المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه‏ - ج3

- محمود قانصوه المزيد...
510 /
55

القسم الثاني: أن يكون الفعل ليس علة تامة بل علة ناقصة لتحقق الغرض و ذلك مثل ما لو كان غرض المولى رفع عطش نفسه فأمر المكلف أن يأتي بالماء فأتى المكلف بالماء و وضعه امام المولى. فهنا الفعل و هو الإتيان بالماء ليس علة تامة لتحقق غرض المولى. أي رفع عطش نفسه. بل علة ناقصة لذلك.

فإذا كان الفعل من القسم الأول كان تحقق الغرض لازما قهريا للفعل و بالتالي تتم فيه المقدمة الثانية و تكون النتيجة هي استحالة التبديل.

و أما إذا كان الفعل من القسم الثاني لم يكن تحقق الغرض لازما قهريا للفعل بل كان بيد المولى فيمكن للمولى ان يمد يده و يشرب الماء فيتحقق الغرض و يمكن له ان ينتظر الى امد فلا يتحقق الغرض الى ذلك الأمد و من هنا ففي هذا القسم تبطل المقدمة الثانية إذ كان الفعل غير مستوجب لتحقق الغرض بل إن شاء المولى جعله مستوجبا لتحقق الغرض و إن شاء لم يجعله كذلك كما لو فرض ان العبد تدارك و جاء بلب فإن المولى يمكن ان يمد يده الى اللبن دون الماء فيرفع عطشه باللبن فيكون الامتثال به لا بالماء.

و أما القول الثاني: فهو التحقيق و نستدل له بدليلين.

الدليل الأول: إبطال المقدمة الأولى بمعنى انه لا يجب ان يكون الغرض الذي كان علة غائية للحدوث هو العلة الغائية للبقاء توضيح ذلك ان غرض الأمر قسمان.

القسم الأول: مصلحة في متعلقة فيأمر المولى بالفعل لأجل تحصيل تلك المصلحة.

القسم الثاني: مصلحة في الأمر بمعنى ان المولى يريد ان يثيب عبادة فيأمرهم بأفعال لا مصلحة فيها و لا مفسدة لمجرد أن يهيّئ لهم مادة الطاعة حتى يطيعوا و يؤجروا.

أما القسم الأول فواضح.

و أما القسم الثاني فقد يعترض عليه بأنه خلاف مذهب تبعية الأحكام‏

56

للمصالح و المفاسد كما هو مذهب العدلية.

و نجيب عن هذا الاعتراض بجوابين.

الأول: ان كلامنا في الإمكان العقلي لا في الوقوع فإذن يمكن ان يأمر المولى بأمر لا مصلحة فيه و لا مفسدة و غرضه مجرد تهيئة مادة الطاعة.

الثاني: ان المشهور و محل النظر هو عدم حدوث امر إلا لمصلحة في متعلقه. و أما عدم بقاء امر إلا لمصلحة في متعلقه فمما لم يتعرض له احد.

إذن الحق ان الأمر لا مانع ان يبقى لا لأجل مصلحة في متعلقه بل لمجرد ابقاء مادة الطاعة.

و من هنا نقول لو أمر المولى عبده فقال (اقرأ سورة الفاتحة) و كان غرضه هو مصلحة في سورة الفاتحة فقام العبد و امتثل و قرأ الفاتحة فهنا لا يجب سقوط الأمر لتحقق المصلحة بل يمكن بقاؤه بغاية اخرى و هي ابقاء مادة الثواب فلعل العبد يقوم و يقرؤها افضل حتى يثاب اكثر كما لو فرض ان الثواب بقدر حسن القراءة.

و لعمري ان هذا الأمر كثيرا ما يقع بين الموالي العاديين و الآباء و الأساتذة و غير ذلك. مثلا لو أمرت تلميذك ان يجيبك على سؤال (لما ذا تدل صيغة الأمر على الوجوب) فامتثل التلميذ و اجاب بجواب ضعيف فأنت تبقى منتظرا عسى ان يجيب بجواب افضل حتى يكون ثوابه افضل.

نعم الإشكال الوحيد الذي يرد على هذا الدليل هو دعوى ان تغير العلة الغائية يستوجب تغير المعلول فإذا كان علة حدوث الأمر هو تحقق المصلحة فإذا صار علة البقاء هو بقاء مادة الطاعة كان العلة الثانية غير العلة الأولى فيكون المعلول الأول (الأمر الحادث) غير المعلول الثاني (الأمر الباقي) و هذا خلاف مفروض المسألة لأن مفروض المسألة وحدة الأمر.

و لكن هذا الإشكال يمكن ان يجاب عليه بعدم التسليم بأن اختلاف العلة الغائية يستوجب اختلاف المعلول.

كما يمكن أن يجاب ايضا ان الغرض من الأول هو تهيئة مادة الطاعة

57

في الأفعال التي فيها مصلحة أي أن المولى ليس غرضه المصلحة بل غرضه من الأول هو اعطاء مادة الثواب فأمر بما فيه المصلحة.

نعم على هذا الجواب يكون الباطل هو المقدمة الثانية لا الأولى كما لا يخفى.

الدليل الثاني: ان المقدمة الثانية باطلة لأحد أمرين.

الأول: ما ذكرناه في الجواب المتقدم و هو ان غرض المولى من الأمر هو اعطاء مادة الطاعة و هذا الغرض لا يتحقق بالفعل بل يتحقق عند اعطاء المولى الثواب لعبده فتكون بين الأفعال و بين تحقق الغرض واسطة و هي اعطاء المولى للثواب و هذه واسطة اختيارية بيد المولى فيمكن ان يؤخرها و يمكن ان يعجلها.

الثاني: سلمنا ان الغرض من الأمر هو المصلحة في متعلقه و لكن نقول ان الفعل المحقق لغرض المولى لا يستوجب بنفسه سقوط الأمر. بل بين الفعل و سقوط الأمر واسطة و هي اعتقاد المولى ان الفعل محقق لغرضه.

توضيح ذلك يحتاج الى مقدمتين.

المقدمة الأولى: ان العلة الغائية من الأمور الغائية و هي تابعة للاعتقاد لا للواقع فمن اعتقد ان الكفر علة السعادة يكفر بغاية السعادة و إن كان الكفر واقعا علة الشقاوة.

و هكذا (الأمر) الذي هو فعل المولى فإذا اعتقد المولى ان غرضه من الأمر لم يتحقق فإنه سوف يبقى مصرا على بقاء الأمر و إذا اعتقد ان غرضه تحقق (حتى لو فرض عدم تحققه واقعا) فإنه سوف يرفع يده عن الأمر و يسقطه.

المقدمة الثانية: ان العبد لو امتثل و قام بالفعل الذي امره المولى به يمكن للمولى ثلاث حالات.

الأولى: الاعتقاد بتحقق الغرض.

الثانية: الاعتقاد بعدم تحقق الغرض.

58

الثالثة: السكوت و عدم الحكم بأي منهما، هذا بمنزلة الشك.

و قد يتوهم ان الحالة الثانية و الثالثة مبنيان على احتمال الجهل بالواقع و هذا الاحتمال إنما يرد في الموالي العاديين لا في المولى تعالى شأنه فبعد استحالة الجهل عليه عزّ و جل استحال عليه هاتان الحالتان.

و لكنه توهم مدفوع و ذلك لأن الاعتقاد الواقعي و إن كان يجب ان يطابق الواقع إلا أن الكلام في الاعتقاد الحكمي التعبدي أي ان المولى يتعبد عبادة بالحكم على الفعل بأنه غير محقق للغرض.

إذا عرفت هاتين المقدمتين يتضح ان الفعل بنفسه ليس علة تامة لسقوط الأمر بل يتوقف على اعتقاد المولى واقعا و حكما بأن الفعل محقق لغرضه و الاعتقاد الحكمي امر اختياري و بالتالي يكون للمولى احد الحالات الثلاث المتقدمة.

و عليه فلو ان المولى امر عبده (بجلب الماء) و كان غرضه وجود الماء امامه. فذهب العبد و امتثل العبد ذلك الأمر و جلب الماء. فإذا حكم المولى بانه محقق لغرضه سقط الأمر.

و إذا حكم المولى بأنه لم يحقق غرضه لم يسقط الأمر بل هو باق على الداعوية و التحريك فيلزم على العبد ان يأتي بالماء ثانيا و ثالثا الى ان يحكم المولى بتحقق غرضه.

و أما إذا لم يحكم المولى بأحدهما يكون الأمر حينئذ في حالة جمود.

فإن قلت: إن حكم المولى بعدم تحقق غرضه ظلم للعباد.

قلت إنما يكون ظلما إذا استوجب العقاب بدون علم العبد و أما في غير ذلك فلا ظلم.

توضيحه ان حكم المولى بعدم تحقق غرضه له ثلاث حالات.

الأولى: أن يوصل ذلك الى العبد و يخبره ان فعلك هذا لم يحقق غرضي.

59

الثانية: ان لا يوصل ذلك الى العبد و يكون ذلك سببا لعقابه يوم الحساب.

الثالثة: ان لا يوصل ذلك الى العبد و يكون ذلك سببا الى تحقق مصلحة للعبد.

اما الحالة الثالثة فليست ظلما كما هو واضح.

و كذا الحالة الأولى فإن المولى يمكنه ان يأمر كيف يريد.

و إنما الظلم هو الحالة الثانية فنحن لا نحتمل هذه الحالة بل نحتمل الحالة الأولى و الثالثة.

و من هنا نقول لو أمر المولى عبده بصلاة الظهر و امتثل العبد و صلى الظهر يمكن للمولى ان ينتظر فلا يحكم بانه المحقق للغرض كما يمكن له ان يحكم بأنه ليس محققا للغرض و ينتظر صلاة ظهر جديدة فإذا جاء المكلف بصلاة جديدة مثل الأولى و أفضل منها اعتبرها محققا للغرض و إن لم يأت المكلف بظهر جديدة اضطر المولى ان يحكم بأن الصلاة الأولى محققة للغرض دفعا لظلم العبد.

و بهذا ينقدح جواز تبديل الامتثال بالامتثال. فتأمل‏ (1)

و هنا تنبيهات:

التنبيه الأول: قد ظهر ان الكلام ليس في تبديل الامتثال بالامتثال فإن الأول لم يكن امتثالا اصلا و لو كان امتثالا سقط الأمر و استحال كون الثاني امتثالا لنفس الأمر الساقط.

بل الكلام في ان وصف الامتثال لا يعطى للأول و لكن يعطى للثاني فليس التبديل بعد فعليه الاتصاف بل هو قبل الفعلية و حال الشأنية، كأنه قيل‏

____________

(1) (و جهة امكان ان يقال ان محركية الغاية نحو الفعل تابعة للاعتقاد الواقعي لا الحكمي و أما الاعتقاد الحكمي فهو معلول لغاية فتكون هذه الغاية هي علة بقاء الأمر فيرجع هذا الدليل الى الدليل المتقدم و هو تغير الغاية).

60

هذا الأول هو من شأنه ان يتصف بالامتثال فهل يجوز سلب فعلية الاتصاف عنه و إعطائها للثاني.

و أما مسألة تبديل الامتثال بالامتثال بكل ما للكلمة من معنى أي التبديل بعد فعليه اتصاف الفعل بالامتثال فمسألة لم نتعرض لها هنا. و الظاهر هو الاستحالة إذ بالامتثال الأول يلزم سقوط الأمر لتحقق غرضه كما تقدم.

التنبيه الثاني: أن الكلام كان في الإمكان العقلي و قد اثبتنا الإمكان.

اما الوقوع فيحتاج الى اخبار من المولى فلا يجوز للعبد أن ينوي بالفعل الثاني انه امتثال إلا إذا أذن له المولى بذلك و إلا كان تشريعا محرما إذ من اين يعلم ان المولى قد حكم على الفعل الأول. بانه لم يحقق الغرض و هذا واضح.

التنبيه الثالث: ذكر بعضهم ان الأمر يستحيل بقاؤه محركا (بعد العمل الأول) لأنه إما أن يبقى متعلقا بالجامع بين العمل الأول و غيره. و إما أن يكون متعلقا بما لا يشمل العمل الأول.

فعلى الأول يكون الأمر من قبيل طلب تحصيل الحاصل و هو محال.

لأن المفروض تحقق الجامع في الخارج.

و على الثاني يكون هذا الأمر الباقي غير الأمر السابق و ذلك لاختلاف المتعلق فإن متعلق الأول كان شاملا للعمل الأول (حسب الفرض) و المتعلق الثاني غير شامل له. و من الواضح ان تعدد المتعلق يكشف عن تعدد الأمر.

قلت نختار الأول و قد اتضح أنه ليس تحصيلا للحاصل بنظر المولى إذا اعتبر ان الجامع لم يتحقق في العمل الأول كما اوضحناه في الدليل الثاني.

التنبيه الرابع: انقدح مما ذكرناه فساد التفصيل الذي ذكره صاحب الكفاية لأنه إما أن يقول بوجود الواسطة الاختيارية بين الامتثال و بين سقوط الأمر، أو لا يقول بوجودها.

فعلى الأول كان كل امتثال ليس علة تامة لسقوط الأمر.

61

و إنما وقع الخلاف- أو يمكن أن يقع- في مسألة الإجزاء فيما إذا كان هناك أمران: أمر أولي واقعي لم يمتثله المكلف إما لتعذره عليه أو لجهله به، و أمر ثانوي إما اضطراري في صورة تعذر الأول و إما ظاهري في صورة الجهل بالأول. فإنه إذا امتثل المكلف هذا الأمر الثانوي الاضطراري أو الظاهري ثم زال العذر و الاضطرار أو زال الجهل و انكشف الواقع- صح الخلاف في كفاية ما أتى به امتثالا للأمر الثاني عن امتثال الأمر الأول، و إجزائه عنه إعادة في الوقت و قضاء في خارجه.

و لأجل هذا عقدت هذه المسألة (مسألة الإجزاء).

و حقيقتها هو البحث عن ثبوت الملازمة- عقلا- بين الإتيان‏

____________

و على الثاني كان كل امتثال علة تامة لتحقق الغرض و بالتالي لسقوط الأمر.

و السر في ذلك هو أنك عرفت لزوم أن يكون متعلق الأمر محققا للغرض.

و أما المثال الذي ذكره (ره) أي مثال الماء فهو خلط بين غرض المولى من الأمر و بين غرضه الأجنبي عن الأمر إذ أن الآمر بإحضار الماء ليس غرضه سوى حضور الماء. و أما رفع العطش فهو غرض آخر أجنبي عن الأمر يتحقق بالشرب بعد تحقق متعلق الأمر.

أو قل إنه الغرض الأقصى الذي تفرع عنه الغرض الأدنى الذي هو حضور الماء و بهذا ينتهي الكلام في المسألة.

قوله (ره): (و إنما وقع الخلاف- أو يمكن ان يقع- ...).

اقول: هذا اشارة الى الفرع الثاني من المسألة و قوله (يمكن ان يقع) لعله بسبب شك المصنف (ره) في وقوع الخلاف لادعاء الإجماع في إجزاء الإتيان بالمأمور به الاضطراري عن الأمر الواقعي. كما ادعي الإجماع على عدم اجزاء الإتيان بالمأمور به الظاهري عن الأمر الواقعي.

قوله (ره): (و حقيقتها هو البحث عن ثبوت الملازمة ...).

62

بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري، و بين الإجزاء و الاكتفاء به عن امتثال الأمر الأولي الاختياري الواقعي.

و قد عبر بعض علماء الأصول المتأخرين عن هذه المسألة بقوله:

«هل الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء أو لا يقتضي».

و المراد من (الاقتضاء) في كلامه: الاقتضاء بمعنى العلية و التأثير.

أي أنه هل يلزم- مثلا- من الإتيان بالمأمور به سقوط التكليف شرعا أداء و قضاء.

و من هنا تدخل هذه المسألة في باب الملازمات العقلية، على ما حررنا البحث في صدر هذا المقصد عن المراد بالملازمة العقلية. و لا وجه لجعلها من باب مباحث الألفاظ لأن ذلك ليس من شئون الدلالة اللفظية.

و علينا أن نعقد البحث في مقامين:

الأول: في إجزاء المأمور به الأمر الاضطراري.

الثاني: في إجزاء المأمور به بالأمر الظاهري.

____________

اقول: هذا اشارة الى النقطة التاسعة أي أن البحث عقلي لا لفظي.

قوله (ره): (و المراد من (الاقتضاء) في كلامه ...).

اقول: هذا اشارة الى النقطة السادسة.

قوله (ره): (و لا وجه لجعلها من باب مباحث الألفاظ ...).

اقول: أي لأن الكلام في ان الإتيان بكذا هل يلازمه عقلا سقوط كذا و لا ريب ان هذا البحث في وجود الملازمة او عدمها ليس من شئون الألفاظ.

اقول: لو حولنا البحث الى الملازمة بين الإتيان بالمأمور به الظاهري او الاضطراري عن الأمر الواقعي. شرعا بحيث تكون الملازمة شرعية كان البحث هو بحث عن وجود دليل شرعي دل على الإسقاط.

63

[البحث في مقامين‏]

المقام الأول- الأمر الاضطراري‏

وردت في الشريعة المطهرة أوامر لا تحصى تختص بحال الضروريات و تعذر امتثال الأوامر الأولى أو بحال الحرج في امتثالها:

مثل التيمم و وضوء الجبيرة و غسلها، و صلاة العاجز عن القيام أو القعود، و صلاة الغريق.

و لا شك في أن الاضطرار ترتفع به فعلية التكليف، لأن اللّه تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها. و قد ورد في الحديث النبوي المشهور الصحيح (رفع على أمتي ما اضطروا إليه).

____________

قوله (ره): (تختص بحال الضروريات ...).

أقول: لو قال بحال الاضطرار كان أصح و قريبا للسياق.

قوله (ره): (و لا شك في ان الاضطرار ترتفع به ...).

اقول: المشهور ان الاضطرار و العجز و ما شابهه يرفع فعلية التكليف.

و توضيح ذلك يتوقف على بيان مراتب الحكم. فنقول مراتب الحكم اربعة.

الأولى: مرتبة الملاك أي أن يتحقق المصلحة او المفسدة في الفعل و يلتفت المولى الى ذلك و يتحصل عنده الحب و الإرادة الى تشريع الحكم. و في الحقيقة هذه المرتبة خارجة عن مرتبة الحكم لأنها قبل تحقق الحكم.

المرتبة الثانية: مرتبة الجعل و الإنشاء و هي أن يقوم المولى بضرب الحكم الشرعي في لوح الشريعة على نحو القانون الذي هو قضية حقيقية مثل (القاتل يقتل) و (المستطيع يحج) و (المكلف يصلي).

المرتبة الثالثة: و تسمى بمرتبة الفعلية و هي عبارة عن أن الموضوع ينطبق على الشخص و بعبارة اخرى إنك عرفت ان الحكم في المرتبة السابقة هو قانون على نحو القضية الحقيقية يحمل فيه الحكم على موضوع و في هذه المرتبة نفرض ان المكلف صار مصداقا من مصاديق هذا الموضوع كما لو صار المكلف مستطيعا و حينئذ يحمل الحكم على هذا الشخص أي يجب الحج على هذا المستطيع.

64

غير أن الشارع المقدس- حرصا على بعض العبادات لا سيما الصلاة التي لا تترك بحال- أمر عباده بالاستعاضة عما اضطروا إلى تركه بالإتيان ببدل عنه: فأمر- مثلا- بالتيمم بدلا عن الوضوء أو

____________

المرتبة الرابعة: و هي مرتبة تنجيز الحكم بمعنى ان المكلف يلتفت الى توجه الحكم إليه و انطباق الحكم عليه و بهذه المرحلة يعاقب المكلف على مخالفة التكليف بخلاف ما لو لم يكن ملتفتا لتوجه الحكم إليه و إن كان مصداقا للموضوع كما لو كان مستطيعا و لم يعلم بأنه مستطيع او لم يعلم ان كل مستطيع يجب عليه الحج.

تنبيهان.

التنبيه الأول: ذكر بعض الأعلام‏ (1) على ما في بالي ان هذه المراتب الأربعة إنما تكون في الواجبات و لا تكون في المحرمات و أما المحرمات فهي دائما فعليه أي يكون الحكم متوجها الى جميع المكلفين سواء وجد الموضوع المحرم ام لا (فالزنا حرام) لا يتوقف على وجود الموضوع (الزنا) حتى تتوجه الحرمة الى المكلف بل تتوجه اليه الحرمة قبل وجود الموضوع (الزنى).

اقول: هذه الدعوى ناشئة عن الغفلة عما هو الموضوع الحقيقي لهذه المحرمات فتوهم ان الموضوع هو الزنى فحكم ان الحرمة تتوجه الى المكلف قبل وجود الزنى و بالتالي قبل وجود الموضوع.

و لكن الموضوع للمحرمات إنما هو عنوان (البالغ العاقل القادر) فأصل الحكم هكذا (المكلف يحرم عليه الزنى) غايته أن هذا الموضوع لما كان عاما شاملا كان منطبقا على المكلفين دائما. فلو فرض أن الموضوع مقيدا كان توجه الحرمة الى المكلف مختصا بحالة تحقق الموضوع كما في (العبد يحرم عليه الإباق) و (المحرم يحرم عليه الصيد). و (العالم الديني يحرم عليه كذا). و نحو ذلك من المحرمات المختصة ببعض المكلفين.

____________

(1) السيد الخوئي دام ظله.

65

الغسل، و قد جاء في الحديث (يكفيك عشر سنين). و أمر بالمسح على الجبيرة بدلا عن غسل بشرة العضو في الوضوء و الغسل. و أمر بالصلاة من جلوس بدلا عن الصلاة من قيام ... و هكذا فيما لا يحصى من‏

____________

التنبيه الثاني: قد ذكرنا ان الأحكام لها اربعة مراتب و بعضهم يخالف هذا الاصطلاح و اكثر المخالفات لا يرجع الى خلاف على معنى مفيد نعم بعضها خلاف معنوى قد نتعرض له في مباحث آتية.

إذا عرفت ما تلوناه نقول اتفقوا على ان العاجز لا يعاقب على مخالفة الحكم.

و إنما الكلام في أن العاجز هل يرتفع عنه المرتبة الفعلية ام لا فالمشهور على ارتفاع المرتبة الفعلية عن العاجز فلا يكون التكليف متوجها إليه اصلا.

و قد يقال أن العاجز إنما يرتفع عنه مرتبة التنجيز و تبقى في حقه مرتبة الفعلية فيكون العاجز بمنزلة الجاهل مكلفا واقعا و لكن لا عقاب عليه لجهله او لعجزه.

و تحرير النزاع في مباحث اخرى إنما نشير هنا الى أنه قد يستدل لرفع الفعلية بأدلة خمسة.

الأول: حديث الرفع (رفع عن أمتي تسعة ... و ما أكرهوا عليه و ما اضطروا إليه).

و فيه أن اقصى ما تدل عليه هو رفع العقاب مثل (رفع ما لا يعلمون).

الثاني: استحالة التكليف بما لا يطاق.

و فيه ان المستحيل هو التكليف بما لا يطاق إذا استوجب ظلما، و أما إذا لم يستوجب الظلم فلا استحالة.

الثالث: لغوية التكليف بما لا يطاق فإن تكليف العاجز و إن لم يكن ظلما حيث ان المفروض عدم العقاب عند المخالفة إلا أن هذا التكليف بنفسه لغو.

66

الأوامر الواردة في حال اضطرار المكلف و عجزه عن امتثال الأمر الأولى الاختياري أو في حال الحرج في أمثاله.

و لا شك في أن هذه الأوامر الاضطرارية هي أوامر واقعية حقيقية ذات مصالح ملزمة كالأوامر الأولية. و قد تسمى (الأوامر الثانوية) تنبيها

____________

و فيه أنه إنما يكون لغوا إذا فرض عدم ترتب أي مصلحة و لو على مجرد جعل التكليف في ذمة هذا العاجز فقد يكون المصلحة في الانبعاث و قد تكون المصلحة في مجرد جعل الحكم في ذمة العاجز فمع احتمال وجود هذه المصلحة لا مجال للجزم باللغوية.

الرابع: ان البعث إنما يمكن عند امكان الانبعاث و العاجز لا يمكنه الانبعاث فلا يمكن بعثه.

و هذا الدليل كالدليل الثاني يدعي استحالة التكليف بما لا يطاق لكنه لا من جهة الظلم بل من جهة الملازمة بين استحالة الامتثال و استحالة التكليف.

و فيه ان البعث المتوقف على الانبعاث هو البعث التكويني و اما البعث التشريعي الذي هو عبارة عن مجرد الاعتبار الذهني فلا يتوقف على أي شي‏ء.

الدليل الخامس: العرف فإن الفهم العرفي يرى ان جميع الأحكام إنما يكون موضوعها القادر فإن العرف يعتقد و لو بمقتضى تساهله ان تكليف العاجز لغو محال فهذا الفهم العرفي يكون قرينة عرفية سارية في جميع الأحكام تدل على تقييد الموضوع بالقادر.

و هذا الدليل هو اوجه الأدلة و لكن لا يدل على ارتفاع الفعلية إلا عن العاجز عقلا و سوف يأتي ثمرة لهذه النتيجة فانتظر.

قوله (ره): و لا شك في أن هذه الأوامر الاضطرارية هي أوامر واقعية ...)

أقول: قد تقدم أن الفارق بين الأحكام الواقعية و الظاهرية هو أن الثاني يكون موضوعه ملحوظا فيه أنه مشكوك حكمه الواقعي أو مجهوله. بينما

67

على أنها واردة لحالات طارئة ثانوية على المكلف و إذا امتثلها المكلف أدى ما عليه في هذا الحال و سقط عنه التكليف بها.

و لكن يقع البحث و التساؤل فيما لو ارتفعت تلك الحالة الاضطرارية الثانوية و رجع المكلف إلى حالته الأولى من التمكن من أداء ما كان عليه واجبا في حالة الاعتبار فهل يجزئه ما كان قد أتى به‏

____________

الأول يكون موضوعه نفس العنوان الواقعي.

و عليه يتضح أن الأحكام الاضطرارية هي واقعية كالاختيارية إلا أنها موضوعها هو المضطر بينما الاختيارية موضوعها هو المختار.

و من هنا ظهر أن تسميتها بالثانوية مبني على اعتبار الاضطرار حالة ثانية بينما الاختيار هو الحالة الأولى. و هذا كما ترى اعتبار لا واقعية له.

قوله (ره): (و إذا امتثلها المكلف أدى ما عليه في هذه الحال و سقط ... الخ).

أقول: قد بينا ذلك مفصلا في النقطة الثامنة فراجع.

قوله (ره) (و لكن يقع البحث و التساؤل فيما لو ارتفعت ... الخ).

اقول: يقع الكلام في مقامين الأول مقام الثبوت و الثاني مقام الإثبات.

اما المقام الأول: فيقع في نقطتين.

الأولى بيان احتمالات المأمور به بالأمر الاضطراري.

الثانية بيان اثر كل احتمال من هذه الاحتمالات.

اما النقطة الأولى: فيحتمل في المأمور به بالأمر الاضطراري اربعة احتمالات.

الاحتمال الأول: كون مصلحة المأمور به بالأمر الاضطراري محققة لتمام مصلحة التكليف الواقعي الاختياري كما لو فرض ان الصلاة من قعود محققة لتمام مصلحة الصلاة الاختيارية.

الاحتمال الثاني: كون مصلحة المأمور به بالأمر الاضطراري غير محققة لتمام مصلحة التكليف الواقعي الاختياري بل محققة لبعضه بحيث يبقى مقدار يجب تداركه لو امكن تداركه و استيفاؤه و لكن لا يمكن تداركه و استيفاؤه.

68

في حال الاضطرار، أو لا يجزئه، بل لا بد له من إعادة الفعل في الوقت أداء إذا كان ارتفاع الاضطرار قبل انتهاء وقت الفعل و كنا قلنا

____________

و بعبارة اوضح، اركان هذا الاحتمال ثلاثة.

الركن الأول: ان يكون التكليف الاضطراري وافيا ببعض مصلحة التكليف الواقعي دون بعض.

الركن الثاني: ان يكون البعض الباقي من المصلحة التي لم يستوفها التكليف الاضطراري هي مصلحة ملزمة يجب على المولى تداركها و المحافظة عليها و لا يجوز تفويتها على المكلف.

الركن الثالث: ان يكون هذا البعض من المصلحة لا يمكن تداركه بعد امتثال التكليف الاضطراري. بمعنى انه يفوت تحصيله بأي طريقة.

تنبيه: الركن الأول و إن لم يتعرضوا له بصراحة بل ليس هو ركنا ركينا في هذا الاحتمال إذ حتى لو فرض زوال هذا الركن (بأن فرض ان الاضطراري لا يحقق شيئا من مصلحة التكليف الواقعي). يبقى هذا الاحتمال بعينه لا يتغير فقوامه هما الركنان الأخيران إلا أنا ذكرناه لما استقر في الذهن من ان التكليف الاضطراري يجب ان يكون محققا لبعض مصلحة التكليف الواقعي. و إن كان ذلك غير ضروري ايضا كما لعله غير خفي.

الاحتمال الثالث: أن يكون المأمور به بالأمر الاضطراري محققا لبعض مصلحة التكليف الواقعي دون بعض بحيث يكون البعض الباقي مما يجب تداركه و يمكن تداركه.

فأركان هذا الاحتمال ايضا ثلاثة.

الركن الأول و الثاني: هما الركنان الأول و الثاني المتقدمان.

الركن الثالث: ان يكون هذا البعض من المصلحة الذي لم يحققه التكليف الاضطراري يمكن تداركه و تحقيقه بعد امتثال التكليف الاضطراري بطريقة ما.

الاحتمال الرابع: ان يكون المأمور به بالأمر الاضطراري محققا لمعظم مصلحة التكليف الواقعي بحيث يكون البعض الباقي مما لا يجب تداركه.

69

بجواز البدار، أو إعادته خارج الوقت قضاء إذا كان ارتفاع الاضطرار بعد الوقت.

____________

فهذا الاحتمال له ركنان.

الأول: ان يكون التكليف الاضطراري محصلا لمعظم مصلحة التكليف الواقعي.

الثاني: ان يكون البعض الباقي الغير المحصل مقدارا لا يجب تداركه.

تنبيه: قد يناقش في إمكانية الاحتمال الرابع إذ يدعى استحالته بدعوى أن كل أجزاء الغرض من الواجب أن تكون مما يجب تداركها إذ لو كانت مما لم يجب تداركها لم تكن من الأول داعية إلى ما هو واجب و إنما تدعو إلى ما هو مستحب لوضوح أن المعلول لا يزيد عن علته و توضيح هذا النقاش و الجواب عليه مما لا تحتاج إليه هنا.

و بهذا ينتهي الكلام في النقطة الأولى.

و اما الكلام في النقطة الثانية فالكلام يقع في ثلاث آثار.

الأول: الإجزاء.

الثاني: جواز البدار بمعنى مبادرة المضطر الى امتثال التكليف الاضطراري.

الثالث: جواز تعجيز النفس.

اما الأثر الأول: (الإجزاء) فعلى الاحتمال الأول يلزم الإجزاء لأن التكليف الاضطراري محقق للغرض من التكليف الواقعي و مع تحقق الغرض يسقط الأمر به لاستحالة بقاء المعلول بلا علة.

و على الاحتمال الثاني: فكذلك يلزم الإجزاء بمعنى سقوط التكليف الواقعي بعد امتثال الاضطراري و ذلك لأن الغرض و هو تحصيل المصلحة أصبح غير ممكن فلا يمكن ان يكون الأمر بغرض تحصيل ما يستحيل تحصيله.

و أما على الاحتمال الرابع: فكذلك يلزم الأجزاء لأن التكليف‏

70

إن هذا أمر يصح فيه الشك و التساؤل، و إن كان المعروف بين الفقهاء في فتاويهم القول بالإجزاء مطلقا أداء و قضاء.

____________

الاضطراري قد حصل معظم مصلحة التكليف الواقعي و أما المقدار الباقي فلا يمكن أن يكون باعثا على اصدار امر وجوبي لأن هذا المقدار حسب الفرض لا يجب عند المولى تحصيله.

و أما على الاحتمال الثالث: فيلزم عدم الإجزاء لأن التكليف الاضطراري لم يحصل من مصلحة التكليف الواقعي الا بعضها فالبعض الآخر لما كان يمكن تحصيله و كان مقدارا يجب تحصيله فإن هذه المصلحة تكون باعثة للمولى على اصدار الأمر بتحصيلها.

فظهر ان على هذا الاحتمال الثالث لا يسقط الأمر الواقعي.

و من هنا نقول لا ملازمة عقلا بين إتيان الاضطراري و بين سقوط الأمر الواقعي لاحتمال ان يكون الواقع على طبق الاحتمال الثالث. و هذا الأثر هو المهم في محل البحث.

و اما الأثر الثاني: (جواز البدار) فنقول جواز البدار يتوقف على تحصيل ركنين.

الأول: ان يكون تحصيل مصلحة المأمور بالأمر الاضطراري ممكنا حتى مع البدار توضيح ذلك ان تحصيل مصلحة الأمر الاضطراري يحتمل فيه احتمالان.

الاحتمال الأول: ان يكون تحصيلها متوقفا على كون الاضطرار في تمام الوقت كما لو فرض أن التيمم لا يحصل مصلحته إلا إذا عجز عن الماء في تمام الوقت.

فعلى هذا الاحتمال لا يجوز البدار لأن البدار لا يحصل معه مصلحة التيمم.

الاحتمال الثاني: ان يكون تحصيلها متوقفا على الاضطرار و لو في حال إتيان المأمور به بالأمر الاضطراري كما لو فرض ان التيمم يحصل مصلحته بمجرد ان يصدق العجز حال الإتيان.

71

غير أن أطباقهم على القول بالإجزاء ليس مستندا إلى دعوى أن البديهية العقلية تقضي به، لأنه هنا يمكن تصور عدم الإجزاء بلا

____________

فعلى هذا الاحتمال يكون تحصيل مصلحة الأمر الاضطراري ممكنا حتى مع البدار.

الركن الثاني: أن يكون البدار غير مستلزم لتضويع مصلحة ملزمة من مصلحة الأمر الواقعي. و ذلك كما في الاحتمال الثاني من الاحتمالات الأربعة المتقدمة فإن المفروض فيه أن الأمر الاضطراري لا يحصل إلا البعض من مصلحة الأمر الواقعي مع كون البعض الباقي من مصلحته ملزما و لا يمكن تداركه فلو أن المكلف بادر الى الاضطراري يكون قد حصل البعض من مصلحة الواقعي و ضيع البعض الآخر.

إذا عرفت هذين الركنين فكل صورة جمعت هاتين الركنين جاز فيها البدار و إلا لم يجز.

و قد عرفت ان الاحتمال الثاني فقط يفقد الركن الثاني في بعض الأحوال اما الاحتمالات الثلاثة فهي تحتوي على الركن الثاني و أما الركن الأول فيختلف باختلاف انواع التكليف الاضطراري و لا يقدر الإنسان على تشخيصه.

تنبيهات:

الأول: إنما يصح التمثيل هنا بالاحتمال الثاني إذا فرضنا أن البدار لا يعوض عن كل المصلحة الفائتة أو عن بعضها المهم بحيث يكون الباقي مما لا يجب تداركه و إلا فإذا فرضنا التعويض جاز البدار كما هو واضح و الحاصل أن الملاك في عدم جواز البدار هو اقتضاء البدار تفويت مصلحة لا يجوز تفويتها مع عدم التعويض عنها.

التنبيه الثاني: كما لا يجوز البدار في الفرض المتقدم فكذا لا يجوز على المولى أن يجوز البدار أو يوجبه بل في بعض الحالات لا يجوز أصل التكليف الاضطراري كما في الاحتمال الثاني من الاحتمالات المتقدمة مع فرض إمكان تحصيل هذه المصلحة الفائتة بعد ارتفاع الاضطرار و لو بعد

72

محذور عقلي، أعني يمكننا أن نتصور عدم الملازمة بين الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري و بين الإجزاء به عن الأمر الواقعي الاختياري.

____________

فوات الوقت إذا كان ارتفاع الاضطرار معلوما و أما مع الشك فيمكن تقديم الأقل المعلوم على الأكثر المشكوك.

التنبيه الثالث: إن هذين الركنين هما ركنان لجواز البدار و أما حسنه و أولويته على عدم البدار فيجب ملاحظة أن البدار فيه مصلحة فضيلة اول الوقت فإذا لم يعارضها تفويت مصلحة (كما في الاحتمال الأول حيث يكون الاضطراري محصلا لتمام مصلحة الواقعي) كان البدار أولى و احسن.

و أما إذا عارضها تفويت مصلحة (كما في الاحتمال الرابع عند فرض عدم إمكان تحصيل المصلحة المستحبة) ففي هذه الحالة يجب ملاحظة أي المصلحتين اهم فيكون حكمها هو المقدم، و إن لم يكن احدهما اهم بل تساويا كان البدار و عدمه متساويين.

التنبيه الرابع: قد ذكرنا ان جواز البدار يحتاج الى ركنين و لكن بعضهم قد يضيف ركنا ثالثا و هو عدم كون البدار مستلزما للتكليف بالتخيير بين الأقل و الأكثر و بهذا الركن يخرج الاحتمال الثالث و سوف نتعرض لهذا الركن عن قريب إن شاء الله تعالى.

اما الأثر الثالث: فهو لا ارتباط له في محل البحث لكن نقول بالجملة ان جواز التعجيز اختيارا متوقف على كون مصلحة الاضطراري تحصل حتى مع التعجيز الاختياري كما لو فرض ان التيمم يحصل مصلحته حتى لو عجز الإنسان نفسه عن الماء.

و أما إذا فرض ان مصلحة الاضطراري لا تحصل مع التعجيز فلا يجوز التعجيز لأن التعجيز سوف يؤدي الى تفويت تمام مصلحة الواقعي مع فرض ان المصلحة مطلوبة فعلا على ما يأتي بحثه في المقدمة المفوتة.

و على كل حال لا يجوز تعجيز النفس في الاحتمال الثاني لأن هذا التعجيز مستلزم لتفويت مصلحة ملزمة من مصلحة الأمر الواقعي فإنك عرفت‏

73

توضيح ذلك: أنه لا إشكال في أن المأتي به في حال الاضطرار أنقص من المأمور به حال الاختيار، و القول بالإجزاء فيه معناه كفاية

____________

ان الاضطراري على هذا الاحتمال يحصل بعض مصلحة الواقعي و يضوع البعض الملزم الباقي. و بهذا ينتهي الكلام في مقام الثبوت.

تنبيه: قد ظهر من مطاوي كلماتنا أن هناك أثرا رابعا لم نفرده بالبحث و هو جواز أو عدم جواز التكليف بالاضطراري و قد أشرنا إليه و بينا مناطه بالجملة في التنبيه الثاني من التنبيهات الأربع المتقدمة عن قريب.

أما مقام الإثبات فقبل الشروع به نمهد مقدمات.

الأولى: قد كان مبنى البحث على وجود أمرين.

الأول: أمر واقعي و يتعلق بالمأمور به الاختياري كالأمر بالصلاة الاختيارية.

الثاني: أمر اضطراري و يتعلق بالمأمور به الاضطراري كالأمر بالصلاة من قعود او قيام أو نحو ذلك.

إلا ان بعض المتأخرين من السادة (1) ذهب إلى ان الظاهر من الآيات و الروايات المتفرقات عدم وجود أمرين و إنما يوجد أمر واحد تعلق بطبيعي الصلاة مثلا غايته ان الصلاة لها مصاديق متعددة مشخصة للأصناف فالحاضر صلاته اربع و المسافر صلاته اثنان، و الواجد للماء صلاته مع الماء و الفاقد له صلاته مع التراب و المختار صلاته جامعه و المضطر صلاته كذا.

فإذن ليس في الشريعة سوى امر واحد و هو (اقيموا الصلاة) و هذا المتعلق هو طبيعي الصلاة له افراد متعددة فإذا اتينا بفرد منها لزم سقوط الأمر و من هنا تكون الصلاة الاضطرارية كصلاة المسافر فكما ان صلاة المسافر فرد من طبيعة الصلاة المأمور بها فيؤدي إتيانها الى سقوط الأمر، فكذلك الصلاة الاضطرارية هي فرد من طبيعة الصلاة المأمور بها فيؤدي‏

____________

(1) السيد البروجردي.

74

الناقص عن الكامل مع فرض حصول التمكن من أداء الكامل في الوقت أو خارجه. و لا شك في أن العقل لا يرى بأسا بالأمر بالفعل ثانيا بعد

____________

إتيانها الى سقوط الأمر، حيث علمت ان إتيان المأمور به على وجهه يؤدي الى سقوط امر نفسه جزما.

و قد ظن هذا السيد الجليل انه اول من تنبه الى ذلك حتى استنجد بصاحب المعتبر و قال أنه قد اشار إليه و لكني وجدت الشيخ الأعظم (ره) قد سبقه الى ذلك و إليك عبارته.

قال (ره): (المقام الأول في ان قضية القواعد الشرعية عدم وجوب الإعادة في الوقت لأن الواجب الموسع هو القدر المشترك بين الأفعال الواقعة عن المكلفين بحسب اختلاف تكاليفهم في موضوعات مختلفة فقوله (أَقِيمُوا الصَّلاةَ*) هو الواجب و يتخصص للحاضر في ضمن اربع ركعات و للمسافر في ضمن ركعتين و للواجد للماء في الصلاة مع الطهارة المائية و للفاقد له في ضمنها مع الطهارة الترابية فيكون الأمر الواقعي الاضطراري احد افراد الواجب الموسع و لا اشكال في ان الإتيان بفرد من الماهية يوجب سقوط الطلب بالنسبة إليها و بعد سقوط الطلب لا وجه لوجوب الإعادة) انتهى.

ثم اوضح ذلك بعبارات عديدة فراجعها إن شئت (مطارح الأنظار ص 20).

و هذا الكلام من الشيخ (ره) شيخ الكلام و لكنه (ره) قد ركل ما حلبه عند ما ناقش في وجوب القضاء و لعمري كيف يجب القضاء و هو يقر و يعترف بعدم فوت طبيعي الصلاة فإن موضوع وجوب القضاء هو فوت الصلاة و هي غير فائته بعد أن سلمنا أن الاضطراري فرد منها.

و كيف كان فهذا المذهب اجود ما قيل و إني لأعجب من الاعلام بعد الشيخ (ره) كيف لم يعتنوا بهذا القول و تركوه نسيا منسيا.

و لا يخفى عليك ان على هذا المذهب يجب الشطب على مبحث اجزاء الإتيان بالمأمور الاضطراري عن الأمر الواقعي و ذلك لأن هذا المبحث‏

75

زوال الضرورة، تحصيلا للكامل الذي قد فات منه. بل قد يلزم العقل بذلك إذا كان في الكامل مصلحة ملزمة لا يفي بها الناقص و لا يسد مسد الكامل في تحصيلها.

____________

مبني على وجود أمرين فيقع الكلام في ان امتثال احدهما يغني عن الأخر ام لا و أما بعد أن قلنا بوحدة الأمر و وحدة الواجب و هو طبيعي الصلاة او الحج و قلنا بأن الصلاة الاضطرارية للمضطر مصداق من هذا الكلي فلا ريب يجب الالتزام بأن الإتيان بهذا المصداق يستوجب سقوط الأمر كسائر المصاديق.

المقدمة الثانية: قد يتوهم انه لا مجال للبحث في كون الإتيان بالأمر الاضطراري مسقطا للأمر الواقعي.

وجه هذا التوهم هو ما عرفته من أن الأمر الواقعي الاختياري يسقط بنفسه حال العجز فإذا كان ساقطا بنفسه فأي معنى للبحث المذكور.

و لكن هذا التوهم فاسد و ذلك لأننا امامنا صورتان.

الصورة الأولى: صورة رجوع القدرة في اثناء الوقت كما لو فرض العجز عن الماء في اول الوقت فتيمم و صلى ثم وجد الماء.

ففي هذه الصورة يقع البحث هكذا (ان الإتيان بالاضطراري حال العجز هل يستوجب عدم توجه الأمر الواقعي الى المكلف بعد رجوع القدرة في الوقت).

فالبحث في هذه الصورة ليس في كون الإتيان بالاضطراري مسقطا للأمر الواقعي الموجود حال الاضطرار حتى يعترض بأن الأمر الواقعي ساقط بنفسه حال الاضطرار بل البحث هو في كون الإتيان بالاضطراري مانعا من حدوث الأمر الواقعي الفعلي بعد رجوع الاختيار.

الصورة الثانية: ان يستمر العجز الى انتهاء الوقت كما لو فرض استمرار العجز عن الماء الى نهاية الوقت فتيمم و صلى. ثم بعد الوقت عثر على الماء.

ففي هذه الصورة يقع البحث هكذا (الإتيان بالاضطراري في الوقت هل يمنع عن وجوب قضاء الاختياري بعد الوقت). فنحن نسلم ان المكلف‏

76

و المقصود الذي نريد أن نقوله بصريح العبارة: «إن الإتيان بالناقص ليس بالنظرة الأولى مما يقتضي عقلا الإجزاء عن الكامل».

____________

العاجز لم يتوجه اليه الأمر الاختياري في الوقت إلا أننا نحتمل ان يتوجه اليه الأمر بوجوب قضاء الاختياري بعد الوقت كما يتوجه الأمر الى الحائض بوجوب قضاء الصوم بعد الوقت و ان لم يتوجه اليها وجوب الصوم في الوقت فنبحث عن ان الإتيان بالاضطراري هل يمنع من وجوب القضاء ام لا فانقدح فساد التوهم المتقدم.

المقدمة الثالثة: قد ذكر بعض الأعلام وجود ملازمة بين تجويز البدار و بين الإجزاء عن الإعادة في الوقت فكلما ثبت ان المولى شرع البدار ثبت الإجزاء.

و استدلوا لهذه الملازمة بدليلين.

الدليل الأول: و هو مبتني على مقدمات.

المقدمة الأولى: ان احتمالات التكليف الاضطراري اربع كما عرفت.

المقدمة الثانية: ان التكليف الاضطراري الوحيد الذي لا يستلزم الإجزاء هو ما كان على نحو الاحتمال الثالث و أما بقية الاحتمالات فهي تستوجب الأجزاء كما عرفت في البحث في النقطة الثانية من المقام الثبوتي.

المقدمة الثالثة: أن على هذا الاحتمال الثالث يستحيل تجويز البدار و دليل الاستحالة هو انك عرفت ان التكليف الاضطراري على هذا الاحتمال يحقق بعض مصلحة الواقعي دون البعض الآخر و يكون هذا البعض الآخر ملزما و يجب تداركه.

و عليه فلو فرض ارتفاع الاضطرار في الوقت يجب أن يكون المولى قد كلف بالواقعي.

و من هنا فيكون المكلف مخيرا بين ان يأتي بالتكليف الواقعي فقط بعد رجوع القدرة و زوال الاضطرار. و بين أن يأتي بالاضطراري حال الاضطرار و بالاختياري حال الاختيار.

مثلا عجز المكلف عن الماء اول الوقت فكلف بالاضطراري ثم وجد

77

فلا بد أن يكون ذهاب الفقهاء إلى الإجزاء لسر هناك: إما لوجود ملازمة بين الإتيان بالناقص و بين الإجزاء عن الكامل، و أما لغير ذلك‏

____________

الماء في آخر الوقت فكلف بالاختياري و لذا كان المكلف واقعا مخيرا بين ان ينتظر و يأتي بالاختياري فقط في آخر الوقت و بين ان يبادر فيأتي بالاضطراري ثم عند وجدان الماء يأتي بالاختياري أي أن المكلف مخير بين الأقل (الاختياري فقط) و الأكثر (الاضطراري اول الوقت و الاختياري آخر الوقت).

و قد مر ان التخيير بين الأقل و الأكثر محال فيستحيل ان يكلف المولى بنحو هذا التكليف فعلى المولى ان يختار احد أمرين.

الأول: ان يرفع يده عن التكليف الاضطراري اول الوقت فيتعين على المكلف تكليفا واحدا و هو الاختياري آخر الوقت.

الثاني: ان يرفع يده عن التكليف الاختياري آخر الوقت فيتعين على المكلف تكليفا واحدا و هو الاضطراري اول الوقت.

و من الواضح ان الثاني غير جائز لأنه يؤدي الى تفويت مصلحة ملزمة لما عرفت من ان الاضطراري على هذا الاحتمال محصل لبعض المصلحة دون البعض الآخر الذي هو مصلحة ملزمة. فيتعين على المولى اختيار الأمر الأول.

فانقدح أن على هذا الاحتمال يستحيل تشريع البدار بل يجب أن يأمر المولى بالانتظار الى زوال الاضطرار و بالتالي يصلي صلاة الاختيار.

إذا عرفت هذه المقدمات الثلاث فإذا ثبت تشريع البدار يكشف ذلك عن ان التكليف الاضطراري ليس من قبيل الاحتمال الثالث (لما عرفت في المقدمة الثالثة).

فيتعين ان يكون من احد الاحتمالات الثلاثة و قد عرفت ان كلها تقتضي الإجزاء.

(لا يخفى ان الاحتمال الثاني منفي ايضا لما عرفت من انه لا يجوز البدار على هذا الاحتمال الثاني).

هذا تمام الدليل الأول.

78

من الأسباب. فيجب أن نتبين ذلك، فنقول: هناك وجوه أربعة تصلح أن تكون كلها أو بعضها مستندا للقول بالإجزاء نذكرها كلها:

____________

و هو فاسد لجواز تشريع البدار حتى على الاحتمال الثالث لأنه قد تقدم في مبحث التخيير بين الأقل و الأكثر أن سبب و مناط استحالة التخيير بين الأقل و الأكثر هو كون الزائد عن الأقل لا دخالة له في تحقيق الغرض فيستحيل تعلق الأمر به (راجع ذلك المبحث).

و هذا المناط غير متحقق في المقام لأن الاضطراري حسب الفرض فيه مصلحة ملزمة كما أن الاختياري فيه مصلحة ملزمة فيمكن للمولى ان ينتظر و يحصل تمام المصلحة دفعة واحدة من التكليف الاختياري حال الاختيار و يمكن ان يتعجل و يحصلها نصفين تدريجا النصف الأول بالتكليف الاضطراري حال الاضطرار و النصف الثاني بالتكليف الاختياري حال الاختيار إذن مناط استحالة التخيير بين الأقل و الأكثر غير موجود هنا.

فإن قلت: يوجد هنا مناط آخر و هو لغوية التكليف بالاضطراري اول الوقت طالما ان المولى يقدر على تحصيل مصلحته بتكليف واحد هو الاختياري آخر الوقت.

قلت:

اولا: يوجد مصلحة هنا و هي ان في البدار تحصيل لمصلحة أول الوقت.

ثانيا: لو فرض عدم وجود مصلحة في التكليف الاضطراري لم يكن تشريعه لغوا إذ المولى يريد تحصيل غرضه و هو يتحصل بطريقين. الأول تعيين الاختياري، الثاني التخيير بين الاختياري فقط و بين الاختياري مع الاضطراري فيجوز للمولى سلوك أي الطريقين شاء.

لا يقال الطريق الثاني اصعب من الأول لاحتياجه الى تشريعين و تخيير بخلاف الأول. لأننا نقول هذا لغو من القول فإن الاعتبار لا مئونة فيه.

الدليل الثاني: و ذكره العلامة النائيني (ره) و حاصله مختصرا ان التكليف الاضطراري دائما يكون من قبيل الاحتمال الأول او الاحتمال الثاني‏

79

1- إنه من المعلوم أن الأحكام الواردة في حال الاضطرار واردة للتخفيف على المكلفين و التوسعة عليهم في تحصيل مصالح التكاليف الأصلية الأولية (

يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.

و ليس من شأن التخفيف و التوسعة أن يكلفهم ثانيا بالقضاء أو الأداء، و إن كان الناقص لا يسد مسد الكامل في تحصيل كل مصلحته الملزمة.

____________

أي أن المصلحة المتبقية غير قابلة للاستيفاء.

و ذلك لأن الاضطراري إما أن يحصل تمام مصلحة الواقعي ام لا و على الثاني لا يمكن تدارك المصلحة المتبقية لأن استيفاء تلك المصلحة المتبقية إنما يكون في طي استيفاء المصلحة الصلاتية و في ضمنها و المفروض ان المكلف قد استوفى المصلحة الصلاتية في ضمن الطهارة الترابية مثلا فلا يمكنه استيفاء مصلحة الطهارة المائية إذ ليست مصلحتها قائمة بنفسها بل في ضمن الصلاة انتهى. راجع عبارته ص 245.

اقول: هذا الدليل لا يخفى فساده على المتأمل.

و لو فرض تماميته اقتضى الإجزاء عن الإعادة في الوقت و عن القضاء خارج الوقت و ذلك لأن مصلحة الواقعي إما تحصلت بتمامها فلا معنى للتكليف بالإعادة اداء او قضاء و إما تحصل بعضها دون بعض فكذلك لا معنى للتكليف بالإعادة اداء او قضاء لأن المفروض ان المصلحة الفائتة قد فاتت و لا يمكن تحصيلها بشي‏ء من الأداء أو القضاء فالتكليف بهما مستحيل لأنه بلا غرض.

اذا عرفت هذه المقدمات فلنشرع في ذكر الأدلة على الأجزاء.

قوله (ره): (و ليس من شأن التخفيف و التوسعة أن يكلفهم ثانيا ...

إلخ).

أقول: يرد على هذا الدليل مضافا إلى أنه استحسان عدم صحته لأن الأدلة الاضطرارية واردة للتخفيف على المضطر. و لزوم إعادة المختار لا

80

2- إن أكثر الأدلة الواردة في التكاليف الاضطرارية مطلقة مثل قوله تعالى:

فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً*

، أي أن ظاهرها

____________

ينافي ذلك لاختلاف موضوع التكليف.

قوله (ره): (إن أكثر الأدلة الواردة في التكاليف الاضطرارية مطلقة ...

إلخ).

اقول: هذا اشارة الى الدليل الثاني و هو التمسك بالإطلاق المقامي توضيح ذلك ان الآيات و الروايات الواردة في بيان التكليف الاضطراري يحتمل فيها احتمالان.

الأول: ان تكون واردة في مقام بيان التكليف حال العجز.

الثاني: ان تكون واردة في مقام بيان تكليف العاجز.

فعلى الاحتمال الأول لا يجب على هذه الأدلة سوى ذكر التكليف حال العجز فلا يجب عليها ان تذكر التكليف بعد ارتفاع العجز إذ غاية غرض المتكلم انما هو بيان التكليف حال العجز فلا نظر له الى ما بعد العجز و على هذا فلا مجال للتمسك بالإطلاق المقامي إذ عدم ذكر المتكلم لوجوب الإعادة اداء او قضاء يكون من قبيل عدم ذكر ما لا يجب ذكره أي يكون من قبيل عدم ذكر ما لم يتعرض المتكلم لذكره فلا يصدق (أن لو اراد الإعادة لذكرها) إذ حتى لو ارادها لا يجب ذكرها.

و اما على الاحتمال الثاني فيمكن التمسك بالإطلاق المقامي لنفي وجوب الإعادة اداء او قضاء إذ المتكلم في مقام بيان تكليف العاجز فيجب عليه ذكره بتمامه فلو كانت الإعادة (اداء و قضاء) واجبه على المكلف العاجز كان يجب عليه ذكرها و لكنه لم يذكرها فينتج ان الإعادة غير واجبة على العاجز.

إذا عرفت ذلك فمن الواضح لمن راجع الروايات و الآيات ان نظر كثير منها الى بيان تكليف العاجز فينتج ان هذه الروايات و الآيات الكريمات لها اطلاق مقامي ينفي وجوب الإعادة اداء او قضاء.

و قد يعترض على هذا الإطلاق باعتراضين.

81

بمقتضى الاطلاق الاكتفاء بالتكليف الثاني لحال الضرورة، و إن التكليف منحصر فيه و ليس وراءه تكليف آخر. فلو أن الأداء أو القضاء واجبان‏

____________

الاعتراض الأول: عبارة عن إنكار امكان اثباته لأن الإطلاق يتوقف على إثبات مقدمات الحكمة و منها كون المتكلم في مقام بيان تمام تكاليف العاجز في حال عجزه و بعد زوال عجزه و من الواضح عدم امكان اثبات ذلك و لو امكن لكان في موارد نادرة فلا يصح جعل الإطلاق المقامي دليلا عاما.

اقول: لا وجه لهذا الاعتراض و ذلك لأن المفروض أن المولى تصدى لحكم المضطر. و العرف لا يلتفت الى هذا التدقيق (أي أنه يبين حكم المضطر من حيث هو مضطر او حكم المضطر من حيث هو مكلف) بل يرى ان المتكلم يبين تمام ما يجب على المضطر سواء كان حال وجود الاضطرار او حال ارتفاعه كما تقول لعبدك (إذا عجزت عن جلب الشراب فاجلب الماء) فإنه لا يرى إلا أن التكليف التام هو جلب الماء و هكذا لو سئل الإمام (ع) عن مكلف عجز عن الماء فاللازم ان يجيب ببيان كل ما يلزمه هذا هو نظر العرف قديما و حديثا فارجع الى عرف اهل قريتك لا ترى إلا ما ذكرنا.

الاعتراض الثاني: و هو عبارة عن وجود المزاحم للإطلاق المقامي توضيح ذلك ان معنا دليلين.

الأول الاختياري مثل (يجب الصلاة عن وضوء).

الثاني الاضطراري مثل (العاجز عن الماء يصلي عن تيمم).

و الأول له اطلاق يشمل العاجز الذي ارتفع عجزه بعد ان صلى بلا وضوء فانه يشمله اطلاق (يجب الصلاة مع الوضوء) فيدل هذا الإطلاق على لزوم الإعادة عليه.

الثاني له اطلاق مقامي يدل على عدم وجوب الإعادة.

و بالتالي تقع المعارضة بين الإطلاقين فيتساقطان.

اقول اولا: الظاهر ان الإطلاق المقامي للدليل الاضطراري مقدم على اطلاق الدليل الاختياري و ذلك لأنه ناظر إليه و مفسر له فإن السؤال عن حكم‏

82

أيضا لوجب البيان و التنصيص على ذلك. و إذ لم يبين ذلك علم أن الناقص يجزئ عن أداء الكامل أداء و قضاء، لا سيما مع ورود مثل قوله (عليه السلام): «إن التراب يكفيك عشر سنين».

3- إن القضاء بالخصوص إنما يجب فيما إذا صدق الفوت، و يمكن أن يقال أنه لا يصدق الفوت في المقام، لأن القضاء إنما يفرض فيما إذا كانت الضرورة مستمرة في جميع وقت الأداء. و على هذا

____________

العاجز هو بمعنى انه هل يجب عليه العمل بإطلاق الدليل الاختياري ام لا فالدليل الاضطراري وارد في مورد اطلاق الدليل الاختياري فلا مجال لتصور المزاحمة بل الإطلاق المقامي مفسر للدليل الاختياري و حاكم عليه.

ثانيا: لو سلمنا المعارضة و وقوع التساقط لم يكن هنا دليل دال على وجوب الإعادة في الوقت و القضاء بعد الوقت فيلزم حينئذ الرجوع الى الأصول العملية و هي تقتضي البراءة.

و كيف كان فالإطلاق المقامي محكم دال على عدم وجوب الإعادة أداء و لا قضاء.

قوله (ره): (ان القضاء بالخصوص إنما يجب ...).

اقول: هذا هو الدليل الثالث على عدم وجوب الإعادة و هو ينقسم إلى شطرين شطر متعلق بالقضاء و آخر متعلق بالأداء.

أما الشطر المتعلق بالقضاء فهو مركب من مقدمتين.

المقدمة الأولى: ان القضاء انما يجب عند صدق عنوان (فوت الصلاة الفريضة) و ذلك لأن المستفاد من ادلة القضاء هو وجوب قضاء الفريضة الفائتة.

المقدمة الثانية: ان هذا العنوان (فوت الصلاة الفريضة) لا يصدق في المقام لأن القضاء إنما يفرض في صورة استمرار الاضطرار الى آخر الوقت و قد عرفت ان المضطر لا يكون مكلفا بالأمر الاختياري فالأمر بالصلاة الاختيارية غير متوجه الى المضطر و بالتالي فالصلاة الاختيارية لم تفته بما هي فريضة و انما فاتته بما هي ليست فريضه.

83

التقدير لا أمر بالكامل في الوقت، و إذا لم يكن أمر فقد يقال أنه لا يصدق بالنسبة إليه فوت الفريضة، إذ لا فريضة.

و أما الأداء فإنما يفرض فيما يجوز البدار به، و قد ابتدر المكلف- حسب الفرض- إلى فعل الناقص في الأزمنة الأولى من الوقت ثم زالت الضرورة قبل انتهاء الوقت. و نفس الرخصة في البدار- لو ثبتت- تشير إلى مسامحة الشارع في تحصيل الكامل عند التمكن، و إلا لفرض عليه الانتظار تحصيلا للكامل.

____________

و اما الشق المتعلق بالاداء فحاصله ان البحث في وجوب الإعادة اداء متوقف على جواز البدار إذ لو لم يجز البدار لم يكن للمكلف المضطر ان يأتي بالفعل الاضطراري إلا عند نهاية الوقت فلا يتخيل مجال للإعادة. فالبحث متوقف على جواز البدار و جواز البدار كاشف عن الأجزاء كما مر بيانه في المقدمة الثانية.

اقول: اما الشق المتعلق بالأداء فقد عرفت فساده لعدم وجود ملازمة بين جواز البدار و بين الأجزاء.

و أما الشق المتعلق بالقضاء فيرد على مقدمته الأولى: ان القضاء واجب في موارد متعددة لا يصدق فيها فوت الصلاة الفريضة و ذلك كفوت الصلاة عن النائم و المكره و السكران.

فإن كل ذلك يجب فيه القضاء مع عدم صدق فوت الفريضة و يصعب الالتزام بأن كل ذلك خلاف القاعدة.

ثم لو سلمنا بكلا المقدمتين فإنه و إن دل على عدم وجوب القضاء إلا أنه أيضا يدل على لازم فاسد و هو ان المكلف لو كان عاجزا طوال الوقت و لكنه عصى و لم يصل الصلاة الاضطرارية. فلازم هذا المذهب ان هذا المكلف بعد الوقت و زوال الاضطرار لا يجب عليه قضاء الصلاة الاختيارية لأنها لم تفته بما هي فريضة و هذا اللازم لا يلتزم به احد.

و كيف كان فتحرير موضوع وجوب القضاء محله الفقه لا هنا.

84

4- إذا كنا قد شككنا في وجوب الأداء و القضاء، و المفروض أن وجوبهما لم ننفه بإطلاق و نحوه- فإن هذا شك في أصل التكليف. و في مثله تجري أصالة البراءة القاضية بعدم وجوبهما.

فهذه الوجوه الأربعة كلها أو بعضها أو نحوها هي سر حكم الفقهاء بالإجزاء قضاء و أداء. و القول بالإجزاء- على هذا أمر لا مفر منه. و يتأكد ذلك في الصلاة التي هي العمدة في الباب.

المقام الثاني- الأمر الظاهري‏

تمهيد:

للحكم الظاهري اصطلاحان:

أحدهما: ما تقدم في أول الجزء الأول ص 5، و هو المقابل للحكم‏

____________

قوله (ره): (إذا كنا قد شككنا في وجوب الأداء ...).

اقول: هذا هو الدليل الرابع و هو الرجوع الى الأصول العملية و لا يخفى ان الرجوع الى الأصول العملية يتوقف على عدم وجود دليل على سقوط الإعادة قضاء و اداء.

كما يتوقف على عدم وجود دليل على وجوب الإعادة قضاء و اداء.

فإذا تم كل ذلك تأتي نوبة الأصول العملية فنقول الأصل الجاري في المقام هو اصالة البراءة عن الأداء و اصالة البراءة عن القضاء لأنه لو صلى الاضطرارية ثم ارتفع العذر يشك في توجه تكليف إليه يأمره بالإعادة اداء او قضاء. و هذا شك في التكليف مرجعه الى البراءة و قد قامت محاولات لجعل الأصل الجاري في المقام هو الاشتغال لا نتعرض لها.

قوله (ره): (للحكم الظاهري اصطلاحان ...).

اقول: الحكم الذي هو المقسم تارة هو الحكم الموجود في اللوح المحفوظ فينقسم الى قسمين باعتبار موضوعه فإما أن لا يكون موضوعه قد اخذ فيه الشك بحكمه الشرعي و إما أن يكون قد اخذ فيه ذلك فالأول حكم‏

85

الواقعي، و إن كان الواقعي مستفادا من الأدلة الاجتهادية الظنية فيختص الظاهري بما ثبت بالأصول العملية.

و ثانيهما: كل حكم ثبت ظاهرا عند الجهل بالحكم الواقعي الثابت في علم اللّه تعالى، فيشمل الحكم الثابت بالإمارات و الأصول معا. فيكون الحكم الظاهري بالمعنى الثاني أعم من الأول.

و هذا المعنى الثاني العام هو المقصود هنا بالبحث، فالأمر الظاهري: ما تضمنه الأصل أو الامارة.

ثم إنه لا شك في أن الأمر الواقعي في موردي الأصل و الإمارة غير منجز على المكلف، بمعنى أنه لا عقاب على مخالفته بسبب العمل‏

____________

واقعي و الثاني حكم ظاهري.

هذا هو التقسيم الأول المتقدم سابقا و المقسم فيه هو ذات الحكم الموجود في اللوح المحفوظ و اساس القسمة هو الموضوع.

و تارة اخرى يكون المقسم هو الحكم الثابت في علم المكلف او قل الحكم المعلوم. و اساس القسمة العلم بمطابقته للواقع او عدم العلم بذلك.

فالأول يسمى حكم واقعي و الثاني يسمى حكم ظاهري.

و قد يشترط بعضهم في القسم الأول مضافا الى العلم بالمطابقة نفس المطابقة فحتى يكون الحكم واقعيا في هذا الاصطلاح يشترط فيه شرطان الأول مطابقته للواقع و الثاني العلم بذلك. فلو فقد احد الشرطين كان ظاهريا.

قوله (ره): (ثم إنه لا شك في أن ...).

أقول: سوف يأتي في محله و قد مر اليه الإشارة ان الحكم لا يبلغ مرتبة التنجيز (التي تقتضي جواز العقاب على المخالفة) إلا بعد العلم به علما تفصيليا وجدانيا او تعبديا او اجماليا كما يتنجز ببعض الأصول فأما مع عدم ذلك بل فرض قيام الحجة على خلافه لا يكون هذا الحكم منجزا فلو خالفه العبد لم يستحق العقاب.

86

بالإمارة و الأصل لو اتفق مخالفتهما له، لأنه- من الواضح- أن كل تكليف غير واصل إلى المكلف بعد الفحص و اليأس غير منجز عليه، ضرورة أن التكليف إنما يتنجز بوصوله بأي نحو من أنحاء الوصول، و لو بالعلم الإجمالي.

هذا كله لا كلام فيه، و سيأتي في مباحث الحجة تفصيل الحديث عنه. و إنما الذي يحسن أن نبحث عنه هنا في هذا الباب هو أن الأمر الواقعي المجهول لو انكشف فيه بعد ذلك خطأ الإمارة أو الأصل، و قد عمل المكلف- حسب الفرض- على خلافه اتباعا للإمارة الخاطئة أو الأصل المخالف للواقع، فهل يجب على المكلف امتثال الأمر الواقعي في الوقت أداء و في خارج الوقت قضاء، أو أنه لا يجب شي‏ء عليه بل يجزي ما أتى به على طبق الإمارة أو الأصل و يكتفي به؟.

____________

قوله (ره): (فهل يجب على المكلف ...).

اقول: من الواضح الذي لا يخفى ان مقتضى القاعدة الأولية في المقام هو عدم الإجزاء و ذلك لأن العبد مأمور بأن يعمل على طبق الواقع فتوهم أن الواقع هو الإمارة فعمل على طبقها فإذا بان له خطأها ينكشف له انه لم يعمل بواجبه.

و الحاصل انه عندنا مقدمتان.

الأولى: ان العباد مكلفون بطاعة الأحكام الواقعية فالبالغ يجب عليه ان يصلي الصلاة الواقعية و أن يصوم الصيام الواقعي و أن يزكي الزكاة الواقعية و هكذا سائر الأعمال.

الثانية: انه بعد انكشاف خطأ الأصل او الإمارة ينكشف ان المكلف لم يعمل بالواقع بل قد عمل على خلاف الواقع، فتكون صلواته الواقعية لم يصلها في الوقت، و قد فاتته خارج الوقت فيلزمه الإعادة اداء او قضاء.

إذن القاعدة تقتضي عدم الإجزاء فمدعي الإجزاء يحتاج الى هدم احدى هاتين المقدمتين.

اما الأولى فلم نر من تجرأ على هدمها إلا ما يظهر من بعض الفضلاء

87

ثم إن العمل على خلاف الواقع- كما سبق- تارة يكون بالإمارة و أخرى بالأصل. ثم الانكشاف على نحوين: انكشاف على نحو اليقين و انكشاف بمقتضى حجة معتبرة. فهذه أربع صور.

و لاختلاف البحث في هذه الصور- مع اتفاق صورتين منها في الحكم و هما صورتا الانكشاف بحجة معتبرة مع العمل على طبق الإمارة و مع العمل بمقتضى الأصل-

نعقد البحث في ثلاث مسائل:

1- الإجزاء في الإمارة مع انكشاف الخطأ يقينا

إن قيام الإمارة تارة يكون في الأحكام، كقيام الإمارة على وجوب صلاة الظهر يوم الجمعة حال الغيبة بدلا عن صلاة الجمعة، و أخرى في الموضوعات، كقيام البينة على طهارة ثوب صلى به أو ماء توضأ منه، ثم بانت نجاسته.

و المعروف عند الإمامية عدم الإجزاء مطلقا: في الأحكام و الموضوعات.

____________

من السادة فإن كلامه يمكن ان يحمل على ان المكلف إنما مكلف بالواقع و بما يصله من الأحكام الظاهرية فلو عمل بالحكم الظاهري يكون عمل بوظيفته حتى لو بان خطأ الحكم الظاهري و لذا ذهب الى الإجزاء مطلقا.

و كله لا مستند له سوى ظنون غير معتبرة. و إن كان ظاهر كثير من عباراته انه في صدد هدم المقدمة الثانية.

قوله (ره): (و المعروف عند الإمامية عدم الإجزاء ...).

اقول: قد عرفت آنفا ان المقدمتين السابقتين يقتضيان عدم الإجزاء إذا عرفت ذلك نقول.

ان في حجية الإمارة تصويرات متعددة.

الأول: المسمى بالتصويب الأشعري و هو عبارة عن ان اللوح المحفوظ يكون خاليا عن الحكم الواقعي الى حال ورود الإمارة فعند ورود الإمارة ينطبع على طبقها حكم في اللوح المحفوظ فإذا سقطت الإمارة بسقوط شروطها محي ذلك الحكم، و على هذا فالحكم الواقعي يتبع الإمارة

88

أما في (الأحكام) فلأجل اتفاقهم على مذهب التخطئة، أي أن المجتهد يخطئ و يصيب، لأن للّه تعالى أحكاما ثابتة في الواقع يشترك‏

____________

كتبعية الظل لشخصه.

التصوير الثاني: المسمى بالتصويب المعتزلي و هو ان الأحكام الشرعية مضروبة في اللوح المحفوظ قبل ورود الإمارة. و لكن عند ورود الإمارة يتغير الحكم الواقعي ليصير على طبق الإمارة.

و سبب تغيير الحكم الواقعي هو ان الحكم الواقعي يتبع المصالح و المفاسد و ورود الإمارة يستوجب تغيير المصلحة و المفسدة الواقعية على طبقها.

مثلا صلاة الجمعة فيها مصلحة ملزمة و لذا حكم المولى بوجوبها هذا قبل ورود الإمارة فإذا وردت الإمارة و دلت على وجوبها فالحمد لله خير على خير.

و اما إذا وردت الإمارة و دلت على (حرمة صلاة الجمعة) ففي هذه الحالة يصير في صلاة الجمعة مفسدة ملزمة و لذا يضطر المولى الى تغيير الحكم الواقعي لأنه تابع للمصلحة و المفسدة فلما صار في صلاة الجمعة مفسدة وجب عليه تغيير الحكم و هكذا الحال في ساير الأحكام.

التصوير الثالث: و هي السببية المنسوبة الى بعض الإمامية التي تسمى بالمصلحة السلوكية. أي أن الإمارة لا تؤثر على المصلحة او المفسدة في متعلقها غايته ان في سلوك الإمارة و اتباعها مصلحة.

فمثلا صلاة الجمعة ذات مصلحة و لذا حكم الشارع بوجوبها فلو وردت الإمارة على طبق هذا الحكم الواقعي فالحمد لله.

و أما إذا وردت الإمارة على خلاف هذا الحكم الواقعي كما لو قالت (يحرم صلاة الجمعة) فهذه الإمارة لا تؤثر على مصلحة (صلاة الجمعة) بل تبقى صلاة الجمعة ذات مصلحة كما لا تؤثر على الحكم الواقعي لها بل تبقى واجبة. غاية ما في الأمر أن في اتباع الإمارة هذه مصلحة فمن عمل على امارة (يحرم صلاة الجمعة) كان اتباعه لها مصلحة.

89

فيها العالم و الجاهل، أي أن الجاهل مكلف بها كالعالم، غاية الأمر أنها غير منجزة بالفعل بالنسبة إلى الجاهل القاصر حين جهله، و إنما

____________

التصوير الرابع: و هو المذهب المشهور بين الإمامية و هو ان الإمارات طريق الى الواقع قد تصيب الواقع و قد تخطئ فالإمارة لا تؤثر لا على مصلحة الواقع و لا على حكمه كما ليس في اتباعها مصلحة غايته ان تشريع حجية الإمارة كان بغرض التسهيل على المكلفين.

إذا عرفت هذه التصويرات الأربع فنقول:

اما على الأول: فلا معنى للكلام في الإجزاء او عدمه إذ لا يوجد حكم واقعي غير حكم الإمارة فاتباع الإمارة هو اتباع الواقع فالأمر الذي دلت عليه الإمارة هو نفس الأمر الواقعي فإذا اتيت بالمأمور به بالأمر الأمارتي تكون قد اتيت بالمأمور به بالأمر الواقعي و قد مر ان الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي سقوط امره بلا كلام.

و كيف كان فعلى هذا المذهب لا وجه لتوهم مخالفة الإمارة للواقع حتى يفرض وجود أمرين تكون إطاعة احدهما مجزية عن الآخر ام لا. بل لا يوجد سوى امر واحد فإطاعته لا ريب تسقطه.

و أما على التصوير الثاني: فكالتصوير الأول لأنه بعد ورود الإمارة يكون الواقع مطابقا للإمارة فإطاعة الإمارة اطاعة للواقع الموجود، و أما الواقع الزائل فلا معنى للسؤال عن سقوطه بعد فرض زواله إلى غير رجعة.

نعم يمكن فرض السؤال في حالتين:

الأولى: ما لو انكشف خلاف الإمارة في الوقت فيقع السؤال أن امتثال الأمر الواقعي الحاصل بسبب الإمارة هل يجزي عن الأمر الواقعي الأصلي إذ يفرض رجوع الأمر الواقعي الأصلي.

الثانية: ما لو قلنا أن انكشاف خطأ الإمارة يوجب انقلاب الواقع و لو قبل الانكشاف فينقلب امتثال الأمر الواقعي الحاصل بسبب الإمارة إلى امتثال أمر وهمي فيقع السؤال أن هذا الامتثال هل يجزي عن الأمر الواقعي.

و كيف كان فلا حاجة إلى التعرض للإجابة و المناقشة و ذلك لأن هذين‏

90

يكون معذورا في المخالفة لو اتفقت له باتباع الإمارة، إذ لا تكون الإمارة عندهم إلا طريقا محضا لتحصيل الواقع.

____________

التصويرين لا ريب في فسادهما للإجماع على فساد التصويب.

اما التصوير الثالث: فيقع الكلام فيه في ثلاث جهات.

الجهة الأولى: في كونه مستلزما للتصويب ام لا.

فإن اصحاب هذا التصوير و إن ادعوا أنه غير مستلزم للتصويب إلا أنه مشكل جدا بل الظاهر انه مستلزم للتصويب لأنه إذا كان الواقع (وجوب الجمعة) و وردت الإمارة (يحرم الجمعة) و فرض ان في اتباع الإمارة مصلحة موازية لمصلحة وجوب الجمعة ففي هذه الحالة يجب ان ينقلب الحكم الواقعي من تعيين صلاة الجمعة إلى التخيير بينها و بين اتباع الإمارة لأن المفروض أن الحكم الواقعي تابع للمصلحة فإذا فرض ان المصلحة تتحقق في شي‏ء واحد لا جرم يكون الحكم الواقعي هو وجوب تعييني لهذا الشي‏ء الواحد.

و اما إذا فرض ان المصلحة المطلوبة تتحقق في احد شيئين صلاة الجمعة و اتباع الإمارة لا جرم يجب ان يكون الحكم الواقعي هو وجوب تخييري لهذين الشيئين.

و لكنه يمكن دفعه بأن يقال ان مصلحة اتباع الإمارة مصلحة مباينة لمصلحة الواقع فلا يكون الواقع و اتباع الإمارة من قبيل الشيئين المحققين لمصلحة واحدة او لمصلحتين يسد احدهما مكان الآخر كجميع الواجبات التخييرية بل يكونا من قبيل الشيئين المحققين لمصلحتين مستقلتين كالصيام و الصلاة فإن الصلاة تحقق مصلحة و الصيام يحقق مصلحة اخرى فلا يكونا واجبين تخيريين بل يكونا واجبين تعيينيين. و تمام الكلام في محل آخر.

الجهة الثانية: في وقوع هذا التصوير بعد الفراغ عن امكانه و إن كان في امكانه كلام و تحرير هذه الجهة في الجزء الثالث إلا أنا نقول هنا ان جميع ادلة حجية الإمارة لا تشير إليه من قريب و لا بعيد بل ظاهر الأدلة هو التصوير الرابع.

91

الجهة الثالثة: في استلزام هذا المذهب للإجزاء او عدم استلزامه له.

اقول: الظاهر ان اختلاف الأحكام في المقام تابع للاختلاف في تفسير المصلحة السلوكية فإنها يمكن ان تفسر ثلاث تفسيرات.

الأول: ان مصلحة اتباع الإمارة مصلحة مباينة لمصلحة الواقع مثل مصلحتي الصوم و الصلاة.

الثاني: ان مصلحة اتباع الإمارة مصلحة واقعية كما في سائر مصالح الأفعال (نريد ان نقول ان مصلحة اتباع الإمارة ليست عبارة عن هبات من الله تعالى يعطيها عوضا عما فات بل هي مصلحة موجودة في اتباع الإمارة كما أن سائر الأفعال بتكوينها لها مصالح او مفاسد) على وجه تكون هذه المصلحة عوضا عن مصلحة الواقع فتكون مصلحة الواقع و مصلحة الإمارة من قبيل مصلحتي واجبين تخييريين.

الثالث: أن مصلحة اتباع الإمارة عبارة عن هبات من الله تعالى فلا يعطي للعبد إلا المقدار الذي يفوته بسبب اتباعه للإمارة فنفس اتباع الإمارة لا مصلحة فيه.

و أما على التفسير الأول فلا مجال للإجزاء لأن الحكم الواقعي ما زال على حاله لم يتحقق لا هو و لا مصلحته فلو وردت الإمارة (يحرم صلاة الجمعة) و اتبعناها كان لنا من ذلك مصلحة. و أما الواقع و هو وجوب صلاة الجمعة فلم نمتثله و لم نحصل على مصلحته:

و لا يخفى ان التحصيل على مصلحة اتباع الإمارة لا يسقط لزوم تحصيل مصلحة الواقع كما أن تحصيل مصلحة الصلاة لا يسقط لزوم تحصيل مصلحة الصوم.

و أما على التفسير الثاني: يكون الإجزاء ضروريا و ذلك لتحقق التصويب في الحقيقة لأن المصلحة الواحدة موجودة في أمرين، الأول اتباع الإمارة، الثاني نفس صلاة الجمعة. فلا وجه لأن يأمر المولى بأحدهما على التعيين بل يأمر بأحدهما على التخيير و عليه فاتباع الإمارة يجب أن يكون‏

92

و مع انكشاف الخطأ لا يبقى مجال للعذر، بل يتنجز الواقع حينئذ في حقه من دون أن يكون قد جاء بشي‏ء يسد مسده و يغني عنه.

____________

مسقطا لهذا الواجب التخييري ضرورة ان الإتيان بأحد بدلي الواجب التخييري يستوجب سقوطه.

لكن هذا التفسير و إن استوجب الإجزاء إلا أنه في الحقيقة يستوجب التصويب.

و اما على التفسير الثالث: فهو لا يستوجب الإجزاء لأن المولى لم يتكفل إلا بالمقدار الفائت فإذا انكشف خطأ الإمارة في الوقت كان على المولى ان يضمن مجرد فوات مصلحة الفضيلة فيجب على المكلف تحصيل بقية المصلحة.

و لا يجب على المولى ان يضمن تمام المصلحة ضرورة انه لا يضمن إلا ما كانت الإمارة سببا لتفويته و الإمارة لم تسبب سوى تفويت مصلحة الفضيلة فلا يضمن المولى سوى هذه المصلحة.

و هكذا لو انكشف الخطأ بعد الوقت فإن الإمارة إنما كانت سببا لتفويت مصلحة الوقت لا تمام مصلحة الواجب فعلى المولى ان يضمن مصلحة الوقت و أما الباقي فعلى المكلف تحصيله بالقضاء.

نعم لو لم ينكشف الخطأ الى الموت فإن اتباع الإمارة حينئذ يكون سببا لتفويت تمام مصلحة الواقع فيجب على المولى حينئذ ان يضمن تمام مصلحة الواجب.

قوله (ره): (و مع انكشاف الخطأ لا يبقى مجال للعذر ...).

أقول: لو فرض ان الحكم الواقعي وجوب الظهر يوم الجمعة و جاءت الإمارة ان الواجب هو الجمعة فصلى المكلف الجمعة ثم بعد ذلك علم يقينا ان الجمعة غير واجبة و إنما الواجب هو صلاة الظهر فهنا يعلم ان حكم وجوب الظهر متوجه اليه و بعد هذا العلم يتنجز هذا الحكم عليه فيجب عليه الإتيان بصلاة الظهر اداء في الوقت و قضاء بعده.

93

و لا يصح القول بالإجزاء إلا إذا قلنا: أنه بقيام الإمارة على وجوب شي‏ء تحدث فيه مصلحة ملزمة على أن تكون هذه المصلحة وافية بمصلحة الواقع يتدارك بها مصلحة الواجب الواقعي، فتكون الإمارة مأخوذة على نحو الموضوعية للحكم. ضرورة أنه مع هذا الفرض يكون ما أتى به على طبق الإمارة مجزيا عن الواقع لأنه قد أتى بما يسد مسده و يغني عنه في تحصيل مصلحة الواقع.

و لكن هذا معناه التصويب المنسوب إلى المعتزلة، أي أن أحكام اللّه تعالى تابعة لآراء المجتهدين و إن كانت له أحكام واقعية ثابتة في نفسها، فإنه يكون- عليه- كل رأي أدى إليه نظر المجتهد قد أنشأ اللّه تعالى على طبقه حكما من الأحكام. و التصويب بهذا المعنى قد اجتمعت الإمامية على بطلانه و سيأتي البحث عنه في (مباحث الحجة).

و أما القول بالمصلحة السلوكية- أي أن نفس متابعة الإمارة فيه مصلحة ملزمة يتدارك بها ما فات من مصلحة الواقع، و إن لم تحدث مصلحة في نفس الفعل الذي أدت الإمارة إلى وجوبه- فهذا قول لبعض الإمامية لتصحيح جعل الطرق و الإمارات في فرض التمكن من تحصيل العلم، على ما سيأتي بيانه في محله إن شاء اللّه تعالى.

و لكنه- على تقدير صحة هذا القول- لا يقتضي الإجزاء أيضا، لأنه على فرضه تبقى مصلحة الواقع على ما هي عليه عند انكشاف خطأ الإمارة في الوقت أو في خارجه.

____________

قوله (ره): (إلا إذا قلنا أنه بقيام الإمارة ...).

اقول: هذا اشارة الى التصوير الثاني أي مذهب التصويب المعتزلي.

و المصنف (ره) قد اهمل النظر الى التصويب الأشعري لوضوح فساده ضرورة لزوم القول بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد و لزوم القول بأن الحكم الواقعي موجود و لو بدون امارة.

قوله (ره): (و أما القول بالمصلحة السلوكية ...).

اقول: هذا إشارة الى التصوير الثالث.

94

توضيح ذلك: إن المصلحة السلوكية المدعاة هي مصلحة تدارك الواقع باعتبار أن الشارع لما جعل الإمارة في حال تمكن المكلف من تحصيل العلم بالواقع فإنه قد فوت عليه الواقع فلا بد من فرض تداركه بمصلحة تكون في نفس أتباع الإمارة، و اللازم من المصلحة التي‏

____________

قوله (ره): (توضيح ذلك أن المصلحة السلوكية ...).

اقول: قد اختار المصنف (ره) تفسير المصلحة السلوكية بالتفسير الثالث و قد عرفت أنه لا يستلزم الإجزاء.

تنبيهات:

التنبيه الأول: قد عرفت ان حجية الإمارات قد تصور بأربع تصويرات فيقع الكلام فيما هو التصوير الصحيح و تحقيق الكلام و إن كان في محله في المبحث الثالث إلا أنا هنا نشير إليه إجمالا فنقول إن ادلة الإمارات. تكون احد ثلاثة.

الأول: السيرة العقلائية و المتشرعية. و لا ريب ان سيرتهما إنما هي على ان الإمارة توصل إلى الواقع فمن رجع الى العقلاء يراهم يعملون بخبر الثقة لا لأن العمل بخبر الثقة فيه مصلحة بل لأن خبر الثقة طريق الى الواقع و هكذا سائر الإمارات إنما يعملون بها لهذه النكتة. أي الإيصال الى الواقع.

و هذا هو معنى الطريقية.

الثاني: الروايات و الآيات الآمرة بالعمل بخبر الثقة فإنها لا يستفاد منها سوى ان الخبر الثقة موصل الى الواقع كما في (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ ...) فإنها ناظرة الى ان خبر الفاسق لا يكشف عن الواقع بخلاف خبر العادل. و هكذا (فلان قوله قولى) (فلان مأمون على الدين و الدنيا) فإنها ناظرة الى أن خبر الثقة يوصل الى الواقع. و هكذا ساير الروايات و الآيات إلا بعضها و هو محمول عليها بحسب الفهم العرفي و يأتي التعرض لها في محله.

الثالث: الإجماع و هو دليل لبي لا يستفاد منه نكتة حجية الإمارات.

فانقدح ان ادلة الإمارات دالة على الطريقية غايته أن بعضهم ذكر

95

يتدارك بها الواقع أن تقدر بقدر ما فات من الواقع من مصلحة لا أكثر.

و عند انكشاف الخطأ في الوقت لم يفت من مصلحة الواقع إلا مصلحة

____________

أشكالا عقليا يدل على استحالة جعل الحجية للأمارات على نحو الطريقية المحضة و حاصل هذا الإشكال مركب من مقدمتين.

المقدمة الأولى: أن الأحكام الشرعية لها مصالح و مفاسد فلا يكون الشي‏ء واجبا شرعا إلا إذا كان ذا مصلحة في الواقع و لا يكون الشي‏ء محرما شرعا إلا إذا كان ذا مفسدة في الواقع.

و هذا ما يسمى بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد و هو مذهب العدلية، و منهم الإمامية (رضوان الله تعالى عليهم).

المقدمة الثانية: أن الإمارات ظنية قد تصيب الواقع و قد تخطئه فخبر الثقة ليس يجب عقلا ان يصيب دائما بل قد يخطئ احيانا للسهو و الغلط او لتعمد الكذب فإن الثقة قد يكذب واقعا فالإمارة محتملة الخطأ.

و من ضم هاتين المقدمتين ينتج ان المولى لو امرنا بالعمل بالإمارات يكون قد امرنا بالعمل بما يحتمل الخطأ و بالتالي تضيع علينا مصالح الواقع و نقع في مفاسده.

فلو كان الحكم الواقعي وجوب الجمعة لمصلحة فيها و جاءت الإمارة و قالت لا تجب الجمعة فإذا كنا مأمورين بالعمل بهذه الإمارة يكون المولى الآمر قد ضوع علينا مصلحة صلاة الجمعة حيث امرنا بالعمل بالإمارة التي قالت (لا يجب صلاة الجمعة) و هكذا في كثير من الموارد.

فالأمر بالعمل بالإمارات مستوجب لتضويع المصالح و المفاسد و تضويعها قبيح او ظلم محال على الله تعالى فلزم ان يكون في العمل بالإمارات مصلحة و هذا معنى جعل الإمارات على نحو السببية أي يكون العمل بالإمارة سببا لمصلحة في حال مخالفة الواقع تكون هذه المصلحة متداركة لمصلحة الواقع.

و هذا الإشكال و إن كانت مقدماته صحيحة إلا أنه مع ذلك لا يدل إلا على أنه لا بد ان يكون في جعل حجية الإمارة مصلحة أقوى من مصلحة

96

فضيلة أول الوقت، و عند انكشاف الخطأ في خارج الوقت لم تفت إلا مصلحة الوقت، أما مصلحة أصل الفعل فلم تفت من المكلف لا مكان تحصيلها بعد الانكشاف، فما هو الملزم للقول بحصول مصلحة يتدارك بها أصل مصلحة الفعل حتى يلزم الإجزاء؟!

____________

*** الواقع و نحن نقبل ذلك و نقول أن هذه المصلحة هي مصلحة التسهيل إذ لو كان كل مكلف لا يعتمد على الخبر مثلا و لا على الظواهر لوقع المكلفون في حرج شديد فدفعا لهذا الحرج جوز المولى لنا العمل بالظنون ففي حال اصابتها نكون ادركنا الواقع و في حال خطئها نكون قد ضاع علينا الواقع و نحن معذورون للحجة و محرومون بسبب دفع الحرج.

التنبيه الثاني: إذا علم نوع حجية الإمارة و أنها بالتصوير الثالث او الرابع فهو واضح حيث علمت ما هو الحكم المترتب على كل تصوير.

و أما إذا شككنا في نوع حجية الإمارة هل هو على نحو المصلحة السلوكية ام على نحو الطريقية المحضة ففي هذه الحالة يمكن ان يقال ان الحكم هو عدم الإجزاء عن الإعادة اداء. و الإجزاء عن الإعادة قضاء. فهنا مطلبان.

الأول: عدم الإجزاء عن الإعادة أداء و دليله يتوقف على مقدمات.

الأولى: ان الحكم الواقعي قد توجه الى المكلف و صار فعليا في حقه و هذه المقدمة مسلمة بناء على مذهبنا من أن الأحكام الواقعية فعلية في حق العالم و الجاهل. غايته ان الجاهل معذور لجهله. ففي مثال كون الحكم الواقعي وجوب الظهر يكون هذا الحكم قد توجه الى المكلف حتى لو كان يظن- بسبب الإمارة الخاطئة- أن الواجب هو الجمعة.

المقدمة الثانية: أنه بعد العلم بتوجه التكليف بالحكم الواقعي إليه يعلم تفصيلا ان ذمته قد اشتغلت بوجوب الظهر.

المقدمة الثالثة: ان العمل على مقتضى الإمارة لا يستوجب العلم بفراغ‏

97

و أما في (الموضوعات) فالظاهر أن المعروف عندهم أن الإمارة فيها قد أخذت على نحو (الطريقية)، كقاعدة اليد و الصحة و سوق‏

____________

الذمة عن التكليف بالواقعي و ذلك لأننا نشك في نوع حجيّة الإمارة فإن كانت مصلحة سلوكية تدارك مصلحة الواقع يكون قد فرغت ذمته عن الواقع و إن كانت طريقية محضة فمصلحة الواقع على حالها ما زالت مطلوبه فمع الشك بذلك نشك بفراغ الذمة.

ثم إنه نتيجة هذه المقدمات لزوم الاحتياط بالإعادة اداء و ذلك لأن المكلف الذي عمل الإمارة (وجوب الجمعة) مثلا و بان خطؤها قبل الوقت.

يكون علم بتوجه التكليف بالواقع (صلاة الظهر) اليه كما هو مقتضى المقدمة الأولى.

و بالتالي يعلم تفصيلا باشتغال ذمته بالواقع (صلاة الظهر) كما هو مقتضى المقدمة الثانية و يشك في كون العمل بالإمارة مبرئا للذمة من التكليف اليقيني كما هو مقتضى المقدمة الثالثة.

فيكون هذا المكلف قد علم باشتغال ذمته و شك بفراغها و هذا مجرى الاحتياط (الاشتغال اليقيني يستلزم الفراغ اليقيني) أي يجب على المكلف تحصيل اليقين بفراغ ذمته و ذلك بالاحتياط بالإعادة.

المطلب الثاني الإجزاء من الإعادة قضاء. و ذلك يبتني على مقدمات.

المقدمة الأولى: ان القضاء هو بأمر مستقل عن الأمر الأول توضيح ذلك اننا تارة نقول أن الأمر بالشي‏ء في وقت بنفسه دال على وجوب قضائه بعد الوقت و ذلك بناء على تعدد المطلوب.

و تارة اخرى نقول أن القضاء يحتاج الى امر جديد و قد عرفت في محله ان الصحيح هو الثاني.

المقدمة الثانية: أن موضوع القضاء هو فوت الفريضة بمعنى أن تكون مصلحته غير متحققة.

المقدمة الثالثة: ان هذا الموضوع مشكوك التحقق و ذلك لاحتمال ان تكون الإمارة مجعولة على نحو المصلحة السلوكية المتداركة لمصلحة الواقع‏

98

المسلمين و نحوها فإن أصابت الواقع فذاك و إن أخطأت فالواقع على حاله و لا تحدث بسببها مصلحة يتدارك بها مصلحة الواقع غاية الأمر أن‏

____________

فلا يكون الفريضة قد فاتت مع مصلحتها.

اذا عرفت هذه المقدمات فينتج منها أن المكلف بعد الوقت يكون شاكا في توجه التكليف إليه بسبب الشك في تحقق موضوع وجوب القضاء و بالتالي يجري البراءة إذ الشك في التكليف مجرى البراءة.

نعم لو كان القضاء بنفس الأمر الدال على وجوب الموقت كان حكم القضاء حكم الأداء لأن المكلف يعلم بتوجه التكليف إليه و يشك في سقوطه.

التنبيه الثالث: و هو للنظر في القاعدة التي تستخدم في عبارات الإعلام و هي ان الإجزاء يستلزم التصويب بمعنى ان القول بالإجزاء لا يجتمع إلا مع القول بالتصويب. و توضيح دليل هذه القاعدة أنك عرفت أن دليل عدم الإجزاء مركب من مقدمتين.

الأولى أن الواجب على المكلفين إطاعة التكاليف الواقعية.

الثانية أن المكلف العامل بالإمارة المخطئة لم يكن عاملا بالواقع.

فينتج من المقدمتين ان العامل بالإمارة الخاطئة ينكشف بعد انكشاف خطئها أنه لم يعمل بالواقع فيلزمه بالتالي أن يعمل به.

و من هنا فالقول بالإجزاء إما أن يهدم المقدمة الأولى او يهدم الثانية.

و لكن المقدمة الأولى لم يناقضها احد فهي من المسلمات عند من يقول بوجود احكام واقعية.

إذن كل طرق الإجزاء إنما تمر عبر هدم المقدمة الثانية و إنما تنهدم المقدمة الثانية بأحد احتمالات.

الأول: أن العامل بالإمارة عامل بالواقع و ذلك لتبدل الواقع على طبق الإمارة. و هذا تصويب واضح.

الثاني: أن العامل بالإمارة محقق لمصلحة الواقع. و هذا يستلزم‏

99

المكلف معها معذور عند الخطأ و شأنها في ذلك شأن الإمارة في الأحكام.

____________

التصويب لأنه يعني أن مصلحة الواقع تتحقق بشيئين الأول. المتعلق الواقعي. الثاني مؤدي الإمارة و نتيجة ذلك تبدل الحكم الواقعي من التعيين الى التخيير.

توضيح ذلك بالمثال: أن نفرض ان الواقع (وجوب الظهر) و قامت الإمارة على (وجوب الجمعة) و فرضنا ان الجمعة تحصل مصلحة الواقع المتحصلة بالظهر فعلى هذا يستحيل للمولى أن يأمر بالظهر تعيينا بل يجب أن يأمر به تخييرا بينه و بين الجمعة لوضوح أن الأمر تابع للمصلحة فإذا المصلحة وجدت في شيئين وجب الأمر بأحد الشيئين و هذا معنى تبدل الحكم الواقعي من تعيين (الظهر) الى التخيير (بين الظهر و الجمعة).

الاحتمال الثالث: أن العامل بالإمارة عامل بالواقع تعبدا لا حقيقة.

و هذا الاحتمال و إن لم يستلزم التصويب إلا أنهم لم يذكروه و كيف كان فهو يستلزم الإجزاء.

الاحتمال الرابع: ان العامل بالإمارة و إن لم يعمل بالواقع إلا أنه لا يمكنه تحصيل مصلحة الواقع كما لو فرض ان مصلحة الإمارة لا تجتمع مع مصلحة الواقع فلا يمكن للمولى تحصيلها معا فإذا عمل المكلف بالإمارة يسقط عنه الواقع لعدم امكان تحصيله ففي الحقيقة هذا الاحتمال الرابع لا يهدم المقدمة الثانية و لكن يدعي سقوط الواقع بعد العمل بالإمارة.

اقول و هذا الاحتمال الرابع يستلزم الإجزاء بمعنى سقوط الحكم الواقعي لسقوط مصلحته.

و إنما الكلام أنه هل يستلزم التصويب ام لا. و قد اورده بعضهم على اساس أنه لا يستلزم التصويب. و هو مشكل لأن التصويب غير مختص بتبدل الحكم الواقعي من حكم الى حكم بل يشمل تبدل الواقع من حكم الى عدمه و قد عرفت ان هذا الوجه يقتضي سقوط الحكم الواقعي و انعدامه فالحكم الواقعي تبدل من الوجود الى العدم بسبب الإمارة.

100

و السر في حملها على (الطريقية) هو أن الدليل الذي دل على‏

____________

اللهم إلا أن يقال أن الحكم الواقعي كان من الأول مشروطا بعدم العمل بالإمارة المخالفة فيكون سقوط الحكم الواقعي لعدم تحقق شرطه.

هذا مضافا الى ان العمل بالإمارة إذا ادى الى تفويت مصلحة الواقع و عدم امكان تحصيلها كان قبيحا إلا إذا فرض أن في العمل بالإمارة مصلحة ملزمة ايضا فإذا فرض ذلك لزم تبدل الحكم الواقعي من التعيين الى التخيير لأن المولى يجد امامه مصلحتين ملزمتين الأولى مصلحة الواقع و الثانية مصلحة الإمارة و يرى أنه لا يمكن تحصيلهما معا فبالضرورة كان لا بد ان يأمر بأحدهما تخييرا و لا يجوز أن يأمر بأحدهما المعين لأنه ترجيح بلا مرجح.

فالحاصل أن العمل بالإمارة إما يكون فيه مصلحة الواقع او لا فعلى الثاني يلزم القبح بكون العمل بالإمارة مفوتا لمصلحة الواقع و على الأول يلزم صيرورة الحكم الواقعي مخيرا بين المتعلق الواقعي و بين العمل بالإمارة.

و كيف كان فإذا عرفت هذه الاحتمالات تعرف أن القول بالإجزاء يستلزم التصويب إلا في صورة واحدة و هي كون العمل بالإمارة عمل بالواقع تعبدا لا تكوينا. فلاحظ.

قوله (ره): (و السر في حملها على الطريقية ...).

اقول: يمكن تفسير التصويب في الموضوعات بتفسيرين.

الأول: أن قيام الإمارة على موضوع يؤدي الى تبدل الموضوع واقعا ليصير على طبق الإمارة فلو كان عندنا اناء من لبن فقامت البينة على (أنه خمر) فإن البينة هذه تؤدي الى أن يتبدل اللبن الى خمر ليطابق الإمارة.

التفسير الثاني: أن قيام الإمارة على موضوع يؤدي الى تبدل الموضوع بنظر المولى ليكون مطابقا للإمارة فلو كان عندنا اناء من لبن و قامت الإمارة على (أنه خمر) فإن هذه الإمارة الخاطئة و إن لم تؤد الى قلب الواقع من لبن الى خمر إلا أنها تؤدي الى صيرورة اللبن خمرا في نظر الشارع فيصير يراه‏

101

حجية الإمارة في الأحكام هو نفسه دل على حجيتها في الموضوعات‏

____________

خمرا و يرتب عليه واقعا احكام الخمر.

إذا عرفت هذين التفسيرين نقول ان التفسير الأول واضح البطلان.

و أما التفسير الثاني فهو ممكن و لا مانع منه عقلا و لا شرعا و هو يستلزم الإجزاء و ذلك أنه لو فرض قيام الإمارة على ان هذا الماء طاهر فيصير طاهرا بنظر الشارع فمن توضأ به يكون توضأ بالطاهر و بالتالي وضوؤه صحيح و صلاته صحيحة.

ففي الحقيقة من اطاع الإمارة في الموضوعات يكون قد اطاع الواقع بنظر الشارع.

و من هنا نقول إن الإمارة في الموضوعات إما أن تكون حجيتها طريقيه محضة فلا تستلزم الإجزاء و إما أن تكون مصوبه بالتفسير الثاني فتستلزم الإجزاء.

فيقع السؤال أنه هلا حملنا الإمارات في الموضوعات على التصويب حيث ان التصويب في الموضوعات لا يوجد اجماع على بطلانه.

و بعبارة أخرى إننا في الأحكام الشرعية لم يمكننا حمل الإمارات على التصويب للإجماع على بطلانه. و أما في الموضوعات فيمكننا حمل الإمارات على التصويب حيث لا اجماع على بطلانه فهلا حملناها على التصويب فيتم لنا الإجزاء.

و قد اجاب المصنف (ره) عن هذا السؤال بأن حمل الإمارات على التصويب يحتاج الى الدليل. و لكننا إذا نظرنا الى الدليل نجده دالا على حمل الإمارات في الموضوعات على الطريقية و ذلك لأن الدليل الدال على حجية الإمارات في الموضوعات هو عين الدليل الدال على حجية الإمارات في الأحكام فليس له إلا لسان واحد و قد عرفت أنه في الأحكام دل على أنها طريقية فلا بد أنه في الموضوعات يدل على أنها طريقيه.

و إن شئت قلت إن لدينا دليلا واحدا يقول (خبر الثقة حجة). و هذا دليل واحد دل على حجية خبر الثقة في الأحكام و الموضوعات على نسق‏

102

بلسان واحد في الجميع، لا أن القول بالموضوعية هنا يقتضي محذور التصويب المجمع على بطلانه عند الإمامية كالإمارة في الأحكام.

و عليه فالإمارة في الموضوعات أيضا لا تقتضي الإجزاء فلا فرق بينها و بين الإمارة في الأحكام.

____________

واحد و دل على أن حجية خبر الثقة طريقيه فلا فرق في ذلك بين الإمارات في الأحكام و الإمارات في الموضوعات.

إذن حملنا الإمارات في الموضوعات على الطريقية لأن دليلها (و هو دليل حجية الإمارات في الأحكام) دل على أن حجية الإمارات مطلقا طريقية و على نسق واحد.

قوله (ره): (لا أن القول بالموضوعية هنا يقتضي محذور ...).

اقول: الموضوعية هو اصطلاح في قبال الطريقية يجري في الإمارات و في غير الإمارات. مثلا في قوله تعالى (حتى يتبين لكم ...) يقال هل التبين هو موضوع الإمساك حتى لا يجب الإمساك عند عدم التبين حتى لو طلع الفجر. أو أن التبين اخذ طريقا الى الموضوع الذي هو طلوع الفجر.

فالطريقية هي أن يكون يلزم العمل بشي‏ء لا بما هو هو بل بما هو طريق الى اثبات ما يجب العمل به فالحقيقة أن الذي يجب العمل به ليس هذا الطريق بل ما اوصل اليه الطريق.

و الموضوعيّة هي أن يكون يلزم العمل بشي‏ء بما هو هو فهو بنفسه موضوع لوجوب العمل سواء كان موصلا الى شي‏ء آخر او لم يكن موصلا.

فالإمارة في الأحكام إن قلنا أنها تصويب يكون الواجب هو العمل بها بما هي هي لأن في العمل بها مصلحة بخلافه على الطريقية إذ على الطريقية نقول أن العمل بالإمارة بما هو هو ليس فيه مصلحة و إنما نعمل بالإمارة لأنها توصل الى الواقع الذي فيه مصلحة.

إذا عرفت هذا نقول إن ظاهر عبارة المصنف (ره) إن مراده بالموضوعيّة هو التصويب بالتفسير الثاني و قد عرفت إمكانه فالقول بالموضوعية في الإمارات هنا لا يلزمه لازم باطل إلا أنه لا دليل عليه‏

103

فحاصل مراد المصنف (ره) في هذا المطلب أربع نقاط.

النقطة الأولى: أن الإمارات في الموضوعات إن كانت على نحو الطريقية فهي لا تستوجب الإجزاء.

النقطة الثانية: أن الإمارات في الموضوعات إن كانت على نحو الموضوعية (التصويب بالتفسير الثاني) فهي تستوجب الإجزاء.

النقطة الثالثة: إن كون الإمارات في الموضوعات على نحو الموضوعيّة (التصويب بالتفسير الثاني) ممكن و لا اجماع على بطلانه.

النقطة الرابعة: أن الدليل الدال على حجية الإمارات في الموضوعات هو نفس الدليل الدال على حجيّة الإمارات في الأحكام و هو دال على ان الإمارات على نحو الطريقية.

إذا عرفت هذه النقاط نقول أما الأولى و الرابعة فلا اشكال عليهما.

و أما الثانية و الثالثة فلا بد من بطلان احداهما.

توضيح ذلك أن التصويب بالتفسير الثاني له احتمالان.

الاحتمال الأول: أن يكون نظر الشارع في فترة قيام الإمارة لا يتغير حتى بعد انكشاف خطئها.

مثلا هذا اللبن قامت الإمارة على أنه خمر اليوم الأول و استمرت الى اليوم الثالث و في اليوم الرابع انكشف خطأ الإمارة فهنا نفرض أن نظر الشارع الى اللبن كان على أنه خمر بين اليوم الأول و الثالث ثم في اليوم الرابع صار لبنا فنظر الشارع في هذه الفترة (بين اليوم الأول و الثالث) لم يتغير حتى بعد انكشاف خطأ الإمارة إذ ما زال المولى في اليوم الرابع يرى أن اللبن في اليوم الأول و الثاني و الثالث كان خمرا.

الاحتمال الثاني: أن يكون نظر الشارع في فترة قيام الإمارة يتغير بعد انكشاف خطئها بحيث أنه بعد انكشاف خطأ الإمارة يصير يرى حكمه السابق (الذي كان في فترة الإمارة) حكما خاطئا.

مثلا هذا لبن و قامت الإمارة في اليوم الأول على أنه خمر و استمرت‏

104

الى اليوم الثالث و في اليوم الرابع انكشف خطأ الإمارة فهنا نفرض ان نظر الشارع الى اللبن أنه كان في اليوم الأول و الثالث لبنا فنظر الشارع الى هذه الفترة قد تغير إذ في اثنائها كان يحكم على اللبن أنه خمر و بعدها صار يرى أنه لبن فقد تبدل حكمه بالنسبة الى اللبن في الفترة المذكورة.

إذا عرفت هذين الاحتمالين نقول إن فسرنا موضوعية الإمارات بالأول فإنه لا شك يستلزم الإجزاء و تكون النقطة الثانية من كلام المصنف (ره) صحيحة و لكن النقطة الثالثة من كلامه (ره) تكون فاسدة. فلنا دعويان.

الأولى: صحة النقطة الثانية على هذا التفسير و دليلها واضح إذ لو قامت الإمارة على طهارة ماء فتوضينا به و صلينا. و بعد مدة انكشف نجاسة الماء فهنا ما زال المولى يرى. حتى بعد انكشاف خطأ الإمارة. أن الماء كان طاهرا حين قيام الإمارة أي حين توضينا فصلاتنا تكون عن وضوء صحيح بنظر الشارع فتكون صحيحة.

الدعوى الثانية: فساد النقطة الثالثة و دليلها واضح ايضا لأن هذا النحو من حجية الإمارات في الموضوعات يلزمه لوازم فاسدة لا يلتزم بها احد إذ لو قامت الإمارة على أن هذا المال ملك زيد فأكله زيد ثم بعد ذلك انكشف خطأ الإمارة فيلزم على هذا المذهب أن يكون زيد غير ضامن لأنه إنما اكل ماله.

و هكذا لو باعه ثم انكشف خطأ الإمارة فيلزم على هذا المذهب صحة البيع لأن البائع إنما باع ماله و المشتري إنما اشترى ملك البائع.

و هكذا لوازم كثيرة تشبه هذه اللوازم كما لو قامت الإمارة على أن هندا ليست محرمة على زيد فتزوجها ثم بان أنها اخته فيلزم صحة الزواج لأنه تزوج الأجنبية عنه نعم غايته أن هذه المرأة تصبح بعد الانكشاف اخته فيجب عليه طلاقها حيث يحرم عليه البقاء مع اخته او يقال أنها تطلق تلقائيا و لا يخفى فساد هذه اللوازم و أنها لا يلتزم بها احد.

و أما على التفسير الثاني فلا يقتضي الإجزاء أي تبطل النقطة الثانية من‏