المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه‏ - ج3

- محمود قانصوه المزيد...
510 /
255

المتأخر. و عليه فالوجوب يكون سابقا على زمان الواجب نظير القول بالمعلق فيصح فرض وجوب المقدمة المفوتة قبل زمان ذيها لفعلية الوجوب قبل زمانه فتجب مقدمته.

____________

الأولى: أن الشرط المتأخر المتعارف كان متأخرا عن الوجوب و الواجب مثل (ان فعلت وليمة يوم الاحد فيجب التصدق بدرهم يوم السبت) ففعل الوليمة يوم الاحد و هو الشرط المتأخر متأخر عن زمان الوجوب حيث ان الوجوب يوم السبت و متأخر عن زمان الواجب حيث ان الواجب و هو التصدق بدرهم مما يجوز ان يؤتى به يوم السبت.

اما في هذا الشرط التأخر فهو متأخر عن الوجوب فقط و اما الواجب فيؤتى به بعد الوقت أي ذي الحجّة في المثال.

النقطة الثانية: ان الشرط المتأخر المتعارف كان متأخرا عن الوجوب و الوجوب قبله اما هذا الشرط فهو متأخر و مقارن و متقدم. و ذلك لأن الوجوب المشروط هذا لا يتوقف قبل ذي الحجّة بل يبقى مستمرا الى ما بعده حتى تكمل مناسك الحج فإذا فرضنا ان الشرط اول ذي الحجّة كان الوجوب المشروط حادثا في اول زمان الاستطاعة و يبقى مستمرا الى ذي الحجة ثم الى انتهاء مناسك الحج فيكون الوجوب قبل أول ذي الحجّة و مقارن لاول ذي الحجّة و متأخر عن اول ذي الحجة.

الجهة الثانية: أن هذا الشرط المتأخر في خصوص الموقتات لغو من القول لأن الشرط مقطوع الحصول أعني تحقق أول ذي الحجة فما معنى اشتراط الوجوب بتحقق أول ذي الحجة ..

الجهة الثالثة: ان هذا الوجوب بالشرط المتأخر اشد مئونة من الوجوب المعلق فما ادري لما ذا اختاروا هذا الجواب فإنه يتضمن في داخله الوجوب المعلق لأن الوجوب يكون موجودا قبل القدرة على الاتيان بالواجب فالاشكالات الواردة على الواجب المعلق واردة عليه ايضا.

الجهة الرابعة: ان هذا الجواب يحتاج الى تحديد ان الوجوب المتقدم ما هو زمان حدوثه فمثلا في الحج يمكن ان يقال ان ذي الحجّة شرط متأخر

256

و كل هذه المحاولات مذكورة في كتب الأصول المطولة و فيها مناقشات و أبحاث طويلة لا يسعها هذا المختصر، و مع الغض عن المناقشة في إمكانها في أنفسها لا دليل عليها إلا ثبوت وجوب المقدمة قبل زمان ذيها، إذ كل صاحب محاولة منها يعتقد أن التخلص من إشكال وجوب المقدمة قبل زمان ذيها، ينحصر في المحاولة التي يتصورها فالدليل الذي يدل على وجوب المقدمة المفوتة قبل وقت‏

____________

و المشروط هو الوجوب الذي مبدؤه زمن الاستطاعة و اما في مثل الصوم فما ذا يقال هل يقال ان الفجر شرط متأخر و المشروط هو الوجوب الذي مبدؤه قبل ساعة او نهار او شهر او سنة او عقد او قرن ... فلا تحديد له.

و الحاصل ان هذا الجواب غير محدد و لا هو وجيه و لا عليه دليل فينبغي ان لا ينظر اليه اصلا.

ثم بقي محاولة رابعة لا بأس بذكرها و هي دعوى ان المقدمات المفوتة وجبت قبل زمان وجوب ذيها و لكن مع ذلك نلتزم بأنها وجبت بالوجوب التهيئي بمعنى ان المولى اوجبها حفظا على الواجب الذي سوف يجب.

اقول هذا الجواب يرد عليه ان تبعيّة الوجوب المقدمي للنفسي مسألة عقلية يستحيل فيها التخلف فيستحيل ايجاب المقدمات بملاك ذي المقدمات فإن كان معنى الوجوب التهيئي ان المقدمات لها ملاك مستقل فهذا وجوب نفسي و لا كلام لنا به و ان كان معناه ان ملاكه عين ملاك ذي المقدمة كان محالا.

ثم لو تم هذا الجواب لدفع الاشكال من الجهة الأولى و اما الاشكال من الجهة الثانية فباق على حاله اذ كيف يعاقب على ذي المقدمة مع انه لم يكلف به ..

قوله (ره) (و فيها مناقشات و ابحاث طويلة ...).

اقول: نعم طويلة و دقيقه اعرضنا عن كثير منها خشية التطويل مع أن ما ذكرناه زيادة تحتاج الى اعتذار حيث خرجنا عما رسمناه على انفسنا و ما فعلنا ذلك الا مضطرين لتوضيح المطالب.

قوله (ره) (ينحصر في المحاولة التي يتصورها ...).

257

الواجب لا محالة يدل عنده على محاولته.

و الذي اعتقده أنه لا موجب لكل هذه المحاولات لتصحيح وجوب المقدمة قبل زمان ذيها، فإن الصحيح- كما أفاده شيخنا الأصفهاني (رحمه اللّه)- أن وجوب المقدمة ليس معلولا لوجوب ذيها و لا مترشحا منه، فليس هناك إشكال في وجوب المقدمة المفوتة قبل زمان ذيها حتى نلتجئ إلى إحدى هذه المحاولات لفك الإشكال، و كل هذه الشبهة إنما جاءت من هذا الفرض و هو فرض معلولية وجوب المقدمة لوجوب ذيها، و هو فرض لا واقع له أبدا، و إن كان هذا القول يبدو غريبا على الأذهان المشبعة بفرض أن وجوب ذي المقدمة علة الوجوب المقدمة، بل نقول أكثر من ذلك: إنه يجب في المقدمة المفوتة أن يتقدم وجوبها على وجوب ذيها، إذا كنا نقول بأن مقدمة الواجب واجبة، و إن كان الحق- و سيأتي- عدم وجوبها مطلقا.

____________

اقول: هذا الكلام غير معقول فإن الواجب المشروط عند الشيخ يتضمن الواجب المعلق فإذا كان الواجب المعلق مستوجبا للتخلص كان الواجب المشروط كذلك بالأولوية.

نعم يبقى الكلام في وقوع الواجب المشروط بالمفهوم الشيخي.

و كذا الجواب الثالث يتضمن المعلق فإذا كان الجواب الثالث يحل الاشكال فالجواب الأول كذلك.

قوله (ره) (و الذي اعتقده انه لا موجب لكل هذه المحاولات ..).

اقول: هنا نقاط:

الأولى: ان هذا الجواب هو عبارة عن رفع اليد عن القاعدة (تبعيّة الوجوب المقدمي للوجوب النفسي) بمعنى انه يصححها لتصير (تبعيّة الوجوب المقدمي تابعا لارادة الوجوب النفسي) على ما يأتي فهذا الجواب يدخل في الطريق الثاني من طرق حل الاشكال من الجهة الأولى.

النقطة الثانية: ان قوام هذا الجواب بركنين.

الأول: صحة هذا التعديل في القاعدة المتقدمة ليصير الوجوب‏

258

و لبيان عدم معلولية وجوب المقدمة لوجوب ذيها: نذكر أن الأمر- في الحقيقة- هو فعل الآمر، سواء كان الأمر نفسيا أو غيريا، فالآمر هو العلة الفاعلية له دون سواه، و لكن كل أمر إنما يصدر عن إرادة الآمر لأنه فعله الاختياري و الإرادة بالطبع مسبوقة بالشوق إلى فعل المأمور به، أي أن الآمر لا بد أن يشتاق أولا إلى فعل الغير على أن يصدر من الغير، فإذا اشتاقه لا بد أن يدع الغير و يدفعه و يحثه على الفعل فيشتاق إلى الآمر به. و إذا لم يحصل مانع من الأمر فلا محالة يشتد الشوق إلى الأمر حتى يبلغ الإرادة الحتمية فيجعل الداعي في نفس الغير للفعل المطلوب و ذلك بتوجيه الأمر نحوه.

هذا حال كل مأمور به، و من جملته (مقدمة الواجب)، فإنه إذا ذهبنا إلى وجوبها من قبل المولى لا بد أن نفرض حصول الشوق أولا في نفس الآمر إلى صدورها من المكلف، غاية الأمر أن هذا الشوق تابع للشوق إلى فعل ذي المقدمة و منبثق منه، لأن المختار إذا اشتاق إلى تحصيل شي‏ء و أحبه اشتاق و أحب بالتبع كل ما يتوقف عليه ذلك الشي‏ء على نحو الملازمة بين الشوقين. و إذا لم يكن هناك مانع من‏

____________

المقدمي تابعا لإرادة الوجوب النفسي و ان لم يكن الوجوب فعليا.

الركن الثاني: اثبات وجود ارادة الوجوب النفسي حتى قبل وقت الوجوب.

النقطة الثالثة: في ذكر الدليل على تعديل القاعدة و لعلك يمكنك ان تستخرجه من المباحث المتقدمة و حاصله يتضح في مقدمة و هي انك عرفت ان سلسلة علل الوجوب المقدمي هكذا (رؤيه مصلحة الواجب النفسي علة لحدوث الشوق الى الواجب النفسي، و هو بدوره علة لحدوث الشوق الى المقدمة، و هو بدوره علة لإرادة المقدمة و هي علة للحكم بها) فكما ترى ان الوجوب النفسي لا يمر في سلسلة علل الوجوب المقدمي و انما يمر الشوق فإذن مع وجود الشوق تكون علة الوجوب المقدمي موجودة و مع عدم الشوق تكون علته معدومة.

259

الأمر بالمقدمات حصلت لدى الآمر- ثانيا- الإرادة الحتمية التي تتعلق بالأمر بها فيصدر حينئذ الأمر.

إذا عرفت ذلك، فإنك تعرف أنه إذا فرض أن المقدمة متقدمة بالوجود الزماني على ذيها على وجه لا يحصل ذوها في ظرفه و زمانه إلا إذا حصلت هي قبل حلول زمانه، كما في أمثلة المقدمات المفوتة، فإنه لا شك في أن الآمر يشتاقها أن تحصل في ذلك الزمان المتقدم، و هذا الشوق بالنسبة إلى المقدمة يتحول إلى الإرادة الحتمية بالأمر، إذ لا مانع من البعث نحوها حينئذ، و المفروض أن وقتها قد حان فعلا فلا بد أن يأمر بها فعلا. أما ذو المقدمة فحسب الفرض لا يمكن البعث‏

____________

نعم مع ذلك نقول ان الوجوب المقدمي تابع الارادة لا الشوق (فقد عرفت ان الارادة غير الشوق و معلول له).

و دليلنا على ذلك هو ان العلة الغائية للوجوب المقدمي هي (التوصل الى ذي المقدمة) و هذه الغاية لا تتحقق في النفس الا عند ارادة التوصل الى ذي المقدمة اذ مع عدم الارادة لا يمكن ان يفعل ما يوصل الى ذي المقدمة بعنوان انه موصل الى ذي المقدمة كما هو واضح.

و اذا اتقنت هذه المقدمة يصبح من البديهي ان الوجوب المقدمي ليس تابعا للوجوب النفسي بل لإرادته و هذه النقطة اطال المصنف (ره) في توضيحها.

و اما النقطة الرابعة فنتعرض لها عما قريب.

قوله (ره) (انه اذا فرض ان المقدمة متقدمة ...).

اقول: اذا فرض ان ارادة الوجوب النفسي موجودة قبل وقته كإرادة الحج في شوال. و فرض ان الحج لا يتحقق في وقته إلّا بمقدمات تؤتى في شوال فإن المريد للحج لا شك سوف يريد هذه المقدمات ثم يوجبها على طريق سلسلة العلل التي ذكرناها.

قوله (ره) (اما ذو المقدمة فحسب الفرض ...).

اقول: تشعر هذه العبارة بل لعلها ظاهره بأن مذهب المصنف (ره) هي استحالة تقدم زمان الوجوب على زمان الواجب فيستحيل الأمر قبل الوقت‏

260

نحوه و الأمر به قبل وقته لعدم حصول ظرفه، فلا أمر قبل الوقت، و إن كان الشوق إلى الأمر به حاصل حينئذ و لكن لا يبلغ مبلغ الفعلية لوجود المانع.

و الحاصل أن الشوق إلى ذي المقدمة و الشوق إلى المقدمة حاصلان قبل وقت ذي المقدمة، و الشوق الثاني منبعث و منبثق من الشوق الأول و لكن الشوق إلى المقدمة يؤثر أثره و يصير إرادة حتمية لعدم وجود ما يمنع من الأمر، دون الشوق إلى ذي المقدمة لوجود المانع من الأمر.

و على هذا، فتجب المقدمة المفوتة قبل وجوب ذيها و لا محذور فيه، بل هو أمر لا بد منه و لا يصح أن يقع غير ذلك.

و لا تستغرب ذلك فإن هذا أمر مطرد حتى بالنسبة إلى أفعال الإنسان نفسه، فإنه إذا اشتاق إلى فعل شي‏ء اشتاق إلى مقدماته تبعا، و لما كانت المقدمات متقدمة بالوجود زمانا على ذيها، فإن الشوق إلى المقدمات يشتد حتى يبلغ درجة الإرادة الحتمية المحركة للعضلات فيفعلها، مع أن ذي المقدمة لم يحن وقته بعد، و لم تحصل له الإرادة

____________

حتى مع تحقق الشوق الاكيد.

و الانصاف كما مر انه ممكن فالمشتاق يمكنه ان يكلف قبل الوقت و يمكنه ان يكلف بعد الوقت كما هو مشاهد بالوجدان كما تأمر مولاك أن يفعل لك وليمة بعد اسبوع.

قوله (ره) (و لا تستغرب ذلك فإن هذا ...).

اقول: هذا تقريب لتبعيّة الوجوب المقدمي لمجرد الشوق النفسي حاصله انك تشتاق ان تصير مجتهدا و هذا الشوق يستحيل ان يبلغ درجه الارادة لأنه لا يمكن تحريك العضلات نحوه فلا يكون عندك الا شوق و هذا الشوق يولد شوقا الى المقدمات و هذا الشوق يولد ارادة و تتحرك العضلات فيكون ارادة المقدمة متقدمة زمانا على إرادة ذي المقدمة و هكذا الحال في جميع المواطن فإنك تشتاق الى اكل اللحم فتتحرك نحو السوق فيكون ارادة المقدمة متقدمة على ارادة ذيها و كذلك الحال في جميع المقدمات.

اقول ما ذكره المصنف (ره) مبني على تفسير الارادة بنحو ما ذكره‏

261

الحتمية المحركة للعضلات و إنما يمكن أن تحصل له الإرادة الحتمية إذا حان وقته بعد طي المقدمات.

فإرادة الفاعل التكوينية للمقدمة متقدمة زمانا على إرادة ذيها، و على قياسها الإرادة التشريعية، فلا بد أن تحصل للمقدمة المتقدمة زمانا قبل أن تحصل لذيها المتأخر زمانا، فيتقدم الوجوب الفعلي للمقدمة على الوجوب الفعلي لذيها زمانا، على العكس مما اشتهر، و لا محذور فيه بل هو المتعين.

و هذا حال كل متقدم بالنسبة إلى المتأخر فإن الشوق يصير شيئا فشيئا قصدا و إرادة، كما في الأفعال التدريجية الوجود.

و قد تقدم معنى تبعية وجوب المقدمة لوجوب ذيها فلا نعيد، و قلنا أنه ليس معناه معلوليته لوجوب ذي المقدمة و تبعيته له وجودا كما اشتهر على لسان الأصوليين.

فإن قلت: إن وجوب‏

____________

المحقق الاصفهاني (ره) من انها (الشوق البالغ درجه تحريك العضلات) ففسر الارادة بنحو يستحيل ان تنفك عن تحريك العضلات.

و نحن نوافق على ان هذه المرتبة لا يتوقف عليها الوجوب المقدمي بل يتوقف على مرتبه اسفل منها لوضوح التحريك نحو المقدمات مع عدم وجود هذه المرتبة في ذي المقدمة.

و لكن نريد ان نقول أن تفسير الارادة بهذا التفسير لا مستند له فالارادة هي العزم النفسي المخلوق للنفس و الذي هو المقتضي لتحرك العضلات فيحركها لو لم توجد المانع و من هذه الموانع تأخر الزمان فظهر ان لا خلاف معنوي مع المحقق الاصفهاني (ره) و انما الخلاف لفظي.

قوله (ره) (فإن قلت: ان وجوب ...).

اقول: ان عرض الاشكال بهذه الصورة في غاية الفساد لأن هذه الصورة تجعل الاشكال مبتنيا على قاعدة (الوجوب الغيري تابع للوجوب‏

262

المقدمة- كما سبق- تابع لوجوب ذي المقدمة اطلاقا و اشتراطا، و لا شك في أن الوقت- على الرأي المعروف- شرط لوجوب ذي‏

____________

النفسي).

و من الواضح أن الإشكال بهذا المبنى لا يرد على المحقق الاصفهاني (ره) لأنه قد هدم هذه القاعدة و بدلها الى قاعدة اخرى هي (الوجوب الغيري تابع للشوق النفسي).

فينبغي عرض الاشكال بإحدى الصياغتين المتقدمتين و ان كان ظاهر كلام المصنف (ره) ناظرا الى الصياغة الثانية.

قوله (ره) (المقدمة كما سبق ...):

اقول: قد عرفت ان كلام الاصفهاني (ره) مبني على ركنين و كل الكلام السابق كان في تنقيح الركن الأول. و الآن جاء دور الركن الثاني و هو تحقق الارادة قبل وقت وجوب ذي المقدمة. و هذا هو النقطة التي وعدنا بها فنقول.

ان هذا الركن مواجه بمشكلة و قد تصاغ بصياغتين:

الأولى: ان الوقت شرط للوجوب. و مقتضى ذلك عدم الوجوب قبل الوقت و من ثم فلا طريق لنا الى اثبات وجود الشوق الى الفعل قبل الوقت فإنما كنا نثبته بواسطة وجود الوجوب فإنه معلول الشوق و اذا وجد المعلول وجد العلّة. و اما الآن فمع انعدام الوجوب لا طريق الى اثبات الشوق الفعلي نحو الفعل.

الصياغة الثانية: ان الوقت شرط للوجوب و قد مر ان شروط الوجوب هي الشروط التي تكون دخيله في حصول طلب الفعل بحيث لولاها لا يكون الفعل مطلوبا مثل المرض فإنه دخيل في حصول طلب شرب الدواء بحيث لو لا المرض لا يكون الانسان طالبا لشرب الدواء.

و على هذا فقبل تحقق شروط الوجوب (و منها الوقت) لا يكون الفعل مطلوبا.

اذن قبل الوقت لا يكون الفعل مطلوبا.

263

المقدمة، فيجب أن يكون أيضا وجوب المقدمة مشروطا به، قضاء لحق التبعية.

____________

و قد اجاب المصنف (ره) عن الصياغة الأولى بأن الوقت ليس شرطا لوجود ملاك الوجوب و ان كان شرطا لوجود نفس الوجوب، توضيح ذلك بمقدمات.

الأولى: ان ملاك الوجوب هو طلب الفعل بمعنى ارادته. و اما نفس الوجوب فهو اعتبار الحكم و جعله في لوح التشريع و علة الوجوب هو (الملاك و عدم المانع من التشريع).

الثانية: ان كل شرط لوجود ملاك الوجوب فهو شرط لوجود نفس الوجوب و ذلك لما عرفت من ان الملاك جزء علة الوجوب فمع عدم الملاك ينعدم علة الوجوب و بالتالي ينعدم نفس الوجوب فكل شرط لوجود الملاك هو في الحقيقة شرط لوجود علة الوجوب فهو شرط لوجود نفس الوجوب و لا عكس أي ليس كل شروط وجود الوجوب هي شروط الملاك اذ يمكن ان يكون شرطا لرفع المانع مع وجود الملاك. و كل ذلك بديهي اذا عرفت ذلك نقول ان الشروط قسمان.

الأول شروط دخيله في تحقق ملاك الوجوب أي الطلب.

القسم الثاني شروط ليست دخيله في تحقق الطلب.

و اما القسم الأول فهو شرط وجود الملاك و شرط وجود نفس الوجوب كما عرفت.

و اما القسم الثاني فقسمان ايضا الأول القسم الاختياري الثاني القسم غير الاختياري الخارج عن طاقة العبد مثل الزمان و الزلازل و نحو ذلك.

اما القسم الأول فهو شرط واجب فقط أي لا شرط وجود الوجوب.

اما انه شرط واجب فلأنه دخيل في تحققه كما هو مفروض.

و اما انه ليس شرط وجوب فلأن شروط وجود الوجوب اما ان تكون شروط المقتضي (الملاك) او شروط عدم المانع من التكليف.

اما الأول فمفروض العدم لأن المفروض انه ليس شرطا لوجود الملاك.

264

قلت: إن الوقت على التحقيق ليس شرطا للوجوب بمعنى أنه دخيل في مصلحة الأمر كالاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحج، و إن كان دخيلا في‏

____________

و اما الثاني فلأن عدم هذه الافعال الاختيارية ليست موانعا من التكليف حتى يكون فعلها عدم المانع و هذا واضح.

و اما القسم الثاني فهو شرط واجب و شرط وجوب.

اما شرط واجب فلأنه دخيل في تحققه كما هو مفروض.

و اما انه شرط وجود الوجوب فلأنه من شروط عدم المانع اذ المولى لو كلف دون ان يشترط تحقق هذا القسم للزم احد أمرين.

الأول: التكليف بفعل هذا الشرط كما يكلف بفعل سائر شروط الواجب فيكون الواجب على العبد ان يأتي بالزوال. و هذا واضح المحالية.

الثاني: التكليف بالفعل و لا يجب عليه تحقيق الشرط بل على العبد ان ينتظر الى ما بعد تحقق الشرط. و ذلك مثل ان يقول (يجب عليك من الآن ان تصلي بعد طلوع الفجر) فيكون الوجوب متقدما و الواجب متأخرا على نحو الواجب المعلق و هذا حكم المصنف (ره) باستحالته بدعوى استحالة انفكاك البعث عن الانبعاث. اذن تعين على المولى ان يجعل هذه الشروط (القسم الثاني) شروط وجوب ليرفع المانع من التكليف.

اذا عرفت ما ذكرناه فزعم المصنف (ره) ان الوقت ليس من الشروط الدخيلة في تحقق ملاك الوجوب بل من الشروط الدخيلة في تحقق المطلوب غايته ان الوقت شرط غير اختياري فلا بد من جعله شرطا من شروط نفس الوجوب.

هذا تمام كلام المصنف (ره) و لكن عبارته قاصرة فلنتعرض لعبارته ثم نرجع الى المبحث.

قوله (ره) (قلت ان الوقت على التحقيق ليس شرطا ..).

اقول: مراده اثبات دعويين.

الأولى: و ذكرها بقوله (ليس شرطا للوجوب بمعنى انه دخيل في‏

265

مصلحة المأمور به، و لكنه لا يتحقق البعث قبله، فلا بد أن يؤخذ مفروض الوجوب بمعنى عدم الدعوة إليه لأنه غير اختياري للمكلف. أما عدم تحقق وجوب الموقت قبل الوقت فلامتناع البعث قبل الوقت.

و السر واضح لأن البعث حتى البعث الجعلي منه يلازم الانبعاث إمكانا و وجودا فإذا أمكن الانبعاث أمكن البعث و إلا فلا، و إذ يستحيل الانبعاث قبل الوقت استحال البعث نحوه حتى الجعلي. و من أجل هذا نقول بامتناع الواجب المعلق لأنه يلازم انفكاك الانبعاث عن البعث.

و هذا بخلاف المقدمة قبل وقت الواجب فإنه يمكن الانبعاث نحوها فلا مانع من فعلية البعث بالنظر إليها لو ثبت، فعدم فعلية

____________

مصلحة الأمر كالاستطاعة أي ليس الوقت كالاستطاعة دخيلا في ملاك الأمر أي الوجوب.

و الثانية: ذكرها بقوله (و لكنه لا يتحقق البعث قبله ...) أي ان الوجوب يجب ان يتأخر عن الوقت و استدل لهذه الدعوى بالدليل الذي ذكرناه آنفا فراجع.

قوله (ره) (و السر واضح لأن البعث ...).

اقول: أي سر استحالة البعث قبل الوقت و عمدة هذا السر استحالة انفكاك البعث عن الانبعاث.

قوله (ره) (و هذا بخلاف المقدمة قبل وقت الواجب ...).

اقول: الى هنا تم للمصنف (ره) اثبات الركنين المتقدمين (تبعية الوجوب المقدمي للشوق النفسي) (وجود الشوق النفسي قبل الوقت).

ففرع على ذلك لزوم البعث نحو المقدمة قبل الوقت لأن المقتضي (الإرادة) موجود و المانع مفقود لإمكان التكليف و إمكان الانبعاث.

اقول: اما الركن الأول فقد عرفت متانته و ان كان الأولى التعبير ب (تبعيّة الوجوب المقدمي لإرادة الواجب النفسي) حيث نبهنا على ان التبعيّة هي للإرادة لا لمجرد الشوق.

نعم قد عرفت ان مراد المحقق الاصفهاني (ره) هو ما ذكرناه إلّا انه‏

266

الوجوب قبل زمان الواجب إنما هو لوجود المانع لا لفقدان الشرط، و هذا المانع موجود في ذي المقدمة قبل وقته مفقود في المقدمة.

____________

فسر لفظ الارادة و الشوق بمعنى آخر لذا حصل الاختلاف في الالفاظ.

و اما الركن الثاني فقد عرفت انه يرد عليه صياغتين و المصنف (ره) دفع الثانية فقط فحتى لو تم جوابه فعليه ان يدفع الصياغة الأولى. و كيف كان فسوف نتعرض لنقطتين.

الأولى ندفع بها جواب المصنف (ره).

الثانية نذكر الجواب الصحيح في دفع هاتين الصياغتين لنثبت تحقق الارادة قبل الوقت.

اما النقطة الأولى فأمرها سهل ضرورة ان المصنف (ره) تجاوز حده عند ما جزم بأن الوقت شرط في الوجوب و ليس له دخالة في ملاك الأمر فمن اين له ان يدرك ملاكات الاحكام و ليس ادراك ملاكات الاحكام الا من شئون الملك العلام.

هذا ثم انك عرفت سابقا بطلان دعوى ان الانبعاث لا ينفك عن البعث.

اما النقطة الثانية فنحتاج فيها الى تمهيد مقدمتين.

الأولى: ان شروط الوجوب و ملاكه تحتمل اربع احتمالات لا غير.

الأول: ان يكون الشرط مقتضى لوجود المفسدة و لا تدفع إلّا بالواجب مثل (ان نذرت فأوف) فإن النذر مقتضى لوجوب المفسدة و لا تدفع إلّا بالوفاء.

الثاني: ان يكون الشرط مفسدة و لا ترفع إلّا بالواجب مثل (ان افطرت في شهر رمضان فكفر) فإن الإفطار مفسدة لا ترفع الا بالتكفير.

الثالث: ان الشرط محصل لامكانية تحصيل المصلحة و لا تحصل إلّا بالواجب مثل (ان عرض عليك المال فاقبله).

الرابع: ان الشرط مقتضى لحصول مصلحة لا يحافظ عليها إلّا بالواجب مثل (ان جاءك مال فاحفظه).

267

و يتفرع على هذا فرع فقهي و هو: إنه حينئذ لا مانع في المقدمة المفوتة العبادية كالطهارات الثلاث من قصد الوجوب في النية قبل وقت الواجب لو قلنا بأن مقدمة الواجب واجبة.

____________

المقدمة الثانية: ان في جميع هذه الاقسام يكون طلب الجزاء متفرعا عن الشرط و هذا كلام مسلم لكنه مجمل يحتاج الى تحديد و ذلك لأننا نسأل ان الطلب الفعلي الى الجزاء هل يتفرع عن وجود الشرط في الخارج ام يتفرع عن تصور الشرط، ام يتفرع عن التصديق بوجوده فعلا. ام يتفرع عن التصديق بوجوده و لو في المستقبل فهذه احتمالات اربعة.

اما الأول فواضح الفساد لأن الطلب من شئون الذهن فلا مجال لأن يرتبط بالواقع الخارجي بما هو هو. فقد يوجد العدو في الخارج و لا يعلم الانسان فلا يصير عنده طلب مقاتلته كما قد يتوهم أن هذا صديقه فيصير عنده طلب لإكرامه مع أنه في الواقع عدو له.

و أما الثاني فكذلك واضح الفساد اذ تصور المرض لا يولد طلبا فعليا لشرب الدواء و كذا تصور العطش لا يولد طلبا فعليا لشرب الماء و هذا واضح.

فتعين أحد الاحتمالين الاخيرين فعلى القول بلزوم التصديق بوجوده الفعلي يلزم ان يكون المولى غير طالب للواجب الا بعد العلم بتحقق الشرط و علمه كذلك لا يكون إلّا بعد تحقق الشرط فلا طلب الا بعد الشرط.

و على القول بكفاية التصديق بوجوده لو في المستقبل يلزم ان يكون المولى العالم بوقوع الشرط في المستقبل متشوقا الى المشروط فعلا.

اذا عرفت هذا فالحق هو الاخير فإننا نرى من انفسنا اننا اذا علمنا بأننا نعطش غدا فإنه يحصل عندنا فعلا حب و طلب لما يرفع ذلك العطش غدا و اذا علمنا بأن العدو سوف يهجم علينا بعد مائه سنة يصير عندنا فعلا حب و طلب لدافعهم بعد مائة سنة.

و السر في ذلك واضح و هو ان الانسان كما عنده حب فعلي لمحققات المصالح الفعليّة و دافعات المفاسد الفعليّة كذلك عنده حب فعلي لمحققات‏

268

و الحاصل: إن العقل يحكم بلزوم الإتيان بالمقدمة المفوتة قبل وقت ذيها و لا مانع عقلي من ذلك.

____________

*** المصالح المستقبلية و دافعات المفاسد المستقبلية أ لا ترى انك من الآن تحب و تطلب شفاعة النبي (ص) و الائمة (ع) يوم القيامة مع ان هذا اليوم العظيم لم يقع و لكنك تعلم بأنه سوف يقع و هذا العلم هو الذي يدعوك الى ان تطلب من الآن شفاعة النبي «ص» و لعمري ان الأمر اوضح من الشمس في رابعة النهار و ما قامت الدنيا و الآخرة الا على هذا المبنى.

و اما على المبنى المتقدم فاللازم على الانسان ان لا يسعى الى النجاة يوم القيامة الا عند حدوثه و لا يسعى الى الطعام الا عند تحقق الجوع و لا الى الماء الا عند تحقق العطش ... و ما شابه مما يلزم خراب الدنيا و الآخرة.

اذا عرفت هاتين المقدمتين يتضح لك ان الشرط ان كان وقتا و كان معلوم التحقق كان الطلب المتعلق بالواجب فعليا حتى قبل وقوع الشرط.

و بهذا يتم الركن الثاني من دليل المحقق الاصفهاني (ره) و يصبح دليله في غاية المتانة.

بقي تنبيهات:

الأول: ان هذا الدليل يدل على وجوب جميع المقدمات المفوتة اعني بلا فرق بين المقدمات المفوتة التي دل الدليل على وجوبها و بين المقدمات المفوتة التي لم يدل الدليل على وجوبها فإن هذا الدليل هو بنفسه دليل اثباتي على وجوب المقدمات المفوتة.

التنبيه الثاني: هذا الدليل و ان كان مذكورا لأجل الاستدلال على وجوب خصوص المقدمات المفوتة قبل زمان وجوب ذيها. إلّا ان هذا الدليل قد يعمم و يجعل دليلا على وجوب المقدمات غير المفوتة قبل وجوب ذيها و ذلك لأن ارادة ذي المقدمة موجودة قبل زمان وجوب ذي المقدمة و هذه الارادة تترشح على جميع المقدمات سواء كانت مفوتة أم غير مفوتة

269

هذا كله من جهة إشكال انفكاك وجوب المقدمة عن وجوب‏

____________

غايته أنها تترشح على المفوتة وجوبا مضيقا و ذلك لأن المقدمة لا يمكن الاتيان بها الا في هذا الوقت (قبل زمان الوجوب) فيحكم المولى بوجوب هذه المقدمة في هذا الوقت.

و هذا بخلاف المقدمات غير المفوتة فإن الوجوب المترشح عليها هو وجوب موسع أي المقدمة الواجبة هي التي يتوقف عليها ذو المقدمة و هي الكلي الاعم من المقدمة الواقعة قبل زمان الوجوب او الواقعة بعد زمان الوجوب فالمولى يريد صلاة الظهر و هذه الارادة موجودة قبل الظهر فتترشح على جميع المقدمات و منها الوضوء و هو يمكن قبل الظهر و يمكن بعد الظهر فالمولى يطلب هذا الكلي (الوضوء الاعم من الواقع قبل الظهر او الواقع بعده).

و على هذا فيمكن الاتيان بالوضوء بنية الوجوب و لو قبل الزوال و هكذا جميع المقدمات.

هذا و لكن هذا التعميم محل نظر اذ يمكن أن يقال أن غاية ما يثبت قبل الزمان هو إرادة ذي المقدمة و هي مترشحة على المقدمات على نحو ما ذكر و لكن الجعل و التشريع الاعتباري لا يجب ان يكون على طبق الارادة فيمكن للمولى ان لا يوجب سوى حصة خاصة من الوضوء و هو الوضوء الواقع بعد زمان الوجوب و هكذا يمكنه في جميع المقدمات غير المفوتة ان لا يوجب سوى حصة من المقدمة و هي الحصة الواقعة في زمان الوجوب.

و هذا الاحتمال لا يندفع لعدم وجود دليل مطلق يدل على وجوب كل مقدمة مراده.

و اما العقل فهو دليل لبي لا اطلاق له و على هذا فلا يمكننا ان نجزم سوى بوجوب الحصة من المقدمة الواقعة بعد زمان الوجوب.

التنبيه الثالث: قد انقدح لك مما ذكرناه ان ترشح الوجوب الى المقدمات المفوتة قبل زمان الوجوب متوقف على علم المولى بتحقق شروط الوجوب. و من هنا فلا بد من احراز علم المولى بتحقق جميع شروط الوجوب في المستقبل بلا فرق بين شرط الوقت و غيره كالقدرة و الحياة

270

ذيها. و أما من جهة إشكال استحقاق العقاب على ترك الواجب بترك‏

____________

و حينئذ فنقول ان المكلف امامه ثلاث حالات.

الأولى: ان يعلم بتحقق جميع شروط الوجوب في المستقبل.

الثانية: ان يعلم بعدم التحقق.

الثالثة: ان يشك بذلك.

فعلى الحالة الأولى يمكن ان ينتقل من علمه الى علم المولى ضرورة ان المولى لا يجهل ما يعرفه المكلّف. و حينئذ فيعلم بتحقق وجوب المقدمات المفوتة.

و على الحالة الثانية فكذلك يمكن ان ينتقل من علمه الى علم المولى فيعلم بعدم وجوب المقدمات المفوتة.

و اما على الحالة الثالثة فالظاهر انه يرجع الى البراءة الا عند الشك في القدرة و فيه كلام لا يسعه المقام.

التنبيه الرابع: ان القدرة على الفعل الواجب تحتمل احتمالين.

الأول: ان لا يكون لها دخالة في ملاك الوجوب بمعنى ان ملاك الوجوب موجود حتى في حال عدم القدرة كملاك انقاذ الغريق فإنه تام حتى في حال العجز غايته ان مع العجز لا يمكن تحصيل المطلوب فالمريض يريد الدواء سواء كان قادرا عليه ام عاجزا عنه فالقدرة ليست دخيله في ملاك الوجوب و انما هي طريق الى تحصيل المطلوب.

الثاني: ان يكون لها دخالة في ملاك الوجوب بمعنى انه لا ملاك للوجوب عند العجز فلا طلب للفعل في حال العجز عنه.

اذا عرفت كل ذلك نقول ان كل كلامنا السابق كان بالنظر الى الاحتمال الأول فقط.

و اما على الاحتمال الثاني فنتعرض لها بعد عبارة المصنف (ره).

قوله (ره) (و اما من جهة اشكال استحقاق العقاب ...).

اقول: هذا شروع في الاشكال من الجهة الثانية و قد استعرضنا في‏

271

مقدمته مع عدم فعلية وجوبه، فيعلم دفعه مما سبق فإن التكليف بذي المقدمة الموقت يكون تام الاقتضاء و إن لم يصر فعليا لوجود المانع و هو عدم حضور وقته. و لا ينبغي الشك في أن دفع التكليف مع تمامية

____________

صدر البحث كيفية ورود الاشكال و ذكرنا ان استحقاق العقاب ينافي احدى ثلاث مقدمات ذكرناها و ذكرنا ان للحل ثلاث طرق و نبهنا ايضا على ان الاشكال من هذه الجهة يبقى واردا حتى لو اعترفنا بوجوب المقدمة.

فإذا راجعت كل ذلك و تذكرته نقول ان جواب المصنف (ره) يدور حول ابطال المقدمة الثانية من المقدمات الثلاث (لا عقاب الا بعد عصيان) فيدعي ان العقاب كما يكون بسبب عصيان التكليف كذلك يكون العقاب بسبب التمرد على المولى.

فالعقاب له سببان الأول العصيان و هو مخالفة التكاليف. الثاني التمرد على المولى و هو عبارة عن تضويع اغراض المولى التي يريدها و ان لم يكلف بها.

و يحتمل ان يكون نظر المصنف الى ابطال المقدمة الثانية (لا عصيان الا بعد تكليف) فيكون مدعاه ان العصيان قسمان الأول مخالفه التكاليف الثاني مخالفة اغراض المولى التي يريدها و ان لم يكلف بها.

و كيف كان فحاصل ما افاده عبارة عن ثلاث مقدمات.

الأولى: ان المولى حتى قبل الوقت يكون مشتاقا و ناظرا الى الواجب بعد الوقت فهو من حين حصول الاستطاعة ينظر الى ذي الحجّة و يتمنى تحققه حتى يقع الواجب فالحاصل ان المولى قبل وقت الوجوب مشتاق و مريد لذي المقدمة.

المقدمة الثانية: ان ترك المقدمة يستلزم تفويت الواجب بعد وقت وجوبه لعدم امكان الاتيان به فترك السفر يستلزم تفويت الحج.

المقدمة الثالثة: ان تفويت مرادات المولى مما يحكم العقل بقبحه لأنه ظلم للمولى فيستحق فاعله العقاب.

اما المقدمة الأولى فقد عرفت متانتها و بينا دليلها الصحيح فراجع.

272

اقتضائه تفويت لغرض المولى المعلوم الملزم. و هذا يعد ظلما في حقه و خروجا عن زي الرقية و تمردا عليه، فيستحق عليه العقاب و للوم من‏

____________

و اما المقدمة الثانية فهي مفروض البحث اذ ليس معنى المقدمات المفوتة سوى ذلك.

و أما المقدمة الثالثة فهي العمدة في هذا الاستدلال فإذا تمت تم الاستدلال اذ ترك السفر تفويت للحج و الحج مراد. فترك السفر تفويت لمراد المولى و تفويت مراد المولى ظلم له قبيح يستحق فاعله العقاب.

و ممن ذكر هذه المقدمة و قبلها السيد الخوئي قال ص 395 من المحاضرات (الثاني انه لا فرق في حكم العقل باستحقاق العقاب بين مخالفه التكليف الإلزامي الفعلي و بين تفويت حقيقة التكليف و روحه و هو الملاك التام الملزم الذي يدعو المولى الى اعتبار الايجاب تارة و إلى جعل التحريم تارة اخرى فإذا احرز العبد ذلك الملاك في فعل و ان علم بعدم التكليف به استحق العقاب على تفويته من دون فرق في ذلك بين ان يكون المانع من التكليف قصورا في ناحية المولى نفسه كما اذا كان غافلا او نائما و اتفق في هذه الحال غرق ولده او حرقه و كان عبده متمكنا من انقاذه فعندئذ لو خالف و لم ينقذه فلا شبهه في استحقاقه العقاب. او قصورا في ناحية العبد كما اذا علم بأن الملاك التام في ظرفه و انه لو لم يحفظ قدرته عليه لم يكن قابلا لتوجيه التكليف فعندئذ لو خالف و عجز نفسه في ظرف التكليف عن امتثاله فعجزه هذا و ان كان مانعا من توجه التكليف اليه لعدم القدرة إلّا انه يستحق العقاب على تفويت الغرض الملزم) انتهى.

اقول هذه المقدمة و ان كانت من الوجدان جدا إلّا انه ايضا يعارضها امر وجداني آخر و هو ان العقاب من فروع مخالفه الأمر فالمولى لا يعاقب إلّا اذا خالفه عبده و لا مخالفه الا بعد تكليف فإذن في ذهننا حكمان وجدانيان متنافيان.

الأول تفويت اغراض المولى التي لم يكلف بها مستوجب لاستحقاق العقاب.

273

هذه الجهة، و إن لم يكن فيه مخالفة للتكليف الفعلي المنجز.

____________

الثاني ان لا شي‏ء يستوجب استحقاق العقاب سوى مخالفه التكاليف.

و من الواضح ان التنافي في الاحكام الوجدانية كالتنافي في الاحكام العقليّة محال، فلا بد من الجمع بينهما بعد ان لم يمكن طرح أي واحد منهما.

و طريقه الجمع حسب ما يبدو لي عاجلا. و ان كانت المسألة ما زالت محل تأمل. هي عبارة عن ارجاع الحكم الأول الى الثاني و ذلك بأحد طريقين:

الأول ان المولى لا بد ان يكون قد كلف عبده بلزوم حفظ هذا الغرض ضرورة انه يريده فلا بد له من المحافظة عليه و لا يكون ذلك إلّا بالتكليف. فنحن نستكشف انه قد كلف عبده بالحفظ و حينئذ يكون تفويت اغراض المولى مخالفة لهذا التكليف فيكون موجبا لاستحقاق العقاب.

و هذا الذي ذكرناه في غاية الوضوح بالنسبة الى المولى الملتفت الى ارادته لذلك الغرض كمولانا عزّ و جل فإنه محيط بكافة الأمور فهو يلتفت الى ان هذا الغرض يريده و لا يرضى بتفويته فلا جرم يكون قد كلف به.

و اما المولى غير الملتفت فنحتاج الى ان ندعي ان هذا التكليف موجود في عالم الارادة الكامنة و فيه نظر (1) و على كل حال فهذا المولى خارج عن محل البحث‏

الطريق الثاني: و لعله الاقرب و هو ان جميع الموالي لهم تكليف عام هو (وجوب حفظ اغراض المولى) و هذا التكليف عام على العبد ان يطبقه على مصاديقه كما يطبق (يجب اكرام العلماء) على مصاديقه فإذا وجد العبد ان غرض المولى في هذا الفعل كان هذا الفعل مصداقا للتكليف العام (بوجوب حفظ الاغراض) و حينئذ فتفويت الاغراض هو مخالفه لهذا التكليف العام.

____________

(1) وجه استحالة وجود الحكم الجزئي في الإرادة الكامنة إلا عند الالتفات إليه.

274

و هذا لا يشبه دفع مقتضى التكليف كعدم تحصيل الاستطاعة للحج، فإن مثله لا يعد ظلما و خروجا عن زي الرقية و تمردا على‏

____________

بل الانصاف ان هذا التكليف العام موجود حتى لو لم توجد علقة المولوية فالاخ يرى من حقوقه على اخيه ان يحافظ على مصالحه بحيث لو لم يحافظ عد ظالما مخالفا لحق الاخ. و كذا الصديق يرى ان هذا من حقوقه على صديقه بل لعل هذا حكم واسع جار في جميع ابناء المدينة حتى ان الغريب قد يلام اذا رأى بيتا يحترق فيه نساء تختنق و كان يمكنه اطفاء النار لكنه لم يفعل.

و الحاصل ان عندنا حكم ارتكازي عام بين كل شخصين و هو لزوم المحافظة على مصالح الغير و يزداد هذا الحق تأكدا كلما ازدادت قوة العلاقة بين الشخص و صاحب المصلحة حتى تصل العلاقة الى مرتبه علقة المولوية فيرى المولى ان من حقوقه على عبده ان يحافظ على مصالحه فلو قصر في ذلك يستحق العقاب لأنه خالف امر مولاه و لو ارتكازا.

قوله (ره) (و هذا لا يشبه دفع مقتضي التكليف ...).

اقول: بل الفرق بينهما في غاية السعة أ لا ترى فرق بين تفويت الدواء على المولى عند حاجته اليه لمرض. و بين تفويت المرض عليه المستوجب ان لا يكلف بالدواء.

و الحاصل ان التفويت قسمان.

الأول: تفويت الاغراض المطلوبة و المرادة فعلا سواء كان زمن تحققها حالي او استقبالي.

القسم الثاني: تفويت طلب الاغراض بأن يفعل ما يستوجب ان لا يحتاج المولى الى تلك الاغراض.

اما القسم الأول فقبيح كما عرفت.

و اما القسم الثاني مثل ما يستوجب عدم عطش المولى فلا يحتاج الى الماء و مثل ما يستوجب عدم هجوم العدو فلا يحتاج الى الدفاع فهذا لا اشكال في جوازه لأنه ليس فيه تفويت شي‏ء على المولى. و الى هنا ينتهي‏

275

المولى، لأنه ليس فيه تفويت لغرض المولى المعلوم التام الاقتضاء.

____________

البحث في المقدمات المفوتة غير التعلم. بقي النظر في التعلم و قد اعرض المصنف عن ذكره و لا بأس بالاشارة اليه.

المقام الثاني: في التعلم و يقع الكلام فيه في ناحيتين.

الأولى وجوب التعلم.

الثانية في نوع الوجوب.

اما الناحية الأولى: ففيها تفصيل و ذلك ان التعلم بالنسبة الى امتثال التكليف له ثلاث حالات.

الأولى: استحالة الامتثال عرفا بدون التعلم و ذلك كما لو فرض ان الواجب مركب من اجزاء كثيرة و معقد التركيب كالصلاة و الحج مثلا فلا يمكن عادة لغير المتعلم ان يأتي بالصلاة تامة صحيحة و كذا الحج.

الحالة الثانية: امكان الامتثال و لو بدون التعلم و ذلك ككون التكليف مما يمكن فيه الاحتياط كما لو شك في حرمة شرب الخمر فيمكنه الامتثال بدون تعلم و ذلك بأن يحتاط. فيمتثل و يعلم انه ممتثل.

الحالة الثالثة: امكان الامتثال و لكن لا ينفتح باب الجزم بالامتثال كما لو دار امر صلاة الجمعة بين الحرمة و الوجوب فلو فعل صلاة الجمعة يمكن ان يكون ممتثلا إلّا ان المكلف لا يعلم انه ممتثل.

اذا عرفت هذه الحالات الثلاث فنقول.

اما الحالة الأولى فلا ريب في وجوب التعلم لأن التعلم حينئذ بمنزلة المقدمة للامتثال اذا المفروض استحالة الامتثال بدون التعلم فيكون التعلم مقدمة كسائر المقدمات تجب بالوجوب الغيري. هذا مضافا الى ان التعلم يجب بعنوان آخر يأتي التعرض له في الحالة الثالثة.

اما الحالة الثانية فالجواب مبني على مسألة لعلنا نتعرض لها في مباحث القطع و هي انه هل يجوز الاحتياط مع القدرة على تعلم الحكم الشرعي ام لا.

276

و المدار في استحقاق العقاب هو تحقق عنوان الظلم للمولى القبيح عقلا.

____________

فإن قلنا بجواز الاحتياط نقول هنا بعدم وجوب التعلم حيث يمكن امتثال التكليف بدون تعلم عن طريق الاحتياط.

و ان قلنا بعدم جواز الاحتياط ترجع هذه الحالة الى الحالة الثالثة و ذلك لأنه عند امكان الاحتياط يكون من المحتمل اصابه الواقع و لو بدون احتياط فلاحظ.

و اما الحالة الثالثة: فلا ريب في وجوب التعلم ايضا و لكن لا من باب الوجوب الغيري بل من باب الوجوب الطريقي فلنا دعويان.

الأولى: ان وجوب التعلم هنا ليس من باب الوجوب الغيري و دليل هذه الدعوى مركب من ثلاث مقدمات.

الأولى: ان الوجوب الغيري مختص بالمقدمات للواجبات الشرعيّة.

الثانية: ان المقدمات هي التي بدونها لا تتحقق ذي المقدمة.

الثالثة: ان في هذه الحالة يكون الواجب ممكن التحقق بدون التعلم فالتعلم يمكن بدونه ان تتحقق ذي المقدمة.

فينتج من هذه المقدمات المسلمات ان التعلم ليس واجبا بالوجوب الغيري.

فإن قلت ان التعلم مقدمة للعلم بالامتثال ضرورة انه لا يمكن العلم بالامتثال الا بالتعلم.

قلت نعم صحيح و لكن العلم بالامتثال ليس واجبا شرعيا فإن الواجب الشرعي هو نفس الامتثال لا العلم به و قد عرفت في المقدمة الثانية ان المقدمات التي تجب بالوجوب الغيري هي مقدمات الواجبات الشرعيّة. و اما العلم بالامتثال فهو يحكم العقل بوجوبه لمجرد تحصيل البراءة و هو ليس واجبا شرعيا.

و اما الدعوى الثانية: و هي ان وجوب التعلم هنا طريقي فدليلها مركب من ثلاث مقدمات.

277

الأولى: ان بدون التعلم يحتمل مخالفه التكليف الواقعي و ذلك بأن يكون ما اتى به على خلاف المطلوب. و هذه المقدمة هي مفروض الحالة الثالثة.

المقدمة الثانية: ان مخالفه التكليف الواقعي يستحق عليها العقاب لأن التكليف الواقعي منجز قبل التعلم و هذا يحكم به العقل اذ العقل يحكم ان العبد يجب عليه الفحص عن حكم المولى فلو لم يفحص كان مستحقا للعقاب على كل مخالفه لتكليف واقعي و قد اشرنا الى هذا الحكم العقلي في مبحث التمسك بالعموم قبل الفحص.

المقدمة الثالثة: ان العقل يحكم بلزوم تحصيل الا من العقاب.

و ينتج من هذه المقدمات ان مع عدم التعلم يحتمل مخالفه الواقع و استحقاق العقاب و من ثم يحكم العقل بلزوم التعلم دفعا لاحتمال العقاب.

الناحية الثانية: في موضوع وجوب التعلم. و يحتمل ثلاث احتمالات.

الأول: العلم بالابتلاء بالحكم فمن علم انه سوف يبتلي بوجوب الحج او الصلاة او الزكاة او النهي عن المنكر وجب عليه تعلم الاحكام و معنى العلم بالابتلاء هو العلم بأنه سوف ينطبق عليه موضوع الحكم الشرعي.

الاحتمال الثاني: احتمال الابتلاء في المستقبل و ذلك باحتمال انه سوف ينطبق عليه موضوع الحكم الشرعي سواء كان يعلم ما هو موضوع الحكم الشرعي و احتمل انطباقه عليه كما لو علم ان موضوع الحج هو المستطيع و احتمل انه يستطيع في المستقبل او كان يجهل ما هو موضوع الحكم الشرعي و احتمل ان يكون الموضوع للحكم قد ينطبق عليه كما لو لم يعلم ما هو موضوع وجوب الحج و احتمل ان الموضوع المجهول قد ينطبق عليه واقعا.

الاحتمال الثالث: ان الوجوب غير مقيد باحتمال الابتلاء و لا بعدمه.

فيجب التعلم حتى مع العلم بعدم الابتلاء.

اذا عرفت هذه الاحتمالات الثلاثة نقول.

278

اما الاحتمال الثالث فواضح الفساد لوضوح ان وجوب التعلم اما مقدمة لامتثال الحكم و اما مقدمة للامن من العقاب. و كلاهما مفقودان في المقام اذ الامتثال غير واجب لعدم الابتلاء بالحكم فلا تجب مقدمته و من الواضح ان عند عدم الابتلاء يعلم الامن من العقاب فأي حاجة الى التعلم.

فيدور الأمر بين الاحتمال الأول و الثاني فنقول لا ريب انه عند العلم بالابتلاء يجب التعلم. و انما الكلام عند مجرد الاحتمال.

و هنا ثلاث أقوال، وجوب التعلم مطلقا، و عدم الوجوب مطلقا، و التفصيل بين الحكم الذي تعم به البلوى فيجب التعلم و بين الحكم الذي لا تعم به البلوى فلا يجب التعلم و هذا القول الأخير هو المحكي عن المشهور.

اقول يقع الكلام في نقطتين:

الأولى: حكم التعلم مع فرض بقاء احتمال الابتلاء و عدم وجود اصل ينقح و يثبت عدم الابتلاء. و في هذه النقطة جهتين:

الأولى: هل يجب التعلم من جهة انه مقدمة كما في الحالة الأولى و الظاهر عدم الوجوب من هذه الجهة لأن الوجوب المقدمي فرع الوجوب النفسي و الوجوب النفسي غير معلوم فلا يعلم بوجوب المقدمة.

الجهة الثانية: وجوب التعلم من جهة تحصيل الامن و الظاهر في هذه الجهة وجوب التعلم لحكم العقل بوجوب التعرض لأحكام المولى و من ثم فلو ابتلي بالحكم و لم يمتثل كان مستحقا للعقاب لأن الحكم منجز في ذمته بالحكم العقلي المتقدم.

النقطة الثانية: فهي انه هل يمكن رفع احتمال الابتلاء ام لا.

و قد يقال برفعه بواسطة استصحاب عدم الابتلاء و ذلك لأنه يقطع بأنه الآن غير مبتلي بالحكم و يشك ان يبتلي في المستقبل فيستصحب عدم الابتلاء بناء على جواز الاستصحاب من اليقين الحاضر الى الشك المستقبل.

و قد اعترض على هذا الاستصحاب باعتراضين.

279

الأول: و ذكره بعض الاعلام و حاصله ان هذا الاستصحاب مبتلى بالعلم الاجمالي و ذلك لأننا نعلم اجمالا بأننا نبتلي بقسم من الاحكام الشرعيّة فهذا العلم الاجمالي يمنع من جريان الاستصحابات النافية للإبتلاء بالاحكام الشرعيّة لاستيجاب جريان هذه الاستصحابات جميعها المخالفة العملية الممنوعة عقلا و جريان بعضها دون بعض ترجيح بلا مرجح فتتعارض الأصول و تتساقط.

اقول هذا الاعتراض مدفوع صغرى و كبرى.

اما صغرى فبعدم العلم بالابتلاء لاحتمال الموت إلّا ان يدعى ان الشارع جعل الظن بعدم الموت حجه.

و اما كبرى فلانحلال العلم الاجمالي و ذلك لأن المكلف عادة يعلم بأن الابتلاء يكون في هذا القسم و يكون الباقي محل شك بدوي.

هذا مضافا الى ان بعض اطراف هذا العلم الاجمالي غير منجز كما لو علم بالابتلاء بتكاليف يمكن فيها الاحتياط.

الاعتراض الثاني: ان ادلة وجوب التعلم لو تقدم عليها هذا الاستصحاب لوجب حملها على الفرد النادر اذ يندر مورد يعلم فيه بالابتلاء.

و فيه انه يمكن حملها على موارد العلم بالابتلاء و هي كثيرة كالمستطيع يعلم انه مبتلي و كل من سمع بشهر رمضان و الصلاة و الزكاة و غير ذلك يعلم انه مبتلي.

فالحق في الجواب ان يقال ان الاستصحاب في المقام لا ينفع لأن وجوب التعلم كان لحكم عقلي موضوعه مجرد الاحتمال و سوف يأتي في محله استحالة الحكومة على حكم العقل.

و قد زعم بعض الاعلام ان المقام ليس حكومة بل تخصص و هو خطأ فاحش و لعله سهو من المقرر و الله تعالى هو العالم و كيف كان فتوضيح البحث يتوقف على مباحث الأصول العملية فاكتفينا بالإشارات لعدم امكان التوضيح.

280

الناحية الثالثة في وقت التعلم فنقول يوجد صور ثلاث.

الأولى: ان يعلم انه يمكن التعلم او الاحتياط او الاقتداء بالغير عند الابتلاء المحتمل او المعلوم بالحكم.

الثانية: ان يعلم بالعدم.

الثالثة: ان يشك بذلك.

اما الأولى و الثانية: فحكمهما واضح أي لا يجب لا مقدميا لعدم وجوب ذي المقدمة و لا طريقيا لأن المفروض تحقق الامن من العقاب.

و اما الثالثة: فالظاهر كذلك لزوم التعلم لأنه لو ابتلي بالحكم كان منجزا فلو خالف استحق العقاب.

فتحصل من النواحي الثلاث ان التعلم واجب و لا يرتفع وجوبه إلّا بأحد ثلاث.

التعلم فعلا.

العلم بالقدرة على الامتثال (بالتعلم او الاحتياط او الاقتداء) عند تحقق الابتلاء.

العلم بعدم الابتلاء.

فظهر ضعف ما ذهب اليه المشهور من التفصيل. و بهذا ننهي البحث.

281

9- المقدمة العبادية

ثبت بالدليل أن بعض المقدمات الشرعية لا تقع مقدمة إلا إذا وقعت على وجه عبادي، و ثبت أيضا ترتب الثواب عليها بخصوصها.

و مثالها منحصر في الطهارات الثلاث: الوضوء و الغسل و التيمم.

و قد سبق في الأمر الثاني الإشكال فيها من جهتين: من جهة أن الواجب الغيري لا يكون إلا توصليا، فكيف يجوز أن تقع المقدمة بما

____________

قوله (ره) (و قد سبق في الأمر الثاني الاشكال فيها ...).

اقول: هنا نقاط ذكرها المصنف.

الأولى: ان عباديّة هذه المقدمات امر مفروغ عنه مقطوع الوقوع لا مجال لرفع اليد عنه.

النقطة الثانية: ان الاشكال هنا من جهتين:

الأولى: كيف كان للمقدمات ثواب مع انه قد بينا ان الأمر الغيري لا يقتضي ثوابا و لا عقابا.

الثانية: كيف تكون المقدمات عباديّة مع ان الأمر الغيري لا يقتضي العبادية.

اما الاشكال من الجهة الأولى فقد يتوهم اندفاعه بما ذكرناه سابقا من ان فاعل المقدمات يستحق الثواب كما ذهب اليه السيد الخوئي.

و لكنه توهم فاسد لأنك عرفت ان الثواب في ذلك المبحث كان لأجل الشروع في امتثال ذي المقدمة و من الواضح ان هذا المعنى لا يحل المشكلة هنا لأن المستفاد من الروايات ان هذه المقدمات لها ثواب لا بما هي امتثال لذي المقدمة بل بما هي هي فهذا الاشكال لا يندفع إلّا بفرض توجه امر نفسي الى الطهارات الثلاث.

اما الجهة الثانية فهي الواقعة في محل البحث.

النقطة الثالثة: في تقرير النزاع و الأولى ان نقسم البحث الى قسمين على خلاف ما فعله المحققون.

282

هي مقدمة عبادة، و من جهة ثانية أن الواجب الغيري بما هو واجب غيري لا استحقاق للثواب عليه.

____________

القسم الأول: في عباديّة ماهيّة الطهارات الثلاث في عالم الجعل.

القسم الثاني: في عباديّة الامتثال أي مصداق الطهارات في الخارج.

و تقرير الاشكال في القسم الأول يتوقف على مقدمتين.

الأولى: ان وصف العباديّة على الماهيّة يحتمل احتمالين.

الأول: ان يكون وصفا ذاتيا حتى يكون بعض الماهيات ذاتها ذات عباديّة و بعض الماهيات ذاتها ذات غير عباديّة و هذا ما ذهب اليه بعض الاعلام.

الثاني: ان يكون وصف العباديّة وصفا عرضيا بمعنى انه عارض على الماهيّة و ليس من ذاتياتها.

فعلى الاحتمال الأول لا تحتاج عباديّة الماهيّة الى أي عارض فلا يكون اشكال اصلا ..

و على الثاني: يحتاج العباديّة الى عروض عارض و هو الأمر العبادي اذ لا شي‏ء من العوارض يستوجب عبادية الماهيّة سوى الأمر العبادي.

و الاشكال يقع على هذا الاحتمال الثاني كما سوف يأتي و لا يخفى ان الصحيح هو هذا الاحتمال الثاني لا الأول.

المقدمة الثانية: انك عرفت اكثر من مرة ان الوجوب المقدمي متأخر عن علاقة المقدمية التي هي علاقة توقف ذي المقدمة على المقدمة.

و بعبارة اوضح ان المولى يشتاق الى ذي المقدمة كالصلاة مثلا فيرى ان هذه الصلاة متوقفة على (الوضوء) فبسبب هذه الرؤية يترشح الشوق الى الوضوء ثم يوجبه بالوجوب المقدمي اذن الوجوب المقدمي متأخر عن علاقة المقدمية و بالتالي يكون طرفي هذه العلاقة (ذو المقدمة) (و المقدمة) متقررين قبل عروض الوجوب على المقدمة.

اذا عرفت هاتين المقدمتين و عرفت ان مقدمة الصلاة هو الوضوء العبادة فحينئذ نقول ان عباديّة الوضوء ان كانت من الأمر الغيري لزم الدور

283

و في الحقيقة إن هذا الإشكال ليس إلا إشكالا على أصولنا التي أصلناها للواجب الغيري، فنقع في حيرة في التوفيق بين ما فهمناه عن الواجب الغيري و بين عبادية هذه المقدمات الثابتة عباديتها، و إلا فكون‏

____________

توضيحه.

ان تعلق الأمر الغيري بالوضوء يتوقف على كون الوضوء عبادة و هذا مأخوذ من المقدمة الثانية حيث بينا ان المقدمة متقررة قبل عروض الوجوب الغيري عليها و المفروض ان المقدمة هو الوضوء العبادة لا ذات الوضوء.

و كون الوضوء عبادة يتوقف على تعلق الأمر الغيري بالوضوء و هذا مأخوذ من المفروض من ان الأمر المقتضي لعبادية الوضوء هو الأمر الغيري فحصل الدور الصريح.

و من هنا فلا بد من رفع اليد عن احدى هاتين القضيتين و لا يمكن رفع اليد عن الأولى لوضوح بداهتها فتعين رفع اليد عن الثانية.

و هذا الاشكال بهذا التقرير مستفاد من كلمات العلامة الشيخ الانصاري (ره) و ذكره المصنف (ره) و غيره.

ثم انه يمكن الاستدلال على لزوم رفع اليد عن المقدمة الثانية بلا حاجة الى الدور و ذلك استنادا الى ما تقدم من ان الأمر الغيري توصلي لا يقتضي عباديّة شي‏ء فلو لم تكن المقدمة عباديّة لم يمكن ان يكون الأمر الغيري مقتضيا لعباديتها اذ اما ان يفرض ان المقدمة ذات الوضوء او الوضوء العبادة.

فعلى الثاني كانت العباديّة قبل الأمر الغيري لا منه.

و على الأول فالأمر الغيري يتعلق بذات الوضوء فلو تعلق الأمر بالعبادة لوجب ان لا يكون الأمر غيريا لأن الأمر الغيري هو الذي يأتي من قناة رؤيه المولى توقف ذي المقدمة على المقدمة و المفروض ان المولى لا يرى توقف الصلاة على الوضوء العبادة فيستحيل ترشح الوجوب الغيري على الوضوء العبادة فكل امر تعلق بالوضوء العبادة كان نفسيا.

و الحاصل اننا نكرر ان الأمر الغيري يستحيل ان يقتضي أي تغيير في‏

284

هذه المقدمات عبادية يستحق الثواب عليها أمر مفروغ عنه لا يمكن رفع اليد عنه.

____________

المقدمة سوى ان ينقلها من الجواز او غيره الى الوجوب و اي تغيير آخر محال لأنه يقتضي الشوق الى ما لا يراه المولى متوقفا عليه و هذا لا يمكن إلّا بملاك نفسي.

اذن ليس الأمر الغيري هو المقتضي لعباديّة ماهيّة الطهارات فما هو المقتضي لذلك هذا كله في تقرير الاشكال في القسم الأول.

و اما تقرير الاشكال في القسم الثاني فلم يتعرض له الاعلام و يمكن ان يقرر بتقرير حاصله ان عباديّة الامتثال تتوقف على قصد امتثال الأمر النفسي و لا يكفي قصد امتثال الأمر الغيري.

و لا يجوز قصد امتثال الأمر النفسي لأنه مطالب بإيقاع المقدمة بما هي مقدمة فلا بد ان يقصد امتثال الأمر الغيري فهذا التقرير يعتمد على ثلاث مقدمات:

الأولى: ان عبادية الامتثال تتوقف على قصد امتثال الأمر.

الثانية: ان الأمر الممتثل يجب ان يكون نفسيا.

الثالثة: ان المقدمة لا تكون مقدمة إلّا اذا قصد امتثال الأمر الغيري.

النقطة الرابعة: ان الاعلام في المقام و ان ذكروا الاشكال الوارد على القسم الأول من البحث (اي على عبادية الماهية) إلّا أنّك اذا راجعت كلامهم تجد نقاشهم في القسم الثاني من البحث و لذا في كلامهم خلط بين المبحثين.

اذا عرفت هذه النقاط نقول.

اما في القسم الأول من البحث فالاشكال واضح الاندفاع اذ نلتزم ان هذه الماهيات صارت عبادة بسبب تعلق الأمر النفسي بها أي اننا نفرض وجود امر نفسي استحبابي تعلق بالطهارات الثلاث فصارت عبادية ثم رأى المولى ان الصلاة تتوقف على هذا الوضوء العبادة.

اذن نحن نسلم ان عباديّة ماهيّة الوضوء ليس من قبل الأمر الغيري بل‏

285

فإذن: لا بد لنا من توضيح ما أصلناه في الواجب الغيري بتوجيه عبادية المقدمة على وجه يلائم توصلية الأمر الغيري، و قد ذهبت الآراء اشتاتا في توجيه ذلك.

____________

من قبل الأمر النفسي ..

و هذا الجواب قد يعترض عليه باعتراض ذكره المحقق النائيني (ره) و هو ان الأمر النفسي انما ثبت في الوضوء و الغسل و لم يثبت في التيمم ..

و اجاب عليه تلميذه السيد ابو القاسم الخوئي بوجود دليل يدل على استحباب التيمم و هو دليل مركب من روايتين.

الأولى: مطلقات استحباب الطهارة.

الثانية: ما دل على ان التيمم طهارة مثل (التيمم احد الطهورين).

فينتج استحباب التيمم.

اقول يمكن ان ينازع في اطلاق المطلقات من جهة حملها على القدر المتيقن بناء على ما عرفت من ان القدر المتيقن يمنع من الاطلاق.

و لكن مع ذلك فاعتراض المحقق النائيني (ره) عقيم من اساسه و ذلك لأننا لا نحتاج الى دليل يدل على استحباب الطهارات بل حتى لو فقد هذا الدليل نحن نجزم بوجوده واقعا ضرورة ان عباديّة الطهارات متوقفة على الأمر الاستحبابي النفسي و المفروض ثبوت ان هذه الطهارات عباديّة فيجب وجود الأمر الاستحبابي النفسي المتعلق بها.

و بعبارة اوضح ان المفروض ثبوت عبادية الطهارات الثلاث و حينئذ فنفس هذا دليل اني على وجود الأمر الاستحبابي و ذلك لأن عباديّة الطهارات يستحيل ان يكون لها علة سوى الأمر النفسي (بناء على ما عرفت من ان الأمر الغيري لا يستوجب عباديّة الطهارات الثلاث). و اذا ثبت المعلول (عباديّة الطهارات). ثبت علته المنحصرة (الأمر الاستحبابي النفسي).

فانقدح ان الجواب المذكور سليم لا اعتراض عليه. و بهذا ينتهي الكلام في القسم الأول من البحث.

و اما القسم الثاني فنتعرض له بعد التعرض لعبارات المصنف (ره).

286

و نحن نقول على الاختصار: إنه من المتيقن الذي لا ينبغي أن يتطرق إليه الشك من أحد أن الصلاة- مثلا- ثبت من طريق الشرع توقف صحتها على إحدى الطهارات الثلاث، و لكن لا تتوقف على مجرد أفعالها كيفما اتفق وقوعها، بل إنما تتوقف على فعل الطهارة إذا وقع على الوجه العبادي أي إذا وقع متقربا به إلى اللّه تعالى. فالوضوء العبادي- مثلا- هو الشرط و هو المقدمة التي تتوقف صحة الصلاة عليها.

و عليه، لا بد أن يفرض الوضوء عبادة قبل فرض تعلق الأمر الغيري به، لأن الأمر الغيري- حسبما فرضناه- إنما يتعلق بالوضوء العبادي بما هو عبادة، لا بأصل الوضوء بما هو. فلم تنشأ عباديته من الأمر الغيري حتى يقال إن عباديته لا تلائم توصلية الأمر الغيري، بل عباديته لا بد أن تكون مفروضة التحقق قبل فرض تعلق الأمر الغيري.

و من هنا يصح استحقاق الثواب عليه لأنه عبادة في نفسه.

*** و لكن ينشأ من هذا البيان إشكال آخر، و هو أنه إذا كانت عبادية الطهارات غير ناشئة من الأمر الغيري، فما هو الأمر المصحح لعباديتها، و المعروف أنه لا يصح فرض العبادة عبادة إلا بتعلق أمر بها ليمكن قصد امتثاله، لأن قصد امتثال الأمر هو المقوم لعبادة العبادة عندهم. و ليس لها في الواقع إلا الأمر الغيري. فرجع الأمر بالأخير إلى الغيري لتصحيح عباديتها.

____________

قوله (ره) (و نحن نقول على الاختصار انه ...).

اقول: هذا شروع في تقرير الاشكال في القسم الأول.

قوله (ره) (و عليه لا بد ان يفرض الوضوء).

اقول: هذا اشارة الى المقدمة الثانية من مقدمتي تقرير الاشكال في القسم الأول.

287

على أنه يستحيل أن يكون الأمر الغيري هو المصحح لعباديتها، لتوقف عباديتها- حينئذ- على سبق الأمر الغيري، و المفروض أن الأمر الغيري متأخر عن فرض عباديتها لأنه إنما تعلق بها بما هي عبادة، فيلزم تقدم المتأخر و تأخر المتقدم، و هو خلف محال، أو دور على ما قيل.

و قد أجيب عن هذه الشبهة بوجوه كثيرة.

____________

قوله (ره) (على انه يستحيل ان يكون ...).

اقول: هذا اشارة الى دليل الدور الذي ذكرناه لاثبات ان عباديّة الطهارات لم تأت من قبل الأمر الغيري و قد عرفت وجود دليل آخر بلا حاجة الى الدور فراجع.

قوله (ره) (او دور على ما قيل ...).

اقول: كأن المصنف يشكك في تسمية ذلك (دورا) اصطلاحيا و هو على حق في هذا التشكيك لأن الدور هو ان يكون كل واحد من الطرفين متوقفا على الآخر بحيث يستحيل وجوده بدونه. و هذا غير موجود في المقام.

توضيح ذلك انك عرفت ان الدور كان استنادا الى قضيتين.

الأولى (ان تعلق الأمر الغيري بالوضوء متوقف على كون الوضوء عبادة).

الثانية (ان كون الوضوء عبادة يتوقف على تعلق الأمر الغيري بالوضوء).

فنقول ان المقدمة الثانية صحيحه لأن فرض الاشكال ان العباديّة لا علة لها سوى الأمر الغيري فيصدق التوقف الحقيقي بمعنى استحالة وجود العبادية بدون الأمر الغيري.

و أما المقدمة الأولى فليست صحيحة و إن كانت مفروضة توضيح ذلك أن الأمر الغيري لا يتوقف وجوده على عبادية الوضوء و ذلك لإمكان أن يكون الأمر الغيري متعلقا في الواقع بذات العبادة.

288

و أحسنها: فيما أرى ...

____________

اذن الأمر الغيري يمكن وجوده حتى لو كان الوضوء غير عبادة فلا يصدق استحالة وجود الأمر الغيري إلّا بعباديّة الوضوء.

نعم نحن فرضنا ان الأمر الغيري تعلق بالعبادة فهو متأخر عنها بحسب الفرض لا انه متوقف عليها بحسب الفرض و لهذا كان التسمية بالدور مسامحة و ان كانت التسمية بالخلف صحيحة لأن فرض توقف العباديّة على الأمر الغيري خلف تأخر الأمر الغيري عن العباديّة.

قوله (ره) (و أحسنها فيما ارى ...).

اقول: لا يخفى ان هذا الجواب الذي ذكره المصنف (ره) انما هو جواب عن البحث في القسم الثاني من البحث و قد نبهنا على وقوع الخلط في كلمات الاعلام في النقطة الرابعة فراجع و كيف كان فلندخل في جواب الاشكال في القسم الثاني فنقول قد عرفت عند تقرير الاشكال انه يبتني على ثلاث مقدمات فنقول:

اما الأولى فهي واضحة الفساد كما يعرف في غير مقام و هو ان العباديّة يكفي فيها الاسناد الى الله تعالى شأنه فكل فعل اتي به بسبب يرجع اليه عزّ و جل كان الفعل عبادة سواء قصد الأمر ام لا.

اما المقدمة الثانية فقد اجاب عليها المصنف بهذا الجواب المذكور في المتن. و حاصله عبارة عن ثلاث مقدمات.

الأولى: وجود امر استحبابي نفسي متعلق بنفس الطهارات الثلاث قبل اتصافها بأنها مقدمة.

الثانية: انه بعد عروض وصف المقدمية عليها توصف بالوجوب الغيري.

الثالثة: ان هذا الوجوب الغيري يجب ان يندك فيه الاستحباب لاستحالة اجتماع الحكمين المتضادين على الشي‏ء الواحد.

و معنى الاندكاك هو صيرورة الأمرين امرا واحد و لا تزول أي خصوصيّة من خصوصيات الأمرين اذ ليس الاندكاك هو طرح خصوصيات‏

289

الأمرين بل الاندكاك هو الجمع بين خصوصيات الأمرين اذا لم تكن هذه الخصوصيات متنافية.

و حينئذ يكون هذا الأمر الحاصل من اندكاك الأمرين هو (امر وجوبي عبادي) الوجوب جاء من الأمر الغيري و العبادية جاءت من الأمر النفسي الاستحبابي.

المقدمة الرابعة: ان قصد امتثال هذا الأمر كقصد امتثال أي امر عبادي آخر يقتضي عباديّة الامتثال اذ ليس السبب لعباديّة الامتثال سوى كون الامتثال قصد فيه امتثال امر عبادي و هذا امر عبادي و لو بالعرض فيقتضي العباديّة في الامتثال، اذ لا فرق بين الأمر العبادي بالذات و الأمر العبادي بالعرض بعد ما كان المناط كله في اصل عباديّة الأمر و هي موجودة في الأمر العبادي بالعرض كما هي موجودة في الأمر العبادي بالذات.

و ينتج من هذه المقدمات ان العبد لو أتى بالوضوء بقصد امتثال الأمر الغيري المندك في الاستحباب كان وضوؤه.

هذا تمام كلام المصنف (ره) في هذا الجواب و لكنه فاسد.

اما المقدمة الأولى فقد عرفت صحتها و عدم ورود اعتراض الميرزا النائيني عليها.

اما الثانية فهي مبنية على ان المقدمة واجبة وجوبا شرعيا و سوف يأتي النقاش فيها.

و اما الثالثة فيرد عليها امران.

الأول: لا نسلم باندكاك الاحكام بل الحق كما لعله نتعرض له في مقام آخر ان الاحكام غير قابله للاندكاك الا في صورة واحدة و هي ان يكون احد الحكمين على المطلق و الآخر على المقيد مثل استحباب اكرام العالم و وجوب اكرام العالم العادل و في غير ذلك لا اندكاك و تحرير ذلك في محله.

الثاني: اننا على فرض التسليم بالاندكاك في المقام فمعنى الاندكاك هو

290

جمع الصفات غير المتباينة و عليه يصبح الأمر الواحد هو (الأمر الذي له ملاكان اولهما يوصله الى درجه الاستحباب الذاتي و الثاني يوصله الى درجه الوجوب الغيري) و حينئذ فالأمر له مرتبتان:

الأولى: توصله الى درجه الاستحباب و هذه المرتبة بملاك الأمر الاستحبابي.

الثانية: ترفعه من درجه الاستحباب الى درجه الوجوب و هذه المرتبة بملاك المقدمية.

و عليه فلا يصح ان يقال ان الأمر الواحد هو (وجوبي عبادي) على نحو الاطلاق.

و اما المقدمة الرابعة فقد عرفت فسادها و ذلك أنك عرفت في الايراد الثاني المتقدم ذكره ان الأمر الحاصل من اندكاك الأمرين له درجتان. و حينئذ فالمكلف له ثلاث احوال:

الأول: ان يقصد امتثال الدرجة الاستحبابية من الأمر.

الثاني: ان يقصد امتثال الدرجة الوجوبيّة من الأمر.

الثالث: ان يقصد امتثال الأمر بكافة درجاته.

اما الحالة الأولى فيكون المكلف ممتثلا لأمر عبادي محض و لا يكون قد امتثل المقدمة فما زال الاشكال على حاله.

و اما الحالة الثانية فيكون المكلف ممتثلا لأمر غيري محض فلا يكون امتثاله عبادة فما زال الاشكال على حاله.

و اما الحالة الثالثة فإنها و ان كانت تستلزم ان يكون وضوؤه عبادة و في نفس الوقت يكون ممتثلا للمقدمة فيندفع الاشكال في هذا القسم من البحث إلّا ان هذه الحالة يرد عليها ايرادان.

الأول ان لازم هذا الجواب ان لا يصح عباديّة الوضوء الا بهذا القصد فلو كان غافلا عن الاستحباب او كان جاهلا لاستحباب الوضوء جهلا بسيطا او مركبا ففي كل ذلك يكون وضوؤه غير عبادة حيث لم يقصد امتثال الدرجة الاستحبابية.

291

بناء على ثبوت الأمر الغيري أي وجوب مقدمة الواجب و بناء على أن‏

____________

الايراد الثاني ان هذا الجواب يكون حينئذ لا حاجة اليه اذ لا حاجة الى تصوير اندكاك الوجوب الغيري و الاستحباب النفسي و ذلك لإمكان تصحيح الجواب حتى بدون الاندكاك و ذلك بأن نفرض وجود الأمرين و ان المكلف قصد امتثالهما فيكون وضوؤه عبادة لقصده امتثال الأمر العبادي و يكون امتثالا للأمر الغيري بقصده التوصل الى ذي المقدمة.

فإن قلت يستحيل قصد امتثال الأمرين.

قلت ليس مستحيلا لأن قصد الامتثال هو عبارة عن الداعوية و يمكن اشتراك داعيين في التحريك.

هذا مع انه لا فرق بين قصد أمرين و قصد درجتين من امر واحد فإذا كان الأول محال فالثاني محال فما فضل موسى على ربه. و بهذا ينتهي الكلام في هذا الجواب و نتعرض لعبارات المصنف (ره).

قوله (ره) (بناء على ثبوت الأمر الغيري ...).

اقول: قد بنى جوابه على مبنيين.

الأول: وجود الوجوب الشرعي المتعلق بالمقدمة.

الثاني: ان عبادية العبادة لا تكون إلّا بقصد امتثال الأمر.

و هذان المبنيان و ان كانا ضروريين لهذا الجواب إلّا ان وجه ضروريه كل منهما يختلف عن الآخر.

فوجه ضروريه البناء الأول: عدم تحقق الجواب بدونه اذ الجواب مبنى على وجود الوجوب الغيري ليندك به الاستحباب العبادي النفسي.

و وجه ضروريه البناء الثاني هو عدم الحاجة الى الجواب بدونه اذ لو كان عبادية العبادة تتحقق بمجرد القربة المطلقة لم نكن بحاجة في تصوير عباديّة الطهارات الثلاث اصلا اذ كانت العباديّة بلا حاجة الى امر.

فإن قلت نحن لسنا بحاجة الى هذا الجواب حتى لو بنينا على المبنى الثاني اذ نقول ان عباديّة الطهارات الثلاث تأتي من قبل قصد امتثال الأمر النفسي الاستحبابي.

292

عبادية العبادة لا تكون إلا بقصد الأمر المتعلق بها- هو أن المصحح لعبادية الطهارات هو الأمر النفسي الاستحبابي لها في حد ذاتها السابق على الأمر الغيري بها. و هذا الاستحباب باق حتى بعد فرض الأمر الغيري، و لكن لا بحد الاستحباب الذي هو جواز الترك إذ المفروض أنه قد وجب فعلها فلا يجوز تركها، و ليس الاستحباب إلا مرتبة ضعيفة بالنسبة إلى الوجوب، فلو طرأ عليه الوجوب لا ينعدم، بل يشتد وجوده؛ فيكون الوجوب استمرارا له كاشتداد السواد و البياض من مرتبة

____________

قلت ان قصد امتثال الأمر النفسي الاستحبابي و ان كان يستوجب عباديّة الطهارات الثلاثة إلّا ان المشكلة تكمن في موضعين.

الأول: ان الاجماع قائم على عدم وجوب قصد امتثال الأمر النفسي الاستحبابي فلا بد من جواب يوضح لنا عبادية الطهارات حتى في حال عدم قصد امتثال الأمر النفسي الاستحبابي.

الموضع الثاني: ان المقدمة الثالثة التي مر ذكرها تحتم قصد التوصل الى ذي المقدمة و إلّا لا تكون المقدمة مقدمة فالمتوضي لا بد ان يمتثل المقدمية و ذلك عن طريق قصد التوصل.

قوله (ره) (بل يشتد وجوده فيكون الوجوب استمرارا له ...).

اقول: في العلاقة بين الوجوب و الاستحباب و الكراهة و الحمرة قولان:

الأول: انهما وجودان متباينان متضادان كالسواد و البياض اذا وجد وحدهما ارتفع الآخر.

الثاني: انهما مرتبتان لوجود واحد فالطلب في اوائله قبل ان يشتد استحباب و بعد ان يشتد وجوب، و الكراهة في اوائلها قبل ان تشتد كراهة و بعد ذلك حرمه.

و القول الثاني يعتمد على ان الوجوب و الاستحباب كل منهما صفة في النفس.

و القول الأول يعتمد على ان الوجوب و الاستحباب كل منهما اعتبار مستقل.

293

ضعيفة إلى مرتبة أقوى، و هو موجود واحد مستمر. و إذا كان الأمر كذلك فالأمر الغيري حينئذ يدعو إلى ما هو عبادة في نفسه فليست عباديتها متأتية من الأمر الغيري حتى يلزم الأشكال.

و لكن هذا الجواب- على حسنه- غير كاف بهذا المقدار من البيان لدفع الشبهة. و سر ذلك أنه لو كان المصحح لعباديتها هو الأمر الاستحبابي النفسي بالخصوص لكان يلزم ألا تصح هذه المقدمات إلا إذا جاء بها المكلف بقصد امتثال الأمر الاستحبابي فقط، مع أنه لا يفتي بذلك أحد، و لا شك في أنها تقع صحيحة لو أتى بها يقصد امتثال أمرها الغيري، بل بعضهم اعتبر قصده في صحتها بعد دخول وقت الواجب المشروط بها.

فنقول اكمالا للجواب: إنه ليس مقصود المجيب من كون استحبابها النفسي مصححا لعباديتها أن المأمور به بالأمر الغيري هو الطهارة المأتي بها بداعي امتثال الأمر الاستحبابي. كيف و هذا المجيب قد فرض عدم بقاء الاستحباب بحده بعد ورود الأمر الغيري، فكيف يفرض أن المأمور به هو المأتي به بداعي امتثال الأمر الاستحبابي.

بل مقصود المجيب أن الأمر الغيري لما كان متعلقه هو الطهارة

____________

و من هنا فإن بنينا على ما هو المشتهر من وجود لوح الشريعة و ان الاحكام الشرعيّة هي المعتبرة و المضروبة في هذا اللوح فلا بد من التزام القول الأول.

و اما ان التزمنا على ما ليس ببعيد من ان الاحكام الشرعيّة ليست سوى ارادة المولى عزّ شأنه فعلى هذا لا بد من الالتزام بالقول الثاني فإن ارادة الوجوب ليست سوى اشتداد للإرادة الاستحبابية.

قوله (ره) (بل مقصود المجيب ان الأمر الغيري لما كان ...).

اقول: و كأن المصنف (ره) يشير من طرف خفي الى ما ذكرناه من لزوم تقسيم البحث الى بحثين الأول في عباديّة الماهيّة و الثاني في عباديّة الامتثال‏

294

بما هي عبادة، و لا يمكن أن تكون عباديتها ناشئة من نفس الأمر الغيري بما هو أمر غيري- فلا بد من فرض عباديتها لا من جهة الأمر الغيري و بفرض سابق عليه، و ليس هو إلا الأمر الاستحبابي النفسي المتعلق بها، و هذا يصحح عباديتها قبل فرض تعلق الأمر الغيري بها، و إن كان حين توجه الأمر الغيري لا يبقى ذلك الاستحباب بحده و هو جواز الترك، و لكن لا تذهب بذلك عباديتها، لأن المناط في عباديتها ليس جواز الترك كما هو واضح، بل المناط مطلوبيتها الذاتية و رجحانها النفسي، و هي باقية بعد تعلق الأمر الغيري.

و إذا صح تعلق الأمر الغيري بها بما هي عبادة و اندكاك الاستحباب فيه، بمعنى أن الأمر الغيري يكون استمرارا لتلك المطلوبية- فإنه حينئذ لا يبقى إلا الأمر الغيري صالحا للدعوة إليها، و يكون هذا الأمر الغيري نفسه أمرا عباديا غاية الأمر أن عباديته لم تجي‏ء من أجل نفس كونه أمرا غيريا، بل من أجل كونه امتدادا لتلك المطلوبية النفسية و ذلك الرجحان الذاتي الذي حصل من ناحية الأمر الاستحبابي النفسي السابق.

و عليه، فينقلب الأمر الغيري عباديا، و لكنها عبادية بالعرض لا بالذات حتى يقال أن الأمر الغيري توصلي لا يصلح للعبادية.

____________

فمقصود المجيب ان عباديّة الماهيّة جاءت من قبل تعلق الأمر الاستحبابي بالوضوء و عباديّة الامتثال تأتي من قبل امتثال الأمر الغيري الذي اندك فيه الأمر الاستحبابي.

قوله (ره) (حتى يقال ان الأمر الغيري توصلي ...).

اقول: ان الأمر الغيري لا يصلح للعباديّة و هذه العبارة يمكن ان تفسر بتفسيرين.

الأول: ان الأمر الغيري يقتضي عدم العباديّة حتى يكون بينه و بين العبادية منافاة كما بين السواد و البياض منافات و كما بين السهم المنطلق و السهم الراجع الى الخلف منافات.

295

من هنا لا يصح الإتيان بالطهارة بقصد الاستحباب بعد دخول الوقت للواجب المشروط بها، لأن الاستحباب بحده قد اندك في الأمر الغيري فلم يعد موجودا حتى يصح قصده.

نعم يبقى أن يقال: أن الأمر الغيري إنما يدعو إلى الطهارة الواقعة على وجه العبادة، لأنه حسب الفرض متعلقة هو الطهارة بصفة العبادة

____________

التفسير الثاني: ان الأمر الغيري لا يقتضي العباديّة (لا انه يقتضي عدمها كما في التفسير الأول و فرق بين اقتضاء العدم و عدم الاقتضاء).

فالأمر الغيري هو بنفسه لا يقتضي العباديّة و لكنه في عين الوقت لا يطردها و لا ينفيها فلو وجد ما يقتضيها من غير ذات الأمر الغيري لاجتمع الأمر الغيري مع العباديّة.

فيكون النسبة بين الأمر الغيري و العباديّة كالنسبة بين الخشب و اللون الابيض فإن الخشب لا يقتضي بنفسه اللون الابيض لكنه بنفسه ايضا لا يقتضي عدم اللون الابيض فلو وجد مقتضي للون الابيض من خارج ذات الخشب اجتمع الخشب و اللون الابيض.

و لا يخفى عليك ان المراد من العبارة هو التفسير الثاني فعند ما نقول الأمر الغيري لا يقتضي ثوابا و لا عقابا و لا عباديّة نريد انه لا يقتضي بالتفسير الثاني فلا مانع من وجود العباديّة بمقتضى آخر كما في المقام.

قوله (ره) (نعم يبقى ان يقال ان الأمر الغيري ...).

اقول: حاصل الاعتراض انه لا يجوز عند إتيان الوضوء قصد امتثال الأمر الغيري.

و سبب عدم الجواز هذا هو ان الأمر الغيري لم يتعلق بالوضوء الذي اتى به المكلف. توضيح ذلك بمقدمات ثلاث.

الأولى: ان كل عبادة تنقسم الى قسمين:

الأول: ذات العبادة.

الثاني: العبادة بما هي موصوفة بأنها عبادة كالوضوء مثلا فإنه ينقسم الى قسمين الأول ذات الوضوء أي نفس الحركات. الثاني الوضوء بما هو

296

لا ذات الطهارة، و الأمر لا يدعو إلا إلى ما تعلق به، فكيف صح أن يؤتى بذات العبادة بداعي امتثال أمرها الغيري و لا أمر غيري بذات العبادة؟.

و لكن ندفع هذا الإشكال بأن نقول: إذا كان الوضوء- مثلا- مستحبا نفسيا فهو قابل لأن يتقرب به من المولى، و فعلية التقرب تتحقق بقصد الأمر الغيري المندك فيه الأمر الاستحبابي. و بعبارة أخرى: قد فرضنا الطهارات عبادات نفسية في مرتبة سابقة على الأمر

____________

موصوف انه عبادة أي الحركات التي اتي بها بقصد امتثال الأمر العبادي.

المقدمة الثانية: ان المتوضي مثلا انما يأتي بذات الوضوء قاصدا امتثال الأمر الغيري فما اتى به هو ذات الوضوء مصحوبا بالقصد.

المقدمة: الثالثة و قد عرفتها آنفا و هي ان الأمر الغيري لم يتعلق بذات الطهارات الثلاث بل تعلق بالوضوء العبادة اذ عرفت ان عبادية المقدمة كانت قبل تعلق الأمر الغيري بها.

و ينتج من هذه المقدمات الثلاث ان ما يأتي به المتوضي و هو ذات الوضوء لا يمكن ان يقصد به امتثال الأمر الغيري لأنه لم يتعلق بذات الوضوء.

و الحاصل ان عبادية الامتثال لا يمكن ان تكون عن طريق قصد امتثال الأمر الغيري لأن الأمر الغيري لم يتعلق بذات الوضوء.

قوله (ره) (و لكن ندفع هذا الاشكال بأن نقول اذا ...).

اقول: حاصل هذا الجواب ان المفروض ان ماهيّة الوضوء ماهيّة عباديّة و أما عباديّة الامتثال فتكون من قبل الاتيان بذات العبادة بقصد امتثال امر عبادي مهما كان و هذا الأمر هو الأمر الغيري الذي اندك فيه الاستحباب.

اقول لا يخفى ضعف الجواب توضيح ذلك ان الاشكال المتقدم له جهتان.

الأولى: امتناع عباديّة الامتثال عن طريق قصد امتثال الأمر الغيري.

297

الغيري المتعلق بها و الأمر الغيري إنما يدعو إلى ذلك، فإذا جاء المكلف بها بداعي الأمر الغيري المندك فيه الاستحباب و المفروض ليس هناك أمر موجود غيره- صح التقرب به و وقعت عبادة لا محالة، فيتحقق ما هو شرط الواجب و مقدمته.

*** هذا كله بناء على ثبوت الأمر الغيري بالمقدمة و بناء على أن المناط عبادية العبادة هو قصد الأمر المتعلق بها.

و كلا المبنيين نحن لا نقول بهما.

أما الأول: فسيأتي في البحث الآتي الدليل على عدم وجوب مقدمة الواجب فلا أمر غيري أصلا.

و أما الثاني: فلأن الحق أنه يكفي في عبادية الفعل ارتباطه بالمولى و الإتيان به متقربا إليه تعالى. غاية الأمر أن العبادات قد ثبت أنها توقيفية فما

____________

الجهة الثانية: امتناع اندكاك الأمر الاستحبابي النفسي بالأمر الغيري و ذلك لأنه يشترط في الاندكاك بين أي حكمين ان يكون متعلقهما واحدا فلو تعلق الوجوب بذات الوضوء و الاستحباب بذات الوضوء يحصل اندكاك الوجوب بالاستحباب و هكذا كلما كان متعلق الأمرين واحدا كان الاندكاك واجبا.

و اما اذا كان متعلقهما مختلفا كما لو تعلق الوجوب بأكل اللحم و الاستحباب بأكل الخبز كان الاندكاك محالا.

و من هذا القبيل تعلق الأمر الغيري بالوضوء العبادة و تعلق الاستحباب بذات الوضوء فمتعلقهما مختلفان و بالتالي يستحيل اندكاك الأمر الغيري بالاستحبابي.

و من الواضح ان جواب المصنف (ره) لو تم انما يتم في الجهة الأولى من الاشكال دون الجهة الثانية.

هذا مضافا الى انه لا يتم حتى في الجهة الأولى لأن تماميته في الجهة

298

لم يثبت رضا المولى بالفعل و حسن الانقياد و قصد وجه اللّه بالفعل لا يصح الإتيان بالفعل عبادة بل يكون تشريعا محرما. و لا يتوقف ذلك على تعلق أمر المولى بنفس الفعل على أن يكون أمرا فعليا من المولى و لذا قيل: يكفي في عبادية العبادة حسنها الذاتي و محبوبيتها الذاتية للمولى حتى لو كان هناك مانع من توجه الأمر الفعلي بها.

و إذا ثبت ذلك فنقول في تصحيح عبادية الطهارات: إن فعل المقدمة بنفسه يعد شروعا في امتثال ذي المقدمة الذي هو حسب الفرض في المقام عبادة في نفسه مأمور بها.

فيكون الإتيان بالمقدمة بنفسه يعد امتثالا للأمر النفسي بذي المقدمة العبادي و يكفي في عبادة الفعل كما قلنا ارتباطه بالمولى و الإتيان به متقربا إليه تعالى مع عدم ما يمنع من التعبد به. و لا شك في أن قصد الشروع بامتثال الأمر النفسي بفعل مقدماته قاصدا بها التوصل إلى الواجب النفسي العبادي يعد طاعة و انقيادا للمولى.

و بهذا تصحح عبادية المقدمة و إن لم نقل بوجوبها الغيري و لا حاجة إلى فرض طاعة الأمر الغيري.

____________

الأولى متوقفة على تماميته في الجهة الثانية أي على اثبات اندكاك الغيري بالاستحبابي كي يقصد الآتي بذات الوضوء امتثال الأمر المندك.

اذا عرفت ذلك فنقول ان هذا الاشكال يمكن ان يندفع بطريقه اخرى و هي مبنية على ان قصد امتثال الأمر شرط من الماهيّة يتعلق به الأمر بلا حاجة الى امر جديد و هذا مبحث قد تقدم في التعبدي و التوصلي و ذهب المصنف (ره) هناك الى ان قصد امتثال الأمر يستحيل ان يتعلق به الأمر المتعلق بذات العبادة بل لا بد له من امر جديد.

و الحاصل ان هذه الطريقة تبتني على خلاف مذهب المصنف (ره) (اي على ان الأمر يتعلق (بماهيّة من شروطها قصد امتثال الأمر) فعلى هذا المذهب يكون الأمر النفسي تعلق (بماهيّة من شروطها قصد امتثال الأمر) و الأمر الغيري ايضا تعلق بهذه الماهيّة بدون زيادة و لا نقيصة.

299

و من هنا يصح أن تقع كل مقدمة عبادة و يستحق عليها الثواب بهذا الاعتبار و إن لم تكن في نفسها معتبرا فيها أن تقع على وجه العبادة، كتطهير الثوب- مثلا- مقدمة للصلاة، أو كالمشي حافيا مقدمة للحج أو الزيارة غاية الأمر أن الفرق بين المقدمات العباديّة و غيرها أن غير العبادية لا يلزم فيها أن تقع على وجه قربي بخلاف المقدمات المشروط فيها أن تقع عبادة كالطهارات الثلاث.

و يؤيد ذلك ما ورد من الثواب على بعض المقدمات، و لا حاجة إلى التأويل الذي ذكرناه سابقا في الأمر الثالث من أن الثواب على ذي المقدمة يوزع على المقدمات باعتبار دخالتها في زيادة حمازة الواجب، فإن ذلك التأويل مبني على فرض ثبوت الأمر الغيري و إن عبادية المقدمة و استحقاق الثواب عليها لا ينشآن الأمر إلا من جهة الأمر الغيري، اتباعا للمشهور المعروف بين القوم.

____________

فالعباديّة في الماهيّة ليست سوى كون الماهيّة مشروطه بقصد امتثال الأمر و هذه الماهيّة بعينها هي التي تعلق بها الأمر النفسي فالأمر النفسي متعلق بالماهيّة العباديّة غايته ان الأمر النفسي طلب اخراج هذه الماهيّة العباديّة من العدم الى الوجود. و الأمر الغيري طلب آخر تعلق بهذه الماهيّة العباديّة بغرض اخراجها من العدم الى الوجود اذن هذه الماهيّة الواحدة العبادية تعلق بها امران.

الأول الأمر النفسي و الثاني الأمر الغيري فلم يتعلق الأمر الغيري الا بنفس ما تعلق به الأمر النفسي غايته ان الأمر النفسي كان قد تعلق بالماهيّة العبادية قبل تعلق الأمر الغيري بها و هذا لا اثر له.

فهذه الطريقة كما ترى مبنية على ان الماهيّة عباديّة بذاتها لا انها صارت عبادية بسبب الأمر النفسي.

و اما بناء على مذهب المصنف (ره) و المشهور من ان الماهيّة بما هي هي ليس عبادية بل ذات الماهيّة غير عباديّة ثم يتعلق بها الأمر ثم بعد ذلك يأتي امر جديد يشترط في الماهيّة قصد امتثال الأمر.

300

فإن قلت: أن الأمر لا يدعو إلا إلى ما تعلق به فلا يعقل أن يكون الأمر بذي المقدمة داعيا بنفسه إلى المقدمة إلا إذا قلنا بترشح أمر آخر منه بالمقدمة، فيكون هو الداعي. و ليس هذا الأمر الآخر المترشح إلا الأمر اللاغيري.

فرجع الإشكال جذعا.

قلت: نعم الأمر لا يدعو إلا إلى ما تعلق به، و لكنا لا ندعي أن الأمر بذي المقدمة هو الذي يدعو إلى المقدمة، بل نقول إن العقل هو الداعي إلى فعل المقدمة توصلا إلى فعل الواجب، و سيأتي أن هذا الحكم العقلي لا يستكشف منه ثبوت أمر غيري من المولى. و لا يلزم أن يكون هناك أمر بنفس المقدمة لتصحيح عباديتها و يكون داعيا إليها.

و الحاصل أن الداعي إلى فعل المقدمة هو حكم العقل، و المصحح لعباديتها شي‏ء آخر هو قصد التقرب بها، و يكفي في التقرب بها إلى اللّه أن يأتي بها بقصد التوصل إلى ما هو عبادة. لا أن الداعي إلى فعل المقدمة هو نفس المصحح لعباديتها، و لا أن المصحح لعبادية العبادة منحصر بقصد الأمر المتعلق بها، و قد سبق توضيح ذلك.

____________

فعلى هذا المذهب يكون اشكال استحالة الاندكاك محكم في غاية الاستحكام لأن متعلق الأمر النفسي هي الماهيّة المجردة عن قصد امتثال الأمر و متعلق الأمر الغيري هو الماهيّة المقترنة بقصد امتثال الأمر النفسي.

بل يلزم على هذا المذهب استحالة عبادية الامتثال إلّا بقصد امتثال الأمر النفسي. حيث ان هذا هو شرط الماهيّة التي تعلق بها الأمر الغيري. فانقدح لك ضعف الجواب المتقدم.

و الحاصل ان دعوى ان العباديّة (و هي اشتراط العبادة بقصد امتثال الأمر) لا تأتي الا من امر جديد يقتضي استحالة اندكاك الأمر الغيري بالأمر الاستحبابي.

و من هذا القبيل النذر المتعلق بصلاة الليل فإن النذر تعلق بالصلاة العباديّة أي المشروطة بقصد امتثال الأمر بينما الأمر الاستحبابي تعلق بذات‏

301

و عليه، فإن كانت المقدمة ذات الفعل كالتطهير من الخبث فالعقل لا يحكم إلا بإتيانها على أي وجه وقعت، و لكن لو أتى بها المكلف متقربا بها إلى اللّه توصلا إلى العبادة صح و وقعت على صفة العبادية و استحق عليها الثواب. و إن كانت المقدمة عملا عباديا كالطهارة من الحدث فالعقل يلزم بالإتيان بها كذلك، و المفروض أن المكلف متمكن من ذلك، سواء كان هناك أمر غيري أم لم يكن، و سواء كانت المقدمة في نفسها مستحبة أم لم تكن.

فلا إشكال من جميع الوجوه في عبادية الطهارات.

____________

صلاة الليل فبالتالي يستحيل اندكاك وجوب الوفاء بالنذر مع استحباب صلاة الليل.

فالعجب من بعض الفحول في المقام حيث ذهب الى الاندكاك مع ان مذهبه ان العباديّة بأمر جديد.

و كيف كان فالأولى ان يقال ان المقدمة الثانية من مقدمات الاشكال (أي اشكال عباديّة الطهارات) مقدمة فاسدة لعدم وجود دليل على ان عباديّة الامتثال متوقفة على قصد امتثال الأمر بل تكون عباديّة الامتثال بمجرد اسناد الفعل الى المولى و هذا الجواب هو الذي سوف يذكره المصنف (ره) و هو واضح.

و أما المقدمة الثالثة فجوابها واضح ايضا إذ لا يشترط في المقدمة ان يؤتى بها بقصد التوصل الى ذيها انما وجبت المقدّمة لأجل ذلك.

هذا مضافا الى ان المقدمة بذاتها موصلة الى ذي المقدمة و عليه فحتى لو لم يقصد التوصل فإن التوصل متحقق في الواقع فمن توضأ و لم ينو التوصل الى الصلاة فإنه سوف يتحقق الغرض من ايجاب المقدمة و هو التوصل الى الصلاة.

و بهذا ينتهي المبحث و كلمات المصنف (ره) الباقية اما واضحة و اما تكرار لما ذكره او ذكرناه فلا حاجة الى الإطالة.

302

النتيجة: مسألة مقدمة الواجب و الأقوال فيها

بعد تقديم تلك التمهيدات التسعة نرجع إلى أصل المسألة، و هو البحث عن وجوب مقدمة الواجب الذي قلنا أنه آخر ما يشغل بال الأصوليين.

و قد عرفت في مدخل المسألة موضع البحث فيها، ببيان تحرير النزاع. و هو- كما قلنا- الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، إذ قلنا أن العقل يحكم بوجوب مقدمة الواجب أي أنه يدرك لزومها- و لكن وقع البحث في أنه هل يحكم أيضا بأن المقدمة واجبة أيضا عند من أمر بما يتوقف عليها؟

لقد تكثرت الأقوال جدا في هذه المسألة على مرور الزمن نذكر أهمها، و نذكر ما هو الحق منها. و هي:

1- القول بوجوبها مطلقا.

2- القول بعدم وجوبها مطلقا «و هو الحق و سيأتي دليله».

3- التفصيل بين السبب فلا يجب، و بين غيره كالشرط و عدم المانع و المعد فيجب.

4- التفصيل بين السبب و غيره أيضا، و لكن بالعكس أي يجب السبب دون غيره.

____________

قوله (ره) (لقد تكثرت الأقوال جدا في هذه المسألة على مرور ...).

اقول: هذه المسألة قديمة جدا تكلم فيها المعتزلة و غيرهم و لذا تطورت و توسعت و تكثرت فيها الآراء.

قوله (ره) (التفصيل بين السبب فلا يجب و بين غيره ...).

اقول: بعد القاء نظره عاجلة على كتب القدماء لم اجد هذا القول و لعل هذا القول للمتأخرين و حجته ان السبب و هو العلة التامة الداخلة تحت الاختيار هو الذي يجب ان يكون مأمورا به لا المسبب و هو المعلول فإن‏

303

5- التفصيل بين الشرط الشرعي فلا يجب بالوجوب الغيري، باعتبار أنه واجب بالوجوب النفسي نظير جزء الواجب، و بين غيره فيجب بالوجوب الغيري. و هو القول المعروف عن شيخنا المحقق النائيني.

6- التفصيل بين الشرط الشرعي و غيره أيضا، و لكن بالعكس، أي يجب الشرط الشرعي بالوجوب المقدمي دون غيره.

7- التفصيل بين المقدمة الموصلة، أي التي يترتب عليها الواجب النفسي فتجب، و بين المقدمة غير الموصلة فلا تجب. و هو المذهب المعروف لصاحب الفصول.

8- التفصيل بين ما قصد به التوصل من المقدمات فيقع على صفة

____________

التكليف يتعلق بالفعل الاختياري و هو العلّة فعند الأمر بالقتل يكون المأمور به حقيقة هو السبب لا المسبب و من هنا كان السبب واجبا نفسيا لا واجبا مقدميا و هذا بخلاف غير السبب كالمعد و الشرط و عدم المانع فإنه لا يكون واجبا بالوجوب النفسي فيجب بالوجوب المقدمي.

قوله (ره) (التفصيل بين السبب و غيره ايضا ...).

اقول: و هذا قول قديم و حجته ان الأمر بالمسبب يستحيل ان يكون بدون الأمر بالسبب لأنه الفعل الاختياري.

قوله (ره) (التفصيل بين الشرط الشرعي ...).

أقول: هذا التفصيل حجته ان الشرط الشرعي يجب بالوجوب النفسي و قد مر مناقشه هذا القول.

قوله (ره) (التفصيل بين الشرط الشرعي و غيره ...).

أقول: حجته ان الشرعي يجب ان يكون مأمورا به و إلّا كان بالامكان اتيان الواجب بدونه فلو اتينا به كان صحيحا اذا كان الشرط الشرعي غير مأمور به و هذا اللازم باطل.

قوله (ره) (التفصيل بين المقدمة الموصلة أي التي ...).

أقول: المقدمة الموصلة هي المقدمة المقترنة خارجا بفعل ذي المقدمة

304

الوجوب و بين ما لم يقصد به ذلك فلا يقع واجبا. و هو القول المنسوب إلى الشيخ الأنصاري.

9- التفصيل المنسوب إلى صاحب المعالم الذي أشار إليه في مسألة الضد، و هو اشتراط وجوب المقدمة بإرادة ذيها. فلا تكون المقدمة واجبة على تقدير عدم إرادته.

10- التفصيل بين المقدمة الداخلية، أي الجزء، فلا تجب، و بين المقدمة الخارجية فتجب.

و هناك تفصيلات أخرى عند المتقدمين لا حاجة إلى ذكرها.

*** و قد قلنا إن الحق في المسألة- كما عليه جماعة من المحققين المتأخرين- القول الثاني و هو عدم وجوبها مطلقا.

____________

و سيأتي بيان وجهه.

قوله (ره) (التفصيل المنسوب الى صاحب المعالم ...).

اقول: الفرق بين تفصيل المعالم و تفصيل الشيخ ان قصد التوصل شرط وجوب المقدمة عند المعالم، و هو شرط واجب عند الشيخ فقصد التوصل بالنسبة الى المقدمة عند المعالم كالاستطاعة بالنسبة الى الحج و عند الشيخ (ره) كالوضوء بالنسبة الى الصلاة. و سيأتي التعرض لهذين التفصيلين.

قوله (ره) (التفصيل بين المقدمة الداخلية ...).

اقول: قد مر التعرض لهذا التفصيل.

قوله (ره) (و قد قلنا ان الحق في المسألة ...).

اقول: حاصله مركب من مقدمتين.

الأولى: ان الغرض من الأمر المولوي هو تحريك المكلف نحو الفعل.

فيستحيل بدون هذا الغرض اذ الأمر فعل و لا بد له من علة غائيه.

المقدمة الثانية: ان هذا الغرض متحقق بالأمر بذي المقدمة حيث ان التحريك نحو ذي المقدمة يقتضي التحريك نحو المقدمة.