المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه‏ - ج3

- محمود قانصوه المزيد...
510 /
155

يتوقف عليه. و لكن الشوق إلى فعل الشي‏ء من الغير ليس هو الوجوب و إنما الشوق إلى فعل الغير يدفع الآمر إلى الأمر به إذا لم يحصل ما يمنع من الأمر به، فإذا صدر منه الأمر و هو أهل له انتزع منه الوجوب.

و الحاصل ليس الوجوب الغيري معلولا للوجوب النفسي في ذي المقدمة و لا ينتهي إليه في سلسلة العلل، و إنما ينتهي الوجوب الغيري في سلسلة علله إلى الشوق إلى ذي المقدمة إذا لم يكن هناك مانع لدى الآمر من الأمر بالمقدمة، لأن الشوق- على كل حال- ليس علة تامة إلى فعل ما يشتاق إليه. فتذكر هذا فإنه سينفعك في وجوب المقدمة المفوتة و في أصل وجوب المقدمة، فإنه بهذا البيان سيتضح كيف يمكن فرض وجوب المقدمة المفوتة قبل وجوب ذيها، و بهذا البيان سيتضح أيضا كيف أن المقدمة مطلقا ليست واجبة بالوجوب المولوي.

4- أن يكون معنى التبعية هو ترشح الوجوب الغيري من الوجوب النفسي و لكن لا بمعنى أنه معلول له، بل بمعنى أن الباعث للوجوب الغيري- على تقدير القول به- هو الواجب النفسي‏

____________

قوله (ره): (لأن الشوق على كل حال ليس علة تامة ...).

اقول: قد عرفت ان الشوق ليس علة تامة للإرادة و هنا نزيد ان الإرادة ليست علة تامة للفعل ضرورة ان ارادة الفعل قد يزاحمها ارادة اخرى لعدم الفعل فالشوق ليس علة تامة للفعل لوجود نقصين.

قوله (ره): (ان يكون معنى التبعية هو ترشح الوجوب الغيري ...).

اقول: هذا اشارة الى الوجه الخامس مع زيادة و هي ان العلة الغائية للوجوب المقدمي هو التوصل الى ذي المقدمة فالمولى عند ما يوجب الوضوء يكون غايته التوصل الى ذي المقدمة فالتوصل الى ذي المقدمة هو علة غائية كما ان توقف ذي المقدمة على المقدمة منضما الى الشوق الى ذي المقدمة كان علة الشوق الذي هو علة الإرادة الذي هو علة الفاعلية في الفاعل.

156

باعتبار أن الأمر بالمقدمة و البعث نحوها إنما هو لغاية التوصل إلى ذيها الواجب و تحصيله، فيكون وجوبها و صلة و طريقا إلى تحصيل ذيها و لو لا أن ذيها كان مرادا للمولى لما أوجب المقدمة. و يشير إلى هذا المعنى من التبعية تعريفهم للواجب الغيري بأنه «ما وجب لواجب آخر»، أي لغاية واجب آخر و لغرض تحصيله و التوصل إليه، فيكون الغرض من وجوب المقدمة على تقدير القول به هو تحصيل ذيها الواجب.

و هذا المعنى هو الذي ينبغي أن يكون معنى التبعية المقصودة في الوجوب الغيري. و يلزمها أن يكون الوجوب الغيري تابعا لوجوبها اطلاقا و اشتراطا.

____________

قوله (ره): (و يلزمها ان يكون الوجوب الغيري ...).

اقول: وجه الملازمة يتضح في مقدمات.

المقدمة الأولى: ان المعلول يتبع في وجوده وجود علته فيستحيل ان توجد علته دون ان يوجد المعلول. كما يستحيل ان يوجد المعلول دون وجود علته.

المقدمة الثانية: قد عرفت ان الوجوب النفسي هو علة للوجوب المقدمي من جهتين:

الأولى العلة الغائية فإن العلة الغائية لوجوب المقدمة هو التوصل الى الواجب النفسي.

الجهة الثانية العلة الفاعلية فإنها معلولة للإرادة و هي بدورها معلولة للشوق الى المقدمة و هي بدورها معلولة للشوق الى ذي المقدمة.

المقدمة الثالثة: أنه في زمان وجود الوجوب النفسي يكون التوصل الى الواجب النفسي غاية مطلوبة للمولى و أما في زمان عدم وجود الوجوب النفسي لا يكون التوصل الى الواجب النفسي غاية مطلوبة فإنه إنما كان التوصل غاية لأنه توصل الى مطلوب فإذا لم يكن مطلوبا لم يكن التوصل‏

157

و عليه، فالوجوب الغيري وجوب حقيقي و لكنه وجوب تبعي توصلي، و شأن وجوب المقدمة شأن نفس المقدمة. فكما أن المقدمة بما هي مقدمة لا يقصد فاعلها إلا التوصل إلى ذيها كذلك وجوبها إنما هو للتوصل إلى تحصيل ذيها، كالآلة الموصلة التي لا تقصد بالأصالة و الاستقلال.

و سر هذا واضح، فإن المولى- بناء على القول بوجوب المقدمة

____________

اليه مطلوبا كما هو واضح.

و من هنا نقول ان في زمان عدم وجوب الواجب النفسي لا يكون التوصل اليه غاية و بالتالي لا تتحقق العلة الغائية للوجوب المقدمي و بالتالي لا يتحقق نفس الوجوب المقدمي لعدم تحقق علته.

و أما في زمان وجود الوجوب النفسي فيكون التوصل اليه غاية مطلوبة و بالتالي تتحقق العلة الغائية و كذا العلة الفاعلية لفرض تحقق الشوق الى ذي المقدمة فتتم علة الوجوب الغيري فلا بد من تحققه.

فظهر ان كلما تحقق الوجوب النفسي تحققت علة الوجوب المقدمي و كلما لم يتحقق الوجوب النفسي لم يتحقق الوجوب المقدمي و هذا هو تبعيّة الوجوب المقدمي للنفسي اطلاقا و اشتراطا.

تنبيه: هذا الذي ذكرناه فيه بعض المسامحة و إنما سامحنا في الكلام تبعا لمسامحة المصنف (ره) و إلا فسوف يأتي أن التحقيق هو ان الوجوب المقدمي تابع لطلب ذي المقدمة لا لوجوبه و بين الطلب و الوجوب فرق يأتي تحقيقه في محله.

قوله (ره): (فالوجوب الغيري وجوب حقيقي و لكنه ...).

اقول: قد عرفت ان كون الوجوب الغيري حقيقيا كسائر الأحكام الشرعيّة هو الموافق للتحقيق و إن ذهب البعض الى تفسيره بالإرادة المجردة عن الإنشاء او بالإنشاء المتوقف على التوجه او نحو ذلك مما مر ذكره و بينا فساده.

158

- إذا أمر بذي المقدمة فإنه لا بد له لغرض تحصيله من المكلف أن يدفعه و يبعثه ببعث نحو مقدماته فيأمره بها توصلا إلى غرضه.

فيكون البعث نحو المقدمة- على هذا- بعثا حقيقيا، لا أنه يتبع البعث إلى ذيها على وجه ينسب إليها بالعرض كما في (الوجه الأول) و لا أنه يبعثه بعث مستقل لنفس المقدمة و لغرض فيها بعد البعث نحو ذيها كما في (الوجه الثاني)، و لا أن البعث نحو المقدمة من آثار البعث نحو ذيها على وجه يكون معلولا له كما في (الوجه الثالث).

و سيأتي تتمة للبحث في المقدمات المفوتة.

____________

159

3- خصائص الوجوب الغيري‏

بعد ما اتضح معنى التبعية في الوجوب الغيري تتضح لنا خصائصه التي بها يمتاز عن الوجوب النفسي، و هي أمور:

1- إن الواجب الغيري كما لا بعث استقلالي له- كما تقدم- لا إطاعة استقلالية له، و إنما اطاعته كوجوبه لغرض التوصل إلى ذي المقدمة، بخلاف الواجب النفسي فإنه واجب لنفسه و يطاع لنفسه.

2- إنه بعد أن قلنا أنه لا إطاعة استقلالية للوجوب الغيري و إنما إطاعته كوجوبه لصرف التوصل إلى ذي المقدمة فلا بد ألا يكون له ثواب على إطاعته غير الثواب الذي يحصل على إطاعة وجوب ذي المقدمة، كما لا عقاب على عصيانه غير العقاب على عصيان وجوب ذي المقدمة. و لذا نجد أن من ترك الواجب بترك مقدماته لا يستحق أكثر من عقاب واحد على نفس الواجب النفسي، لا أنه‏

____________

قوله (ره): (إن الواجب الغيري كما لا بعث ...).

اقول: قد عرفت معنى لا بعث استقلالي و حاصله ان البعث اليه لم يكن بملاك مستقل بل كان بملاك ذي المقدمة، فإنما امر به بغاية التوصل الى ذي المقدمة كما انه إنما اشتاق اليه للشوق الى ذي المقدمة فالمولى إذن لا يريد الواجب المقدمي بما هو هو و إنما يريده توصلا الى المراد الحقيقي و هو ذي المقدمة و لذا لم يكن هذا البعث الى المقدمة مستوجبا لشي‏ء من الثواب و ذلك لأنه هو بنفسه يرجع الى الأمر بذي المقدمة.

قوله (ره): (و إنما طاعته كوجوبه ...).

اقول: بمعنى ان الممتثل يأتي بالمقدمة بغرض التوصل الى ذي المقدمة كما ان المولى امر بالمقدمة بغرض التوصل الى ذي المقدمة.

قوله (ره): (ألا يكون له ثواب على إطاعته ...).

اقول: قد عرفت ان الأمر المقدمي لا وجود له مستقل و إنما هو ترشح من ترشحات الوجوب النفسي و إنما امر به المولى لأجل إطاعة الواجب‏

160

يستحق عقابات متعددة بعدد مقدماته المتروكة.

____________

النفسي، فالمولى لا غرض له يتعلق بالمقدمة و من هنا فلا ثواب على طاعة هذا الأمر المقدمي و لا عقاب على مخالفته.

و تحقيق المسألة ان يقال ما هو موضوع الثواب و العقاب. و لا يخفى ان المسألة عقلية فنقول يحتمل في الموضوع احتمالان.

الأول: موضوع الثواب و العقاب هو الأمر اطاعة و عصيانا فمن اطاع الأمر و انبعث عن البعث كان له ثواب و من تخلف عن الأمر و لم ينبعث عن البعث كان له عقاب.

الثاني: موضوع الثواب و العقاب هو عنوان الانقياد و عنوان الطغيان فالانقياد هو تحقيق اغراض المولى و الطغيان هو اسقاط اغراض المولى التي يلزم رعايتها.

فعلى الأول يلزم الثواب في اطاعة الأمر المقدمي و العقاب على مخالفته لوضوح ان الأمر المقدمي امر موجود يطاع و يعصى و لعل هذا هو مبنى المشهور و لذا اضطروا الى تقسيم الأمر الى نفسي و غيري فزعموا ان الأمر الذي هو الموضوع هو الأمر النفسي دون الغيري.

و لكن هذا الجواب لا يضع اصبعه على الجرح إذ ما هو الفارق الذي جعل الأمر الغيري خارجا عن الموضوع.

فالتحقيق ان الثاني هو موضوع الثواب و العقاب و عليه فإتيان المقدمات هو شروع في تحقيق اغراض المولى ضرورة ان غرض المولى لا يترتب من الواجب النفسي فقط بل كان له علل ممتده من المقدمات الى ذي المقدمة فالإتيان بالمقدمات كالإتيان بذي المقدمة من حيث الاشتراك في تحقيق غرض المولى كما ان ترك المقدمات كترك ذي المقدمة من حيث الاشتراك في اسقاط غرض المولى الذي يلزم رعايته و هو الإتيان بذي المقدمة.

فظهر ان المقدمات لإتيانها ثواب و لتركها عقاب لكن ليس ثوابا مستقلا عن ثواب ذي المقدمة كما ان العقاب ليس مستقلا عن عقاب ذي المقدمة إذ ليس في البين للمولى إلا غرض واحد فجميع علله تشترك في تحقيقه‏

161

و تحقيق الثواب عليه كما ان ترك احدى علله يكون مؤديا الى اسقاطه و تحقيق العقاب عليه.

و من هنا فلو أتى ببعض المقدمات و ترك البعض الآخر لا يتحقق غرض المولى و يكون العبد قد شرع في المقدمات التي اتى بها في تحقيق غرض المولى. فهذا العبد لا يستحق الثواب المقرر.

و لكن قد يقال باستحقاقه ثواب الانقياد النفسي لا الواقعي فيكون بمنزلة من اعتقد ان زيدا كافر فقتله فبان مؤمنا فإنه طغيان في الواقع انقياد في النفس.

و قد يقال باستحقاق ثواب الانقياد الواقعي لأنه اشترك واقعا في تحقيق غرض المولى و إن لم يكمل الطريق فطي هذه المسافة قبل الهدف انقياد حقيقي لأن الانقياد ليس هو تحقيق غرض المولى بل السير في خطى تحقيق غرض المولى.

و أما لو ترك المقدمة كما لو ترك السير الى الحج كان ترك السير طغيانا و لكن متعلق الطغيان هو ترك الحج لا ترك السير فيكون ترك السير هو مركز الطغيان بترك الحج.

تنبيهات:

التنبيه الأول: قد ظهر ان الأمر بما هو هو لا يقتضي ثوابا و لا عقابا بلا فرق بين الأمر النفسي و الأمر الغيري غايته ان اطاعة الأمر النفسي تكون متلازمة مع عنوان الانقياد الذي هو موضوع الثواب بينما إطاعة الأمر الغيري متلازم مع عنوان السير في تحقيق غرض المولى و قد يقال ان هذا هو عنوان الانقياد.

التنبيه الثاني: انه يتضح من التنبيه السابق و مما قبله أن الطاعة في المقدمات لا أثر فيها لوجود امر غيري او عدم وجوده فإذا قلنا ان الإتيان بالمقدمات انقياد كان له ثواب سواء وجد امر غيري ام لا و إذا قلنا الإتيان بالمقدمات ليس انقيادا لم يكن له ثواب سواء وجد امر غيري ام لا.

162

التنبيه الثالث: أننا ذكرنا ان المنقاد يستحق الثواب و أن الطاغي يستحق العقاب و المراد من الاستحقاق ليس هو ان له حق لوضوح ان العقاب لا يكون حقا بل المراد الأهلية و اللياقة فالمنقاد اهل للثواب و الطاغي اهل للعقاب كما هو واضح.

التنبيه الرابع: تعرض المصنف (ره) في الحاشية الى رأي السيد الجليل المحقق الخوئي. و يمكن ان نعلق عليه أمور.

الأمر الأول: في توضيح رأيه و حاصله عدة نقاط.

الأولى: ان المقدمة لها انتساب الى المولى و ذلك لأنها توصل الى ذي المقدمة.

الثانية: ان من اتى بها من هذه الجهة أي جهة انتسابها الى المولى كان منقادا.

الثالثة: ان من أتى بها من غير هذه الجهة لم يكن منقادا.

الرابعة: ان للمنقاد ثواب.

الخامسة: ان للمقدمة ثواب غير ثواب ذي المقدمة حتى يتعدد الثواب بتعدد المقدمات.

السادسة: ان ترك المقدمة لا عقاب عليه.

الأمر الثاني: ان النقاط الأربعة الأولى صحيحة و أما الخامسة و السادسة فالكلام عليهما يظهر مما قدمناه.

الأمر الثالث: ان ما ذكره السيد الخوئي ليس خلافا لما ذكره المصنف (ره) في المتن إذ ما ذكره المصنف (ره) في المتن هو ان اطاعة الأمر الغيري لا ثواب له بمعنى لا يقتضي الثواب و السيد الخوئي لم يخالف ذلك إذ لم يدعي ان اطاعة الأمر الغيري تقتضي ثوابا بل ادعى ان اسناد الفعل الى المولى يقتضي الثواب و لذا كان مذهب السيد الخوئي ان المقدمات عليها ثواب سواء قلنا بوجود أمر غيري ام لا. و ذلك لأنه لا يدعي ان المقتضي للثواب هو الأمر الغيري بل يدعي ان المقتضي للثواب هو الإسناد الى المولى.

163

و أما ما ورد في الشريعة من الثواب على بعض المقدمات مثل ما ورد من الثواب على المشي على القدم إلى الحج أو زيارة الحسين (عليه السلام) و أنه في كل خطوة كذا من الثواب فينبغي- على هذا- أن يحمل على توزيع ثواب نفس العمل على مقدماته باعتبار أن أفضل الأعمال أحمزها و كلما كثرت مقدمات العمل و زادت صعوبتها كثرت حمازة العمل و مشقته، فينسب الثواب إلى المقدمة مجازا ثانيا و بالعرض، باعتبار أنها السبب في زيادة مقدار الحمازة و المشقة في نفس العمل، فتكون السبب في زيادة الثواب، لا أن الثواب على نفس المقدمة.

____________

الأمر الرابع: ان حكاية هذا القول عن السيد الخوئي وحده ظلم للمحقق العراقي (ره) فهو ايضا ذهب الى ان الإتيان بالمقدمات عليه ثواب لأنه انقياد فحكاية هذا القول عن المحقق العراقي (ره) أولى لأنه أسبق.

قوله (ره): (و أما ما ورد في الشريعة من ...).

اقول: سيأتي التعرض لذلك في مبحث آخر و نشير هنا الى ثلاث جوابات.

الأول: أن يفرض ان هذه المقدمات مستحبة بما هي هي فلم يكن طلبها لمجرد انها موصلة الى ذي المقدمة بل كانت في ذاتها مستحبة كما لو فرض أن التجارة مقدمة للصدقة و التجارة في ذاتها مستحبة.

الثاني: ان هذه المقدمات مستحبة بما هي مقدمة لكن لا على وجه تكون المقدمة حيثية تعليلية بل على وجه تكون المقدمة حيثية تقييدية بحيث يكون الموصل الى ذلك الشي‏ء محبوبا حتى لو فرض عدم محبوبية ذلك الشي‏ء. و بحيث لو فرض محبوبية ذلك الشي‏ء كان عنده ذلك الشي‏ء و الموصل اليه محبوبا، كزيارة الحسين (ع) و المشي الى الحسين (ع).

الثالث: ان يفرض ان الثواب للانقياد.

ثم ان المصنف (ره) ذكر جوابا آخر هو المجاز و لا يخفى ما فيه من الركاكة فإن هدم الروايات و ردها اولى من حملها على هذا المحمل.

164

و من أجل أنه لا ثواب على المقدمة استشكلوا في استحقاق الثواب على فعل بعض المقدمات كالطهارات الثلاث الظاهر منه أن الثواب على نفس المقدمة بما هي. و سيأتي حله إن شاء اللّه تعالى.

3- إن الوجوب الغيري لا يكون إلا توصليا، أي لا يكون في حقيقته عباديا و لا يقتضي في نفسه عبادية المقدمة إذ لا يتحقق فيه قصد الامتثال على نحو الاستقلال كما قلنا في الخاصة الأولى أنه لا إطاعة استقلالية له، بل إنما يؤتى بالمقدمة بقصد التوصل إلى ذيها و إطاعة أمر ذيها فالمقصود بالامتثال به نفس أمر ذيها.

و من هنا استشكلوا في عبادية بعض المقدمات كالطهارات الثلاث. و سيأتي حله إن شاء اللّه تعالى.

4- إن الوجوب الغيري تابع لوجوب ذي المقدمة اطلاقا و اشتراطا و فعلية و قوة، قضاء لحق التبعية، كما تقدم. و معنى ذلك أنه كل ما هو شرط في وجوب ذي المقدمة فهو شرط في وجوب المقدمة، و ما ليس بشرط لا يكون شرطا لوجوبها، كما أنه كلما تحقق وجوب ذي المقدمة تحقق معه وجوب المقدمة. و على هذا قيل يستحيل تحقق وجوب فعلي للمقدمة قبل تحقق وجوب ذيها

____________

قوله (ره): (إن الوجوب الغيري لا يكون إلا توصليا ...).

اقول: وجهه بعد وضوحه ما عرفته مرارا من ان الوجوب المقدمي لم يتعلق بالمقدمة إلا لأنها موصلة فليس لها أي ملاك مستقل.

و من هنا فلا يمكن وجود امر مستقل متعلق بالمقدمة كما لا يمكن اشتراط أي شرط جديد زائد على المقدمة إذ المقدمة مجرد موصلة، و الإيصال هو غاية المطلوب فأي معنى لزيادة شروط. و زيادة التوضيح في محله.

قوله (ره): (إن الوجوب الغيري تابع لوجوب ...).

اقول: قد عرفت وجهه سابقا فلا نعيد.

165

لاستحالة حصول التابع قبل حصول متبوعه، أو لاستحالة حصول المعلول قبل حصول علته بناء على أن وجوب المقدمة معلول لوجوب ذيها.

و من هنا استشكلوا في وجوب المقدمة قبل زمان ذيها في المقدمات المفوتة كوجوب الغسل- مثلا- قبل الفجر لإدراك الصوم على طهارة حين طلوع الفجر، فعدم تحصيل الغسل قبل الفجر يكون مفوتا للواجب في وقته، و لهذا سميت مقدمة مفوتة باعتبار أن تركها قبل الوقت يكون مفوتا للواجب في وقته فقالوا بوجوبها قبل الوقت مع أن الصوم لا يجب قبل وقته فكيف تفرض فعلية وجوب مقدمته؟.

و سيأتي إن شاء اللّه تعالى حل هذا الإشكال في بحث المقدمات المفوتة.

4- مقدمة الوجوب‏

قسموا المقدمة إلى قسمين مشهورين:

____________

قوله (ره): (قسموا المقدمة الى قسمين مشهورين ...).

اقول: قسموا كل ما يطلق عليه اسم مقدمة الى اربعة اقسام اثنان منها مشهوران. و هذه الأربعة هي. مقدمة الواجب. و مقدمة الصحة. و مقدمة الوجوب و مقدمة العلم.

أما مقدمة الواجب و الوجوب فيأتي الكلام عليهما.

و أما مقدمة الصحة فيقع الكلام فيها في نقطتين:

الأولى في تفسيرها.

و الثانية في بيان انها هل هي مقدمة مستقلة عن مقدمة الواجب ام لا.

أما النقطة الأولى: فمقدمة الصحة هي المقدمة التي يتوقف عليها صحة الواجب توضيحه ان نفرض ان الأسماء موضوعة للأعم من الصحيح و الفاسد كما بين في محله فالصلاة تصدق على الصلاة الباطلة و تصدق على الصلاة الصحيحة و من هنا فالوضوء مثلا ليس شرطا لوجود الواجب (الصلاة) و ذلك‏

166

لأن وجود ماهية الصلاة و لو في ضمن الفاسد غير متوقف على الوضوء. إذن الوضوء شرط لوجود وصف الصحة في الصلاة. و لهذا نسميه بشرط الصحة.

و هذا بخلاف نصب السلم بالنسبة الى الصعود الى السطح إذ نصب السلم شرط لوجود الصعود الى السطح لأن المفروض استحالة الصعود الى السطح بدون نصب السلم فذات وجود الصعود متوقف على نصب السلم.

إذن مقدمة الصحة لها ركنان:

الأول: أن لا يتوقف عليها وجود الواجب.

الثاني: أن يتوقف عليها وجود وصف الصحة في الواجب.

أما النقطة الثانية: فنقول ان تحديدها تابع لمذاهب.

الأول: ان الألفاظ موضوعة للصحيح فقط.

الثاني: أن الألفاظ موضوعة للأعم و لكن الواجب هو الصحيح.

الثالث: أن الألفاظ موضوعة للأعم و الواجب هو الأعم و لكن الواجب الصحيح هو الصحيح أي التام الأجزاء و الشرائط.

اما على المذهب الأول فمن الواضح رجوع مقدمة الصحة الى مقدمة الوجود ضرورة أنه بدون الصحة لا يكون الإسم موجودا اصلا.

اما على المذهب الثاني فكذلك فإن وجود الإسم و إن كان يتحقق بدون مقدمة الصحة فيكون عندنا مقدمة وجود الإسم و مقدمة وجود الصحة لكن من الواضح ان مقدمة الواجب ليس هي مقدمة الإسم بل هي مقدمة وجود الواجب فإذا فرضنا أن الواجب هو الصحيح يكون مقدمة وجود الواجب هي عبارة اخرى عن مقدمة وجود الصحيح فتدخل مقدمة الصحة في مقدمة وجود الصحيح إذ لا وجود للصحيح بدون مقدمة الصحة.

أما على المذهب الثالث فتكون مقدمة الصحة غير مقدمة الواجب لأن على هذا المذهب يكون للواجب مرتبتان الأولى وجود اصل الواجب الثانية وجود الواجب الصحيح. فيكون مقدمات المرتبة الأولى مقدمات اصل الوجود. و مقدمات المرتبة الثانية مقدمات الصحة.

167

إذا عرفت ذلك نقول إن الصحيح هو المذهب الثاني.

و أما الأول فبينا فساده في محله.

و اما الثالث ففساده اوضح من ان يخفى لأنه مبني على الخلط بين الإسم و الواجب فإن الإسم يمكن ان يكون له مرتبتان و اما الواجب فليس سوى المأمور به و المأمور به ليس له سوى مرتبه واحدة و هي مرتبه تعلق الأمر به اعني مرتبه الصحة و جامعية جميع الأجزاء و الشرائط إذ الفاقد لشي‏ء منها ليس مأمورا به.

فظهر ان مقدمة الصحة ترجع الى مقدمة الواجب.

و اما مقدمة العلم فيقع الكلام في نقطتين.

الأولى في تفسيرها.

الثانية في بيان الفروق بينها و بين مقدمة الواجب.

اما النقطة الأولى: فنقول مقدمة العلم هي المقدمة التي يتوقف عليها العلم بتحقق الواجب في الخارج و لا يكون نفس تحقق الواجب في الخارج متوقفا عليها.

توضيحه ان التحقق في الخارج شي‏ء و العلم به شي‏ء آخر فقد يكون الشي‏ء متحققا في الخارج و لا نعلم بتحققه. و قد نعلم بتحقق شي‏ء في الخارج و لكن يتبين خطأ علمنا و لا يكون متحققا في الخارج.

فمقدمة العلم ما تحقق فيها ركنان.

الركن الأول ان لا يتوقف عليها تحقق الواجب في الخارج.

الركن الثاني ان يتوقف عليها تحقق العلم بتحقق الواجب في الخارج.

و من هنا فنصب السلم ليس مقدمة العلم بالصعود الى السطح لفقدان الركنين معا.

و غسل المستحاضة في الليل ليس مقدمة علم بوجود الصلاة النهارية لفقدان الركن الأول دون الثاني.

168

و اما الصلاة الى اربع جهات فهي مقدمة علم لتحقق الركنين اذ تحقق الصلاة الواقعية لا يتوقف على الصلاة الى اربع جهات و لكن العلم بوقوع الصلاة الى القبلة متوقف على الصلاة الى اربع جهات.

تنبيه: في ركنيه الركن الأول كلام لا يخفى على المتأمل أعرضنا عن ذكره لخلوه عن الفائدة و حاصله أن مقدمة العلم لو فرض أنه يتوقف عليها تحقق الواجب لم يمنع ذلك من كونها مقدمة علم غايته أنها تكون مقدمة علم و وجود، فمن حيث توقف تحقق العلم عليها كانت مقدمة علمية، و من حيث توقف تحقق الواجب عليها كانت مقدمة وجود الواجب.

و أما المثال الذي ذكرنا فيه انتفاء الركن الأول و صدق الركن الثاني مع عدم كونها مقدمة علمية أعني مثال الغسل فهو مغالطة لأن غسل المستحاضة مقدمة وجود ضرورة عدم تحقق الصلاة الصحيحة إلا به و لا يصدق الركن الثاني لأن توقف العلم على تحقق الغسل إنما هو من باب توقف العلم التصديقي بالأمر الخارجي على تحقق الأمر الخارجي بنفسه و من الواضح أن مثل هذا التوقف خارج عن الركن الثاني فالمراد بالركن الثاني هو ما يتوقف عليه تحقق العلم من غير باب توقف وجود العلم بالمعلوم على وجود المعلوم.

أما النقطة الثانية: (في بيان الفرق) فالفرق من جهات.

الأولى: ما عرفت من توقف وجود الواجب على مقدمة الواجب و عدم توقف وجود الواجب على مقدمة العلم.

الثانية: ان وجوب مقدمة العلم خارج عن محل البحث.

الثالثة: ان مقدمة العلم لا يطلبها المولى و لا يشتاق اليها لا بالاصل و لا بالتبع بخلاف مقدمة الواجب فإن المولى يشتاق اليها بالتبع.

الرابعة: ان وجوب مقدمة العلم من باب الاحتياط فلو خالف مقدمة العلم و صادف الواقع كان مجزيا كما لو فرض انه صلى الى جهة واحدة لا الى اربع و صادف ان هذه الجهة هي الواقع يكون ذلك مجزيا و هذا بخلاف‏

169

1- مقدمة الوجوب: و تسمى المقدمة الوجوبية.

____________

مقدمة الوجود فإن وجوبها من باب وجوب الواقع بالتبع بمعنى انك اذا خالفت مقدمة الواجب لم يمكنك تحصيل ذي المقدمة فتكون قد خالفت الواقع.

الخامس: ان وجوب مقدمة العلم يحكم به العقل دون الشرع بخلاف مقدمة الواجب التي يحكم بوجوبها الشرع و يكشف عنه العقل.

و تفصيل ذلك كله يظهر من مباحث الأصول العملية و غرضنا هنا ان نؤكد على الفرق من الجهة الثانية أي خروج مقدمة العلم عن محل البحث و وجهه ما عرفت ان الواجب الغيري ما تحقق فيه شرطان.

الأول: ان تكون العلة الغائية لوجوبه هي التوصل الى ذي المقدمة.

الثاني: ان يكون العلة الفاعليّة له هو المولى و تكون ارادته له معلوله لشوقه الى ذي المقدمة.

و لا يخفى ان هذين الشرطين هنا مفقودان.

اما الأول: فلأن العلة الغائية لوجوب مقدمة العلم هي التوصل الى العلم ببراءة الذمة.

و اما الثاني فلأن الحاكم بالوجوب هو العقل لا الشرع فإن العقل يقول الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة و البراءة اليقينيّة تتوقف على مقدمة العلم فالارادة الى العلم هنا معلولة لشوق العقل الى البراءة اليقينيّة. و كل ما ذكرناه واضح بالتدبر فتدبر.

قوله (ره) (مقدمة الوجوب و تسمى المقدمة الوجوبيّة ...).

اقول: يقع الكلام في مقامين.

المقام الأول: في تفسير المقدمتين (الواجب و الوجوب) اما مقدمة الوجوب، فقد اختلفوا في تفسيرها على مذهبين.

المذهب الأول: و هو المذهب المشهور و هو ان مقدمة الوجوب هي المقدمة التي يتوقف عليها الوجوب بحيث لولاها لا يتحقق الوجوب فيكون المقدمة لها دخالة في تحقق الوجوب بحيث لو انها لم توجد لكان الوجوب‏

170

و هي ما يتوقف عليها نفس الوجوب، بأن تكون شرطا للوجوب على قول مشهور. و قيل إنها تؤخذ في الواجب على وجه تكون مفروضة التحقق و الوجود على قول آخر، و مع ذلك تسمى مقدمة الوجوب. و مثالها الاستطاعة بالنسبة إلى الحج، و كالبلوغ و العقل و القدرة بالنسبة إلى جميع الواجبات. و يسمى الواجب بالنسبة إليها (الواجب المشروط).

____________

ما زال معدوما و ذلك كالاستطاعة بالنسبة الى وجوب الحج فإن وجوب الحج يتوقف تحققه على تحقق الاستطاعة بحيث لو لم تتحقق الاستطاعة لبقي وجوب الحج معدوما.

المذهب الثاني: و هو مذهب الشيخ الانصاري (ره) و قد اعرض عنه جل من تأخر عنه. و حاصله ان مقدمة الوجوب لا دخالة لها في تحقق الوجوب بل الوجوب متحقق سلفا سواء تحققت المقدمة ام لا غايته ان الوجوب تعلق بالواجب على نحو لوحظت هذه المقدمة مفروضه الوجود و خارجه عن دائرة التكليف فوجوب الحج تعلق بالحج و قد كان المولى يلاحظ الاستطاعة مفروضة التحقق خارجة عن متعلق الوجوب.

و ان شئت عبارة اخرى فقل الوجوب تعلق بالحج في حال الاستطاعة على نحو تكون الاستطاعة خارجة عن متعلق الوجوب فعلى هذا المذهب يكون الوجوب موجودا قبل الاستطاعة و سيأتي التعرض لهذا المذهب.

و اما مقدمة الواجب فنتعرض لها بعد التعرض لكلام المصنف (ره).

قوله (ره) (و هي ما يتوقف عليها نفس الوجوب ...).

اقول: هذا إشارة الى المذهب الأول.

قوله (ره) (و قيل انها تؤخذ في الواجب على وجه ...).

أقول: هذا اشارة الى المذهب الثاني.

قوله (ره) (و يسمى الواجب بالنسبة اليها الواجب المشروط ...).

اقول: الواجب المشروط و الواجب المطلق من الصفات الإضافيّة فالواجب اذا نسب الى مقدمة لا يتوقف وجوبه عليها قيل له واجب مطلق‏

171

2- مقدمة الواجب: و تسمى المقدمة الوجودية. و هي ما يتوقف عليها وجود

____________

بالنسبة اليها مثل الصلاة واجب مطلق بالنسبة الى الوضوء لأنها لا يتوقف وجوبها على الوضوء.

و اما اذا نسب الى مقدمة يتوقف وجوبه عليها قيل له واجب مشروط بالنسبة اليها مثل الصلاة بالنسبة الى الزوال لأنها يتوقف وجوبها على الزوال.

قوله (ره) (مقدمة الواجب و تسمى المقدمة الوجودية ...).

اقول: مقدمة الواجب هي ما يتوقف وجود الواجب عليها بحيث لو لم توجد لما امكن وجود الواجب مثل نصب السلم نسبه الى الصعود الى السطح و مثل الوضوء نسبه الى الصلاة. و بهذا ينتهي المقام الأول.

اما المقام الثاني فالفرق بين المقدمتين (بعد تفسيرهما) يكاد لا يخفى و هو في نواحي:

الناحية الأولى: ناحية الشوق فإن المولى الذي يشتاق الى ذي المقدمة و يرى توقف ذي المقدمة على المقدمة يحصل عنده قهرا شوق الى المقدمة كما مر بيانه. فمقدمة الواجب يتعلق بها شوق المولى.

و اما مقدمة الوجوب فلا يتعلق بها الشوق الا في حالات نادرة يأتي التعرض لها في بحث المقدمة المفوتة.

الناحية الثانية: ناحية الارادة فإن المولى بعد ان يصير عنده شوق الى مقدمة الواجب يصبح يريدها بالارادة التشريعية و اما مقدمة الوجوب فالمولى لا يريدها ابدا حتى في الحالات التي يشتاق اليها.

مثلا لو فرضنا ان المولى مشتاق الى حدوث الزوال لكن مع ذلك لا يريده لا بالإرادة التكوينية كما هو واضح و لا بالإرادة التشريعية لوجود مانع من وجود الارادة التشريعية و هو ان الزوال خارج عن اختيار العبد و لا يمكن ان يريد المولى تشريعا من عبده فعلا غير اختياري له.

الناحية الثالثة: ناحية التكليف. فمقدمة الواجب يتوجه اليها التكليف فإن المولى يأمر بتحقيق مقدمة الواجب مثل امره بلزوم تحقيق الوضوء و السفر الى الحج و نحو ذلك من المقدمات و انما يكلف بها لتحقق ملاك‏

172

التكليف من الشوق و الارادة و العلة الغائية.

و أما مقدمة الوجوب فلا يتوجه اليها التكليف و هذا واضح بعد الالتفات الى ان مقدمة الوجوب لا تتعلق بها الارادة فإذا لم تتعلق بها الارادة فبالأولى ان لا يتعلق بها التشريع.

الناحية الرابعة: ان مقدمة الواجب يتوقف عليها وجود الواجب لا ارادته التشريعية بل ارادته و التكليف به متحقق سواء وجدت المقدمة ام لم توجد مثل السفر فإنه مقدمة يتوقف عليها الحج الواجب و اما وجوب الحج و ارادة المولى له فغير متوقفة على حصول السفر بل هي حاصله قبل حصول السفر.

و اما مقدمة الوجوب فهي يتوقف عليها ارادة المولى للواجب و تكليفه به بحيث ان المولى قبل هذه المقدمة لا يكون مريدا للواجب و لا يكون مكلفا به مثل الاستطاعة فإن ارادة المولى للحج و تكليفه بالحج متوقف على حدوث الاستطاعة بحيث ان المولى قبل الاستطاعة لا يكون مريدا للحج و لا مكلفا به.

الناحية الخامسة: و هي ناحية تبرر الناحية السابقة و ذلك لأن توقف ارادة المولى على شي‏ء ليس امرا اعتباطيا بل لا بد من نشوئه عن اسباب.

فنقول في توضيح هذه الاسباب ان الاحكام افعال اختيارية للمولى فيتوقف فعلها على وجود الغاية اذ قد عرفت ان الافعال كلها تتوقف على العلة الغائية و من هنا نقول ان مقدمة الوجوب تكون دخيله في حدوث العلة الغائية للتكليف بالواجب بحيث ان المولى قبل مقدمة الوجوب لا يكون عنده غاية ان يكلف بالواجب.

و ذلك مثل الاستطاعة فإن قبلها لا يكون للمولى غاية التكليف بالحج و بعد حدوثها تصير عند هذه الغاية.

و مثل التكفير بعد الافطار فإن الافطار في شهر رمضان يؤدي الى ان يكون عند المولى غاية التكليف بالتكفير و اما قبل الافطار فلا تكون هذه‏

173

الغاية موجودة عنده و بالتالي لا يكون التكليف موجودا لفقد علته الغائية.

و اما مقدمة الواجب فلا تكون دخيله في تحقق علل الوجوب بل علل الوجوب تامة بدون مقدمة الواجب مثل الوضوء و الصلاة فإن علل ايجاب الصلاة تامة سواء قبل الوضوء او بعده و لذا كان الوجوب غير متوقف على تحقق الوضوء.

تنبيهات:

التنبيه الأول: ان كون مقدمة الوجوب دخيله في حدوث العلة الغائية عند المولى ترجع الى حالة تكوينية كأن يكون وجود مقدمة الوجوب يؤدي الى ان يصير عند المولى حاجة الى شي‏ء لا يسده الا ذلك الواجب فيحصل عنده العلّة الغائية للتكليف بذلك الواجب و ذلك مثل وجود المرض في الابن الذي يؤدي الى ان يصير عند الاب الرءوف حاجة الى شفاء الولد و لا يسدها الا الدواء فيحصل عنده العلة الغائية لتكليف ابنه بشرب الدواء. فوجود المرض مقدمة وجوب شرب الدواء.

التنبيه الثاني: انه كما كان حدوث العلة الغائية متأخرا عن مقدمة الوجوب فكذلك يكون الشوق متأخرا عن مقدمة الوجوب و ذلك لوضوح تلازم الغاية و الشوق فمع عدم الغاية ينعدم الشوق.

التنبيه الثالث: ان ما ذكرناه في مقدمة الوجوب هو الغالب و إلّا فبعض مقدمات الوجوب لا تكون هي السبب في حدوث العلة الغائية بل تكون العلة الغائية موجودة قبلها غايته ان قبل المقدمة يكون يوجد مانع من التكليف بالواجب و يرتفع هذا المانع بعد المقدمة و ذلك كما لو فرض ان المولى مشتاق الى الصلاة بعد الزوال بحيث لو امكنه جر الزمان لجره.

و لكنه لا يمكنه ان يكلف بالصلاة قبل الزوال فينتظر حدوث الزوال كي يكلف بالصلاة. فالزوال مقدمة وجوب لأن الوجوب يحدث بعده لا قبله و لكنه ليس سببا في حدوث الشوق و لا في حدوث العلة الغائية بل هو رافع للمانع من التكليف. و بهذا ينتهي الكلام في المقام الثاني.

174

الواجب بعد فرض عدم تقييد الوجوب بها، بل يكون الوجود بالنسبة إليها مطلقا و لا تؤخذ بالنسبة إليه مفروضة الوجود، بل لا

____________

قوله (ره) (بعد فرض عدم تقييد الوجوب بها ...).

اقول: هذا شرط اساسي في مقدمة الواجب و ذلك لأن ما يتوقف عليه وجود الواجب قسمان.

الأول: ان يتوقف عليه وجوب الواجب ايضا مثل وجود الماء فانه كما يتوقف عليه وجود الوضوء كذلك يتوقف عليه وجوب الوضوء لوضوح عدم وجوبه عند عدم وجود الماء. و مثل الزوال فإنه كما يتوقف عليه وجود الصلاة الصحيحة كذلك يتوقف عليه وجوب الصلاة.

القسم الثاني: ان لا يتوقف عليه وجوب الواجب مثل اكثر المقدمات كالسفر الى الحج فإنه يتوقف عليه وجود الحج لا وجوبه.

اذا عرفت هذين القسمين نقول ان القسم الأول لا يسمى بمقدمة الواجب و انما يسمى مقدمة الوجوب فالقسم الذي يسمى مقدمة الواجب هو خصوص القسم الثاني. و لهذا اشترط المصنف (ره) في تعريف مقدمة الواجب ان لا يتوقف عليها وجوب الواجب.

و السر في ذلك أن مقدمة الواجب التي كانت أيضا مقدمة وجوب يستحيل أن يترشح عليها الوجوب من الواجب الذي هو ذي المقدمة لأن الوجوب المذكور إنما يتحقق بعد تحقق هذه المقدمة في الخارج، و ما يتحقق في الخارج يستحيل البعث و الانبعاث نحوه. فقبل وجود هذه المقدمة لا يوجد وجوب و بعد وجودها يوجد الوجوب و لكن يستحيل أن يترشح عليها الوجوب و لأجل ذلك خرجت عن محل البحث إذ محل البحث هي المقدمات التي يترشح عليها الوجوب الغيري بناء على القول بوجوده.

قوله (ره) (و لا تؤخذ بالنسبة اليه مفروضه الوجود ...).

اقول: هذا ليس شرطا ثانيا بل الشرط السابق هو على مذهب المشهور و هذا الشرط على مذهب الشيخ الانصاري (ره).

و الحاصل ان شرط مقدمة الواجب هو ان لا تكون مقدمة للوجوب‏

175

بد من تحصيلها مقدمة لتحصيله كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة، و السفر بالنسبة إلى الحج و نحو ذلك. و يسمى الواجب بالنسبة إليها (الواجب المطلق).

(راجع عن الواجب المشروط و المطلق الجزء الأول ص 76).

و المقصود من ذكر هذا التقسيم بيان أن محل النزاع في مقدمة

____________

و هو شرط واحد لكنه يفسر بتفسيرين لما عرفت ان مقدمة الوجوب لها تفسيران.

قوله (ره) (و المقصود من ذكر هذا التقسيم ...).

اقول: الغرض بيان ان محل البحث هو مقدمة الواجب لا الوجوب و سره واضح بمقدمتين قد مر ذكرهما و تفصيلهما:

الأولى: أن البحث انما هو في الوجوب المقدمي أي الوجوب المترشح من وجوب ذي المقدمة و قد فسرنا هذا الترشح في محله و حاصله ان الشوق الى ذي المقدمة علة الشوق الى المقدمة و الشوق اليها علة ارادتها و ارادتها علة وجوبها كما ان العلة الغائية لوجوب المقدمة هي التوصل الى ذي المقدمة.

المقدمة الثانية: ان ترشح الوجوب من الواجب الى مقدمة الوجوب محال لوضوح ان الوجوب انما يحدث بعد حدوث مقدمة الوجوب فلا يعقل وجوبها بعد حدوثها فقد عرفت أن الشوق إلى الواجب يحدث بعد حدوث مقدمة الوجوب فيستحيل ان يترشح هذا الشوق الى مقدمة الوجوب قبل حدوثها لعدم حدوثه و لا بعد حدوثها لأن الشوق و ان كان حادثا حينئذ إلّا انه يستحيل ترشحه على المقدمة الحادثة الموجودة فلا مجال للاشتياق الى شي‏ء قد وجد و انتهى.

و هكذا الإرادة يستحيل ان تترشح من ذي المقدمة الى مقدمة الوجوب لا قبل حدوثها لعدم حدوث الارادة حينئذ و لا بعد حدوثها لأنها قد وجدت و انتهت فيستحيل توجه الإرادة اليها لاستحالة ارادة الشي‏ء الحادث و هكذا العلة الغائية.

176

الواجب هو خصوص القسم الثاني أعني المقدمة الوجودية، دون المقدمة الوجوبية. و السر واضح لأنه إذا كانت المقدمة الوجودية مأخوذة على أنها مفروضة الحصول فلا معنى لوجوب تحصيلها، فإنه خلف، فلا يجب تحصيل الاستطاعة لأجل الحج، بل إن اتفق حصول‏

____________

فينقدح بوضوح ان الوجوب المقدمي لا يتوهم انطباقه على مقدمة الوجوب و لأجل ذلك خرجت مقدمة الوجوب عن محل البحث.

ثم ان هذا التقرير الذي ذكرناه انما هو على المذهب المشهور و اما المصنف (ره) فقد قرر خروج مقدمة الوجوب عن محل البحث على مذهب الشيخ (ره) في تفسير مقدمة الوجوب.

قوله (ره) (و السر واضح لأنه اذا كانت المقدمة ...).

اقول: هذا التقرير لخروج مقدمة الوجوب عن محل البحث يجري على مذهب الشيخ (ره) في تفسير مقدمة الوجوب و خلاصته ان التكليف بها خلاف اخذها مفروضه الوجود لأن معنى اخذها مفروضة الوجود انها خارجة عن دائرة الطلب بل كأنه يقول ان اتفق و حدث الاستطاعة اكلفك بالحج فالتكليف بالاستطاعة يكون مناقضا لعدم التكليف بها.

و فيه تأمل حاصله ان اخذها مفروضه الوجود لا يدل على عدم التكليف بالمقدمة الوجوبيّة بل الصحيح أنه لا يدل على التكليف بالمقدمة الوجوبيّة و عليه لا مانع من التكليف بالمقدمة الوجوبيّة توضيح ذلك ان اخذ المقدمة مفروضة الوجود يحتمل احتمالين:

الأول: ان يدل على عدم التكليف بالمقدمة.

الثاني: ان لا يدل على التكليف بالمقدمة.

فعلى الأول يتم ما قيل من ان التكليف بالمقدمة خلاف اخذها مفروضه لأن التكليف بالمقدمة نقيض عدم التكليف بالمقدمة.

و اما على الثاني فلا يتم ذلك لأن التكليف بالمقدمة يجتمع مع الدليل الذي لا يدل على ذلك فقولك (يجب الصلاة) لا يناقض (يجب الصيام) و ان كان (يجب الصيام) ليس دالا على وجوب الصلاة و انما يحصل التناقض‏

177

الاستطاعة وجب الحج عندها. و ذلك نظير الفوت في قوله (عليه السلام):

«اقض ما فات كما فات»، فإنه لا يجب تحصيله لأجل امتثال الأمر بالقضاء، بل إن اتفق الفوت وجب القضاء.

____________

اذا كان الدليل دالا على خلاف شي‏ء لا فيما اذا لم يكن دالا على نفس الشي‏ء كما هو واضح.

و من الواضح ان اخذ الشي‏ء مفروض الوجود لا يدل على عدم التكليف به كما تقول (ان حججت فطف بالبيت) فإن الحج مفروض الوجود مع توجه التكليف اليه.

فإذن اخذ المقدمة مفروضة الوجود انما يصح فيه الاحتمال الثاني (أي عدم الدلالة على التكليف بها) لا الاحتمال الأول (اي الدلالة على عدم التكليف بها).

فالأولى ان يقال ان اخذها مفروضة الوجود و ان كان دلالته على وفق الاحتمال الثاني إلّا انه بالالتزام يدل على عدم ترشح الشوق الى المقدمة اذ لو كان الشوق مترشحا الى المقدمة لما كان وجه لأن يأخذها مفروضة الوجود و بهذا تكون مقدمة الوجود خارجة عن محل البحث للعلم بعدم ترشح الشوق اليها. و من الواضح ان محل البحث هو المورد المحتمل للشوق الترشحي.

قوله (ره) (و ذلك نظير الفوت في قوله (عليه السلام) «اقض ما فات ...).

اقول: و نظير قوله (ان عصيت فكفر) (و ان افطرت في شهر رمضان فكفر ...) و نحو ذلك مما يعلم قطعا استحالة التكليف بالمقدمة اعني المعصية و افطار شهر رمضان.

خاتمة هذا التقسيم ككل تقسيم له مقسم و اساس للقسمة و المقسم هنا عنوان المقدمة أي كل ما يسمى مقدمة و الاساس للقسمة هو ذو المقدمة.

فهو اما وجوب و اما واجب و الواجب اما بحكم العقل و اما بحكم الشرع و على هذا الاساس انقسمت المقدمة الى ثلاثة اقسام: مقدمة الوجوب، مقدمة الواجب، مقدمة العلم.

178

المقدمة الداخلية

تنقسم المقدمة الوجودية إلى قسمين: داخلية و خارجية.

1- المقدمة الداخلية: هي جزء الواجب المركب، كالصلاة.

____________

قوله (ره) (تنقسم المقدمة الوجودية ...).

اقول: المقسم لهذا التقسيم هو مقدمة الواجب أي المقدمة الوجودية و اساس القسمة هو نسبة المقدمة الى ذي المقدمة و على هذا الاساس تنقسم المقدمة الى قسمين لا ثالث لهما مقدمة داخلية و هي اجزاء الواجب و مقدمة خارجية و هي ما كان خارجا عن ذي المقدمة.

ثم ان الكلام يقع في مقامات.

الأول: تفسير القسمين المذكورين.

الثاني: بيان اتصاف المقدمة الداخلية بالمقدمية.

الثالث: بيان وجود ملاك الوجوب المقدمي في المقدمة الداخلية.

الرابع: بيان وجود المانع من اتصافها بالوجوب.

و قد اشار المصنف (ره) الى هذه المقامات إشارات سريعة سوف نتعرض لها.

قوله (ره) (المقدمة الداخلية هي جزء الواجب ...).

اقول هذا شروع في المقام الأول و حاصله ان المقدمة الداخلية هي كل ما كان داخلا في الواجب المركب و هذا ما يحتاج الى توضيح في نقطتين.

الأولى: ان الداخل في المركب قسمان:

الأول: الاجزاء الخارجيّة و هي ما كان لها وجود داخل المركب فتسمى بالخارجيّة باعتبار ان لها وجود في الخارج أي الواقع الخارج عن الذهن و ذلك كالقراءة و الركوع و السجود و نحو ذلك من اجزاء الصلاة.

الثاني: الاجزاء العقليّة و تسمى ايضا بالأجزاء الذهنيّة و بالأجزاء التحليلية و يراد بهذه الاسماء شي‏ء واحد و هو الأجزاء التي لا وجود لها في الخارج داخل الواجب المركب و ذلك كوقوع الصلاة عن طهارة و كوقوعها

179

عن نية و نحو ذلك فهذا الجزء لا وجود له الا في عالم العقل و التحليل.

و قد يعبر بعضهم عن هذين القسمين بالجزء عن الأول و بالشرط عن الثاني و يراد بالجزء ما دخل قيدا و تقيدا في المركب مثل الركوع فهو بنفسه داخل في الصلاة. و ايضا تقيد الصلاة به داخل في الصلاة.

و يراد بالشرط ما دخل تقيدا لا قيدا مثل الوضوء فإن تقيد الصلاة بالوضوء داخل في الصلاة و لكن القيد بنفسه و هو الوضوء خارج من الصلاة.

تنبيهات:

الأول: يتضح مما ذكرنا ان الاعدام كلها شروط لا أجزاء أي هي من القسم الثاني و ذلك لأن الداخل في العمل هو تقيد العمل بهذا العدم كتقيد الصلاة بعدم الضحك و اما نفس العدم فليس داخلا في الصلاة و ان كان يتحقق في اثناء الصلاة.

نعم قد يسمى العدم بالجزء بلحاظ ان العمل المركب مركب من عدة اعدام كما قد يقال في الصيام انه عبارة عن اعدام المفطرات فيكون الصيام هو نفس الاعدام لا المتقيد بالاعدام و على هذا الاساس يمكن ان تقسم الاجزاء القسم الأول الى قسمين.

الأول: الموجود في الخارج و هي الاجزاء الوجودية كالركوع و القراءة و القنوت.

القسم الثاني: المعدوم و هي الاجزاء العدمية كاعدام المفطرات في الصيام.

و من هنا ينقدح ان شرحنا المتقدم للقسم الأول بأنه الاجزاء الخارجيّة التي لها وجود في الخارج فيه تساهل و تسامح.

التنبيه الثاني: ان تقيد شي‏ء بشي‏ء هو امر نسبي اضافي فيقع كلام في ان له وجود في الخارج ام لا. فمثلا الصلاة الواقعة عن وضوء. تحتوي على وجود الصلاة و وجود الوضوء و اما كون الصلاة بعد الوضوء فهذا وصف اضافي يقع الكلام في انه موجود ام لا.

180

فعلى القول بوجوده يكون الشرط و هو التقيد ليس جزءا تحليليا ذهنيا محضا بل هو جزء في الخارج غايته انه قد يقال بأنه وجود غير مستقل و لكنه بعيد لأن من يقول بوجوده انما يقول بأنه عرض لا وجود نسبي و من الواضح ان العرض وجود مستقل كوجود الفعل.

و على القول بعدم وجوده يكون الشرط و هو التقيد جزءا تحليليا ذهنيا لا وجود له اصلا.

و الاقوى هو الثاني و عليه كان تعريفنا للاجزاء القسم الثاني بأنها اجزاء تحليليه ذهنيّة.

التنبيه الثالث: ان امتثال التوجه الى القبلة و طهارة المصلي و نحو ذلك مما هي شروط الممتثل (بالكسر) لا ريب ان لها وجود في الخارج فإن طهارة المصلي و توجهه الى القبلة اعراض موجودة و حينئذ نقول يحتمل احتمالان.

الأول: ان هذه الاعراض بنفسها داخله في ماهيّة الواجب حتى يكون الصلاة ركوع و سجود و توجه الى القبلة.

الثاني: ان هذه الاعراض كلها خارجة عن ماهيّة الواجب المركب و انما الداخل هو تقيد الواجب بها فالصلاة هي الركوع و السجود المتقيد بكون فاعلها متوجها الى القبلة او المتقيد بكون فاعلها طاهرا.

فعلى الاحتمال الأول تكون تسمية هذه الشروط بالشروط مسامحة بل هي اجزاء كالركوع و السجود.

و على الاحتمال الثاني تكون شروطا ككافة الشروط. و بهذا ينتهي الكلام في النقطة الأولى.

النقطة الثانية: و هي ان المصنف (ره) قيد الواجب بقوله المركب حيث قال هي (جزء الواجب المركب). و هذا التقييد ليس تقييدا احترازيا بل تقييدا توضيحيا لوضوح ان الواجب ان كان بسيطا لا يحتمل حينئذ ان يكون له اجزاء.

181

و إنما اعتبروا الجزء مقدمة فباعتبار أن المركب متوقف في وجوده على أجزائه فكل جزء في نفسه هو مقدمة لوجود المركب، كتقدم‏

____________

و هذا واضح جدا و لكن نريد ان نقول ان كلمة المركب ظاهرة في الواجب الذي له اكثر من جزء.

و هذا فاسد توضيحه ان المركب قسمان.

الأول: ان يكون مركبا من اكثر من جزء مثل الصلاة و الحج و نحو ذلك.

الثاني: ان يكون بسيطا لكنه مشروط بشروط كالسجود عن طهارة عند استماع الآيات فإن السجود بسيط لكنه متقيد بكونه عن طهارة فالواجب مركب من جزء و شرط.

فالمراد من المركب في المقام ما هو اعم من هذين القسمين. و بهذا ينتهي الكلام في المقام الأول.

قوله (ره) (و انما اعتبروا الجزء مقدمة باعتبار ...).

اقول: هذا شروع في المقام الثاني أي مقام اتصاف هذه الاجزاء الداخلية بالمقدمة و حاصله انهم ذكروا ان وجه الاتصاف هو ان وجود المركب متوقف على وجود الاجزاء فالصلاة لا توجد الا بوجود القراءة و الركوع و غير ذلك من الاجزاء هذا هو الوجه الذي ذكروا.

و قد اعترض عليه باعتراض مركب من مقدمتين.

الأولى: ان المقدمة يجب ان تكون غير ذي المقدمة و لا يمكن ان تكون المقدمة عين ذي المقدمة لاستحالة ان يكون الشي‏ء مقدمة لنفسه.

المقدمة الثانية: ان الكل هو عين الاجزاء فالاجزاء هي الكل و الكل هو الاجزاء.

فينتج من ضم هاتين المقدمتين استحالة ان تكون الاجزاء مقدمة للكل لأنها عين الكل.

182

الواحد على الاثنين. و إنما سميت (داخلية) فلأجل أن الجزء داخل في قوام المركب، و ليس للمركب وجود مستقل غير نفس وجود الأجزاء.

____________

و قد اجاب الاعلام عن هذا الاعتراض بمحاولات يراد بها هدم المقدمة الثانية و لن ندخل في ذكر هذه المحاولات لفسادها فنذكر المحاولة الصحيحة و هي ان الجزء له معنيان.

الأول: الجزء بما هو جزء. أي الجزء بما هو موصوف بأنه جزء.

و ذلك كالركوع الموجود في الصلاة فإنه جزء للصلاة.

الثاني: الجزء بما هو هو أي الجزء لا بما هو موصوف بأنه جزء كالركوع بما هو هو.

اذا عرفت ذلك نقول ان الكل هو عبارة عن (الواحد (الاعتباري او الحقيقي) المجتمع فيه المتكثرات) فيكون اللحاظ المتوجه الى الكل لحاظ واحد متوجه الى ملحوظ واحد اجملت فيه المتكثرات.

و اما الجزء (بالمعنى الأول) فهو الواحد الحقيقي الملحوظ في ضمن الواحد المتقدم.

و اما الجزء بالمعنى الثاني فهو الواحد الحقيقي الملحوظ وحده.

فينتج مما ذكرناه نتائج.

الأولى: ان الاجزاء معا هي عين الكل في الوجود الخارجي و انما يختلفان في الذهن فإن صورة الكل هي صورة الواحد. و صورة الاجزاء هي صورة المتعدد في الواحد فالفرق بينهما كالفرق بين الجيش و الجنود فإن الجيش نفس الجنود في الخارج و الاختلاف انما هو في الصورة الذهنيّة.

الثانية: ان الجزء بالمعنى الأول يختلف عن الجزء بالمعنى الثاني باللحاظ فقط فإن الأول يلحظ في ضمن الواحد (الكل) و الثاني يلحظ وحده فالركوع تارة تنظر اليه في ضمن الصلاة فيكون جزءا بالمعنى الأول أي ركوع بشرط شي‏ء. و تارة تنظر اليه بما هو هو فيكون جزءا بالمعنى الثاني. أي جزءا لا بشرط.

183

2- المقدمة الخارجية: و هي كل ما يتوقف عليه الواجب و له وجود مستقل خارج عن وجود الواجب.

____________

الثالثة: ان الجزء الواحد يختلف عن الكل وجودا و ذهنا.

أما ذهنا فواضح.

و اما وجودا فلأن وجود الكل ليس عين وجود الجزء ضرورة عدم صحة الحمل الشائع الذي مناطه الوحدة في الوجود فلا يجوز كل ركوع صلاة و لا كل صلاة ركوع و لا كل يد انسان و لا كل انسان يد.

و اما كل انسان لا ناطق او حيواني فخارج عن محل البحث.

النتيجة الرابعة: ان الجزء بما هو جزء لا يمكن انتزاعه الا بعد لحاظ الكل و تماميته لأنك عرفت ان الجزء هو الملحوظ في ضمن الكل فلا بد من فراغ الذهن عن وجود الكل و عن لحاظه حتى يمكنه لحاظ الجزء في ضمنه.

و من هنا فإذا نظرنا الى النتيجة الأولى يلزم علينا لمعرفة ان الاجزاء معا تصلح ان تكون مقدمة للكل ام لا ان نراجع المقدمة الأولى فهل تكون المقدمة الأولى هي استحالة وحدة المقدمة و ذي المقدمة في الذهن او في الخارج.

فعلى الأول ينتج انه يمكن ان تكون الاجزاء معا مقدمة للكل لأنها تختلف عنه في الذهن.

و على الثاني ينتج انه لا يمكن ان تكون الاجزاء معا مقدمة للكل لأنها عينه في الخارج.

و الصحيح هو الثاني اذن الاجزاء معا لا تكون مقدمة للكل.

و اذا نظرنا الى النتيجة الثالثة يتضح امكان وصف الجزء بالمقدمة لأنه وجودا غير الكل.

و اذا نظرنا الى النتيجة الرابعة يتضح استحالة كون الجزء بما هو جزء مقدمة لأن الذهن لا يمكن ان يلحظه الا بعد الفراغ عن لحاظ وجود الكل و تماميته فهو في الذهن متأخر عن الكل فوجود الكل هو المقدمة لوجود الجزء عند الذهن و بهذا ينتهي الكلام في المقام الثاني.

184

و الغرض من ذكر هذا التقسيم هو بيان أن النزاع في مقدمة الواجب هل يشمل المقدمة الداخلية أو أن ذلك يختص بالخارجية؟.

و لقد أنكر جماعة شمول النزاع للداخلية. و سندهم في هذا الإنكار أحد أمرين:

الأول: انكار المقدمية للجزء رأسا، باعتبار أن المركب نفس بالأجزاء بالأسر فكيف يفرض توقف الشي‏ء على نفسه.

____________

قوله (ره) (و الغرض من ذكر هذا التقسيم هو بيان ...).

اقول: الغرض في هذا التقسيم هو البحث في ان الوجوب المقدمي شامل للمقدمة الداخلية أي الاجزاء ام غير شامل و قد عرفت في المقام الثاني المتقدم أن كل جزء بما هو هو منفردا يصلح وصفه بالمقدمة و حينئذ يقع السؤال انها تجب بالوجوب المقدمي ام لا و يتم الجواب عن هذا السؤال في المقامين الآتيين.

قوله (ره) (و لقد انكر جماعة شمول النزاع ...).

اقول: الانكار المذكور له ثلاث مسالك.

الأول: ان الجزء ليس مقدمة.

الثاني: ان الجزء ليس فيه ملاك الوجوب المقدمي أي ليس فيه المقتضي للوجوب المقدمي.

الثالث: ان الجزء و ان كان مقدمة و فيه المقتضي للوجوب المقدمي إلّا ان فيه مانع يمنع من الوجوب المقدمي.

فهذه ثلاث مسالك و لأجلها عقدنا ثلاث مقامات اولها قد سبق و تعرضنا له في المقام الثاني و بينا ان الحق ان الجزء بما هو هو يوصف بالمقدمية.

بقي المقامان الاخيران نتعرض فيهما لبيان المسلكين الاخيرين.

و سيأتي الكلام عليهما فانتظر.

قوله (ره) (الأول انكار المقدمية للجزء رأسا باعتبار ...).

185

بعد تسليم أن الجزء مقدمة، و لكن يستحيل اتصافه بالوجوب الغيري ما دام أنه واجب بالوجوب النفسي، لأن المفروض أنه جزء

____________

اقول: هذا شروع في المقام الثاني أي بيان المسلك الأول و قد عرفت بطلانه.

قوله (ره) (الثاني بعد تسليم ان الجزء مقدمة و لكن يستحيل ...).

اقول: هذا اشارة الى المسلك الثالث و لم يشر المصنف (ره) الى المسلك الثاني فتحريرا للبحث نتعرض لهما معا فنقول.

المقام الثالث: في بيان وجود ملاك الوجوب المقدمي في الاجزاء الداخلية او عدم وجوده. فنقول ذكر بعض فحول المدققة دليلا على عدم وجود ملاك المقدمية و هو يتضح بمقدمات اربعة.

الأولى: ان الكل في محل البحث هو الواحد الاعتباري لا الحقيقي توضيحه ان الواحد على ثلاثة اقسام.

الأول: الواحد الحقيقي الاتحادي الذي لا يكون في الخارج الا وجودا واحدا و لكن العقل يحلل هذا الواحد الى قسمين و ذلك مثل النوع كالانسان فإنه في الخارج وجود واحد و لكن العقل يحلله الى جنس و فصل فالانسان مركب تركيبا اتحاديا بحيث كان وجود الجنس عين وجود الفصل و لم يكن في الخارج وجودان و قسمة هذا الكل الى اجزاء تسمى بالقسمة التحليلية.

الثاني: الواحد الحقيقي الانضمامي سواء كان الانضمام طبيعيا كالدم و الماء و غير ذلك مما كان مركبا بحسب ما خلقه الله تعالى.

او كان الانضمام صناعيا كالحبر و الأدوية و نحوها مما لم يكن منضما لو لا صنعه الانسان.

فهذا الكل يكون مركبا في الخارج من وجودين فإن الماء مركب من وجودين كما يقال و كذا الدم مركب من وجودات و هكذا الحبر و الأدوية و لكنها بعد التركيب صارت واحدا حقيقيا. فقسمة هذا الكل تسمى بالقسمة الخارجيّة.

الثالث: الواحد الاعتباري الذي هو ما زال في الخارج عبارة عن عده‏

186

الواجب بالوجوب النفسي، و ليس المركب إلا إجزاءه بالأسر، فينبسط الواجب على الأجزاء. و حينئذ لو وجب الجزء بالوجوب الغيري أيضا لا تصف الجزء بالوجوبين.

____________

وجودات متكثرة غايته اننا نعتبره واحدا و ذلك كما ننظر الى الجنود المتكثرة و نعتبرها جيشا واحدا و كما ننظر الى الافراد المتعددة و نعتبرها عشيرة واحدة و هكذا اكثر الوحدات العرفيّة فإنها عبارة عن متكثرات يعتبرها العرف واحدا.

اذا عرفت هذه الاقسام فمن الواضح ان ما هو محل البحث هو الكل من القسم الثالث اذ ليس في الواجبات كل اتحادي أو انضمامي كما هو بديهي.

المقدمة الثانية: ان الواحد الاعتباري لا يكون واحدا بنظر الناظر و يبقى كذلك إلى أن يعتبره واحدا فالوحدة متأخرة عن الاعتبار فالجنود قبل اعتبارها واحدا جيشا تكون افرادا متكثرة بنظرنا كما لا يخفى نعم بعد اعتبارها واحدا تصبح بنظرنا واحدا و هذا ايضا واضح.

المقدمة الثالثة: ان وحدة المركبات الاعتباريّة الشرعيّة انما تكون واحدة بعد تعلق الأمر بها فالركوع و السجود و القراءة كانت متكثرة فتعلق بها الأمر فبعد ذلك صارت تلحظ انها واحد تحت عنوان ما تعلق به الأمر فوحدة المركبات الشرعيّة بنظر الشارع و المتشرعة متأخرة عن الأمر.

المقدمة الرابعة: و هي ان الوصف المتأخر عن الأمر لا يمكن ان يكون تعلق الأمر به كما هو بديهي فوصف الوحدة حاصل بعد الأمر فلا يمكن ان يكون تعلق بالموصوف بأنه واحد ضرورة لزوم تصور المتعلق حين الأمر مع ان وصف الوحدة لا يكون موجودا الا بعد الأمر.

اذا عرفت هذه المقدمات يتضح ان الأمر انما تعلق بنفس الاجزاء لا بالاجزاء الموصوفة انها كل لأن تصور وصف الكل متأخر عن اعتبار وحدة الاجزاء و اعتبار وحدة الاجزاء متأخر عن الأمر و الأمر متأخر عن تصور متعلقه فكيف يكون الأمر متعلقا بالكل؟.

و بعبارة اوضح تعلق الأمر بالكل متوقف على تصور الكل و تصور الكل‏

187

متوقف على الأمر فهذا دور محال.

اذن الأمر متعلق بنفس الاجزاء فلو سلم مقدميه الاجزاء للكل لم ينفع لأن الواجب النفسي الذي تعلق به الأمر هو نفس الأجزاء لا الكل. و من الواضح أن الأجزاء لا تكون مقدمة لنفسها.

اذا عرفت هذا الدليل نقول ان المقدمة الأولى و الثانية و الرابعة في غاية التمام و لكن الثالثة ممنوعة لأن لحاظ الوحدة امر اعتباري محض فيمكن تأتي اعتبار الوحدة بدون امر كما نعتبر وحدة الجيش و العشيرة و البيت و الكتاب و غير ذلك من دون امر فيمكن تخيل الركوع و السجود و القراءة و اعتبار وحدتها ثم بعد ذلك يتعلق به الأمر و هذا امر واضح جدا.

فالأولى ان يقال اننا نسلم ان الأمر تعلق بالواحد الملحوظ انه واحد و لكن ندعي ان الأمر حقيقة و لبا تعلق بالمتكثرات فعند ما قال افعل الصلاة يكون لبا و حقيقة قد قال افعل التكبير و القراءة و الركوع و السجود .. إلخ.

و ذلك لأن لحاظ الوحدة انما هو لحاظ طريقي بغرض التوصل الى المأمور به حقيقة فلا فرق بين ان يقول اقتل الجنود و بين ان يقول اقتل الجيش و لا فرق بين ان يقول لون اجزاء البيت ابيض و بين ان يقول لون البيت ابيض.

فإن لحاظ الكل كان طريقا و حاكيا عن الاجزاء فالحكم على الكل هو حقيقة حكم على الأجزاء فهو من قبيل الحكم على الكلي الحاكي عن مصاديقه كما في قولك (كل عالم انسان) فإن لحاظ مفهوم عالم كان طريقا الى الحكم على المصاديق. و هكذا لحاظ الكل يكون طريقا للحكم على الاجزاء.

اذن الحكم حقيقة ينصب على الاجزاء و بالتالي فلا يتخيل مقدميه الاجزاء لنفسها فانقدح ان الاجزاء ليس فيها ملاك المقدمية و بهذا ينتهي الكلام في المقام الثالث.

المقام الرابع: قد ذكر صاحب الكفاية (ره). وجود المانع من اتصاف الاجزاء بالوجوب المقدمي و حاصل دليله مبني على مقدمتين.

الأولى: انه يستحيل اجتماع حكمين متماثلين على موضوع واحد

188

فيستحيل اجتماع وجوبين على واحد كما يستحيل اجتماع تحريمين او استحبابين، و هكذا. و هذه المقدمة سوف نتعرض لها في مباحث اخرى.

الثانية: ان الأجزاء واجبة بالوجوب النفسي فلو وجبت بالوجوب المقدمي ايضا لكان قد اجتمع عليها وجوبان الأول نفسي و الثاني غيري.

و ينتج من ضم المقدمتين استحالة اتصافها بالوجوب الغيري.

اقول اما المقدمة الأولى فلها كلام في محل آخر.

و اما الثانية فقد ابطلها عدة من المحققين بأن اتصاف الأجزاء بالوجوب الغيري لا يؤدي الى اجتماع وجوبين بل يؤدي الى تأكد الوجوب الغيري مع الوجوب النفسي في وجوب واحد.

و لكن هذا الجواب محل تأمل و ذلك لأن اتصاف الجزء بوجوبين يتصور على حالتين.

الأولى: ان يكون اتصافه بهما في آن واحد اعني ان يوجد مقتضي الوجوب النفسي و مقتضي الوجوب الغيري في آن واحد.

الحالة الثانية: ان يكون اتصافه بالوجوب النفسي ثم اتصافه بالوجوب الغيري بعد ذلك اعني ان يوجد مقتضي الوجوب النفسي في الزمان الأول ثم يوجد بعد ذلك مقتضي الوجوب الغيري.

اذا عرفت هاتين الحالتين نقول اما على الحالة الأولى فالتأكد في غاية الوضوح اذ يشترك كلا المقتضيين ليكونا معا علة لوجوب واحد مؤكد.

و اما على الحالة الثانية فالتأكد فيه نوع غموض لأن المقتضي الأول (مقتضي الوجوب النفسي) عند ما وجد يكون قد اثر و انتج معلوله و هو الوجوب النفسي فلو جاء المقتضي الثاني بعد ذلك لا يحتمل فيه التأكيد لأن الوجوب قد وجد و انتهى.

و بعبارة اخرى اما ان يفرض هذا المقتضي الثاني علة مستقلة لوجوب جديد و اما ان يفرض انه شريك للمقتضي الأول في عليته للوجوب.

و الفرض الثاني محال لأن المقتضي الأول قد صار علة و انتج معلوله‏

189

قبل وجود المقتضي الثاني فكيف يتخيل ان المقتضي الثاني شريك للاول في انتاج معلوله.

و الفرض الأول يؤدي الى حصول وجوبين لا وجوب واحد متأكد.

و من هنا فلا مجال لتخيل التأكد على هذه الحالة الا على وجه بعيد لا حاجة الى ذكره.

و من هنا نقول ان الواقع هو الحالة الثانية لأن مقتضي الوجوب النفسي موجود قبل مقتضي الوجوب الغيري في الزمان.

لأن الشوق إلى ذي المقدمة منضما الى الالتفات الى توقف ذي المقدمة على المقدمة ينتج شوقا الى المقدمة.

و هذا الشوق يحرك صاحبه ليحدث عنده الإرادة باختياره.

فحدوث الإرادة متأخر زمانا عن الشوق الى المقدمة.

و الشوق الى المقدمة متأخر رتبة عن الشوق الى ذي المقدمة المصاحب للالتفات الى توقف ذي المقدمة على المقدمة.

و هذا الالتفات فعل محتاج الى زمان فهو متأخر زمانا عن الشوق النفسي الى ذي المقدمة

فظهر ان المقتضي للوجوب المقدمي و هو ارادته بالارادة التشريعية يوجد متأخرا زمانا عن وجود المقتضي للوجوب النفسي و بالتالي فيستحيل تأكد الوجوبين.

تنبيهان:

التنبيه الأول: الكلام المتقدم كان كله بالقياس الى ارادة الانسان و شوقه و اما بالقياس إلى ارادة المولى فأمر خارج عن طاقة معرفتنا فلا نستبعد ان يكون وجود المقتضي للوجوب المقدمي متحد زمانا مع وجود المقتضي للوجوب النفسي فيكون التأكد ممكنا فمع الشك نحكم بعدم وجود الوجوب المقدمي لعدم حكم العقل بوجوده و لو تأكدا.

التنبيه الثاني: ان اعتراض صاحب الكفاية لو كان تاما للزم عدم‏

190

و قد اختلفوا في بيان وجه استحالة اجتماع الوجوبين، و لا يهمنا بيان الوجه فيه بعد الاتفاق على الاستحالة.

و لما كان هذا البحث لا تتوقع منه فائدة عملية حتى مع فرض‏

____________

اتصاف كثير من المستحبات و الواجبات النفسية بالاستحباب او الوجوب المقدمي و ذلك مثل التجارة فإنها مستحب بنفسها فلا يمكن ان توصف بالاستحباب المقدمي للصدقة و اعمال البر و نحو ذلك حيث ان اعتراضه كما يجري في الاجزاء يجري في غيرها من الواجبات النفسية التي فيها ملاك الوجوب المقدمي.

فيلزم على مذهبه عدم اتصاف هذه الأمور بالاستحباب و الوجوب المقدمي.

و بهذا ينتهي البحث في المقام الرابع. و نذكر هاهنا تنبيهان لمجموع البحث.

الأول: ان الكلام كله كان حول مقدميه الاجزاء للكل و هي المسماة بالمقدمة الداخلية و اما مقدميه الاجزاء المتقدمة للاجزاء المتأخرة كمقدمية القراءة للركوع فخارج عن محل البحث لأنه داخل في المقدمة الخارجيّة ضرورة ان الجزء الأول و هو المقدمة خارج عن الجزء الثاني و هو ذو المقدمة.

التنبيه الثاني: ان الكلام كله كان حول مقدميه الاجزاء للكل المركب من هذه الاجزاء و اما لو فرض ان الواجب هو الاثر الحاصل من هذا المركب كما لو فرض ان الواجب هو المعراجية التي هي الاثر الحاصل من الاجزاء (الركوع و السجود و غيره) فحينئذ يخرج هذا الفرض عن محل البحث و يدخل في المقدمة الخارجيّة ضرورة خروج المؤثر عن الاثر.

قوله (ره) (و قد اختلفوا في بيان وجه استحالة اجتماع ...).

اقول: سيأتي التعرض له و بيان ان الصحيح جواز اجتماع المثلين.

قوله (ره) و لما كان هذا البحث لا تتوقع منه فائدة عمليه ...).

اقول: حكى بعض الاعلام عن بعض الأعاظم دعوى وجود ثمرة لهذا

191

الفائدة العملية في مسألة وجوب المقدمة، مع أنه بحث دقيق يطول الكلام حوله فنحن نطوي عنه صفحا محيلين الطالب إلى المطولات إن شاء.

6- الشرط الشرعي‏

إن المقدمة الخارجية تنقسم إلى قسمين: عقلية و شرعية.

____________

البحث حاصل هذه الثمرة انه على القول بأن الاجزاء تجب بالوجوب الغيري لا تجري البراءة عند دوران الأمر بين الاقل و الاكثر الارتباطيين بينما تجري على القول بعدم وجوب الاجزاء بالوجوب الغيري.

و توجيه هذه الثمرة و بيان بطلانها لن يتضح الا بعد النظر الى مباحث الاقل و الاكثر و الارتباطيين و كيف كان فالصحيح ان هذه الدعوى لا وجه لها اصلا فإذن لا ثمرة لهذا المبحث كما ذكر المصنف (ره).

قوله (ره) (ان المقدمة الخارجيّة تنقسم الى قسمين عقلية و شرعيه ...).

اقول: قسموا المقدمة الخارجيّة الى ثلاثة اقسام عقلية و شرعيه و عاديه اما العادية فيقع الكلام فيها في نقطتين.

الأولى: في تعريفها فنقول انهم عرفوها بأنها المقدمة التي يكون توقف وجود ذي المقدمة عليها توقفا عاديا أي بحسب العادة.

و هذا التعريف مجمل يحتمل احتمالين.

الأول: ان يكون ذو المقدمة بحيث يمكن ان يتحقق بدون المقدمة و لكن العادة جرت على الاتيان به بواسطة المقدمة كالذهاب الى السوق لأجل شراء اللحم فإن شراء اللحم يمكن فعلا بغير ذهاب الى السوق كأن يبعث خلف القصاب يأتي اليه و يبيعه اللحم في بيته او نحو ذلك من الطرق الاخرى التي يتوصل بها الى شراء اللحم. و من هنا فالذهاب الى السوق مقدمة عادية لشراء اللحم.

الاحتمال الثاني: ان يكون ذو المقدمة بحيث لا يمكن ان يتحقق بدون‏

192

المقدمة و ان كان العقل يرى امكانية تحقق ذو المقدمة بدون هذه المقدمة و لكن فعلا في الخارج لا يوجد غير هذه المقدمة مثلا شرب المائع فإنه مقدمة لرفع العطش. فإذا نظرنا الى العقل فإنه يقول انه ليس محالا ان يرفع العطش بغير شرب المائع و اذا نظرنا الى الواقع نجد انه لا يوجد في الواقع وسيلة اخرى لرفع العطش غير شرب المائع و على هذا فشرب المائع مقدمة عادية لرفع العطش.

النقطة الثانية: في بيان ان المقدمة العادية هل هي مقدمة مستقلة عن المقدمتين الشرعيّة و العقلية ام لا.

فنقول اما بناء على الاحتمال الأول فالمقدمة العادية ليست مقدمة اصلا و انما تسميتها بالمقدمة مسامحة اذ المقدمة هي التي عند انعدامها ينعدم ذو المقدمة و هذه المقدمة ليست كذلك.

و اما على الاحتمال الثاني فالمقدمة العادية و ان صدق انها مقدمة ضرورة انعدام ذي المقدمة عند انعدامها، إلّا انها ليست قسما مستقلا في قبال المقدمة العقليّة و ذلك لأن المقدمة العقليّة هي التي ادرك العقل استحالة حدوث ذي المقدمة بدونها و العقل هنا يدرك ذلك.

توضيح ذلك ان الاستحالة على قسمين.

الأول: الاستحالة الذاتية و هي ان تكون الماهيّة مستحيله الوجود بنفسها أي بنفسها محال.

الثاني: الاستحالة الوقوعية و هي ان تكون الماهيّة بنفسها غير مستحيله و لكن وقوعها في الخارج يلزمه محال.

و كلا هذين القسمين مما يدركه العقل. و من هنا نقول ان ذا المقدمة اذا توقف على مقدمة لا وجود لغيرها فعلا يدرك العقل ان وجود ذي المقدمة بدون هذه المقدمة ممكن بذاته لكنه محال وقوعا لأن وقوعه الآن بدون هذه المقدمة يعني انه وقع بمقدمة اخرى و هذا خلف عدم وجود مقدمة اخرى و الخلف محال فرفع العطش الآن محال ان يقع بغير شرب المائع لأن‏

193

1- المقدمة العقلية: هي كل أمر يتوقف عليه وجود الواجب.

____________

وقوعه بغير شرب المائع يعني انه وقع بمقدمة اخرى و هذا خلف المفروض من عدم وجود مقدمة اخرى غير شرب المائع.

فتحصل ان المقدمة العادية ترجع الى المقدمة العقليّة أي ان العقل يدرك استحالة وقوع ذي المقدمة بدون المقدمة استحالة وقوعية. و لأجل ذلك فإن المصنف (ره) ثنى القسمة و لم يثلثها حيث اعتبر ان العاديّة داخلة في العقليّة.

قوله (ره) (المقدمة العقليّة هي كل امر يتوقف ...).

اقول: هذا شروع في تفسير المقدمة العقليّة و الشرعيّة و وضوح هذا التفسير تماما يتوقف على الكلام في ثلاث مقامات.

المقام الأول في بيان مصاديق المقدمة العقليّة و مصاديق المقدمة الشرعيّة.

المقام الثاني في بيان اساس هذا التقسيم.

المقام الثالث في بيان ضابطه كل واحد من القسمين.

اما المقام الأول: فنقول ان ذا المقدمة على قسمين.

الأول: ان يكون ماهيّة شرعيه اخترعها الشارع مثل الصلاة و الصوم و الحج و نحو ذلك.

القسم الثاني: ان يكون ماهيّة غير شرعيه أي ماهيّة كسائر الماهيات العرفيّة.

اما القسم الثاني: فلا دخل للشارع به و عليه فكل مقدماته التي يتوقف عليها انما هي مقدمات عقلية كما هو واضح.

اما القسم الأول: فمقدماته ثلاثة.

الأول: مقدمات وجود الاجزاء. كمقدمات وجود الركوع من إزالة الحواجز من الامام و نحو ذلك.

الثاني: مقدمات وجود القيد الذي هو طرف التقيد مثل مقدمات الوضوء

194

الذي هو طرف التقيد فإن التقيد علاقة بين طرفين الأول الواجب الثاني القيد مثل وقوع الصلاة عن طهارة.

الثالث: مقدمات وجود التقيد. التي ليست مقدمات وجود القيد. و هذه المقدمات تنحصر بالشروط أي القيود.

اما القسم الأول و الثاني فكالماهيات العرفيّة لا ربط للشارع بها لأن ايجاد شي‏ء امر عرفي لا شرعي و ان كان نفس الشي‏ء شرعيا و من هنا فكل هذه المقدمات انما هي مقدمات عقلية.

و اما القسم الثالث فهو المسمى بالمقدمة الشرعيّة و هو الذي ادرك الشارع ان الواجب متوقف عليه.

و هذا المقام بتمامه متفق عليه و ليس محل نزاع.

المقام الثاني: فنقول فيه انه يحتمل في اساس هذا التقسيم احتمالان.

الأول: و هو المشهور و هو (المدرك للمقدمية) فالمدرك للمقدمية ان كان العقل بمعنى ان العقل ادرك توقف ذي المقدمة على المقدمة سميت المقدمة بالعقليّة.

و ان كان المدرك للمقدمية هو الشرع بمعنى ان الشرع هو الذي ادرك توقف ذي المقدمة على المقدمة سميت بالمقدمة الشرعيّة.

الاحتمال الثاني: ان اساس هذا التقسيم هو (واقع المقدمية و سببها). بمعنى ان توقف ذي المقدمة على المقدمة ان كان بسبب تكويني واقعي كتوقف الصعود الى السطح على السلم سميت المقدمة بالمقدمة العقليّة.

و ان كان بسبب شرعي اعتباري كتوقف الصلاة على الوضوء سميت المقدمة بالمقدمة الشرعيّة.

و بيان ما هو الصحيح من الاحتمالين يتوقف على بيان مقدمتين.

الأولى: و هي لمجرد توضيح الاحتمال الثاني و حاصلها ان التوقف بسبب تكويني هو التوقف الذي لا ارتباط له بالاعتبار و انما هو ناشئ عن‏

195

قانون التكوين الخارجي المرتبط بالعلل و المعلولات الخارجيّة كتوقف رفع العطش على شرب المائع فإن هذا التوقف ليس سببه ان الشارع اعتبر أن رفع العطش متوقف على شرب المائع بل متوقف على أن العلة الوحيدة لرفع العطش في الخارج هي شرب المائع و يستحيل وجود المعلول بلا علته الوحيدة فيستحيل وجود رفع العطش بدون وجود شرب المائع فحتى لو اعتبر الشارع الف اعتبار ان رفع العطش غير متوقف على شرب المائع لم يكن ذلك ضارا بحقيقة التوقف كما لا يكاد يخفى.

و اما التوقف بسبب اعتباري فهو التوقف الذي حدث بسبب اعتبار الشارع فوجود هذا التوقف و عدمه بيد الشارع كما لو اعتبر أن وجود الصلاة الصحيحة متوقف على الوضوء فإنه بسبب هذا الاعتبار صار وجود الصلاة الصحيحة يتوقف على وجود الوضوء فلو ان الشارع ألغى هذا الاعتبار و اعتبر ان الصلاة الصحيحة غير متوقفة على الوضوء لكان هذا التوقف معدوما فهذا التوقف لا وجود له الا في عالم الاعتبار.

المقدمة الثانية: و هي ركن المطلب و هي ان الشروط التي نص الشارع على توقف الواجب عليها يحتمل فيها احتمالان.

الأول: ان يكون الشارع هو الذي اعتبر توقف الواجب عليها بحيث لم يكن لهذا التوقف أي واقع و انما اعتبره الشارع اعتبارا لمصلحة من المصالح و هذا الاحتمال هو المتبادر الى الاذهان و على هذا الاحتمال كان توقف الواجب على الشروط توقفا بسبب الاعتبار.

الاحتمال الثاني: ان يكون الشارع مجرد مدرك لهذا التوقف بأن يكون توقف الواجب على الشرط امر واقعي تكويني غايته انه لشدة خفائه كان العقل عاجزا عن ادراكه فنبه الشارع عليه فيكون تنبيه الشارع عليه مجرد كلام ارشادي كما لو نبه على ان الصعود الى السطح يتوقف على نصب السلم.

و لا بأس بتوضيح هذا الاحتمال بالمثال فنقول لو فرض ان الواجب هو (الصلاة المستلزمة للمعراجية) و فرض ان هذا النوع من الصلاة لا يتحقق إلّا اذا وقعت الصلاة بعد الطهارة فتكون الواجب (الصلاة المستلزمة للمعراجية)

196

متوقفة تكوينا على الطهارة و هذا التوقف خفي لا يدركه العقل العادي و انما يدركه الشارع الاقدس لأنه محيط بجميع الحقائق فنبهنا عليه و قال (لا صلاة إلّا بطهور) فيكون قوله هذا بمنزلة قوله (لا صعود الى السطح الا بنصب السلم) فهو ليس تشريعا بل خبرا إرشاديا الى الواقع.

اذا عرفت هاتين المقدمتين نقول اما بناء على ان الشروط الشرعيّة من قبيل الاحتمال الثاني يكون عندنا نتيجتان.

الأولى: ان اساس القسمة ليس سبب المقدمية و واقعها. و دليل هذه النتيجة واضح لأن المفروض ان مقدميه الشروط الشرعيّة ايضا بسبب تكويني فلا فرق بين توقف الصعود على النصب و بين توقف الصلاة على الطهارة.

النتيجة الثانية: ان اساس القسمة يجب ان يكون (هو المدرك الأولي للمقدمية) و دليل هذه النتيجة واضح لأن لا فرق بين الشروط الشرعيّة و غيرها سوى ان الذي ادرك توقف الواجب على الشرط الشرعي واقعا هو الشارع.

بخلاف توقف الصعود على نصب السلم فإن العقل ابتداء يعلم ان الصعود يتوقف على النصب.

تنبيه: انما قيدنا اساس القسمة بقيد الأولي. و ذلك لأن الشارع بعد ان اخبرنا بأن الصلاة الواجبة متوقفة خارجا على الوضوء فإن العقل يصدق الشارع و يعتقد به و يصبح مدركا لهذا التوقف فيصبح العقل مدركا ان الصلاة الواجبة متوقفة خارجا على الوضوء فالعقل كما يدرك توقف الصعود على النصب و رفع العطش على الشرب كذلك يدرك توقف الواجب على الشرط الشرعي غايته انه في الأول ادرك مستقلا و اولا و في الثاني ادرك ثانيا و تابعا و المدرك الأولي كان هو الشارع.

و اما بناء على ان الشروط الشرعيّة من قبيل الاحتمال الأول. فيكون عندنا نتيجتان.

الأولى: ان اساس القسمة يمكن ان يكون هو (واقع المقدمية) و هذا واضح اذا الشروط الشرعيّة على هذا المبنى تكون توقف ذي المقدمة عليها

197

بسبب اعتبار الشارع. بخلاف توقف الصعود على النصب فإنه بسبب تكويني‏

الثانية: انه لا يصح جعل اساس التقسيم هو (مدرك المقدمية) و ذلك لأن الشارع ليس مدركا لتوقف الواجب على الشرط الشرعي بل هو جاعل هذا التوقف و منشؤه او قل خالق هذا التوقف حيث اعتبره موجودا و فرق بين الخالق و المدرك فبعد الخلق يكون المخلوق (الحقيقي او الاعتباري) مدركا على السوية من قبل الخالق و من قبل العقل.

فكما ان العقل يدرك توقف الصعود على النصب في عالم التكوين يدرك توقف الصلاة على الشرط. (طهارة مثلا) في عالم التشريع و كما ان ادراكه الأول متأخر عن خلق الخالق لهذه المقدمية التكوينية كذلك ادراكه الثاني متأخر عن خلق الشارع لهذه المقدمية التشريعية. و بهذا ينتهي المقام الثاني.

اما المقام الثالث: فأصبح في غاية الوضوح بعد بيان التقسيم فإذا قلنا ان اساس التقسيم هو (المدرك الأولي للمقدمية) كان تعريف المقدمتين هكذا.

المقدمة العقليّة هي المقدمة التي يدرك العقل توقف ذي المقدمة عليها بلا حاجة الى إخبار الشارع.

و المقدمة الشرعيّة هي المقدمة التي يدرك الشرع اولا توقف ذي المقدمة عليها ثم العقل يدرك هذا التوقف بعد اخبار الشارع.

و اما اذا قلنا ان اساس التقسيم هو (واقع المقدمية) كان تعريف المقدمتين هكذا.

المقدمة العقليّة هي المقدمة التي كان توقف ذي المقدمة عليها بسبب تكويني و في عالم التكوين.

و المقدمة الشرعيّة هي المقدمة التي كان توقف ذي المقدمة عليها بسبب تشريعي و في عالم التشريع.

198

توقفا واقعيا يدركه العقل بنفسه من دون استعانة بالشرع، كتوقف الحج على قطع المسافة.

2- المقدمة الشرعية: هي كل أمر يتوقف عليه الواجب توقفا لا يدركه العقل بنفسه، بل يثبت ذلك من طريق الشرع، كتوقف الصلاة على الطهارة و استقبال القبلة و نحوهما. و يسمى هذا الأمر أيضا (الشرط الشرعي)، باعتبار أخذه شرطا و قيدا في المأمور به عند الشارع، مثل قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلا بطهور» المستفاد منه شرطية الطهارة للصلاة.

و الغرض من ذكر هذا التقسيم بيان أن النزاع في مقدمة الواجب هل يشمل الشرط الشرعي؟.

و لقد ذهب بعض أعاظم مشايخنا- على ما يظهر من بعض‏

____________

و بهذا ينتهي الكلام في المقام الثالث ايضا.

قوله (ره) (توقفا واقعيا ...).

اقول: تشعر كلمة واقعيا ان نظر المصنف (ره) الى الاساس الثاني (واقع المقدمية) و لكن بقية تعريفه كلها ظاهره في النظر الى الاساس الأول (المدرك الأولي للمقدمية).

قوله (ره) (بنفسه من دون استعانه).

اقول: هذه العبارة ظاهره ان نظره الى الاساس الأول للتقسيم.

قوله (ره) (المقدمة الشرعيّة هي كل امر ...).

اقول: هذه العبارة الى قوله (بل يثبت ذلك من طريق الشرع) كلها ظاهره في النظر الى الاساس الأول.

و كيف كان فلا بأس بالاشارة الى ان كون توقف الواجبات على الشروط الشرعيّة توقفا تكوينيا امر مستبعد فالاقرب الى الذهن ان نقول ان التوقف تشريعي و بذلك يصح الاساس الثاني للتقسيم.

قوله (ره) (و لقد ذهب بعض أعاظم مشايخنا ...).

199

تقريرات درسه- إلى أن الشرط الشرعي كالجزء لا يكون واجبا بالوجوب الغيري، و سماه (مقدمة داخلية بالمعنى الأعم)، باعتبار أن التقييد لما كان داخلا في المأمور به جزءا له فهو واجب بالوجوب النفسي. و لما كان انتزاع التقييد إنما يكون من القيد- أي منشأ انتزاعه هو القيد- و الأمر بالعنوان المنتزع أمر بمنشإ انتزاعه، إذ لا وجود للعنوان المنتزع إلا بوجود منشأ انتزاعه- فيكون الأمر النفسي المتعلق بالتقييد متعلقا بالقيد؛ و إذا كان القيد واجبا نفسيا فكيف يكون مرة أخرى واجبا بالوجوب الغيري؟.

____________

اقول: هو المحقق النّائينيّ (ره) و مذهبه يتضح في مقدمات.

الأولى: ان الأمر بالكل هو امر بجميع اجزائه و هذه مقدمة بديهيه مسلمة اذ الأمر بقتل الجيش هو امر بقتل الجنود و الأمر بقتل العائلة هو امر بقتل الاب و الأمّ و الأولاد. و هذا واضح جدا بعد الالتفات الى ما قدمناه من ان الكل هو عين الاجزاء في الخارج.

المقدمة الثانية: ان الاجزاء كما تقدم في بحث المقدمة الداخلية تنقسم الى قسمين:

الأول: الجزء و هو الداخل قيدا و تقيدا و هو المسمى بالجزء الخارجي.

الثاني: التقيد بالشرط فيكون التقيد داخلا و القيد خارجا و تسمى بالاجزاء التحليلية و قد اوضحنا هذه المقدمة سابقا فراجع.

المقدمة الثالثة: ان التقيد هو وصف انتزاعي من وجودين كوصف التقدم و التأخر فإنهما وصفان ينتزعان من وجودين احدهما وجد اولا و ثانيهما وجد بعده فالتقيد كذلك وصف انتزاعي كتقيد الصلاة بكونها عن وضوء فإنه وصف ينتزع من وجودين الأول الوضوء و الثاني بعده.

المقدمة الرابعة: ان الأمر بالوصف الانتزاعي هو امر بمنشإ الانتزاع و ذلك لأن الوصف الانتزاعي لا وجود له خارجا عن منشأ انتزاعه، و الأمر يجب ان يتوجه الى ما له وجود حتى يمتثله المكلف فلا يعقل توجه الأمر الى الوصف الانتزاعي الذي هو بنفسه لا وجود له فلو صدر من المولى امر تعلق‏

200

و لكن هذا كلام لا يستقيم عند شيخنا المحقق الاصفهاني (رحمه اللّه)؛ و قد ناقشه في مجلس بحثه بمناقشات مفيدة. و هو على حق في مناقشاته:

أما أولا: فلأن هذا القيد المفروض دخوله في المأمور به؛ لا يخلو

____________

بالوصف الانتزاعي يعلم و يتعين ان يكون مراده الأمر بمنشإ انتزاعه.

المقدمة الخامسة: و قد تقدم الكلام عليها في بحث المقدمة الداخلية ص ... و حاصله ان ما تعلق به الوجوب النفسي لا يمكن ان يتعلق به الوجوب الغيري لاستحالة اجتماع الوجوبين على واحد ضرورة ان الوجوبين مثلان و المثلان لا يجتمعان كما لا يجتمع الضدان.

و اذا عرفت هذه المقدمات فينتج بمقتضى الأولى ان الأمر النفسي يتعلق بالاجزاء.

و بمقتضى الثانية انه يتعلق بالتقيد.

و بمقتضى الثالثة و الرابعة انه يتعلق بمنشإ انتزاع التقيد (و هو القيد).

و بمقتضى الخامسة انه يستحيل ان يوصف بالوجوب الغيري.

هذا تمام كلام الميرزا النائيني (ره). و المناقشة معه لا يمكن ان تكون في المقدمة الأولى لانها بديهيه فيتعين المناقشة معه بإحدى المقدمات الباقية و سيأتي التعرض لذلك.

قوله (ره) (فلأن هذا القيد ...).

اقول: هذا شروع في المقام الأول.

قوله (ره) (اما اولا فلأن هذا القيد المفروض ...).

اقول: قد عرفت ان للميرزا نتيجة تبتني على مقدمات فإذا اردنا ان نبطل نتيجته لا بد من ابطال احدى مقدماته.

و هذا الاعتراض الذي ذكره المصنف (ره) مع انه اطاله لم يبين ما هي المقدمة التي يناقشها و ليس ذلك إلّا لسوء البيان و إلّا فغرض المصنف (ره) هو مناقشه المقدمة الثانية أي غرضه اثبات ان (التقيد بالشرط الشرعي) ليس‏

201

جزءا من المأمور به و بالتالي فالأمر النفسي يتعلق بالتقيد.

و حاصل هذه المناقشة تتضح في مقدمات.

الأولى: ان الأمر فعل اختياري لا بد له من غرض و هذه بديهيه.

المقدمة الثانية: ان الغرض له محركية بالأصالة و له محركية بالتبع توضيحه انه لو فرضنا ان الغرض هو الالتذاذ المعين. و فرض ان محقق هذا الغرض هو اكل اللحم و فرض ان أكل اللحم يتوقف حصوله على شراء اللحم و فرض ان شراء اللحم يتوقف على الذهاب الى السوق و فرض ان الذهاب الى السوق يتوقف على لبس الثياب.

فإذا فرضنا كل ذلك نجد ان الغرض اول ما يحرك نحو ارادة اكل اللحم و هذه المحركيّة بالأصالة.

و نجد ان هذا الغرض يحرك ثانيا و بالتبع نحو ارادة شراء اللحم و انما كان هذا التحريك بالتبع لأنه تابع للتحريك الأول اذ لو لا تحريك الغرض نحو ارادة اكل اللحم لم يكن محركا نحو شراء اللحم فالتحريك نحو شراء اللحم كان ناتجا عن التحريك نحو اكل اللحم. و لذلك يسمى هذا التحريك انه بالتبع أي بتبع تحريك سابق.

و كذلك نجد ان هذا الغرض يحرك ثالثا نحو الذهاب الى السوق و هذا التحريك بالتبع لأنه تابع للتحريك الثاني اذ لو لا تحريك الغرض نحو ارادة شراء اللحم لم يكن محركا نحو الذهاب الى السوق فالتحريك نحو الذهاب الى السوق كان ناتجا عن التحريك نحو شراء اللحم الذي هو بدوره ناتج عن التحريك نحو اكل اللحم فالتحريك الى الذهاب الى السوق هو تحريك بتبع التبع.

و هكذا التحريك نحو لبس الثياب هو تحريك بتبع تبع التبع كما اصبح واضحا و هكذا لو فرض ان لبس الثياب يتوقف على شي‏ء آخر كان الغرض محركا نحوه بتبع تبع تبع التبع و هكذا الى آخر السلسلة.

المقدمة الثالثة: ان الوجوب النفسي هو الحكم الناشئ عن محركية

202

الغرض بالاصالة كوجوب اكل اللحم في المثال و الوجوب الغيري هو الحكم الناشئ عن محركية الغرض بالتبع.

و هذه المقدمات الثلاث لا جدال فيها و قد اوضحناها عند التعرض لتعريف الوجوب النفسي و الغيري. فراجع.

المقدمة الرابعة: و قد اشرنا اليها في اول البحث عند التعرض للتقسيم و حاصلها ان الشرط الشرعي يحتمل فيه احتمالان.

الأول: ان يكون الواجب متوقفا عليه توقفا تكوينيا غايته ان هذا التوقف في غاية الخفاء لم يدركه الا الشارع المقدس لإحاطته بجميع الأمور. فيكون توقف الصلاة على الوضوء كتوقف الصعود الى السطح على نصب السلم.

الثاني: ان يكون الواجب متوقفا عليه اعتبارا بواسطة جعل الشارع و اعتباره ان الواجب لا يتم إلّا بالشرط.

اذا عرفت هذين الاحتمالين نقول ان الغرض من هذه المقدمة هي بيان ان المحقق الاصفهاني (ره) بنى على الاحتمال الأول.

اذا عرفت هذه المقدمات نقول اذا نظرنا الى القيد (المسمى بالشرط و المسمى بالمقدمة الشرعيّة و المسمى بالمقدمة الداخلية بالمعنى الاعم و المسمى بالمقدمة الخارجيّة بالمعنى الأعم. خمسة اسماء و المسمى واحد) فإذا نظرنا الى هذا المسمى نجد ان المقتضي لوجوبه النفسي احد احتمالين.

الأول: ان يكون بنفسه يقتضي وجوبه النفسي كما لو فرض ان الوضوء بنفسه يقتضي ان يكون واجبا نفسيا.

الاحتمال الثاني: ان يكون بنفسه لا يقتضي وجوبه النفسي و لكن التقيد به هو الذي اقتضى ان يكون القيد واجبا نفسيا (كما لو فرض ان التقيد بالوضوء يقتضي الوضوء واجبا نفسيا).

و اذا عرفت هذين الاحتمالين نقول ان كلاهما باطل و سنبطلهما في مقامين.

203

المقام الأول: و نتعرض فيه للاحتمال الأول. فنقول ان القيد الشرعي يوجد له ثلاث احتمالات لا رابع لها.

الأول: ان يكون هذا القيد دخيلا في تحقيق الغرض فهو من جملة الافعال التي بها يتحقق الغرض.

الثاني: ان يكون هذا القيد ليس دخيلا في تحقيق الغرض و لكن يتوقف عليه وجود محقق الغرض.

الثالث: ان يكون هذا القيد ليس دخيلا في تحقيق الغرض و لا يتوقف عليه وجود محقق الغرض.

فعلى الاحتمال الثالث لا يكون هذا القيد لا واجبا بالوجوب النفسي و لا بالوجوب المقدمي كما هو واضح فيكون بمنزلة وجود زيد بالنسبة الى اكل اللحم لا ارتباط له به بالكليّة.

و على الاحتمال الأول يكون هذا القيد واجبا بالوجوب النفسي و ذلك لأنه المفروض انه من جملة المركب المحقق للغرض و قد عرفت ان الغرض يحرك نحو محققه بالأصالة كما عرفت ان الوجوب الناشئ عن التحريك بالاصالة هو الوجوب النفسي اذن هذا القيد يكون واجبا بالوجوب النفسي.

و لكن يبقى سؤال ان هذا القيد هل يسمى جزأ أو يسمى قيدا (مقدمة داخليه بالمعنى الاعم).

الجواب بكل وضوح هو انه يجب ان يسمى جزأ اذ ليس الجزء سوى الشي‏ء الدخيل في محقق الغرض فالكل هو محقق الغرض و يكون مركبا من عدة اجزاء كل واحد منها دخيل في تحقيق الغرض فإذا فرض ان الوضوء بنفسه يشترك مع الركوع و السجود في تحقيق غرض الصلاة فهو تماما كالركوع و السجود فبأي حق يجوز لنا ان نسمي الوضوء قيدا مع انه له جميع صفات الركوع من الاشتراك في تحقيق الغرض و من كونه بنفسه دخيلا في تحقيق الغرض.

و الحاصل ان مناط التسمية بالجزء هو (ان يكون الشي‏ء بنفسه دخيلا

204

في تحقيق الغرض) و هذا المناط كما يوجد في الركوع يوجد في الوضوء حسب الفرض فكما لزم تسمية الركوع بالجزء كذلك يلزم تسمية الوضوء بالجزء و التفريق تحكم لا وجه له.

و على الاحتمال الثاني يكون القيد واجبا بالوجوب الغيري و ذلك لأن المفروض انه ليس من جملة المركب المحقق للغرض بل يتوقف عليه وجود محقق الغرض فهو بمنزلة شراء اللحم الذي يتوقف عليه اكل اللحم المحقق للغرض.

و قد عرفت ان الغرض يحرك نحو ما يتوقف عليه محقق الغرض بالتبع لا بالاصالة.

و قد عرفت ان الوجوب الناشئ عن المحركيّة التبعيّة هو وجوب غيري.

فتحصل من كل ما ذكرنا ان كل قيد وجب بالوجوب النفسي فهو جزء و كل ما لم يكن جزأ (اي دخيلا في محقق الغرض) فهو ليس واجبا بالوجوب النفسي.

اذن فلا مجال لتوهم ان القيد الذي ليس بجزء واجب بالوجوب النفسي. هذا كله في المقام الأول.

المقام الثاني: و نتعرض فيه للاحتمال الثاني فنقول ان التقيد ايضا يحتمل فيه الاحتمالات الثلاثة المتقدمة التي عرفتها و عرفت احكامها.

فلو ثبت ان التقيد دخيل في محقق الغرض كان جزءا واجبا نفسيا.

و لو ثبت انه يتوقف عليه وجود محقق الغرض كان التقيد واجبا غيريا.

فإذا كان التقيد واجبا غيريا لا يكون ذلك مقتضيا لكون القيد واجبا نفسيا كما هو واضح إذ فاقد الشي‏ء لا يعطيه.

و اما اذا كان التقيد واجبا نفسيا فيكون ذلك مقتضيا لكون القيد واجبا نفسيا (بناء على صحة المقدمة الثالثة و الرابعة من مقدمات المحقق النائيني (ره)) فيكون القيد واجبا نفسيا و إن لم يكن بنفسه دخيلا في محقق الغرض.