المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه‏ - ج3

- محمود قانصوه المزيد...
510 /
405

الكركي (ره) لأنه جار في المضيقين و لأنه جار حتى على القول بتعلق الأمر بالأفراد لا بالطبائع. و بهذا ينتهي الجواب الثاني.

الجواب الثالث على اعتراض البهائي (ره) هو الجواب المبني على الترتب- الآتي- فبناء على الترتب يكون المهم مأمورا به فيجوز الاتيان به بقصد امتثال الأمر.

و هذا الجواب يحتاج تصحيحه إلى الدخول في مبحث الترتب و سيأتي عن قريب و لكن نشير هنا إلى أن هذا الجواب إنما نحتاج إليه إذا لم نقل بالجواب المتقدم و أما إذا قلنا به يكون هذا الجواب لسنا بحاجة إليه لأنه يريد أن يثبت أن المهم مأمور به في ظرف عصيان الأهم و نحن في الجواب الثاني التزمنا بأن المهم مأمور به حتى في ظرف إطاعة الأهم فضلا عن ظرف العصيان فيكون الجواب الثالث تحصيلا للحاصل بالجواب الثاني.

و نشير أيضا إلى أن هذا الجواب كالجواب المتقدم جار في المضيقين أيضا.

و كيف كان فتتميم هذا الجواب يحتاج إلى الدخول في مبحث الترتب الآتي.

406

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

407

مسألة الترتب‏

408

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

409

و إذ امتد البحث إلى هنا، فهناك مشكلة فقهية تنشأ من الخلاف المتقدم لا بد من التعرض لها بما يليق بهذه الرسالة.

____________

(قوله (ره)): (تنشأ من الخلاف المتقدم ...).

أقول قد عرفت أن البهائي أدعى بطلان الضد العبادي المزاحم بالأهم و ذلك لعدم وجود أمر بهذا الضد عند المزاحمة و ذكرنا أيضا أنه يجاب عليه بمسلكين.

الأول تصحيح الضد العبادي المزاحم بالأهم بلا حاجة إلى وجود أمر متعلق به.

المسلك الثاني ادعاء وجود أمر يتعلق بالضد العبادي المزاحم بالأهم و هذا المسلك يتضمن ثلاث أجوبة.

الأول وجود الأمر بالموسع المنطبق قهرا على الضد العبادي المزاحم بالأهم. و هذا جواب المحقق الكركي (ره).

الثاني وجود الأمر بالضد العبادي و غيره عند المزاحمة لأن المزاحمة لا تقتضي سقوط الأمر بالمهم.

الثالث وجود الأمر بالضد العبادي و غيره المزاحم بالأهم عند عصيان الأهم.

و هذا الجواب الثالث هو المعتمد على مسألة الترتب و لهذا كان النقاش في مسألة الترتب من توابع و فروع الاشكال المتقدم عن الشيخ البهائي (ره).

ثم إنه لتوضيح مسألة الترتب نذكر مقدمات،

الغرض منها شرح مسألة الترتب بالجملة و بيان مورد جريان مسألة الترتب.

المقدمة الأولى في شرح مسألة الترتب بالجملة

فنقول إذا اجتمع أمران فتزاحما و قدم أحدهما و صار هذا المقدم هو الواجب الفعلي.

و أما غير المقدم- (أي الأمر الثاني المؤخر)- فيقع حوله نزاع على قولين.

الأول أن يصير هذا الواجب المؤخر ليس فعليا ما دامت المزاحمة

410

موجودة، فهو في كل آنات المزاحمة غير فعلي، أي أن فعليته ساقطة مطلقا ما دامت المزاحمة.

الثاني أن يصير هذا المؤخر ليس فعليا في حالة و فعليا في حالة أخرى.

أي فعليا في حالة إتيانه و عصيان المقدم. و غير فعلي في حالة عدم إتيانه و عدم عصيان المقدم.

و القول الأول هو قول منكر الترتب.

و القول الثاني هو قول مدعي الترتب.

فالترتب إذن هو دعوى أن الضد المهم (المؤخر) يصير فعليا عند إتيانه و عصيان الأهم أي يترتب فعليته على عصيان الأهم فيكون هذان الضدان- الأهم و المهم- مترتبين الأول الأهم و يعقبه و يليه المهم عند عصيان الأهم.

و من جهة أخرى فقد عرفت أن معنى الفعلية هو انطباق موضوع الحكم على المكلف فإذا التفتّ إلى هذا تعرف أن معنى قولنا (أن المهم يصير فعليا في حالة عصيان الأهم) هو أن موضوع المهم ينطبق على المكلف- في حالة عصيان الأهم و هكذا تعرف أن معنى قولنا (أن المهم يبقى غير فعلي في حالة عدم عصيان الأهم) هو أن موضوع المهم لم ينطبق على المكلف في حالة عدم عصيان الأهم.

إذن معنى الترتب هو دعوى أن موضوع المهم مقيد و مشروط بعصيان الأهم و بعبارة أخرى يكون عصيان الأهم من شروط وجوب المهم في حالة التزاحم.

[أركان الترتب‏]

فأركان الترتب أمور.

الأول وجود الأمرين.

الثاني وقوع المزاحمة بينهما بمعنى أن المكلف لا يمكنه امتثالهما معا.

الثالث تقديم الأهم و صيرورته فعليا و تأخير المهم و صيرورته غير فعلي بالجملة.

411

الرابع أن يكون الواجب الأهم فعليا حتى في مجال فعلية وجوب المهم، أي يلتقيان في الفعلية و لو في آن.

الخامس أن يصير المهم مشروطا بعصيان الأهم.

و إذا شئت استيضاح كل ما ذكرناه بالمثال نقول وجد أمر بالصلاة و أمر بالازالة و تزاحمت الصلاة مع الازالة و قدمت الازالة لأنها أهم. فبقي الأمر بالازالة مطلقا و فعليا و أما الصلاة فيصير وجوبها مشروطا بترك الإزالة.

المقدمة الثانية إن ثمرة القول بالترتب هي إثبات وجود الأمر بالمهم عند إتيانه و عصيان الأهم‏

فلو أن المكلف في المثال عصى الأمر بالازالة و أتى بالصلاة يكون قد امتثل الأمر المتعلق بالصلاة.

كما أن ثمرة انكار الترتب هي إنكار وجود الأمر بالمهم عند إتيانه و عصيان الأهم فلو أن المكلف في المثال عصى الأمر بالإزالة و أتى بالصلاة يكون قد أتى بما لا أمر يتعلق به.

المقدمة الثالثة قد عرفت في المقدمة الأولى أنه من أركان الترتب وجود أمرين و لا يخفى أن الأمرين يفسران بتفسيرين.

الأول أن يكون الأمران عبارة عن حكمين شرعيين مستقلين أي جعلين و قانونين مضروبين في لوح الشريعة مثل (يجب الصلاة) و (يجب الإزالة) فإنهما قانونان شرعيان.

الثاني أن يكون الأمران عبارة عن تكليفين متوجهين إلى المكلف سواء كانا تكليفين بأمرين كما في المثال السابق (يجب الازالة و يجب الصلاة) أو كانا تكليفين بأمر و قانون واحد كما في (يجب إنقاذ الغريق) و فرض وقوع غريقين في آن واحد فإن المكلف يكون مكلفا بتكليفين الأول إنقاذ الغريق الأول العالم الثاني انقاذ الغريق الثاني العامي.

و كلا هذين التكليفين مأخوذان من أمر و قانون واحد هو (يجب إنقاذ الغريق).

إذا عرفت هذين التفسيرين نقول لا ريب في شمول مسألة الترتب‏

412

للأمرين بالتفسير الأول- أي القانونين مثل (يجب الصلاة) و (يجب الازالة).

و إنما الكلام في شمول مسألة الترتب لكلا قسمي التفسير الثاني.

أو بعبارة أخرى إن الكلام في شمول المسألة للتكليفين المأخوذين من أمر واحد كما في مثال الغريقين فنقول.

لم أر من أشار صراحة إلى هذا المورد و كيف كان فالظاهر على ما يخطر لي بدوا أن عند التزاحم و تقديم الأهم ينقلب هذا المورد ليصير من مصاديق المورد المتقدم أي وجود القانونين و الترتب بينهما.

توضيح ذلك أنه عند وجود الأمر بانقاذ كل غريق (يجب إنقاذ الغريق).

و فرض وقوع زيد و عمر في الغرق فهنا إما أن يفرض تساويهما في الأهمية عند الشارع الاقدس. و إما أن يفرض أن أحدهما أهم. فهذان فرضان.

أما على الفرض الأول فعلى المشهور من سقوط الفعلية عند التزاحم يجب أن يقال بتقييد موضوع الأمر بانقاذ الغريق ليصير (يجب إنقاذ الغريق المقدور على إنقاذه).

و بما أن المقدور على انقاذه هو أحدهما مفهوما يحكم العقل بالتخيير بينهما بلا حاجة إلى أمر جديد من الشارع يحكم بالتخيير.

و اما على ما ذكرناه من بقاء الفعلية عند التزاحم يكون الأمر بانقاذ الغريق باق على إطلاقه و يكون المكلف مكلفا بانقاذ كلا الغريقين غايته أنه عاجز عنهما معا فيحكم العقل بلزوم إطاعة أحدهما أيضا بلا حاجة إلى وجود خطاب شرعي بالتخيير. هذا في الفرض الأول.

و أما في الفرض الثاني فلا ريب أن الأمر بانقاذ الغريق لا يقتضي وحده تعيين الأهم بل يقتضي التخيير كما عرفت في الفرض المتقدم.

غايته أن العقل لما أدرك أن إنقاذ عمر مثلا أهم عند الشارع فإن العقل يستكشف وجود خطاب شرعي بإنقاذ الأهم أي (عمر) و من هنا يصير

413

الموجود في الواقع خطابين.

الأول (يجب إنقاذ كل غريق).

الثاني (يجب إنقاذ الأهم عند التزاحم).

أي ينقلب هذا المورد ليصير من موارد وجود الأمرين القانونين فيجري عليه جميع أحكام الأمرين من جريان الترتب أو عدم جريان الترتب.

فعلى القول بجريان الترتب يكون الخطاب الأول هنا مقيدا بعدم إطاعة الخطاب الثاني. تماما كما نقول في الترتب بين الأمرين القانونين.

غايته وجود فروق لا دخالة لها فيما هو محل الكلام نذكر منها.

الأول: أن الترتب بين الأمرين كان من قبيل الترتب بين الواجبين التعيينيين فإن الصلاة كانت واجبا تعيينيا و كذا الإزالة كانت واجبا تعيينيا.

فالصلاة و الازالة واجبان تعيينيان قبل المزاحمة كما هو واضح.

و كذا حال المزاحمة لأن المزاحمة هنا لم تستوجب كون الواجب هو عنوان أحدهما ثم يحكم الشارع بتقديم الإزالة فإن في حال التساوي يكون التخيير بينهما عقليا لا شرعيا.

هذا بخلاف الترتب في هذا المورد (إنقاذ الغريقين) فإنه ترتب بين واجبين تخييريين و واجب تعييني في رتبة المزاحمة إذا فرضنا أن الأمر الشرعي بتقديم الأهم متأخر عن رتبة المزاحمة فإن في أول مرتبة من مراتب المزاحمة ينقلب الواجب إلى عنوان أحدهما على مذهب المشهور و بعد هذه المرتبة يحكم الشارع بتقديم الأهم من أحدهما فمعنى الترتب هنا هو تقييد الأمر التخييري بعصيان الأمر بإطاعة الحكم الشرعي بتقديم الأهم.

و هذا الفرق كما ترى لا أثر له في محل الكلام مع أنه يمكن دفعه بأمرين.

الأول أنه بناء على ما ذكرناه من بقاء الفعلية حين التزاحم فإن التكليفين باقيان على الفعلية و التعيين فيكون الترتب بين الأمرين التعيينيين و الأمر التعييني إذا قلنا أن الخطاب الشرعي بتقديم الأهم هو خطاب ثالث.

414

فمثلا يكون في أول مراتب المزاحمة تكليفان فعليان كل واحد معين متعلق بأحد الغريقين فيأتي الخطاب الشرعي الثالث بلزوم تقديم الأهم فيكون التكليفان الأولان مشروطين بعدم إطاعة الخطاب الشرعي الثالث.

ففي حال عدم إطاعة الثالث يتحقق موضوع التكليفين الأولين و يحكم العقل بالتخيير بينهما لعدم القدرة عليهما.

و أما إذا قلنا أن الخطاب الشرعي بتقديم الأهم ليس خطابا ثالثا بل هو عبارة عن تنجيز الأهم بمعنى التوعيد بالمعاقبة على تركه فعلى هذا يكون الترتب بين تنجيز المخير و تنجيز المعين.

فمثلا لو تزاحم إنقاذ الغريقين ففي أول مراتب المزاحمة يحكم العقل بتنجيز أحدهما لعدم القدرة عليهما معا فإذا جاء الخطاب الشرعي بتنجيز الأهم يكون تنجيز أحدهما مترتبا على عصيان تنجيز الأهم.

الأمر الثاني أن نلتزم أن الخطاب الشرعي بتقديم الأهم غير متأخر زمانا عن التزاحم بل متأخر رتبة توضيح ذلك أنه هنا احتمالين.

الأول أن نفرض أن الشارع له أحكام شخصية بتقديم الأهم بحيث أنه كلما وقعت مزاحمة و علم بها يحكم بتقديم الأهم.

الثاني أن نفرض أن الشارع عنده حكم عام و قانون كلي موضوعه المزاحمة و محموله تقديم الأهم.

إذا عرفت هذين الاحتمالين فعلى الثاني لا ريب يكون وجوب تقديم الأهم إنما هو متأخر رتبة عن المزاحمة لأن المزاحمة موضوعه و لا ريب أن المحمول إنما يتأخر عن الموضوع رتبة لا زمانا.

و على الاحتمال الأول فلا ريب أنه إذا قسنا الحال إلى البشر كان الحكم بتقديم الأهم متأخرا زمانا لاحتياجه إلى العلم و الالتفات إلى الأهم ثم الحكم بتقديمه و كل ذلك يحتاج إلى زمان عند البشر.

فإذا كان حكم الشارع بتقديم الأهم من قبيل حكم البشر يكون متأخرا زمانا.

415

و أما إذا لم يكن كحكم البشر بل كان واقع المزاحمة علة تامة للحكم كان الحكم متأخرا رتبة عن المزاحمة تأخر المعلول عن العلة.

خلاصة الكلام أن الفرق بين الترتب في الأمرين القانونيين و الترتب في التكليفين يختلف باختلاف الاحتمالات و هي ثلاثة.

الأول: على مذهب المشهور مع فرض أن الحكم بتقديم الأهم قانون عام أو خاص و لكن واقع المزاحمة علة تامة للحكم.

فعلى هذا الاحتمال يكون الفرق هو أن الترتب بين الأمرين هو ترتب فعليه الأمر المعين المهم على عصيان الأمر الأهم بحيث يكون موضوع فعليه المهم مقيدا بعصيان الأهم.

بينما الترتب بين التكليفين من أمر واحد هو ترتب فعليه الأمر التخييري رتبة على عصيان الأهم بحيث يكون موضوع الأمر التخييري بعنوان أحدهما مترتبا على عصيان الأهم.

الثاني على مذهب المشهور مع فرض أن الحكم بتقديم الأهم حكم شخصي كحكم البشر.

فعلى هذا الاحتمال يكون الفرق هو أن الترتب بين الأمرين هو ترتب فعليه الأمر المعين المهم على عصيان الأهم بينما الترتب بين التكليفين من أمر واحد هو ترتب فعليه الأمر التخييري زمانا على عصيان الأهم.

فيكون الأمر التخييري تخييريا أول زمان المزاحمة و حين عصيان الأهم بخلافه على الاحتمال الأول فإنه لا يكون تخييريا زمانا إلا عند عصيان الأهم نعم يكون تخييريا في أول مراتب المزاحمة.

الثالث على مذهب بقاء الفعلية عند التزاحم فعلى هذا المذهب لا فرق بين الترتبين لأنه يكون من قبيل واحد أي ترتب التنجيز بالمخير على تنجيز الأهم سواء كان التخيير زمانا أو رتبة و سواء قلنا أن تقديم الأهم خطاب مستقل أو عبارة عن تنجيز الأهم.

نعم على القول بأنه خطاب مستقل يكون الحاصل بعد عصيان الأهم‏

416

هو التنجيز المخير بينما على القول بأنه تنجيز الأهم يكون الحاصل بعد عصيان الأهم هو التنجيز المعين أي تنجيز المهم فقط.

تنبيه و يمكن أن يقال أنه على الثالث يكون الترتب دائما بين تنجيز الأهم و تنجيز المهم أي حتى لو كان خطابا مستقلا و ذلك بأن يقال أن الأهم قد تنجز بالخطاب المستقل فلا مجال لتنجزه مرة ثانية و لا سيما في صورة عصيانه فيكون التنجيز المتوجه الى الخطاب التخييري متوجه إلى أحد شقيه و هو المهم فقط فهو تنجيز أحد بدلي الخطاب التخييري.

و أما الفرق الثاني فهو أن الأمر بالأهم في الترتب بين الأمرين لا يحتاج إلى تجديد أمر و خطاب شرعي بل لا يحتاج إلى شي‏ء غايته أننا نستكشف عدم تقييد الأهم و يعلم بالتالي تقييد المهم.

و هذا بخلاف الأمر بالأهم في الترتب بين التكليفين من أمر واحد فإنه يحتاج إلى خطاب شرعي جديد يكلف بالأهم أو ينقح‏ (1) لنا فعليه الأهم عن طريق التعبد بتحقق موضوع الحكم بالنسبة إلى الفرد الأهم دون المهم هذا على مذهب المشهور.

و أما على مذهب بقاء الفعلية فيحتاج تقديم الأهم إلى خطاب جديد على كلا الترتبين.

الفرق الثالث أن مرتبة تقديم الأهم عند التزاحم بين الأمرين هي في نفس مرتبة وقوع التزاحم و ليست متأخرة لما عرفت من عدم احتياج الأمر بالأهم إلى أي شي‏ء جديد.

بينما تقديم الأهم عند التزاحم بين التكليفين من أمر واحد هي بعد مرتبة وقوع التزاحم لذا كان استحالة لحاظ هذا التقديم في الأمر الواحد أولى من استحالته في الأمرين فإن لحاظ تقييد المهم بعدم المزاحمة بالأهم في‏

____________

(1) الفرق بين التكليف و التنقيح أن الأول حكم جديد ثاني بينما الثاني هو بيان أن المكلف قادر على الأهم فقط فيكون ناظرا إلى تحقق موضوع الأمر الأهم.

417

الأمرين متأخر عن صدور الأمر رتبة واحدة.

بينما في التكليفين من أمر واحد متأخر رتبتين أي رتبة الامتثال و وقوع التزاحم و رتبة صدور الأمر بتقديم الأهم.

و كيف كان فهذه الفروق كلها لا أثر لها في محل الكلام.

تنبيه سوف ننبه على أن الترتب في هذا المورد (بين التكليفين) كالترتب بين الأمرين يكون مجرد امكانه كاف في إثباته فانتظر.

و قد توسعنا بعض الشي‏ء في هذه المقدمة لاحتياجها إلى التوضيح و لا تخلو عن دقة.

[المقدمة الرابعة هل الترتب بين وجوبيين أم أعم من الوجوبيين و الاستحبابيين‏]

المقدمة الرابعة قد عرفت أن من أركان الترتب وجود أمرين و هنا يقع سؤال و هو أن هذين الأمرين هل هما أعم من الوجوبيين و الاستحبابيين حتى يقع الترتب بين المستحبين أم أنهما مختصان بالوجوبيين حتى لا يقع الترتب بين المستحبين فنقول عندنا ثلاث صور.

الأولى أن يكون الأمران وجوبيين مثل (يجب الصلاة) و (يجب الازالة).

الصورة الثانية أن يكون الأهم وجوبيا و المهم استحبابيا مثل تزاحم (يجب الصلاة) مع (يستحب الطواف حول الكعبة).

الصورة الثالثة أن يكونا استحبابيين مثل تزاحم (يستحب النافلة) و (يستحب الطواف).

إذا عرفت هذه الصور الثلاثة نقول.

أما الصورة الأولى فهي القدر المتيقن من مجرى التزاحم و الترتب.

أما الصورة الثانية فجريان الترتب فيها متوقف على القول بأن المزاحمة تقتضي سقوط الأمر الاستحبابي عن الفعلية كما تقتضي سقوط الأمر الوجوبي عن الفعلية و مرجع ذلك إلى دعوى أن القدرة التكوينية و الشرعية كما هي شرط للتكليف الوجوبي كذلك هي شرط للتكليف الاستحبابي.

418

و الحق كما يقتضيه مذاق المشهور هو ذلك أي أن القدرة شرط للتكليف الاستحبابي فهنا ثلاث دعاوى.

الأولى دعوى عدم جريان الترتب على القول ببقاء فعليه الأمر الاستحبابي في حال المزاحمة.

و دليل هذه الدعوى واضح حيث أنك عرفت أن الترتب عبارة عن جعل التكليف بالمهم مشروطا بعصيان الأهم.

و هذا هنا مقطوع العدم لأن المفروض أن التكليف بالمهم مطلق متحقق قبل عصيان الأهم و حاله و بعده.

الدعوى الثانية دعوى جريان الترتب على القول بسقوط فعليه الأمر الاستحبابي عند المزاحمة.

و دليل هذه الدعوى واضح أيضا فإنه على هذا نبحث عن إمكانية رجوع الفعلية عند عصيان الأهم و هذا هو الترتب.

الدعوى الثالثة أن مذاق الشهور هو اشتراط التكليف الاستحبابي بالقدرة كالتكليف الوجوبي حتى تكون القدرة التكوينية و التشريعية شرط الاستحباب و قيد موضوعه كما كانت القدرة شرط الوجوب و قيد موضوعه مما يؤدي إلى سقوط فعليه الاستحباب عند عدم القدرة.

و دليل هذه الدعوى واضح أيضا لأن بعض أدلة اشتراط التكليف بالقدرة كما تجري في التكليف الوجوبي تجري في التكليف الاستحبابي.

منها دليل استحالة البعث عند استحالة الانبعاث فإنه لا فرق بين البعث الاستحبابي و البعث الوجوبي فعند عجز المكلف عن المستحب يستحيل انبعاثه نحوه فيستحيل بعث المولى نحوه.

و منها دليل لغوية تكليف العاجز لأن التكليف بغرض التحريك و هذا الغرض يستحيل عند عجز المكلف و كما يستحيل التكليف الوجوبي بلا غرض كذلك يستحيل التكليف الاستحبابي بلا غرض.

نعم من لم يقبل هذين الدليلين و ادعى أن دليل اشتراط التكليف بالقدرة

419

غير هذين الدليلين كدليل الرواية أو استحالة الظلم فإن على هذا أن يعترف ببقاء فعلية الأمر الاستحبابي لأنه لا ظلم في تكليف العاجز تكليفا استحبابيا كما أن الرواية لا نظر لها إلى اسقاط المستحبات.

و كيف كان فالمشهور و لا سيما بين المتأخرين قبول الدليلين المتقدمين أو أحدهما على الأقل فبالتالي يقولون بسقوط فعلية الأمر الاستحبابي عند مزاحمته بالأهم الوجوبي.

أما الصورة الثالثة فلا ريب بعدم جريان الترتب فيها و ذلك لأن القدرة و إن كانت شرطا للتكليف الاستحبابي كما عرفت في الصورة الثانية إلا أن التكليف الأهم الاستحبابي لا يقتضي سلب القدرة عن المهم لا تكوينا كما هو واضح و لا تشريعا كما هو واضح أيضا حيث أن التكليف الاستحبابي ليس فيه إلزام للمكلف.

فلو تزاحم الصلاة المستحب المهم مع الطواف المستحب الأهم لم يكن التكليف بالطواف سالبا لقدرة المكلف على الصلاة لا تكوينا حيث أن المفروض قدرته على الصلاة و لا تشريعا لأن الشارع لم يمنع عن الصلاة حتى لو كلف بالطواف الاستحبابي حيث أن التكليف الاستحبابي ليس فيه منع من الترك.

و مما ذكرناه يظهر الحال فيما لو تزاحم المستحب المضيق مع الواجب الموسع و قلنا بأهمية المستحب و تقديمه في هذه الحالة فإن الواجب يبقى على فعليته بلا حاجة الى الترتب.

[المقدمة الخامسة شمول الترتب للنهي‏]

المقدمة الخامسة قد عرفت أن من أركان الترتب وجود الأمرين و العبارة لا تخلو من مسامحة لأن المراد وجود تكليفين سواء كانا أمرين أو كان الأهم نهيا و المهم أمرا توضيح ذلك أن عندنا أربع صور.

الأولى أن يكون التكليفان أمرين مثل (يجب الصلاة) و (يجب الإزالة).

الصورة الثانية أن يكون المهم أمرا و الأهم نهيا مثل تزاحم (يجب الصلاة) و (يحرم قتل المسلم) لو فرض أن الصلاة مؤدية إلى القتل.

420

الصورة الثالثة أن يكون المهم نهيا و الأهم أمرا مثل تزاحم (يحرم دخول الأرض المغصوبة) و (يجب إنقاذ الغريق).

الصورة الرابعة أن يكونا نهيين مثل تزاحم (يحرم القتل) و (يحرم الغصب).

أما الصورة الأولى فهي القدر المتيقن.

و أما الصورة الثانية فكذلك إذ عند التكليف بالنهي يكون عاجزا عن المهم فتسقط فعليته فيقع الكلام في إرجاع فعليته عند عصيان النهي.

و يترتب على هذا الارجاع ثمرة و هي تصحيح الضد العبادي المهم.

و أما الصورة الثالثة فقد يقال لا فائدة في الكلام فيها. لأن النهي المهم و إن سقط عن الفعلية فيمكن البحث في إرجاع فعليته عند عصيان الأهم إلا أن هذا البحث لا ثمرة له حيث أنه لا يهم الأصولي إثبات وجود النهي الفعلي عند عصيان الأهم حيث ليس فيه تصحيح لعبادة.

و لكن التحقيق وجود ثمرتين.

الأولى: أنه بناء على الترتب يكون النهي فعليا عند عصيان الأهم و بذلك يكون ارتكابه معصية يستحق عليها العقاب مضافا إلى عقاب عصيان الأهم. و هذه ثمرة مهمة.

الثانية: أن في بعض الحالات يكون التزاحم ليس من جهة وقوع المحرم مقدمة للواجب الأهم بل من جهة أخرى فيكون الحكم بفعلية الحرمة في هذه الحال ذا ثمرة.

توضيح ذلك أن التزاحم بين النهي و الأمر له صورتان.

الأولى أن يكون النهي مقدمة للواجب كما في تزاحم (يحرم دخول الأرض المغصوبة) مع (يجب إنقاذ الغريق).

ففي هذه الصورة كان التزاحم بسبب أن المنهي عنه وقع مقدمة للواجب الأهم ففي هذه الصورة لا ثمرة للترتب لأن الحرمة التي تسقط فعليتها هي حرمة المقدمة أي الدخول المؤدي إلى إنقاذ الغريق فلو دخل‏

421

و أنقذ لم يكن قد عصى الأهم فلا مجال للترتب.

و لو دخل و لم ينقذ كان هذا الدخول محرما فعليا قبل العصيان و بعده لأن المحرم الذي سقط فعليته هو الدخول المؤدي إلى الانقاذ لا الدخول غير المؤدي إلى الانقاذ فإن هذا الدخول ما زال على حرمته الفعلية سواء قبل عصيان الأهم أو بعده. إذن لا مجال للترتب في هذه الصورة.

الصورة الثانية: أن يكون المنهي عنه ضدا للواجب بحيث لو فعل المحرم لا يمكنه فعل الواجب و كذا بالعكس و تقع المزاحمة في هذه الصورة.

بالعرض بواسطة الاكراه و نحوه كما لو خيره الظالم بين ترك انقاذ الغريق و بين فعل الزنى.

فلو اختار انقاذ الغريق كان ملزما بالزنى و لو اختار ترك الزنى كان ملزما بترك انقاذ الغريق.

ففي هذه الحالة لو فرض أن الانقاذ أهم وجب الانقاذ و كان فعليا و سقط حرمة الزنى عن الفعلية.

فلو فعل الزنى و عصى الانقاذ متأخرا أو مقارنا يقع الكلام في رجوع فعلية حرمة الزنى عند العصيان فيترتب عليه احكام المحرم لو كان له احكام كما لو كان المحرم سفر معصية فيقصر أو كان دخول أرض مغصوبة فلا يحل له الصلاة و تصير الصلاة في الأرض المغصوبة من قبيل اجتماع الأمر و النهي و غير ذلك من الاحكام.

أما الصورة الرابعة فيعرف الكلام فيها من الصورة الثالثة.

[المقدمة السادسة الترتب عند التعارض‏]

المقدمة السادسة قد عرفت أن من أركان الترتب وجود المزاحمة. فلا ترتب عند عدم المزاحمة و لا عند المعارضة.

أما عدم الترتب عند عدم المزاحمة فلأن كلا التكليفين يكونان فعليين مطلقا سواء عند عصيان الأهم أو عند إطاعته كما في (يجب الصوم) و (يجب الصلاة) و لا تزاحم بينهما فكل من التكليفين فعلي مطلقا فلا وجه‏

422

للبحث في إرجاع الفعلية عند عصيان الأهم و هذا واضح.

و أما عدم الترتب عند المعارضة كما لو تعارض (دليل وجوب الجمعة) مع (دليل وجوب الظهر) فلأن معنى المعارضة أن أحدهما كاذب فلو ثبت بمقتضى المرجحات أو التخيير أن دليل وجوب الظهر هو الكاذب.

يثبت عدم وجود هذا الحكم في الشريعة أصلا فلا وجه للبحث في إرجاع فعليته عند عصيان دليل وجوب الجمعة إذ كيف نرجع فعليه حكم غير موجود في الشريعة.

و مما ذكرناه يظهر فساد احتياط بعض المتشرعة حيث يؤخرون صلاة الظهر إلى ما بعد صلاة الجمعة لدعوى أن صلاة الظهر لو وقعت في وقت صلاة الجمعة و فرض وجوب الجمعة واقعا تكون الظهر باطلة واقعا لأن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده و اما لو وقعت بعد الجمعة فلا أمر بالجمعة فيرجع فعلية وجوب الظهر.

و هذا الاحتياط إنما هو غفلة عن أنه لو وجبت الجمعة واقعا بطل الظهر لعدم تشريعه لا لأن الأمر يقتضي النهي عن الضد بل تبطل الظهر لعدم وجوب الظهر يوم الجمعة فتكون باطلة حتى لو وقعت بعد صلاة الجمعة.

اللهم إلا إذا فرض وجود دليل يدل على أن من عصى الجمعة وجب عليه الظهر فيكون في يوم الجمعة صلاتان في ذمة عاصي صلاة الجمعة بحيث لو ترك الظهر يكون قد عصى صلاة ثانية.

و لكن في هذا الفرض يكون مقتضى الاحتياط هو الإتيان بالجمعة ثم صلاة الظهر بعدها لا تأخير الظهر إلى ما بعد الجمعة. إلا مع احتمال حرمة الجمعة أيضا.

و الحاصل أنه لا مجال لتوهم رجوع فعلية المعارض الساقط عن الحجية بسبب المعارضة لأن معنى سقوطه كذبه و عدم وجود مضمونه في الشريعة فكيف يتوهم رجوع المعدوم إلى الفعلية.

و لا فرق في ما ذكرناه بين سقوط المعارض بسبب المرجحات أو

423

سقوطه بسبب التخيير لأن التخيير ليس في الامتثال بل في الحكم. و توضيح ذلك يحتاج إلى مراجعة بحث التعارض.

[المقدمة السابعة في الترتب عند التزاحم‏]

المقدمة السابعة قد عرفت أن من أركان الترتب وقوع المزاحمة بين التكليفين.

و المزاحمة لها أقسام عديدة يجمعها جامع واحد هو (عجز المكلف عن امتثال كلا التكليفين) و لا بأس بذكر بعض صور المزاحمة.

الأولى: المزاحمة الناشئة عن كون المأمور بهما مطلوبين في آن واحد و هما ضدان لا يجتمعان مثل صلاة الآيات و صلاة اليوم في الواجبين من أمرين و مثل صلاة جعفر الطيار و صلاة اليوم في الواجب و المستحب من أمرين و مثل إنقاذ الغريقين عند تباعدهما في الواجبين من أمر واحد.

الثانية المزاحمة الناشئة عن عجز المكلف عن الجمع بين التكليفين و إن كانا في أنفسهما يمكن الجمع بينهما سواء كانا في آن واحد أو آنين كما في إنقاذ الغريقين المتقاربين فإنه ممكن في نفسه و لكن يفرض عجز المكلف عن إنقاذهما معا لعدم قدرته على ذلك.

و مثل عجز المكلف عن الإتيان بجميع الركعات من قيام فإما أن يقوم الأولى و يعجز عن قيام الثانية أو يجلس الأولى و يمكنه قيام الثانية فإن الاتيان بجميع الركعات من قيام ليس ممتنعا في نفسه بل ممتنعا بسبب عجز في المكلف.

و سواء كان هذا العجز تكوينيا كما في الأمثلة المتقدمة أو اعتباريا كما لو أكرهه الظالم على عصيان أحد الواجبين.

الثالثة المزاحمة الناشئة عن كون الواجب متلازما في الوجود مع المحرم كما في إنقاذ المرأة الغريق الأجنبية التي يجتمع عليها وجوب الانقاذ و حرمة اللمس و هما متلازمان حسب الفرض و مثل التداوي بالنجس عند انحصار الدواء بالنجس فيجتمع عليه وجوب التداوي و حرمة الشرب.

سواء كان التلازم بين الواجب و المحرم بسبب من ذاتهما أو بسبب من‏

424

عجز المكلف و سواء كان السبب تكوينيا أو اعتباريا و سواء كان تلازم الواجب مع المحرم من جهة مقدمية أحدهما للآخر أو لا من هذه الجهة.

الرابعة المزاحمة الناشئة عن كون ترك المحرم متلازما مع فعل المحرم الآخر سواء كان تلازم من جهة نفس المحرمين أو من جهة عجز المكلف تكوينا أو اعتبارا سواء اتحد الزمان أم اختلف و الأمثلة غير عزيزة.

[المقدمة الثامنة في الترتب عند تساوي التكليفين‏]

المقدمة الثامنة قد عرفت أن من أركان الترتب تقديم الأهم فيتوقف الترتب على وجود الأهم توضيح ذلك أنه لو وقعت المزاحمة بين واجبين مثل صلاة اليوم و صلاة الآيات فيحتمل احتمالين.

الأول وجود الأهم.

الثاني عدم وجود الأهم أي تساوي التكليفين.

فعلى الأول يصير الأهم هو الواجب الفعلي و بالتالي يكون المكلف عاجزا عن المهم فتسقط فعليته فيمكن أن يقع البحث في رجوع فعليته عن طريق الترتب أي جعله واجبا مشروطا بعصيان الأهم.

و أما على الثاني فيحتمل ثبوتا خمسة احتمالات.

الأول سقوطهما معا عن الفعلية فلا يجب إطاعة أي واحد منهما.

الثاني بقاؤهما معا على الفعلية.

الثالث اشتراط فعلية أحدهما بأن يختاره المكلف.

الرابع اشتراط فعليه أحدهما بترك الآخر.

الخامس انقلاب الواجبين إلى وجوب واحد تخييري.

أقول أما الاحتمال الأول فلا وجه له ضرورة أن القدرة التكوينية و التشريعية متحققة بالنسبة إلى أحدهما فسقوطهما كلاهما عن الفعلية خلاف العلم بتحقق موضوع أحدهما.

و أما الاحتمال الثاني فلا وجه له على مذهب المشهور و ذلك للعلم بعدم القدرة على أحدهما فبقاؤهما معا على الفعلية خلاف العلم بعدم تحقق موضوع أحدهما.

425

و أما الاحتمال الثالث فيعترض عليه بأن المكلف لو لم يختر أي واحد منهما يسقطان معا عن الفعلية و ذلك لأن المفروض أن كل واحد من التكليفين مشروط بالاختيار. فمع عدم الاختيار لم يتحقق التكليف المشروط.

و هذا الاعتراض وارد فلا بد للاحتمال الثالث من إضافة ما تدفع هذا الاعتراض و هذه الاضافة تحتمل احتمالات عديدة لا حاجة إلى سردها و لكن نقول شيئا واحدا و هو أن هذه الاحتمالات كلها ترجع إلى أحد أمرين:

الأول اجتماع الحكمين الفعليين في زمان واحد.

الثاني أن تكون الاضافة خطابا شرعيا ثالثا فتحتاج إلى مئونة الإثبات فلا يكفي مجرد الإمكان.

و أما الاحتمال الرابع فإن أريد فيه بترك الآخر تركه و لو لحظة لزم اجتماع التكليفين الفعليين في اللحظات التالية لصدق ترك كل واحد منهما فيتحقق موضوعهما.

و إن أريد بالترك تركه مطلقا لزم فاسدان.

الأول اجتماعهما في الفعلية على فرض تركهما معا.

الثاني اجتماعهما في عدم الفعلية على فرض فعلهما معا.

ثم إن العجب من الميرزا النائيني (ره) حيث جعل هذا الاحتمال الرابع من قبيل ضم ترتب إلى ترتب أي ترتب الجانب الأول على الثاني و ترتب الجانب الثاني على الأول.

ففي مثال الصلاة و الازالة يكون عندنا على هذا الاحتمال ترتبان ترتب وجوب الصلاة على ترك الإزالة و ترتب وجوب الإزالة على ترك الصلاة ثم شنع على الشيخ (ره) حيث جمع بين القول باستحالة ترتب وجوب المهم على ترك الأهم- عند وجود الأهمية- و بين القول بهذا الاحتمال الرابع عند التساوي فقال له ليت شعري إن ضم ترتب إلى ترتب آخر كيف يوجب تصحيحه.

426

أقول إن هذا الاحتمال الرابع ليس من قبيل الترتب و إن كان فيه عيب الترتب.

أما انه فيه عيب الترتب فلأن عيب الترتب إنما هو اجتماع الحكمين الفعليين المتضادين و قد عرفت أن هذا العيب موجود في الاحتمال الرابع بل يوجد فيه عيب آخر كما قدمنا ذكره.

و اما أنه ليس من قبيل الترتب فلأن أركان الترتب كما عرفت و تعرف أن يكون أحد الواجبين مطلقا و يكون الثاني مشروطا بعصيانه حتى يجتمع الوجوبين في حال الاتيان بالمهم المشروط.

و من الواضح أن هذا كله غير متحقق هنا و ذلك.

لأن في هذا الاحتمال كان كلا الواجبين مشروطا.

و لأن كل واحد منهما مشروط بترك الآخر لا بعصيانه و فرق بين الترك و العصيان كما لا يخفى.

و لأنه عند الإتيان بأحدهما لا يكون الآخر فعليا فلا يجتمع الوجوبان الفعليان عند الاتيان بأحدهما و لكنهما يجتمعان فقط في حالة عدم الاتيان بأي واحد منهما.

فظهر أن الفرق شاسع بين الاحتمال الرابع و بين الترتب.

و أما الاحتمال الخامس فهو و إن كان ممكنا ثبوتا إلا أنه لا دليل عليه إثباتا فلا يلجأ إليه إلا في صورة استحالة جميع الاحتمالات الأخرى.

فظهر من كل ما ذكرناه أن الترتب لا مجرى له عند تساوي المتزاحمين.

[المقدمة التاسعة في أن المراد من وجود الأهم وجوده الواقعي‏]

المقدمة التاسعة. قد عرفت أن من أركان الترتب وجود الأهم و لا يخفى أن الركن إنما هو وجوده الواقعي سواء كان معلوما أم مجهولا فوجود الأهم واقعا و لو مع الجهل به يؤدي إلى وجود الترتب واقعا و لو مجهولا و هذا واضح.

427

غايته أن المكلف تارة يعلم بوجود الأهم و تارة يعلم العدم و تارة يجهل.

فعلى الأول يجري احكام الأهم.

و على الثاني يجري احكام التساوي.

و على الثالث فإن ترجح أهمية المعين بنى على أهميته لإطلاق دليله المقتضى لفعليته مع عدم العلم باشتراطه بترك الآخر و لا يبعد القول بجريان قاعدة التعيين و التخيير.

و إن لم يترجح أهمية المعين بنى على التساوي.

ثم إن المراد من العلم بوجود الأهم العلم به معينا فلو علم بوجود الأهم بين المتزاحمين كان عليه احكام الطور الثالث و كل ذلك واضح.

[المقدمة العاشرة توقف جريان بحث الترتب على القول بسقوط فعليه المهم‏]

المقدمة العاشرة قد عرفت أن من أركان الترتب تأخير المهم ليصير غير فعلي و قد نبهنا في مواضع متعددة أن بحث الترتب هو بحث حول إرجاع فعلية الواجب المهم في ظرف عصيان الأهم فإذن يتوقف جريان بحث الترتب على القول بسقوط فعليه المهم.

و اما لو قلنا- كما بيناه- أن المتزاحمين لا يسقطان عن الفعلية فلا مجال لبحث الترتب حيث نعلم بإطلاق الواجب المهم و تحقق موضوعه سواء مع عصيان الأهم أو مع عدم عصيان الأهم فنقطع بعدم صحة الترتب الذي هو عبارة عن جعل الواجب المهم واجبا مشروطا بعصيان الأهم.

و مما ذكرناه يعلم أنه لا مجال لبحث الترتب على مذهب المحقق الكركي (ره) عند تزاحم الموسع و المضيق فعلى مذهبه يكون الأمر بالموسع ما زال على فعليته مما يعلم معه أن وجوبه غير مشروط بشي‏ء بل مطلق فلا مجال لتوهم الترتب الذي هو جعل الموسع واجبا مشروطا بعصيان الأهم.

[المقدمة الحادي عشرة في عدم جريان بحث الترتب فيما إذا كان إتيان المهم بعد مرحلة سقوط الأهم‏]

المقدمة الحادي عشرة قد عرفت أن من أركان الترتب كون الأهم فعليا حتى في حال إتيان المهم سواء كان فعليا في أول مرحلة من إتيان المهم أو كان فعليا في جميع مراحل إتيان المهم.

428

و بهذا الركن يعلم عدم جريان بحث الترتب فيما إذا كان إتيان المهم بعد مرحلة سقوط الأهم.

توضيح ذلك أن فعلية الأهم تحتمل ثلاث احتمالات:

الأول أن تسقط قبل آن الشروع في المهم كما لو تزاحم إنقاذ زيد و إنقاذ عمر و فرض أن زيد أهم و أن مجرد المبادرة إلى إنقاذ عمر تستوجب العجز عن إنقاذ زيد ففي هذه الحال يسقط الأمر بانقاذ زيد بمجرد المباشرة إلى إنقاذ عمر و ذلك لتحقق العجز عن إنقاذ زيد مما يوجب سقوط التكليف بإنقاذه.

ففي هذه الحال لا مانع من كون إنقاذ عمر واجبا فعليا و لا يكون هذا من محل الكلام حيث أن فعلية الأهم غير مجامعة لفعلية المهم.

مع أن عيب الترتب الذي لأجله وقع الكلام و النقاش حوله هو أن الترتب يقتضي مجامعة فعلية الأهم مع فعلية المهم.

الاحتمال الثاني أن تسقط فعلية الأهم في أول آنات امتثال المهم كما لو فرض أن مجرد الشروع في امتثال المهم يستوجب سقوط الأمر بالأهم إما للعجز عنه و إما لمضي وقته و إما لكونه مشروطا بعدم فعل المهم و في هذه الحالة يقع الكلام في إمكان فعلية المهم و ذلك لأن فعلية المهم يحتمل فيها احتمالان.

الأول أن يفرض وجودها بعد أول آنات امتثال المهم.

الثاني أن يفرض وجودها في أول آنات امتثال المهم بحيث لا يتقدم الامتثال على الفعلية.

أما الاحتمال الأول فهو لا ينفع لأنه لا يثمر وقوع الامتثال امتثالا للأمر ضرورة أن أول آنات الامتثال كانت بدون أمر و من الواضح أن العبادة لا تصح إلا إذا وقعت بتمامها امتثالا للأمر- إن قلنا بتوقف العبادية على امتثال الأمر.

و أما الاحتمال الثاني فهو الاحتمال الذي يريد الاعلام إثباته و هذا

429

الاحتمال يقع محلا للكلام و ذلك لأن فعلية الأهم تكون مجتمعة مع فعلية المهم و لو في آن يسير إذ لا فرق في الأمور العقلية بين اليسير و الكثير فيقع البحث في إمكان هذا النوع من الترتب.

الاحتمال الثالث أن لا تسقط فعلية الأهم في أول آنات امتثال المهم بل تستمر في وجودها إلى ما شاء اللّه و وقوع بحث الترتب في هذا الاحتمال في غاية الوضوح.

[المقدمة الثانية عشر في أن المهم واجب مشروط بعصيان الأهم‏]

المقدمة الثانية عشر قد عرفت أن من أركان الترتب صيرورة المهم واجبا مشروطا بعصيان الأهم.

و بهذا يعلم خروج مثل تزاحم الحج و قضاء الدين و ذلك لأن الأمر بالقضاء يستوجب عدم الاستطاعة و سقوط وجوب الحج فلا فرق في ذلك بين أن يطيع أو يعصي فإن نفس صدور الأمر بالدين استوجب صيرورة المكلف غير قادر شرعا على الحج و بذلك ينتفي وجدانا موضوع وجوب الحج فلا مجال لصيرورته واجبا مشروطا بعصيان الأهم.

و من هذا القبيل كل متزاحمين كان الأمر بأحدهما رافعا لموضوع الآخر وجدانا أو تعبدا.

و من هذا القبيل ما ذكره الميرزا النائيني شرطا في جريان الترتب.

حيث ذكر أن الترتب لا يجري فيما إذا كان أحد التكليفين مشروطا بالقدرة الشرعية و مثل لذلك بالوضوء و لزوم صرف الماء في غير الوضوء.

فلو تزاحم هذين التكليفين كان الأمر بوجوب صرف الماء في غير الوضوء. أو بحرمة صرف الماء في الوضوء مستوجبا لارتفاع موضوع الأمر بالوضوء.

إذ موضوع وجوب الوضوء هو القدرة الشرعية على الماء.

و تحريم التصرف بالماء في الوضوء أو وجوب صرفه في غير الوضوء يستوجب سلب قدرة المكلف على استعمال الماء شرعا فتنتفي القدرة و هي موضوع وجوب الوضوء. و بالتالي لا أمر بالوضوء.

430

و كما أنه لا أمر بالوضوء كذلك لا يمكن تصحيح الوضوء بمجرد المحبوبية لعدم إحراز المحبوبية عند فقد الموضوع.

و من الواضح أن عصيان النهي عن استعمال الماء في الوضوء أو الأمر بصرف الماء في غير الوضوء لا يستوجب تحقق موضوع الوضوء و لا تحقق ملاكه المنتفي بانتفاء القدرة الدخيلة.

و هذا الكلام في غاية الجودة و إن اعترض عليه بعض الاعلام بما لا يرد فراجع إن شئت.

و كيف كان فيجمع الجميع أن يكون (أحد الأمرين رافعا لموضوع الآخر) بلا فرق بين كون الأمر بجعله أو فعليته أو تنجزه رافعا لموضوع الآخر. ففي هذه الحالات كلها لا يمكن الترتب لأن الأمر الثاني قد انتفى موضوعه فلا يمكن رجوعه بمجرد عصيان الأمر الثاني.

[المقدمة الثالثة عشر هل يشترط في وجوب المهم عصيان الأهم بقاء أيضا]

المقدمة الثالثة عشر قد عرفت أن من أركان الترتب صيرورة المهم واجبا مشروطا بعصيان الأهم و هذا على قسمين.

الأول أن يكون وجوب المهم مشروطا بعصيان الأهم حدوثا لا بقاء يعني أن حدوث وجوب المهم متوقف على عصيان الأهم و أما بقاء وجوب المهم فغير متوقف على شي‏ء بحيث حتى لو فرض إطاعة الأهم لكان وجوب المهم باقيا فعليا.

الثاني أن يكون وجوب المهم مشروطا بعصيان الأهم حدوثا و بقاء يعني أنه كما كان حدوث وجوب المهم يتوقف على عصيان الأهم فكذلك بقاء وجوب المهم يتوقف على بقاء و استمرار العصيان للأهم بحيث لو زال عصيان الأهم يسقط وجوب المهم.

بل قد يفرض أن حدوث وجوب المهم يتوقف على استمرار عصيان الأهم على نحو الشرط المتأخر. أو العنوان الانتزاعي.

أما القسم الثاني فلا ريب في دخوله في محل النزاع.

و أما الأول فذكر بعض الاعلام أنه خارج عن محل النزاع لأنه معلوم البطلان لاستلزامه الجمع بين الضدين حيث أنه لو تزاحم قتال البغاة مع قتال‏

431

الكفار و كان قتال الكفار أهم فلو عصى و قاتل البغاة صار قتال البغاة واجبا عليه بحيث يلزمه الجمع بين قتال البغاة و قتال الكفار و هو غير مقدور بحيث أن المكلف حتى لو تاب و أراد و ذهب إلى طاعة الأهم و قتال الكفار فمع ذلك يكون المكلف مكلفا بالمهم.

[المقدمة الرابعة عشرة أن ثمرة القول بالترتب تتوقف على القول بعدم اقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضده‏]

المقدمة الرابعة عشرة أن ثمرة القول بالترتب تتوقف على القول بعدم اقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضده إذ على القول بالنهي لا يمكن أن يكون الضد مأمورا به لاستحالة اجتماع الأمر و النهي هنا حتى لو قلنا بجواز اجتماع الأمر و النهي في المسألة الآتية.

و ذلك لأن الأمر متعلق بنفس عنوان الضد كالصلاة مثلا و النهي تعلق به أيضا لأن اقتضاء الأمر جهة تعليلية تقتضي تعلق النهي بنفس الضد فيكون الأمر و النهي قد اجتمعا على عنوان واحد و هو غير جائز عند المشهور.

و بالتالي يقال بوقوع المعارضة بين دليل الأمر بالأهم الدال على النهي عن المهم و بين دليل الأمر بالمهم الدال على الأمر به في حال عصيان الأهم.

و لكن في وقوع التعارض إشكال إذ الأمر بالأهم يدل على النهي في حالة واحدة فهو مخصص للأمر بالمهم الدال على الوجوب مطلقا و هذا الاشكال يتقوى على مسلك التلازم العرفي بل على مسلك التلازم العقلي أيضا و على هذا يكون الأمر بالأهم نافيا للترتب.

و هذا الذي ذكرناه ما زال محتاجا إلى بعض التأمل. و لا يتيسر تحرير الكلام في هذا المقام.

المقدمة الخامسة عشرة إن ثمرة الترتب تتوقف على القول بأن صحة العبادة تتوقف على وجود الأمر بها.

و أما إذا قلنا بصحة العبادة بدون حاجة إلى إحراز وجود الأمر كان ثمرة الترتب ضائعة إذ أن الترتب غاية ما يثبته وجود الأمر المتعلق بالضد و هذا لا ثمرة له بعد القول بصحة العبادة بدون أمر.

432

[المقدمة السادسة عشرة في أنه لا تعارض بين دليل الأهم و دليل المهم‏]

المقدمة السادسة عشرة. قد ظهر مما ذكرنا آنفا فساد ما ذكره بعض السادة الاعلام من أنه بناء على القول بأن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده يقع التعارض بين الأمر بالضد و النهي عنه حتى على القول بعدم الترتب ففي مثال (الصلاة و الازالة) يكون الأمر بالازالة مقتضيا للنهي عن ضده (الصلاة) فيقع المعارضة بين هذا النهي عن الصلاة و بين دليل الأمر بالصلاة حتى بناء على القول بعدم الترتب.

أقول قد عرفت أولا الاشكال في وقوع المعارضة على مسلك التلازم حيث أنه على هذا المسلك يكون الأمر بالإزالة دالا على النهي عن الصلاة في حالة خاصة فيكون أخص من دليل الأمر بالصلاة مطلقا فلا جرم يكون مقيدا له لا معارضا.

بل الاشكال في المعارضة واقع حتى على مسلك المقدمية و ذلك لأنه على مسلك المقدمية أمامنا أحد دعويين.

الأولى أن دليل الأمر بالأهم دال على فعلية النهي عن المهم بمعنى أنه يدل على وجود نفس النهي أو يدل على وجود العلة التامة للنهي فدليل الأمر بالازالة يكون دالا على وجود حرمة الصلاة في لوح التشريع أو يكون دالا على وجود العلة التامة عند المولى لتشريع النهي و بالملازمة العقلية يعلم وجود النهي في لوح التشريع.

الدعوى الثانية أن دليل الأمر بالأهم لا يدل على فعلية النهي عن المهم بمعنى أنه لا يدل على وجود النهي في لوح التشريع بل يدل على شي‏ء واحد و هو وجود المقتضي لتشريع الحرمة و المقتضي هو الذي لو لا المانع يكون مؤثرا.

فدليل الأمر بالازالة لا يدل على وجود حرمة الصلاة بل يدل على وجود حرمة الصلاة بحيث لو عدم المانع لوجدت حرمة الصلاة.

إذا عرفت هاتين الدعويين نقول إنك لو أخذت بأي واحدة من هاتين الدعويين لم تقع المعارضة.

433

أما الدعوى الأولى فواضح إذ دليل الأمر بالأهم حينئذ يكون مخصصا لدليل الأمر بالصلاة لما عرفت من أن الأمر بالصلاة مطلق و النهي عنها خاص في حالة واحدة هي حالة المزاحمة مع الازالة و الخاص يقدم على العام.

أما الدعوى الثانية فلأن مدلول الأمر بالأهم حينئذ لا يكون منافيا لمدلول الأمر بالمهم. إذ الأمر بالأهم إنما يدل على وجود مقتضى النهي في المهم لا على فعلية النهي بينما الأمر بالمهم يدل على عدم وجود نفس النهي و لا يدل على عدم وجود مقتضي النهي.

فمدلول الأمر بالمهم يتوافق مع مدلول الأمر بالأهم و يكون الدليل المعتمد هو دليل الأمر بالمهم لأنه دال على فعلية الأمر و لازمه وجود المانع من تأثير مقتضي النهي في وجود النهي.

نعم لو فرض العلم من الخارج أن مقتضي النهي أهم عند المولى من مقتضي الأمر كان هذا العلم الخارجي (لا دليل الأمر بالأهم) مقتضيا لتقييد دليل الأمر بالمهم. هذا كله أولا.

و أما ثانيا فلأنه بناء على عدم الترتب يكون المهم غير مأمور به لأنه غير مقدور عليه و بالتالي يكون دليل الأهم الدال على حرمة المهم لا معارض له فكيف يدعي وقوع التعارض حتى مع عدم الترتب.

و يمكن توجيه كلامه بأن مراده من المعارضة هو التنافي بين الأمر بالمهم في حالة التزاحم و بين الأمر بالمهم في نفس هذه الحالة فيكون الطرفان ملحوظان في حالة التزاحم و بالتالي فحال عدم الترتب ارتفعت فعليه المهم بسبب التعارض و هذا معنى وقوع التعارض فلاحظ.

المقدمة السابعة عشرة لا يخفى أن مسألة الترتب من المسائل العقلية

حيث أن البحث عن إمكان الترتب أو عدم امكانه عقلا فلا بد من ذكر الادلة البرهانية المتكفلة لاثبات الامكان أو الاستحالة.

و لا وجه لما فعله بعض الأعاظم حيث استدل على الامكان بالوقوع‏

434

فإن الوقوع إنما يصلح دليلا على الامكان في حالات يكون الواقع غير قابل للتوجيه و التأويل.

و أما مع قابلية الواقع لذلك كان الاستدلال باطلا و لا بأس بذكر استدلاله ثم إلقاء نظرة عليه ليتضح حقيقة الحال.

قال ما محصله لا اشكال في وقوع الترتب و من الواضح أن وقوع شي‏ء أكبر برهان على امكانه و قد وقع في العرفيات و في الشرعيات أما في العرفيات فمثل أن يأمر الأب ابنه بالذهاب إلى المدرسة و على تقدير عصيانه يأمره بالجلوس في الدار و مثله كثير عند العرف.

و أما في الشرعيات ففروع كثيرة نذكر منها اثنين.

الأول: ما لو وجب الاقامة على المسافر فلو عصى و لم يقم وجب عليه القصر و الافطار.

الثاني: ما لو وجب السفر على المقيم فلو عصى و لم يسافر وجب عليه الإتمام و الصيام بالضرورة. انتهى ملخصا.

أقول هذه الأمثلة التي ذكرها قابلة للتوجيه.

أما العرفيات فستعرف حكمها عند التعرض لطريقة أخرى للترتب.

و أما الشرعيات فيرد عليها أمران.

الأول إن هذه الفروع الشرعية لو فرض تماميتها لكانت دالة على أحد أمرين.

الأول إمكان الترتب.

الثاني بقاء فعلية الأمرين المتضادين حتى عند التزاحم.

فلو فرض أننا علمنا بقاء وجوب الصلاة و بقاء وجوب الازالة فكما يمكن حمل ذلك على امكان الترتب يمكن حمل ذلك على بقاء الحكمين الفعليين حتى في حال التزاحم.

فتعيين أن هذه الفروع دالة على إمكان الترتب تحكم.

435

و الحاصل أن ثبوت وجود أمرين بضدين لا بد له من مبرر و توجيه و هذا مسلم.

لكن المبرر و التوجيه يحتمل احتمالين.

الأول امكان الترتب.

الثاني بقاء فعلية الحكمين المتضادين.

و من ثم يكون تعيين توجيه وجود هذين الأمرين بالتوجيه الأول دون الثاني تحكم.

و أما دعوى أن الثاني قد ثبت استحالته فلا بد من كون التوجيه هو الأول.

فليست بأولى من دعوى الخصم أن الأول قد ثبت استحالته فلا بد من كون التوجيه هو الثاني.

الايراد الثاني أن الصحيح أن هذه الأمثلة خارجة عن الترتب و ذلك لأن الترتب الذي هو محل الكلام و يناقش في امكانه أو استحالته هو (ترتب وجوب شي‏ء على عصيان تكليف آخر بحيث يكون الشي‏ء الواجب المترتب مؤديا إلى العجز عن فعل الأهم).

توضيح ذلك أنه سوف يأتي إنشاء اللّه أن نكتة استحالة الترتب هي كون الواجب المهم المترتب على العصيان يقتضي عدم الأهم.

و بعبارة أخرى إن الضدين الأهم و المهم بينهما علاقتان.

الأولى علاقة من جهة الأهم إلى المهم و هي علاقة اقتضاء الأهم لعدم المهم فالإزالة الأهم في المثال تقتضي عدم الصلاة.

الثانية علاقة من جهة المهم إلى الأهم و هي علاقة اقتضاء المهم لعدم الأهم فالصلاة المهم في المثال تقتضي عدم الإزالة.

و سوف يتضح إنشاء اللّه تعالى أن العلاقة الأولى لا دخالة لها في استحالة الترتب و إنما النكتة الرئيسية في استحالة الترتب هي العلاقة الثانية

436

فالترتب الذي هو محل الكلام و النقض و الابرام إنما هو الترتب المحتوي على العلاقة الثانية.

و أما الترتب الفاقد للعلاقة الثانية فخارج عن محل البحث و لا ريب في جوازه حتى لو كان محتويا على العلاقة الأولى.

و من هنا نقول أن الأمثلة المذكورة كلها فاقدة للعلاقة الثانية و إن كانت محتوية للعلاقة الأولى و من هنا فهي خارجة عن محل البحث.

توضيح ذلك أن الحاضر مأمور بأمرين.

الأول وجوب السفر.

الثاني وجوب الصوم.

و الثاني مترتب على عصيان الأول.

و هذان الأمران ليس بينهما إلا علاقة واحدة و هي العلاقة الأولى أي أن المترتّب عليه- السفر- يقتضي عدم المترتب- الصوم.

و أما العلاقة الثانية فمفقودة ضرورة أن الصوم لا يقتضي عدم السفر.

فظهر أن هذه الأمثلة كلها خارجة عن محل البحث لفقدانها العلاقة الثانية.

فإن قلت هلا قلت إن العلاقتان معا لهما دخالة في استحالة الترتب بحيث لو انتفى احداهما انتفى الترتب.

قلت إنا وجدنا أن العلاقة الثانية وحدها كافية في استحالة الترتب كما وجدنا أن العلاقة الأولى وحدها غير كافية فعلمنا من ذلك أن العلاقة الأولى لا دخالة لها في استحالة الترتب و من ثم فلو فرض وجود العلاقة الثانية دون الأولى استحال الترتب ثم إنه لم يحضرني مثال لوجود العلاقة الثانية مجردة عن الأولى فلاحظ.

إذا عرفت هذه المقدمات فلنرجع إلى كلام المصنف (ره).

(قوله (ره)): (يحرصون على فعل بعض العبادات المندوبة ...).

437

و هي أن كثيرا من الناس نجدهم يحرصون- بسبب تهاونهم- على فعل بعض العبادات المندوبة في ظرف وجوب شي‏ء هو ضد للمندوب، فيتركون الواجب و يفعلون المندوب، كمن يذهب للزيارة أو يقيم مأتم الحسين (عليه السلام) و عليه دين واجب الأداء. كما نجدهم يفعلون بعض الواجبات العبادية في حين أن هناك عليهم واجبا أهم فيتركونه، أو واجبا مضيق الوقت مع أن الأول موسع فيقدمون الموسع على المضيق، أو واجبا معينا مع أن الأول مخير فيقدمون المخير على المعين ... و هكذا.

و يجمع الكل تقديم فعل المهم العبادي على الأهم، فإن المضيق أهم من الموسع، و المعين أهم من المخير، كما أن الواجب أهم من المندوب (و من الآن سنعبر بالأهم و المهم و نقصد ما هو أعم من ذلك كله).

فإذا قلنا بأن صحة العبادة لا تتوقف على وجود أمر فعلي متعلق به و قلنا بأنه لا نهي عن الضد أو النهي عنه لا يقتضي الفساد، فلا إشكال و لا مشكلة، لأن فعل المهم العبادي يقع صحيحا حتى مع فعلية الأمر بالأهم، غاية الأمر يكون المكلف عاصيا بترك الأهم من دون أن يؤثر ذلك على صحة ما فعله من العبادة.

و إنما المشكلة فيما إذا قلنا بالنهي عن الضد و أن النهي يقتضي الفساد، أو قلنا بتوقف صحة العبادة على الأمر بها كما هو المعروف‏

____________

أقول هذا إشارة إلى ما ذكرناه في المقدمة الرابعة من جريان الترتب حتى في الأمرين اللذين كان المهم منهما مندوبا.

(قوله (ره)): (و إنما المشكلة فيما إذا قلنا بالنهي عن الضد ...).

أقول هذه المشكلة لو وقعت لا تحل حتى على القول بالترتب كما عرفت في المقدمة الرابعة عشر.

(قوله (ره)): (مع فرض القول بأن ...).

438

عن الشيخ صاحب الجواهر (قدس سره)، فإن أعمالهم هذه كلها باطلة و لا يستحقون عليها ثوابا، لأنه أما منهي عنها و النهي يقتضي الفساد، و إما لا أمر بها و صحتها تتوقف على الأمر.

فهل هناك طريقة لتصحيح فعل المهم العبادي مع وجود الأمر بالأهم؟.

ذهب جماعة إلى تصحيح العبادة في المهم بنحو (الترتب) بين الأمرين: الأمر بالأهم و الأمر بالمهم، مع فرض القول بعدم النهي عن الضد و إن صحة العبادة تتوقف على وجود الأمر.

و الظاهر أن أول من أسس هذه الفكرة و تنبه لها المحقق الثاني و شيد أركانها السيد الميرزا الشيرازي كما أحكمها و نقحها شيخنا المحقق النائيني طيب اللّه مثواهم.

و هذه الفكرة و تحقيقها من أروع ما انتهى إليه البحث الأصولي تصويرا و عمقا.

و خلاصة فكرة الترتب: إنه لا مانع عقلا من أن يكون الأمر بالمهم فعليا عند عصيان الأمر بالأهم، فإذا عصى المكلف و ترك الأهم فلا محذور في أن يفرض الأمر بالمهم حينئذ، إذ لا يلزم منه طلب الجمع بين الضدين، كما سيأتي توضيحه.

و إذا لم يكن مانع عقلي من هذا الترتب فإن الدليل يساعد على وقوعه و الدليل هو نفس الدليلين المتضمنين للأمر بالمهم و الأمر بالأهم، و هما كافيان لإثبات وقوع الترتب.

____________

أقول قد فرض المصنف (ره) للترتب فرضان الأول عدم النهي عن الضد. الثاني أن صحة العبادة تتوقف على وجود الأمر.

أقول أما الفرض الأول فلأن النهي يقتضي عدم الأمر الترتبي فلا بد من عدمه.

أما الثاني فلأنه مع صحة العبادة بلا أمر يلغو بحث الترتب.

(قوله (ره)): (و عليه ففكرة الترتب و تصحيحها ...).

439

و عليه، ففكرة الترتب و تصحيحها تتوقف على شيئين رئيسين في الباب، أحدهما إمكان الترتب في نفسه، و ثانيهما الدليل على وقوعه.

أما الأول: و هو إمكانه في نفسه فبيانه:

____________

أقول من الواضح أن مجرد إمكان الترتب لا ينفعنا بل لا بد من إثبات وقوعه فيقع الكلام في مقامين الأول امكان الترتب الثاني الدليل على وقوعه.

(قوله (ره)): (أما الأول و هو إمكانه في نفسه ...).

أقول هذا شروع في المقام الأول. و يقع الكلام فيه في مراحل أربعة.

الأولى: ذكر مركز استحالة الترتب.

الثانية: محاولة دفع الاستحالة.

الثالثة: ذكر بعض الاشكالات الواردة على الترتب و دفعها.

الرابعة: ذكر طرق أخرى للترتب.

أما المرحلة الأولى فنقول مستعينا باللّه عزّ و جلّ لا بأس بتمهيد مقدمتين قد مر الاشارة اليهما.

الأولى إن مبادئ الحكم أربعة. الأولى رؤية المصلحة و المفسدة.

الثانية المحبوبية و المبغوضية. الثالثة العزم و الارادة. الرابعة الجعل و التكليف.

و هذه المبادئ كما ترى مترتبة فرؤية المصلحة تستوجب المحبوبية و المحبوبية تستوجب الارادة و الارادة تستوجب الجعل و التكليف.

و رؤية المفسدة تستوجب المبغوضيّة و هي تستوجب التنفر و ارادة العدم و هي تستوجب التكليف بالعدم.

الثانية أن المبادئ المختلفة إن اجتمعت تزاحمت و كان المؤثر هو الأقوى و هذا يختلف باختلاف المبادئ. فرؤية المصلحة إنما تستوجب التزاحم في المتعلق الواحد لا في المتعلقتين فلو وجدت في فعل- الصلاة- مصلحة كانت مستلزمة للمحبوبية.

و لو وجدت فيها مصلحة و مفسدة وقعت المزاحمة في التأثير على‏

440

المبدأ الثاني أي المحبوبية و المبغوضية فالمصلحة تريد إثبات المحبوبية.

و المفسدة تريد إثبات المبغوضية. فيقع التزاحم و يؤثر الأقوى.

هذا في المتعلق الواحد و أما في المتعلقين فلا تزاحم فإذا وجد في الصلاة مصلحة و في الجلوس مصلحة لم يكن بينهما أي تزاحم بل كانت مصلحة الصلاة تقتضي محبوبية الصلاة و مصلحة الجلوس تقتضي محبوبية الجلوس بلا أي مزاحمة حتى لو فرض أن الإنسان لا يمكنه الجمع بين الجلوس و الصلاة بمعنى أنه لا يمكنه أن يأتي سوى باحدهما فإن عدم امكان الجمع بينهما في العمل الخارجي لا يستلزم عدم الجمع بين محبوبيتهما.

و من هذا القبيل ما لو فرض في الصلاة مصلحة و في الوضوء مفسدة و فرض الصلاة متوقفة على الوضوء فلا يمكن انفكاك الصلاة عن الوضوء ففي هذه الحال أيضا لا يلزم المزاحمة بل تكون مصلحة الصلاة مقتضية لايجاد محبوبية الصلاة.

كما أن مفسدة الوضوء مقتضية لايجاد بغض الوضوء.

و الحاصل أن المبدأ الأول لا يتزاحم على التأثير في المبدأ الثاني إلا في حالة واحدة و هي حالة وحدة المتعلق فإذا اختلفت المبادئ الأولية لا بد من وقوع التزاحم فإما يحصل الكسر و الانكسار عند التساوي و إما يتقدم الاقوى.

و أما المبدأ الثاني فيتزاحم على الثالث في حالة تعدد المتعلق و لا يتزاحم في حالة وحدة المتعلق. بعكس المبدأ الأول.

و سر ذلك إما حالة وحدة المتعلق فلاستحالة اختلاف المبدأ الثاني إذ يستحيل وجود المحبوبية و المبغوضية في المتعلق الواحد و بالتالي لم يكن مجال لوقوع التزاحم فالصلاة إما محبوبة و إما مبغوضة.

و يستحيل أن تكون محبوبة و مبغوضة حتى يفرض وقوع تزاحم بينهما.

و أما حالة تعدد المتعلق فإمكان اختلاف المحبوبية و المبغوضية في غاية الامكان.

و لذا يقع التزاحم حيث أن المبدأ الثالث لا يقبل التعدد و ذلك لأن‏

441

إرادة الشي‏ء تقتضي إرادة ملازماته كما أن التنفر عن الشي‏ء يقتضي التنفر عن ملازماته.

و بالتالي فإذا فرضنا أن المتعلقين متلازمين فيستحيل إرادة أحدهما و التنفر عن الآخر لأن معنى ذلك وقوع التضاد إذ المتنفر عن الأول يقتضي التنفر عن الثاني. و إرادة الثاني تقتضي التنفر عن الأول فيكون كلاهما متنفرا عنه و مرادا و هما وصفان متضادان. فبالتالي يقع المزاحمة فلا بد أن يكون أحد المبدأين أو المبادئ الثانوية هي المؤثرة في المبدأ الثالث.

و أما المبدأ الثالث فلا مجال لتزاحمه أصلا و ذلك لوضوح استحالة الاختلاف في المبدأ الثالث. لما عرفت من أن إرادة الشي‏ء تقتضي إرادة ملازماته و بالتالي يستحيل وجود ملازم لهذا الشي‏ء يكون غير مراد أو يكون متنفرا عنه، فلا فرق بين وحدة المتعلق و تعدد المتعلق فيجب أن يكون التكليف على طبق الارادة فتحصل أمور خمسة.

الأول أن المبادئ الأولية للحكم إذا اختلفت في متعلق واحد يقع بينها تزاحم في التأثير على المبدأ الثاني.

و سر وقوع التزاحم هو استحالة تأثيرهما معا لاستحالة تعدد المبدأ الثاني في المتعلق الواحد.

الثاني أن المبادئ الأولية للحكم إذا اختلفت في متعلقين متلازمين لا يقع بينهما تزاحم في التأثير على المبدأ الثاني.

و سر عدم وقوع التزاحم هو إمكان تأثيرهما معا لامكان اختلاف المبدأ الثاني في المتعلقين المتلازمين فيمكن حب الشي‏ء و بغض لازمه.

الثالث أن المبادئ الثانوية- حب بغض- يستحيل أن تختلف في متعلق واحد و بالتالي يستحيل وقوع المزاحمة في التأثير على المبدأ الثالث.

الرابع إن المبادئ الثانوية إذا اختلفت في المتعلقين المتلازمين يقع بينهما تزاحم في التأثير على المبدأ الثالث- الارادة و التنفر-.

و سر وقوع المزاحمة هو استحالة تأثيرهما معا لاستحالة اختلاف المبدأ

442

الثالث في المتلازمين و ذلك لقاعدة أن إرادة الشي‏ء تقتضي إرادة ملازماته و التنفر عن شي‏ء يقتضي التنفر عن ملازماته فيستحيل إرادة شي‏ء و التنفر عن ملازماته و كذا العكس.

الخامس أن المبدأ الثالث يستحيل أن يتزاحم في التأثير على الرابع بلا فرق بين وحدة المتعلق و تعدده.

و سر عدم وقوع التزاحم هو استحالة اختلاف المبدأ الثالث بلا فرق بين وحدة المتعلق أو تعدده. و مع عدم الاختلاف لا مجال للتزاحم.

المقدمة الثالثة إن الترتب المبحوث عن إمكانه و استحالته قد عرفت أنه يتضمن ركنين.

الأول أن يكون وجوب الأهم مطلقا و يستمر وجوده إلى زمن وجود المهم.

الثاني أن يكون المهم مشروطا بعصيان الأهم.

و على هذا ينتج أن الترتب يحتوي على نقطة أساسية هي اجتماع الأمر بالأهم مع الأمر بالمهم في زمان واحد هو زمان عصيان الأهم ففي مثال (الازالة و الصلاة) لو أن المكلف عصى الازالة و صلى يجتمع في ذمته تكليفان.

الأول وجوب الازالة الثاني وجوب الصلاة.

إذا عرفت هذه المقدمات نقول إن مركز استحالة الترتب هو اجتماع الأمر بالأهم مع الأمر بالمهم في زمان واحد مع أن الأهم و المهم متضادان لا يمكن للمكلف الاتيان بهما معا.

هذا هو مركز الاستحالة و إنما مع ذلك نحتاج إلى بيان توجبه استحالة هذا الاجتماع فنقول يمكن توجيه الاستحالة هنا بخمسة توجيهات.

الأول الاستحالة في مقام الجعل و التكليف و هذا التوجيه يقوم على مقدمتين.

الأولى يستحيل التكليف بغير المقدور مطلقا أي سواء كان بأمر واحد

443

أو بأمرين.

فمثال الأمر الواحد أن يقول له (آمرك بجمع النقيضين أو الضدين أو بشرب ماء البحر أو بالجمع بين الجلوس و القيام في آن واحد).

و مثال الأمرين أن يقول له في الأمر الأول: (اجلس تمام ليلة الخميس) ثم يقول له في الأمر الثاني (قم قياما تمام ليلة الخميس).

فمن الواضح أن الأمر الأول وحده ليس تكليفا بغير المقدور.

كما أن الأمر الثاني وحده ليس تكليفا بغير المقدور لكن الأمران معا تكليف بغير المقدور لأنهما معا تكليف بالجمع بين الضدين في آن واحد (القيام و الجلوس ليلة الجمعة).

المقدمة الثانية أن المقام من قبيل التكليف بغير المقدور بأمرين و ذلك لأنه عند عصيان الأهم يكون المولى قد وجه إلى المكلف أمرين الأول الأمر بالأهم. الثاني الأمر بالمهم.

و المفروض أن الأهم و المهم ضدان لا يجتمعان فهذان الأمران تكليف بغير المقدور. ففي مثال (الإزالة و الصلاة) لو عصى المكلف و ترك الازالة يتوجه إليه أمران.

الأول وجوب الازالة حتى في زمن ترك الازالة.

الثاني وجوب الصلاة في زمان ترك الازالة.

و هذا تكليف بغير المقدور إذ لا يمكن للمكلف في وقت ترك الإزالة أن يأتي بالصلاة و بالازالة.

و ينتج من هاتين المقدمتين استحالة الترتب المقتضي لاجتماع الأمرين بالضدين.

التوجيه الثاني الاستحالة في مقام الجعل و التكليف أيضا و ذلك بسبب اللغوية و هذا التوجيه قائم على مقدمات.

الأولى أن التكليف فعل اختياري يستحيل صدوره بدون علة غائية هي الغرض.

444

الثانية أن الغرض الوحيد من التكليف هو تحريك المكلف نحو المكلف به.

الثالثة أن هذا الغرض يستحيل تحققه في التكليف بغير المقدور سواء كان بأمر أو بأمرين.

أما الأمر الواحد كأن يقول (أكلفك بجمع النقيضين) فهنا حيث يستحيل هذا الجمع يستحيل تحريك المكلف نحو الجمع.

و مع استحالة تحرك المكلف يستحيل أن يكون غرض المولى هو تحريك المكلف. لوضوح استحالة أن يكون غرضه تحقق المحال.

أما الأمران فكأن يقول في الأمر الأول (أكلفك بالجلوس تمام ليلة الخميس) ثم يقول في الأمر الثاني (أكلفك بالقيام تمام ليلة الخميس). فإن الجمع بين هذين الأمرين مستحيل لاستحالة تحقق الغرض لهما معا.

توضيحه أن الأمر الأول وحده يمكن أن يكون صدر بغرض تحريك المكلف.

كما أن الأمر الثاني يمكن أن يكون صدر بغرض تحريك المكلف.

لكن الأمران معا لما كان يستحيل التحرك نحوهما لزم استحالة أن يكون الغرض التحريك نحوهما فلا بد أن يكون أحدهما فاقدا للغرض.

المقدمة الرابعة هي المقدمة الثانية من التوجيه الأول أي أن المقام من قبيل التكليف بغير المقدور بأمرين.

فينتج من هذه المقدمات الأربع أنه التكليف في المقام غير ممكن لأن المقام من قبيل غير المقدور و غير المقدور لا يتحقق فيه غرض التكليف و ما لا يتحقق فيه غرض التكليف يستحيل فيه التكليف.

التوجيه الثالث في الجعل و التكليف أيضا. و ذلك بسبب استحالة تعارض أغراض المولى. توضيحه أنه قائم على مقدمات.

الأولى أن التكليف فعل اختياري للمولى لا بد له من غرض.

الثانية أن أغراض المولى يستحيل أن تتعارض كما أن أغراض جميع‏

445

العقلاء يستحيل أن تتعارض ضرورة أن الأغراض ناشئة عن مبادئ معينة يستحيل فيها المعارضة.

الثالثة أن الغرض الوحيد للتكليف هو تحريك المكلف نحو المكلف به.

و ينتج من هذه المقدمات الثلاث أن التكليف بكل ضد يكون الغرض منه تحريك المكلف نحوه، فإذا اجتمع تكليفان بالضدين يكون عند المولى غرضان متعارضان الأول تحريك المكلف نحو الضد الأول. الثاني تحريك المكلف نحو الضد الثاني.

و هذان الغرضان متعارضان لأن التحريك الأول يقتضي التحريك نحو ترك الضد الثاني كما أن التحريك الثاني يقتضي التحريك نحو ترك الضد الأول.

و قد عرفت استحالة تعارض الاغراض.

المقدمة الرابعة أن التكليف بالترتب يقتضي تعارض الأغراض فإن كون الغرض من التكليف بالأهم هو التحريك نحو الأهم و لازمه ترك المهم يعارض كون الغرض من التكليف بالمهم هو التحريك نحو المهم و لازمه ترك الأهم.

فينتج استحالة الترتب بسبب لازمه.

التوجيه الرابع الملازمة بين البعث و الانبعاث فيمكن البعث عند إمكان الانبعاث و يستحيل البعث عند استحالة الانبعاث. و هذا التوجيه قائم على ثلاث مقدمات.

الأولى الملازمة المتقدمة أي استحالة البعث عند استحالة الانبعاث.

الثانية استحالة الانبعاث نحو غير المقدور سواء كان غير المقدور واحدا أو اثنين.

فمثال الواحد شرب ماء البحر فيستحيل للمكلف أن ينبعث نحو شرب ماء البحر و مثال الاثنين الجلوس ليلة الخميس. و القعود ليلة الخميس‏

446

فيستحيل الانبعاث إلى هذين الأمرين.

المقدمة الثالثة هي المقدمة الثانية من التوجيه الأول. أي أن المقام من قبيل التكليف بغير المقدور.

و ينتج من هذه المقدمات استحالة الانبعاث نحو الأهم و المهم في آن واحد.

فينتج استحالة البعث نحو الأهم و المهم بلا فرق بين أن يكون بعثا واحدا نحو الأهم و المهم معا أو بعثين الأول نحو الأهم و الثاني نحو المهم ضرورة أن الانبعاث نحو أحدهما محال فوجب كون البعث نحو أحدهما محال.

التوجيه الخامس الاستحالة في العزم و الارادة. أي في المبدأ الثالث من مبادئ الحكم. و هذا التوجيه قائم على مقدمات.

الأولى أن إرادة الشي‏ء تقتضي إرادة لوازمه و التنفر عن اعدامه.

الثانية يستحيل اختلاف الارادتين فيستحيل إرادة شي‏ء و التنفر عنه.

الثالثة أن المقام من قبيل المتلازمين إذ الأهم يلازم عدم المهم.

و المهم يلازم عدم الأهم.

و ينتج من هذه المقدمات استحالة إرادة الأهم و إرادة المهم في آن واحد إذ إرادة الأهم تقتضي إرادة عدم المهم و التنفر عن عدم الأهم و عدم عدم المهم أي نفس المهم.

و إرادة المهم تقتضي إرادة عدم الأهم و التنفر عن عدم المهم و عدم عدم الأهم أي نفس الأهم.

فيكون الأهم و المهم و عدمهما مجمعا للضدين أي الارادة و التنفر و هو محال كما هو مقتضى المقدمة الثانية.

المقدمة الرابعة مع عدم وجود الارادة يستحيل وجود الحكم لأن الحكم فرع مباديه و علله فيستحيل وجوده بدون وجودها.

فينتج استحالة التكليف بالأهم و المهم معا.

447

ثم لن نتعرض لتوجيه سادس في المحبوبية و المبغوضية أي في المبدأ الثاني لأن التوجيه في المبدأ الثاني كالتوجيه في المبدأ الثالث يحتاج إلى نفس المقدمات أي مقدمة سراية الحب إلى اللوازم و مقدمة استحالة الاجتماع. و سبب عدم تعرضنا له أمران.

الأول أنه يعرف من التوجيه الخامس فلا حاجة إلى الاعادة.

الثاني أنك عرفت فساده حيث عرفت غير مرة أن المحبوبية و المبغوضية لا تسري من الشي‏ء إلى لوازمه.

هذا تمام التوجيهات المعتبرة في المقام و بها ينتهي الكلام في المرحلة الأولى.

المرحلة الثانية في الاجابة عن هذه التوجيهات و لا بأس بذكر مقدمة و ننظر فيها إلى مقدمات التوجيهات. فنقول مستعينا باللّه تعالى شأنه.

أما التوجيه الأول.

فاما مقدمته الأولى فقد ذكرنا أن مناطها قبح الظلم فالتكليف بغير المقدور إنما يستحيل إذا كان ظلما لا ما إذا كان عدلا.

و أما مقدمته الثانية فلا تعليق عليها.

و أما التوجيه الثاني.

فأما مقدمته الأولى فصحيحة. لوضوح استحالة وجود المعلول بلا علة.

و أما مقدمته الثانية فمشكلة لأننا لا نعلم ما هي أغراض المولى فلعل الغرض إيقاع المكلف بالذنب كي يستغفر اللّه تعالى.

أو لعل الغرض إيقاعه بالذنب لأجل عقابه عند فرض عدم كون ذلك ظلما.

أو لعل الغرض مجرد إيجاد مقتضى التحريك بحيث لو تحققت الشروط من التقوى و المقدرة و العلم و نحو ذلك، و تحقق عدم الموانع يتحقق التحريك.

448

بل الانصاف لزوم الاطمئنان بكون الغرض هو الأخير فإن الأحكام الشرعية على شاكلة جميع القوانين الاعتبارية و لو راجعتم واضعي القوانين العرفية و المدنية لوجدتم أن غرضهم ليس سوى ذلك.

و أما المقدمة الثالثة و الرابعة فلا تعليق عليها.

و أما التوجيه الثالث فالكلام فيه يعرف من الكلام في التوجيه السابق.

و أما التوجيه الرابع.

فأما مقدمته الأولى فقد ناقشناها في مواضع متقدمة و بينا عدم وجود الملازمة المذكورة بين البعث و الانبعاث.

و أما التوجيه الخامس فتمام بجميع مقدماته.

إذا عرفت هذه المقدمة نقول إن نقاشنا في التوجيهات سوف يكون مع غض النظر عن عدم تمامية المقدمات التي ناقشناها بل سوف نفرض تمامية هذه المقدمات ثم نناقش التوجيهات بمعنى أن ننظر أنها هل تستلزم استحالة الترتب أم لا. و كيف كان فقد ذكر لجواز الترتب أجوبة.

الأول أن التكليف بغير المقدور إنما يكون محالا إذا كان بدون الاختيار و أما إذا كان بالاختيار (و ذلك بأن يفعل العبد ما يوقعه بالتكليف المحال) فلا يكون التكليف بغير المقدور محالا.

فمن رمى بنفسه من شاهق يكون مكلفا بحفظ نفسه مع أن ذلك غير مقدور و هذا التكليف ليس محالا لأن توجيه التكليف المحال إلى المكلف كان بسبب اختيار المكلف.

و هذا ما يسمى بقاعدة (أن الاضطرار بالاختيار لا ينافي الاختيار عقابا و خطابا).

هذا من جهة و أما من جهة أخرى فإن ما نحن فيه من هذا القبيل لأن المكلف إنما كان مكلفا بالأهم لكنه باختياره عصى الأهم فخوطب بالأهم و المهم (الغير المقدورين معا) فالتكليف بغير المقدور كان بسبب سوء اختيار المكلف و هذا ما لا بأس به.

449

أقول هذا الجواب يتم في دفع التوجيه الأول و لا يتم في دفع التوجيهات الباقية فهنا دعويان.

الأولى تماميته في دفع التوجيه الأول. و توضيحها ما عرفت من أن التكليف بغير المقدور إنما يستحيل إذا كان ظلما. فإذا كان باختيار المكلف لم يكن ظلما. فلو قال المولى (إذا شربت الخمر وجب عليك شرب ماء البحر) لم يكن ظلما إذ يمكن للعبد الاجتناب عن شرب الخمر فلا يقع بلزوم امتثال المحال.

و من هذا القبيل ما لو كان الأمر الاختياري مباحا لا حراما مثل (إذا أكلت التفاح وجب عليك شرب البحر).

و أما الدعوى الثانية أي عدم تماميتها في دفع التوجيهات الأخرى فلوضوح أن تلك التوجيهات تفرض استحالة التكليف بغير المقدور لا من جهة الظلم بل من جهة عدم تحقق الغرض كما في التوجيه الثاني.

أو من جهة تعارض الاغراض كما في التوجيه الثالث.

أو من جهة استحالة البعث عند استحالة الانبعاث كما في التوجيه الرابع.

أو من جهة استحالة تعارض الارادة كما في الخامس.

و من الواضح أن هذا الجواب لا يتكفل لحل هذه الجهات.

و بهذا ينتهي الكلام في الجواب الأول المنسوب للسيد الشيرازي الكبير.

الجواب الثاني و قد سلكه عدة من المحققين و حاصل هذا الجواب دعوى أن الأمرين بالأهم و المهم لم يجتمعا في رتبة واحدة و إنما كان الأمر بالأهم متقدم رتبة على الأمر بالمهم و الأمر بالمهم متأخر رتبة عن الأمر بالأهم. فهذا الجواب يعتمد على مقدمتين.

الأولى أن الأمر بالأهم متقدم رتبة عن الأمر بالمهم. حتى يكون الأمر بالأهم في رتبة و الأمر بالمهم في رتبة أخرى.

450

الثانية أن اختلاف رتبتي الأمرين كافية في رفع التضاد بين الأمرين.

فنقول أما المقدمة الثانية فتعتمد على أن من شروط التضاد وحدة الرتبة و هذا قول منكور كما أشرنا اليه في بعض المباحث المتقدمة، و سيأتي التعرض له.

و أما المقدمة الأولى فقد توجه و تقرر بتقريرات متعددة نذكر منها.

الأول و يعتمد على مقدمات:

الأولى أن المفروض أن وجود المهم مشروط بعصيان الأهم.

الثانية أن رتبة المشروط متأخرة عن رتبة الشرط كما هو واضح إذ الشرط هو الموضوع و المشروط هو المحمول و لا ريب أن رتبة المحمول متأخرة عن رتبة الموضوع.

الثالثة أن الشرط و هو عصيان الأهم في رتبة امتثال الأهم. لأن العصيان عدم ملكة الامتثال. و الملكة و العدم في رتبة واحدة.

الرابعة أن رتبة امتثال الأهم متأخرة عن رتبة الأمر بالأهم لوضوح أن الامتثال فرع الأمر.

و ينتج من هذا المقدمات الأربع أن الأمر بالمهم متأخر عن الأمر بالأهم بمرتبتين و ذلك لأن الأمر بالمهم بعد عصيان الأهم و عصيان الأهم مساو لامتثاله و هما معا بعد صدور الأمر.

و لا يخفى أنه يمكن الاستغناء عن المقدمة الثالث و ذلك بفرض أن عصيان الأمر بنفسه متأخر عن الأمر بلا حاجة إلى توسيط مساواته لامتثال المتأخر عن الأمر و ذلك لأن عصيان الأمر عدم متعلق بوجود لأنه عدم إضافي فيستحيل تحقق الاضافة دون تحقق المضاف إليه بل يكون تحقق الاضافة متأخرا عن تحقق طرفي الاضافة.

التقرير الثاني و يعتمد على مقدمات:

الأولى هي الأولى من التقرير المتقدم.

451

الثانية أن عصيان الأهم علة سقوط الأمر بالأهم.

و ينتج من هاتين المقدمتين أن وجود المهم و سقوط الأهم كلاهما معلولان للعصيان.

المقدمة الثالثة أن معلولي العلة الواحد في رتبة واحدة.

فينتج أن وجود المهم و سقوط الأهم في رتبة واحدة.

و بالتالي لا يتصور مضادة بين الأمر الأهم و المهم. لانعدام الأهم في رتبة وجود المهم فلا يتخيل أن يكون المعدوم مضادا للموجود. و لعل ذلك واضح.

و ينتج أن الأمرين بالضدين لا مانع من اجتماعهما لكونهما مختلفي الرتبة.

إذا عرفت هذا الجواب فنقول.

أما المقدمة الأولى فيمكن أن يعترض عليها باعتراضين.

الأول ما أورده بعض الأعاظم و حاصله أنه مع التسليم بسائر مقدماتها فلا ينتج تأخر رتبة المهم عن رتبة الأهم.

و ذلك بناء على قاعدة (أن قياس المساواة لا يجري في الرتب) فإذا تأخر (ب) عن (ج)، و تأخر (ج) عن (د) لم يكن (ب) متأخرا عن (د) و إن كان متأخرا عن (ج) المتأخر عن (د).

و كذا إذا تساوي (ب) مع (ج) و تساوى (ج) مع (د) في الرتبة لم يكن (ب) مساويا ل (د) في الرتبة مع أنه مساويا ل (ج) المساو ل (د).

و كذا لو كان (ج) متأخرا عن (د) و كان (د) مساويا مع (ب) لم يكن (ج) متأخرا عن (ب) مع أنه متأخر عن (د) المساوي ل (ب) في الرتبة و هكذا جميع فروع قياس المساواة.

فعلى هذا المبنى كان التقدم و التأخر الرتبي تابعا لاحتياج الذات بذاتها إلى وجود متقدم عليها فتكون متأخرة رتبة عما احتاجت إليه و هو متقدم رتبة

452

عما كان محتاجا إليه فإذا كان (د) محتاجا بذاته إلى وجود متقدم عليه و هو (ب) كان (د) متأخرا عن (ب) و (ب) متقدما على (د).

أقول و كأن هذا المبنى خروج عن اصطلاح التقدم و التأخر الرتبيين فإنهما على ما هو ظاهر بعض الفلاسفة هو قرب و بعد النسبة إلى المبدأ.

و لذا جعل النبات متقدما على الحيوان لأنه أقرب إلى المبدأ المفروض و هو الجسم و على هذا التفسير كان التقدم بالرتبة له ضرب من الواقعية و بالتالي يستحيل عدم صدق قياس المساواة.

و كيف كان فإن العلة متقدمة على رتبة جميع معلولاتها و معلولات معلولاتها و المقام من هذا القبيل فإن الأمر بالأهم علة وجود الامتثال و العصيان بهذين العنوانين فإنهما عنوانان انتزاعيان فيتوقفان على الطرفين و أولهما الأمر فالأمر بالأهم علة العصيان و هو علة المهم لأن العصيان موضوع المهم.

الاعتراض الثاني أن تأخر المهم في الرتبة عن الأهم إنما يتخيل إذا كان شرط المهم هو عصيان الأهم. و نحن ننكر ذلك.

توضيحه أن شرط المهم يحتمل احتمالين.

الأول: ترك الأهم بمعنى أن يكون الشرط هو واقع الترك لا الترك المعنون بأنه ترك الأهم و هذا الترك يجتمع حتى في حال عدم وجود الأمر بالأهم.

الثاني عصيان الأهم بما هو عصيان الأهم.

إذا عرفت هذين الاحتمالين نقول إن الشرط إن كان هو الثاني فهو متأخر رتبة عن وجود الأهم لتوقفه عليه.

و لكن من غير المقبول أن يكون الشرط هو الثاني لأن لازمه عدم تحقق الأمر بالمهم عند ترك الأهم فيما إذا فرض عدم كون الترك عصيانا كما لو فرض السهو عن الأهم. أو عدم العلم بوجوبه أو نحو ذلك فإنه يلزم في هذه الحالات عدم الأمر بالمهم لعدم تحقق شرطه، و هو العصيان.

453

و هذه النتيجة لا يمكن لفقيه أن يلتزم بها فهل يلتزم أحد بوجود الأمر بالمهم عند عصيان الأهم و عدم وجود الأمر بالمهم عند عدم الالتفات إلى الأهم أو إلى وجوبه.

و هذا الاعتراض يجاب عليه بالتزام أن الشرط هو احتمال ثالث هو (ترك الأهم) بعنوان أنه ترك الأهم و هذا عنوان يجمع صفتين.

الأولى أنه عنوان غير قصدي فيتحقق حتى عند عدم التفات المكلف إلى وجود الأهم فإنه عنوان واقعي.

الثانية أنه يتوقف تحققه على تحقق الأمر الأهم فترك الازالة مثلا لا يكون تركا للأهم واقعا إلا إذا فرض أن الازالة أهم واقعا و أما إذا لم تكن أهم لم يكن هذا الترك تركا للأهم بل كان تركا للازالة واقعا.

فظهر مما ذكرناه أن المقدمة الأولى لا تخلو عن قوة فلنصرف عنان القلم إلى المقدمة الثانية فنقول الصحيح فسادها و ذلك لأمرين.

الأول النقض. فإننا لو جعلنا الأمر بالمهم مقيدا بالعلم بالأمر بالأهم.

كان الأمر بالمهم في رتبة متأخرة عن رتبة الأمر بالأهم.

و من الواضح المسلم عند الجميع استحالة هذين الأمرين فمثلا لو أمر بالازالة الساعة الواحدة ثم قال إذا علمت بهذا الأمر يجب الصلاة الساعة الواحدة كان هذان الأمران من أبرز مصاديق طلب الجمع بين الضدين أي طلب غير المقدور.

فظهر أن الاختلاف في الرتبة لا ينفع شيئا و لا يسمن الهزيل و لا يشبع الجائع.

الثاني الحل. و هو أن استحالة اجتماع الأمرين بالضدين إنما كان بسبب اجتماعهما في الزمان الواحد متعلقين بما لا يمكن للمكلف امتثاله.

و بعبارة أوضح إن استحالة الترتب كما عرفت لها توجيهات خمسة فعلى الأول كانت الاستحالة بسبب أن الأمرين تعلقا بضدين- الازالة و الصلاة- و هما يستحيل اجتماعهما في زمان واحد و بالتالي فلا دخالة لمرتبة الأمرين في الاستحالة.

454

و على بقية الوجوه كانت الاستحالة في نفس الأمرين باعتبار مبادئهما من الغرض و غير ذلك و سبب الاستحالة هو امتناع اجتماع الأمرين في الزمان.

و الحاصل أن التضاد المستوجب لاستحالة اجتماع الأمرين إنما هو من شئون و صفات الأمور الخارجية بما لها من الاجتماع الزماني فلا دخالة لوحدة الرتبة أو تعدد الرتبة في الاستحالة فإذا فرض وحدة زمان الأمرين كانا محالا حتى لو اختلفا رتبة.

و إذا فرضنا اختلاف زمان الأمرين كانا ممكنين و إن اتحدا رتبة.

و بما ذكرناه ظهر بطلان هذا الجواب الثاني.

ثم إنه يمكن إجراء بعض التعديل على هذا الجواب فيصبح بهذا التعديل صالحا للاجابة على بعض التوجيهات المتقدمة لاستحالة الترتب و حاصل هذا التعديل أن يقال أن الأمر بالأهم و الأمر بالمهم مختلفان في الموضوع الملحوظ لا في الزمان توضيح ذلك يعتمد على مقدمات.

الأولى أن الأمر بالأهم و الأمر بالمهم تحققا في زمان واحد و هو زمان عصيان الأهم.

الثانية أن الأمر كسائر الأفعال يحتاج إلى ملاحظة موضوع إصدار الأمر حيث أن بملاحظة هذا الموضوع، يتحقق الحاجة إلى الأمر أو عدم الحاجة إليه فظرف العدل يقتضي أفعالا لا يقتضيها ظرف الظلم و هكذا ظرف العدل يقتضي أوامر لا يقتضيها ظرف الظلم.

و ظرف السعادة يقتضي أحكاما و أفعالا لا يقتضيها ظرف الشقاء.

المقدمة الثالثة أن ندعي أن موضوع الأمر بالأهم مختلف في الرتبة عن موضوع الأمر بالمهم و ذلك بأن يقال بأن ظرف الأمر بالأهم هو ظرف النظر إلى نفس الفعل الأهم بما هو هو و أما ظرف الأمر بالمهم فهو ظرف النظر إلى عصيان المكلف للأمر الصادر بالأهم و الظرف الثاني متأخر عن الظرف الأول برتبتين.