المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه‏ - ج3

- محمود قانصوه المزيد...
510 /
205

هذا كله كبرويا على نحو القضية الشرطية و حصلنا في هذا البحث على ملازمتين.

الأولى: اذا كان التقيد واجبا غيريا (لأنه يتوقف عليه محقق الغرض) فلا يكون مقتضيا لوجوب القيد بالوجوب النفسي.

الثانية: اذا كان التقيد واجبا نفسيا (لأنه دخيل في تحقيق الغرض) فسوف يكون مقتضيا لوجوب القيد بالوجوب النفسي.

و اذا اتقنت هاتين الملازمتين يقع الكلام في تشخيص حال الصغرى.

فهل التقيد بالقيد الشرعي دخيل في تحقيق الغرض، ام انه يتوقف عليه محقق الغرض.

و الجواب على هذا السؤال يعرف من المقدمة الرابعة حيث ان المبنى على ان الشارع ادرك توقف وجود الواجب على القيد تكوينيا فيكون القيد الشرعي و التقيد به نظير المقدمة العقليّة و التقيد بها ليس لهما دخالة في محقق الغرض فكما ان الغرض يتحقق بنفس (الصعود الى السطح) لا بالصعود الحاصل عقيب نصب السلم غايته انه يستحيل وجود (الصعود الى السطح) بدون القيد (نصب السلم) و التقيد به، فكذلك الوضوء تماما فإن الغرض يتحقق بنفس (الصلاة المعراجية) غايته ان الصلاة المعراجية لا يمكن ان توجد بدون الوضوء و التقيد به.

و الحاصل ان مبنى الاصفهاني كما عرفت في المقدمة الرابعة ان العلاقة بين الواجب و الشرط الشرعي هي علاقة التوقف بسبب تكويني كالعلاقة بين الواجب و سائر المقدمات العقليّة كتوقف الصعود على النصب فكما يكون المقدمة العقليّة و التقيد بها خارجين عن محقق الغرض و واجبين بالوجوب الغيري فكذلك الشرط الشرعي و التقيد به يكونان خارجين و واجبين بالوجوب الغيري.

بل لو فرض ان القيد الشرعي و التقيد به واجبان نفسيان للزم ان يكون المقدمة العقليّة و التقيد بها واجبين نفسيين لعدم الفرق بينهما كما كررنا و لا

206

إما أن يكون دخيلا في أصل الغرض من المأمور به؛ و إما أن يكون دخيلا في فعلية الغرض منه؛ و لا ثالث لهما.

فإن كان من قبيل الأول: فيجب أن يكون مأمورا به بالأمر النفسي، و لكن بمعنى أن متعلق الأمر لا بد أن يكون الخاص بما هو خاص و هو المركب من المقيد و القيد فيكون القيد و التقييد معا داخلين. و السر في ذلك‏

____________

يخفى بطلان اللازم.

فظهر ان القيد الشرعي لا بنفسه يقتضي وجوبه النفسي و لا التقيد به يقتضي وجوبه النفسي.

هذا تمام توضيح كلام المحقق الاصفهاني (ره) على ما نقله المصنف (ره) و ما نقله المصنف (ره) و ان لم يكن وافيا بما ذكرناه إلّا ان مرام المحقق الاصفهاني (ره) يجب ان يكون على طبق ما ذكرناه. و سوف نتعرض للجواب عليه بعد التعرض لعبارات المصنف (ره).

قوله (ره) (اما ان يكون دخيلا في اصل الغرض ...).

اقول: مراده ان يكون دخيلا في محقق الغرض.

قوله (ره) (و اما ان يكون دخيلا في فعلية الغرض).

اقول: مراده ان يكون القيد يتوقف عليه وجود محقق الغرض.

قوله (ره) (و لا ثالث لهما).

اقول: لأن الثالث هو ان يكون القيد لا دخيلا في المحقق و لا يتوقف عليه المحقق و من الواضح ان هذا اجنبي بالكليّة عن الواجب فلا يكون واجبا بالوجوب النفسي و لا بالغيري فهو نظير قيد لعن الطاغوت بالنسبة الى الصلاة.

قوله (ره) (فإن كان من قبيل الأول ...).

اقول: هذا اشارة الى الاحتمال الأول و بيان انه يكون القيد حينئذ واجبا بالوجوب النفسي فراجع.

207

واضح، لأن الغرض يدعو بالأصالة إلى إرادة ما هو واف بالغرض و ما يفي بالغرض- حسب الفرض- هو الخاص بما هو خاص أي المركب من المقيد و القيد، لا أن الخصوصية تكون خصوصية في المأمور به المفروغ عن كونه مأمورا به، لأن المفروض إن ذات المأمور به ذي الخصوصية ليس وحده دخيلا في الغرض. و على هذا فيكون هذا القيد جزءا من المأمور به كسائر أجزائه الأخرى، و لا فرق بين جزء و جزء في كونه من جملة المقدمات الداخلية، فتسمية مثل هذا الجزء بالمقدمة الداخلية بالمعنى الأعم بلا وجه بل هو مقدمة داخلية بقول مطلق، كما لا وجه لتسميته بالشرط.

و إن كان من قبيل الثاني: فهذا هو شأن الشرط سواء كان شرطا شرعيا أو عقليا و مثل هذا لا يعقل أن يدخل في حيز الأمر النفسي، لأن الغرض- كما قلنا- لا يدعو بالأصالة إلا إلى إرادة ذات ما يفي بالغرض و يقوم به في الخارج، و أما ما له دخل في تأثير السبب أي في فعلية الغرض فلا يدعو إليه الغرض في عرض ذات السبب، بل الذي يدعو إلى إيجاد شرط التأثير لا بد أن يكون غرضا تبعيا يتبع الغرض الأصلي و ينتهي إليه.

____________

قوله (ره) (لأن الغرض يدعو بالاصالة الى ارادة ...).

اقول: هذا اشارة الى المقدمة الثانية و الثالثة من المقدمات التي ذكرناها في صدر البحث.

قوله (ره) (و على هذا فيكون هذا القيد جزءا ...).

اقول: هذا اشارة الى السؤال و الجواب اللذين ذكرناهما في ذيل الاحتمال الأول من احتمالات القيد.

قوله (ره) (و ان كان من قبيل الثاني).

اقول: هذا اشارة الى الاحتمال الثاني من احتمالات القيد.

قوله (ره) (و لا فرق بين الشرط الشرعي و غيره ...).

اقول: هذا اشارة الى المقام الثاني و غرض المصنف (ره) اثبات ان التقيد بالقيد الشرعي ليس جزءا من الواجب لأنه ليس محققا للغرض بل‏

208

و لا فرق بين الشرط الشرعي و غيره في ذلك، و إنما الفرق أن الشرط الشرعي لما كان لا يعلم دخله في فعلية الغرض إلا من قبل المولى كالطهارة و الاستقبال و نحوهما بالنسبة إلى الصلاة، فلا بد أن ينبه المولى على اعتباره و لو بأن يأمر به، أما بالأمر المتعلق بالمأمور به أي يأخذه قيدا فيه كأن يقول مثلا صل عن طهارة، أو بأمر مستقل كأن يقول مثلا: تطهر للصلاة. و على جميع الأحوال لا تكون الإرادة فيه تبعية و كذا الأمر به. يكون مأمورا به بالأمر النفسي، بل الإرادة فيه تبعية و كذا الأمر به.

فإن قلتم- على هذا- يلزم سقوط الأمر المتعلق بذات السبب الواجب إذا جاء به المكلف من دون الشرط، قلت من لوازم الاشتراط عدم سقوط الأمر بالسبب بفعله من دون شرطه، و إلا كان الاشتراط لغوا و عبثا.

____________

يتوقف عليه وجود محقق الغرض كما في سائر المقدمات الشرعيّة.

قوله (ره) (و انما الفرق ان الشرط الشرعي ...).

اقول: اشارة الى المقدمة الرابعة من المقدمات التي ذكرناها في صدر البحث. و الى هنا ينتهي اعتراض المحقق الاصفهاني (ره).

قوله (ره) (فإن قلتم- على هذا- يلزم سقوط ...).

اقول: هذا اعتراض على المحقق الاصفهاني (ره) و حاصله ان الاصفهاني بنى على ان القيد و التقيد كلاهما ليسا دخيلين في محقق الغرض فعلى هذا لو اتينا بمحقق الغرض و لم نأت بالقيد و التقيد لزم سقوط الأمر لتحقق الغرض.

قوله (ره) (قلت من لوازم الاشتراط عدم سقوط ...).

اقول: هذا جواب على الاعتراض المتقدم و حاصله انك عرفت ان جميع الشروط الشرعيّة تكشف عن ان محقق الغرض يتوقف وجوده على وجود الشرط كما يتوقف الصعود الى السطح على نصب السلم.

اذن لو فعلت الواجب بدون الشرط كما لو صليت بدون الوضوء لا

209

و أما ثانيا: فلو سلمنا دخول التقييد في الواجب على وجه يكون جزءا منه فإن هذا لا يوجب أن يكون نفس القيد و الشرط الذي هو حسب الفرض منشأ لانتزاع التقييد مقدمة داخلية، بل هو مقدمة خارجية، فإن وجود الطهارة- مثلا-

____________

تكون قد اتيت بمحقق الغرض و بالتالي فلن يتحقق الغرض و لن يسقط الأمر.

ثم لا يخفى ان هذا الاشكال و الجواب لا حاجة الى سردهما بعد وضوح استحالة سقوط الأمر بدون الشرط.

هذا مع ان عبارة المصنف (ره) في سرد الاشكال و الجواب في غاية ضعف البيان و كيف كان فلنرجع الى ما ذكره الاصفهاني (ره) فنقول.

اما ما افاده في المقام الأول ففي غاية المتانة و لكن نريد ان نقول انه لم يكن هناك داع الى ذكره اذ لا احد ادعى ان القيد بنفسه يقتضي ان يكون واجبا نفسيا و انما دعوى النائيني (ره) ان التقيد يقتضي الوجوب النفسي للقيد.

فالمقام الأول ذكر تطفلا.

و اما المقام الثاني فأيضا لا كلام في الملازمتين المذكورتين. انما الكلام في تشخيص الصغرى فنقول لا دليل على ان الشرط الشرعي يتوقف عليه محقق الغرض توقفا تكوينيا حتى يكون بمنزلة نصب السلم بل عرفت في المقدمة الرابعة انه يحتمل في الشرط الشرعي احتمالان فتعيين احدهما يحتاج الى مراجعة الادلة النقلية للشروط الشرعيّة.

و الأقرب ان هذه الادلة على الاحتمال الثاني و ذلك لقرب هذا المعنى من الذهن العرفي و بعد الاحتمال الأول عن الذهن العرفي.

نعم لو شككنا و لم نستظهر من الادلة احد الاحتمالين فالظاهر ان القيد لا يكون واجبا نفسيا لعدم الدليل. و لا واجبا غيريا لعدم حكم العقل بوجوبه الغيري لاحتمال ان يكون واجبا نفسيا.

نعم نعلم اجمالا بوجود احد الوجوبين فلو ترتب ثمرة على العلم الاجمالي فهو. و بهذا ينتهي الكلام حول الاعتراض الأول للاصفهاني (ره)

قوله (ره) (و اما ثانيا فلو سلمنا دخول التقييد في الواجب ...).

اقول: هذه العبارة (لو سلمنا دخول التقييد) تشير الى ان الاعتراض‏

210

يوجب حصول تقييد الصلاة بها، فتكون مقدمة خارجية للتقييد الذي هو جزء حسب الفرض. و هذا يشبه المقدمات الخارجية لنفس أجزاء المأمور به الخارجية، فكما أن مقدمة الجزء ليست بجزء فكذلك مقدمة التقييد ليست جزءا.

____________

المتقدم كان حول دخول التقييد او عدم دخوله على نحو ما قررناه و ان لم يصرح المصنف بذلك.

و كيف كان فهذا هو الاعتراض الثاني و حاصله الخدشة في المقدمة الرابعة من مقدمات المحقق النّائينيّ (ره) أي لا نسلم ان الأمر بالوصف الانتزاعي هو امر بمنشإ الانتزاع.

و توضيح الخدشة المذكورة ان يقال ما معنى قولكم (ان الأمر بالوصف الانتزاعي هو امر بمنشإ انتزاعه).

و الجواب ان معنى هذه العبارة يحتمل ثلاث احتمالات.

الأول: ان الأمر الواحد المتعلق بالوصف الانتزاعي هو بنفسه متعلق بمنشإ الانتزاع. مثل الأمر المتعلق بقتل الجيش فهو بنفسه متعلق بقتل الجنود.

الاحتمال الثاني: ان الأمر بالوصف الانتزاعي يترشح منه امر بمنشإ الانتزاع فعندنا امران الأول اصيل متعلق بالوصف الانتزاعي و الثاني مترشح منه متعلق بمنشإ الانتزاع.

الاحتمال الثالث: ان الأمر الواحد في الحقيقة لم يتعلق الا بمنشإ الانتزاع و كان تعلقه بالوصف الانتزاعي تعلقا لفظيا لا لبيا.

اذا عرفت هذه الاحتمالات فنقول:

اما الأول: فمحال اذ الأمر الواحد يستحيل ان يكون له الا متعلق واحد.

و اما في مثال الجيش و الجنود فهما في الحقيقة متعلق واحد يعبر عنه بلفظين.

و من الواضح ان الوصف الانتزاعي و منشأ الانتزاع امران متغايران اذ الأول لا وجود له و الثاني له وجود فليسا هما متعلق واحد حتى يتعلق بهما امر واحد بل هما متعلقان متغايران فيستحيل ان يتعلق بهما امر واحد.

211

و الحاصل أنه لما فرضتم في الشرط أن التقييد داخل و هو جزء تحليلي فقد فرضتم معه أن القيد خارج، فكيف تفرضونه مرة أخرى أنه داخل في المأمور به المتعلق بالمقيد.

____________

و اما الاحتمال الثاني: فهو تسليم بأن الأمر المتعلق بالمنشإ هو امر ترشحي و ليس سبب هذا الترشح سوى ادراك توقف وجود الوصف الانتزاعي على وجود منشئه فالأمر المترشح الى المنشأ هو امر مقدمي لا نفسي.

مضافا الى ما عرفت من ان الغرض يدعو بالأصالة الى المحقق و المفروض ان القيد ليس دخيلا في محقق الغرض. فالمحركيّة نحو المنشأ يجب ان تكون محركية تبعيّة و الوجوب الناشئ من هذه المحركيّة هو الوجوب الغيري.

فتحصل ان التقيد و هو الجزء الدخيل في محقق الغرض. توقف وجوده على وجود المنشأ فيترشح الأمر منه الى الأمر بالمنشإ امرا مقدميا نظير ما لو توقف وجود الركوع على مقدمة فإن الأمر بالركوع يترشح إلى المقدمة امرا مقدميا.

و اما الاحتمال الثالث: فهو فاسد ايضا لأنك امام فرضين.

الأول: ان تفرض ان المولى ادرك ان الدخيل في تحقيق الغرض هو الوصف الانتزاعي (التقيد) لا المنشأ.

الثاني: ان تفرض ان المولى ادرك ان الدخيل في تحقيق الغرض هو المنشأ بنفسه.

فعلى الثاني يكون المنشأ واجبا نفسيا و لكنه ككافة الاجزاء كما عرفت في الاعتراض المتقدم.

و على الأول. فلا بد للمولى أن يأمر اولا بالوصف الانتزاعي لما عرفت ان الغرض انما يدعو بالأصالة الى محقق الغرض و هو الأمر الانتزاعي فيكون الأمر في اللب متوجها الى الوصف الانتزاعي.

فانقدح من كل ما ذكر ان الطريق امام المحقق النائيني (ره) مسدود

212

فعليه اما ان يختار ان محقق الغرض هو الوصف و أما المنشأ فهو مقدمة و إما أن يختار أن محقق الغرض هو المنشأ بنفسه فعلى الثاني كان المنشأ جزءا و على الأول كان الأمر المتعلق به غيريا.

بقي شي‏ء و هو انه يمكن المناقشة مع المحقق النائيني (ره) في المقدمة الخامسة ايضا كما عرفت في مبحث المقدمة الداخلية و بهذا ينتهي الكلام في هذا المبحث.

213

7- الشرط المتأخر

لا شك في أن من الشروط الشرعية ما هو متقدم في وجوده زمانا

____________

قوله (ره) (لا شك في ان من الشروط ...).

اقول: هذا شروع في البحث المسمى بالشرط المتأخر و هو بحث لا يخلو عن دقة و لذا نطلب من القارئ ان يحزم امتعته و يجمع ذهنه و يتوكل على الله تعالى شأنه. فنقول توضيح البحث يحتاج الى مقدمات.

الأولى: ذكرها المصنف (ره) و هي ان الشروط على ثلاثة اقسام.

الأول: الشرط المتقدم و هو (الشرط الذي وجد و انقضى وجوده قبل زمان وجود المشروط).

الثاني: الشرط المقارن و هو (الشرط الذي عاصر وجوده وجود المشروط).

الثالث: الشرط المتأخر و هو (الشرط الذي حدث وجوده بعد زمان وجود المشروط المنقضي وجوده).

و هذا الذي ذكرناه و ان كان واضحا إلّا ان الخلط قد يقع في مقام التطبيق و نحن نعطي مثالين نوضح بهما مركز الخلط.

المثال الأول الوضوء شرط في الصلاة. و هذا الشرط يحتمل فيه احتمالان.

الأول: ان يكون الشرط هو نفس افعال الوضوء من غسل الوجه اليدين و مسح الرأس و الرجلين.

الاحتمال الثاني: ان يكون الشرط هو أثر هذه الافعال كما لو بنينا على ان افعال الوضوء علة لحدوث وصف الطهارة في المتوضئ فنفرض ان شرط الصلاة هو هذا الوصف.

فعلى الاحتمال الأول يكون الوضوء شرطا متقدما لأن افعال الوضوء قد وجدت و انقضى وجودها قبل زمان وجود الصلاة.

و على الاحتمال الثاني يكون الوضوء شرطا مقارنا لأن الشرط هو

214

على المشروط كالوضوء و الغسل بالنسبة إلى الصلاة و نحوها، بناء على‏

____________

الوصف و هذا الوصف (الطهارة) و ان وجد قبل زمان الصلاة إلّا انه قد استمر وجوده الى زمان وجود الصلاة فلم ينقض وجوده قبل الصلاة حتى يكون متقدما بل استمر وجوده الى زمان وجود الصلاة فهو شرط مقارن اذ لا نشترط في الشرط المقارن ان يكون حدوث وجوده في زمان وجود المشروط بل نشترط تحقق وجوده في زمان وجود المشروط سواء كان حدوثا كالتوجه الى القبلة في الصلاة. او بقاء كطهارة المصلي من الحدث و الخبث.

فظهر من هذا المثال ان مركز الخلط. هو الخلط بين كون الشرط هو نفس الافعال او اثرها.

المثال الثاني ان اجازة المالك شرط في صحة بيع الفضولي. و هذا المشروط يحتمل فيه احتمالان.

الأول: ان يكون المشروط هو نفس افعال البيع من لفظ بعت و لفظ قبلت.

الاحتمال الثاني: ان يكون المشروط هو المسبب عن نفس افعال البيع كما لو فرضنا ان افعال البيع تؤثر اثرا باق حتى بعد انقضاء وجود افعال البيع.

فعلى الاحتمال الثاني يكون شرط اجازة المالك شرطا مقارنا للبيع المشروط لأن المشروط هو الاثر المستمر الى زمان صدور اجازه المالك.

فلو حدث البيع يوم الخميس و استمر وجود الاثر الى يوم السبت و هو زمن اجازه المالك كان اجازه المالك مقارنا للمشروط و هو الاثر.

فالاجازة هنا شرط مقارن لأن وجودها عاصر وجود المشروط و لا نشترط في الشرط المقارن سوى هذه المعاصرة فلا نشترط في المقارن ان يكون حدوث المشروط في زمان حدوث الشرط بل يكفي وجود المشروط في زمان وجود الشرط سواء كان حدوثا او استمرارا.

و على الاحتمال الأول فيحتمل في الشرط احتمالان.

الأول: ان يكون الشرط هو نفس اجازة المالك.

215

أن الشرط نفس الأفعال لا أثرها الباقي إلى حين الصلاة.

____________

الاحتمال الثاني: ان يكون الشرط هو وصف انتزاعي يكون اجازة المالك منشأ لانتزاعه و ذلك كأن نفرض ان شرط البيع هو كونه متعقبا بإجازة المالك.

فعلى الاحتمال الأول يكون الشرط متأخرا لأن زمان وجود اجازة المالك متأخر عن زمان وجود المشروط.

و على الاحتمال الثاني فيتوقف الحكم بأن الشرط مقارن او متأخر على بحث و هو ان الوصف الانتزاعي هل يصدق في الواقع من زمان وجود الطرف الأول من طرفي منشأ الانتزاع. او ان الوصف الانتزاعي انما يصدق في الواقع بعد وجود كلا الطرفين اللذين هما منشأ الانتزاع.

و اذا اردت ان يتضح هذا البحث عندك فانظر الى طرفين من الزمان الماضي كولادة النبي (ص) و وفاته (ص)، فلا شك اننا نصف الولادة بوصف انتزاعي و هو تقدمها على الوفاة و هذا بديهي.

إلّا انه يبقى سؤال و هو ان هذا الوصف (المتقدم) هل ينطبق واقعا على ولادته (ص) حتى قبل الوفاة فنقول ان الولادة موصوفه قبل حدوث الوفاة بأنها متقدمة على الوفاة و هذا هو الموافق للقول الأول أي ان الوصف الانتزاعي يصدق في الواقع من زمن وجود الطرف الأول.

ام ان هذا الوصف (التقدم) لا ينطبق على ولادته (ص) قبل الوفاة حتى يكذب قولنا ان الولادة كانت موصوفه قبل الوفاة بأنها متقدمة على الوفاة. و لا يصدق إلّا قولنا ان الولادة تكون موصوفه بعد الوفاة بأنها متقدمة على الوفاة و هذا هو الموافق للقول الثاني أي ان الوصف الانتزاعي لا يصدق في الواقع الا بعد وجود كلا الطرفين.

اذا عرفت هذين القولين فنقول اما على القول الأول فيكون الشرط (كونه متعقبا بإجازة المالك) يكون مقارنا للبيع غايته انا لا نعلم انه مقارن للبيع الا بعد صدور الاجازة. فالعلم متأخر و لكن المعلوم متقدم.

و على القول الثاني يكون الشرط المذكور متأخرا لأنه انما ينطبق على‏

216

و منها ما هو مقارن للمشروط في وجوده زمانا كالاستقبال و طهارة اللباس للصلاة.

____________

البيع من حين اجازة الفضولي.

فظهر من هذا المثال وجود مركزين آخرين للخلط.

الأول الخلط بين كون المشروط هو ذات الفعل او اثره.

الثاني الخلط بين كون الشرط هو الوصف الانتزاعي او منشأ الوصف الانتزاعي. و بهذا ينتهي الكلام في هذه المقدمة.

المقدمة الثانية: و هي ان المشروط على ثلاثة اقسام.

الأول: الوجوب فشرطه يسمى شرط الوجوب.

الثاني: الواجب فشرطه يسمى مقدمة الواجب و شرط الواجب و مقدمة الوجود و نحو ذلك.

الثالث: الحكم الوضعي و شرطه يسمى شرط الوضع و نحو ذلك ..

و الفرق بين الأول و الثالث ان الأول حكم تكليفي و الثاني حكم وضعي.

تنبيه: نعبر عن الأول بشرط الوجوب و لكن المراد به اعم أي شرط الحكم التكليفي سواء كان استحبابا او وجوبا او حرمة و غير ذلك و هو واضح.

المقدمة الثالثة: ان الاحكام الشرعيّة عبارة عن قوانين تضرب على نحو القضية الحقيقية و هذه القوانين لها جهتان.

الأولى: جهة وضعها و جعلها و هذه جهة اعتباريّة محضة لا تحتاج الى اكثر من ان يمد الشارع يده و ينقش الحكم في اللوح المخصوص للشريعة.

الجهة الثانية جهة الملاك و ذلك لعلمنا بأن الشارع ليس لاغيا بل حكيما فلا يضع حكما شرعيا الا لوجود مصلحة او مفسدة اقتضت وضعه، و كذلك لا يدخل في الحكم أي خصوصية سواء في الموضوع او في المتعلق الا لمصلحة تقتضيه و كل ذلك واضح على مذهب العدلية القائلين بأن‏

217

الاحكام تابعة للمصالح و المفاسد.

و حينئذ يقع الكلام في ملاك هذه الشروط الثلاثة فنقول:

اما شرط الوجوب و الواجب فقد تقدم مفصلا عند تقسيم المقدمة إلى مقدمة واجب و وجوب و ملخصه هنا أن مقدمة الوجوب هي الشرط المأخوذ في موضوع الحكم و الذي يكون دخيلا في تحقق ارادة المولى للواجب بحيث لو لا وجود هذا الشرط لا يكون المولى مريدا للواجب كالاستطاعة فيكون القانون هكذا (المكلف المستطيع يجب عليه الحج).

و اما مقدمة الواجب فهي الشرط المأخوذ في متعلق الحكم و الذي يكون دخيلا بالجملة في تحقيق غرض المولى.

و اما شرط الحكم الوضعي فهو الشرط المأخوذ في موضوع الحكم الوضعي و الذي يكون دخيلا في لياقة الموضوع بالحكم او قل دخيلا في تحقق ارادة المولى لتشريع الحكم.

و هذا ما يحتاج الى توضيح فنقول: ان شرط الوضع يختلف عن شرط الواجب و الوجوب و ذلك لأن عند تحقق الاستطاعة مثلا تكون الاستطاعة دخيله في ايجاد ارادة البعث نحو الحج كما تكون الاستطاعة دخيلة في صيرورة الحج ذا مصلحة و هكذا الوضوء فإنه يكون دخيلا في صيرورة الواجب ذا مصلحة و اما اشتراط العربية مثلا في العقد فإنه لا يكون الصيغة العربية دخيلا في كون النكاح ذا مصلحة او محبوبا و هكذا اشتراط ملاقاة النجاسة فإن ملاقاة النجاسة لا تكون دخيلا في صيرورة النجاسة ذا مصلحة او محبوبا فشروط الوضع هي الشروط التي تكون دخيلة في تحسين التشريع و صيرورة التشريع ذا مصلحة. فالعربية في العقد تكون دخيله في صيرورة تشريع عقد النكاح امرا حسنا لا في نفس النكاح.

المقدمة الرابعة: في بيان وجه الاشكال في المقام و حاصله انك عرفت في المقدمة السابقة ان الاشتراط كسائر الاحكام الشرعيّة له جهتان الأولى اعتباريّة و الثانية تأثير في الارادة او المصلحة.

218

و اما من الجهة الأولى فلا مانع من اعتبار الشرط متأخرا او متقدما او مقارنا لوضوح ان الاعتبار سهل المئونة.

و لكن الاشكال من الجهة الثانية حيث فرضنا في شرط الوجوب مثلا انه كان دخيلا في علة الوجوب و حيث فرضنا ان الصيغة العربية مثلا دخيله في تحسين التشريع و الوضوء مثلا دخيلا في مصلحة الصلاة.

و الحاصل اننا اتفقنا في الجهة الثانية ان الشروط مؤثرة في المشروط نوعا من التأثير فهي علة فيه و ممن هنا يقع الاشكال، فإن تأثير المتأخر في المتقدم محال لأنه اما ان نفرض ان المتأخر مؤثر في المتقدم في آن وجود المتقدم. و اما ان نفرض ان المتأخر مؤثر في المتقدم في آن وجود المتأخر.

فعلى الفرض الأول يلزم تأثير المعدوم في الموجود ضرورة ان المتأخر معدوم في آن حدوث المتقدم.

و على الفرض الثاني يلزم تبدل الواقع من العدم الى الوجود ليكون آن العدم آن الوجود اذ المتقدم في زمانه كان عدما قبل المتأخر و اما بعد وجود المتأخر يصير المتقدم موجودا في زمانه قبل المتأخر. فيكون المتقدم معدوما أولا لا في هذا الزمان و موجودا ثانيا (بعد الوجود المتأخر) في نفس هذا الزمان. و هذا معنى تبدل الواقع المحال.

هذا إذا فرضنا أن المتقدم كان عدما قبل المتأخر و أما إذا فرضناه موجودا فهو خلف كون المتأخر علة لوجوده.

و كيف كان فاستحالة تأثير المتأخر في المتقدم من البديهيات التي قياساتها معها.

اذن الاشكال في المقام ليس في هذه السهولة التي يتوهمها البعض بدعوى ان الاحكام و الشروط أمور اعتباريّة يجوز له ان يعتبر كيف يشاء.

فإننا نسلم ذلك و لكن الاشكال ليس في الاعتبار بل في الجهة الثانية التي هي منشأ الاعتبار و هي جهة تكوينيه.

المقدمة الخامسة: في بيان مورد النزاع فنقول كان المشهور على ان‏

219

و إنما وقع الشك في (الشرط المتأخر). أي أنه هل يمكن أن يكون الشرط الشرعي متأخرا في وجوده زمانا عن المشروط أو لا يمكن؟.

و من قال بعدم إمكانه قاس الشرط الشرعي على الشرط العقلي،

____________

الاشكال في الشرط المتأخر فقط و ذلك لاستحالة ان يكون المتأخر علة للمتقدم.

و لكن صاحب الكفاية (ره) ادعى ان الاشكال يجري ايضا في الشرط المتقدم و ذلك لأنه كما يستحيل ان تكون العلة متأخرة عن المعلول كذلك يستحيل ان تكون العلة متقدمة على المعلول زمانا كما هو واضح.

هذا و لكن الانصاف ان ما ذكره صاحب الكفاية (ره) ليس في محله فإننا لم نقل ان الشروط علة للمشروط بل قلنا ان الشروط لها دخالة في المشروط فقد تكون علة و قد تكون معدا و المعد يمكن ان يتقدم على المعلول.

توضيح ذلك ان اجزاء العلّة أربعة (المقتضي، عدم المانع، الشرط، المعد) و اجزاء العلة التي يجب ان تكون مقارنة للمعلول هي الثلاثة الأولى و اما المعد فلا يجب فيه ذلك مثل الذهاب الى السوق فهو معد لشراء اللحم و يتقدم عليه زمانا كما هو واضح و من هنا فيمكن ان تكون الشروط الشرعيّة من قبيل المعد فيكون تقدمها زمانا ليس فيه أي اشكال.

و من الواضح انك لن تتخيل ان الشرط الشرعي يجب ان يكون شرطا بالمعنى الفلسفي حتى يكون كالمقتضي و عدم المانع مما يجب أن يقترن بالمعلول. فإن الشرط الشرعي أعم من كل ذلك كما لا يكاد يخفى.

اذن الاشكال كما عليه المشهور منحصر في الشرط المتأخر.

قوله (ره) (و انما وقع الشك في الشرط المتأخر ...).

اقول: هذا الحصر اشارة الى ما ذكرناه من عدم صحة كلام صاحب الكفاية (ره).

قوله (ره) (و من قال بعدم إمكانه ...).

اقول: قد عرفت ان من قال بعدم بإمكانه نظر الى ان الشروط مؤثرة

220

فإن المقدمة العقلية يستحيل فيها أن تكون متأخرة عن ذي المقدمة، لأنه لا يوجد الشي‏ء إلا بعد فرض وجود علته التامة المشتملة على كل ما له دخل في وجوده لاستحالة وجود المعلول بدون علته التامة. و إذا وجد الشي‏ء فقد انتهى. فأية حاجة له تبقى إلى ما سيوجد بعد.

و منشأ هذا الشك و البحث ورود بعض الشروط الشرعية التي ظاهرها تأخرها في الوجود عن المشروط، و ذلك مثل الغسل الليلي للمستحاضة الكبرى الذي هو شرط- عند بعضهم- لصوم النهار السابق على الليل. و من هذا الباب إجازة بيع الفضولي بناء على أنها كاشفة عن صحة البيع لا ناقلة.

و لأجل ما ذكرنا من استحالة الشرط المتأخر في العقليات اختلف العلماء في الشرط الشرعي اختلافا كثيرا جدا، فبعضهم ذهب إلى مكان‏

____________

في المشروط فيستحيل ان تكون متأخرة و قد اوضحنا كل ذلك في المقدمة الرابعة.

قوله (ره) (مثل الغسل الليلي ...).

اقول: الغسل الليلي شرط واجب و هو صوم النهار السابق على الليل.

قوله (ره) (بناء على أنها كاشفة ...).

اقول: اذا وقع العقد يوم الخميس و وقعت الاجازة يوم السبت فتارة نقول ان الاجازة تؤدي الى صحة العقد منذ يوم الخميس فهي تكون كاشفة عن الصحة.

و تارة أخرى نقول أن الاجازة تؤدي إلى صحة العقد من حين الاجازة فتكون الاجازة ناقلة. و قد اوضحنا هذا المثال و بعض شقوقه في المقدمة الأولى فراجع.

قوله (ره) (و لأجل ما ذكرنا من استحالة ...).

اقول: هذه هي المقدمة السادسة و هي بيان ثمرة هذا النزاع و توضيحها يتوقف على مقدمة و هي ان جميع الظواهر يجب ان تحمل على ظاهرها و تكون حجة في ذلك ما لم يثبت ان هذا الظاهر مما لا يريده المتكلم.

221

الشرط المتأخر في الشرعيات و بعضهم ذهب إلى استحالته قياسا على الشرط العقلي كما ذكرنا آنفا، و الذاهبون إلى الاستحالة أولوا ما ورد في الشريعة بتأويلات كثيرة يطول شرحها.

و أحسن ما قيل في توجيه إمكان الشرط المتأخر في الشرعيات ما عن بعض مشايخنا الأعاظم (قدس سره) في بعض تقريرات درسه.

و خلاصته: إن الكلام تارة يكون في شرط المأمور به، و أخرى في شرط الحكم سواء كان تكليفيا أم وضعيا.

____________

و يثبت ذلك في حالات منها ادراك ان هذا الظاهر محال او مخالف لذهن العقلاء. فإن ادراك ذلك يؤدي الى القطع بأن المتكلم لا يريده ضرورة انه لا يريد المحال. فإذا قال (جمعت النقيضين) لم يجز ان نأخذ بهذا الظاهر بل يجب تأويله.

و من هنا نقول انه قد ورد روايات ظاهرة في اشتراط شرط متأخر فننظر في هذا البحث فإذا وجدنا ان اشتراط الشرط المتأخر محال نضطر الى تأويل هذه الروايات عن ظاهرها. و اذا وجدنا ان اشتراطه ليس محالا وجب علينا المحافظة على ظهورها.

قوله (ره) (و احسن ما قيل في توجيه امكان الشرط ...).

اقول: هذا شروع في الاجابة عن الاشكال و قبل الشروع في ذكر الأجوبة نقرر مبدأ. و هو ان الاشكال نشأ كما عرفت من قياس مركب من مقدمتين.

الأولى ان الشرط المتأخر مؤثر واقعا في المشروط المتقدم.

الثانية ان تأثير المتأخر في المتقدم محال.

فما دام مقدمات هذا القياس سليمة يكون الاشكال سليما فلا بد في دفعه من ابطال احدى هاتين المقدمتين.

اما الثانية فلا مجال للنقاش فيها

فتعين النقاش في الأولى و من هنا فكل الأجوبة سوف تحاول بيان ان الشرط المتأخر ليس مؤثرا في المتقدم.

222

اذا عرفت ذلك نقول ان الجواب في كل شرط من الشروط الثلاثة (الواجب و الوجوب و الوضع) يختلف عن الجواب في الآخر و لذا نعقد ثلاث مقامات لكل شرط مقام.

المقام الأول: في شرط الواجب (المسمى بشرط المأمور به و نحو ذلك من الأسماء). و في هذا المقام اتفقوا على جواب يمكن ان يقرر بتقريرين.

الأول: عبارة عن ارجاع الشرط المتأخر الى الشرط او الجزء المقارن و ذلك بدعوى ان الشرط ليس هو نفس الفعل المتأخر بل الشرط هو الوصف الانتزاعي الذي يكون الفعل المتأخر منشأ انتزاعه ففي مثال الصوم في النهار المشروط بالغسل في الليل لا يكون الشرط هو نفس الغسل حتى يكون متأخرا بل الشرط هو تقيد الصوم بوقوع الغسل بعده أي كون الغسل متعقبا بالغسل) فالشرط هو الوصف الانتزاعي المقارن للصوم غايته ان منشأ انتزاعه متأخر.

ثم لا يخفى انه يمكن اعتبار هذا التقيد المقارن شرطا مقارنا كما كنا نعبر و يجوز اعتباره جزءا مقارنا.

و لا يخفى ان تمامية هذا التقرير تتوقف على القول بأن الوصف الانتزاعي يصدق في الواقع من زمان وجود الطرف الأول من طرفي منشأ الانتزاع (و قد شرحنا وجود قولين في ذلك في المقدمة الأولى من مقدمات البحث فراجع).

فعلى هذا القول يكون الوصف الانتزاعي (متعقبا بالغسل) صادق على الصوم من حينه فيكون شرطا مقارنا.

و اما على القول الثاني (الذي يقول بأن الوصف الانتزاعي لا يصدق إلّا بعد وجود طرفي منشأ الانتزاع) فيكون الوصف الانتزاعي (متعقبا بالصوم) متأخرا كنفس منشأ الانتزاع فيكون اشتراط الوصف الانتزاعي كاشتراط نفس المنشأ اشتراطا لشرط متأخر.

223

التقرير الثاني: و هو مبني على مقدمتين.

الأولى: ارجاع الشرط الى الجزء.

الثانية: ان الجزء بلا ريب يجوز ان يتقدم و يتأخر فإن التشهد متأخر عن القراءة.

و اما المقدمة الثانية فلا اشكال فيها لوضوح ان الاجزاء لا يجب ان تكون موجودة في زمان واحد بل بعضها يحصل اولا و بعضها يحصل آخرا و يكون المجموع محققا للغرض مثل عمل النجار للسرير فإنه عبارة عن عدة افعال متدرجة في الزمان و المجموع محقق للغرض.

و اما المقدمة الأولى فقد تصاغ بصياغتين.

الأولى: دعوى ان نفس الفعل المتأخر هو جزء العمل الواحد غايته انه جزء منفصل في الزمان و الهيئة و لا مانع منه فيمكن دعوى ان الوضوء جزء من الصلاة غايته ان هذا الجزء لا يجب ان يكون له الهيئة الصلاتية من الاتصال ببقية الاجزاء و من التوجه الى القبلة و نحو ذلك فيكون الوضوء كالركوع من حيث جزئيه الصلاة و ان اختلفا في ان الركوع يجب ان يكون له الهيئة الصلاتية بينما الوضوء لا يجب فيه ذلك.

هذا في الوضوء فيمكن مثله في الغسل الليلي بأن يقال ان الغسل الليلي جزء من الصوم لكنه جزء منفصل.

الصياغة الثانية و تبتني على مقدمات.

الأولى: ان نفس الفعل المتأخر ليس جزءا بل منشأ لانتزاع وصف انتزاعي هو التقيد به.

الثاني: ان الوصف الانتزاعي هو الجزء.

الثالث: ان الوصف الانتزاعي يحدث بعد وجود طرفي منشأ الانتزاع.

فينتج من هذه المقدمات الثلاث ان التقيد و ان كان متأخرا إلّا انه جزء و يجوز في الجزء ان يكون متأخرا.

اذا عرفت هذين التقريرين نقول:

224

اما التقرير الأول: فيرد عليه ايرادان.

الأول: ان التقيد وصف انتزاعي لا وجود له في الخارج و انما وجوده وجود طرفي منشأ الانتزاع.

و على هذا نقول يستحيل ان يكون التقيد دخيلا في تحقيق الغرض او يتوقف عليه وجود محقق الغرض. ضرورة ان الوصف الانتزاعي عدم و العدم لا يؤثر في شي‏ء و لا يتوقف عليه غير العدم.

فلا يجوز لكم ان تدعوا ان التقيد جزء للواجب او مقدمة له اذن محقق الغرض يجب ان يكون نفس طرف الانتزاع أي نفس الفعل المتأخر.

الايراد الثاني: ان دعوى دخول التقيد في الواجب و خروج نفس القيد دعوى تتلاءم على مذهب دون مذهب توضيح ذلك انك عرفت في البحث المتقدم ان الشرط يحتمل فيه احتمالان.

الأول: ان يكون الواجب متوقفا عليه بسبب تكويني غايته ان هذا التوقف لخفائه ادركه الشارع فقط فيكون الشرط بمنزلة نصب السلم.

الاحتمال الثاني: ان يكون الواجب متوقفا عليه اعتبارا فقط أي لمجرد اعتبار المولى.

فإذا راجعت هذين الاحتمالين نقول ان إمكان دخول التقيد على الاحتمال الثاني في غاية الوضوح اذ يكون الشارع اعتبارا ادخل التقيد و هذا لا مانع منه.

و أما على الاحتمال الأول فليس كذلك لأن الواجب توقف وجوده على وجود الشرط توقفا تكوينيا و الواجب هو ذات الفعل بمنزلة توقف الصعود على النصب فتقيد الصعود بكونه عقيب النصب لا جزء و لا شرط و إن كان ضروري الصدق و كذا تقيد شراء اللحم بكونه عقيب الذهاب إلى السوق لا جزء و لا شرط و إنما الشرط هو الذهاب الى السوق و التقيد ضروري الصدق.

225

و ان شئت التدقيق اكثر نقول ان هذا الاحتمال يحتمل احتمالين.

الأول: ان الواجب يتوقف على وجود التقيد لا القيد فيكون المقدمة هو التقيد و اما القيد فهو مقدمة المقدمة مثل جلب الماء الذي هو مقدمة الوضوء الذي هو مقدمة الصلاة.

الثاني: ان الواجب يتوقف على نفس القيد.

اما الاحتمال الأول. على فرض امكان ان يتوقف وجود شي‏ء على وصف انتزاعي. فهو صحيح و لكنه عليه يكون التقيد شرطا لا جزءا كما كانوا يعبرون.

اما الاحتمال الثاني فيلزم ان يكون التقيد ليس له دخالة بالكليّة. أي لا جزء كما هو واضح و لا شرط لأن الشرط هو نفس القيد.

و اما دعوى ان القيد و التقيد معا يتوقف عليهما الواجب فمغالطة واضحة الفساد فتأمل جيدا.

و اما الصياغة الأولى من التقرير الثاني فلا مانع منها عقلا غايته انه يحتاج اثباتها الى دليل نقلي و لا سيما مع الالتفات الى بعد هذا المعنى عن الاذهان في نحو الوضوء و الغسل فتأمل‏ (1).

ثم انه لا يهمنا على هذه الصياغة ان يكون الجزء هو نفس الفعل المتأخر او يكون الجزء هو الاثر الناتج عن هذا الفعل لو فرض ان له اثر فإن النتيجة واحدة كما لا يكاد يخفى.

و اما الصياغة الثانية من التقرير الثاني فيرد عليه الايراد الوارد على التقرير الأول و ذلك لأن التقيد وصف انتزاعي لا وجود له خارج الذهن فلا يعقل ان يكون دخيلا في تحقيق اثر خارجي.

فتحصل انه لا يصح في هذا المقام الا ارجاع الشرط بنفسه الى كونه‏

____________

(1) وجهه أن الدليل النقلي الدال على الشرط المتأخر فإذا فرض أنه لا يكون ممكنا إلا بحمله على هذا المعنى وجب حمل الدليل النقلي على هذا المعنى بلا حاجة إلى دليل نقلي آخر.

226

أما في (شرط المأمور به) فإن مجرد كونه شرطا شرعيا للمأمور به لا مانع منه، لأنه ليس معناه إلا أخذه قيدا في المأمور به على أن تكون الحصة الخاصة من المأمور به هي المطلوبة. و كما يجوز ذلك في الأمر السابق و المقارن فإنه يجوز في اللاحق بلا فرق. نعم إذا رجع الشرط الشرعي إلى شرط واقعي كرجوع شرط الغسل الليلي للمستحاضة إلى أنه رافع للحدث في النهار فإنه يكون حينئذ واضح الاستحالة كالشرط الواقعي بلا فرق.

____________

جزءا و غير ذلك محال و يمكن الالتزام بجواب آخر إجماله أن المتأخر شرط و لكن يتأخر معه الوصف بالحصّة إلى زمن الشرط المتأخر.

و اما المقام الثاني و الثالث فنتعرض لهما بعد النظر في عبارات المصنف (ره).

قوله (ره) (على ان تكون الحصة الخاصة من المأمور به هي المطلوبة ...).

اقول: نظره الى الصياغة الأولى أي ان الشرط هو التقيد لا القيد فالواجب هو (الصوم المتعقّب بالغسل في الليل).

قوله (ره) (فإنه يكون حينئذ واضح الاستحالة ...).

اقول: الوضوء و الغسل رافعان للحدث و هذا مما لا اشكال فيه و انما الكلام في معنى ذلك فنقول يحتمل احتمالان.

الأول: ان الوضوء رافع تكويني للحدث الموجود خارجا في روح الانسان. فيكون الوضوء و الغسل علتين تكوينيتين لإعدام الموجود حقيقة و خارجا في روح الانسان. فهو بمنزلة التوبة التي تطهر قلب الانسان من الرجس تطهيرا واقعيا.

الاحتمال الثاني: ان الوضوء ليس علة تكوينيه و لا الحدث موجودا خارجيا و انما الحدثية حكم شرعي و يكون الوضوء رافعا اعتباريا لهذا الحكم الشرعي فيكون قولنا (الوضوء رافع للحدث) قانون اعتباري شرعي.

227

و سر ذلك أن المطلوب لما كان هو الحصة الخاصة من طبيعي المأمور به فوجود القيد المتأخر لا شأن له إلا الكشف عن وجود تلك الحصة في ظرف كونها مطلوبة. و لا محذور في ذلك إنما المحذور في تأثير المتأخر في المتقدم.

____________

و اما على الاحتمال الأول فلا شك في استحالة ان يكون الوضوء و الغسل علة لوجود الطهارة قبلهما لوضوح استحالة تقدم المعلول على العلة. كما يستحيل ان يكون النار يوم الخميس علة الاحراق الحاصل يوم الاربعاء.

و اما على الاحتمال الثاني فيكون (الوضوء رافع للحدث) حكم وضعي فيرجع البحث في جواز ان يكون الوضوء المتأخر رافعا للحدث المتقدم الى البحث في جواز الشرط المتأخر في الاحكام الوضعية اذ لا فرق بين الشرط المتأخر في الحكم الوضعي و بين الموضوع المتأخر كما يأتي بيانه.

فظهر ان حكم المصنف (ره) بوضوح استحالة ان يكون الوضوء رافعا للحدث المتقدم مبني على التمسك بالاحتمال الأول مع ان الانصاف ان الاحتمال الأول بعيد عن الواقع.

قوله (ره) (لا شأن له الا الكشف عن وجود تلك الحصة ...).

اقول: قد عرفت ان الحصة المطلوبة هي المتقيدة بالقيد مثل (الصوم المتعقب بالغسل) و عرفت ان التقيد وصف انتزاعي و عرفت ان الوصف الانتزاعي يصدق بمجرد وجود الطرف الأول. غايته انه لا يمكن لنا العلم بالصدق المذكور الا بعد العلم بوجود طرفي منشأ الانتزاع فالصوم حين وجوده و قبل حدوث الغسل لا نعلم انه يصدق عليه انه متعقب بالغسل نعم بعد حدوث الغسل و علمنا به نعلم ان الصوم في زمان وقوعه كان يصدق عليه انه متعقب بالغسل. فالغسل يكون كاشفا لنا عن ان الصوم من حين حدوثه كان موصوفا بإنه (متعقب بالغسل).

228

تنبيهان:

الأول: اننا كنا نعبر بأن الوصف الانتزاعي يصدق بمجرد وجود الطرف الأول و لكن هذا التعبير مبني على المسامحة لمجرد التوضيح و إلّا فالتحقيق ان الوصف الانتزاعي يصدق حتى قبل وجود كلا الطرفين فلو نظرت الى المستقبل امكنك ان تقول (ان السنة الآتية متقدمة على السنة التي بعدها) كما هو واضح.

التنبيه الثاني: اننا عبرنا تبعا للمصنف (ره) بأن وجود القيد المتأخر (كالغسل) يكون كاشفا عن صدق الوصف الانتزاعي على المقيد (كالصوم) في حال حدوثه.

و لكن هذا التعبير ايضا مبني على المسامحة لمجرد التوضيح و إلّا فالتحقيق ان وجود القيد المتأخر انما يبرر للعقل ان يحكم بصدق العنوان الانتزاعي على المقيد في آن حدوث المقيد. فمثلا لو حدث الصوم في النهار و حدث الغسل في الليل ففي النهار لا يمكن للعقل ان يحكم بأن الصوم يصدق عليه انه (متعقب بالغسل) و لكن في الليل عند علم العقل بوقوع الغسل يمكن للعقل ان يحكم بأن الصوم حتى في النهار يصدق عليه انه (متعقب بالغسل) فإذن التعبير بكلمة (الكشف) مسامحة واضحة.

و وجه المسامحة يتضح عند الالتفات الى مقدمة واضحة و هي ان الوصف الانتزاعي ليس سوى (حكم عقلي يخترعه العقل و يتبرع به قهرا عليه بسبب واقعي) فالوصف الانتزاعي لا وجود له وراء العقل. فهو كالملازمات العقليّة مثل (ان كان زيد ناهقا فهو حمار) فإن هذه الملازمات و الاوصاف الانتزاعية احكام عقلية محضة لا وجود لها في غير العقل غايته ان العقل يحكم بها بسبب واقعي تكويني.

و اذا اتقنت هذه المقدمة يتضح كيف كان التعبير بكلمة الكشف مسامحة لأن الكشف لا يطلق إلّا في مورد وجود شي‏ء واقعي كشفت عن وجوده سابقا و هنا لا يوجد شي‏ء واقعي كان موجودا في الزمان الأول و لم نعلم‏

229

و أما في (شرط الحكم) سواء كان الحكم تكليفيا أم وضعيا، فإن الشرط فيه معناه أخذه مفروض الوجود و الحصول في مقام جعل الحكم‏

____________

بوجوده ثم كشف عنه وقوع الشرط فإن هذا الشي‏ء الواقعي المتوهم اما نفس حكم العقل بالوصف الانتزاعي و اما نفس الوصف الانتزاعي.

و الأول مقطوع عدم التحقق قبل تحقق الشرط.

و اما الثاني فلا وجود واقعي له حتى يستكشف وجوده. و بهذا ينتهي الكلام في المقام الأول.

و اما المقام الثاني و الثالث فنتعرض لهما عما قريب.

قوله (ره) (و اما في شرط الحكم سواء كان الحكم تكليفيا ام ...).

اقول: ان المصنف (ره) دمج بين المقامين و نحن نذكرهما منفصلين اما المقام الثاني (اي شرط الوجوب) فنذكر ثلاث اجوبة.

الأول: و حاصله ان الاحكام الشرعيّة قوانين اعتباريّة و من الواضح ان الاعتبار بيد المعتبر فيمكن للمعتبر ان يعتبر ان الموضوع متقدم و الحكم متأخر فيقول (ان كان غدا يوم وفاة زيد فاليوم يجب توديعه) فيكون الحكم موجودا متقدما اذا فرض وجود الشرط متأخرا.

و هذا الجواب قد يستظهر من كلام المصنف (ره) في المتن حيث لم يظهر من عباراته أكثر من هذا.

أقول: و هذا الجواب قد اشرنا الى فساده في المقدمة الرابعة حيث بينا ان الحكم له جهتان اعتبار و ملاك و ان الاشكال ليس من الجهة الأولى بل من الجهة الثانية فراجع.

الجواب الثاني: و ذكره صاحب الكفاية (ره) و يبتني على مقدمة و هي ان ذا التفكير انما ينبعث و يتحرك عن اعتقاداته لا عن الواقع فمن اعتقد بوجود اسد يفر حتى لو لم يكن في الواقع و من اعتقد ان الموجود شاة لا يفر و ان كان اسدا في الواقع فالاعتقاد هو علة الانبعاث لا الواقع.

اذا التفت الى هذه المقدمة الواضحة نقول ان الحكم الشرعي فعل معلول صدر من المولى و علته لحاظ المولى للشرط المتأخر و علمه بذلك‏

230

و انشائه. و كونه مفروض الوجود لا يفرق فيه بين أن يكون متقدما أو مقارنا أو متأخرا كأن يجعل الحكم في الشرط المتأخر على الموضوع‏

____________

تماما كما لو ان السيد نظر الى المستقبل و لاحظ المرض غدا فإن ملاحظة المرض هذه داعيه للسيد ان يحكم على عبده بوجوب احضار الدواء على فرض تحقق المرض غدا فإن كان السيد يعلم المستقبل يحكم بوجوب الدواء تنجيزيا و ان كان لا يعلم يحكم بوجوب الدواء على فرض تحقق المرض.

اذن علة تشريع الحكم المتقدم ليس نفس الشرط المتأخر بل لحاظ الشرط المتأخر. و لحاظ الشرط المتأخر مقارن لتشريع الحكم. هذا تمام توضيح كلام صاحب الكفاية (ره). و يجاب عليه بجوابين.

الأول: ما ذكره المحقق النائيني (ره) من ان الاحكام الشرعيّة قضايا حقيقية. و القضايا الحقيقية تمتاز بأن موضوعها لا يلحظ منطبقا على الخارج مثل (القاتل يقتل) فيحتاج التطبيق على زيد او عمر الى دليل آخر كما هو واضح.

بخلاف القضية الخارجيّة فإن الموضوع لا يلحظ إلّا منطبقا على الخارج بمنزلة (هؤلاء مؤمنون) هذا كله واضح.

و عليه نقول ان دعوى صاحب الكفاية ان علم المولى بوقوع الشرط المتأخر في الخارج و لحاظه للشرط المتأخر في الخارج هو الداعي الى تشريع الحكم المتقدم هذه الدعوى لا تتم الا على توهم ان الاحكام الشرعيّة على نحو القضايا الخارجيّة حتى يكون الشارع قد لاحظ الموضوع (و منه شرط الوجوب فإنه جزء الموضوع كما بينا غير مرة) منطبقا على الخارج و اما مع الالتفات الى ان الاحكام الشرعيّة حقيقيه لا مجال للتوهم المذكور.

اقول: ان كلام صاحب الكفاية (ره) قابل لعدة محامل و هذا المحمل الذي حمله عليه المحقق النائيني (ره) هو أسوأ المحامل و اذا اردنا ان نحمل كلام صاحب الكفاية (ره) على احسن المحامل نقول ان مراده ان للحكم مرتبتان.

الأولى: عالم الجعل و الضرب و هو عالم ان يمد المولى يده الى لوح التشريع و ينقش الحكم فيه.

231

المقيد بقيد أخذه مفروض الوجود بعد وجود الموضوع.

____________

الثانية: مرتبه الفعليّة و المجعول و هي عبارة عن تطبيقات الحكم الشرعي المضروب في اللوح المحفوظ على الواقع.

اما في المرتبة الأولى فالحكم مضروب على نحو القضية الحقيقية مثل القاتل يقتل.

و اما في المرتبة الثانية فالحكم خارجي بمعنى ان المولى يرى انطباق موضوع القضية الحقيقية على هذا الجزئي فيطبق عليه الحكم كما لو رأى ان زيدا قاتل فيحكم عليه بوجوب القتل تطبيقا للقانون الشرعي في المرتبة الأول (القاتل يقتل) فالمرتبة الثانية من الحكم خارجيه جزئيه.

و من هنا فكان نظر صاحب الكفاية (ره) الى المرتبة الثانية أي انه يكون رؤيه المولى لتحقق الشرط المتأخر هي الداعية له ان يحكم بتطبيق الحكم عليه متقدما كما لو فرضنا ان الحكم في المرتبة الأولى (يوم وفاة زيد يجب قبله بسنة التصدق بدرهم) فيأتي المولى إلى المرتبة الثانية فيجد ان زيدا سوف يموت بعد سنة فيحكم بوجوب التصدق بدرهم تطبيقا لقانون المرتبة الأولى.

و هذا المحمل لكلام صاحب الكفاية (ره) مبني على وجود المرتبة الثانية من مراتب الحكم. و هي محل خلاف.

الجواب الثاني: ان جواب صاحب الكفاية (ره) و ان كان يتكفل جيدا للحل في المرتبة الثانية لكنه لم يتكفل لحل الاشكال في المرتبة الأولى.

حيث ان اللازم في المرتبة الأولى توضيح كيف رأى الشرط المتأخر له دخالة في حدوث الطلب المتقدم فهل كان مخطئا في رؤيته ام كان مصيبا لا سبيل الى الأول فتعين الثاني أي ان الشرط المتأخر كان له دخالة في حدوث الطلب المتقدم. فكيف ندفع هذه المشكلة.

الجواب الثالث: و هو الصحيح. و حاصله انه من الواضح ان الخارج المتأخر لا يؤثر في الخارج المتقدم و هذا بديهي. و لكن مع ذلك لا مانع من أن يكون الخارج المتأخر علة في كون المتقدم مطلوبا و ليس هذا من قبيل تأثير المتأخر في المتقدم كما قد يتوهم لاول وهلة بل هو من قبيل تأثير المتأخر في المتأخر.

232

توضيح ذلك ان وجه كون المتأخر سببا في مطلوبية المتقدم يمر بمرحلتين.

الأولى: ان يكون الخارج المتأخر في واقعه مفسدة لا ترتفع إلّا اذا كان قد فعل المتقدم. او يكون الخارج المتأخر في واقعه مصلحة لا تتحصل إلّا اذا كان قد فعل المتقدم. مثل المرض الذي لا يرفعه إلّا الواكسيناسيون المتقدم.

الثانية: ان العاقل كما يطلب تحصيل المصالح الحالية كذلك يطلب فعلا تحصيل المصالح المستقبلية فعلا و كما يطلب فعلا دفع و رفع المفاسد الحالية كذلك يطلب فعلا دفع و رفع المفاسد المستقبلية.

و من هنا فإذا رأى العاقل ان المصلحة المستقبلية تتوقف على فعل الآن يصبح طالبا لهذا الفعل الآن و هكذا اذا رأى أن دفع او رفع المفسدة المستقبلية يتوقف على فعل شي‏ء الآن يصبح طالبا لفعل هذا الشي‏ء الآن.

و الحاصل ان الارادة النفسية تتعلق بكلي في غاية السعة و هو (محقق المصالح الآنية و المستقبلية و دافع و رافع المفاسد الآنية و المستقبلية) و الشرط المتأخر يكون سببا في صيرورة المتقدم موصوفا بأنه مصداق من مصاديق (محقق المصالح المستقبلية) او (دافع و رافع المفاسد المستقبلية) و بالتالي يدخل المتقدم في كلي المطلوب.

و هذا الجواب يتكفل لدفع الاشكال في عالم انشاء الحكم و اما في عالم المجعول و الفعليّة (على فرض وجوده) فيكون الجواب ما ذكره صاحب الكفاية (ره) و بهذا ينتهي الكلام في المقام الثاني.

اما المقام الثالث: فيجري فيه الجواب الأول و الثاني المتقدمين و قد عرفت الكلام فيهما.

و الجواب الثالث المتقدم يجري هنا بتقرير آخر بأن يفرض ان مصلحة تشريع الحكم الوضعي لا تتحقق إلّا بتحقق الشرط في المستقل.

و يمكن ان يجاب بجواب رابع هو ارجاع الشرط الى الجزء بمعنى ان‏

233

و يتقرب ذلك إلى الذهن بقياسه على الواجب المركب التدريجي الحصول، فإن التكليف في فعليته في الجزء الأول و ما بعده يبقى مراعى إلى أن يحصل الجزء الأخير من المركب، و قد بقيت- إلى حين حصول كمال الأجزاء- شرائط التكليف من الحياة و القدرة و نحوهما.

و هكذا يفرض الحال فيما نحن فيه، فإن الحكم في الشرط المتأخر يبقى في فعليته مراعى إلى أن يحصل الشرط الذي أخذ مفروض الحصول، فكما أن الجزء الأول من المركب التدريجي الواجب في فرض حصول جميع الأجزاء يكون واجبا و فعلي الوجوب من أول الأمر لا أن فعليته تكون بعد حصول جميع الأجزاء، و كذا باقي الأجزاء لا تكون فعليتها بعد حصول الجزء الأخير بل حين حصولها و لكن في فرض حصول الجميع، فكذلك ما نحن فيه يكون الواجب المشروط بالشرط المتأخر فعلي الوجوب من أول الأمر في فرض‏

____________

يكون كلا من المتقدم و المتأخر يشكل مركبا صالحا لترتب الحكم عليه فيكون الحكم متأخرا عن الشرط المتأخر بخلاف الحال على الجواب الثالث فإن الحكم يكون متقدما على الشرط المتأخر و بهذا ينتهي الكلام في المقام الثالث فلنتعرض لعبارات المصنف (ره).

قوله (ره) (و يتقرب ذلك الى الذهن بقياسه ...).

اقول: قد ادعى المصنف (ره) ان الجعل تم على نحو ان الحكم متقدم و الموضوع متأخر كأنه قال اذا تحقق الموضوع في المستقبل فأنا احقق الحكم في الحاضر.

و هذا قد يتوهم أنه غريب او محال فقربه المصنف (ره) بالواجب التدريجي كالصلاة فإن الجزء الأول يكون واجبا مقبولا في فرض الاتيان ببقية أجزاء الصلاة و اما في فرض عدم الإتيان بالبقية لا يكون الأول مقبولا.

قوله (ره) (فكذلك ما نحن فيه يكون الواجب المشروط ...).

اقول: ليس معنى الشرط المتأخر سوى ان الحكم متقدم على الشرط فالحكم موجود على فرض وجود الشرط بمعنى انه اذا كان الشرط موجودا

234

حصول الشرط في ظرفه لا أن فعليته تكون متأخرة حين الشرط.

هذا خلاصة رأي شيخنا المعظم، و لا يخلو عن مناقشة، و البحث عن الموضوع بأوسع مما ذكرنا لا يسعه هذا المختصر.

____________

في وقته المتأخر كان الحكم موجودا في وقته المتقدم. و بهذا ينتهي البحث تماما فانقدح جواز الشرط المتأخر مطلقا.

235

8- المقدمات المفوتة

ورد في الشريعة المطهرة وجوب بعض المقدمات قبل زمان ذيها في الموقتات كوجوب قطع المسافة للحج قبل حلول أيامه. و وجوب الغسل من الجنابة للصوم قبل الفجر، و وجوب الوضوء أو الغسل- على قول- قبل وقت الصلاة عند العلم بعدم التمكن منه بعد دخول وقتها ... و هكذا.

____________

قوله (ره) (ورد في الشريعة المطهرة وجوب).

اقول: هذا بحث المقدمات المفوتة. و يقع الكلام فيه في مقامين.

الأول: وجوب المقدمات المفوتة غير التعلم.

الثاني: وجوب تعلم الاحكام الذي يستلزم عدمه عدم الامتثال.

اما المقام الأول: فنقدم له مقدمات.

الأولى: في تعريف المقدمات المفوتة فنقول هي المقدمات التي لو لم يؤت بها قبل زمان وجوب ذي المقدمة للزم عدم امكان الاتيان بذي المقدمة في وقت وجوبه.

مثل الحج فإن زمن وجوبه في الثامن من ذي الحجة مثلا و اما السير الى مكة فإذا لم يؤت به قبل الثامن من ذي الحجّة لزم عدم امكان الاتيان بالحج في هذا الوقت.

اذن للمقدمة المفوتة ركنان.

الأول: كون وقت العمل بالمقدمة قبل وقت وجوب ذي المقدمة.

الثاني: انه مع عدم الاتيان بها في ذلك الوقت يستحيل الاتيان بذي المقدمة في وقت وجوبه.

المقدمة الثانية: ان البحث في المقدمات المفوتة في هذا المقام ينبغي ان ينقسم الى بحثين و ذلك لأن هذه المقدمات المفوتة قسمان.

الأول: المقدمات المفوتة التي ثبت وجوبها شرعا بحيث لا مجال للفقيه ان يشكك في وجوبها من قبيل السفر الى مكة المكرمة و من قبيل‏

236

و تسمى هذه المقدمات باصطلاحهم «المقدمات المفوتة» باعتبار أن تركها موجب لتفويت الواجب في وقته كما تقدم.

و نحن نقول: لو لم يحكم الشارع المقدس بوجوب مثل هذه المقدمات فإن العقل يحكم بلزوم الإتيان بها، لأن تركها موجب لتفويت الواجب في ظرفه، و يحكم أيضا بأن التارك لها يستحق العقاب على الواجب في ظرفه بسبب تركها.

و لأول وهلة يبدو أن هذين الحكمين العقليين الواضحين لا

____________

الغسل قبل الفجر للصوم الواجب.

القسم الثاني: المقدمات المفوتة التي لم يثبت وجوبها شرعا بحيث يمكن للفقيه ان يناقش في وجوبها.

اما القسم: الأول فكما ترى لا نزاع فيه الا نزاعا فنيا لا اكثر بمعنى ان النزاع كان في توجيه هذا الفعل الصادر من الشارع.

فهذا النزاع لا ثمرة عمليه له اصلا و انما ثمرته علميه بحتة كما لو علمنا بوجوب الصلاة فيقع النزاع بيننا في بيان حكمة و سر هذا الحكم الشرعي.

اما القسم الثاني: فالنزاع فيه ذو ثمرة مهمة اذ يمكن ان نتوصل الى نتيجة هي عدم وجوب هذه المقدمات المفوتة و يمكن ان نتوصل الى الوجوب فالنزاع يكون حول قاعدة (المقدمات المفوتة واجبة) ام لا.

و هذا نزاع يحتاج كل واحد من الطرفين ان يأتي بدليل اثباتي ليثبت مطلوبه.

المقدمة الثالثة: في وجه الاشكال في المقدمات المفوتة و نتعرض لها بعد تعرض المصنف (ره) لها.

و قوله (ره) (و لأول وهلة يبدو ان هذين الحكمين العقليين ...).

اقول: هذا شروع في المقدمة الثالثة و توضيحها ان نتكلم في نقطتين.

الأولى: في الاشكال في القسم الأول من المقدمات المفوتة (اعني‏

237

ينطبقان على القواعد العقلية البديهية في الباب من جهتين:

____________

التي ثبت وجوبها) و الاشكال في هذا القسم من جهتين.

الأولى: انه قد ثبت وجوب هذه المقدمات و هذا ينافي القاعدة التي أسّسناها سابقا و التي تقول ان وجوب المقدمة تابع لوجوب ذيها اذ مقتضى هذه القاعدة ان لا تجب المقدمة الا عند وجوب ذيها لا قبله.

و من هنا فأمامنا في حل هذه الجهة من الاشكال ثلاث طرق.

الأول: رفع اليد عن وجوب المقدمات المفوتة.

الثاني: رفع اليد عن القاعدة المذكورة و الاعتراف ببطلانها.

الثالث: محاولة الجمع بين الوجوب الثابت و بين القاعدة المذكورة.

و اما الطريق الأول فقد عرفت عدم امكانه حيث قد ثبت الوجوب عن الشرع بدون شك فعلينا سلوك أحد الطريقين الأخيرين.

الجهة الثانية: انه قد ثبت ان تارك هذه المقدمات يستحق عقاب ترك ذي المقدمة فمن ترك غسل الجنابة قبل الفجر استحق عقاب ترك الصوم.

و هذا ينافي احد ثلاث مقدمات.

الأولى: قاعدة لا عقاب الا بعد عصيان.

الثانية: لا عصيان الا بعد تكليف.

الثالثة: لا تكليف بذي المقدمة.

اما الأولى و الثانية فواضحتان و اما الثالثة فتوضيحها ان المكلف التارك للغسل قبل الفجر لم يكلف بالصوم لا قبل الفجر و لا بعده.

اما انه لم يكلف بالصوم قبل الفجر فلأن المفروض ان الفجر شرط وجوب الصوم. و لا وجوب قبل شرط الوجوب كما هو واضح.

و اما انه لم يكلف بالصوم بعد الفجر فلأنه قد اصبح عاجزا عن الصوم الجامع للشرائط و من الواضح سقوط التكليف عند العجز كما مر التنبيه عليه في مبحث الاجزاء.

فينتج ان المكلف التارك للمقدمة المفوتة لم يكلف بذي المقدمة.

238

أما أولا: فلأن وجوب المقدمة تابع لوجوب ذيها، على أي نحو فرض من أنحاء التبعية، لا سيما إذا كان من نحو تبعية المعلول لعلته على ما هو المشهور. فكيف يفرض الواجب التابع في زمان سابق على زمان فرض الوجوب المتبوع؟.

و أما ثانيا: فلأنه كيف يستحق العقاب على ترك الواجب بترك مقدمته قبل حضور وقته مع أنه حسب الفرض لا وجوب له فعلا. و أما في ظرفه‏

____________

و اذا عرفت هذه المقدمات الثلاثة فإذا ضممتها ينتج ان التارك للمقدمة المفوتة لم يكلف بذي المقدمة (و هذا مقتضى الثالثة) و بالتالي فلم يعص ذي المقدمة (لعدم العصيان الا بتكليف) و بالتالي فلا يعاقب (لعدم العقاب الا بعد عصيان كما هو المقدمة الأولى.

اذن النتيجة المأخوذة من هذه المقدمات الثلاث تنافي ما ثبت من ان تارك المقدمة يعاقب على ذي المقدمة و لحل هذه المشكلة امامنا طرق.

الأول: رفع اليد عن ما ثبت من استحقاق المكلف التارك للمقدمة المفوتة العقاب على ذي المقدمة.

الثاني: رفع اليد عن النتيجة المتقدمة و ذلك بواسطة رفع اليد عن احدى المقدمات الثلاث.

الثالث: الجمع بين هذه النتيجة و بين ما ثبت سابقا.

اما الطريق الأول فقد عرفت عدم امكانه حيث ثبت ذلك عن الشرع بلا مجال للتشكيك. فالمتعين احد الطريقين الاخيرين.

قوله (ره) (اما اولا فلأن وجوب المقدمة ...).

اقول: هذا هو المنافي للحكم الأول من الحكمين الذين ذكرهما المصنف و قد عرفت تفسير التبعيّة في مبحث سابق.

قوله (ره) (و اما ثانيا فلأنه كيف يستحق العقاب ...).

اقول: هذا هو المنافي للحكم الثاني من الحكمين الذين ذكرهما المصنف (ره). و لم يذكر المصنف (ره) سوى المقدمة الثالثة من المقدمات الثلاث التي ذكرناها و اسقط ذكر الأولى و الثانية لوضوحهما مع انهما

239

فينبغي أن يسقط وجوبه لعدم القدرة عليه بترك مقدمتهم و القدرة شرط عقلي في الوجوب.

*** و لأجل التوفيق بين هاتيك البديهيات العقلية التي يبدو كأنها متعارضة- و إن كان يستحيل التعارض في الأحكام العقلية و بديهيات العقل- حاول جماعة من إعلام الأصوليين المتأخرين تصحيح ذلك بفرض انفكاك زمان الوجوب عن زمان الواجب و تقدمه عليه، أما في خصوص الموقتات أو في مطلق الواجبات، على اختلاف المسالك.

و بذلك يحصل لهم التوفيق بين تلكم الأحكام العقلية، لأنه حينما يفرض تقدم وجوب ذي المقدمة على زمانه فلا مانع من فرض وجوب المقدمة قبل وقت الواجب، و كان استحقاق العقاب على ترك الواجب على القاعدة لأن وجوبه كان فعليا حين ترك المقدمة.

أما كيف يفرض تقدم زمان الوجوب على زمان الواجب و بأي مناط؟ فهذا ما اختلفت فيه الأنظار و المحاولات.

____________

ضروريتان ليتم التنافي المذكور.

تنبيه: قد يتوهم ان الاشكال في الجهة الثانية يتفرع عن الاشكال في الجهة الأولى بدعوى ان الاشكال في الجهة الثانية متوقف على عدم وجوب المقدمة و اما مع وجوب المقدمة يتحقق التكليف و العصيان عند الترك و بالتالي يكون التارك مستحقا للعقاب.

لكن هذا التوهم فاسد لأن العقاب انما يكون على ترك الواجب لا غيره فإذا فرض وجوب المقدمة و عدم وجوب ذي المقدمة كما هو المفروض كان اللازم العقاب على ترك المقدمة دون ذي المقدمة و هذا ايضا مشكل لمنافاته مع قاعدة ان الوجوب الغيري لا يقتضي عقابا عند مخالفته فلا بد من الالتزام بعدم العقاب حتى على ترك المقدمة ما دام يفرض ان وجوبها غيريا محضا.

240

فأول المحاولين لحل هذه الشبهة- فيما يبدو- صاحب الفصول الذي قال بجواز تقدم زمان الوجوب على طريقة (الواجب المعلق) الذي اخترعه كما أشرنا إليه في الجزء الأول.

____________

قوله (ره) (فأول المحاولين لحل هذه الشبهة. فيما يبدو ...).

اقول: هذا الجواب يتعلق في المقدمات المفوتة القسم الأول (أي التي ثبت وجوبها) و هذا الجواب يتضمن أمرين.

الأول: الاعتراف بأن وجوب المقدمة المفوتة يتنافى مع قاعدة تبعيّة الوجوب الغيري للوجوب النفسي.

الثاني: ارجاع المقدمات المفوتة الى المقدمات غير المفوتة (اي المقدمات التي تجب في وقت وجوب ذيها).

فصاحب الفصول في الحقيقة قد انكر وجود (مقدمات مفوتة واجبة) بل عنده ان المقدمات التي ثبت وجوبها ليست مفوتة.

فجواب صاحب الفصول يدخل في الطريق الثالث من طرق حل الاشكال من الجهة الأولى.

و حاصل هذا الجواب ان هذه المقدمات واجبة و ليس لوجوبها علة سوى احدى علتين محتملتين.

الأولى وجوبها قبل زمان وجوب ذي المقدمة بعلة الوجوب المقدمي.

الثانية وجوبها بعد زمان وجوب ذيها بعلة الوجوب المقدمي.

و لكن الاحتمال الأول باطل بسبب قاعدة تبعيّة الوجوب الغيري للوجوب النفسي. فيتعين الاحتمال الثاني و هو كون زمان الوجوب متقدما على زمان الواجب و هذا هو معنى الواجب المعلق فيكون وجوب هذه المقدمات دليلا انيا (من المعلول الى العلة) على ان الواجب معلق.

فمثلا وجب (السفر الى مكة) فإما ان نحمله على انه واجب قبل وجوب الحج و اما ان نحمله على انه واجب بعد وجوب الحج.

و الأول غير ممكن فتعين الثاني و هو ممكن فيلزم حمل الحج على انه‏

241

كان واجبا في زمن السفر و هذا هو الوجوب المقدمي.

و من هنا يتضح لك ان كلام صاحب الفصول (ره) يبتني على مقدمات.

الأولى امكان الواجب المعلق.

الثانية عدم امكان وجوب المقدمة قبل وجوب ذيها.

الثالثة عدم وجود علة اخرى لوجوب هذه المقدمات غير الواجب المعلق.

الرابعة و هي مأخوذة من المقدمات الثلاث السابقة نذكرها لمجرد التوضيح و هي ان صاحب الفصول ليس بحاجة الى دليل يثبت ان الحج واجب معلق بل نفس وجوب السفر يكون دليلا على ان الحج واجب معلق و هذا الدليل اني باعتبار ان وجوب السفر لا علة له سوى وجوب الحج بالوجوب المعلق و من هنا نقول ان مجرد امكان الواجب المعلق كاف في اثباته و تحرير الكلام مع صاحب الفصول يقع في نقاط:

الأولى: في تفسير الواجب المعلق، فنقول: هو الواجب الذي له شرطان الأول شرط لوجوبه و يكون متقدما.

الثاني شرط للواجب بمعنى انه لا يؤتى بالواجب الا بعده و يكون هذا الشرط شرطا زمانيا متأخرا عن شرط الوجوب.

فالحج له شرطان الأول لوجوبه و هو الاستطاعة فعند الاستطاعة يصبح الحج واجبا فعليا و مع ذلك لا يمكن للمكلف ان يأتي بالحج الا بعد الشرط الثاني.

الشرط الثاني شرط للإتيان بالواجب و هو شهر ذي الحجّة و هو شرط زماني بينه و بين الشرط الأول فاصل زماني فأركان الواجب المعلق ثلاثة.

الأول: ان يكون له شرطان مختلفان الأول للوجوب الثاني للواجب.

الثاني: ان يكون الشرط الثاني شرطا زمنيا لا غير.

الثالث: ان يكون بين الشرط الأول و الثاني فاصل زماني.

242

النقطة الثانية: في امكان الواجب المعلق و الصحيح امكانه و لكن قد ذكروا بعض الاعتراضات على امكانه و نحن ذاكرون لبعضها.

الأول: و حكاه صاحب الكفاية عن بعض معاصريه (قيل انه المحقق النهاوندي) و حاصله يبتني على ثلاث مقدمات.

الأولى: ان الايجاب هو عبارة عن تعلق الارادة التشريعية بالفعل المأمور به.

المقدمة الثانية: ان الارادة التشريعية عوض عن الارادة التكوينية فإن المولى عند ما تتحقق ارادته للفعل فعوضا عن ان يحرك عضلات نفسه يحرك عضلات عبده بالارادة التشريعية فالارادة التشريعية نائبه عن الارادة التكوينية.

المقدمة الثالثة: ان الارادة التكوينية يستحيل ان تنفك عن تحرك العضلات نحو المراد فما دام لا يمكن التحرك نحوه لا تكون الارادة التكوينية متحققة و إلّا كانت الارادة منفكة عن تحريك العضلات و هو محال.

و ينتج من هذه المقدمات الثلاث ان عند عدم امكان التحرك نحو الواجب يستحيل تحقق الارادة التكوينية نحوه. كما هو مقتضى المقدمة الثالثة.

و بالتالي يستحيل تعلق الارادة التشريعية بالواجب لما عرفت في المقدمة الثانية و بالتالي يستحيل الايجاب لما عرفت في المقدمة الأولى.

اقول ان المولى ينظر الى الفعل بما هو صادر من العبد فيرى ان فيه مصلحة فيحصل عنده شوق ان يفعله العبد و بالتالي يحصل عنده إرادة تكليف العبد بالفعل ثم يعتبره عليه. هذه هي قصة الايجاب. و سائر الأحكام التشريعية من هذا القبيل.

و من هنا يظهر ما في المقدمة الأولى و الثانية.

اما الأولى ففيها ان الايجاب فرع الإرادة لا نفسها فإن الايجاب هو الاعتبار المتأخر عن الارادة.

نعم هذا الاشكال لا يضر بمقصود المستدل فإن غرضه اثبات استحالة

243

الايجاب عند استحالة الارادة. و هذا متحقق سواء كان الايجاب عين الارادة او فرعها. فإنما ذكرنا هذا الاعتراض للتصحيح.

و اما الثانية ففيها انه ليس في سلسلة الحكم سوى الارادة المتعلقة بتشريع الحكم في ذمة المكلف فإن قصد بالارادة التشريعية غير هذا المعنى فلا وجود لها. و ان قصد هذا المعنى فهي ارادة تكوينيه ككافة الارادات التكوينية فإن المولى كما يكون عنده ارادة نحو القيام كذلك يكون عنده إرادة نحو التشريع فيشرع.

و هذا الاشكال ايضا قد يقال بأنه لا يضر بمقصود المستدل إذ غرضه ان الارادة التشريعية المتعلقة بالتشريع بمنزلة الارادة التكوينية فإذا كانت منها و عينها فأولى و احسن.

نعم يحتاج الى اثبات ملازمه و هي ان الإرادة لا تتعلق بتشريع الحكم إلّا اذا كان يمكن ان تتعلق بنفس متعلق الحكم فإرادة تشريع وجوب قيام العبد لا تمكن إلّا اذا امكن تعلق ارادة العبد بالقيام.

و هذه الملازمة لا دليل عليها سوى الادلة المذكورة على استحالة تكليف العاجز فإن العبد اذا لم يمكن تعلق ارادته بالقيام يكون عاجزا فتكليفه في هذه الحال على القيام تكليف عند العجز.

و لكنك عرفت فساد تلك الادلة بل هي هنا افسد لأن التكليف تعلق بكلي بعضه مقدور (و هي الحصة التي يمكن ان تتحقق الإرادة نحوها) و بعضه غير مقدور و هو الحصة التي لا يمكن تعلق الارادة به.

و من الواضح ان التكليف بالكلي الذي يقدر على بعضه دون بعض جائز كالتكليف بجميع الكليات فإن كل كلي له مصاديق محال الوجود عادة فإن الذهاب الى السوق حال النوم محال عادة و لا ريب في جواز التكليف بكلي الذهاب الى السوق.

و الواجب المعلق من هذا القبيل له فالحج حصتان حصه لا يمكن تحرك الإرادة نحوه و هو الحج في ذي الحجّة في شوال و حصه يمكنه تعلق الإرادة به و هو الحج في ذي الحجّة.

244

نعم جميع الحصص التي هي قبل ذي الحجّة محال و لكن لا يمنع ذلك من بقاء الكلي على امكانه بإمكان بعض افراده الواقعة في ذي الحجّة.

اما المقدمة الثالثة فواضحة الفساد اذ نرى بالوجدان تعلق الإرادة بالأمور المستقبلية كما تريد ان تصبح مجتهدا ان شاء الله تعالى شأنه و كما تريد من الآن ان تكرم عمرا غدا في الوليمة و كما تريد شيئا يمنعك منه الظالم او العادل.

الاعتراض الثاني: ان البعث و الانبعاث يستحيل ان ينفك احدهما عن الآخر فعند عدم امكان الانبعاث لا يمكن البعث.

و فيه اولا ان هذا في البعث التكويني لا في البعث الاعتباري الذي هو مجرد اعتبار ذهني.

و بعبارة مفصلة ان التشريع ليس سوى اعتبار المولى للحكم. و هذا الاعتبار بما هو هو يمكن ان يتحقق حتى في حال استحالة الاعتبار غايته ان هذا الانبعاث فعل من المولى يحتاج الى علة فاعليه و علة غائية.

و العلّة الفاعليّة هو المولى المريد و تتحقق الارادة بمجرد رؤية المصلحة في التشريع و المصلحة في التشريع قد تكون حتى في حالة استحالة الانبعاث كما لو فرض ان التشريع بما هو هو مصلحة.

و اما العلة الغائية فكذلك لأن العلة الغائية من التشريع قسمان.

الأول ان يكون الغاية هي انبعاث المكلف نحو الفعل.

الثاني ان تكون الغاية غير ذلك كما لو فرض ان الغاية نفس وقوع التشريع او ان الغاية جعل التكليف في ذمة العبد حتى ينبعث نحو المقدمات المفوتة.

فعلى القسم الأول يستحيل التشريع عند استحالة الانبعاث لوضوح ان الغاية لا تحرك الفاعل إلّا اذا كان الفاعل لا يرى انها محال التحقق فمن يعلم انه لا يمكنه شراء اللحم يستحيل ان يذهب الى السوق بغاية شراء اللحم.

245

و اما على القسم الثاني فالتشريع في غاية الامكان لأن العلة الغائية متحققة حتى في حاله استحالة الانبعاث كما هو واضح.

و ثانيا ان اللازم في امكان البعث هو امكان الانبعاث حسب البعث فإذا امكن الانبعاث غدا امكن البعث المتعلق بغد.

فالملازمة هي هكذا (البعث الى شي‏ء بخصوصيات معينه متوقف على امكان الانبعاث الى ذلك الشي‏ء بخصوصياته المعينة).

و هذا الشرط هنا موجود اذ المفروض امكان الانبعاث الى الحج المقيد بكونه في ذي الحجة و بالتالي فيمكنه البعث في شوال نحو الحج المقيد بكونه في ذي الحجّة فتأمل.

و كأن المستشكل اعتقد ان البعث و الانبعاث مثل الكسر و الانكسار لا يمكن احدهما الا في زمن امكان الآخر و لكنه اعتقاد فاسد كما هو واضح.

ثم إن في المقام اعتراضات أخرى أعرضنا عن ذكرها و دفعها حيث لا يليق في المقام اكثر مما ذكرنا.

النقطة الثالثة: ان الواجب المعلق بعد امكانه هل يقع ام لا.

قد يقال بأنه لا يقع لأن الواجب المعلق يقتضي تحقق الوجوب و صيرورته مطلقا بمجرد تحقق الشرط الأول. مع ان المكلف قد يعجز عنه كما لو مات قبل ادراك الشرط الثاني أي وقت الواجب.

و الوجوب على العاجز و ان كان ممكنا إلّا انه لم يقع.

توضيح ذلك ان المكلف لو استطاع في شوال صار الحج واجبا عليه وجوبا مطلقا فلو مات قبل ذي الحجّة يكون الحج واجبا عليه مع انه عاجز عنه. و هذا مما لا يصدر من الشارع حتى لو قلنا بإمكانه.

و قد التفت صاحب الفصول (ره) الى هذا الاشكال و دفعه بأن الوجوب لا يصير مطلقا بمجرد تحقق الشرط الأول بل يكون مشروطا بشرط آخر و هو (كون المكلف سيبلغ وقت الواجب) و هذا الشرط يكشف عنه بقاؤه حيا قادرا الى زمان الواجب.

246

و هذه النقطة ذكرناها لأن كثيرا من الأصوليين توهموا ان الوجوب يصير مطلقا بمجرد تحقق الشرط الأول و قد صرح بذلك صاحب الكفاية (ره).

و لكن هذا تفسير خاطئ لكلام صاحب الفصول بل لو راجعت كلام صاحب الفصول يتضح لك بوضوح ان مراده ما ذكرناه من اشتراط الوجوب بشرط آخر هو (كون المكلف سوف يبلغ وقت الواجب حيا قادرا) و هذا الشرط يكشف عن وجوده بلوغ المكلف للوقت حيا قادرا.

النقطة الرابعة ان الواجب المعلق هل يحل اشكال المقدمات المفوتة ام لا.

اقول ان صاحب الفصول «ره «اخترع الواجب المعلق ليحل اشكال المقدمات المفوتة. و لكن الظاهر ان الواجب المعلق لا يدفع الاشكال من جهة و ان دفعه من جهة اخرى. توضيح ذلك ان عندنا جهتان.

الأولى الجهة الواقعية أي كيف تكون المقدمات المفوتة موصوفه في الواقع بالوجوب الغيري.

الجهة الثانية الجهة العلميه أي كيف نعلم بأن المقدمات المفوتة موصوفه في الواقع بالوجوب الغيري.

اما الجهة الأولى فالواجب المعلق يكون كافيا في حل الاشكال اذ مع فرض تحقق الاستطاعة و صيرورة الحج واجبا في شوال تكون جميع مقدماته من السفر و غيره واجبة بالوجوب الغيري كسائر المقدمات.

و اما من الجهة الثانية فالواجب المعلق لا يكون كافيا في حل الاشكال لأن العلم بوجوب المقدمات متوقف على العلم بوجوب ذي المقدمة و العلم بوجوب ذي المقدمة متوقف على العلم بتحقق شروط وجوب ذي المقدمة و من شروط وجوب ذي المقدمة عند صاحب الفصول (كما عرفت في النقطة المتقدمة) كون المكلف يبلغ وقت الواجب حيا قادرا.

و من الواضح ان هذا الشرط لا يمكن ان يعلم به قبل وقت الواجب‏

247

و ذلك في خصوص الموقتات، بفرض أن الوقت في الموقتات وقت للواجب فقط لا للوجوب، أي أن الوقت ليس شرطا و قيدا للوجوب بل‏

____________

إلا علام الغيوب و عليه فلا يمكننا العلم بتحقق هذا الشرط و بالتالي لا نعلم بوجوب ذي المقدمة و بالتالي لا نعلم بوجوب المقدمات.

فمثلا لو انك حصل عندك شرط الاستطاعة في شوال. فهنا لا يمكنك العلم بأن الحج قد وجب عليك لأن العلم بوجوب الحج متوقف على العلم بتحقق شروطه و من شروطه. ان تكون سوف تبلغ ذا الحجّة قادرا حيا. و من الواضح انك لا تعلم بهذا الشرط و بالتالي لن تعلم بأن الحج قد وجب عليك و بالتالي لن تعلم ان المقدمات واجبة عليك فنجري اصالة البراءة فلا يجب السفر مع انك مستطيع.

فظهر ان الالتزام بالواجب المعلق لا يكفي لحل اشكال وجوب المقدمات المفوتة فلا بد له من تتميم و يمكن تتميمه بعده تتميمات لا تخفى على المحصل.

النقطة الخامسة: في نقاش دليل صاحب الفصول (ره) فنقول اما المقدمة الأولى من مقدماته الأربعة فقد عرفت صحتها.

و اما الثانية فسوف يأتي بيان فسادها كما سوف يأتي فساد الثالثة.

و اما الرابعة فهي مبنية على المقدمتين السابقتين أي مبنية على دعوى ان لا علة لوجوب المقدمات المفوتة غير كون ذي المقدمة واجبا معلقا. و لكن سوف يتضح في المباحث الآتية ان وجوب المقدمات المفوتة له علل اخرى محتملة فمجرد ثبوت وجوب هذه المقدمات لا يصلح دليلا على ان وجوب ذي المقدمة معلق لوضوح ان المعلول الذي له عدة علل لا يدل على وقوع علة معينه و بهذا ينتهي الكلام حول جواب صاحب الفصول (ره) و لنتعرض لكلمات المصنف (ره).

قوله (ره) (و ذلك في خصوص الموقتات ...).

اقول: قد شرحنا الواجب المعلق و بينا ان عند صاحب الفصول يجب ان يكون الشرط الثاني زمانيا و هذا الشرح مبني على بعض المسامحة فإن‏

248

هو قيد للواجب. فالوجوب- على هذا الفرض- متقدم على الوقت و لكن الواجب معلق على حضور وقته. و الفرق بين هذا النوع و بين الواجب المشروط هو أن التوقف في المشروط للوجوب و في المعلق للفعل. و عليه لا مانع من فرض وجوب المقدمة قبل زمان ذيها.

و لكن نقول: على تقدير إمكان فرض تقدم زمان الوجوب على زمان الواجب فإن فرض رجوع القيد إلى الواجب لا إلى الوجوب يحتاج إلى دليل و نفس ثبوت وجوب المقدمة المفوتة قبل زمان وجوب ذيها لا يكون وحده دليلا على ثبوت الواجب المعلق لأن الطريق في‏

____________

عبارة صاحب الفصول مشوشة لا تفيد الجزم بأن مراده تخصيص الواجب المعلق يكون الشرط الثاني وقتيا.

هذا اذا اردنا ان نشرح الواجب المعلق على مذاق صاحب الفصول و اما اذا اردنا ان نتجاوز ما يقوله صاحب الفصول (ره) نقول ان هذا الشرط غير ضروري فالاركان الضرورية للواجب المعلق هي الأول و الثالث من الاركان المتقدمة عند شرح الواجب المعلق اعني ان يكون شرطان احدهما المتقدم للوجوب و الثاني المتأخر للواجب و ان يكون بينهما فاصل زماني سواء كان الشرط الثاني زمانيا او غير زماني اختياريا او غير اختياري معلوم الوقوع او مشكوك الوقوع.

و قد حاول بعض السادة ادعاء ان اللازم ان يكون الشرط الثاني مضمون الحصول مقطوع الوقوع. و لكن محاولته فاسدة لا حاجة الى ذكرها فراجعها في مظانها ان شئت.

قوله (ره) (على تقدير امكان فرض ...).

اقول: عبارته مشعرة بأنه ينكر او يشكك بإمكان الواجب المعلق و لكنك عرفت انه ممكن.

قوله (ره) (يحتاج الى دليل و نفس ثبوت ...).

اقول: هذا اشارة الى المقدمة الرابعة و دفعها.

تنبيه: كل ما ذكرناه الى هنا كان في حل الاشكال من الجهة الأولى.

249

تصحيح وجوب المقدمة المفوتة لا ينحصر فيه كما سيأتي بيان الطريق الصحيح.

و المحاولة الثانية: ما نسب إلى الشيخ الأنصاري من رجوع القيد في جميع شرائط الوجوب إلى المادة و إن اشتهر القول برجوعها إلى الهيئة،

____________

و اما حله من الجهة الثانية فقد اصبح واضحا حيث انه بناء على المعلق يكون قد توجه اليه التكليف بذي المقدمة فيكون الترك عصيانا لتكليف فله عقاب.

قوله (ره) (و المحاولة الثانية ما نسب الى الشيخ ...).

اقول: هذا الجواب الثاني للشيخ (ره) كجواب صاحب الفصول يدعي ان المقدمات المفوتة لم تجب قبل زمان وجوب ذيها حتى يرد الاشكال بل تجب بعد زمان وجوب ذيها فهي كسائر المقدمات و لا فرق بين السفر مثلا و بين الوضوء لطواف الحج فكما ان الوضوء واجب في زمان وجوب ذيه فكذلك السفر.

فهذا الجواب يدخل في الطريق الثالث من طرق حل الاشكال من الجهة الأولى.

و كيف كان فحاصل ما ذكره الشيخ ان جميع الواجبات وجوبها مطلق غير مشروط بأي شرط من حين تشريع الحكم من زمن النبي «ص» فالصلاة كانت واجبة على جميع الخلق من وجد و من سوف يوجد من حين صدور الحكم من النبي «ص» و الى يوم القيامة.

و جميع الشروط من الزوال و الاستطاعة و حلول شهر رمضان كلها شروط الواجب غايته ان بعض شروط الواجب لا يجب تحصيلها لأنها اخذت مفروضه الوجود كما في الزوال و الاستطاعة و حلول شهر رمضان.

و يقع الكلام مع الشيخ (ره) في نقاط.

الأولى: في امكانه. و قد يقال بعدم امكانه و يستدل لعدم الامكان بجميع الأدلّة التي ذكرت دليلا على استحالة الواجب المعلق الذي ذكره صاحب الفصول فإن مناط تلك الأدلّة واحد و هو انفصال الانبعاث عن البعث فكل دليل ورد على صاحب الفصول يجب ان يرد على الشيخ (ره) لأن كلام‏

250

سواء كان الشرط هو الوقت أو غيره كالاستطاعة للحج و القدرة و البلوغ و العقل و نحوها من الشرائط العامة لجميع التكاليف. و معنى ذلك أن‏

____________

الشيخ يتضمن كلام صاحب الفصول و زيادة كما لا يخفى.

نعم قد عرفت بطلان جميع الادلة التي ذكروها لاستحالة الواجب المعلق.

نعم يختص كلام الشيخ (ره) بإشكال. و حاصله ان لازم كلامه ان الانسان العاجز ايضا مكلف حيث ان الوجوب مطلق فهو منطبق حتى على العاجز و نحو ذلك مما علم عدم تكليفه.

و هذا الاشكال يمكن ان يندفع بعدم استحالة تكليف العاجز كما مر.

النقطة الثانية: في دليل وقوع ما ذكره من اطلاق الوجوب فإن مجرد الامكان غير كاف في اثبات وقوعه كما عرفت عند التعرض لكلام صاحب الفصول.

و قبل التعرض لذكر دليله (ره) نمهد تمهيد و هو يرجع الى الجملة الشرطية مثل (من شهد الشهر فليصمه) فالجزاء هنا صيغه امر و كل صيغه امر مركبة من مادة و هيئة فالجزاء في هذا المثال مركب من مادة الصوم و من هيئة الأمر هذا من جهة.

و من جهة اخرى نعلم ان الجملة الشرطية تدل على حدوث الجزاء عند حدوث الشرط.

فيقع السؤال أن الجزاء الملحوظ تقيده بالشرط هل هو الهيئة أم هو المادة.

فعلى الأول كانت الهيئة الدالة على الوجوب هي المقيدة بالشرط فلا وجوب الا بعد الشرط و اما المادة فباقية على اطلاقها فيصبح معنى العبارة هكذا (عند شهود الشهر يحدث وجوب مطلق الصوم.

و على الثاني كانت المادة هي المقيدة بالشرط و الهيئة باقية على اطلاقها فيصبح معنى العبارة هكذا (افعل الصوم المقيد بكونه عند شهود الشهر).

اذن هذا هو السؤال و على اساس الجواب يتحدد ان الشروط قيود

251

الوجوب الذي هو مدلول الهيئة في جميع الواجبات مطلق دائما غير مقيد بشرط أبدا. و كل ما يتوهم من رجوع القيد إلى الوجوب فهو راجع في الحقيقة إلى الواجب الذي هو مدلول المادة، غاية الأمر أن بعض القيود مأخوذة في الواجب على وجه يكون مفروض الحصول و الوقوع كالاستطاعة بالنسبة إلى الحج، و مثل هذا لا يجب تحصيله و يكون حكمه حكم ما لو

____________

للوجوب (المستفاد من الهيئة) أو انها قيود الواجب. المستفاد من المادة.

و في مقام الجواب اعترف الشيخ (ره) ان قضية الظواهر و القواعد العربية هي كون الجزاء المقيد بالشرط هو الهيئة اذن المسألة ظهوريا مسلمة عند الشيخ (ره) و عند غيره ان الجملة الشرطية ظاهرة في تقييد الهيئة.

و لكن الشيخ (ره) مع هذا الاعتراف لم يأخذ بهذا الظهور و ذلك لأنه ادعى ان هذا الظهور مخالف للعقل فيجب تأويله ضرورة عدم امكان قبول ما يخالف حكم العقل.

فنقاشنا مع الشيخ (ره) هكذا (هل يوجد دليل عقلي على خلاف الظهور بتقييد الهيئة ام لا) فهو ادعى وجود الدليل و لذلك اهمل الظهور المذكور و اما المشهور فانكروا وجود هذا الدليل و لذا كانوا يعملون بالظهور المذكور.

اذا اتقنت هذا التمهيد نقول ان الشيخ (ره) ذكر لاستحالة تقييد الهيئة دليلين.

الأول: مركب من مقدمتين.

الأولى: ان الهيئة في الصيغة كسائر الهيئات و الحروف موضوعة لمعنى حرفي.

الثانية: ان المعنى الحرفي جزئي غير قابل للتقييد.

فينتج أن الهيئة في الجزاء غير قابلة للتقييد.

اقول اما المقدمة الأولى فلا كلام عليها.

و اما المقدمة الثانية فاعترض عليها اعتراضات نذكر اثنين ثم نذكر ما

252

كان شرطا للوجوب، و بعضها لا يكون مأخوذا على وجه يكون مفروض الحصول، بل يجب تحصيله توصلا إلى الواجب لأن الواجب يكون هو المقيد بما هو مقيد بذلك القيد.

____________

هو الصحيح.

الاعتراض الأول: و ذكره صاحب الكفاية و حاصلها ان التقييد كما مر اكثر من مرة على قسمين.

الأول: تقييد الواسع أي يكون مفهوما واسعا ثم يتضيق مثل (عالم عادل).

الثاني: تقييد ما من شأنه الاتساع أي يولد مضيقا و يكون قابلا لأن يولد موسعا و هذا ما يسمى بباب (ضيق فم الركية) فالتقييد الذي لا يقبله المعنى الحرفي هو القسم الأول و اما الثاني فيقبله فإن المعنى الحرفي و ان كان جزئيا ذهنيا إلّا انه كلي في الخارج و بعضه اوسع من بعض أ لا ترى ان (شي‏ء في شي‏ء) تكون النسبة الظرفية في غاية الاتساع (و رجل في الدنيا) تكون النسبة الظرفية واسعة و لكنها اضيق من الأولى (و رجل في العراق) اضيق مما سبقه (و رجل في النجف) اضيق مما سبقه (و رجل في هذه المدرسة) كذلك اضيق مما سبقه (و رجل في غرفتي) اشد ضيقا.

اقول قد عرفت في محله ان المعنى الحرفي قسمان الأول حاكي.

الثاني ايجادي. و ما ذكره صاحب الكفاية لو تم يتم في في المعاني الحرفية الحاكية الخبرية.

و اما المعاني الحرفية الإيجادية فلا يتخيل فيها هذا المعنى و لا يخفى ان صيغة الأمر من القسم الثاني.

هذا مع ان ما ذكره صاحب الكفاية ليس تماما حتى في القسم الأول لأن المتضيق في تلك الأمثلة ليس المعنى الحرفي و انما هو طرفي النسبة و اما النسبة فواحدة لا تتغير.

الاعتراض الثاني: ان التقييد على قسمين الأول التقييد بحسب الافراد.

الثاني التقييد بحسب الاحوال.

253

و على هذا التصوير فالوجوب يكون دائما فعليا قبل مجي‏ء وقته، و شأنه في ذلك شأن الوجوب على القول بالواجب المعلق لا فرق بينهما في الموقتات بالنسبة إلى الوقت فإذا كان الواجب استقباليا فلا مانع من وجوب المقدمة المفوتة قبل زمان ذيها.

____________

و التقييد الذي لا يقبله الجزئي انما هو التقييد القسم الأول و اما الثاني فيقبله كما تقول (قال محمد جالسا).

اقول: هذا الاعتراض مبني على تخيل ان المعنى الحرفي جزئي و ليس كذلك بل المعنى الحرفي ليس صورة ذهنيّة كما عرفت في محله بل هو حالة في الصورة الذهنيّة.

هذا مضافا الى ان المعنى الحرفي لا احوال له أ لا ترى انك اذا اردت ان تقيد معنى الوجوب لم يمكنك ان تقيده بأي قيد اعني انه لا يمكنك ان تقيده بأي قيد يتوجه اليه الا الى مقارناته.

و دليل ذلك مع وضوحه وجدانا هو ان المعنى الحرفي عرض فلا يقبل ان يحل فيه أي عرض آخر فغير قابل لطرو الاحوال عليه هذا من حيث الاحوال و اما من حيث الافراد فلأن المفروض ان المعنى الحرفي وجود واحد مندك في الطرفين فلا افراد له.

فالحق في الجواب ان المعنى الحرفي غير قابل للتقييد و لكن ليس معنى تقييد الهيئة هو تقييد الوجوب بل معنى تقييد الهيئة هو تقييد وجوده بمعنى انه قبل الشرط لا وجود له و بعد الشرط له وجود و من الواضح ان المعنى البسيط غاية البساطة يمكن تقييد وجوده بظرف خاص فمعنى (ان جاءك زيد اكرمه) هو انه ان حدث الشرط يحدث الهيئة أي توجد. فانقدح بطلان هذا الدليل الأول من دليلي الشيخ (ره).

اما الدليل الثاني: فحاصله ان العاقل اذا نظر الى فعل فإما ان يرى له فيه غرض او لا فعلى الثاني لا يطلبه و على الأول يحدث الطلب في نفسه فعلا حتى لو كان الفعل لا يحقق الغرض الا بعد الف سنة ضرورة الشوق الى محقق الغرض فخروج صاحب الزمان (ع) محقق الغرض فالشيعة تطلبه‏

254

و المحاولة الثالثة: ما نسب إلى بعضهم من أن الوقت شرط للوجوب لا للواجب كما في المحاولتين الأوليتين، و لكنه مأخوذ فيه على نحو الشرط

____________

و تتشوق اليه و ان كان خروجه بعد الف سنة (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

اقول: (و ان كان سوف يأتي للمسألة تفصيل) ان شروط الوجوب معناها ان يكون الفعل غير مطلوب قبل الشرط و ذلك بأن يكون العاقل لا يرى ان له في الفعل غرض.

هذا مضافا الى ان الطلب شي‏ء و التشريع شي‏ء آخر بل الطلب و التشوق من علل التشريع و ليست عللا تامة فظهر بطلان هذا الدليل الثاني.

اذن الحق ان الجملة الشرطية ما زالت على ظهورها في رجوع القيود الى الهيئة و الشروط شروط الوجوب.

تنبيه: ان الدليل الثاني من دليلي الشيخ (ره) لو تم جرى في جميع الواجبات سواء دل عليها لفظ ام لا و سواء كان اللفظ جملة شرطيه مثل (ان استطعت فحج) او جملة اسميه مثل (المستطيع يحج).

و هذا بخلاف الدليل الأول فإنه لو تم فإنما يتم في الواجبات التي دل عليها الجملة الشرطية لا الجملة الاسمية مثل (المستطيع يجب عليه الحج) حيث هنا لا يوجد هيئة حتى يقال باستحالة تقييدها.

قوله (ره) (و المحاولة الثالثة ما نسب الى بعضهم من ان الوقت ...).

اقول: هذا هو الجواب الثالث و هو كسابقيه يدعي ان المقدمات المفوتة لم تجب قبل وجوب ذيها. بل وجبت بعد وجوب ذيها.

و حاصل هذا الجواب هو الالتزام بأن الوقت شرط للوجوب لكنه على نحو الشرط المتأخر فالوجوب واقعا قبل الوقت مثلا ذي الحجّة شرط الوجوب المتقدم فيكون الوجوب حادث قبل الشرط على فرض تحقق الشرط.

أقول: الكلام في هذا الجواب يقع في جهات:

الأولى: أن هذا الالتزام يختلف يسيرا عن الشرط المتأخر الذي كنا نعرفه و الاختلاف في نقطتين.