجبته لسؤاله] (2) و قرأت عليه شيئا من الهيئة و الهندسة، ثم سار إلى الشام قاصدا بلاد العجم، و قد خفي عنّي أمره و استعجم (3).

قلت (4): و لما ورد دمشق نزل بمحلة الخراب عند بعض تجارها الكبار، و اجتمع به الحافظ الحسين الكربلائي القزويني أو التبريزي نزيل دمشق صاحب الروضات الذي صنّفه في مزارات تبريز، فاستنشده شيئا من شعره، و كثيرا ما سمعت أنه كان يطلب الاجتماع بالحسن البوريني، فأحضره له التاجر الذي كان عنده بدعوة و تأنّق في الضيافة، و دعا غالب فضلاء محلّتهم، فلمّا حضر البوريني إلى المجلس رأى فيه صاحب الترجمة بهيئة السياح، و هو في صدر المجلس، و الجماعة محدقون به، و هم متأدّبون غاية التأدب، فعجب البوريني و كان لا يعرفه، و لم يسمع به، فلم يعبأ به و نحّاه عن مجلسه و جلس غير ملتفت إليه، و شرع على عادته في بثّ رقائقه و معارفه إلى أن صلّوا العشاء ثم جلسوا، فابتدر البهائي في نقل بعض المناسبات، و انجرّ إلى الأبحاث، فأورد بحثا في التفسير عويصا فتكلّم عليه بعبارة سهلة فهمها الجماعة كلّهم، ثم دقق في التعبير حتى لم يبق يفهم ما يقول إلّا البوريني، ثم أغمض العبارة فبقي الجماعة‌

____________

(1) في المصدر: يسمى بالشيخ بهاء الدين الحارثي القزويني.

(2) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

(3) سانحات دمي القصر 2: 127، انظر كذلك أعيان الشيعة 9: 241.

(4) في الأعيان: قال المنيني، و هو أحمد بن علي بن عمر بن صالح بن أحمد بن سليمان بن إدريس ابن إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم، الطرابلسي الأصل، المنيني المولد، الدمشقي المنشأ، ولد في 12 محرم 1292 ه‍ بمنين من قرى دمشق و توفي بدمشق في 19 جمادى الثانية 1357 ه‍، من تآليفه: الاعلام بفضائل الشام و غيرها. انظر معجم المؤلفين 2: 15.

226

كلّهم و البوريني معهم صموتا جمودا لا يدرون ما يقول، غير أنّهم يسمعون تراكيب و اعتراضات و أجوبة تأخذ بالألباب، فعندها نهض البوريني واقفا على قدميه و قال: إن كان و لا بد فأنت البهائي الحارثي، إذ لا أجد في هذه المثابة إلا ذاك و اعتنقا، و أخذا بعد ذلك في إيراد أنفس ما يحفظان، و سأل البهائي من البوريني كتمان أمره، و افترقا تلك الليلة، ثم لم يقم البهائي فأقلع إلى حلب.

و ذكر الشيخ أبو الوفاء العرضي في ترجمته قال: قدم حلب مستخفيا في زمن السلطان مراد بن سليم، مغيّرا صورته بصورة رجل درويش، فحضر دروس الوالد- يعني الشيخ عمر- و هو لا يظهر أنه طالب علم، فسأله عن أدلّة تفضيل الصدّيق على المرتضى (عليه السلام)، فذكر حديث: ما طلعت شمس و لا غربت على أحد بعد النبيين أفضل من أبي بكر (1)، و أحاديث مثل ذلك كثيرة، فردّ عليه (2)، ثم أخذ يذكر أشياء كثيرة تقتضي تفضيل المرتضى (عليه السلام)، فشتمه الوالد و قال: رافضي شيعي! و سبّه، فسكت.

ثم إن صاحب الترجمة أمر بعض تجار العجم أن يصنع وليمة، و يجمع فيها بين الوالد و بينه، فاتخذ التاجر (3) وليمة و جمع بينهما، فأخبره أن هذا هو الملّا بهاء الدين عالم بلاد العجم. فقال للوالد: شتمتمونا. فقال له: ما علمت أنّك الملّا بهاء الدين، و لكن إيراد مثل هذا الكلام بحضور العوام لا يليق (4).

ثم ساق بعض ألغازه، و جملة من إشعاره، و قال: و كانت وفاته لاثنتي عشر خلون من شوال سنة إحدى و ثلاثين و ألف بأصبهان (5)، و نقل إلى طوس‌

____________

(1) انظر كنز العمال 11: 557/ 32622.

(2) في المصدر: فردّ على الشيخ الوالد.

(3) في المصدر: الخوجة فتحي.

(4) وردت هنا زيادة في الحجرية: ثم قال: أنا سنّي أحبّ الصحابة، و لكن كيف أفعل؟ سلطاننا شيعي يقتل العالم السنّي!؟ و لعلّها من الزيادات الغير مألوفة.

(5) معادن الذهب: 287/ 54، و انظر كذلك أعيان الشيعة 9: 237.

227

قبل دفنه، فدفن بها في داره قريبا من الحضرة الرضوية.

و حكى بعض الثقات أنّه قصد قبيل وفاته زيارة القبور في جمع من الإخلاء الأكابر، فما استقرّ بهم الجلوس حتى قال لمن معه: إنّي سمعت شيئا فهل منكم من سمعه؟

فأنكروا سؤاله و استغربوا مقاله و سألوه عمّا سمع، فأوهم و عمّى في جوابه و أبهم.

ثم رجع إلى داره و أغلق بابه، فلم يلبث أن إهاب داعي الردى فأجابه.

قلت: و يؤيد ما حكاه بعض الثقات، ما ذكره التقي المجلسي في ترجمته في شرح مشيخة الفقيه، قال- بعد ذكر نسبه-: شيخنا و أستاذنا، و من استفدنا منه، بل كان الوالد المعظّم، شيخ الطائفة، جليل القدر، عظيم الشأن، كثير الحفظ، ما رأيت بكثرة علومه، و وفور فضله، و علوّ مرتبته أحدا. إلى أن قال:

و كان عمره بضعا و ثمانين سنة- امّا واحد أو اثنين- فإنّي سألت عن عمره فقال:

ثمانون أو أنقص بواحدة. ثم توفي بعده بسنين، و سمع قبل وفاته بستّة أشهر صوتا من قبر بابا ركن الدين رضي اللّه عنه، و كنت قريبا منه فنظر إلينا و قال:

سمعتم ذلك الصوت؟ فقلنا: لا. فاشتغل بالبكاء و التضرع، و التوجه إلى الآخرة، و بعد المبالغة العظيمة قال: إنّي أخبرت بالاستعداد للموت، و بعد ذلك بستّة أشهر تقريبا توفّي، و تشرّفت بالصلاة عليه مع جميع الطلبة و الفضلاء و كثير من الناس يقربون من خمسين ألفا (1). انتهى.

و سمعت مذاكرة من بعض المشايخ المتبحرين أن الكلام الذي سمعه هو هذا (شيخنا در فكر خود باش) (2).

____________

(1) روضة المتقين 14: 434.

(2) و ترجمته: يا شيخنا فكر في نفسك.

228

و قال تلميذه الأرشد السيد حسين بن السيد حيدر الكركي في بعض إجازاته، بعد ذكره شيخه هذا في جملة مشايخه: و شيخنا هذا- طاب ثراه- قد كان أفضل أهل زمانه، بل كان متفردا بمعرفة بعض العلوم الذي لم يحم حوله أحد من أهل زمانه و لا قبله على ما أظنّ من علماء العامة و الخاصة، يميل إلى التصوف كثيرا، و كان منصفا في البحث، كنت في خدمته منذ أربعين سنة في الحضر و السفر، و كان له معي محبّة و صداقة عظيمة، قال: و كنت في خدمته في زيارة الرضا (عليه السلام) في السفر الذي توجّه النواب الأعلى- خلّد اللّه ملكه أبدا- ماشيا حافيا من أصفهان إلى زيارته (عليه السلام). إلى آخر ما قال (1).

و قوله (رحمه اللّه): كان متفردا بمعرفة بعض العلوم. إلى آخره. كأنّه إشارة إلى ما كان يبرز عنه في بعض الأحيان من الغرائب التي هي من آثار تلك العلوم.

و آل الأمر في الناس حتى ظلوا ينمون (2) إليه كل نادرة و غريبة أكثرها من الأكاذيب، و لا مستند لها، بل أغرب بعض المؤلّفين من المعاصرين فنسب إليه كتاب الأسرار القاسمي المعروف أنّه أملاه على رجل اسمه قاسم، فنسب المسكين إلى هذا الحبر العظيم تجويز العمل بالكبائر الموبقة التي في هذا الكتاب، كحبس بقرة في مطمورة، و الجماع معها، ثم صب بعض الأدوية المخصوصة في فرجها (3). إلى آخر المزخرفات، و هذا هو العمل الكبير المسمّى عندهم بالناموس الأكبر، و يزعمون أن من آثار أجزاء هذه البقرة من الإنسان عمل الخفاء و غيره.

____________

(1) انظر أعيان الشيعة 9: 234.

(2) في الحجريّة: ظلموا ينتمون.

(3) أسرار قاسمي: غير موجود.

229

و بالجملة علمه (رحمه اللّه) ببعض العلوم السرية ممّا لا ينكر، و لنذكر غريبتين صدرتا منه ممّا وصل إلينا بالطرق المعتبرة:

الأولى: قال العلامة النحرير الشيخ سليمان الماحوزي فيما ألحقه بكتاب البلغة في الرجال في ترجمة علماء البحرين، في ترجمة العالم الجليل السيد ماجد البحريني قال: و اجتمع بالشيخ العلامة البهائي في دار السلطنة أصفهان المحروسة، فأعجب به شيخنا البهائي. إلى أن قال: و حدثني الشيخ العلامة أن السيد لمّا اجتمع بالشيخ البهائي كان في يد الشيخ سبحة من التربة الحسينية- سلام اللّه على مشرّفها- فتلا الشيخ على السبحة فقطر منه ماء على طريقة ما تستعمله أهل الشعابذة و العلوم الغريبة، فسأل السيد (رحمه اللّه) أ يجوز التوضّأ به؟ فقال السيد: لا يجوز، و علّله بأنّه ماء خيالي لا حقيقي، و ليس من المياه المتأصّلة المنزلة من السماء، أو النابعة من الأرض، فاستحسنه الشيخ (رحمه اللّه).

الثانية: قال الفاضل المتبحر قطب الدين الاشكوري- و هو تلميذ المحقق الداماد- في محبوب القلوب، في ترجمة كمال الدين بن يونس: حكى لي والدي (رحمه اللّه) ناقلا عن الشيخ الفاضل الشيخ عبد الصمد أخي الشيخ الجليل النبيل خاتمة المجتهدين في عصره بهاء الدين العاملي عامله اللّه بغفرانه الخفي و الجلي، إن أخي شيخنا البهائي ورد يوما في مجلس شاهنشاه الأعظم مروّج المذهب الحق الإمامي صاحب إيران شاه عباس الصفوي الحسيني أسكن اللّه لطيفته في الجنان، فقال له الملك: أيّها الشيخ استمع ما يقول رسول ملك الروم، و الرسول أيضا جالس في المجلس.

فحكى الرسول أن في بلادنا جماعة من العلماء العارفين للعلوم الغريبة، و الأعمال العجيبة، و قد عدّ بعض أعمالهم ثم قال: و ليس من العارفين لهذه‌

230

العلوم من بين علمائكم في إيران.

فلمّا رأى الشيخ أن كلام الرسول قد أثر في مزاجه الأشرف، و انزجر من حكايته، فقال الشيخ بحضرته: ليس لتلك العلوم التي عدّها الرسول وقر و اعتبار عند أصحاب الكمال، و الشيخ في أثناء الكلام قد حلّ شدّ چاقشوره (1).

الذي لبس، و أنا أنظر إليه و أتعجب من حركة يد الشيخ في هذا المجلس، و الملك الأعظم ناظر له، فبعد لحظة قد أطال الشيخ الشدّ في تلقاء وجه الرسول، ماسكا رأس الشد بيده، فاستحال الشدّ في الحال بالتنين العظيم، فاستوحش الرسول و كل أهالي المجلس، و قاموا و أرادوا الفرار من المجلس، فجذب (2) الشيخ رأسه بجانبه، فعاد الشدّ كما كان، فعرض الشيخ بخدمته الشريفة (3) أن تلك الأعمال ليس لها اعتبار عند ذوي الأبصار، و قد تعلمت هذا العمل في بعض هذه الأيام عن بعض أرباب المعارك في ميدان أصفهان، و هذا من أعمال اليد و النيرنجات (4)، و قد تعلمها أصحاب المعارك (5) لاستجلاب الدرهم و الدينار من العوام للحاجات. فأفحم الرسول و رجع عن المجلس الأرفع نادما للتكلّم عند الملوك و الأفاضل بأمثال تلك الحكايات، و تعيير العلماء بهذه الخرافات (6).

____________

(1) نوع من اللباس يغطّي الجسم من رؤوس أصابع القدم حتى البطن، انظر لغتنامه دهخدا صفحة 45 حرف چ تسلسل 41.

(2) في المخطوطة و الحجريّة: فانجذب.

(3) في المخطوطة و الحجريّة: بخدمته الأشرف.

(4) و معناها المكر و الحيلة و السحر. انظر البرهان القاطع: 1162، نيرنك.

(5) التعبير هنا فارسي و المراد: ان المشعوذين و أهل الحيل يصنعون بعض الحركات السريعة، و أصله كان مصارعة بين الأفراد أو مع الحيوانات ثم انتقل إلى هذه الأمور. راجع لغتنامه دهخدا صفحة 718 تسلسل 214 حرف معد- مغروس.

(6) محبوب القلوب: غير متوفر لدينا.

231

و قال (رحمه اللّه) في ترجمة الشيخ (رحمه اللّه): و حكى لي بعض الأعلام أنه سمع من المولى الفاضل، و الحبر الكامل، قاضي معزّ الدين محمّد أقضى القضاة في مدينة أصفهان، أنه قال: رأيت ليلة من الليالي في المنام أحد أئمتنا (عليهم السلام) فقال لي: اكتب كتاب مفتاح الفلاح و داوم العمل بما فيه، فلمّا استيقظت و لم أسمع اسم الكتاب قطّ من أحد، فتصفّحت من علماء أصفهان فقالوا: لم نسمع اسم هذا الكتاب، و في هذا الوقت [كان] الشيخ الجليل مع معسكر السلطان في بعض نواحي إيران فلمّا قدم الشيخ (رحمه اللّه) بعد مدّة في أصفهان تفحصت منه أيضا عن هذا الكتاب، فقال: صنّفت في هذا السفر كتاب دعاء، و وسمته بمفتاح الفلاح (1)، إلّا أنّي لم أذكر اسمه لواحد من الأصحاب، و لا أعطيت نسخته للانتساخ لأحد من الأحباب، فذكرت للشيخ المنام، فبكى الشيخ، و ناولني النسخة التي بخطه، و أنا أوّل من أنتسخ ذلك الكتاب من خطه طاب ثراه (2).

و من تمام نعم اللّه تعالى على هذا الشيخ الذي أسبغ عليه نعمة الظاهرة و الباطنة و الدنيا و الآخرة، أن رزقه اللّه تعالى زوجة عالمة صالحة، قال في الرياض: بنت الشيخ علي المنشار فاضلة عالمة فقيهة- و لم أعلم اسمها- محدّثة، و كانت زوجة شيخنا البهائي، و قد قرأت على والدها، و قد سمعنا من بعض المعمرين الثقات الذي شاهدها في حياتها أنّها كانت تدرّس في الفقه و الحديث و نحوهما، و كانت النسوان يقرأن عليها، و قد ورثت من أبيها أربعة آلاف مجلّد‌

____________

(1) في آخر مفتاح الفلاح: فرغت من تأليفه مع تراكم أفواج العلائق و تلاطم أمواج العوائق و توزع البال بالحلّ و الترحال في أوائل العشر الثاني من الشهر الثاني من السنة الخامسة من العشر الثاني بعد الألف ببلدة كنجه، و أنا أقل الأنام محمد المشتهر ببهاء الدين العاملي. إلى آخره. (منه (قدس سره)

(2) محبوب القلوب: غير متوفر لدينا.

232

من الكتب، و ذكر لنا بعض الأفاضل أنّها وافرة العلم، كثيرة الفضل، و قد بقيت بعد وفاة الشيخ البهائي (1).

و قال في ترجمة والدها الشيخ الجليل زين الدين علي المعروف بمنشار العاملي: كان من أجلّة الفضلاء المعاصرين للسلطان شاه طهماسب الصفوي، و هو أبو زوجة الشيخ البهائي، و كان له كتب كثيرة وافرة جاء بها من الهند، و سماعي أنّها كانت بقدر أربعة آلاف مجلّد، و يقال: كان يسكن بالديار الهندية في أكثر عمره، و لمّا توفي ورثتها بنته زوجة الشيخ البهائي إذ لم يكن له غير بنت واحدة، و كانت تلك الكتب في جملة الكتب الموقوفة التي وقفها البهائي، فلمّا توفي البهائي ضاع أكثر تلك الكتب لأسباب منها عدم اهتمام المتولّي لها، و قد كانت هذه البنت أيضا فاضلة عالمة فقيهة مدرّسة. انتهى (2).

و يظهر منه و ممّا نقله من تاريخ عالم آرا أن الشيخ علي المذكور كان شيخ الإسلام بأصفهان في زمان السلطان شاه طهماسب، و بعد وفاته انتقل المنصب المذكور إلى صهره الشيخ البهائي (3).

و هذا الشيخ العظيم الشأن يروي عن والده المعظم، الشيخ الجليل عزّ الدين حسين بن عبد الصمد بن شمس الدين الجبعي، صاحب التصانيف الرائقة، تلميذ الشهيد الثاني و مصاحبة في السفر و الحضر، الذي كتب له الإجازة المبسوطة التي مدحه فيها بقوله: ثم إنّ الأخ في اللّه، المصطفى في الإخوة، المختار في الدين، المترقي عن حضيض التقليد إلى أوج اليقين، الشيخ الامام العالم الأوحد ذا النفس الطاهرة الزكية، و ألهمه الباهرة العلية، و الأخلاق الزاهرة الإنسية، عضد الإسلام و المسلمين، عزّ الدنيا و الدين، حسين ابن‌

____________

(1) رياض العلماء 5: 407.

(2) رياض العلماء 4: 267.

(3) تاريخ عالم آرا 1: 154.

233

الشيخ الصالح العالم العامل، المتقن المتفنن، خلاصة الأخيار، الشيخ عبد الصمد بن الشيخ الإمام شمس الدين محمّد الشهير بالجبعي (1). إلى آخره.

كان شيخ الإسلام بقزوين، ثم بالمشهد الرضوي، ثم بهرات، كل ذلك كان بأمر السلطان شاه طهماسب، و توسّط الشيخ علي المنشار الذي كان شيخ الإسلام بأصفهان.

و في الرياض: لمّا كان أكثر أهل هراة في تلك الأوقات عارين عن معرفة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، و عن التدين بمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، أمره (2) السلطان المزبور بالتوجه إلى بلدة هراة و الإقامة بها، لإرشاد ضلال تلك الناحية، و أعطاه ثلاث قرايا من قرى تلك البلدة، و قد أمر السلطان المذكور الأمير شاه قلي سلطان يكان أغلي حاكم بلاد خراسان، بأن يحضر كلّ جمعة بعد الصلاتين السلطان محمّد خدا بنده ميرزا ولد السلطان المزبور في المسجد الجامع الكبير بهرات إلى خدمة هذا الشيخ، لاستماع الحديث، و ينقاد لأوامر هذا الشيخ و نواهيه بحيث لا يخالف أحد هذا الشيخ.

فأقام الشيخ بهرات ثماني سنين على هذا المنوال، بإفادة العلوم الدينية، و إجراء الأحكام الشرعية فيها، و إظهار الأوامر المليّة (3)، فتشيّع لذلك خلق كثير ببركة أنفاسه- (قدس سره)- بهرات و نواحيها، دخلوا في مذهب الإمامية، حتى تطهّر تلك الناحية عن لوث المخالفين، و قد توجّه إلى حضرته الطلبة، بل العلماء و الفقهاء من الأطراف و الأكناف من أهل إيران و توران لأجل مقابلة الحديث و أخذ العلوم الدينية، و تحقيق المعارف الشرعية.

____________

(1) بحار الأنوار 108: 148.

(2) في المخطوطة و الحجريّة: أمر، و ما أثبتناه من الرياض.

(3) أي: الأمور الشرعيّة، انظر (المعجم الوسيط- الملّة- 2- 887).

234

ثمّ توجّه هذا الشيخ من هراة إلى قزوين لإدراك خدمة السلطان المذكور ثانيا، و استرخص من السلطان لزيارة بيت اللّه الحرام لنفسه و لولده الشيخ البهائي، فرخص هذا الشيخ لزيارة البيت و لم يرخص ولده، و أمره بإقامته هناك و اشتغاله بتدريس العلوم الدينية بها.

فتوجّه هذا الشيخ لزيارة البيت، و لمّا تشرف بزيارة البيت و زيارة المدينة، رجع من طريق البحرين و أقام بتلك البلدة و توطّن بها (1).

و في اللؤلؤة: أخبرني والدي أن الشيخ المزبور كان في مكّة المشرفة قاصدا الجوار فيها إلى أن يموت، و أنه رأى في المنام أن القيامة قد قامت و جاء الأمر من اللّه سبحانه بان ترفع أرض البحرين بما فيها إلى الجنّة، فلمّا رأى هذه الرؤيا آثر الجوار فيها و الموت في أرضها، و رجع من مكّة المشرفّة و جاء البحرين.

قال: و أقام الشيخ المزبور في البلاد المذكورة، و كانت وفاته لثمان خلون من شهر ربيع الأول سنة 984، و كانت ولادته أوّل يوم من المحرم سنة 918 (2).

عن العالم الجليل بدر الدين السيد حسن بن السيد جعفر بن فخر الدين حسن بن أيوب بن نجم الدين الأعرجي الحسيني العاملي الكركي، والد خاتمة المجتهدين السيد حسين المجتهد المفتي، و ابن خالة الشيخ الجليل المحقق الكركي، و شيخ شيخنا الشهيد الثاني، الذي وصفه في إجازته الكبيرة بقوله في موضع: و أرويها- أيضا- عن شيخنا الأجل الأعلم الأكمل ذي النفس الطاهرة الزكية، أفضل المتأخرين في قوّتيه العلمية و العمليّة (3).

و في موضع بقوله: شيخنا الكبير الفقيه العالم، فخر السيادة و بدرها، و رئيس الفقهاء و أبو عذرها (4). إلى آخره.

____________

(1) رياض العلماء 2: 120.

(2) لؤلؤة البحرين: 26.

(3) بحار الأنوار 108: 150.

(4) بحار الأنوار 108: 156.

235

صاحب كتاب المحجّة البيضاء و الحجّة الغراء، جمع فيه بين فروع الشيعة و الحديث، و التفسير للآيات الفقهية، و غير ذلك من المؤلفات الجليلة، المتوفى سنة 933.

عن شيخيه الجليلين المحقق الثاني و سميه الميسي (1) طاب ثراهما، بطرقهما الآتية (2).

(حيلولة):

و عن والده الشيخ حسين (3).

عن شيخه و أستاذه، و من في جميع العلوم الشرعية و المقامات العالية النفسانية استناده، الشهيد الثاني (قدس سره).

[العشرون المولى محسن بن الشاه مرتضى بن الشاه محمود المشتهر بالفيض الكاشاني]

العشرون من مشايخ العلامة المجلسي: العالم الفاضل المتبحر المحدث العارف الحكيم المولى محسن بن الشاه مرتضى بن الشاه محمود، المشتهر بالفيض الكاشاني، صاحب الوافي و الصافي و المفاتيح، و غيرها ممّا كتبه في الحكمة و التصوف و الأخلاق و الآداب، المتوفى سنة 1091 و هو ابن أربع و ثمانين (4).

[في ذكر مشجرة مشايخ الفيض الكاشاني]

يروي عن جماعة من المشايخ (5):

____________

(1) في المشجرة هكذا: السيد حسن بن السيد جعفر الأعرجي، عن الشيخ علي بن عبد العالي الميسي، عن المحقق الثاني.

(2) على التوالي، انظر: 277- 278.

(3) أي والد الشيخ البهائي.

(4) عد الشيخ المصنّف (قدس سره) هنا عشرين شيخا للمولى محمد باقر المجلسي.

و في الفيض القدسي ثمانية عشر حيث ترك المولى خليل بن الغازي القزويني، و المولى أبو الشرف الأصفهاني.

و في المشجرة أربعة عشر.

هذا و أمّا في مقدمة البحار فقد عدّ له واحدا و عشرين شيخا بإضافة السيد نور الدين علي الحسيني الموسوي العاملي صاحب الفوائد المكيّة.

(5) ذكر هنا من مشايخ الفيض الكاشاني سبعة، و عدّ منهم في المشجرة أربعة، بحذف الثاني و الثالث و الخامس

236

أوّلهم: الشيخ البهائي

ثانيهم: المولى محمّد طاهر القمي

ثالثهم: المولى خليل القزويني

رابعهم: المحقق الشيخ محمّد بن الشيخ حسن بن الشهيد

خامسهم: المولى محمّد صالح المازندراني.

[سادسهم السيد ماجد بن السيد العالم هاشم بن علي بن مرتضى بن علي بن ماجد الحسيني]

سادسهم: السيد الجليل النبيل، السيد ماجد بن السيد العالم هاشم بن علي بن مرتضى بن علي بن ماجد الحسيني.

قال المحقق الشيخ سليمان الماحوزي في الفصل الذي ألحقه بالبلغة في ذكر علماء البحرين: السيد العلامة الفهامة، محرز قصبات السبق في جميع الفضائل، و الفائز بالرقيب و المعلّى من قداح الكمالات الكسبيّة و الموهوبيّة من بين فحول الأواخر و الأوائل، السيد أبو علي ماجد بن السيد العالم هاشم بن علي العريضي البحراني.

و كان أوحد زمانه في العلوم، و أحفظ أهل عصره، نادرة في الذكاء و الفطنة، و هو أوّل من نشر الحديث في دار العلم شيراز المحروسة، و له مع علمائها مجالس عديدة، و مقامات مشهودة، أخبرني شيخنا الفقيه ببعضها.

و أقبل عليه أهلها إقبالا، و تلمّذ عليه أعيان العلماء مثل:

مولانا العلامة محمّد محسن الكاشاني صاحب الوافي.

و الشيخ الفقيه ذو المرتبة الرفيعة في الفضل و الكمال الشيخ محمّد بن حسن بن رجب البحراني.

و الشيخ الفاضل المتبحر الشيخ محمّد بن علي البحراني.

و الشيخ زين الدين علي بن سليمان البحراني.

237

و الشيخ العلامة الخطيب الشيخ أحمد بن عبد السلام.

و السيد العلامة السيد عبد الرضا.

و الشيخ الفاضل الشيخ أحمد بن جعفر البحراني. و غيرهم.

و خطب على منبر شيراز خطبتي الجمعة بديهة، لما نسي تلميذه الفاضل السيد عبد الرضا الخطبتين اللتين أنشأهما، و القصّة مذكورة في سلافة العصر (1).

قال (رحمه اللّه): و لو لم يكن إلّا هذه النادرة لكفته فضيلة.

و له ديوان شعر رأيته بخطّ السيد الأديب اللغوي علي ابن خالنا العلامة السيد حسين التلكاني، و شعره في غاية البلاغة و الجزالة، و كان شيخنا العلامة معجبا بقصيدته الرائية التي في مرثية الحسين الشهيد (عليه السلام)، التي مطلعها:

بكى و ليس على صبر بمعذور * * *من قد أظلّ عليه يوم عاشوراء

و اجتمع بالشيخ العلامة البهائي (قدس سره) في دار السلطنة أصفهان المحروسة، فأعجب به شيخنا البهائي.

حكى بعض مشايخنا أنه سئل السيد (رحمه اللّه) في محضر الشيخ (قدس سره) عن مسألة فأوجز السيد الجواب تأدبا مع الشيخ، فأنشد الشيخ (رحمه اللّه):

حمامة جرعى حومة الجندل اسجعي * * *فأنت بمرأى من سعاد و مسمع

(2) فأطال الكلام في ذلك، فاستحسنه، ثم نقل ما تقدم (3) من قصّة ماء‌

____________

(1) سلافة العصر: 492.

(2) من قصيدة لابن بابك، عبد الصمد بن منصور بن الحسن، المتوفّى سنة 411 ببغداد. انظر معاهد التنصيص 1: 59.

(3) تقدم في صفحة: 229.

238

السبحة.

قال (رحمه اللّه): و استجاز من الشيخ فكتب له إجازة طويلة تشتمل على تأدب عظيم في حقّه، و ثناء جميل، و قد وجدت الإجازة في خزانة كتب بعض الأعيان، و لولا ضيق المقام لنقلتها.

و للسيد الرسالة اليوسفية جيّدة جدا، و عليها له حواشي مفيدة، و رأيتها بخط تلميذه الفاضل الشيخ أحمد بن جعفر.

و له رسالة في مقدمة الواجب، مليحة كثيرة الفوائد.

و له حواش مليحة متفرّقة على المعالم.

و حواش متفرّقة على خلاصة الرجال، رأيتها بخطّه عند بعض الإخوان.

و له حواش على الشرائع.

و على اثني عشرية شيخنا البهائي.

و حواش على كتابي الحديث (1)، و في نسخة التهذيب التي عندي جملة منها.

و له فتاوى متفرّقة جمعها بعض تلامذته، و هي عندي.

و له رسالة سمّاها سلاسل الحديد في تقييد (أهل التقليد (2)، و منه أخذ السيد العلامة السيد هاشم البحراني هذا الاسم، فانتخب من شرح عزّ الدين عبد الحميد بن أبي الحديد كتابا مليحا سمّاه سلاسل الحديد من كلام) (3) ابن أبي الحديد.

____________

(1) المراد هنا التهذيب و الاستبصار.

(2) في الحجريّة: التقييد، و استظهر المصنّف المثبت في المتن، و انظر الذريعة 12: 210 ت 1393.

(3) بين القوسين ساقط من المخطوطة.

239

(قلت: و منها أخذ المحدث المحقق صاحب الحدائق، فألّف كتابا سمّاه سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد) (1) ذكر في أوّله مقدمة في الإمامة، ثم نقل من شرحه ما يتعلّق بالإمامة و أحوال الخلفاء و الصحابة، و ما يناسب ذلك، و ما فيه من الخلل و المفاسد الظاهرة. انتهى.

قال (رحمه اللّه): و رأيت له وقفنامه، تتضمن وقف الخان الأفخم إمام قلي خان للمدرسة التي في دار العلم شيراز المعروفة بمدرسة الخان، و موقوفاتها، في غاية البلاغة، و نهاية البراعة.

و بالجملة فمحاسنه كثيرة، و علومه غزيرة، روّح اللّه روحه، و تابع فتوحه.

توفي في الليلة الحادية و العشرين من شهر رمضان بدار العلم شيراز سنة 1028. انتهى (2)، و دفن في مشهد السيد أحمد بن الامام مولانا الكاظم (عليه السلام).

[سابعهم الحكيم محمّد بن إبراهيم الشيرازي الشهير بملا صدرا]

و سابعهم: الحكيم المتألّه الفاضل محمّد بن إبراهيم الشيرازي، الشهير بملا صدرا، محقق مطالب الحكمة، و مروّج دعاوي الصوفية بما لا مزيد عليه، صاحب التصانيف الشائعة التي عكف عليها من صدّقه في آرائه و أقواله، و نسج على منواله، و قد أكثر فيها من الطعن على الفقهاء حملة الدين، و تجهيلهم و خروجهم من زمرة العلماء، و عكس الأمر في حال ابن العربي صاحب الفتوحات فمدحه و وصفه في كلماته بأوصاف لا تنبغي إلّا للأوحدي من العلماء الراسخين، مع أنّه لم ير في علماء العامة و نواصبهم أشدّ نصبا منه أ ليس هو القائل في الفتوحات في ذكر بعض حالات الأقطاب ما لفظه: و منهم‌

____________

(1) بين القوسين ساقط من المخطوطة.

(2) البلغة: انظر فهرست آل بابويه: 72.

240

من يكون ظاهر الحكم، و يجوز الخلافة الظاهرة كما حاز الخلافة الباطنة من جهة المقام، كأبي بكر و عمر و عثمان و علي و حسن و معاوية بن يزيد و عمر بن عبد العزيز و المتوكل (1).

و هذا المتوكل الذي عدّه من الأقطاب، و ممن حاز الخلافة الظاهرة و الباطنة، هو الذي صرّح السيوطي الذي هو أيضا من المتعصبين- في تاريخ الخلفاء- بأنّه في سنة ست و ثلاثين أمر بهدم قبر الحسين (عليه السلام)، و هدم ما حوله من الدور، و أن يعمل مزارع، و منع الناس من زيارته، و خرب و بقي صحراء، و كان المتوكل معروفا بالتعصب فتألّم المسلمون من ذلك، و كتب أهل بغداد شتمه على الحيطان، و هجاه الشعراء، و مما قيل في ذلك:

باللّه إن كانت أميّة قد أتت * * *قتل ابن بنت نبيّها مظلوما

فلقد أتاه بنو أبيه بمثله * * *هذا لعمري قبره مهدوما

أسفوا على ان لا يكونوا شاركوا * * *في قتله فتتبعوه رميما (2)

و صرّح أيضا فيه بأن أصل الضلالات من الشيعة (3).

و صرّح في مسامرة الأبرار بأن الرجبيّين جماعة لهم رياضة، من آثارها أنّهم يرون الروافض بصورة الخنزير (4).

و صرّح في الفتوحات بعصمة ابن الخطاب (5)، و غير ذلك ممّا هو نصّ على كونه من نواصبهم.

____________

(1) الفتوحات المكيّة: لم نعثر عليه فيه.

(2) تاريخ الخلفاء: 277.

(3) تاريخ الخلفاء: 6.

(4) مسامرة الأبرار: غير متوفر لدينا.

(5) الفتوحات المكية 3: 327.

241

و تصريحه بكون المهدي الموعود (صلوات اللّه عليه) هو الحجة بن الحسن العسكري (عليهما السلام)، كما عليه الإمامية، لا ينافي النصب فضلا عن التسنن، كما أوضحناه في كتابنا النجم الثاقب (1). و له في هذا الاعتقاد شركاء من علمائهم، ذكرنا أساميهم في الكتاب المذكور، و مع ذلك كلّه كيف يقول الإمامي في حقّه: المحقّق العارف باللّه، و من لا يجازف في القول. و أمثال ذلك فيه و في أضرابه.

و من تصانيفه شرح أصول الكافي، شرحه على مذاقه و عقائده و أصوله و مطالبه، فاستحسنه من استصوبها، و استحقره من استضعفها، بل في الروضات: فمنهم من ذكر في وصف شرحه على الأصول:

شروح الكافي كثيرة جليلة قدرا * * *و أوّل من شرحه بالكفر صدرا

انتهى (2).

و فيه منه أوهام عجيبة، بل في كتاب التوحيد منه و هم لم يسبقه إلى مثله أحد، و لم يلحقه أحد.

ففي أوّل باب جوامع التوحيد: محمّد بن أبي عبد اللّه و محمّد بن يحيى جميعا رفعا إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام)، أن أمير المؤمنين (عليه السلام) استنهض الناس في حرب معاوية في المرة الثانية، فلمّا حشر (3) الناس قام خطيبا فقال:

الحمد للّه الواحد الأحد، الصمد المتفرد، الذي لا من شي‌ء كان، و لا من شي‌ء خلق ما كان قدرة بان بها من الأشياء، و بانت الأشياء منه، فليست له صفة تنال، و لا حدّ تضرب له فيه الأمثال. الخطبة (4).

____________

(1) انظر النجم الثاقب آخر الباب الرابع و الباب الخامس.

(2) روضات الجنات 4: 121/ 356.

(3) ظاهرا حشد. (منه (قدس سره).

(4) شرح الأصول من الكافي لملّا صدرا: 329.

242

و المضبوط فيما رأينا من النسخ الصحيحة، و عليه مبني شروح الكافي من غيره: القدرة- بالقاف- بمعناها المعروف المناسب في المقام.

قال تلميذه في الوافي في البيان: (و لا من شي‌ء خلق ما كان) تحقيق لمعنى الإبداع الذي هو تأييس الآيس من الليس المطلق، لا من مادة و لا بمدّة، و هذا في كل الوجود، أو على ما هو التحقيق عند العارفين، و إن كان في الكائنات تكوين من موادها المخلوقة إبداعا لا من شي‌ء عند الجماهير. قدرة- منصوب على التمييز، أو نزع الخافض- يعني و لكن خلق الأشياء قدرة أو بقدرة، أو مرفوع، أي له قدرة أو هو قدرة فإنّ صفته عين ذاته (1). انتهى.

و قال الحكيم المتألّه الآميرزا رفيع الدين النائيني في شرحه: و قوله (عليه السلام): (قدرة بان بها من الأشياء) أي: له قدرة بان بهذه القدرة من الأشياء، فلا يحتاج أن يكون الصدور و الحدوث عنه في مادّة، بأن يؤثر في مادة فينقلها من حالة إلى حالة كغيره سبحانه، فإن التأثير من غيره لا يكون إلّا في مادة، بل إيجادا لا من شي‌ء بأمر (كن). و بانت الأشياء منه سبحانه بعجزها عن التأثير لا في مادّة، فليست له صفة تنال (2).

و قال المولى محمّد صالح الطبرسي في شرحه: «و لا من شي‌ء خلق ما كان قدرة» الظاهر أن كان تامّة، بمعنى: وجد، و قدرة بالنصب على التمييز، أو بنزع الخافض و إن كان شاذّا في مثله، و في بعض نسخ هذا الكتاب و في كتاب التوحيد للصدوق (بقدرة) (3) و هو يؤيد الثاني، أي لم يخلق ما وجد من الممكنات بقدرته الكاملة من مثال سابق يكون أصلا له، و دليلا عليه، لا من مادة أزليّة‌

____________

(1) الوافي 1: 93.

(2) شرح الكافي للنائيني: غير موجود.

(3) في توحيد الصدوق: 41/ 3: قدرته.

243

كما زعمت الفلاسفة من أن الأجسام لها أصل أزلي هي المادة، بل هو المخترع للممكنات بما فيها من المقادير و الأشكال و النهايات، و المبتدع للمخلوقات بما لها من الهيئات و الآجال و الغايات بمحض القدرة على وفق الإرادة و الحكمة.

و يحتمل أن يقرأ: قدرة- بالرفع على الابتداء- أي له قدرة بان بها- أي بتلك القدرة الكاملة التي لا يتأبّي منها شي‌ء- من الأشياء، و بانت الأشياء منه، لتحقّق تلك القدرة له لا لغيره. انتهى (1).

و قال العلامة المجلسي (رحمه اللّه) في مرآة العقول: قوله (عليه السلام):

(قدرة)- أي له قدرة- أو هو عين القدرة، بناء على عينيّة الصفاة. و قيل: نصب على التمييز، أو على أنّها منزوع الخافض، أي و لكن خلق الأشياء قدرة أو بقدرة. و في التوحيد: قدرته، فهو مبتدأ، و بان بها خبره، أو خبره كافية، فكانت جملة استئنافية فكأنّ سائلا سأل و قال: كيف خلق لا من شي‌ء؟

فأجاب: بأن قدرته كافية (2).

إلى غير ذلك من كلماتهم التي يشبه بعضها بعضاً في شرح الفقرة المذكورة، و اتفاقهم على كون الكلمة قدرة- بالقاف-.

و أمّا المولى المذكور فقرأها فدرة- بالفاء- و هي- كما في القاموس و غيره- قطعة من اللحم، و من الليل، و من الجبل (3)، و لم يقنع بذلك حتى جعلها أصلا، و رتّب عليه ما لا ربط له بالفقرة المذكورة، فقال بعد مدح الخطبة و توصيفها بما هي أهلها: فلنعقد لبيانها و شرحها عدّة فصول. إلى أن قال:

الفصل الثالث: في نفي التركيب عنه تعالى، قوله (عليه السلام): (ما كان فدرة‌

____________

(1) شرح الكافي للطبرسي 4: 168.

(2) مرآة العقول 2: 85.

(3) القاموس المحيط- فدرة- 2: 108.

244

بان بها من الأشياء و بانت الأشياء منه) يعني أنه بسيط الذات، أحدي الحقيقة بذاته، يمتاز عن الأشياء، و تمتاز الأشياء عنه بذواتها لا ببعض من الذات، و إنما يقع الامتياز بفصل ذاتي بين الأمور التي كان اشتراكها بالذات، أو بأمر مقوّم للذات كالإنسان و الفرس، فإنّهما لمّا اشتركا في أمر ذاتي كالحيوانية فلا بد أن يفترقا أيضا بأمر ذاتي، و بعض من الذات سواء كان محسوسا أو معقولا.

ففي الإنسان بعض به امتاز عن الفرس و بان منه، و هو معنى الناطقيّة، و كذا الفرس بان من الإنسان ببعض منه كالصاهليّة، أو بسلب النطق كالعجم.

و الخطّ الطويل و الخط الصغير مثلا تقع البينونة بينهما بعد اشتراكهما في طبيعة الخطيّة بقطعة من الخط بان بها الطويل من القصير، و بان القصير من الطويل بوجودها في أحدهما، و عدمها في الآخر.

فعبّر عن الفصل المميّز للشي‌ء عمّا عداه من الأشياء بالفدرة و هي القطعة تمثيلا و تشبيها لمطلق الفصل الذاتي سواء كان في المعاني و المعقولات أو في الصور و المحسوسات، و سواء كان في المقادير أو في غيرها بالقطعة المتكمّمة التي تقع بها البينونة، و الاختلاف بينه و بين متكمّم آخر من جنسه، فالباري جلّ اسمه إذ ليس في ذاته تركيب بوجه من الوجوه سواء كان عقليّا أو خارجيا، و لا أيضا موصوف بالتقدير و الكمّية، فليس امتيازه عن الأشياء و امتياز الأشياء عنه إلّا بنفس ذاته المقدسة، و ليس كمثله شي‌ء بوجه من الوجوه. انتهى (1).

و أنت خبير بأنّ (ما) موصولة، و جملة (ما كان) متعلّقة بخلق، و (لا) نافية كما عليه بناء كلامه، و يكون ابتداء الجملة و يصير قوله (عليه السلام): (خلق) بلا متعلّق، ثم إن استعمال هذه الكلمة الغريبة الوحشيّة الغير المعهودة في كلماتهم (عليهم السلام) خصوصا في هذه الخطبة البليغة التي صرّح بأنّها في‌

____________

(1) شرح الكافي لملّا صدرا: 331.

245

أعلى درجة الفصاحة، ما لا يخفى. مع أنّ في التعبير عن الفصل المميّز بقطعة من اللحم من البرودة و البشاعة ما لا يحصى، بل على ما فسره فاللازم أن يكون الكلام هكذا: ما كان له فدرة أي فصل يميّزه عمّا عداه، و على ما ذكره في آخر كلامه من أن امتيازه عن الأشياء و امتيازها عنه تعالى بنفس ذاته المقدسة، فالمناسب حينئذ أن يكون (ما كان) متعلقا بالسابق، أو يكون القدرة خبرا للمحذوف، أي هو تعالى فدرة بان بها من الأشياء و بانت الأشياء منه، و هذا أحسن من نفيها عنه، كما لا يخفى.

و قريب من هذا في الغرابة ما ذكره في كتاب الحجّة، في شرح الخبر الرابع من باب الاضطرار إلى الحجّة.

ففيه بالإسناد عن يونس بن يعقوب قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فورد عليه رجل من أهل الشام، فقال: إني رجل صاحب كلام وفقه و فرائض، و قد جئت لمناظرة أصحابك. إلى أن قال: ثم قال (عليه السلام) لي: اخرج إلى الباب فانظر من ترى من المتكلّمين فأدخله، قال: فأدخلت حمران بن أعين و كان يحسن الكلام، و أدخلت الأحول و كان يحسن الكلام، و أدخلت هشام بن سالم و كان يحسن الكلام، و أدخلت قيس بن الماصر و كان عندي أحسنهم كلاما، و كان قد تعلّم الكلام من علي بن الحسين (عليهما السلام). فلمّا استقر بنا المجلس و كان أبو عبد اللّه (عليه السلام) قبل الحج يستقر أياما في جبل في طرف الحرم في فازة (1) له مضروبة.

قال: فأخرج أبو عبد اللّه (عليه السلام) رأسه من فازته، فإذا هو ببعير يخب فقال: هشام و ربّ الكعبة.

قال: فظننت أن هشاما رجل من ولد عقيل كان شديد المحبّة له، قال:

____________

(1) فازة: مظلّة تمد بعمود. انظر (لسان العرب- فوز- 5: 393).

246

فورد هشام بن الحكم و هو أول ما اختطت لحيته، و ليس فينا إلّا من هو أكبر سنّا منه، قال: فوسع له أبو عبد اللّه (عليه السلام) و قال: ناصرنا بقلبه و لسانه و يده (1)، انتهى موضع الحاجة.

و صريح هذا الخبر- الذي لا أظن أحدا يحتمل غيره- أن الإمام (عليه السلام) كان جالسا في الفازة، و كان يونس عنده، و دخل (عليه السلام) فيها الشامي، و أمر (عليه السلام) حينئذ يونس بأن يدخل عليه من ذكرهم، و أنه (عليه السلام) بعد دخولهم عليه أخرج رأسه الشريف من الفازة، و أن هشام بن الحكم هو الذي كان يخب به البعير، و أنه (عليه السلام) لما رآه قال:

«هشام» أي جاء هشام، أو هو، أو هذا هشام، مستبشرا به، فظنّوا أنّه (عليه السلام) يبشرهم بهشام العقيلي لشدّة محبّته له، إذ ورد هشام بن الحكم، و هذا من الوضوح بمكان.

و قال المولى المذكور في الشرح: كأنّه (عليه السلام) بعد ما لاقاه الرجل الشامي، و أمر يونس بإحضار جماعة من متكلّمي أصحابه، كان في منزل آخر بعيد عن منزل الفازة، فدخل إلى تلك الفازة لشغله من عبادة أو صحبة مع أهله، حتى إذا حضرت الجماعة و استقرّ بهم المجلس خرج (عليه السلام) من الفازة راكبا بعيره، جائيا إليهم مخبّأ. فقال هشام: و ربّ الكعبة- أي أقسم باللّه أن الذي يجي‌ء هو- هو (عليه السلام).

و قوله: (فظننا أن هشاما رجل من ولد عقيل) أي لشدة محبّته إياه، فعلّل ذلك الظنّ. بقوله: كان شديد المحبّة له، أي كما يحب قرابته من أولاد عقيل ابن أبي طالب، و المراد منه هشام بن سالم دون ابن الحكم، لأن وروده بعد ذلك، و كلا الهشامين كانا محبوبين له وجيهين عنده، بل الثاني أحبّ إليه و أوجه‌

____________

(1) شرح الكافي لملّا صدرا: 443، و انظر مرآة العقول 2: 268، و الكافي: 130/ 4.

247

عنده، لما ظهر من صنيعه لأجله من التوسيع له في المجلس، و القول بأنّه ناصرنا بقلبه و لسانه و يده. انتهى (1).

و عدد مواقع الأوهام في هذه الكلمات غير خفي على الناظر.

و له في شرح حال مولانا صاحب الزمان (صلوات اللّه عليه) عند قوله (عليه السلام): «إذا قام قائمنا وضع اللّه يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم» كلام ينبئ عن اعتقاد له فيه (عليه السلام) غير ما عليه معاشر الإمامية. فراجع و تأمّل.

و من عادته في مؤلفاته نقل مطالب القوم في الحكمة و المعارف و الأخلاق بعباراتهم كثيرا من غير نسبتها إليهم، خصوصا من كتب الغزالي و ابن عربي.

و عندنا رسالة من الفخر الرازي في تفسير أربع سور، قال في أوّلها: هذه رسالة عملتها في التنبيه على بعض الأسرار المودوعة في بعض سور القرآن العظيم، و الفرقان الكريم، تنبيها على أن أكثر المفسرين كانوا محرومين عن الفوز بالمقصد القويم، غير واصلين إلى الصراط المستقيم (2).

ثم رتّبها على أربعة فصول:

الأول: في الإلهيات، و فسر فيه سورة الإخلاص.

الثاني: في تفسير سورة مشتملة على الإلهيات و النبوات و المعاد، و هي سورة سبّح اسم ربّك الأعلى (3) و فسرها بترتيب لطيف.

و للمولى المتقدم رسالة في تفسير هذه السورة المباركة، و لمّا عرضناها على تفسير الرازي لم نجد بينهما فرقا إلّا في بعض كلمات زائدة لا يضرّ إسقاطها في‌

____________

(1) شرح الكافي لملّا صدرا: 443.

(2) رسالة الفخر الرازي: غير متوفر لدينا.

(3) الأعلى 87: 1

248

أصل المطالب.

توفي بالبصرة و هو متوجّه إلى الحجّ سنة 1050، و هذا المولى يروي:

[في ذكر مشجرة مشايخ الملإ صدرا الشيرازي]

[الأول الشيخ البهائي]

1- عن شيخنا البهائي طاب ثراه.

[الثاني السيد مير محمد باقر الملقب بالداماد]

2- و عن العالم المحقق النحرير السيد السند النقاد الخبير مير محمّد باقر ابن السيد الفاضل الأمير شمس الدين محمّد الحسيني الأسترآبادي الملقب بالداماد، لأنّ أباه كان صهرا للشيخ الأجلّ المحقق الثاني على بنته، فافتخر بهذا اللقب، و ورثه منه ولده (1).

ذكر الفاضل علي قلي خان الداغستاني، المعروف بشش انگشتى (2)، المتخلّص بواله، في رياض الشعراء، على ما نقله عنه الفاضل المعاصر الكشميري في كتاب نجوم السماء:

إن الشيخ الأجل علي بن عبد العالي رأى في المنام أمير المؤمنين (عليه السلام)، و أنه (عليه السلام) يقول له: تزوج بنتك من مير شمس الدين يخرج منها ولد يكون وارثا لعلوم الأنبياء و الأوصياء، فزوّج الشيخ بنته منه، و توفيت بعد مدّة قبل أن تلد ولدا، فتحيّر الشيخ من ذلك، و أنه لم يظهر لمنامه أثر، فرأى أمير المؤمنين (عليه السلام) مرّة أخرى في المنام و هو (عليه السلام) يقول له: ما أردنا هذه الصبيّة بل البنت الفلانية، فزوّجها إيّاه، فولدت السيد المحقق المذكور.

انتهى (3).

قال تلميذه الفاضل العارف قطب الدين الاشكوري في محبوب القلوب: السيد السند المحقق في المعقول و المحقق في المنقول، سمّي خامس‌

____________

(1) انظر رياض العلماء 5: 42.

(2) أي: ذو الأصابع الستة.

(3) نجوم السماء: 47.

249

أجداده المعصومين، مير محمّد باقر الداماد، لا زال سعيه في كشف معضلات المسائل مشكورا، و اسمه في صدر جريدة أهل الفضل مسطورا:

علم عروس همه استاد شد * * *فطرت أو بود كه داماد شد

(1) ثم ذكر وجه التسمية و قال: و كان شكر اللّه سعيه، و رفع درجته، تصرّح النجابة بذكره، و تخطب المعارف بشكره، و لم يزل يطالع كتب الأوائل متفهّما، و يلقى الشيوخ متعلّما، حتى فاق في أقصر مدة في كل فن من فنون العلم على أوحدي أخصّ، و صار في كل مآثر كالواسطة في النص:

عقليش از قياس عقل برون * * *نقليش از قياس نقل فزون

(2) يخبر عن معضلات المسائل فيصيب، و يضرب في كل ما ينتحله من التعاليم بأوفى نصيب، توحّد بإبداع دقائق العلوم و العرفان، و تفرّد بفرائد أبكار لم يكشف قناع الإجمال عن جمال حقائقها إلى الآن، فلقد صدق ما أنشد بعض الشعراء في شأنه:

بتخميرش يد اللّه چون فروشد * * *نم فيض آن چه بد در كار أو شد

(3) انتهى (4).

و نقل في النجوم عن محمّد طاهر نصرآبادي أنّه ذكر في ترجمته: أنّه (رحمه اللّه) كان مجدّا ساعيا في تزكيته لنفسه النفيسة، و تصفية باطنه الشريف، حتى‌

____________

(1) ترجمته:

العلم عروس لكلّ أستاذ علامة و لكن هو الوحيد الذي صار عريسا لهذه العروس لكمال فطرته.

(2) ترجمته:

معقولاته عن قياس العقل خارجة * * * و منقولاته عن قياس النقل زائدة

(3) ترجمته:

عند ما عجنت طينته اليد الإلهيّة أفاض كلّ الفيض في طينته.

(4) محبوب القلوب: غير موجود.

250

اشتهر أنّه لم يضع جنبه على فراشه بالليل في مدة أربعين سنة، و لم تفته نوافل الليل و النهار في مدة عمره (1).

و في محبوب القلوب: و له برد اللّه مضجعه:

از خوان فلك قرص جوى بيش مخور * * *انگشت عسل مخواه و صد نيش مخور

از نعمة ألوان شهان دست بدار * * *خون دل صد هزار درويش مخور

(2) قال في الحاشية: إن المشهور أنّ هذه الرباعية تعريض منه بمعاصرة شيخنا البهائي طاب ثراه، و قد أنشد الشيخ في جوابه هذه الرباعية:

زاهد به تو تقوى و ريا ارزانى * * *من دانم بي ديني و بى ايمانى

تو باش چنين و طعنه مى‌زن بر من من كافر و من يهود و من نصراني

(3) (4) و عن حدائق المقربين للأمير محمّد صالح: إنّه كان متعبدا في الغاية، مكثارا لتلاوة كتاب اللّه المجيد، بحيث ذكر لي بعض الثقات أنه كان يقرأ كل ليلة خمسة عشر جزءا من القرآن، و كان مقرّبا عند السلطان شاه عباس الماضي الصفوي كثيرا، و كذلك من بعده عند خليفته الشاه صفي.

و ذكر جماعة أنه ذهب في آخر عمره الشريف من أصفهان بمرافقة السلطان شاه صفي المرحوم إلى زيارة العتبات العاليات، فمات هناك في سنة إحدى و أربعين و ألف، كما نصّ عليه الخواتون‌آبادي، في تاريخ وقائع‌

____________

(1) نجوم السماء: 49.

(2) ترجمته:

لا تأكل من مائدة الدهر أكثر من قرص شعير، و لا تطلب العسل قدر إصبع فتلدغ مائة لدغة، ادفع يدك عن ألوان نعيم الملوك، حتى لا تشرب مهجة قلب مائة ألف فقير.

(3) و ترجمته:

أيها الزاهد لك التقدس و الرياء، و أنا أعلم بأنّك لست ذا دين و ايمان، كن أنت كذلك و تعرض لي، و أنا كافر بزعمك و يهودي و نصراني.

(4) محبوب القلوب: لم نعثر عليه فيه.

251

السنين (1). و دفن في النجف الأشرف، و العراق يومئذ كان في تصرّف السلاطين الصفوية، و أخذه من يدهم السلطان مراد في سنة ألف و ثمانية و أربعين (2).

و هذا السيد الجليل يروي عن جماعة من المشايخ (3):

[في ذكر مشجرة مشايخ السيد محمد باقر الداماد]

[الأول السيد نور الدين علي بن أبي الحسن الموسوي العاملي]

أوّلهم: السيد نور الدين علي بن أبي الحسن الموسوي العاملي، المتقدم (4) ذكره.

[الثاني خاله الشيخ عبد العالي ابن المحقق الثاني]

ثانيهم: خاله المعظم العالم الجليل الشيخ عبد العالي ابن المحقق الثاني، و هو كما في الرياض: العالم الفاضل الجليل، و قد كان ظهر الشيعة و ظهيرها بعد أبيه، و رأس الإمامية أثر والده، قال: و كان معاصرا لا ميرزا مخدوم الشريفي السني، صاحب كتاب نواقض الروافض، و بينهما مناظرات و مباحثات في الإمامة و غيرها.

و قال صاحب تاريخ عالم آرا ما معناه: إن الشيخ عبد العالي المجتهد كان من علماء دولة السلطان شاه طهماسب، و بقي بعده أيضا، و كان في العلوم العقلية و النقلية رئيس أهل عصره، و كان حسن النظر، جيد المحاورة، و صاحب الأخلاق الحسنة، و جلس على مسند الاجتهاد بالاستقلال، و كان أغلب إقامته بكاشان، و يشتغل فيها بالتدريس و إفادة العلوم، و يعيّن جماعة فيها لفصل القضايا الشرعية، و الإصلاح بين الناس، و يتوجّه بنفسه أحيانا لذلك، و إذا جاء إلى معسكر الشاه طهماسب يبالغ في تعظيمه و تكريمه، و كان بابه (قدس سره) مرجعا للفضلاء و العلماء، و أكثر علماء عصره أذعن لاجتهاده،

____________

(1) وقائع السنين و الأعوام: 510.

(2) حدائق المقربين: غير موجود.

(3) ذكر هنا ثلاثة طرق، و في المشجرة اثنين، و لم يتعرض إلى ذكر السيد نور الدين علي العاملي، فراجع.

(4) تقدم ذكره في: 85.

252

و يعمل على قوله في الفروع و الأصول، و هو في الحقيقة زينة لبلاد إيران (1).

و ذكر في الرياض له مؤلفات كثيرة.

و في نقد التفريشي في ترجمته: جليل القدر، عظيم المنزلة، رفيع الشأن، نقي الكلام، كثير الحفظ، من تلامذة أبيه، تشرّفت بخدمته (2).

و في أول المقابيس في ذكر ما اصطلحه فيه: و منها العلائي لولده و تلميذه الفاضل السديد، الفقيه العابد السعيد، المحدث الحفظة الرشيد، المحقق المدقق المتكلم المجيد، صاحب المفاخر و المعالي، الشيخ عبد العالي، بلّغه اللّه في الجنان إلى منتهى الأماني و الأعالي، و قد أدركه و نال صحبته، و أطرى في مدحه، و روى عنه السيد السند المؤيد المرتضى، صاحب نقد الرجال الأمير مصطفى التفريشي، و أجاز لابن أخته المحقق الداماد، و روى عن أبيه و غيره من المشايخ الأمجاد. انتهى (3).

و في الرياض: و يروي عنه الشيخ يونس الجزائري، و القاضي معزّ الدين حسين الأصفهاني، و الشيخ البهائي.

قال: و لمّا توفي قيل بالفارسية: (ابن مقتداى شيعة)، و قد كان تاريخ وفاة والده (مقتداى شيعة) (4).

يروي عن والده الأجل الأكمل، المحقق الثاني (رحمه اللّه).

[الثالث عزّ الدين الحسين بن عبد الصمد الحارثي الهمداني]

ثالثهم: العالم الجليل عزّ الدين الحسين بن عبد الصمد الحارثي الهمداني.

[في ذكر مشجرة مشايخ الحسين بن عبد الصمد الحارثي الهمداني]

[الأول السيد حسن بن السيد جعفر]

أ- عن السيد الأجل السيد حسن بن السيد جعفر المتقدم (5) ذكره.

____________

(1) تاريخ عالم آرا 1: 154، رياض العلماء 3: 131.

(2) نقد الرجال: 188، رياض العلماء 3: 131.

(3) مقابس الأنوار: 14.

(4) رياض العلماء 3: 131.

(5) تقدم في: 234.