المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه‏ - ج3

- محمود قانصوه المزيد...
510 /
305

و الدليل عليه واضح بعد ما قلناه ص 28 من أنه في موارد حكم العقل بلزوم شي‏ء على وجه يكون حكما داعيا للمكلف إلى فعل الشي‏ء

____________

و ينتج من هاتين المقدمتين ان الأمر بالمقدمة اما ان يكون بلا غرض او يكون بغرض التحريك.

و الأول محال لاستحالة المعلول بلا علة.

و الثاني: محال لأنه تحصيل حاصل.

فإن قلت يحتمل ان يكون الغرض غير التحريك.

قلت لا يوجد غرض غير التحريك سوى اللهو و اللعب و هذا مفروض العدم في مولانا عزّ و جل.

فإن قلت يحتمل ان الغرض تقويه التحريك نحو المقدمة فإن الأمر بذي المقدمة و ان كان محركا نحو المقدمة إلّا انه بالأمر بالمقدمة يزداد التحريك.

قلت ان الأمر بالمقدمة لما كان بملاك ذي المقدمة فلا يمكن ان يكون زيادة في التحريك و انما يكون زيادة في التحريك لو كان له ملاك مستقل و من الواضح ان البحث في الوجوب المقدمي الذي لا ملاك له سوى ملاك ذي المقدمة.

فإن قلت قد ثبت الأمر الغيري في بعض المقدمات فيلزم الأمر بجميعها اذ لا فرق بين مقدمة و اخرى فإن الملاك واحد.

قلت الأمر المولوي لم يثبت في أي مقدمة و انما وردت اوامر تحمل على الارشاد أي على الارشاد الى ان ذي المقدمة لا يمكن بدون المقدمة.

و هذا الحمل على الارشاد ليس خلافا للظاهر بل هو الموافق للظاهر فإن العرف اذا سمعوا (اذهب الى السوق و اشتر اللحم) يفهم ان الأمر بالذهاب الى السوق ارشاد و لذا لو امكنه شراء اللحم بدون الذهاب الى السوق لفعل و لم يكن ملوما عند العرف.

فإن قلت ان الوجدان شاهد على ان من اراد شيئا اراد المقدمات.

قلت نعم و لا سيما في مولانا الملتفت الى التوقف و لكن الكلام حينئذ

306

لا يبقى مجال للأمر المولوي فإن هذه المسألة من ذلك الباب من جهة العلة.

و ذلك لأنه إذا كان الأمر بذي المقدمة داعيا للمكلف إلى الإتيان بالمأمور به فإن دعوته هذه- لا محالة بحكم العقل- تحمله و تدعوه إلى الإتيان بكل ما يتوقف عليه المأمور به تحصيلا له.

و مع فرض وجود هذا الداعي في نفس المكلف لا تبقى حاجة إلى داع آخر من قبل المولى، مع علم المولى- حسب الفرض- بوجود هذا الداعي، لأن الأمر المولوي- سواء كان نفسيا أم غيريا- إنما يجعله المولى لغرض تحريك المكلف نحو فعل المأمور به، إذ يجعل الداعي في نفسه حيث لا داع.

بل يستحيل في هذا الغرض جعل الداعي الثاني من المولى، لأنه يكون من باب تحصيل الحاصل.

و بعبارة أخرى: أن الأمر بذي المقدمة لو لم يكن كافيا في دعوة المكلف إلى الإتيان بالمقدمة فأي أمر بالمقدمة لا ينفع و لا يكفي للدعوة إليها بما هي مقدمة. و مع كفاية الأمر بذي المقدمة لتحريكه إلى المقدمة و للدعوة إليها فأية حاجة تبقى إلى الأمر بها من قبل المولى، بل يكون عبثا و لغوا، بل يمتنع لأنه تحصيل للحاصل.

و عليه، فالأوامر الواردة في بعض المقدمات يجب حملها على الإرشاد و بيان شرطية متعلقها للواجب و توقفه عليها كسائر الأوامر

____________

يقع في الوجوب هل هو حكم اعتباري ام مجرد الارادة.

ثم على الثاني هل هو مطلق الإرادة ام الإرادة التي لها ملاك مستقل.

فعلى القول بأن الوجوب حكم اعتباري لم ينفع ما تقولون من ان إرادة ذي المقدمة تقتضي ارادة المقدمة فإن ذلك و ان كان صحيحا إلّا ان ارادة المقدمة شي‏ء و وجوبها شي‏ء آخر.

و كذا على القول بأن الوجوب هو الارادة بملاك مستقل.

اذن لا ينفع ما تقولون إلّا اذا كان الوجوب هو مطلق الإرادة.

307

الإرشادية في موارد حكم العقل و على هذا يحمل قوله (عليه السلام):

«إذا زالت الشمس فقد وجب الطهور و الصلاة».

و من هذا البيان نستحصل على النتيجة الآتية:

(إنه لا وجوب غيري أصلا، و ينحصر الوجوب المولوي بالواجب النفسي فقط. فلا موقع إذن لتقسيم الواجب إلى النفسي و الغيري.

فليحذف ذلك من سجل الأبحاث الأصولية).

____________

خاتمة: و نتعرض فيها للتفصيلات الثلاثة (تفصيل صاحب المعالم (ره) تفصيل الشيخ الانصاري (ره) تفصيل صاحب الفصول) و نذكرها تباعا على هذا الترتيب و قبل ذكرها نذكر مقدمة.

و هي ان القول بإطلاق وجوب مقدمة الواجب يواجه مشكلة و هي ان هذا الاطلاق يقتضي وجوب المقدمة في حالات لا يعقل (وجدانا) ان تكون واجبة و نذكر حالتين:

الأولى: ما لو توقف الواجب الاهم على مقدمة محرمة فإن هذه المقدمة المحرمة تنقلب الى واجبة بناء على اطلاق وجوب المقدمة و من ثم فيجوز ارتكاب هذه المقدمة حتى لو لم يكن المكلف قد اتى بها بقصد التوصل الى ذي المقدمة و هذا يأباه الوجدان.

مثلا لو وجب انقاذ الغريق و توقف انقاذه على الدخول في الارض المغصوبة كان الدخول في الارض المغصوبة واجبا حتى لا بقصد التوصل الى انقاذ الغريق فيجوز للمكلف ان يدخل الارض المغصوبة هذه لمجرد النزهة و لا انقذ غريقا و لا اكتسب محرما.

الثانية: ما لو توقف الواجب على مباح فيلزم صيرورته واجبا فكلما فعله المكلف و لو لم يكن بقصد التوصل الى ذي المقدمة يكون قد فعل واجبا.

فمثلا لو وجب هداية زيد و توقف ذلك على الذهاب الى المدينة فكلما ذهب الى المدينة يكون قد فعل واجبا.

و لعله لأجل هذا ذهب المفصلون الى هذه التفصيلات.

308

اذا عرفت هذه المقدمة فلنرجع الى التفصيلات.

التفصيل الأول: تفصيل صاحب المعالم و حاصله ان المقدمة لا تكون واجبة الا عند قصد التوصل الى ذيها فيكون قصد التوصل شرطا لوجوب المقدمة. فلو لم يقصد التوصل و فعل المقدمة لا يكون قد فعل واجبا و ان كان قد فعل المقدمة.

و حتى يكون هذا القول دافعا للإشكال المتقدم لا بد من فرض ان مراد صاحب المعالم هو قصد التوصل بهذه المقدمة توضيح ذلك انه قد يتوقف الواجب على الذهاب الى السوق و لا يعرف المكلف بذلك بل يتوهم ان الواجب لا يتوقف على الذهاب الى السوق و كان من قصد المكلف التوصل الى الواجب بغير الذهاب الى السوق فلو ذهب الى السوق بهذه الحالة لا يكون قد فعل واجبا و لا تكون المقدمة واجبة لأن شرط الوجوب ليس هو مطلق وجود قصد التوصل بل لا بد من قصد التوصل بالمقدمة بأن يقصد فعل هذه المقدمة للتوصل الى الواجب.

اذا عرفت ذلك. نقول قد اعترضوا على هذا التفصيل المنسوب الى المعالم باعتراض حاصله ان قصد التوصل اما ان يكون شرطا لوجوب ذي المقدمة أيضا أو لا.

فعلى الثاني يلزم ان يكون المقدمة مشروطه بشرط ليس من شروط ذي المقدمة و هذا محال لأن القاعدة تقول بأن وجوب المقدمة تابع لوجوب ذي المقدمة اطلاقا و اشتراطا فلا يمكن ان تكون المقدمة مشروطه بشرط لا يكون ذي المقدمة مشروطا به.

و على الأول يلزم ان يكون وجوب ذي المقدمة مشروطا بقصد التوصل الى ذي المقدمة و هذا معلوم العدم اذ لازم ذلك عدم وجوب الشي‏ء عند عدم ارادته.

و هذا الاعتراض محكم لأن ملاك الوجوب المقدمي هو الترشح من وجوب ذي المقدمة فيستحيل وجوب ذي المقدمة و عدم وجود الترشح لأن‏

309

الترشح معلول الوجوب و رؤية توقف الواجب على المقدمة فيستحيل وجود العلة دون وجود معلولها.

التفصيل الثاني: و هو التفصيل المنسوب الى الشيخ (ره). و هو ان الوجوب المقدمي يترشح على المقدمة التي قصد بها التوصل فيكون قصد التوصل شرط الواجب فإذا وجب الحج وجب مقدمته و هو السفر بقصد التوصل.

و قد وجهوا هذا التفصيل بأن الواجب هو المقدمة و السفر الخارجي لا يتعنون بعنوان المقدمة الا عند قصد المقدمية فإذا قصد بالسفر التوصل الى الحج كان مقدمة للحج و لو كان بقصد التوصل الى قتل الحجاج كان مقدمة للقتل و لو لم يقصد سوى السفر كان سفرا محضا.

و هذا التوجيه يتوقف صحته على ان يكون الواجب هو المقدمة عنوانا قصديا لا واقعيا.

توضيح ذلك ان الواجبات على قسمين.

الأول: ان يكون الواجب هو عنوان واقعي لا ربط له بالقصد بل هذا العنوان يتحقق واقعا حتى في حال الجهل المركب كما في شرب السم فلو وجب شرب السم كان الواجب هو هذا الفعل الواقعي و لا ربط له بالقصد بل حتى لو توهم انه عسل و شربه لم يكن الا مصداقا واقعا لشرب السم.

الثاني: ان يكون الواجب هو عنوان قصدي مرتبط بالقصد و يختلف باختلاف القصد كالتأديب فإنه مرتبط بالقصد فلو ضرب اليتيم و كان قصده الأذية كان أذية و ظلما لا تأديبا و لو قصد التأديب كان تأديبا و إحسانا لا أذية.

اذا عرفت هذين القسمين يقع السؤال ان المقدمة الواجبة هل هي من القسم الأول حتى يجب واقع المقدمة كنفس السفر بلا دخالة للقصد او انها من القسم الثاني حتى يجب المقدمة بما هي مقدمة أي المقصود بها التوصل الى ذي المقدمة كالسفر بقصد التوصل الى الحج.

فذكر بعضهم انها من القسم الأول بدليل ان الواجب بالوجوب الغيري‏

310

هو ذات المقدمة لا العنوان.

توضيح ذلك ان المولى ينظر الى السفر فيراه مقدمة فيحكم على السفر بالوجوب لأنه مقدمة فالمحكوم عليه بالوجوب هو السفر لا عنوان المقدمة غايته ان عنوان المقدمة كان هو الجهة التعليلية أي السبب الذي اوجب توجه الوجوب الى السفر.

و الحاصل ان المحكوم عليه بالوجوب هو السفر و العلّة هو عنوان المقدمة و ليس نفس عنوان المقدمة هو الذي توجه الوجوب اليه.

و قد اجيب عليه بما حكاه بعض الاعلام عن شيخه المحقق بجواب مركب من مقدمتين.

الأولى: ان الجهة التعليلية في الاحكام العقليّة هي جهة تقييديه و ذلك ان المحكوم عليه على الحالتين هو الموضوع العقلي.

نعم الجهة التعليلية في الاحكام الشرعيّة تختلف عن الجهة التقييدية فإن المحكوم عليه شرعا هو هذا الموضوع الذي تحقق فيه الملاك.

و عليه فالواجب في المقام هو عنوان المقدمة لأن الحكم عقلي و المقدمة جهة تعليليه فهي جهة تقييديه أي الحكم متوجه اليها.

المقدمة الثانية: ان متعلقات التكاليف سواء أ كانت تعبديه ام توصلية لا تقع على صفة الوجوب و مصداقا للواجب بما هو واجب إلّا اذا اتى به عن قصد و عمد حتى في التوصليات.

و السبب في ذلك ان التكليف لا يتعلق إلّا بالفعل الاختياري فمصداق الواجب بما هو واجب هو المقدمة اذا اتي بها بداعي المقدمية انتهى.

فينتج من المقدمتين ان الواجب هو المقدمة التي قصد بها التوصل.

اقول نتعرض اولا لهذا الدليل و جوابه ثم نتبعه بذكر ما ينبغي ذكره.

اما الدليل فالظاهر انه انحراف عن مركز النزاع و ذلك لأن الدليل يجعل كل همه ان يثبت ان عنوان المقدمة جهة تعليليه لا تقييديه و كأنه يرى ان‏

311

المقدمة اذا كانت جهة تقييديه كان الوجوب متوجها الى العنوان القصدي أي المقدمة و اما اذا كانت جهة تعليليه كان الوجوب متوجها الى عنوان واقعي أي ذات السفر.

و الحاصل انك عرفت ان اشتراط قصد التوصل يتوقف على كون الواجب عنوانا قصديا لا يتحقق إلّا بقصد التوصل و هذا الدليل انما يتصدى لإثبات ان عنوان المقدمة تعليلي ليستنتج ان الواجب عنوان واقعي لا قصدي و يتصدى لإنكار ان عنوان المقدمة تقييدي لينكر انه عنوان قصدي فهذا الجواب يدعي الملازمة في المقام بين التعليلية و الواقعية و بين التقييدية و القصدية.

و من هنا نقول بفساد هذا الدليل لعدم وجود هذه الملازمة المذكورة توضيحه ان عنوان المقدمة اما ان يكون عنوانا قصديا ام لا.

و على الحالين اذا كان تقييديا كان كما هو على حاله كما لا يخفى أي يكون الوجوب منصبا على هذا العنوان الذي هو تارة قصدي و اخرى واقعي.

و اما اذا كان تعليليا فكذلك يجب ان يكون الوجوب منصبا على العنوان القصدي و ذلك لأن العنوان التعليلي لا بد من وجود جهته في المصداق الذي كان العنوان التعليلي علة لانطباق الحكم عليه فمثلا عنوان الضرر عنوان تعليلي استوجب تحريم الزنى فلا بد من فرض ان جهة الضرر موجودة في الزنى حتى يكون علة لتحريم الزنى.

فإن الجهات التعليلية هنا لا يمكن ان تكون خارجة عن المعلول بل قد يقال بأن جميع الجهات التعليلية ترجع الى الجهات التقييدية.

و كيف كان فالعنوان التعليلي لا بد من وجوده في المعلول فإذا فرضنا ان العنوان التعليلي قصدي لا يتحقق إلا بالقصد كان المعلول قصديا لا يتحقق إلا بالقصد إذ بدونه لا تكون الجهة التعليلية موجودة فيه فلا يكون المعلول متحققا.

312

و اما الجواب فأما المقدمة الأولى ففيها ان العنوان التعليلي في الاحكام الشرعيّة ايضا يرجع الى الجهات التقييدية فإذا كان الجهة التعليلية لوجوب الصلاة هي المعراجية فإن الواجب حقيقته هو المعراجية غايته ان المعراجية خافية عن البشر فلا يوجبها المولى على نحو العنوان بل هو يتصدى لتعيين مصداقها. و لا فرق في ذلك بين ان تكون المعراجية فعلا او اثر فعل. فعلى الحالين تكون هي الواجبة.

و اما المقدمة الثانية فيرد عليها امران.

الأول: ما سيأتي بيانه في مبحث من ان القدرة لا يتقيد بها موضوعات الاحكام.

الثاني: اننا لو سلمنا ان القدرة تكون قيدا فإن غايته ان يصير الموضوع هو المقدمة المقدورة فيدخل المقدمة المقصودة بنفسها بلا لزوم لأن يقصد عنوان المقدمية فإن عنوان المقدمة كلي له مصاديق كالسفر فيقصد السفر بنفسه فيكون اتى بالمقدمة المقصودة.

و الحاصل اننا نسأل ان عنوان المقدمة بنفسه عنوان قصدي ام لا فإذا قيل انه بنفسه قصدي لم نعد بحاجة الى هذا الدليل لتقييد المقدمة بالمقصودة كما هو واضح.

و اذا قيل انه بنفسه ليس قصديا نقول ان التقييد بالمقصودة لا ينفع لأن القصد المستوجب للاختيارية يكفي فيه قصد نفس المصداق الواقعي فإن المقدمة كلي له مصاديق كالسفر فيكفي ان يقصد السفر بنفسه بلا حاجة الى قصد عنوان المقدمية.

مثلا القتل كلي له مصاديق فيكفي ان يقصد الذبح لتجر به السكين او رمي الرمح لملاحظة انه هل يخرج من الجسم ام لا او رمي الرصاص لرؤية كم يخرج من الدم فإن قصد المصداق وحده كاف في صدق الاختيار.

فإذا عرفت كل ذلك نقول ان اللازم في معرفة الحال هو الرجوع الى علة الوجوب المقدمي. و هذه العلّة مركبه من أمرين.

313

الأول: الشوق الى ذي المقدمة.

الثاني: رؤيه توقف ذي المقدمة على المقدمة.

و هذه العلة انما تكون مؤثرة بواسطة الملكة النفسانية التي تكون قاضية بأنه عند الشوق الى ذي المقدمة يجب تحقق شوق الى المقدمة.

فهنا نقول ان هذه العلّة هل تقتضي ترشح الشوق الى واقع المقدمة ام الى المقدمة التي يؤتي بها للتوصل الى ذي المقدمة فالمولى المشتاق الى الحج و يرى ان الحج متوقف على السفر الى مكة هل يصبح متشوقا الى مطلق السفر الى مكة حتى لو كان مقصودا به التوصل الى قتل الحجاج. ام يصبح متشوقا الى حصه خاصة من السفر الى مكة و هي الحصة المقصود بها التوصل الى الحج.

و الانصاف انه يجب القطع ان المولى لا يصبح متشوقا الى مطلق السفر لوضوح انه لا يشتاق الى السفر الذي يقصد به التوصل الى قتل الحجاج و يكون وصله لذلك واقعا.

لكن مع ذلك ففي تحديد القيد تأمل فهل القيد هو نفس الوصول الواقعي حتى يكون الواجب هو المقدمة الموصلة كما يقول صاحب الفصول.

ام القيد هو قصد الوصول حتى يكون الواجب هو المقدمة المقصود بها التوصل كما هو مذهب الشيخ (ره).

او ان وجوب المقدمة عند إرادة فعل ذيها كما هو مذهب صاحب المعالم.

و الذي يقرب الى الخاطر فعلا ان الشوق الى المقدمة انما يكون في مرتبة تنظيم امتثال ذي المقدمة لا في نفس مرتبه الشوق الى ذي المقدمة فالمولى اولا يشتاق الى اللحم ثم اذا نظر كيف يمتثل المكلف شراء اللحم يشتاق الى الذهاب الى السوق.

و من هنا فلا شوق الى الذهاب الى السوق الا عند السؤال عن كيفية

314

الامتثال أي عند لحاظ ان المكلف في صدد الامتثال.

و من هنا فلو علم المولى ان المكلف ليس بصدد الامتثال لا يحصل عنده شوق الى الذهاب الى السوق.

و من هنا فلا يجب المقدمة الا عند ارادة فعل ذيها و هذا هو مذهب صاحب المعالم (ره). فنلتزم ان الوجوب المقدمي مقيد بقيد لم يقيد به الوجوب النفسي لأننا ندعي ان علة الوجوب المقدمي ليس مجرد الوجوب النفسي حتى يستحيل التخلف بل العلّة هو الشوق الى ذي المقدمة ثم لحاظ ان المكلف في صدد الامتثال ثم لحاظ توقف ذي المقدمة على المقدمة.

و هذه العلة لا تتحقق الا عند كون المكلف في صدد الامتثال.

هذا و لو كان الذي ذكرناه فاسدا فلا اقل من ان يقال ان المولى لا يوجب إلّا المقدمة التي يتعقبها فعل ذي المقدمة. كما هو مذهب صاحب الفصول. و بهذا ينتهي الكلام في التفصيل الثاني.

التفصيل الثالث: تفصيل صاحب الفصول و حاصله ان الواجب هو خصوص المقدمة الواقعة في سلسلة علل ذي المقدمة أي المقدمة المقيدة بحصول ذي المقدمة عن طريقها بأن يكون لها دخالة في حصوله. و استدل صاحب الفصول (ره) بأدلة.

الأول: ان الحاكم بالملازمة بين وجوب ذي المقدمة و وجوب المقدمة هو العقل و هو لا يحكم بالملازمة بين وجوب ذي المقدمة و وجوب المقدمات التي لا تقع في سلسلة علل ذي المقدمة.

و اعترض: صاحب الكفاية (ره) عليه بأن علة الحكم العقلي انما هو حصول تمكن المكلف من ذي المقدمة و هذه العلة موجودة في جميع المقدمات حتى المقدمات غير الموصولة بذي المقدمة حيث انها تحقق امكان الاتيان بذي المقدمة.

و فيه اولا ان الغرض هو التوصل الى ذي المقدمة.

ثانيا يوجد مقدمات تجب بالوجوب المقدمي تكون مقدمة للمقدمة فلا

315

تحقق التمكن من ذي المقدمة الذي يتحدث عنه صاحب الكفاية (ره). فكلام صاحب الفصول له وجه و ان كنا ما نزال نتردد في القيد.

و قد اعترض على صاحب الفصول باعتراضات اهمها ما ذكره الميرزا النائيني (ره) و حاصله ان الوصول اما قيد الوجوب و اما قيد الواجب.

فعلى الأول: يكون من أردإ انواع طلب الحاصل و ذلك لأن هذا القيد انما يتحقق بعد وجود ذي المقدمة فيكون وجوب المقدمة و طلبه بعد حصول ذي المقدمة.

و على الثاني: يلزم لا زمان فاسدان.

الأول: الدور و ذلك لأن المقدمة حسب الفرض هي (المقدمة الموصلة الى ذي المقدمة) و هذا العنوان لا يتحقق إلّا عند تحقق ذي المقدمة فيصير تحقق ذي المقدمة مقدمة لتحقق المقدمة. و المفروض ان تحقق المقدمة مقدمة لتحقق ذي المقدمة و هذا هو الدور.

اللازم الثاني: التسلسل و ذلك لأن المقدمة الواجبة هي (المقدمة الموصلة) أي الذات المتقيدة بقيد التوصل فهذه المقدمة مركبه من أمرين الذات و القيد.

و حينئذ نأتي الى الذات فتكون مقدمة للمركب لأن الجزء مقدمة للمركب فنسأل هل الذات مطلقا مقدمة ام الذات المقيدة بأنها سوف تتقيد.

لا مجال الى الأول لأن المفروض ان الواجب خصوص المقدمة الموصلة.

فتعين الثاني و هكذا يكون هذه المقدمة مركبه فنأتي الى الذات و نصنع ما صنعنا آنفا مما يستلزم التسلسل.

اقول يمكن ان نختار الأول و لا يكون من أردإ انواع طلب الحاصل و ذلك اذا فرضنا ان وجود ذي المقدمة شرط متأخر فيكون الطلب متقدما.

فإيراد الميرزا النائيني (ره) مبني على استحالة الشرط المتأخر و لكنك عرفت جوازه.

316

ثم انه كان بإمكان الميرزا النائيني (ره) ان يعترض على الأول بالتسلسل و ذلك لأن المقدمة واجبة و تتوقف على ذي المقدمة فيجب بالوجوب الغيري و ذو المقدمة يتوقف على المقدمة فتجب ثانيا بالوجوب الغيري و هذه المقدمة متوقفة على ذي المقدمة فتجب بالوجوب الغيري الى ما شاء الله من الوجوبات الغيرية فإن المقدمة اذا توقفت على شي‏ء كان ذلك الشي‏ء واجبا بالوجوب الغيري.

و لكن هذا التسلسل ليس محالا لأنه ينتهي بانتهاء اللحاظ فإن الوجوب الغيري كما عرفت يتوقف على لحاظ المقدمية فمع انتهاء اللحاظ يستحيل ترشح الوجوب الغيري.

هذا مضافا الى ان هذا التسلسل تسلسل في الوجودات المستقبلية و هذا القسم لا دليل على استحالته و انما المحال التسلسل في الوجودات الماضوية.

هذا و يمكن ان نختار الثاني و لا يرد عليه كلا اللازمين.

اما الأول فلأنه انما يرد لو كانت المقدمة هي المقدمة الموصلة أي الذات المتقيدة و ليس كذلك بل المقدمة هي نفس الذات غايته ان الواجب هو المقدمة الموصلة و من هنا فذو المقدمة يتوقف على ذات المقدمة و ذات المقدمة لا يتوقف على ذي المقدمة.

نعم المقدمة الواجبة تتوقف على ذي المقدمة و لا اشكال لاختلاف الطرفين.

نعم يلزم التسلسل لأن مقدمة الواجب واجب فالمقدمة الواجبة تتوقف على ذي المقدمة فيجب بالوجوب المقدمي و هو يتوقف على ذات المقدمة فيجب المقدمة الموصلة و هي تتوقف على ذي المقدمة و هكذا.

و لكنك عرفت ان هذا التسلسل غير محال.

هذا كله مع التسليم بأن المقدمة الواجبة تتوقف على وجود ذي المقدمة.

317

و هذا فيه نظر اذ الظاهر ان ذي المقدمة كاشف عن المقدمة الواجبة لا قيد لها. فهو بمنزلة الواقع بالنسبة الى القطع المصيب فإن القطع بسيط و المصيب منه ما طابق الواقع فلا يكون الواقع مقدمة لتحقق القطع المصيب بل يكون كاشفا عن انه مصيب فلاحظ.

و اما الايراد الثاني فمدفوع اولا بما عرفت من عدم استحالة هذا التسلسل.

و ثانيا بعدم التسليم بكون ذي المقدمة مقدمة للمقدمة بل ذي المقدمة كاشف عن المقدمة و ليست المقدمة الواجبة سوى الذات غير مقيدة بأي قيد و بهذا ينتهي الكلام في المقام الأول.

و كيف كان فهذا الاشكال الذي ذكرناه لا يندفع إلّا بتقييد المقدمة الواجبة بأحد التقييدات المتقدمة فلاحظ.

318

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

319

المسألة الثالثة مسألة الضد

320

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

321

تحرير محل النزاع:

اختلفوا في أن الأمر بالشي‏ء هل يقتضي النهي عن ضده أو لا يقتضي؟ على أقوال.

و لأجل توضيح محل النزاع و تحريره نشرح مرادهم من الألفاظ التي وردت على لسانهم في تحرير النزاع هذا، و هي ثلاثة:

1- الضد: فإن مرادهم من هذه الكلمة مطلق المعاند و المنافي، فيشمل نقيض الشي‏ء، أي أن الضد- عندهم- أعم من الأمر الوجودي و العدمي. و هذا اصطلاح خاص للأصوليين في خصوص هذا الباب، و إلا فالضد مصطلح فلسفي يراد به- في باب التقابل- خصوص الأمر الوجودي الذي له مع وجودي آخر تمام المعاندة و المنافرة و له معه غاية التباعد.

و لذا قسم الأصوليون الضد إلى (ضد عام) و هو الترك أي النقيض، و (ضد خاص) و هو مطلق المعاند الوجودي.

و على هذا فالحق أن تنحل هذه المسألة إلى مسألتين موضوع‏

____________

قوله (ره) (فإن مرادهم من هذه الكلمة مطلق ...).

أقول: مرادهم من كلمة (الضد) في هذا المبحث خاصة (كل ما يستحيل ان يجتمع مع الشي‏ء و لو لظرف خاص) فيشمل الاقسام الأربعة من التقابل كما يشمل غيرها كما لو فرض ان بين الحرارة و الحلاوة بسبب ظرف خاص تنافي في الاجتماع فإن الحلاوة حينئذ يطلق عليها ضد خاص و كذلك الحرارة فظهر ان اصطلاح (الضد) هنا اصطلاح عام شامل حتى لغير المتقابلين.

قوله (ره) (و على هذا فالحق ان تنحل ...).

اقول: كأنه (ره) يعرض ببعض الاعلام حيث دمج المسألتين في مسألة واحدة.

322

إحداهما الضد العام و موضوع الأخرى الضد الخاص، لا سيما مع اختلاف الأقوال في الموضوعين.

2- الاقتضاء: و يراد به لابديّة ثبوت النهي عن الضد عند الأمر بالشي‏ء إما لكون الأمر يدل عليه بإحدى الدلالات الثلاث: المطابقة و التضمن و الالتزام، و إما لكونه يلزمه عقلا النهي عن الضد من دون أن يكون لزومه بينا بالمعنى الأخص حتى يدل عليه بالالتزام.

فالمراد من الاقتضاء عندهم أعم من كل ذلك.

3- النهي: و يراد به النهي المولوي من الشارع و إن كان تبعيا، كوجوب المقدمة الغيري التبعي. و النهي معناه المطابقي- كما سبق في مبحث النواهي ج 1 ص 91- هو الزجر و الردع عما تعلق به. و فسره المتقدمون بطلب الترك، و هو تفسير بلازم معناه، و لكنهم فرضوه كأن ذلك هو معناه المطابقي، و لذا اعترض بعضهم على ذلك فقال: إن طلب الترك محال فلا بد أن يكون المطلوب الكف، و هكذا تنازعوا في أن‏

____________

قوله (ره) (و يراد به لابدية ثبوت ...).

اقول: ان كلمة الاقتضاء بظاهرها تدل على التعدد فإذا قلت (الأمر يقتضي النهي) كان ظاهرا في ان النهي غير الأمر.

و لكن مع ذلك ان مرادهم من هذه الكلمة ليس هو المعنى الظاهر منها بل مرادهم مجرد ثبوت النهي سواء كان عين الأمر او جزءه او لازمه لفظا او عقلا و الأقوال في المسألة متعددة.

قوله (ره) (النهي و يراد به النهي المولوي ...).

اقول: النهي قد يفسر بالمبغوضيّة و قد يفسر بالاعتبار الشرعي و المصنف (ره) ذكر ان البحث في النهي بالمعنى الثاني يعني ان يكون الشارع اعتبر هذا الضد حراما.

قوله (ره) (و هكذا تنازعوا في ان المطلوب بالنهي الترك او الكف ...).

اقول: قد مر هذا البحث في مباحث النهي فراجع.

323

المطلوب بالنهي الترك أو الكف، و لا معنى لنزاعهم هذا إلا إذا كانوا قد فرضوا أن معنى النهي هو الطلب فوقعوا في حيرة في أن المطلوب به أي شي‏ء هو الترك أو الكف.

و لو كان المراد من النهي هو طلب الترك- كما ظنوا- لما كان معنى لنزاعهم في الضد العام، فإن النهي عنه معناه- على حسب ظنهم- طلب ترك ترك المأمور به. و لما كان نفي النفي إثباتا فيرجع معنى النهي عن الضد العام إلى معنى طلب فعل المأمور به، فيكون قولهم «الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده العام» تبديلا للفظ بلفظ آخر بمعناه، و يكون عبارة أخرى عن القول «بأن الأمر بالشي‏ء يقتضي نفسه». و ما أشد سخف مثل هذا البحث.

و لعله لأجل هذا التوهم- أي توهم أن النهي معناه طلب الترك- ذهب بعضهم إلى عينية الأمر بالشي‏ء للنهي عن الضد العام.

*** و بعد بيان هذه الأمور الثلاثة في تحرير محل النزاع يتضح موضع‏

____________

قوله (ره) (و لو كان المراد من النهي ...).

اقول: كأن المصنف (ره) يريد ان يعترض على القدماء انهم اذا كانوا يعتقدون ان النهي (طلب الترك) لم يكن وجه لأن يتنازعوا في الضد العام.

وجه الاعتراض ان الصلاة تعلق بها الأمر أي الطلب و هو (طلب فعل الصلاة) و الضد العام للصلاة هو (ترك الصلاة) و النهي هو حسب الفرض (طلب الترك) فالنهي عن الضد العام للصلاة هو (طلب ترك، ترك الصلاة) و هذا النهي عن الضد العام يمكن اختزاله بحذف (ترك الترك) و تبديلها بالفعل لأن نفي النفي اثبات و ترك الترك هو الفعل فيصبح (طلب فعل الصلاة).

و كما ترى هذا عين الأمر بالصلاة فيصير الأمر بالصلاة عين النهي عن ضدها العام فلا مجال لوقوع النزاع. لا في اصل الاقتضاء و لا في نوعه لأن الطلب عين النهي جزما.

324

النزاع و كيفيته. إن النزاع معناه يكون: إنه إذا تعلق أمر بشي‏ء هل أنه لا بد أن يتعلق نهي المولى بضده العام أو الخاص؟ فالنزاع يكون في ثبوت النهي المولوي عن الضد بعد فرض ثبوت الأمر بالشي‏ء. و بعد فرض ثبوت النهي فهناك نزاع آخر في كيفية إثبات ذلك.

و على كل حال فإن مسألتنا- كما قلنا- تنحل إلى مسألتين إحداهما في الضد العام و الثانية في الضد الخاص، فينبغي البحث عنهما في بابين:

____________

اقول اولا: لم يتنازعوا في اصل الاقتضاء فكأن الاقتضاء كان عندهم من البديهيات.

ثانيا: ان المتنازعين لا يجب ان يكونوا جميعا من القائلين بأن النهي طلب الترك بل بعضهم يقول بأنه طلب الكف. فمن يقول بأنه طلب الكف يمكنه انكار العينية.

ثالثا: ان في المقام وجها للتضمن حتى مع الاعتراض بأن النهي طلب الترك و حاصله ان الأمر مركب من طلب الفعل و النهي عن الترك فيكون النهي عن الترك جزء الأمر بالشي‏ء فكما فيه ملاك العينية فيه ملاك التضمن مما يفسح المجال بوقوع النزاع.

بقي أمور:

الأول: ان المسألة أصوليّة لوقوعها في طريق استنباط الحكم الشرعي اعني حرمة الضد.

الثاني: ان هذه المسألة لها جانبان.

الأول: لفظي و ينظر فيه في دلالة اللفظ الآمر على النهي. و في هذا الجانب يختص البحث بالاوامر الثابتة عن طريق الالفاظ فلا يشمل الوجوبات المستفادة من الاجماعات و السير و الاحكام العقليّة و غير ذلك من الادلة اللبيّة.

الجانب الثاني: عقلي و ينظر فيه في وجود ملازمه عقلية بين الأمر بالشي‏ء و بين النهي عن ضده و في هذا الجانب يشمل البحث كل امر سواء

325

[ينبغي البحث في بابين‏]

1- الضد العام‏

لم يكن اختلافهم في الضد العام من جهة أصل الاقتضاء و عدمه، فإن الظاهر أنهم متفقون على الاقتضاء و إنما اختلافهم في كيفيته:

____________

دل عليه لفظ او غير لفظ لأن المفروض وجود ملازمه بين وجود الأمر بشي‏ء و وجود النهي عن ضده سواء علمنا وجود الأمر بدليل لفظي او غير لفظي.

و مما ذكرناه انقدح فساد ما بنى عليه بعض الاعلام‏ (1) من ان هذه المسألة عقلية.

الأمر الثالث: ان معنى (ان الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده) يحتمل له ثلاث تفسيرات.

الأول: الاقتضاء في مقام التعبير بمعنى ان التعبير بصيغة الأمر يقتضي التعبير بصيغة النهي فقد يقال (صل) و قد يقال (لا تترك الصلاة).

اقول: هذا الاحتمال و ان ذكره بعض الفحول إلّا ان الظاهر ان ذكره لمجرد زيادة المطالب و إلّا فالمقطوع ان المشهور لا يريدون هذا الاحتمال.

اولا: لأن التعبير بالاقتضاء حينئذ يكون في غاية الفساد ضرورة ان التعبير لا يقتضي تعبيرا آخرا بأي وجه من الوجوه فإن الاقتضاء معناه الملازمة و من الواضح عدم وجود ملازمة بين تعبيرين.

ثانيا: انه حينئذ لا وجه للتعبير بالعينيّة و الجزئية لوضوح ان كل تعبير يباين الآخر و اما تفسير العينية بأن معنى الأول عين معنى الثاني و تفسير التضمن بأن المعنى الأول يتضمن المعنى الثاني فهو رجوع الى التفسير الآتي.

التفسير الثاني: الاقتضاء في المدلول و المعنى و لو لم يكن مدلولا للفظ أي العلاقة بين الأمر (سواء كان مدلولا ام لا) و بين النهي و يكون المراد من المدلول هو خصوص الحكم الاعتباري المجعول.

التفسير الثالث: كسابقه و لكن يكون المراد من المدلول خصوص الطلب و البغض الناشئ عن رؤية المصالح و المفاسد.

____________

(1) السيد الخوئي (دام ظله).

326

فقيل: إنه على نحو العينية أي أن الأمر بالشي‏ء عين النهي عن ضده العام فيدل عليه حينئذ بالدلالة المطابقية.

و قيل: إنه على نحو الجزئية فيدل عليه بالدلالة التضمنية، باعتبار أن الوجوب ينحل إلى طلب الشي‏ء مع المنع من الترك، فيكون المنع من الترك جزءا تحليليا في معنى الوجوب.

و قيل: إنه على نحو اللزوم البين بالمعنى الأخص، فيدل عليه بالدلالة الالتزامية.

____________

قوله (ره) (فقيل انه على نحو العينية أي ان ...).

اقول: وجه العينية ما تقدم من ان الأمر طلب الفعل و النهي طلب الترك فالنهي عن الضد العام هو طلب ترك ترك الفعل و نختصر (ترك الترك) بعبارة الفعل لأن (ترك الترك) و ان اختلف عن (الفعل) مفهوما إلّا انه عينه خارجا اذ نفي النفي اثبات اذ في الواقع لا يوجد إلا نفي او اثبات فنفي احدهما هو الآخر فترك الترك هو الفعل فيصبح النهي (طلب فعل الفعل) فهو عين الأمر الذي هو (طلب الفعل).

قوله (ره) (و قيل انه على نحو الجزئية فيدل عليه ...).

اقول: هذه الدعوى مبنية على ان الأمر يدل على الوجوب.

و الوجوب مركب من طلب الفعل و المنع من الترك.

و ان النهي هو المنع من الترك.

فينتج ان الأمر يدل بالتضمن على النهي الذي هو المنع من الترك الذي هو جزء الوجوب الذي هو مدلول الأمر.

و هذه المقدمات بأجمعها باطله عند المصنف «هو».

اما الأولى: فلأن الأمر لا يدل على الوجوب و انما يدل على الطلب و العقل ينتزع الوجوب.

و اما الثانية: فلأن الوجوب بسيط لا مركب.

و اما الثالثة: فلأن النهي ليس المنع من الترك بل هو الزجر عن نفس الفعل. و سيأتي زيادة توضيح.

قوله (ره) (و قيل انه على نحو اللزوم البين بالمعنى الأخص ...).

327

و قيل: إنه على نحو اللزوم البين بالمعنى الأعم، أو غير البين، فيكون اقتضاؤه له عقليا صرفا.

و الحق إنه لا يقتضيه بأي نحو من أنحاء الاقتضاء، أي أنه ليس‏

____________

اقول: لم يستبعده من المتأخرين الميرزا النائيني (ره).

و لكنه فاسد لأن اللزوم بالمعنى الاخص متوقف على ان يكون حضور الملزوم في الذهن كاف في حضور اللازم و الجزم بالملازمة و من الواضح في المقام ان حضور الأمر بالشي‏ء في الذهن كثيرا ما يكون مع الغفلة عن النهي عن الترك و هذا آية عدم كون الملازمة بينه بالمعنى الاخص.

و العجب ان الميرزا النائيني (ره) اعترف بذلك و مع ذلك لم يستبعد كون اللزوم بينا بالمعنى الاخص و هذا غريب.

قوله (ره) (و الحق انه لا يقتضيه بأي نحو من انحاء ...).

اقول: تحرير المسألة انك قد عرفت آنفا ان الاقتضاء تارة يكون في مقام الاعتبار و اخرى في مقام الطلب و الارادة.

اما المقام الأول: فهو عبارة عن ان اعتبار الحكم الشرعي بوجوب شي‏ء يقتضي اعتبارا شرعيا بحرمة تركه.

و في هذا المقام لا مجال للقول بالعينيّة لوضوح ان كل اعتبار هو فعل مستقل يباين غيره فالاعتبار الأول يباين الاعتبار الثاني لأنه وجود ثاني و لا يكون الوجودان متحدين عينا كما لا يكاد يخفى.

و كذا لا مجال للجزئية اذ قد عرفت انهما اعتبارين مستقلين.

و كذا ليس بينهما ملازمة بالمعنى الاخص لما عرفت ان حضور احدهما في الذهن قد ينفك عن حضور الآخر. هذا مضافا الى انكار اصل الملازمة.

و كذا ليس بينهما ملازمة بالمعنى الاعم و ذلك لأن معنى الملازمة ان وجود احدهما لا ينفك عن الآخر و هذا باطل بوجوه ثلاثة.

الأول: ان الاعتبار هو فعل اختياري للمولى و من الواضح ان صدور فعل (اعتبار الوجوب) من المولى لا يستلزم سلب اختيار المولى و صيرورته‏

328

مقهورا على ان يفعل اعتبار الحرمة فإن المولى يبقى على اختياريته فيمكنه ان يعتبر الحمرة و يمكنه ان لا يعتبرها.

فإن قلت: هذا مصادرة إذ مدعي الملازمة يدعي وجود علة التشريع بمعنى أنه إذا وجد علة تشريع الوجوب يوجد علة تشريع الحرمة فلو جعل الوجوب فلا يخلو إما مع فرض وجود علة الوجوب أم لا.

الثاني يستلزم المعلول بلا علة و الأول يستلزم العلة بلا معلولها و كلاهما محال.

قلت: إن هذه الدعوى ظاهرة الفساد و لا أقل من عدم الدليل عليها.

الثاني: انه قد يقال بأن اعتبار الحمرة بلا مقتضى بناء على تبعيّة الاحكام للمصالح و المفاسد اذ معنى ذلك ان لا حرمه الا لمفسدة و لا وجوب الا لمصلحة.

و من هنا ففي الصلاة لا يصلح إلّا الوجوب لأن في الصلاة مصلحة فيلزم الوجوب و ليس في الترك مفسدة حتى يصح اعتبار الحرمة.

و هكذا الحال في الزنى فإن فيه مفسدة فيصح اعتبار الحرمة و ليس في تركه المصلحة فلا يصح اعتبار وجوب الترك.

و الحاصل ان المصلحة و المفسدة اما في الفعل دون الترك و اما في الترك دون الفعل.

فعلى الأول يتعين جعل الوجوب او الحمرة على الفعل دون الترك.

و على الثاني يتعين جعل الوجوب او الحمرة على الترك دون الفعل.

فلا مجال لجعل الحكم على الترك و الفعل كلاهما حتى يكون احدهما مجعول له الوجوب و الآخر مجعول له الحرمة.

اقول و هذا الوجه الثاني يمكن الإجابة عليه و ذلك لأن المصلحة في الفعل هي المصلحة الملزمة التي لو لم تحصل يكون ضرر على المكلف فيكون ترك الفعل مفسدة و لو بالعرض أي من حيث ان ترك الفعل ترك للمصلحة الملزمة التي لو لم تتحقق يلزم ضرر.

329

هناك نهي مولوي عن الترك يقتضيه نفس الأمر بالفعل على وجه يكون هناك نهي مولوي وراء نفس الأمر بالفعل.

____________

و هذا كاف في تشريع الحمرة اذ لا يلزم ان يكون مفسدة الترك بالذات.

و الفرق بين المفسدة بالذات و المفسدة بالعرض أن الأول يكون الترك هو موجد الفساد و مسببه بينما الثاني يكون مقرونا به.

هذا ثم انه لا مانع من فرض الفعل ذا مصلحة و الترك ذا مفسدة فيوجد قسم ثالث لم يتعرض الوجه الثاني له.

الوجه الثالث: انه قد يقال ان اعتبار الحرمة محال لأن اعتبار الحرمة معلول لا بد له من علة فاعليه و علة غائيه.

و هنا لا يوجد علة غائيه اذ الغاية ان كانت هي الزجر عن الترك فهو متحقق بمجرد الأمر بالفعل فإن الأمر بفعل الصلاة هو في عين الوقت زجر عن تركها فاعتبار الحمرة ان كانت غايته الزجر عن الترك كان تحصيلا للحاصل.

و ان لم تكن ذلك كان بلا غاية و هو محال و هذا على نحو ما ذكرناه في وجوب المقدمة.

فانقدح ان اعتبار الوجوب لا يلزمه اعتبار الحرمة بأي وجه من الوجوه.

بل لو صح الوجه الثالث لأنتج ملازمة بين الوجوب و عدم الحرمة و يمكن دفعه بأن غاية الحرمة زيادة التأكيد على الزجر.

هذا ثم ان الظاهر ان كلام المصنف (ره) كان في مقام الاعتبار- أي هذا المقام. و لذا نحن نتعرض لعباراته ثم نشرع في المقام الثاني.

قوله (ره) (على وجه يكون هناك نهي مولوي ...).

اقول: هذه العبارة كالصريحة في ان كلامه في مقام الاعتبار.

قوله (ره) (بسيط وجداني).

اقول: في نسختي بالحاء المعجمة و هو خطأ الطبع و الصحيح بالحاء

330

و الدليل عليه: إن الوجوب- سواء كان مدلولا لصيغة الأمر أو لازما عقليا لها كما هو الحق- ليس معنى مركبا بل هو معنى بسيط وجداني هو لزوم الفعل، و لازم كون الشي‏ء واجبا المنع من تركه.

و لكن هذا المنع اللازم للوجوب ليس منعا مولويا و نهيا شرعيا، بل هو منع عقلي تبعي من غير أن يكون هناك من الشارع منع و نهي وراء نفس الوجوب. و سر ذلك واضح، فإن نفس الأمر بالشي‏ء على وجه الوجوب كاف في الزجر عن تركه، فلا حاجة إلى جعل للنهي عن الترك من الشارع زيادة على الأمر بذلك الشي‏ء.

فإن كان مراد القائلين بالاقتضاء في المقام أن نفس الأمر بالفعل يكون زاجرا عن تركه، فهو مسلم، بل لا بد منه لأن هذا هو مقتضى الوجوب. و لكن ليس هذا هو موضع النزاع في المسألة، بل موضع النزاع هو النهي المولوي زائدا على الأمر بالفعل. و إن كان مرادهم أن هناك نهيا مولويا عن الترك يقتضيه الأمر بالفعل كما هو موضع النزاع فهو غير مسلم و لا دليل عليه، بل هو ممتنع.

____________

المهملة أي (بسيط وحداني) أي لا تركيب فيه فهو واحد وجودا و ماهيّة.

قوله (ره) (بل هو منع عقلي تبعي ...).

اقول: مراده بالتبعي ان العقل يستفيده تبعا لاستفادته وجوب الفعل فالتبعي هنا في مقابل المستقل أي ليس هذا النهي العقلي مستقلا كما هو واضح بل هو تابع لما علمه من وجوب الفعل فإن العقل بعد ان يدرك وجوب الفعل يدرك بالتبع لزوم الانزجار عن الترك. فليس المراد بالتبعي هنا ما يساوق المقدمي.

قوله (ره) (و سر ذلك واضح ...).

اقول: هذا اشارة الى الوجه الثالث من الوجوه الثلاثة المتقدم ذكرها في ابطال الاقتضاء.

قوله (ره) (بل هو ممتنع ...).

اقول: أي لأنه لا علة غائيه له.

331

و بعبارة أوضح و أوسع: أن الأمر و النهي متعاكسان، بمعنى أنه إذا تعلق الأمر بشي‏ء فعلى طبع ذلك يكون نقيضه بالتبع ممنوعا منه و إلا لخرج الواجب عن كونه واجبا. و إذا تعلق النهي بشي‏ء فعلى طبع ذلك يكون نقيضه بالتبع مدعوا إليه و إلا لخرج المحرم عن كونه محرما ...

و لكن ليس معنى هذه التبعية في الأمر أن يتحقق- مثلا- نهي مولوي عن ترك المأمور به بالاضافة إلى الأمر المولوي بالفعل، كما أنه ليس معنى هذه التبعية في النهي أن يتحقق- فعلا- أمر مولوي بترك المنهي عنه بالإضافة إلى النهي المولوي عن الفعل.

و السر ما قلناه: إن نفس الأمر بالشي‏ء كاف في الزجر عن تركه، كما أن نفس النهي عن الفعل كاف للدعوة إلى تركه، بلا حاجة إلى جعل جديد من المولى في المقامين، بل لا يعقل الجعل الجديد كما قلنا في مقدمة الواجب حذو القذة بالقذة، فراجع.

و لأجل هذه التبعية الواضحة اختلط الأمر على كثير من المحررين لهذه المسألة فحسبوا أن هناك نهيا مولويا عن ترك المأمور به وراء الأمر بالشي‏ء اقتضاه الأمر على نحو العينية أو التضمن أو الالتزام أو اللزوم العقلي.

كما حسبوا- هناك في مبحث النهي- أن معنى النهي هو الطلب أما للترك أو الكف و قد تقدمت الإشارة إلى ذلك في تحرير النزاع.

و هذان التوهمان في النهي و الأمر من واد واحد. و عليه فليس هناك طلب للترك وراء الردع عن الفعل في النهي، و لا نهي عن الترك وراء طلب الفعل في الأمر.

نعم يجوز للآمر بدلا من الأمر بالشي‏ء أن يعبر عنه بالنهي عن الترك، كأن يقول- مثلا- بدلا عن قوله (صلّ): لا تترك الصلاة.

____________

قوله «ره (نعم يجوز للآمر بدلا من الأمر ...).

اقول: هذا اشارة الى الاقتضاء في مقام التعبير و قد اشرنا الى هذه النقطة في مباحث النهي و بينا ان المتكلم قد يعبر عن الواجب بنحو ما يعبر

332

و يجوز له بدلا من النهي عن الشي‏ء أن يعبر عنه بالأمر بالترك، كأن يقول- مثلا- بدلا عن قوله (لا تشرب الخمر): أترك شرب الخمر، فيؤدي التعبير الثاني في المقامين مؤدى التعبير الأول المبدل منه، أي أن التعبير الثاني يحقق الغرض من التعبير الأول.

فإذا كان مقصود القائل بأن الأمر بالشي‏ء عين النهي عن ضده العام هذا المعنى، أي أن أحدهما يصح أن يوضع موضع الآخر و يحل‏

____________

عن الحرام و كذا بالعكس فيقول اترك شرب الخمر. و يقول اياك ان تترك الصلاة. فإن التعبير بالأمر بالترك عن الحرام و التعبير بالنهي عن الترك عن الوجوب امر شايع جائز فراجع.

اذا عرفت ذلك فلننه الكلام في المقام الثالث و هو عبارة عن ان حب الفعل هل يقتضي بغض الترك ام لا.

و قد ذكر بعض المحققين ان الكلام هنا يختلف باختلاف المباني في تفسير العاطفة الموجودة في النفس فإنه يحتمل في تفسير عاطفه النفس احتمالات.

الأول: ان العاطفة الموجودة في النفس هي البغض فقط فلا يوجب حب في النفس. غايته ان هذه العاطفة ان تعلقت بالفعل (كالقتل) سميت بغضا و ان تعلقت بنقيض الفعل (ترك القتل) سميت حبا للفعل.

الثاني: ان العاطفة الموجودة في النفس هي الحب فقط فلا يوجد بغض في النفس غايته ان هذه العاطفة ان تعلقت بالفعل (كالصلاة) سميت حبا و ان تعلقت بالترك سميت بغضا للفعل.

الثالث: وجود عاطفتين حب و بغض غايته انهما في رتبة واحدة ينشآن من ملاك واحد فعند رؤية مصلحة الصلاة يتولد من هذه الرؤية حب للفعل (الصلاة) و بغض لتركه و عند رؤيه مفسدة الزنى يتولد من هذه الرؤية حب للترك و بغض للفعل.

الاحتمال الرابع: وجود عاطفتين حب و بغض غايته انهما مترتبان طوليان يحدث احدهما ثم يحدث الآخر مترشحا منه. فعند رؤية المصلحة

333

محله في أداء غرض الآمر ... فلا بأس به و هو صحيح، و لكن هذا غير العينية المقصودة في المسألة على الظاهر.

____________

في الصلاة مثلا يتولد الحب للصلاة ثم يترشح من هذا الحب بغض للترك و عند رؤية مفسدة الزنى مثلا يتولد بغض للزنى ثم يترشح من هذا البغض حب للترك.

اذا عرفت هذه الاحتمالات الاربع فنقول قد حكم هذا المحقق ان على الاحتمال الأول كان الأمر عين النهي لوضوح ان الموجود في النفس هو البغض فقط فهو لا يتعلق إلّا بالترك و اما الفعل فلا يتعلق به الحب لعدم الحب. و لا البغض لاستحالة بغض الفعل و الترك معا.

و كذا على الاحتمال الثاني كان الأمر عين النهي لوضوح ان الموجود في النفس هو الحب فقط فهو لا يتعلق إلّا بالفعل و اما الترك فلا يتعلق به البغض لعدم وجود البغض في النفس. و لا الحب لاستحالة حب الفعل و تركه.

و على الاحتمال الثالث كان الأمر بالشي‏ء يتضمن النهي عن ضده العام.

و على الرابع كان الأمر بالشي‏ء يستلزم النهي عن ضده. و ذلك لأن حب الشي‏ء يستلزم بغض نقيضه.

اقول: هنا أمور:

الأول: انما ذكرنا هذا المطلب نقلا عن السيد الشهيد «ره» لظرافته و لطافته و إلّا فمن الواضح المسلم ان الاحتمالات الثلاثة الأولى مجرد خيال انما الصحيح هو الرابع و به يجزم الوجدان و لا يرتاب و قد اعترف السيد (ره) ببطلان الأولين لمخالفتهما الوجدان لكنه احتمل الثالث.

الثاني: ان الاحتمالين الأولين يظهر فسادهما بأمرين.

الأول: مخالفه الوجدان لوضوح انا ندرك بالوجدان وجود حب و بغض و ليس بعد عبادان من قرية.

الثاني: ان على الاحتمال الأول يلزم ان يكون جميع التكاليف حرمة

334

و كراهة و لا يوجد وجوب و استحباب.

و على الاحتمال الثاني يلزم العكس أي ان تكون جميع التكاليف وجوب و استحباب و لا يوجد حرمه و كراهة و ذلك لأن الاحكام تابعة للحب و البغض او نفس الحب و البغض و على الحالين لا مجال لوجود الحرمة و الوجوب معا كما لا يخفى.

الثالث: ان الاحتمال الثالث يبطله ايضا مخالفته للوجدان حيث ندرك بالوجدان ان الحب و البغض طوليان أي المصلحة تولد حبا و الحب يترشح منه بغض الترك. و المفسدة تولد بغضا للفعل و هذا البغض يترشح منه حب.

الرابع: ان ما ذكره السيد من لوازم الاحتمالات الاربعة كلها صحيح الا الثالث فما زعمه من ان على الثالث يكون الأمر متضمنا للنهي مشكل جدا بل باطل لا وجه له لأن الأمر اما هو الحب او المسبب عن الحب أي ارادة الفعل.

فعلى الأول لم يمكن ان يكون حب الفعل يتضمن بغض الترك بل هما متباينان.

و على الثاني فكذلك اذ إرادة الفعل تباين ارادة الترك.

فما زعمه من ان على الثالث يكون الأمر بالشي‏ء متضمنا للنهي عن الترك باطل.

و يحتمل ان نظره ان المصلحة ينشئ منها الأمر و النهي فهي متضمنة لهما.

و لا يخفى ما فيه من المساهلة في التعبير اذ اولا المصلحة ليست هي الأمر. و ثانيا المصلحة لم تتضمن الأمر و النهي بل استلزمتهما. و بهذا ينتهي الكلام في هذا المقام.

تنبيهان:

الأول: الظاهر ان الكلام كما يجري في ان الأمر بالشي‏ء هل يقتضي النهي عن تركه فكذلك يجري بالعكس أي أن النهي عن شي‏ء هل يقتضي الأمر بتركه.

335

و كما يجري في الوجوب و الحمرة يجري في الكراهة و الاستحباب و بالتالي يجري في الاباحة فإذا ابيح الشي‏ء ابيح تركه.

التنبيه الثاني: انه قد يدعى في المقام ان العرف يفهم من الأمر بالشي‏ء النهي عن ضده فإذا قال (صل) فإن العرف يفهم حرمة الترك كما يفهم وجوب الفعل.

و قد يجاب عليه بإنكار هذا الفهم العرفي بدعوى ان الذهن كثيرا ما يغفل عن الترك حتى مع النطق بالفعل فكيف يدعى دلالة الأمر بالفعل على النهي عن الترك.

اقول: الظاهر فساد هذا الجواب اذ لا مانع من العمل بالظهور المتأخر عن التأمل او قل ان الظهور تارة يكون حاصلا بلا حاجة الى تأمل و اخرى يكون حاصلا بعد التأمل. و الثاني كالأول في وجوب العمل به.

و الظهور هنا من قبيل الثاني اذ كلمة (صل) و ان لم تكن بدوا ظاهرة في حرمة الترك إلّا انه بعد التأمل و تصور الترك يكون دالا على الحرمة بنظر العرف.

و الحق في الجواب ان الدلالة هذه مستنده الى توهم العرف وجود الوحدة بين وجوب الفعل و حرمة الترك فالعرف يعتقد ان (صل) يدل على حكم واحد هو الوجوب و لكنه لما كان يعتقد ان وجوب الفعل و حرمة الترك شيئا واحدا صار يزعم ان (صل) دال على حرمة الترك. فنحن بعد أن أدركنا خطأ العرف لا مجال لنا أن نزعم أن صل دال على حرمة الترك و بهذا ينتهي الكلام في الضد العام.

336

2- الضد الخاص‏

إن القول باقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضده الخاص يبتني و يتفرع على القول باقتضائه للنهي عن ضده العام.

و لما ثبت- حسبما تقدم- أنه لا نهي مولوي عن الضد العام، فبالطريق الأولى نقول أنه لا نهي مولوي عن الضد الخاص، لما قلنا من ابتنائه و تفرعه عليه.

و على هذا، فالحق أن الأمر بالشي‏ء لا يقتضي النهي عن ضده مطلقا سواء كان عاما أو خاصا.

أما كيف يبتني القول بالنهي عن الضد الخاص على القول بالنهي عن الضد العام و يتفرع عليه، فهذا ما يحتاج إلى شي‏ء من البيان، فنقول:

إن القائلين بالنهي عن الضد الخاص لهم مسلكان لا ثالث لهما و كلاهما يبتنيان و يتفرعان على ذلك:

(الأول)- مسلك التلازم:

و خلاصته: إن حرمة أحد المتلازمين تستدعي و تستلزم حرمة ملازمة الآخر.

____________

قوله (ره) (و خلاصته ...).

اقول: هذا المسلك يبتني على ثلاث مقدمات.

الأولى: ان وجود احد الضدين (كالصلاة مثلا) متلازم في التحقق خارجا مع عدم الضد الآخر (عدم الإزالة) فيستحيل انفكاك الصلاة عن عدم الإزالة و كذا يستحيل انفكاك الإزالة عن عدم الصلاة.

المقدمة الثانية: ان كل متلازمين في الخارج يجب اشتراكهما في الحكم فإذا كان احدهما واجبا كان الآخر واجبا و هكذا اذا كان احدهما حراما كان الآخر حراما.

فينتج من هاتين المقدمتين انه يجب ان يكون عدم الضد الآخر شريكا

337

في الحكم مع الضد فإذا كان الضد (كالازالة) واجبا كان ملازمه عدم الضد الآخر (عدم الصلاة) شريكا له في الحكم أي واجبا.

المقدمة الثالثة: ان الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده العام فإذا كان عدم الصلاة واجبا فضده العام و هو عدم عدم الصلاة محرما و من الواضح ان عدم العدم هو الوجود.

فإذا اجتمعت هذه المقدمات الثلاث ينتج ان وجوب الضد متلازم مع حرمة ضده.

و من هنا ظهر لك كيف ان هذا المسلك يتوقف على ان الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده العام.

اقول: اما المقدمة الأولى فهي بديهيه ضرورة استحالة اجتماع الضدين فإذا وجد احدهما لا بد من عدم الآخر اذ لو كان موجودا لاجتمع الضدان و هو محال فإذا كان الموضوع أبيض استحال كونه اسودا و وجب انعدام السواد عنه كما هو واضح.

و اما المقدمة الثالثة فقد عرفت فسادها كما تقدم فلا نعيد.

و اما المقدمة الثانية فيقع الكلام فيها في مقامين لأن الحكم اما ان يفسر بالحب و البغض. و اما ان يفسر بالجعل و الاعتبار فلكل منهما مقام على نحو ما ذكرناه في الضد العام.

اما المقام الأول: فنقول لا ريب ان حب الشي‏ء لا يسري الى لوازمه كما ان بغض الشي‏ء لا يسري الى لوازمه فمن احب استقبال القبلة لا يجب ان يحب استدبار الجدي و من بغض الذهاب الى الظلمة لم يجب ان يبغض أخذ هداياهم اذا فرضنا وجود ملازمة بين الذهاب اليهم و اخذ هداياهم.

و تبرير ذلك واضح و هو ان الحب و البغض ليس امرا اعتباطيا لا سبب له. بل الحب لشي‏ء ينشئ عن وجود ملاك في هذا الشي‏ء كما ان البغض لشي‏ء لا بد ان ينشأ عن وجود ملاك في هذا الشي‏ء. و ملاك حب الشي‏ء هو رؤيه المصلحة فيه. و ملاك بغض الشي‏ء رؤية المفسدة فيه.

338

و الحاصل ان حب الشي‏ء متفرع عن رؤيه وجود المصلحة في هذا الشي‏ء. كما ان بغض الشي‏ء متفرع عن رؤيه وجود مفسدة في هذا الشي‏ء.

و من هنا نقول ان حب الشي‏ء لا يجب ان يسري الى لوازمه و ذلك لاحتمال ان اللوازم لا مصلحة فيها و انما المصلحة في نفس الشي‏ء فإذا كان في استقبال القبلة مصلحة كان ذلك مستوجبا لحب استقبال القبلة. دون استدبار الجدي لأنه يحتمل ان لا مصلحة فيه فلو احبه لكان احبه بلا ملاك يقتضي حبه و هذا محال.

نعم لو فرض ان استدبار الجدي ايضا فيه مصلحة كان محبوبا و لكن لم يكن هذا الحب مترشحا عن حب استقبال القبلة بل هو حب ناشئ عن ملاك مستقل كما ان حب استقبال القبلة ناشئ عن ملاك مستقل فتحصل ان حب الشي‏ء يستحيل ان يسري الى لوازمه لأنه لو سرى اليها لكان بلا علة و هو محال.

و الحاصل ان لوازم المحبوب. اما ان يكون فيها ملاك الحب (المصلحة) او لا.

فعلى الأول تكون محبوبه بنفسها حبا مستقلا كنفس الحب المتعلق بالملزوم. و ليس حبها حبا ترشح عليها من حب الملزوم.

و على الثاني يستحيل ان تكون محبوبه اذ لو كانت محبوبه لكانت محبوبه بلا وجود علة تقتضي الحب و هذا محال.

و مجرد الملازمة مع المحبوب في التحقق لا تستلزم الحب و ليست علة له. هذا كله في المقام الأول.

اما المقام الثاني أي ان اعتبار الحكم لأحد المتلازمين يستلزم اعتبار نفس الحكم للملازم الآخر. فنقول لا ريب في فساد هذه الملازمة و ذلك لأمور.

الأول: ما عرفته من ان الجعل و الاعتبار فعل اختياري للمولى و مجرد الحكم للملزوم لا يستوجب مقهورية المولى على جعل الحكم للملازم.

339

فإذا جعل المولى حكم الوجوب لاستقبال القبلة. لا يصبح مقهورا و مضطرا لجعل حكم الوجوب على استدبار الجدي بل هو على كامل الاختيار بإمكانه ان يجعل و بإمكانه ان لا يجعل.

الثاني: ما عرفته من ان الجعل و الاعتبار انما ينشئ عن ملاك و هو الحب و البغض و قد عرفت ان حب الشي‏ء لا يسري الى لوازمه فلو حكم على اللازم لكان حكما بلا ملاك و هذا محال.

الثالث: ما عرفته من ان الغرض من الجعل و الاعتبار هو البعث و الزجر و من الواضح ان البعث نحو الملزوم هو بعث نحو اللوازم فإذا فرضنا تحقق البعث نحو الملزوم يستحيل البعث نحو اللوازم و ذلك لأن البعث نحو اللوازم اما بغرض البعث اولا بغرض.

فعلى الأول يكون تحصيل الحاصل لأن البعث نحو اللوازم متحقق حين البعث نحو الملزوم.

و على الثاني كان البعث بلا علة غائيه و هو محال.

نعم لو فرضنا ان في اللوازم مصلحة و حب مستقل كان البعث نحوها حسنا لأنه مقتضي لازدياد الداعي عند المكلف.

الرابع: أنه غالبا ما يكون الملزوم له لوازم لا متناهية و لو بتوسط لوازم اللوازم فهذه الملازمة تقتضي لا نهائية الاعتبار و الجعل.

تنبيهات:

الأول: لا يخفى اننا اعرضنا في هذا المبحث و في غيره من المباحث عن احتمال ان يكون الغرض من الجعل و الاعتبار هو غير البعث كما لو كان الغرض مجرد بيان القدرة على الجعل و الاعتبار فإن هذا الغرض و ان كان يستوجب رفع لغويّة التكليف إلّا ان هذا الغرض غير محتمل في مولانا و في شريعتنا فإن احكام الشريعة على الظاهر كلها كانت بغرض بعث المكلف و زجره و الله تعالى هو العالم.

التنبيه الثاني: ان كل كلامنا كان في التلازم بحسب نظر الدقة العقليّة

340

و قد اتضح ان العقل لا يرى ملازمة بين حكم المتلازمين و لكن يبقى الكلام في الملازمة بحسب نظر العرف فنقول.

ادعى الميزر النائيني (ره) وجود الملازمة العرفيّة في الضدين اللذين لا ثالث لهما. توضيح ذلك ان الضدين قسمان.

الأول: لا ثالث لهما أي ان الموضوع غير قابل لغيرهما كالحركة و السكون.

القسم الثاني: الضدان اللذان لهما ثالث كالسواد و البياض فلهما ثالث و هو الحمرة و نحو ذلك من الاضداد.

فإذا كان الضدان من القسم الأول كان الدليل الدال على حكم احدهما دالا على حكم عدم الآخر و ذلك لأن العرف يرى الوحدة بين الضد و عدم ضده الآخر الذي لا ثالث له. فالسكون عند العرف هو عدم الحركة فلا فرق عند العرف بين ان يقول اسكن و بين ان يقول لا تتحرك اذن فالدليل الدال على وجوب السكون يكون دالا على وجوب عدم الحركة لوحدة السكون و عدم الحركة بنظر العرف.

و اما اذا كان الضدان من القسم الثاني لم يكن الدال على وجوب الضد دالا على وجوب عدم اضداده فإن عدم الضد عند العرف غير الضد فمثلا البياض يختلف مفهوما عن عدم السواد عند العرف فإذا قال اريد البياض لم يكن معناه بنظر العرف انه يريد عدم السواد و عدم بقية الالوان.

اقول اما ما افاده في القسم الثاني فهو جيد و ان تأمل به بعض المحققين و لا وجه للتأمل فإن الحاكم في المسألة هو العرف و هو ببابك فارجع اليه تجد ما نقول من ان العرف لا يرى وحدة بين الضد و عدم اضداده و لا بين الضد و عدم ضده الخاص.

و اما ما افاده في القسم الأول فقد اعترض عليه بعض الاعلام من انه لا وجه لافتراق القسم الأول عن القسم الثاني لأن ملاك الملازمة في الحكم هو التلازم في التحقق و هذا الملاك موجود في القسمين فكما ان وجود

341

السكون يلازم عدم الحركة في الخارج فكذلك وجود البياض يلازم عدم بقية الاضداد.

و اذا كان الملاك موجودا في القسمين فإما ان نراه و نجزم بأنه ملاك في القسمين فيجب الاعتراف بوجود التلازم في الحكم في كلا القسمين.

و اما ان ننكر انه ملاك في القسمين فيجب انكار التلازم في الحكم في كلا القسمين.

اقول: هذا اعتراض عجيب لأنه مبني على الخلط بين التلازم بالدقة العقليّة و التلازم بحسب النظر العرفي فهذا الاعتراض انما يرد على التفرقة بين القسمين في التلازم بالدقة العقليّة.

و لكنك عرفت ان الميرزا النائيني (ره) لم يفرق في التلازم بالدقة العقليّة بل هو معترف و مصرح بأن بحسب الدقة العقليّة لا فرق بين القسمين.

و من الواضح ان هذا الاعتراض لا يرد على التفرقة بحسب النظر العرفي فإن العرف (بحسب ملابسات خاصة) قد يفرق بين ما لا فرق بينهما بحسب الدقة العقليّة.

فالأولى في الجواب احد أمرين.

الأول: انكار وجود الوحدة العرفيّة بين الضد و عدم ضده المنحصر.

و هذا الانكار مخالف للوجدان فلا سبيل اليه.

الثاني: ما ذكرناه آنفا من ان الدلالة المعتمدة على خطأ العرف مردودة و لا يجوز العمل بها لأننا نعلم بمخالفتها للواقع حيث اننا نعلم ان الحركة غير عدم السكون و حكم احدهما غير حكم الآخر واقعا و ان الدليل الواحد لا بد ان يدل على احدهما لاستحالة دلالة الدليل الواحد على الحكمين فيجب ان يكون المراد الجدي للمتكلم هو احد الحكمين و بالتالي يكذب فهم العرف ان يكون عندنا حكم واحد للحركة و عدم السكون او حكمان متماثلان لكل واحد منهما.

342

التنبيه الثالث: ان الملازمة على فرض وجودها تجري في الاحكام الخمسة فإذا حرم الضد حرم عدم ضده المنحصر و حرم عدم جميع اضداده المتعددة. و اذا كره او استحب او حل الضد كان العدم كذلك.

كما ان هذه الملازمة كما تسري من الوجود الى العدم كذلك نسري من العدم الى الوجود فإذا كان عدم الحركة واجبا كان السكون كذلك ..

و هكذا.

و سر ما ذكرناه واضح و هو وجود الملاك في الجميع فإن ملاك سريان الحكم هو (التلازم في الوجود و التحقق) و هذا الملاك موجود في الاحكام الخمسة و موجود في العدم و الوجود.

التنبيه الرابع: قد عرفت ان الصحيح عدم سريان الحكم من الملزوم الى اللازم و لكن مع ذلك يوجد دعوى ثانية مقبولة توضيح ذلك ان الحكمين في المتلازمين على اربع مراتب.

الأولى: ان يكون الحكمان متوافقين فإذا كان احدهما وجوبا كان الآخر كذلك و اذا كان البياض حراما كان عدم جميع اضداده حراما و هكذا.

الثانية: ان يكون الحكمان متباينين كأن يكون الأول وجوبا و الثاني حرمة كما اذا فرض ان الحركة واجب و عدم السكون حرام.

الثالثة: ان يكون الحكمان لا متباينين و لا متوافقين كما اذا فرض ان الحركة واجب و عدم السكون مباح.

الرابعة: ان يكون احدهما له حكم و الآخر لا حكم له كما لو فرض ان الحركة واجب و عدم السكون لا حكم له.

اذا عرفت هذه المراتب الأربعة نقول:

اما المرتبة الأولى فقد عرفت الكلام فيها و عرفت ان احد الحكمين لا يلازم الآخر و لا يضاده فقد يكون المتلازمان محكومين بحكمين متماثلين و قد لا يكون كذلك. و هذا معنى عدم وجود الملازمة بين حكمي المتلازمين وجودا.

و اما المرتبة الثانية فلا ريب في استحالتها اذ يستحيل وجوب احد

343

المتلازمين و حرمة الآخر فيستحيل وجوب الحركة و حرمة عدم السكون و ذلك لأمرين.

الأول: ما عرفته غير مرة من ان الاحكام الشرعيّة انما تنشأ عن مصالح و مفاسد و حينئذ فإذا فرض وجود مصلحة في كلا المتلازمين وجب الحكم بالوجوب في كليهما.

و كذا اذا فرض وجود المفسدة في كليهما وجب الحكم بحرمة كليهما.

و عند الاختلاف بأن يفرض في احدهما مصلحة و في الآخر مفسدة. كما لو فرض ان في الحركة مصلحة و في عدم السكون مفسدة.

ففي هذه الحالة يقع التزاحم بين مصلحة الأول و مفسده الثاني فيجب على المولى رعاية الأهم و تقديمه و اسقاط الآخر.

فإذا فرض ان الاهم هو المصلحة في الحركة استوجب ذلك التكليف بالحركة دون عدم السكون.

و اذا فرض تساويهما وجب التخيير و بالتالي لا مجال لتشريع وجوب احدهما و حرمة الآخر الا في حالة نادرة لا حاجة الى ذكرها (1).

الثاني: ان ايجاب احدهما مع النهي عن الآخر هو تكليف بغير المقدور اذ لا يمكن للعبد امتثالهما معا أي يأتي بالواجب (الحركة) و ينتهي عن الحرم (عدم الحركة).

و اما المرتبة الثالثة فلا مانع منها فتكون الحركة واجبة و عدم السكون في نفسه مباحا حيث لا مصلحة فيه و لا مفسده.

و اما المرتبة الرابعة فلا مانع منها عقلا كالمرتبة السابقة و لكن قد يقال بأن هذا مخالف لقاعدة (ان كل واقعة لها حكم) فعلى هذه القاعدة يكون اللازم في كلا المتلازمين ان يكونا محكومين بحكم.

____________

(1) و هي مبنية على القول بالترتب و كون الوجود عباديا فيأمر به لامتثاله في ظرف عصيان العدم.

344

و المفروض أن فعل الضد الخاص يلازم ترك المأمور به (أي الضد العام)، كالأكل مثلا الملازم فعله لترك الصلاة المأمور بها. و عندهم أن الضد العام محرم منهي عنه- و هو ترك الصلاة في المثال- فيلزم على هذا أن يحرم الضد الخاص و هو الأكل في المثال. فابتنى النهي عن الضد الخاص بمقتضى هذا المسلك على ثبوت النهي عن الضد العام.

____________

و لكن الصحيح ان هذه القاعدة لا دليل عليها بل هي باطله و لعلنا نتعرض لإبطالها في مقام آخر.

فتحصل انه لا يوجد ملازمه سوى في المرتبة الثانية على نحو ما قدمناه (أي اذا كان احد المتلازمين محكوما بحكم امتنع ان يكون الثاني محكوما بمباينه) و بهذا ينتهي الكلام في مسلك التلازم فلنتعرض لكلمات المصنف (ره).

قوله (ره) (ان حرمة احد المتلازمين ...).

أقول: هذا اشارة الى المقدمة الثانية من المقدمات الثلاثة لمسلك التلازم.

قوله (ره) (و المفروض ان فعل ...).

اقول: هذا اشارة الى المقدمة الأولى.

قوله (ره) (و عندهم ان الضد العام ...).

اقول: هذا اشارة الى المقدمة الثالثة.

ثم انه لا يخفى عليك ان بعد تماميّة هذه المقدمات الثلاث يمكن صياغه الاستدلال بصياغتين.

الأولى: ما ذكرها المصنف. من انه اذا وجب الضد (كالإزالة) حرم ضده العام (ترك الازالة) و اذا حرم ترك الإزالة حرم لازمها و هو الصلاة.

و هو المطلوب.

الصياغة الثانية: و هي التي ذكرناها سابقا و هي انه اذا وجب الإزالة وجب ملازمه و هو الضد العام للضد الخاص اعني (ترك الصلاة) فإن ترك‏

345

أما نحن فلما ذهبنا إلى أنه لا نهي مولوي عن الضد العام، فلا موجب لدينا من جهة الملازمة المدعاة للقول بكون الضد الخاص منهيا عنه بنهي مولوي. لأن ملزومه ليس منهيا عنه حسب التحقيق الذي مر.

على أنا نقول- ثانيا- بعد التنازل عن ذلك و التسليم بأن الضد العام منهي عنه: إن هذا المسلك ليس صحيحا في نفسه، يعني أن كبراه غير مسلمة، و هي «أن حرمة أحد المتلازمين تستلزم حرمة ملازمة الآخر «فإنه لا يجب اتفاق المتلازمين في الحكم لا في الوجوب و لا الحرمة و لا غيرهما من الأحكام، ما دام أن مناط الحكم غير موجود في الملازم الآخر. نعم القدر المسلم في المتلازمين أنه لا يمكن أن يختلفا في الوجوب و الحرمة على وجه يكون أحدهما واجبا و الآخر

____________

الصلاة ملازم للإزالة. و اذا وجب ترك الصلاة حرم ضده العام و هو ترك ترك الصلاة. أي نفس الصلاة و هو المطلوب. و كلا الصياغتين مقبولتان.

قوله (ره) (و اما نحن فلما ذهبنا الى انه لا نهي ...).

اقول: هذا اشارة الى ابطال المقدمة الثالثة.

قوله (ره) (على انا نقول ثانيا بعد التنازل عن ذلك ...).

اقول: هذا اشارة الى ابطال المقدمة الثانية.

قوله (ره) (ما دام ان مناط الحكم ...).

اقول: هذا اشارة الى الأمر الثاني من الأمور الثلاثة التي أبطلنا بها المقدمة الثانية.

قوله (ره) (نعم القدر المسلم في المتلازمين ...).

اقول: هذا اشارة الى وجود الملازمة في المرتبة الثانية كما نبهنا عليه في التنبيه الرابع.

قوله (ره) (فإما ان يحرم احدهما او يجب الآخر ...).

اقول: كما يتنافى الوجوب و الحرمة كذلك يتنافى الوجوب و الكراهة و الحمرة و الاستحباب و الوجه واضح فلا تغفل.

346

محرما، لاستحالة امتثالهما حينئذ من المكلف فيستحيل التكليف من المولى بهما، فإما أن يحرم أحدهما أو يجب الآخر. و يرجع ذلك إلى باب التزاحم الذي سيأتي التعرض له.

و بهذا تبطل (شبهة الكعبي) المعروفة التي أخذت قسطا وافرا من أبحاث الأصوليين إذ كان مبناها هذه الملازمة المدعاة، فإنه نسب إليه القول بنفي المباح بدعوى إن كل ما يظن من الأفعال أنه مباح فهو واجب في الحقيقة، لأن فعل كل مباح ملازم قهرا لواجب و هو ترك محرم واحد من المحرمات على الأقل.

____________

(الثاني)- مسلك المقدمية:

و خلاصته: دعوى أن ترك الضد الخاص مقدمة لفعل المأمور به، ففي المثال المتقدم يكون ترك الأكل مقدمة لفعل الصلاة. و مقدمة الواجب واجبة. فيجب ترك الضد الخاص.

قوله (ره) (و يرجع ذلك الى باب التزاحم الذي ...).

اقول: بل باب التعارض لاستحالة صدور هذين الحكمين لهذين العنوانين و لعلنا نتعرض له في المباحث الآتية.

نعم هو من باب تزاحم الملاك لا الاحكام و سوف يأتي توضيح كل ذلك ..

و قوله (ره) (و بهذا تبطل شبهه الكعبي ...).

اقول: سنتعرض لشبهة الكعبي بعد الانتهاء من عرض المسلك الثاني فانتظر.

قوله (ره) (و خلاصته دعوى ان ترك الضد مقدمة ...).

اقول: هذا هو المسلك الثاني و هو يتوقف على ثلاث مقدمات.

الأولى: ان ترك الضد هو مقدمة لفعل الضد الآخر فترك الصلاة مقدمة للإزالة.

الثانية: ان مقدمة الواجب واجبة فينتج من هاتين المقدمتين ان ترك الضد (كترك الصلاة) واجب غيري.

347

و إذا وجب ترك الأكل حرم تركه، أي ترك ترك الأكل، لأن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن الضد العام. و إذا حرم ترك ترك الأكل، فإن معناه حرمة فعله، لأن نفي النفي إثبات. فيكون الضد الخاص منهيا عنه.

____________

الثالثة: ان الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده العام.

فينتج انه اذا وجب ترك الصلاة حرم ضده العام و هو (ترك ترك الصلاة) و قد عرفت ان نفي النفي اثبات ف (ترك ترك الصلاة) هو فعل الصلاة فيكون حراما.

فانقدح انه مع تماميّة هذه المقدمات الثلاثة ينتج ان وجوب الضد يقتضي حرمة ضده الخاص بالحرمة التبعيّة.

اذا عرفت ذلك نقول اما المقدمة الثالثة فقد عرفت فسادها فإن الأمر بالشي‏ء لا يقتضي النهي عن ضده العام.

و اما المقدمة الثانية فقد عرفت فسادها. فإن مقدمة الواجب ليست واجبة.

اما المقدمة الأولى فهي محل الكلام و سوف يأتي التعرض لها.

قوله (ره) (و اذا حرم ترك ترك الاكل).

اقول: قد كررنا القول ان (ترك الترك) هو عين الفعل و توضيح ذلك انه لا ريب ان مفهوم الفعل يباين مفهوم ترك الترك فمفهوم (الصلاة) يباين مفهوم (ترك ترك الصلاة) فإن الأول مفهوم وجودي و الثاني مفهوم عدمي.

اذن ما هو مرادنا عند ما نقول ان ترك الترك هو الفعل.

الجواب اننا نريد ان ترك الترك في الخارج هو الفعل توضيح ذلك ان الوجود نقيض العدم و العدم نقيض الوجود فليس احدهما سوى رفع الآخر فعدم العدم هو الوجود لا ان العدم له عدم مستقل عن الوجود و إلّا استلزم التسلسل اذ كل عدم يكون له عدم و هكذا.

مضافا الى انه لا وجه لأن يضاف العدم الى العدم إلّا اذا اريد معنى مساوق للوجود و ذلك لان العدم المضاف اليه اما ان يراد به الموجود و اما ان‏

348

هذا خلاصة مسلك المقدمية. و قد رأيت كيف ابتنى النهي عن الضد الخاص على ثبوت النهي عن الضد العام.

و نحن إذ قلنا بأنه لا نهي مولوي عن الضد العام فلا يحرم ترك ترك الضد الخاص حرمة مولوية أي لا يحرم فعل الضد الخاص. فثبت المطلوب.

على أن مسلك المقدمية غير صحيح من وجهين آخرين:

أحدهما: إنه بعد التنزل عنا تقدم و تسليم حرمة الضد العام، فإن هذا المسلك كما هو واضح يبتني على وجوب مقدمة الواجب، و قد سبق أن أثبتنا أنها ليست واجبة بوجوب مولوي، و عليه لا يكون ترك الضد الخاص واجبا بالوجوب الغيري المولوي حتى يحرم فعله.

ثانيهما: إنا لا نسلم أن ترك الضد الخاص مقدمة لفعل المأمور به، و هذه المقدمية- أعني مقدمية الضد الخاص- لا تزال مثارا للبحث عند

____________

يراد به المتحقق في الخارج.

فعلى الأول يكون المعنى (عدم العدم الموجود) و هذا محال لاستحالة كون العدم موجودا.

و على الثاني كان المعنى (عدم تحقق العدم) و هذا المعنى ليس سوى الوجود اذ عند عدم تحقق العدم يجب ان يتحقق الوجود لاستحالة انعدام النقيضين (العدم و الموجود) من التحقق. فإذن عدم العدم هو عين الوجود في الخارج و هو المطلوب.

قوله (ره) (ثانيهما انا لا نسلم ان ترك الضد الخاص ...).

اقول: قد عرفت ان مسلك المقدمية باطل ببطلان مقدمته الثالثة و باطل ببطلان مقدمته الثانية و هذا شروع في ابطاله بإبطال مقدمته الأولى.

و هذه المسألة كما ذكر المصنف (ره) من المسائل التي تحتاج الى ضرب من الدقة. و نحن ذاكرون اهم ما ذكر في هذه المسألة محاولون تبسيطه و تسهيله على القارئ بما تيسر لنا و الله تعالى هو المعين فنقول ان دعوى المقدمية تبتني على مقدمتين.

349

المتأخرين حتى أصبحت من المسائل الدقيقة المطولة، و نحن في غنى عن البحث عنها بعد ما تقدم.

____________

الأولى: ان المعلول لا يوجد إلّا بعلته التامة و العلة التامة مركبة من ثلاثة اجزاء.

الأول: المقتضي و هو الذي يقتضي التأثير و ايجاد المعلول كالنار المقتضية للإحراق.

الثاني: الشرط و هو اما متمم لفاعليه المقتضي و اما متمم لقابلية القابل مثل المحاذاة بين النار و الورقة فإن المحاذاة هنا متممه لفاعليه النار فإنه لا تكون فاعلا الا عند المحاذاة.

الثالث: عدم المانع و هو عدم ما يحجب المؤثر (المقتضي) عن التأثير فلو فرض ان المقتضي كان كامل الفاعليّة كان مقتضيا لإبراز اثره الى الخارج و لا يتم ذلك الا بإعدام الموانع التي تمنع من بروز الاثر الى الخارج و ذلك كالرطوبة في الخشب فإنها مانعة من تحقق الاحتراق فلا بد من تحقق عدم الرطوبة حتى تتم العلة التامة للإحراق.

فالعلة التامة هي المركبة من هذه الاجزاء الثلاثة و من الواضح ان العلّة مقدمة للمعلول لوضوح ان المعلول يتوقف وجوده على وجود العلّة و بالتالي يكون وجود المعلول متوقفا على وجود كل اجزاء العلة التامة أي المقتضي و الشرط و عدم المانع فتكون هذه الثلاثة مقدمات للمعلول.

فتحصل ما هو المهم هنا من ان عدم المانع مقدمة لوجود المعلول.

المقدمة الثانية: ان الضدين كالسواد و البياض متمانعان كما هو مسلم فيكون عدم أحدهما مقدمة للآخر لما عرفت من ان عدم المانع مقدمة لوجود الممنوع فعدم البياض مقدمة لوجود السواد. و كذا العكس أي عدم السواد مقدمة لوجود البياض.

هذا تمام الكلام في توجيه دعوى ان عدم الضد الخاص مقدمة للضد الآخر و قد ذكرها المصنف.

اذا عرفت هذا التوجيه فيقع الكلام في مقامين.

350

و لكن لحسم مادة الشبهة لا بأس بذكر خلاصة ما برفع المغالطة في دعوى مقدمية ترك الضد، فنقول:

____________

الأول: ابطال هذا الاستدلال.

الثاني: الاستدلال على ان عدم الضد ليس مقدمة لضده الخاص.

اما المقام الأول: فقد ذكر لإبطال هذا الاستدلال وجوه متعددة نذكر منها ثلاثة.

الأول: ما ذكره المصنف (ره) في المتن و قد أوضحه و حاصله ان كلمة مانع لها معنيان.

الأول: المانع من تأثير المقتضي (بالكسر) في المقتضى (بالفتح) او بعبارة اخرى هو المتوسط بين العلة و المعلول بحيث يمنع من ترشح العلة على المعلول كالرطوبة المتوسطة بين النار و الاحراق بحيث تمنع من ترشح النار على الاحراق. و مثل الحاجب المانع من الرؤية فإنه واقع بين القوة الباصرة (كالعين) و الإبصار بحيث يمنع من ترشح البصر على الإبصار و هكذا.

الثاني: التمانع في الوجود أي ان يكون احد الوجودين لا يجتمع مع الآخر لوجود المنافرة بين الوجودين. كالسواد و البياض فإنهما متمانعان أي متنافران لا يجتمعان لا ان البياض يقع بين علة السواد و نفس السواد بحيث يكون مانعا من ترشح علة السواد على السواد.

و كذا ليس السواد واقعا بين علة البياض و نفس البياض بحيث يكون مانعا من ترشح علة البياض على البياض.

اذا عرفت هذين المعنيين نقول ان عدم المانع الذي هو جزء العلة هو عدم المانع بالمعنى الأول لا بالمعنى الثاني.

و اما الضد فهو مانع بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأول.

و من هنا لا يصح دعوى ان عدم الضد هو مقدمة لوجود الضد الآخر لأن عدم الضد ليس من قبيل عدم المانع بالمعنى الأول.

هذا تمام ما ذكره المصنف (ره) و هو جيد إلّا انه يمكن ان يعترض عليه‏

351

إن المدعي لمقدمية ترك الضد لضده تبتني دعواه على أن عدم الضد من باب عدم المانع بالنسبة إلى الضد الآخر للتمانع بين الضدين، أي لا يمكن اجتماعهما معا، و لا شك في أن عدم المانع من‏

____________

باعتراض توضيحه يتوقف على مقدمتين.

الأولى: ان الضدين على قسمين.

الأول ان يكون موضوعهما مجردا عنهما في كل آن بحيث يحتاج وجود كل واحد منهما في كل آن إلى علته مثل المشي شمالا و المشي يمينا فإنهما متضادان و موضوعهما ذات الانسان و هو في كل آن مجرد عنهما فيحتاج وجود أي واحد منهما في أي آن الى علته فالمشي الى الشمال او اليمين في هذا الحين يحتاج الى العلّة و كذا في الحين الذي بعده و كذا الذي بعده و هكذا فلو مشى الى اليمين اولا ثم الى الشمال ثانيا لم يكن المشي الشمالي واقعا على المشي اليميني بل كان واقعا حين انعدام المشي اليميني.

و من هذا القبيل السواد و البياض اذا فرض ان الجسم مشغول بالحمرة فإن الجسم حينئذ يكون خاليا من كل منهما بحيث ان كل واحد منهما يحتاج وجوده الى وجود علته المحدثة له فلا يوجد بياض و لا سواد الا بعلة تحدثه.

القسم الثاني: ان يكون موضوعهما موصوفا بأحدهما في كل آن بحيث لا يحتاج وجود الموجود الى علة محدثه بل يكون له وجود مستمر بحيث لو وقع الضد الآخر لوقع على الضد الموجود. كالسواد و البياض فإن السواد اذا حل بالجسم يكون وجوده مستمرا فلو وجد البياض في هذا الجسم لوجد مع السواد.

المقدمة الثانية: ان اجتماع الضدين محال كما هو واضح فوجود احد الضدين لا يمكن ان يتم الا عند خلو الموضوع من جميع الأضداد الأخرى.

إذا عرفت هاتين المقدمتين نقول إذا كان الضدان من القسم الأول لم يكن عدم الضد من قبيل عدم المانع فلا يكون جزء العلّة و ذلك لأن عند

352

المقدمات، لأنه من متممات العلة فإن العلة التامة- كما هو معروف- تتألف من المقتضي و عدم المانع.

____________

وجود علة المشي الى الشمال لا يكون المشي إلى اليمين موجودا فلا نحتاج الى اشتراط عدم المشي الى اليمين فإنه بذاته معدوم.

و هذا بخلاف الضدين من القسم الثاني فإن عدم الضد يكون من قبيل عدم المانع و ذلك لأن عند وجود علة البياض يكون السواد موجودا و بالتالي يمنع من ترشح علة البياض على البياض لاستحالة ان يكون الجسم موصوفا بالسواد و البياض معا فيتوقف حلول البياض به على رفع السواد.

و من هنا كان السواد واقعا متوسطا بين علة البياض. و نفس البياض و كان بحيث يمنع من ترشح علة البياض على البياض لأن الجسم لا يقبل وصف البياض مع وجود السواد.

و من هنا كان السواد مانعا من تأثير العلة في المعلول فكان عدم السواد عدم مانع من اجزاء العلة و من مقدمات المعلول.

و هذا هو المذهب المنقول عن الخونساري (ره) من ان عدم الضد الموجود هو عدم مانع بخلاف عدم الضد المعدوم بنفسه فإنه ليس من عدم المانع. و قد حكي نسبة هذا التفصيل ايضا عن العلامة الانصاري (ره).

و كيف كان فيرد عليه امران:

الأول: انه اذا كان عدم الضد من القسم الثاني هو عدم مانع يلزم ان يكون كذلك في القسم الأول غايته ان في القسم الأول يكون المانع (و هو المشي شمالا مثلا) منعدما بنفسه و هذا لا يعني ان عدمه ليس عدم مانع فإن حلول المشي شمالا في الجسم يمنع من حلول المشي يمينا غايته ان عند وجود علة المشي يمينا ينعدم المشي شمالا بنفسه فيكون عدم المانع متحققا لا انه ليس جزءا من العلة.

فلا فرق بين الضد الموجود و الضد المعدوم في المانعية غايته ان الثاني منعدم فلا يحتاج الى اعدام بينما الأول يحتاج الى اعدام و من الواضح ان هذا غير ضائر بالمانعية فإن الرطوبة اذا فرض انعدامها لا يقال ان عدمها ليس‏

353

فيتألف دليله من مقدمتين:

1- الصغرى: إن عدم الضد من باب «عدم المانع» لضده، لأن الضدين متمانعان.

____________

جزءا من علة الاحراق.

الأمر الثاني: و ذكره بعض المحققين و هو مبني على مقدمتين.

الأولى: ان هذا التفصيل ناشئ عن توهم ان بعض المعلولات تحتاج الى العلّة في حدوثها و لا تحتاج الى العلة في بقائها فعلى هذا يكون الضد الموجود المستغني عن العلّة في البقاء مانعا من وجود الضد الآخر فيتوقف وجود الضد الآخر على رفع هذا الضد الموجود.

و اما اذا بنينا على ان جميع المعلولات تحتاج الى العلة حدوثا و بقاء فحينئذ اذا فرض وجود السواد مستندا الى علته المستمرة فإما ان يفرض وجود مقتضي البياض ام لا.

فعلى الثاني كان عدم البياض لعدم المقتضي لا لعدم المانع.

و على الأول كان عدم البياض مستندا الى علة السواد لا الى نفس السواد.

المقدمة الثانية: ان هذا المبنى (اي ان المعلول يحتاج الى العلة في حدوثه دون بقائه) باطل كما حرر في محله بل الصحيح ان المعلول كما يحتاج الى علة في حدوثه يحتاج الى علة في بقائه.

اقول: اما المقدمة الثانية فسليمة و اما الأولى فيمكن أن يعترض عليها أنه حتى لو قلنا ان المعلول محتاج الى العلّة في بقائه كان المانع هو نفس الضد المستند بقاؤه مستندا الى العلة فالمانع من البياض هو نفس السواد و ان كان وجود هذا السواد و بقاؤه مستندا الى علته فإن الذي منع البياض من الوجود هو وجود ضده (السواد) لا وجود مقتضي السواد.

و هذا الاشكال لا يندفع إلّا بما يأتي في المقام الثاني عن الميرزا النائيني (ره).

الوجه الثاني: (من وجوه إبطال الاستدلال) ان دعوى ان عدم الضد

354

2- الكبرى: إن «عدم المانع» من المقدمات.

فينتج من الشكل الأول أن عدم الضد من المقدمات لضده.

____________

مقدمة لوجود الضد يستلزم الدور.

توضيح ذلك ان دعوى المقدمية هذه ناشئة من دعوى ان كل ضد مانع من الآخر و حينئذ كما يتوقف وجود الضد على عدم ضده الآخر توقف وجود المعلول على عدم المانع كذلك يتوقف عدم الضد على وجود الضد الآخر توقف عدم المعلول على وجود المانع.

فيكون وجود احد الضدين متوقفا على عدم الآخر كما ان عدم الآخر متوقف على وجود الضد.

و الحاصل ان عندنا قضيتين.

الأولى: ان وجود الضد يتوقف على عدم الضد الآخر.

الثانية: ان عدم الضد يتوقف على وجود الضد الآخر.

و اذا تمت هاتان القضيتان يصبح الدور في غاية الوضوح.

اما القضية الأولى فهي عين مدعى الخصم و دليلها ان وجود الضد معلول فهو متوقف على تحقق علته التامة التي منها عدم المانع و المفروض ان الضد مانع فيتوقف وجود الضد على عدم ضده.

فمثلا الصلاة و الإزالة ضدان متمانعان فيتوقف وجود الصلاة على تحقق علته التامة و جزء علته التامة عدم المانع و المفروض ان الإزالة مانع فيتوقف وجود الصلاة على عدم الإزالة و هكذا بالعكس. فهذا التوقف هو من جنس توقف وجود المعلول على عدم المانع.

اما القضية الثانية فلأنه كما يكون وجود المعلول متوقفا على وجود علته (التي منها عدم المانع) كذلك عدم المعلول يتوقف على عدم علته (التي منها عدم المانع). فيكون عدم الصلاة متوقفا على عدم (عدم المانع) أي عدم عدم الإزالة أي نفس الإزالة.

و كذا عدم الإزالة يتوقف على عدم (عدم المانع). أي عدم عدم الصلاة أي نفس الصلاة. هذا تمام تقرير الدور.