المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه‏ - ج3

- محمود قانصوه المزيد...
510 /
355

و هذه الشبهة إنما نشأت من أخذ كلمة (المانع) مطلقة، فتخيلوا أن لها معنى واحدا في الصغرى و الكبرى فانتظم عندهم القياس الذي‏

____________

و قد اجيب عليه بإنكار القضية الثانية و ذلك لأن عدم المعلول يتوقف على عدم علته التامة و عدم علته التامة يكون بعدم احد اجزائها- المقتضى الشرط، عدم المانع، فيمكن ان يكون عدم المعلول مستندا الى عدم المقتضي او الشرط لا الى عدم عدم المانع.

و حينئذ فيكون عدم الصلاة غير متوقف على وجود الإزالة بل متوقف على عدم مقتضي الصلاة.

فإذن وجود الإزالة متوقف على عدم الصلاة و لكن عدم الصلاة غير متوقف على وجود الإزالة.

و هذا الجواب ذكره صاحب الكفاية (ره) و ذكر عليه اعتراضا و ما ذكرناه كاف بهذا المقام.

المقام الثاني: في اثبات ان عدم الضد ليس مقدمة لوجود الضد الآخر و يستدل لذلك بأدلة.

الأول: ما ذكره المحقق النائيني (ره) و هو يتألف من مقدمتين.

الأولى: ان المانع كما عرفت هو الذي يقع متوسطا بين المقتضي (بالكسر) و المقتضى (بالفتح) فرتبه وجود المانع متأخرة عن رتبة وجود المقتضي فالرطوبة لا تكون مانعا من الاحراق الا عند وجود النار و المحاذاة.

فلا يقال عند انعدام النار ان عدم الاحراق كان لوجود المانع و هو الرطوبة بل يقال عدم الاحراق كان لعدم المقتضي.

الثاني: انه كما يستحيل وجود الضدين و اجتماعهما كذلك يستحيل وجود مقتضي الضدين بل اما ان يوجد مقتضي احد الضدين و اما ان لا يوجد أي مقتضي. و اما وجود المقتضيين للضدين فهذا محال.

و يتفرع على هذه المقدمة لازم بديهي و هو انه عند وجود مقتضي احد الضدين كالسواد مثلا يستحيل وجود نفس الضد الآخر (البياض مثلا) و ذلك لأن وجود البياض اما ان يكون لوجود علته المقتضية له أولا.

356

ظنوه منتجا، بينما أن الحق أن التمانع له معنيان و معناه في الصغرى غير معناه في الكبرى، فلم يتكرر الحد الأوسط، فلم يتألف قياس صحيح.

____________

الثاني محال لاستحالة وجود المعلول بدون علة تقتضيه.

و الأول محال لاستحالة وجود مقتضيين للضدين اذ المفروض ان السواد كان له مقتضي.

اذا عرفت هاتين المقدمتين ينقدح بوضوح استحالة ان يكون احد الضدين مانعا من الآخر و ذلك لأنه لا يمكن تخيل المانع مانعا الا بعد وجوده.

و لا وجود له الا بعد تحقق علته التامة و منها المقتضي فالبياض لا يكون موجودا الا مع فرض وجود مقتضيه.

و بالتالي يستحيل وجود مقتضي السواد (الضد الآخر) كما تدل عليه المقدمة الثانية.

و بالتالي يستحيل ان يكون البياض مانعا من السواد كما تدل عليه المقدمة الأولى.

و بعبارة اخرى ان الضد (كالبياض) مثلا اما ان يكون مانعا قبل وجوده بنفسه او يكون مانعا بعد وجوده لا سبيل الى الأول تعين الثاني.

و لازم وجوده وجود علته و منها المقتضي.

و لازم وجود مقتضي هذا الضد (البياض) هو استحالة وجود مقتضي الضد الآخر (السواد) لما عرفت من استحالة وجود مقتضي الضدين.

و لازم استحالة وجود مقتضي هذا الضد (السواد) هو استحالة كون الضد الموجود (البياض) مانعا من الضد الآخر (السواد) و ذلك لما عرفت في المقدمة الأولى من ان رتبة وجود المانع بعد رتبة وجود المقتضي فلا يكون المانع مانعا الا بعد وجود المقتضي و المفروض استحالة وجود المقتضي كما عرفت فينتج استحالة وجود المانع.

اذا عرفت هذا الدليل فنقول كل الكلام في المقدمة الثانية فإنه لا دليل عليها بل الدليل على عدمها بالوجدان كما يكون عندك ارادة طاعة الله تعالى‏

357

و هي تقتضي الطاعة و ارادة اخرى لمعصية الله تعالى و هي تقتضي المعصية فهذان مقتضيا الضدين فتقع المزاحمة بين المقتضيين و يتقدم اقواهما و يهمل الاضعف و هذا الاضعف لا يصبح غير مقتضي بل يبقى على كونه مقتضيا غايته انه مقهور و ممنوع بالمقتضى الأقوى. و هكذا الأمثلة على ذلك كثيرة.

نعم يمكن تتميم كلام النائيني (ره) بمقدمة اخرى و هي انه اذا فرض ان للمقتضي عدة موانع مترتبة في الوجود فلا يكون الثاني مانعا الا بعد انعدام الأول و لا يكون الثالث مانعا الا بعد انعدام الثاني.

فمثلا لو وجد مقتضي قتل السلطان و كان له ثلاث حرس يحمونه اولهم زيد و عند ذهاب زيد يأتي عمر و عند ذهاب عمر يأتي بكر فهنا لا يمكن ان يكون عمر مانعا من قتل السلطان الا بعد انعدام زيد كما لا يمكن ان يكون بكر مانعا الا بعد انعدام زيد و عمر.

و الحاصل ان الموانع المتعددة المترتبة في الوجود لا يكون المتأخر مانعا الا بعد انعدام المتقدم و بناء على هذا. فإذا قلنا بوجود المقتضيين يكون المقتضي الاقوى (السواد) مانعا من المقتضي الاضعف.

و من هنا لا يكون نفس السواد مانعا لأن وجود السواد متأخر عن مقتضي السواد فإذا كان مقتضي السواد مانعا من وجود البياض استحال كون نفس السواد مانعا.

و بعبارة اخرى ان مقتضى البياض اما ان يوجد او لا.

فعلى الثاني لم يكن السواد و لا مقتضيه مانعا من وجود البياض لما عرفت من ان وجود المانع متأخر عن وجود المقتضي.

و على الأول. اما ان يكون السواد موجودا او لا.

فعلى الثاني لم يكن السواد و لا مقتضيه موجودا كما هو واضح فلا يصلحان للمانعية اذ المانعية متوقفة على الوجود كما عرفت.

و على الأول اما ان يكون مقتضى السواد اقوى من مقتضي البياض او مساويا او اضعف.

358

فعلى الأول يكون مقتضي السواد هو المانع من تأثير مقتضي البياض بالبياض أي يقع مقتضي السواد متوسطا بين مقتضي البياض و نفس البياض.

و بالتالي لا يكون نفس السواد مانعا كما عرفت.

و على الثاني فكذلك يكون مقتضي السواد مانعا من البياض و في نفس الوقت يكون مقتضي البياض مانعا من السواد فيكون المقتضيان متمانعين لمكان تساويهما و استحالة ترجيح احدهما على الآخر.

و بالتالي لا يكون السواد بنفسه مانعا كما عرفت من ان المانع المتأخر لا يكون مانعا الا بعد انعدام المتقدم.

و على الثالث يكون مقتضي البياض مانعا من السواد على نحو ما بيناه في الأول و لكن هنا الاقوى هو مقتضي البياض فهو المانع من السواد.

فظهر ان النوبة في المانعية لا تصل الى نفس الضد اصلا. و بهذا ينتهي الكلام في الدليل الأول.

تنبيه: قد انقدح لك ان التفصيل المنقول عن الخونساري (ره) أي التفصيل بين الضد الموجود و الضد المعدوم له وجه و ذلك اننا اذا فرضنا ان مقتضي البقاء عين طبيعة الضد كأن يفرض ان الله تعالى اودع هذا الضد طبيعة البقاء بعد الوجود فبناء على ذلك كان مقتضي البقاء نفس الضد و على هذا تصل النوبة في المانعية الى نفس الضد فإذا فرضنا أن بقاء السواد مستند إلى نفس القوة الكامنة في السواد فيكون السواد بنفسه مانعا من وجود البياض فيكون عدمه عدم مانع.

الدليل الثاني: و ذكره صاحب الكفاية (ره) على تفسير بعض الاعلام و حاصله يتألف من مقدمتين.

الأولى: ان العلة بتمام اجزائها (و منها عدم المانع) متقدمة في الرتبة على المعلول فيستحيل ان يكون ما هو في رتبة المعلول او متأخر عنه ان يكون من اجزاء العلة.

الثانية: ان عدم الضد في مرتبه وجود ضده فعدم السواد في مرتبه وجود البياض.

359

توضيح ذلك ان في مرتبه وجود البياض اما ان يتحقق السواد. او عدم السواد. او لا يتحقق كليهما. و لا يوجد احتمال رابع.

و الأول محال لاستحالة اجتماع الضدين اذ لو تحقق السواد كان موجودا مع وجود البياض المفروض وجوده.

و الثالث: محال لاستحالة ارتفاع النقيضين في المرتبة الواحدة فيستحيل ان يكون في رتبة البياض قد ارتفع السواد و عدمه.

فتعين الثاني و هو المطلوب.

و ينتج من هاتين المقدمتين استحالة ان يكون عدم الضد من اجزاء علة وجود ضده (اي عدم مانع) لأن عدم الضد في مرتبه وجود الضد و اجزاء العلّة لا تكون في مرتبه وجود المعلول.

و اعترض بعض الاعلام على هذا الدليل بأنه مبني على اصل و هو (ان استحالة اجتماع الضدين و النقيضين انما تكون مع وحدة المرتبة). ثم شرع في ابطال هذا الاصل و اثبات ان التضاد و التناقض من الصفات الخارجيّة فلا يحتاج الى وحده المرتبة.

اقول لا ريب يوجد سهو من المقرر لوضوح ان الدليل المتقدم ليس مبنيا على الاصل الذي ذكره بل مبنيا على اصل آخر و هو (ان استحالة اجتماع الضدين و النقيضين و ارتفاعهما كما تكون في الخارج كذلك تكون في الرتبة) فإنه اذا ثبت هذا الاصل يثبت استحالة ارتفاع النقيضين و اجتماع الضدين في المرتبة الواحدة و بالتالي تتم المقدمة الثانية فإن وجود السواد في مرتبه وجود البياض يؤدي الى اجتماع الضدين في المرتبة الواحدة و هو محال و ارتفاع السواد و عدمه في مرتبه وجود البياض يؤدي الى ارتفاع النقيضين في المرتبة الواحدة و هو محال فيتعين تحقق عدم السواد و هو المطلوب.

فكأن هذا السيد الجليل اراد ابطال هذا الاصل بأن يدعي ان هذه الاستحالات من شئون الخارج لا الرتب و لكن الخلط كان من المقرر.

و من هنا يكون ما ذكره هذا السيد الجليل في غاية التماميّة و اما توضيح‏

360

بيان ذلك: إن التمانع تارة يرد منه التمانع في الوجود، و هو

____________

بطلان هذا الاصل فموكول الى محل آخر. و بهذا ينتهي الكلام في المقام الثاني.

قوله (ره) (بيان ذلك ان التمانع تارة ...).

اقول: هذا اشارة الى الدليل الأول و قد نبهنا عليه فراجع.

بقي الكلام في شبهة الكعبي و حاصلها انه استنتج عدم وجود مباح في الشريعة. بل كل ما يتخيل أنه مباح من الشرب و الجلوس و النوم فهو واجب و هذه النتيجة ذكر لها دليلان:

الأول: ان هذه الاعمال متلازمة في الخارج مع (ترك محرم) و ترك المحرم واجب فيسري الوجوب الى ملازمه مثلا النوم ملازم لترك الزنى.

و ترك الزنى هو الضد العام للزنى المحرم فيكون واجبا. و بالتالي يسري هذا الوجوب الى النوم الملازم. فهنا ثلاث مقدمات.

الأولى: فعل هذه المباحات ملازم لترك المحرمات.

الثانية: ان الضد العام للمحرمات واجب.

الثالثة: ان ملازم الواجب واجب.

فينتج ان هذه المباحات ملازمة لترك محرمات الذي هو ضد عام لمحرم فيجب و بالتالي يجب هذه المباحات الملازمة له.

اقول: قد عرفت بطلان الثالثة و اما الثانية فكنا نتكلم عن ان الضد العام للواجب حرام. و اما الضد العام للحرام واجب فهذا ما لم نتكلم عليه و يمكن دعواه. و كيف كان فكلاهما باطل.

و اما الأولى فنقول فيها ان هذه المباحات ملازمة لترك المحرمات لكن ملازمة الملزوم للازم فهذه المباحات ملزوم و ترك المحرمات لازم و ذلك لأنه كلما وجدت المباحات وجد ترك المحرمات دون العكس. و هذا واضح.

و من هنا يصح لنا ان نسأل ان المقدمة الثالثة التي تدعي سريان الحكم في المتلازمين هل تدعي ذلك مطلقا حتى يسري الحكم من الملزوم الى اللازم و من اللازم إلى الملزوم و من الملزوم الى الملزوم (اي اللازم المنحصر).

361

امتناع الاجتماع و عدم الملاءمة بين الشيئين، و هو المقصود من التمانع بين الضدين إذ هما لا يجتمعان في الوجود و لا يتلاءمان، و أخرى يراد منه التمانع في التأثير و إن لم يكن بينهما تمانع و تناف في الوجود و هو الذي يكون بين المقتضيين لأثرين متمانعين في الوجود إذ يكون المحل غير قابل إلا لتأثير أحد المقتضيين فإن المقتضيين حينئذ يتمانعان في تأثيرهما فلا يؤثر أحدهما إلا بشرط عدم المقتضي الآخر. و هذا هو المقصود من المانع في الكبرى فإن المانع الذي يكون عدمه شرطا لتأثير المقتضي هو المقتضي الآخر الذي يقتضي ضد أثر الأول. و عدم المانع أما لعدم وجوده أصلا أو لعدم بلوغه مرتبة الغلبة على الآخر في التأثير.

و عليه فنحن نسلم أن عدم الضد من باب عدم المانع و لكنه عدم المانع في الوجود و ما هو من المقدمات عدم المانع في التأثير، فلم يتكرر الحد الأوسط. فلا نستنتج من القياس أن عدم الضد من المقدمات.

____________

او تخصص ذلك بالأخير فقط.

او بما لا يشمل الأول فقط.

و هذا السؤال لا يتوجه الينا حيث ثبت عندنا عدم وجود سراية اصلا فيتوجه الى مدعي السراية فنحتاج ان نعلم ما هو مستنده في دعوى السراية حتى نعلم ان دليله يقتضي الاطلاق او التقييد و لم اعثر على دليل يؤبه له في توجيه التلازم.

الدليل الثاني لشبهة الكعبي و هو مركب من ثلاث مقدمات:

الأولى أن حرمة الشي‏ء تقتضي وجوب ضده العام فيجب ترك المحرمات.

الثانية أن مقدمة الواجب واجبة فمقدمة ترك المحرمات واجبة.

الثالثة أن فعل المباحات مقدمات لترك المحرمات.

362

و اعتقد أن هذا البيان لرفع المغالطة فيه الكفاية للمتنبه، و اصلاح هذا البيان بذكر بعض الشبهات فيه و دفعها يحتاج إلى سعة من القول لا تتحملها الرسالة. و لسنا بحاجة إلى نفي المقدمة لإثبات المختار بعد ما قدمناه.

____________

أما الأولى و الثانية فقد عرفت الكلام فيهما و عرفت بطلانهما.

و أما الثالثة فهي دعوى جديدة تختلف عن الدعوى التي كنا نبحثها آنفا فإن بحثنا كان في أن عدم الضد مقدمة لوجود الضد الآخر.

أما هذه الدعوى فتدعي أن وجود الضد مقدمة لعدم الضد الآخر.

و هذه دعوى مختلفة. و لكن حكمها يعرف من البحث السابق كما لا يخفى على الفطن.

363

ثمرة المسألة

إن ما ذكروه من الثمرات لهذه المسألة مختص بالضد الخاص فقط، و أهمها و العمدة فيها هي صحة الضد إذا كان عبادة على القول‏

____________

(قوله (ره)): (إن ما ذكروه من الثمرات لهذه المسألة مختص ...).

أقول دعوى اختصاص الثمرة بالضد الخاص إنما تتم بالنظر إلى حالة (يكون الذي تعلق به الوجوب أو الحرمة وجوديا).

و لا تتم بالنظر إلى حالة (يكون الذي تعلق به الوجوب أو الحرمة عدميا).

فهنا دعويان.

اما الأولى. فواضحة لأن الضد العام لا وجود له في الخارج حتى يترتب على حرمته صحة أو بطلان أو نحو ذلك من الأحكام المتعلقة بالموجودات. نعم لا يخلو الضد العام من ثمرة سوف نشير إليها.

و أما الدعوى الثانية فلأن الضد العام يكون وجوديا إذ عدم العدم هو الوجود و من ثم فيترتب على حرمته أو وجوبه أحكام مختلفة كما لا يخفى.

(قوله (ره)): (و أهمها و العمدة فيها ...).

أقول قد أهمل المصنف (ره) ثمرات أخرى و لم يعتنوا بها و لا بأس بالاشارة إلى اثنين منها.

الأولى: إذا كان الفعل واجبا فبناء على الاقتضاء يحرم ضده العام و يحرم الضد الخاص و يجب ضده العام. فلو وجب الصلاة حرم تركها و حرم الجلوس و غيره من أضداد الصلاة. و وجب ترك هذه الاضداد.

فهذه ثلاثة تكاليف إضافية تكون موجودة بناء على الاقتضاء و معدومة بناء على عدم الاقتضاء.

فإن قلت إن زيادة هذه التكاليف ليس ذا أثر كما قلنا في مقدمة الواجب.

قلت إن زيادة هذه التكاليف و إن لم يكن له أثر عملي إلا أنه له أثر مهم.

364

بعدم الاقتضاء، و فساده على القول بالاقتضاء.

____________

اما أنه ليس له أثر عملي فلوضوح أن وجوب الصلاة يقتضي كل ما ذكر.

اما أنه له أثر مهم فمبني على مذهب التلازم.

توضيح ذلك أنك عرفت أن الاقتضاء له مسلكان الأول المقدمية الثاني التلازم.

فعلى المقدمية كان وجوب ترك الضد الخاص وجوبا غيريا و بالتالي يكون حرمة الضد الخاص غيرية لأنها مأخوذة من الواجب الغيري فعلى هذا المذهب كان تكليفان من الأربعة تكليفين نفسيين و التكليفان الباقيان غيريين.

أما النفسيان فهما وجوب الصلاة (و نفسيته واضحة) و حرمة ترك الصلاة و هو نفسي أيضا لا مقدمي لأن البغض تعلق بترك الصلاة لا من جهة المقدمية.

و أما الغيريان فهما وجوب ترك الضد الخاص (لأنه وجب مقدمة) و حرمة الضد الخاص (لأن هذه الحرمة مشتقة من وجوب ترك الضد الخاص) و المشتق من التكليف الغيري يستحيل أن يكون تكليفا نفسيا.

فلا يكون العقاب على هذا المسلك إلا على التكليفين الأولين.

و أما على مسلك التلازم كانت جميع التكاليف الأربعة نفسية فيكون للمخالف أربع عقابات.

أقول هذه الثمرة تتوقف على الاعتراف بأن حرمة الضد العام حرمة نفسية و هي ممنوعة و ذلك لأن مناط التكليف النفسي أن يكون له مناط مستقل.

و هذا غير متحقق كما بيناه في المقام الثالث من بحث الضد العام.

فراجع حيث بينا هناك أن العاطفة الموجودة في النفس حب و بغض و انهما طوليان و على ذلك كان بغض الترك مترشحا من حب الفعل فالتكليف بحرمة الترك تكليف مترشح لا عقاب عليه و إن لم يكن مقدميا فلاحظ.

365

بيان ذلك: إنه قد يكون هناك واجب (أي واجب كان عبادة أو غير عبادة) و ضده عبادة، و كان الواجب أرجح في نظر الشارع من ضده‏

____________

الثمرة الثانية أنه على القول بالاقتضاء يكون الضد الخاص محرما فيترتب عليه أحكام المحرم فلو كان سفرا كان معصية فلا يجوز فيه التقصير.

و هذه الثمرة ليست أصولية كما لا يخفى.

(قوله (ره)): (بيان ذلك أنه قد يكون ...).

أقول هذه هي الثمرة المهمة في المقام و مورد هذه الثمرة أن يكون عندنا واجبان ضدان أحدهما عبادي كالصلاة، و الآخر هو الأهم سواء كان عباديا أو غيره.

فيقع التزاحم بين الواجبين و يقدم الأهم فيكون هو الواجب.

فبناء على الاقتضاء يحرم ضده العبادي فيبطل (بناء على أن الحرمة مطلقا مبطلة للعبادة).

و بناء على عدم الاقتضاء لا يحرم ضده العبادي فلا يبطل.

هذه هي خلاصة الثمرة، و هي تحتوي على ركنين.

الأول: بطلان الضد العبادي بناء على الاقتضاء.

الركن الثاني: صحة الضد العبادي بناء على عدم الاقتضاء.

أما الركن الأول، فتوضيحه أن الضد العبادي يكون منهيا عنه نهيا غيريا مقدميا (بناء على مسلك المقدمية). و نهيا ترشحيا (بناء على مسلك الملازمة).

و سوف يأتي أن النهي عن العبادة يقتضي الفساد إلا أنه قد ينازع في أن النهي غير النفسي يقتضي الفساد أم لا.

فالقول ببطلان الضد العبادي متوقف- بعد القول بالاقتضاء- على القول بأن مطلق النهي عن العبادة يقتضى بطلانها.

أما الركن الثاني فلأن الضد لا يكون منهيا عنه و لا يوجد مقتضى آخر لفساده فيكون صحيحا. و سوف يأتي النقاش في صحة هذه الثمرة.

(قوله (ره)): (و كان الواجب أرجح ...).

أقول قد عرفت أن مورد الثمرة هو أن يكون واجبان أحدهما عبادي مهم و الآخر أهم سواء كان عباديا أو توصليا مثل الصلاة و الازالة فإنهما

366

العبادي، فانه لمكان التزاحم بين الأمرين للتضاد بين متعلقيهما و الأول أرجح في نظر الشارع، لا محالة يكون الأمر الفعلي المنجز هو الأول دون الثاني.

____________

واجبان الأول عبادي مهم و الثاني توصلي أهم.

و مثل صلاة القضاء و صلاة الفريضة فإن الأول عبادي مهم و الثاني عبادي أهم.

ثم إن السؤال يقع أنه هل تترتب هذه الثمرة فيما لو كان المهم هو الواجب غير العبادي سواء كان الأهم عباديا أو توصليا مثل (انقاذ الغريق المخالف) و (الصلاة) الأهم.

و مثل (إنقاذ المؤمن العامي) و (إنقاذ المؤمن العالم).

أقول ظاهر المشهور اطباقهم على عدم تحقق الثمرة في هذا المورد و لكن الانصاف تحقق ثمرتين.

الأولى فقهية و الثانية أصولية.

أما الفقهية فهي أنه بناء على الاقتضاء يكون الضد التوصلي محرما غيريا فيترتب عليه احكام المحرم الغيري لو فرض وجودها كما في السفر و هذا واضح.

أما الأصولية فهي تترتب فيما إذا كان الضد التوصلي المهم عاما بدليا لا استغراقيا.

توضيح ذلك أن الضد التوصلي المهم تارة يكون استغراقيا مثل انقذ الغريق.

و أخرى يكون بدليا مثل أكرم عالما.

فإذا كان استغراقيا لم يترتب على حرمته سوى احكام المحرم و هذه ثمرة فقهية ففي المثال المتقدم لو (أنقذ المؤمن العامي) يكون قد فعل محرما و لا يكون ممتثلا لأي أمر حتى للأمر بإنقاذ الغريق لأن المفروض أن الأمر الفعلي هو لإنقاذ المؤمن العالم.

367

و حينئذ، فإن قلنا بأن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده الخاص، فإن الضد العبادي يكون منهيا عنه في الفرض، و النهي في العبادة يقتضي الفساد فإذا أتي به وقع فاسدا. و إن قلنا بأن الأمر بالشي‏ء لا يقتضي النهي عن ضده الخاص، فإن الضد العبادي لا يكون منهيا عنه، فلا مقتضى لفساده.

و أرجحية الواجب على ضده الخاص العبادي يتصور في أربعة موارد:

1- أن يكون الضد العبادي مندوبا، و لا شك في أن الواجب مقدم على المندوب كاجتماع الفريضة مع النافلة، فإنه بناء على اقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضده لا يصح الاشتغال بالنافلة مع حلول‏

____________

و لا يخفى أن عدم كون انقاذ المؤمن العامي امتثالا لا يترتب عليه شي‏ء أصلا.

و أما إذا كان بدليا كما لو تزاحم اكرام العالم مع انقاذ المؤمن.

ففي هذه الحالة يمكن أن يدعى وجود ثمرة و هي أنه بناء على الاقتضاء يكون (اكرام هذا العالم) محرما فلا يقع امتثالا للعام البدلي فيجب بالتالي على المكلف أن يمتثل العموم البدلي بواسطة اكرام عالم آخر.

و أما بناء على عدم الاقتضاء يكون (اكرام هذا العالم) جائزا فيجوز أن يقع امتثالا للعام البدلي و بالتالي يسقط التكليف بالعام البدلي عن ذمة المكلف.

نعم هذه الثمرة يمكن أن يناقش في صحتها كما يمكن أن يناقش في صحة الثمرة المشهورة في المورد المشهور.

فالاختلاف في صحتها لا يخرجها عن كونها ثمرة البحث و لو على بعض الأقوال.

و ستعرف حال هذه الثمرة كسابقتها في المباحث التالية.

قوله (ره): (فإنه بناء على اقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن ضده ...).

أقول توضيح المسألة أن التزاحم بين النافلة و الواجب له صور أربع:

الأولى أن يكون كلاهما مضيقين كتزاحم النافلة و الصلاة في آخر

368

الوقت.

الثانية أن يكون كلاهما موسعين كتزاحم النافلة و الصلاة في أول الوقت.

الثالثة أن يكون النافلة موسعة و الواجب مضيقا كما لو تزاحم النافلة اليومية مع صلاة الآيات.

الرابعة أن يكون الواجب موسعا و النافلة مضيقة.

أما الصورة الأولى فلا ريب في وقوع التزاحم و في أنه بناء على الاقتضاء يكون النافلة منهيا عنها.

و أما في الصورة الثانية فيتوقف التزاحم على القول بوقوع التزاحم عند التوسعة و سيأتي التنبيه عليه.

لكن حتى لو قلنا بالتزاحم لم يكن النافلة منهيا عنها لأن الواجب لما كان موسعا كان هو الطبيعة المحدودة بين الحدين أي (كلي الظهر الواقع بين الزوال و الغروب) و حينئذ نقول أن تقرير عدم النهي عن هذه النافلة يختلف باختلاف مسالك الاقتضاء.

فاما بناء على مسلك التلازم بالتقرير الأول (أي أن الازالة الواجبة تقتضي حرمة ضدها العام و هو ترك الازالة فيحرم ملازمة و هو فعل الصلاة).

فعلى هذا التقرير كان عدم النهي عن النافلة في غاية الوضوح لأن الضد العام لهذا الواجب هو ترك الطبيعة المحدودة بين الحدين (أي ترك كلي الظهر الواقع بين الزوال و الغروب).

و من الواضح أن فعل النافلة في هذا الآن لا يلزم منه هذا الترك كما هو واضح إذ يمكن الاتيان بالنافلة ثم الاتيان بهذا الكلي.

و أما على مسلك التلازم بالتقرير الثاني (أي أن الازالة الواجبة تلازم ترك الصلاة فيجب فيحرم ضده العام و هو الصلاة).

فكذلك يكون عدم النهي عن النافلة واضحا لأن الظهر الكلي لا يلازم ترك هذه النافلة كما عرفت آنفا نعم يلازم ترك المجموع فيحرم المجموع لا

369

وقت الفريضة، و لا بد أن تقع النافلة فاسدة. نعم لا بد أن تستثنى من ذلك نوافل الوقت لورود الأمر بها في خصوص وقت الفريضة كنافلتي الظهر و العصر.

____________

هذه النافلة.

و أما على مسلك المقدمية بتقرير أن الازالة الواجبة يحرم ضدها العام و هو تركها فيحرم فعل ضدها و هو الصلاة لأنه مقدمة للضد العام.

فعلى هذا التقرير أيضا لا مجال للنهي عن النافلة و ذلك لوضوح أن فعل النافلة ليس مقدمة لترك كلي الظهر.

و أما على مسلك المقدمية بتقرير أن الازالة الواجبة من مقدماتها ترك الصلاة فيجب فيحرم ضده العام و هو الصلاة.

فعلى هذا التقرير أيضا لا مجال للنهي عن النافلة لأن كلي الصلاة ليس من مقدماته ترك هذه النافلة لوضوح امكان الاتيان بكلي الظهر حتى بعد إتيان النافلة.

فظهر أنه ما دام المتزاحمان موسعين لا مجال للنهي عن أحدهما حتى على القول بالاقتضاء بلا فرق بين كون المتزاحمين واجبين أو نافلتين أو واجب و نافلة.

و مما ذكرناه يعرف الحال في الصورة الرابعة.

و أما الصورة الثالثة فحكمها حكم الصورة الأولى.

كما أنه مما ذكرناه يظهر الحال في تزاحم النافلة مع القضاء.

فظهر أن كلام المصنف (ره) هنا في غير محله.

(قوله (ره)): (نعم لا بد أن تستثنى من ذلك ...).

أقول قد عرفت أن القاعدة تقتضي جواز جميع النوافل و غير النوافل ما لم يتضيق الواجب الأهم فلا حاجة إلى الاستثناء بل جواز النوافل اليومية هو على القاعدة سواء قلنا بالاقتضاء أو لم نقل بالاقتضاء.

ثم إن بقية الموارد التي ذكرها المصنف (ره) سوف نتعرض لها في‏

370

و على هذا فمن كان عليه قضاء الفوائت لا تصح منه النوافل مطلقا بناء على النهي عن الضد، بخلاف ما إذا لم نقل بالنهي عن الضد فإن عدم جواز فعل النافلة حينئذ يحتاج إلى دليل خاص.

2- أن يكون الضد العبادي واجبا و لكنه أقل أهمية عند الشارع من الأول، كما في مورد اجتماع انقاذ نفس محترمة من الهلكة مع الصلاة الواجبة.

3- أن يكون الضد العبادي واجبا أيضا و لكنه موسع الوقت، و الأول مضيق، و لا شك في أن المضيق مقدم على الموسع و إن كان الموسع أكثر أهمية منه. مثاله اجتماع قضاء الدين الفوري مع الصلاة في سعة وقتها. و إزالة النجاسة عن المسجد مع الصلاة في سعة الوقت.

4- أن يكون الضد العبادي واجبا أيضا و لكنه مخير، و الأول واجب معين، و لا شك في أن المعين مقدم على المخير و إن كان المخير أكثر أهمية منه لأن المخير له بدل دون المعين. مثاله اجتماع سفر منذور في يوم معين مع خصال الكفارة، فلو ترك المكلف السفر و اختار الصوم من خصال الكفارة فإن كان الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده كان الصوم منهيا عنه فاسدا.

هذه خلاصة بيان ثمرة المسألة مع بيان موارد ظهورها، و لكن هذا المقدار من البيان لا يكفي في تحقيقها فإن ترتبها و ظهورها يتوقف على أمرين:

____________

مبحث التزاحم حيث ذكره المصنف ره في الجزء الرابع.

(قوله (ره)): (فإن ترتبها و ظهورها يتوقف على أمرين ...).

أقول قد عرفت أن الثمرة المذكورة تتضمن ركنين.

الأول: فساد العبادة بناء على الاقتضاء لأن العبادة تكون منهيا عنها.

الثاني: صحة العبادة بناء على عدم الاقتضاء.

371

و لا يخفى أن كلا هذين الركنين قد يرد عليه اعتراضات.

أما الركن الأول: فقد يورد عليه أنه ركن مبنائي تابع لمبنى أن النهي عن العبادة مطلقا يقتضي الفساد فلا يتم الركن الأول بناء على أن النهي الغيري لا يقتضي الفساد.

فحاصل هذا الاعتراض دعويان.

الأولى تمامية الركن الأول على مبنى (النهي مطلقا يقتضي فساد العبادة).

الثانية عدم تمامية الركن الأول بناء على مبنى (النهي الغيري لا يقتضي الفساد).

أقول اما الدعوى الأولى فلا غبار عليها.

و أما الدعوى الثانية فتوجيهها كما فعل الميرزا النائيني (ره) هو أن تمام مناط صحة العبادة هو (اشتمالها على الملاك).

و من الواضح أن النهي الغيري لا يضر باشتمال العبادة على الملاك.

إذن تبقى العبادة كما كانت قبل النهي الغيري مشتملة على الملاك.

و قد يعترض على هذا التوجيه باعتراضات.

الأول: إن أبناء البشر لا يمكنهم العلم بأن هذا الفعل يشتمل على ملاك العبادة إلا من خلال طريق واحد هو أن يأمر المولى بذلك الفعل فيعلم من خلال هذا الأمر أن هذا الفعل مشتمل على الملاك إذ الأمر فرع المصلحة و المحبوبية على ما قررناه في مواضع متعددة.

و من هنا نقول أن العبادة المنهي عنها غير مأمور بها فلا مجال للعلم باشتمالها على الملاك لفقدان الأمر بها. و لا يوجد طريق آخر يورث العلم بوجود الملاك.

الاعتراض الثاني و أورده السيد الشهيد (ره) و حاصله أن الميرزا النائيني (ره) ادعى أن مناط صحة العبادة هو اشتمالها على الملاك فهنا نسأل ما معنى‏

372

الملاك.

الجواب أنه يحتمل في تفسير الملاك احتمالان:

الأول أنه المصلحة الموجودة في الفعل.

الثاني أنه محبوبية المولى المتعلقة بالفعل.

و من هنا نقول أن الميرزا ره إن أراد الأول رفضنا ذلك لأن صحة العبادة لا يكفي فيها مصلحة الفعل لأن العبادة متوقفة على المقربية إلى المولى و مجرد المصلحة في الفعل غير كافية في المقربية فلا بد أن يكون الملاك هو المحبوبية حتى يتقرب إلى المولى بإتيان ما يحب.

و إن أراد الثاني كان اشتمال العبادة المنهي عنها بالنهي الغيري على المحبوبية محالا لأن المدعي للنهي عن العبادة غيريا يدعي أنها مبغوضة فيستحيل كونها محبوبة لأن الحب و البغض ضدان لا يجتمعان.

إذا عرفت هذين الاعتراضين نقول.

أما الاعتراض الأول فسيأتي (عند الحديث عن الركن الثاني) النقاش في كيفية إثبات اشتمال الفعل غير المأمور به على الملاك.

أما الاعتراض الثاني ففاسد لأننا نختار التفسير الثاني أي أن الملاك هو المحبوبية و لا نسلم أن النهي الغيري يقتضي المبغوضية بل النهي الغيري لا يقتضي سوى الزجر كما أن الوجوب الغيري لا يقتضي حب المقدمة بل يقتضي البعث نحوها أ لا ترى أن من أحب نصرة الاسلام و توقف ذلك على قتل ولده فإنه لا يصير محبا لقتل ولده بل يبقى قتل ولده مبغوضا لديه غايته أنه يريده لأجل ما هو أهم منه و لعله يأتي في بعض المباحث تشريح ذلك.

نعم يمكن أن يرد على توجيه الميرزا اعتراض ثالث و هو أن توجيهه لو تم إنما يتم بناء على الاقتضاء على مسلك المقدمية و لا يتم بناء على الاقتضاء على مسلك التلازم.

أما تماميته على مسلك المقدمية فلأن النهي المتوجه إلى الضد يكون‏

373

الأول: القول بأن النهي في العبادة يقتضي فسادها حتى النهي الغيري التبعي، لأنه إذا قلنا بأن النهي مطلقا لا يقتضي فساد العبادة أو خصوص النهي التبعي لا يقتضي الفساد فلا تظهر الثمرة أبدا. و هو واضح لأن الضد العبادي حينئذ يكون صحيحا سواء قلنا بالنهي عن الضد أم لم نقل.

و الحق أن النهي في العبادة يقتضي فسادها حتى النهي الغيري على الظاهر. و سيأتي تحقيق ذلك في موضعه إن شاء اللّه تعالى.

و استعجالا في بيان هذا الأمر نشير إليه اجمالا فنقول: إن أقصى ما يقال في عدم اقتضاء النهي التبعي للفساد هو أن النهي التبعي لا يكشف عن وجود مفسدة في المنهي عنه و إذا كان الأمر كذلك فالمنهي عنه باق على ما هو عليه من مصلحة بلا مزاحم لمصلحته، فيمكن‏

____________

نهيا غيريا و قد عرفت أنه لا يقتضي المبغوضية فيمكن تصحيح العبادة إذا أحرزنا اشتمالها على ملاك الصحة.

و أما عدم تماميته بناء على مسلك التلازم فلأن النهي المتوجه إلى الضد لا يكون نهيا غيريا بل يكون نهيا ترشحيا حتى يكون الضد مبغوضا كما نبهنا على ذلك في موضع سابق.

فعلى هذا المسلك يكون الضد مبغوضا و بالتالي يستحيل دعوى صحة العبادة حتى لو قلنا بصحة العبادة المنهي عنها بالنهي الغيري لأن من يقول بصحة هذه العبادة يدعي أنها غير مبغوضة و أما مع الاعتراف بالمبغوضية لا يكون هناك مجال لتصحيح العبادة.

و بهذا ينتهي الكلام في الركن الأول.

و أما الركن الثاني فنتعرض له بعد ذكر عبارات المصنف (ره).

(قوله (ره)): (الأول القول بأن النهي في العبادة ...).

أقول قد عرفت أن هذا الشرط لأجل تثبيت الركن الأول لوضوح أنه إذا قلنا أن النهي لا يقتضي الفساد لا يكون أي فرق بين القول بالاقتضاء و القول بعدم الاقتضاء بل على القولين تقع العبادة صحيحة.

(قوله (ره)): (و استعجالا في بيان هذا الأمر ...).

374

التقرب فيه إذا كان عبادة بقصد تلك المصلحة المفروضة فيه.

و هذا ليس بشي‏ء- و إن صدر من بعض أعاظم مشايخنا- لأن المدار في القرب و البعد في العبادة ليس على وجود المصلحة و المفسدة فقط، فإنه من الواضح أن المقصود من القرب و البعد من المولى القرب و البعد المعنويان تشبيها بالقرب و البعد المكانيين، و ما لم يكن الشي‏ء مرغوبا فيه للمولى فعلا لا يصلح للتقرب به إليه، و مجرد وجود مصلحة فيه لا يوجب مرغوبيته له مع فرض نهيه و تبعيده.

و بعبارة أخرى: لا وجه للتقرب إلى المولى بما أبعدنا عنه، و المفروض أن النهي التبعي نهي مولوي، و كونه تبعيا لا يخرجه عن كونه زجرا و تنفيرا و تبعيدا عن الفعل و إن كان التبعيد لمفسدة في غيره أو لفوات مصلحة الغير. نعم لو قلنا بأن النهي عن الضد ليس نهيا مولويا بل هو نهي يقتضيه العقل الذي لا يستكشف منه حكم الشرع كما اخترناه في المسألة فإن هذا النهي العقلي لا يقتضي تبعيدا عن المولى إلا إذا كشف عن مفسدة مبغوضة للمولى. و هذا شي‏ء آخر لا يقتضيه حكم العقل في نفسه.

الثاني: إن صحة العبادة و التقرب لا تتوقف على وجود الأمر الفعلي بها، بل يكفي في التقرب بها إحراز محبوبيتها الذاتية للمولى، و إن لم يكن هناك أمر فعلي بها لمانع.

____________

أقول لا حاجة إلى العجلة فسوف نتعرض لهذا البحث مفصلا في محله.

(قوله (ره)): (و إن صدر من بعض أعاظم مشايخنا ...).

أقول هو المحقق النائيني (ره) و قد عرفت كلامه و الاعتراضات الواردة عليه.

(قوله (ره)): (الثاني أن صحة العبادة و التقرب ...).

أقول هذا شروع في الركن الثاني فنقول قد اعترض الشيخ البهائي ره‏

375

أما إذا قلنا بأن عبادية العبادة لا تتحقق إلا إذا كانت مأمورا بها

____________

لى هذا الركن بأن العبادة فاسدة حتى على القول بعدم الاقتضاء.

و استند الشيخ البهائي (ره) في اعتراضه هذا على مقدمات.

الأولى أن العبادة لا تصح إلا بقصد امتثال الأمر فبدون قصد امتثال الأمر تقع باطلة.

الثانية أنه لا يمكن قصد امتثال الأمر إلا عند وجود الأمر.

الثالثة أن الضد العبادي المهم المزاحم بالأهم كالصلاة المزاحمة لإزالة لا يشملها الأمر و لا تكون مأمورا بها.

فينتج من هذه المقدمات أن المكلف الذي يأتي بالضد المهم لا يمكنه أن يقصد امتثال الأمر و ذلك لعدم وجود أمر و بالتالي تقع العبادة فاسدة بلا فرق بين القول بالاقتضاء أو عدم الاقتضاء لأن فساد العبادة جاء من جهة عدم تعلق الأمر بها.

لا من جهة تعلق النهي بها حتى نفرق بين المنهي عنها و بين غير المنهي عنها.

هذا تمام اعتراض البهائي ره.

و من الواضح أن المقدمة الثانية لا يمكن الخدشة بها لوضوح أن المكلف إذا قصد امتثال أمر عند عدم وجود الأمر يكون تشريعا محرما.

فالخدشة في اعتراض البهائي ره تنحصر في المقدمة الأولى أو الثالثة فإذن للجواب على اعتراض البهائي (ره) مسلكان.

الأول الخدشة في المقدمة الأولى و قد سلكه المصنف (ره) و عدة من المحققين.

و هذا المسلك مركب من مقدمتين.

الأولى كبروية و هي أنه يكفي في صحة العبادة إسنادها إلى المولى عن طريق احراز محبوبيتها من المولى.

الثانية صغروية و هي أن الضد العبادي المهم المزاحم بالأهم يكون‏

376

بأمر فعلي، فلا تظهر هذه الثمرة أبدا، لأنه قد تقدم أن الضد العبادي-

____________

محبوبا من قبل المولى عزّ و جل فالصلاة المزاحمة بالازالة الأهم تكون عبادة محبوبة عند اللّه تعالى.

فينتج من هاتين المقدمتين أن الضد المهم يقع صحيحا عند عدم النهي عنه لأنه محبوب فيؤتى به بقصد المحبوبية و هذا كاف في تصحيح العبادة حتى لو لم تكن مأمورا بها.

أقول أما المقدمة الأولى الكبرى فلا اشكال فيها كما هو المشهور.

و إنما الكلام في المقدمة الثانية الصغروية إذ يمكن الاعتراض بما عرفت من أننا لا سبيل لنا إلى العلم بأن هذا الفعل محبوب إلا من طريق واحد و هو طريق الأمر بالفعل فإذا أمر المولى بالفعل علمنا أنه يحبه.

و هذا الطريق في المقام معدوم إذ المفروض عدم تعلق الأمر بالضد العبادي المهم المزاحم بالأهم و إذا انعدم هذا الطريق الوحيد الذي لا طريق غيره امتنع علينا العلم بأن هذا الفعل محبوب.

و قد يجاب على هذا الاعتراض بثلاثة أجوبة.

الأول دعوى القطع بأن العبادة ما زالت محبوبة من قبل المولى.

و هذه الدعوى إنما تنفع مدعيها.

الثاني التمسك بالدليل الأصلي الدال على وجوب العبادة. توضيح ذلك في مقدمات.

الأولى: أنه إذا جاء دليل (صل) و المفروض أنه مطلق فيكون له دلالتان.

الأولى المطابقية و هي دلالته على وجوب الصلاة مطلقا أي توجه الأمر إلى مطلق صلاة.

الثانية التزامية و هي دلالته على أن كل صلاة محبوبة و ذلك لأن الأمر لا يتعلق إلا بالمحبوب فإذا تعلق الأمر بمطلق الصلاة دل ذلك بالملازمة على أن مطلق الصلاة محبوبة.

377

سواء كان مندوبا أو واجبا أقل أهمية أو موسعا أو مخيرا-

____________

المقدمة الثانية: أنه عند وقوع المزاحمة بين الصلاة و بين الازالة فغاية ما يثبت هو أن هذه الصلاة المزاحمة بالإزالة ليست مأمورا بها. و لا يثبت أنها ليست محبوبة.

المقدمة الثالثة: أن سقوط حجية الدلالة المطابقية لا يؤدي إلى سقوط حجية الدلالة الالتزامية. فإذا علمنا أن الدلالة المطابقية كاذبة و لم نعلم بطلان كذب الدلالة الالتزامية فمعنى ذلك أن يسقط حجية الدلالة المطابقية فقط و أما الدلالة الالتزامية فتبقى على الحجية و لزوم العمل و هذا ما يسمى بمسلك عدم تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية في الحجية.

إذا عرفت هذه المقدمات الثلاث فينتج منها أنه لو وقعت المزاحمة بين الصلاة المهم و الإزالة الأهم يقدم الأهم و يعلم بعدم وجوب الصلاة المهم (كما هو مقتضى المقدمة الثانية).

فنعلم بكذب اطلاق الدلالة المطابقية فيسقط عن الحجية و أما اطلاق الدلالة الالتزامية فلم نعلم بكذبه فيبقى حجة (كما هو مقتضى المقدمة الثالثة).

و بهذا الإطلاق يثبت لنا أن الصلاة المهم محبوبة إذ الاطلاق يدل على أن كل صلاة محبوبة.

أقول اما المقدمة الأولى و الثانية فلا كلام فيهما لأنهما مفروضتان. أي أن الكلام في فرض وجود دليل مطلق و في فرض عدم وجود دليل على عدم محبوبية الضد المهم المزاحم بالأهم.

و أما المقدمة الثالثة فهي محل الكلام و سيأتي إبطالها في موضع آخر.

إذن هذا الجواب مبني على صحة المقدمة الثالثة و لكنها ليست صحيحة.

الجواب الثالث و هو مبني على مقدمات.

الأولى: أن دليل (صل) مثلا له دلالتان مطابقيتان.

الأولى دلالته على أن كل صلاة قد تعلق بها الأمر (أي توجه الأمر إلى‏

378

لا يكون مأمورا به فعلا لمكان المزاحمة بين الأمرين و مع عدم الأمر به لا يقع عبادة صحيحة و إن قلنا بعدم النهي عن الضد.

و الحق هو الأول، أي أن عبادية العبادة لا تتوقف على تعلق الأمر بها فعلا، بل إذا أحرز أنها محبوبة في نفسها للمولى مرغوبة لديه فإنه يصح التقرب بها إليه و إن لم يأمر بها فعلا لمانع، لأنه- كما أشرنا إلى ذلك في مقدمة الواجب ص 249- يكفي في عبادية الفعل ارتباطه‏

____________

مطلق الصلاة). و هذه الدلالة جاءت من قبل اللفظ.

الثانية: دلالته على أن كل صلاة محبوبة و هذه دلالة مطابقية جاءت من سياق الكلام.

المقدمة الثانية أنه عند وقوع المزاحمة إنما نعلم بكذب الدلالة المطابقية الأولى دون الثانية. فعند ما تقع مزاحمة بين الصلاة المهم و الازالة الأهم نقدم الأهم فنعلم أن الصلاة ليست واجبة فيكذب المدلول المطابقي الأول. و لا نعلم أنها غير محبوبة فلا يكذب المدلول المطابقي الثاني.

المقدمة الثالثة إن سقوط حجية بعض المداليل المطابقية لا يلزم منه سقوط حجية بقية المداليل المطابقية. فلو قال (جاء زيد و عمر) و علم عدم مجي‏ء عمر يبقى دلالة الخبر على مجي‏ء زيد حجه و إن سقطت حجيته في الدلالة على مجي‏ء عمر.

فينتج من هذه المقدمات أنه عند وقوع المزاحمة تسقط حجية الدلالة المطابقية الأولى و لا تسقط حجية الدلالة المطابقية الثانية فيبقى اطلاق الدليل الدال على محبوبية كل صلاة حجه فنتمسك به لاثبات أن هذه الصلاة المزاحمة بالإزالة محبوبة.

أقول أما المقدمة الثالثة فصحيحة و الثانية مفروضة و أما الأولى فباطلة لأن قوله (صل) إنما يدل ابتداء على وجوب الصلاة لا أكثر من ذلك.

فدلالته على محبوبية كل صلاة لا بد أن تكون التزامية.

و بهذا ينتهي الكلام في المسلك الأول لدفع اعتراض البهائي فظهر أنه لا دليل على إثبات محبوبية الضد العبادي المهم المزاحم بالأهم. و أما

379

بالمولى و الإتيان به متقربا به إليه مع ما يمنع من التعبد به من كون فعله تشريعا أو كونه منهيا عنه. و لا تتوقف عباديته على قصد امتثال الأمر كما مال إليه صاحب الجواهر (قدس سره).

هذا، و قد يقال في المقام- نقلا عن المحقق الثاني تغمده اللّه برحمته: إن هذه الثمرة تظهر حتى مع القول بتوقف العبادة على تعلق‏

____________

المسلك الثاني فنتعرض له تبعا لكلام المصنف (ره).

(قوله (ره)): (لا يكون مأمورا به فعلا لمكان المزاحمة ...).

أقول سوف يأتي أنه لا دليل على سقوط فعليه الأمر بمجرد المزاحمة.

(قوله (ره)): (هذا و قد يقال في المقام نقلا عن المحقق الثاني ره ...).

أقول هذا شروع في المسلك الثاني لدفع اعتراض البهائي و هذا المسلك هو عبارة عن الخدشة في المقدمة الثالثة من المقدمات الثلاثة التي استند إليها الشيخ البهائي ره و في هذا المسلك ثلاثة أجوبة.

الأول ما حكي عن المحقق الكركي (ره).

و توضيح كلام الكركي (ره) في موضعين.

الأول في بيان جوابه.

الثاني في بيان مورد جوابه و محله.

أما الموضع الأول فحاصل جوابه يتركب من ثلاث مقدمات.

الأولى أن الأمر يتعلق بالطبائع لا بالمصاديق فالمولى عند ما يأمر بالصلاة يشير إلى ماهية الصلاة و يطلب اخراجها من ظلمات العدم إلى أنوار الوجود لا أنه يشير إلى أفراد الصلاة واحدة واحدة ثم يطلب واحد منها.

المقدمة الثانية أن مقتضى تعلق الأمر بالطبيعة هو أن المكلف يجوز له إحضار هذه الطبيعة في أي مصداق شاء فإذا قال (صل) كان معناه قضيتان.

الأولى: طبيعة الصلاة واجبة.

الثانية: يجوز لك تطبيق طبيعة الصلاة على أي مصداق شئت.

المقدمة الثالثة أنه يستثنى من ثاني القضيتين المتقدمتين المصاديق‏

380

المحرمة فإنه يستحيل تطبيق الواجب على المحرم فتصبح القضية الثانية المتقدمة هكذا (يجوز لك تطبيق طبيعة الصلاة على أي مصداق شئت إلا المصداق المحرم).

إذا عرفت هذه المقدمات الثلاث نقول إذا وقعت المزاحمة بين الصلاة في أول الوقت و بين الازالة فإن المزاحمة تكون واقعة بين هذا الفرد من الصلاة و هذا الفرد من الازالة فعلى القول بالاقتضاء تنتج لنا هذه المزاحمة حرمة هذا الفرد من الصلاة.

و على القول بعدم الاقتضاء تكون هذه المزاحمة عقيمة غير منتجة لشي‏ء أي لا تنتج حرمة هذا الفرد من الصلاة- كما هو مفروض-.

كما لا تنتج عدم الأمر بهذا الفرد و ذلك ضرورة أن الأمر لم يتعلق بالفرد من الأصل بل هو متعلق بالطبيعة ..

و على هذا الأساس نقول على القول بالاقتضاء يكون هذا الفرد باطلا لاستحالة أن يكون مصداقا للمأمور به- كما هو مقتضى المقدمة الثالثة.

و على القول بعدم الاقتضاء يكون هذا الفرد صحيحا و ذلك لأن الأمر تعلق بكلي الصلاة و يجوز للمكلف تطبيقه على أي مصداق و هذا الفرد هو مصداق من مصاديق هذا الكلي و ليس محرما فيجوز تطبيق الكلي عليه.

و بعبارة أخرى. إن صحة العبادة تتوقف على أمرين.

الأول: وجود الأمر المتعلق بالكلي.

الثاني: جواز تطبيق الكلي على هذا الفرد.

فإذا تحقق هذين الأمرين كان هذا الفرد المأتي به مصداقا من المأمور به فيستوجب سقوط الأمر.

و من هنا نقول أنه عند وقوع المزاحمة بين الضد العبادي المهم و غيره الأهم كالمزاحمة بين الصلاة و الازالة.

فعلى القول بعدم الاقتضاء يكون كلا الأمرين المتقدمين متحققين.

381

أما الأمر الثاني فلأنه المفروض حيث فرضنا أن المزاحمة لا يقتضي تحريم الضد العبادي فجواز التطبيق على هذا الفرد باق على حاله.

حيث أن العقل أو اللفظ (صل) دلا على جواز تطبيق الماهية على أي مصداق شاء المكلف فما دام لم يرد نهي عن التطبيق على فرد تكون القاعدة هي جواز التطبيق عليه.

و أما الأمر الأول. فلأن الأمر بالكلي كان موجودا قبل المزاحمة و لا مقتضي لسقوطه فيبقى موجودا.

فإن قلت بل يوجد مقتضي لسقوطه و هو أن هذا الكلي قد عجزنا عن بعض أفراده و العجز يستوجب سقوط الأمر.

أما أن العجز يستوجب سقوط الأمر فواضح.

و اما أننا عجزنا عن بعض أفراده فواضح حيث أنه عند المزاحمة و التكليف نكون عاجزين شرعا من فعل المهم.

فعند وقوع المزاحمة بين الصلاة المهم و الازالة الأهم و فرض تقديم وجوب الازالة يصبح المكلف عاجزا شرعا عن هذا الفرد من الصلاة.

قلت أن العجز الذي يستوجب سقوط الأمر هو العجز عن جميع أفراد الكلي المأمور به.

و أما العجز عن بعض أفراد الكلي فلا يستوجب سقوط الأمر و ذلك أن سبب سقوط الأمر هو استحالة التكليف بغير المقدور.

و لكن من الواضح أن الكلي الذي يقدر على بعض أفراده دون بعض يكون هذا الكلي مقدورا عليه بالقدرة على بعض أفراده.

مثلا (الصعود إلى السطح) كلي له صنفان الأول الحاصل بدون سلم.

الثاني الحاصل مع السلم. فالأول محال و الثاني مقدور و من الواضح أن كلي الصعود إلى السطح يكون مقدورا عليه بالقدرة على بعض أفراده فكلي الصلاة يبقى مقدورا عليه حتى مع العجز عن بعض أفراده.

فالحاصل أن الأمر بالكلي موجود و لا مقتضى لسقوطه.

382

و من هنا يظهر تحقق كلا الأمرين على القول بعدم الاقتضاء فيلزم صحة العبادة.

و أما على القول بالاقتضاء. فإن الأمر الثاني لا يكون متحققا و ذلك حيث فرضنا أن المزاحمة اقتضت النهي عن هذا الفرد و مقتضى النهي هو المنع عقلا أو شرعا عن تطبيق الكلي المأمور به على هذا المصداق و بالتالي يكون الأمر الثاني غير متحقق.

و بالتالي يلزم بطلان العبادة على القول بالاقتضاء.

تنبيه: مما ذكرناه ينقدح كيف كان المحقق الكركي (ره) محتاجا إلى المقدمة الأولى و الثانية إذ لو كذبت المقدمة الأولى و كان الأمر متعلقا بالأفراد فلا جرم تكون المزاحمة مؤثرة و دالة على عدم الأمر بهذا الفرد.

و ذلك لاستحالة الأمر بالضدين معا- و مع انعدام الأمر بهذا الفرد لم يمكن تصحيحه و ذلك لعدم وجود أمر آخر.

و كذا لو كذبت المقدمة الثانية كما لو فرضنا أن المكلف لا يجوز له أن يطبق الكلي على أي مصداق شاء بل يجب أن يطبقه على المصداق الذي يأمر المولى بتطبيقه عليه فعلى هذا الفرض تكون المزاحمة مؤثرة و دالة على أن المولى لم يأمر بتطبيق الكلي على هذا الفرد، و بالتالي لا يجوز للمكلف تطبيقه عليه فيقع باطلا.

نعم لو اكتفينا بمجرد إذن المولى و عدم منعه كانت المزاحمة غير مؤثرة لأنها لا تدل على أن المولى لم يأذن بتطبيق الطبيعة على هذا الفرد و ذلك لأنه ليس من المحال الأمر بالضد و الاذن بفعل الضد الآخر بما هو هو.

هذا كله في الموضع الأول.

و أما الموضع الثاني فنقول إن جواب الكركي (ره) يجري في بعض الموارد دون بعض توضيح ذلك أن الضدين المتزاحمين على حالتين.

الأولى: أن يكونا مضيقين مثل تزاحم الصلاة في آخر وقتها مع صلاة الآيات.

383

الثانية: أن يكونا غير مضيقين سواء كان أحدهما مضيقا أو لا كما لو تزاحم الصلاة في أول وقتها مع القضاء. الموسع و كما لو تزاحم الصلاة في أول وقتها مع صلاة الآيات المضيقة.

إذا عرفت هاتين الحالتين نقول إن كلام الكركي ره يتم في الحالة الثانية و لا يتم في الحالة الأولى.

أما تماميته في الحالة الثانية فلما عرفت من أن الأمر متعلق بالكلي و لا تكون المزاحمة مؤثرة لا على الأمر بالكلي و لا على جواز تطبيقه على هذا الفرد المزاحم فلا جرم يقع الفرد المزاحم صحيحا.

و أما عدم تماميته في الحالة الأولى فلأن المزاحمة حينئذ تستلزم سقوط الأمر بالكلي و ذلك لأن الكلي حسب الفرض ليس له إلا هذا المصداق فمع العجز عن هذا المصداق يكون الكلي غير مقدور فعند تزاحم صلاة الظهر في آخر وقتها مع صلاة الآيات و تقديم صلاة الآيات مثلا يصير الواجب على المكلف هو صلاة الآيات فيصير عاجزا شرعا عن هذا المصداق من صلاة الظهر و بالتالي يصير عاجزا عن كلي صلاة الظهر حيث أنه هذا الكلي منحصر في هذا المصداق.

فإذا كان هذا المصداق غير مقدور كان هذا الكلي أيضا غير مقدور و بالتالي يلزم سقوط الأمر بالكلي لاستحالة التكليف بغير المقدور.

تنبيهات‏

الأول الظاهر أن العبادات المطلوبة على نحو الاستغراق هي من الملحقات بالمضيق فلو تزاحم قراءة القرآن مع الإزالة وجب بطلان قراءة القرآن بمعنى أنه لا يجوز أن يقصد فيها قصد امتثال الأمر الاستحبابي و ذلك لأن الاستغراق هو عبارة عن الأمر بجميع الأفراد.

فيكون لكل فرد أمر خاص فعند المزاحمة يسقط الأمر المتعلق بهذا الفرد للعجز عنه.

و الحاصل أن في العموم الاستغراقي تكون المقدمة الأولى من مقدمات‏

384

الكركي (ره) أعني تعلق الأمر بالطبيعة- مختلة حيث أن الأمر تعلق بالأفراد.

نعم لو قيل أن في العموم الاستغراقي يكون الأمر متعلقا بالطبيعة مع وجوب أو استحباب تطبيقها على جميع مصاديقها.

أمكن القول بصحة العبادة و ذلك لأنه عند المزاحمة لا يسقط الأمر المتعلق بالطبيعة كما هو واضح- لبقاء القدرة على الطبيعة- غايته أنه يسقط وجوب أو استحباب تطبيقها على هذا الفرد بسبب العجز عنه.

لكن سقوط استحباب أو وجوب التطبيق لا أثر له في صحة العبادة حيث عرفت أن صحة العبادة يكفي فيها جواز التطبيق.

التنبيه الثاني كان كلامنا في المضيقين، و المضيق هو الواجب المحدد بوقت ضيق سواء بالأصل أو بالعرض.

و من ثم يتضح أن الفوري غير المضيق فهل يلحق الفوريين بالمضيقين أم لا.

أقول هنا ثلاث صور.

الأولى الضد العبادي المضيق المهم مع الضد الأهم الفوري.

الثانية الضد العبادي الفوري المهم مع الضد الفوري الأهم.

الثالثة الضد العبادي الفوري المهم مع الضد المضيق الأهم.

أما الصورة الأولى فمن الواضح لحوقها بالمضيقين. فمثلا لو تزاحم الصلاة في آخر وقتها مع الازالة الأهم.

فلا بد من تقديم الأهم و الحكم بوجوبه و بالتالي يعجز عن هذا المصداق من الصلاة.

و بالتالي يعجز عن كلي الصلاة حيث أن الكلي ليس له إلا هذا المصداق ..

فبالتالي يجب سقوط الأمر المتعلق بالكلي.

أما الصورة الثانية ففيها قسمان. و ذلك لأن الفوري قسمان.

385

الأول الفوري فقط أي الذي ليس له إلا آن واحد هو آن الفورية بحيث لو لم يؤت به بهذه الفورية سقط الأمر كما لو فرض استحباب الصلاة فور دخول المسجد بحيث لو تراخى سقط الاستحباب.

القسم الثاني الفوري فالفوري أي الذي له عدة آنات متتابعة غايته أنه يجب أن يؤتى به فورا فإذا لم يأت به في الآن الأول وجب في الثاني و هكذا إذا لم يأت به في الآن الثاني وجب الإتيان به في الآن الثالث. و هكذا في بقية الآنات.

إذا عرفت هذين القسمين نقول لا ريب أن القسم الأول ملحق بالمضيق كالصورة الأولى و ذلك لأن الأمر المتعلق بهذا الفوري يكون متعلقا بماهية مقيدة بقيد الفورية كالأمر بالصلاة فور دخول المسجد.

فهذه الماهية ليس لها إلا مصداق واحد هو المصداق الفوري فمع وجوب الضد الآخر يكون المكلف عاجزا عن هذا المصداق و بالتالي يكون عاجزا عن الماهية فيلزم سقوط الأمر.

و أما القسم الثاني فيتوقف حكمه على تفسير الأمر الفوري فالفوري و يحتمل في تفسيره احتمالات أهمها احتمالان.

الأول. أن هذا الأمر عبارة عن أمرين.

الأول متعلق بالماهية الكلية.

و الثاني متعلق بتطبيق الماهية على المصداق الفوري.

و هذا الأمر الثاني أما أن له استمرارية بنفسه كأن يكون متعلقه (التطبيق الفوري) له استمرارية.

و إما أن يفرض أن له أبدال بعدد الآنات لأن متعلقه (تطبيق الماهية على المصداق الأول) فمع انقضاء الآن الأول يسقط هذا الأمر لعصيانه و يأتي بدله و هكذا.

الاحتمال الثاني أن هذا الأمر عبارة عن أوامر بعدد الآنات أولها مطلق و ما بعده مشروط بعدم إتيان السابق.

386

فالإزالة مثلا واجبة بعده أوامر الأول متعلق بالازالة في الآن الأول.

الثاني متعلق بالإزالة في الآن الثاني.

الثالث متعلق بالازالة في الآن الثالث. و هكذا بعدد الآنات.

و الأول من هذه الأوامر مطلق غير مشروط.

و أما الثاني فمشروط بعدم امتثال الأول.

و الثالث مشروط بعدم امتثال الثاني و الأول و هكذا.

إذا عرفت هذين الاحتمالين نقول.

أما الاحتمال الأول فهو ملحق بالموسع و ذلك لأن المزاحمة إنما تقتضي العجز عن هذا المصداق فيسقط الأمر الثاني المتعلق بالتطبيق في هذا المصداق. و لكن الأمر الأول لا يسقط.

و بالتالي يجب صحة العبادة لما عرفت من أن ركني صحة العبادة هي وجود الأمر بالماهية و جواز التطبيق على المصداق.

و من الواضح أن الأول موجود و كذا الثاني لأن الساقط في هذه الصورة إنما هو وجوب التطبيق لا جوازه.

و أما الاحتمال الثاني فهو ملحق بالمضيق لأن المزاحمة تقتضي العجز عن المصداق المزاحم فيجب سقوط الأمر المتعلق به و المفروض عدم وجود أمر آخر يشمل هذا المصداق أو يتعلق به بخصوصه. و بالتالي يجب بطلان العبادة لعدم وجود الأمر.

و أما الصورة الثالثة فالكلام فيها كالكلام في الصورة الثانية حرفا بحرف.

التنبيه الثالث قد عرفت أن كلام المحقق الكركي (ره) مبني على ثلاث مقدمات و في الحقيقة إنه يحتاج إلى المقدمة الأولى لأجل تصحيح الضد العبادي بناء على القول بعدم الاقتضاء.

و أما المقدمة الثالثة فيحتاج إليها لأجل بيان بطلان الضد العبادي بناء على القول بالاقتضاء.

فغرضنا التنبيه على أن المقدمة الثالثة لا نحتاج إليها في تصحيح الضد

387

الأمر بها، و لكن ذلك في خصوص التزاحم بين الواجبين الموسع و المضيق و نحوهما، دون التزاحم بين الأهم و المهم المضيقين.

و السر في ذلك: أن الأمر في الموسع إنما يتعلق بصرف وجود الطبيعة على أن يأتي به المكلف في أي وقت شاء من الوقت الوسيع‏

____________

العبادي.

و الحاصل أننا هنا لا نحتاج إلى المقدمة الثالثة لأنها خارجة عن محل الكلام فإن محل الكلام هو الركن الثاني أي صحة العبادة بناء على القول بعدم الاقتضاء.

فالمقدمة الثالثة لا دخالة لها في تثبيت هذا الركن و إن كان لها دخالة في تثبيت الركن السابق- الأول-.

هذا تمام توضيح كلام المحقق الكركي تغمده اللّه برحمته الواسعة.

و أما مناقشة هذا القول فبعد التعرض لكلام المصنف ره.

(قوله (ره)): (و لكن ذلك في خصوص التزاحم بين ...).

أقول هذا إشارة إلى البحث في الموضع الثاني- أي تعيين مورد جريان جواب المحقق الكركي (ره).

(قوله (ره)): (و نحوهما).

أقول يحتمل أنه إشارة إلى الواجب و المستحب كما لو تزاحم المستحب الموسع مع الواجب المضيق و يحتمل أنه إشارة إلى الموسع و الفوري.

و يحتمل أنه إشارة إلى تزاحم الموسعين.

و لكن هذا الاحتمال الأخير بعيد في نفسه و إن لم يكن بعيدا عن كلام المصنف (ره) حيث أجرى الكلام في القضاء و النافلة مع أن كلاهما موسع.

(قوله (ره)): (و السر في ذلك أن الأمر في الموسع).

أقول هذا شروع في بحث الموضع الأول- أي ذكر جواب المحقق الكركي (ره)- و قد ذكر المصنف (ره) المقدمة الأولى.

388

المحدد له، أما الأفراد بما لها من الخصوصيات الوقتية فليست مأمورا بها بخصوصها، و الأمر بالمضيق إذا لم يقتض النهي عن ضده فالفرد المزاحم له من أفراد ضده الواجب الموسع لا يكون مأمورا به لا محالة من أجل المزاحمة و لكنه لا يخرج بذلك عن كونه فردا من الطبيعة المأمور بها.

____________

(قوله (ره)): (على أن يأتي به المكلف ...).

أقول هذا إشارة إلى المقدمة الثانية.

(قوله (ره)): (أما الأفراد بما لها من الخصوصيات).

أقول هذا توضيح للمقدمة الأولى فإن لازم تعلق الأمر بالطبيعة انه غير متعلق بالأفراد بما لها من الخصوصيات.

(قوله (ره)): (و الأمر بالمضيق إذا لم يقتض ...).

أقول أي الأمر بالضد المضيق كالازالة لا يقتضي النهي عن ضده- الصلاة- بناء على القول بعدم الاقتضاء.

(قوله (ره)): (فالفرد المزاحم له من أفراد ...).

أقول أي المصداق المزاحم للضد الأهم.

(قوله (ره)): (لا يكون مأمورا به ...).

أقول قد عرفت أن المصداق غير مأمور به من الأساس لا أنه بسبب المزاحمة صار غير مأمور به.

(قوله (ره)): (و لكنه لا يخرج بذلك عن كونه ...).

أقول فرديه فرد للكلي من الأمور التكوينية التي يستحيل أن تتبدل بدون مبدّل تكويني فزيد مصداق الانسان مهما صار.

و من الواضح أن المزاحمة ليست علة تكوينية تقتضي تبدل ماهية المصداق تكوينا كما أن الشارع لم يتعبدنا بالبناء على أن هذا المصداق قد تبدلت ماهيته.

389

و هذا كاف في حصول امتثال الأمر بالطبيعة لأن انطباقها على هذا الفرد المزاحم قهري فيتحقق به الامتثال قهرا و يكون مجزيا عقلا عن امتثال الطبيعة في فرد آخر، لأنه لا فرق من جهة انطباق الطبيعة المأمور بها بين فرد و فرد.

و بعبارة أوضح: إنه لو كان الوجوب في الواجب الموسع ينحل إلى وجوبات متعددة بتعدد أفراده الطولية الممكنة في مدة الوقت المحدد على وجه يكون التخيير بينها شرعيا- فلا محالة لا أمر بالفرد المزاحم للواجب المضيق و لا أمر آخر يصححه فلا تظهر الثمرة، و لكن الأمر ليس كذلك، فإنه ليس في الواجب الموسع إلا وجوب واحد يتعلق بصرف وجود الطبيعة، غير أن الطبيعة لما كانت لها أفراد طولية متعددة يمكن انطباقها على كل واحد منها فلا محالة يكون المكلف مخيرا عقلا بين الأفراد، أي يكون مخيرا بين أن يأتي بالفعل في أول الوقت أو ثانيه أو ثالثه و هكذا إلى آخر الوقت، و ما يختاره من الفعل في أي وقت يكون هو الذي ينطبق عليه المأمور به و إن امتنع أن يتعلق الأمر به بخصوصه لمانع، بشرط أن يكون المانع غير جهة نفس شمول الأمر المتعلق بالطبيعة له، بل من جهة شي‏ء خارج عنه و هو المزاحمة مع المضيق في المقام.

____________

فإذن هذا المصداق من الصلاة ما زال بعد المزاحمة مصداقا من الصلاة تكوينا و تشريعا.

(قوله (ره)): (لأن انطباقها على هذا الفرد المزاحم قهري ...).

أقول لأن انطباق كل كلي على مصداقه أمر قهري تكويني.

(قوله (ره)): (و يكون مجزيا عقلا ...).

أقول لأن المفروض أن المطلوب هو الطبيعة و قد تحققت فيلزم تحقق الغرض و يلزم بالتالي سقوط الأمر كما عرفته في مبحث الاجزاء.

(قوله (ره)): (و بعبارة أوضح أنه لو كان الوجوب ...).

أقول هذا اشارة إلى وجه الاحتياج إلى المقدمة الأولى و قد نبهنا عليه‏

390

هذا خلاصة توجيه ما نسب إلى المحقق الثاني في المقام، و لكن شيخنا المحقق النائيني لم يرتضه، لأنه يرى أن المانع من تعلق الأمر

____________

فراجع.

(قوله (ره)): (من غير جهة نفس شمول الأمر المتعلق ...).

أقول هذه العبارة مشكلة و ذلك لأن الظاهر أن مراده أن الطبيعة يجوز تطبيقها على أي مصداق من مصاديقها. ثم قسم المصاديق إلى قسمين.

الأول ما يمكن تعلق الأمر به بخصوصه. فهذا لا ريب في جواز تطبيق الطبيعة عليه.

القسم الثاني ما يوجد مانع من تعلق الأمر به بخصوصه.

و قسم هذا القسم الثاني إلى قسمين.

الأول المصاديق التي كان المانع هو نفس عدم شمول الطبيعة المأمور بها للمصاديق.

القسم الثاني المصاديق التي كان المانع هو من جهة أخرى.

فحكم على القسم الأول بعدم جواز التطبيق عليه و على القسم الثاني بالجواز.

أقول أما القسم الأول و القسم الثاني من القسم الثاني فلا أشكال فيهما.

و إنما الأشكال في القسم الأول من القسم الثاني فإن من الواضح أن المصاديق التي لا يشملها الطبيعة ليست من مصاديق الطبيعة فلا وجه لجعلها من مصاديق الطبيعة.

هذا مضافا إلى أن عدم شمول الأمر لها بخصوصها ليس لوجود المانع بل لعدم وجود المقتضي فالفاسق ليس من مصاديق الطبيعة المأمور بها في (أكرم العالم العادل) كما أن هذا الأمر لا يمكن أن يتعلق بالفاسق لا لوجود المانع بل لعدم وجود المقتضي فإن هذا الأمر ليس له اقتضاء التعلق بالفاسق لأن ملاكه غير موجود في الفاسق.

(قوله (ره)): (لأنه يرى أن المانع من تعلق الأمر ...).

أقول بعد أن انتهى من عرض كلام المحقق الكركي (ره). شرع في‏

391

مناقشته فنقول في توجيه المناقشة انك عرفت أن كلام المحقق الكركي (ره) ينبني على ثلاث مقدمات.

الأولى و الثانية لأجل تصحيح الضد العبادي على القول بعدم الاقتضاء.

و الثالثة لأجل إفساده بناء على القول بالاقتضاء هذا من جهة.

و من جهة أخرى فإن المحقق النائيني (ره) لم يناقش في المقدمة الأولى و لا في الثانية بل ظاهره و ظاهر مشهور المتأخرين التسليم بهاتين المقدمتين.

إذن يقع السؤال أن المحقق النائيني (ره) مع اعترافه بمقدمتي المحقق الكركي (ره) كيف ناقش في النتيجة.

الجواب إن مناقشة المحقق النائيني (ره) تعتمد على مقدمتين كبرى و صغرى.

الأولى أن الطبيعة المأمور بها إنما يجوز تطبيقها على مصاديقها.

الثانية أن الضد العبادي المزاحم بالأهم ليس من مصاديق الطبيعة المأمور بها.

فينتج أنه لا يجوز تطبيق الطبيعة المأمور بها على هذا الضد العبادي المزاحم بالأهم.

هذا و من الواضح أن المقدمة الأولى محل وفاق بين الكركي (ره) و النائيني (ره) و غيرهما.

و إنما الكلام و الخلاف في الثانية فكان الكركي (ره) يعتقد أن الصلاة المزاحمة بالأهم هي مصداق من مصاديق طبيعة الصلاة المأمور بها و لأجل ذلك حكم بجواز تطبيق الطبيعة المأمور بها على هذا الفرد من الصلاة.

إذن الحاصل الذي نريد التركيز عليه هو أن مركز الخلاف بين النائيني (ره) و الكركي (ره) هو هذا (أي أن الضد العبادي المزاحم بالأهم هل هو مصداق من مصاديق الطبيعة المأمور بها أم لا) فمن قال بأنه مصداق لها-

392

كالكركي (ره)- حكم بجواز تطبيق الطبيعة عليه حيث أنه يجوز للمكلف أن يطبق الطبيعة المأمور بها على أي مصداق من مصاديقها.

و من قال بأنه ليس مصداقا لها- كالمحقق النائيني (ره)- حكم بعدم جواز تطبيق الطبيعة عليه حيث أنه لا يجوز للمكلف أن يطبق الطبيعة المأمور بها إلا على مصاديقها.

فإن سألت لما ذا اختلفوا في ذلك.

أجبتك بأن سبب الاختلاف هو أن المحقق الكركي (ره) يعتقد كما هو الرأي السائد هو أن الطبيعة المأمور بها مطلقة غير مقيدة بأي قيد و على هذا الأساس تكون شاملة لهذا الفرد المزاحم بالأهم.

فمثلا الصلاة المأمور بها هي مطلق الصلاة الجامعة للشرائط و الأجزاء.

و عليه تكون هذه الطبيعة المأمور بها شاملة للصلاة الجامعة للشرائط و الأجزاء المزاحمة بالأهم و يكون هذا الفرد مصداقا لتلك الطبيعة.

و أما المحقق النائيني (ره) فادعى أن الطبائع المأمور بها كلها مقيدة بقيد غير موجود في الفرد المزاحم بالأهم و بالتالي لا يكون هذا الفرد مصداقا من مصاديق الطبيعة المقيدة.

إذن الخلاف السابق ذكره بين المحققين الكركي و النائيني (ره) يرجع إلى هذا الخلاف و هو (أن الطبيعة المأمور بها هل هي مقيدة بقيد غير موجود في الفرد المزاحم بالأهم أم لا).

فذهب المحقق الكركي (ره) إلى الاطلاق و لذا حكم بأن هذا الفرد مصداق من الطبيعة المأمور بها و بالتالي حكم بجواز تطبيق الطبيعة المأمور بها على هذا الفرد.

و أما المحقق النائيني (ره) فذهب إلى التقييد و لذا حكم بأن هذا الفرد ليس مصداقا من مصاديق الطبيعة المأمور بها و بالتالي حكم بعدم جواز تطبيق الطبيعة المأمور بها.

و الآن نلخص كلام المحقق النائيني (ره) في مقدمات:

393

الأولى أنه يجوز تطبيق الطبيعة المأمور بها على جميع مصاديقها.

الثانية أنه لا يجوز تطبيق الطبيعة المأمور بها على غير مصاديقها.

الثالثة أن الفرد المزاحم بالأهم ليس مصداقا من الطبيعة المأمور بها.

و هذه المقدمة الثالثة مأخوذة من المقدمة الآتية الرابعة.

الرابعة أن الطبيعة المأمور بها مقيدة بقيد غير موجود في الفرد المزاحم بالأهم.

إذا عرفت هذه المقدمات نقول أن الأولى و الثانية محل وفاق.

و أن الثالثة مأخوذة من الرابعة فيجب البحث في الرابعة فنقول‏

دليل المحقق النائيني (ره) على إثبات الرابعة يعتمد على مقدمتين.

الأولى صغروية و هي أن الفرد المزاحم بالأهم غير مقدور عليه شرعا.

المقدمة الثانية أن كل الطبائع المأمور بها مقيدة بقيد هو أن تكون مقدورة فالصلاة المأمور بها هي الصلاة المقدورة. و الصيام المأمور به هو الصيام المقدور و الحج المأمور به هو الحج المقدور و هكذا.

و المراد من المقدور هو المقدور عقلا و شرعا.

إذا عرفت هاتين المقدمتين ينتج أن الفرد المزاحم غير مقدور فهو ليس من مصاديق الطبيعة المأمور بها

فمثلا إذا وقعت المزاحمة بين هذه الصلاة و بين الازالة الأهم فقدمنا الأهم و هو الإزالة و صار هو الواجب فعلا و بالتالي يصير المكلف عاجزا شرعا عن هذا الفرد من الصلاة حيث أن الشارع ألزمه بفعل الازالة.

فهذا الفرد من الصلاة غير مقدور عليه شرعا فهو ليس من مصاديق الطبيعة المأمور بها لأن الطبيعة المأمور بها هي الصلاة المقدورة عقلا و شرعا و هذا الفرد صلاة غير مقدور عليها شرعا.

و من الواضح أن غير المقدور ليس من مصاديق المقدور.

إذا عرفت هاتين المقدمتين نقول.

394

بالفرد المزاحم يرجع إلى نفس شمول الأمر المتعلق بالطبيعة له، يعني أنه يرى أن الطبيعة المأمور بها بما هي مأمور بها لا تنطبق على الفرد

____________

أما المقدمة الأولى فمسلمة و واضحة ضرورة أن المكلف قد ألزمه الشارع بفعل الأهم فهو غير قادر شرعا على الإتيان بغير الأهم. فالصلاة في المثال و إن كانت مقدورة تكوينا إلا أنها غير مقدورة شرعا.

إذن فهذه المقدمة الأولى لا خلاف فيها فهي مسلمة عند المحقق الكركي (ره) و غيره.

و أما المقدمة الثانية فهي محل الخلاف (و كل الصيد في جوف الفراء) فإن هذه المقدمة هي عمدة كلام النائيني (ره) حيث قد عرفت أن جميع مقدماته مسلمة إلا هذه المقدمة.

و قد استدل المحقق النائيني (ره) لإثباتها بما محصله أن الأمر فعل اختياري للمولى. فلا بد له من علة غائية هي الغرض.

و هذا الغرض هو إيجاد الداعي عند العبد كي يتحرك نحو المأمور به.

و من الواضح أن هذا الغرض لا يتحقق إلا إذا كان المأمور به مقدورا إذ لو كان المأمور به غير مقدور لم يمكن أن يكون الغرض من الأمر هو تحريك العبد نحوه كما هو واضح.

فالنتيجة أن المأمور به الذي تعلق به الأمر هو الطبيعة المقدورة.

هذا تمام كلام المحقق النائيني ره. و أما مناقشته فنتعرض لها بعد ذكر عبارة المصنف ره.

تنبيه: من لطائف التحقيق أن تناقش خصمك في مسلماته لا في مقدماته كما فعل الميرزا النائيني (ره) مع المحقق الكركي الذي كان من المسلم عنده أن الضد المهم من مصاديق الطبيعة.

(قوله (ره): (يرجع إلى نفس شمول الأمر المتعلق بالطبيعة ...).

أقول بمعنى أن المانع هو أن الأمر المتعلق بالطبيعة غير شامل له.

(قوله (ره): (يعني أنه يرى ...).

أقول هذا بيان لسبب عدم شمول الأمر لهذا المصداق المزاحم بالأهم و حاصل السبب هو أن الطبيعة المأمور بها مقيدة بالقدرة فلا تشمل الفرد

395

المزاحم و لا تشمله، و انطباق الطبيعة بما هي مأمور بها على الفرد المزاحم لا ينفع و لا يكفي في امتثال الامر بالطبيعة. و السر في ذلك واضح، فإنا إذ نسلم أن التخيير بين أفراد الطبيعة تخيير عقلي نقول أن التخيير إنما هو بين أفراد الطبيعة المأمور بها، بما هي مأمور بها فالفرد المزاحم خارج عن نطاق هذه الأفراد التي بينها التخيير.

أما أن الفرد المزاحم خارج عن نطاق أفراد الطبيعة المأمور بها بما هي مأمور بها فلأن الأمر إنما يتعلق بالطبيعة المقدورة للمكلف بما هي مقدورة، لأن القدرة شرط في المأمور به مأخوذة في الخطاب، لا أنها شرط عقلي محض‏

____________

المزاحم.

(قوله (ره)): (و انطباق الطبيعة لا بما هي ...).

أقول و هذا يرجع إلى ما بيناه من أن المكلف لا يجوز له تطبيق الطبيعة على غير مصاديقها. فهذا الفرد المزاحم بالأهم تنطبق عليه طبيعة الصلاة مثلا و لا تنطبق عليه طبيعة الصلاة المقدورة.

فإن أراد المكلف تطبيق الطبيعة الأولى عليه فالتطبيق صحيح و لكن المطبق لا ينفع لأن الطبيعة الأولى غير مأمور بها.

و إن أراد المكلف تطبيق الطبيعة الثانية عليه فالمطبق ينفع لأنه المأمور به و لكن التطبيق غير صحيح لأن الفرد المزاحم ليس من مصاديق الطبيعة الثانية و لا يجوز تطبيق الطبيعة إلا على مصاديقها.

(قوله (ره)): (مأخوذة في الخطاب ...).

أقول أي مأخوذة لبا و إن لم يصرح بقيد القدرة لفظا. و إنما عرفنا أنها مأخوذة لبا للدليل العقلي المتقدم.

(قوله (ره)): (لا إنها شرط عقلي محض ...).

أقول مذهب المشهور أن الأمر يتعلق بالطبيعة المطلقة غايته أن العقل يحكم باستحالة تكليف العاجز فعند العجز يحكم بسقوط التكليف. فتصير القدرة شرطا للتكليف هذا عند المشهور.

396

و الخطاب في نفسه عام شامل في اطلاقه للأفراد المقدورة و غير المقدورة. بيان ذلك: إن الأمر إنما هو لجعل الداعي في نفس المكلف، و هذا المعنى بنفسه يقتضي كون متعلقه مقدورا لاستحالة جعل الداعي إلى ما هو ممتنع. فيعلم من هذا أن القدرة مأخوذة في متعلق الأمر و يفهم ذلك من نفس الخطاب بمعنى أن الخطاب لما كان يقتضي القدرة على متعلقه، فتكون سعة دائرة المتعلق على قدر سعة دائرة القدرة عليه لا تزيد و لا تنقص، أي تدور سعته و ضيقه مدار سعة القدرة و ضيقها.

و على هذا فلا يكون الأمر شاملا لما هو ممتنع من الأفراد إذ يكون المطلوب به الطبيعة بما هي مقدورة و الفرد غير المقدور خارج عن أفرادها بما هي مأمور بها.

____________

و أما عند النائيني (ره) فالقدرة شرط في الواجب أيضا فإن الطبيعة الواجبة هي الموصوفة بأنها مقدورة.

و الفرق بين المذهبين يتضح فيما لو فرض أن المكلف أتى بالصلاة حالة عجزه عنها فعلى المشهور تكون من مصاديق الطبيعة المأمور بها.

و على مذهب المحقق النائيني (ره) لم يكن هذه الصلاة من مصاديق المأمور به.

(قوله (ره)): (و الخطاب في نفسه عام ...).

أقول الواو حالية أي ليست القدرة شرطا شرعيا في حال يكون الخطاب عاما.

و يحتمل أنها عطف على المنفي من باب عطف المنفي بالتسبيب على المنفي بالأصالة كما تقول (ليس زيد عالما و عمر تلميذه) و هذا يقال عند ما يكون المخاطب معتقدا بأمر و يفرع عليه فرعا كما لو اعتقد أن زيدا غني و لذا سوف يعطيه مالا فيريد المتكلم أن ينفي الأصل و الفرع فيقول (ليس زيد غنيا و يريد أن يعطيك مالا).

(قوله (ره)): (بيان ذلك أن الأمر لجعل الداعي ...).

397

نعم لو كان اعتبار القدرة بملاك قبح تكليف العاجز فهي شرط عقلي لا يوجب تقييد متعلق الخطاب لأنه ليس من اقتضاء نفس الخطاب، فيكون متعلق الأمر هي الطبيعة بما هي لا بما هي مقدورة، و إن كان بمقتضى حكم العقل لا بد أن يقيد الوجوب بها، فالفرد المزاحم- على هذا- هو أحد أفراد الطبيعة بما هي التي تعلق بها كذلك.

و تشييد ما أفاده أستاذنا و مناقشته يحتاج إلى بحث أوسع لسنا بصدده الآن، راجع عنه تقريرات تلامذته.

____________

أقول أي بيان تقييد الطبيعة المأمور بها بالطبيعة المقدورة.

(قوله (ره)): (نعم لو كان اعتبار القدرة ...).

أقول إن كلام المحقق النائيني (ره) يحتوي على ملازمتين.

الأولى: إن كانت القدرة مأخوذة من نفس الخطاب قيدا في الطبيعة المأمور بها. يلزم عدم صحة الضد العبادي المزاحم بالأهم.

و هذه الملازمة قد تم شرحها. كما قد بينا أن المحقق قد اختار وقوع المقدم فينتج عنده وقوع التالي.

الملازمة الثانية إن كانت القدرة غير مأخوذة من نفس الخطاب بل مستفادة من حكم العقل بقبح تكليف العاجز يلزم صحة، الضد العبادي المزاحم بالأهم.

و هذه الملازمة الثانية هي التي أشار إليها المصنف (ره) هنا.

و هي عين كلام المحقق الكركي ره. فإن المحقق الكركي (ره) كان يبني على وقوع المقدم في هذه الملازمة فينتج عنده وقوع التالي.

(قوله (ره)): (و إن كان بمقتضى حكم العقل ...)

أقول قد عرفت أن مبنى المشهور على أن العقل يرى استحالة تكليف العاجز فيكون القدرة شرطا في الوجوب و التكليف لا في المأمور به. و بهذا ينتهي الكلام في شرح مراد المحقق النائيني ره.

(قوله (ره)): (و تشييد ما أفاده استاذنا و مناقشته ...).

398

أقول قد يناقش في كلمات المحقق النائيني (ره) عدة مناقشات نذكر أهمها.

المناقشة الأولى و ترد على الملازمة الثانية.

توضيح هذه المناقشة التي ذكرها السيد الخوئي. أن الميرزا النائيني (ره) التزم ببطلان الواجب المعلق أي كون الوجوب متقدما على زمان الواجب هذا من جهة.

و من جهة أخرى إن بقاء التكليف بالكلي في حال المزاحمة يعني أن التكليف هو على نحو الواجب المعلق و ذلك لأن الوجوب متحقق حال المزاحمة مع أن الامتثال لا يمكن إلا بعد تمام المزاحمة أي بعد الاتيان بالضد الأهم أو سقوط وجوبه.

توضيح ذلك بالمثال أنه لو تزاحم الصلاة مع الإزالة الأهم فتقدم الأهم و يكون هو الواجب الفعلي في هذا الوقت فلو قلنا ببقاء التكليف بكلي الصلاة كان الوجوب متحققا و لكن زمان الامتثال و إتيان الواجب إنما هو بعد إتيان الازالة و سقوط الأمر بالازالة إذ لا يمكنه شرعا أن يأتي بالصلاة قبل الاتيان بالازالة.

و هذا هو الوجوب المعلق فإنه ليس سوى تقدم الوجوب و تأخر زمان الواجب.

و هنا وجوب الصلاة متقدم و زمن امتثال الصلاة متأخر.

أقول و يمكن دفع هذا الاشكال بجوابين.

الأول هو أن المحال عند المحقق النائيني هو الوجوب المعلق بمعنى تقدم زمان الوجوب و تأخر زمان الواجب و هنا زمان الواجب غير متأخر غايته أن المكلف عاجز عن الاتيان بالواجب إلا بعد مدة من الوجوب فهو من قبيل عجز المكلف تكوينا عن الإتيان بالصلاة في أول الزوال فإن هذا لا يستوجب صيرورة الصلاة واجبا معلقا.

و الحاصل أنه فرق بين كون زمان الواجب متأخرا عن الوجوب و بين‏

399

كون المكلف مضطرا إلى تأخير الامتثال عن زمان الوجوب مع فرض أن زمان الواجب متصل بزمان الوجوب فلاحظ جيدا.

الجواب الثاني و يتركب من مقدمتين.

الأولى أن القدرة عند المحقق النائيني (ره) من شروط الوجوب أيضا.

المقدمة الثانية أن المفروض عند تزاحم الصلاة مع الازالة و تقديم الازالة أن يكون القدرة على الصلاة مفقودة في زمان الاتيان بالإزالة ضرورة أنه شرعا إنما يمكنه أن يأتي بالصلاة بعد الاتيان بالإزالة.

و إذا عرفت هاتين المقدمتين فينتج من الجمع بينهما أن وجوب المهم يكون غير متحقق في وقت التكليف بالازالة. بل يتحقق بعده فيكون الوجوب كالواجب متأخرا عن إتيان الازالة لا أن الوجوب قبل الازالة و الواجب بعده.

أقول هذا الجواب و إن كان يدفع الاشكال عن الميرزا النائيني (ره) في هذا المقام إلا أنه يستوجب إيرادا آخر يرد على القول بالترتب سنذكره في محله، فاحفظ ذلك.

المناقشة الثانية و ترد على الملازمة الأولى، و حاصلها أن نسلم أن القدرة يقتضيها نفس الخطاب و لكن مع ذلك لا يجب أن يكون الطبيعة المأمور بها هي المقيدة بالقدرة.

و ذلك لأن الغرض من التكليف هو جعل الداعي نحو الطبيعة و من الواضح إمكان جعل الداعي نحو الطبيعة التي بعضها مقدور و بعضها غير مقدور.

و الحاصل أن اللازم في التكليف إنما هو كون الطبيعة مقدورا عليها.

و هذا متحقق في الطبيعة التي بعضها مقدور عليه و بعضها غير مقدور عليه فإن الطبيعة التي تكون كذلك يكون مقدورا عليها كما لا يخفى. فالكلي الذي له فردان الأول مقدور و الثاني غير مقدور يكون هذا الكلي مقدورا عليه.

400

و الحاصل أن كون الغرض من التكليف هو جعل الداعي لا يقتضي أكثر من كون الطبيعة مقدورا عليها فلا حاجة إلى كون جميع أفرادها مقدورا.

أقول قد يعترض على هذه المناقشة أن سعة التكليف يجب أن تكون بسعة الغرض.

فالتكليف بهذه الطبيعة التي بعضها مقدور و بعضها غير مقدور يكون زائدا عن الغرض و ما كان زائدا عن الغرض كان لغوا فلاحظ.

و يمكن أن يقال إن حل المشكلة يرجع إلى تعيين منظور المولى الآمر فهل كان ينظر إلى مجرد إيجاد صرف الطبيعة دون لحاظ مصاديقها.

أو كان ينظر إلى إيجاد أحد المصاديق أو إيجاد صرف الطبيعة ضمن المصاديق أو نحو ذلك من اللحاظات التي ينظر فيها إلى المصاديق.

فعلى الأول يكون التكليف بهذه الطبيعة بغرض تحريك المكلف نحوها و هو مقدور و التكليف مطابق للغرض.

و على الثاني فيجب أن تكون المصاديق الملحوظة هي المقدورة لوضوح أن المولى لا يكون غرضه البعث نحو المصاديق غير المقدورة، إذن يكون غرضه تحريك المكلف نحو الطبيعة في المصاديق المقدورة، فلا بد أن يكون التكليف مختصا بالطبيعة المقيدة بالقدرة و لا يجوز التكليف بالطبيعة التي بعضها مقدور و بعضها غير مقدور لأن التكليف حينئذ يكون زائدا عن الغرض لغوا.

إذا عرفت هذا فهنا نقاط.

الأولى أن الصحيح من هذين الاحتمالين هو الأول كما أشرنا إليه في مواضع كثيرة فإن المولى ينظر إلى صرف الطبيعة فيرى فيها مصلحة فيتشوق إليها و يصير غرضه البعث نحوها فيكلف بها.

الثانية يحتمل أن المحقق النائيني (ره) نظر إلى الثاني و لذا زعم بلزوم تقييد الطبيعة بالقدرة.

الثالثة قد يقال أن المولى إذا نظر بالنظرة الثانية يجب أن نقول ببطلان‏

401

الضد العبادي حتى لو لم نلتزم بتقييد الطبيعة المأمور بها بقيد القدرة و ذلك لأن المولى حينئذ لن يدخل الضد العبادي المزاحم بالأهم في نظره أي عند ما يشير إلى المصاديق و يقول أوجد أحدها أو أوجد الطبيعة في ضمن أحدها فإنه لن يدخل الضد العبادي في ضمن المشار إليه لأنه حسب الفرض غير مقدور عليه شرعا.

أقول فيه نظر من جهات نذكر اثنين منها على نحو الاجمال.

الأولى أن النظر إلى المصاديق بالاجمال لا بالتفصيل أي بمجرد عنوان المصداقية لا أكثر من ذلك و بذلك يدخل جميع المصاديق و من بينها الضد العبادي المزاحم بالأهم.

الثانية أنه لا دليل على أن المولى لن يدخل الضد العبادي تحت إشارته إذ المحال إنما هو الإلزام بالضدين دون الإلزام بضد و تسويغ ضد آخر.

ثم هنا مناقشات أخرى أعرضنا عن ذكرها.

ثم إنه يمكن تأويل كلام المحقق النائيني (ره) بأنه عند التكليف بالأهم يكون المكلف عاجزا عن المهم و بالتالي لا يكون المهم فعليا لعدم تحقق موضوعه.

و من هنا فلو أن المكلف أتى بالمهم يكون قد أتى بما ليس بواجب كمن أتى بالحج قبل الاستطاعة و من الواضح أن هذا لا يستوجب سقوط الواجب بعد وجوبه.

و بعبارة أوضح هنا مقدمات.

الأولى أن القدرة من شروط موضوع الحكم و منها القدرة الشرعية.

الثانية أنه عند التكليف بالأهم يكون المكلف عاجزا شرعا عن الاتيان بالمهم.

الثالثة أن الذي يسقط الأمر إنما هو الاتيان بالمأمور به في ظرف وجود الأمر إذ الاتيان به قبل أو بعد الأمر يستحيل أن يكون مسقطا للأمر.

فينتج أنه في زمن التكليف بالأهم يكون المكلف عاجزا عن المهم.

402

و بالتالي لا يتحقق وجوب المهم.

و من ثم فلو أتى فيه بفرد من طبيعة المهم لا يكون ذلك مستوجبا لسقوط الأمر كما أن الآتي بالحج قبل الاستطاعة لا يستوجب سقوط وجوب الحج بعد تحقق الاستطاعة.

و الحاصل أن الشرط هو الاتيان بالمأمور به في ظرف القدرة و إن لم يكن القدرة قيدا للمأمور به.

نعم الانصاف بعد هذا التأويل عن كلام المحقق النائيني. و اللّه العالم بحقائق الأمور.

و بهذا ينتهي الكلام في اعتراض المحقق النائيني (ره) على المحقق الكركي و بذلك ينتهي الكلام في الجواب الأول عن اعتراض العلامة البهائي.

الجواب الثاني عن اعتراض البهائي (ره) ما يمكن الالتزام به و ان كان مخالفا للمشهور.

و هو أن التزاحم لا يقتضي رفع فعلية أحد الحكمين بل كلا الحكمين باقيان على الفعلية غايته أنه يسقط المهم عن مرحلة التنجيز.

توضيح ذلك في نقاط.

الأولى أن مراتب الحكم أربعة.

الأولى رؤية المصلحة و المفسدة في الفعل و حصول الشوق و الارادة أو البغض و التنفر- أي ارادة العدم.

الثانية اعتبار الحكم و ضربه في لوح الشريعة.

الثالثة فعليه الحكم بمعنى انطباق موضوعه على المكلف.

الرابعة تنجز الحكم على المكلف بمعنى استحقاقه العقاب عند المخالفة.

و هذه المراتب قد فصلناها في أوائل مبحث الإجزاء فراجع.

النقطة الثانية أن المشهور أنه عند تزاحم حكمين يسقط أحدهما عن‏

403

الفعليّة بمعنى أن يكون أحدهما لم ينطبق موضوعه على المكلف و ذلك لأن موضوع كل حكم مقيد بالقدرة فعند التكليف بالأهم يكون المهم غير مقدور عليه فيكون موضوع الحكم غير منطبق على المكلف.

و بعبارة أخرى إن المشهور ذهبوا إلى أن موضوعات الاحكام كلها مقيدة بالقدرة فتكون القدرة من شروط الوجوب.

و المكلف عند المزاحمة و تكليفه بالأهم يكون عاجزا شرعا عن المهم و بالتالي يكون موضوع المهم غير منطبق على المكلف فلا يتحقق الحكم في ذمته أو قل يكون شرط وجوب المهم (أي القدرة عليه شرعا و عقلا) غير متحقق فبالتالي لا يتحقق وجوب المهم و هذا معنى ارتفاع فعليه المهم عند المزاحمة.

توضيحه بالمثال أن موضوع وجوب الصلاة هو (المكلف القادر) فيكون القدرة شرط وجوب الصلاة فلو تزاحم الصلاة مع الازالة الأهم يكون المكلف مكلفا بالأهم و بالتالي يكون عاجزا عن الصلاة.

فيكون موضوع الصلاة غير منطبق على المكلف لأن المكلف حينئذ ليس قادرا بل عاجزا.

فيلزم بالتالي عدم انطباق وجوب الصلاة عليه أو قل إن شرط وجوب الصلاة و هو القدرة قد انتفى بسبب المزاحمة فيسقط الوجوب بسقوط شرطه فلا تكون الصلاة واجبة عند المزاحمة.

النقطة الثالثة قد تعرضنا في أول مبحث الاجزاء إلى استعراض أدلة اشتراط الأحكام بالقدرة و نقول هنا إن أهم أدلة الاشتراط.

الأول الرواية.

الثاني استحالة تكليف العاجز للزوم الظلم.

الثالث الانصراف العرفي.

الرابع أن الغرض يقتضي القدرة.

404

أقول أما الأول و الثاني فقد عرفت فسادهما لعدم دلالة الرواية على سقوط الفعلية.

و لعدم لزوم الظلم ببقاء الفعلية و سقوط التنجز.

و أما الرابع فحاصله دعوى أن الغرض من التكليف تحريك العبد و يستحيل تحريكه نحو غير المقدور فلا يكون الغرض إلا بتحريكه نحو المقدور أو في ظرف القدرة و يجب أن يكون التكليف مطابقا للغرض أي يكون التكليف متعلقا بالطبيعة المقدور عليها أو في ظرف القدرة عليها.

أقول لو سلمنا أن غرض المولى هو كذلك لكان الحق مع المشهور في اشتراط الوجوب بالقدرة العقلية و الشرعية و لكن نحن لا نعلم ما هو غرض المولى فقد يكون مجرد وضع التكليف في ذمة العبد.

و قد يكون فتح المجال أمام المكلف حتى لو عصى الأهم يفعل المهم.

فمع عدم العلم بغرض المولى لا بد من التمسك بإطلاق الأدلة.

و أما الدليل الثالث فقد عرفت أنه صحيح و لكن الانصراف العرفي إنما هو عن الطبائع غير المقدورة تكوينا.

و أما الطبائع غير المقدورة شرعا فلا انصراف عرفي عنها فإذا كان قتل زيد محالا بطبعه كان خارجا عن التكليف بنظر العرف و أما العجز الشرعي فهو لا يقتضي انصراف العرف.

فدليل وجوب الصلاة مقيد بعند التمكن تكوينا. و غير مقيد بعند التمكن شرعا لعدم انصراف العرف عن ذلك.

و مما ذكرنا ظهر عدم الدليل على سقوط الفعلية عند التزاحم حتى في المضيقين و على هذا يجب الالتزام بصحة الضد العبادي المزاحم بالأهم.

و ذلك لأن المهم ما زال مأمورا به كالأهم فيمكن الاتيان به بقصد امتثال هذا الأمر.

ثم إن هذا الجواب أوسع من الجواب المتقدم الذي ذكره المحقق‏