حاشية معالم الدين

- الشيخ محمد صالح المازندراني المزيد...
256 /
101

مقارنا لها به و لا يتأخر عنها قوله‏

كان نقلا

(1) قيل مقصوده إنه كان نقلا مسقطا للفرض و أورد عليه أنه إن خرج في آخر الوقت عن صفات التكليف لم يتحقق الوجوب في شأنه فلا يكون مسقطا للفرض و أجيب عنه بأنه لم يرد أنه تحقق هنا الوجوب و سقط به بل أراد أنه لم يتحقق في شأنه الوجوب و بعد ذلك يرد عليه أمران أحدهما أنه لو لم يفعله لزم أن لا يكون إثما مع ظن الموت قبل الآخر و الثاني أنهم أجمعوا على أن الأذان و الإقامة مختصان بالصلاة الواجبة فيلزم أن لا يجوز فعلهما مع الصلاة في أول الوقت‏

قوله و إنما هما لبعض العامة

(2) ذهب بعض الحنفي إلى الأول و الكرخي إلى الثاني‏

قوله كان واجبا

(3) بالأصالة من غير فرق قوله واجبا رد على المذهب الثاني حيث قال في الأول نفل و قوله بالأصالة رد على المذهب الأول حيث قال في الآخر قضاء تابع للأول و قوله من غير فرق رد على المذهب الثالث و هو ظاهر

قوله يكون‏

(4) راجعا إلى الواجب المخير لأن الواجب على هذا التقدير أحد الأشخاص المتماثلة في النوع المتمايزة بأجزاء الوقت‏

قوله و هو العزم على أداء

(5) الفعل في ثاني الحال إنما فسر البدل بالعزم لعدم وجوب بدل غيره بالاتفاق و إنما أفحم لفظ الأداء للتنبيه على أن من اعتبر بدلية العزم جعله بدلا عن إيقاع الفعل لا عن الفعل نفسه فلا يرد عليه ما أورده صاحب المنهاج من أن كون العزم بدلا عن الفعل يقتضي سقوطه رأسا كما في الكفارات و الطهارات و من أنه يلزم تعدد البدل في أجزاء الوقت مع وحدة المبدل و هو الفعل و أنه باطل لأن البدل مما يقوم مقام الأصل فإذا قام واحد لم يكن في الباقي بدلا لاستواء وجوده و عدمه و وجه عدم الورود أن العزم بدلا عن إيقاع الفعل فغاية ما لزم سقوطه الإيقاعات في أجزاء الوقت قبل الضيق لا سقوط الفعل نفسه و الإيقاع متعدد باعتبار تعدد الأجزاء فكل واحد من البدل و المبدل متعدد و كل بدل يتأدى به مبدله‏

قوله إذا تأخر عن أول الوقت و وسطه‏

(6) إنما خصّهما بالذكر لأن آخر الوقت بقدر ما يقع الفعل فيه لا يجب البدل فيه إجماعا بل يتعين الفعل حينئذ

قوله قال السيّد المرتضى‏

(7) نعم لم يذكر السيد في الذريعة القول بعدم وجوب العزم أصلا و قيل هذا يشعر بكونه غير معروف في عصره‏

قوله دعويان‏

(8) أحدهما تساوي جميع أجزاء الوقت في الوجوب و الأخرى عدم وجوب العزم‏

قوله مستفاد من الأمر

(9) مثل وجوب الصلاة فإنه مستفاد من أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل و من الروايات‏

قوله تحكما

(10) أي ترجيحا بلا مرجح‏

102

و دليل عليه و فيه نظر لأن بمجرد عدم دلالة الأمر على التخصيص لا يلزم أن يكون التخصيص تحكما لأن انتفاء بعض المدارك لا يستلزم انتفاء الكل فتفريع التحكم و جعله نتيجة لما قبله لا يخلو من شي‏ء اللهم إلا أن يقال مقصوده أن التخصيص تحكما إلا أن يكون هناك دليل من خارج بقرينة ما سيأتي‏

قوله و أيضا لو كان الوجوب مختصا

(1) هذا الدليل مثل الأول عام يبطل به المذاهب الثلاثة

قوله فلا يصح كما لو صلاها قبل الزوال‏

(2) عدم الصحة مطلقا ممنوع كيف و الخصم يقول بصحته نفلا و قياسه على ما فعل قبل الزوال فاسد لأنّ الخصم يقول قد جوز الشارع تقديمه إلى الزوال كما جوز تقديم الزكاة إلى وقت معين و تقديم غسل الجمعة إلى أول الخميس عندكم اللهم إلاّ أن يدعى الضرورة أو الإجماع أو يقال جواز ذلك في بعض الصور لما يقتضيه لا يقتضي جوازه مطلقا و في الكل كلام أما في الأول فلأنه دعوى الضرورة في محل النزاع و أما في الثاني فلأن الخصم مخالف فلا نسلم الإجماع و إجماعنا لا ينهض عليهم حجة و أما في الثالث فلأنه دفع للسند

قوله فيكون بتأخيره من وقته عاصيا

(3) أي فيكون المصلي بتأخيره عمدا للواجب الذي هو الصلاة مثلا عن وقته عاصيا و إنما لم يذكر قيد العمد لإشعار التأخير به و للعلم بأن الناسي لا يكون بالتأخير عاصيا و فيه أيضا نظر لأن الخصم إن سلم العصيان بالتأخير يمنع الاجتماع على عدم العصيان و إن لم يسلمه بمنع كون القضاء مستلزما للعصيان فلا يصح التفريع و قياس التأخير الذي لم يتحقق معه العصيان أعني التأخير إلى آخر وقت الظهر على التأخير الذي يتحقق معه العصيان أعني التأخير إلى أن يخرج وقتها و يدخل وقت المختص بالعصر فاسد

قوله و هما خلاف الإجماع‏

(4) أي عدم الصحة قبل آخر الوقت و العصيان بالتأخر عن أوله خلاف الإجماع‏

قوله و لنا على الثانية أن الأمر ورد إلخ‏

(5) قال المصنف في الحاشية عدلنا عن الاستدلال المشهور بينهم على نفي بدلية العزم و هو إن ساوى الفعل في جميع الأمور المعتبرة سقط التكليف به و إلا لم يكن بدلا و أنه إن وجب في الوسط كما وجب في الأول لزم تعدد البدل و هو العزم مع وحدة المبدل منه و هو الفعل و إن لم يجب فهو المطلوب و وجه العدول أن التحقيق ما ذكره بعض الأفاضل من أن القائلين ببدلية العزم لم يجعلوه بدلا عن نفس الفعل بل عن إيقاعه فالمبدل منه هو إيقاعات الفعل في أجزاء الوقت و البدل هو إيقاع العزم فيها لا في الجزء الأخير فكلّ واحد منهما متعدد و كل بدل يتأتى منه مبدله انتهى أقول بقوله لا في الجزء الأخير

103

يندفع الاستدلال الأول لأن وجوب بدلية العزم يسقط الفعل فيما قبله من أجزاء الوقت لا فيه أيضا لأن الفعل فيه متعيّن و لا بدل له فلا يلزم سقوط التكليف‏

قوله و الجواب عن الأول أن الانفصال إلخ‏

(1) حاصله أن الواجب الموسع له في أجزاء الوقت بدل من نوعه و إن لم يكن له بدل من غير نوعه و هو العزم بخلاف المندوب فإنه ليس له بدل أصلا فظهر الانفصال و الافتراق بينهما و هذا الجواب في الحقيقة منع لقوله و حيث يجب فليس هو غير العزم‏

قوله و عن الثاني أنا نقطع‏

(2) الظاهر أن هذا معارضة و في قوله نقطع إشارة إلى أن هذه المقدمة إجماعية قطعية أو ضرورية فلا حاجة إلى الاستدلال بأنه لو كان فاعل الصلاة ممتثلا لها لكونها أحد الأمرين لجاز الإتيان بالعزم دون الصلاة كما في خصال الكفارة حتى يتوجه أنه إن أريد بفاعل الصلاة فاعلها في آخر الوقت فالملازمة ممنوعة لأن الفعل متعين فيه و لا بدل لها و إن أريد بفاعلها فاعلها فيما قبل الآخر فبطلان اللازم ممنوع لجواز الإتيان بالعزم دون الصلاة و حينئذ يمكن أن يكون منعا لقوله ثبت في الفعل و العزم حكم خصال الكفارة أي لا نسلم ثبوت حكم الخصال فيهما و إنما يثبت لو لم يكن الامتثال لخصوصية الصلاة

قوله على تقدير تسليم‏

(3) إشارة إلى منع حصول الإثم بترك العزم أي القصد على الفعل في ثاني الحال لأنه عين محل النزاع‏

قوله على فعل كل واجب إلخ‏

(4) مضيقا كان أو موسعا و في هذا التعميم زيادة مبالغة في أن الإثم ليس لأجل التخيير بين فعل الموسع و العزم لحصوله في ترك عزم غير الموسع أيضا

قوله متذكرا له بخصوصه كحكم خاص‏

(5) مثل وجوب الصوم و إنما اعتبر الالتفات و التذكر في تحقق وجوب العزم لأن الفاعل غير مكلف به‏

قوله حكم من أحكام الإيمان يثبت مع ثبوت الإيمان‏

(6) لم يرد أن العزم بالواجبات أعني إرادة الإتيان بها من لوازم الإيمان غير منفك عنه تحقيقا للتصديق و الإذعان بما جاء به النبي (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) كما ظن إذ لو أراد ذلك لزم أن لا يكون تارك الواجب مع التصديق بوجوبه و تارك العزم عليه مؤمنا و أنه باطل قطعا و أن لا يتخلف العزم على الواجب عن التصديق بوجوبه و بطلانه لا يخفى على ذي مسكة بل أراد أنه من توابعه و روادفه يعني إذا أمن الرجل وجب عليه العزم على الواجبات في أوقاتها إما إجمالا أو تفصيلا على الوجه المذكور و أنت تعلم أن قوله مع ثبوت الإيمان من باب وضع الظاهر موضع الضمير لئلا يتوهم عوده إلى الحكم لأنه يوجب قلب‏

104

المقصود

قوله على الوجه الذي ذكر

(1) من الإجمال و التفصيل‏

قوله و له وجه‏

(2) أي و للتوقف في وجوبه وجه إذ لا دليل على وجوب إرادة الإتيان بالواجبات في أوقاتها قبل تلك الأوقات و لا على عدمه‏

قوله و إن كان الحكم إلخ‏

(3) أي و إن كان الحكم بالوجوب متكررا في كلام الأصحاب لكنه ليس ذلك إجماعا

قوله و ربّما استدل له‏

(4) أي لوجوب العزم على الوجه الذي ذكر

قوله لكونه عزما على الحرام‏

(5) إشارة إلى الصغرى و الكبرى مطوية تقريره العزم على ترك الواجب عزم على الحرام و العزم على الحرام حرام فالعزم على ترك الواجب حرام فحينئذ يجب العزم على فعل الواجب لعدم انفكاك المكلف عن هذين العزمين فحيث امتنع أحدهما وجب الآخر

قوله و هو كما ترى‏

(6) إشارة إلى ما فيه من المناقشات أما أولا فلأن ترك الواجب حين كونه واجبا حرام لا قبله فحرمة العزم على تركه مقيدة بذلك الوقت أيضا إذ لا يزيد الفرع على الأصل و أما ثانيا فلأنا لا نسلم أن العزم على الحرام حرام و إلا لكان العازم على الضرب ظلما عاصيا و هو ممنوع و أما ثالثا فلأن قوله فحينئذ يجب العزم على فعل الواجب ممنوع بل حينئذ يجب عدم العزم على ترك الواجب و هذا العزم من حيث هو لا يستلزم العزم على فعل الواجب‏

قوله فيخرج عن كونه واجبا

(7) فيه نظر لأن جواز ترك الواجب يستلزم خروجه عن كونه واجبا إذا كان معينا و أما إذا كان مخيرا فلا كما في خصال الكفارة لأن جواز ترك بعضها عند الإتيان بالبعض الآخر لا يخرجه عن الوجوب و ما نحن فيه من هذا القبيل‏

قوله ما حققناه آنفا

(8) في إثبات الدعوى الأولى من أن الأمر يدل على التوسعة

قوله لو كان واجبا في الأول‏

(9) المراد بالأول أول الوقت إلى أن يبقى مقدار الفعل فاندفع ما قيل من أن عدم وجوبه في الأول لا بوجوب اختصاص وجوبه بالآخر لجواز تحققه بالوسط و لا حاجة إلى الجواب عنه بأنه لا قائل بالوجوب في الوسط فلا حاجة إلى إبطاله و أنت خبير بأن هذا الدليل لو تم لدل على اختصاص الوجوب بالآخر فقط و لا يدل على أن المقدم نفل مسقط للفرض‏

قوله فإن اللزوم على المدعي إنما يتم إلخ‏

(10) قيل هذا الجواب لا يصح على مذهب من خصّص الوجوب بالأول و الحق أنه يصح بأدنى تصرف لأنهم و إن خصص الوجوب بالأول لكنهم قائلون بأن الفعل ليس بمتعين في الأول بل المكلف مخير بين أدائه في الأول و قضائه في الآخر و لهذا لم يعص بالتأخير إجماعا

[أصل في مفهوم الشرط]

قوله تعليق الأمر

(11) بل مطلق الحكم على شرط مثل أعط زيدا درهما إن أكرمك‏

105

و إن دخلت الدار فأنت حر و الشرط قيل هو ما يتوقف عليه وجود الشي‏ء و أخصّ منه ما قيل من أنه ما يستلزم نفيه نفي أمر لا على وجه السببية و قيل هو المذكور بعد إن و أخواته معلقا عليه حصول مضمون جملة أي حكم بأنه يحصل مضمون تلك الجملة عند حصوله و هذا التفسير أحسن لأن الشرط بهذا المعنى يمكن أن يجعل محل النزاع لا بالمعنى الأول و المراد بالفاضلان العلامة و ابنه فخر الدين‏

قوله يجري في العرف مجرى قولنا الشرط في إعطائه إكرامك‏

(1) فيه نظر لأنا لا نسلم أن المثال المذكور يجري هذا المجرى إما لأن هذا المثال لا يفيد انحصار الشرط في الإكرام بخلاف قولنا الشرط في إعطائه إكرامك فإنه يفيد ذلك لما قرره أئمة المعاني من أن تعريف المبتدإ باللام يفيد انحصاره في الخبر كما في قولك الأمير زيد و الشجاع عمرو و لعل التبادر يستفاد من هذا الانحصار و هو مفقود في المثال و إما لأن المذكور بعد إن و أخواته شرط لإيقاع الحكم أي إصداره من المتكلم كما يقال مثلا إن نزل الثلج فالزمان شتاء معناه نزول الثلج شرط لحكمي بأن الزمان شتاء لا أنه شرط لثبوت الشتاء و وجوده في الخارج فعند انتفاء النزول انتفى حكمي بالشتاء لا ثبوته في الخارج و إنما ينتفي ثبوته فيه لو كان الشرط شرطا لثبوته فيه و هو ممنوع و على هذا فالمثال المذكور يجري مجرى قولنا الشرط في حكمنا بإعطائه إكرامك و المتبادر من هذا انتفاء حكم الإعطاء عند انتفاء الإكرام لا انتفاء الإعطاء في الخارج و هو مطلوبكم و لا ينفع لكم القول بأن الجزاء إن كان إنشاء لزم من انتفاء إيقاعه انتفاء وقوعه و ثبوته لما تقرر من أن الإنشاء لا خارج له لأن دعواكم في مفهوم الشرط مطلقا سواء كان الجزاء خبرا أو إنشاء و إما لأن مدخول إن يجوز أن يكون سببا فيجري المثال حينئذ مجرى قولنا السبب في إعطائه إكرامك و لا نسلم أن المتبادر من هذا انتفاء الإعطاء عند انتفاء الإكرام لجواز وجوده بسبب آخر إذ الشي‏ء الواحد يجوز أن يكون له أسباب متعددة و القول بأن جواز وجود سبب آخر لا يضر في ظهور انتفاء الحكم لأن الأصل عدمه مدفوع بما ستعرفه في الجواب عن استدلال السيّد و بعد جميع ذلك يرد أن حجية مفهوم الشرط عندكم مشروط بأن لا يكون خلاف الشرط أولى منه في الحكم و لا مساويا له و إلا لكان الحكم ثابتا عند ثبوت ذلك المخالف قطعا و حينئذ يجوز أن يكون للحكم شرط آخر أولى أو مساو للشرط المذكور فلا يلزم انتفاء الحكم عند انتفائه على أن ما ذكرتم ينتقض بنحو إن كان هذا إنسانا فهو حيوان فإنّ انتفاء الإنسانية لا يقتضي انتفاء الحيوانية اللهم إلا أن يقال هذا المثال و أمثاله واردة على قاعدة المعقول غير صحيح عند أرباب اللغة

قوله بل هو حرام‏

(2) مطلقا سواء أردن التحصّن أو لا

قوله و الجواب عن الأول‏

(3) يمكن دفعه بأن السيّد يقول إذا جاز أن يكون للشي‏ء شروط متعددة كل واحد منها مستقل فعند انتفاء شرط مخصوص كالإكرام في مثالكم لا ينتفي المشروط كالإعطاء و هذا ظاهر لا سترة عليه فهذا الجواب تسليم لما ادعاه‏

106

السيّد كما لا يخفى‏

قوله كان الحكم مختصا

(1) يمكن دفعه بأن مقصود السيد أنه إذا جاز أن يكون للشي‏ء شروط كثيرة و وقع ذلك في كثير من المواضع كما يشعر به قول أكثر من أن يحصى لم يحصل لنا مع عدم العلم بوجوده رجحان عدمه و ما قيل في العام قبل الفحص عن المخصص من أنه لا يحصل لنا الظن بعدمه بناء على أصالة العدم لكثرة وقوع التخصيص في العمومات‏

قوله و الموضوع هنا منتف‏

(2) المراد بالموضوع الإكراه و هو منتف عند عدم إرادة التحصن‏

قوله لأنهنّ إذا لم يردن التحصن فقد أردن البقاء إلخ‏

(3) الملازمة ممنوعة لوجود الواسطة و هي عدم إرادة شي‏ء منها و لو قال لأنهن إذا لم يردن التحصن لم يردن عدم البغاء سواء أردن البغاء أو لا و مع عدم إرادتهن البغاء إلخ لسلم عن هذا المنع و قد يجاب عنه بأن كل ضدين لا ثالث بينهما لا يجوز خلوهما عن الإرادة بل لا بد من أن يكون أحدهما مرادا و هذا إنّما يتم عند من فسر الإرادة بالصفة المخصصة لأحد المقدورين بالوقوع و لا شبهة في أن أحد الضدين واقع البتة فلا بد له من أمر يخصصه بالوقوع و هو الإرادة و أما عند من فسرها بأنها ميل يتبع اعتقاد النفع فيجوز خلو الضدين عنها لجواز أن لا يكون للنفس ميل إلى شي‏ء منهما

قوله فلا يتعلق به الحرمة

(4) و لا يتعلق به الإباحة أيضا و لم يذكرها اكتفاء بما مرّ

قوله فالمولى أحقّ بإرادتها

(5) لكماله في العقل و نقصانهن ففيه تحريك لحميّة المولى‏

قوله أو أن الآية نزلت فيمن يردن التحصن‏

(6) حاصله أن في التقييد تنبيه على تحقق الإرادة في تلك الحالة كما قيل إن لابن أبي كانت ست جوار و كان هو يكرهن على البغاء و ضربهن عليه فشكا بعضهن إلى النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) فنزلت الآية و اعترض بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب و قد اعتبر في هذا الجواب خصوص السبب و أجيب بأن ما استفيد من اللفظ و هو تحريم الإكراه عند إرادة التحصن عمومه باق إلى يوم القيامة و لم يتخصص بالسبب نعم لم يثبت مفهوم الشرط لظهور فائدة أخرى للشرط و غيره‏

[أصل في مفهوم الوصف‏]

قوله و اختلفوا

(7) إلخ يعني و اختلفوا في أن تعليق الحكم على إحدى صفتي الذات مثل في الغنم السائمة زكاة هل تقتضي نفيه عند انتفائها و ثبوت الأخرى مثل المعلوفة أم لا و ينبغي تقييد محل النزاع بما إذا لم يكن للوصف فائدة أخرى غير نفي الحكم عن محل ذلك الوصف و إلا فلا يقتضي نفيه اتفاقا كما في قوله تعالى و لا تقتلوا أولادكم خشية إملاق و تلك الفائدة هنا منعهم عن عادتهم من قتل أولادهم خشية للفقر على ما فيه من الإشعار

107

بأولوية الحكم في خلافه‏

قوله و جنح‏

(1) جنح بالجيم و النون و الحاء المهملة بمعنى مال‏

قوله و العلامة

(2) ذهب العلامة إلى أن تعليق الحكم بالوصف لا يقتضي نفيه عند انتفائه إلا على تقدير أن يكون الوصف علّته لذلك الحكم فإنه حينئذ يقتضي انتفاءه عند انتفائه و إلا لزم إما إبطال علية ما فرض علة و ذلك إذا كان الحكم في غير محل الوصف معللا بعلة أخرى فلا يكون ذلك الوصف علّة تامة بل العلة حينئذ أحد الأمرين هذا خلف و إما وجود المعلول بدون العلة و ذلك على تقدير استناد الحكم في غير محل الوصف إلى هذا الوصف الزائل و أنه محال و هاهنا بحث و هو أن تعليق الحكم بالوصف كما هو موضوع المسألة يشعر بالعلية فإذا اعترف بأن علية الوصف يقتضي حجية مفهومه فلا بد له من الاعتراف بحجية مفهوم كل وصف اللّهم إلا أن يقال المراد بعلية الوصف ثبوتها بالنص أو يقال المراد أنه إذا ثبت أن الوصف وحده علّة للحكم ينتفي الحكم بانتفائه‏

قوله و كثير من الناس‏

(3) كأبي علي و أبي هشام و المتكلّمين كلهم و ابن شريح و جماعة من الشافعية كأبي بكر الفارسي و أبي القفان و جماعة من الحنفية و غيرهم‏

قوله و لأنه لو كان كذلك إلخ‏

(4) أي و لأن نفي الحكم عن غير محلّ الوصف لو كان عين إثباته في محله أو جزئه لكانت دلالة التعليق عليه بالمنطوق إذ المنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق سواء كان مطابقيا أو تضمنيا و الخصم معترف بأنها ليست بالمنطوق فلا حاجة لنا إلى الاستدلال على نفي المطابقة و التضمن‏

قوله فلأنه لا ملازمة في الذهن و لا في العرف إلخ‏

(5) ممنوع إذ لا شبهة في أن أهل العرف يفهمون من قولنا أهن زيدا الفاسق انتفاء الإهانة عند انتفاء الفسق حتى شاع بينهم أن التعليق بالوصف مشعر بالعلية سلمنا و لكن المثبت يقول يستنبط منه نفي الحكم بالتأمّل الصادق و إن لم يكن به شعور في حال الخطاب و لزوم الشعور إنما هو في الخطاب الصريح دون الضمني و قد مر مثله‏

قوله و جرى مجرى قولك الإنسان الأبيض لا يعلم الغيوب‏

(6) ذكر الأبيض لما لم يكن مفيدا لثبوته العلم بغيره كان مستهجنا عاريا عن الفائدة و مثله أسود

قوله فيما ذكرتموه‏

(7) من انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف‏

قوله بل هي كثيرة إلخ‏

(8) لا ريب في كثرة فوائده لكن المثبت يدعي أن أظهرها ما ذكر و مجرد الاحتمال لا يقدح في الظهور

قوله و جوابه أن المدعى‏

(9) يمكن تقرير الاعتراض بوجه يندفع عنه هذا الجواب و هو أن التخصيص يقتضي نفي الحكم إذا لم يظهر له فائدة أخرى مساوية لذلك النفي في الظهور لا مطلقا و ما ذكرتم من الاحتمالات لا يساويه في الظهور

[أصل في مفهوم الغاية]

قوله يدل على مخالفة ما بعدها

108

لما قبلها

(1) قيل هذا ينافي الحكم بوجوب غسل المرفق و الجواب أنه يجوز تخلف الحكم المنفي بالمفهوم عمّا بعدها لدليل كالإجماع و فعله (عليه السلام) و نحوهما

قوله بعض العامة

(2) كالآمدي و أبي حنيفة

قوله معناه آخر وجوب الصوم مجي‏ء الليل‏

(3) فيه نظر لأنه يجوز أن يكون معناه أن الحكم النفسي أعني إيجاب الصوم هذا الإيجاب آخره مجي‏ء الليل و هذا إنما يدل على انتفاء هذا الحكم فيما بعده لا على انتفاء الوجوب و بعبارة أخرى إن أردت أن معناه آخر وجوب الصوم المستفاد من هذا الخطاب مجي‏ء الليل فمسلم لكن قولك فلو فرض ثبوت الوجوب بعد مجيئه لم يكن الليل آخره ممنوع لأن الحكم الثابت فيما قبل الغاية مقتضى هذا الخطاب و الحكم الثابت فيما بعدها من مقتضى خطاب آخر فمجي‏ء الليل آخر بالنسبة إلى الأول و وسط إلى الثاني و لا ضير فيه و إن أردت بالنسبة أن معناه آخر وجوب الصوم المطلق مجي‏ء الليل فهو ممنوع‏

قوله بخلافه هناك‏

(4) حال عن الضمير المستكن في الظاهر و الضمير عائد إلى اللزوم و هناك إشارة إلى التعليق بالصفة

قوله أقوى دلالة من التعليق بالشرط

(5) الأظهر أن يقول من التعليق بالصفة إلا أن التعليق بالشرط لما كان أقوى من التعليق بالصفة كان التعليق بالغاية أقوى من التعليق بالصفة أيضا

[أصل في الأمر مع انتفاء الشرط]

قوله و إن علم الأمر انتفاء

(6) شرطه إذا كان الفعل مشروطا بشرط فلا يخلو إما أن يكون الشرط موجودا في وقت ذلك الفعل أو لا و على التقديرين فالأمر و المأمور إما عالمان به أو غير عالمين أو بالتفصيل فهذه ثمان صور فإن كان الشرط موجودا جاز الأمر به مطلقا و إن كان مفقودا أو كان الأمر جاهلا جاز أيضا سواء كان المأمور جاهلا فعند الجمهور من الأشاعرة يجوز و عند أصحابنا و المعتزلة لا يجوز

قوله و ربّما تعدى في بعض متأخريهم‏

(7) زعم بعض متأخريهم أنه فرق بين جهل المأمور و علمه بانتفاء الشرط لعدم اقتداره على الفعل حينئذ و أيضا لا يصلح للمانعية كما في صورة الجهل و الجواب عدم المانع لا يكفي في جواز الأمر بل لا بد من وجود الباعث أيضا و هو متحقق في صورة الجهل دون العلم لأنه إذا جهل يطيع و يعصي بالبشر و الكراهة بخلاف ما إذا علم فإنه لا يتصور العزم عليه و التوجه إليه علما يتصور هنا تلك الفائدة

قوله كون الأمر جاهلا بالانتفاء

(8) الجهل بالانتفاء إنما يتصور في الشاهد و لهذا مثل به و أما الغائب فلا يعزب عنه مثقال ذرة ثم المقصود أنه يصح الأمر من الجاهل بانتفاء الشرط و يكون الأمر مشروطا بحصوله فإن حصل ثبت التكليف و إن انتفى تبين عدمه و المخالفون يقولون‏

109

بثبوت التكليف مع انتفاء الشرط في هذه الصورة و في صورة العلم أيضا

قوله بما ترى‏

(1) متعلق بالترجمة و المعنى لا يعجبني التعبير عن هذا البحث بما ترى من ذكر الشرط مطلقا إذ لا نزاع في جواز الأمر بالواجب المطلق عند انتفاء شرطه كالأمر بالصلاة عند عدم الطهارة و إنما النزاع في شرط الواجب المقيد كالتمكن من الفعل و القدرة عليه و الحياة و نحوها

قوله و إنما لم أعدل‏

(2) كأنه جواب عن سؤال مقدر و تقديره أن هذه الترجمة إذا كانت غير مستحسنة لم جئت بها و لم ما عدلت عنها إلى ما هو أحسن منها و تقرير الجواب أني لم أعدل عنها قصدا إلى مطابقة دليل الخصم لدعواه لأنه جعل الشرط مطلقا مطلبا و أقام عليه الدليل بقرينة جعل إرادة المكلف من الشروط مع أنها من شرائط الوجود دون الوجوب‏

قوله و أحسن التأدية عن أصل المطلب‏

(3) حيث خصّص الشرط بشرط الوجوب و لم يعتبره مطلقا

قوله و يزعمون أنه يكون مأمورا بذلك مع المنع‏

(4) يعني أنهم قالوا يجوز أن يكلف اللّه سبحانه العبد بشرط أن لا يمنعه ثم إذا وقع المنع منه لا ينافي كونه مأمورا كما إذا أمر الإنسان بالصوم المعين بشرط أن لا يسافر فإذا لزمه السفر بقي الأمر حينئذ بحاله كذا نقل عنه ولده (قدّس سره)

قوله و الذين يبين ذلك‏

(5) إلى آخره إن ادعى أنه سبحانه لا يأمر بالفعل عند انتفاء شرطه و بينه أن ذلك قبيح في شأننا فكيف في القديم المنزه من كل نقيصة و إنما نسب العلم بانتفائه إلى أخبار الرسول لأنا علمنا بذلك عقلا ممتنع كما يجي‏ء فانحصر طريقه إلى النقل ثم إن ذكر الرّسول على سبيل التمثيل و إلا فأخبار كل معصوم مثله‏

قوله قبح منا أن نأمره بذلك‏

(6) ممنوع لأنه إنما يتم لو كان الغرض من التكليف هو الامتثال فقط و ليس الأمر كذلك و إن الأمر كما يحسن للامتثال بالمأمور به كذلك يحسن للامتحان و الاختبار بما يظهر من المأمور من أمارات البشر و الكراهة على أن الخصم و هو الأشاعرة لا يسلم منكم دعوى القبح العقلي‏

قوله فقد علمنا

(7) مرفوع على أنه فاعل يحسن يعني حسن فقد علمنا بصيغة المأمور في المستقبل دخول الشرط فيها كقولنا افعل غدا إن كنت باقيا على صفة التكليف و إن كان لنا علم ببقائه عليها قبح هذا الشرط لأنه إنما يدخل في المشكوك فيه دون المعلوم‏

قوله و لنا إليه طريق‏

(8) الظاهر أنه منصوب على أنه حال من العلم و ضمير إليه يعود إليه و يحتمل أن يكون معطوف على يصح و الضمير حينئذ يعود إلى الموصول‏

قوله نحو حسن الفعل‏

(9) فلا يصح أن يقال افعل هذا إن كان حسنا مع العلم بحسنه إن الشرط إنما يناسب دخوله على المشكوك‏

قوله لا يصح أن‏

110

يعلم عقلا

(1) محصله أن العقل غير مستقل في الحكم بأن المأمور متمكن من الفعل في المستقبل لأنه يجوز موته أو جنونه مثلا فحينئذ طريق العلم به منحصر في خبر المخبر الصادق ما ذا فقد الخبر دخل الشكّ فيه فوجب الشرط عند الأمر به و بالجملة إن علم التمكن قبح الشرط و إلا وجب‏

قوله و يكون الظن في ذلك قائما مقام العلم‏

(2) حاصله أن صحة الأمر موقوف على علم الأمر بالتمكن حيث أمكن و إن تعذر قام الظن به مقامه‏

قوله دون من لا يعلم أن لا يتمكن‏

(3) يفهم منه أنه لا يجب أن يوجه الأمر نحوه حينئذ و المقصود أنه لا يجوز و لو قال بدل وجب جاز لكان أظهر

قوله فلا غرو

(4) بالغين المعجمة و الراء المهملة السّاكنة بمعنى لا عجب‏

قوله و أقلها إرادة المكلف‏

(5) إنما أضاف الإرادة إلى المكلّف مع أن المستدل و هو الأشعري غير قائل بها إلزاما للخصم و هي المعتزلة و الإمامية لأنهم ينكرون استناد أفعال العباد إليه سبحانه‏

قوله فلا تكليف فلا معصية

(6) أما عدم التكليف فلعلمه تعالى بانتفاء شرطه كالإرادة و أما عدم المعصية فلأنها باعتبار مخالفة التكليف و هو منتف‏

قوله فلأنه مع الفعل و بعده ينقطع التكليف‏

(7) أي عند المعتزلة إذا التكليف عند الأشاعرة لا ينقطع مع الفعل فهذا أيضا دليل إلزامي و اعترض بأنه لا يلزم من انقطاع التكليف بعد الفعل أن لا يعلم أحد أنه مكلف لجواز أن يعلم بعده كونه مكلفا لكن لا حينئذ ليزد بالإجماع و لا في حال الفعل ليدفع بأنه مناقض لمذهبهم بل قبله و لا استحالة فيه و على هذا يبطل الملازمة و أجيب بأن معنى قوله لم يعلم أحد أنه مكلف لم يعلم في شي‏ء من الأزمنة أنه مكلف في ذلك الزمان فاندفع الإيراد و تم الملازمة و أنت خبير بأن اللازم من الدليل حينئذ انتفاء العلم بالتكليف من بعض الوجوه لا مطلقا لبقاء احتمال واحد للعلم به و هو ما ذكره المعترض فكون اللازم ضروري البطلان ممنوع‏

قوله و قبله لا يعلم‏

(8) اعترض بأنه لا يلزم من انتفاء العلم بالتكليف قبل الفعل و معه و بعده انتفاء العلم به مطلقا لجواز أن يعلمه في الجملة و إن لم يعلمه بأحد من الوجوه الثلاثة و أجيب بأن العلم بالتكليف مع العلم بامتناع كونه في شي‏ء من تلك الأزمنة محال ضرورة أنه لو حصل العلم لحصل في واحد منها لاستحالة وجود المشترك في الخارج دون معين منها

قوله و اجتمعت الشرائط عند دخول الوقت‏

(9) بشرط أن يمضي من الوقت ما يسع فيه الفعل فإنه لا ينقطع التكليف حينئذ كما في المضيق‏

قوله الثالث لو لم يصح‏

(10) أي لو لم يصح التكليف بما علم عدم شرطه لم يعلم إبراهيم (عليه السلام) وجوب ذبح ولده و اللازم باطل أما الملازمة

111

فلانتفاء شرط وجوب الذبح عند وقته و هو عدم نسخه و هذا يقتضي عدم وجوبه المستلزم بعدم العلم بالوجوب ضرورة أن العلم بالشي‏ء فرع ثبوته في نفسه و أمّا بطلان اللازم فلأنه لو لم يعلم لم يقدم على ذبح ولده بتهية الأسباب من الإضجاع و تله للجبين و إمرار المدية على حلقه لأنه حرام على تقدير عدم العلم بالوجوب و لم يحتج أيضا على فداء و قد قال اللّه تعالى و فديناه بذبح عظيم‏

قوله و حينئذ فتوجه المنع عليها جلي‏

(1) أي إذا كان النزاع في الشرط الذي يتوقف عليه تمكّن المكلف شرعا و قدرته على امتثال الأمر لا في الشرط مطلقا فتوجه المنع على المقدمة جلي ظاهر إذا أراد باللازم عدم عصيان أحد بترك الواجبات مطلقا لأن هذا ليس بلازم لعدم صحة التكليف عند العلم بعدم التمكن و القدرة بالضرورة و إنما اللازم له عدم العصيان بترك هذا الفعل الذي علم عدم التمكن و القدرة عليه و إن أراد باللازم عدم العصيان بترك الفعل فبطلانه ممنوع و إنما لم يتعرض المصنف لهذا لأن مساق الدليل يأبى إرادة هذا المعنى‏

قوله المنع في بطلان اللازم‏

(2) و هو أنه لم يعلم أحد في شي‏ء من الأزمنة أنه مكلف في ذلك الزمان و السند أنا نذهب إلى أنه بعد خروج الوقت يعلم أنه كان مكلفا بالفعل في ذلك الوقت‏

قوله و ليس يجب‏

(3) جواب عن سؤال مقدر تقريره لو كان العلم بالتكليف بعد مضي وقت الفعل لا قبله لزم أن يسقط عنه وجوب التحرز عن ترك المأمور به عند دخول وقته لعدم علمه بالتكليف و أنه باطل بالاتفاق و تقرير الجواب أنه إذا دخل الوقت و المكلف على شرائط التكليف غلب ظنه ببقائه عليها و وجب عليه التحرز من الترك و لا يحصل ذلك التحرز إلا بالشروع في الفعل و بالجملة وجوب التحرز ليس موقوفا على العلم بالتكليف بل يكفي الظن به و أورد بأن هذا الجواب يستلزم وجوب الفورية في الموسع لما يظهر من قوله و لا يحصل ذلك كالتحرز إلا بالشروع في الفعل و يمكن أن يجاب بأن الموسع له أفراد و كل فرد منه واجب على التخيير و لا يحصل التحرز عن ترك فعل الفرد الأول إلا بالشروع فيه فإذا تركه كان الحكم في الفرد الثاني مثله و ليس المراد أنه لا يحصل التحرز عن ترك الماهية إلا بالشروع في الفعل فليس فيه دلالة على وجوب الفورية

قوله أن يخترم السبع‏

(4) في القاموس اخترم فلان مبنيا للمفعول مات و اخترمته المنية أخذته فالسبع فاعل و المفعول محذوف‏

قوله بنية الفرض‏

(5) و لو لم يكن عالما بأن الفعل وجب عليه لم يجب عليه نية الفرض و يظهر من هذا الاستدلال بأن ما اشتهر بين الأصوليين من أن التكليف بالفعل عند الأشاعرة إنما يتوجه عند المباشرة به لا قبله ليس على ما ينبغي لأنهم يقولون يتوجه التكليف قبل الفعل و بقائه حال المباشرة ثم إن دعوى الإجماع وجوب نية الفرض‏

112

مع وجود المخالف إما مبني على انعقاده قبل الخلاف أو على أن المخالف نادر لا يعبأ به‏

قوله إذ يكفي‏

(1) إلى آخره إشارة إلى الجواب المستفاد من الكلام السابق تقريره أن الإجماع على وجوب نية الفرض لا يدل على حصول العلم بالتكليف قبل الفعل إذ يكفي في وجوبها غلبة الظن بالبقاء و التمكن حيث لا سبيل إلى القطع و هي حاصلة لما مرّ

قوله الذي هو فري الأوداج‏

(2) يقال فريت الشي‏ء أفريه فريا أي قطعته و الأوداج جمع ودج بالتحريك و هو عرق في العنق‏

قوله بل كلف بمقدماته‏

(3) يمكن أن يجاب عنه بأن الظاهر المتبادر في قوله إنّي أذبحك فري الأوداج و المأمور به في قوله افعل ما تؤمر هو الذبح لأن غيره لم يكن مذكورا و أما حمله على المقدمات المذكورة فمجاز لا يصار إليه إلا بدليل و دلالة قوله و ناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا باعتبار أن تصديق الرؤيا هو فعل ما هو مرئي في المنام و ما فعل (عليه السلام) إلا مقدمات الذبح فهي المرئية في المنام دون الذبح لعدم وقوعه مدفوعة بأن الأمر بالذبح مستلزم للأمر بمقدماته و الشارع في المأمور به يصح أن يقال له إنه مصدق له قبل إتمامه على أنا لو لم نقل بوجوب المقدمة لصح أيضا إطلاق التصديق للشروع فيها كما لا يخفى على المنصف و يؤيد ما ذكرناه أمور الأول قوله تعالى إنّ هذا لهو البلاء المبين إذ الظاهر أن هذا إشارة إلى الذبح بالمعنى الحقيقي بقرينة التأكيد بإنّ و اللام و اسمية الجملة و بالتعريف المفيد للحصر مع تأكيده بضمير الفصل و بالوصف المفيد لامتياز هذه البلية من بين البلايا لشدتها و استيحاشها في النفس و أما حملها على المقدمات فبعيد لسهولة الامتثال بها و عدم وحشتها في النفس مثل الذبح و القول بأن تلك المقدمات بلية عظيمة باعتبار عدم العلم بمآل الأمر و احتمال أن يؤمر بالذبح نفسه بعدها ففيه مناقشة من جهتين أما أولا فلأن العظمة إنما هي بالغير بخلاف ما ذكرنا فهو أولى و أما ثانيا فلأن الأمر بذبح الإنسان خلاف المتعارف فذلك الاحتمال بعيد جدا و الثاني قوله تعالى و فديناه بذبح عظيم إذ الظاهر أن الأمر كان متعلقا بذبحه و أن الفداء بدل عنه لأن الأمر لو كان متعلقا بالمقدمات و قد فعلها فلم يحتج إلى الفداء إن الفداء بدل و لا حاجة إلى البدل مع وجود المبدل منه على أن الظاهر أن يكون الفداء من جنس المفدي و القول بأن الفداء بدل من مقدمات الذبح زيادة على ما فعله لم يكن قد أمر بها أو عمّا ظن أنه سيؤمر به من الذبح نفسه بعيد غاية البعد إن الفداء عمّا لم يجب غير معقول ظاهرا و قد يجاب عن أصل الدليل بأن‏

113

تعلق الأمر بالذبح مسلم و لكن انتفاء شرطه يعني عدم نسخه ممنوع لأنه روي أنه فرى أوداج ابنه لكن كلما فرى جزءا أعاد ملحما فقد فعل ما أمر به من الذبح و إن لم يبطل الحياة و ربما يدفع ذلك أولا بأنه خلاف العادة و الظاهر و لم ينقل نقلا معتبرا و ثانيا بأنه لو ذبح ما احتيج إلى الفداء و يمكن الجواب عن الأخير بأن الفداء بدل عن الحياة لا عن الذبح‏

قوله و عن الرابع أنه لو سلم‏

(1) إشارة إلى منع كون الأمر بالفعل حسنا لمصالح تنشأ من نفس الأمر دون المأمور به كالابتداء و الامتحان و توطين النفس على الامتثال و العزم على الإتيان به مستندا بأن ذلك إنما يعقل إذا كان الآمر جاهلا بأحوال المأمور و أما إذا كان عالما فلا معنى له و الحق أن هذا المنع مكابرة لأن الكلام في خواص صيغة الأمر و مقتضياتها من غير ملاحظة لخصوص الآمر على أن ذلك لا يمتنع في حق العالم أيضا و إنّما يمتنع لو كان المقصود تحصيل العلم و أما إذا كان المقصود إكمال الحجة على المأمور و إيصال النفع إليه بالعزم على الطاعة و عدمه فلا و من هنا ظهر بطلان الحصر في قوله فإنما يحسن لمكان التوصل إلخ و ممّا يؤيد ما ذكرناه أن الكفار الذين علم اللّه بأنهم لا يؤمنون مثل أبي جهل و أضرابه مكلفون بفروع الشريعة و إن كان بين هذا و ما نحن فيه فرقا لأن كلامنا في شرط التمكن بالفعل كالقدرة و الحياة و نحوهما و الإيمان ليس من هذا القبيل بل من قبيل الطهارة و الإرادة و نحوهما

قوله و ليس النزاع فيه بل في نفس الفعل‏

(2) فيه نظر لأن النزاع إنما هو في مجرد تعلق الأمر بما علم انتفاء الشرط و أما أن المطلوب من ذلك الأمر هل هو نفس الفعل أو العزم عليه فأمر خارج عن محلّ النزاع كما يشهد به عنوان المسألة و احتجاج الخصم فعلى هذا ما ذكره المصنف يجعل النزاع في المسألة لفظيا

[أصل في نسخ الوجوب‏]

قوله لنا أن الأمر إنّما يدل إلخ‏

(3) توضيحه أن الأمر إنما يدل تضمنا على الجواز بالمعنى الأعم الذي هو قدر مشترك بين الأحكام الأربعة المذكورة أعني الإذن في الفعل لا على الجواز بالمعنى الأخص الذي هو قدر مشترك بين الثلاثة الأخيرة أعني الإذن في الفعل و الترك معا لأنه مناف للوجوب ضرورة أن الوجوب غير متضمن للإذن في الترك و إنما نفي الجواز بهذا المعنى لأنه لو فرض ثبوته في الوجوب لكان باقيا بنفسه بعد نسخ الوجوب لاقترانه بقيد من القيود و المقصود بيان عدم إمكان بقائه بنفسه بعده و إذا ثبت أن الجواز بالمعنى الأعم جنس للأحكام الأربعة ثبت أنه لا يتقوم و لا يتحصل إلا بما فيها من القيود و الفصول كما هو حكم سائر الأجناس‏

114

فالمدعي لبقائه بعد النسخ إن ادعى بقاءه بعد النسخ بنفسه أي من غير ضم فصل إليه فهو باطل بالضرورة و إن ادعى بقاءه بعده لا بنفسه بل بواسطة اقترانه بفصل آخر من الفصول و هو الإذن في الترك باعتبار أن الناسخ لما رفع فصل الوجوب أعني المنع من الترك انضم مع الجنس فصل آخر أعني الإذن في الترك ضرورة أن رفع أحد النقيضين يستلزم ثبوت الآخر ففيه أن هذا موقوف على كون النسخ متعلقا بالمنع من الترك الذي هو جزء لمفهوم الوجوب و فصل للجواز دون المجموع مثل أن يقال نسخت المنع من الترك أو رفعته أو نحوهما و لا نزاع فيه بل النزاع إنما هو في مثل نسخت الوجوب و هو كما يحتمل رفع المنع من الترك لكونه كافيا في رفع الكل كذلك يحتمل رفع المجموع و هذان الاحتمالان متساويان فبقاء الجواز و عدمه متساويان فلا دلالة للنسخ على البقاء و فيه نظر لأنا لا نسلم أن الاحتمالين متساويان لأن الفصل قيد و الظاهر رجوع النفي إلى القيد كما تقرر فيمن منعه و لأن المقتضي لكل واحد من القيد و المقيد و هو الأمر متحقق قبل النسخ لأن المقتضي للمركب أعني الوجوب مقتض لكل واحد من أجزائه و رجوع النفي إلى القيد متيقن قطعا لأن النفي إما أن يعود إلى القيد فقط أو إلى المقيد فقط و رفع القيد على الأولين ظاهر و كذا على الأخير لأن رفع الإذن في الفعل يستلزم رفع المنع من الترك أيضا بالظاهر فعلى التقادير رفع المنع من الترك معلوم و رفع الإذن مشكوك و يتمسك في بقائه بأن الأصل في كل ثابت استمراره إلى أن يعلم زواله فليس‏

قوله كذلك‏

(1) يحتمل التعليق بالمجموع لم يرد تعلقه بالمجموع من حيث المجموع و إن كان باعتبار أجزائه لأنه يعود إلى الاحتمال الأوّل بل أراد تعلقه بالمجموع باعتبار كل واحد من أجزائه‏

قوله أو بالجزء الأخير

(2) الذي هو رفع الحرج عن الفعل و هو الذي جعله أولا جنسا للأحكام الأربعة أعني الإذن في الفعل فقط

قوله لكونه راجعا في الحقيقة إلى التعلق بالمجموع‏

(3) لأن نسخ رفع الحرج عن الفعل يستلزم رفع المنع من تركه أيضا و إنما حكم بأن فائدة هذا الاحتمال قليلة و لم يحكم ببطلانه لأن المقصود إحاطة جميع احتمالات العقلية و الإشارة إلى تفصيلها صريحا و لا ينافي هذا عود بعضها إلى بعض باعتبار لأن قوله لأن الوجوب ماهية مركبة يعني أن الوجوب مركبة من الجزءين و رفع المركب قد يكون برفع كل واحد من جزأيه و قد يكون برفع أحدهما فهو أعم منهما و العام لا يدل على الخاص أصلا فإذن لا دلالة لنسخ الوجوب على ارتفاع‏

115

الجواز إذ يكفي في نسخه رفع المنع من التّرك فلا يكون النسخ مانعا من الجواز فإن قلت النسخ كما لا يدلّ على ارتفاع الجواز كذلك لا يدل على تحققه قلنا الدلالة على تحققه غير مستندة إلى النسخ بل مستندة إلى الأمر فإن قلت النسخ متوجه إلى الأمر فلا يبقى مقتضاه قلنا النسخ يتوجه إلى الوجوب دون الأمر إذ توجهه إلى الأمر موقوف على دلالة النسخ على رفع كل واحد من جزأي ماهيّة الوجوب و قد عرفت حالها

قوله أحدهما

(1) أن الخلاف واقع قال المصنف في الحاشية لا يخفى أن المستند هنا مساو للمنع فلذلك جاز الكلام عليه أقول مساواته للمنع غير ظاهر لأن له سندا آخر و هو أن يكونا معلولي علّة واحدة

قوله و قال إنهما معلولان لعلّة واحدة

(2) هذا أيضا يكفي للمانع لأن المراد بالعلّة هنا هي العلة التّامة و لا خفاء في أن زوال أحد المعلولين مستتبع لزوال علته التّامة لامتناع تخلف المعلول عن العلة و زوال العلّة يقتضي زوال المعلول الآخر أعني الجواز لأن المعلول يزول بزوال علته فثبت مانعية النسخ لبقاء الجواز على هذا التقدير أيضا

قوله و ثانيهما أنا و إن سلمنا كونه علة فلا نسلم إلخ‏

(3) لما ادعى المانع عليه الفصل أولا و اقتضاء زواله لزوال الجواز ثانيا صح إيراد المنع عليهما و لا يكون من باب إيراد المنع على المنع نعم لو حمل كلامه على المنع جاز يقال مراده أن عدم مانعية النسخ الوجوب لثبوت الجواز موقوف على أمرين أحدهما أن لا يكون الفصل علة للجنس و الثاني أن لا يقتضي زوال العلّة زوال المعلول و كلاهما ممنوع لكان من هذا الباب فليتأمّل‏

قوله أحدهما المنع من الترك‏

(4) و الآخر الإذن فيه الجواز مع القيد الأول عبارة عن الوجوب و قسيم لأخواته و مع القيد الآخر جنس للندب و الكراهة و الإباحة بالمعنى الأخص‏

قوله فإذا زال الأول خلفه الثاني‏

(5) لأن الثاني نقيض الأول و رفع أحد النقيضين يستلزم ثبوت الآخر لأن زيدا الموجود إذا لم يثبت له عدم القيام فقد ثبت له القيام قطعا

قوله و الأصل استمراره‏

(6) لا يقال كما أن الأصل استمرار البقاء لتحقق مقتضيه و هو الأمر كذلك الأصل استمرار المنع من الترك مقتضية أيضا فالقول بزوال الثاني دون الأول تحكم لأنا نقول لا مفر لزوال الثاني بعد ورود النّسخ لأنك قد عرفت أن زوال الثاني متحقق حينئذ على جميع التقادير سواء تعلق النسخ بالثاني أو بالأول أو بهما جميعا بخلاف زوال الأول فإنه غير متحقق عند تعلّق النسخ بالأخير و النسخ إذا يدل قطعا على زوال الثاني دون الأول فإن‏

116

بقاءه و عدم بقائه حينئذ محتمل فيرجح البقاء بالاستصحاب‏

قوله و لو تشبّث الخصم في ترجيح الاحتمال الأوّل إلخ‏

(1) قد عرفت ترجيح الأول على الثاني بوجهين سابقا فلا نعيده و نقول هنا أصالة عدم وجود القيد لا يصلح للمعارضة لأنّ وجود الفصل و هو الإذن في الترك معلوم بعد ورود النّسخ على التقادير و أمّا على تقدير رجوع النسخ إلى المنع من الترك فظاهر و أما على تقدير رجوعه إلى الجميع فلمّا عرفت آنفا أن ذلك يستلزم رفع المنع من الترك و لا شك في أن رفع المنع منه يستلزم الإذن فيه فوجود الإذن فيه معلوم قطعا و من هنا ظهر لك أن منع الاستصحاب بأنه متوقف على رجوع النسخ إلى القيد و على التجدد فصل آخر و الأصل عدمه مكابرة لأنا قد بيّنا أن الظاهر رجوع النسخ إلى القيد و إن تجدد فصل آخر و هو الإذن في الترك معلوم بمجرد النسخ على جميع التقادير فليتأمّل‏

[البحث الثاني في النواهي‏]

[أصل في مدلول صيغة النهي‏]

قوله الحق أنها حقيقة في التحريم مجاز في غيره‏

(2) المشهور أن صيغة النهي تستعمل في سبعة معان التحريم نحو لا تزن و الكراهة نحو لا تنس نصيبك من الدّنيا و التحقير نحو لا تمدّن عينيك إلى ما متعنا به و بيان العاقبة نحو لا تحسبن اللّه غافلا عمّا يعمل الظالمون و الدعاء و لا تكلني إلى نفسي طرفة عين و اليأس نحو لا تعتذروا اليوم و الإرشاد نحو لا تسألوا شيئا و زاد صاحب النقود ثامنا و هو التسلية نحو لا تحزن و اختلفوا في معناه الحقيقي فقيل هو التحريم و قيل هو الكراهة و قيل كل واحد منهما و قيل القدر المشترك بينهما و أمّا البواقي من المعاني التي تستعمل هي فيها فلا يقتضيها بحسب الوضع اتفاقا

قوله و الأصل عدم النقل‏

(3) ضم هذه المقدمة ليثبت المطلوب و هو أن الصيغة حقيقة في التحريم لغة

قوله و لقوله تعالى و ما نهاكم عنه فانتهوا إلخ‏

(4) أورد عليه أولا أن النزاع إنما هو في الصيغة في اللغة أولا و الآية تدل على أنها للتحريم في الشرع و ثانيا أنّ ما نهاكم عام شامل لنهي الكراهة أيضا فوجب حمل انتهوا على حقيقته و مجازه أو على القدر المشترك بينهما و على التقديرين يشكل الاستدلال بها على التحريم و ثالثا أن ما يجب الانتهاء عنه يشمل المكروه و أيضا إذ الانتهاء معناه العمل بمقتضى النهي و هو أعم من الانتهاء بطريق الحرمة و الكراهة و الانتهاء عن المكروه بطريق الكراهة أي العمل بمقتضى كراهته و اعتقاد أنه مكروه فلا يتم الاستدلال إلا بأن يثبت أن النهي المأخوذ في مادة انتهوا هو النهي التحريمي و هو غير مسلم و رابعا أن تحريم المنهي عنه على تقدير ثبوته إنما استفيد من الأمر بالانتهاء لا عن مجرد النهي عنه و النزاع إنما هو في الثاني‏

117

أقول يمكن الجواب عن الأول بأنه إذا ثبت أنها في الشرع للتحريم ثبت في اللغة إذ الأصل عدم النقل و عن الثاني بأن ما نهاكم عموميته غير معلومة كيف و لا هو أوّل البحث فلا يقتضي صرف الأمر الثابت كونه للوجوب عن حقيقته فإذا وجب الانتهاء عنه علم بأنه حقيقة في التحريم فقط و عن الثالث أن ما يجب الانتهاء عنه غير شامل للمكروه إذ الانتهاء معناه كف النفس عن المنهي عنه يقال نهيته عن كذا فانتهى أي كف كذا في الصحاح و لا ريب في أن ما يجب كف النفس عنه لا يكون مكروها و أما تفسير النهي بما ذكر فلا أعرف له وجها لا لغة و لا عرفا و عن الرابع أن العلم بالتحريم مستفاد من الأمر لا نفس التحريم و بينهما بون‏

قوله يدل بالفحوى الخطاب‏

(1) ما يدل عليه و هو غير مذكور موافقا له في النفي و الإثبات سواء كان أولى منه أو لا و ربّما خص بالأول فحوى كتحريم الضرب و الشتم و الأذى المستفاد من قوله تعالى و لا تقل لهما أفّ و ما نحن فيه من هذا القبيل لأن مناهيه تعالى أولى بالتحريم من مناهي رسوله فتحريم مناهيه (عليه السلام) يدل على تحريم مناهيه تعالى بطريق أولى‏

[هل النهي هو الكف أو الترك‏]

قوله نفس أن لا تفعل‏

(2) و الفرق بين أن لا تفعل و بين الكفّ عن الفعل أن الأول يقارن الثاني قطعا بخلاف الثاني فإنه لا يلزم أن يقارن الأول لجواز أن لا يفعل و لا يخطر بباله الكف عنه فاندفع ما أورد البدخشي في شرح المنهاج من أن الكف ترك الفعل لا فرق بينهما

قوله لنا أن تارك المنهي عنه كالزنا إلخ‏

(3) يعني أن تارك الزنا مثلا يعد في العرف العام ممتثلا من أجل تركه و يمدحه العقلاء لذلك مع قطع النظر عن الكف بل مع عدم الشعور به و ذلك دليل على أن المطلوب هو الترك دون الكف و إلا لما كان ممتثلا بمجرد الترك و لما كان المدح بمجرده حسنا

قوله فلو لم يكن نفي الفعل مقدورا

(4) لم يكن إيجاده مقدورا لك أن تمنع الملازمة بأن نفي الفعل غير مقدور و لكن إيجاده مقدور لكون كف النفس عن إيجاده أيضا مقدورا و معنى تساوي نسبة القدرة إلى الوجود و العدم تساويهما إلى الإيجاد و الكف عنه إلا أنهم تسامحوا فعبروا عن الملزوم باللازم مجازا

قوله قلنا العدم إنما يجعل أثرا للقدرة إلخ‏

(5) توضيحه أن العدم المطلق لا يصلح أن يكون أثرا للقدرة متجددا بها و النزاع ليس فيه بل في العدم المضاف إلى الفعل و هو أثر للقدرة مستندا إليها متجددا بها باعتبار استمراره‏

[أصل في دلالة النهي على التكرار]

قوله منع المكلف من إدخال ماهية الفعل و حقيقة في الوجود

(6) إن أراد المنع من إدخال الماهية في الوجود دائما فمصادرة و إن أراد من المنع إدخالها مطلقا غير مقيد بالدوام و عدمه فقوله و هو إنما يتحقق بالامتناع باطل إذ اللازم على هذا التقدير كونه للقدر المشترك بينهما

118

و جواب العلامة عن هذا الإيراد بأنه فيه نظر لأن الامتناع عن إدخال الماهية في الوجود إنما يتحقق مع الدوام إذ مع عدمه يتحقق الإدخال الممنوع منه لا يخفى ما فيه‏

قوله و لهذا إذا نهى السيد إلخ‏

(1) إن كانت هناك قرينة على الدوام فلا ينفعه لأن الكلام في النهي المجرد عن القرائن و إلا فالعصيان و الذم بسبب ترك التكرار ممنوعان‏

قوله ثم فعل عد في العرف عاصيا

(2) أي عدّ عاصيا بالنسبة إلى فعل هذا الفرد من المنهي عنه و إن كان يعد مطيعا بالنسبة إلى الفرد المتروك منه و الحاصل أن المخاطب على تقدير دوام النهي إما مطيع من جميع الوجوه أو عاص كذلك أو مطيع و عاص من جهتين و لا يرد عليه ما أورده والده (قدّس سره) من أنه يتوجه على القول بإفادة النهي الدوام عدم تحقق الامتثال إلا بعد مضي العمر لأن النهي إذا كان مدلوله عدم إيجاد المنهي عنه دائما فلا يتحقق الامتثال بأول مرة و ثاني مرتفع أن الظاهر تحقق ذلك‏

قوله و عن الثالث أن التجوز جائز

(3) قد مر في بحث الأمر ما لا ينفع نذكره في المقام‏

[أصل في اجتماع الأمر و النهي‏]

قوله كثير ممّن مخالفنا

(4) كأبي علي الجبائي و ابنه أبي هاشم و الفخر الرازي و أحمد بن حنبل و الزيدية و مالك و في رواية عنه و القاضي‏

قوله و أجازه قوم‏

(5) منهم الحاجبي و أتباعه و قد ادعي في المختصر أنه مذهب الجمهور

قوله و ربما منعه مانع‏

(6) نسب هذا المنع إلى بعض المعتزلة و قد يوجه ذلك بأن السجود نوع واحد مأمور لله تعالى فلو كان منهيا عنه بالنسبة إلى الصنم لزم كون الشي‏ء الواحد مأمورا به و منهيا عنه و أنه محال و أورد عليه بأن هذا يقتضي أن لا يكون السجود للصنم حراما و دفع ذلك بأن المحرم هو قصد تعظيم الصنم دون السجود و رد بأن التعظيم للّه واجب و قد اعترفوا بحرمته للصنم فيكون جنس التعظيم بعض أفراده واجبا و بعضها حراما فلزمهم الاعتراف بما أنكروه من حيث لا يشعرون و الحق أن جواز اختلاف أفراد الجنس بديهي لظهور أن ذات هذا الفرد غير ذات ذلك فلا استحالة في حسن أحدهما و قبح الآخر فلا ينافي إيجاب أحدهما تحريم الآخر ثم إن قوله السجود نوع واحد مأمور به لله تعالى إن أراد أن ماهية السجود من حيث هي أو جميع أفرادها مأمورا به فهو ممنوع و إن أراد ماهية باعتبار تحققها في ضمن بعض الأفراد مأمورا بها فهو مسلم و لكن لا ينافي كونها منهيا عنها باعتبار تحققها في ضمن فرد آخر

قوله فذلك مستحيل قطعا

(7) لأن مقتضى الوجوب جواز الفعل و مقتضى الحرمة عدم جوازه و هما متناقضان فلا يجوز اجتماعهما بالضرورة

قوله لأن معناه الحكم بأن الفعل يجوز تركه و لا يجوز

(8) لما كان الوجوب‏

119

و الحرمة متضادين لا متناقضين لم يقل معناه طلب الفعل مع المنع من الترك و طلب الترك مع المنع من الفعل بل قال معناه الحكم بأن الفعل يجوز تركه و لا يجوز يعني يلزم من تحريمه أنه يجوز تركه و من إيجابه أنه لا يجوز تركه ليظهر التناقض و يثبت أن هذا التلكيف محال في نفسه و لما كان المفروض هو الإيجاب في جميع الجهات لم يرد أن ذلك جائز بحسب اختلاف الزمان و اعترض بأن من جوز التكليف بالمحال لم لا يجوز هذا المحال الذي هو التناقض و هل هذا إلا تحكم و أجيب بأن المحال ثلاثة أنواع المرتبة العليا و هي ما يكون محالا بالنظر إلى ذاته و هو غير جائز بالاتفاق و السفلى و هو ما يكون محالا بالنظر إلى ما عرض له و هو جائز بل واقع بالاتفاق و الوسطى و هي ما يكون محالا عادة أي لا يدخل تحت قدرة البشر كالطيران إلى السماء هذا هو المتنازع فيه فالمجوزون قالوا بجواز ما نحن فيه نظرا إلى أنه من قبيل الوسطى و بعضهم نظروا إلى معنى التناقض فيه فجعلوه من العليا فظهر الفرق فاندفع التحكم‏

قوله بأن كان للفعل جهتان‏

(1) إما بين جهتين مساواة أو متباينة أو عموم من وجه بأن يكون انفكاك كل واحدة منهما عن الأخرى جائزا مع جواز تحققهما في محل واحد أو عموم مطلق بأن يكون الجهة الموجبة أعم من الجهة المحرمة و الأول حكمه حكم الجهة الواحدة لوقوع التلازم بينهما كما صرّح به صاحب النقود و الثاني لا يتصور في فرضنا كما صرّح به بعض المحققين و الأخيران وقع النزاع فيهما و هاهنا قسم آخر و هو أن يكون بينهما عموم مطلق على أن يكون الجهة المحرمة أعم من الجهة الموجبة و الظاهر أن حكمه حكم الجهة الواحدة في تعذر الامتثال‏

قوله كالصلاة في الدار المغصوبة

(2) هذا مثال لما ينفك كل واحدة من الجهتين عن الأخرى و اجتماعهما في محلّ واحد و إنّما حصل باختيار المكلف فإن تلك الصلاة لها جهتان كما أشار إليهما المصنف أولهما كونها صلاة و آخرهما كونها غصبا لاستيلائه على مال الغير ظلما و هاتان الجهتان ليس بينهما ملازمة لأن الشارع لم يأمر بالكون الغصبي بل إنما أمر بالكون المطلق فالمكلف يقدر على الإتيان بالجهة الأولى من دون الثانية بأن يفعل الصلاة في مكان مباح و على الإتيان بالجهة الثانية من دون الأولى بأن يسكن في المغصوب من غير صلاة و على الإتيان بهما جميعا بأن يفعل الصلاة في الدار المغصوبة فظهر أنه لا تلازم بين الجهتين و بهذا الاعتبار ذهب جماعة إلى جواز اجتماع الوجوب و الحرمة و سيبيّن المصنف أنّ بينهما ملازمة باعتبار أن الشارع أمر بالكون الغصبي و أنه لا يصح اجتماعهما لأن الجهتين حينئذ في حكم الجهة

120

الواحدة فمن أحال اجتماعهما و أبطلها و أوجب قضاءها لأن الآتي بها ليس آتيا بالمأمور به لأن هذه الصلاة حرام فقط خلافا للقاضي فإنه مع كونه قائلا ببطلانها قائل بأنه يسقط عند فعلها القضاء إذ الفرض قد يسقط بفعل معصية كمن شرب مجنبا حتى جن فإنه يسقط الفرض‏

قوله فالجمع بينهما في أمر واحد ممتنع‏

(1) إن أراد امتناع الجمع فيه مع اتحاد الجهة فلا نزاع فيه و إن أراد امتناعه مع تعددها فهو مثل قوله و تعدّد الجهة غير مجد مع اعتبار المتعلق عين محلّ النزاع و قوله إذ الامتناع إنّما ينشأ إلخ غير مفيد لأنه إن اعتبر مع ذلك الشي‏ء اعتبار الجهة فلا نزاع فيه و إن اعتبر معه تعدّدها فالخصم لا يسلّم أصل امتناعه فكيف يسلم امتناع الانحصار فيه و أما قوله و ذلك أي امتناع اجتماع المتنافيين لا يندفع إلا بتعدد المتعلّق فإن أراد تعدّده بحسب الذّات كما هو ظاهر كلامه فالحصر ممنوع إذ الخصم يقول بأنه لا امتناع مع التعدد بحسب الاعتبار أيضا و إن أراد تعدده مطلقا فقوله و من البين أن التعدد بالجهة لا يقتضي ذلك ممنوع لظهور أنّ تعدد الجهة يقتضي تعدد المتعلق بحسب الاعتبار لأن متعلّق الوجوب هو الكون باعتبار جهة كونه من أجزاء الصلاة و متعلق الحرمة ذلك باعتبار كونه فردا من أفراد الغصب لا بمعنى أن الجهتين علتان لتعلق الأمر و النهي بالكون المعين للشخص ليرد أن هذا التكليف بالمحال بل بمعنى أن متعلق الوجوب هو ذات الكون مع إحدى جهتيه و متعلق الحرمة هو ذاته مع الأخرى فيتغاير المتعلقان من هذا الجهة ثم قوله بل الوحدة باقية إن أراد به بقاء الوحدة الذاتية فلا نزاع فيه و إن أراد به بقاء الوحدة مطلقا من جميع الجهات بحيث لا يكون فيه تعدد بحسب الاعتبار أيضا فهو ممنوع‏

قوله فإنا نقطع بأنه مطيع عاص‏

(2) فكذا فيما نحن فيه مطيع من جهة أنّه صلاة و عاص من جهة أنه غصب‏

قوله فإن متعلق الأمر الصّلاة و متعلق النهي الغصب إلخ‏

(3) توضيحه أن متعلق الأمر في الحقيقة هو مطلق الكون الذي هو جزء للصلاة المطلقة أعم من أن يكون في الدار المغصوبة أو غيرها و كذا متعلق النهي مطلق الكون في الدار المغصوبة أعم من أن‏

121

يكون جزء الصلاة أم لا فمتعلق كل واحد منهما مفهوم كلي مغاير لمتعلق الآخر و بين هذين المفهومين عموم من وجه فكل واحد منهما يتعلّق انفكاكه عن الآخر لكن المكلف اختار جمعهما في محل مخصوص و هو مادة الاجتماع فذلك المحل ليس واجبا بخصوصه لجواز تركه و لا حراما بخصوصه بل مشتمل على ماهيّة الغصب الذي هو حرام لذاته ففي هذا المحلّ و إن اجتمع متعلقا الأمر و النهي لكن لم يتخذا و المحال هو الثّاني دون الأول‏

قوله و ذلك لا يخرجهما

(1) أي جمعهما باختيار المكلف مع إمكان عدمه لا يخرجهما عن حقيقتهما لأنك قد عرفت أن متعلّق الأمر و النّهي ماهيتان مغايرتان و المتغايرتان لا يتحدان باختيار المكلّف جمعهما في فرد مخصوص و قوله و يتحد المتعلق بالنصب على سبيل الاتحاد

قوله إرادة تحصيل خياطة الثوب‏

(2) بأي وجه اتّفق أي سواء اتّفق تحصيله في ذلك المكان أو في غيره فلا يكون شغل المكان في الخياطة ممنوعا عنه فلا يكون مثال المذكور نظير ما نحن فيه إذ هو ما اجتمع فيه الأمر و النهي سلّمنا أن شغل المكان ممنوعا عنه لكن متعلّق الأمر و النهي مختلف لأن الشغل ليس ذاتيا للخياطة فلا يكون مأمورا به فلا محذور فيه بخلاف ما نحن فيه فإن الكون المخصوص ذاتي للصلاة في الدار المغصوبة و هو منهي عنه لكونه فردا من أفراد الغصب فلو كانت تلك الصلاة مأمورا بها لزم اجتماع الأمر و النهي و أنه محال و قد يجاب عن هذا بأن الكون و إن لم يكن ذاتيا للخياطة لكنه من لوازمها و شرائطها عقلا فيلزم وجوبه من وجوب الخياطة بناء على أنّ ما لا يتم الواجب إلا به كان واجبا مطلقا و حينئذ ننقل الكلام إلى هذا الكون فنقول هو واجب و حرام من جهتين فإذا جاز فيه جاز فيما نحن فيه أيضا لعدم الفرق أقول و يمكن دفعه بأن مقدمة الشي‏ء ما يتوصّل به إلى ذلك الشي‏ء و الكون بالنسبة إلى الخياطة ليس من هذا القبيل بل من قبيل المقارنات سلمنا أن الكون ذاتي للخياطة لكن نمنع كون العبد مطيعا لأن النهي عن الكون في المكان المخصوص يدل على أن الكون‏

122

المطلوب في الخياطة غير الكون في ذلك المكان فلا يكون الخياطة في ذلك المكان مأمورا بها لانتفاء الكون المطلوب فيها مثلا يكون من خاط فيه مطيعا لا يقال هذا التخصيص مما لا يشعر به الأمر حين الطّلب فالقول به غير معقول لأنا نقول عدم الشعور به ممنوع لأن الكلام في أوامره سبحانه و هو حين الأمر بالكون في حين الصلاة مثلا عالم بأن مراده الكون في غير المكان المغصوب لعلمه بنهيه عن الكون فيه‏

قوله إلا أنّ الكون الذي هو جزؤها

(1) قيل الكون عند المتكلمين عبارة عن حصول الجوهر في حيزه و هو ينقسم إلى الحركة و السكون انقسام الجنس إلى أنواعه إذ الحركة عبارة عن حصول الجسم في حيز بعد حصوله في حيز آخر و السكون عبارة عن حصوله في حيز واحد أكثر من زمان واحد و محصول هذا الجواب أن الكون الذي هو جزء هذه الصلاة الواقعة في الدار المغصوبة منهي عنه لأنه فرد من أفراد ماهية الغصب فلا يجوز أن يكون مأمورا به أيضا لامتناع اجتماع المتنافيين في موضع واحد أقول قد عرفت أنّ ذلك جائز باعتبار تعدد الجهات على أن يكون الجهات قيودا لمحل المتنافيين فيكون هذا المقيد كما ترى في الصلاة في المسجد فإنها واجبة من حيث إنها صلاة و مستحبة من حيث إنها في المسجد و إذا جاز اجتماع الوجوب و الندب في محل واحد جاز اجتماع الوجوب و الندب و الحرمة أيضا لأن الأحكام كلها متضادة نعم لو كان الجهات عللا لتعلق الأحكام بذلك المحل لامتنع ذلك للزوم اجتماع المتنافيين في محل واحد فتأمل فإنه دقيق جدا

قوله و هكذا يقال في جهة الصلاة فإن الكون إلى آخره‏

(2) يريد دفع ما يقال من أن كون المطلق جزءا لمطلق الصلاة المأمور بها فهذا الكون جزء هذه الصلاة و هي فرد من مطلق الصلاة و الأمر بالمطلق ليس أمرا بأفراده‏

قوله و لو باعتبار الحصة الذي في جهته إلى آخره‏

(3) يريد أن الأمر المتعلق بالماهية الكلية يتعلق بأفرادها في الحقيقة سواء قلنا بوجود الكلي الطبيعي في ضمن الأفراد أو قلنا بأن وجوده عين وجودها إلا أنه اقتصر على الأول لأنه أخفى و فيه نظر لأن الكلي الطبيعي مطلوب بنفسه و الأمر به لا يتعلق بجزئي منه كما حقق في موضع أخر و لو سلم فلا شبهة في أنه لا يتعلق بجزئي معين بل إنما يتحقق بواحد من الجزئيات لا بعينه فمتعلق الوجوب هو الماهية المفروضة لتشخص ما و محل الحرمة خصوص الشخص و الأخير فيه‏

[أصل في دلالة النهي على الفساد]

قوله على أقوال‏

(4) أولاها يدل في العبادات‏

123

و المعاملات جميعا ثانيها لا يدل مطلقا ثالثها يدل في العبادات لا في المعاملات و المراد بالمعاملات غير العبادات بقرينة المقابلة فيشمل العقود و الإيقاعات و اختلف القائلون بالدلالة و هم القائلون بالمذهب الأول و الثالث فقال جمع منهم المرتضى في الذريعة و الشهيد في قواعده و شيخنا في حاشيته على الزبدة و الحاجبي في المختصر أن تلك الدلالة بحسب عرف الشرع لا بحسب عرف اللغة لأن عدم الإجزاء أعني عدم الامتثال بالمأمور به أو عدم الإسقاط للقضاء لا يخطر ببال واضع اللغة و قال آخرون بدلالة اللغة عليه أيضا مثل دلالة الشرع عليه و لم يقل أحد باللغة وحدها بدون الشرع‏

قوله دون غيرها مطلقا

(1) أي النهي لا يدل على فساد المنهي عنه في غير العبادات مطلقا لا بحسب الشرع و لا بحسب اللغة

قوله فهاهنا دعويان‏

(2) أولهما الدلالة في العبادات شرعا و لغة و ثانيهما عين الدلالة في المعاملات‏

قوله لنا على أولاهما

(3) حاصله على أن النهي بالعبادة يقتضي كونها مفسدة و تعلق الأمر بهما يقتضي كونها مصلحة و هما متضادان فالآتي بها لا يكون آتيا بالمأمور به فيلزم عدم الامتثال و عدم الخروج عن العهدة و هذا معنى الفساد و فيه نظر لأن المراد بتلك العبادات إما من شأنه أن يكون عبادة بأن لم يتعلق الأمر به بعد أو مما هو عبادة بالفعل بأن تعلق به الأمر كما تعلق به النهي كما هو الظاهر فعلى الأول لا يكون متعلق العبادة لعدم تعلق الأمر به فلا يدل النهي على الفساد إذ الفساد و هو عدم موافقة العبادة لأمر الشارع عند المتكلمين و عدم إسقاطها للقضاء عند الفقهاء و على الثاني يلزم أمران أحدهما اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد و المصنف لا يقول بجوازه كما مر على أن تناقض اللوازم يوجب تناقض الملزومات فيلزم مناقضة الشي‏ء لنفسه و قد يتمثل له توضيحا و تبيينا بمثال و هو أن المصلي لو قرأ عزيمة في الصلاة فالقراءة منهي عنها حينئذ فإن كان الأمر بالقراءة في الصلاة متناولا للعزيمة لزم اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد و إن كان غير متناول فكيف توصف القراءة بكونها عبادة فاسدة بل ليست بعبادة أصلا نعم قد يوصف الصلاة بالقضاء فإذا حصلت قراءة العزيمة فيها و ذلك أمر آخر لا يقال امتناع اجتماع الأمر و النهي إنما يكون إذا كان تعلقهما على شي‏ء واحد

124

من جهة واحدة و هنا يجوز أن يكون الجهة متغايرة لأنا نقول هذا أيضا لا يجوز على رأي المصنف على أنا نقول دلالة النهي على الفساد حينئذ مطلقا ممنوعة غاية ما في الباب لزم فساد المنهي عنه من حيث اشتماله على جهة موجبة للنهي و هذا لا ينافي صحته من حيث اشتماله على جهة موجبة للأمر و الجواب أن الجهتين إن تفارقتا كان الأمر و النهي متعلقين بشيئين متفارقين لا بشي‏ء واحد و ليس كلامنا فيه و إن تلازمتا كانت كل واحدة منهما من ضرورات الأخرى و إذا كان كذلك كان تعلق الأمر بإحداهما يستلزم تعلقه بالأخرى لأن الأمر بالشي‏ء أمر بما هو من ضروراته فإذا تعلق النهي بهذه الجهة لزم أن يكون هناك شي‏ء واحد هو مأمور به و منهي عنه و أنه باطل بالاتفاق ليس بشي‏ء لأن الأمر بالشي‏ء يستلزم الأمر بما يتوقف عليه ذلك الشي‏ء لا بما يقارنه و يلازمه كما مرّ و أيضا ليس المأمور به و المنهي عنه نفس الجهتين بل الشي‏ء الذي له هاتان الجهتان فلا يلزم على تقدير عدم تلازمهما تعلق الأمر و النهي بشيئين لا بشي‏ء واحد و ثانيهما أن ترجيح مفسدة النهي على مصلحة الأمر و الحكم بالفساد ترجيح بلا مرجّح لأن العكس مثله و قد يجاب باعتبار الشق الأول بأنه يصدق العبادة على متعلق النهي عند عدم تعلق الأمر به مجازا و هذا القدر يكفي في تحقيق الفساد أ لا ترى أن العبادة في تفسير الفساد على أي معنى حمل محمولة على المجاز و أنت تعلم أن هذا الجمع ينافي ظاهر قوله غير المكلف كما ستعرفه‏

قوله غير مراد للمكلّف‏

(1) بكسر اللام صفة كاشفة بقوله مفسدة و فيه و في قوله عدم حصول الامتثال إشعار بأن المراد بالفساد هو المتعارف عند المتكلمين و هذا إنما يتصور إذا تعلق الأمر بالمنهي عنه و إلا فلا معنى للفساد بهذا المعنى كما عرفت‏

قوله و لنا على الثانية إلخ‏

(2) أي لنا على الدعوى الثانية و هي أن النهي لا يدل على الفساد في المعاملات لغة و شرعا أنه لو دل لكانت تلك الدلالة إما مطابقة أو تضمّنا أو التزاما ضرورة أن الدلالة اللفظية الوضعية منحصرة فيها و كل ما فيما نحن فيه متضمنة أما الأوليان فلأن النهي مثل لا تبع إنما يدل على طلب ترك البيع و عدم ترتب الثمرة و الأثر المقصود منه ليس عينه و لا جزؤه و أما الأخيرة فلأن شرطها اللزوم العقلي و العرفي و كلاهما مفقود يدل على فقدانه أنه يجوز عند العقل و العرف أن يقول لا تبع فإن بعت عاقبتك و يترتب‏

125

عليه أحكامه من غير منافاة بين الكلامين و عدم المنافاة عند التصريح بعدم الفساد دليل بين على عدم اللزوم و إلا لكان بمثابة أن يقول أحكامه مسلوبة عنه و ليست مسلوبة عنه و أنه تناقض لا يقال لو تم هذا لجرى في العبادات أيضا لأنا نقول اللزوم العرفي في العبادات متحقق ضرورة أن عرف الشرع و اللغة يفهمون من النهي عن الصلاة أن الآتي بها غير آت بالمأمور به لكونها منهيا عنها بخلاف النهي عن البيع فإنهم لا يفهمون منه عدم ترتب أحكامه عليه و الفرق نشأ من تفسير الفساد في الموضعين فإن عدم كون الآتي بالمنهي عنه آتيا بالمأمور به جلي ينبغي أن لا يفكر بخلاف عدم ترتب الأثر فإنه في محل الإنكار كما لا يخفى على الطبع السليم نعم يمكن أن يناقش بأنّا لا نسلم أنّ التّصريح بعدم الفساد على تقدير دلالة النهي على الفساد يوجب التناقض لأن الدال على الشي‏ء بحسب المفهوم قد يكون القصد فيه مقصورا فهنا كذلك‏

قوله حجة القائلين بالدلالة مطلقا

(1) هذا هو القول الأول المستفاد من ثالثها ثم إن أصحاب هذا القول صاروا فرقتين فرقة قالوا بالدلالة مطلقا بحسب الشرع دون اللغة و فرقة قالوا بالدلالة مطلقا بحسبهما و هذه الحجة لفرقة الأولى و الحجة لفرقة الثانية ما أشار إليه فيما بعد بقوله و احتج مثبتوها

قوله إن علماء الأمصار في جميع الأعصار

(2) ظاهره أن هذا إجماع حقيقي و يمكن حمله على السكوتي‏

قوله يستدلون‏

(3) أي يستدلون على الفساد بالمعنيين يعني عدم الإجزاء و عدم ترتب الأثر بمجرّد النهي في أبوابه و هي العبادات و المعاملات كالأنكحة مثل لا تنكحوا المشركات و البيوع مثل لا تبيعوا الذهب بجنسه متفاضلا و غيرها سواء كان ذلك الغير من العبادات أو من المعاملات و يمكن أن يراد به المعاملات فقط لأنه إذا ثبت دلالته على الفساد في المعاملات ثبت دلالته عليه في العبادات بالطريق الأولى فلذلك لم يذكر أمثلة للعبادات‏

قوله و أيضا

(4) لو لم يفسد الفعل لزم من نفيه المستفاد من النهي حكمة تدل عليها

126

النهي و من ثبوته المستفاد من الأمر حكمة تدل عليها الصّحة لاستحالة خلو الأحكام عن الحكمة إجماعا أما أصول على المعتزلة فبطريق الوجوب و أمّا على أصول الأشاعرة فإنهم و إن جوزوا خلو أفعاله تعالى عن الحكم إلا أنهم يعتقدون أن الأحكام المشروعة لا يخلو عن حكمة راجعة إلى العبد لكن لا بطريق الوجوب و اعلم أنّ هذا الدليل و إن دل بظاهره على توارد الأمر و النهي على فعل واحد و قد سبق من المصنف أن الأصحاب لا يقولون به لكن المقصود أن النهي إذا تعلق بفعل لو لم يدل على فساده لزم صحّة المستلزمة لتعلق الأمر به لأن الصّحة موافقة أمر الشارع و تعلق الأمر به يقتضي وجوب حكمة اللازم يعني وجود حكمة الأمر باطل فالملزوم يعني عدم دلالة النهي على الفساد باطل فثبت الدلالة لعدم الواسطة فحينئذ بناء الدليل على جواز توارد الأمر و النهي على شي‏ء واحد كما هو مذهب الأصحاب نعم بناؤه على أن النهي إذا لم يدل على الفساد دل على الصحة كما ذهب إليه أبو حنيفة و تلميذه محمد بن الحسن الشيباني و أنكره أكثر العلماء فهو في محل المنع‏

قوله لأن الحكمتين إلخ‏

(1) أي حكمة النهي و هي محققة لتحقق تعلق النهي و حكمة الأمر و هي فرضية لزمت من عدم دلالة النهي على الفساد و المقصود من هذا الكلام إبطال الثاني ليثبت الأول و حينئذ لا يرد على قوله فإن كانتا متساويتين تعارضتا و تساقطتا و كان الفعل و عدمه متساويتين فيمتنع النهي عنه أنه إن كان التساوي بعد ورود الأمر و النّهي فلا وجه لامتناع ما وقع و إن كان قبله فلا وجه لتحصيل العمل بالامتناع دون الأمر لأن ذلك الإيراد إنما يتوجه إذا كان الأمر و النهي كلاهما متعلقين بالفعل في نفس الأمر و ليس الأمر كذلك إذ المتعلق به هو النهي و الأمر تعلقه به بمجرّد الفرض المترتب على تقدير عدم الفساد

قوله و إن كانت راجحة فالصّحة ممتنعة

(2) أورد عليه أن إتمام الدّليل يتوقف على رجحان حكمة النهي ليقتضي الفساد الذي هو مطلوبه و هو ترجيح من غير رجحان فإن المفروض ورود الأمر و النهي كلاهما و لكل واحد منهما حكمة فالحكم بترجيح حكمة النهي يحتاج إلى مرجح و أنت بعد خبرتك بما ذكرناه آنفا تعلم أن هذا إنما يرد لو كان تعلق الأمر معلوما متحققا و ليس كذلك بل هو بمجرّد تقدير و فرض نشأ من عدم الفساد

قوله لخلوها عن‏

127

المصلحة

(1) لخلو الصحة عن المصلحة لسقوطها عن المعارض الذي هو أقوى منها و أشد فالنهي حينئذ يدل على امتناع صحة المنهي عنه و هو عبارة عن فساده‏

قوله و هو مصلحة

(2) أي قدر الرجحان من مصلحة النّهي مصلحة خالصة لا يعارضها شي‏ء من مصلحة الصّحة ففواته يوجب امتناع الصّحة قطعا

قوله و أما امتناع الدلالة إلخ‏

(3) لما استدلوا فيما مر على الجزء الأول من الدّعوى و هو أن النهي يدل على الفساد في العبادات و المعاملات شرعا استدلوا هذا على الجزء الثاني منها و هو أنه لا يدل عليه فيها لغة لأن فساد الشي‏ء عبارة عن سلب أحكامه يعني الإجزاء في العبادات و ترتب الأثر في غيرها و ليس في لفظ النهي ما يدل عليه قطعا لأن معناه اللغوي طلب الامتناع من الفعل و الفساد ليس نفسه و لا جزؤه و لا لازمه عقلا و عرفا و لأن مفهوم الامتناع عن الفعل أعم من أن يكون ذلك الفعل بتقدير الإتيان به فاسدا أم لا و لا دلالة للعام على الخاص المعين أصلا

قوله إذ الخلاف و التشاجر فيه ظاهر جلي‏

(4) فلا يكون إجماعا حقيقيا و لا سكوتيا فلا يصح التمسك به‏

قوله و عن الثاني‏

(5) الأنسب في الجواب عن الثاني أن يقال لا نسلم أن عدم الدلالة على الفساد يستلزم الدلالة على الصّحة بمعنى ترتب الأثر لأنه أعم منها و من غيرها كما هو مذهب جل أئمة الأصول سلمنا لكن لا نسلم أن الصّحة بهذا المعنى تدل على وجود الحكمة إلا أن المستدل لما جعل انتفاء الحكمة سببا لدلالة النهي على الفساد بدليل أنه جعل وجودها مترتبا على عدم تلك الدلالة أجاب المصنف بأن انتفاء تلك الحكمة لا يقتضي الفساد بقرينة أنه يتحقق مع عدمه فلا يرد حينئذ أن الجواب بعدم دلالة الصحة على وجود الحكمة اعتراف بأن النهي على تقدير عدم دلالته على الفساد يدل على الصحة و المصنف لم يقل به ففي هاهنا بحث و هو أن الأحكام الشرعية مطلقا وضعية كانت أو غيرها مبنية على حكمة اتفاقا في الحكم بأن الصحة غير مستلزمة لها لا يخلو عن مناقشة

قوله بمعنى ترتب الأثر

(6) إنما فسرها به لأن دلالة الصّحة بمعنى حصول الامتثال على وجود الحكمة

128

لا يستحق كما سيصرح به المصنف‏

قوله في الثبوت‏

(1) متعلق بقوله وجود الحكمة و الظاهر أن إضافة الدلالة إلى الصحة بمعنى حصول الامتثال‏

قوله نعم هذا في العبادات معقول‏

(2) لما كان مطلب المستدل مركبا منع جريان دليله على أحد جزأيه و سلّمه على جزئه الآخر و هو الدلالة على الفساد في العبادات و فيه نظر لأن الصحة في العبادات كما يدل على وجود الحكمة كذلك الصحة في غيرها إذ ترتب الأثر حكم من الأحكام الوضعية و الأحكام الوضعية أيضا مبنيّة على الحكمة اتفاقا فالفرق بينهما لا يخلو من تحكم‏

قوله فإن الصحة فيها باعتبار كونها عبارة عن حصول الامتثال‏

(3) تفسير الصحة بهذا المعنى إنما يصح على مذهب المتكلمين و أما الفقهاء فهي عندهم عبارة عما يسقط القضاء

قوله يظهر جواب الاستدلال‏

(4) و ذلك بأن يقال عدم دلالة النّهي في اللغة على سلب الأحكام عموما ممنوع لأنا قد ذكرنا أنه يدل فيها على سلب الأحكام في العبادات لأن النهي عن الشي‏ء يدل لغة أيضا على أن المكلّف غير مريد له فلا يكون الآتي به آتيا بالمأمور به فلا يتحقق الامتثال و الخروج عن العهدة و لا نعني بالفساد إلا هذا نعم ما ذكرت معقول في العبادات لأن معنى الفساد فيه عدم ترتب الأثر و النهي لا يدل عليه‏

قوله و احتج مثبتوها

(5) إشارة إلى الحجة الفرعيّة الثانية و هذه الفرقة يخالفون القول المختار في دعواهم الدلالة على الفساد في غير العبادات لغة و شرعا و الفرقة الأولى في إسناد الدلالة إلى اللغة أيضا

قوله و أجاب أولئك‏

(6) أي الفرقة الأولى المستدلون بهذا الدليل على الدلالة في العبادات و المعاملات‏

قوله لما ذكر من الدليل إلخ‏

(7) دفع لما يمكن أن يقال من أنه إذا ثبت دلالته شرعا ثبت لغة لأن الأصل عدم النقل و تقريره أن الأصالة إنما تعتبر إذا لم يعارضها دليل أقوى منها و قد ذكر سابقا ما يدل على عدم الدلالة لغة فإن قلت هذا الدليل عين ما استدل به المجيب على الدلالة شرعا فلم لم يقل لما ذكر من دلالته عليه شرعا قلت هذا الدليل بحسب الظاهر يحتمل الدلالة لغة و شرعا فمتى لم يقم دليل على عدم الدلالة لغة لم تنفع الحوالة إليه فإن قلت لم لم يقل لما ذكر من الدليل الدال على تساوي الحكمتين كما فعله‏

129

بعضهم قلت هذا الدليل دل على أن الدلالة بحسب الشّرع و أماراته ليست بحسب اللغة فلا يدفع به على ما يدل على الدلالة بحسب اللغة

قوله و الحق ما قلناه‏

(1) لما كان الجواب المذكور ليس بصواب عنده لأن بناءه على نفي الدلالة لغة في العبادات أيضا رده بأن ذلك ليس بحق بل الحق ما قدّمناه من عدم الحجيّة في ذلك الاحتجاج لأن قول بعض العلماء مع التنازع و التشاجر ليس بإجماع أصلا فلا يجوز التمسك به‏

قوله وهم و إن أصابوا إلخ‏

(2) و هم عنده مصيبون من وجه مخطئون من وجهين أما الإصابة ففيما ذكروا أما الإخطاء ففي التمسك بهذا الدليل لما عرفت من أنّه باطل و في دعوى الدلالة في غير العبادات مطلقا

قوله إن الأمر يقتضي الصحة لغة و شرعا في العبادات و غيرها

(3) يستفاد ذلك من عمومية مذهبهم‏

قوله بكلا تفسيريه‏

(4) أحدهما موافقة العبادات للأمر و ثانيهما إسقاط القضاء و في الاكتفاء بالإجزاء مناقشة لأنه لا يشتمل الصّحة في غير العبادات لأنها عبارة عن ترتب الأحكام‏

قوله و أجاب الأولون‏

(5) يعني أجاب الأولون و هم القائلون بالفساد مطلقا شرعا لا لغة بأن الأمر يقتضي الصحة مطلقا شرعا لا لغة و نحن نقول بمثله في النهي يعني نقول بأن النهي يقتضي الفساد مطلقا شرعا لا لغة و أنتم تدعون دلالة النّهي على الفساد لغة أيضا متمسكين بدلالة الأمر على الصحة لغة و الحال أن دلالة الأمر ممنوعة فدلالة النهي مثلها و ربما يدفع ذلك الجواب أولا بأن المدعى يثبت به مع ضميمة أصالة عدم النقل و قد عرفت فيما مضى جوابه و ثانيا بأن هذا إنما يعقل إذا فسر الصحة مطلقا بموافقة أمر الشارع و ليس كذلك بل هي عبارة عند الأمر فالصحة موافقة كل أمر هي موافقة أمره فعند أهل اللغة هي موافقة أمرهم فلا اختصاص لها بالشرع‏

قوله و الحق أن يقال لا نسلم‏

(6) لما كان الجواب المذكور باطل عنده لما فيه من اختصاص الصّحة بالشرع و قد عرفت إبطاله و من منع دلالة النهي على الفساد في العبادات أيضا بحسب اللغة و قد عرفت إثباته أتى بجواب و هو الحق عنده‏

قوله لجواز اشتراكهما في لازم واحد

(7) كتأثر الحاسة بالحرارة و البرودة و دلالة الأمر و النهي على الصحة عند أبي حنيفة و الشيباني‏

قوله سلمنا

(8) أي سلمنا وجوب اختلاف أحكام‏

130

المتقابلات لكن لا نسلم أن ذلك يستلزم كون النهي مقتضيا للفساد فإن حكم الأمر أنه يقتضي الصحة أعني الفساد لأن السالبة البسيطة أعم من الموجبة المعدولة

قوله و العام لا يستلزم الخاص‏

(1) و فيه بحث لأن المراد بنقيض الصحة ما يقابلها أعني الفساد و بقرينة قوله و النهي نقيضه إذ الأمر و النهي متقابلان لا يقتضيان فإذا سلمتم وجوب أحكام المتقابلات يلزم أن يكون المنهي مقتضيا للفساد

قوله نعم يلزم أن لا يقتضي الصّحة و من ثم قيل‏

(2) الأولى أن يجعل هذا دليلا على من ادعى دلالة النهي على الصّحة

قوله حجة النافين‏

(3) إشارة إلى القول الثاني المستفاد من ثالثها

قوله لكان مناقضا للتصريح بصحة المنهي عنه‏

(4) لأن ظاهره يدل على الفساد و التصريح يدل على عدمه‏

قوله لأنه يصح‏

(5) أي لغة و شرعا

قوله و أجيب بمنع الملازمة

(6) و قد يجاب بمنع بطلان اللازم و طريق الجمع أن المستدل إن أراد أن القول بالنهي لا يجتمع مع التصريح لصحة المنهي عنه فالملازمة ممنوعة و إن أراد أنه مناقض للتصريح ظاهرا فبطلان اللازم ممنوع و ما ذكره لإثباته لا يفيد

قوله و أن الظاهر غير مراد

(7) بفتح الهمزة عطف على خلافه و يكون التصريح فيه‏

قوله ففيما نحن فيه دل النهي ظاهرا على التحريم مع الفساد

(8) و التصريح حمله على غير الظاهر و هو التحريم فقط فإن التصريح بالنقيض يدفع ذلك الظاهر و ينافيه يظهر ذلك لمن نظر في مدلول رأيت أسدا يرمي فإن أسدا يدل على الحيوان المفترس دلالة ظاهرة و القرينة تدل على أن المراد به غيره أعني الرجل الشجاع حين القرينة و بين مدلول أسد منافاة بخلاف نهيتك عنه فإنه لا يدل ظاهرا على الفساد حتى يكون التصريح بالصحة منافيا له و الحاصل أن المستدل أنه لو دل النهي على الفساد لكان التصريح بالصحة منافيا له كما أن يرمي مناقض للأسد و حينئذ لا يتوجه الجواب المذكور

قوله في غاية الظهور

(9) و لأن الصحة عبارة عن الامتثال بالمأمور به و المأتي به هاهنا منهي عنه لا مأمور به‏

[المطلب الثالث في العموم و الخصوص‏]

[الفصل الأول في الكلام على ألفاظ العموم‏]

[أصل في صيغ و ألفاظ العموم‏]

قوله الحق أن للعموم‏

(10) قدم البحث عن العام على الخاص لأن‏

131

الخاص عام مع قيد تخصيصه ببعض أفراده فالعام مقدم طبعا و قد يحد بأنه اللفظ المستغرق لما يصلح له خرج باللفظ الإشارات و نحوها و بالاستغراق المضمرات و النكرات في الإثبات و المراد بالموصول الجزئيات فيدخل نحو الرجل و الرجال أما الأول فظاهر و أما الثاني فلأن اللام يبطل معنى الجمعية فيعود إلى الاستغراق جزئيات الرجل و لا يصدق الحد مع المشترك عند إطلاقه على معنييه لأنه على تقدير جوازه غير مستغرق لجزئيات كل واحد منهما

قوله له صيغة تخصه‏

(1) المراد أن تلك الصيغة يطلق على كلّ واحد من أفرادها بطريق الحقيقة لا على المجموع من حيث هو و يظهر الفائدة فيما إذا حلف أن لا يصاحب أحدا فإنه يحنث بمصاحبة واحد و لا يعتبر في حصول الحنث مصاحبة الجميع‏

قوله إذا استعمل في غيره كان مجازا

(2) فائدة الشرط أنهم لا ينكرون إطلاق الصيغة على العموم بل ينكرون الاختصاص و المراد بالغير الخصوص لا مطلقا

قوله مشترك‏

(3) أي مشترك لفظي إذ لم يقل أحد بالاشتراك المعنوي هنا

قوله حقيقة في الخصوص‏

(4) المراد بالخصوص بعض ما تناوله اللفظ و هو مفهوم شامل لأبعاض متكثرة فلا يرد عليهم استبعاد تعدد الأوضاع و اعلم أن هنا مذهبا رابعا و هو الوقف ذهب إليه الأشعري في أحد قوليه و القاضي أبو بكر و لم يشر إليه المصنف لعدم الاعتناء به‏

قوله لنا أن السيّد إلى آخره‏

(5) أورد عليه أولا أن القرائن الحالية في مثله موجودة و هي إرادة كف الأذى عن الناس فالخصم لا ينكر العموم بحسب القرائن و ثانيا أن أصالة عدم النقل و الدليل لا يتم بدونها معارضة بأنّ الأصل في الاستعمال الحقيقة و الاستعمال في الخصوص مما لا ينكر و يمكن الجواب عن الأول بأن المقصود أن نفس اللفظ مجردا عن ملاحظة جميع القرائن يفيد ذلك و فيه شي‏ء و عن الثاني بأن أصالة الحقيقة معارضة بأصالة عدم الاشتراك و عدم تعدّد الوضع فبقي أصالة النقل سالمة عن المعارض‏

قوله و أما بطلان اللازم‏

(6) اعترض عليه والده المحقق بأن كون مقاصد أهل اللّغة في أمثال ذلك تكثير الإيضاح و إزالة الاشتباه قرينة على حمل المؤكد على العموم إذ لو حمل على الخصوص يبقى معه الاشتباه ثم قال قد التزم السيد بورود هذا عند عرضه عليه‏

قوله قد سبق مثله في احتجاج السيد

(7) على‏

132

أن الأمر مشترك لفظا بين الوجوب و الندب لغة

قوله إذ هو خير من الاشتراك‏

(1) فيه نظر لأن الجواب يتم بدون هذا التعليل إذ بعد تحقيق التبادر في العموم لا معنى لكون اللفظ في الخصوص حقيقة حتى يدفع ذلك بهذا التعليل اللّهم إلا أن يقال مقصود السيد أن العموم هو المتبادر فيكون اللفظ حقيقة فيه و استعماله في الخصوص أعم من الحقيقة و المجاز فيرجح المجاز إذ المجاز خير من الاشتراك هذا و قد يجاب عن أصل الدليل بأن كون الأصل في الاستعمال الحقيقة معارضا بأن الأصل عدم الاشتراك و لا حاجة إلى التمسّك بالتبادر

قوله و عن الثاني منع الحصر إلخ‏

(2) يمكن الجواب عنه أيضا بمنع عدم كفاية إلا حاد في إثبات مدلولات الألفاظ و قد مر مثله‏

قوله فجعله في الخصوص المتيقن أولى من جعله للعموم المشكوك فيه‏

(3) عورض ذلك بأن جعله حقيقة في العموم موجب لشموله جميع الحقائق المحتملة تحته و جعله حقيقة في الخصوص موجب لعدم شموله جميع الحقائق المحتملة تحته إذ المراد بالخصوص مفهوم البعض الشامل لكلّ واحد من الأبعاض بطريق البدل دون الجمع و إلا لكان عاما و هو لم يقل به فجعله للعموم أولى من جعله للخصوص و أنت تعلم أن هذا يئول إلى الاحتياط الذي سيذكره المصنف‏

قوله و هو وارد على سبيل المبالغة إلخ‏

(4) أي هذا المثل وارد على سبيل المبالغة في تخصيص العمومات و إلحاق القليل و هو العموم بالعدم لأن النادر كالمعدوم و الظاهر من هذا المثل يقتضي كون ما يدعى فيه العموم حقيقة في الأغلب و هو الخصوص مجازا في الأول و هو العموم تقليلا للمجاز الذي هو خلاف الأصل و إنما حمله على المبالغة إذ لو حمل على ظاهره المفيد لكون كل عام مخصوص لورد عليه أولا أن صدق هذا المثل يستلزم كذبه و ثانيا أن شيئا من العمومات إما أن يكون باقيا على عمومه أو لا و على التقديرين يلزم كذبه و ثالثا أنه إما كاذب أو غير مفيد لأن عمومه إن كان باقيا لزم الأول و إلا لزم الثاني لأنه لا نزاع في تخصيص بعض العمومات و لم يثبت بذلك أن الخصوص‏

133

أغلب ليكون اللفظ حقيقة فيه و رابعا أنه يستلزم أن يكون العموم معدوما لا مغلوبا فكان قوله و الظاهر يقتضي كونها حقيقة في الأغلب مجازا في الأول فاسدا بل وجب عليه أن يقول و الظاهر أمر حقيقة فيما استعمل فيه دائما لا فيما لم يستعمل فيه أصلا و أما على حمله فلا يرد شي‏ء لأن محصّله أنه عام مخصوص أريد به تخصيص أكثر العمومات‏

قوله أما الجواب عن الأول فبأنه إثبات اللغة بالترجيح‏

(1) لأن اللفظ في اللغة يحتمل أن يكون للعموم و أن يكون للخصوص فترجيح الخصوص فيما ذكر إثبات اللغة بالري و ترجيح متيقن الإرادة على غيره و أنه باطل لأن اللغة إنما تثبت بالنقل و التبادر و اعترض بأن إثبات كون اللفظ للعموم في اللغة بأصالة عدم النقل إذا ثبت ذلك عرفا إثبات اللغة بالترجيح أيضا و إلا فما الفرق و أجيب بأن الفرق بينهما أن العرف العربي و لغة العرب واحد إلا فيما يثبت فيه النقل و أصالة عدم النقل ليست و إثبات اللغة يرد أن ذلك إثبات اللغة بالترجيح بل لدفع احتمال يتوجه على هذا الجواب من جواز النقل الأصل‏

قوله و هذا لا يخلو من نظر

(2) لأن هذا إنما يتم في صورت الإيجاب و النهي نحو أكرم العالم و لا تكرم الجاهل فإن المكلف لو حملهما على الخصوص و لترك إكرام بعض العالم و إكرام بعض الجاهل أضاع بعض ما دخل تحت العموم و خالف الأمر و النهي‏

قوله و أما في صورة الإباحة فالأمر بالعكس‏

(3) نحو كل الطعام فإن الحمل على العموم قد يفضي إلى تناول الحرام فيأثم و الحمل على الخصوص في الإباحة أولى و الأمر فيه سهل لأن المستدل يدعي الكلّية و هي تدفع بذلك‏

قوله و أما عن الأخير فهذا الجواب معارضة

(4) يعني دليلكم و إن دل على أن اللفظ حقيقة في الخصوص لكن لنا ما يدل على أنه حقيقة في العموم فإن احتياج إخراج بعض الأفراد إلى التّخصيص بمخصص كالاستثناء بحيث لو لا ذلك المخصص لفهم منه الكل ظاهر في أنه للعموم حقيقة و للخصوص مجازا إذ لو كان بالعكس لكان فهم الكل متوقفا على القرينة دون البعض لا يقال احتياج الخصوص الذي هو مدلول الصيغة حقيقة عند الخصم أعني مفهوم البعض و هو قدر المشترك بين جميع الأبعاض المغنية إلى القرينة ممنوع كيف و دعوى الاحتياج‏

134

فيه و دعوى التنازع فيه نعم المحتاج إليها و هو إرادة كل واحد من الأبعاض المغنية و أما قدر المشترك فيفهم منها بلا قرينة لأنا نقول المستفاد من المثل الذي هو دليلهم أن أكثر ما يدعى فيه العموم مستعمل في مخصصات مغنية و ذلك يدل على المقصود و مما يؤيده أن العام يبقى على عمومه فيما عدا المخرج أ لا ترى أن قولك أكرم العلماء إلا زيدا يدل على أن المراد بهم ما سوى زيد دون البعض من حيث هو و إن تحقق في ضمن الأقل‏

قوله على أن ظهور كونها حقيقة

(1) هذا نقض تفصيلي أي لا نسلم أن اللفظ إذا غلب في معنى كان حقيقة فيه و إنما يكون ذلك لو لم يقم دليل على كونه حقيقة في المغلوب و قد بينا قيام الدليل عليه‏

[أصل في الجمع المعرف‏]

قوله الجمع المعرف بالأداة

(2) سواء كان جمع سلامة أو مكسر أو جمع قلة أو تكثير و مثله الجمع المضاف و في هذا المقام نظر لأن الجمع المعرف حقيقة في الحقيقة الجنسية و مجاز في الاستغراق كما هو المقرر في العلم المعاني فأدواته حقيقة في الاستغراق لا يخلو عن إشكال اللهم إلا أن يقال قوله في صدر البحث للعموم صيغة تخصه و في هذا المقام العموم يشعر بأن المراد بالعموم ما يستفاده من اللفظ و هو ظاهر فيه سواء كانت الاستفادة مستندة إلى الوضع أو لا فليتأمّل و قال الشهيد الثاني و يتفرع على عمومه أمور منها عدم جواز الدعاء للمؤمنين و المؤمنات بعدم دخول النار لأن اللّه تعالى و رسوله أخبر بأن منهم من يدخلها و منها وجوب الصرف إلى الجميع لو أوصى للفقراء و ربما قالوا بأن الفقراء إن كانوا محصورين وجب الصرف إلى الجميع و إلا فإلى ثلاثة لأن العموم عزيز مراد و منها وجوب الصّوم أيام العمر إن حلف ليصومن من الأيام و قيل بوجوب ثلاثة نظرا إلى عدم الانحصار

قوله و لا نعرف في ذلك مخالفا من الأصحاب‏

(3) و لذلك ترك الاستدلال عليه و استدل المحقق أولا بأنه تأكيد بما يقتضي العموم في قولك قام القوم كلهم و رأيت المشركين كلهم فلو لم يكن الأول للاستغراق لم يكن الثاني تأكيدا و ثانيا بأن قولك رأيت رجالا يفيد الجمع فإذا دخلت عليه اللام فإن أفادت الجمع أيضا لم يكن ثمة فائدة فلا بد من إفادة الاستغراق و إلا لتجردت اللام عن تحديد فائدة و فيهما نظر

135

أما في الأول فلأنه يجوز أن يكون الثاني لكون المقصود به رفع الاشتباه قرينة على إرادة العموم إذ لو بقي على الخصوص بقي الاشتباه بحاله و أما في الثاني فلأن النكرة إنما يدل على مسماها و اللام تعريفه فلا يكون استغراق و لا يلزم تجردها عن الفائدة

قوله لبعض من لا يعتد به منهم‏

(1) ذهب أبو هاشم الجبائي إلى عدم عمومه‏

قوله و أمّا المفرد المعرف‏

(2) أي بلام الجنس لأن النزاع إنما هو فيه لأن المعرف بلام الاستغراق لأنه للعموم قطعا

قوله و اختاره المحقق و العلامة

(3) استدل العلامة أولا بجواز أكلت الخبر و شربت الماء و ثانيا بعدم جواز تأكيده بما يؤكد به الجمع فلا يقال جاءني الرجل كلهم و لو كان للعموم يصح كما صح جاءني الرجال كلهم الجواب أن القرينة قائمة في الأولين و اللفظي مفقود في الأخير

قوله لنا عدم تبادر العموم‏

(4) لأن الخصم يدعي أن المفرد المعرف حقيقة فيه و التبادر من لوازمها فله أن يعارض ذلك بالمثل‏

قوله و هو منتف قطعا

(5) إشارة إلى أن كل واحد من الملازمة و بطلان اللازم ضروري و فيه نظر لأن دعوى الضرورة إلى بطلان اللازم دعوى الضرورة في محل النزاع فهي حرة بعدم السماع نعم لا يصح الاستثناء فيما إذا دلت القرينة على عموم كما في صورة العهد و لا نزاع فيه و ربما يمنع الملازمة أيضا بأنه السيد ذهب في بحث الأمر أن المصدر المضاف يفيد العموم لصحة الاستثناء و لو لم يتعرض لاطراده و هو يدل على الاكتفاء بالصّحة مطلقا سواء وقع أو لا و سواء اطرد أو لم يطرد يتفرع بهذه المسألة أمور منها جواز بيع كل ما ينتفع به حتى يقوم دليل على خلافه لقوله تعالى و أحل اللّه البيع و منها دخول السبت الأول و ما بعده إلى آخر العمر و لو قال لوكيله بع يوم السّبت و منها توقف الاستحقاق على قراءة جميع القرآن لو قال إذا قرأت القرآن فلك كذا و منها كل ماء بلغ كرا لم يتحمل النجاسة لقوله (عليه السلام) إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شي‏ء و قد يستفاد العموم هذا من وجه آخر

قوله أحدهما جواز وصفه بالجميع‏

(6) فلو لم يكن عاما لكان المراد به واحد و يستحيل توصيفه بالتعدد

136

قوله و ذلك لأنّ مدلول العام كل فرد

(1) فيه نظر من وجهين أما أولا فلأن الدلالة على كل فرد يتضمّن الدّلالة على جميع الأفراد فبهذا الاعتبار صحّ توصيفه بالجمع و أما ثانيا فلأن المستدل تمسك في جواز وصفه بالجمع بالنقل عن أهل اللّغة فإن لم يثبت هذا النقل فالجواب عن هذا و إن ثبت فليحمل الجمع هنا على عموم الأجزاء مجازا بقرينة اشتراط توافق الوصف لموصوفه و القول بأن بينهما بون بعيد بعد الاعتراف بثبوته بعيد لا يقال كما يجوز حمل الجمع على عموم الأجزاء مجازا كذلك يجوز حمل المفرد على العموم مجازا فلا يثبت المدّعى لأنا نقول مدلول الجمع مجموع الأفراد و مدلول المفرد كل فرد بينهما بون بعيد

قوله و عن الثاني بأنه مجاز لعدم اطراده‏

(2) الظاهر أنه معارضة يعني حمل الإنسان على العموم مجاز لقرينة الاستثناء لا حقيقة لعدم اطراده و فيه نظر لأنه إن أراد به عدم تحقق الاطراد في الجنس المعرّف فهو ممنوع لأنّه عين محلّ النزاع و إن أراد به عدم تحققه في العرف مطلقا فهو مسلّم و لكن لا يضر لجواز أن يكون عدم الاطراد منشؤه عدم اطراد اللاّم في الجنس إذ قد يكون للعهد

قوله و هو خلاف التحقيق كما قرر في موضعه‏

(3) إذ التحقيق أنّ الجمع المعرّف كالمفرد عمومه باعتبار شموله الآحاد ففي نحو لا أحب الظالمين ينتقلون إلى عدم محبّة أحد من الظّلمة

قوله من غير خطور الجموع ببالهم‏

(4) و قد بالغ في التلخيص حيث قال الجمع المحلى باللام يشمل الأفراد كلّها مثل المفرد كما ذكره أكثر أئمة الأصول و النحو و دلّ عليه الاستقراء و صرّح به أئمة التفسير في كلّ ما وقع في التنزيل بل من هذا القبيل نحو أعلم غيب السماوات و الأرض و علم آدم الأسماء كلّها و إذ قلنا للملائكة اسجدوا و اللّه يحب المحسنين و ما هي من الظالمين ببعيد إلى غير ذلك فإن قلت المصنف دفع الجواب عن الدليل الأوّل و لم يجب عنه فكأنّه معترف بصحّة مدلوله و أنه ينافي ما ذهب إليه من عدم العموم قلت ما سيصرّح به في الجواب عن الثّاني من أنه معترف لا نزاع في كون المفرد المعرف للعموم حقيقة في بعض الموارد جواب عن الأوّل أيضا على أنّ له أن يقول لو أضيف المفرد المعرف بالجمع لا يدل على أنّه للعموم حقيقة لجواز أن يكون للعموم مجازا بقرينة الوصف ثم إنّه لما كان الجمع‏

137

عنده بمنزلة المفرد في شمول الآحاد لم يرد أن بين مدلوليهما بون بعيد

قوله و أما الثاني فلأن الظاهر

(1) لما أقام المستدل دليلا على أن المفرد المعرف يجي‏ء للعموم حقيقة و أنكر المجيب ذلك و حكم بأنه مجاز فيه قال المصنف لا وجه لإنكار المجيب لأنه لا نزاع في أنّ المفرد المعرّف قد يفيد الاستغراق حقيقة و إنما النّزاع في أنه منحصر فيه غير مستعمل في غيره حقيقة أم لا و الجواب حينئذ أنّ الدليل لم يقم على محلّ النزاع بل على غيره فلك أن تقول لما كان النزاع في المعرف بلام الجنس دون الاستغراق كان غرض المجيب دعوى المجازية في الجنسية دون الاستغراقية فجوابه يئول إلى جواب المصنف فليتأمّل‏

قوله لكن إرادة البعض تنافي الحكمة

(2) يقتضي عدم جواز الإجماع كما ترى‏

قوله نعم أوّل المراتب واجبة الدّخول قطعا

(3) لأنّ الأول داخل في جميع احتمالاته فالحكم ثابت له قطعا و بقي ما سواه على حكم الشّك فلا يراد إلا لدلالته زائدة

[أصل في الجمع المنكر]

قوله فإذا حملناه على الجميع فقد حملناه على جميع حقائقه إلخ‏

(4) يرد عليه أولا أن صحة إرادة جميع الحقائق من المنكر الذي يقصد به واحد منها ممنوع و ثانيا أنّ بناء هذا الكلام على أن الجمع المنكر موضوع لكل واحد من المجموع و أنه مشترك بينهما لفظا و ليس كذلك بل موضوع للقدر المشترك بينهما و هو في كلّ واحد منهما مجاز و ثالثا أن مراتب الأفراد غير متناهية فلا يمكن فرض مرتبة مستغرقة لجمعهما إذ كل مرتبة تفرض يتصور فوقها مرتبة أخرى و إلا لزم أن يكون غير المتناهي متناهيا الجواب عن الأوّل أن امتناع إرادة جميع الحقائق إنما هو إذا لوحظ كل واحد منها بخصوص الفرديّة أما إذا لوحظ من حيث إنه جزء لفرد فلا و عن الثاني أنّ مراده بجميع حقائقه جميع الأفراد التي هو حقيقة في كلّ منها لكونه من أفراد الموضوع علة لا لنفسه و عن الثالث أنّ مراده أنا إذا حملناه الجمع على مفهومه باعتبار صدقه على الجميع فقد حملنا على جميع حقائقه فحينئذ المقصود من الجميع المفهوم الصادق على الجميع تناوله من قبيل تناول الكلي لجزئياته لا تناول الكل لأجزائه و لا استحالة في تناول الكل لجزئيات غير متناهية

قوله أما أولا فبالمعارضة إلخ‏

(5) بل الاحتياج إلى بيان الكل أشد من الاحتياج إلى‏

138

بيان الأقلّ معلوم الإرادة في الجملة و لا يخفى عليك أنّ ما ذكره الشيخ من الحكمة لحمل المنكر على العموم نظير ما ذكره المصنف في عموم المفرد المعرّف و هذه المعارضة يجري فيه أيضا و ذلك بأن يقال لو أراد العموم في المفرد المعرّف لبيّنه و لما لم يبيّنه علم أنّه ليس بمراد فالفرق بينهما لا يخلو عن إشكال‏

قوله و فيه نظر

(1) لأن هذه القرينة غير مانعة عن إرادة الكل و لعدم المنافاة بين إرادة الأقل و إرادة الكل و مراد الشيخ من القرينة القرينة المانعة إذ بدونها احتمال حمله على الكلّ باق و هو مناط دليله فإن قلت يمكن توجيه النظر بأن تعلق الإرادة بالأقل غير مقطوع به بل هو مثل الكلّ في عدم العلم بالتعلق لأن تعلقها باعتبار كونه ملحوظا بخصوصه منتف قطعا و باعتبار ملاحظته في ضمن الكل كذلك لأنه تابع لتعلقها بالكل و هو غير معلوم قلنا تعلق الإرادة بالأقل مطلقا باعتبار هذا وحده بل بالوجه الأعمّ معلوم قطعا

قوله فإنا نمنع كون اللفظ حقيقة في كل مرتبة إلخ‏

(2) يعني لا نسلم أنا إذا حملناه على الجميع فقد حملناه على جميع حقائقه و إنما يكون كذلك لو كان له حقائق و هو ممنوع إذ لا حقيقة له إلاّ القدر المشترك بين الجموع فلا دلالة على خصوص أحدها إلاّ بالقرينة لا يقال مراد المستدل أن تلك الجموع حقائق لا من حيث إن الجمع موضوع لها بل من حيث إنها من أفراد الموضوع له و هو القدر المشترك لأنا نقول هذا التوجيه لا يدفع الجواب لأنّ مقصود المجيب ليس بمجرد مناقشة في أنّ إطلاق الجمع على الجموع من باب الحقيقة بل مقصوده أنه موضوع للقدر المشترك و حمله على الجميع كما هو المدّعى لا يمكن بدون القرينة و إطلاقه على الجميع مع القرينة لا جواز في نفي جوازه اتفاقا على أنّه لو كان مراد المستدل هذا لكان ما ذكره إثباتا لللغة بالترجيح لأنه أثبت كون اللفظ حقيقة في الكلّ دون غيره من الجموع لكونه متضمّنا لها و أما إذا كان مراده أن اللفظ في كلّ مرتبة حقيقة باعتبار وضعه لها و أنه إذا أطلق كان عاما مستعملا في الكل لاشتماله على غيره فلا يكون إثباتا لللغة بالترجيح بل تقديما لبعض الحقائق على البعض بالترجيح و لا ضير فيه‏

قوله و لئن سلّمنا كونه حقيقة في كلّ واحد منها

(3) لا يقال إذا كان الجمع حقيقة منها لا خفاء في أن الجميع أحد حقائقه‏

139

و هو مشتمل على غيره فالحمل عليه أولى كما ذكره المستدل لأنا نقول جواز ترجيح بعض حقائق المشترك على بعض آخر بمجرّد ذلك ممنوع و لو سلم فإنما يكون ذلك لو لم يكن لذلك البعض الآخر رجحان من وجه آخر كما في نحن فيه فإن الأقل لكونه متيقن الإرادة أولى بالإرادة من الجميع فائدة أقل مراتب الجمع الثلاثة على الأصحّ أشار بذكر الصّيغة إلى أنّ النزاع في نحو رجال و مسلمين و ضربوا لا في المركّب من ج م (عليه السلام) كما سيصرح به فإنه يطلق اتفاقا و لا في نحو نحن و نا فإنه للمتكلّم مع الغير و إن كان واحدا بل ربما يطلق على الواحد تعظيما له ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فيما دون الثلاثة فقيل يطلق على الاثنين مجازا و هو المشهور و نقل عن الشافعي و أبي حنيفة أنه لا يطلق عليها أصلا لا حقيقة و لا مجازا و قيل يطلق على الواحد أيضا نقل ذلك عن الإمام قال في البرهان و لكن الردّ إلى الواحد أبعد من الردّ إلى الاثنين و ربّما يرجح قوله بأن باب المجاز واسع و العلاقة بين الكل و الجزء ظاهرة

قوله لنا أنه يسبق إلخ‏

(1) استدلال على ما هو المختار عنده من أن صيغة الجمع حقيقة في الثلاثة و ما فوقها مجاز في الاثنين و الضمير في قوله و دونه يعود إلى الاثنين باعتبار المذكور و هذا اللفظ و قوله لما هو تعليل لقوله دونه إشارة إلى إثبات الجزء الثّاني من مختاره‏

قوله فإن كان له إخوة

(2) يعني لأم المورث الثلث و لأبيه الثلثان هذا إذا لم يكن له إخوة و إلا فلأمه السدس لأن الإخوة يحجب الأم عن الثلث و المراد بالإخوة هنا الاثنان لأنهما يحجبان أيضا إجماعا و الأصل في الإطلاق الحقيقة

قوله الاثنان فما فوقها جماعة

(3) صريح في أن إطلاق لفظ الجمع على الاثنين حقيقة حيث ساوى بينهما و بين الزائد عليهما في هذا الحكم‏

قوله و الجواب عن الأوّل إلخ‏

(4) حاصله أن المراد بالإخوة في الآية ثلاثة و ما فوقها و حجب الأخوين الأم عن الثلث مستفاد من نص أو إجماع لا من الآية و هي مميز مانعة منه إذ لا يلزم من حجب الثلاثة عدم حجب الاثنين و لئن سلّمنا أنه استفادة حجب الأخوين من الآية لقلنا يجوز أن يكون استعمال الإخوة فيها من باب التجوز لقرينة كالإجماع و النص و غيرهما على أن الإطلاق إنما يدل‏

140

على الحقيقة إذا لم يكن دليل على خلافها و قد مر دليلنا عليه‏

قوله بل فرعون مراد معهما

(1) تغليبا للحاضر على الغائب بل لشهود الكل عند الحضرة الأحدية

قوله لا في ج م (عليه السلام)

(2) فإن المركب من هذه الحروف يطلق على الاثنين اتفاقا كما صرح به المحققون منهم الآمدي و ابن الحاجب في المختصر الكبير و السر في ذلك أن الجمع في اللغة ضم شي‏ء إلى شي‏ء و هو يتحقق بالاثنين فصاعدا و قد يجاب عن الاستدلال بأن الحديث محمول على بيان العفا و الجماعة بالاثنين و حصول فضلهما بهما في الصلاة أو في السفر على اختلاف التفسيرين كما ذكره السيد في الذريعة و القاضي في المنهاج‏

[أصل في خطاب المشافهة]

قوله ما وضع لخطاب المشافهة

(3) و هو الخطاب الوارد بصيغة المخاطب مثل افعلوا الخير و أقيموا الصلاة و نحوهما

قوله لا يعم بصيغته من تأخر من زمن الخطاب‏

(4) فيه إشارة إلى أمرين أحدهما أن النزاع في دلالة الصيغة حقيقة على العموم و الشمول للمتأخرين إذ لا نزاع في جواز حملها على العموم مجازا لأن المجاز باب واسع و ثانيهما أن الموجودين في زمن الخطاب داخلون فيه و إن لم يكونوا حاضرين في مهبط الوحي و منهم من جعلهم كالمعدومين في عدم الدخول‏

قوله بدليل آخر

(5) كالضرورة و الإجماع فإن مشاركة المعدومين للموجودين في الحكم المستفاد من الخطاب أمر ضروري اتفقت عليه الأمة

قوله و هو قول أصحابنا

(6) هذه العبارة كعبارة التهذيب يشعر بأن علماءنا أجمعوا على عدم العمومية فإن ثبت هذا فذاك و إلا ففيه كلام ستعرفه‏

قوله و أكثر أهل الخلاف‏

(7) نقل هذا عن أصحاب الشافعي و أبي حنيفة

قوله و ذهب قوم منهم‏

(8) نسب هذا القول إلى الحنابلة قيل هذا القول غير بعيد و قال قطب المحققين ذكر في الكتب المشهور أن الحق أن عموم الخطاب و شموله لمن بعدهم معلوم بالضرورة من دين محمد (صلى اللَّه عليه و آله) و هو قريب‏

قوله لا يقال للمعدومين يا أيها الناس‏

(9) وجه ذلك أن الخطاب بالناس يستدعي كون المخاطب إنسانا و المعدوم لا يتصف بالإنسانية فلا يخاطب به و فيه نظر أما أولا فلقوله تعالى كن فيكون حيث تعلق خطابه بالمعدوم لاستحالة تحصيل الحاصل و أما ثانيا فلأنه إن تم ذلك في خطاب البشر فلا يتم في خطابه سبحانه لأن الموجودين في زمن الخطاب‏

141

و المعدومين عنده سواء و مما يؤيد ذلك قوله تعالى أ لست بربكم و القول بأن الخطاب هنا تعلق بالمشرك بأن قوله به سبحانه لما كان مقرونا بتبليغ الرسول كان من لوازمه اشتراط وجود المخاطبين لا يخلو ما فيه فإن التبليغ إنما يكون بهذا الخطاب على ما هو في نفس الأمر فإن كان الخطاب عاما وجب أن يكون التبليغ أيضا عاما و امتناع تعلق خطاب هذا الرسول نفسه بالمعدومين لا ينافي تعلق خطاب اللّه من حيث التبليغ بهم و أما ثالثا فلأنه لو سلم امتناع تعلق الخطاب بالمعدومين فقط فلا نسلم امتناع تعلقه بالموجودين و المعدومين معا على سبيل التغليب فخطاب يا أيها الناس يجوز أن يكون شاملا للمعدومين على وجه التغليب و مثله شائع في اللسان فيصح عند أرباب البيان فإن قلت التغليب مجاز و النزاع إنما هو في التناول بحسب الحقيقة قلت هذا حق و لكن المسألة ليس لها حينئذ كثير فائدة و لا يصح أيضا قول المستدل إن شمول الحكم للمعدومين بدليل آخر غير الخطاب‏

قوله و إنكاره مكابرة

(1) أي إنكار عدم ذلك القول يعني القول بجواز خطاب المعدومين و الموجودين حقيقة بيا أيها الناس مكابرة

قوله و أيضا فإن الصّبي و المجنون إلخ‏

(2) سرد هذا الدليل على نهج القياس بالأولوية تقريره أن الخطاب إذا لم يتناول الصبي و المجنون مع وجود بعض شرائط توجيهه كالموجود و الاتصاف بالإنسانية فيهما لعدم تناوله للمعدوم أجدر لأن اتصافه بشرائط توجه الخطاب أبعد و الجامع عدم الفهم و تميز الجواب أن العلة في الأصل يجوز أن يكون عدم التميز

قوله بالجنون أو الصباة أو مجموعهما

(3) و هذا لم يتحقق في الفرع و أما الجواب عنه بمنع الحكم في الأصل و القول بأن كل واحد منهما داخل تحت الخطاب غاية أنه حض بالإجماع و هو لا يلزم عدم التناول بل يؤيده بعيد جدا بل مكابرة قطعا لأن القول بأن نحو يا أيها الناس اعبدوا يا أيها الذين آمنوا متناول للصبي و المجنون لا يخفى فساده على ذوي الأبصار

قوله أحدهما لو لم يكن الرسول (صلى اللَّه عليه و آله) مخاطبا لمن بعد الرسول لم يكن الرسول مرسلا إليه‏

(4) قال في الحاشية إن قيل هذه الخطابات من الله و الرسول مبلغ قلنا لما كان الرسول (صلى اللَّه عليه و آله) هو الذي يوجه الكلام نحو المخاطبين فكأنه هو المخاطب لهم و لو أردنا سياق الدليل على أن يكون المخاطب هو الله تعالى قلنا لو لم يكن مخاطبا لمن بعد الرسول (صلى اللَّه عليه و آله) لم يكن مرسلا (صلى اللَّه عليه و آله) إليهم لأن معنى إرساله‏

142

إليهم أن يقال له بلغهم ما خاطبتهم‏

قوله بالنسبة إليه‏

(1) أي إلى من بعده فلا يكون الرسول مرسلا إليه فبالإجماع لم يتمسك بالنص مثل و ما أرسلناك إلا كافة للنّاس و بعثت إلى الأسود و الأحمر لأن الخصم لا يسلم شموله للمعدومين‏

قوله ممن بعد الصحابة

(2) بيان لأهل الأعصار لا للعلماء لأنه ربما يدعي احتجاج الصحابة أيضا

قوله و الجواب أمّا عن الأول إلخ‏

(3) ملخصه أن تبليغ الأحكام لا يجب أن يكون بخطاب المشافهة بل قد يكون به كما في الموجودين و قد يكون بغيره من الدلائل و الأمارات الدالة على أن حكمهم حكم الموجودين و الحق أن هذا التفصيل بمذهب أهل الخلاف أنسب حيث لا يقولون بوجود معصوم من محمد (صلى اللَّه عليه و آله) يقوم مقامه و يبلغ إلى أمته أحكامه و أما على مذهب الفئة الناجية فهو بعيد و مما يدل عليه ما رواه في الكافي في تفسير قوله تعالى و أوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به و من بلغ أن المراد بمن بلغ الأئمة (عليهم السلام) و المعنى و ينذركم به من بلغ لأن هذا التفسير بعنوان المشافهة شرط في كل مخاطب سواء كان الرسول (صلى اللَّه عليه و آله) و القائمون مقامه‏

قوله و أمّا عن الثاني إلخ‏

(4) يعني احتجاج العلماء على من بعد الصحابة بإثبات أحكام الخطابات لهم لا يدل على أن ذلك لتناول الخطاب إياهم لجواز أن يستند بدليل خارج كالإجماع و الضرورة الدالين على مشاركة غير الصحابة لهم في الأحكام و قد يدفع هذا بأن المستفاد من سياق القصص على الوجه المنقول هو أن الاحتجاج إنما هو بنفس الخطاب لا بأمر خارج عنه نعم هو من الاحتمالات البعيدة التي لا تضر في الظنيات‏

[الفصل الثاني في جملة من مباحث التخصيص‏]

[أصل في منتهى التخصيص‏]

قوله حتى يبقى واحد

(5) قال في الحاشية ادعى في النهاية الاتفاق على جواز التخصص إلى الواحد في ألفاظ الاستفهام و المجازات و جعل الخلاف فيما عداها و لم أقف على موافق له في ذلك بل في كلام بعض المحققين تصريح بما ينافيه انتهى و نقل عن القفال أن انتهاء التخصيص في الجمع مطلقا إلى ثلاثة و في غيره إلى واحد و عن بعضهم أنه في الجمع المعرف إلى ثلاثة و في غيره إلى واحد

قوله لا بد من بقاء جمع يقرب من مدلول العام‏

(6) و ذلك بأن يكون الباقي أكثر من النصف قيل لا يتصور ذلك إلا فيما كان عدد أفراد العام محصورا و هو ليس بسديد لأنه لا يمتنع الاطلاع على ما وقف النصف في غير المحصور كما إذا قلت أكرم الرجال إلا فلانا و فلانا حتى عددت‏

143

عشرة مثلا فإنه يعلم أن الباقي أكثر من الخارج قطعا

قوله و لنا القطع بقبح قول القائل إلخ‏

(1) إن لنا على الدعوى الأولى و أما الدعوى الثّانية فلم يتعرض لها إما لأن وجودهما معلوم أو للاكتفاء بما سيذكره الخصم و اعتراف المصنف بأنه حق و لكن ليس محل النزاع و في لفظ القطع إشعار بأن الحكم المذكور ضروري و أن ما ذكره تنبيه لا دليل و أنت تعلم أنه لا دلالة فيما ذكره على أن الباقي يجب أن يكون أكثرهم من النصف اللهم إلا أن يكون المقصود إبطال مذهب الخصم قوله و لا كذلك أيضا لو أريد النصف أو الأقل منه قليلا فلا يتم المطلوب‏

قوله لكان لتخصيصه‏

(2) أي لكان ذلك الامتناع لتخصيصه إذ الفرض عدم مانع آخر و هذا يقتضي امتناع كل تخصيص لتحقق علة الامتناع فيه‏

قوله فإن الأكثر أقرب إلى الحقيقة من الأقل‏

(3) يمكن أن يقال تيقن إرادة الأقل قد عارضه فتساقطا لا يقال أثر التيقن سقط عند إرادة العموم فكذا عند إرادة ما يقوم مقامه على الأكثر لأنا نقول سقوط أثره عند إرادة الحقيقة لا يقتضي سقوطه عند إرادة المجاز لامتناع إرادة الأقل لا يقال إذا كانت إرادة الأكثر راجحة كانت إرادة الأقل ممتنعة بوجوب حمل اللفظ على الاحتمال الراجح لأنا نقول النزاع إنما هو في أنه هل يجوز استعمال العام في الأقل المرجوح صح قرينة مختصة به أم لا و ما ذكرت إنما يدل على إرادته عند تلك القرينة و لا نزاع فيه‏

قوله لكنها ليست أجزاء له‏

(4) أورد عليه بأن هذا إنما يتم في غير الجمع المعرف كالنكرة في سياق النفي و الموصول و اسم الشرط و نحوها و أما في الجمع المعرف فلا لأن الواحد جزء له و أجيب بأن هذا مبني على ما ذهب إليه المحققون من أن عموم الجمع المعرف باعتبار أجزائه أعني الآحاد لا باعتبار جزئياته من الجموع فعموم الجمع المعرف باعتبار كعموم المفرد و شموله لكل واحد فإن قلت المراد بالجمع هو الأجزاء دون الجزئيات لو كان للعموم أما لو كان للخصوص فالمراد به هو الجزئيات دون الأجزاء لأنه قد يكون للعموم خصوصية لا توجد في الخصوص قلنا كأن المراد منه عند إخراج البعض هو الآحاد فكذا بعده لأن الأصل بقاء الأحكام على ما كان و أيضا نعلم قطعا أن الباقي و المخرج يكونان من جنس واحد فإذا كان الخارج هو الآحاد كان الباقي أيضا كذلك‏

قوله و إنما هو علاقة المشابهة فيكون من قبيل الاستعارة لا المجاز المرسل و الحصر

(5) ممنوع لجواز أن يكون العلاقة هي علاقة

144

العام و الخاص فلو تمسك بها المستدل لم يرد عليه ذلك‏

قوله استعارة عن العظمة

(1) فكذا وقع عبارة العضدي و قيل الظاهر العظمة إلا أن يجعل الاستعارة كناية متضمنة لمضي الكناية

قوله و لم يبق معنى العموم ملحوظا فيه أصلا

(2) أي لا بجميع الأفراد و لا ببعضها أما الأول فظاهر و أمّا الثاني فلأن ملاحظة الخصوص فرع ملاحظة العموم و إذا انتفى الأصل انتفى الفرع قطعا و فيه إشعار بأن الصيغة المذكورة موضوعة للعموم لكن العموم غير ملحوظ أصلا و ربما يقال إن هذه ليست من صيغ العموم أصلا و لو لا هذه العبارة لأمكن جعل قوله و ليس من التعميم و التخصيص في شي‏ء إيماء إلى هذا القول‏

قوله و الأمر عندنا سهل‏

(3) فإن اتفاق المفسرين على إرادة الواحد من الناس إنما بخبر عن العدل فلا يثبت به حكم كذا نقل عنه (رحمه الله)ه‏

قوله بل هو للبعض الخارجي إلخ‏

(4) لام التعريف إما إشارة إلى حصة معينة هي الحقيقة و هو للعهد الخارجي أو إلى نفس الحقيقة من حيث هي و هو الجنس أو باعتبار الوجود مع وجود قرينة البعضية و هو للعهد الذهني أو مع عدمها و هو الاستغراق و التعريف هنا ليس للأول لعدم العهد الخارجي و لا للثاني لأن الأكل لا يتعلق بنفس الحقيقة الكلية من حيث هي و لا للرابع و هو ظاهر فتعين أن يكون الثالث أعني الفرد الموجود في الخارج المطابق للماهية المعهودة في الذهن إما لصدقها عليه أو لأنه بنفسها بعد دفع المشخصات و تلك الماهية هي القدر المخصوص من الخبز و الماء المقرر أنه يؤكل و يشرب عادة فقوله بل هو للبعض إشارة إلى ذلك الفرد الموجود من الماهية و قوله للمعهود الذهني إشارة إلى الماهية المقررة في الذهن و قوله أعني الخبز و الماء تفسير لتلك الماهية و تحقيق لعهديتها في الذهن و قوله و هو معلوم ما إشارة إلى أن ليس المراد مطلق المأكول و المشروب يعني أقل ما يصدق عليه اسمه بل المراد هو القدر المعلوم كونه مأكولا و مشروبا فقد ظهر أن التعريف هنا لفرد موجود في الخارج من تلك الماهية المقررة في الذهن و بهذا القدر تم الجواب لأن تعريف العهد الذهني ليس من تخصيص العموم في شي‏ء إلا أنه أوضح المقصود و شبهه بالعهد الخارجي فإنه ليس من تخصيص‏

145

العموم قطعا حيث قال و حاصل الآخر توضيحه أن هذا الفرد الخارجي المطابق للمعهود الذهني الذي أطلق عليه المعرف باللام مماثل بواحد معين في الخارج مقصود من بين أفراد معهودة فيه في قولنا ادخل السوق مثلا حيث يراد سوق معين من بين أسواق معلومة معهودة بسبب اعتبار دخول المخاطب للمعاملة و المماثلة بينهما في أن الماهية معلومة و المراد فرد منها كما أن الأسواق معلومة و المراد واحد منها و إن افترقا في تعدد الأسواق و اتحاد الماهية فكما أن العهد الخارجي ليس من تخصيص العموم كذلك العهد الذهني هذا و قد نقل ولد المحقق (رحمه الله)ه أن المقصود و من هو حاصل الأمر به لما كان من المقرر أن المقصود بالعهد الذهني هو الماهية مع فرد ما غير معين و بالعهد الخارجي هو الماهية مع فرد معين و في المثال المذكور ليس المراد فردا معينا مشخصا ليكون عهدا خارجيا محضا و لا فردا منها ليكون عهدا ذهنيا محضا بل المراد به العهد الخارجي المطابق للمعهود الذهني فله حينئذ جهتا تعين و إبهام كما أن العهد الخارجي إذا أطلق موجود معين من بين معهودات خارجية كالمثال المذكور لجهتا تعيين و إبهام و ذلك لا يخرج كلا منهما من العهدية و وجه الاحتياج إلى هذا التقرير أن الغرض المطلوب هنا ليس هو الإعلام بأنه أكل الخبز المعين أي الفرد المشخص و لا أنه أكل خبزا ما بمعنى أقل ما يصدق عليه بل الغرض أنه أكل مقدارا ما من بين معلومات فهي من حيث كونه مقدارا معلوما للعهد الخارجي لكن لما كان مبهما بين معلومات أشبه الذهني و مثله لا يخرجه عن ذلك‏

قوله من حيث هو

(1) احتراز عن الجمع المعرف و المضاف فإنهما يعمان باعتبار التعريف و الإضافة

قوله و لم يقم دليل على تلازم حكمها إلخ‏

(2) لا يقال المستدل أجرى الدليل في الجمع المخصص و تلازم الحكمين حينئذ ظاهر لأن التخصيص قصر العام على بعض مسماه فإن كان الاثنان أقل الجمع جاز انتهاء التخصيص إليهما و إلا فإلى الثلاثة ثم يثبت الحكم فيما عداه بما هو المشهور من أنه لا قائل بالفصل لأنا نقول لا يلزم من جواز استعمال ما ليس بعام كالجمع المنكر في الاثنين أو الثلاثة جواز استعمال ما هو عام فيهما بل الحق عند المحققين أن عموم الجمع باعتبار الأجزاء دون‏

146

الجزئيات فلا فرق حينئذ بين عمومه و عموم المفرد

[أصل في العام المخصص‏]

قوله فهو مجاز مطلقا

(1) أي سواء كان الباقي منحصرا أو غير منحصر و سواء كان المخصّص مستقلا أو غير مستقل‏

قوله من شرط أو صفة أو استثناء أو غاية

(2) إنما كانت هذه الأمور غير مستقل لاحتياج الشرط إلى المشروط و الصفة الموصوف و الاستثناء إلى المستثنى منه و الغاية إلى المغيا

قوله من سمع أو عقل‏

(3) قيل المراد بالمخصص العقلي ما عدا السمعي فيندرج فيه الحسي كما في قوله تعالى و أوتيت من كل شي‏ء

قوله لنا إنه لو كان حقيقة في الباقي كما في الكل لكان مشتركا بينهما

(4) أورد عليه العضدي أن ثبوت الملازمة يتوقف على كون العام مستعملا في الخصوص و مرادا به الباقي و ليس كذلك بل العام مستعمل في العموم و المراد به الشمول و المخصص يفيد إخراج بعض جزئياته ثم يسند إلى ما بقي بعد الإخراج فالعام يراد به العموم و الخاص به الخصوص و الباقي إنما يراد به المجموع لا من العام وحده فلا يلزم الاشتراك فقولك أكرم الرجال العلماء بمنزلة قولك أكرم الرجال من علمت من صفتهم أنهم علماء فالعلم إن وجد في الجميع كان الموصول بدل الكل و العلم صفة غير مخصصة فكان خارجا عما نحن فيه و إن كان مختصا ببعضهم كان الموصول بدل البعض و العلم صفة مخصصة فكما أن الموصول إذا كان بدل البعض لم يكن المبدل مرادا به الجميع كذلك إذا كان العلم صفة مخصصة لم يكن المراد بالموصوف بعضه بل المراد جميع جزئياته لأن الصفة المخصصة بمنزلة لفظ بعض فكأنك قلت أكرم جميع الرجال علماءهم و هذا مثل ما يقال في المستثنى من أن المستثنى منه يراد به العموم و المستثنى يراد به الخصوص و أداة الاستثناء يراد بها إخراجه و الاستناد إلى ما بقي بعد الاستثناء

قوله بيان الملازمة إلخ‏

(5) يعني ثبت فيما مر أن اللفظ موضوع للعموم و حينئذ لو أطلق على البعض حقيقة لكان ذلك إما باعتبار أنه موضوع له أيضا أو باعتبار أنه عين الكل أو باعتبار أنه يصدق عليه الكل و الأخيران باطلان أما الأول منهما فلأن المفهوم من البعض مخالف للمفهوم من الكل و أما الثاني فلأن مفهوم الكل لا يصدق على البعض فتعين الأول‏

147

فيلزم أن يكون مشتركا لفظيا بينهما قيل ظاهر هذا الدليل يقتضي أن يكون إطلاق العام على الخاص من باب إطلاق الكل على الجزء و قد سبق أنه ليس كذلك و أنه من باب إطلاق الكلي على الجزئي و أجيب بأنه ليس المراد من كونه موضوعا للعموم أنه موضوع للعموم من حيث هو متلبّس بالهيئة المجموعيّة بل المراد أنه موضوع للعموم لكل فرد من غير اختصاص له بفرد دون آخر فلو أطلق على فرد مخصوص مجرّدا عن ملاحظة فرد آخر كان مجازا إلا أنه يلزم منه أن يكون استعماله في الهيئة المجموعية مجازا و هم قد التزموه‏

قوله إن الغرض وقع في مثله إلخ‏

(1) أي فيما لا يكون مشتركا لفظيا بين العام و الخاص و فيه إشارة إلى أن المقصود إبطال قول من ذهب أن الصيغة مختصة بالعموم و أنها مطلق على الباقي حقيقة فلا يرد أن بطلان الاشتراك اللفظي ليس بضروري و لا متفق عليه أن القول به موجود فلا يتم الدليل‏

قوله أحدهما إن كان متناولا له حقيقة بالاتفاق قيل تمنع كون تناول اللفظ للباقي قبل التخصيص حقيقة

(2) بل هو مجاز لأنه من باب دلالة لفظ الكل على الجزء و هذا ليس بشي‏ء لأنك قد عرفت آنفا أن اللفظ ليس بموضوع للماهيّة المجموعية بل لكل فرد فلا كل و لا جزء هنا

قوله إنما طرأ عدم تناول الغير

(3) هذا الذي طرأ لا تأثير له في تصييره مجازا إلا أن الواضع لم يتعرض لشرط انضمام الغير و عدمه و عدم التعرض أعم من تعرض العدم أو الوجود

قوله و الثاني أنه يسبق إلخ‏

(4) توضيحه أن الباقي بنفسه مجردا عن ملاحظة القرينة يسبق إلى الفهم و القرينة تنفي احتمال الغير أعني العموم و ذلك أي سبق الباقي بنفسه أو عدم سبق غيره دليل الحقيقة فاللفظ في الباقي حقيقة فقوله إذ مع القرينة لا يحتمل غيره علة لكون الباقي سابقا بنفسه لا بانضمام القرينة و تحقيقه أن القرينة من شأنها نفي احتمال الغير و لا مدخل لها في سبق الباقي بل سبقه إنما هو بنفسه و قوله ذلك إشارة إلى سبق الباقي المذكور صريحا أو إلى عدم سبق غيره المعلوم التزاما و الأول أظهر لفظا و الثاني أنسب معنى إذ دليل الحقيقة عدم سبق غيرها لإسباقها و إلا لانتقض بالمشترك فإن السبق مفقود فيه مع كونه حقيقة في كلا معنييه ثم هذا الدليل على ما حررناه لا يرد عليه أن يكون اللفظ مع القرينة حقيقة

148

في البعض يرفع جميع المجازات إذ ما من مجاز إلا و يمكن أن يقال إنه مع القرينة حقيقة في مدلوله لسبقه و بدونها حقيقة في غيره‏

قوله و الجواب عن الأول إلخ‏

(1) منع لقوله و التناول باق توضيحه أن تناول اللفظ للباقي و إرادته قبل التخصيص و هو الذي كان على سبيل الحقيقة إنما كان مع تناول الغير و إرادته أيضا بالفعل و تناوله بعد التخصيص ملحوظ بانفراده غير منضم مع إرادته غيره و هذا التناول مغاير لتناول الأول بالضرورة و بطريان هذا ينتفي الأول و يقتضي ذلك كون اللفظ مستعملا في غير ما وضع له فقد ظهر مما ذكرنا أن المراد بقوله إنما كان مع غيره إنما كان مع تناول غيره و إرادته بالفعل و ليس المراد به مع صلوح تناوله و مجرد احتمال ذلك ليرد أن استعماله في الباقي بخصوصه بعد التخصيص يقتضي انتفاء صلوحه للغير و لا يلزم منه أن يكون مجازا في الباقي و إلا دخل المشترك فإنه صالح لكل واحد من معانيه قبل القرينة و بعدها لا يصلح لبعضها فيلزم أن يكون مجازا في الباقي و هو باطل اتفاقا على أنه لو أريد هذا لكان الفرق بين العام و المشترك واضحا إذ المشترك صلاحيته ليست بحسب الوضع بل بحسب الاستعمال بخلاف العام فإن وضعه للصلاحية فإذا انتفت صلاحيته بالمخصص تحقق الاستعمال في غير ما وضع له بخلاف المشترك‏

قوله و اعترض بأن عدم تناول اللفظ للغير بعد التخصيص أو تناوله قبله لا يغير صفة تناوله للباقي‏

(2) و الحاصل أن تناوله للباقي الذي كان على سبيل الحقيقة باق على التقديرين لأن عدم التناول للغير لا يؤثر في تناوله و لا يوجب دفعه و قد يجاب بأن تناوله لما بقي الذي كان حقيقة تناوله في ضمن الكل إجمالا و أما تناوله بخصوصه فلم يكن متصفا بكونه على الحقيقة أصلا

قوله و جوابه إلخ‏

(3) محصله أن التناول ليس موجبا لكون اللفظ حقيقة في الباقي قبل التخصيص إذا التناول أعم من أن يكون بطريق الحقيقة أو المجاز و العام لا يقتضي خاصا معينا فلا يلزم بقاؤه بعد التخصيص كونه حقيقة فيه بل الموجب له هو استعماله في الكل الذي يكون ذلك الباقي بعضا منه و اللفظ بعد التخصيص مستعمل في الباقي بخصوصه فلا يكون حقيقة فيه بل مجازا و الظاهر أن هذا الجواب يتعلق‏

149

بقوله لا يغير صفة تناوله و محصوله أن اللازم من ذلك بقاء التناول بعد التخصيص و أما أن ذلك التناول موجب لكون اللفظ حقيقة في الباقي فلا لأنه فرع لكونه موجبا له قبله و أنه محال بل الموجب له هو الاستعمال في الكل و إنما قلنا الظاهر ذلك لأنه يمكن أن يجعل جوابا عن أصل الدليل‏

قوله و القول بأنه كان متناولا له حقيقة مجرد عبارة

(1) كأنه جواب عن سؤال مقدر و تقريره أنّ التناول إذا كان باقيا بحاله بعد التخصيص كما ذكره المعترض و كان التناول قبله حقيقة كما ذكره المستدل فكيف يكون التناول بعده مجازا و تقرير الجواب أن في القول بأن التناول للباقي حقيقة قبل التخصيص مساهلة في العبارة و المراد أن التناول له بحسب الحقيقة الناشئة عن استعمال اللفظ في الكل الذي يكون الباقي بعضه و إنما احتجنا إلى ذلك التأويل لأن الكل و الحقيقة المقابلة للمجاز و هي صفة اللفظ و أن الكلام في التناول الذي هو أمر معنوي‏

قوله و عن الثاني بالمنع من السبق‏

(2) أي بالمنع عن سبق الباقي بخصوصه فلا يرد أنه إذا سلم سبق العموم لا معنى لمنع سبق الباقي لأنه أحد جزئيات العموم و لا يعقل بسبق العموم إلا بسبق جزئياته بأسرها و ذلك لأن سبق العموم إنما يستلزم سبق الباقي على أنه بعض منه لا على خصوصه‏

قوله و إنما يتبادر مع القرينة

(3) أي إنما يتبادر و الباقي بخصوصه مع القرينة المانعة عن إرادة الجميع فتلك القرينة كما أن لها تأثيرا في عدم إرادة الخارج كذلك لها تأثير في إرادة الباقي بخصوصه‏

قوله و هو دليل المجاز

(4) أي سبق العموم عند عدم قرينة خصوص الباقي دليل على أن اللفظ مجاز فيه لأن سبق غيره من علامات المجاز

قوله كون النزاع في لفظ العام أو في الصيغ‏

(5) ما ذكره المستدل و هو قوله معنى العموم حقيقة هو كذا معنى لفظ العموم إلا معنى الصّيغ المخصوصة المبحوث عنها بل معناها استغراقها لجميع ما يتناوله لكن لما كان لفظ العام يطلق على تلك الصيغ توهم أن ذلك معناها فاشتبه عليه العارض بالمعروض و أخرى حكم العارض على المعروض و هو سهو بين لأن إطلاق العارض أعني العموم على متكثر غير محصور حقيقة لا يستلزم أن يكون إطلاق المعروض أعني الصيغة عليه مع كونه‏

150

بعض مدلولاتها من باب الحقيقة أيضا

قوله لو كان التقييد بما لا يستقل‏

(1) توضيحه لو كان العام المخصص بغير المستقل لفظا مجازا لكان كل لفظ مركب مع آخر و وضع المجموع المركب لمعنى متغاير لمعناه قبل التركيب مجازا و ذلك نحو مسلمون فإن مسلما وضع لمن قام به الإسلام ثم مع علامة الجمع وضع لجماعة قام بينهم الإسلام و لا يدل مسلم وحده على جزء المعنى فضلا عن أن يكون مجازا بل مجموع مسلمون دال على مجموع المعنى و نحو المسلم فإن مسلما وحده موضوع لفرد ما و مع لام الجنس أو العهد موضوع للحقيقة المشار إليها من حيث هي أو من حيث وجودها في ضمن شخص معين و ليس في مسلم وحده دلالة على شي‏ء بل الدال هو المجموع و نحو ألف سنة إلا خمسين عاما فإن ألف سنة إلا خمسين عاما نص في معناه و لا تجوز فيه و المجموع المركب من المستثنى و المستثنى منه و أداة الاستثناء لما يبقى بعد الاستثناء و اعترض بأن الاستثناء عند هذا القائل مقيس لا مقيس عليه كما علم من تصريح المصنف هنا و في أول الباب عند نقل مذهبه فكان الواجب أن لا يذكره في جانب المقيس عليه و أجيب بأن النزاع في العام المخصص بالاستثناء لا في المقيد بالاستثناء مطلقا و أسماء الأعداد ليست عامة فلهذا صح جعله مقيسا عليه‏

قوله موضع وفاق‏

(2) يعني أن من الخصم أيضا قائل بأن ألف سنة بل كل عدد وقع الاستثناء منه مستعمل في معناه و المجموع من حيث هو مستعمل في الباقي بعد الاستثناء و كلامنا معه و إنما زاد قوله من الخصم لئلا يرد عليه أن الوفاق في ذلك ممنوع كيف و القول بأن العشرة في عشرة إلا ثلاثة مستعمل في السبعة مجازا و إلا قرينة مشهور

قوله بيان الملازمة

(3) توضيحه أن كل واحد من مسلم في مسلمون و المسلم و ألف سنة يقيد بقيد هو كالجزء له و هو ضمير الجمع و آلة التعريف و الاستثناء و قد صار بواسطة لمعنى و هو الجماعة و الجنس أو العهد و لتسعمائة و خمسون و هذا غير ما وضع له أولا و هي بدونه أي تلك المذكورات بدون القيد لما نقلت عنه و هو المعنى الأول و معه نقلت إليه و هو المعنى الثاني و لا يحتمل الأول و قد جعلتم ذلك التقييد بقيد موجب للتجوز في المقيس‏