المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه‏ - ج3

- محمود قانصوه المزيد...
510 /
455

المقدمة الرابعة أن اختلاف الموضوع في الرتبة يسوغ إصدار الأمرين كما يأتي توضيحه.

فينتج أن الأمرين و إن اجتمعا في الزمان الواحد إلا أنه جاز اجتماعهما بسبب اختلاف موضوعيهما في الرتبة.

و هذا الجواب و إن كان لا يدفع التوجيه الأول من التوجيهات المتقدمة لاستحالة الترتب إلا أنه يدفع التوجيهات الأخرى.

توضيح ذلك أن لنا دعويين.

الأولى أنه لا يدفع التوجيه الأول و هذه الدعوى واضحة لأن ملاك الاستحالة في التوجيه الأول هو أن المكلف لا يمكنه الجمع بين الضدين في آن واحد كالصلاة و الازالة.

فالأمران بهذين الضدين تكليف بغير المقدور سواء كان الأمران في رتبة واحدة أو لا و سواء كان ظرفهما في رتبة واحدة أم لا.

و أما الدعوى الثانية فهي أن هذا الجواب يدفع التوجيهات الباقية.

فنقول أما دفعه للتوجيه الثاني فلانا نلتزم أن المولى في ملاحظته للمرتبة الأولى كان غرضه التحريك نحو الأهم و في ملاحظته للمرتبة الثانية كان غرضه التحريك نحو المهم و لا يرى استحالة التحريكين لأن كل واحد من الملاحظة لا تجتمع مع الأخرى فهو لا يلحظ أنه يحرك تحريكا ينافي تحريكا آخر بل في مرحلة ملاحظة التحريك الأول لا يلحظ التحريك الثاني و في مرحلة ملاحظة التحريك الثاني لا يلحظ التحريك الأول.

و من هذا يتضح اندفاع التوجيه الثالث حيث أن المولى لا يرى أغراضه متعارضة بل هي ليست متعارضة حيث أنه لا مانع أن يكون عند العاقل في آن واحد أغراض مترتبة كما يكون غرضك على فرض صحة ابنك بعثه إلى الحج و على فرض عدم رضاه بعثه إلى العمل و على فرض عدم رضاه بعثه إلى النجف و هكذا.

و أما التوجيه الرابع فلأن المولى في كل مرتبة يرى إمكان انبعاث المكلف نحو المطلوب.

456

و أما التوجيه الخامس فقد عرفت اندفاعه إذ الارادة يستحيل أن تتعارض في رتبة واحدة لا في رتبتين فمع تعدد الملاحظة لا مانع من تعدد الارادة، فإن الارادة تختلف باختلاف اللحاظ فإذا لاحظت زيدا عالما تريد منه القيام و إذا لاحظته جاهلا تريد منه القعود.

فلو اجتمع اللحاظان في الرتبة تعارضت الارادتان و أما مع استحالة اجتماعهما في رتبة واحدة و كان كل واحدة منهما في رتبتها مستقلة عن الأخرى لم يكن أي مانع في كل واحدة منهما أن تكون مقتضية لارادة خاصة.

فإن قلت هذا الجواب يحتاج إلى فرض جواز اجتماع اللحاظين من رتبتين في آن واحد و ذلك لأن المفروض أن الحكمين (الأهم و المهم) اجتمعا في آن واحد و كل واحد منهما اقتضته ملاحظة خاصة فوجب اجتماع الملاحظتين في آن وجود الأمرين إذ لو كان إحدى الملاحظتين معدومة وجب انعدام الأمر الذي كان معلولا لها لاستحالة وجود المعلول بلا علة.

قلت نعم هذا واجب لو فرض أن الاحكام الشرعية على طبق القضايا الخارجية بمعنى أن ينظر إلى الخارج ثم يحكم عليه بحسب ما يقتضيه نظره.

فإنه على هذا لو حكم الشارع بحكمين في آن واحد وجب أن يكون قد لاحظ الخارج الواحد في آن واحد ملاحظتين مترتبتين.

و لكنك عرفت غير مرة أن الأحكام الشرعية إنما هي قوانين على نحو القضية الحقيقية التي هي حكم على موضوعها المقدر الوجود و معنى ذلك أن يلحظ الموضوع بما هو حاك عن جميع مصاديقه الخارجية و يحكم عليه بالحكم الذي يقتضيه.

فحينئذ كان يمكن ملاحظة الخارج الواحد بملاحظتين في آنين الآن الأول هو آن الجعل الأول. الآن الثاني هو آن الجعل الثاني.

فمثلا في أول سنة من هجرة النبي صلّى اللّه عليه و سلّم لاحظ الشارع وقوع التزاحم و لاحظ أهمية الازالة مثلا فحكم بلزوم تقديم الازالة ثم في السنة الثانية

457

لاحظ عصيان المكلفين لهذا الأمر فحكم بلزوم فعل المهم عند العصيان.

و عليك بالتأمل في أطراف هذا الجواب فإنه ما زال محتاجا إلى تأمل و اللّه تعالى هو العالم بحقائق الأمور نسأل اللّه تعالى التوفيق و الهداية.

الجواب الثالث و هو الذي ذكره المصنف (ره) و يبتني على مقدمتين.

الأولى أن الأحكام الشرعية على طبق القضايا الحقيقية يكون الحكم فيها محمولا على الموضوع المقدر الوجود.

الثانية أن من الواضح المسلم أن القضايا الحقيقية لا تقتضي وجود الموضوع أي لا تكون طالبة لوجود الموضوع.

فمثلا (القاتل يقتل) لا تطلب وجود الموضوع. و كذا (البالغ يصلي) لا تطلب وجود البالغ و هذا واضح.

و كذا الحال في المحمول فإنه لا يطلب وجود الموضوع و لا عدمه لوضوح أن المحمول متأخر عن وجود الموضوع رتبة فلا نظر للمحمول إلى وجود الموضوع فإذا قلت (العالم يجب اكرامه) لم يكن المحمول و هو (يجب اكرامه) دالا على وجوب إيجاد الموضوع (العالم).

و سر ذلك (مضافا إلى وضوحه) هو أن القضايا الحقيقية بمنزلة الجملة الشرطية فمثل (العالم يجب إكرامه) بمنزلة (إن وجد العالم وجب إكرامه) و هكذا سائر القضايا الحقيقية بمنزلة قضايا شرطية شرطها الموضوع و جزاؤها المحمول و لا ريب أن الجزاء لا يقتضي الشرط وجودا و لا عدما.

و الحاصل أن القضايا الحقيقية بنفسها لا تقتضي طلب وجود موضوعها كما أن محمول القضية الحقيقية لا يقتضي طلب وجود موضوعها. و كل ذلك واضح.

إذا عرفت هاتين المقدمتين نقول أن الأمر بالأهم و الأمر بالمهم ليسا متنافيين لأن الأمر بالأهم مثل- (افعل الازالة و لازمها عدم الصلاة) له مطلوب واحد و هو (تحقق الازالة).

458

و أما الأمر بالمهم مثل (إن تركت الازالة فافعل الصلاة) فله مطلوب واحد هو فعل الصلاة.

و هذان الطلبان لا يتنافيان لأن الأول يطلب تحقق الازالة (المقتضية لانعدام موضوع الثاني لأن موضوع الثاني هو عدم الازالة) و بالتالي لا يكون هناك طلب للصلاة فطلب الازالة و إن اقتضى انعدام الصلاة إلا أنه طلب انعدام غير المطلوب لأن الصلاة غير مطلوبة.

و أما الثاني فهو لا يطلب تحقق أو عدم تحقق الازالة لما عرفت من أن المحمول لا نظر له إلى الموضوع و الحاصل أن عندنا أمرين.

الأول أن الأمر بالأهم لا يضاد الأمر بالمهم و ذلك لأن مطلوبه هو (الازالة) و هي هدم موضوع المهم- لأن موضوعه عدم الازالة- فمطلوب الأهم يقتضي عدم طلب المهم لا مطلوبه و لذا قلنا أن الأمر بالسفر لا يضاد الأمر بالصيام لأن الأمر بالسفر يقتضي هدم طلب الصوم لا هدم الصوم المطلوب بأمره حتى يقع التنافي بين الأمرين.

الثاني أن الأمر بالمهم لا يضاد الأمر بالأهم و ذلك لأن مطلوبه هو (الصلاة) و لا يطلب تحقق الإزالة أو عدم تحققها لأنك عرفت أن المحمول لا يطلب موضوعه و لا عدم موضوعه. فالمهم لا يطلب موضوعه و هو (عدم الازالة) إذن (عدم الازالة) ليس من مطلوب المهم فليس له أي منافاة مع الأهم الذي مطلوبه الازالة.

فيتحصل أن لا منافاة بين الأهم و المهم.

و هذا الجواب قد جرى على لسان بعض الاكابر و قد أيدوه بتأييد حاصله أن لطلب الجمع بين الضدين ملاك و هو أن نفرض أنه (لو أمكن الجمع بين الضدين وقعا مطلوبين) و إنما قلنا أن هذا هو مناط طلب الجمع بين الضدين فلأن المفروض أن الجمع مطلوب فاللازم أنه إذا وقع الجمع يقع مطلوبا.

إذ لو وقع و لم يكن مطلوبا كان خلف فرض أن الجمع مطلوب و من‏

459

هنا فإن تحقق هذا المناط علمنا أن الجمع مطلوب و إن لم يتحقق علمنا أن الجمع ليس مطلوبا.

و إذا عرفت هذا نقول إن هذا المناط مفقود في مسألة الترتب لأن لو فرض وقوع الازالة و الصلاة لم يكن المطلوب سوى الإزالة و أما الصلاة فلا تكون مطلوبة إذ لو كانت مطلوبة كان خلف فرض أن موضوع المهم عدم الازالة و المفروض أن الازالة موجودة.

إذن (لو وقع الجمع بين الضدين لم يكونا مطلوبين).

و بانتفاء المناط في مسألة الترتب يعلم أن مسألة الترتب ليست من قبيل طلب الجمع.

أقول هذا غاية توضيح ما ذكروه و لا يخفى ما في الدليل و التأييد كلاهما مما لا يخفى على الفطن.

أما الدليل فلوضوح فساده و ذلك لأن الأمر الأول (أي أن الأهم لا ينافي المهم) و إن كان في غاية الصحة و ذلك لأن الأهم إنما اقتضى عدم طلب المهم و بالتالي فهو يقتض عدم شي‏ء بعد عدم طلبه لا عدم المطلوب حتى يصير منافيا لطلب المهم.

إلا أن الأمر الثاني (أن المهم لا ينافي الأهم) ففاسد و ذلك لأن المهم يقتضي عدم الأهم.

و أما دعوى أن المحمول لا يقتضي الموضوع فإنها و إن كانت صحيحة إلا أنها تحتوي على خلط بين حيثية المحمولية و حيثية الذاتية.

توضيح ذلك أن المحمول و الجزاء لهما حيثيتان:

الأولى حيثية الجزائية و المحمولية و هذه الحيثية هي حيثية الترتب على الموضوع و على الجزاء و هي حيثية مشتركة في كل جزاء و محمول.

الحيثية الثانية الحيثية الذاتية و هي الحيثية الخاصة بكل جزاء و محمول.

فمثلا إذا قلت (إن جاءك ولد فاختنه) كان في هذه القضية حيثيتان.

460

الأولى حيثية ترتب شي‏ء على شي‏ء.

الثانية حيثية أن المترتب- بالكسر- هو (اختنه) بهذه المادة و الهيئة و المتعلق.

فالحيثية الأولى مشتركة بين جميع القضايا الشرطية.

و الحيثية الثانية حيثية خاصة لكل جزاء.

و هكذا في جميع القضايا. و من ثم نقول إن الجزاء من الحيثية الأولى لا يقتضي وجود الموضوع و هذا مسلم.

و أما من الحيثية الثانية فقد يقتضي و قد لا يقتضي و ذلك تابع لمادة الجزاء فمثلا لو صحت قضية (إن عدم (ب) فاعدم (ب)) كان الجزاء طالبا لوجود موضوعه ..

و كذا لو فرض أن (ب) و (ج) متلازمين في الوجود و قال (إن وجد (ب) فأوجد (ج)).

و كذا لو فرض أن (ب) يلزم (ج) دون العكس. و قال (إذا وجد (ب) أوجد (ج)) فإنه في كل هذه الصور كان الجزاء طالبا للشرط.

و ما نحن فيه من قبيل كون المحمول طالبا للموضوع بالحيثية الثانية أي من قبيل كون كلما وجد (ج) وجد (ب) دون العكس ثم قال المولى (إذا وجد (ب) فأوجد (ج)) فإن طلب إيجاد (ج) يقتضي إيجاد الباء التي هي الموضوع.

و على هذا فنقول إذا عصى المكلف الأمر بالأهم (و ترك الازالة) يتحقق موضوع المهم (إذا تركت الازالة يجب الصلاة) و المفروض أن الصلاة ملازمة مع عدم الازالة يكون المطلوب هو عدم الازالة أيضا و هو الموضوع فيكون المهم طالبا لعدم الأهم.

نعم يمكن الاجابة عن هذا الاعتراض بما حاصله مركب من مقدمتين.

الأولى أن في زمان وجود المحمول لا بد من وجود الموضوع لأن وجود المحمول مترتب على وجود الموضوع.

461

إذ المحمول بالنسبة إلى الموضوع كالمعلول بالنسبة إلى العلة فيستحيل وجود المحمول مع انعدام الموضوع كما يستحيل وجود المعلول مع انعدام العلة.

المقدمة الثانية أن طلب الحاصل لغو إن لم يكن محالا و من هنا فيجب صرف الكلام عن أن يكون دالا على طلب الحاصل.

فينتج من هاتين المقدمتين أن في نحو (إن تركت الازالة فصل) و إن دل الجزاء (فصل) على لزوم الصلاة و لازمها عدم الازالة إلا أن الموضوع- عدم الازالة- لا بد كان موجودا في ظرف الجزاء كما في المقدمة الأولى.

فيلزم صرف (طلب الصلاة) عن أن يكون دالا على عدم الازالة.

فينتج أن الجزاء متضيق بضيق قهري حتى يكون المطلوب هو الصلاة دون أن يلزمها ترك الازالة أي الصلاة في ظرف تحقق ترك الازالة اتفاقا.

و هذا ما عبر عنه بعض الفحول (بسد جميع أبواب عدم الضد المهم إلا باب العدم الآتي من قبل وجود الضد الأهم).

و هذا جواب مستقل سوف نتعرض له إنشاء اللّه تعالى في المرحلة التالية.

و أما التأييد فلأن فيه خلط بين الأمرين بإتيان الضدين و بين الأمر بالجمع بين الضدين.

فإن الأمر بالجمع لا بد أن يحتوي على المناط المتقدم (أعني لو وقع الجمع وقع مطلوبا).

و أما الأمران بإتيان الضدين بأن يوجد أمر بضد و أمر آخر بضد آخر فلا دليل على وجوب وجود هذا المناط.

بل دعوى وجوب هذا المناط. ليست سوى مصادرة على المطلوب ضرورة أن الخصم يدع أن مسألة الترتب من قبيل طلب الضدين مع فقد هذا المناط.

462

و من الواضح أنه لا ينبغي لأحد في مقام الاستدلال و التأييد أن يأتي بمصادرات هي واقعة في محل الخلاف ثم لا يأتي عليها بدليل.

بل الانصاف أن هؤلاء الاعلام الذين جاءوا بهذه المصادرة قد رفضوها في موضوع آخر أي بحث الواجب التخييري حيث أن بعضهم فسره بالواجبين المشروطين بترك الآخر فيكون وجوب الصيام مشروطا بترك الاطعام و وجوب الاطعام مشروطا بترك الصيام.

فاعترضوا على هذا التفسير بأنه يقتضي طلب الجمع بين البدلين و ذلك في فرض تركه الصيام و الاطعام مع أن من الواضح أنه لو فرض تحقق البدلين لم يكن كلاهما مطلوبا فكيف يقال هنا بأن طلب الجمع يجب أن يكون في فرض لو وقع الضدان كانا مطلوبين. و بهذا ينتهي الكلام في الجواب الثالث.

الجواب الرابع و يتركب من مقدمتين.

الأولى أن الإشكال في الترتب إنما كان بسبب وجود التمانع في التأثير بحيث يكون الأمر بالمهم مانعا من تأثير الأمر بالأهم و كذا يكون الأمر بالأهم مانعا من تأثير الأمر بالمهم فإذا فرضنا انعدام هذا الاشكال صح الترتب و لم يرد عليه أي إشكال آخر.

الثانية أنه لا يوجد تمانع بين الأهم و المهم و ذلك لاستحالة أن يكون أحدهما مانعا من الآخر.

أما استحالة كون المهم مانعا من الأهم. فلأن موضوع المهم هو عدم الأهم فيستحيل أن يكون المهم مقتضيا لعدم الأهم.

و أما استحالة كون الأهم مانعا من المهم. فلأنه إما ان بفرض وجود الأهم مع المهم و إما ان يفرض وجود أحدهما و انعدام الآخر.

أما الفرض الثاني فواضح البطلان لاستحالة مانعية الموجود من تأثير المعدوم و المعدوم من تأثير الموجود.

و أما الفرض الأول فمحال أيضا لأن موضوع المهم هو عدم الأهم فيستحيل اجتماع الأهم و المهم.

463

فينتج من هاتين المقدمتين أنه لا مانع من اجتماع الأهم و المهم و لا يكون بينهما تمانع في التأثير.

أقول اما المقدمة الأولى فقد عرفت أن الاشكال في الترتب من جهات متعددة فراجع.

و اما المقدمة الثانية فمبنية على أن ظرف العصيان هو ظرف سقوط الأمر بالأهم عن التأثير. و هو غريب لأن في ظرف العصيان إما أن نفرض وجود الأمر بالأهم أم لا.

فعلى الثاني يكون خلاف مفروض بحث الترتب.

و على الأول فكيف نفرض أنه موجود و لا أثر له و هل يعقل مثل هذا الفرض.

و لعمري إن دعوى وجود الأمر بالأهم و عدم تأثيره ناشئة عن الخلط بين ما بالأمر و بين ما بالمكلف.

توضيحه أن في كل أمر و طلب يوجد شيئان:

الأول: القوة الموجودة في نفس الطلب و التكليف أعني اقتضائه لتحريك المكلف. فإن هذه القوة ملازمة للتكليف و يستحيل أن تنفك عنه إذ ليس التكليف سوى ما يقتضي تحريك المكلف.

الشي‏ء الثاني تحرك المكلف بمعنى انفعاله بالتكليف و تأثره به.

و هذا الشي‏ء صفة موجودة في المكلف ناتجة عن علم المكلف بالتكليف و عن وجود بقية شرائط الانفعال كالعقل و التقوى و المقدرة و نحو ذلك.

إذا عرفت هذين الشيئين نقول إن أراد وجود الأمر بالأهم و عدم وجود التأثير الأول فهو محال لما عرفت من أن التأثير الأول من لوازم التكليف و يستحيل انفكاكه عنه.

و إن أراد وجود الأهم و عدم وجود التأثير الثاني فهو و إن كان ممكنا بل‏

464

واقعا كثيرا إلا أن هذا خارج عن محل الكلام لأن محل الكلام هو تزاحم الأهم و المهم في مرحلة التأثير الأول كما لا يكاد يخفى.

فهذا الجواب ناشئ عن الخلط بين الصفة الموجودة في الأمر و الصفة الموجودة في المكلف. و بهذا ينتهي الكلام في المرحلة الثانية.

المرحلة الثالثة في ذكر بعض الاشكالات الواردة على الترتب.

الأول: إن الترتب يتوقف على القول بامكان الواجب المعلق و الشرط المتأخر و هما باطلان.

فيتوقف هذا الاشكال على مقدمتين.

الأولى توقف القول بالترتب على القول بإمكان المعلق و الشرط المتأخر.

الثانية استحالة المعلق و الشرط المتأخر.

أما المقدمة الثانية فيفرض المستشكل صحتها و الاستدلال عليها في المباحث المتقدمة.

أما المقدمة الأولى فيستدل عليها بمقدمات.

الأولى أن الانبعاث يتأخر عن البعث زمانا و ذلك لأن المكلف لا يمكنه الامتثال إلا بعد البعث و ذلك أن الامتثال من المكلف متأخر عن حصول الداعي و غير ذلك من علل تحرك المكلف.

المقدمة الثانية أن محل الكلام في مبحث الترتب هو إثبات أن المهم قد وقع في ظرف كونه مأمورا به بالأمر المهم. و إنما نفرض أن محل البحث هو ذلك فلأن الغرض من مبحث الترتب هو تصحيح فعل المهم.

المقدمة الثالثة أن زمان الاتيان بالمهم في محل البحث ليس بعد عصيان الأهم توضيح ذلك أن زمان الاتيان بالمهم يحتمل ثلاث احتمالات لا رابع لها.

الأول: أن يكون متقدما على عصيان الأهم. كما لو أتى بالصلاة المهم قبل عصيان الازالة الأهم.

465

الثاني أن يكون متقارنا مع عصيان الأهم كما لو كان فعل الصلاة مقارنا مع انعدام فعل الازالة الأهم.

الثالث أن يكون متأخرا عن عصيان الأهم كما لو أتى بالصلاة المهم بعد أن عصى الأهم.

إذا عرفت هذه الاحتمالات نقول الاحتمال الثالث خارج عن محل البحث إذ بعد عصيان الأهم يسقط التكليف به فلا يبقى الأهم واجبا فيخرج عن بحث الترتب الذي يفرض اجتماع الأمر بالأهم و الأمر بالمهم في زمان واحد.

فيتعين أن يكون ما هو محل البحث أحد الاحتمالين المتقدمين.

إذا عرفت هاتين المقدمتين نقول إن عصيان الأهم الذي هو شرط وجوب المهم. إما أن يكون متقدما أو مقارنا أو متأخرا.

و الأول و الثاني غير ممكنين فتعين الثالث و هو المطلوب.

أما عدم إمكان المتقدم فيما إذا فرض أن فعل المهم متقدم على العصيان فواضح جدا إذ المهم يكون قد جي‏ء به قبل وجوبه لأن المفروض أن وجوبه بعد العصيان و العصيان بعد الفعل فلا جرم يكون الوجوب بعد الفعل و الفعل قبل الوجوب.

و هذا هدم لمبحث الترتب لأن المطلوب إثبات وقوع الفعل المهم في حال كونه مأمورا به.

و أما إذا فرض أن فعل المهم مقارنا للعصيان فواضح أيضا إذ المهم يكون قد جي‏ء به قبل وجوبه لأن المفروض أن وجوبه بعد العصيان و العصيان مقارن للفعل فلا جرم يكون الوجوب بعد الفعل و الفعل قبل الوجوب و هذا هدم لمبحث الترتب كما عرفت.

و أما عدم إمكان المقارن فذلك لأنه إذا فرض فعل المهم متقدما على العصيان فواضح أيضا إذ يكون المهم قد جي‏ء به قبل وجوبه لأن المفروض أن وجوبه مقارن للعصيان و العصيان بعد الفعل فلا جرم يكون الوجوب بعد

466

الفعل و الفعل قبله. و هذا هدم لمبحث الترتب كما عرفت.

و أما إذا فرض فعل المهم مقارنا للعصيان و العصيان مقارن للفعل فيكون الوجوب مقارنا للفعل.

فهذا باطل لأنه ينافي المقدمة الأولى التي تقول أن البعث و الوجوب يجب تقدمه على الامتثال.

و إذا بطل كون العصيان شرطا متقدما أو مقارنا تعين كونه متأخرا أي يكون الوجوب متقدما على العصيان و هذا باطل لأمرين.

الأول ما عرفت في محله من بطلان الشرط المتأخر.

الثاني أن لازم ذلك اجتماع وجوب الأهم و المهم قبل العصيان فيكونا متنافيين.

أقول أما المقدمة الأولى فباطلة إذ لا مانع من تقارن البعث و الانبعاث كما هو حاصل في جميع المضيقات و قد أشرنا إلى ذلك في بحث تفسير الواجب المضيق و الموسع و ذكرنا أن اللازم إنما هو تقدم العلم بالبعث على الانبعاث لا تقدم نفس البعث.

بل تقدم نفس البعث لا حاجة اليه لوضوح أن البعث إما أن يستمر إلى زمان الانبعاث أم لا.

فعلى الثاني لم يكن وجه للانبعاث إذ لا انبعاث إلا من بعث.

و على الأول فالانبعاث. كان عن هذا البعث المقارن لا عن البعث المتقدم فأي حاجة إلى فرض لزوم تقدم البعث.

هذا مضافا إلى أن هذا الاشكال لو ورد علينا لاستحالت جميع التكاليف ضرورة أن الخصم يعتمد على عكازتين.

الأولى وجوب تقدم البعث على الانبعاث.

الثانية استحالة الشرط المتأخر و الواجب المعلق.

و هاتان العكازتان يضرب إحداهما الأخرى إذ ليس تقدم البعث على‏

467

زمان الانبعاث سوى وجوب معلق أو مشروط بالشرط المتأخر.

و من هنا تكون جميع التكاليف محال. فيا سبحان اللّه ما أردأ أشكال يوصل إلى هذه النتيجة.

و أما المقدمة الثانية فسليمة.

و أما الثالثة فسليمة إن قلنا أن بالعصيان يسقط الأمر.

و أما إذا قلنا أن الأمر لا يسقط بالعصيان فلا مانع من وقوع المهم بعد عصيان الأهم و بقاء الأمر بالأهم و يكون داخلا في مبحث الترتب.

و أما سقوط الأمر بالعصيان أو لا فسيأتي الكلام عليه.

فالحاصل في مقام الجواب عن هذا الاعتراض أنا نلتزم بجواز مقارنة البعث للانبعاث. و نلتزم بجواز الشرط المتأخر و الواجب المعلق و من ثم لا يهمنا أن يكون العصيان شرطا متأخرا أو مقارنا.

فإن قلت إذا كان العصيان شرطا متأخرا كان وجوب المهم متقدما أي مجتمعا مع الأمر بالأهم قبل العصيان و هذا محال.

قلت إن الأجوبة المتقدمة غرضها بيان عدم استحالة اجتماعهما سواء كان الاجتماع في زمان العصيان أو قبله أو بعده فإن أصل الاشكال هو استحالة الاجتماع في آن واحد سواء كان هذا الآن هو آن العصيان أو آن بعد العصيان أو آن قبله و حينئذ فإن تمت هذه الأجوبة فحيهلا بالاجتماع في أي وقت كان و إن لم تتم فبعدا للاجتماع في أي وقت كان.

و الحاصل أن مفروض بحث الترتب هو اجتماع الأمر بالأهم مع الأمر بالمهم. و غرضنا بالاجوبة بيان عدم المانع من هذا الاجتماع و إذا ثبت عدم المانع من الاجتماع فلا مانع منه سواء كان قبل العصيان أو وقته أو بعده.

الاشكال الثاني أن الترتب يلزمه لازم لا يمكن الالتزام به. و هو أن المكلف لو ترك الأهم و المهم يلزمه عقابان فهذا الاشكال يعتمد على مقدمتين.

468

الأولى أن الترتب يلزمه تعدد العقاب عند ترك الأهم و المهم معا.

الثانية أن هذا اللازم لا يمكن الالتزام به.

أقول أما المقدمة الأولى فدليلها أن عند ترك الأهم و المهم يكون المكلف قد ترك واجبين.

الأول الأهم لأن المفروض وجوبه مطلقا.

و الثاني المهم لأن المفروض تحقق وجوبه عند ترك الأهم.

و من الواضح أن ترك الواجب لازمه الذي يستحيل أن ينفك عنه هو استحقاق العقاب.

فإذا ترك واجبين استحق عقابين فلو فرض وقوع التزاحم بين عشرة واجبات لزم استحقاق عشر عقابات و لو تزاحم مائة غريق لزم استحقاق مائة عقاب لترك مائة واجب. و هكذا.

أما المقدمة الثانية فلأن المفروض أن المكلف ليس له سوى قدرة على أحد الواجبين أو الواجبات فكيف يستحق عقابين و هو ليس له سوى قدرة واحدة.

و يمكن أن يستدل لعدم تعدد العقاب بالوجدان القاضي بأن الذي لم ينقذ غريقا من مائه استحق عقابا واحدا لا مائة عقاب.

و هذا الاشكال تام في مقدمته الأولى لأن تعدد الطلب يستلزم تعدد العصيان و مع تعدد العصيان يلزم تعدد العقاب.

و إنما الكلام في المقدمة الثانية حيث أن الاعلام الملتزمين بجواز الترتب التزموا باستحقاق العقابين و لا يخفى أن هذا الالتزام و إن كان لا دليل عقلي على خلافه و لكن الوجدان يأباه و ينكره أشد الانكار و لعل هذا من المؤيدات لبطلان الترتب وقوعا.

و كيف كان فقد ذكر المحقق النائيني (ره) عند التعرض لهذا الاشكال عدة أمور.

469

الأول أن المطلوب إذا كان واحدا لا يجب أن يكون العقاب واحدا.

الثاني أن الواجبات الكفائية هي من قبيل ما كان المطلوب واحدا و العقاب متعددا فمثلا المولى يريد (دفن الميت) و هو مطلوب واحد. فلو عصى الجميع كان لكل واحد منهم عقاب.

الثالث أن وحدة القدرة لا تستلزم وحدة العقاب و مثل لذلك بالواجبات الكفائية فإن القدرة على دفن الميت إنما هي واحدة لواحد من المكلفين فلو عصوا استحق كل واحد منهم عقابا. فكانت القدرة واحدة و العقاب متعددا.

الرابع أن السبب في أن وحدة القدرة لا تستلزم وحدة العقاب هو أن اللازم الالتفات إلى كل خطاب باستقلاله فلا ينظر معه إلى خطاب آخر سواء كان إلى نفس المكلف أو غيره.

أقول نقدم مقدمات ثم نتعرض لهذه الأمور.

الأولى أن استحقاق العقاب إنما يكون بسبب هتك حق المولى. و هو يكون بسبب عصيان المولى بمخالفة أوامره. فاستحقاق العقاب تابع للعصيان وحدة و تعددا فإن تعدد العصيان تعدد استحقاق العقاب و إن توحد العصيان توحد استحقاق العقاب.

المقدمة الثانية أن العصيان و الامتثال هما عنوانان ينتزعان من طرفين.

الأول: أمر المولى. الثاني: فعل العبد.

فبعد تحقق هذين الطرفين ننظر ان تتطابق الفعل و الأمر انتزع عنوان الامتثال.

و إن تخالف الفعل و الأمر انتزع عنوان المخالفة و العصيان.

فالغرض بيان أن تعدد العصيان تابع لتعدد العلاقة المتوقفة على تعدد طرفيها فيتوقف تعدد العصيان على تعدد الأمر و لو ضمنيا كالأوامر المتعددة في العموم الاستغراقي كسائر النواهي.

المقدمة الثالثة إن كلمة المطلوب قد تستعمل باستعمالين.

470

الأول: متعلق الطلب الذي يفنى فيه.

الثاني: المطلوب الأولي و الغرض الاقصى و الذي قد لا يتعلق به التكليف بل يتعلق التكليف بغيره بغرض التوصل إليه.

إذا عرفت هذين الاستعمالين فنقول إن المطلوب بالمعنى الأول يستحيل الانفكاك عن الطلب فهو بالضرورة يتعدد بتعدد الطلب فإن الطلب من الأوصاف ذات الاضافة التي تضاف إلى متعلقها فكان بالضرورة كل طلب له مطلوب خاص يفنى الطلب فيه.

و أما المطلوب بالمعنى الثاني فقد يتوحد مع تعدد الطلب كما لو كان مطلوبك الأقصى صنع سرير فتأمر زيدا بإحضار الخشب و عمرا بإحضار الحديد و بكرا بإحضار الآلات و غير ذلك فكل هذه الطلبات لأجل مطلوب واحد.

المقدمة الرابعة قد مر عند ذكر المرحلة المتقدمة في توجيهات استحالة الترتب أن الأمر بغير المقدور محال سواء كان بأمر واحد أو بأمرين فراجع.

إذا عرفت هذه المقدمات فلنرجع إلى الأمور التي أفادها المحقق النائيني فنقول.

أما الأمر الأول. ففيه خلط بين التفسيرين لأن مدعي الخصم أن وحدة الطلب بالتفسير الأول تستلزم وحدة العقاب و تعدد الطلب بالتفسير الثاني يستلزم تعدد العقاب.

و أما وحدة المطلوب بالمعنى الثاني فلم يتخيل أحد أنها تستوجب وحدة العقاب كيف و الكثير يصرخ أن الغرض الأقصى من كافة أحكام الشريعة المقدسة هو واحد و هو معرفة اللّه تعالى و الارتباط به عزّ شأنه.

و أما الأمر الثاني فكذلك لأن الواجبات الكفائية قد تعدد فيها المطلوب بالمعنى الأول ضرورة تعدد الطلب بعدد جميع الأفراد كما بيناه في محله.

نعم على بعض تفسيرات الواجب الكفائي يكون الطلب واحدا حتى بالمعنى الأول و لكنها تفسيرات فاسدة.

و لأجل ما قلناه من تعدد الطلب و المطلوب تعدد العقاب و ذلك بسبب‏

471

تعدد العصيان.

و أما الأمر الثالث فهو في غاية الجودة و لكن لا بد من أن يقيد بقيد هو عدم كون وحدة القدرة مع تعدد العقاب ظلما للعبد فإن وحدة القدرة مع تعدد العقاب لها حالتان.

الأولى أن لا تكون ظلما للعبد و ذلك فيما إذا فرض أن العبد بإمكانه أن يتفصى من العقاب. فمع وجود هذا المخرج الاختياري كان تعدد العقاب غير ظلم. و المخرج الاختياري تارة يكون قبل التكليف كما لو كان موضوع الحكمين اختياريا.

و أخرى يكون حال التكليف كما لو كان امتثال أحدهما رافعا لوجوب الآخر كما في الترتب فإن امتثال الأهم رافع أو دافع لوجوب المهم.

الحالة الثانية أن تكون ظلما للعبد و ذلك فيما إذا فرض عدم وجود المخرج الاختياري للعبد. بحيث لا يمكنه التفصي من العقاب لا قبل التكليف و لا حالة.

و أما الأمر الرابع فقد عرفت فساده إذ السبب هو وجود المقتضي و عدم وجود المانع فإن مقتضى تعدد العقاب هو تعدد العصيان الحاصل بسبب تعدد الأمر. و لا يوجد مانع من ظلم أو غيره- يمنع من كون هذا العاصي لأمرين الذي له قدرة واحدة مستحقا لعقابين.

الاشكال الثالث و يعتمد على مقدمات.

الأولى: أن الترتب لا ينفع إلا إذا ثبت وقوع المهم من أوله إلى آخره مأمورا به بالأمر الترتبي.

الثاني: أن المفروض أن الأمر بالمهم مشروط بعصيان الأهم فإذا فرضنا أن هذا الشرط شرط مقارن لزم أن يكون الأمر بالمهم مقارنا للعصيان كما هو بديهي.

الثالثة: إن آن العصيان يحتمل ثلاثة احتمالات.

472

الأول تقدمه على آن الشروع بالمهم بمعنى أن يكون زمانه متقدما على زمان أول أجزاء الفعل المهم.

الثاني مقارنته لآن الشروع بالمهم بمعنى أن يكون زمانه مقارنا لزمان أول أجزاء الفعل المهم.

الثالث كونه بعد آن الشروع بالمهم بمعنى أن يكون زمانه متأخرا عن زمان أول أجزاء الفعل المهم.

و الاحتمال الصحيح هو الثالث دون الأول و الثاني.

أما بطلان الأول فواضح إذ المفروض أن العصيان معلول الاتيان بالمهم فيستحيل تقدمه على الاتيان بالمهم لاستحالة تقدم المعلول على العلة.

و أما بطلان الثاني فلأن المعلول إنما يقارن العلة بعد تقررها و حدوثها و خروجها من العدم إلى الوجود فيجب أن يكون العصيان متأخرا عن مرحلة خروج الفعل من العدم إلى الوجود و إلا كان المعلول موجودا قبل وجود العلة و هو محال فإذن يجب فرض أن أول أجزاء الفعل قد تقرر وجوده ثم يفرض وجود العصيان.

و هذا هو مرادنا بالاحتمال الثالث و هو المطلوب.

و ينتج من هذه المقدمات أن مرحلة تقرر أول أجزاء الفعل المهم تكون مجردة عن الأمر و بالتالي لا تتحقق الثمرة المطلوبة من الترتب لأن الثمرة إنما تترتب إذا كان المهم من أول مراحله واقعا تحت الأمر ليكون البعث متفرعا عن الانبعاث لا الانبعاث متفرعا عن البعث.

و عليك بالتأمل في هذا الاشكال فإن قواعد القوم تقول أن العلة مقارنة للمعلول في الزمان فإذا كان أول الأجزاء هو علة العصيان و العصيان علة الأمر كان أول الأجزاء مقارنا للأمر و إن تأخر الأمر رتبة عن الفعل.

فإذا ضممنا إلى هذا أن الذي يكفينا في المقام هو كون الفعل بوجوده تحت الأمر و لا حاجة أن تكون مرحلة وجوده داخلة تحت الأمر بل قد يقال بعدم وجود هذه المرحلة و إنما هي تخيل محض.

473

و كيف كان فلا أقل من كون الأمر متأخرا عن أول الفعل برتبتين لأن أول الفعل هو علة العصيان و العصيان علة الأمر فكان الأمر معلول معلول الفعل.

و من هنا فدعوى كون الأمر مصححا للفعل هي دعوى كون الأمر علة في وصف الفعل بالصحة فيكون الفعل قد انفك عن وصف الصحة بثلاث رتب.

بل قد يقال أنه يشترط في البعث أن يتقدم على الانبعاث رتبة و إن لم يجب أن يتقدم عليه زمانا. فلاحظ جيدا.

نعم يمكن دفع هذا الاشكال بدعوى أن شرط المهم ليس هو نفس العصيان بل هو العزم على العصيان بحيث تكون الارادة التامة للعصيان قد تحققت.

و بما أنه لا مانع من ذلك يجب حمل الشرط على ذلك حتى بدون ايراد الاشكال المتقدم لما يأتي من لزوم التمسك بإطلاق وجوب المهم و عدم رفع اليد عن وجوبه إلا بالمقدار الضروري أي الذي يرتفع به اشكال المزاحمة و هذا المقدار دائر بين العصيان و العزم.

و لما كان دائرة العزم أوسع من دائرة العصيان كان اللازم التقيد بالأوسع حفظا للقاعدة المتقدمة و سيأتي توضيحها في المقام الثاني.

الاشكال الرابع. و هذا الاشكال يرد على من يعتقد أن من شروط التكليف القدرة على الفعل عقلا و شرعا.

و حاصل هذا الاعتراض أنه المفروض بقاء التكليف بالأهم حتى عند عصيانه و بالتالي يكون المكلف مكلفا شرعا بالأهم و بالتالي يكون شرط القدرة تشريعا مفقودا و من هنا لا يمكن تحقق وجوب المهم لفقد شرطه.

الاشكال الخامس: و يبتني على مقدمات.

الأولى: أن محل البحث في الترتب هو ما إذا كان الأهم و المهم مجتمعين في زمان واحد.

474

الثانية: أن المفروض أن المهم مشروط بعصيان الأهم.

الثالثة: أن عصيان الأهم يقتضي سقوط الأهم لأن الأمر و الطلب يسقط بأحد شيئين الأول امتثاله الثاني عصيانه فالأمر بصلاة الظهر كما يسقط بالامتثال و إتيان صلاة الظهر كذلك يسقط بعصيان صلاة الظهر و هكذا سائر الأوامر.

الرابعة أن العصيان شرط للمهم.

فإما أن يفرض شرطا متقدما أو مقارنا أو متأخرا.

و الأول خارج عن محل البحث لأنه يؤدي إلى وقوع المهم في ظرف عدم الأمر به كما عرفت.

و الثاني يجب خروجه عن محل البحث و ذلك لأن معنى اشتراط المهم بعصيان الأهم مقارنا هو أن يكون وجوب المهم لا يوجد إلا في حال سقوط الأهم، فإن العصيان يكون علة لشيئين.

الأول سقوط الأهم. كما عرفت في المقدمة الثالثة.

و الثانية وجود المهم كما هو المفروض.

و على هذا فيكون الأمر بالمهم غير مجتمع مع الأمر بالأهم و هذا خروج عن محل البحث كما عرفت في المقدمة الأولى.

فتحصل أن فرض أن عصيان الأهم شرط مقارن لوجوب المهم يؤدي الى خروج الكلام عن محل البحث و بالتالي لا يجوز في محل البحث فرض العصيان شرطا مقارنا.

و أما الثالث (أي أن يكون العصيان شرطا متأخرا) فهو غير ممكن أيضا لأن معنى ذلك أن يكون وجوب المهم متقدما على العصيان فيكون مجتمعا مع الأهم قبل العصيان و هو محال.

فينتج من جميع هذه المقدمات بطلان اشتراط المهم بالعصيان بأي نحو كان من الأنحاء.

475

أقول. الجواب ما عرفت سابقا من إمكان اختيار أنه شرط متأخر و ليس محالا إذ عرفت أن الأجوبة المذكورة لحل الترتب مذكورة للاستدلال على جواز الاجتماع سواء كان قبل العصيان أو بعد العصيان.

و قد يجاب بجواب آخر و هو بطلان المقدمة الثانية و ذلك بدعوى أن العصيان لا يلزم منه سقوط الأمر و بالتالي فيمكن اختيار أن يكون الشرط شرطا مقارنا.

أقول قد عرفت مرة بعد أخرى. أن الأمر فعل اختياري يحتاج إلى علة غائية هي الغرض و كما يحتاج إلى الغرض في حدوثه يحتاج إلى الغرض في بقائه ضرورة أن المعلول يحتاج إلى العلة بقاء و حدوثا.

و من هنا نقول إن سقوط الأمر يكون عند سقوط الغرض إذ يسقط المعلول عند سقوط علته و سقوط الغرض يكون بأحد أمرين.

الأول: تحققه فإن تحقق الغرض يقتضي سقوطه لاستحالة طلب الحاصل فمن كان غرضه شرب الماء و فرض أنه شرب الماء فيستحيل أن يبقى غرضه شرب الماء لاستحالة طلب الحاصل و هذا واضح.

و من هنا قلنا في بحث الأجزاء أن الاتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي سقوط الأمر المتعلق به.

الثاني استحالة تحققه فإن استحالة تحقق الغرض تقتضي استحالة كونه غرضا لاستحالة طلب المحال فلو كان غرضه شرب الماء ثم بان له أن تحقق شرب الماء محال يسقط شرب الماء عن كونه غرضا لاستحالة طلب المحال.

و هذا الذي ذكرناه إلى هنا محل وفاق و إنما الكلام أن العصيان هل يؤدي إلى العجز عن الغرض أم لا.

فإن قلنا أنه يؤدي إلى العجز كان معنى ذلك أن العصيان يؤدي إلى سقوط الأمر.

و إن قلنا أنه لا يؤدي إلى العجز كان معنى ذلك أن عند العصيان لا

476

يتحقق أي واحد من الأمرين المسقطين للأمر. و بالتالي يكون العصيان غير مسقط للأمر.

و من هنا اطلق بعض المحققين أن العصيان لا يستلزم سقوط الأمر مدعيا أن العصيان لا يستلزم العجز عن الاتيان بالغرض الذي يتحقق بالمأمور به.

و الحق هو التفصيل بين الأمر الذي يكون على نحو الفورية فالفورية و بين الأمر الذي يكون محدودا بحد من زمان أو حالة خاصة كوجود في مكان فالأول قد يناقش في سقوطه بالعصيان و أما الثاني فيسقط بالعصيان جزما. فهنا دعويان.

أما الثانية: فهي أن الأمر المحدود بحد من زمان أو غيره يسقط بالعصيان.

و دليل هذه الدعوى واضح و ذلك لأن الأمر إذا كان محدودا بحد سواء كان موسعا أو مضيقا فإن عصيانه لا يكون إلا بالخروج عن الحد دون امتثاله.

فالأمر بصلاة الظهر تعلق بكلي الصلاة بين الزوال و الغروب و لا عصيان لهذا الأمر إلا عند الخروج من هذا الحد دون الإتيان بالصلاة. فلو بقي مجال للمكلف أن يأتي بهذا الكلي لم يتحقق العصيان.

و الحاصل أن العصيان في هذا القسم لا يتحقق إلا عند العجز عن الامتثال.

و أما الدعوى الأولى أعني امكان النقاش في تلازم العصيان مع سقوط الأمر.

فتوضيحها أن النقاش هنا يتوقف على بيان حقيقة الأمر الفوري.

فالفوري و قد بيناه سابقا فراجع فإن توصلنا أن الأمر الفوري فالفوري هو عبارة عن أوامر متعددة كل واحد منها لجزء من الزمان كان العصيان مستوجبا لسقوط الأمر كالقسم المتقدم إذ يرجع الأمر الفوري فالفوري إلى القسم‏

477

السابق (أي الأمر المحدود بحد).

و اما إن توصلنا أن الأمر الفوري فالفوري هو أمر واحد يقتضي الفورية فالفورية فلا يسقط هذا الأمر بمجرد العصيان كما لا يكاد يخفى.

و بهذا ينتهي الكلام في المرحلة الثالثة.

و أما المرحلة الرابعة فنذكر فيها أمور.

الأول. في الصيغة المعروفة للترتب فنقول يقع الكلام في بيان شرط المهم. و يحتمل احتمالات.

الأول عصيان الأهم و هذا هو المشهور على الألسنة.

الثاني ترك الأهم و لو لم يكن عصيانا.

الثالث العزم على عصيان الأهم.

الرابع العزم على ترك الأهم.

أقول أما الاحتمال الأول فهو مردود لأمرين.

الأول أنه يقتضي بطلان الضد المهم لو فعله المكلف غير ملتفت إلى الأهم كما لو تزاحم الصلاة و الازالة و فرض أن الازالة هي الأهم واقعا و لكن المكلف لم يلتفت إلى التزاحم أصلا.

أو التفت و نسي أو التفت و تذكر و توهم التساوي فاختار الصلاة أو توهم أهمية الصلاة فارتكب الصلاة بتوهم أنه الأهم فيلزم على ذلك وقوع الصلاة غير مأمور بها بالأمر المهم لعدم تحقق موضوعه الذي هو عصيان الأهم لأنه إنما ترك الأهم دون عصيان له.

و من الواضح أن هذا اللازم ينفر منه الوجدان أعني أن الوجدان ينفر من الجمع بين دعوى صحة المهم عند معصية اللّه تعالى في الأهم. و دعوى عدم صحة المهم عند عدم المعصية في الأهم.

الثاني أنه سوف يأتي في المقام الثاني أنه لا يجوز رفع اليد عن إطلاق دليل المهم إلا بمقدار يرتفع به الضرورة و من الواضح أن الضرورة ترتفع‏

478

بتقييد الأمر بالمهم بمجرد الترك و لو لم يكن موصوفا بالعصيان بل ترتفع الضرورة بتقييد الأمر بالمهم بمجرد العزم على الترك و لو لم يتحقق العصيان بعد بل و لو لم يكن الترك موصوفا بالعصيان.

و أما الاحتمال الثاني فإنه و إن كان لا يرد عليه الايراد الأول إلا أنه يرد عليه الايراد الثاني لوضوح أن التقييد بعدم العزم على الترك أقل من التقييد بعدم الترك و كلما كان التقييد أقل كان هو الواجب.

و أما الاحتمال الثالث فيرد عليه الايرادان الأول و الثاني.

فتعين الاحتمال الرابع و المراد من العزم هو التصميم المتكامل أعني الارادة المحركة للعضلات.

تنبيهان.

الأول قد يناقش بعض الفحول في جواز جعل شرط المهم هو العزم على العصيان. أو الترك.

و حاصل هذا النقاش أن شرط المهم لو كان هو العزم على العصيان أو الترك.

فإما أن يكون شرطا متقدما أو مقارنا أو متأخرا.

أما الأول فمحال لاستحالة المتقدم.

و أما الثالث فخارج عن محل البحث لأن المطلوب في محل البحث إثبات وجوب المهم حال العصيان. و هو بعد العزم على العصيان زمانا فلو كان العزم شرطا متأخرا عن الوجوب كان العصيان متأخرا عن العزم و العزم متأخرا عن الوجوب فالعصيان متأخر عن الوجوب و هذا خارج عن المطلوب.

و أما الثاني فيلزم أن يكون الوجوب معلقا لأن زمان الوجوب حين الشرط و هو العزم و زمان الواجب هو العصيان و هو متأخر و هذا هو الوجوب المعلق.

479

أقول أولا يمكن الالتزام بالأول و لا محذور فيه على ما عرفت في محله.

ثانيا يمكن الالتزام بالثالث و لا يكون معلقا لما عرفت من أن الوجوب المعلق هو أن يكون الشارع قد حدد الفعل بزمان متأخر عن زمان الوجوب.

و أما إذا لم يحدده الشارع كذلك غايته أن العبد كان مضطرا إلى التأخير بسبب عجز فيه. فلا يكون من الواجب المعلق.

و هذا الجواب يتم على بعض المذاهب في تفسير الواجب المعلق.

ثالثا المراد بالعزم الذي هو شرط المهم هو الذي يكون علة تامة للعصيان و هو لا ينفك عن العصيان زمانا.

رابعا لا نسلم استحالة الواجب المعلق.

التنبيه الثاني لو التزمنا أن العصيان بنفسه شرط متأخر لوجوب المهم.

فهنا يكون الوجوب متقدما زمانا على الفعل المهم و من هنا حكم بعض الاعلام على ما هو ظاهرهم بصيرورة الواجب حينئذ واجبا معلقا لأن زمان الوجوب متقدم و زمان الواجب متأخر.

هذا و لكنك عرفت فساده لأن الوجوب و إن تقدم إلا أن زمان الواجب لم يتأخر.

إذ كان بإمكان العبد تقديم العصيان لكنه أخره عمدا فتأمل.

الأمر الثاني ذكر بعض المدققين وجها آخر غير الترتب يمكن فيه الجمع بين الأمر الأهم و الأمر المهم في زمان واحد بلا حاجة إلى فرض وجود اختلاف في الرتبة.

و هذا الجواب يتوقف على مقدمات.

الأولى أن الوجود لا يتحقق إلا بتحقق جميع أجزاء علته من المقتضي و الشروط و عدم المانع. و غير ذلك كالمعد فوجود السرير مثلا لا يتحقق إلا بعد تمامية علته من الخشب و النجار و إرادته و قدرته و وجود الآلات‏

480

و الأغراض و عدم وجود الموانع إلى آخر ما يقتضيه وجود السرير.

و من ثم فلو فقد أي واحد من هذه الأمور كان فقدانها مؤديا إلى عدم تحقق الوجود.

ثم إن هذه الأمور التي يكون عدمها مؤديا إلى عدم تحقق الوجود المعلول، نسميها بأبواب العدم فأبواب عدم وجود السرير هي عدم المقتضي و عدم الشروط و وجود المانع و غير ذلك.

المقدمة الثانية إن طلب وجود شي‏ء هو بالنهاية يرجع إلى طلب سد جميع أبواب عدمه فطلب السرير هو طلب سد جميع أبواب العدم بمعنى إيجاد جميع أجزاء علة وجود السرير.

المقدمة الثالثة إن طلب وجود شي‏ء على طورين.

الأول: طلب تام و هو الطلب المتعلق بأصل الوجود فيراد به سد جميع أبواب العدم بحيث يكون سد كل باب على عاتق المكلف.

الطور الثاني طلب ناقص متوجه إلى تتميم الوجود و هو الطلب الذي يراد به سد بعض أبواب العدم و ذلك كما لو فرض توجه الطلب بإيجاد السرير في ظرف وجود المقتضي و الخشب و سائر الآلات فيقال له في هذه الحالة (أوجد السرير) أي يجب عليك سد بقية أبواب العدم لأن المفروض أن بعض أبواب العدم مسدودة قبل الطلب فيراد بالطلب سد بعض الأبواب أي الأبواب التي كانت مفتوحة حين الطلب و لهذا نسمي هذا الطلب بالطلب الناقص أو بتميم الوجود.

إذا اتقنت هذه المقدمات نقول إن الأمر الأهم و الأمر المهم غير متنافيين فيمكن اجتماعهما في زمان واحد و رتبة واحدة.

و سبب عدم تنافيهما هو أن نفرض أن الأهم تام الطلب أي من الطور الأول و المهم ناقص الطلب أي من الطور الثاني فيكون الأهم غير طارد للمهم و لا العكس.

أما عدم مطاردة المهم للأهم فلأن المهم تعلق بسد بعض أبواب العدم‏

481

لا جميعها حتى العدم الآتي من قبل وجود الأهم.

توضيحه بالمثال أن الصلاة و هي المهم لها أبواب عدم كثيرة منها وجود الإزالة فإن وجود الإزالة من أبواب عدم الصلاة فنقول لو كان الأمر بالصلاة تاما أي يطلب فيه سد جميع أبواب العدم لكان المطلوب سد هذا الباب أيضا أي يكون المطلوب اعدام الازالة ليسد هذا الباب من أبواب العدم.

و لكننا فرضنا غير ذلك حيث فرضنا أن الأمر بالصلاة ناقص أي يطلب فيه سد بعض الأبواب أي جميع أبواب العدم ما عدا باب وجود الأهم- أي الازالة- فهذا الباب لا يجب سده.

و كما أن هذا الباب لا يجب سده فكذا جميع الأبواب التي تتفرع عنه كوجود جميع مقدمات و لوازم الازالة و من بينها (عدم الصلاة).

ف (عدم الصلاة) من حيث أنه من لوازم (وجود الازالة) لا يجب سده.

فالحاصل أن معنى وجوب الصلاة هو وجوب سد جميع أبواب عدم الصلاة مع عدا باب واحد هو وجود الازالة و كذا جميع ما يلزم هذا الباب.

أما عدم مطاردة الأهم للمهم فواضح لأن الأهم و إن كان طلبا تاما يطلب فيه سد جميع أبواب عدم الازالة مثلا و من بينها عدم الصلاة إلا أنك عرفت أن المهم لم يطلب فتح أي باب من هذه الأبواب. فأين تقع المطاردة.

و بعبارة أخرى أن وجود الأهم له أبواب عدم منها وجود الصلاة.

و وجود المهم له أبواب عدم منها وجود الازالة.

فطلب الأهم المتعلق بالإزالة يطلب سد جميع أبواب عدمها حتى باب وجود الصلاة من حيث أنه باب من أبواب عدم الازالة.

و طلب المهم المتعلق بالصلاة يطلب سد جميع أبواب عدم الصلاة ما عدا باب وجود الازالة و ما يتفرع عنه أي (أبواب عدم وجود الإزالة التي منها عدم وجود الصلاة).

482

إذن ما يطلبه الأهم و هو سد أبواب عدم الازالة لا ينظر المهم إليه و لا يطلب خلافه.

و بعبارة ثالثة إن توهم المطاردة بين الأمر الأهم و الأمر المهم تتصور في أن الأمر الأهم يطلب شيئين.

الأول وجود الأهم (الإزالة).

الثاني: لوازم الأهم التي هي سد أبواب عدمه و منها (عدم المهم الصلاة).

و أن المهم يطلب شيئين.

الأول وجود المهم- الصلاة- مطلقا أي سواء كان وجود الصلاة بابا من أبواب عدم الأهم- الإزالة- أو لم يكن وجود الصلاة بابا من أبواب عدم الأهم الازالة.

الثاني لوازم المهم التي هي سد أبواب عدمه و منها عدم الأهم (الازالة).

و لأجل هذا يقع التطارد بين الطلبين إذ كل واحد منهما يطلب عدم الآخر.

و أما بعد أن فرضنا أن طلب المهم لم يتعلق بما تعلق به طلب الأهم.

لأنه طلب ناقص و لم يتعرض سوى لشيئين.

الأول وجود الصلاة التي لا يكون وجودها بابا من أبواب عدم الإزالة.

الثاني لوازم وجود الصلاة التي هي سد باب عدمه ما عدا (عدم الازالة و لوازمه).

و من هنا كان طلب المهم لا ينافي طلب الأهم لا في وجود الصلاة و لا في وجود الإزالة لأنه لا يطلب وجود الصلاة الذي يكون من أبواب عدم الازالة كما لا يطلب سد باب عدم الصلاة من جهة وجود الازالة.

و بهذا ينتهي توضيح هذا الرأي و قد أطنبنا في شرحه لما فيه من غرابة.

483

و مما ذكرناه ظهر فساد ما هو ظاهر بعض الفحول من الاعتراض على هذا الوجه بأن الأمر بالأهم مطلق يشمل سد جميع أبواب العدم و منها وجود المهم و بالتالي يكون طاردا للأمر بالمهم لأن المهم يطلب سد عدم المهم و الأهم يطلب سد وجود المهم.

و وجه الاندفاع ما عرفته ما أن الأمر بالأهم يطلب (عدم المهم) من حيث كونه سد باب لعدم الأهم.

و أما الأمر بالمهم فيطرد عدم المهم لا من حيث كونه باب لعدم الأهم.

بل قد عرفت أن المهم لا يطلب عدم الأهم و كذا لا يطلب فتح أي سد من سدود أبواب عدم الأهم فإذا فرض كون عدم المهم سد باب عدم للأهم لا يكون مطلوبا.

و الحاصل أن (عدم المهم) قسمان.

الأول هو سد باب لعدم الأهم.

و الثاني هو ليس سد باب لعدم الأهم.

فالأول يطلبه الأمر بالأهم و لا يطرده الأمر بالمهم.

و الثاني يطرده الأمر بالمهم و لا يطلبه الأمر بالأهم فلا مجال لتطارد الأمرين.

و كيف كان فيرد على هذا الوجه أمران.

الأول أن نطالب هذا المدقق بالفرق بين (عدم المهم) الذي طلبه الأهم و (عدم المهم) الذي طرده المهم.

و يحتمل في مقام الجواب على هذه المطالبة أن يجيب بأحد جوابين.

الأول: أن (عدم المهم) كلي له صنفان.

الأول صنف يقع سدا لباب من أبواب عدم الأهم.

الثاني صنف لا يقع كذلك بل يقع بابا من أبواب عدم المهم.

484

الجواب الثاني أن (عدم المهم) شي‏ء واحد لا يختلف بذاته غايته أنه يمكن أن ينظر إليه من حيثيتين.

الأولى: حيثية أنه سد لباب من أبواب عدم الأهم.

الثانية حيثية أنه باب من أبواب عدم المهم.

أقول إن أراد الجواب الأول أنكرناه أشد الانكار فإن (عدم المهم) كسائر الاعدام لا تقسيمات لها و لا أصناف لاستحالة أن يتخصص أحد الاعدام بخصوصيات غير موجودة في غيره من الاعدام لوضوح أن جميع الاعدام لا يكون لها أي خصوصية موجودة فما معنى تقسيم العدم إلى قسمين و على أي أساس يكون هذا التقسيم.

و إن أراد الجواب الثاني قلنا أنه إما أن يكون مراده بالحيثية الحيثية التقييدية أو يكون مراده الحيثية التعليلية.

فإن كان مراده الأولى أي الحيثية التقييدية أنكرنا ذلك أيضا لوضوح أن العدم لا يقبل التقييد بحيثيات تقييدية فإن التقيد إنما هو من شئون الوجود لا العدم. و لو أمكن تقيد العدم لأمكن تقسيمه.

و إن كان مراده الثانية أي الحيثية التعليلية قلنا أنها لن تنفع لأن معنى ذلك أن الطلب توجه إلى ذات (عدم المهم) فلا يكون هناك فرق بين (عدم المهم) الذي طلبه الأمر الأهم و بين (عدم المهم) الذي طرده الأمر بالمهم.

الأمر الثاني أن هذا الوجه على فرض إمكانه يقع الكلام في وقوعه و سيأتي أن الترتب المعروف يكفي امكانه دليلا على وقوعه.

و أما هذا الوجه الذي ابتكره هذا المحقق فإنه لا يكفي إمكانه دليلا على وقوعه و ذلك لأن هذا الوجه يدعي أن الطلب توجه إلى حصة من حصص العدم.

مع أن المفروض قبل التزاحم كون الطلب متوجها إلى الوجود فصرف الطلب من الوجود إلى سد أبواب العدم يحتاج إلى دليل مفقود.

485

و بعبارة أخرى إن الطلب المتعلق بالصلاة إنا يدل ابتداء على طلب وجود الصلاة و لازم هذا الطلب هو سد جميع أبواب العدم.

و هنا يقع سؤال هو أنه هل يمكن توجه الطلب إلى الوجود على نحو يكون لازمه هو سد بعض أبواب العدم لا جميعها حتى نستطيع أن نقول أن الطلب المتوجه إلى وجود الصلاة قسمان:

الأول طلب تام لوجود الصلاة و يكون لازمه طلب سد جميع أبواب عدم الصلاة.

الثاني طلب ناقص لوجود الصلاة و يكون لازمه طلب سد بعض أبواب العدم.

إذا عرفت هذا السؤال.

نقول يحتمل في مقام الجواب احتمالان.

الأول: أن يجاب بالنفي فيقال أن طلب الوجود دائما تام فهو قسم واحد لا أكثر.

فعلى هذا الجواب كان جعل الأمر بالأهم دالا على طلب سد بعض أبواب العدم يحتاج إلى دليل آخر غير الدليل الأول المفروض في التزاحم.

لأن المفروض أن الدليل الأول دل على تعلق الطلب بالوجود فلا يوجد بيدنا دليل يدل على تعلق الطلب بسد بعض أبواب العدم.

الاحتمال الثاني أن يجاب بالإيجاب فيقول أن طلب الوجود ينقسم إلى القسمين المتقدمين.

فعلى هذا الاحتمال يبرز سؤال و هو أن الطلب الناقص هل هو تقييد للطلب التام أم أنه طلب آخر.

و بعبارة أخرى هل نسبه طلب الناقص إلى طلب التام هو نسبه طلب المقيد إلى طلب المطلق.

أم أن نسبته اليه نسبة المباين إلى مباينة حتى يكون طلب الناقص طلبا مغايرا لطلب التام.

486

فإن أجبنا أنهما طلبان متغايران كان طلب الناقص محتاجا إلى دليل جديد لأن المفروض أن دليل المهم كان ظاهرا في الطلب التام ففي مقام التزاحم إما أن يبقى هذا الطلب أو يسقط فيحتاج ثبوت الطلب الناقص إلى دليل جديد.

و أما إذا أجبنا بأن نسبة الطلب الناقص إلى الطلب التام هي نسبة المقيد إلى المطلق كان الطلب الناقص غير محتاج إلى دليل على ما مر الاشارة اليه و يأتي التنبيه عليه في المقام الثاني.

و التحقيق في مقام الجواب عن السؤال الأول هو أن طلب الوجود قسم واحد لأن الطلب ليس سوى الارادة أو التكليف و كلاهما بسيطان غير قابلين للتقسيم فعند ما نقسمهما لا جرم يكون التقسيم باعتبار المتعلق.

و من ثم فإذا عرفنا أن المتعلق هو الوجود الذي هو بسيط أيضا اتضح استحالة تقسيم طلب الوجود.

فإن الوجود شي‏ء واحد لا يمكن تقسيمه إلى وجود تام و وجود ناقص كما أن الطلب بنفسه وجود واحد لا يمكن لنا تقسيمه إلى طلب تام و إلى طلب ناقص.

فكما لا يمكن تقسيم الطلب إلى (طلب الوجود التام) و (طلب الوجود الناقص) تقسيما باعتبار متعلق الطلب أي الوجود.

كذلك لا يمكن تقسيم الطلب إلى (طلب تام للوجود) و (طلب ناقص للوجود) تقسيما باعتبار ذاته.

و أما في مقام الجواب عن السؤال الثاني فنقول إن كان تقسيم الطلب باعتبار ذاته فلا ريب أن الطلبين متغايران نسبة أحدهما إلى الآخر نسبة المغاير إلى مغايره.

و إن كان تقسيم الطلب باعتبار متعلقه فيحتاج الجزم في الجواب إلى بيان العلاقة الواقعية بين الوجودين.

487

فإن كان العلاقة هي علاقة الأقل و الأكثر الاستقلاليين كانت النسبة بينهما نسبة المقيد إلى المطلق.

و إن كانت العلاقة بينهما غير ذلك كانت النسبة بينهما نسبة المتغايرين.

و لا يخفى استحالة تحديد العلاقة الواقعية لما عرفت من عدم وجود واقعية الوجود الناقص. و بهذا ينتهي الكلام على هذا الوجه.

الأمر الثالث و هو إمكان تصوير الأمر بالمهم بتصوير آخر.

و هو دعوى سقوط الأمر بالأهم عند عصيانه فيكون اللازم رجوع الأمر بالمهم إلى الفعلية.

توضيح ذلك أن العصيان ينشئ عن مقدمات عديدة تؤدي إلى حدوث العزم و الارادة التامة و هذه الارادة التامة (مع فرض تحقق الشروط الخارجية و عدم الموانع الخارجية) هي العلة التامة لتحقق العصيان. و من هنا يكون تحقق الأهم محالا ضرورة تحقق العلة التامة لعدمه.

و بالتالي يجب سقوط الأمر بالأهم إذ يستحيل طلب المحال. فما دامت العلة التامة للعصيان موجودة يكون الأمر مرتفعا و بالتالي يكون المجال لفعلية المهم في غاية السعة و الحاصل هنا مقدمات.

الأولى: أن الأمر فعل اختياري للمولى يتوقف على وجود الغرض و كما يتوقف على وجود الغرض حدوثا كذلك يتوقف على وجود الغرض بقاء. و هذه المقدمة واضحة و مرت مرارا متعددة.

الثانية: أنه يستحيل بقاء الغرض عند استحالة تحقق المطلوب ضرورة استحالة تعلق الغرض بالمحال.

الثالثة: أن محل الكلام إنما هو عند تحقق شروط امكان الامتثال و تحقق عدم الموانع منه ضرورة أنه عند عدم تحقق الشرائط كعدم المقدرة أو وجود الموانع فلا جرم يكون المطلوب مستحيل التحقق فلا مجال لبقاء الغرض و بالتالي يجب سقوط الأمر.

488

الرابعة: أن في هذا المحل يكون المستوجب للامتثال أو عدم الامتثال هو الارادة حتى تكون الارادة في هذا المحل بمنزلة العلة التامة.

و من هنا فلو تحققت إرادة عصيان الأهم. كان تحقق الأهم محالا ضرورة وجود علة عدمه و عدم وجود علة وجوده.

إذا عرفت هذه المقدمات ينتج أنه عند تحقق إرادة عصيان الأهم يستحيل الأهم و بالتالي يستحيل تعلق الغرض به و بالتالي يسقط الأمر المتعلق به أي يسقط الأمر الأهم. فيبقى الأمر المهم بلا مزاحم.

و هذا الوجه قد يرد عليه إيرادات.

الأول ان ارادة المكلف اختيارية له و من هنا فيمكن للمكلف تغيير إرادته و من هنا نقول أن حال وجود إرادة عصيان الأهم لا يكون الأهم محالا ضرورة بقاء المجال لوجود علته.

و الحاصل أنه إن أريد أن الأهم محال لعدم وجود علته.

ففيه أن كل أمر قبل قصد امتثاله هو كذلك و على هذا يلزم سقوط جميع الأوامر بل يلزم عدم حدوثها ضرورة أن عند حدوثها لا تكون علة وجود المطلوب موجودة و لا يخفى فساده فإن الأمر يوجد لأجل إيجاد علة وجود المأمور به.

و إن أريد أن الأهم محال لوجود علة عدمه و هي إرادة العصيان.

ففيه أن هذه العلة قابلة للإزالة فالأهم باق على الامكان كما أن الاوامر إنما توجد لأجل أن يتصدى المكلف فيزيل جميع الموانع و يهيّئ جميع الشروط لأجل فعل المأمور به.

الثاني أن لازمه أن الأمر بالمهم لا يتحقق إذا فرض كون المكلف قاصدا تركهما معا فكما يسقط الأهم يسقط المهم.

قلت هذا اللازم لا دليل على بطلانه بل هو حسن لأنه يدفع استحقاق المكلف لعقابات متعددة عند تركه لاطراف متعددة متزاحمة.

489

الثالث أن لازم هذا الوجه سقوط التكاليف عن الجاهل و الكافر و المصمم على المعصية و هذه لوازم لا يلتزم بها أحد. فتأمل.

الرابع أن لازم هذا الوجه أن لا يستحق العقاب على ترك الأهم لأنه ترك غير الواجب. ضرورة أنه عند ارادة عصيانه يرتفع وجوب الأهم حسب الفرض و من ثم فعند فعلية ترك الأهم يكون الأهم غير واجب.

هذا و يمكن دفع الاشكالات عن هذا الوجه إذا التزمنا بوجود درجتين من فعلية الحكم.

توضيح ذلك أن يقال إن الأحكام الشرعية عبارة عن قضايا حقيقية لم يؤخذ في موضوعها تحقق إرادة المكلف للطاعة أو عدم تحقق إرادته للعصيان.

و من ثم فإذا انطبق الموضوع على المكلف صار الحكم فعليا بمعنى أن المولى يحب تحقق الفعل من هذا المكلف.

و إذا وجد أن المكلف بالامكان أن يتصدى للفعل لعدم تصميمه على العصيان يصير عند المولى باعثية فعلية وراء انطباق الموضوع على المكلف.

فإذن يوجد أمران.

الأول انطباق الموضوع على المكلف. و هذا الأمر لا يستعقبه شي‏ء سوى صدق صيرورة المكلف موضوعا مصداقا من مصاديق القضية الحقيقية التشريعية و يكون حال هذا المكلف حال سائر مصاديق القضايا الحقيقية.

و هذا كاشف عن تعلق حب المولى لصدور الفعل من هذا المكلف.

الأمر الثاني بعد انطباق الموضوع على المكلف و التفات المولى إلى ذلك و التفاته إلى التفات المكلف و عدم عزمه على الطغيان يصير عند المولى حالة جزئية و هي حالة البعث لهذا المكلف حتى يكون بعثه على نحو القضية الجزئية الخارجية فيصدر أمر جزئي شخصي من المولى إلى هذا المكلف و إن لم يسمعه المكلف.

فالحاصل أن عندنا درجتان من الفعلية.

490

الأولى انطباق موضوع القانون الشرعي على المكلف.

الثاني تحقق البعث الجزئي إلى هذا المكلف.

و الدرجة الأولى لا تتوقف على شي‏ء سوى على أن يتحقق في المكلف خارجا جميع خصائص الموضوع.

و الدرجة الثانية تتوقف (مضافا إلى انطباق الموضوع على المكلف) على التفات المولى إلى انطباق الموضوع على المكلف و تتوقف على عدم علم المولى بعزم العبد على العصيان.

ثم إن الدرجة الأولى هي موضوع الثواب و العقاب بعد فرض علم المكلف بها.

فإذا عرفت هذا الأساس يصبح الجمع بين الأمر المهم و الأهم في غاية السهولة. و ذلك أنه عند وقوع التزاحم بين الأهم و المهم يكون كلا موضوعيهما متحققا فالفعلية بالدرجة الأولى موجودة لكلا الطرفين غايته أن الفعلية بالدرجة الثانية لا بد أن تكون للأهم.

هذا قبل تحقق عزم المكلف على عصيان الأهم.

و أما بعد تحقق عزم المكلف على العصيان فإن المولى يصير خطابه الفعلي بالدرجة الثانية متوجها إلى المهم لارتفاع المانع من توجهه اليه إذ المفروض أن الفعلية الدرجة الأولى تقتضي الفعلية بالدرجة الثانية عند تحقق الشروط التي ذكرناها مضافا إلى عدم الموانع.

و الخطاب الفعلي بالدرجة الثانية للأهم كان مانعا من توجه الخطاب الفعلي بالدرجة الثانية للمهم لفرض استحالة اجتماع هذين الخطابين من هذه الدرجة الثانية فكان وجود الأهم مانعا.

فإذا انعدم لزوال شرطه وجد الخطاب الفعلي المهم بالدرجة الثانية.

و مما ذكرناه يظهر اندفاع الاشكالات المتقدمة ثم إن هذا الذي ذكرناه من وجود الدرجتين من الفعلية و أن استحقاق العقاب على الأول إلى آخر ما

491

ذكرناه هو المشاهد وجدانا بالنسبة إلى علاقة الموالي العرفيين مع مواليهم كالأب مع الابناء و السيد مع العبيد.

بل لعل هذا الذي ذكرناه مرسوخ في أذهان بعض الأصوليين و إن لم يصرحوا به.

و كيف كان فهذا الوجه و إن كان حسنا و يمكن به الترتب إلا أنه يحتاج إلى دليل على وقوعه إذ لا يوجد دليل بيدنا يدلنا على وجود الدرجتين من الفعلية.

اللهم إلا أن يستدل باللزوم العقلي بدعوى أن انطباق الموضوع يستلزم عند التفات المولى تحقق طلب فعلي خاص بالدرجة الثانية فلاحظ.

ثم إن هذا الذي ذكرناه في هذا الوجه هو تأويل رؤيا بعض العلماء من قبل من أن العرف، حاكم بجواز الترتب فقد كانت هذه الرؤيا حقا و لكن بالتفسير الذي ذكرناه.

و بهذا ينتهي الكلام في المرحلة الرابعة.

بقي تنبيهان.

الأول في أن جريان التزاحم و الترتب هل هو أمر واقعي أم هو متوقف على وصول كلا الحكمين إلى المكلف.

فنقول إن التحقيق اختلاف الجواب باختلاف المباني في تفسير التزاحم.

و سيأتي إنشاء اللّه تعالى شأنه بيان تفسيره بنحو من التفصيل في بحث مسألة اجتماع الأمر و النهي فراجع.

و نقول هنا أنه بناء على تفسير التزاحم بأنه التزاحم في مقام الامتثال فلا موضوع للتزاحم إلا عند الوصول لأن التزاحم و اختيار الأهم إنما هو ببركة العقل فالعقل إذا واجهه تكليفان لا يمكنه امتثالهما حكم بالتخيير أو باختيار الأهم و حكم العقل هذا متوقف على التفاته إلى وجود التكليفين.

492

نعم لو فرض أن الحكم بالتخيير عند التساوي أو بالأهم عند التفاضل هو حكم شرعي يستكشف ببركة العقل فالتزاحم و الترتب واقعيان لأن الحكم الشرعي بالتخيير أو بلزوم الأهم موجود و إن لم يستكشفه العقل فعدم استكشاف العقل للحكم الشرعي لا يستوجب عدم وجوده كما هو واضح.

و أما بناء على تفسير التزاحم بأنه تزاحم الملاكات فهو واقعي محض لأن الحكم الشرعي الواقعي يجب أن يتبع الملاك الأهم الواقعي. و مجرد عدم التفات العقل لا يؤثر في ما هو الواقع أي تأثير.

و أما بناء على تفسير التزاحم بأنه التزاحم في مقام الفعلية فقط فهنا إما أن نفرض تقييد موضوعات الاحكام بعدم الاشتغال بما لا يقل أهمية أو لا.

فعلى هذا التقييد الذي التزمه السيد الشهيد (ره) يكون التزاحم و الترتب واقعيا آت من قبل هذا التقييد الواقعي و ليس الترتب سوى هذا التقييد.

و أما على القول بعدم هذا التقييد فإما أن نقول أن الأمر باختيار الأهم أو التخيير شرعيان أو عقليان.

فعلى الثاني كان التزاحم و الترتب مرتبطين بالوصول لما عرفت من أن الحكم العقلي لا يوجد إلا بوجود موضوعه و هو التفاته إلى وجود التكليفين.

و على الأول: فإما أن نفرض أن العجز التشريعي يحصل بمجرد الحكم الواقعي و لو لم يصل و إما أن نفرض أن العجز التشريعي متوقف على وصول الحكم إلى المكلف.

فعلى الأول كان التزاحم و الترتب واقعيين لأن الحكم الشرعي باختيار الأهم موجود فينقلب المكلف إلى عاجز عن المهم.

فلا بد في تكليفه بالمهم من الترتب بأن يفرض ارتفاع العجز الشرعي من المهم عند إتيان الأهم.

و على الثاني يكون المكلف قادرا على المهم و مكلفا به بلا حاجة إلى الترتب.

493

ثم إن الظاهر من عبارات المحقق النائيني و العلامة الخوئي انهما يختاران ان العجز يكون بالوصول فلازم هذا المذهب هو أن الترتب و التزاحم متوقفان على الوصول.

نعم هذا المذهب يرد عليه أنه لو لم يصل التكليف بالأهم كان المكلف مكلفا بالمهم لأنه قادر عليه حسب الفرض.

و بالأهم أيضا لأن الجهل لا يمنع من فعليه التكليف عند المشهور.

و على هذا فيجتمع الحكمان الفعليان بالضدين بدون ترتب و هذا من اللوازم التي لا يقبلون بها.

ثم إنه كلما كان التزاحم و الترتب متوقفان على الوصول فمعناه هو التفات العقل إلى التكليف بحيث يصبح مقيدا بالفعل.

و كذا كلما كان التزاحم و الترتب واقعيين وجب أن يكون شرط وجوب المهم هو ترك الأهم لا عصيانه إذ لو كان الشرط هو العصيان بما هو عصيان لم يتحقق الشرط إلا بعد الوصول إذ لا عصيان إلا بعد تنجز الحكم.

و بهذا ينتهي الكلام في هذا التنبيه و إن كان محتاجا إلى مزيد بسط و لكنا اعرضنا عن ذلك حيث أن كثير من مقدمات هذا المبحث لم تنقح هنا بل تنقح في مباحث آتية. فبعد تنقيح تلك المقدمات يمكنك الرجوع إلى هنا و تحقيق الحال. و المطلب لا يخلو من غموض حتى أن الميرزا (ره) أوقع نفسه في حيص بيص حتى صار يغير رأيه كل ليلة بعد ليلة إلى ثلاث ليال.

التنبيه الثاني قد عرفت في المقدمة السابعة أن المزاحمة لها أقسام عديدة و هنا نقول إن كلامنا السابق كله كان فيما إذا كان المتزاحمان في آن واحد.

فيبقى الكلام فيما إذا كان المتزاحمين في آنين كما لو تزاحم القيام في الركعة الأولى مع القيام في الركعة الثانية ففي هذه الحالة، أمامنا احتمالان.

الأول أن يكون المتقدم هو الأهم.

494

الثاني أن يكون المتأخر هو الأهم.

فأما الأول فلا مجال للترتب فيه لما عرفت في المقدمة الحادية عشرة من أن بحث الترتب يشترط فيه اجتماع فعلية الأهم و المهم في آن واحد.

و هنا لا يمكن ذلك إذ لو عصى الأهم المتقدم و مضى الزمان عنه يصبح المكلف عاجزا عن الأهم فيلزم بالتالي سقوط الأمر المتعلق به.

فيبقى الأمر بالمهم فعليا دون أن يجتمع معه وجوب الأهم.

و أما الفرض الثاني فيحتمل فيه احتمالان:

الأول أن نفرض أن وجوب المتأخر فعلي على نحو الواجب المعلق.

الثاني أن نفرض أن وجوب المتأخر ليس فعليا.

فعلى الأول كما لو تزاحم القيام للركعة الأولى و القيام للركعة الأخيرة و فرضنا أن الأخيرة هي الأهم و فرضنا أيضا أن الركعة الأخيرة تجب بمجرد وجوب الصلاة فيتحقق وجوبها في أول آنات الشروع في الصلاة.

إذا فرضنا كل ذلك فالظاهر جريان التزاحم و يكون وجوب المهم المتقدم مشروطا بعصيان الأهم المتأخر و يكون هذا الشرط شرطا متأخرا.

أو يكون المهم مشروطا بكون المكلف ممن يعصي الأهم فيكون هذا الشرط شرطا مقارنا و لكنه عنوان انتزاعي.

و لا وجه للقول بعدم جواز ذلك لعدم الدليل على انتزاع وصف التعقب.

فإننا لسنا بحاجة إلى الدليل بل مجرد الامكان كاف في الوقوع فنحن نعلم بوجوب الاشتراط إما على نحو الشرط المتأخر أو على نحو الشرط المقارن فإن قلنا باستحالة الأول تعين الثاني.

و على الفرض الثاني يتولد خطاب ثالث بوجوب حفظ القدرة للمتأخر كما لو فرض وقوع التزاحم بين الصلاة الآن و إنقاذ الغريق بعد ساعة.

فباعتبار أن المكلف لم يجب عليه من الآن إنقاذ الغريق بعد ساعة لا

495

بد من تولد خطاب فعلي بلزوم حفظ القدرة للمتأخر (إن قلنا بوجوب ذلك على ما مر بحثه في المقدمات المفوتة). فحينئذ يقع التزاحم بين وجوب المهم المتقدم و الوجوب الفعلي بلزوم حفظ القدرة للمتأخر.

فيكون الأهم هو الخطاب الفعلي و يكون وجوب المهم مشروطا بعصيانه.

و قد اعترض الميرزا النائيني (ره) هنا بأن الخطاب الفعلي هو (يقبح أو يحرم صرف القدرة إلى غير المتأخر). و حينئذ يحتمل ثلاث احتمالات:

الأول: أن يكون المراد بغير المتأخر هو نفس المتقدم فيكون معنى الخطاب الفعلي (يحرم صرف القدرة إلى الصلاة المتقدمة) فلو فرضنا أن المهم و هو وجوب الصلاة مقيد بعصيان هذا الخطاب يكون معنى الخطاب المهم (إن عصيت الخطاب الفعلي و صرفت القدرة إلى الصلاة يجب الصلاة) و هذا كما ترى تحصيل حاصل و طلب الموجود.

الاحتمال الثاني أن يكون المراد بغير المتأخر هو غير المتقدم أيضا فيكون معنى الخطاب الفعلي (يحرم صرف القدرة إلى غير المتأخر و غير المتقدم) كما لو صرفها في الرياضة.

فلو فرضنا أن المهم مشروط بعصيان هذا الخطاب يكون معنى الخطاب المهم (إن عصيت الخطاب الفعلي و صرفت القدرة في غير المتأخر و المتقدم فيجب المتقدم) و هذا كما ترى من طلب المحال لأن المفروض أنه صرف قدرته في شي‏ء آخر كالرياضة فلا يمكنه الاتيان بالصلاة.

الاحتمال الثالث أن يكون المراد بغير المتأخر هو الكلي الشامل لنفس المتقدم و غيره. فعلى هذا الاحتمال يلزم كلا المحذورين المتقدمين أعني طلب الحاصل و طلب الممتنع إذ لو كان الكلي متحققا في المتقدم لزم المحذور الأول على ما عرفت و إن كان الكلي متحققا في غير المتقدم لزم المحذور الثاني.

أقول يرد على ما ذكره (ره) إيرادات:

496

الأول النقض بأن هذا الاشكال كما يجري هنا يجري في البحث المتقدم كما في الازالة و الصلاة فلو فرضنا أن الأهم هو الازالة، و الصلاة مشروطة بعصيان الازالة فإما أن يفرض عصيان الازالة بالصلاة أو بغير الصلاة أو بالكلي فعلى الأول يكون طلب الصلاة طلبا للحاصل.

و على الثاني يكون طلبا للممتنع.

و على الثالث يكون طلبا لأحدهما.

و قد أجاب (ره) على هذا النقض بوجود الفارق و هو أن (صرف القدرة) عنوان لا يتحقق إلا بفعل وجودي يكون صارفا للقدرة فلزم أحد الاحتمالات الثلاثة.

و أما عنوان (ترك الازالة) فهو عنوان عدمي لا يحتاج أن يتحقق في فعل وجودي بل كل فعل وجودي لا يكون عين الترك بل مقارنا للترك.

بخلاف صرف القدرة فإنه عين الافعال الوجودية.

أقول هذا الجواب لا ينفع لأن العيب و الاشكال ليس في مفهوم الشرط حتى نناقش في أنه وجودي أو عدمي. بل العيب و الاشكال في صيرورة طلب المهم بعد تحقق الشرط إما طلبا للحاصل و إما طلبا للممتنع.

و لا يهمنا بعد ذلك أن يكون سبب صيرورة طلب المهم كذلك هو نفس الشرط أو ملازماته.

و من هنا نقول إن ترك الازالة (و إن كان عنوانا عدميا) إلا أنه إما أن يتلازم مع فعل الصلاة و إما أن يتلازم مع غير الصلاة سواء كان وجودا أو عدما.

فعلى الأول يكون معنى خطاب المهم (إن تركت الازالة تركا ملازما لفعل الصلاة وجبت الصلاة) و هذا تحصيل حاصل.

و على الثاني يكون معنى خطاب المهم (إن تركت الازالة تركا ملازما لعدم الصلاة وجبت الصلاة). و هذا طلب تحصيل المحال.

497

و إن كان الشرط هو الكلي الاعم من التركين لزم المحذورين.

فظهر أن الاشكال لو ورد ورد على جميع أقسام الترتب.

الايراد الثاني الحل و هو أن ترك الأهم يتحقق في أول آنات الاشتغال بغيره أو في أول آنات عدم الاشتغال و من هنا يكون طلب المهم طلبا لغير الحاصل و غير المحال.

ففي المثال لو شرع في الصلاة يكون أول آنات الشروع في الصلاة هو ترك للأهم و عصيان له فيجب المهم الذي لم يستحل و لم يحصل.

و هكذا الكلام في صرف القدرة فإنها تحصل بصرف أول جزء من أجزائها في غير المتأخر فيتحقق الوجوب المتعلق بالمهم و لا يكون من طلب المحال و لا الحاصل.

و بعبارة أخرى إن صرف القدرة يحتمل احتمالين:

الأول أن يكون المراد صرف جميع القدرة الذي لا يتحقق إلا بصرف كل أجزاء القدرة.

الثاني أن يكون المراد صرف مجموع القدرة الذي يتحقق بمجرد صرف جزء منها.

فإذا كان شرط المهم هو صرف القدرة بالمعنى الأول ورد الاشكال الذي ذكره الميرزا (ره) إذ صرف جميع أجزاء القدرة إنما يكون بعد تمامية الاتيان بالصلاة أو بغير الصلاة فتصير الصلاة حينئذ إما حاصلة و إما ممتنعة فيكون طلبها إما طلبا للحاصل و إما طلبا للممتنع.

و أما إذا كان شرط المهم هو صرف القدرة بالمعنى الثاني فإن هذا الشرط يتحقق عند صرف أول جزء في الصلاة أو في غير الصلاة فتكون الصلاة حينئذ لا حاصلة و لا ممتنعة فطلبها ليس طلبا للحاصل و لا للممتنع.

فكأن الميرزا النائيني تخيل أن الشرط هو صرف القدرة بالمعنى الأول.

الايراد الثالث لو فرضنا ورود الاشكال و فرضنا صحة جواب العلامة النائيني (ره) على الايراد الأول النقضي فيمكن أن نقول لا حاجة إلى الالتزام‏

498

أن الشرط هو أمر وجودي أي (صرف القدرة) بل نلتزم أنه أمر عدمي و هو (عدم حفظ القدرة) فإن الخطاب الفعلي هو (وجوب حفظ القدرة) لا (حرمة صرف القدرة) فالشرط هو عصيان وجوب الحفظ و ذلك بعدم الحفظ لا عصيان حرمة الصرف بنفس الصرف الوجودي.

الايراد الرابع يمكن أن نلتزم بالاحتمال الأول من الاحتمالات الثلاثة المذكورة في الاشكال و لا يكون طلب المهم حينئذ طلب الحاصل و ذلك بدعوى أن الشرط متأخر بناء على جواز الشرط المتأخر.

فإن الصلاة و إن كانت حاصلة عند تحقق الشرط إلا أن الوجوب سابق و متقدم على الصلاة فيكون وجوب الصلاة قبل حصولها.

الايراد الخامس يمكن أن نلتزم بالاحتمال الثاني و لا يكون طلب المهم حينئذ طلبا للممتنع و ذلك أن صرف قدرة الأهم في غير المهم على صورتين.

الأولى أن يكون مستوجبا لامتناع المهم و العجز عنه و ذلك فيما لو فرض أن قدرة الأهم تساوي قدرة المهم و هما من سنخ واحد فصرف قدرة الأهم يلازم صرف قدرة المهم مما يستوجب العجز عن المهم.

الصورة الثانية أن يكون غير مستوجب للعجز عن المهم و ذلك في فرضين.

الأول أن يفرض أن قدرة الأهم أعظم من قدرة المهم كما لو فرض أن الأهم يحتاج إلى عشرة قدرات و المهم يحتاج إلى خمس قدرات. ففي هذه الحالة لو صرف المكلف أربع أو خمس قدرات في غير المهم لم يعجز عن المهم لبقاء الخمس الباقية الكافية للقيام بالمهم.

الفرض الثاني أن يكون سنخ قدرة الأهم غير سنخ قدرة المهم مع فرض أن صرف قدرة المهم نافيا لقدرة الأهم دون العكس.

فهنا لو فرض أن المكلف صرف سنخ القدرة الأهم في غير المهم.

فإنه لا يعجز عن المهم لبقاء القدرة عليه.

499

إن أقصى ما يقال في إبطال الترتب و استحالته: هو دعوى لزوم المحال منه، و هو فعلية الأمر بالضدين في آن واحد، لأن القائل بالترتب يقول باطلاق الأمر بالأهم و شموله لصورتي (فعل الأهم و تركه)، ففي حال فعلية الأمر بالمهم و هو حال ترك الأهم يكون الأمر بالأهم فعليا على قوله، و الأمر بالضدين في آن واحد محال.

و لكن هذه الدعوى- عند القائل بالترتب- باطلة، لأن قوله:

«الأمر بالضدين في آن واحد محال» فيه مغالطة ظاهرة، فإن قيد (في آن واحد) يوهم أنه راجع إلى الضدين فيكون محالا إذ يستحيل الجمع بين‏

____________

إذا عرفت هاتين الصورتين نقول ان كون شرط المهم هو صرف القدرة في غير المهم إنما يلزم منه كون طلب المهم طلبا للممتنع في الصورة الأولى لا الثانية.

و بهذا ينتهي الكلام في المقام الأول.

بقي المقام الثاني و قبل التعرض له نتعرض لعبارات المصنف (ره) في المقام الأول.

(قوله (ره)): (إن أقصى ما يقال في إبطال الترتب و استحالته ....).

أقول هذا إشارة إلى وجه استحالة الترتب و قد عرفته في المرحلة الأولى.

(قوله (ره)): و لكن هذه الدعوى عند القائل بالترتب باطلة ...).

أقول هذا إشارة إلى جواب المحقق النائيني (ره). أي الجواب الثالث.

(قوله (ره)): (فإن قيد في آن واحد ...).

أقول أي أن المحال هو في متعلق الأمر لا في نفس الأمرين توضيح ذلك أن الأمر يتعلق بشي‏ء يسمى المأمور به.

و من الواضح أن الأمرين ليسا ضدين فيجوز أن يكونا في زمان واحد أو زمانين على حد سائر المختلفات.

و إنما المأمور به في أمر قد يضاد المأمور به في أمر آخر كما لو كان المأمور به في الأمر الأول ضدا للمأمور به في الأمر الثاني.

500

الضدين، بينما هو في الحقيقة راجع إلى الأمر، و لا استحالة في أن يأمر المولى في آن واحد بالضدين إذا لم يكن المطلوب الجمع بينهما في آن واحد، لأن المحال هو الجمع بين الضدين لا الأمر بهما في آن واحد و إن لم يستلزم الجمع بينهما.

أما أن قيد في آن واحد راجع إلى الأمر لا إلى الضدين فواضح، لأن المفروض أن الأمر بالمهم مشروط بترك الأهم فالخطاب الترتيبي ليس فقط لا يقتضي الجمع بين الضدين بل يقتضي عكس ذلك، لأنه في حال انشغال المكلف بامتثال الأمر بالأهم و إطاعته لا أمر في هذا الحال إلا بالأهم و نسبة المهم إليه حينئذ كنسبة المباحات إليه، و أما في حال ترك الأهم و الانشغال بالمهم فإن الأمر بالأهم نسلم أنه يكون فعليا و كذلك الأمر بالمهم، و لكن خطاب المهم حسب الفرض مشروط بترك‏

____________

فإذا كان المأمور به كذلك فمن الواضح أن التضاد إنما يتم مع وحدة الزمان فحتى يتم التضاد المحال يجب أن يكون المأمور بهما في زمان واحد أي أن المطلوب تحققهما في زمان واحد و ليس لزمن صدور الأمر أي دخالة في حصول التضاد بين المتعلقين فلا فرق بين صدور الأمرين في زمان واحد أو زمانين.

فالمناط في المحالية هو وحدة زمن المتعلقين فالقاعدة إذن (يستحيل الأمر بالضدين على أن يكون المطلوب هو حصول الضدين في آن واحد).

و هذه القاعدة على ما ادعاه المصنف (ره) غير متحققة في المقام لأن الموجود في المقام إنما هو اجتماع الأمرين في زمان واحد و هذا ليس محالا كما عرفت.

(قوله (ره)): (و بعبارة أوضح أن إيجاب الجمع ...).

أقول هذا ذكر التأييد الذي جعله بعض المحققين برهانا إنيّا مدعيا أن الأمر بالضدين لازمه أنه لو فرض وقوعهما في آن واحد وقعا كلاهما على صفة للمطلوبية فمع انتفاء اللازم يعلم انتفاء الملزوم.

501

الأهم و خلو الزمان منه، ففي هذا الحال المفروض يكون الأمر بالمهم داعيا للمكلف إلى فعل المهم في حال ترك الأهم فكيف يكون داعيا إلى الجمع بين الأهم و المهم في آن واحد.

و بعبارة أوضح: أن إيجاب الجمع لا يمكن أن يتصور إلا إذا كان هناك مطلوبان في عرض واحد، على وجه لو فرض إمكان الجمع بينهما لكان كل منهما مطلوبا، و في الترتب لو فرض محالا إمكان الجمع بين الضدين فإنه لا يكون المطلوب إلا الأهم و لا يقع المهم في هذا الحال على صفة المطلوبية أبدا، لأن طلبه حسب الفرض مشروط بترك الأهم فمع فعله لا يكون مطلوبا.

و أما الثاني: و هو الدليل على وقوع الترتب و أن الدليل هو نفس دليلي الأمرين، فبيانه: أن المفروض أن لكل من الأهم و المهم- حسب دليل كل‏

____________

(قوله (ره)): (و أما الثاني و هو الدليل ...).

أقول هذا شروع في المقام الثاني و حاصله كيفية إثبات وقوع الترتب و الموجود في إثبات ذلك طريقان.

الأول و هو معتمد على قاعدة تقول (بأنه كلما دار الأمر بين سقوط الطلب و بين تقييد إطلاقه فالمتعين حمله على تقييد الاطلاق) فلو دار أمر (وجوب إكرام زيد) بين سقوط الخطاب من رأس.

و بين تقييد الوجوب بحالة عدم وجود عمر فاللازم تقييده بحالة عدم وجود عمر.

و سر هذه القاعدة واضح فإن المفروض وجود الدليل الدال على إطلاق الحكم مثل (يجب الصلاة) و من هنا كان هذا الدليل حجة في الاطلاق فيجب التشبث به و لا يجوز رفع اليد عنه إلا بمقدار دلالة الدليل.

و حينئذ عند ما يدور الأمر بين رفع اليد عن أصل الخطاب و بين رفع اليد عن إطلاقه كان القدر المتيقن إنما هو سقوط الاطلاق و أما سقوط الخطاب حتى مقيدا فلا دليل لنا عليه فيجب الرجوع فيه إلى الدليل المطلق.

502

منهما- حكما مستقلا مع قطع النظر عن وقوع المزاحمة بينهما، كما أن المفروض أن دليل كل منهما مطلق بالقياس إلى صورتي فعل الآخر و عدمه.

فإذا وقع التزاحم بينهما اتفاقا، فبحسب اطلاقهما يقتضيان إيجاب الجمع بينهما، و لكن ذلك محال، فلا بد أن ترفع اليد عن اطلاق أحدهما، و لكن المفروض أن الأهم أولى و أرجح و لا يعقل تقديم المرجوح على الراجح و المهم على الأهم فيتعين رفع اليد عن اطلاق دليل الأمر بالمهم فقط، و لا يقتضي ذلك رفع اليد عن أصل دليل المهم، لأنه إنما نرفع اليد عنه من جهة تقديم اطلاق الأهم لمكان المزاحمة بينهما و أرجحية الأهم و الضروريات إنما تقدر بقدرها.

و إذا رفعنا اليد عن اطلاق دليل المهم مع بقاء أصل الدليل فإن معنى ذلك اشتراط خطاب المهم بترك الأهم. و هذا هو معنى الترتب المقصود.

و الحاصل: إن معنى الترتب المقصود هو اشتراط الأمر بالمهم بترك الأهم، و هذا الاشتراط حاصل فعلا بمقتضى الدليلين، مع ضم حكم العقل بعدم إمكان الجمع بين امتثالهما معا، و بتقديم الراجح على المرجوح الذي لا يرفع إلا اطلاق دليل المهم، فيبقى أصل دليل الأمر بالأهم على حاله في صورة ترك الأهم فيكون الأمر الذي يتضمنه الدليل مشروطا بترك الأهم.

و بعبارة أوضح: إن دليل المهم في أصله مطلق يشمل صورتين:

صورة فعل الأهم و صورة تركه، و لما رفعنا اليد عن شموله لصورة فعل‏

____________

و ما نحن فيه في مبحث الترتب هو من مصاديق هذه القاعدة لأنه عند وقوع المزاحمة بين الصلاة و الازالة و فرض أن الأهم هو الازالة يدور أمر وجوب الصلاة بين إسقاطه بالكلية في صورة التزاحم حتى يكون الصلاة غير واجبة عند التزاحم و بين تقييده حتى يكون وجوب الصلاة مقيدا في صورة ترك الأهم.

فإذا فرضنا إمكان التقييد كما هو مبنى القائل بالترتب لا بد من الحكم بالتقييد و عدم جواز رفع اليد عن أصل وجوب الصلاة في صورة التزاحم.

503

الأهم لمكان المزاحمة و تقديم الراجح فيبقى شموله لصورة ترك الأهم بلا مزاحم، و هذا معنى اشتراطه بترك الأهم.

فيكون هذا الاشتراط مدلولا لدليلي الأمرين معا بضميمة حكم العقل، و لكن هذه الدلالة من نوع دلالة الإشارة (راجع عن معنى دلالة الإشارة الجزء الأول ص 120).

____________

(قوله (ره)): (فيكون هذا الاشتراط مدلولا لدليلي ....).

أقول لأن الدليل المهم دل على إطلاق المهم و دليل الأهم دل على إطلاقه فوقع التزاحم و حكم العقل بلابدية سقوط المهم في صورة فعل الأهم. و كان هذا الحكم العقلي مقدما على دليل المهم و مقيدا.

فدليل الأهم و إن لم يكن مقيدا لدليل المهم إلا أنه كان له دخالة في وجود حكم العقل الذي كان مقيدا لدليل المهم و بهذا ينتهي الطريق الأول.

الطريق الثاني و يعتمد على مقدمتين.

الأولى دعوى وجود الملاك في المهم في حالة ترك الأهم.

الثانية أنه لا يجوز إهمال هذا الملاك فلا بد من تشريع وجوب المهم في حالة ترك الأهم.

فهذا الدليل انتقال من العلة إلى المعلول فإن الملاك التام علة الحكم فمع إثبات وجوده في المهم حالة ترك الأهم و لم يكن مانع من إنشاء الحكم كان لا بد من تحقق المعلول الذي هو إنشاء الحكم.

و العيب في هذا الدليل هو مقدمته الأولى فقد عرفت أن لا طريق لنا إلى إثبات وجود الملاك إلا بعد إثبات وجود الأمر فإذا أردنا إثبات وجود الأمر عن طريق إثبات وجود الملاك كان دورا صريحا.

و بهذا ينتهي الكلام في مبحث الترتب و قد خرجنا فيه عن طريقتنا التي رسمناها على أنفسنا في هذا الكتاب.

و الحمد للّه رب العالمين و صلى اللّه على محمد و آله الطيبين الطاهرين.

تم بتوفيق اللّه تعالى في 22/ ذي الحجّة/ 1408.

504

هذه خلاصة فكرة الترتب على علاتها، و هناك فيها جوانب تحتاج إلى مناقشة و إيضاح تركناها إلى المطولات، و قد وضع لها شيخنا المحقق النائيني خمس مقدمات لسد ثغورها راجع عنها تقريرات تلامذته.

____________