المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه‏ - ج3

- محمود قانصوه المزيد...
510 /
105

كلام المصنف (ره) و إن صحت الثالثة.

اما صحة الثالثة فواضح.

و أما بطلان الثانية فلأنه بعد انكشاف خطأ الإمارة ينكشف ان المكلف قد فعل الخطأ كما لو قامت الإمارة على طهارة ماء فتوضئ بها و صلى فتكون صلاته حين قيام الإمارة صحيحة بنظر الشارع و لكن بعد انكشاف خطأ الإمارة يتبدل نظر الشارع فيصبح يرى أن الماء كان نجسا فالتوضؤ به باطل و الصلاة كذلك و بالتالي يلزم على المكلف الإعادة. هذا تمام الكلام في المقام.

106

2- الإجزاء في الأصول مع انكشاف الخطأ يقينا

لا شك في أن العمل بالأصل إنما يصح إذا فقد المكلف الدليل الاجتهادي على الحكم. فيرجع إليه باعتباره وظيفة للجاهل لا بد منها للخروج من الحيرة.

فالأصل- في حقيقته- وظيفة للجاهل الشاك ينتهي إليه في مقام العمل إذ لا سبيل له غير ذلك لرفع الحيرة و علاج حالة الشك.

ثم أن الأصل على قسمين:

1- أصل عقلي، و المراد منه ما يحكم به العقل و لا يتضمن جعل حكم ظاهري من الشارع، كالاحتياط، و قاعدة التخيير، و البراءة العقلية التي مرجعها إلى حكم العقل بنفي العقاب بلا بيان، فهي لا مضمون لها إلا رفع العقاب، لا جعل حكم بالإباحة من الشارع.

2- أصل شرعي، و هو المجعول من الشارع في مقام الشك و الحيرة فيتضمن جعل حكم ظاهري، كالاستصحاب و البراءة الشرعية التي‏

____________

قوله (ره): (فهي لا مضمون لها إلا رفع العقاب ...).

اقول: اراد بهذه العبارة دفع اشكال حاصله أن كل حكم عقلي يكشف عن حكم شرعي لما مر من الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع.

و من هنا فإذا حكم العقل بالبراءة او الاحتياط او نحو ذلك من الأصول العقلية، يلزم من ذلك وجود حكم شرعي على طبقه فإذن الأصل العقلي هو اصل شرعي ايضا.

و حاصل الجواب أن الحكم العقلي على ثلاثة اقسام.

الأول: الحكم العقلي العملي.

الثاني: الحكم العقلي النظري المتعلق بالملازمات بين حكم و حكم آخر او بين شي‏ء ما و حكم شرعي.

الثالث: حكم عقلي نظري المتعلق بغير ذلك من الملازمات.

اما القسم الأول فيستلزم حكما شرعيا على طبقه كما مر من المصنف (ره).

107

مرجعها إلى حكم الشارع بالإباحة، و مثالها أصالة الطهارة و الحلية.

إذا عرفت ذلك، فنقول:

أولا: إن بحث الإجزاء لا يتصور في قاعدة الاحتياط مطلقا سواء كانت عقلية أو شرعية، لأن المفروض في الاحتياط هو العمل بما يحقق امتثال التكليف الواقعي فلا يتصور فيه تفويت المصلحة.

و ثانيا: كذلك لا يتصور بحث الإجزاء في الأصول العقلية الأخرى كالبراءة و قاعدة التخيير، لأنها- حسب الفرض لا تتضمن حكما ظاهريا، حتى يتصور فيها الإجزاء و الاكتفاء بالمأتي به عن الواقع، بل أن مضمونها هو سقوط العقاب و المعذورية المجردة.

و عليه فينحصر البحث في خصوص الأصول الشرعية عدا الاحتياط، كالاستصحاب و أصالة البراءة و الحلية و أصالة الطهارة.

____________

و أما القسم الثاني فكذلك لأنه يؤدي الى القطع بوجود الحكم الشرعي. و ذلك لأنه يعلم بوجود ملازمة بين هذا الموجود و بين حكم شرعي فمع وجود الملزوم يجب وجود اللازم.

و أما القسم الثالث فمن قبيل حكم العقل بأن هذا الجسم اسود و بأن النقيضين لا يجتمعان و الضدان كذلك و ان الثلاثة اكثر من الاثنين و إذا زيد عليها واحد صارت ثلاثة و نحو ذلك من الأحكام العقلية النظرية فهذا القسم لا يكشف عن وجود حكم شرعي على طبقه ضرورة ان هذه الأحكام العقلية ليس لها حكم شرعي مطابق لها.

إذا عرفت ذلك نقول لو كان الحكم العقلي في الأصول العقلية من القسم الأول او الثاني لأمكن دعوى وجود حكم شرعي على طبقه بقانون (كل ما حكم به العقل حكم به الشرع). و لكن الحكم العقلي في الأصول العملية هو من القسم الثالث فإن الأصول العقليّة لا تقول (يحسن فعل هذا) او (يقبح فعل ذاك) كما لا تقول أن (هذا يلزمه حكم شرعي). بل تقول أن (من يفعل هذا لا يستحق العقاب) أو (أن من يفعل ذلك يستحق العقاب).

و هذا مجرد حكم نظري لا تعلق له بالملازمات فلا يستفاد منه حكم شرعي.

108

و هي لأول وهلة لا مجال لتوهم الإجزاء فيها لا في الأحكام و لا في الموضوعات، فإنها أولى من الإمارات في عدم الإجزاء، باعتبار أنها- كما ذكرنا في صدر البحث- وظيفة عملية يرجع إليها الجاهل الشاك لرفع الحيرة في مقام العمل و العلاج الوقتي. أما الواقع فهو على واقعيته، فيتنجز حين العلم به و انكشافه، و لا مصلحة في العمل بالأصل غير رفع الحيرة عند الشك. فلا يتصور فيه مصلحة وافية يتدارك بها مصلحة الواقع حتى يقتضي الإجزاء و الاكتفاء به عن الواقع.

و لذا أفتى علماؤنا المتقدمون بعدم الإجزاء في الأصول العملية.

و مع هذا، فقد قال قوم من المتأخرين بالإجزاء منهم شيخنا صاحب الكفاية و تبعه تلميذه أستاذنا الشيخ محمد حسين الأصفهاني.

و لكن ذلك في خصوص الأصول الجارية لتنقيح موضوع التكليف و تحقيق متعلقه، كقاعدة الطهارة و أصالة الحلية و استصحابهما، دون الأصول الجارية في نفس الأحكام.

____________

قوله (ره): (و لكن ذلك في خصوص الأصول الجارية ...).

اقول: قد عرفت أن مقتضى القاعدة في الإمارات عدم الإجزاء و اولى منها الأصول.

و لكن ذهب صاحب الكفاية (ره) الى الإجزاء في الأصول الموضوعيّة.

توضيح قوله يتم في نقاط.

النقطة الأولى: أن الأحكام الظاهرية قسمان:

الأول: الإمارات و هي الأدلة الناظرة الى الواقع و الكاشفة عنه.

الثاني: الأصول و هي الأدلة الناظرة الى جعل الوظيفة العملية عند الجهل بالواقع.

النقطة الثانية: أن الشك ممكن أن يتعلق بثلاث متعلقات.

الأول: الشك في الحكم التكليفي كالشك في الحمرة و الوجوب و نحو ذلك.

109

و منشأ هذا الرأي عنده اعتقاده ...

____________

الثاني: الشك في الحكم الوضعي كالشك في الطهارة و الحلية.

الثالث: الشك في الصفات الخارجيّة كالشك في عدالة زيد و فسق عمر و نحو ذلك.

إذا عرفت هاتين النقطتين نقول ذهب صاحب الكفاية الى عدم الإجزاء في الإمارات و في الأصول الجارية في الشك الأول. أي الأصول الجارية في الحكم التكليفي. و ذهب الى الإجزاء في الأصول الجارية في الشك الثاني.

و لم يصرح بحكم الأصول الجارية في الشك الثالث لكن ظاهر عبارته أن الأصول الجارية في الشك الثالث كالأصول الجارية في الشك الثاني.

و سمى هذه الأصول بالأصول الجارية لتنقيح حال الموضوع فإن اصالة الطهارة تجري لأجل بيان ان هذا الموضوع طاهر فيترتب على ذلك جواز شربه و صحة الوضوء به. و هكذا استصحاب عدالة زيد تجري لأجل بيان ان هذا الموضوع عادل فيترتب على ذلك جواز شربه و صحة الصلاة خلفه.

و هكذا إذا عرفت رأي صاحب الكفاية (ره) يقع الكلام في بيان دليله.

و نتعرض له بعد التعرض إلى عبارة المصنف (ره).

قوله (ره): (و منشأ هذا الرأي عنده اعتقاده ...).

اقول: هذا شروع في بيان دليل صاحب الكفاية فنقول قد عرفت أن صاحب الكفاية (ره) عنده دعويان.

الأولى: عدم الإجزاء في الإمارات و في الأصول الجارية في الشك الأول. و دليله على هذه الدعوى هو نفس دليل المشهور فلا خلاف معه في هذه الدعوى.

الثانية: الإجزاء في الأصول الجارية في الشكين الثاني و الثالث. و دليله على هذه الدعوة يمكن أن يفسر بتفسيرين.

الأول: يتم في مقدمتين:

الأولى: أن الأصول تدل على أمرين:

الأول: تدل على جعل مؤداها ظاهرا فدليل اصالة الطهارة (كل شي‏ء

110

نظيف حتى تعلم أنه قذر) يدل على ان المشكوك الطهارة هو طاهر ظاهرا و دليل اصالة الحلية كذلك يدل على جعل الحلية الظاهرية للمشكوك. و هكذا الاستصحاب يدل على جعل مؤداه ظاهرا فإذا استصحبت عدالة زيد دل الاستصحاب على جعل وصف العدالة الظاهرية لزيد. و هكذا سائر الأمثلة.

الأمر الثاني: أن دليل هذه الأصول يدل على توسعه دائرة الموضوع (او شرطه او جزئه) للحكم الواقعي فكأن دليل اصالة الطهارة (كل شي‏ء نظيف ...). قد اشار الى جميع الروايات التى ورد فيها كلمة طهارة قال اريد من هذه الكلمة الأعم من الطهارة الظاهرية و الواقعية حتى يكون دليل اصالة الطهارة مفسرا لجميع الروايات الأخرى.

فلا جرم نحن يجب علينا الأخذ بالتفسير فإن المفسّر يقدم على المفسّر و من هنا فإذا نظرنا الى رواية (الطاهر يجوز شربه) يجب أن نفهم (بعد ضم التفسير) أن معناها هكذا الطاهر واقعا او ظاهرا يجوز شربه) فتكون الرواية هذه دالة على حكم واقعي موضوعه (الطاهر الأعم) و محموله (جواز الشرب) فكلما تحقق هذا الموضوع يجب أن يحكم عليه بجواز الشرب واقعا.

و هكذا إذا نظرنا إلى رواية (يشترط في صحة الصلاة طهارة اللباس فإننا يجب) أن نفهم (بعد ضم التفسير) أن معناها هكذا (يشترط في صحة الصلاة طهارة اللباس واقعا او طاهرا) فإذا تحقق الشرط (الطهارة الأعم) يجب الحكم بتحقق المشروط و هو صحة الصلاة واقعا. و هذا الذي ذكرناه هو معنى أن ادلة الأصول حاكمة و مفسرة لأدلة الشروط و الموضوعات الشرعية.

المقدمة الثانية: في تفسير انكشاف خطأ الأصل. فنقول إن الأصول كما عرفت تدل على جعل حكم و هذا الحكم قد يطابق الواقع و قد يخالفه ففي الأصل جهتان.

الجهة الأولى: جهة مجعولية الحكم الظاهري أي أن المولى قد جعل حكما ظاهريا.

111

الجهة الثانية: جهة مطابقة المجعول للواقع.

و الحاصل أن الأصل عبارة عن قضية (المشكوك جعل له الحكم الظاهري) فيستحيل أن تفرض صدق هذه القضية مجتمعة مع كذب أن هذا المشكوك قد جعل له الحكم الظاهري ضرورة أن الكلية إذا صدقت يجب أن يصدق مصداقها.

اما الجهة الأولى فيستحيل فيها الكذب ما دمت تفرض وجود الأصل لأن وجود الأصل مثل (كل مشكوك طاهر) هو بنفسه عين جعل الحكم الظاهري للمشكوك فيستحيل فرض وجود هذا الأصل ثم فرض أن المشكوك لم يكن قد جعل له الحكم الظاهري.

فهذا مثل (كل عالم انسان) فيستحيل فرض وجود هذه القضية ثم فرض ان هذا العالم لم يكن انسان.

أما الجهة الثانية فهي التي يمكن أن ينكشف خطئها كما لو كان هذا الماء مشكوكا فجعل له الطهارة الظاهرية ثم ينكشف أن الماء نجس واقعا فيكون الحكم الظاهري ليس على طبق الحكم الواقعي بل مخالف له.

إذا عرفت هاتين المقدمتين نقول إذا شككنا في طهارة لباس يوم الخميس اجرينا اصالة الطهارة فثبت لهذا اللباس المشكوك طهارة ظاهرية.

أي يكون طاهرا ظاهرا فصلينا به. ثم بعد الصلاة كيوم الجمعة مثلا انكشف أن اللباس لم يكن طاهرا يوم الخميس حين الصلاة به.

فهذا الانكشاف لا يضر في كون الصلاة صحيحة لأن معنى صحة الصلاة هي أن تقع جامعة لأجزائها و شروطها و هي حسب الفرض جامعة لجميع الأجزاء و الشرائط و إنما يتوهم أنها ليست جامعة لشرط طهارة اللباس.

و لكنه توهم مدفوع بما عرفت في المقدمة الأولى من أن الشرط هو الطهارة الأعم من الظاهرية و الواقعية فيكفي وجود الطهارة الظاهرية حتى يتحقق الشرط و تصح، و هذه الطهارة الظاهرية كانت موجودة حين الصلاة.

112

فإن توهمت و قلت عند انكشاف نجاسة اللباس واقعا ينكشف أن الثوب لم يكن طاهرا ظاهرا حين الصلاة به.

نقول قد عرفت في المقدمة الثانية استحالة ان يتبين كذب وجود الحكم الظاهري. إذن شرط صحة الصلاة (و هو الطهارة الظاهرية) ما زلنا نعلم بوجوده حتى بعد انكشاف أن الثوب كان نجسا واقعا فإن كونه نجسا واقعا حين الصلاة به لا يعني أنه لم يكن طاهرا ظاهرا حين الصلاة به.

هذا ما أمكننا ان نوضح به كلام صاحب الكفاية (ره) على هذا التفسير و هو مأخوذ من كلمات عدة من الأعلام على رأسهم الميرزا النائيني (ره).

التفسير الثاني: أن الأصول تدل على جعل الآثار الشرعيّة المترتبة على الواقع لهذا المشكوك فمثلا دليل (كل شي‏ء نظيف) يدل على أن كل مشكوك له جميع الأحكام الشرعيّة المترتبة على الطاهر الواقعي فالطاهر الواقعي له احكام عديدة شرعيه من جواز الشرب و صحة لبسه في الصلاة و صحة الوضوء به الى غير ذلك فجميع هذه الأحكام تكون مجعولة لهذا المشكوك و عليه فكما يكون الصلاة في اللباس الطاهر واقعا صحيحة فكذلك الصلاة في اللباس المشكوك صحيحة. و هكذا.

إذا عرفت هذا التفسير الثاني يقع الكلام في مقامين.

الأول في بيان الفرق بين التفسيرين و ذكر خصوصيات كل منهما.

و الثاني في نقاشهما.

أما المقام الأول: فنقول فيه أنه يوجد بين التفسيرين فروق.

الفرق الأول: أن التفسير الأول يدل على جعل المؤدى ظاهرا فأصالة الطهارة تدل على أن المشكوك جعل له الطهارة الظاهرية فقط.

و أما على التفسير الثاني: فيكون الأصل دالا على جعل الطهارة الظاهرية للمشكوك و يدل على جعل آثار الطاهر الواقعي.

فالتفسيران يلتقيان في جعل الطهارة الظاهرية للمشكوك و لكن الأصل على التفسير الأول يتوقف عند هذا. بينما الأصل على التفسير الثاني يستمر

113

بأن دليل الأصل في موضوعات الأحكام موسع لدائرة الشرط أو الجزء

____________

الى أن يدل على جعل آثار الطاهر الواقعي لهذا المشكوك.

الفرق الثاني: أن على التفسير الأول يكون دليل الأصل مفسرا للأدلة الواقعية و حاكما عليها كما قلنا أن دليل (كل شي‏ء نظيف) ناظر الى جميع الروايات التي فيها كلمة (طهارة) فيفسرها و يقول أن المراد منها هو الأعم.

و هذا بخلاف التفسير الثاني فإن دليل الأصل لا يكون مفسرا للأدلة الدالة على الأحكام الواقعية و لا له اثر عليها بل هي باقية على حالها من دلالتها على أن الموضوع مثلا هو الطاهر و أن الحكم مثلا هو جواز شربه غايته أن دليل الأصل يدل على توسعه الحكم الواقعي فيدل على أن هذه الآثار التي انطبقت على الطاهر الواقعي كذلك تنطبق على المشكوك الطهارة.

فيكون بمنزلة ما لو ورد دليل يقول (العالم يجب اكرامه) فيأتي دليل آخر يقول (و التقي يجب اكرامه ايضا) فهذا الدليل الثاني أيضا ليس حاكما على الأول و لا له أي اثر عليه غايته ان الدليل الثاني دال على أن حكم وجوب الإكرام ينطبق على التقي ايضا فتكون النتيجة أن موضوع وجوب الإكرام واقعا هو الأعم من العالم و التقي.

و قد يطلق على مثل ذلك حكومة و لكنه مسامحة جزما.

الفرق الثالث: أن على التفسير الأول يكون دليل الأصل واردا على الأدلة مضافا الى كونه حاكما فهو من حيث دل على توسعه الموضوع او الشرط او الجزء كان حاكما و من حيث دل على وجود الموضوع وجدانا واردا.

و هذا بخلاف الأصل على التفسير الثاني فإنه لا حاكم و لا وارد و معرفة هذه الفروق بالدقة تحتاج الى معرفة في بحوث الأصول العملية فلا نطيل اكثر من ذلك.

اما المقام الثاني فنتعرض له بعد التعرض لعبارة المصنف (ره).

قوله (ره): (بأن دليل الأصل في موضوعات الأحكام موسع ...).

اقول: ظاهر كلمات المصنف (ره) هو التفسير الثاني و هو مأخوذ من‏

114

المعتبر في موضوع التكليف و متعلقه بأن يكون مثل قوله (عليه السلام): «كل شي‏ء نظيف حتى تعلم أنه قذر» يدل على أن كل شي‏ء قبل العلم بنجاسته محكوم بالطهارة. و الحكم بالطهارة حكم بترتيب آثارها و إنشاء لأحكامها التكليفية و الوضعية التي منها الشرطية فتصح الصلاة بمشكوك الطهارة كما تصح بالطاهر الواقعي.

و يلزم من ذلك أن يكون الشرط في الصلاة- حقيقة- أعم من الطهارة الواقعية و الطهارة الظاهرية.

و إذا كان الأمر كذلك فإذا انكشف الخلاف لا يكون ذلك موجبا لانكشاف فقدان العمل لشرطه، بل يكون بالنسبة إليه من قبيل ارتفاعه من حين ارتفاع الجهل. فلا يتصور حينئذ معنى لعدم الإجزاء بالنسبة إلى ما أتي به حين الشك. و المفروض أن ما أتي به يكون واجدا لشرطه المعتبر فيه تحقيقا، باعتبار أن الشرط هو الأعم من الطهارة الواقعية و الظاهرية حين الجهل، فلا يكون فيه انكشاف للخلاف و لا فقدان للشرط.

و قد ناقشه شيخنا الميرزا النائيني بعدة مناقشات يطول ذكرها و لا

____________

كلمات المحقق الأصفهاني في حاشيته على الكفاية المسماة بنهاية الدراية.

و لأن المصنف (ره) يشير الى التفسير الثاني لم يعبر بكون الأصل حاكما على الأدلة الواقعية بل عبر بأنه موسع لدائرة الشرط او الجزء.

قوله (ره): (و الحكم بالطهارة حكم بترتيب ...).

اقول: هذا صريح بالتفسير الثاني و أن الأصل يدل على جعل الآثار الشرعية.

قوله (ره): (و قد ناقشه شيخنا الميرزا النائيني (ره) ...).

اقول: إن الشيخ النائيني (ره) نظر الى التفسير الأول و اعترض عليه هو أو غيره باعتراضات.

الأول: أنه يشترط في الحكومة ان يكون الحاكم ناظرا الى المحكوم‏

115

يسعها هذا المختصر و الموضوع من المباحث الدقيقة التي هي فوق مستوى كتابنا.

____________

كما هو مذهب صاحب الكفاية. و دليل الأصل هنا ليس ناظرا الى ادلة الأحكام الأولية.

و هذا الاعتراض وارد و إن أمر بالتأمل به وليته لم يأمر بالتأمل فإن دليل الأصل مثل (كل شي‏ء نظيف) و إن كان ناظرا الى الأحكام الأولية إلا أنه ناظر الى المحمولات أي الأحكام و ليس ناظرا الى الموضوعات و الشروط و ليس يكفي في الحاكم أن ينظر الى الدليل بالجملة بل يجب أن ينظر الى النقطة التي وقعت عليها الحكومة.

و قد حاول بعض الفحول الإجابة على ذلك بما لا ينفع. و لا حاجة الى اطالة الكلام و لا سيما أنه لا يناسب المقام.

الإيراد الثاني: ان الحكومة هذه تستلزم استعمال اللفظ في معنيين مترتبين لا يمكن لحاظ احدهما في عرض لحاظ الآخر.

الإيراد الثالث: أن هذا المذهب يلزمه لوازم لا يلتزم بها احد كما لو استصحب ملكية داره و باعه فاللازم صحة البيع لتحقق شرطه. و هكذا كثير من امثال ذلك مما لا يلتزم به احد.

و أما التفسير الثاني فالظاهر سلامته من الإيراد الأول و الثاني لما عرفت من خلوه من حديث الحكومة.

و أما الإيراد الثالث فالظاهر اندفاعه أيضا لأن الأصل إنما دل على جعل الآثار للمشكوك حال كونه مشكوكا و أما بعد ارتفاع الشك عنه ترتفع الآثار المذكورة عنه و بالتالي يصير اللازم ترتيب آثار الواقع.

مثلا شككنا في ملكية الدار فاستصحبنا ملكيته و ثبت بالتالي ان هذه الدار المشكوكة لها واقعا جميع الأحكام الثابتة للمملوك الواقعي ثم بعنا الدار و بعد سنة انكشف ان الدار لم تكن مملوكه ففي هذه الحالة لا ينكشف ان البيع كان فاسدا بل البيع كان صحيحا لأن الملكية الظاهرية كالملكية الواقعية

116

تستوجب صحة البيع.

و لكن في هذه الحالة يرتفع الشك عن ملكية الدار و نصبح نعلم بعدم الملكية فلزوال الشك تزول الأحكام المترتبة على الشك فيكون زوالها من حين زوال الشك و من هذه الأحكام صحة البيع فإن صحة البيع واقعا كانت مستندة الى الملكية الظاهرية فزوال الملكية الظاهرية يستلزم زوال صحة البيع فتكون النتيجة أن البيع و إن كان صحيحا إلا أنه ينقلب فاسدا بعد زوال الشك.

و من هنا نقول لو حصل (بعد الشك و البيع) القطع بالملكية (و كان القطع غير مصيب) فإن القطع يكون مستوجبا لفساد البيع واقعا فالبيع صحيح حين الشك في الملكية و فاسد حين القطع بالملكية او عدم الملكية. (مع كون الواقع هو عدم الملكية).

نعم هذا الجواب قد لا يقبل في بعض الموارد الخاصة كالزواج من الأم بعد الشك في الأمومة و جريان استصحاب عدم الأمومة فاللازم الحكم بصحة الزواج الى حال الانكشاف و هذا ما لم يرتضه متذوق.

فالإيراد الوحيد الذي يمكن ان يرد على هذا التفسير هو أنه غير مستوجب للإجزاء ضرورة ان الصلاة و إن كانت صحيحة حال الشك إلا أنها تنقلب فاسدة بعد انكشاف الواقع.

نعم قد يقال ان انقلابها فاسده لو فرض امكانه لا يستوجب الإعادة لأن الصلاة لما كانت صحيحه كانت مستوجبه لسقوط الأمر و بعد انقلابها فاسدة لا مجال لرجوع الأمر، فإن انقلاب الصلاة فاسدة ليس علة لحياة الأمر بعد موته و لا يوجد علة أخرى تقتضي حياته فمع انعدام الأمر لا يجب الإعادة و إن كنا نعلم بفساد الصلاة.

و عليك بالتأمل في اطراف هذا المبحث فإنه من المباحث الخفية.

117

3- الإجزاء في الأمارات و الأصول مع انكشاف الخطأ بحجة معتبرة

و هذه أهم مسألة في الإجزاء من جهة عموم البلوى بها للمكلفين، فإن المجتهدين كثيرا ما يحصل لهم تبدل في الرأي بما يوجب فساد أعمالهم السابقة ظاهرا. و يتبعهم المقلدون لهم.

و المقلدون أيضا قد ينتقلون من تقليد شخص إلى تقليد شخص آخر يخالف الأول في الرأي بما يوجب فساد الأعمال السابقة.

فنقول في هذه الأحوال:

إنه بعد قيام الحجة المعتبرة اللاحقة بالنسبة إلى المجتهد أو المقلد، لا إشكال في وجوب الأخذ بها في الوقائع اللاحقة غير المرتبطة بالوقائع السابقة.

و لا إشكال- أيضا- في مضي الوقائع السابقة التي لا يترتب عليها أثر أصلا في الزمن اللاحق.

____________

قوله (ره): (و هذه اهم مسألة في الإجزاء ...).

اقول: بل هي تمام المسألة و كل الخلاف فيها حيث ادعي الإجماع على غيرها من الصور.

قوله (ره): (إنه بعد قيام الحجة ...).

اقول: إذا قامت حجة في السنة الأولى على عدم وجوب القنوت.

و في السنة الثانية قامت حجه أخرى على وجوب القنوت.

فهنا لا اشكال أنه في اثناء السنة الأولى؛ كان يمكنه العمل بتلك الحجة.

كما لا اشكال أن في السنة التالية يلزمه العمل بالحجّة الثانية بالنسبة الى الأعمال اللاحقة.

و إنما الكلام أن الحجّة الثانية هل يجب العمل بها حتى بالنسبة الى الأعمال السابقة ام لا. كما لو صلى سنة استنادا الى حجه اولى و بعد ذلك قامت حجة ثانية تدل على أن للصلاة الصحيحة كيفية اخرى فيجب عليه ان يعيد صلوات السنة السابقة ام لا.

118

و إنما الأشكال في الوقائع اللاحقة المرتبطة بالوقائع السابقة، مثل ما لو انكشف الخطأ اجتهادا أو تقليدا في وقت العبادة و قد عمل بمقتضى الحجة السابقة، أو انكشف الخطأ في خارج الوقت و كان عمله مما يقضي كالصلاة. و مثل ما لو تزوج زوجة بعقد غير عربي اجتهادا أو تقليدا ثم قامت الحجة عنده على اعتبار اللفظ العربي و الزوجة لا تزال موجودة.

فإن المعروف في الموضوعات الخارجية عدم الإجزاء.

أما في الأحكام فقد قيل بقيام الإجماع على الإجزاء لا سيما في الأمور العبادية كالمثال الأول المتقدم.

و لكن العمدة في الباب أن نبحث عن القاعدة ما ذا تقتضي هنا؟

هل تقتضي الإجزاء أو لا تقتضيه؟ و الظاهر أنها لا تقتضي الإجزاء.

و خلاصة ما ينبغي أن يقال: إن من يدعي الإجزاء لا بد أن يدعي أن المكلف لا يلزمه في الزمان اللاحق إلا العمل على طبق الحجة الأخيرة التي قامت عنده. و أما عمله السابق فقد كان على طبق حجة ماضية عليه في حينها.

____________

قوله (ره): (فإن المعروف في الموضوعات الخارجية ...).

أقول: كما لو قامت امارة على ملكية مال فرتب عليه آثار الملكية ثم قامت امارة اخرى مقدمة على أنه ليس بمملوك ففي هذه الصورة تكون الآثار السابقة باطله فلو كان قد باعه يظهر بطلان البيع و لو أتلفه يلزمه الضمان و غير ذلك. فالحكم في الموضوعات على طبق القاعدة لا كلام فيه.

قوله (ره): (و خلاصة ما ينبغي أن يقال ...).

اقول: هذا استدلال للإجزاء حاصله ان الأعمال السابقة استندت الى حجه و هذه الحجّة لم يعلم كذبها إلا بحجه اخرى و ليس احد الحجتين اولى من الأخرى فاللازم متابعة كل واحدة منهما في ظرفها فالحجّة الأولى حجه في اعمال السنة الأولى و الحجّة الثانية حجه في اعمال السنة الثانية.

119

و لكن يقال له، إن التبدل الذي حصل له، إما أن يدعى أنه تبدل في الحكم الواقعي أو تبدل في الحجة عليه. و لا ثالث لهما.

أما دعوى التبدل في الحكم الواقعي فلا إشكال في بطلانها، لأنها تستلزم القول بالتصويب. و هو ظاهر.

____________

قوله (ره): (و لكن يقال له إن التبدل الذي حصل له ...).

اقول: حاصل الجواب بمقدمتين.

المقدمة الأولى: ان المكلف إنما يجب عليه العمل بالحكم الواقعي لا بالحجج و إنما الحجج طريق للوصول إلى الحكم الواقعي، فلا يكون التكليف الفعلي مختلفا عند اختلاف الحجج بل التكليف واحد لا يتغير و إنما قد ينتجز عليه هذا الواقع بالعلم به و قد يعذر عنه بالجهل به.

المقدمة الثانية: ان الحجّة الثانية تكشف للمكلف ان اعماله السابقة لم تكن مطابقة للتكليف الواقعي لأن الحجّة الثانية تدل على الواقع و ينتج من المقدمتين ان المكلف عند قيام الحجّة الثانية يعلم أنه في السابق لم يكن مطيعا للحكم الواقعي و بالتالي فإن الحكم الواقعي ما زال لم يسقطه شي‏ء فلا بد من اسقاطه بالإعادة اداء او قضاء.

فالحاصل أن القول بالإجزاء يتوقف على احد دعويين.

الأولى: أن المكلف أنما يجب عليه العمل بالحجة لا بالواقع. فإنه على هذه الدعوى ينتج ان المكلف عند ما عمل بالحجّة السابقة قد عمل بتكليفه.

و لكن هذه الدعوى فاسده بالمقدمة الأولى إذ الواجب على المكلف إنما هو العمل بالحكم الواقعي غايته أن الإمارة طريق إليه فنحن نعمل بالإمارة لا بما هي هي بل بما هي موصلة و طريق الى الواقع فإن طابقته نكون قد عملنا ما هو واجبنا و إن خالفته نكون قد عملنا ما لم يجب علينا عمله.

الدعوى الثانية: أن يقال ان الحجّة الثانية إنما تكشف عن الواقع من زمن قيامها فلا تكشف عن الواقع قبل زمانها فالحجّة الثانية لا تدلنا على ان‏

120

و أما دعوى التبدل في الحجة، فإن أراد أن الحجة الأولى هي حجة بالنسبة إلى الأعمال السابقة و بالنظر إلى وقتها فقط فهذا لا ينفع في الإجزاء بالنسبة إلى الأعمال اللاحقة و آثار الأعمال السابقة، و إن أراد أن الحجة الأولى هي حجة مطلقا حتى بالنسبة إلى الأعمال اللاحقة و آثار الأعمال السابقة فالدعوى باطلة قطعا.

____________

الواقع في الزمن السابق كان على خلاف الإمارة بل غاية ما تقوله الإمارة هكذا (الآن و ما دمت موجودة الواقع كذا و كذا).

فبناء على هذه الدعوى لا يعلم المكلف أن اعماله السابقة لم تطابق الواقع فلا يعلم بأن الحكم الواقعي لم يسقط كما لم يعلم انه سقط. و لكن اصالة البراءة عن وجوب الإعادة اداء و قضاء جارية و ذلك للشك في وجود حكم فعلي متوجه اليه يقتضي الإعادة.

و أما العلم الإجمالي بتنجز ذمته بتكليف واقعي فهو غير معتبر لأن احد اطراف هذا العلم الإجمالي غير مؤثر و هو كون الواقع على طبق الحالة السابقة.

إلا أن هذه الدعوى فاسدة و ذلك لأنه فرق بين زمان الكشف و زمان المنكشف فقد يكون زمانهما واحدا كما لو كشف الآن عن حدث وقع الآن.

و قد يكون المنكشف قبل الكشف كما لو كشف الآن عن حدث وقع في الماضي.

و قد يكون بعده كما لو كشف الآن عن حدث سيقع في الزمان المستقبل.

و قد يكون زمان المنكشف اعم كما لو كشف الآن عن وجود الله سبحانه و تعالى في الماضي و الحاضر و المستقبل.

و من هنا نقول أن الإمارة الثانية و ان كان زمان كشفها هو حين وصولها. إلا أن المنكشف بها هو الأعم أي الحكم الواقعي الذي كان موجودا ماضيا و هو موجود حاضرا و سوف يبقى مستقبلا الى يوم القيامة.

إذن هذه الإمارة الثانية تدلنا على الحكم الواقعي في الماضي و بالتالي‏

121

لأنه في تبدل الاجتهاد ينكشف بحجة معتبرة أن المدرك السابق لم يكن حجة مطلقا حتى بالنسبة إلى أعماله اللاحقة، أو أنه تخيله‏

____________

نعلم ان اعمالنا السابقة لم تكن مطابقة للواقع.

و إذا تمت هاتان المقدمتان و سقطت تلك الدعويان اتضح عدم الإجزاء و لا يهمنا بعد ذلك ان نقول ان الحجّة السابقة كانت حجه في ظرف وجودها و كنا نعتقد بأنها حجه و ما زلنا حتى بعد قيام الإمارة الثانية نعتقد بأن الإمارة السابقة كانت حجه فإن هذا القول في غاية الصحة إلا أنه لا أثر له إذ مجرد كون عملنا مطابقا للحجة التي ما زلنا نعتقد انها حجه في ظرف العمل لا يؤدي الى اسقاط الحكم الواقعي و كل الصيد في جوف الفراء فإن الإجزاء و عدم الإجزاء تابع لإسقاط الواقع او عدم إسقاطه و ليس تابعا لكون العمل على طبق الحجّة او لا حتى تتعبنا و تتعب نفسك في اثبات ان العمل كان مطابقا للحجة.

قوله (ره): (ينكشف بحجه معتبره ان المدرك السابق لم يكن حجه ...).

اقول: العبارة خطأ أو مسامحة فإن الإمارة الثانية لا تكشف لنا ان الأولى لم تكن حجه في ظرفها بل تكشف انها كانت خطأ و مخالفة للواقع و قد عرفت في بعض الكلمات السابقة ان الحكم الظاهري يستحيل ان ينكشف كذبه بمعنى عدم وجوده و إن امكن ان ينكشف كذبه بمعنى عدم المطابقة للواقع.

فجعل الحجية للإمارة يستحيل ان يظهر أنّه كاذب بمعنى انه لم يكن موجودا اللهم إلا إذا لم تكن امارة بل توهم أنها امارة.

توضيح ذلك ان قاعدة الحجيّة مركبه من موضوع و محمول كسائر القضايا مثل (خبر الثقة الثابت وثاقته بالطرق المعروفة و لم تعلم كذبه و لم تجد له معارض حجه) فهنا إذا جاءنا خبر ثقة و لم نجد له معارضا و لم نعلم كذبه يكون بنظرنا حجه.

ثم بعد ذلك فإن انكشاف خطئه يكون على نحوين.

122

حجة و هو ليس بحجة. لا أن المدرك الأول حجة مطلقا، و هذا الثاني حجة أخرى.

____________

النحو الأول: أن نجد له معارضا او نعلم كذبه ففي هذه الحالة يكون هذا الخبر من الآن (حين وجود المعارض ...) ليس بحجة لارتفاع موضوع الحجية.

و أما قبل وجدان المعارض فإنه كان موضوعا للحجيّة لأنه كان مصداقا لموضوع الحجّة و لا يكون حجه مع فرض صدق قاعدة الحجيّة المتقدمة.

فمعنى انكشاف الخطأ هنا هو تبدل الإمارة من كونها مصداقا لموضوع الحجّة الى كونها ليست مصداقا له.

النحو الثاني: انكشاف أنه لم يكن حتى في السابق مصداقا لموضوع الحجّة كما لو انكشف ان هذا الخبر ليس خبر زيد الثقة بل هو خبر خالد الفاسق و إنما توهمنا سابقا انه خبر زيد.

ففي هذه الحالة ينكشف لنا ان هذا الخبر لم يكن حتى في الماضي خبر ثقة فإذن هو في الماضي لم يكن مصداقا لموضوع الحجّة و إن توهمنا في الماضي أنه كان مصداقا.

فعلى هذا النحو ينكشف ان الإمارة السابقة لم تكن حجه حتى في ظرفها بخلاف النحو الأول فإنه يستحيل ان ينكشف ان الإمارة لم تكن حجه حتى في ظرفها ضرورة انها في ظرفها كانت مصداقا لموضوع الحجّة فكيف تكون مصداقا للموضوع و لا ينطبق عليها المحمول.

إذا عرفت هذا نقول إن النحو الثاني من خطأ الإمارة او الأصل خارج عن محل البحث في مسألة الإجزاء لأن كلامنا في (أن الإتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري يجزي عن الأمر الواقعي ام لا) فلا بد من فرض وجود امر ظاهري فإذا فرض ان الإمارة لم تكن حجه حتى في ظرفها فهذا يعني اننا عند ما عملنا بالإمارة لم نكن قد عملنا بحكم ظاهري و إنما عملنا بما يتوهم أنه حكم ظاهري فلا يدخل تحت محل البحث.

و كذا إذا تبين ان الأصل الذي عملنا عليه لم يكن جاريا لعدم تحقق‏

123

و كذلك الكلام في تبدل التقليد، فإن مقتضى التقليد الثاني هو انكشاف بطلان الأعمال الواقعة على طبق التقليد الأول، فلا بد من ترتيب الأثر على طبق الحجة الفعلية فإن الحجة السابقة- أي التقليد الأول- كلا حجة بالنسبة إلى الآثار اللاحقة، و إن كانت حجة عليه في وقته، و المفروض عدم التبدل في الحكم الواقعي فهو باق على حاله.

فيجب العمل على طبق الحجة الفعلية و ما تقتضيه.

فلا إجزاء إلا إذا ثبت الإجماع عليه.

و تفصيل الكلام في هذا الموضوع يحتاج إلى سعة من القول فوق مستوى هذا المختصر.

تنبيه في تبدل القطع‏

لو قطع المكلف بأمر خطأ فعمل على طبق قطعه ثم بان له يقينا خطأه، فإنه لا ينبغي الشك في عدم الإجزاء. و السر واضح، لأنه عند القطع الأول لم يفعل ما استوفى مصلحة الواقع بأي وجه من وجوه‏

____________

موضوعه في الماضي و إنما توهمنا جريانه و تحقق موضوعه ففي هذه الحالة لا يوجد حكم ظاهري أصلا و إنما يوجد توهم وجود حكم ظاهري لتوهم جريان الأصل فلا يدخل تحت محل البحث.

فعبارة المصنف (ره) هنا سهو منه. إذ لو كان ناظرا الى النحو الثاني يكون قد نظر الى ما هو خارج البحث. و إن كان ناظرا الى النحو الأول يكون ناظرا الى محل البحث و لكن لا يجوز له ان يقول انه ينكشف أن الأولى لم تكن حجه حتى في ظرفها.

نعم لعل مراده ان الآن هي ليست حجه بالنسبة الى الأعمال السابقة و لكن عبارته تأبى عن هذا المعنى كما لا يخفى.

قوله (ره): (كذلك الكلام في تبدل التقليد ...).

اقول: الكلام في التقليد و الاجتهاد واحد فإن الفتوى بالنسبة الى المقلد كالرواية بالنسبة الى المجتهد.

124

الاستيفاء، فكيف يسقط التكليف الواقعي، لأنه في الحقيقة لا أمر موجه إليه و إنما كان يتخيل الأمر.

و عليه، فيجب امتثال الواقع في الوقت أداء و في خارجه قضاء.

نعم لو أن العمل الذي قطع بوجوبه كان من باب الاتفاق محققا لمصلحة الواقع فإنه لا بد أن يكون مجزيا. و لكن هذا أمر آخر اتفاقي ليس من جهة كونه مقطوع الوجوب.

____________

125

المسألة الثانية مقدمة الواجب‏

126

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

127

تحرير محل النزاع:

كل عاقل يجد من نفسه أنه إذا وجب عليه شي‏ء و كان حصوله يتوقف على مقدمات، فإنه لا بد له من تحصيل تلك المقدمات ليتوصل إلى فعل ذلك الشي‏ء بها.

____________

قوله (ره): (كل عاقل يجد من نفسه انه ...).

اقول: إذا وجب شي‏ء و توقف حصوله على شي‏ء آخر سمينا الثاني بالمقدمة و الأول بذي المقدمة.

مثلا وجب الحج، و هو يتوقف على قطع المسافة الى مكة المكرمة.

فقطع المسافة يسمى بالمقدمة و الحج يسمى ذي المقدمة.

هذا ثم إذا نظر العقل الى الحج و إلى قطع المسافة يمكن ان يحكم بحكمين.

الحكم الأول: أن يدرك ان الحج لا يمكن ان يتحقق إلا بقطع المسافة فمن اراد تحقيق الحج لا بد له من قطع المسافة.

و هذا الحكم هو حكم نظري تعلق بغير الملازمة بين شي‏ء ما و بين حكم شرعي بل هو من قبيل ادراك العقل للملازمات الخارجية النفس أمرية مثل الاثنان إن زيد عليها واحد صارت الثلاثة و إن نقص منها واحد صارت واحدا و مثل إن كنت على السطح فأنت لست في القعر. و غير ذلك مما لا ارتباط له بحكم شرعي.

الحكم الثاني: أن يدرك أن ايجاب الحج يستلزم ايجاب قطع المسافة فكل من حكم بوجوب الحج يجب عليه ان يحكم بوجوب قطع المسافة او قل أن وجود وجوب الحج يلزمه وجود وجوب قطع المسافة. و هذا حكم نظري تعلق بالملازمة بين حكم شرعي و حكم شرعي آخر.

إذا عرفت ذلك فنقول أما الحكم الأول فلا خلاف فيه بل هو من البديهيات الضروريات و ليس هو محلا للبحث. و لا يفيد شيئا لما قد علمت‏

128

و هذا الأمر بهذا المقدار ليس موضعا للشك و النزاع، و إنما الذي وقع موضعا للشك و جرى فيه النزاع عند الأصوليين هو أن هذه اللابدية العقلية للمقدمة التي لا يتم الواجب إلا بها هل يستكشف منها اللابدية شرعا أيضا؟.

يعني أن الواجب يلزم عقلا من وجوبه الشرعي وجوب مقدمته شرعا؟

أو فقل على نحو العموم: كل فعل واجب عند مولى من الموالي هل يلزم منه عقلا وجوب مقدمته أيضا عند ذلك المولى.

و بعبارة رابعة أكثر وضوحا: إن العقل- لا شك- يحكم بوجوب مقدمة الواجب (أي يدرك لزومها) و لكن هل يحكم أيضا بأنها واجبة أيضا عند من أمر بما يتوقف عليها؟.

و على هذا البيان، فالملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع هي موضع البحث في هذه المسألة.

____________

من أن هذا القسم من الأحكام العقليّة لا يكشف عن حكم شرعي.

و أما الحكم الثاني فهو محل الخلاف فالبعض يقول هذا الحكم العقلي موجود و من ثم ينتقل منه الى حكم الشرع. و البعض الآخر يقول هذا الحكم العقلي غير موجود.

قوله (ره): (و على هذا البيان فالملازمة بين حكم العقل ...).

اقول: الظاهر وجود غلط في الطبع و أصل العبارة هكذا (فالملازمة بين حكم شرعي و حكم شرعي آخر ...) أو نحو ذلك. ضرورة ان البحث هنا ليس عن الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع كما في المتن بل البحث عن وجود ملازمة عقلية بين حكم الشرع بوجوب ذي المقدمة و حكم الشرع بوجوب المقدمة و قد صرح المصنف (ره) في عباراته المتقدمة بهذا المعنى فلا جرم كانت هذه العبارة غلطا من النساخ او المطبعة.

129

تنبيهات:

التنبيه الأول: سوف يتضح لك ان المقدمة تنقسم الى قسمين.

الأول مقدمة الواجب و تسمى احيانا مقدمة الوجود.

الثاني مقدمة الوجوب.

و مما لا يخفى على احد ان محل الكلام إنما هو في مقدمة الواجب فعند ما نقول الملازمة بين وجوب الواجب و وجوب مقدمته، نريد مقدمة الواجب لا الوجوب و هذا امر واضح و سوف يتضح اكثر.

التنبيه الثاني: إن القائلين بأن العقل يحكم بوجوب المقدمة شرعا أي أن العقل يدرك بوجود الملازمة بين الحكم الشرعي بوجوب ذي المقدمة و الحكم الشرعي بوجوب المقدمة. قد يختلفون في تفسير اللازم. أي وجوب المقدمة شرعا. الى ثلاث تفاسير.

التفسير الأول: ان الحكم الشرعي بوجوب المقدمة هو حكم شأني بمعنى أنه من شأنه أن يكون موجودا بحيث لو التفت المولى الى المقدمة بما انها مقدمة لحكم بوجوبها و لا يخفى ان هذا التفسير فاسد و إن جرى على لسان بعض الأكابر و ذلك ان هذا التفسير هو عبارة أخرى عن انكار وجود الحكم الشرعي و ذلك لأن ما كان من شأنه أن يوجد هو ليس موجود فعلا.

و الحكم المعلق وجوده على الالتفات الغير الموجود فعلا هو غير موجود فعلا كما لا يخفى إذن لا يمكن القبول بهذا التفسير.

هذا مضافا إلى استحالة جريانه في اللّه جل شأنه.

التفسير الثاني: أن الحكم الشرعي بوجوب المقدمة هو حكم موجود في عالم اللب و الإرادة الكامنة. فقد عرفت في بعض المباحث السابقة ان الإرادة تنقسم الى كامنة غير ملتفت اليها و إرادة فعليه و هي ملتفت اليها.

فالحكم الشرعي بوجوب المقدمة هو حكم موجود في الإرادة الكامنة.

و هذا التفسير لا يمكن قبوله أيضا لأن تقسيم الإرادة الى الكامنة و الفعليّة إنما يكون في ارادة الإنسان لا في ارادة الله تعالى شأنه و لا ريب ان‏

130

مقدمة الواجب من أي قسم من المباحث الأصولية؟

و إذا اتضح ما تقدم في تحرير النزاع نستطيع أن نفهم أنه في أي قسم من أقسام المباحث الأصولية ينبغي أن تدخل هذه المسألة.

و توضيح ذلك:

____________

الأحكام الشرعيّة من شأنه تعالى فإذا وجدت وجدت في عالم واحد هو عالم الفعليّة.

التفسير الثالث: ان الحكم الشرعي بوجوب المقدمة هو حكم موجود فعلي كسائر الأحكام الشرعيّة المضروبة في لوح الشريعة. و هذا التفسير هو الصحيح.

التنبيه الثالث: إن عنوان البحث و إن كان مختصا بالملازمة بين وجوب ذي المقدمة و وجوب المقدمة إلا أنه مما لا ريب فيه أن مناط البحث يشمل الملازمة بين استحباب ذي المقدمة و استحباب المقدمة فالمسألة واقعا غير مختصة بالوجوب و إن كان العنوان مختصا كما هو الحال في كثير من المسائل.

و اما شمول البحث لمقدمة الحرام حتى تكون الملازمة بين حرمة ذي المقدمة و حرمة نفس المقدمة فمحل كلام و تفصيل.

قوله (ره): (نستطيع أن نفهم أنه من أي قسم من أقسام المباحث ...).

اقول: يقع الكلام في مقامين.

المقام الأول: في إثبات أنها مسألة أصوليّة. فنقول إن هذه المسألة قد تصاغ بصياغتين.

الأولى: أن مقدمة الواجب واجبة ام لا.

الثانية: ان وجوب ذي المقدمة يستلزم وجوب المقدمة ام لا.

فعلى الصياغة الأولى تكون المسألة فقهية كسائر المسائل الفقهيّة مثل الصلاة واجبة ام لا. أذية المؤمن حرام ام لا.

131

إن هذه الملازمة- على تقدير القول بها- تكون على أنحاء ثلاثة:

إما ملازمة غير بينة. أو بينة بالمعنى الأعم، أو بينة بالمعنى الأخص.

____________

و على الصياغة الثانية تكون المسألة أصوليّة (أي قاعدة تدخل في طريق استنباط الحكم الشرعي) كسائر المسائل الأصولية التي تدخل في طريق استنباط الحكم الشرعي.

و الفرق بين هاتين الصياغتين غير خفي إذ على الصياغة الثانية يكون البحث في خصوص هذه الملازمة لا اكثر و لا اقل أي يبحث عن ثبوت هذه الملازمة او عدم ثبوتها فنحتاج في هذا البحث الى ذكر كل ما يدل على وجود الملازمة او يدل على عدم وجودها.

و أما على الصياغة الأولى فيكون البحث عن ثبوت الوجوب الشرعي للمقدمة او عدم ثبوته فنحتاج في هذا البحث الى ذكر كل ما يدل على الوجوب او يدل على عدم الوجوب و مما يدل على الوجوب هي الملازمة (الصياغة الثانية) فالصياغة الثانية هي من المبادئ التصديقية للصياغة الأولى.

إذا عرفت ذلك نقول إن بحثنا إنما هو بحسب الصياغة الثانية فقط و لذا يكون البحث أصوليا.

نعم لو أنك حاولت ان تبحث بحسب الصياغة الأولى فذكرت ادلة وجوب المقدمة من العقل و النقل كان بحثك هذا فقهيا.

تنبيه: حاول بعض الأعلام انكار كون المسألة فقهية حتى على الصياغة الأولى و لهم في إنكار ذلك محاولتان.

المحاولة الأولى: أن المسائل الفقهية هي عبارة عن قوانين موضوعها عنوان خاص و محمولها هو الحكم الشرعي. و بذلك تخرج مسألة (مقدمة الواجب واجب) لأن الموضوع (مقدمة الواجب) ليس عنوانا خاصا مثل الصلاة و الصوم و الحج. بل عنوانا عاما تارة ينطبق على المشي و اخرى على الوضوء و ثالثة على التجارة.

و هذه المحاولة واضحة الفساد لأن المسائل الفقهيّة لا يجب أن يكون موضوعها عنوانا خاصا بل كثيرا ما يكون عاما مثل اذية المؤمن و الظلم فإنه‏

132

فإن كانت هذه الملازمة- في نظر القائل بها- غير بينة أو بينة بالمعنى الأعم، فإثبات اللازم و هو وجوب المقدمة شرعا لا يرجع إلى‏

____________

تارة يكون بالقيام و اخرى بالقعود و ثالثة بالضرب و رابعة بالصلاة أمامه و غير ذلك.

المحاولة الثانية: أن المسائل الفقهيّة هي عبارة عن قوانين موضوعها واحد و محمولها واحد و ملاك حمل المحمول على الموضوع واحد مثل (الصلاة واجبة) فالموضوع واحد (الصلاة) و المحمول واحد (الوجوب) و الملاك واحد (أي المصلحة المستوجبة لحمل المحمول على الموضوع).

و على هذا الأساس تخرج مسألة (مقدمة الواجب واجبة) لأن الموضوع ليس واحدا لأن (مقدمة الواجب) ليس هو الموضوع حقيقة بل هو جهة حاكية عن الموضوعات كأنه قيل (ما انطبق عليه عنوان مقدمة الواجب) و الذي انطبق عليه عنوان مقدمة الواجب أمور كثيرة. و بالتالي يجب ان تكون المحمولات كثيرة بعدد الموضوعات و هكذا الملاكات تتعدد بعدد النسب الحمليه.

و هذه المحاولة بظاهرها محل كلام إذ يقال ان الموضوع هو (مقدمة الواجب) و هو موضوع واحد غايته انه ينطبق على عنوانات متعددة مثل (اذية المؤمن).

فالأولى ان توجه هذه المحاولة بتوجيه آخر و هو أن الملاك هنا متعدد لأن وجوب المقدمة ليس ملاكه أنها مقدمة حتى يكون هذا الملاك موجودا في جميع المقدمات بل ملاكه (انها مقدمة لهذا الواجب) فكان ذي المقدمة بعينه ملحوظا في ملاك وجوب المقدمة و بالتالي فكل مقدمة يكون لها ملاك خاص فمقدمات الصلاة ملاك وجوبها انها مقدمة للصلاة. و مقدمات الصوم ملاك وجوبها أنها مقدمة للصوم. و هكذا تتعدد الملاكات بعدد ذي المقدمات.

فلما كان الملاك متعددا لزم كون الأحكام متعددة إذ كل ملاك يقتضي حكما و تعدد الأحكام يقتضي تعدد الموضوعات و المحمولات و بالتالي فقولنا (مقدمة الواجب واجب) قضية تحكي عن كثير من المسائل الشرعيّة.

133

دلالة اللفظ أبدا بل إثباته إنما يتوقف على حجية هذا الحكم العقلي بالملازمة، و إذا تحققت هناك دلالة فهي من نوع دلالة الإشارة. و على‏

____________

و هذا التوجيه و إن كان صحيحا إلا أنه لا ينتج أن هذه الصياغة ليست مسألة فقهية و إن انتج انها ليست مسألة فقهية واحدة بل هي مسائل فقهية متعددة مجموعة في عنوان واحد.

نعم يوجد محاولة ثالثة لعلها امتن مما ذكرناه و لكن لا حاجة الى ذكرها. و بهذا ينتهي المقام الأول.

أما المقام الثاني: و هو مقام بيان أن هذه المسألة الأصولية ما هو نوعها هل هي لفظية ام عقلية.

فنقول يمكن ان يقع البحث لفظيا و يمكن ان يقع عقليا. فإذا وقع لفظيا يكون السؤال هكذا (اللفظ الدال على وجوب ذي المقدمة هل يكون دالا على وجوب المقدمة بالالتزام ام لا).

و الجواب عن هذا السؤال بالإيجاب يتوقف على ثبوت أمرين.

الأول: وجود الملازمة بين وجوب ذي المقدمة و وجوب ذيها.

الثانية: ان هذه الملازمة بينه بالمعنى الأخص.

فإذا ثبت هذان الأمران يثبت ان اللفظ الدال بالمطابقة على الملزوم (وجوب ذي المقدمة) يكون دالا بالالتزام على اللازم (وجوب المقدمة) إذ ركن الدلالة الالتزامية هو وجود الملازمة البينة بالمعنى الأخص و هذا الركن موجود بعد ثبوت هذين الأمرين.

و اما الجواب عن هذا السؤال بالنفي فيتوقف على إنكار احد الأمرين المتقدمين فإذا انكر الأول لم يبق ملازمه فتستحيل الدلالة الالتزامية و إن انكر الثاني ايضا تستحيل الدلالة الالتزامية لأنه لا يكفي في الدلالة الالتزامية مجرد وجود الملازمة بل لا بد من كونها بينه بالمعنى الأخص.

و من هنا فلما كان شبه اتفاق على ان هذه الملازمة على فرض وجودها ليست بينه بالمعنى الأخص كان هذا السؤال حاضر الجواب و لهذا لم يكن لهم نزاع حول هذا السؤال و إن كان ظاهر بعض الأعلام المنازعة حول هذا السؤال.

134

هذا فيجب أن تدخل المسألة في بحث الملازمات العقلية غير المستقلة، و لا يصح إدراجها في مباحث الألفاظ.

____________

و كيف كان فإذا لم يقع النزاع الأول تعين وقوع النزاع الثاني و يكون السؤال فيه هكذا: هل يحكم العقل بوجود ملازمة بين وجوب المقدمة و وجوب ذي المقدمة ام لا.

و لا يخفى عليك ان النزاع العقلي هو من مبادئ النزاع اللفظي حيث عرفت ان اثبات وجود الدلالة الالتزامية يتوقف على اثبات الملازمة.

و من هنا كان هذا النزاع العقلي واقعا على كل حال غايته ان هذا النزاع تارة يقع لنفسه و تارة اخرى يقع مقدمة لإثبات جواب في النزاع الآخر الذي هو النزاع المطلوب بنفسه.

ثم لا يخفى ان تقرير المطلب بالنحو الذي ذكرناه خير من تقريره بالنحو الذي ذكره المصنف (ره) لتشويشه و لما فيه من مفاسد سوف نشير اليها.

قوله (ره): (و لا يصح ادراجها في مباحث الألفاظ ...).

اقول: مراده اننا إذا اتفقنا على ان هذه الملازمة العقليّة غير بينه بالمعنى الأخص فنحن نكون متفقين على ان اللفظ الدال على الملزوم لا يكون دالا على اللازم. فلا يكون هنا مجال لجعل النزاع لفظيا مع فرض اننا متفقون على عدم دلالة اللفظ.

و ليس مراده أننا إذا ثبت عند بعضنا ان هذه الملازمة العقليّة غير بينه لا تكون المسألة لفظية فإن هذا بمفرده لا يستوجب خروج المسألة عن المباحث اللفظية لاحتمال ان البعض الآخر من الأصوليين يقول بأن هذه الملازمة العقليّة بينه بالمعنى الأخص فتدخل عنده في المباحث اللفظية.

تنبيه: القول بأن اللفظ الدال بالمطابقة على الملزوم (وجوب ذي المقدمة) دال بالملازمة على اللازم (وجوب المقدمة) و إن توقف على ثبوت الملازمة بين الوجوبين إلا أنه لا يتوقف على كون هذه الملازمة عقلية فحتى لو ثبت الملازمة بنظر العرف كان كذلك كافيا كما لا يخفى.

135

و إن كانت هذه الملازمة- في نظر القائل بها- ملازمة بينة بالمعنى الأخص، فإثبات اللازم يكون لا محالة بالدلالة اللفظية و هي الدلالة الالتزامية خاصة. و الدلالة الالتزامية من الظواهر التي هي حجة.

و لعله لأجل هذا أدخلوا هذه المسألة في مباحث الألفاظ و جعلوها من مباحث الأوامر بالخصوص. و هم على حق في ذلك إذا كان القائل بالملازمة لا يقول بها إلا لكونها ملازمة بينة بالمعنى الأخص، و لكن الأمر ليس كذلك.

إذن، يمكننا أن نقول: أن هذه المسألة ذات جهتين باختلاف‏

____________

فمجرد نفي الملازمة العقلية لا يستوجب عدم الدلالة الالتزامية و انما الذي يستوجب عدم الدلالة الالتزامية هو عدم الملازمة مطلقا سواء بنظر العرف او بنظر العقل.

قوله (ره): (و هم على حق في ذلك اذا كان القائل ...).

اقول: تشعر عبارته ان ادخال المسألة في مباحث الألفاظ يتوقف على الجزم بأن الملازمة بينه بالمعنى الأخص.

و هذا من المصنف (ره) خلط بين شرط كون اللفظ دالا بالالتزام و بين شرط دخول المسألة في مباحث الألفاظ.

و لكنه فاسد إذ حتى يكون اللفظ دالا بالالتزام يجب الجزم بوجود الملازمة و بكونها بينه بالمعنى الأخص بينما حتى تكون المسألة من مباحث الألفاظ يكفي وقوع الخلاف في وجود الدلالة الالتزامية الناشئ عن النزاع و الخلاف في وجود الملازمة او في كونها بينة بالمعنى الأخص.

فالحاصل ان الجزم بكون الملازمة بينه بالمعنى الأخص شرط لإحراز أن اللفظ له دلالة التزامية و ليس شرطا للنزاع في وجود الدلالة الالتزامية الذي هو نزاع لفظي كما لا يكاد يخفى.

قوله (ره): (إن هذه المسألة ذات جهتين ...).

اقول: قد عرفت فساد هذا التعبير فإن كون النزاع لفظيا لا يتوقف على‏

136

الأقوال فيها: يمكن أن تدخل في مباحث الألفاظ على بعض الأقوال، و يمكن أن تدخل في الملازمات العقلية على البعض الآخر.

و لكن لأجل الجمع بين الجهتين ناسب إدخالها في الملازمات العقلية- كما صنعنا- لأن البحث فيها على كل حال في ثبوت الملازمة، غاية الأمر أنه على أحد الأقوال تدخل صغرى لحجية الظهور كما تدخل صغرى لحجية العقل. و على القول الآخر تتمحض في الدخول صغرى لحجية العقل. و الجامع بينهما هو جعلها صغرى لحجية العقل.

____________

القول بأن الملازمة بينه بالمعنى الأخص بل يتوقف على وجود خلاف في ذلك كما ان القول بأن الملازمة ليست بينه بالمعنى الأخص لا ينفي وقوع النزاع اللفظي في كون اللفظ له دلالة التزامية ام لا.

قوله (ره): (غاية الأمر انه على احد الأقوال تدخل ...).

اقول: مراده بأحد الأقوال هو القول بأن الملازمة بينه بالمعنى الأخص.

و كيف كان فعبارته بظاهرها فاسد لأن الذي يدخل صغرى لحجيّة الظهور هو اللفظ الدال بسبب وجود هذه الملازمة البينة بالمعنى الأخص. لا نفس الملازمة فإن نفس الملازمة ليست ظهورا بل هي سبب في تحقق ظهور اللفظ بالدلالة الالتزامية. فإذن الملازمة على هذا القول تكون سببا في دخول اللفظ تحت صغرى حجيّة الظهور و ليست بنفسها داخلة تحت حجية الظهور كما هي عبارة المصنف (ره).

قوله (ره): (و على القول الآخر ...).

اقول: القول الآخر هو القول بأن الملازمة ليست بينه بالمعنى الأخص.

137

ثمرة النزاع:

إن ثمرة النزاع المتصورة- أولا و بالذات- لهذه المسألة هي استنتاج وجوب المقدمة شرعا بالإضافة إلى وجوبها العقلي الثابت.

و هذا المقدار كاف في ثمرة المسألة الأصولية، لأن المقصود من علم الأصول هو الاستعانة بمسائله على استنباط الأحكام من أدلتها.

و لكن هذه ثمرة غير عملية، باعتبار أن المقدمة بعد فرض وجوبها العقلي و لا بدية الإتيان بها لا فائدة في القول بوجوبها شرعا أو بعدم وجوبها، إذ لا مجال للمكلف أن يتركها بحال ما دام هو بصدد امتثال ذي المقدمة.

و عليه، فالبحث عن هذه المسألة لا يكون بحثا عمليا مفيدا، بل يبدو لأول وهلة أنه لغو من القول لا طائل تحته، مع أن هذه المسألة من أشهر مسائل هذا العلم و أدقها و أكثرها بحثا.

و من أجل هذا أخذ بعض الأصوليين المتأخرين يفتشون عن فوائد عملية لهذا البحث غير ثمرة أصل الوجوب. و في الحقيقة أن كل ما ذكروه من ثمرات لا تسمن و لا تغني من جوع.

____________

قوله (ره): (إن ثمرة النزاع المتصورة اولا و بالذات ...).

اقول: ان البحث يقع في ان وجوب ذي المقدمة يدل على وجوب المقدمة ام لا فالثمرة الأولية هي استنباط وجوب المقدمة شرعا.

و لكن من الواضح ان هذه الثمرة بما هي اشبه باللغو لأن المقدمة قد حكم العقل بأنه لا بد منها مضافا الى أن هذا الوجوب الشرعي شبه العدم إذ ليس في طاعته ثواب و لا في مخالفته عقاب. فهذه الثمرة و إن كانت موجودة إلا أنها شبه المعدومة لأن هذا الوجوب الشرعي لا اثر له عمليا.

نعم لو فرض ان الوجوب الشرعي للمقدمة يستلزم عقاب على مخالفتها مضافا الى العقاب على مخالفة الواجب النفسي لكانت الثمرة مهمة حينئذ. و لكن ليس الواقع كذلك.

قوله (ره): (إن كل ما ذكروه من ثمرات لا تسمن ..).

138

(راجع عنها المطولات إن شئت).

فيا ترى هل كان البحث عنها كله لغوا؟ و هل من الأصح أن نترك البحث عنها؟- نقول: لا!

____________

اقول: نذكر بعضا منها و نبين كيف لا تشبع الجائع و لا تسمن الهزيل.

الثمرة الأولى: ان المكلف لو نذر ان يأتي بواجب شرعي فإذا قلنا بوجوب المقدمة يكون الإتيان بها مبرءا من النذر و مسقطا له لأن الإتيان بالمقدمة حينئذ إتيان بالواجب الشرعي و أما إذا قلنا ان المقدمة غير واجب شرعا يكون الإتيان بها ليس مبرءا من النذر و لا مسقطا له لأن الإتيان بالمقدمة حينئذ ليس إتيانا بالواجب الشرعي.

و يرد على هذه الثمرة امران.

الأول: ان النذر يتبع القصد فإن قصد بالواجب ما يشمل المقدمة يسقط النذر بالمقدمة حتى لو لم تكن واجبا شرعا.

و إن قصد ما لا يشمل المقدمة لم يسقط النذر بالمقدمة حتى لو كانت واجبا شرعا اما إذا لم يقصد فالظاهر لزوم القدر المتيقن ارادته لبا و قد يقال بلزوم رعاية الانصراف و على الحالين تخرج المقدمة للانصراف عنها.

الثاني: ان هذا ليس ثمرة مسألة أصولية إذ ثمرة المسألة الأصولية إنما هي استنباط الحكم الشرعي. و سقوط النذر أو عدم سقوطه ليس حكما شرعيا.

الثمرة الثانية: إنه إن قلنا بحرمة اخذ الأجرة على الواجبات فعليه إن قلنا بوجوب المقدمة حرم اخذ الأجرة عليها و إن قلنا بعدم وجوبها لم يحرم اخذ الأجرة عليها.

و يرد على هذه الثمرة:

اولا: لا اطلاق لحرمة اخذ الأجرة على الواجبات.

و ثانيا: لو حرمت الأجرة على الواجبات حرمت على مقدماتها فلا فرق بين كون المقدمة واجبة او غير واجبة.

و ثالثا: إن هذه الثمرة على فرض صحتها ليست أصوليّة بل هي تنقيح‏

139

إن للمسألة فوائد علمية كثيرة إن لم تكن لها فوائد عملية، و لا يستهان بتلك الفوائد كما سترى، ثم هي ترتبط، بكثير من المسائل ذات الشأن العملي في الفقه، كالبحث عن الشرط المتأخر و المقدمات المفوتة و عبادية بعض المقدمات كالطهارات الثلاث مما لا يسع الأصولي أن يتجاهلها و يغفلها. و هذا كله ليس بالشي‏ء القليل و إن لم تكن هي من المسائل الأصولية.

و لذا تجد أن أهم مباحث مسألتنا هي هذه المنوّه عنها و أمثالها.

أما نفس البحث عن أصل الملازمة فيكاد يكون بحثا على الهامش، بل آخر ما يشغل بال الأصوليين.

هذا، و نحن اتباعا لطريقتهم نضع التمهيدات قبل البحث عن أصل المسألة في أمور تسعة:

[البحث عن أصل المسألة في أمور تسعة]

1- الواجب النفسي و الغيري‏

تقدم في الجزء الأول ص 68 معنى الواجب النفسي و الغيري، و يجب توضيحهما الآن فإنه هنا موضع الحاجة لبحثهما، لأن الوجوب الغيري هو نفس وجوب المقدمة- على تقدير القول بوجوبها-.

____________

لموضوعات الحكم الشرعي فمثلا (العقد صحيح) يقع نقاش ان هذا عقد ام لا. فعلى انه عقد يكون صحيحا و إلا لا يكون صحيحا فهذا نقاش في موضوع الحكم و لا يستنبط منه حكم شرعي و إن كان تشخيص الموضوع يلزمه انطباق الحكم الشرعي او عدم انطباقه عليه.

الثمرة الثالثة: ان المقدمة إن كانت عبادة و كانت واجبة تكون صحيحة و إن لم تكن واجبة كانت فاسدة.

و هذه الثمرة يقع الكلام عليها و لو كانت صحيحة لكانت ثمرة أصوليّة علميه محضا لأن المقدمات العبادية معلومة الصحة.

و هكذا الحال في باقي الثمرات على هذا المنوال نعم بعض الثمرات تعرض لها المتأخرون و لعلنا نتعرض لها في خاتمة البحث.

140

و عليه، فنقول في تعريفهما:

الواجب النفسي: ما وجب لنفسه، لا لواجب آخر.

____________

قوله (ره): (الواجب النفسي ما وجب لنفسه ...).

اقول: هذا شروع في تعريف الواجب النفسي و الواجب الغيري و قد عرفا بتعاريف اهمها.

التعريف الأول: و هو المشهور ان النفسي (ما امر به لنفسه) و الغيري (ما امر به لأجل غيره).

و قد اعترض الشيخ (ره) على هذا التعريف بلزوم كون جل الواجبات غيرية حيث ان جميع الواجبات (إلا المعرفة بالله تعالى) قد امر بها لأجل التوصل الى غاية الغايات و هي معرفته و القرب منه تعالى شأنه.

و بذلك يختل عكس الأول لعدم شموله لمعظم الواجبات النفسية.

و كذا يختل طرد الثاني لشموله الأغيار و هي الواجبات النفسية.

و لهذا عدل الشيخ (ره) عن هذا التعريف الى التعريف الثاني.

التعريف الثاني: و هو ان النفسي (ما أمر به لنفسه أي لا لأجل التوصل به الى واجب آخر) و الغيري هو (ما أمر به لأجل التوصل الى واجب آخر).

فالفرق بين التعريفين هو في الملاك فالأول ملاك وجوبه ما فيه من المصلحة في نفسه و الثاني ملاك وجوبه ما فيه من جهة الإيصال الى الواجب.

و زعم الشيخ (ره) ان بهذا التعريف يندفع الإشكال المتقدم و ذلك لأن الواجبات النفسية (كالصلاة و الصوم و غيرهما) و إن وجبت للتوصل الى غايات خارجة عن حقيقتها كالمعراجية التي هي غير الصلاة و التقوى التي هي غير الصوم بل نتيجته إلا أنه من الواضح أن هذه الغايات ليست واجبات شرعية فالصلاة واجبة لأجل هذه الغاية التي ليست واجبة شرعا. و أما الواجبات الغيرية فكلها لأجل التوصل الى الواجبات الشرعية.

و هذا كلام جيد إلا أن البعض (صاحب الكفاية (ره)) اعترض ان الغايات يجب ان تكون واجبة حينئذ ضرورة انها هي التي سببت وجوب‏

141

الواجب الغيري: ما وجب ... لواجب آخر.

و هذان التعريفان أسدّ التعريفات لهما و أحسنها، و لكن يحتاجان إلى بعض من التوضيح:

____________

الصلاة و الصيام فكيف لا تكون واجبة مع انها هي سبب لوجوب غيرها فالحاصل ان الغايات يجب ان تكون مصالح ملزمة و بالتالي واجبة. إذ لو لم تكن مصالح ملزمة لما كانت تستدعي وجوب الأفعال المحصلة لها.

اقول: و هذا الاعتراض فيه خلط بين وجوبين الأول ما يجب تحصيله على المولى. و الثاني وجوب شرعي على العبد.

فالأول: هو بمعنى ان يرى المولى أن هذه المصلحة لا بد من تحصيلها لأنها مصلحة ملزمة. و هذا ليس حكما شرعيا لأن الوجوب هنا متعلق بالمولى لا بالعبد و نظيره نظير ان يرى الأب ان حفظ ابنه من الموت مصلحة ضرورية له يجب عليه تحصيلها فإن هذا ليس وجوبا ابويا على الأب و لا على الطفل.

و الثاني: هو الوجوب الشرعي المضروب على العبد أي الزامه هو بتحصيل كذا. كإلزامه بتحصيل الصلاة.

و من هنا نقول ان (المعراجية) مثلا و هو غاية الصلاة هي واجبة بالمعنى الأول أي أن المولى لا بد له من تحصيلها و لكنه لم يضربها على عاتق العبد و ذمته. فليست واجبة بالمعنى الثاني.

(و الواجب) المذكور في التعريف هو الواجب بالمعنى الثاني فالواجب النفسي هو ما وجب لا لأجل واجب شرعي آخر. و المعراجية مثلا ليست واجبا شرعيا و هكذا في سائر الأمثلة.

فإن قلت: إن الوجوب بالمعنى الأول يلزمه الوجوب بالمعنى الثاني فكل ما رأى المولى أن شيئا يجب عليه ان يحصله يكون هذا الشي‏ء واجبا شرعيا على العبد فإذا رأى المولى أن المعراجية يجب عليه أن يحصلها تكون هذه المعراجية واجبا شرعيا على العبد.

قلت اولا: لا دليل على هذه الملازمة بل الحق ان الدليل على عدمها

142

فإن قولنا: «ما وجب لنفسه» قد يتوهم منه المتوهم لأول نظرة أن‏

____________

فإن الوجوب الشرعي امر اعتباري هو عبارة عن نقش القانون في لوح الشريعة و هذا امر اختياري للمولى يمكن ان يفعله و يمكن ان لا يفعله فحتى لو رأى ان المعراجية لا بد من تحصيلها لم يجب عليه تكوينا و لا من باب الحكمة أن يضرب وجوبه في لوح الشريعة بل يمكنه ان يضرب في لوح الشريعة وجوب شي‏ء آخر يؤدي الى المعراجية.

ثانيا: قد نفرض وجود مانع يمنع من ايجاب المعراجية على العبد كما لو فرض ان ذلك يلزمه الهرج و المرج إذ من الواضح ان واضعي القوانين للشعوب و المجتمعات لا يجوز لهم ان يعطوا للمجتمع ملاكات القوانين و يكتفوا بذلك فيقولون كل ما ادى الى دفع الظلم فهو مشرع و كل ما ادى الى ازدياد الظلم فهو معاقب عليه عقوبة بمقدار استيجابه لزيادة الظلم و كل ما ادى الى حفظ النظام و تطور الشعب فهو واجب و هكذا إلخ.

فإن من الواضح ان هذه الملاكات لو القيت الى الشعب ليعمل بها لزم الهرج و المرج فكان عكس الغرض تماما فبينما كان غرضنا وضع القانون فإذا بنا نضع مادة الهرج و المرج إذ من الواضح ان كل فرد من افراد الناس يطبق الملاكات على ما يحلو له و ما تراه نفسه و عقله الصغير و لعل لأجل ذلك نهينا اشد النهي عن العمل بالمصالح و المفاسد و الاستحسانات و مع هذا النهي الشديد و المتواتر المنقول من جيل الى جيل ما زلت تجد في عقول البعض من علماء الشيعة و طلبتهم ميلا الى العمل بالاستحسان و المصالح بل تراهم يعملون بها تحت اسم العقل فلا حول و لا قوة إلّا بالله العظيم.

و كيف كان فظهر ان هذا التعريف تام‏ (1). و هناك تعاريف اخرى قد يصحح بعضها و يناقش في الآخر و لا حاجة اليها.

قوله (ره): (قد يتوهم منه المتوهم لأول نظرة ان ...).

____________

(1) و يرد عليه سؤال أنه كيف تعددت الواجبات النفسية و تعدد العقاب مع أن الجميع مقدمات لذي مقدمة واحد بناء على ما ذكره الشيخ (ره) من أن جميع الواجبات النفسية وجبت لأجل غرض واحد هو تحقيق المعرفة.

143

العبارة تعطي أن معناها أن يكون وجوب الشي‏ء علة لنفسه في الواجب النفسي، و ذلك بمقتضى المقابلة لتعريف الواجب الغيري، إذ يستفاد منه أن وجوب الغير علة لوجوبه كما عليه المشهور. و لا شك في أن هذا محال في الواجب النفسي، إذ كيف يكون الشي‏ء علة لنفسه؟.

و يندفع هذا التوهم بأدنى تأمل، فإن ذلك التعبير عن الواجب النفسي صحيح لا غبار عليه، و هو نظير تعبيرهم عن اللّه تعالى بأنه‏

____________

اقول: لا يأتي هذا التوهم لا من اول نظرة و لا من آخرها. فإن هذا المعنى بعيد جدا عن اللفظ فإن (ما) هنا موصولية ترجع الى متعلق الوجوب أي الشي‏ء من الصلاة و الصيام و نحوها. فيصير معنى العبارة (الشي‏ء الذي وجب لنفسه) و الضمير يرجع الى الشي‏ء كما هو الحال في كل عائد يرجع الى الموصول فيكون المعنى الواضح للعبارة. أن الوجوب معلول لنفس الشي‏ء فإن وجب تدل على الوجوب و اللام تدل على ان ما بعدها علة لما قبلها و ما بعدها هو نفس الشي‏ء أي نفس الشي‏ء علة للوجوب المحمول عليه.

و لعمري لقد كان التعريف لا يتبادر منه إلا هذا المعنى بحيث ان استفادة المعنى الذي ذكره المصنف من قبيل استفادة معنى (حمار) من لفظ (حائط).

فإن قلت: (ما) الموصولية ترجع الى الوجوب فيكون المراد (الوجوب الذي وجب لنفسه) و هو المعنى الذي ذكره المصنف (ره).

قلت أي عربي يقول (وجب الوجوب) و ما معنى (وجب الوجوب) و إنما يقال (اوجب الوجوب) فلو كانت (ما) ترجع الى الوجوب لوجب ان يقول (ما أوجبه لنفسه) مع ان فهم رجوع (ما) الى الوجوب حتى في هذه العبارة يحتاج الى قرينة صارفة و معينه.

قوله (ره): (بمقتضى المقابلة لتعريف الواجب الغيري ...).

اقول: معنى تعريف الواجب الغيري (الشي‏ء الذي وجب لأجل واجب آخر) فيدل على ان علة وجوب هذا الشي‏ء هي التوصل الى واجب آخر.

144

«واجب الوجود لذاته»، فإن غرضهم منه أن وجوده ليس مستفادا من الغير و لا لأجل الغير كالممكن، لا أن معناه أنه معلول لذاته. و كذلك هنا نقول في الواجب النفسي فإن معنى «ما وجب لنفسه» أن وجوبه غير مستفاد من الغير و لا لأجل الغير في قبال الواجب الغيري الذي وجوبه لأجل الغير، لا أن وجوبه مستفاد من نفسه.

و بهذا يتضح معنى تعريف الواجب الغيري «ما وجب لواجب آخر» فإن معناه أن وجوبه لأجل الغير و تابع للغير، لكونه مقدمة لذلك الغير الواجب. و سيأتي في البحث الآتي توضيح معنى التبعية هذه، ليتجلى لنا المقصود من الوجوب الغيري في الباب.

2- معنى التبعية في الوجوب الغيري‏

قد شاع في تعبيراتهم كثيرا قولهم: «إن الواجب الغيري تابع في‏

____________

فمقتضى المقابلة مع هذا التعريف ان يكون النفسي هو (الشي‏ء الذي وجب لا لأجل التوصل الى واجب آخر بل لأجل نفس الشي‏ء) فأين التوهم الذي ذكره المصنف (ره).

قوله (ره): (قد شاع في تعبيراتهم كثيرا قولهم إن الواجب ...).

اقول: تنقيح المسألة يتضح في مقدمات.

المقدمة الأولى: ان الحكم الشرعي من الوجوب و غيره هو قانون مضروب في لوح التشريع فالحكم أمر فوق الإرادة فإن المولى قد يريد شيئا و لكن لا يضربه في لوح التشريع. فالإرادة شي‏ء و الحكم شي‏ء آخر هو فوق الإرادة.

المقدمة الثانية: ان الحكم الشرعي فعل اختياري للمولى اعني انه فعل من الأفعال و فاعله هو الشارع فالحكم بالنسبة الى المولى كالخلق بالنسبة الى الخالق.

المقدمة الثالثة: ان هذا الفعل الاختياري ككل فعل اختياري لا بد له من علتين الأولى العلة الفاعلية و هي الشارع الأقدس. الثانية العلة الغائية.

145

ثم إن العلة الفاعلية هنا لا تكون علة فاعلية إلا إذا تحققت فيها الإرادة التامة فمن الواضح انك لا تكون فاعلا للضرب إلا إذا تحققت عندك الإرادة التامة للضرب.

و هذه الإرادة ايضا لا تتحقق إلا عند وجود اسبابها فإن الإرادة امر معلول يحتاج الى علة و علة الإرادة هي رؤية ملاك الفعل و الاعتقاد به كما لو رأيت أن في النوم مصلحة لا يعارضها مفسده فإن هذه الرؤية هي التي تستوجب تحقق الإرادة عندك الى فعل النوم.

فتحصل أن كل فعل اختياري لا بد له من فاعل و لا بد للفاعل أن يكون عنده إرادة و لا بد للإرادة ان تكون عن رؤية الملاك من المصلحة و المفسدة.

المقدمة الرابعة: قد ذكر عدة من الأعلام ان الوجوب المقدمي بمعنى إنشاء الحكم امر مقطوع العدم فالمراد من الوجوب المقدمي غير ضرب الحكم و إنشائه.

و لكن قد عرفت في اول البحث أن هذا فاسد و لا يعقل أن يفسر الوجوب المقدمي إلا بإنشاء الحكم و ضربه في لوح التشريع.

و أما دعوى القطع بعدمه فناشئة من توهم أن الوجوب المقدمي لم يرد به عين و لا أثر فهو ليس موجود.

و هذا التوهم فاسد لأننا يمكن أن ندعي ان الوجوب المقدمي له وجود في اللوح التشريعي. و هذا لا يضر به عدم تبليغه الى العباد فعدم الكلام عنه شي‏ء و عدم وجوده في الواقع شي‏ء آخر كما هو واضح.

و أما ما ورد في عبارات عدة من الإعلام من أن الوجوب المقدمي كثيرا ما يكون مغفولا عنه ففي غاية الفساد و الخلط إذ الغفلة غير محتملة في الشارع الأقدس و إن كانت محتملة في غيره من المشرعين.

المقدمة الخامسة: ذكر عدة ان الرغبة المولوية نحو المقدمة عند الالتفات اليها أمر مقطوع الصحة ضرورة أن الآمر بشي‏ء الملتفت الى توقف‏

146

ذلك الشي‏ء على مقدمة لا بد يصير عنده رغبة في حصول تلك المقدمة.

إذن حصول الشوق الى المقدمة امر مقطوع خارج عن الجدل.

و هذا كلام متين في غاية البداهة. إلا ان الكلام يقع في نقطة اخرى و هي أن الشوق هل هو علة تامة للإرادة ام ان الشوق علة ناقصة للإرادة.

فعلى فرض ان الشوق علة تامة للإرادة يجب ان تكون الإرادة الى المقدمة متحققة قطعا حيث فرضنا ان الشوق الى المقدمة متحقق قطعا و على ذلك يكون أيضا لا مجال للنزاع في وجود الإرادة الى المقدمة.

و على فرض ان الشوق علة ناقصة بحيث ان المريد يبقى باختياره ان يريد او لا يريد فعلى هذا الفرض يمكن ان يقع الجدل في تحقق الإرادة الى المقدمة حتى مع القطع بوجود الشوق اليها.

و الحق الذي يعرفه اهل الإنصاف أن الشوق ليس علة تامة للإرادة و إن كانت الإرادة ايضا ليست اختيارية بنفسها بل اختيارية بمقدماتها و تحرير ذلك في غير هذا المحل.

و الغرض بيان أن الشوق علة ناقصة للإرادة.

و عليه فينتج من هذه المقدمة مع المقدمة السابقة ان الوجوب قد يفسر بمجرد الإرادة فقط و قد يفسر بالضرب التشريعي المتأخر عن الإرادة.

إذا عرفت هذه المقدمات نقول إن تبعيّة الوجوب المقدمي للوجوب النفسي قد تفسر بتفاسير.

الأول: أن الوجوب المقدمي وجوب مجازا و بالعرض لا وجود له حقيقة و ذلك كوجوب استدبار عكس القبلة بالنسبة الى وجوب التوجه الى القبلة فإن وجوب التوجه الى القبلة في الصلاة وجوب حقيقي بينما وجوب استدبار عكس القبلة وجوب مجازي.

الثاني: وجوب يحصل بعد حصول الوجوب النفسي و لكن يكون مستقلا في ملاكه من المصلحة و الإرادة و ذلك كوجوب صلاة العصر بعد وجوب صلاة الظهر.

147

الثالث: أن يكون وجوب المقدمة معلولا لوجوب ذي المقدمة حتى يكون وجوب ذي المقدمة هو العلة.

الرابع: أن يكون ارادة ذي المقدمة هي علة ارادة المقدمة.

الخامس: أن يكون المصلحة و ملاك ذي المقدمة هو علة ارادة المقدمة.

إذا عرفت هذه التفاسير و التي يوجد غيرها و لا حاجة الى ذكره بعد وضوح فساده نقول أن الحق هو الخامس و بطلان الباقي.

اما الأول: فلأنه عبارة اخرى عن نفي وجوب المقدمة و التسليم بأن الوجوب المقدمي لا وجود له و هذا خلاف التسليم بوجود الوجوب المقدمي. فهذا التفسير هو تفسير الوجوب المقدمي باللابدية العقليّة و قد عرفت عدم النزاع فيه.

اما الثاني: فيدفعه أن الكلام في وجوب المقدمة بما هي مقدمة لا في وجوب ذات المقدمة بما هي هي.

و بعبارة اخرى إن وجوب المقدمة يتصور على نحوين.

النحو الأول: وجوب ذات المقدمة بحيث حتى لو فرض عدم وجوب ذي المقدمة يبقى ذات المقدمة واجبا و ذلك كما لو فرض ان التجارة واجبة و أن النفقة على العيال واجب آخر فالتجارة و إن كانت مقدمة للنفقة على العيال إلا أنها وجبت لا من حيث أنها موصلة للنفقة على العيال بل وجبت بما هي هي حتى لو فرض عدم وجوب النفقة على العيال لبقي وجوب التجارة قائما على حاله.

النحو الثاني: وجوب المقدمة بما هي مقدمة حتى لو فرض سلب وصف المقدمية عنها سقط وجوبها فوجوبها إنما انصب عليها لمقدميتها الى ذي المقدمة.

إذا عرفت هذين النحوين نقول إن النحو الأول خارج عن محل البحث فإن وجوب المقدمة حينئذ هو وجوب نفسي كسائر الوجوبات النفسية.

148

فالكلام و البحث انما هو في النحو الثاني و عليه لا يمكن ان نفرض ان وجوب المقدمة كان بملاك مستقل إذ لو كان بملاك مستقل لم يكن وجوبها منصبا عليها بما هي موصلة الى ذي المقدمة بل انصب عليها بما هي فيها هذا الملاك المستقل فيرجع هذا الوجوب الى النحو الأول.

و الحاصل ان الوجوب بالنحو الثاني لا يجتمع مع فرض ان ملاك الوجوب مستقل عن ذي المقدمة بل لا بد من فرض ان ملاك الوجوب هو مقدميتها الى ذي المقدمة.

و اما الثالث: فهو فاسد لما عرفت في المقدمة الثانية و الثالثة من ان الإيجاب فعل المولى فالمولى هو علته فلا يمكن ان يكون وجوب ذي المقدمة الذي هو فعل للمولى ايضا ان يكون علة لفعل آخر من افعال المولى بل المولى بنفسه هو علة جميع افعاله.

و أما الرابع: فهو فاسد أيضا لما عرفت في المقدمة الثالثة من أن الإرادة معلولة للشوق و رؤية المصلحة فليست الإرادة معلولة لإرادة اخرى.

و من هنا يتعين التفسير الخامس و توضيحه ان العاقل يرى مصلحة في فعل كالصلاة مثلا ثم يصير عنده تبعا لرؤية المصلحة شوق الى الصلاة ثم يصير عنده ارادة الصلاة ثم يشرعها و يحكم بوجوبها فيكون وجوب هذه الصلاة نفسيا لأن وجوبها كان معلولا في علته الأولى لرؤية المصلحة في نفسه.

و أما مقدمات الصلاة فإن العاقل يرى مصلحة في الصلاة فيصير عنده شوق الى الصلاة ثم يصير عنده شوق الى مقدمات الصلاة فالشوق الى مقدمات الصلاة معلول لرؤية مصلحة الصلاة و الشوق اليها و لهذا يكون واجبا غيريا لأن ملاك وجوبه (المصلحة) في غيره أي الواجب النفسي.

فتحصل ان العلة الأولية للوجوبين النفسي و الغيري هي رؤية المصلحة في الواجب النفسي فهذه علة واحدة لمعلولين.

ثم بعد ذلك يحصل الشوق الى الواجب النفسي و هذا الشوق معلول‏

149

لرؤية المصلحة و علة لأمرين الأول ارادة الواجب النفسي الثاني الشوق الى المقدمات و بهذا ايضا كان الشوق الى ذي المقدمة علة واحدة لمعلولين هما الواجب النفسي و الواجب الغيري.

و الى هنا ينتهي الاشتراك في العلل و يبدأ الانفصال فالشوق الى المقدمة يكون علة لشي‏ء واحد هو ارادة المقدمة و ارادة المقدمة تكون علة لشي‏ء واحد هو وجوب المقدمة.

و هكذا ارادة ذي المقدمة تكون علة لشي‏ء واحد هو ايجاب ذي المقدمة.

فالحاصل ان وجوب المقدمة له سلسلة علل مركبه من اربع علل على التوالي.

الإرادة الى المقدمة.

الشوق الى المقدمة.

الشوق الى ذي المقدمة.

رؤية المصلحة في ذي المقدمة.

كما ان وجوب ذي المقدمة له سلسلة علل مركبه من ثلاث علل على التوالي. الإرادة الى ذي المقدمة، الشوق الى ذي المقدمة، رؤية المصلحة في ذي المقدمة.

و من هنا يتضح ان الوجوب المقدمي يشترك في سلسلة علله مع سلسلة علل الوجوب النفسي في العلتين الأخيرتين الشوق الى ذي المقدمة و رؤية المصلحة في ذي المقدمة. فمعنى التبعيّة هو ان العلتين الأخيرتين لوجوب ذي المقدمة يكونان هما العلتان الأخيرتان لوجوب المقدمة.

تنبيهات:

الأول: اننا ذكرنا ان الشوق الى ذي المقدمة هو علة الشوق الى المقدمة و هذا مبني على ان الصفات النفسية يتولد منها قهرا صفات نفسيه اخرى و هذا مذهب يؤيده الوجدان.

150

وجوبه لوجوب غيره»، و لكن هذا التعبير مجمل جدا، لأن التبعية في الوجوب يمكن أن تتصور لها معاني أربعة، فلا بد من بيانها و بيان المعنى المقصود منها هنا، فنقول:

1- أن يكون معنى الوجوب التبعي هو الوجوب بالعرض. و معنى ذلك أنه ليس في الواقع إلا وجوب واحد حقيقي- و هو الوجوب النفسي- ينسب إلى ذي المقدمة أولا و بالذات و إلى المقدمة ثانيا و بالعرض.

و ذلك نظير الوجود بالنسبة إلى اللفظ و المعنى حينما يقال: المعنى‏

____________

الثاني: اننا ذكرنا ان الشوق الى ذي المقدمة هو علة الشوق الى المقدمة و في هذا بعض المسامحة و ذلك ان الشوق الى ذي المقدمة لا يكون وحده هو العلة للشوق الى المقدمة بل لا بد ايضا من ان ينضم اليه رؤية توقف ذي المقدمة على المقدمة.

الثالث: قد يتوهم ان رؤية مصلحة ذي المقدمة هو بنفسه علة الشوقين (الى ذي المقدمة و الى المقدمة) فلا يكون الشوق الى ذي المقدمة هو علة الشوق الى المقدمة.

و هذا التوهم و إن لم يكن ضارا فيما غرضنا إثباته من أن معنى التبعيّة هو ان العلة الأخيرة للوجوب المقدمي هي العلة الأخيرة للوجوب النفسي.

إلا أنه توهم فاسد كما يشهد لذلك الوجدان فإن الشوق الى المقدمة متأخر عن الشوق الى ذيها. و بهذا ينتهي البحث و نتعرض لعبارات المصنف (ره).

قوله (ره): (لأن التبعيّة في الوجوب يمكن ان يتصور لها معاني اربعة ...).

اقول: قد عرفت ان ليس المراد هو الحصر في الأربعة إذ يمكن ان يتصور أكثر من اربعة فالمصنف (ره) إنما تعرض للتفسيرات التي لها وجه ما. و اهمل ما لا وجه له او تعرض للتفسيرات القريبة الى الذهن و اهمل تلك التفسيرات الغامضات الباطلات.

151

موجود باللفظ، فإن المقصود بذلك أن هناك وجودا واحدا حقيقيا ينسب إلى اللفظ أولا و بالذات و إلى المعنى ثانيا و بالعرض.

و لكن هذا الوجه من التبعية لا ينبغي أن يكون هو المقصود من التبعية هنا، لأن المقصود من الوجوب الغيري وجوب حقيقي آخر يثبت للمقدمة غير وجوب ذيها النفسي، بأن يكون لكل من المقدمة و ذيها وجوب قائم به حقيقة. و معنى التبعية في هذا الوجه أن الوجوب الحقيقي واحد و يكون الوجوب الثاني وجوبا مجازيا. على أن هذا

____________

قوله (ره): (و إلى المعنى ثانيا و بالعرض ...).

اقول: فإن المعنى لا وجود له في الخارج بل يستحيل وجوده في الخارج فإن المعنى وجود ذهني و الوجود الذهني يتباين سنخا مع الوجود الخارجي.

فالموجود خارجا حقيقة إنما هو اللفظ الذي هو فعل من افعال اللسان الذي يتولد منه الصوت الذي هو كيف الهواء.

ثم لا يخفى عليك ان نسبة الوجود الى شي‏ء مجازا لا بد له من علاقة سوغت هذه النسبة و بهذه العلاقة يختلف ما نحن فيه عن المثال الذي ذكره المصنف فإن العلاقة التي سوغت نسبه الوجود الى المعنى مجازا هي وحده المعنى و اللفظ بالنظر التساهلي العرفي بينما العلاقة التي سوغت نسبة الوجوب الى المقدمة مجازا هي اللابدية العقليّة أي لا يحصل ذي المقدمة إلا بحصول المقدمة.

قوله (ره): (و لكن هذا الوجه ...).

اقول: اولا هذا الوجوب هو عين اللابدية العقلية و قد عرفت انه ليس محلا للخلاف فكيف يقال (وقع الخلاف في وجوب المقدمة) ثم نقصد بوجوب المقدمة معنى لم يقع فيه أي خلاف بل لا يمكن ان ينكره عاقل يحترم نفسه.

ثانيا إن هذا الوجوب هو عدم غير موجود فكيف يقال (وقع خلاف في وجود وجوب المقدمة).

152

الوجوب بالعرض ليس وجوبا يزيد على اللابدية العقلية للمقدمة حتى يمكن فرض النزاع فيه نزاعا عمليا.

2- أن يكون معنى التبعية صرف التأخر في الوجود، فيكون ترتب الوجوب الغيري على الوجوب النفسي نظير ترتب أحد الوجودين المستقلين على الآخر، بأن يفرض البعث الموجه للمقدمة بعثا مستقلا و لكنه بعد البعث نحو ذيها مرتب عليه في الوجود، فيكون من قبيل الأمر بالحج المرتب وجودا على حصول الاستطاعة و من قبيل الأمر بالصلاة بعد حصول البلوغ أو دخول الوقت.

و لكن هذا الوجه من التبعية أيضا لا ينبغي أن يكون هو المقصود هنا، فإنه لو كان ذلك هو المقصود لكان هذا الوجوب للمقدمة- في الحقيقة- وجوبا نفسيا آخر في مقابل وجوب ذي المقدمة و إنما يكون وجوب ذي المقدمة له السبق في الوجود فقط. و هذا ينافي حقيقة المقدمية فإنها لا تكون إلا موصلة إلى ذي المقدمة في وجوبها معا.

____________

قوله (ره): (بأن يفرض البعث الموجه للمقدمة بعثا مستقلا ...).

اقول: يعني بالبعث المستقل البعث الذي له ملاك مستقل و إنما فسرناه بهذا التفسير لوضوح ان الوجوب المقدمي الحقيقي هو بعث مستقل على كافة التفاسير الثلاثة التي ذكرها المصنف (ره).

قوله (ره): (و هذا ينافي حقيقة المقدمية فإنها لا ...).

اقول: هذا إشارة الى ما ذكرناه آنفا عند رد هذا التفسير و حاصله ان الكلام في وجوب المقدمة بما هي مقدمة لا وجوب المقدمة بما هي هي و على ذلك فيستحيل ان تفرض ان الوجوب للمقدمة بما هي مقدمة ثم تفرض ان الوجوب له ملاك مستقل عن ذي المقدمة بحيث ان الوجوب باق حتى في فرض عدم المقدمية فإن هذين الفرضين متضادان كما لا يكاد يخفى.

ثم إن قوله ان المقدمة موصلة في وجودها و وجوبها معناه ان المقدمة بنفسها توصل الى ذي المقدمة حتى لا يمكن حصول ذي المقدمة إلا

153

3- أن يكون معنى التبعية ترشح الوجوب الغيري من الوجوب النفسي لذي المقدمة على وجه يكون معلولا له و منبعثا منه انبعاث الأثر من مؤثره التكويني كانبعاث الحرارة من النار.

و كأن هذا الوجه من التبعية هو المقصود للقوم، و لذا قالوا بأن وجوب المقدمة تابع لوجوب ذيها اطلاقا و اشتراطا لمكان هذه المعلولية، لأن المعلول لا يتحقق إلا حيث تتحقق علته و إذا تحققت العلة لا بد من تحققه بصورة لا يتخلف عنها. و أيضا عللوا امتناع وجوب المقدمة قبل وجوب ذيها بامتناع وجود المعلول قبل وجود علته.

و لكن هذا الوجه لا ينبغي أن يكون هو المقصود من تبعية الوجوب الغيري و إن اشتهر على الألسنة، لأن الوجوب النفسي لو كان علة للوجوب الغيري فلا يصح فرضه إلا علة فاعلية تكوينية دون غيرها

____________

بحصول المقدمة و هذا معنى انها موصلة في وجودها.

و اما موصلة في وجوبها فمعناه ان الوجوب انصب على المقدمة بما هي موصلة الى ذي المقدمة لا بما هي هي حتى لو لم تكن موصلة فالوجوب انصب في الحقيقة على عنوان الموصل لا على ذات الموصل.

و ليس مراده ما توهم عبارته من ان الوجوب موصل كما كان الوجود موصلا.

فإن عبارته توهم ان وجود المقدمة موصل الى وجود ذي المقدمة و وجوب المقدمة موصل الى وجوب ذي المقدمة و هذا الإيهام يجي‏ء من قبل وحدة سياق الحكمين و لكنه غير مراد جزما بل المراد ما ذكرناه من ان الوجوب منصب على عنوان الموصل.

قوله (ره): (فلا يصح فرضه إلا علة فاعلية تكوينيه دون ...).

اقول: إن المعلول تارة يكون جوهرا و أخرى عرضا فإن كان جوهرا كان له علل اربع ماديه صوريه فاعلية غائيه. كالخشب و الهيئة و النجار

154

من العلل فإنه لا معنى لفرضه علة صورية أو مادية أو غائية. و لكن فرضه علة فاعلية أيضا باطل جزما، لوضوح أن العلة الفاعلية الحقيقية للوجوب هو الأمر، لأن الأمر فعل الآمر.

و الظاهر أن السبب في اشتهار معلولية الوجوب الغيري هو أن شوق الآمر للمقدمة هو الذي يكون منبعثا من الشوق إلى ذي المقدمة، لأن الإنسان إذا اشتاق إلى فعل شي‏ء اشتاق بالتبع إلى فعل كل ما

____________

و جلوس الملك التي هي علل السرير.

و أما إن كان المعلول عرضا كان له علتان الفاعليّة و الغائية و ليس به مادة و لا صورة.

هذا و من الواضح أن الوجوب هو فعل من افعال المولى فهو عرض فليس له سوى علتان.

و من الواضح ايضا ان العلة الغائية هي الصورة الذهنيّة الموجودة عند الفاعل.

و من الواضح أيضا ان الوجوب النفسي المتعلق بذي المقدمة ليس صورة ذهنية بل فعل من الأفعال.

و عليه فالوجوب النفسي لذي المقدمة لا يمكن ان يكون علة غائية لأنه ليس صورة ذهنية.

و كذا لا يحتمل كونه علة ماديه و لا صوريه لأن الوجوب الغيري ليس له هاتان العلتان كما تقدم.

و من هنا يتضح كيف لا يحتمل إلا العلة الفاعلية.

و هذا الاحتمال ايضا مدفوع بما يذكره المصنف (ره) من ان العلة الفاعلية هو المولى المشرع للوجوب فينقدح ان الوجوب النفسي ليس علة للوجوب المقدمي مطلقا.

قوله (ره): (و الظاهر أن السبب في اشتهار معلوليه ...).

اقول: هذا اشارة الى التفسير الخامس على ما اوضحنا فراجع.