خاتمة المستدرك‌ - ج9

- المحدث الشيخ حسين النوري المزيد...
346 /
305

بالنّعل.

و إن أرادوا عدم جواز الخوض في المطالب العقليّة لتحصيل المطالب الشرعية لكثرة وقوع الغلط و الاشتباه فيها، فلو سُلِّم ذلك، و أُغمض عن المعارضة لكثرة ما يحصل من الخطأ في فهم المطالب من الأدلة الشرعية فله وجه، و حينئذٍ فلو خاض فيها، و حصّل القطع بما لا يوافق الحكم الواقعيّ لم يُعذَر في ذلك، لتقصيره في مقدمات التحصيل، إلّا أن الشأن في ثبوت كثرة الخطأ أزيد ممّا يقع في فهم المطالب من الأدلّة الشرعية.

و قد عثرتُ بعد ما ذكرت هذا علىٰ كلام يُحكىٰ عن المحدّث الأسترآباديّ في فوائده المدنيّة، قال في عداد ما استدلّ به علىٰ انحصار الدليل في غير الضروريات الدينيّة بالسماع عن الصادقين (عليهم السّلام)، قال:

«الدليل التاسع: مبني علىٰ مقدمة دقيقة شريفة، تفطّنتُ لها بتوفيق اللّٰه تعالى، و هي أنّ العلوم النظرية قسمان:

قسم ينتهي إلىٰ مادّة هي قريبة من الإحساس، و من هذا القسم علم الهندسة، و الحساب، و أكثر أبواب المنطق، و هذا القسم لا يقع فيه الخلاف بين العلماء و الخطأ في نتائج الأفكار، و السبب في ذلك أنّ الخطأ في الفكر إمّا من جهة الصورة أو من جهة المادة، و الخطأ من جهة الصورة لا يقع من العلماء، لأنّ معرفة الصورة من الأُمور الواضحة عند الأذهان المستقيمة، و الخطأ من جهة المادة لا يتصور في هذه العلوم، لقرب المواد من الإحساس.

و قسم ينتهي إلىٰ مادّة هي بعيدة عن الإحساس، و من هذا القسم‌

306

الحكمة الإلهية، و الطبيعيّة، و علم الكلام، و علم أُصول الفقه، و المسائل النظرية الفقهية، و بعض القواعد المذكورة في كتب المنطق، و من ثَمّ وقع الاختلافات و المشاجرات بين الفلاسفة في الحكمة الإلهية و الطبيعيّة، و بين علماء الإسلام في أُصول الفقه، و علم الكلام، و غير ذلك.

و السبب في ذلك أنّ القواعد المنطقية إنّما هي عاصمة عن الخطأ من جهة الصورة، لا من جهة المادة، و ليست في المنطق قاعدة بها يعلم أنّ كلّ مادة مخصوصة داخلة في أيّ قسم من الأقسام، و من المعلوم امتناع وضع قاعدة تكفل بذلك».

ثم استظهر ببعض الوجوه تأييداً لما ذكره و قال بعد ذلك:

«فإن قلت: لا فرق في ذلك بين العقليّات و الشرعيّات، و الشاهد علىٰ ذلك ما نشاهده من كثرة الاختلافات الواقعة بين أهل الشرع في أصول الدين، و في الفروع الفقهية.

قلت: إنّما نشأ ذلك من ضمّ مقدمة عقليّة باطلة بالمقدمة النقلية الظنيّة أو القطعية.

و من الموضحات لما ذكرناه من أنّه ليس في المنطق قانون يعصم من الخطأ في مادّة الفكر أنّ المشّائين (1) ادّعوا البداهة في أنّ‌

____________

(1) المشّائين: طائفة من الحكماء، رئيسهم أرسطو.

و قيل في وجه تسميتهم بالمشّائين أُموراً:

منها: أنّ بناء المعلّم الأول أرسطو كان علىٰ التدريس حين مشيه ذهاباً إلىٰ خدمة الإسكندر و إياباً.

و منها: أنّ بناءهم كان علىٰ التعلّم و المشي إلىٰ منزل الأُستاذ.

و الاتجّاه السائد عموماً لدى أبناء هذه الطائفة في المقام الأول من البحث هو الطريقة العقلية للوصول إلىٰ الكشف عن الحقائق، و هذا ما يجعلها منسجمةً تماماً مع المقام الثاني من البحث، و هو المنهج المتّبع لإيصال هذه المعارف و الحقائق إلىٰ الآخرين.

و من أبرز أفراد هذه الطائفة في المشرق الإسلامي: الفارابي، المحقّق الطوسي، المحقّق الداماد و غيرهم. و في المغرب الإسلامي: ابن رشد، ابن ماجة، ابن صانع و غيرهم.

انظر بحر الفوائد للاشتياني: 30، بحث في مناهج المعرفة: 42.

307

تفرّق (1) ماء كوز إلىٰ كوزين إعدامٌ لشخصه، و إحداثٌ لشخصين آخرين، و علىٰ هذه المقدّمة بنو إثبات الهيولي.

و الإشراقيين (2) ادّعوا البداهة في أنّه ليس إعداماً للشخص الأول، و إنّما انعدمت صفة من صفاته و هو الاتصال».

____________

(1) في المصدر: تفريق.

(2) الإشراقيين: طائفة من الحكماء، يعدّ شيخ الإشراق السهروردي زعيمهم في العصر الإسلامي، علىٰ خلافٍ في أنّ هذا الاتجاه هل هو امتدادٌ للاتّجاه الأفلاطوني في الفكر اليوناني أم لا؟

و كيف كان، الأُصول و المباني الأساسية التي تنطلق منها هذه المدرسة للتعرّف علىٰ الحقائق الوجودية و الوقوف عليها هي:

1- المشاهدة و المكاشفة.

2- العقل و الاستدلال.

3- ظواهر الكتاب و السنة.

و قال المحقّقون في وجه تسميتهم بالإشراقيين: إنّ سبب ذلك هو أنّ العلم نورٌ يشرق في قلب العارف؛ لأنّ هؤلاء يعتقدون أنّ مثل القلب مثل المرآة المجلوة المصقولة محاذياً للّوح المحفوظ و ما عليه من العلوم و الحقائق الإلهية، فكما لا يمكن أن يكون شي‌ء محاذياً للمرآة المصقولة و لا يؤثر فيها، فكذلك لا يمكن شي‌ءٌ أن يكون محاذياً للّوح المحفوظ، و هو لا يرىٰ في المرآة القلبية الصافية.

راجع بحر الفوائد للاشتياني: 30، بحث في مناهج المعرفة: 83 96.

308

ثمّ قال: «إذا عرفت ما مهّدناه من المقدّمة الشريفة، فنقول:

إن تمسّكنا بكلامهم (عليهم السّلام) فقد عُصمنا من الخطأ، و إن تمسّكنا بغيرهم لم نعصم عنه» (1) انتهىٰ.

و المستفاد من كلامه: عدم حجيّة إدراكات العقل في غير المحسوسات، و ما تكون مبادئه قريبةً من الإحساس، إذا لم يتوافق عليه العقول.

و قد استحسن ما ذكره غير واحد ممّن تأخّر عنه، منهم: السيّد المحدّث الجزائري في أوائل شرح التهذيب علىٰ ما حكي عنه، قال بعد ذكر كلام المحدّث المتقدم بطوله-: «و تحقيق المقام يقتضي ما ذهب إليه.

فإن قلت: قد عزلت العقل عن الحكم في الفروع و الأُصول، فهل يبقىٰ له حكم في مسألة من المسائل؟

قلت: أمّا البديهيّات فله وحده، و هو الحاكم فيها؛ و أمّا النظريات فإن وافقه النقل و حكم بحكمه قُدّم حكمه علىٰ النقل؛ و أمّا لو تعارضا هو و النقلي فلا شكّ عندنا في ترجيح النقل، و عدم الالتفات إلىٰ ما حكم به العقل، قال: و هذا أصل تبنى (2) عليه مسائل كثيرة، ثم ذكر جملة من المسائل المتفرّعة» (3).

أقول: لا يحضرني شرح التهذيب حتى أُلاحِظ ما فرّع علىٰ ذلك،

____________

(1) الفوائد المدنية: 129 131.

(2) في المصدر: يبتني.

(3) شرح تهذيب الأحكام (مخطوط)، كتابه لم يتوفر لدينا، و انظر الأنوار النعمانيّة 3: 129 132.

309

فليت شعري إذا فرض حكم العقل علىٰ وجه القطع بشي‌ء كيف يجوز حصول القطع أو الظنّ من الدليل النقلي علىٰ خلافه!؟ و كذا لو فرض حصول القطع من الدليل النقلي كيف يجوز حكم العقل بخلافه علىٰ وجه القطع!؟.

و ممّن وافقهما علىٰ ذلك في الجملة المحدّث البحراني في مقدّمات الحدائق (1)، حيث نقل كلاماً للسّيد المتقدّم و استحسنه» (2). إلىٰ آخره، انتهىٰ ما أردنا نقله من كلامه الشريف.

و ظاهرٌ أنّ مورد كلام السيّد الجزائري، و المحدّث البحراني، ما ذكره المحدّث الأسترآبادي، فإن ظهر من كلماته في الفوائد المدنيّة: انّ مراده ممّا نفاه من حجيّة إدراكات العقل هو الإدراك الظنّي و الاستنباطات الظنّية في نفس الأحكام الشرعية، يكون مرادهما أيضاً ذلك، فلا أصل لهذه النسبة (3)، و لا محل لما أورد عليهم، و استغرب منهم.

فنقول: في كلماته في الفوائد مواضع عديدة يستفاد منها ما ذكرنا:

الأول: المواضع الساقطة من العبارة المنقولة، فإنّه قال: الدليل التاسع مبني علىٰ مقدمة و ساق كما نقله (قدّس سرّه) إلىٰ قوله-: و من المعلوم عند اولي الألباب امتناع وضع قاعدة تكفل بذلك، قال: «و ممّا يوضح ما ذكرنا من جهة النقل: الأحاديث المتواترة معنىً الناطقة بأنّ اللّٰه أخذ ضغثاً (4) من‌

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 126 132، المقدّمة العاشرة.

(2) فرائد الأُصول 1: 15 17.

(3) أي ما نسبه الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) إليهم من إنكارهم حجية القطع الحاصل من العقل.

(4) قال الفراء: الضغث ما جمعته من شي‌ء، لسان العرب 2: 164 (ضغث).

310

الحقّ، و ضغثاً من الباطل، فمغثهما (1)، ثم أخرجهما إلىٰ الناس، ثم بعث أنبياء يفرّقون بينهما، ففرّقهما الأنبياء و الأوصياء، فبعث اللّٰه الأنبياء ليفرّقوا ذلك، و جعل الأنبياء قبل الأوصياء ليعلم الناس من يفضّل اللّٰه و من يختص، و لو كان الحق علىٰ حدّه، و الباطل علىٰ حدّه، كل واحد منهما قائم بشأنه، ما احتاج الناس إلىٰ نبيّ و لا إلىٰ وصيّ، و لكنّ اللّٰه خلطهما و جعل تفريقهما إلىٰ الأنبياء و الأئمة (عليهم السّلام) من عباده.

و ممّا يوضحه من جهة العقل ما في الشرح العضدي للمختصر الحاجبي حيث قال في مقام ذكر الضروريات القطعية:

«منها المشاهدات الباطنية، و هي: ما لا يفتقر إلىٰ عقل كالجوع و الألم.

و منها الأوليات: و هي ما تحصل بمجرّد العقل، كعلمك بوجودك، و أنّ النقيضين يصدق أحدهما.

و منها المحسوسات: و هي ما يحصل بالحس.

و منها التجربيّات: و هي ما تحصل بالعادة، كإسهال المسهل و الإسكار.

و منها المتواترات (2): و هي ما تحصل بالإخبار تواتراً، كبغداد و مكّة.

و حيث قال في مقام ذكر الضروريات الظنيّة: أنّها أنواع:

الحدسيات: كما نشاهد نور القمر يزداد و ينقص بقربه و بعده من الشمس، فنظنّ أنه مستفاد منها.

____________

(1) المغث: الضرب ليس بالشديد، و أصله المرس و الدلك بالأصابع. انظر لسان العرب 2: 191 (مغث).

(2) بالطبع هناك اختلاف بين أرباب الفن في هذه التقسيمات.

311

و المشهورات كحسن الصدق و العدل و قبح الكذب و الظلم؛ و كالتجربيات الناقصة، و كالمحسوسات الناقصة.

و الوهميات مثل ما يتخيّل بمجرّد الفطرة بدون نظر العقل أنّه من الأوليات، مثل كلّ موجود متحيّز.

و المسلّمات: ما سلّمه الناظر من غيره» (1).

و حيث قال في مقام ذكر أصناف الخطأ في مادّة البرهان:

«الثالث: جعل الاعتقاديات، و الحدسيّات، و التجربيّات الناقصة، و الظنيّات، و الوهميّات؛ ممّا ليس بقطعيّ كالقطعي، و إجراؤها مجراه، و ذلك كثير (2)».

و حيث قال في مبحث الإجماع: «و الجواب: إنّ إجماع الفلاسفة علىٰ قدم العالم عن نظر عقلي، و تعارض الشبهة و اشتباه الصحيح بالفاسد فيه كثير.

و أمّا في الشرعيات: فالفرق بين القطع و الظن بيّن، لا يشتبه علىٰ أهل المعرفة و التميز» (3). انتهىٰ كلامه.

فإن قلت: لا فرق في ذلك بين العقليات و الشرعيات و ساق كما في الرسالة (4) إلىٰ قوله-: و هو الاتصال.

ثم قال: و من الموضحات لما ذكرناه أنّه: لو كان المنطق عاصماً عن الخطأ من جهة المادة لم يقع بين فحول العلماء العارفين بالمنطق اختلاف،

____________

(1) شرح العضدي 1: 19.

(2) شرح العضدي 1: 34.

(3) شرح العضدي 1: 125 126.

(4) راجع فرائد الأُصول (الرسائل) 1: 16.

312

و لم يقع غلط في الحكمة الإلهية، و في الحكمة الطبيعية، و في علم الكلام، و علم أُصول الفقه، و الفقه، كما لم يقع في علم الحساب، و في علم الهندسة.

و إذا عرفت ما مهّدناه من الدقيقة الشريفة فنقول: إن تمسّكنا بكلامهم (عليهم السّلام) فقد عُصمنا من الخطأ، و إن تمسّكنا بغيرهم (عليهم السّلام) لم نُعصم عنه، و من المعلوم أنّ العصمة من الخطأ أمر مطلوب مرغوب فيه شرعاً و عقلًا؛ أ لا ترى أنّ الإمامية استدلّت علىٰ وجوب عصمة الإمام بأنّه لولا العصمة للزم أمره تعالى باتّباع الخطأ، و هو قبيح عقلًا.

و أنت إذا تأمّلت في هذا الدليل علمت أنّ مقتضاه أنّه لا يجوز الاعتماد علىٰ الدليل الظنّي في أحكامه تعالىٰ أصلًا، سواء كان ظنّي الدلالة، أو ظنّي المتن، أو ظنّيهما.

و العجب كلّ العجب أنّ جمعاً من الأفاضل القائلين بصحّة هذا الدليل رأيتهم قائلين بجواز العمل بالدليل الظنّي، و نبّهتهم علىٰ تنافي لازميهما فلم يقبلوا، فقلت في نفسي:

إذا لم يكن للمرء عين صحيحة * * *فلا غرو أن يرتاب و الصبح مسفر

ثم قال: فائدة شريفة نافعة، فيها توضيح لما اخترناه، من أنّه لا عاصم عن الخطأ في النظريات التي مبادئها بعيدة عن الإحساس إلّا التمسّك بأصحاب العصمة (صلوات اللّٰه عليهم) و هي أن يقال: إنّ الاختلافات الواقعة بين الفلاسفة في علومهم، و الواقعة بين علماء الإسلام في العلوم الشرعية، السبب فيها. إلى أن قال: و بالجملة سبب الاختلاف إمّا إجراء الظنّ مجرى القطع، أو الذهول و الغفلة عن بعض الاحتمالات،

313

أو التردّد و الحيرة في بعض المقدّمات، و لا عاصم عن الكلّ إلّا التمسّك بأصحاب العصمة (صلوات اللّٰه عليهم) (1). انتهىٰ كلامه.

و صريح كلامه: أنّ الذي نفاه من الحجيّة إدراكه الظنّي، بل لا يرىٰ للعقل إدراكاً قطعياً في استنباط الأحكام الفرعية، كما يظهر من استشهاده بكلام العضدي و ارتضائه به.

أ رأيت من يجعل حسن الصدق و العدل و قبح الكذب و الظلم من الظنّيات التي منشؤها الشهرة مع أنّه من المصاديق الواضحة للمستقلّات العقلية القطعية يعتقد له إدراكاً قطعياً في ما دونه؟! فالنزاع في الحقيقة صغروي، و يؤيّده ما يأتي من كلماتهم ما هو صريح في حجّية إدراكه القطعي.

و العجب أنّه يصرّح بأنّ مقتضىٰ هذا الدليل عدم جواز الاعتماد على الدليل الظنّي في أحكامه تعالىٰ، ثم ينسب إليه أنّ مقتضاه عدم حجّية حكم العقل القطعي، بل يجعل مقالته أصلًا لكلمات من تبعه، و لكنّه (أعلىٰ اللّٰه مقامه) (2) معذور؛ لأنّه لم يكن عنده كتاب الفوائد، و إنّما نقله عن حاشية محمد تقي الأصفهاني (3) علىٰ المعالم (4)، و كذا ما نقله عن السيد الجزائري،

____________

(1) الفوائد المدنية: 129 131.

(2) أي الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه).

(3) في الأصل و الحجرية: فخر المحققين، و ما أثبتناه من حاشية الحجرية.

إذا أُطلق فخر المحققين فالمراد به ابن العلامة الحلي، و كيف تكون حاشية لفخر المحققين علىٰ كتاب مؤلفه توفي بعده بأكثر من مائتي سنة؟! نعم هناك حواشي علىٰ المعالم منها حاشية الأصفهاني المذكور.

(4) انظر هداية المسترشدين: 443.

314

كما لا يخفىٰ علىٰ من راجعهما، و صريح صاحب الحاشية أنّه نقله من أصل الكتاب.

الثاني: قوله في أول هذا الفصل: الأول: عدم ظهور دلالة قطعية و إذن في جواز التمسّك في نظريات الدين بغير كلام العترة الطاهرة (عليهم السّلام) و لا ريب في جواز التمسّك بكلامهم (عليهم السّلام)، فتعيّن ذلك، و الأدلّة المذكورة في كتب العامّة و كتب متأخّري الخاصّة علىٰ جواز التمسّك بغير كلامهم مدخولة، أجوبتها واضحة ممّا مهدناه و نقلناه. (1) إلىٰ آخره.

و لو لم يكن حكم العقل القطعي عنده حجّة لما قال: «عدم ظهور دلالة قطعيّة» فإنّه إشارة إلىٰ الدليل العقلي، و قوله: «و إذن». إلىٰ آخره، إشارة إلىٰ الدليل النقلي، و الذي قدّمه و أطال الكلام فيه هو أيضاً في نفي حجّية الاستنباطات الظنّية.

الثالث: قوله: الدليل الرابع: إنّ كلّ مسلك غير ذلك المسلك إنّما يعتبر من حيث إفادته الظنّ بحكم اللّٰه تعالىٰ، و قد أثبتنا سابقاً أنّه لا اعتماد علىٰ الظنّ المتعلّق بنفس أحكامه تعالىٰ أو بنفيها (2).

و هو أيضاً نصّ في عدم اعتقاده الإدراك القطعي للعقل في أحكامه تعالىٰ، و إنّ إدراكه فيها لا يتجاوز حدّ الظنّ الذي ليس بحجّة.

الرابع: قوله: الدليل السادس: إنّ العقل و النقل قاضيان بأنّ المصلحة في بعث الرسل و إنزال الكتب: دفع الاختلاف و الخصومات بين العباد؛ ليتمّ نظم معايشهم و معادهم، فإذا كان من القواعد الشرعية جواز العمل بالظنّ‌

____________

(1) الفوائد المدنية: 128.

(2) الفوائد المدنية: 129.

315

المتعلّق بنفس أحكامه تعالىٰ أو بنفيها، لفاتت المصلحة؛ لحصول الاختلاف و الخصومات كما هو المشاهد (1). انتهىٰ.

و فيه أيضاً من الدلالة علىٰ المبطلين ما لا يخفىٰ.

الخامس: قوله في الفصل الأول و هو في إبطال التمسّك بالاستنباطات الظنّية في نفس أحكامه تعالىٰ في الوجه العاشر: و اعلم أنّ انحصار طريق العلم بنظريات الدين في الرواية عنهم، و عدم جواز التمسك بالاستنباطات الظنّية من كتاب اللّٰه، و من سنّة رسوله (صلّى اللّٰه عليه و آله) أو من الاستصحاب، أو من البراءة الأصلية، أو من القياس، أو من إجماع المجتهدين، و أشباهها، كان من شعار متقدّمي أصحابنا أصحاب الأئمة (عليهم السّلام) حتى صنّفوا في ذلك كتباً (2). انتهىٰ.

و لو كان ممّن يرىٰ للعقل إدراكاً قطعياً لعدّه، بل قدّمه علىٰ الاستصحاب و ما يليه.

السادس: قوله فيه بعد ذكر الأخبار الدالّة علىٰ تقسيم الناس علىٰ ثلاثة باختلاف في مضمونها ما لفظه في الحاشية: في هذه الأحاديث الشريفة إشارة إلىٰ تصويب طريقة الأخباريين من الإمامية (3).

و في شرح المقاصد، و شرح المواقف: انّ طائفة من العلماء ذهبوا إلىٰ أنّه يجب أَخذ أُصول الدين و فروعه من أصحاب العصمة (عليهم السّلام) و إلى أنّه لا يستقلّ العقل بتحصيلها كما ينبغي.

____________

(1) الفوائد المدنية: 129.

(2) الفوائد المدنية: 122.

(3) الفوائد المدنية: 120.

316

السابع: قوله فيه أيضاً: الوجه العاشر: الخطب و الوصايا المنقولة عن أمير المؤمنين و أولاده (عليهم السّلام) الصريحة في أنّ كلّ طريق يؤدّي إلىٰ اختلاف المعاني من غير ضرورة التقيّة مردودٌ غير مقبول عند اللّٰه تعالىٰ؛ من حيث إنّه يؤدّي إلى الاختلاف. و من المعلوم أنّ هذا المعنىٰ كما يشمل القياس، و الاستحسان، و الاستصحاب، و أشباهها، يشمل الاستنباطات الظنّية من كلام رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله).

علىٰ أنّ الظنّ غير حاصل علىٰ مذهب الخاصّة في كثير من تلك المواضع، و إنّما يحصل علىٰ مذهب العامّة؛ و الصريحة (1) في أنّه لا يجوز الإفتاء و القضاء إلّا لرجل يعضّ في العلم بضرس قاطع (2). إلىٰ آخره.

الثامن: قوله في بعض فوائد مقدّمة الكتاب بعد نقل كلام الشيخ في الاستبصار (3)، انتصاراً لما هو بصدده من حجّية مطلق الأخبار ما لفظه: فأقول: ملخص كلامه: إنّ الأخبار المسطورة في الكتب [التي (4)] انعقد إجماع [قدماء (5)] الطائفة المحقّة علىٰ ورودها عن المعصومين (عليهم السّلام) و كانت مرجعاً لهم فيما يحتاجون إليه من عقائدهم و أعمالهم تنحصر في أقسام ثلاثة:

الأول: أن تكون صحّة مضمونه متواترة، فذلك لا يجوز فيه التناقض.

____________

(1) عطف علىٰ قوله السابق: الصريحة في أن كل طريق يؤدي.

(2) الفوائد المدنية: 94.

(3) الاستبصار 1: 3.

(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في الأصل و الحجرية، أضفناهما من المصدر.

(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في الأصل و الحجرية، أضفناهما من المصدر.

317

و الثاني: أن توجد قرينة دالّة علىٰ صحّة مضمونه، و من القرائن: أن يكون مضمونه مطابقاً لدليل العقل القطعي؛ كالخبر الدالّ علىٰ أنّ التكليف لا يتعلّق بغافل عنه ما دام غافلًا، و الخبر الدالّ علىٰ أنّ الفعل الواجب الذي حجب اللّٰه العلم بوجوبه عن العباد موضوع عنهم ما داموا كذلك؛ لا الدليل العقلي الظنّي، كالاستصحاب، و كجعل عدم ظهور المدرك علىٰ حكم شرعي مدركاً علىٰ عدم ورود ذلك الحكم في الواقع. (1) إلىٰ آخره.

التاسع: قوله في الفصل السادس: و أمّا التمسّك بالترجيحات الاستحسانيّة الظنّية، المسطورة في كتب العامّة، و كتب (2) جمع من متأخّري أصحابنا، و هو أيضاً باطل؛ لأدلةٍ: الدليل الأول: أنّه لا إذن بذلك من جهة الشارع، و لم يظهر دلالة قطعية عقلية عليه. (3) إلىٰ آخره.

و لا يخفىٰ صراحته و صراحة ما قبله في حجّية إدراك (4) العقل و حكمه إذا كان قطعياً، و ذكر مثل هذا في الوجه الأول من الوجوه التي استدلّ بها علىٰ عدم جواز التمسّك بالاستنباطات الظنّية في نفس أحكامه تعالىٰ.

العاشر: قوله في الفوائد المكيّة و هي أجوبة مسائل سألها عنه الشيخ العالم الفاضل حسين بن حسن بن ظهير الدين العاملي، و هي عندي بخطّه (رحمه اللّٰه)

____________

(1) الفوائد المدنية: 66 67، اكتفىٰ المصنف هنا بنقل القسم الأوّل و الثاني دون الثالث و الذي هو: ما لا يكون هذا و لا ذاك.

(2) في المصدر:. و كتب جمع من متأخري الخاصة عند تعارض الأدلة الظنية، فقد قال به جمع من متأخري أصحابنا، و هو أيضاً باطل.

(3) الفوائد المدنية: 136، و الأدلة هي أربعة كما في المصدر.

(4) لاحظ استفادة المحدث النوري (قدّس سرّه) من قول الأسترآبادي الثالث المتقدم و استفادته هنا من قوله الثامن و التاسع من حيث التنافي و التعارض بين حجية الإدراك العقلي القطعي هنا و عدمها هناك.

318

ما لفظه: قوله أيده اللّٰه تعالىٰ: ما وجه اختلاف أصحابنا الإمامية في المسائل الشرعية سيّما المتأخّرين منهم، حتى أنّ الواحد منهم ربّما خالف نفسه مرتين أو مرارا. إلىٰ آخره.

أقول: أمّا اختلاف قدمائنا (قدّس اللّٰه أرواحهم) فهو ناشٍ عن اختلاف أصحاب العصمة (صلوات اللّٰه عليهم) في فتاويهم، صرّح بذلك رئيس الطائفة في كتاب العدّة (1).

و أمّا اختلاف المتأخّرين فقد يكون من هذا القبيل، و كثيراً ما يكون ناشئاً عن عدم الاطّلاع علىٰ نصٍّ من أصحاب العصمة (صلوات اللّٰه عليهم) و ذلك في الوقائع النادرة الوقوع، بل المعدومة الوقوع أو ظنّ بعضهم ضعف بعض النصوص المنقولة في الكتب الأربعة عن أُصول قدمائنا المجمع علىٰ ورودها عن أصحاب العصمة (صلوات اللّٰه عليهم) و عن تمسّكهم بأمارات عقليّة، و خيالات ظنّية كأصل البراءة، و الاستصحاب، و كالتمسّك بإطلاق أو عموم أو بإجماع خرصي، و الحقّ أنّ القسم الأول من الاختلاف مرضي دون الثاني (2). انتهىٰ.

إلىٰ غير ذلك من كلماته التي توجد في كتابه متفرّقاً، ممّا لا حاجة إلى نقلها بعد التأمّل فيما نقلناه، ممّا هو صريح في أنّ مراده ممّا نفاه: إدراك العقل الظنّي الذي يعبّر عنه بالاستنباطات الظنّية، و أنّه لا يرىٰ له إدراكاً قطعياً في استنباط الأحكام الفرعية، و لو فرض وجوده فيها فهو حجّة عنده.

____________

(1) انظر عدة الأُصول: 51 52.

(2) الفوائد المكّية (مخطوط).

319

و أمّا السيّد المحدّث الجزائري فلا يخفىٰ علىٰ من راجع شرحه على التهذيب و الأنوار النعمانية، أنّه تبعه في أقواله، و نسج علىٰ منواله، حتى في عناوين المطالب، فقال في الأول: المسألة السابعة: في الدلائل المذكورة عندهم علىٰ إبطال التمسّك بالاستنباطات الظنّية، و هي أُمور (1). و ذكر جملة ممّا في الفوائد و زاد اخرىٰ.

ثم قال: المسألة الثامنة: في بيان انحصار مدرك ما ليس من ضروريات الدين من المسائل الشرعية أصليّة كانت أو فرعية في السماع عن الصادقين (عليهم السّلام) (2). ثم ذكر بعض الوجوه التي في الفوائد، و زاد عليها اخرىٰ، و يظهر من جميعها أنّ المقصد واحد، و المراد متّحد، مضافاً إلىٰ تصريحه في بعض الموارد.

فقال في الأنوار: و أمّا المسائل الفرعية فمدارهم علىٰ طرح الدلائل النقلية، و القول بما أدّت إليه الاستحسانات العقلية، و إذا عملوا بالدلائل النقلية يذكرون أولًا الدلائل العقلية، ثم يجعلون دليل النقل مؤيّداً لها، و عاضداً إيّاها، فيكون المدار و الأصل إنّما هو العقل، و هذا منظورٌ فيه. (3) إلىٰ آخره.

و هذا نصّ في أنّ مراده من دليل العقل هو الاستحسان، الذي قد يعبّر عنه بالاستنباط الظنّي.

و أصرح منه ما ذكره في شرح الدعاء الثاني من الصحيفة الكاملة، قال: و قد استدلّوا علىٰ بطلان الإحباط بدلائل عقلية أبطلناها في شرحنا‌

____________

(1) شرح التهذيب (مخطوط).

(2) شرح التهذيب (مخطوط).

(3) الأنوار النعمانيّة 3: 131.

320

الكبير (1)، و لعمري إنّ جلّ ما حداهم علىٰ هذا ما استفاض بينهم: من أنّه إذا تعارض الدليلان العقلي و النقلي وجب تأويل الثاني أو طرحه، إن لم يمكن التأويل.

و قد ضقت بهذه المسألة ذرعاً، حتى ظهر لي بفضل اللّٰه أنّ هذا لا يتمشّى إلّا فيما إذا كانت مقدّماته بديهية، أو ما إذا كانت مقدّماته مأخوذة من الدليل النقلي، أمّا في غيرها فلا ينبغي لعاقل فضلًا عن فاضل أن يرتاب في بطلان ما اشتهر، بل يجب عليه أن يجزم بعكسه؛ لأنّها عند التحقيق لا تفيد إلّا ظنا (2). إلىٰ آخره.

و ممّا يؤيد ما ذكرنا أنّ الشيخ الأجلّ الحرّ العاملي الذي هو أصلب في الأخبارية من المحدّث الجزائري صرّح في الوسائل بحجيّة حكم العقل إذا كان قطعياً، فقال في الفائدة الثامنة في ذكر القرائن التي تقترن بالخبر، ممّا يدل علىٰ ثبوته عنهم (عليهم السّلام) أو علىٰ صحّة مضمونة ما لفظه: و منها موافقته لدليل عقلي قطعي، و هو راجع إلىٰ موافقة النصّ المتواتر، لأنّه لا ينفكّ منه أصلًا (3).

و قال في كتاب الجهاد؛ باب وجوب طاعة العقل و مخالفة الجهل (4). و ساق جملة من الأخبار المعروفة، التي منها: «أنّ للّٰه علىٰ الناس حجّتين: حجّة ظاهرة و حجّة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرسل و الأنبياء‌

____________

(1) و هو شرح كبير للصحيفة السجادية، و هو غير شرحه الآخر المسمّى بنور الأنوار و الذي يكون ملخصاً للشرح الكبير هذا، راجع الذريعة 13: 358.

(2) نور الأنوار (شرح الصحيفة).

(3) وسائل الشيعة 20: 95.

(4) وسائل الشيعة 11: 160 باب 8.

321

و الأئمة (صلوات اللّٰه عليهم)، و أمّا الباطنة فالعقول» (1).

ثمّ قال: أقول: العقل يطلق في كلمات العلماء و الحكماء علىٰ معانٍ كثيرة، و بالتتبّع يعلم أنّه يطلق في الأحاديث علىٰ ثلاثة معان:

أحدها: قوّة إدراك الخير و الشر، و التمييز بينهما، و معرفة أسباب الأُمور، و نحو ذلك، و هذا هو مناط التكليف.

و ثانيها: حالة و ملكة تدعو إلىٰ اختيار الخير و المنافع، و اجتناب الشرّ و المضارّ.

و ثالثها: التعقّل، بمعنى العلم، و لذا يقابل بالجهل، لا بالجنون.

و أحاديث هذا الباب و غيره أكثرها محمولة علىٰ المعنىٰ الثاني و الثالث (2).

و قال في الفائدة التاسعة و السبعين من كتابه المسمّى بالفوائد الطوسيّة: قد تجدّد في هذا الزمان من بعض المائلين إلىٰ العمل بالأدلّة العقلية الظنّية الاستدلال علىٰ ذلك بما ورد في الحديث من قولهم (عليهم السّلام): «صديق كلّ امرئ عقله، و عدوّه جهله» (3).

و قولهم (عليهم السّلام): «العقل دليل المؤمن» (4).

و قولهم (عليهم السّلام): «الحجّة علىٰ الناس اليوم العقل» (5).

و قولهم (عليهم السّلام): «إنّ للّٰه علىٰ الناس حجّتين: حجّة ظاهرة و حجّة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 11: 161، قطعة من الحديث 6.

(2) وسائل الشيعة 11: 163، ذيل الحديث 11.

(3) أُصول الكافي 1: 8/ 4، المحاسن: 194/ 12.

(4) أُصول الكافي 1: 19/ 24.

(5) أُصول الكافي 1: 19/ 20، بتفاوت يسير.

322

باطنة» (1). إلىٰ آخره.

ثمّ أورد علىٰ هذا الاستدلال بوجوه كثيرة. إلىٰ أن قال: الحادي عشر: بعد التنزّل عن جميع ذلك نقول: إنّها غير صريحة في حجّية الدليل العقلي الظنّي قطعاً، و لا ظاهرة في العموم بالنسبة إليه، فلا يجوز الاستدلال بها عليه، و لو سلّمنا عمومها فإنّ المخصِّص لها موجود، و هو الآيات (2) الكثيرة، و الروايات (3) المتواترة في النهي عن العمل بالظنّ، فإذا خُصَّت بالدليل العقلي القطعي لم يبق لها فائدة؛ لأنّ هذا القسم غير موجود في الفروع قطعاً، و علىٰ تقدير وجوده في غيرها مثل بطلان تكليف ما لا يطاق، و نحو ذلك فهو مسلّم، لكن هناك دليل نقلي متواتر قطعاً، و الاستقراء شاهد بذلك (4).

ثم ذكر للعقل المعاني الثلاثة السابقة، و قال: و في هذه الأخبار و سائر أخبار مدح العقل دليلٌ واضحٌ علىٰ أنّ المراد به العقل المقابل للجهل، أعني العلم، لا المقابل للجنون، و هو من التعقّل. و قد أُطلق الجهل علىٰ الظنّ في الأخبار.

ثم ذكر أنّه لو كان المراد من العقل فيها المقابل للجنون فلا بدّ من تخصيصه بأنواع اثني عشر، و ساق الأنواع.

ثم قال: و هذه الأنواع ربّما تتداخل، و أكثرها يمكن استفادته من‌

____________

(1) أُصول الكافي 1: 13، قطعة من الحديث 12.

(2) انظر علىٰ سبيل المثال سورة يونس الآية 36، و الحجرات الآية 12.

(3) راجع قرب الاسناد: 29/ 94.

(4) الفوائد الطوسيّة: 350 352.

323

النقل، أو من النقل و العقل، و لا بدّ فيها كلّها من الوصول إلىٰ حدّ العلم (1). إلىٰ آخره.

و قال في الفائدة الثانية و التسعين في ردّ الرسالة التي كتبها بعض معاصريه في الاجتهاد-: قال المعاصر: لا دليل إلّا كلام اللّٰه و رسوله و الأئمّة (صلوات اللّٰه عليهم) و ما قالوا بحجّيته و عملوا به، و هو أُمور: العقل، كما دلّ عليه الكتاب و السنة (2). إلىٰ آخره.

فقال في الجواب، قوله: العقل كما دلّ عليه الكتاب و السنّة. أقول: هذا الكلام مجمل لا يخلو من تسامح، و قد صرّح في موضع آخر ممّا نقلناه بأنّ العقل عبارة عن فهم المعارف، من إثبات الصانع، و صفاته، و التوحيد، و العدل، و التمييز بين الخطأ و الصواب، فعلى هذا لا يكون حجّة عنده إلّا فيما يتوقّف عليه حجّية الدليل السمعي، فإن أراد هذا سقط النزاع، لأنّ الأخباريين قائلون بحجّية هذا القدر، و أحاديث الأئمة (عليهم السّلام) ناطقة به، و لا خلاف فيه؛ إذ لا يمكن حجّية الدليل السمعي بالدليل السمعي، و الحديث الذي أورده لا يدلّ علىٰ أكثر من ذلك.

و حينئذ فجعل العقل من جملة الأدلّة قليل الفائدة؛ لأن الكلام في أدلّة الأحكام الشرعية الفرعية.

و لا يخفىٰ أنّه قد استعمل بمعانٍ كثيرة في كلام العلماء تزيد علىٰ عشرة معان، و استعمل في الأحاديث. و ذَكَرَ المعاني الثلاثة المتقدّمة (3).

____________

(1) الفوائد الطوسيّة: 352 354.

(2) الفوائد الطوسيّة: 417.

(3) انظر الفوائد الطوسيّة: 426.

324

ثمّ قال: و معلوم أنّ أكثر الآيات و الروايات الواردة في مدح العقل يراد بها المعنىٰ الثالث، و لا شبهة في وجوب العمل بالعلم و اليقين، و لا ريب أنّ العقل إنّما يحصل منه العلم و اليقين ببعض مطالب الأُصول لا بجميعها، و لا بشي‌ء من مطالب الفروع، و لا دليل علىٰ حجّية المقدمات العقلية الظنّية.

و معلومٌ بالتتبّع أنّ كلّ مقدمة عقلية قطعية تتعلق بالأُصول و الاعتقادات ففيها نصّ متواتر، و هذا ظاهر لمن تتبّع. إلىٰ أن قال: و من المعلوم المتّفق عليه أنّه لا يوجد دليل عقلي قطعي في شي‌ء من مسائل فروع الفقه، و العقل الظنّي فيها ليس علىٰ حجّيته دليل يعتدّ به، بل النهي عن الظنّ شامل له (1). إلىٰ آخره.

و قال أيضاً في جملة كلام له: و لعلّ وجه ردّها أي الروايات الدالة على الرؤية مخالفتها للدليل العقلي القطعي، و الدليل النقلي المتواتر، فلا يدلّ علىٰ أحدهما منفرداً، و قد عرفت تلازمهما، و من تتبّع جزم بصحّة ما قلناه (2).

إلىٰ غير ذلك من كلماته التي تنادي بأعلى صوتها: أنّ ما نفوا حجّيته حُكْمَ العقل الظنّي، و أنّه لا حكم قطعي له في الفروع، و أنّه لو فرض وجوده نادراً فهو حجّة، لا ينفكّ عنه صدور دليل نقلي قطعي بالتواتر.

و أمّا المحدّث البحراني، فلا يخفىٰ علىٰ من راجع مؤلفاته أنّه أيضاً تابعهم، و استصوب مقالتهم، و نفى ما نفوه، فيحمل المجمل من كلامه علىٰ‌

____________

(1) الفوائد الطوسيّة: 426 427.

(2) الفوائد الطوسيّة: 428 429.

325

ما نصّ عليه.

قال في مقدّمات الحدائق و في الدرر النجفية (1): قد اشتهر بين (2) أصحابنا (رحمهم اللّٰه) الاعتماد علىٰ الأدلة العقلية في الأُصول و الفروع، و ترجيحها علىٰ الأدلّة النقلية، و لذا تراهم في الاصولين (3) متى تعارض الدليل العقلي و السمعي قدّموا الأول، و اعتمدوا عليه، و تأوّلوا الثاني بما يرجع إليه، و إلّا طرحوه بالكليّة.

و في كتبهم الاستدلالية في الفروع الفقهية أول ما يبدؤون في الاستدلال بالدليل العقلي، و ينقلون الدليل السمعي مؤيّداً له، و من ثمّ قدّم أكثرهم العمل بالبراءة الأصلية و الاستصحاب و نحوها من الأدلة العقلية علىٰ الأخبار الضعيفة باصطلاحهم، بل الموثّقة (4).

ثم ذكر مثالًا و قال: و بالجملة فكلامهم تصريحاً في مواضع، و تلويحاً في أُخرى متّفق الدلالة علىٰ ما نقلناه، و لم أر من ردّ ذلك و طعن فيه سوىٰ المحدّث المحقّق السيّد نعمة اللّٰه الجزائري في مواضع من مصنّفاته، منها: في كتاب الأنوار النعمانية و هو كتاب جليل يشهد بسعة دائرته، و كثرة اطّلاعه على الأخبار، و جودة تبحّره في العلوم و الآثار حيث قال فيه و نعم ما قال، فإنّه الحقّ الذي لا تعتريه غياهب الإشكال (5). ثمّ نقل‌

____________

(1) في الأصل و الحجرية: الدرّة النجفية، علماً ان كتاب الدرّة النجفية للسيد بحر العلوم و كتاب المحدّث البحراني هو ما أثبتناه.

(2) وردت هنا زيادة في المصدر هي: أكثر.

(3) المراد: أُصول الدين و أُصول الفقه.

(4) الحدائق الناضرة 1: 125.

(5) الحدائق الناضرة 1: 126، و انظر الأنوار النعمانية 3: 129.

326

كلامه بطوله، و قد عرفت مراده من تصريحاته، فيكون هو الحقّ الذي استحسنه و اختاره.

و مع ذلك قال في جملة كلام له بعد نقل كلام السيّد: و لا ريب أنّ الأحكام الفقهية من عبادات و غيرها توقيفية، تحتاج إلىٰ السماع من حافظ الشريعة؛ و لهذا قد استفاضت الأخبار كما مرّ بك الإشارة إلىٰ شطر منها في المقدّمة الثالثة بالنهي عن القول في الأحكام الشرعية بغير سماع منهم، و علم مأثور عنهم (عليهم السّلام) (1) و وجوب التوقّف عن الفتوىٰ و الرجوع إلىٰ الاحتياط في العمل متى انسدّ طريق العلم منهم، و وجوب الردّ إليهم فيما خفي وجهه و أشكل أمره من الأحكام، و ما ذاك إلّا لقصور العقل المذكور عن الاطّلاع علىٰ أغوارها، و إحجامه علىٰ التلجلج في لجج بحارها، بل لو تمّ للعقل الاستقلال لبطل إرسال الرسل، و إنزال الكتب؛ و من ثم تواترت الأخبار ناعية علىٰ أصحاب القياس بذلك (2).

ثم ساق بعضها و قال: إلىٰ غير ذلك من الأخبار (3) المستفيضة الدالّة على كون الشريعة توقيفيّة لا مدخل للعقل في استنباط شي‌ء من أحكامها بوجهٍ من الوجوه. نعم، عليه القبول و الانقياد و التسليم (4). إلىٰ آخره (5).

و هو صريح في أنّه لا يرىٰ للعقل استقلالًا و طريقاً إلىٰ معرفة الأحكام بالقطع و اليقين، لا أنّه يستقلّ و لا يكون مع ذلك حجّة.

____________

(1) زيادة من المصدر.

(2) الحدائق الناضرة 1: 131.

(3) في المصدر: الأخبار المتواترة معنىٰ.

(4) الحدائق الناضرة 1: 132.

(5) الدرر النجفية: 145 148.

327

إلىٰ غير ذلك من كلماتهم الصريحة فيما ادّعينا ممّا لا حاجة إلىٰ نقلها، بعد التنصيص من هؤلاء الأعلام، الذين هم عمد أصحابنا الأخباريين، و عيونهم و وجوههم، و كلّ من أتى بعدهم فقد حذا حذوهم، و اتّبع أقوالهم. فالمهم في هذا الباب إثبات الصغرىٰ، و بيان إمكان استقلال العقل في استنباط بعض الأحكام الفرعية بالقطع و اليقين.

و ما أشبه هذا النزاع بنزاعهم الآخر، من دعواهم قطعيّة الأخبار لقرائن ذكروها، و إنكار المجتهدين ذلك لقرائن اخرىٰ تنفيها.

و اللّٰه الموفق للصواب و إليه المرجع و المآب.

328

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

329

الفائدة الثانية عشر

330

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

331

اعلم أنّ علم الحديث علم شريف، بل هو أشرف العلوم، فإنّ غايته الفوز بالسعادة الأبدية، و التحلّي بالسنن النبوية، و الآداب العلوية، و به يدرك الفوز بالمعارف الحقّة ما لا يدرك من غيره، و منه يتبيّن الحلال و الحرام، و الفرائض و السنن، و طرق تهذيب النفس و صفائها.

قال الشهيد الثاني في منية المريد: أقسام العلوم الشرعية الأصلية أربعة: علم الكلام، و علم الكتاب العزيز، و علم الأحاديث النبوية، و علم الأحكام الشرعية المعبّر عنها: بالفقه (1). إلىٰ أن قال:

و أمّا علم الحديث فهو أجلّ العلوم قدراً، و أعلاها رتبة، و أعظمها مثوبة بعد القرآن، و هو ما أُضيف إلىٰ النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) أو إلىٰ الأئمّة المعصومين (صلوات اللّٰه عليهم) قولًا، أو فعلًا، أو تقريراً، أو صفةً، حتى الحركات و السكنات، و اليقظة و النوم.

و هو ضربان: رواية، و دراية.

فالأول: العلم بما ذكر.

و الثاني: و هو المراد بعلم الحديث عند الإطلاق، و هو علم يعرف به معاني ما ذكر، و متنه، و طرقه، و صحيحه و سقيمه، و ما يحتاج إليه من شروط الرواة، و أصناف المرويات، ليعرف المقبول منه و المردود، ليعمل به أو يجتنب، و هو أفضل العلمين، فإنّ الغرض الذاتي منهما هو العمل،

____________

(1) منية المريد: 188.

332

و الدراية هي السبب القريب له (1).

قال (رحمه اللّٰه): و ممّا جاء في فضل علم الحديث من الأخبار و الآثار قول النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «ليبلغ الشاهد الغائب، فإنّ الشاهد عسىٰ أن يبلغ من هو أوعىٰ له منه» (2).

و قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله): «نضّر (3) اللّٰه امرأً سمع منّا حديثاً فحفظه، حتى يبلّغه غيره، فرب حامل فقه إلىٰ من هو أفقه منه و رب حامل فقه و ليس بفقيه» (4).

و قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله): «من أدىٰ حديثاً يقام به سُنّة، أو يثلم به بدعة، فله الجنّة» (5).

و قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله): «رحم اللّٰه خلفائي» قلنا: و من خلفاؤك؟ قال: «الذين يأتون بعدي، فيروون أحاديثي، و يعلّمونها الناس» (6).

و قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله): «من حفظ علىٰ أُمتي أربعين حديثاً من أمر دينها بعثه اللّٰه يوم القيامة فقيهاً، و كنت له شافعاً و شهيداً» (7).

و قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله): «من يعلم حديثين اثنين ينفع بهما نفسه، أو يعلّمهما‌

____________

(1) منية المريد: 191.

(2) مسند أحمد 5: 37.

(3) نضّر: بتخفيف الضاد و تشديدها، النضرة هي النعمة و البهاء علىٰ الوجه.

(4) انظر سنن أبي داود 3: 322/ 3660، سنن الترمذي 5: 34/ 2656، تحف العقول: 30.

(5) شرف أصحاب الحديث: 80.

(6) الفقيه 4: 302/ 95، معاني الأخبار: 374 375.

(7) الخصال 2: 541.

333

غيره فينتفع بهما كان خيراً من عبادة ستين سنة» (1).

و ساق جملة من الأخبار (2)، و قد مرّ أضعافها في كتاب القضاء (3).

و لو لم يرد في فضله و شرافته إلّا قول الحجّة (صلوات اللّٰه عليه): «و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلىٰ رواة حديثنا فإنّهم حجّتي» (4). إلىٰ آخره، لكفاه شرافةً و فضلًا.

و أعجب ما ورد في المقام ما رواه الشيخ الجليل أبو جعفر الطبري في كتاب دلائل الإمامة مسنداً عن ابن مسعود قال: جاء رجل إلىٰ فاطمة (سلام اللّٰه عليها) فقال: يا بنت رسول اللّٰه، هل ترك رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) عندك شيئاً تطرفينيه؟ فقالت: «يا جارية هات تلك الجريدة» فطلبتها فلم تجدها، فقالت: «و يحك اطلبيها فإنّها تعدل عندي حسناً و حسيناً!!» فطلبتها فإذا هي قد قمّمتها في قمامتها فإذا فيها: قال محمّد النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله): «ليس من المؤمنين من لم يأمن جاره بوائقه، و من كان يؤمن باللّٰه و اليوم الآخر فلا يؤذي جاره» (5) الخبر.

و رواه في الكافي باختلاف يسير، و ليس فيه قولها: «فإنّها تعدل» (6). إلى آخره.

و قال ولده المحقق صاحب المعالم في إجازته الكبيرة: إنّ إعطاء‌

____________

(1) كنز العمال 10: 163 164/ 28849.

(2) منية المريد: 192.

(3) راجع الجزء السابع عشر من مستدرك الوسائل.

(4) كمال الدين و تمام النعمة: 484/ 4، الغيبة للطوسي: 177.

(5) دلائل الإمامة: 1.

(6) أُصول الكافي 2: 489/ 6.

334

الحديث حقّه من الرواية و الدراية أمر مهم لمن أراد التفقّه في الدين، إذ مدار أكثر الأحكام الشرعية عليه، و قد كان للسلف الصالح (رضوان اللّٰه عليهم) مزيد اعتناء بشأنه، و شدّة اهتمام بروايته و عرفانه، فقام بوظيفته منهم في كلّ عصر من تلك الأعصار أقوام بذلوا في رعايته جهدهم، و أكثروا في ملاحظته كدّهم و وكدهم، فللّٰه درهم إذ عرفوا من قدره ما عرفوا، و صرفوا إليه من وجوه الهمم ما صرفوا، ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا حقّه، و جهلوا قدره، فاقتصروا من روايته علىٰ أدنى مراتبها، و ألقوا حبل درايته علىٰ غاربها.

ثم أتاح اللّٰه سبحانه بمقتضىٰ حكمته من عرف قدره، و بذل في خدمته وسعه، فعمّر منه الدارسة، و جدّد معالمه الطامسة، و أيقظ من مراقد الغفلة رجالًا فهمّهم إسراره، و أراهم بعين البصيرة أنواره، فرغبوا في سلوك سبيله، و جهدوا علىٰ إحرازه و تحصيله، لكنّهم حيث انقطعت عنهم بتلك الفترة طريق الرواية من غير جهة الإجازة قلّت حظوظهم من الدراية، و لاحتياجه و الحال هذه إلىٰ طول الممارسة، و إكثار المطالعة و المراجعة، و المتحملون لهذه الكلفة أقلّ قليل، و الأكثرون إنّما يمرّون علىٰ معاهدة عابري سبيل (1)، انتهىٰ.

قلت: أمّا اهتمام السلف في هذا الفن الشريف، فهو أمر معلوم لمن راجع التراجم و الإجازات، حتى قال فخر المحققين في آخر الإيضاح في مسألة عدم تحمّل العاقلة من الجراحات إلّا الموضحة و ما فوقها ما لفظه:

____________

(1) حكاها عنه المجلسي في البحار 109: 3.

335

و لما رواه الشيخ عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضّال، عن يونس بن يعقوب، عن أبي مريم، عن الباقر (عليه السّلام) قال: «قضىٰ أمير المؤمنين (عليه السّلام) أن لا تحمل على العاقلة إلّا الموضحة فصاعداً» (1).

و هذه الرواية هي التي أشار إليها المصنّف (2) بقوله: فيها ضعف، فإنّ في طريقها: ابن فضّال، فإن كان الحسن فقد قيل: إنّه فطحي المذهب (3).

و أمّا في المختلف فجعله في الموثّق (4)، ثم لمّا قرأت عليه التهذيب في المرّة الثانية في طريق الحجاز في سنة ثلاث و عشرين و سبعمائة سألته عن هذه الرواية لمّا بلغت إليها، و قلت له: إنّك حكمت عليها في المختلف: أنّها من الموثّق، و في القواعد (5) قلت: إنّ فيها ضعف؟ فقال لي: بل هي ضعيفة (6)، انتهىٰ.

و علىٰ ذلك جرت سيرتهم، و مضىٰ ديدنهم قديماً و حديثاً، فإنّهم على اختلاف مشاربهم و طريقتهم في كثير من الأُمور أُصولًا و فروعاً اتّفقوا علىٰ الاهتمام في البحث عن الأحاديث تدريساً و تعلّماً، و قراءةً و سماعاً، خصوصاً ما تضمّنته الكتب الأربعة الشريفة، و كانوا يقرءون أحدها على المشايخ، أو يملي عليهم، و يتكلّمون في سندها، و يبحثون في متنها، و يستخرجون منها كنوز المعاني، سواء تعلّق بالأُصول أو الفروع أو‌

____________

(1) تهذيب الأحكام 10: 170/ 669.

(2) أيّ: العلّامة الحلّي، مصنّف كتاب قواعد الأحكام.

(3) انظر رجال النجاشي: 34/ 72.

(4) مختلف الشيعة: 787.

(5) قواعد الأحكام 2: 344.

(6) إيضاح الفوائد 4: 747.

336

غيرهما، و لذا ترى من نسخ الكتب الأربعة ما لا يحصىٰ ممّا قرئ علىٰ المشايخ العظام، و كتب الشيخ في آخرها ما معناه: قرأ عليّ فلان هذا الكتاب قراءة بحث و تدقيق. إلىٰ آخره.

و قد عثرنا علىٰ نسخة من جامع الكافي قرئ علىٰ الشهيد الثاني من أوله إلىٰ آخره، موشح آخرَ كلّ كتاب منه بخطه الشريف، و لو لا خوف الإطناب لذكرت جملة من ذلك.

و بلغ من عنايتهم بهذا الفن أنّهم كانوا يقرءون نهج البلاغة من أوله إلى آخره، و كذا الصحيفة الكاملة علىٰ المشايخ علىٰ الدقة و التحقيق في ألفاظها و إعرابها، و اختلاف نسخها، و رواتها و معانيها، كما لا يخفىٰ علىٰ من له أدنى خبرة بأحوالهم و مآثرهم.

و أمّا قول صاحب المعالم: ثم خلف من بعدهم (1). إلىٰ آخره، فلعمري إنّه لو كان في عصرنا لأقام علىٰ الحديث المآتم، و بكىٰ عليه بكاء الثكلى، فإنّ أهله ألقوا حبل أدنىٰ مراتب الرواية أيضاً علىٰ غاربها؛ لاستغنائهم عن هذا الفن بالمرّة، و اكتفائهم من السنّة بما يتعلّق بحاجتهم في الفروع، ممّا يوجد في الكتب الفقهية، المأخوذ من المأخذ بواسطة أو وسائط، مع ما يتطرق في هذه الأحاديث المأخوذة من النسخ الغير الصحيحة غالباً، في هذه التنقلات و التطوّرات من التحريف، و التصحيف، و الزيادة، و النقصان، ممّا يختلف به المعنىٰ اختلافاً فاحشاً ما لا يحصىٰ.

____________

(1) راجع بحار الأنوار 109: 4.

337

بل ربّما ينقلونه بالمعنى ممّا هو مركوز في أذهانهم من ألفاظه، و لذا كثرت الزّلات في هذا المقام، و قد عثرنا علىٰ كثير منها من الأعاظم فضلًا عن غيرهم يوجب نقلها الدخول في حدود تشييع الفاحشة.

قال خرّيت صناعة الفقه، صاحب كشف اللثام في آخر كشفه: و وصيّتي إلىٰ علماء الدين و إخواني المجتهدين. إلىٰ أن قال: و لا ينسبوا إلىٰ أحد منهم قولًا إلّا بعد وجدانه في كتابه، أو سماع منه شفاهاً في خطابه.

و لا يتّكلوا علىٰ نقل النقلة، و لا كلّ تعويل عليه، و إن كانوا كملة؛ فالسهو و الغفلة و الخطأ لوازم عادية للناس، و اختلاف النسخ واضح ليس به التباس.

و لا يعتمدوا في الأخبار إلّا أخذها من الأُصول.

و لا يعوّلوا ما استطاعوا علىٰ ما عنها من النقول، حتى إذا وجدوا في التهذيب عن محمّد بن يعقوب مثلًا خبراً، فلا يقتصروا عليه، بل ليجيلوا له في الكافي نظراً، فربّما طغىٰ فيه القلم أو زلّ، فعن خلاف في المتن أو السند جلّ أو قلّ.

و لقد رأيت جماعة من الأصحاب أخلدوا إلىٰ أخبار وجدوها فيه و في غيره كما وجدوها، و أسندوا إليه آراءهم من غير أن ينتقدوها؛ و يظهر عند الرجوع إلىٰ الكافي أو غيره أنّ الأقلام أسقطت منها ألفاظاً، أو صحّفتها، و أزالت كلمة أو كلماً عن مواضعها و حرّفتها، و ما هو إلّا تقصيرٌ بالغ، و زيغ عن الحقّ غير سائغ.

و لا يستندوا في تصحيح الطرق، و التضعيف و الترجيح لبعضها على‌

338

بعض، و التطفيف إلىٰ بعض ما يوجد في بعض كتب الفروع، من غير سبر السند برجاله، و البحث عن كلّ رجل و حقيقة حاله، فإنّه إهمال، و عن الحقّ إغفال، و ربّما انكشف عن الكذب حال، و انكسف البال، و انقطع المقال (1). انتهىٰ كلامه الشريف.

قلت: و لو راجعوا الأُصول أحياناً فإنّما يتفحّصون لِما راموا إثباته أو نفيه من الفروع من غير تدبّر و بحث عن سائر ما تضمّنه الخبر من الفوائد، و هذا ليس بحثاً في فن الحديث، بل يشترط في الغائص في بحاره أن لا يكون له مقصد يتجسّس بتحصيل ما يثبته أو ينفيه، و إنّما يدخل فيه فارغاً ذهنه عن كلّ مقصود، طالباً لما تضمّنه الخبر من الفوائد الشريفة، و النكات اللطيفة، و الأسرار الخفيّة، بقدر استعداده و وسعه، بعد البحث عن سنده، و حال رواته بقدر اطّلاعه و خبرته، ثم يضع كلّ فائدة في محلّها، أُصولًا أو فروعاً أو أخلاقاً.

و لنِعْمَ ما قال بعض العلماء: إنّ مسألة الاستصحاب مسألة شريفة، لها فوائد كثيرة، قد توجّه أنظار العلماء إليها، و عكفت همهم عليها، فكُتب فيها رسائل عديدة فيها فوائد جمّة، إذا حقّقت النظر وجدت كلّها شرح حديث واحد، تراكم عليه الأفكار، و ترادف إليها الأنظار، فاستخرجوا منه هذه الفوائد الكثيرة، و القواعد المتينة، و كم لهذا الحديث من نظائر لا تحصى، لو فعلوا بها ما فعلوا به لوجدوا منها ما حصلوا منه.

و قال العلّامة الطباطبائي (طاب ثراه) في الدرّة، في بحث ما يجوز‌

____________

(1) كشف اللثام 2: 535.

339

من المقارنات:

و مشىٰ خير الخلق بابن طاب (1) * * *يفتح منه أكثر الأبواب

(2)

و أشار بذلك إلىٰ ما روي عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) أنه رأى نخامة في المسجد، فمشىٰ إليها بعرجون من عراجين ابن طاب، فحكّها ثم رجع القهقرى (3).

فكتب السيد الأجل، و العالم الأكمل، السيد مهدي القزويني (طاب ثراه) رسالة (4) في شرح هذا الحديث، و استنبط منه بفكره الثاقب ثمانين فائدة، أربعون منها في الأُصول، و أربعون منها في الفروع.

و قال العلّامة في الخلاصة، في سياق ذكر مؤلفاته:

و كتاب استقصاء الاعتبار في تحرير معاني الأخبار، ذكرنا فيه كلّ حديث وصل إلينا، و بحثنا في كل حديث منه علىٰ صحّة السند، أو إبطاله، و كون متنه محكماً أو متشابهاً، و ما اشتمل عليه المتن من المباحث الأُصولية و الأدبية، و ما يستنبط من المتن من الأحكام الشرعية و غيرها، و هو كتاب لم يعمل مثله.

كتاب مصابيح الأنوار، ذكرنا فيه كل أحاديث علمائنا، و جعلنا كلّ حديث يتعلّق بفنّ في بابه، و رتّبنا كلّ فنّ علىٰ أبواب، ابتدأنا فيها بما روي‌

____________

(1) ابن طاب: تمر في المدينة يقال له: عذق ابن طاب، و رطب ابن طاب. انظر: الصحاح 1: 173 (طيب).

(2) الدرة النجفية: 163.

(3) رواه الصدوق مرسلًا في الفقيه 1: 180/ 849.

(4) نُشرت هذه الرسالة في مجلة تراثنا التي تصدرها مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام) لإحياء التراث، في العدد الثاني من السنة الاولىٰ.

340

عن النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) ثم من بعده بما روي عن علي (عليه السّلام) و هكذا إلىٰ آخر الأئمة (عليهم السّلام).

و كتاب الدرّ و المرجان في الأحاديث الصحاح و الحسان (1). انتهىٰ.

و قد قطع بهذه المؤلّفات عذر من يتوهم أنّ الاشتغال بالفقه و الأُصول مانع عن التوغّل في فنّ الحديث، فإنّه تاج الفقهاء، و رأس الأُصوليين، و كلّ من جاء بعده منهم فإنّما أناخ رحله بفناء كتبه، و نال الدرجات العالية ببركات زبره، هذا حاله فكيف بمن اقتصر بفنّ الحديث، و اشتغل بإصلاح سنده، و استخراج فوائد متنه، و هم جمّ غفير، تعرّضوا لشرح كتب الحديث، خصوصاً الكتب الأربعة، فكتبوا لها شروحاً و حواشي ما لا يحصىٰ، كلّها مهجورة متروكة مستورة، لا طالب لها و لا راغب فيها، فأصبحت الديار عنها خاوية، و محافل العلم و مجالس العلماء عن ذكرها و البحث فيها خالية.

و أصبحنا في عصر لا يوجد فيه مجلس عالم يذاكر فيه من هذا العلم ساعة، و لا من يُقرأ عليه من الكتب الأربعة باب أو صفحة، و لا من يقرأها عليهم، بل و لا من التفسير و الرجال شي‌ء، كأنها صارت من العلوم الغريبة، و فضول الفنون الغير النافعة.

ألهت بني تغلب عن كلّ مكرمة * * *قصيدة قالها عمرو بن كلثوم (2)

(3)

____________

(1) رجال العلّامة: 46/ 52.

(2) جاء في حاشية الأصل: إشارة إلىٰ قضية مذكورة في السير.

(3) ورد هذا البيت في موضعين من ديوان عمرو بن كلثوم: 17، 123، و نُسب إلىٰ بعض شعراء بكر بن وائل، و في كلا الموضعين: (أَلْهىٰ) بدل (أَلْهت).

341

و إنّي و إن لم أُدرك من أتعلّم منه من هذا الفنّ الشريف باباً، و لم أجد في طول عمري من أقرأ عليه ممّا صُنّف فيه كتاباً، لكن اللّٰه تعالىٰ بمنّه وجوده حبّب إليّ في عنفوان الشباب النظر إلىٰ كتب الأحاديث، فصرفت فضول أوقاتي فيه، فإنّي لم أترك الحضور عند المشايخ العظام، و الفقهاء الكرام (رضوان اللّٰه عليهم) مذ صرت قابلًا للحضور عندهم، و التلقّي عنهم، و الاستفادة منهم، و لكنّي في خلال ذلك كنت أتجسّس في خلال تلك الديار، حتى صرت بحمد اللّٰه تعالىٰ من أهل الدار.

و حيث انجرّ الكلام إلىٰ هذا المقام، فلا بأس بشرح حالي علىٰ الإجمال، تأسّياً بالعالم الجليل في الوسائل، إلّا أنّه لحسن ظنّه بنفسه أدرج نفسه في باب الميم، في الفائدة الأخيرة، في ذكر الثقات و الممدوحين (1).

فنقول: ولدت في ثامن عشر شهر شوّال من سنة أربع و خمسين بعد المائتين و الألف، في قرية بالو من قرىٰ نور، إحدىٰ كِوَر طبرستان، و توفّي والدي العلّامة (أعلىٰ اللّٰه تعالىٰ مقامه) و قد شرحت بعض أحواله و مقاماته و مؤلّفاته في كتابنا الموسوم بدار السلام- (2) و أنا ابن ثمان سنين، فبقيت سنين لا أحد يربّيني، إلىٰ أن بلغت أوان الحلم، فأنعم اللّٰه تعالىٰ عليّ بملازمة العالم الجليل، الفقيه النبيه، الزاهد الورع النبيل، المولى محمّد علي المحلّاتي (قدس اللّٰه تعالىٰ روحه الزكية) (3) و كان عالماً، زاهداً،

____________

(1) راجع الوسائل 20: 324/ 21.

(2) دار السلام 2: 285.

(3) في الحجرية زيادة: ابن الورع الزاهد آقا زين العابدين بن المبرور موسى رضا المحلاتي.

342

عابداً، متبحّراً في الأُصول، بارعاً في الفقه، مجانباً لأهل الدنيا و لذائذها، مشغولًا بنفسه و إصلاح رمسه، و كان أعلم أهل زمانه ممّن أدركتهم في تدريس الروضة، و الرياض، و القوانين، و أترابها، لم يدخل نفسه في مناصب الحكومة و الفتوىٰ و أخذ الحقوق و غيرها، و كان أكثر تلمّذه عند العالم الرفيع السيّد محمّد شفيع الجابلقي، و علّامة عصره الحاج المولى أسد اللّٰه البروجردي (رحمهما اللّٰه).

ثم هاجر إلىٰ طهران، و عكف علىٰ العالم الفقيه النبيه الحاج شيخ عبد الرحيم البروجردي (طاب ثراه) والد أُمّ أولادي، و كان من الفقهاء المتبحّرين و العلماء البارعين، فتلقّى عنه ما حواه، إلىٰ أن صارت الجنّة مثواه في مشهد الرضا (عليه السّلام) في شهر شعبان في سنة 1306.

و هاجرت معه (رحمه اللّٰه) إلىٰ العراق في سنة 1273، و رجع (رحمه اللّٰه) بعد قضاء الوطر من الزيارة، و بقيت في المشهد الغروي قريباً من أربع سنين، ثم سافرت إلىٰ العجم لتشتّت الأُمور.

ثم رجعت ثانياً إلىٰ العراق في سنة 1278، و لازمت العالم النحرير الفقيه الجامع، أفضل أهل عصره، الشيخ عبد الحسين الطهراني (طاب ثراه) و هو أول من أجازني، و قد مرّ ذكره في الفائدة الثالثة (1)، و بقيت معه برهة في مشهد الحسين (عليه السّلام) ثم سنتين في بلد الكاظم (عليه السّلام).

و في آخرهما رزقني اللّٰه زيارة بيته و هي سنة 1280.

ثم رجعت إلىٰ المشهد الغروي، و حضرت مجلس بحث الشيخ‌

____________

(1) راجع المجلد الثاني من الخاتمة صحيفة: 114.

343

الأعظم الأكمل الأعلم الشيخ مرتضى (أعلىٰ اللّٰه تعالىٰ مقامه) أشهراً قلائل إلىٰ أن توفي (رحمه اللّٰه).

ثم سافرت إلىٰ العجم سنة 1284 و زرت ثامن الأئمة (عليهم السّلام).

و رجعت إلىٰ العراق سنة 1286، و فيها توفّي شيخنا العلّامة الطهراني.

و رزقت ثانياً زيارة بيت اللّٰه الحرام.

و رجعت إلىٰ المشهد الغروي، و بقيت سنين.

إلىٰ أن ساعدني التقدير إلىٰ المهاجرة إلىٰ الناحية المقدسة سرّ من رأى، لمّا هاجر إليها السيّد السند حجّة الإسلام و نادرة الأيّام، و أُستاذ أئمّة البشر، و مجدّد المذهب في القرن الثالث عشر، المنتهى إليه رئاسة الشيعة في عصره، و المطاع الذي انقاد له الجبابرة لنهيه و أمره، الذي يعجز عن وصف أدنىٰ معاليه اللسان، و يغني اشتهار مساعيه عن إطالة البيان، الآميرزا محمّد حسن الشيرازي رفع اللّٰه شريف رتبته، و قدّس زكي تربته، و بقيت فيها سنين.

و رزقني اللّٰه تعالىٰ فيها الحجّ ثالثاً.

و لمّا رجعت منها سافرت إلىٰ العجم ثالثاً سنة 1297، و زرت مشهد الرضا (عليه السّلام) ثانياً.

و رجعت مسافراً إلىٰ زيارة بيت اللّٰه الحرام سنة 1299.

و رجعت و بقيت في سامرّة إلىٰ سنة 1314.

ثم رجعت مهاجراً إلىٰ المشهد الغروي عازماً علىٰ التوطن فيه إن شاء اللّٰه تعالىٰ، و قد ناهزت من العمر فوق الستّين، و مضىٰ كثير من عمري في الأسفار، و الانقطاع عن العلماء الأخيار، و مع ذلك رزقني اللّٰه تعالىٰ في‌

344

خلال ذلك جمع شتات الأخبار، و نظم متفرّقات الآثار، فبرز منّي بحمد اللّٰه تعالىٰ:

كتاب نفس الرحمن في فضائل سيدنا سلمان (عليه السّلام) و هو أول مؤلّفاتي بعد الشجرة المؤنقة العجيبة في سلسلة إجازات العلماء، المسمّاة بمواقع النجوم و مرسلة الدرّ المنظوم.

كتاب دار السلام، فيما يتعلّق بالرؤيا و المنام، في مجلّدين.

كتاب فصل الخطاب (1)، في مسألة تحريف الكتاب.

كتاب معالم العبر، في استدراك البحار السابع عشر.

جنّة المأوىٰ في من فاز بلقاء الحجّة (عليه السّلام) في الغيبة الكبرى، من الذين لم يجمعوا في البحار.

رسالة الفيض القدسي، في أحوال العلّامة المجلسي (رحمه اللّٰه).

الصحيفة الثانية العلوية.

الصحيفة الرابعة السجّادية.

النجم الثاقب في أحوال الإمام الغائب (صلوات اللّٰه عليه) بالفارسية.

الكلمة الطيّبة، بالفارسية.

____________

(1) لقد آثار هذا الكتاب ردود فعل عند الكثير من علمائنا؛ لأنّ القول بالتحريف لا ينسجم مع عقائد الإماميّة الحقّة.

لذا تصدّى بعض الأفاضل للردّ علىٰ ما جاء في كتاب «فصل الخطاب»، منهم الشيخ محمود الطهراني المعروف بالمعرب برسالة سماها «كشف الارتياب عن تحريف الكتاب». و من جهة أخرى قام العلامة الطهراني صاحب الذريعة في محاولة اعتذار و توجيه حول ما جاء في كتاب أستاذه المذكور، راجع: مقدمة مستدرك الوسائل 2: 50، 51، الذريعة 16: 231، 232.

و هنالك كلام طويل في هذا المجال نتركه روماً للاختصار.

345

رسالة ميزان السماء في تعيين مولد خاتم الأنبياء، بالفارسية.

ظلمات الهاوية.

رسالة في ردّ بعض الشبهات علىٰ كتابنا فصل الخطاب.

البدر المشعشع في ذريّة موسى المبرقع.

كتاب مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، في مجلّدات تقرب من تمام الوسائل.

كشف الأستار عن وجه الغائب عن الأبصار (عجل اللّٰه تعالىٰ فرجه و صلّى عليه) جواب قصيدة بعثها بعض علماء أهل السنّة إلىٰ علماء الإمامية، فيها بعض الشبهات في أصل ولادة المهدي (صلوات اللّٰه عليه).

سلامة المرصاد، رسالة فارسية في ذكر زيارة العاشوراء غير معروفة، و أعمال مقامات مسجد الكوفة غير ما هو الشائع الدائر بين الناس، الموجود في المزارات المعروفة.

رسالة مختصرة بالفارسية في مواليد الأئمّة (عليهم السّلام) علىٰ ما هو الأصحّ عندنا.

مستدرك مزار البحار، لم يتمّ.

حواشي علىٰ رجال أبي علي، لم يتمّ.

ترجمة المجلّد الثاني من دار السلام، لم يتمّ.

إلىٰ غير ذلك من الحواشي و الرسائل.

و وافق الفراغ من هذا المجلّد أيضاً يوم العاشر من ربيع الآخر، يوم ولادة سيّدنا الإمام الزكي أبي محمّد الحسن بن علي الهادي (صلوات اللّٰه عليهما) في السنة المباركة التي أخبر أهل الحساب بتوافق الأضحىٰ‌

346

و الجمعة و النيروز فيها، سنة التاسعة عشر بعد الألف و ثلاثمائة بيد العبد المذنب المسي‌ء حسين بن محمّد تقي النوري الطبرسي حامداً مصلّياً مستغفراً.