حاشية معالم الدين

- الشيخ محمد صالح المازندراني المزيد...
256 /
51

حقيقة الثاني أن يطلق إطلاقا واحدا على المجموع من حيث هو المجموع بأن يكون المجموع مناط الحكم و لا نزاع في امتناعه حقيقة و في جوازه مجازا إن وجدت شرائط إطلاق الجزء على الكل الثالث أن يطلق إطلاقا واحدا على هذا و على ذاك بأن يكون كل واحد من هذا و ذاك مناط الحكم و هذا هو المتنازع فيه و الفرق بينه و بين الذي قبله هو الفرق بين الكل الأفرادي و الكل المجموعي و النسبة بينهما عموم من وجه لأنه يجوز أن يكون لكل واحد منهما حكم لا يوجد للآخر مع جواز اشتراكهما أيضا الرّابع أن يطلق و يراد به المسمى و هذا أيضا لا كلام في صحته‏

قوله إذا كان الجمع بين ما يستعمل فيه‏

(1) من المعاني ممكنا المراد بإمكان الجمع صحة إرادتهما في إطلاق واحد و إن كانا متضادين مثل رأيت الجون و القرء من صفات النساء و أما إذا لم يصح إرادتهما مثل افعل للإيجاب و التهديد و هذا الفرس جون فلا يجوز اتفاقا

قوله فجوزه قوم مطلقا

(2) أي سواء كان مفردا أو تثنية أو جمعا و سواء كان في الإثبات أو في النفي و تفصيل الاحتمالات أن المشترك إما مفرد أو مثنى و على التقديرين إما أن يمكن الجمع بين معانيه أو لا و على التقادير إما أن يستعمل في الإثبات أو في النفي و في الكل خلاف إلا في صورة عدم إمكان الجمع فإنه لا يجوز اتفاقا

قوله و جوزه في التثنية و الجمع‏

(3) فإذا أريد إطلاق العين على الباصرة و الذهب قيل عينان و إذا أريد إطلاقها عليهما و على الجارية أيضا قيل عيون‏

قوله و زاد بعض هؤلاء

(4) إلى آخره يعني زاد بعض هؤلاء المجوّزين بصحة استعماله في الجميع حقيقة و هو الشافعي أنه ظاهر في الجميع عند تجرده عن القرائن فيجب على السامع حمله عليه حينئذ و الفرق بينه و بين غيره بعد اشتراكهما في صحة الاستعمال فيه حقيقة من وجهين أحدهما وجوب حمله عليه عنده و عدمه عند غيره و ثانيهما كون المشترك مجملا عند غيره على تقدير التجرد مبينا عنده لأنه عام و لهذا قيل العام عنده قسمان قسم متفق الحقيقة و قسم مختلف الحقيقة

قوله لنا على الجواز

(5) إلى آخره حاصله أن المقتضي لجواز استعماله فيهما و هو الوضع موجود و المانع منه و هو ما يتمسك به المانعون مفقود لما سنبيّنه من بطلانه فالمقتضي متحقق و فيه نظر لأن عدم المانع المخصوص لا يستلزم عدم المانع مطلقا على أن لقائل أن يقول إرادة المعنى من اللفظ يجوز أن يكون مشروطا بعدم وجود معنى مساو له و دفعه مشكل‏

52

قوله و على كونه مجازا في المفرد تبادر الوحدة

(1) ملخصه أن اللفظ موضوع لهذا وحده و لهذا وحده على أن يكون الوحدة قيدا للموضوع له داخلة فيه بدليل التبادر و التبادر من علامة الحقيقة و إذا استعمل في الجميع و أريد منه هذا و هذا مسلوبا عنهما الوحدة كان مجازا من باب تسمية الجزء باسم الكل و الجواب أن اللفظ وضع لكل واحد منهما لا بشرط الوحدة و لا بشرط عدمها و الوحدة و عدمها قيد للاستعمال لا للمستعمل فيه فليستعمل تارة في هذا وحده و تارة في هذا وحده و أخرى فيهما معا و التفاوت أنهما هو في الاستعمال لا في المستعمل فيه فكما أن في حال الانفراد حقيقة كذلك في حال الاجتماع و دعوى التبادر ممنوعة فإن كلّ من يدعي جواز إرادة الجمع أو وجوبها عند الإطلاق لا يسلم ذلك بل الأخير يدعي تبادر الجميع‏

قوله لكن وجود العلاقة المصححة

(2) إلى آخره لقائل أن يقول جواز استعمال اللفظ في معنيين مجازيين ممنوع وجود العلاقة مجوز للإرادة بشرط أن لا يوجد معنى مجازي آخر مساو للأول‏

قوله فإن قلت محل النزاع‏

(3) إلى آخره لما كان قول المصنف فيفتقر إرادة الجميع منه محتملا لمعنيين ظاهرا أحدهما أن المراد منه مجموعهما من حيث المجموع بأن يكون ذلك المجموع مناط الحكم و حينئذ فقوله علاقة الكل و الجزء محمول على أن المراد هو الكل و المعنى الأصلي هو الجزء على أن يكون الموضوع للجزء مستعملا في الكلّ و ثانيهما أن المراد منه كل واحد منهما مع إسقاط قيد الوحدة بأن يكون كل واحد مناط الحكم دون المجموع فالمراد بعلاقة الكل و الجزء حينئذ أن الموضوع للكل أعني هذا وحده و هذا وحده مستعمل في الجزء أعني هذا و هذا بإسقاط الوحدة و السائل حمل قوله على الاحتمال الأول و غفل عن الثاني و اعترض عليه بوجهين الأول أن إطلاقه على المجموع من حيث هو ليس بمحل النزاع بل محل النزاع استعماله في كل واحد منهما و الثاني بعد التسليم أن استعمال الجزء في الكل مشروط بشروط مذكورة و لا يوجد شي‏ء منها فيما نحن فيه أجاب عنه المصنف بحمل كلامه على الاحتمال الثاني و حينئذ لا يرد عليه شي‏ء من الوجهين أما الأول فظاهر و أما الثاني فلأن إطلاق الكل على الجزء غير مشروط بتلك الشروط فانتفاؤها فيما نحن فيه لا يقدح في صحّة ذلك و أما الثاني فلأن الإطلاق‏

قوله إنها في قوة تكرير المفرد بالعطف‏

(4) فإن قولك جاءني الزيدان‏

53

بمنزلة قولك جاءني زيد و زيد و لما كان هنا مظنة أن يقال إنها ليسا في تلك القوة إذ كل مفرد في صورة التكرير بالعطف له معنى مغاير للآخر و لا يكفي فيهما مجرد الاتفاق في اللفظ بل لا بد من الاتفاق في المعنى أيضا و لذا تأوّلوا الزّيدين بالمسمى به فلا يصح إطلاقه بدون ذلك التأويل على الجميع فكيف يكون في قوة تكرير المفرد بالعطف أجاب عنه بقوله و الظاهر إلى آخره أنت خبير بأن اعتبار الاتفاق في المعنى و عدمه في التثنية و الجمع مختلف فيه و المانع مستظهر و دعوى الظّهور لا ينفع‏

قوله فكذا ما هو في قوّة

(1) لا نسلم أن كونهما في حكمه مستلزم لاتحادهما في جميع الأحكام أ لا ترى أنه صح قولنا جاءني القوم إلا زيدا و لا يصح جاءني زيد و عمرو و بكر إلى آخر أفراد القوم إلا زيدا مع أن الأوّل في حكم الثاني‏

قوله فيلزم من إرادته لهما على سبيل البدلية

(2) إلى آخره توضيحه أنه يلزم من إرادته لهما على سبيل البدليّة كونه مريدا لأحدهما خاصة و من إرادته لهما معا كونه غير مريد لأحدهما خاصة و هو ما ذكرنا من اللزوم‏

قوله و الجواب أنه مناقشة لفظية

(3) لأن حاصل استدلالكم أنه لا يطلق على الجميع مع قيد الانفراد و نحن لا ننكره و نهاية مقصدنا أنه يطلق عليه مجردا عن الانفراد و أنتم لا تنكرونه هذا و الأصوب أن يمنع الشرطية الأولى على تقدير كون الانفراد قيدا للمستعمل فيه و الثانية على تقدير كونه قيدا للاستعمال فتأمل‏

قوله و غاية ما يمكن أن يقال‏

(4) من جانب المستدل إنّ مفهوم المشترك هذا وحده فإذا استعمل فيهما مسلوبا عنها الوحدة لم يكن مستعملا في مفهوميه فيرجع النزاع بيننا و بينه إلى تسمية ذلك استعمالا له في مفهوميه لا إلى إبطال أصل الاستعمال فإنه أيضا معترف به و الأمر في ذلك بين و أنت تعلم أن بناء هذا الجواب على أن الانفراد قيد للموضوع له و أما على تقدير كونه قيدا للاستعمال فالجواب منع الشرطية الثانية

قوله متعددان في التقدير

(5) لأن تثنية الاسم في قوة تكريره مرتين و جمعه في قوة تكريره ثلاث مرّات فصاعدا فبهذا الاعتبار يجوز تعدد مدلوليهما بعدد التكرير بخلاف المفرد فإنه لا تعدد فيه أصلا لا صريحا و لا تقديرا فلا يجوز تعدد مدلوله فعلى هذا إذا أردنا متعددا من المشترك جاز أن نطلقه عليه مثنى و مجموعا لا مفردا

قوله فإن أفاد المفرد التعدد أفاداه و إلا فلا

(6) أي فإن أفاد المفرد التعدد و ذلك بأن يكون كليا محتملا لكثرة إما حقيقة كمسلم أو تأويلا كزيد إذا أطلق‏

54

على المسمى به فيجوز حينئذ أن يثنى و يجمع و يراد فردان و أفراد منه و إن لم يكن المفرد مفيدا للتعدد أصلا لا حقيقة و لا تأويلا كزيد إذا لم يؤول بالمسمى به فلا يجوز تثنيته و جمعه لجواز أن يكونا مشروطين بالاتفاق في المعنى و لا يكفي مجرد الاتفاق في اللفظ و حينئذ إما أن يؤول المشترك أولا ثم يثنى و يجمع و يراد مدلولاته أو لا يؤوّل فعلى الأول خرج عما نحن فيه لأنه حينئذ يصير مشتركا معنويا و على الثاني منعنا جواز ذلك فإن قلت قوله و إلا فلا معناه و إن لم يفد المفرد التعدد فلا يفيد التثنية و الجمع إياه لأنه لا يثنى و لا يجمع قلت نعم و لكن التثنية و الجمع يستلزمان التعدد فعبر عن انتفاء الملزوم بانتفاء لازمه و ذلك باب من البلاغة

قوله و فيه نظر يعلم مما قلناه‏

(1) و هو أن الظاهر اعتبار الاتفاق في اللفظ دون المعنى في المفردات و فيه أيضا ما عرفت‏

قوله و الحق أن يقال‏

(2) لما كان المدّعى مركبا من أمرين أحدهما الجواز في التثنية و الجمع و هو حق عند المصنف و ثانيهما عدمه في المفرد مطلقا و هو ليس بحق عنده و كان المجيب في صدر منع الأول أشار المصنف بهذا القول إلى الجواب الأول ليس بسديد زعما منه أن النظر المذكور يدفعه و إلى أن الحق في الجواب منع الجزء الثاني من المدعى تقريره أن التعدد و إن كان مجوزا للاستعمال المذكور أعني استعمال المشترك في مفهوميه و هو منتف في المفرد لكن فيه مجوز آخر له و هو العلاقة المذكورة المجوّزة لاستعماله فيهما مجازا و فيه بعد ما عرفته أنه إذا كانت العلاقة مجوزة فلم لا يكون الوضع مجوزا لاستعماله فيها و لا يتمّ ذلك إلا بإثبات أن الوضع لا يصلح لذلك لظهور أنه يلزم اجتماع النقيضين كما مرّ في دليل المانعين فليتأمّل‏

قوله و جوابه أن النفي‏

(3) إلى آخره إن قلت المشترك في الإثبات عند الإطلاق لواحد لا بعينه و هو يصدق على كلّ واحد على سبيل البدليّة و نفي ذلك إنما يتحقق بنفي جميع معانيه لا بنفي واحد معين قلنا إن أردت بواحد لا بعينه هذا المفهوم الكلّي فهو ممنوع و إن أردت به أنه لواحد من المعنيين و هو غير معلوم عند المخاطب فاللازم هو نفي ذلك الواحد إلا أن المنفي أيضا غير معلوم عند المخاطب فاللازم هو نفي ذلك الواحد إلا أن المنفي أيضا غير معلوم عنده لأنه يجوز أن يكون هذا و ذلك لا يقتضي إرادة الجميع‏

قوله و أما فيما عداه‏

(4) أي و أما فيما عدا المفرد من التثنية و الجمع فالمدعى أعني جواز الاستعمال فيهما حق كما أسلفناه و إن كان دليله هذا مدخولا كما عرفت‏

قوله و ثانيهما أن الأولى‏

(5) إلى آخره قريب من هذا الجواب ما قيل من أن حرف‏

55

العطف لاقتضائه التكرار بمثابة العامل فحينئذ يكون التقدير يسجد من في السماوات و يسجد له من في الأرض و هكذا فيكون هناك ألفاظ متعددة لمعان متعددة و هذا ليس مما نحن فيه و أجاب عنه البيضاوي بأنّا لا نسلم أن حرف العطف بمثابة العامل سلمنا لكن بمثابته بعينه لكونه قرينة له و حينئذ يكون لفظا واحدا مرادا به معان مختلفة و ردّه بعض المحققين بأن كونه بمثابة العامل متفق عليه عند النحاة فمنعه مكابرة و أما كونه بمثابته فإن أريد بعينه لفظا فمسلم و لا يضر و معنى فممنوع ثم إنه منقوض بقولهم العين باصرة و نوراة و كذا و كذا

قوله نحن بما عندنا

(1) البيت يريد كل منا راض بما أتاه و قسم لنا لا ننازع و لا نتحاسد و الآراء مع ذلك مختلفة لا يتفق على أمر و القصد فيما أخبر إظهار التعجب عن حالهم كذا في شرح الأبيات‏

قوله أي نحن بما عندنا راضون‏

(2) لما كان المذكورة و هو راض لا يصلح أن يكون خبرا عن المتكلم و المخاطب جميعا قدر خبر الأول على وفقه و جعله خبرا عن الثاني لكونه موافقا له في الأفراد و منهم من زعم من أن المذكور خبر عن الأول لكونه ضميرا لمعظم و هو بعيد إذ لا يعهد الأخبار في نحوه إلا بالجمع‏

[أصل في الحقيقة و المجاز]

قوله حقيقة و مجازا باعتبارين‏

(3) حقيقة باعتبار دلالته على الموضوع له الأصلي و مجاز باعتبار دلالته على غيره و لا قدح في ذلك كما أن اللفظ مطابقة و تضمن باعتبارين‏

قوله و إلاّ لزم صدق الملزوم بدون اللازم و هو محال‏

(4) و الأولى أن يقال و إلا لزم صدق به الملزوم بدون اللازم أو صدق أحد المتعاندين مع الآخر و كلاهما محال‏

قوله و جعلوا هذا وجه الفرق بين المجاز و الكناية

(5) يشتركان في أنهما يستعملان في غير الموضوع له و يفترقان في أن المجاز قرينة مانعة من إرادته بخلاف الكناية

قوله و احتجوا في أنه مجاز

(6) فيهما بأن استعمالهما على أن يكون كل واحد منهما مناطا للحكم استعمال في غير ما وضع له أولا لأن المعنى المجازي لم يكن داخلا في إرادة الموضوع له منفردا لأن الانفراد ينافيه و هو داخل فيها كدخول زيد في كل رجل إذا كانت كل أفرادية و ما هذا إلا بحذف الانفراد الذي هو جزء للموضوع له الأصلي و لا خفاء في أنه بدون هذا القيد معنى مجازي فكان اللفظ مجازا في كل واحد منهما و بهذا التقرير يندفع ما سيورده على هذه الحجة بأن فيها خروجا عن محل النزاع فتأمل‏

قوله جواب المانعين عن حجة الجواز ظاهر بعد ما قرره في وجه التنافي‏

(7) و هو أن المجاز مستلزم للقرينة المانعة عن‏

56

إرادة الحقيقة فكيف يجتمع معها و حاصله منع قوله و ليس بين إرادة الحقيقة و إرادة المجاز منافاة مستندا بهذا السند أقول و الذي يخطر ببالي أن عاقلا لا يقول بأن المجاز بهذا المعنى يجامع الحقيقة و كان مرادهم بالمجاز ما استعمل في غير موضوعه و لم يكن قرينة مانعة من إرادة الملزوم أعني المعنى الحقيقي جاز حمله عليها لعدم المنافاة بين إراديتهما و حينئذ فالمناقشة بين الفريقين لفظية

قوله منافاتها للوحدة الملحوظة

(1) إذ يلزم أن يكون المعنى الحقيقي مرادا وحده و غير مراد وحده و هو محال‏

قوله اتجه القول بالجواز

(2) فيه نظر لأن استعمال اللفظ في معنيين مجازيين أيضا ممنوع سيّما إذا كان أحدهما و هو ما كان لعلاقة الكل و الجزء أقرب إلى الحقيقة فإنه يجب حينئذ حمله عليه و مجرد وجود العلاقة ليس سببا تاما لجواز الإرادة لأنه يجوز أن يكون سببيتها مشروطة بعدم المانع كما مر

قوله و حيث كان المعتبر في استعمال المشترك‏

(3) إلى آخره قد عرفت منع ذلك سابقا

قوله في الموضعين‏

(4) أي في استعمال المشترك في مفهوميه و في استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي و المجازي على الاعتبار الآخر و هو اعتبار المفهوم مع قيد الوحدة لفظيا قد ذكرنا وجهه فلا يفيده‏

[المطلب الثاني في الأوامر و النواهي و فيه بحثان‏]

[البحث الأوّل في الأوامر]

[أصل في معنى صيغة الأمر]

قوله البحث الأوّل في الأوامر

(5) قدم الأمر على النهي لتقدم متعلقه على متعلق النهي و تلو النهي إياه في التحقق‏

قوله صيغة افعل‏

(6) و هي تستعمل في خمسة عشر معنى الأول الوجوب نحو أقيموا الصلاة الثاني الندب نحو فكاتبوهم فإن الكتابة لما كانت مقتضية للثواب و ليس في تركها عقاب كانت مندوبة الثالث الإباحة نحو كلوا و اشربوا الرابع التهديد نحو اعملوا ما شئتم و يقرب منه الإنذار نحو قل تمتعوا و بعضهم جعله قسما على حدة الخامس الإرشاد نحو فاستشهدوا فإنه تعالى أرشد العباد عند المداينة إلى الاستشهاد رعاية لمصلحتهم قيل الفرق بينه و بين الندب أن الندب لثواب الآخرة و الإرشاد لمنافع الدّنيا إذ لا ينقص الثواب بترك الاستشهاد في المداينة و لا يرتد بفعله السادس الامتنان نحو كلوا مما رزقكم الله فإن اقتران ممّا رزقكم الله بالأمر يدل على الامتنان عليهم السابع الإكرام للمأمور نحو ادخلوها بسلام آمنين فإن ضم السلامة و الأمن عند الأمر بدخول الجنة قرينة الإكرام الثامن التسخير نحو كونوا قردة خاسئين لأن مخاطبتهم بذاك في معرض تذليلهم التاسع التعجيز نحو فأتوا بسورة من مثله عجزهم بطلب‏

57

المعارضة عن الإتيان بمثله العاشر الإهانة نحو ذق إنّك أنت العزيز الكريم الحادي عشر التسوية نحو اصبروا أو لا تصبروا فإنّه أريد به التسوية في عدم النفع بين الصّبر و عدمه الثاني عشر الدّعاء نحو اللّهم اغفر لي الثالث عشر التمنّي نحو ألا أيها الليل الطّويل انجلي فإن السّاهي لما عدّ الليل الطويل مستحيل الانجلاء يتمنى انجلاه الرابع عشر الاحتقار نحو بل ألقوا ما أنتم ملقون بقرينة مقابلة هجرهم بالمعجزة الخامسة عشر التكوين و هو الإيجاد نحو كن فيكون و هم قد اتفقوا على أن صيغة افعل ليست حقيقة في جميع هذه المعاني لأن خصوصيّة بعضها كالتسخير و التعجيز و التسوية غير مستفادة من مجرد تلك الصّيغة بل من القرائن و النزاع إنما وقع في الأربعة الأول فقيل للأول و قيل للثاني و قيل مشتركة بينهما لفظا و قيل معنى و قيل بالوقف و قيل مشتركة بين الثلاثة الأول لفظا و قيل معنى و قيل مشتركة بين تلك الأربعة فهذه مذاهب ثمانية أشار إليها المصنف‏

قوله و ما في معناها

(1) مثل ليفعل و رويد و صه و نزال‏

قوله حقيقة في الوجوب‏

(2) إنما لم يقل و الأمر للوجوب مع أنه أخص لأن الأوامر في الأغلب وردت بصيغة افعل و نحوها و أمّا نحو أمرت بكذا أو إنهم مأمورون بكذا فنادر

قوله و قيل في الطلب‏

(3) إطلاقه حينئذ على الوجوب و الندب من باب الحقيقة إن كان من حيث العموم و من باب المجاز إن كان من حيث الخصوص‏

قوله و زعم قوم أنّها مشتركة بين أمور أربعة

(4) هذا القول مما أنكره المحققون من الشيعة فنسبة الحاجبي إياه إليهم افتراء

قوله عدّ عاصيا

(5) العصيان يطلق تارة على ترك المأمور به كما في قوله تعالى أ فعصيت أمري أي تركت مقتضاه و أخرى على ما يستحق به الذّم و العقوبة و لما كان ترتب الأول على ترك الفعل لا يدل على وجوبه بخلاف الثاني فسر قوله عد عاصيا بقوله و ذمه تصريحا لما هو المقصود و إخراجا لغيره ثم لما كان ترتب الذم على مجرد تركه يدل على كونه للوجوب حقيقة لا على تركه مطلقا و إن كان مقرونا بغيره من القرائن قيدا للذم بقوله معلّلين لإخراج ذلك الاحتمال فصار حاصل البرهان أن مجرد تلك المأمور به ممّا يترتب عليه الذم و العقوبة و لا خفاء في دلالته على وجوبه دلالة الأثر على المؤثر و على هذا فقوله و هو معنى الوجوب محمول على المبالغة إذ الذمّ‏

58

بمجرد ترك الفعل ليس نفس الوجوب بل مسبّب عنه فأطلق عليه أنه عين المسبّب ادّعاء لكمال السبب في السببية و ذلك فنّ من البلاغة

قوله لا يقال‏

(1) منع للمقدمة القائلة بأن ذم العقلاء معلّل بمجرد الترك لجواز أن يكون الذم بملاحظة القرينة فلا يدل على أن الأمر للوجوب حقيقة

قوله لأنا نقول‏

(2) إثبات للمقدمة الممنوعة بأن الذم حاصل حيث لا قرينة فيه أصلا فليس إلا بمجرد الترك أقول فيه نظر لأن الخصم لا يسلم حصول الذم عند عدم قرينة الوجوب و الجواب بالوجدان و دعوى البداهة في مقام المناظرة أما السكوت أو المعارضة بالمثل و قد يفرض على أصل الدليل بأنا لا نسلم أن حكمهم بالعصيان لأجل أنهم فهموا الوجوب من مجرد قوله افعل بل لأنّ الشارع أوجب إطاعة العبد لسيّده و هذا ليس بشي‏ء لأن ذلك الإيجاب فيما أوجبه السيّد عليه لا مطلقا بدليل أن له الترك فيما حيّزه فيه و فيما رجح أحد طرفيه ترجيحا غير مانع من الطرف الآخر

قوله فليقدر كذلك‏

(3) إشارة إلى انتفاء القرائن لو كانت في الواقع موجودة فالوجدان يشهد ببقاء الذّم على تقدير انتفائها فعلم أن الذم ليس إلاّ بمجرد الترك إذ لو كان للقرينة مدخل فيه لزال بزوالها

قوله عرفا

(4) نصب إما لأن يكون تمييزا لنسبة الشهادة إلى الوجدان أو مفعولا مطلقا أي شهادة عرف‏

قوله و بضميمة أصالة عدم النقل إلخ‏

(5) لما كان المطلوب أن الأمر في اللغة حقيقة للوجوب و لم يثبت ذلك من الدليل المذكور لأنه إنما يفيد في عرفنا كذلك إشارة إلى أنه يحصل المطلوب بانضمام مقدمة أخرى إليه و هي أن الأصل عدم نقل صيغة افعل عن المعنى اللغوي إلى العرفي فعلى هذا كانت في اللغة أيضا كذلك و العرف تابع لها

قوله ما منعك أن لا تسجد

(6) قيل الممنوع هو السجود لا عدمه و الجواب على وجهين الأول أن لا زائدة كما في الكشاف الثاني أن منعك مجاز عن دعاك بقرينة لا إذ بين الصارف عن الفعل و الداعي إلى تركه نوع تعلق كما في المفتاح‏

قوله و المراد بالأمر اسجدوا

(7) دون المركب من أ م ر و اندفع بهذا التفسير ما قيل من أن هذا الدليل إن تم فإنما يدل على أن مفهوم أ م ر هو الوجوب لا مفهوم صيغة افعل و النزاع إنما هو فيه‏

قوله و لو لا أن صيغة اسجدوا للوجوب إلخ‏

(8) يعني لو لا أن صيغة اسجدوا للوجوب فقط لما كان الإنكار و الاعتراف على ترك السجود متوجها و كان له أن يقول ما أوجبته عليّ فلذا تركته و فيه نظر لأنا لا نسلم أن الإنكار

59

على ترك السجود فقط بل على تركه لأجل الاستكبار و مما يؤيّده أن ما سؤال عن حقيقة ما يقتضي تركه و لما كان السّؤال هنا ليس على حقيقته وجب حمله على إنكار جعل ذلك سببا للترك و لا شبهة في استحقاق الذّم لأجل ترك المندوبات بسبب الاستكبار و لئن سلمنا فلا نسلم أن الإنكار بمجرد الترك لجواز أن يكون بواسطة القرائن أو بخصوص المادة و لئن سلّمنا فنقول إن ذلك دل على كون صيغة افعل للوجوب في الجملة و لا يدل على أن كلها كذلك و هو المطلوب و لئن سلمنا فنقول كانت الصّيغة في عرف أهل ذلك العصر للوجوب لا في اللغة و قد يجاب عن الثاني بأن الذم و الإنكار يترتب على مجرّد مخالفة هذه الصيغة من حيث هي من غير نظر إلى أمر خارج عنها كالقرائن و خصوصيّة المادة أما الأول فلأن الأصل عدمها و أما الثاني فيعلم من سوق الآية و عن الثالث بأن لا قائل بالفصل فإذا ثبت كون هذه الصيغة للوجوب ثبت كون الجميع كذلك و عن الرابع بأن الأصل عدم النقل‏

قوله أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم‏

(1) قيل الفتنة هي الضّلالة و قيل الآفة في النفس و المال و الولد و قيل تسلط الجائر و قيل الختم في القلوب و قيل ردّ التوبة و قيل صلابة القلوب و عدم تأثّرها بالمعارف و فسر العذاب بعذاب يوم القيامة

قوله هدد سبحانه مخالف الأمر

(2) يعني بإصابة الفتنة أو العذاب قيل هذا الاستدلال مبني على أن يكون الموصول فاعلا حقيقة و هو ممنوع لجواز أن يكون مفعولا أقيم مقامه فهدد من لا يخالف مخالف الأمر لا من يخالف الأمر و أجيب بأن النحاة اتفقوا على إسناد الفعل إلى الفاعل أقوى من إسناده إلى المفعول و وجب حمل كلام الله تعالى على ما هو أقوى و أحسن إلا لمانع و لا مانع هنا قيل فليكن الفاعل مضمرا و الموصول مفعوله و أجيب بأن الضمير لو كان لعاد إلى المتسلّلين فيصير معناه حينئذ فليحذر الذين يخالفون عن أمره و هذا غير سديد لأن المتسللين هم المخالفون للأمر فلا يصح أن يؤمرون بالحذر عن أنفسهم على أنه يبقى أن تصيبهم فتنة بلا عامل لأن الحذر لا يتعدّى إلى مفعولين قيل فليكن مفعولا له للحذر أو مخالفة و أجيب بأن إصابته الفتنة ليس علة للحذر لاستحالة اجتماعها معه و لا للمخالفة لأن المفعول غرض لفاعل الفعل و المخالفون ليس غرضهم إصابة الفتنة

قوله و التهديد دليل الوجوب‏

(3) يعني تهديد مخالف الأمر بالعذاب دليل على كونه للوجوب إذ لا تهديد على ترك‏

60

غير الواجب‏

قوله فإن قيل‏

(1) منع لقوله هدّد إلخ تقريره أن الآية إنما دلت على أن مخالفة الأمر مأمور بالحذر و لا دلالة في ذلك على وجوب الحذر فلم يتحقق التهديد

قوله قلنا

(2) إثبات للمقدمة الممنوعة بأن هذا الأمر أعني فليحذر للإيجاب بدليل تعلقه بإصابة الفتنة أو العذاب و وروده في معرض الوعيد فدلّ على التهديد فإن قيل كون الأمر المطلق للإيجاب يتوقف على كون هذا الأمر للإيجاب و كون هذا الأمر للإيجاب يتوقف على كون الأمر المطلق للإيجاب فيدور قلنا كون الأمر المطلق للإيجاب بطريق الحقيقة يتوقف على كون هذا الأمر مستعملا في الإيجاب و لا عكس لجواز أن يكون إيجاب هذا الأمر مستفادا من القرينة و هذا القدر كان هنا

قوله و مع التنزل عن دلالته على وجوب الحذر

(3) فلا أقل من دلالته على حسن الحذر حين مخالفة الأمر و بهذا القدر يتم مطلوبنا أعني كون الأمر المطلق للوجوب‏

قوله سفها و عبثا

(4) و لذلك يلام من يحذر عن سقوط الجدار الغير المائل و عن افتراس أسد في موضع لا أسد فيه‏

قوله و كأنها

(5) تأييد لما ذكر من أن المراد من مخالفة الأمر تركه و إعراضه عنه‏

قوله قلنا إضافة المصدر عند عدم العهد للعموم‏

(6) لما ذكره الشيخ الرّضي أن اسم الجنس إذا استعمل و لم تقم قرينة تخصصه ببعض ما يقع عليه فهو في الظاهر لاستغراق الجنس أخذا من استقراء كلامهم و في هذا المقام نظر لأن المصدر عام بالنسبة إلى ما أضيف إليه إذا كان المراد منه المدلول المصدري و الأمر في الآية محمول على ما يطلق عليه من الصّيغ لئلا يرد عليه أن هذا خارج عن محل النزاع إذ النزاع إنما هو في صيغة افعل لا في مفهوم أمر

قوله على أن الإطلاق كاف في المطلوب‏

(7) و هو أن الأمر مطلقا للوجوب خاصة

قوله لم يحسن الذم‏

(8) إذا كان للمخاطب أن يقول لما كان الأمر لغير الوجوب أيضا حمله على هذا و تركت مقتضاه فلا استحق الذّم و الوعيد و بهذا اندفع ما قيل من أنه لزم من هذا الدّليل كون الأمر للوجوب حقيقة و لا يدل على أنه ليس حقيقة في غيره و لا حاجة إلى أن يقال لدفعه الأصل عدم الاشتراك‏

قوله ذمهم على مخالفتهم للأمر

(9) الذم مستفاد من سياق الكلام إذ ليس المقصود من لا يركعون الإخبار بعدم الركوع بل المقصود ذمهم على ترك الركوع فلو لم يكن اركعوا للوجوب لم يتوجه الذم لعدم وجود مقتضيه لا يقال أثبتم الوجوب‏

61

بالذم على الترك و الذم على الترك لا يكون إلا بعد الوجوب و هو دور لأنا نقول إنما أثبتنا العلم بالوجوب بالذم لا الوجوب نفسه و الذم يتوقف على الوجوب نفسه فلا دور

قوله فإن كان الأوّل جاز أن يستحقّوا

(1) إلى آخره أقول للمعترض أن يمتنع جواز استحقاق الذم بترك الركوع بل الذمّ و الويل كلاهما بسبب التكذيب و عدم اعتقاد حقيقة الأمر و هذا لا يقتضي كون الأمر للوجوب لأن تكذيب الندب أيضا يوجب الذم نعم لو ثبت أن اركعوا للوجوب ثم ما ذكره و أما

قوله فإن الكفار عندنا معاقبون على الفروع‏

(2) فإن أراد بها الفروع الواجبة فممنوع و لكن لا ينفعه لأنه لم يثبت وجوب المتنازع فيه بعد و إن أراد بها الفروع مطلقا فممنوع و حينئذ فالأولى أن يكتفي في الجواب عن هذا الاعتراض بما يجي‏ء من الجواب عن الاعتراض الثاني فإنه يدفع كليهما كما ستعرفه‏

قوله و عن الثاني بأنه تعالى رتب الذمّ على مجرد مخالفة

(3) مدلول هذه الصيغة أعني اركعوا من حيث هي من غير ملاحظة خصوص المادة و الأمور الخارجة فدل ذلك على أن الاعتبار بالذم بمجرد مخالفة لا بالقرينة و لا بالتكذيب لا بخصوص هذا الفرد فقد ثبت بهذا أن مطلق الأمر للوجوب و إلا لما صحّ الذم على مجرد مخالفته و كذلك يثبت أنه ليس بغير الوجوب أيضا و إلا لم يترتب الذم و لكان للمخاطب أن يقول لما كان لغيره أيضا حملته عليه فتركته كما مرّ

قوله رد الإتيان بالمأمور به إلى مشيتنا

(4) فكأنه (عليه السلام) قال إن شئتم فعلتموه و إن شئتم فتركتموه و هو معنى الندب ضرورة أن الواجب غير مفوض إلى اختيارنا

قوله و هو معنى الندب‏

(5) ضرورة أن الندب يجوز تركه مع الاستطاعة أيضا فهذا في الحقيقة دليل للمثبتين لا عليهم على أنه لو تم دليلهم لما دل على مدّعاهم أعني كون الصّيغة للندب لأن المباح أيضا بمشيتنا و فيه نظر لأنا لا نسلم أن صيغة افعل عندهم بطلب الفعل مع المنع من الترك بل لطلب الفعل على جهة الاستعلاء مع المنع منه و هذا المعنى لم يتحقق في السؤال و لو سلم فلا نسلم أن السائل استعمل الصيغة فيه بل إنما استعملها في الطلب المقارن للتضرع و الخضوع فقط كيف و لو كانت موضوعة لما ذكرت و قد استعملها السائل فيه على زعمك كان استعمالها على سبيل الحقيقة و قد صرح أنّه المعاني بأن استعمالها في السّؤال و الدّعاء على سبيل المجاز و مما يؤيده أن الأصوليين صرحوا بأنّ صيغة

62

افعل يستعمل في خمسة عشر معنى و عدّوا من جملة ذلك الوجوب و السؤال فجعل السؤال قسيما للوجوب يشعر بأنها ليست في السؤال للوجوب‏

قوله للقدر المشترك‏

(1) بين الوجوب و الندب و هو مطلق الطلب‏

قوله و المجاز و إن كان مخالفا للأصل‏

(2) لأن المجاز يحتاج إلى الوضع الأول و المناسبة بين المعنيين و النقل بخلاف الحقيقة فإنها محتاجة إلى الوضع فقط فالمجاز مرجوح بالنظر إلى الحقيقة لاحتياجه إلى مقدمات أكثر

قوله و إلا لزم الاشتراك المخالف للأصل‏

(3) لاحتياجه إلى تعدّد الوضع إلى قرينتين قرينة هذا و قرينة ذاك و إلى الإخلال بالتفاهم وقتا ما و إلى مستبعد و هو إرادة نقيض المطلوب إذا كان مشتركا بين النقيضين فإنه إذا أطلق على أحدهما و فهم الآخر بتخيل قرينة فقد فهم ما هو في غاية البعد عن المراد

قوله المرجوح بالنسبة إلى المجاز

(4) لأن المجاز أغلب و أكثر في العرف و اللغة بالاستقراء حتى بالغ ابن جني و ابن منوبة و قالا أكثر اللغات مجازات و الكثرة دليل الرّجحان‏

قوله على أن المجاز لازم بتقدير وضعه للقدر المشترك‏

(5) قال (رحمه الله)ه في الحاشية هذا الحكم أعني كون استعمال اللفظ الموضوع للمعنى الكلي في خصوص الجزئي مجازا واضح عند من لا يقول بأن الكلي الطبيعي موجود بعين وجود أفراده و أما على هذا القول و هو الأظهر فوجه المجازية أن إرادة الخصوصيّة يتضمن نفي صلاحية اللفظ في ذلك الاستعمال للدلالة على غير الفرد المخصوص من أفراد الماهية و و ظاهر أن هذا النفي معنى زائد على ما وضع له اللفظ و أريد معه فيصير مجازا انتهى و أنت تعلم أن هذه العلاوة إنما ترد على المستدلّ لو جعل المفسدة في وضعه لأحدهما أصل التجوز في الآخر أما لو جعلها انحصار طريق استعماله في ذلك الآخر في التجوز فلا لظهور أن اللفظ عند وضعه للقدر المشترك يجوز استعماله في كل واحد من أفراده بطريق الحقيقة و ذلك بأن يستعمل فيه لا من حيث الخصوص بل من حيث العموم و يستفاد الخصوص من القرينة فحينئذ فقوله أو لأحدهما فقط لزم المجاز معناه لزم المجاز في الآخر دائما و الحاصل أن ليس الغرض من إثبات كونه موضوعا للقدر المشترك الفرار من المجازية حتى يرد عليه أنها لازمة بل أكثر على هذا التقدير بل الغرض الفرار من انحصار طريق الاستعمال فيها و قوله ربّما توهم تساويهما قال في الحاشية التوهم الذي حكيناه سمعناه عن بعض من عاصرناه و من مشايخنا

قوله‏

63

لأن الاستعمال في القدر المشترك إن وقع فعلى غاية الندرة

(1) قال في الحاشية هذا إشارة إلى بعد وقوعه من حيث إن الطالب بالشي‏ء إذا لم يكن غافلا عن تركه فإما أن لا يريد المنع منه أو يريده و الأول الندب و الثاني هو الوجوب و إنما يتصور إرادة الطلب المجرد عند الغفلة عن الترك و حيث إن العمل في مباحث الأمر على أوامر الشرع ففرض الاستعمال في القدر المشترك غير معقول فتأمل‏

قوله على أنّها مشتركة لغة

(2) أي مشتركة بين الوجوب و الندب اشتراكا لفظيا

قوله و القرآن و السنّة و ظاهر الاستعمال يقتضي الحقيقة

(3) هذا الحكم أعني كون الأمر في القرآن و السنة للوجوب و الندب على سبيل الحقيقة لا ينافي ما سيصرح به من أن الأمر عند الشارع حقيقة في الوجوب فقط لأن كون الندب معنى مجازيا بهذا الاعتبار لا ينافي كونه معنى حقيقيا باعتبار وضع اللغة و المراد بالحقيقة الحقيقة اللغوية

قوله بحمل الصحابة

(4) إن أراد كل الصحابة فهو ممنوع و إن أراد بعضهم فلا يجديه نفعا لأن غاية ما في الباب أن يكون ذلك إجماعا سكوتيا و هو ليس بحجة أصلا لا قطعا و لا ظنا على أن حملهم الأمر على الوجوب يجوز أن يكون مستفادا من القرائن أو منوطا باجتهادهم و لا يصير حجة على غيرهم‏

قوله و هذا يدل على قيام الحجة عليهم بذلك‏

(5) فيه نظر لأن العادة قد جرت في باب المناظرة بذكر حججهم و مستندهم فلو كان لهم على ذلك حجة لنقلوها و لو نقلوها لوصل إلينا

قوله و قد بينا في مواضع من كتابنا أن إجماعنا حجة

(6) هذا حق إن أراد به الإجماع الحقيقي و لكن تحققه فيما نحن فيه ممنوع و ممنوع إن أراد به الإجماع السكوتي لأنه ليس بحجة أصلا عند المحققين‏

قوله لوجود أماراته‏

(7) من جملتها عدم تبادر الغير و قد عرفت أن الوجوب متبادر إلى الفهم‏

قوله و كونه خيرا من الاشتراك‏

(8) وجه آخر لترجيح مجازيته في الندب مع قطع النظر عن وجود أمارة المجاز يعني أن الأمر حقيقة في الوجوب بالاتفاق فلا بد من أن يكون مجازا في الندب و إلا لزم الاشتراك و المجاز خير منه فوجب ترجيحه‏

قوله أو ما أشبه هذا من علامة الحقيقة و المجاز

(9) و مثل أ من عراء اللفظ عن القرينة عند استعماله و عدم عرائه فإن الأول من علامة الحقيقة و الثاني من علامة المجاز قوله فلا أ لا ترى أن استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي و المجازي لا يدل على‏

64

كونه حقيقة فيهما و ذلك للتفاوت المذكور

قوله و لا يذهب عليك‏

(1) إلخ أقول أراد السيّد أن الصحابة حملوا كل أمر مطلق مجرد عن قرائن الوجوب و الندب على الوجوب توضيحه أن الأوامر القرآنية و النبوية منها محمول على الوجوب بلا نزاع و منها محمول على الندب كذلك و منها محتمل للأمرين ظاهرا و السيّد جعل الثالث موردا للحمل المذكور فكأنه قال الصحابة حملوا كل أمر مطلق محتمل للأمرين ظاهرا على الوجوب و لو لم يكن مطلق الأمر للوجوب لما صح ذلك و يؤيده قوله و كان يناظر بعضهم بعضا في مسائل مختلفة و لم يزد أن الأوامر القرآنية و النبوية كلها محمولة عندهم على الوجوب حتى يكون متنافيا لما سبق منه و لو أراد ذلك لورد عليه سوى المنافاة المذكورة إن هذا لا يصح بنفسه لأن كثيرا من أوامر الكتاب و السنّة محمولة على الندب اتفاقا و كان قوله فتأمل إشارة إلى ما ذكرنا

قوله بشي‏ء من المعاني‏

(2) التي ذهب إليها أرباب المذاهب السبعة

قوله و هو إما الآحاد و لا يفيد العلم و هو مطلوب في هذه المسألة لأنها علمية لا يكفي الظن فيها

(3) و فيه نظر لأنا لا نسلم أن الظن لا يكفي فيها الظهور إن المسألة لغوية يتعلق فيها البحث بمدلولات الألفاظ و يكفي في إثبات مدلولاتها الظن و الظهور و إلا لتعذر العمل بأكثر الظواهر

قوله أو التواتر

(4) قيل بعد الجزم بأنه لو ثبت لثبت بدليل لا يحسن تجويز كونه متواترا لأن التواتر لا يسمى دليلا إذ الدليل إنما يستعمل فيما يكون نظريا و أجيب بأنّ المراد بالدليل ما يصير سببا للعلم مطلقا و إن كان ضروريا فيشتمل التواتر

قوله عمن يبحث و يجتهد في الطلب‏

(5) إنما أفحم هذا القيد لئلا يقال لا يجب في التواتر الاستواء بالنسبة إلى الكل لجواز أن يحصل التواتر بقوم دون آخرين لأنه عند التقييد لا بد للكل من الاطلاع عليه لبذلهم و جهدهم في طلبه فيصح حينئذ قوله فكان الواجب أن لا يختلف فيه و لا يتوجه إليه المنع المذكور و يمكن أيضا نفي احتمال التواتر بأنه متفق عليه بين الخصمين و قد يجاب عن هذا الاستدلال بأن ما ذكرتم لازم عليكم في القول بالوقف أيضا فإن العقل لا يقتضيه و النقل القطعي غير متحقق فيه بعين ما ذكرتم و للاتفاق و الظن لا يفيد و هو الجواب ليس بشي‏ء لأن الواقف ساكت عن الحكم لا حاكم بشي‏ء حتى يفتقر إلى دليل سلمنا الافتقار لكن لا نسلم أن العقل لا يقتضيه فإن التوقف عند عدم الدليل من مقتضيات العقل‏

65

قوله و الجواب منع الحصر

(1) إلى آخره أي منع حصر ثبوته بالعقل و النقل فإن هاهنا قسما آخر غيرهما و هو ثبوته بالأدلة التي قدمناها من العرف و الآيات الدالة من جهة الاستعمال على كون الأوامر المطلقة للوجوب و لا خفاء في أن مرجع ذلك إلى النقل إلا أنه لما لم يكن من مقتضى صريحه توجّه منع الحصر فيه إلى أن الأدلة المذكورة مفيدة للظن فيتوجه ما يتوجه في صورة نقل الآحاد و لو بنى الجواب على منع كون الظن لا يكفي في مدلولات الألفاظ فالعدول عن اختيار هذا الشق إلى اختيار الشق الثالث و إيراد ذلك المنع بعينه لا يخلو عن زيادة مئونة أقول غرضه من ارتكاب هذه المئونة الزائدة أن يبني الجواب على أمر مطابق للواقع فإن اختيار الآحاد و منع عدم كفاية الظن في مدلولات الألفاظ و إن كان كافيا في دفع الدليل لكنه ما كان مطابقا للواقع إذ لم ينقل خبر يدل صريحا على أن الأمر موضوع للوجوب مثلا هذا و الذي يظهر من كلام بعض الأفاضل أن ذلك القسم الآخر مركّب من نقلي و عقلي مثلا إذا علمنا أن الشارع ذم بمجرّد ترك الأمر و حكمنا بأن الذم على مجرد تركه لا يحسن إلا على تقدير وجوبه حصل لنا العلم بأن الأمر للوجوب و الدليل عليه مركّب من مقدّمتين إحداهما نقلية و الأخرى عقليّة و ترد عليه أن هذا النقلي إما آحاد أو متواتر فيعود السؤال المذكور و قد يجاب بأنّه متواتر و لكن لا يستلزم عدم المخالفة لجواز أن يكون ذلك العقلي نظريا

قوله و مرجعها

(2) أي مرجع تلك الأدلة أي تتبع موارد استعمال صيغة افعل و الأمارات الدالة على المعنى المقصود بها هو الوجوب قيل و في قوله و الأمارات إشارة إلى أن ما ثبت به الوضع لا يلزم أن يكون مفيدا للعلم بل قد يكتفى بالظن و أورد عليه بأنه لا إشارة فيه إلى ذلك إذ الأمارات قد يحصل من اجتماعها العلم و إن كان كل واحدة منها لا يفيد إلاّ الظن و هذا كالعدد في المتواتر

قوله حجة من قال بالاشتراك‏

(3) أي حجة من قال بأن صيغة افعل مشتركة لفظية بين الوجوب و الندب و الإباحة استعمالها فيها فظاهر الاستعمال الحقيقة و لا يعدل عنها إلا بدليل و لا دليل فلا عدول و الجواب أن الدليل على الوجوب‏

66

ما ذكرناه من أنه هو المتبادر عند إطلاق الأمر و التبادر من علامة الحقيقة و مجرد استعماله في الندب و الإباحة لا يقتضي كونه حقيقة أيضا بل يكون مجازا لوجود أماراته و هو تبادر الغير و كونه خيرا من الاشتراك‏

قوله مشتركة بين الأمور الأربعة

(1) أي مشتركة لفظية بين الوجوب و الندب و الإباحة و التهديد إذ لا يتصوّر الاشتراك المعنوي هنا لانتفاء القدر المشترك بينهما

قوله في احتجاج من قال بالاشتراك‏

(2) أي بالاشتراك اللفظي بين الوجوب و الندب و هو احتجاج السيّد قوله‏

[فائدة]

يستفاد إلخ‏

(3) اعلم أن الحقيقة يجوز أن يقل استعمالها و يتغير حالها فتصير كالمجاز و كذلك يجوز أن يكثر استعمال المجاز في العرف فيلحق بالحقائق و سر ذلك أن إجراء الألفاظ على فوائدها الأصلية ليس بواجب و إنما هو بحسب الاختيار و إذا صح فنقول إذا بلغ المجاز في كثرة الاستعمال حدّا صارت الحقيقة معه مهجورة صار المجاز حقيقة عرفية فيحمل اللفظ عليها عند الإطلاق و إن لم يبلغ هذا الحد فإن كان أقل استعمالا من الحقيقة حمل عليها عند الإطلاق و إن ساواها أو غلبها فالأمر مشكل عند الإطلاق لأن الوضع الحقيقي يرجح الحقيقة و الغلبة ترجح المجاز و الحق في مثله التوقف إن وقع في الكتاب و السنة إلى أن يجي‏ء تفسيره عن أهل الذكر (عليهم السلام)

[أصل في المرة و التكرار]

قوله صيغة الأمر بمجردها

(4) أي عارية عن قرائن الوحدة و التكرار

قوله و إنما تدل على طلب الماهية

(5) أي الماهية المطلقة المعراة عن الهويّات فهي من حيث هي عام ملحوظة لا بشرط مدلول تلك الصيغة

قوله افعل أبدا

(6) لكن بشرط الإمكان كما قاله الآمدي‏

قوله فلم يدروا لأيهما هي‏

(7) الأولى لأيها هي أي فلم يدروا هي موضوعة للمرة أو للتكرار أو للقدر المشترك و اعلم أن هنا مذهبا خامسا نسبه العلاّمة (رحمه الله)ه في التهذيب إلى المرتضى و هو ظاهر كلامه في الذريعة و هو القول بالاشتراك اللفظي بينهما و دليله حسن الالتفات بأنك أردت هذا أو ذاك و هو يدلّ على الاشتراك إذ لو كانت لأحدهما أو لأمر يعمها التبادر فلم يحتج إلى الاستفهام و لاستعمالها فيهما و ظاهر الاستعمال هو الحقيقة و الجواب عن الأول أن الاستفهام يحسن عن الأفراد المتواطي فإنه إذا قيل أعتق رقبة حسن أن يقال مؤمنة أم كافرة و عن الثاني أن الاستعمال عام فلا يدل على أحدهما و أصالة الحقيقة معارضة بأصالة عدم الاشتراك إذا عرفت هذا فنقول منهم من فسر مذهب‏

67

الوقف بحيث يحتمل إرادة مذهب الاشتراك حيث قال يحتمل أن يكون المراد أنهم لم يدروا هو موضوع لهذا و لذلك و أن يكون المراد عدم العلم بمراد المتكلم أي هو مشترك لفظي بينهما و لا ندري أيّهما هو مراد المتكلم منها انتهى و قال قطب المحققين و منهم من يتوقف إما لدعوى الاشتراك أو لعدم العلم بالواقع و على التقديرين فالصيغة المجردة لا يقتضي شيئا منهما على التعيين و هو المراد من الوقف انتهى أقول هذا ليس بسديد لأن دليلهم الآتي لا يناسب الاشتراك أصلا فليتأمّل‏

قوله لنا أن المتبادر من الأمر طلب إيجاد حقيقة الفعل‏

(1) إلى آخره أي المتبادر من صيغة افعل و نحوها طلب إيجاد حقيقة الفعل أعني المصدر الذي هو جزء مادي لهذه الصّيغة و المرة و التكرار خارجان عن حقيقته ضرورة أن الجزئيات خارجة عن الماهيات المشتركة و اعترض بأن خروجهما لا يستلزم عدم دلالة الصيغة عليهما لجواز أن يكون أحدهما أو كلاهما لازمين لماهيّة الطلب و أجيب بأنهما غير لازمين لهما أما التكرار فلأن المأمور يخرج عن العهدة بالمرة فلا يكون لازما للماهية و لا لوجودها و أما المرة فلأنها و إن كانت لازمة لوجودها إذ هي من ضروريات الوجود إلا أنها ليست لازمة لماهيته لفهمهما بدونها أو لأنها متحققة في التكرار دون تحقق المرة و بالجملة عدم لزوم فرد للماهيّة المشتركة ظاهر و التحقيق أنه لا حاجة لنا إلى بيان عدم اللزوم و عدم الدلالات لأن المفروض أن الصّيغة لا تدل عليها بالوضع فإن دلت عليها بالالتزام لم يضر لأن تلك دلالة عقلية و البحث ليس فيها

قوله و نحوهما

(2) كالشدة و الضعف و الآلة و أمثالها

قوله كذلك غير متناول‏

(3) للعدد لأن نسبة العدد إلى أصل الفعل كنسبة الزمان و المكان و الآلة إليه على السواء فكما لا يدل الفعل على هذا بالاتفاق كذلك لا يدل على ذاك‏

قوله لصدق الحقيقة التي هي المطلوبة بالأمر بها

(4) إشارة إلى دفع ما يرد هنا من أن حصول الامتثال بالمرة يدل على كون الصيغة لها و هو خلاف مدعاكم فأجاب بأن حصول الامتثال بالمرة ليس لكون الصيغة دالة عليها بخصوصها بل بواسطة صدق الحقيقة المطلوبة عليها و أورد عليه بأن هذا بعينه استدلال للقائلين بالمرة مع جوابه و سيجي‏ء صريحا فلا وجه لذكره هنا و أجيب بأن ذكره هنا لغرض دفع السؤال و فيما

68

بعده لدفع الاستدلال فلا يكون تكرار بلا فائدة

قوله و بتقرير آخر

(1) إشارة إلى أن في هذا تقرير إعادة مفاد الدليل المذكور بعبارة أخرى إذ حاصلهما أن الأمر لمجرد طلب ماهية الفعل و الوحدة و التكرار خارجان عنها إلا أنه قاسمهما سابقا على المكان و الزمان في عدم الدلالة و بيّن هنا أنهما من صفات الفعل و الموصوف لا دلالة على شي‏ء من صفاته فالدال عليه أيضا لا دلالة عليه فالفرق بين التقريرين من وجهين أحدهما ما ذكرناه و الثاني أن التقرير الأول يدل على أن الصيغة لا دلالة لها عليها وضعا و أما التزاما فلا يضر و الثاني يدل على أنّه لا دلالة لها عليهما أصلا و تنبيه على أن جعل هذا دليلا على حدة على المطلوب كما فعله الحاجبي ليس له كثيرة فائدة

قوله ثم إنه لا خفاء في أنه ليس المفهوم من الأمر إلا طلب إيجاد الفعل أعني المعنى المصدري‏

(2) يرد عليه أولا أن الوحدة و التكرار و إن كانا وصفين للمعنى المصدري لكن يجوز أن يكون الصيغة بهيئتها موضوعة للصّفة و الموصوف معا و إلى هذا أشار بقوله و ما يقال و ثانيا أن الأصوليين اختلفوا في أن المطلوب بأمر مطلق هل هو نفس الماهية المطلقة أو جزئي من جزئياتها فذهب كثير منهم إلى الثاني و لا شك أن الجزئي هي الماهية المقيدة بقيد الوحدة و ثالثا أن ابن الحاجب صرح في شرح المفصل بأن اسم الجنس موضوع للماهية مع قيد الوحدة المطلقة و إطلاقه على الواحد بالحقيقة بخلاف علم الجنس فإنه موضوع لنفس الماهية و إطلاقه على الواحد بالمجاز و مع هذه الأقوال و الاحتمالات كيف يصح منك دعوى التبادر تارة و عدم الخفاء أخرى و يمكن أن يجاب عن الأول بأن الأمر يقيد تارة بالوحدة و أخرى بالتكرار من غير تناقض و لا تكرار فدل ذلك على أنهما ليسا بداخلين في الموضوع له و قد يقال أحدهما للتأكيد و الآخر لصرفه عن الظاهر إلى خلافه و قد يجاب بأن كل واحد منهما خلاف الأصل إذ التأكيد خلاف التأسيس و حمل اللفظ على ظاهره أولى من حمله على خلاف الظاهر و عن الثاني بأن من قال المطلوب هو الجزئي مراده أن المطلوب هو الطبيعة من حيث هي و لكنها لما لم تكن موجودة إلا في ضمن فرد ما كان الفرد هو المطلوب بمقتضى العقل لا بدلالة اللفظ و عن الثالث بأن صاحب المفتاح صرح في بحث التعريف باللام أن الخلاف في المصادر المنونة و أما المصادر الغير المنونة المستفادة من المشتقات فهي الطبيعة من حيث هي بلا خلاف‏

قوله فلا يدلّ على صفة الضرب‏

(3) لأن دلالة

69

اللفظ على المعاني الثانوية إنما هي لدلالة المعاني الأولية عليها و قد عرفت بحكم المقدمة الأولى أن المعنى الأولى لا يدل على الثانوي فاللفظ أيضا لا يدل عليه‏

قوله و ما يقال‏

(1) إلخ حاصله أن افعل بحسب المادة يعني المصدر لا يدل على الوحدة مثلا لما ذكرت و لم لا يجوز أن يدلّ عليها بحسب الهيئة بأن يكون هو بتلك الهيئة موضوعا للموصوف و الصفة جميعا و النزاع إنما وقع في هذا لا في الأول‏

قوله فيلزم التكرار في المأمور به‏

(2) قيل لزوم ذلك ممنوع لجواز ارتفاع الضدين فلا يلزم من نفي أحدهما دائما إثبات الآخر دائما و أجيب عنه أوّلا بأنا نفرض الكلام في ضدين لا ثالث لهما كالحركة و السكون فإنه إذا انتفى أحدهما ثبت الآخر قطعا و ثانيا بأن المراد بالضد الضد العام أعني الترك و من المعلوم أن دوام الكف عن ترك الفعل إنما يكون بذلك الفعل‏

قوله إذ لعل التكرار إنما فهم من دليل آخر

(3) كالإجماع و السنة و التقييد بعلّة أو شرط إلى غير ذلك لا بمجرد نفس الأمر و كلامنا فيه و مما يؤيده ذلك أن الصوم في كل عام مرة و الصّلاة في كل يوم خمس مرات فالتكرار مختلف و لو كان بمقتضى الأمر نفسه لما كان كذلك‏

قوله و هو باطل‏

(4) لأن اللغة إنما تثبت بالنقل على أن النهي عند كثير من المحققين منهم المرتضى كالأمر في عدم التكرار فلهم أن يمنعوا أصل قياسكم قيل و لو سلّم ثبوت اللغة بالقياس إنما هو بالقياس الصحيح و هذا القياس غير صحيح لأنه قياس أحد المتناقضين على الآخر لما بينهما من المباينة المنافية للقياس أقول هذا ليس بشي‏ء لأن العلة و هي الطلب الجازم موجودة فيهما و عند الاشتراك في العلة يجب الاشتراك في المعلول مع أن المطلوب في النهي هو طلب كف على ما قيل‏

قوله فإن النهي يقتضي انتفاء الحقيقة

(5) تحريره أن النهي يقتضي منع المكلف من إدخال الماهية في الوجود و هو إنما يتحقق إذا امتنع من إدخال كل فرد من أفرادها في الوجود إذ منع إدخال فرد ما يكون قد أدخل تلك الماهية فيه لاشتمال ذلك الفرد عليهما و هو ينافي مقتضى النهي بخلاف الأمر فإن المطلوب منه إدخال الماهية في الوجود و هو يتحقق في الإتيان بفرد ما لتحقق الماهية المطلوبة

قوله و أيضا التكرار في الأمر مانع من فعل غير المأمور به‏

(6) إذ لو كان للتكرار يعم جميع الأوقات الممكنة لأنه ليس في اللفظ ما يشعر بتخصيصه‏

70

بوقت دون آخر فلو حمل على بعض الأوقات لزم الترجيح بلا مرجح و إذا عم جميع الأوقات منع من فعل غيره فيها لاستحالة اجتماع الضدين و يستلزم ذلك فساد أمر معاشه و معاده و لذلك قيل التكرار في الأمر يستلزم التكليف بما لا يطاق و أنه محال على أنه يوجب ذلك أن ينسخ الأمر بكلّ تكليف بعده إذ هذا التكليف يستلزم دفع حكمه في بعض الأوقات و هو النسخ‏

قوله إذ التروك‏

(1) تجتمع و تجامع مع كل فعل كترك الزنا و الشرب و الشتم و الضرب فإنها تجتمع و تجامع فعل الصلاة مثلا

قوله و عن الثالث بعد تسليم كون الأمر بالشي‏ء نهيا عن ضده‏

(2) إلخ يعني إن أراد بالضد في قوله الأمر بالشي‏ء نهي عن ضده الضد الخاص أعني الأشياء الوجودية المانعة للفعل المأمور به و الضد العام بمعنى أحد هذه الأشياء لا بعينه فذلك ممنوع و سيجي‏ء أن الأمر بالشي‏ء غير مستلزم لهما و إن أراد به الضد العام بمعنى الترك فهو مسلم بناء على أنه جزء لمدلول الأمر و الأمر دال على المنع منه و هو معنى النهي لكن نمنع على هذا التقدير و على التقديرين الأولين بعد تسليم كلية الكبرى و المراد بقول المجيب عن ضده الضدّ الخاص و الضد العام بمعنى الأول فإنه في حكم الضد الخاص و في حيز المنع أيضا و قوله أو تخصيصه بالجر عطف على التسليم و قوله و إرادة الترك منه أي من الضدّ العام احترازا عن الضد العام بمعنى آخر لأنك قد عرفت أنه مندرج تحت قوله عن ضده فقد ظهر أن الجواب عن الضد الخّاص و العام المقارب له أولا بمنع الصغرى و ثانيا عنهما و عن العام بمعنى الترك بمنع كلية الكبرى‏

قوله فإن كان دائما فدائما و إن كان في وقت ففي وقت‏

(3) ففهم الدوام من النهي الضّمني يتوقف على فهمه من الأمر فلو انعكس لزم الدور

قوله يقتضي المنع من السكون دائما

(4) إذ لو جاز السكون في الجملة حينئذ لزم التناقض‏

قوله المنع من السكون فيها

(5) ضرورة أن ضد الحركة في ساعة تركهما في تلك الساعة لا مطلقا

قوله و لو كان للتكرار لما عد

(6) الأولى و لو كان للماهية أو التكرار لما عد إذ المقصود نفي المذهبين كليهما

قوله و الجواب أنه إنما عد ممتثلا إلى آخره‏

(7) أنت خبير بأن هذا الجواب لا ينافي على رأي القائلين بالتكرار مع أن دلالة الدليل على نفي التكرار أظهر من دلالته على نفي الماهية و يمكن لهم أن يجابوا بأنه عد ممتثلا لأن القرينة قد تدل على عدم التكرار و إلا فلا

71

نسلم الامتثال‏

قوله لأن الأمر ظاهر في المرة بخصوصها

(1) فإن قلت لو كان كذلك لما نسب الامتثال إلى فعل المأمور به مرة لكن العرف يشهد بذلك قلنا إنما نسب الامتثال إليها لأنها من ضروريات الوجود لا بخصوصها من حيث هو الدلالة القرينة على اعتبار خصوصها

قوله إذ لو كان لذلك لم يصدق الامتثال‏

(2) إلى فعل المأمور به مرّة لكن العرف يشهد بذلك قلنا إنما نسب الامتثال إليها لأنها من ضروريات الوجود لا بخصوصها من حيث هو أو لدلالة القرينة على اعتبار خصوصها

قوله إذ لو كان كذلك لم يصدق الامتثال فيما بعدها

(3) قيل فيه نظر لأن الفعل في المرّة الثانية كما هو فرد للطبيعة من حيث هي كذلك كان فردا للحقيقة المقيدة بالوحدة المطلقة فالتفرقة بأنه إذا كان لطلب الطّبيعة كان ممتثلا بالمرة الثانية إذا كان للمرة لم يكن كذلك محل بحث و أجيب بأن مرادهم بالمرة الواحدة لزوم الاقتصار عليها من غير زيادة كما أشار إليه المصنف في تفصيل المذاهب فعلى هذا الفعل في المرة الثانية ليس من أفراد المرة بهذا المعنى فلو أتى به ثانية لما عد ممتثلا كمن كان عليه ركعتين فأتى بثلاث ركعات فإنه غير ممتثل قطعا

قوله بمثل ما مرّ

(4) في الأصل المتقدم‏

قوله من أنه لو ثبت‏

(5) أي كونه للماهيّة أو للمرة أو للتكرار

قوله يمنع الخلاف‏

(6) أي ممن يبحث و يجتهد كما مرّ

قوله و ذلك كاف‏

(7) أي السبق و التبادر الذي يفيد الظن كاف في إثبات ما يماثله مما يقصد فيه يقين مدلوله و قد عرفت وجه العدول عن اختيار الآحاد إلى هذا آنفا

[أصل في الفور و التراخي‏]

قوله و جماعة

(8) منهم صاحب المفتاح و وافقهم في ذلك كل من قال بالتكرار لحصل ما هو المطلوب و هو استغراق الأوقات‏

قوله فيتوقف‏

(9) كما هو شأن الألفاظ المشتركة عند الإطلاق‏

قوله منهم المحقق‏

(10) و منهم أيضا مشاهير المخالفين كالحاجبي و الشافعي و الفخري و صاحب المنهاج‏

قوله لنا نظير ما تقدم‏

(11) يتوجه إلى هذا جميع ما قلناه فيما تقدم فلا يفيده‏

قوله مدلول الأمر طلب حقيقة الفعل‏

(12) أي فقط من غير دلالة على الفور و التراخي لا بحسب المادة و لا بحسب الصّيغة

قوله و أجيب عنه بأن ذلك إنما يفهم بالقرينة

(13) و بهذا يندفع أيضا ما احتج به صاحب المفتاح على الفورية حيث قال التبادر الفهم عند الأمر بشي‏ء بعد الأمر بخلافه إلى تغيير أمر الأول دون الجمع بين الأمرين و إرادة التراخي فإن المولى إذا قال لعبده قم ثم قال له قبل‏

72

أن يقوم اضطجع حتى المساء يتبادر الفهم إلى أنه غير الأمر بالقيام إلى الأمر بالاضطجاع لأنه أراد الجمع بين القيام و الاضطجاع مع تراخي أحدهما

قوله طلب السقي إنما يكون عند الحاجة إليه عاجلا

(1) حتّى لو علم عدم الحاجة لم يفهم التعجيل و لما حسن عده في العصاة لا يقال الأصل عدم القرينة لأنا نقول العادة حاكمة بوجودها و إلا فالعصيان ممنوع‏

قوله إذ أمرتك‏

(2) المراد بالأمر اسجدوا في قوله تعالى و إذ قلنا للملائكة كما مرّ فلا يرد أن البحث في الصيغة لا في لفظ الأمر

قوله و لو لم يكن للفور لم يتوجه عليه الذم‏

(3) الملازمة ممنوعة لأن قصد المخاطب بالترك في الموسع أيضا ممّا يوجب الذم سيما إذا كان ذلك القصد مقرونا بالتجبر و الاستكبار كما في هذا المقام بدليل أبى و استكبر و أنا خير منه و على هذا كيف يتمنّى منه أن يقول سوف أسجد و قد ذكرنا فيما تقدم ما يقوي هذا المنع فتذكر

قوله مقيد بوقت معين‏

(4) فليس بمطلق و النزاع إنما هو فيه‏

قوله و الدليل على التقييد

(5) لأنه رتب السّجود على هذه الأوصاف بفاء التعقيب و هي مقتضية للسّجود عقيبها من غير مهلة و لأنه رتب الأمر على الشرط و الشرط قد يكون سببا و علة للجزاء

قوله و أمّا انتفاء اللازم فلأنه ليس‏

(6) إلخ قيل هذا أيضا عائد إلى تكليف المحال لأن التأخير إلى وقت معين لا يعلمه أصلا لإيقاعه فيه و عدم التأخير عنه محال و لا نزاع في إمكانه أي إمكان التصريح بجوازه بأن يقول افعل و نفيت عنك الفور مع أن الدليل على عدم شرع التأخير جاز فيه بعينه و هذا نقض إجمالي‏

قوله و لو كان التأخير متعينا

(7) أي لو كان تأخير الفعل إلى آخر أزمنة الإمكان متعينا و لم يجز الإتيان به على الفور و هذا الجواب نقض تفصيلي لأنه يمنع الملازمة

قوله و هو الفعل المأمور به‏

(8) قال الآمدي لا نسلم أنه فعل المأمور به فإن دلالة الآية على وجوب المسارعة إلى سبب المغفرة و إنما هي من جهة الاقتضاء بدون المنطوق و الاقتضاء إلى عمومه له فلا دلالة لها على المسارعة إلى كل سبب للمغفرة و يختص بما اتفق على وجوب تعجيله من الأفعال كالتوبة و نحوها و لا يعم كل فعل مأمور به أقول و مما يدل على عدم عمومه أيضا أن فعل المندوب من أسباب المغفرة و لا يجب المسارعة إليه اتفاقا

قوله و إنما يتحقق المسارعة و الاستباق بأن يفعل بالفور

(9) الحصر ممنوع‏

73

فإن المسارعة و الاستباق أعم من الفور إذ الفور هو الإتيان بالمأمور به عقيب الأمر من غير مهلة و هما يتحققان في الموسع بالإتيان بكل فرد بالنسبة إلى فرد بعده اللهم إلا أن يقال ثبت وجوبهما و لم يقل أحد بوجودهما في غير الفور اتفاقا فثبت وجودهما في ضمنه و هو المطلوب قال قطب المحققين هذا الدّليل على تقدير تمامه إنما يدل على وجوب الفور شرعا و الكلام إنما هو في دلالة الصيغة عليه لغة فلا يتم التقريب و أجاب عنه صاحب النقود بأنه إذا ثبت ذلك شرعا ثبت لغة لأن الأصل عدم النقل‏

قوله لأنهما إنما يتصوران في الموسع دون المضيق‏

(1) قيل عدم تصورهما في المضيّق ممنوع فإن المسارعة و الاستباق الإتيان بالفعل من غير توان و لا منافاة بينهما و بين المضيق فلا يتم ما ذكره لصرف الأمر عن الوجوب و الجواب أنه لا يقال لغة و لا عرفا لمن قيل له صم غدا فصام إنه سارع أو استبق و التواني لا يكون إلا عند إمكانه و هو في المضيق غير ممكن‏

قوله و إلا لكان مفاد الصيغة فيهما منافيا لما يقتضيه المادة

(2) لأن مفاد الصيغة و هو الوجوب يقتضي عدم جواز تأخير المأمور به و مقتضى المادة أعني المسارعة و الاستباق جواز تأخيره فبينهما منافاة و ذلك غير جائز

قوله فتأمل‏

(3) قال في الحاشية وجه التأمّل أن حمل سارعوا على الندب مجاز و يمكن أيضا أن يكون بادروا ورد دليلا للفورية فتعارض المجازان و لعلّ الأول أرجح لأصالة عدم الفورية انتهى أقول لو لم يكن هذا لقلت وجهه أن مفاد صيغة الأمر في الآيتين على تقدير حملها على الوجوب و هو الظن بفورية المأمور به دون القطع لأن هذا الدليل ظني و الظن بها لا يفتقر عدم جواز تأخيره ضرورة أن نقيض المأمور به دون القطع لأن الدليل ظن و المظنون محتمل و إن كان مرجوحا و هذا القدر كاف لصحة استعمال المسارعة و الاستباق لأنهما يقتضيان جواز التأخير مطلقا فلا منافاة بين مفاد الصيغة و مقتضاهما فليتأمّل‏

قوله إنما يقصد الزمان الحاضر

(4) لا يرد عليه أن كون كل مخبر و كل منشئ غير قاصد إلاّ الحال ممنوع لعدم جريانه في نحو قام زيد و سيقوم و هل قام مما قصد فيه الماضي أو الاستقبال لأن الكلام في المجرد عن القرائن و تلك الأمثلة مقترنة بها كالصيغة و السين و نحوهما نعم يرد عليه أولا أن القول‏

74

بأن القائل زيد قائم غير قاصد إلا إياه مبني على أن اسم الفاعل لا يطلق حقيقة على من لم يتلبس بالفعل و هو ممنوع و ثانيا أن دلالة الاسمية على الزّمان ممنوعة قال الشيخ عبد القاهر المقصود من الأخبار إن كان هو الإثبات المطلق فينبغي أن يكون بالاسم و إن كان الغرض لا يتم إلا بإشعار زمان ذلك الثبوت فينبغي أن يكون بالفعل و قال في موضع آخر موضوع الاسم على أن يثبت به الشي‏ء للشي‏ء من غير اقتضائه أنه يتجدد و يحدث شيئا فشيئا فلا تعرض في زيد منطلق لأكثر من إثبات الانطلاق معللا له و هذا الكلام صريح في أن الاسمية لا تدل على الزّمان أصلا و لو سلم فلا نسلم أن الدلالة بحسب الوضع فالمستفاد من القياس على تقدير صحته أن الأمر يدل على الحال و أما أن الدلالة بحسب الوضع فلا يتم التقريب و لو سلم فغاية ما في الباب أن الاسمية دالة بحسب الوضع أن مضمونها وقع في الحال و حينئذ فالمستفاد من القياس أن مضمون الأمر أعني طلب الفعل وقع في الحال و لا يدل على أن ذلك الفعل المأمور به لا بد من أن يقع فيها فلا يتم المقصود

قوله فكذلك الأمر إلحاقا له بالأعم الأغلب‏

(1) لا يرد عليه ما أورده بعض الأفاضل من أن زيدا قائم خبر و الأمر إنشاء و بينهما مباينة كلية فلا يصح قياس أحدهما على الآخر لأن مدار صحة القياس على الاشتراك في العلة و العلة هاهنا أعني كونه كلاما مجردا عن القرائن مشتركة و قد مرّ مثله‏

قوله قياس في اللغة

(2) أورد عليه بعض المحققين بأن إلحاق الفرد بالأعمّ الأغلب ليس قياسا إذ لا يعتبر فيه كون المقيس عليه أعم أو أغلب و أجاب بأن إثبات اللغة إنما يكون بالنقل و الاستقراء و إلحاق الفرد فيه ليس اختلافا فيهما فإن قلت يمكن إدخاله في الاستقراء يعني استقرينا فما رأينا من الكلام وجدنا دالا على الحال متنازع فيه فلا يتم الاستقراء

قوله و بطلانه بخصوصه ظاهر

(3) أي بطلان القياس في اللّغة بخصوصه ظاهر و إن قلنا بجوازه في الأحكام و قد مرّ مثله‏

قوله لا يمكن توجّهه إلى الحال‏

(4) بخلاف غير الأمر فإنه متوجه إلى الحال كوقوع الطلاق في قوله أنت طالق فإنه لا يتأخر عن التلفظ بهذه الصيغة قيل المراد بالزمان الزمان الحاضر في الدليل ليس هو الآن الحاضر الذي لا ينقسم بل أجزاء متعاقبة من أواخر الماضي و أوائل المستقبل داخل فيه و الجواب أن الحال بهذا المعنى محدود

75

بأوّل الكلام و آخره و الواقع في هذه الظرف إنما هو مضمون الأمر أعني الطّلب دون المطلوب و إلاّ لزم تحصيل الحاصل بل المطلوب خارج عنه متصل به بناء على الفور و هو استقبالي قطعا و لم يقع في شي‏ء من أجزاء الزّمان الحاضر لو كان للفور و الفور عبارة عن الإتيان بالفعل في الزّمان المستقبل بزمان الأمر

قوله إما مطلقا

(1) أي إمّا استقبالا مطلقا سواء كان متعقبا للحال و هو الفور أو غير متعقب و هو التراخي‏

قوله و أيضا

(2) إنما عد هذا مع السّابق دليلا واحدا مع أنه أمكن جعلهما دليلين لأنهما مبنيان على أمر واحد و هو النهي يفيد الفور

قوله و هو يقتضي الفور

(3) أي النهي يقتضي الانتهاء عن المنهي عنه على الفور و هو يتوقف على فعل المأمور به على الفور فكان الأمر مقتضيا على الفور

قوله و جوابه يعلم من الجواب السّابق‏

(4) أما الجواب عن الأول فبأنه قياس في اللغة و بالعرف من وجهين و أما عن الثاني فيمنع أن الأمر بالشي‏ء نهي عن ضدّه و مع التنزل فبأن النهي بحسب الأمر فورا و غير فور

قوله احتج السيد

(5) على مذهبه و هو أن الأمر مشترك بين الفور و التراخي لفظا

قوله لا يحسن إلا مع الاحتمال في اللفظ

(6) لأن اللفظ لو اختص بأحدهما أو بالقدر المشترك لتبادر ذلك إلى الفهم فلا يحتاج إلى الاستفهام‏

قوله و الجواب أن الذي‏

(7) إلى آخره جواب عن دليله الأول توضيحه أن ظاهر استعمال اللفظ في شيئين إنما يقتضي أن يكون حقيقة فيهما إذا تساوت نسبتها إليهما أما مع التفاوت بالتبادر و عدمه فلا و قد بينا أن المتبادر إنما هو طلب الفعل و أنت خبير بأن هذا الجواب لا يتمشى على الفور يمكن إخراج جوابه عن هذا

قوله و يكفي في حسن الاستفهام‏

(8) نقض تفصيلي يمنع قوله و الاستفهام لا يحسن إلا مع احتمال اللفظ هذا الجواب أيضا لا ينافي عند القائلين بالفور و لكن يمكن استنباطه أيضا قوله‏

[فائدة]

إذا قلنا بأن الأمر للفور إلى آخره‏

(9) اعلم أنا إذا قلنا بأن الأمر يجوز فيه التراخي فلا نزاع في أنه إن فات في أول أوقات الإمكان وجب الإتيان به في غيره بمقتضى ذلك الأمر و أما إن قلنا بأنه للفور فإما أن يكون هناك دليل على وجوب الإتيان به في غيره إن فات أو دليل على عدم وجوبه فلا نزاع حينئذ في وجوب الإتيان به على الأول و عدمه على الثاني إلا أن ذلك الأمر خارج عن محل النزاع و إمّا أن لا يكون هناك دليل أصلا لا على هذا و لا على ذلك و هذا محل النزاع فمنهم من قال بوجوب الإتيان‏

76

به بمجرد ذلك الأمر و منهم من قال بعدم وجوبه و ثمرة الخلاف أن الأمر إذا صدر من الشارع ثم فات المأمور به فإن الأصل فيه القضاء على الأول حتى يصدر منه ما يدلّ على عدمه و الأصل فيه عدم القضاء على الثاني حتى يصدر منه ما يدل على وجوبه‏

قوله احتجّوا للأوّل‏

(1) إلى آخره أقول دلالة هذا الدليل بظاهره على نفي الفور أظهر من دلالته على وجوب الإتيان بالمأمور به بعد فوات الفور و إنّما قلنا بظاهره لأنه يمكن تقريره على وجه ينطبق على المطلوب من وجهين أحدهما أن الأمر كان للفور كان مقتضاه كون المأمور فاعلا لذلك الفعل في هذا الوقت و هذا مقيد و المطلق أعني كون المأمور فاعلا على الإطلاق جزء منه و الأمر للمركب أمر بكلية واحد من أجزائه فالمطلق من مقتضيات الأمر و من مقتضياته أيضا القيد و بفوات الثاني لا يفوت الأوّل و ذلك لا يوجب تعلقه به بالاستقلال و ذلك أن خصوص القيد يجوز أن يكون له مدخل في حصول ما يرجح تعلق الأمر به من جهة الحسن و المصلحة فبفواته يفوت المرجح و بفوات المرجح ينتفي الأمر و ثانيهما ما أشار إليه المصنف بعيد هذا و هو أن مقتضى الأمر إنما هو طلب الفعل على الإطلاق و الفور ليس من مقتضياته حتى ينتفي الأمر بانتفائه بل وجوب الفور إنما نشأ من دليل آخر كوجوب المسارعة و الاستباق فإذا فات ما ليس من مقتضيات الأمر لا يلزم منه فوات مقتضاه بل يجب استمراره‏

قوله يجري مجرى قوله إلى آخره‏

(2) و ذلك لأن الأمر لو كان للفور و الفور عبارة عن الإتيان بالفعل في الزمان المتصل بزمان الأمر كان قوله افعل يجري مجرى أن يقول افعل في الزمان المتصل بزمان التكلم‏

قوله فالمسألة لغوية

(3) لأن بناها على أن افعل هل هو موضوع لغة لهذا أو لذلك‏

قوله فكان الواجب أن يبحث عنه‏

(4) لأن كل ذي مذهب إذا بنى مذهبه على أمر غير ضروري وجب عليه بيانه ليثبت مذهبه و الفريقان لم يتعرضوا لبيانه نفيا أو إثباتا و

قوله التحقيق في ذلك‏

(5) أي في أن المكلف إذا لم يأت بالمأمور به في أول أوقات الإمكان هل يجب الإتيان به في الثاني أم لا

قوله و لا ريب بفواته في فوات وقته‏

(6) لأن الوجوب إذا كان في وقت بفوات ذلك الوقت و حاصله أن المعتبر حينئذ هو المقيد من حيث هو مقيد و لا ريب في انتفائه عند انتفاء القيد و لا يجوز لهم أن يقولوا أمرنا بالفعل و بتخصيصه بوقت و بفوت‏

77

الثاني لا يفوت الأول لأنا قد ذكرنا ما يدفع هذا القول على أن المأمور به و إن كان متعدّدا عقلا لكن التعدد فيه خارجا ممنوع لجواز أن يكون بسيطا يعبر عنه بذلك المركب بل الحق هذا كما قال الحكماء إن النوع الإضافي و إن كان مركبا في الذهن من الجنس و الفصل لكنه لا تركيب فيه في الخارج و إلا لامتنع حمل الجنس و الفصل عليه لأن الحمل يقتضي اتحاد الموضوع و المحمول في الوجود الخارجي لئلا يكون حكما باتحاد الاثنين فيكذب و تغايرهما في الوجود العقلي ليفيد

قوله و إيجاب المسارعة و الاستباق لم يصيّره موقتا

(1) نظير ذلك وجوب الحج فإنه مدلول الآية مطلقا و النصوص خصصته بالفور و إذا عصى المكلّف بتركه أولا وجب الإتيان به ثانيا كما هو مقتضى الآية

قوله فينبغي حينئذ القول بسقوط الوجوب‏

(2) فيه نظر لأن كل من قال بالتكرار قال بالفور كما ذكرناه سابقا و صرح به الأصوليون و على هذا لا يستقيم القول بسقوط الوجوب عند كل من قال بالفور اللهم إلا أن يقال الفور عندهم مستفاد من خارج لا من مجرد الصّيغة فهو داخل في قوله و من اعتمد على الأخيرة فحينئذ يرد أن العموم المستفاد من قوله و الذي يظهر من كلامهم إرادة المعنى الأول ممنوع‏

[أصل في مقدمة الواجب‏]

قوله على أن الأمر بالشي‏ء مطلقا

(3) ما يتعلق به الأمر إمّا مطلق و هو على ما عرّفه بعضهم ما لا يتوقف تعلق الأمر به على مقدمة وجوده من حيث هو كذلك و إما مقيد و هو بخلافه و إنما اعتبر الحيثية لجواز أن يكون الشي‏ء مطلقا بالنسبة إلى الأجزاء كالصلاة فإنها مطلقة بالنسبة إلى الطهارة و مقيّدة بالنسبة إلى الوقت و القدرة و الحيثية معتبرة في تعريف الإضافات كما صرح به الشيخ في الشفاء في بحث الجنس و الفصل إذا عرفت هذا فنقول قوله مطلقا احتراز عن المقيد فإنّ الأمر بالزكاة و الحج و الصلاة مثلا لا يقتضي إيجاب مقدماتها التي لها مدخل في تعلق الأمر بها كالنصاب و الاستطاعة و الوقت اتفاقا

قوله يقتضي إيجاب ما لا يتم إلا به‏

(4) فيجب تحصيله و يذم على تركه و إنما لم يقل أمر بما لا يتم إلا به لئلا يتوهم أن الأمر بالشي‏ء نفس الأمر بمقدّماته في الحقيقة دونه لأنه لو سلّم ذلك فإنما هي في السبب لا مطلقا كما ستعرفه‏

قوله شرطا كان أو سببا أو غيرهما

(5) المراد بالشرط هو الشرط الشرعي و هو ما يتأتى الفعل بدونه عقلا و عادة إلا أنّ‏

78

الشارع جعله شرطا لإيقاعه على وجه المشروع كالوضوء للصلاة و المراد بالسبب ما يلزم من وجوده وجود شي‏ء و من عدمه عدمه و هو المعتبر عنه بالعلة التامة كالصعود للكون على السطح و الإطعام للإشباع و المراد بغيرهما المقدمات العقلية و العادية أما الأولى فهي ما لا يتأتى الفعل بدونه عقلا و يسمّى شرطا عقليا أيضا كنصب السّلم للصعود و كترك جميع الأضداد في الواجب و فعل ضد واحد في الحرام و أما الثانية فهي ما لا يتأتى الفعل بدونه عادة و يسمى شرطا عاديا أيضا كغسل جزء من الرأس لغسل الوجه كله و ستر جزء من الوجه لستر الرأس كله و إنما أتى بقوله أو غيرهما مع أن ذلك الغير أيضا شرط كما عرفت و لم يرد بقوله شرطا مفهوم الأعم الشامل للثلاثة احتراز عن إيهام تخصيص الشرط بالشرعي و إخراج غيره و تصريحا لإدخال ذلك الغير

قوله مع كونه مقدورا

(1) احترز به عما لا يكون مقدورا فإن الأمر لا يقتضي إيجابه لأن التكليف بما لا يطاق محال كالصلاة فإن الأمر بها لا يقتضي إيجاب الوضوء إذا لم يكن مقدورا لعدم الماء أو لعدم القدرة على استعماله بل يقتضي إيجاب بدله و هو التيمم و إن لم يكن مقدورا لم يقتض شيئا منهما و فيه نظر لأن إيجاب الصّلاة إما أن يكون باقيا مع عدم القدرة بالطهارة أصلا أو يكون زائلا فعلى الأول يلزم التكليف بما لا يطاق لأن وجود ذي المقدمة مع امتناعها محال و على الثاني يلزم أن لا يكون ما كان واجبا مطلقا واجبا مطلقا بل مقيدا و هو أيضا باطل ثم أقول أنت خبير بأن الكلام في مقدّمات المطلق فقوله مع كونه مقدورا مستدرك إذ المطلق بالنسبة إلى غير المقدور مقيد لا مطلق فليس للمطلق من حيث هو مقدمة غير مقدورة حتى يحتاج في إخراجها إلى هذا القيد

قوله و خالف في غيره‏

(2) أي مطلقا سواء كان ذلك الغير شرطا شرعيا أو عقليا و عاديا و هنا مذهبان آخران لم يذكرهما المصنف أحدهما أنه لا يجب شي‏ء منهما سببا كان أو غيره و ثانيهما أنه يجب الشّرط الشرعي دون غيره‏

قوله و اشتهرت حكاية هذا القول‏

(3) و العلامة من أهل تلك الحكاية

قوله و لكنه يوهم ذلك في بادي الرأي‏

(4) البادي يجوز أن يكون بالهمزة من بدأ و بغيرها من بدا إذا ظهر أي و لكن كلامه في الكتابين يوهم ذلك القول في‏

79

في أوّل حدوث رأيهم و في ظاهر حدوث رأيهم و أراد بذلك أن هذا القول شي‏ء عن لهم بملاحظة ظاهر الكتابين من غير دقة و تأمّل فيهما يعرّفوا أنه يقول بوجوب جميع مقدمات المطلق سببا كان أو غيره‏

قوله و قال في جملته أن الأمر في الشريعة ورد على ضربين‏

(1) إلخ بيّن السيد (قدّس سره) أن الواجب على قسمين مقيد و مطلق و أنّ ما يتوقف عليه الأول أعني مقدمات الوجوب غير واجب بخلاف ما يتوقف عليه الثاني أعني مقدمات الفعل و الوجود فإنه واجب مطلقا سببا كان أو غيره و حيث حكم في الضرب الثاني بوجوب مقدمات الفعل على سبيل العموم و أما ذكر الصلاة و الوضوء فعلى سبيل التمثيل و لأنه لم يقل أحد بوجوب غير السبب دونه على ما هو المعروف في الأصول و من هنا ظهر أن كلامه في الكتابين غير مطابق للحكاية فحينئذ نقول ليس مقصوده من التفصيل أن السّبب واجب دون غيره لتناقض أوّل كلامه آخره بل المقصود من أن الأمر المتعلق بالمسبب ظاهرا متعلق بالسبب في الحقيقة بخلاف الأمر المتعلق بذي الشرط فإنه متعلق به و بالشرط جميعا و الغرض منه دفع ما يتوهم من إطلاق العامة أن الأمر بالشي‏ء أمر بما لا يتم إلا به و هو أن الأمر بذي المقدمة مطلقا سببا كان أو غيره نفس الأمر بالمقدمة لا به و على هذا لا تناقض بين كلامه و فيه نظر من وجهين أحدهما أن هذا التناقض و إن اندفع بذلك التوجيه لكن تحقق التناقض بوجه آخر لأن التفصيل بهذا المعنى يناقض ما صرّح به في الضرب الثاني من أن الأمر متعلّق بالمجموع مطلقا و ثانيهما أنه يمكن حمل التفصيل على ظاهره كما فهمه الحاكي و حمل قوله و الأمر ورد في الشريعة إلى آخره على بيان محل النزاع و توضيح ذلك أن إطلاق العامة يشعر بأن النزاع في وجوب مقدمة الواجب على الإطلاق سواء كان ذلك الواجب مقيّدا أو مطلقا كما يشعر به قوله و إذا انقسم الأمر في الشرع إلى قسمين فكيف تجعلهما قسما واحدا فبين (قدّس سره) أن الواجب على ضربين مقيد و مطلق و النزاع إنما هو فيما يتوقف عليه الثاني دون الأوّل فلا يصحّ جعل الجميع محلّ النزاع نعم ظاهر قوله و الضّرب الآخر يجب فيه مقدّمات الفعل دلّ على أن ذلك مذهبه و ليس المراد ذلك بل المراد أنها تجب عند القائلين بالوجوب و الأمر في ذلك هيّن و على هذا لا تناقض أصلا و صحت الحكاية

قوله و فرّق في ذلك‏

(2) بين السّبب و غيره مقصود السيد على ما فهمه المصنف بيان أن مقدمة

80

المقيد لا يجوز أن يكون من قبل الأسباب لأن الأمر به إنما يكون بعد تحقّقها و هي إن كانت سببا يستلزم وجوده فالأمر به حينئذ أمر بالموجود و أنه ممتنع و أما مقدمة المطلق فإنها أعم من أن يكون سببا أو غيره لأن الأمور يصح مع وجودها و عدمها فيصحّ أن يكون مقدّمة من قبيل الأسباب و على ما فهمه الحاكي بيان الفرق في مقدمة الضرب الثاني الذي هو محل النّزاع بين السبب و غيره و أوجب الأوّل لأن الأمر بالمسبّب إنما هو في حال عدم السبب لامتناع طلب الحاصل و المسبب حال عدم سببه ممتنع فالأمر به يتعلق بالسبب حقيقة لأنه المقدور دون الثاني لأن ذا الشرط لما لم يلزم وجوده عند وجود شرطه بل جاز وقوعه و عدم وقوعه كان مقدورا فالأمر يتعلق به لا بشرطه و الّذي عدل به المصنف عن تفسير الحاكي أمور الأوّل لزوم التناقض بينه و بين معتقده في الضرب الثاني من وجوب جميع مقدّماته الثاني جعل التكليف مشروطا بشرط و ظاهر أن الشّرط المصحح للتكليف هو شرط الوجوب دون الوجود الثالث أن هذا خارج عن محل النزاع على تفسيره إذ هو فيما يتوقف عليه الواجب المطلق دون المقيّد و الواجب هنا مقيّد فبيان أن مقدمته غير واجبة خارجة عن محل النزاع و الرابع أن الشرط و السبب متساويان في امتناع وجود الواجب بدونهما و هو مناط وجوب السبب بأمر المسبب و لا دخل لاستلزام وجوده فينبغي أن يكون مناط في وجوب الشّرط أيضا فالفرق المذكور غير مؤثر في وجوب أحدهما دون الآخر الخامس قوله بخلاف مقدّمات الأفعال فإنّ المناسب على تفسيره أن يقول بخلاف غيره أقول قد عرفت دفع الأول بما مرّ و يمكن الجواب عن الثاني بأن التكليف غير مشروط إذا المعنى أنه لا يجوز أن يوجب علينا مع السبب شرط و هو اتفاق وجود المسبب بخلاف الصلاة فإنه يجوز أن يكلفنا بها مع شرط و هو وجود الطّهارة و لا يلزم منه أن يكون التكليف مشروطا بشرط و المؤيد لهذا أن الطّهارة ليست شرطا للتكليف بالصلاة بل هي مشروط لوجودها على الوجه المشروع فكيف يصح أن يجعلها شرطا للتكليف و بهذا يندفع الثالث أيضا و عن الرابع بأنه جعل كمال اللزوم مناطا للوجوب و ظاهر أنه يتحقق في السبب إذ المسبّب دائر معه وجودا

81

و عدما دون الشرط و الحاصل أن عدم تعلق القدرة بالمسبب مطلقا و تعلقها بالمشروط في الجملة فارق و هذا القدر كاف في تعلق الأمر بالمشروط دون المسبّب في الحقيقة و عن الخامس بأن قرينة المقابلة دلّت على أنّ المراد بالمقدّمات غير السبب من الشروط فليتأمّل‏

قوله بخلاف مقدّمات الأفعال‏

(1) تقريره على رأي المصنف حيث جعل الشرط شرطا في التكليف أن تعليق التكليف بالمسبب محال لما مرّ بخلاف تعليقه بالشرط فإنه يجوز أن يكلفنا بالصّلاة بشرط اتفاق وجود الطّهارة و مقتضاه أن التكليف بالصّلاة حينئذ مشروط بالطهارة فبدونها لا يجب شي‏ء منهما و معها تجب الصّلاة دون الطهارة فوجوب الصلاة مقيد بالنسبة إلى الطهارة كوجوب الزكاة و الحجّ فإنه مقيد بالنسبة إلى النصاب و الاستطاعة و فيه نظر لأن هذا مناف لما في الضّرب الثاني من أن الطّهارة شرط لوجود الصلاة لا لوجوبها و الفرق بين الضربين من أنّ وجوب الزكاة و الحج مقيّد و وجوب الصلاة مطلق و أجاب عنه ولده (قدّس سره) بأن كلام السيّد (رحمه الله)ه بعد بيانه سابقا أن الطّهارة شرط لوجود الصلاة دون الوجوب لا يقتضي كون وجوب الصلاة مشروطا بالطهارة و أن غرضه هاهنا أن التكليف بالشرط و المشروط ليس على حد التكليف بالسبب و المسبب لامتناع انفكاك أحدهما عن الآخر بخلاف الشرط دون السبب غاية ما في الباب أنه جعل الصلاة بالنسبة إلى الطّهارة من أمثلة المقيدة فرضا و تقديرا و تقريره على رأي الحاكي أن إيجاب المسبب يقتضي إيجاب سببه لما مر بخلاف إيجاب المشروط كالصلاة فإنه لا يقتضي إيجاب شرطه كالطهارة لأن المشروط في حال وجود شرطه مقدور لنا لجواز وقوعه و عدمه فالأمر يتعلق به لا بشرط فليتأمّل في هذا المقام فإن كلام السيّد معقد غاية التعقيد و الرشاد في الأمور إلى الله الحميد

قوله و بنى على هذا

(2) إلى آخره أي بنى على أن ما يتوقف عليه المقيد لا يكون واجبا نقض استدلال المعتزلة على وجوب نصب الإمام على الرعية بأن إقامة الحدود واجبة عليهم و هي لا تتم إلا بنصب الإمام فنصب الإمام واجب عليهم تقرير النقض أنا لا نسلم أن وجوب إقامة الحدود عليهم بالنسبة إلى نصب الإمام مطلق لجواز أن يكون مقيدا و مقدمة المقيد ليست بواجبة و أقول على تفسير الحاكي سلمنا و لكن لا نسلم أن نصب الإمام سبب لجواز أن يكون شرطا و مقدمة المطلق إذا كانت شرطا

82

ليست بواجبة

قوله و هذا كما تراه ينادي‏

(1) إلى آخره أي قوله بوجوب مقدمة المطلق مطلقا ينادي بأنه مغاير لما هو المشهور في كتب الأصول من الحكاية عنه و قيل جعل الصلاة و نحوها مما هو واجب مطلق بالنسبة إلى مقدماته واجبا مشروطا ينادي بالمغايرة لما هو المعروف في الكتب المشهورة من أنها واجب مطلق و يقرب منه ما نقل عنه ولده (قدّس سره) من أن وجه المغايرة كون كلام الأصوليين يقتضي الحكم بالوجوب المطلق و إنما اختلفوا في وجوب المتوقف عليه و كلام السيّد يقتضي عدم الحكم بوجوبه إلا عند اتفاق وجود مقدمة فبدونها لا يكون واجبا و لا هي واجبة انتهى ما أفاده (قدّس سره) في الدروس‏

قوله و ما اختاره السيّد

(2) إلى آخره أي ما اختاره السيد في هذا الأصل من أن الأمر بالمسبب بعينه أمر بالسبب وحده محل تأمّل و إرجاع ضمير فيه إلى الموصول يأباه لفظ المحل و كان وجه التأمّل ما يشير إليه بعد سطرين و الأولى أن يقال ما اختاره السيّد في نقض استدلال المعتزلة محل تأمّل و كان وجه التأمّل أن اللازم من هذا النقض أن إقامة الحدود لا يجب إلا بعد نصب الإمام و ليس كذلك لأنها واجبة نصب الإمام أولا غاية ما في الباب أنها لا تقع و لا تتصور إلا عند نصب الإمام و أنت خبير بأنّ التأمّل على التوجيه الأخير إنما يحتاج إليه إذا جعل النقض مبينا على ما فهمه المصنف من مذهبه و أمّا إذا جعل مبينا على التفصيل الذي فهمه الحاكي فلا

قوله في المعنى المعروف‏

(3) و هو القول بوجوب السبب دون غيره من الشّروط

قوله خلاف يعرف‏

(4) إنما وصف الخلاف بذلك لأن أصل الخلاف موجود كما ستعرفه بل ادعى بعضهم فيه الإجماع ادعى السيّد المرتضى (قدّس سره) و قطب المحققين في شرحه على المختصر الحاجبي و المحقق التفتازاني الإجماع في وجوب السّبب‏

قوله و إن القدرة غير حاصلة مع المسبّبات‏

(5) أي وحدها بل هي حاصلة معها بتوسط الأسباب فصح الحكم بالبعد المذكور و صحّ الإضراب أيضا إذ المراد بقوله لعدم تعلق القدرة بها عدم تعلقها بها أصلا لا وحدها و لا بتوسط الأسباب‏

قوله فيبعد تعلق التكليف بها وحدها

(6) إشارة إلى أن تعلق التكليف بها وحدها جائز عقلا لكونها مقدورة في الجملة و لكنه مرجوح و مستبعد و الراجح تعلقه بهما لأن الظاهر يقتضي أن يكون تعلق التكليف بها على نحو تعلق القدرة بها فكما أن تعلق القدرة بها بواسطة

83

تعلقها بأسبابها فكذا تعلق التكليف بها على نحو تعلق القدرة بها فكما أن تعلق القدرة بها بواسطة تعلقه بأسبابها

قوله أما بدون الأسباب‏

(1) إلخ توضيحه أن المقدور لا بد من أن يكون كل واحد من فعله و تركه ممكنا و المسببات ليس كذلك لأن فعلها ممتنع و تركها واجب عند عدم الأسباب و بالعكس عند وجودها و فيه نظر لأن امتناع الفعل بالغير لا ينافي إمكانه بالذات و هو المصحح لتعلق القدرة و النظر الذي أورده المصنف يئول إلى هذا

قوله فالواجب حقيقة هو

(2) أي هو وحده دون المسبب أيضا

قوله و هذا الكلام‏

(3) أي القول بأن الوجوب في الحقيقة لا يتعلق بالمسببات‏

قوله و هذا القدر كاف‏

(4) إلى آخره أي تعلق القدرة بالمسبّبات بتوسط الأسباب كاف في جواز التكليف بها وحدها و إن كان مستبعدا ثم إن انضمام الأسباب إليها في التكليف و الحكم بوجوب كل واحد منهما يرفع هذا الاستبعاد و على التقديرين لم يثبت ما ادّعاه المستدل من أن الواجب هو الأسباب وحدها

قوله و من ثم‏

(5) أي من أجل أن القدرة تتعلق بالمسببات بتوسط الأسباب و هذا القدر كاف في جواز التكليف بها حكى بعض الأصوليين عن بعضهم القول بعدم وجوب السبب أيضا كالشرط و الحاكي و هو صاحب المفتاح حيث قال فيه وجوب الشي‏ء يوجب وجوب ما لا يتم إلا به و كان مقدورا و قيل بوجوب السبب دون الشرط و قيل لا فيهما و مثله عبارة الحاجبي في المنتهى و قريب منه عبارته في المختصر

قوله لكنه غير معروف‏

(6) الضمير عائد إلى القول و إلى البعض الأخير

قوله لأن تعليق الأمر

(7) إلى آخره علل لقلة النفع في البحث عن السبب بوجهين أحدهما أن الأمر بالمسبب نادر فالبحث عن سببه ليس له نفع كثير لقلة موارده و ثانيهما أن أثر الشك في وجوب السبب بيّن لما عرفت من أن القول بعدم وجوبه غير معروف بل كاد أن يكون وجوبه إجماعيا فلا وجه لجعله مناطا للبحث و لا تقع لأخذه محلا للنزاع‏

قوله قول المفصّل‏

(8) و هو أنّ إيجاب المشروط غير مستلزم لإيجاب شرطه‏

قوله بواحدة من الثلاث‏

(9) أما عدم دلالتها عليه بالمطابقة و التضمن فظاهر لأن إيجاب الشرط ليس عين إيجاب المشروط و لا جزؤه و أما عدم دلالتها بالالتزام فلانتفاء اللزوم الذهني و هو كون إيجاب المشروط بحيث يلزم من العلم به العلم بإيجاب الشرط ضرورة أنا نعلم إيجاب المشروط مع الذّهول عن إيجاب شرطه و فيه نظر لأن هذا إنما يدل على أن بين الإيجابين‏

84

لزوم بين لا على أن بينهما ليس لزوم أصلا لجواز أن يستنبط من إيجاب المشروط إيجاب الشرط و تحقق الذهول لا ينافيه إذ اللزوم عند الأصوليين أعم من البيّن و غيره أ لا ترى أنهم جعلوا دلالة الإشارة من أقسام الالتزام مع أنهم صرّحوا بأنه لا قصد و لا شعور فيها على أنّ عدم تحقق اللّزوم البيّن في الشرط الشّرعي ممنوع لأن الشارع إذا جعل الشي‏ء شرطا للفعل ثم أمر بذلك الفعل فقد أمر به من حيث إنه مشروط بذلك الشي‏ء فيفهم عند طلب ذلك الفعل طلب ذلك الشي‏ء أيضا

قوله و لا يمتنع عند العقل‏

(1) تصريح الأمر بأنه غير واجب قال في الحاشية كان يقول أوجبت عليك الحج فإن تركته استوجبت العقاب على تركه لا على عدم قطع المسافة و كن على السطح فإن خالفت عوقبت على ترك الكون لا على عدم نصب السلّم انتهى و فيه نظر لأن جواز التصريح بعدم وجوبه و عدم جوازه في قوة المتنازع فيه إذ كل من قال بالوجوب قال بعدم جواز التصريح بعدمه و كل من قال بعدم الوجوب قال بجواز التصريح بعدمه فصار جواز التصريح و عدمه من محل النزاع فلا يسمع دعوى أحدهما بلا بيّنة و دعوى الضّرورة في محل النزاع جرى بعدم السّماع على أنه لو صح ذلك فإنما يصح في غير الشرط الشرعي و أما فيه فلا و إلا لم يكن شرطا شرعيا و اعترض بعض المحققين بأن صحة التصريح بعدم الوجوب لا ينافي ظهور الوجوب عند عدم التصريح لأنه يجوز التصريح بخلاف الظاهر انتهى أقول ليس غرض المستدل من تقرير هذه المقدّمة نفي ظهور الوجوب بل غرضه نفي اللّزوم بين إيجاب المشروط إيجاب الشّرط كما هو الظاهر من سياق دليله و لا شبهة في أن صحة التصريح بعدم وجوب الشرط ينافي لزوم وجوبه بوجوب المشروط

قوله و لو كان مقتضيا لوجوبه لامتنع التصريح بنفيه‏

(2) و لو كان وجوب المشروط مستلزما بوجوب شرط لامتنع التصريح بنفي وجوب الشرط و اللازم باطل فالملزوم مثله أما الملازمة فبينة لأن التصريح بالنّفي مناقض للحكم باللزوم و أما بطلان اللاّزم فلما مرّ من المقدّمة الممهّدة و قد عرفت ما فيه‏

قوله ممتنع‏

(3) و التكليف بالممتنع تكليف بما لا يطاق‏

قوله خرج الواجب عن كونه واجبا مطلقا

(4) لأن وجوبه إذا زال بزوال مقدمته لزم أن يكون مقيدا بالنسبة إليها و المفروض أنه مطلق‏

قوله لا يرتابون في ذم تارك المقدّمة

(5) مطلقا و هم يتمثلون لذلك بأن السيد إذا أمر عبده بالكتابة أو بفتح‏

85

الباب و هو يقدر على تحصيل القلم و المفتاح فيعتذر لعدم الكتابة و الفتح بفقد القلم و المفتاح و لا شك في أن العقلاء يذمونه على عدم تحصيلها و يدّعون أن إنكار ذلك مكابرة

قوله و الجواب عن الأوّل‏

(1) إلخ يعني و الجواب عن الاحتجاج الأوّل أنا نختار الشقّ الأوّل من الترديد و هو أن الواجب ينبغي واجبا عند ترك مقدمة و نمنع ما ذكر لإثبات استلزامه التكليف بما لا يطاق من أن حصوله حال عدم ما يتوقف عليه ممتنع فنقوله الحصول الذي كان متوقفا على مقدمة و كان مقدورا كيف يصير ممتنعا عند تركها الذي باختيارنا و قدرتنا حتى يلزم من التكليف به تكليف بما لا يطاق نعم لو كان حصوله متوقفا على مقدمة و لم يكن عدمها باختيارنا لزم ذلك كما إذا كان الوضوء متوقفا على آلة الماء و هي معدومة لا باختيارنا و لسنا نقدر على إزالة ذلك العدم فإن التكليف به حينئذ باطل تكليف بما لا يطاق و لكن مثل هذا ليس بمحل النزاع إذ هو في مقدّمية الوجود دون الوجوب و قوله البحث إنما هو في المقدور دفع لما عسى أن يتوهم في الجواب من أنه ليس بسديد إذ بناؤه على مقدورية ذي المقدّمة و هي باطلة عند المستدل فلا يصح بناءه عليها تقرير الدّفع أن البحث عن وجوب المقدّمة و عدم وجوبها إنما هو فيما إذا كان ذو المقدمة مقدورا كما يشعر به عنوان المسألة حيث اعتبروا أوّلا كون كلّ واحد من الواجب و مقدمته مقدورة بعد ذلك اختلفوا في وجوب المقدّمة فالمستدل أيضا قابل بمقدوريته إلا أنه يقول يصير ممتنعا على تقدير عدم وجوب المقدّمة و المجيب يمنع ذلك كما عرفت‏

قوله و تأثير الإيجاب في القدرة غير معقول‏

(2) و هو بالنصب عطف على المقدور الأول أي و الجواب عن الأول بعد القطع ببقاء الوجوب أن تأثير إيجاب المقدمة في القدرة على ذي المقدّمة غير معقول لأن إيجابها متوقف على إيجابه و إيجابه متوقف على القدرة عليه فلو كانت القدرة عليه متوقفة على إيجابها و أثرا من آثاره لزم الدور حينئذ نقول حصول ذي المقدمة عند جواز عدم المقدمة المبتني على نفي إيجابها مقدور بناء على ما تقرر من أن إيجابها ليس مؤثرا في مقدوريته حتى ينتفي المقدورية بانتفائه و هذا الجواب على هذا التقرير نقض تفصيلي كالأوّل و جعله بعض المحققين نقضا إجماليا تقريره أن ما ذكرت جار على تقدير وجوب المقدمة أيضا ضرورة إمكان‏

86

وجودها و عدمها مع وجوبها أيضا فعلى تقدير تركها يلزم أحد الأمرين بعين ما ذكرت أقول وقوع الفعل مع وقوع المقدّمة ليس بمحال بل المحال إنما هو وقوع الفعل مع عدم وقوع المقدمة و على تقدير وجوبها يتعلق التكليف بكلا الوقوعين فلا يلزم التكليف بما لا يطاق فليتأمّل‏

قوله و الحكم بجواز الترك عقلي لا شرعيّ‏

(1) لما كان حاصل الجواب أن الفعل واجب مع جواز ترك مقدّمته و كان هذا الوهم أن جواز الترك أمر شرعيّ و كان ينكر ذلك بأن الأمر الشرعي لا بد من أن يتعلق به خطاب شرعيّ و هو لم يتحقق فكيف يتحقق الجواز أراد أن يحقق المقام دفعا لهذا الإيهام فقال جواز ترك المقدمة هاهنا من أحكام العقل دون الشرع لأن تعلق خطابه عبث لكونه مستفاد من العقل فلا يقع من الحكيم ثم بين أن منشأ هذا التوهم هو إطلاق القول في الحكم بجواز الترك يعني فهم من هذا الإطلاق أن جواز الترك أمر شرعي فصار محلا للإنكار و ليس الأمر كذلك إذ المراد منه الجواز العقلي فلا يتوجه الإنكار ثم لما استشعر أنّ في الوجه المذكور لعدم تحقق الحكم الشرعي نوع ضعف لأن استفادة الحكم من العقل لا يستلزم أن يكون استفادته من الشرع عبث لأن تعاضد العقل بالنقل شائع كثير بل أكثر الأحكام كذلك أشار إلى وجه آخر له بقوله و جواز تحقق الحكم العقلي هنا دون الشرعي يظهر بالتأمّل و لعلّ وجهه أن مقدمة الفعل لازمة له و حكم الشارع بجواز ترك اللازم دائما يستلزم حكمه بجواز ترك الملزوم كذلك و أنه ينافي وجوبه شرعا بخلاف حكم العقل بجواز تركه فإن اللازم منه حكم العقل بجواز ترك ملزومه و أنه لا ينافي وجوبه شرعا فليتأمّل فإنه من دقائق الفن‏

قوله حيث إنه لا ينفك عن تركها

(2) تعليل للسند توضيحه أن ترك الفعل لا ينفك عن ترك المقدمة ضرورة أن ترك الملزوم لا ينفك عن ترك اللازم فالذم على ترك الفعل وحده و اشتبه عليكم الأمر لأجل المقارنة فزعمتم أنه على ترك المقدّمة أيضا نعم لو تحقق ترك المقدمة بدون ترك الفعل و وقع عليه الذم ثبت ما ادعيتم‏

[أصل في مبحث الضد]

قوله الحق أنّ الأمر بالشي‏ء على وجه الإيجاب لا يقتضي النّهي عن ضده الخاص لفظا و لا معنى‏

(3) لم يقيد الشي‏ء بالمعيّن كما قيده الآمدي و الحاجبي للاحتراز عن مثل افعل شيئا فإنه لا ضدّ له إذ كل ما يلابسه فهو شي‏ء و عن الأمر بالضدين على البدل فإنه ليس نهيا عن ضده ليكون نفي الاقتضاء شاملا للأضداد المخصوصة الجزئية و لأحد تلك الأضداد الصادق على‏

87

تلك الجزئيات و بيان ذلك ما ذكره بعضهم من أن ضد الشي‏ء يتعين بتعين ذلك الشي‏ء لأن المتضادين من حيث أنهما متضادان مضافان و من خواص الإضافة أنها إذا كانت في أحد الطرفين محصلة أو مطلقة كانت في الطّرف الآخر كذلك كالنّصف المطلق فإنه في مقابل الضعف المطلق و كهذا النصف فإنه في مقابل هذا الضعف على ما تحقق في الكلام أقول و على هذا لو وصف الشي‏ء بالمعيّن كان نفي الاقتضاء بالنسبة إلى ضد معيّن أيضا فلا يكون شاملا لنفيه بالنسبة إلى ضدّ ما و المقصود نفيه أيضا كما ستعرفه فإن قلت فعلى هذا يدخل المثالان المذكوران مع أنه لا يتصور فيهما نفي اقتضاء النّهي عن الضدّ لأن ذلك فرع إمكان النهي عنه قلت أما المثال الأول فصحته ممنوعة إذ من الأشياء ما هو حرام و الحكيم لا يأمر به و على تقدير صحته فالمقصود نفي اقتضاء النهي على تقدير إمكانه و أما الثاني فالمأمور به هو أحدهما لا بعينه لا كلّ واحد منهما فضدّه حينئذ و ما ينافيه في الوجود دونهما و إنما خص البحث بالأمر الإيجابي مع أن الخلاف واقع في الندبي أيضا إما لأن الخلاف في الندبي أضعف منه في الإيجابي و لهذا بعض من قال بالاقتضاء في الإيجاب لم يقل بالاقتضاء في الندب و إما لأن حكمه كحكمه فيعلم بالمقايسة و المراد بالضدّ الخاص هاهنا ما يتضمن فعله ترك المأمور به من الأشياء الوجودية المخصوصيّة أو ما في حكمه أعني مفهوم أحدها لا بعينه فقولنا قم مثلا لا يقتضي النهي عن القعود بخصوصه و لا عن الاضطجاع كذلك إلى غير ذلك و لا أحدها مطلقا من غير ملاحظة خصوصيّة واحد منها و بالاقتضاء اللفظي أن يدّل اللفظ عليه بواحدة من الثلاث و بالاقتضاء المعنوي أن يكون فهم الاقتضاء مستندا إلى دليل و إن لم يكن اللفظ دالا عليه‏

قوله و هو راجع إلى الخاص‏

(1) لأنه مفهوم كلي لا يوجد إلا في ضمنه بل هو عينه لأن الكلي متحد مع الأفراد في الوجود

قوله و قد يطلق و يراد به التّرك‏

(2) أو الكف على اختلاف الرأيين‏

قوله بل هو إليه أقرب‏

(3) أي بل النزاع في أنه عينه في الضد العام أقرب منه إلى الضد الخاص لأن توهم العينية إنما نشأ من اللّزوم و عدم الانفكاك و هو متحقق في العام قطعا دون الخاص و أنت خبير بأن جعل العينيّة و عدمها محل النزاع غير مناسب للمقام و لا يترتب عليه فائدة يعتد بها إذ النهي عن الترك متحقق عند الفريقين و هذا يكفي في استنباط الأحكام‏

قوله ذهب‏

88

قوم إلى أن الأمر بالشي‏ء عين النهي عن ضده‏

(1) قال جماعة من المحققين ليس مرادهم أن الأمر نفس النهي لأنه ظاهر الفساد فلا يقول به عاقل فضلا عن فاضل بل مرادهم أنّهما حصلا بجعل واحد لا بجعلين و حينئذ فهذا المذهب و المذهب بالاستلزام واحد إذ القائل بالاستلزام لا يقول بأن النهي حصل بجعل على حدة إذ المفروض أنه لم يرد نهي صريح عن الشارع و على هذا فالنزاع بينهما لفظي و أنت خبير بأن دليلهم الآتي ينافي هذا التوجيه ظاهرا ثم المراد بضده أعم من العام و الخاص كما يشعر به دليلهم حيث قالوا يتحقق في الحركة الأمر بها و النهي عن السكون و الظاهر أنّ السكون ضد مخصوص لها و يشعر به أيضا نسبة التخصيص بمحل النزاع بالضد الخاص إلى المفصل‏

قوله و آخرون إلى أنه يستلزمه‏

(2) لهم على الاستلزام وجهان سيذكرهما المصنف فكلاهما يدلان على ثبوت الاستلزام لفظا إلا أن الأول يدل على الضّد العام و الثاني على ضد الخاص‏

قوله و هم بين مطلق الاستلزام و مصرح بثبوته‏

(3) الأولى أن المطلق و المصرح بصيغة الفاعل يعني أنهم على قسمين قسم أطلقوا الاستلزام و لم يصرحوا بالمعنوي و اللفظي و قسم صرحوا بثبوته لفظا

قوله فلأن مفاد الأمر لغة و عرفا الوجوب‏

(4) قال في الحاشية أي عرفا عاما إذ هو المتبادر عند الإطلاق فلا ينافي ما سبق من عدم دلالته على ذلك في عرف الأئمة (عليهم السلام)

قوله و نحن نقطع بأن تصور معنى صيغة الأمر لا يحصل منه الانتقال إلى تصور الضد الخاص فضلا عن النهي عنه‏

(5) لا يقال إن أراد بالخاص الخاص المقابل للعام بالمعنيين فما ذكره حق إلا أن الدليل أخص من الدعوى لعدم الاستفادة انتفاء الدلالة على العام بالمعنى الأول منه و إن أراد به المعنى الشامل له و لما هو في حكمه أعني العام بهذا المعنى فالدلالة الالتزامية متحققة بالنسبة إليه لأن شرط صحة الأمر علم الآمر بأن المأمور متلبس بأحد الأضداد دون المأمور به لاستحالة طلب الحاصل و العلم بذلك مستلزم لتصور ضدّها قطعا لأنا نقول دون المأمور به ممنوع لجواز أمر من تلبس بالفعل به و المطلوب حينئذ إيجاده في الاستقبال كإيجاده في الحال فلا يكون مستلزما لتصور الضد و لو سلّم فلا نسلم أن شرط الصحة ما ذكرت بل هو علم الأمر ترك المأمور به فاللازم حينئذ هو النهي عن تركه و لا نزاع لأحد فيه كما صرح به المصنف و لو سلم فاللازم تصور ضدها كما ذكرت و هذا القدر لا يكفي بل لا بد من لزوم طلب الكف عنه و هو ممنوع‏

قوله و عدم دليل صالح عليه سواه‏

(6) فيه نظر لأن عدم وجدان الدليل‏

89

على الشي‏ء ليس دليلا على عدمه اللهم إلا أن ينضم إليه أصالة البراءة

قوله فصيغة الأمر الدالة على الوجوب دالة على النهي عن الترك بالتضمن و ذلك واضح‏

(1) لأن الأمر موضوع للوجوب و الوجوب طلب الفعل مع المنع من الترك فالأمر دل على المنع من الترك بالتضمن و هو المعنى من النهي عنه و فيه نظر لأن هذا إنما يتم لو ثبت أن المنع من الترك داخل في حقيقة الوجوب على أن يكون التعريف المذكور حدا له و هو ممنوع لجواز أن يكون اسما فالمنع من الترك حينئذ لازم له في الوجود سلمنا لكن النهي عن الترك مستلزم للنهي عن الضد الخاص أيضا إذ لو جاز فعله لم يكن الترك منهيا عنه لاشتماله عليه و بعبارة أخرى النهي عن الماهية نهي عن جزئياتها و النهي عن جزئياتها يستلزم النهي عما يشتمل عليها و قد يجاب عن هذا بأن النهي عن الجزئيات بالعرض لا يستلزم النهي عن الأفعال الوجودية المشتملة عليها فليتأمّل‏

قوله بيان الملازمة

(2) بينها بالشكل هو الأول و الصغرى مطوية أي الأمر و النهي على تقدير الشرط متغايران و كل متغايرين إما مثلان أو ضدان أو خلافان فالأمر و النهي على هذا التقدير كذلك ثم بين بطلان النتيجة التي هي لازمة في الشرطية فيلزم منه بطلان مقدمتها و هو المطلوب‏

قوله إلى تعقل أمر زائد

(3) أي زائد على ذات الموصوف و الحاصل أنه لا يعتبر في اتصاف الذات بها إضافته إلى غيرها فيندرج فيها لوازم الماهية و ذاتياتها

قوله كالحدوث و التحيز له‏

(4) فإن اتصافه بالحدوث باعتبار إضافته إلى القدم و بالتخيير باعتبار إضافته إلى الخير

قوله بالنظر إلى ذاتيتهما

(5) أي بلا واسطة في العروض لا بلا واسطة في الإثبات و احترز به عن المتقابلين بالعرض‏

قوله فإن تنافيا كذلك فضدان‏

(6) ليس المراد بالتضاد هنا المعنى الاصطلاحي و هو التقابل بين أمرين وجوديين يمتنع اجتماعهما في محلّ واحد بل المراد به التقابل مطلقا فيندرج فيه جميع أقسام المتقابلين أعني الضدين مطلقا و المتضايفين و العدم و الملكة و الإيجاب و السلب و قد صرح به جماعة منهم الفاضل القسري‏

قوله و إلا فخلافان‏

(7) أي و إن لم يتنافيا لذاتيهما فخلافان و صدقه إما بانتفاء جزء أو بانتفاء الجزءين‏

قوله لم يجتمعا في محل واحد

(8) أما الضدان فلأن ذلك معتبر في مفهوميهما و أما المثلان فلأنهما لو اجتمعا لزم ارتفاع الاثنينية إذ لا تمايز بينهما بحسب الماهيّة و لوازمها لأنها مشتركة بينهما و لا بحسب العوارض إذ المحل لما كان واحدا كانت العوارض أيضا مشتركة فلا امتياز بينهما أصلا حينئذ فلا اثنينية فلا تماثل لأنّه فرع الاثنينية

قوله ضرورة أنه يتحقق‏

90

في الحركة الأمر بها و النهي عن السكون الذي هو ضدها

(1) فيلزم اتصافها بكونها مأمورا بها و منهيّا عن ضدها و أنه ممتنع و فيه نظر لأن الأول بالذات و الثاني باعتبار المتعلق فليست الحركة محلا له و اجتماع الضدين على هذا الوجه ليس بممتنع كاتصاف الرجل بالقبح بالذات و الحسن باعتبار الغلام في قولنا رجل قبيح حسن الغلام نعم لو جعل المحل هو الأمر لاتصافه بالأمر و النهي حقيقة أو المكلف لاتصافه بكونه مأمورا منهيا كما فعله بعضهم لكان له وجه‏

قوله و هو الأمر بضده‏

(2) كأنه قال تحرك و اسكن‏

قوله إما لأنها نقيضان‏

(3) فيكون تكليفا بالجمع بينهما في آن واحد إذ لو اختلف الزمان لا تنفي الجمع و المفروض خلافه‏

قوله و إما لأنه تكليف بغير الممكن‏

(4) و إن لم يكونا نقيضين فصح التقابل بين الوجهين‏

قوله و إنه محال‏

(5) أي كل واحد من التكليف بالنقيضين و التكليف بغير الممكن محال بالضرورة

قوله على ما هو حاصل المعنى‏

(6) أي حاصل معنى قولهم الأمر بالشي‏ء نهي عن ضده لأن النهي عن ضده عبارة عن طلب ترك ضده‏

قوله الذي هو نفس الفعل المأمور به‏

(7) صفة لضد ضده و ذلك بأن يقال المقصود في قولنا تحرك طلب الفعل ضد السكون أعني الحركة

قوله فالنزاع لفظي‏

(8) قال قطب المحققين في كون النزاع لفظيا نظر لأن حاصل الاستدلال أن تحرك عين لا تسكن لأن فعل الحركة هو عين الكف عن السكون فيكون طلب أحدهما عين طلب الآخر أقول هذا كأنه الشق الآتي فلا يحسن إجراؤه في هذا المقام‏

قوله لرجوعه إلى تسمية فعل المأمور به‏

(9) وجه صحتها في الجملة أن فعل المأمور به سببا لترك ضده أو مقارنا له فأطلق عليه الترك إطلاق المسبب على السبب أو أحد المتجاوزين على الآخر ثم أطلق عليه لفظ النهي لمناسبة بينهما في الجملة و إن لم يكن المقصود من الترك هاهنا هو الحقيقة

قوله و لم يثبت‏

(10) أي كل واحد من التسميتين إن أراد أنه لم يثبت بطريق الحقيقة فحق و إن أراد أنه لم يثبت أصلا فهو ممنوع كما ترى‏

قوله كالأحجية

(11) الأحجية بضم الهمزة و سكون الهاء المهملة و كسر الجيم لعبة و أغلوطة يتعاطاها الناس بينهم‏

قوله نحو أنت و ابن أخت خالتك‏

(12) هاتان عبارتان عن ذات المخاطب بشرط أن لا يكون له أخ و لا لخالته أختان‏

قوله و منعنا ما زعموا أنه لازم للخلافين‏

(13) منع للملازمة و هو يئول إلى منع بطلان الثاني في أصل الشرطية فلا وجه لتخطئة من قال هذا منع لنفي التالي‏

قوله و قد يكونان معاضدين لأمر واحد

(14) و ما نحن فيه من هذا القبيل فإن الأمر بالشي‏ء و النهي‏

91

عن ضده ضدان للأمر بضده‏

قوله حجة القائلين بالاستلزام‏

(1) المراد بالاستلزام مطلق الدلالة التبعية فيتناول الدلالة التضمنية و الالتزامية كليهما

قوله و اعتذر بعضهم‏

(2) لما كان لكل واحد من التضمن و الالتزام معنى مقابل للآخر و أطلق الالتزام هنا على التضمن وجهه بأن دلالة اللفظ على الجزء و إن كان تضمنا باعتبار كون الجزء في ضمن الكل التزام باعتبار أن حصول الكل مستلزم لحصول الجزء

قوله و هو كما ترى‏

(3) الكاف في كما ترى ليس للتشبيه بل للتقييد و المراد أن استلزام الكل للجزء أمر جلي لا خفاء فيه و في إعرابه وجوه أقربها أنه في موضع المصدر أي ظهورا كما ترى‏

قوله فليس من محل النزاع في شي‏ء

(4) لأن النزاع إنما هو في الأضداد الوجودية لا في ضد العام بمعنى الترك‏

قوله و أنت إذا أحطت خبرا بما حكيناه في محلّ النزاع‏

(5) حيث قال و عندي في هذا نظر إلى آخره‏

قوله لا على أصل الاقتضاء

(6) إذ أصل اقتضاء الأمر المنع من الترك أمر مكشوف بين الفريقين لا نزاع فيه على ما زعمه و النزاع إنما هو في أن ذلك الاقتضاء هل هو بطريق العينية أو الاستلزام فالاستدلال على أحدهما ليس خارجا عن محل النزاع‏

قوله و ما ذكره في الجواب إنما يتم على التقدير الثاني‏

(7) أي على كون الاحتجاج لإثبات أصل الاقتضاء لا على التقدير الأول و هو كون الاحتجاج لإثبات الاقتضاء على سبيل الاستلزام‏

قوله فالتحقيق أن يرددّ في‏

(8) الشق الأول المذكور في الجواب بين الاحتمالين المذكورين في وجه النظر بأن يقال إن أرادوا بالنقيض الذي هو جزء من ماهية الوجوب الترك فإن كان المقصود إثبات كون الاقتضاء على سبيل الاستلزام فهو حق و إن كان المقصود إثبات أصل الاقتضاء فليس من محلّ النزاع في شي‏ء و إن أرادوا الأضداد الوجودية الأخر و لا يذهب عليك أن هذا الجواب لا يتمشى عند القائلين بالعينية

قوله و الوجه الثاني أن أمر الإيجاب طلب فعل يذم على تركه اتفاقا

(9) يريد أن يثبت أن الأمر بحسب مفهومه يستلزم النهي عن الضد لزوما عقليا لا بدليل من خارج و حينئذ إن أراد أن الذم على الترك جزء من حقيقة الإيجاب منعنا ذلك لأن الأمر على ما فسره بعض المحققين هو الاقتضاء الجازم يعني الطلب المانع من الترك و الذم عليه ليس جزءا منه و لو سلم فإنما يجب تعقل الذم و وجب تصور الإيجاب بالكنه حين الأمر و هو ممنوع نعم لا بد من حصوله و حصوله لا يستلزم تصور مّا فلا يتصور النهي عنه لتوقفه على تصور المنهي عنه لا يقال اشتماله على المنع من الترك كاف في إثبات المطلوب لأنا نقول هذا الوجه يعود حينئذ إلى الوجه الأول و قد عرفت‏

92

جوابه و إن أراد أن الذم خارج عنه لازم له لزوما عقليا منعنا ذلك لأن الذم خارج عن التفسير المذكور غير مخطور بالبال مستفاد من الشرع و لهذا أنكره بعضهم في الإيجاب لا يقال الكلام في الأمر الشرعي و أنه يستلزم الذم عقلا لأنا نقول استلزامه شرعا أيضا ممنوع على أنا لا نسلم أن الكلام في الأمر الشرعي بل في مفهوم الأمر من حيث هو

قوله لأنه المقدور لا الترك‏

(1) لأن الترك ثابت قبل القدرة الحادثة فلا يتعلق به التكليف لانتفاء شرطه‏

قوله و ما هو هاهنا

(2) إلى آخره أي ليس الفعل في أمر الإيجاب إلا الكف عن فعل المأمور به أو فعل ضده و إطلاق الترك عليهما إمّا من باب إطلاق المسبب على السبب أو من باب إطلاق أحد المتجاوزين على الآخر

قوله و الذم بأيّهما كان‏

(3) أي الذم بأيهما كان من الكف أو فعل الضد يستلزم النهي عنه‏

قوله إذ لازم بما لم ينه‏

(4) لأن الذم على الفعل معنى كونه منهيا عنه و لهذا يقال المنهي عنه ما يذم فاعله‏

قوله بل يذم على أنه لم يفعل‏

(5) فلا يتحقق النهي عن الفعل بل عن الترك و لا نزاع فيه لا يقال عدم الفعل غير مقدور لأنه أزلي فلا يتعلق به الذّم لأنا نقول العدم المطلق غير مقدور و أما العدم المضاف إلى الفعل فهو مقدور لا بمعنى أن يفعله المكلف بل بمعنى أن يستمر و يترك استمراره بأن يوجد الفعل و هذا القدر من تعلق القدرة به كاف في تعلق الذم به و ممّا يؤيد ذلك أن هذا العدم لو لم يكن مقدورا لم يكن الفعل أيضا مقدورا لأنه يلزم أن يكون صفة القدرة مؤثرة في الوجود لا غير و ذلك وجوب لا قدرة

قوله بل هو متعلق بالكف‏

(6) فالأمر بالشي‏ء يستلزم النهي عن الكف عنه و لا نزاع فيه لأن هذا النهي جزء من ماهية الإيجاب عند القائلين بأن النهي لا يتعلق بالترك كما أن النهي عن الترك جزء منها عند القائلين بأن النهي يتعلق بالترك فإن قلت النهي لطلب الكف فالنهي عن الكف لطلب الكف عن الكف عن المأمور به فيلزم أن يتصور كل أمر الكف عن الكف و هذا باطل لأنه قد لا يخطر بباله ذلك قلت هذا أخذ على المستدل باعترافه و لا يضر في الجواب‏

قوله بعض أهل العصر

(7) و هو مولانا ميرزا جان ذكر ذلك في حاشيته على شرح المختصر و هو آخذ ذلك من شرح قطب المحققين على المختصر

قوله حاول جعل القول بالاستلزام منحصر في المعنوي‏

(8) لما استدل القائل بالاستلزام بالدليل المذكور و غيره و أورد عليه الثاني بأن الأمر لا يحصل في ذهنه حين الأمر مفهوم لفظ الضد و لا مفهوم الكف فكيف يتصور النهي عنه أراد هذا المعاصر تحرير مطلب المثبت‏

93

على وجه لا يرد عليه ذلك و توضيحه على ما ذكره في موضع آخر أن الخطاب على قسمين أصلي و تبعي و الأول إذا وقع لا بد من تصوره و تصور متعلقه كالمأمور به و المنهي عنه بالأصالة و الثاني أنه لا يجب فيه ذلك بل يجب تصور ملزومه و متضمنه و مثله ما ذكره في بحث المفهوم و المنطوق أن منطوق الكلام قد لا يكون مقصودا للمتكلم و لم يكن له شعور به و يسمى ذلك دلالة إشارة و قد مثل بقوله تعالى و حمله و فصاله ثلاثون شهرا مع قوله و فصاله في عامين فلزم منهما أن أقل مدة الحمل ستة أشهر و لا شك أنه ليس مقصودا في الآيتين و لا شك أن هذا الحكم المستنبط بهذا الطريق حكم و خطاب مع أن المخاطب لم يتصوره فعلم أن ما لزم من الخطاب الصريح و إن لم يتصوره المخاطب له كان حكما نعم لم يكن حكما صريحا فنقول حينئذ من قال بالاستلزام لم يرد أن اللفظ دلّ عليه في حال دلالته على معناه الصريح و أن المخاطب تصوره و تصور متعلقه و حكم عليه حين الأمر بل أراد أن ذلك يستنبط بالتأمّل و التفكر في معاني الكلام و أن حكم الأصل مصحح له و هذا مثل مقدمة الواجب على ما ذكره قطب المحققين من أنه لا يلزم من كون المقدمة مأمورا بها كونها مشعورا بها للأمر حين الأمر و إنما يلزم من كون الشي‏ء مأمورا به شعور الأمر به في المأمور به أصالة لا مطلقا فمن قال بأن الأمر بالشي‏ء لا يستلزم النهي عن ضدّه و أن مقدمة الواجب ليست بواجبة بنى ذلك على وجوب تصور الخطاب و ما يتعلق به في حال التخاطب و هو إنما يجب في الخطاب الصريح دون التبعي فهو إن نازع في تسمية مثل هذا الحكم المستنبط من الخطاب الصريح بالحكم فليس نزاعا معتدا به و مع ذلك فقد عرفت أن بعض أقسام المنطوق كذلك إن نازع في لزوم ذلك الحكم في الخطاب الصريح فهو مكابرة صريحة على ما علمت و أن حضور الكلام بالصريح بمعنى أن الأمر بالشي‏ء ليس أمر صريحا بالمقدمة و لا يستلزم النهي الصريح عن الضّد فالنزاع لفظي‏

قوله و أما الأكثرون فكلامهم صريح إلى آخره‏

(1) يعني كلامهم صريح في أن لفظ الأمر دال على النهي عن الضد إلزاما فالحكم بأن مرادهم أن النهي مستفاد من العقل دون الأمر تعسف و يمكن أن يقال لما كان الأمر منشأ لحكم العقل بذلك اللزوم و أصلا له بحيث لولاه لم يكن العقل حاكما بذلك وضعوا الأمر بالدلالة عليه مجازا

قوله تعسّف بحت بل‏

(2) فرية بينة التعسف العدول عن الطريق الحق و الخبط على غير هداية و البحت الصرف و الخالص من كل شي‏ء و الفرية الكذب المختلق‏

94

و هو الكذب عن عمد و وجه الإضراب أن الثاني أقبح من الأول لأن الأول قد يكون صاحبه معذورا بخلاف الثاني و في توصيف الفرية بقوله بينة زيادة مبالغة في لومه‏

قوله على انتفاء الدلالة لفظا

(1) أي على أن الأمر بالشي‏ء لا يقتضي النهي عن ضدّه الخاص بالمعنيين المذكورين‏

قوله و جوابه يعلم ممّا سبق‏

(2) آنفا في مسألة مقدمة الواجب‏

قوله بل يختص ذلك بسبب‏

(3) و ترك الضد ليس سببا للمأمور به كما ستعرفه و لم يجب عن هذه الشبهة بالجواب المشهور و هو أنه لو كان مستلزما للنهي عن أضداده لكان جميع المباحات المضاد له بل ما عدا تلك العبادة المأمور بها من العبادات محرمة لأنهم يلزمونه و قبل التحقيق في الجواب عنها مع كون ترك الضد مقدمة و موقوفا عليه للواجب و إنما يلزمه في الوجود بلا توقف من الطرفين و يمكن دفعه بأن حصول الفعل يتوقف على علّة التامة التي هي عبارة عن حصول جميع الشرائط و عدم جميع الموانع و لا شك أن كل ما هو ضد له مانع منه فيتوقف حصوله على تركه لأن المتوقف على المجموع متوقف على كل واحد من أجزائه بالضرورة فيلزم توقفه على ترك ضده فهو مقدمة و موقوف عليه‏

قوله منعنا الأخيرة

(4) و هي قوله لأن مستلزم المحرم محرم‏

قوله فإن العقل يستبعد تحريم المعلول من دون تحريم علته‏

(5) و هو إن كان جائزا لأنه مقدور بتوسط العلة لكنه مستبعد عقلا و إذا انضمت العلة مع المعلول في التحريم يرتفع ذلك الاستبعاد

قوله و كذا إذا كانا معلولين لعلة واحدة

(6) يعني كذا و إذا كان اللازم و الملزوم معلولين لعلّة واحدة كان تحريم أحدهما مستلزما لتحريم الآخر و إلا لارتفع التحريم بالكلية هذا خلف تقريره أن التحريم إذا انتفى في أحد المعلولين انتفى في علّته أيضا فيلزم اختصاصه بالمعلول الآخر و أنّه باطل لما مر أن تحريم اللازم يقتضي تحريم الملزوم إذا كان الملزوم علة له و فيه نظر لأنا لا نسلم أن انتفاء التحريم في أحد المعلولين يقتضي انتفاءه في علته فإن تحريم المعلول مستلزم لتحريم العلة كما مر و انتفاء الملزوم لا يقتضي انتفاء اللازم و أيضا تحريم المعلول لكونه غير مقدور بدون تحريم علته مستبعد كما مرّ و أما تحريم العلة لكونها مقدورة لا يقتضي تعلق التحريم بالمعلول كما لا يخفى على المنصف فإذن انتفاؤه في المعلول لا يقتضي انتفاءه في العلة سلمنا لكن لا نسلم اختصاصه بالمعلول الآخر حتى يلزم خلاف الفرض بل يتحقق في علته من حيث هي علة له أيضا لا يقال فيلزم اجتماع النقيضين له أعني ثبوت التحريم و عدم ثبوته للعلة

95

لأنا نقول إنما يلزم ذلك لو كان الثبوت و عدمه من جهة واحدة و ليس كذلك لأن العلة حرام من حيث هي علة للمعلول المحرم و غير حرام من حيث هي علّة لغير المحرم فلا يلزم اجتماع النقيضين لتغاير الجهة

قوله و قصارى ما يتخيل إلى آخره‏

(1) إشارة إلى ما يمكن أن يستدل به على كون تحريم أحد المتلازمين مع انتفاء العلية و الاشتراك فيهما مقتضيا لتحريم الآخر و إلى دفعه بالنقض التفصيلي أولا و الإجمالي ثانيا و كله ظاهر

قوله على أن ذلك‏

(2) أي على أن تضاد الأحكام لو أثر في منع اجتماع حكمين منها في المتلازمين لثبت قول الكعبي‏

قوله في ضمن فعل‏

(3) كترك القتل و الشرب فإنه يتحقق في ضمن إسكان الأعضاء و إطباق الفم‏

قوله و بشاعة هذا القول‏

(4) البشاعة بالفتح الكراهة و المرارة و هي مصدر بشع بالكسر

قوله فيكون واجبة تخييرا

(5) إن أراد المجيب أن الواجب حينئذ هو الكلي و المخير فيه الجائز الترك و هو المباح كل واحد من أفراده فلا يلزم كون المباح واجبا غاية ما في الباب أن الواجب يتحقق في ضمنه فذلك ظاهر البطلان لأن الكلي إذا وجب وجب بكل واحد من أفراده إذ بتحصيله يحصل الواجب بل تحصيله عين تحصيل الواجب لأن الكلّي متحد مع أفراده في الوجود و إن أراد أن المباح ليس واجبا عينيا لتحقق الواجب يعني ترك الحرام بأشياء أخر و غاية ما في الباب أن يكون واجبا مخيرا فهو لا يدفع قول الكعبي بل هو تسليم لما يدعيه لأنه يقول بوجوبه مطلقا لا بوجوبه عينا فقط و قال البدخشاني في شرح المنهاج إن مقصوده أن المباح لما لم يكن واجبا عينا لتحقق ترك الحرام بأشياء أخر و كانت تلك الأشياء غير محصورة لم يكن واجبا مخيرا أيضا إذ التخيير إنما يكون بين أشياء محصورة و الجواب أن تعيينها شخصا غير لازم بل هو خلاف الإجماع فإن خصال الكفارة ليست كذلك و تعيينها نوعا حاصل فيما نحن فيه لأنه إما واجب أو مندوب أو مكروه أو مباح‏

قوله و التحقيق في رده إلى آخره‏

(6) و لتوضيحه نقول أولا وجود الفعل يتوقف على علته التامة و من جملتها حصول جميع شرائطه كتصوره و الشوق إليه و إرادته و دفع جميع موانعه و عدمه إما لعدم الشرائط أو لوجود المانع لأن انتفاء كل واحد من أجزاء علة الوجود علة مستقلة للعدم كما بين في محله إذا تمهد هذا فنقول فعل الحرام لما كان متوقفا على حصول الشرائط المذكورة و على دفع الموانع أعني المباح و أخواته كان تركه إما لرفع الشرائط و هو الصارف عنه و إما لوجود الموانع و أيّهما سبق كان الترك مستندا إليه و لا يحتاج إلى الآخر فإن وجد ذلك الآخر كان لازما للترك من غير استناده إليه فحينئذ لا ريب في أن الترك مع وجود الصارف عن الحرام لا يحتاج إلى شي‏ء من الأفعال و إنما

96

هي من لوازم الترك إن قلنا بعدم بقاء الأكوان الأربعة و هي الحركة و السكون و الاجتماع و الافتراق و باحتياج الباقي إلى المؤثر لأن التارك لا يخلو حينئذ عن الاشتغال بفعل ما إلاّ الترك لا يحتاج إليه و لا يتوقف عليه فيفعل لا من حيث إنه مقدمة له بل هو ملحوظه بذاته فإن كان مباحا فمباح و إن كان مكروها فمكروه إلى غير ذلك و إن قلنا بالبقاء و الاستغناء جاز خلوّ المكلف حينئذ من كل فعل فلا يكون هناك إلا الترك المستند إلى الصارف و أما مع انتفاء الصارف و توقف الترك و الامتثال به على فعل من تلك الأفعال للعلم بأنه لا يتحقق الترك إلا معه فمن يقول بوجوب مقدمة الواجب مطلقا سببا كان أو لا يلتزم وجوبه من باب المقدمة في هذا الفرض و لا ينكرون ذلك بل يصرحون به كما يشهد له كتب الفروع و قد مثل له بأن أحدا إذا كان مع امرأة جميلة في بيت و كان يجد من نفسه أنه لو لم يشتغل بضد الزنا لصدر منه الزنا فلا شك أن الاشتغال بالضد واجب عليه في تلك الصورة و صرّح بعضهم بأن الفعل الآخر لو كان حراما وجب مراعاة أقل القبيحين و اعلم أن الكعبي إن أراد ما ذكرناه من التفصيل فلا خلاف له معهم و إن أراد أن المباح دائما مقدمة لترك الحرام فدليله لا يدل عليه‏

قوله و من لا يقول به إلى آخره‏

(1) أي من لا يقول لوجوب ما لا يتم الواجب إلا به مطلقا فهو في سعة من هذا و غيره لأن استدلال الكعبي مبني على وجوب المقدمة و من أنكر وجوبها لا حاجة له إلى هذه التوجيهات أنت خبير بأن مطلقا ليس في موقعه لأن من قال لوجوب السبب فقط يلزمه أن يقول لوجوب الفعل في هذا الفرض لأن الفعل فيه كما عرفت مما يتوقف عليه الترك الواجب و هو سبب له فليتأمّل‏

قوله و ذلك مستمر إلى آخره‏

(2) أي وجود الصارف و عدم الداعي مستمر مع فعل الأضداد الخاصة ففعلها لا ينفك عن الترك مقارن له من غير توقف الترك عليه بل لو فرض عدمه لتحقق الترك بسبب تحقق علته و عدم الانفكاك حينئذ إنما هو على تقدير عدم بقاء الأكوان و أما على تقدير البقاء فلا يكون هناك إلا الترك مع الصارف فلا يتحقق المقارنة أيضا

قوله فلا يتصور صدورها إلى آخره‏

(3) لما علم من سند المنع أن علة الترك عدم الداعي يعني عدم علة الفعل علم أنه لا يتصور صدور الأضداد الخاصة مع انتفاء علة الترك إلا على سبيل الإلجاء إذ عند انتفائها يتحقق علة الفعل فصدور ضدّه حينئذ إنما هو من باب الإلجاء ففعل الضد حينئذ و إن كان علة للترك إلا أن الترك حينئذ ليس بحرام حتى يلزم من تحريمه تحريم علته إذ لا

97

تكليف مع الإلجاء و الغرض من هذا الكلام دفع ما يمكن أن يقال إنّ فعل الضد و إن لم يكن علة للترك عند وجود الصارف لكنه علة له عند عدمه فتحريم الترك حينئذ يستدعي تحريم فعل الضد و هو مراد المستدل و أنت خبير بأن هذا التفريع إنما يتم لو لم يكن لرفع الضد مدخل في تحقق المأمور به و أما على تقدير المدخلية كما مر فلا إذ عند انتفاء الصارف لم يتحقق علته التامة فلا يكون فعل الضد على سبيل الإلجاء

قوله بتقدير أن يراد اشتراكهما

(1) أي ترك المأمور به و فعل الضد

قوله لظهور أن الصارف الذي هو العلة في الترك ليس علة لفعل الضد

(2) لأن الصارف يعني عدم الداعي إلى المأمور به إنما يكون علة لفعل ضده لو كان الداعي إليه علة لترك الضد و ليس كذلك لأن علة ترك الضد هي عدم علة وجوده‏

قوله نعم‏

(3) ليس من تتمة الجواب بل هو تصديق لما يمكن أن يقال في هذا المقام من أن الصارف إذا كان علة للترك كان حراما و هو مما يتوقف عليه الضد الذي ليس بحرام فهل يجوز ذلك فأجاب بأنه يجوز إذا لم يكن إيجاب الضد مستلزما لإيجاب مقدمته إذ لو استلزم لزم اجتماع الوجوب و التحريم في أمر واحد شخصي و هو باطل‏

قوله من جملة ممّا يتوقف عليه فعل الضد

(4) أما إرادة الضد فلأنها جزء من أجزاء الداعي إليه و أما الصارف عن المأمور به فلأنه لولاه لكان صدور فعل الضد على سبيل الاختيار ممتنعا و فيه بحث لأنّ الصارف عن المأمور به إذا كان ممّا يتوقف عليه فعل الضد كان انتفاؤه يعني وجود الداعي للمأمور به مما يتوقف عليه ترك الضد ضرورة أن توقف الوجود على الوجود يستلزم توقف العدم على العدم و الحكم في الصارف عن فعل الضد و في انتفائه أعني وجود الداعي إليه بالنسبة إلى فعل المأمور به و إلى تركه كذلك لأن الضدين حكمهما في ذلك على السواء فإذن الداعي لفعل الضدّ ممّا يتوقف عليه ترك المأمور به فالحكم بأن العلّة لترك المأمور به هي الصارف عن فعله لا يخلو من إشكال فليتأمّل‏

قوله فإذا كان واجبا كانا

(5) ضمير المفرد يعود إلى الضد و التثنية إلى الصارف و إرادة الضدّ

قوله سابقا

(6) يعني في باب مقدمة الواجب‏

قوله عدم وجوب غير السبب‏

(7) المراد بالسبب السبب التام كما مرت إليه الإشارة فلا يرد أن الإرادة جزء من أجزاء سبب فعل الضد لأنّ جزء السبب سبب ناقص‏

قوله فلا حكم فيهما

(8) أي فلا يتصفان بالوجوب بواسطة كونهما مقدمة لفعل الضد و فيه أن إيجاب الضد مستلزم لإيجاب علته كما اعترف به المصنف و إرادة الضد جزء من أجزائها فهي واجبة ضرورة أن إيجاب الكل لا يتصور بدون إيجاب أجزائه‏

98

قوله كما قد عرفت‏

(1) من أن النهي عن الشي‏ء يستلزم النهي عن علته‏

قوله و يكون النهي متعلقا بتلك العلة و معلولها

(2) يعني أن النهي متعلق بالصارف عن المأمور به و بمعلوله و هو تركه لا بضده المصاحب للمعلول و وجه المصاحبة قد مر سابقا و هو أن علة الترك أعني الصارف و عدم الداعي مستمر مع فعل الأضداد

قوله فلو رام الخصم‏

(3) إلخ فيه شي‏ء لأن الخصم بعد ما سمع في أثناء البحث منع وجوب الصارف باعتبار كونه مقدمة لفعل الضد الواجب لا يتصور أن يقدّم على الاستدلال بهذا الوجه الذي يعود عليه ذلك المنع بعينه و أي فائدة له في ذلك‏

قوله و إن كان واجبا موسعا

(4) إنما وصف الواجب بالموسع لأنّ المضيق لا يجري فيه هذا الدليل إذ إيجاب الضدين على التضييق دليل على التخيير لأن التكليف بالجمع بينهما محال فالصارف عن أحدهما لا يتصف بالتحريم قطعا و إن اتصف بالوجوب باعتبار التوصل إلى الآخر فلا يلزم اجتماع الوجوب و التحريم في شي‏ء واحد

قوله و لا ريب في بطلانه‏

(5) بطلانه ممنوع إذا كان اتّصافه بهما من جهتين كما صرّح به بعضهم في دفع شبهة الكعبي‏

قوله على أن الذي‏

(6) يقتضيه التدبر إلخ منع للملازمة في قوله فلو صح مع ذلك فعل الواجب الموسع لكان هذا الصارف واجبا باعتبار كونه مما لا يتم الواجب إلا به مستندا بأن ما لا يتم الواجب إلا به على تقدير وجوبه إنما يجب إذا لم يكن هناك مانع و كان إيجابه ممكنا و المانع في الصارف موجود و هو لزوم اجتماع الضدين أعني الوجوب و التحريم في أمر واحد شخصي و عدم وجوده لا ينافي صحة ذلك الفعل لأن الحرام قد يتوصل به إلى الواجب كما في مثال الحج‏

قوله على حد غيره من الواجبات‏

(7) يعني بغيره من الواجبات بالأصالة فإنها لا يسقط إلا بفعلها

قوله فإذا قلنا بوجوب ما يتوقف عليه الواجب‏

(8) يعني مطلقا فالأنسب لو بدل إذا

قوله بالضد الواجب‏

(9) مثل إزالة النجاسة في المسجد

قوله فيسقط ذلك الوجوب‏

(10) أي وجوب كراهة الضد

قوله لفوات الغرض منه‏

(11) أي لفوات التوصل الذي هو غرض من وجوب كراهة الضد و باعث له‏

قوله و من هنا

(12) أي مما ذكرنا من أن وجوب المقدمة إنما هو للتوصل و ليس على حد غيره من الواجبات‏

قوله بعدم دلالة الأمر على النهي‏

(13) أي بعدم دلالة الأمر من حيث هو مع قطع النظر عن شي‏ء خارج عنه على نهي ضده لما سيجي‏ء من أن الأمر مع إرادة المأمور به يقتضي النهي دون الأمر وحده‏

قوله إذ كون وجوبه للتوصل يقتضي‏

99

اختصاصه بحال إمكانه‏

(1) الضمير الأول يعود إلى الموصول و كذا الثاني و أما الثالث فيعود إلى التوصل‏

قوله لا يمكن التوصل إلخ‏

(2) لأن إمكان التوصل بالشي‏ء فرع إمكان ثبوته في نفسه و المقدمة أعني ترك الضد ممتنعة عند وجود الصارف عن المأمور به و عدم الداعي إليه فلا معنى لوجوبها حينئذ و لما كان لقائل أن يقول يجوز اجتماع الترك معهما لأنه لا ينافيهما فيمكن التوصل حينئذ أجاب بأنك قد علمت سابقا أنهما مستمران مع فعل الأضداد الخاصة يعني وجد فعل الأضداد فلا يجوز أن يجامعهما ضدّه أعني الترك فلا يكون الترك حين وجود الصارف مما يمكن التوصل به إلى المأمور به و فيه نظر لأنّ الترك حينئذ ممتنع بالغير ممكن بالذات و يكفي هذا القدر في تعلق الأمر به و يمكن التوصل لإمكان إزالة المانع‏

قوله و أيضا إلخ‏

(3) عطف على قوله و من هنا يتجه و هو وجه آخر لعدم دلالة الأمر وحده على النهي تقريره أن الدليل على وجوب المقدمة إنما دل على وجوبها حين إرادة الفعل المتوقف على تلك المقدمة فاللازم حينئذ عدم وجوبها عند عدم تلك الإرادة فلا يتم أن يستند اقتضاء وجوبها إلى الأمر وحده بل لا بد من أن يستند إليه و إلى إرادة الفعل جميعا و لك أن تجعل قوله فلا يتم الاستناد متفرعا على كل واحد من الوجهين‏

قوله من حيث كونه مقدمة له‏

(4) تقييد لعدم وجوب ترك الضد في حال عدم إرادة الفعل و إنما قيد بها لجواز أن يكون ترك الضد واجبا من جهة أخرى كما إذا كان فعل الضد حراما في نفسه‏

قوله بإنعام النظر

(5) يقال أنعم في الأمر إذا زاد و بالغ‏

[أصل في الواجب المخير]

قوله المشهور بين أصحابنا

(6) إنما قال ذلك أن بعض أصحابنا ذهب إلى ما ذهب إليه الأشاعرة

قوله أو الأشياء

(7) سواء كانت متباينة في الحقيقة النوعية أو متساوية كالإعتاق و الإطعام و الصوم في الكفارة و كالإعتاق وحده بالنسبة إلى أفراده‏

قوله على وجه التخيير إلخ‏

(8) كقوله تعالى في كفارة اليمين فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة أمر بتلك الأشياء على وجه يشعر لجواز ترك كل واحد منها مع الإتيان بالآخر و بتفويض الاختيار إلينا و قد اختلفوا في متعلق الوجوب فقال أكثر أصحابنا و جمهور المعتزلة إن متعلقه كل واحد من تلك الأشياء المعينة من حيث إنه متعين على سبيل البدل بمعنى أنه لا يجب علينا فعل الجميع و لا يجوز لنا تركه و أيها فعلنا تحقق الامتثال لكونه واجبا بالأصالة لا لتضمنه واجبا و قالت الأشاعرة و بعض أصحابنا أن متعلقه مفهوم‏

100

كلّي يصدق على كل واحد من تلك المعينات أعني مفهوم واحد لا بعينه و لا خفاء في أنه لا يجب عندهم فعل الجميع و لا يجوز تركه و أيّها تحقق تحقق الامتثال لكونه متضمنا للواجب و لذلك حكم جماعة منهم العلامة بأنه لا نزاع بين الفريقين في المعنى و أنت خبير بأنّ بينهما اختلافا في الجملة لأن الوجوب متعلق بالمخصوص من حيث إنه مخصوص عند الفريق الأول و بالمفهوم الكلّي عند الفريق الثاني و لعل الأحكام تختلف بذلك‏

قوله نعم هنا مذهب‏

(1) إلخ الواجب على هذا المذهب معين عند اللّه تعالى غير معين عند المكلفين يختلف بالنسبة إلى المكلفين لاختلاف اختياراتهم فما اختاره فهو واجب عليه في علمه تعالى و اعلم أن هنا مذهبا آخر و هو أن الواجب واحد معين عند اللّه تعالى و لا تختلف بالنسبة إلى المكلفين و المكلف إن اختاره فهو المطلوب و إن اختار غيره كان ذلك الغير مسقطا

[أصل في الواجب الموسع‏]

قوله الأمر بالفعل في وقت‏

(2) إلخ الفعل بالنسبة إلى الوقت إمّا أن يكون مساويا له كصوم رمضان و يسمى مضيقا و لا نزاع في وقوعه و إما أن يكون زائدا عليه كقدر الركعة بعد البلوغ مثلا و هذا لا يتعلق به الأمر إلا باعتبار حمله على إرادة القضاء و هو في حكم الأداء شرعا و إمّا أن يكون ناقصا عنه و هو الموسع و المصنف لا يذكر الأولين لأنّ الأول لا خلاف في وقوعه و الثاني قليل الجدوى لندرته و منهم من سماهما مضيقين و فسر المضيق بأنه ما لا يفضل وقته عنه و هو شامل لهما جميعا

قوله و يعبّر عنه بالواجب الموسع‏

(3) إمّا لتوسعة وقته أو لتكثر أفراده‏

قوله لظنهم أنه يؤدي إلخ‏

(4) لا يخفى سخافة هذا الوجه و ضعفه‏

قوله و هو الظاهر من كلام المفيد (رحمه الله)ه‏

(5) و عليه بعض الشافعية و هم قد اعتقدوا أن الشارع أوجب الفعل في أول الوقت و جوز تأخيره إلخ استدراكا للفائت‏

قوله تبين أن ما أتى به كان واجبا

(6) أورد عليه أن الوجوب لما كان مختصا بالجزء الآخر لم يكن المقدم واجبا و أجيب تارة بأن الوجوب في تلك الصورة إنما هو في الوقت الذي أتى بالفعل فيه و البقاء على صفة التكليف كاشف عنه و هذا الجواب لا يناسب المقام لأن هذا المذهب خص الوجوب بآخر الوقت مطلقا و أخرى بأن ما فعله كان موقوفا و يصير واجبا بعد حصول الجزء الآخر إن بقي على صفة التكليف و يرد على الجوابين أن النية معتبرة في الصلاة مثلا و هي على هذا التفصيل غير مقدورة و على الجواب الثاني أن كون الصلاة واجبة وجه يقع عليه الصلاة و لا يؤثر في هذا الوجه ما يأتي بعده إذ من شأن المؤثر في وجه الأفعال أن يكون‏