حاشية معالم الدين

- الشيخ محمد صالح المازندراني المزيد...
256 /
151

و هو المقيد بالوصف و نحوه فالقول بعدم التجوز في المقيس عليه و هو مسلمون و نحوه فرق بين المتساويين و هو تحكم‏

قوله و الجواب أن وجه الفرق ظاهر

(1) يعني الجواب أن شيئا مما ذكرتم ليس مثل العام المخصوص بغير المستقل بل بينهما فرق و وجه الفرق ظاهر إلى آخر ما ذكره المصنف قيل الأولى في الجواب أن يقال لا نسلم أن كل زيادة موجب للتجوز بل الزيادة الموجبة له هي ما يخرج العام إلى الخاص كالمسلمين في الرجال المسلمين فإنه قرينة دالة على صرف العام عن معناه الأصلي و ما ذكرتم من الزيادة ليست كذلك و إنما كان هذا الجواب أولى لأنه يرد على قوله المسلم يعد في العرف كلمة واحدة أنه لو كان العرف العام فقد يدعي عدم الفرق فيه بين المعرف باللام و المقيد بالشرط و الصفة و نحوهما و إن أريد به العرف الخاص فمع الاختلاف لا يتم الدليل و فيه نظر لأن كون المسلم كلمة واحدة بحسب العرف دون بني تميم الطوال لا يقدم على إنكاره إلا مكابرة ثم إن المستدل أثبت حكم الزيادة المذكورة مع العام للزيادة المذكورة مع غيره بالقياس فمتى لم يفرق بين الزيادتين ما بدأ الفرق لا يقدح المنع المذكور

قوله فإن الواو في مسلمون‏

(2) يعني أن الواو في مسلمون ليست بكلمة بل هي علامة يعرف بها أن مسلمون للجمع بوضع الواضع له كما أن ألف ضارب و واو مضروب ليست بكلمة بل هي علامة يعرف بها أن ضاربا للفاعل و مضروبا للمفعول بوضع الواضع فمجموع مسلمون لفظ واحد وضع لجماعة متصفة بالإسلام بخلاف ما نحن فيه فإن الرجال وضع للعموم و المسلمون وضع لما مر فإذا جعل الثاني وصفا للأول و قيل الرجال المسلمون خرج عن الأول بعض أفراده و هو غير المسلم فلم يبق على موضوعه فلا يكون حقيقة و عليه فقس ليظهر لك وجه قوله و لا شي‏ء مما ذكرنا في هذه الصور الثلاث يتحقق في العام المخصوص‏

قوله على تقدير تسلمه‏

(3) إشارة إلى أن الحكم بكون ألف سنة إلا خمسين عاما حقيقة ممنوع لأنه ذهب طائفة إلى أن كل عدد وقع مستثنى منه يراد به الباقي مجازا فيقال ألف سنة مجاز عن تسعمائة و خمسين بقرينة

152

الاستثناء فحينئذ بطلان اللازم بالنسبة إليه غير مسلم و لو سلم ذلك الحكم فهو مبني على أن المراد بألف سنة تمام المدلول الحقيقي و استثناء البعض إنما وقع قبل إسناد الحكم إليه فهو إنما أخرجه عن الحكم لا عن الإرادة و المجموع من حيث هو موضوع لما هو محله الحكم‏

قوله لا شي‏ء مما ذكرناه‏

(1) و هو كون المجموع كلمة واحدة و كون المراد بالمستثنى منه تمام مدلوله و وقوع الإخراج منه قبل الإسناد و الحكم يعني ليس شي‏ء من هذين الأمرين بمتحقق في العام المخصوص أما الأول فلظهور أن كل واحد من العام و المخصص ممتاز عن الآخر و كلمة رأسه و الثاني يخصص الأول ببعض أفراده فيكون الأول مجازا في الباقي و أما الثاني فلأن المفروض إرادة بعض أفراد العام منه لإتمامها كما في ألف سنة فيكون العام مجازا دون ألف سنة و فيه نظر لأن هذا مبني على الفرق بين الاستثناء من العام أو الاستثناء من العدد بأن المراد بالعدد المستثنى منه تمام مدلوله و بالعام بعضه و هو باطل لأن كل من ادعى أن المراد بالعدد المستثنى منه تمام مدلوله ادعى المراد بالعام المستثنى منه كذلك و المستدل يقول لو كان العام مجازا لكان العد مجازا لعدم الفرق و هذا حق فقول المصنف فكيف يلزم من كونه مجازا كون هذه مجازا مدفوعا قطعا و اعلم أن المراد بالصور الثلاث و هو مسلمون و ألف سنة إلا خمسين عاما و هذا في هذه مجازات إشارة إليها و قوله لأن المفروض عطف على قوله لظهور الامتياز و المعطوف عليه بيان لعدم تحقق ما ذكر في الصورتين الأولين في العام المخصوص و المعطوف بيان لعدم تحقق ما ذكر في الصورة الأخيرة فيه كما أشرنا إليه‏

[أصل في حجية العام المخصص في الباقي‏]

قوله لا يخرجه عن الحجة

(2) إيماء إلى الدليل المشهور على حجيته و هو أن العام قبل التخصص حجة في الزائد و الباقي بالاتفاق فيكون بعده حجة في الباقي لأن الأصل بقاء الثابت إلا لمعارض و لم يوجد فمن ادعاه يحتاج إلى إثباته ثم الظاهر أن حجيته في الباقي ظنية و يشعر به قوله فيما بعد و ذلك دليل ظهوره في الباقي و عند أكثر الحنفية قطعية إن خص بغير مستقل مبين و إلا فظنية

قوله إن لم يكن المخصص‏

153

مجملا

(1) إذ لو كان مجملا نحو و أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم و نحو هذا العام مخصوص لم يكن حجة لأن أي بعض فرض يحتمل أن يكون هو الخارج فلا يحصل الظن بالباقي و قد نقل الشهيد في قواعده الإجماع على ذلك عن جماعة منهم الأحدى ثم قال و ربما نقل عن بعضهم أنه يعمل به إلى أن يبقى واحد و لا يخفى بعده‏

قوله مطلقا

(2) الظاهر من سياق الكلام حيث قائله بالتفصيل أنه متعلق بقوله لا يخرجه عن الحجية يعني أن العام حجة في الباقي سواء كان التخصيص بالمتصل أو بغيره و سواء كان جمعا أو غيره و يحتمل أن يكون متعلقا بقوله مجملا بقرينة ذكره بعده يعني أن العام المخصص بالمجمل ليس حجة سواء كان المخصص المجمل مستقلا أو غير مستقل و سواء كان مجملا من كل وجه كقولهم اقتلوا المشركين إلا بعضهم أو مجملا من وجه و مبينا من وجه آخر كقوله اقتل المشركين إلا بعض اليهود فإنه مبين فيمن عدا اليهود من المشركين و مجملا في اليهود مبين و فيه رد على التفصيل الذي ذكره بعض العامة و هو أن المخصص المجمل إن كان غير مستقل نحو اقتل المشركين إلا بعضهم ليس حجة و إن كان مستقلا عقليا نحو الرجال في الدار حيث يعلم عقلا أن كل فرد من أفراد الرجل ليس فيها أو لفظيا فالعام حجة ظنية في الباقي و الفرق بينهما أن غير المستقل بمنزلة جزء للعام و وصف قائم به فيسري جهالته إليه فيحتاج إلى البيان بخلاف المستقل فإن جهالته لا يسري إليه و لا يخفى فساد ذلك الوجه لأن عدم سراية جهالة المستقل ممنوع لأن كل فرد فرض يحتمل أن يكون هو الخارج فكيف يحصل الظن ببقاء هذا الفرد دون غيره و فيه أيضا رد على من ذهب إلى أن المخصص بالمجمل من كل وجه ليس بحجة بخلاف المخصص بمجمل من وجه دون وجه آخر فإنه حجة

قوله ثم قال بعد لا تكرم إلخ‏

(3) أتى بمثالين أحدهما للمفصل و الآخر للمتصل‏

قوله عد في العرف عاصيا

(4) إذا ثبت ذلك في العرف ثبت في اللغة لأن الأصل عدم النقل‏

قوله و ذلك دليل ظهوره في الباقي‏

(5) شموله للكل قبل التخصيص فكما أن المطلوب قبله هو كل فرد بحيث لو أتى بفرد دون آخر عد مطيعا على الأول و عاصيا على الثاني‏

154

دون المجموع من حيث هي كذلك المطلوب بعده هو كل فرد من الباقي بحيث لو أتى بواحد دون آخر عد مطيعا على الأول و عاصيا على الآخر فعلى هذا قوله غير من وقع النّص على إخراجه يراد به أعم من جميع الباقي و بعضه دون الجميع فقط ليرد أن ذلك يقتضي أن يكون الآتي بالواحد مستحقا للذم و أنه باطل‏

قوله و سائر ما تحته من المراتب مجازاته‏

(1) هذا بناء على أن العام المخصص مجاز ثم المطلوب من هذا الكلام و مما بعده حيث قال و تمام الباقي واحد المجازات أن لفظ العام إذا لم يرد به موضوعه الأصلي أعني العموم كان لكل واحد من تلك المراتب على أن يكون كل واحد منها معنى مجازيا له و إنما قلنا الظاهر ذلك لاحتمال أن يكون المقصود أن كل واحد من تلك المراتب من أفراد معناه المجازي و ذلك بأن يكون المقصود منه بعد التخصيص مفهوم الباقي و هذا المفهوم يصدق على كل واحد من تلك المراتب فعلى الأول كان العام بعد التخصيص مجازات و على الثاني كان له معنى مجازي له أفراد متعددة و على التقديرين كانت نسبته إليها على نهج واحد فيكون مجملا فيها

قوله و من هذا

(2) أي و من جعل عدم إرادة الحقيقة مع تعدّد المجازات دليل على عدم الحجّية يظهر حجة المفصل لا يقال المذكور نفسه حجة للمفصل لأنا نقول هو حجة لإحدى جزأي مدّعاه و هو أن المخصص بالمنفصل ليس حجة و الجزء الآخر يستنبطه‏

قوله إذا كانت المجازات متساوية

(3) هذا جواب عما يستفاد من ظاهر كلام المستدل و أما الجواب عن الاحتمال الّذي أشرنا إليه فالتقرير إذا كانت أفراد المجاز متساوية

قوله فإن الباقي أقرب إلى الاستغراق‏

(4) إلى قوله من غير حجة التخصيص دليل على كون بعض المجازات فيما نحن فيه أقرب إلى الحقيقة و على وجود ما يدل على إرادته توضيحه أن كل الباقي أقرب إلى الحقيقة أعني الاستغراق من غيره و ما ذكرناه أن من إخراج بعض الباقي عن الحكم يورث دليلا على أن التخصيص قرينة ظاهرة على إرادة كله و أيضا الحكمة يقتضي أن لا يطلق الحكم اللفظ على معنى مجازي بدون القرينة و المفروض أنه لا قرينة هنا سوى التخصيص فلو لم يكن التخصيص قرينة لإرادة الباقي لكان ذلك‏

155

منافيا للحكمة أورد عليه أولا أن كون الباقي أقرب إلى الحقيقة متعارض بكون الأقل متيقن الإرادة على جميع التقادير فسقط اعتبار هذين الوصفين من الطرفين لتعارضهما فصار الوسط و الطرفان متساوية في الإرادة فلزم الإجمال و ثانيا أن دعوى الذم المذكور دعوى في محل النزاع و لو فرض ثبوته فلعله مستفاد من غير التخصيص و أما التخصيص فلا يفيد إلا أن اللفظ مستعمل في غير معناه الحقيقي و ذلك القرينة في قولنا رأيت أسدا في الحمام فإنها يدل على أنه ليس المراد من الأسد الحيوان المخصوص و أما تعيين المراد من كونه زيدا و عمرا فموكول إلى قرينة أخرى لا يقال الفرق بين الأسد و ما نحن فيه ظاهر فإن الأسد يطلق على هذا و ذلك بطريق البدلية فهو في ذلك كالنكرة بخلاف ما نحن فيه فإن إطلاقه على الباقي بطريق الشمول فإذا انتفت قرينة تعيين بعض الباقي وجب حمله على جميعه بقرينة التخصيص لأنا نقول استعمال العام المخصص في الباقي أيضا من قبيل استعمال الكلي في جزئياته فهو و الأسد في ذلك سواء و ثالثا أنا لا نسلم أن الحكيم لا يستعمل اللفظ في معنى مجازي بدون قرينة بعد نفيه لإرادة الحقيقة و سيجي‏ء تصريح المصنف بجوازه و كفاك شاهدا قوله تعالى و أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم على أن عدم جواز ذلك يقتضي عدم جواز الإجمال في كلام الحكيم نعم لا يجوز ذلك في وقت الحاجة

قوله فحينئذ يجب الحمل على ذلك البعض‏

(1) جواب أما أي إذا ثبت أن بعض المجازات أقرب إلى الحقيقة و وجد الدليل على تعيينه وجب حمل العام المخصص عليه و يسقط ما ذكرتموه من أن المحتج به في جواز الاستدلال بالعام قبل استقصاء البحث في طلب التخصيص مجمل فيها

قوله إن لم يكن المحتج بها

(2) إنما قيد بها به لأن المحتج بها لو رأى جواز التجاوز في التخصيص إلى الواحد لم يكن أقل الجمع عنده مقطوعا به على جميع التقادير بأن أقل الجمع هو المتحقق هذا إنما ينتهض إذا كان العام من صيغ العموم و كان عمومها باعتبار الأفراد و أما إذا كان مفردا أو كان جمعا فكان عمومه باعتبار الأجزاء فلا

[أصل في حجية العام قبل اليأس عن المخصص‏]

قوله و استقرب في النهاية عدم‏

156

الجواز ما لم يستقص في الطلب‏

(1) فإن وجد المخصص بعد الاستقصاء وجب العمل بما يقتضيه و إلا عمل بالعام ثم الحكم المستفاد منه إن كان موسعا وجب طلب المخصص في أول وقتيه و إن كان مضيقا وجب الطلب قبله من باب المقدّمة و اعلم أن الواجب آيات الأحكام و أبواب أخبارها إن كانت مضبوطة مذكورة مفصلة فإن علماءنا (رضوان اللّه عليهم) جعلوا ما يتعلق بالطّهارة من الآيات و الأخبار بابا واحدا و ما يتعلق بالصلاة بابا آخر و على هذا القياس لكن إذا وجدنا عاما في باب و لم نجد مخصصه في ذلك الباب لم يكف هذا في جواز العمل بذلك العام بل لا بد من طلب مخصصه في أبواب أخر لجواز أن يكون مذكورا فيها بنحو من المناسبة و مثل هذا غير قليل يظهر ذلك لمن تأمّل في كتب الأخبار و كذلك لا بد من تتبع كلام الفقهاء ليحصل الظن بعدم وجود الإجماع‏

قوله و أنكر ذلك جمع من المحققين‏

(2) منهم الغزالي و الآمدي و ابن الحاجب‏

قوله لنقل جماعة إلخ‏

(3) لا يقال هذا دليل على وجود الخلاف في أحد المقامين فلا يتم التقريب لأنا نقول المقصود هو الرد على ذلك الجمع من المحققين و هم معترفون بوقوع الخلاف في المقام الآخر

قوله إن مراد قائله‏

(4) أي قائل جواز التمسك بالعام قبل البحث عن المخصص‏

قوله جزما

(5) الظاهر أنه قيد للاعتقاد و يحتمل أن يكون للوجوب و هو على التقديرين دعوى بلا دليل‏

قوله و إلا تعين الاعتقاد

(6) أي و إن لم يتعين الخصوص تعين اعتقاد عمومه و يعمل بالخصوص‏

قوله عن ذلك القائل‏

(7) الظاهر أنه أشار إلى القائل بجواز التمسك قبل البحث عن المخصص و يحتمل أن يكون إشارة إلى القائل الموجه‏

قوله فالأقوى عندي إلخ‏

(8) مدعاه مركب من أمرين أحدهما عدم جواز العمل بعام قبل البحث عن المخصص و ثانيهما وجوب البحث حتى يحصل الظن القوي بانتفائه و قوله لنا دليل على الجزء الأول و قوله و إنما اكتفينا دليل على الجزء الثاني‏

قوله و التخصص كيفية في الدلالة

(9) إن أراد أن التخصيص الثابت كيفية في الدلالة فلا نزاع فيه و إن أراد التخصيص المحتمل كذلك فوجوب البحث عنه أول الكلام و للخصم أن يقول كيفية الدلالة هذا العموم فيجب على المجتهد التمسك به‏

قوله فصار احتمال ثبوته مساويا لاحتمال عدمه‏

(10) إن قلت شيوع التخصيص و غلبة وقوعه يفيدان ثبوته أرجح‏

157

من احتمال عدمه فلم حكم المصنف بتساويهما قلت غلبة وقوعه قد عارضها أصالة الحقيقة فصار وقوعه و عدمه متساويان على أن ذلك يكفي في الاستدلال و لا حاجة إلى التمسك بالرجحان‏

قوله فتأمّل‏

(1) قال في الحاشية الأمر بالتأمّل إشارة إلى احتمال كون الاستدلال على عدم وجوب تحصيل القطع بانتفاء المخصص لأنه لو كان شرطا لكان حمل اللفظ على حقيقته مشروطا بالقطع بانتفاء المجاز و قد يظن ترجيح هذا الاحتمال باعتبار إدراج لفظ الاستقصاء في العبارة حيث قال في التهذيب و لا يجب في الاستدلال بالعام استقصاء البحث في طلب المخصص و لا لما جاز التمسك بالحقيقة إلا بعد الاستقصاء في طلب المجاز و ليس بشي‏ء لأنه في النهاية اكتفى بالظن مع أنه ذكر الاستقصاء و قرب وجوبه‏

قوله فصار حمل اللفظ على العموم مرجوحا

(2) فإن قلت هذا مناف لما سبق من الحكم بالمساواة بين العموم و عدمه قبل البحث قلت لا منافاة لأن الراجح له درجة التساوي مع زيادة ففي السابق نظر إلى درجة التساوي لأنها يكفيه في الاستدلال كما عرفت و هنا نظر إلى الزيادة أيضا لأنها أدخل في المقصود أعني إنما حصول الفرق بين العام و الحقيقة

قوله فإن أكثر الألفاظ محمول على الحقائق‏

(3) إن قلت لم لم يقل فإن الألفاظ أكثرها ليست مجازات كما يقتضيه مقابلته بالعمومات مع تحقق الفرق بين العام و الحقيقة على هذا التقدير أيضا قلت هذا الفرق لا يكفي فيما هو بصدده من عدم وجوب طلب المجاز في العمل بالحقائق لاحتمال كون الحقائق متساوية للمجازات حينئذ فيجب طلب المجاز كما يجب طلب المخصص على ما مر في دليل المصنف‏

قوله و احتج مشترطوا القطع بأنه إن كانت المسألة إلخ‏

(4) أورد عليه سلطان المحققين بأن هذا يدل على أن تحصيل القطع ممكن و لا يدل على اشتراطه و أجاب بأنه إذا أمكن وجب لما تقرر من أنه لا يجوز العمل بالظن مع إمكان القطع أو أنه رد لمن أنكر إمكانه‏

قوله لأنه لو أريد بالعام الخاص لنصب لذلك دليل إلخ‏

(5) لم يبين الملازمة لظهورها إذ الحكيم لا يحمل اللفظ على المجاز بدون نصب قرينة عليه ثم يجد ما يرجع به من حكمه لا يقال حصول الاعتقاد القطعي عند كثرة البحث مع الوجدان لا ينافي‏

158

زواله فيما بعد بالوجدان غاية ما في الباب أن ذلك الاعتقاد غير مطابق للواقع أو المشترط لا يدعي مطابقته لأنا نقول المشترط يدعيها حيث يجعل عدم الوجدان دليلا على عدم الوجود في نفس الأمر فإذا ظهر وجوده بطل قوله قطعا

[الفصل الثالث في ما يتعلق بالمخصص‏]

[أصل في الاستثناء المتعقب للجمل‏]

قوله إذا تعقب المخصص متعددا سواء كان جملا أو غيرها

(1) عمم محل النزاع من وجهين أحدهما أن ذلك المتعدد أعم من أن يكون بعضها معطوفا على بعض أو لا و العطف على تقدير وجوده أعم من أن يكون بالواو أو الفاء أو ثم و هذا مذهب الإمام الرازي في المحصول و الأحدى اعتبر التعاطف بالواو و تبعه في ذلك جمع من الأصوليين و أما التعاطف بالفاء أو ثم فليس كذلك لدلالتهما على الاختصاص و بالأخيرة و القاضي أبو بكر و أتباعه اعتبروا التعاطف مطلقا و ثانيهما أن ذلك المتعدد أعم من أن يكون حملا أو غيرها فظاهر كلام بعضهم يفيد أن المخصص في المفردات يعود إلى الجميع اتفاقا

قوله و صح عوده إلى كل واحد

(2) احتراز عما لم يصح فإنه مختص بالأخير نحو أكرم العلماء و دار الناس إلا الجهال‏

قوله كان الأخير مخصوصا قطعا

(3) يظهر سره بالنظر في المذاهب الآتية لأنه يظهر منه أن تخصيصه للأخير متفق عليه و النزاع إنما وقع في غيره نعم لو قيل باختصاص المخصص بالأول فقط لم يكن الثاني حينئذ مخصوصا و لكن لم يقل به أحد و لا يظهر له معنى‏

قوله فنقول ذهب قوم‏

(4) ذهب الشافعي إلى رجوعه إلى الجميع و فسره العضدي بكل واحد

قوله و قال آخرون‏

(5) القائل أبو حنيفة فأتباعه‏

قوله و قيل بالوقف‏

(6) ذهب إليه الغزالي و القاضي و أتباعهما و في قوله بمعنى لا ندري أنه حقيقة في أي الأمرين أي في رجوعه إلى الكل و إلى الأخير إشارة إلى أن المراد بالوقف هنا هو الوقف في تعيين الوضع لا في تعيين المراد بعد الاعتراف بالوضع لهما كما هو مذهب السيد و لا في الحكم مطلقا فإن الأخير مخصوص قطعا بل التوقف في الحكم إنما هو في الأول فقط فيتوقف على ظهور القرينة أي فيتوقف في تعيين المراد بخصوصه من الاستثناء إلى ظهور القرينة و هذا لا ينافي الحكم بكون الأخير مخصوصا من أجل أن الحكم ثابت له على جميع‏

159

التقادير و لا يقدح في ذلك كون الأخير غير معلوم الإرادة بخصوصه كما لا يخفى‏

قوله و هذان القولان موافقان للقول بظهور الثاني في الحكم‏

(1) أي القول بالوقف و القول بالاشتراك موافقان للقول بظهور عوده إلى الأخير في تخصيصها به لا في جميع الأحكام لأن الأخيرة مخصوصة على كل حال من حالتي عوده إلى الجميع أو إلى الأخير أو على كل حال من الأحوالات الثلاثة أعني ظهور عوده إلى الأخيرة أو الوقف و الاشتراك و إنما قلنا لا في جميع الأحكام ليندفع ما أورده بعض المحققين من أن القول الثاني يحكم بالعموم في غير الأخيرة إبقاء للفظ على ظاهره بخلاف هذين القولين فالقول بتوافقهما محل تأمّل‏

قوله نعم يظهر ثمرة الخلاف إلخ‏

(2) يعني لا فرق بين الأقوال الثلاثة في الحكم و الفرق بينهما من وجه آخر و هو أن استعمال الاستثناء في الإخراج من الجميع هل هو حقيقة أو مجاز فعلى القول الثاني مجاز لأن الاستثناء على هذا القول موضوع للإخراج من الأخير و استعماله مجاز من باب إطلاق الجزء على الكل عند المصنف كما سيجي‏ء و من باب إطلاق المقيد على المطلق عندي و على القول بالوقف يحتمل أن يكون حقيقة و أن يكون مجازا لاحتمال عود الاستثناء إلى الجميع أو إلى الأخير و على القول بالاشتراك حقيقة

قوله و فصل بعضهم تفصيلا طويلا

(3) إشارة إلى ما ذكره أبو الحسين و اختاره العلامة و هو أنه إن تبين استقلال الثانية عن الأولى بالإضراب عنها فللأخيرة لأن الظاهر أنه لم ينتقل عن الأولى إلى الثانية مع استقلالهما إلا و قد استوفى غرضه هاهنا و إن لم يتبين استقلالهما فللجميع لأن الرابط بينهما جعلهما بمنزلة جملة واحدة ظهور الإضراب بأن يختلفا نوعا بأن يكون إحداهما خبرية و الأخرى إنشائية أو اسما بأن يكون الاسم الصالح لأن يقع مستثنى منه في إحداهما غيره في الأخرى أو حكما بأن يكون المحكوم به في إحداهما غيره في الأخرى و يشترط في الاختلاف الثلاثة أن لا يكون الاسم في الثانية ضمير اسم الأول و أن لا يشترك الجملتان في الأول لغرض كالإهانة و التعظيم و التأديب و غيرها من المقاصد ثم الاختلافات الثلاثة ليس بينها منع الجمع في الإشعار بالإضراب بل قد يجتمع بعضها مع بعض فيتصور هنا سبعة أقسام و عدم ظهور

160

الإضراب إما بانتفاء الاختلافات أو بانتفاء الشرط الأول سواء تحقق الاختلاف الأول و الثالث أو لا و سواء تحقق الشرط الثاني أو لا أو بانتفاء الشرط الثاني سواء تحققت الاختلافات الثلاثة كلها أو بعضها أو لا و سواء تحقق الشرط الأول أو لا و تفصيل الأمثلة يظهر للمتأمّل‏

قوله و ليس ذلك‏

(1) لما كان الفرق بين ما اختاره و بين المذهبين الأولين ظاهرا تعرض لبيان الفرق بينه و بين المذهبين الأخيرين‏

قوله و لا بكونه مشتركا بينهما مطلقا

(2) أي سواء كان من المشتقات أو المبهمات أو الألفاظ المشتركة فإن احتمال اللفظ لكل منهما لكونه مشتركا بينهما إنما هو على الأخير دون الأولين كما ستعرف وجهه عند تحرير الدليل‏

قوله و إن كنا موافقين له في المعنى‏

(3) و هو أن اللفظ موضوع لكل واحد منهما و أن استعماله فيه حقيقة إلا أن بيننا و بينه فرقا و هو المنقول باتحاد الوضع و هو يقول بتعدده كما ستعرفه‏

قوله و لو لا تصريحه (رحمه الله)ه بلفظ الاشتراك‏

(4) يعني أنه (رحمه الله)ه لم يصرح بالاشتراك عند نقل مذهبه بل صرح به في أثناء الاحتجاج و لو لا هذا التصريح لأمكن حمل كلامه على ما اخترناه و كان في توسيط اللفظ إيماء إلى أنه يمكن حمل الاشتراك على المجاز باعتبار أنه الوضع لكل واحد منهما و إن كان متحدا

قوله لكونها متيقنة التخصيص على كل تقدير

(5) فيه مناقشة لأن تيقن تخصيص الأخيرة ظاهر على مذهب الوقف و الاشتراك و أما على مذهب المصنف القائل بأن اللفظ موضوع لكل واحد منهما بوضع واحد فلا لأن اللفظ دائر بين الإخراج عن كل واحد منهما و بين الإخراج من واحد منهما و لا يتعين أن يكون ذلك الواحد هو الأخير فتخصيصه غير متيقن فليتأمّل‏

قوله و هذا لا أثر له‏

(6) أي كون الأخيرة مرادة بخصوصها أو في جملة الجميع لا أثر له في الحكم المطلوب و هو تخصيصها لظهور أن الحكم ثابت لها على التقديرين‏

قوله فإن تصور معنا جزئيا

(7) أي بخصوصه من غير ملاحظة مفهوم كلي يندرج هو تحته فلا نحو المبهمات‏

قوله من كل مصدر لمن قام به مدلوله إلخ‏

(8) فضارب موضوع لمن قام به الضرب و مضروب موضوع لمن وقع عليه الضرب‏

قوله فلو كان موضوعا للمعنى العام كرجل لجاز فيه ذلك‏

(9) لا يقال الملازمة ممنوعة فإن وضع اللفظ لمعنى لا يقتضي جواز استعماله فيه أ لا يرى أن الرحمن لا يجوز استعماله فيما وضع له إذ لا يطلق على غيره سبحانه لأنا

161

نقول المانع هنا شرعي و الكلام في جواز ذلك بحسب اللغة

قوله و في معناها الأفعال الناقصة

(1) فإنها موضوعة باعتبار معنى عام و هو نسبة صفة هي غير مصدر تلك الأفعال إلى فاعل لكل واحد من خصوصياته فكان مثلا موضوعا باعتبار نسبة القيام إلى فاعل بالنسبة إلى فاعل مخصوص مثل زيد و عمرو و غيرهما و أما الأفعال التامة فالوضع فيها

قوله باعتبار عام و باعتبار آخر خاص‏

(2) أما الأول فبالقياس إلى النسبة الجزئية لأن تلك الأفعال موضوعة بواسطة ملاحظة نسبة صفة هي مصدرها إلى فاعل لكل واحد من جزئيات تلك النسبة فضرب مثلا موضوع وضعا عاما لنسبة الضرب إلى فاعل مخصوص و أما الخاص فبالنسبة إلى الحدث و فيه نظر لأنه إن أراد بالحدث الحدث المخصوص فظاهر أن الفعل لم يوضع له و لا يدل عليه و إن أراد به الحدث المطلق فالوضع له عام أيضا

قوله أدوات الاستثناء كلها

(3) أي سواء كانت حرفا مثل إلا و حاشا لأنها حرف في أكثر الاستعمال أو فعلا مثل عدا و خلا لأنهما فعلان ماضيان في أكثر الاستعمال و لذا ينصب المستثنى بعدهما غالبا على المفعولية و قد يكونان حرفي جرا و اسما مثل غير و سوى‏

قوله و أما الحرف منها فظاهر

(4) يعني أما الحرف من تلك الأدوات فكونه موضوعا بالوضع العام لخصوصيات مثلا لوحظ الإخراج ظاهر لما عرفت في المقدمة من أن الحرف موضوع بوضع العام لخصوصيات إخراج المستثنى مطلقا و وضع إلا للإخراجات المخصوصة مثل إخراج هذا و إخراج ذلك‏

قوله و أما الفعل إلخ‏

(5) لما لم يكن وضع الفعل في باب الاستثناء الإخراج ظاهرا لأنه ذو احتمال كما مر من أن وضعه فيه إنما للخصوصيات لأن المقصود من عدا زيدا في قولنا جاءني القوم عدا زيدا هو النسبة المخصوصة أعني نسبة المجاوزة المتعلقة بزيد إلى فاعل مخصوص لا نفس المجاوزة من قبيل المشتق كالغير بمعنى المغايرة و قد عرفت في المقدمة أن الوضع في المشتق عاما لا يقتضي أن يكون موضوعا لخصوصيات الإخراج بل المعلوم في المقدمة أن الموضوع له فيه مثل الوضع عام و لو اقتصر بقوله أدوات الاستثناء كلها موضوعة بالوضع العام لكفى في المقصود و لم يرد عليه شي‏ء لأن الوضع العام أعم من أن يكون الموضوع له خاصا كما في الحرف و الفعل أو عاما كما في الاسم‏

قوله أعني‏

162

في الوضع العام إلخ‏

(1) لما ثبت في المقدمة أن الوضع في الأداة عام و الموضوع له خاص بين أن المراد هنا بوضع الأداة هو الوضع العام مطلقا من غير اعتبار أن يكون الموضوع له خاصا فصح قوله كأن يكون مشتقا أو اسما مبهما أو نحوهما مما هو موضوع بالوضع العام لأن الوضع العام متحقق فيهما

قوله و على هذا

(2) أي على ما مر من أن وضع أداة الاستثناء لخصوصيات الإخراج وضع المستثنى عام و صح عودها إلى كل واحد فأي الأمرين يعني الإخراج من الأول و الثاني أريد من الاستثناء كان استعماله فيه حقيقة لأن إطلاق المستثنى على ذلك الفرد و الخارج بطريق الحقيقة لأن المفروض أنه موضوع له بخصوصه أو لمعنى عام هو من أفراده و إطلاق العام على أفراده لا من حيث الخصوص حقيقة و كذا استعمال الاستثناء في إخراج أيهما من باب الحقيقة و فيه نظر لأن وضع الأداة و المستثنى لمفهوم عام أو لأفراده لا يقتضي أن يكون الإخراج من الأول حقيقة و إنما يقتضيه لو ثبت أنه من جملة أفراده و أنه أول البحث‏

قوله و احتيج في فهم المراد منه إلى القرينة

(3) لا يبعد أن يقال المستثنى إن كان من صيغ العموم كان الإخراج من الجملتين من غير حاجة إلى قرينة

قوله من هذا الوجه أيضا

(4) يعني كما أن ما بينهما فرقا باعتبار اتحاد الوضع و تعدده كذلك بينهما فرق من جهة الاحتياج إلى القرينة

قوله و منها كونه من الألفاظ المشتركة

(5) استعمال الاستثناء في أي الأمرين على هذا التقدير أيضا حقيقة و لم يذكره لأنه اكتفى بما مر في نقل المذاهب عند ذكر ثمرة الخلاف‏

قوله كما عرفت فيما سبق‏

(6) من أن المستثنى إذا كان من المشتقات و المبهمات و نحوهما موضوع بالوضع العام للجزئيات و إنما قال غالبا لأنه قد يكون مشتركا كما عرفت‏

قوله و لا دليل على كون الهيئة إلخ‏

(7) كأنه جواب عن سؤال مقدر تقريره أن عدم تعدد الوضع في المفردات لا ينافي أن يكون الهيئة التركيبية الحاصلة للمستثنى مع أداة الاستثناء موضوعة تارة للإخراج من الجميع و الأخرى للإخراج من الآخر و تقرير الجواب أنه لا دليل على ذلك و العدول عما يقتضيه المعلوم و هو اتحاد الوضع في المستثنى إلى ما هو مجرد احتمال من غير دليل غير معقول‏

قوله بل المقتضي لحسنه هو الاحتمال‏

163

(1) محصله أن الاستفهام حسن على جميع الاحتمالات المذكورة أما على مذهب الاشتراك و الوقف و الوضع العام فظاهر لأن نسبة اللفظ إلى الأمرين سواء فحسن الاستفهام من المخاطب لتعلم المراد منه و أما على مذهب المخصص فلأن اللفظ ليس به لاحتمال غيره و لو مجازا فحسن الاستفهام لا يدل على خصوص لرفع الاحتمال البعيد و تحصيل اليقين فحسن الاستفهام لا يدل على خصوص الاشتراك‏

قوله على تقديره تسليمه‏

(2) إشارة إلى منع دلالة الاستعمال على الحقيقة لأنه يكون تارة في الموضوع له و أخرى في غيره فهو أعم منهما و العام لا يدل على الخاص بشي‏ء من الدلالات فضلا عن أن يكون ظاهرا و لو سلم فإنما يدل عند اقترانه بالقرينة و المخصص بأحدهما يقول استعماله في غيره منوط بالقرينة و المستدل يقول استعماله في كل منهما مقترن بها إلا أن القرينة عنده لتعيين المراد لا لأصل الإرادة و عند المخصص بالعكس فليس هنا استعمال مجرد عن القرينة يتمسك به على الحقيقة و لو سلم فإنما يدل على كون اللفظ حقيقة

قوله و أما عن الثالث‏

(3) هذا الجواب يرفع الاستدلال لو كان مقصود السيد إثبات الاشتراك و أما إذا كان مقصوده إبطال مذهب المخصص كما يشعر به آخر كلامه فلا و مثله الجواب عن الرابع‏

قوله فبأنه قياس في اللغة و لا يجوز إثبات اللغة بالقياس‏

(4) لأنها إنما تثبت بالنقل و بالاستقراء الذي هي تتبع مظان استعمال اللفظ و الأمارات الدالة على المقصود به عند الإطلاق و لو سلم جواز القياس في اللغة فالدليل لا يدل على الاشتراك بخصوصه بل على الأعم منه و مما قلناه و من الوقف فإن قلت السيد لم يتمسك بالقياس بل بأنه علم بالاستقراء

164

بأنه علم بالاستقراء أن المتعلقات كلّها في غير ما نحن فيه مشتركة بين الأمرين فكذا ما نحن فيه إلحاقا له بالأعمّ الأغلب و هذا ليس من القياس في شي‏ء إذ لا يعتبر في القياس كون المقيس عليه أعمّ و أغلب قلت قوله و الجامع بين الأمرين إلخ يأبى هذا التوجيه‏

قوله إذ لا فرق بين قوله إلخ‏

(1) فيه نظر لأنا لا نسلم أنّ عدم الفرق بين القولين بواسطة العطف بل لاتحاد المسند و اشتراك المسند إليه فإن قلت الاتحاد و الاشتراك المذكوران بدون العطف لا يكفيان في جعل الجملتين جملة واحدة لجواز الإضراب حينئذ قلت مجرد العطف أيضا لا يكفي في ذلك و إلا لجاز ذلك في قولنا جاءني القوم و ذهب بنو تميم إلاّ واحدا و أنه لا يجوز قطعا و ثالثها أن الاستثناء بمشية اللّه إلخ مثل قوله لا أكلت و لا شربت و لا ضربت إن شاء اللّه فإن إن شاء اللّه متعلق بكل واحدة من الثلاثة اتفاقا و كذلك الآمرة مثلا

قوله و لو سلّم‏

(2) فهو قياس في اللغة و هو لا يجوز و لو سلّم فالجامع مفقود لأن الشرط و إن تأخر لفظا متقدم تقديرا فلذا يتعلق بالجميع بخلاف الاستثناء فلا يلزم من اشتراكهما في عدم الاستقلال اشتراكهما في كلّ الأمور و كون معنييهما واحدا على تقدير تسليمه لا يوجب اتحادهما في الحكم إذ ليس كل ما دلّ بشي‏ء حكمه حكم ذلك الشي‏ء

قوله و عن الثاني أنه قياس‏

(3) كالأوّل لأنه قاس على الجملة الواحدة ما هو بمنزلتهما في أن الاستثناء يعود إلى الكلّ و هذا لا يجوز عند الأكثر على أن المؤوّل و المؤوّل به لا يجب اشتراكهما في جميع الأحكام‏

قوله ليس باستثناء

(4) فإن قلت قد أطلق القوم عليه لفظ الاستثناء قلت لو ثبت ذلك فهو مجاز و يدل عليه جواز دخوله على الواحد مع عدم جواز ذلك في الاستثناء و لو سلّم أنه استثناء فعوده إلى الجميع لدليل كالإجماع لا يقتضي رجوع الاستثناء مطلقا إليه لجواز أن يكون هناك مانع من تعلقه بالأخيرة فقط أو باعث للعود إلى الجميع لم يوجد ذلك في غيره فإن قلت يلزم الاشتراك حينئذ و الأصل عدمه قلت إنما يلزم ذلك لو كان عوده إلى الجميع على سبيل الحقيقة و هو ممنوع‏

قوله و لا شرط

(5) رد على الحاجبي حيث أجاب عن هذا الدليل بأن المشية شرط الاستثناء فهو غير محل النزاع فإن الحق الاستثناء به فهو قياس باللغة و هو لا يجوز و لو سلّم‏

165

جوازه فالفارق بين الاستثناء و الشرط متحقق لأن الشرط متقدم تقديرا و أورده عليه العضدي بأن الشرط مقدر تقديمه على ما يرجع إليه فلو كان الأخيرة و قدم عليها فقط دون الجميع فلا يصح فارقا أقول كون الشرط مقدرا تقديمه على ما يرجع إليه دون الاستثناء كاف للفرق و القول بأن ذلك لا مدخل له في تعلقه بالجميع لا بدّ نفيه من دليل على أنا نقول الظاهر أن له مدخلا في ذلك لأن الشرط لو وقع بعد الجملة الأولى صريحا كان متعلقا بها قطعا فنزل ذكره معنى منزلة ذكره لفظا و الحاصل أن تعلق الشرط الواقع بعد الجملتين بالأخيرة مقطوع به و بذلك صار متقدّما عليها واقعا بعد الأولى بلا فصل فجاز تعلقه بها كالشرط الواقع بعدها لفظا ثم نقول إثبات حكم الشرط للاستثناء ليس من باب القياس بل لعدم القائل بالفصل بين المخصصات في هذا الحكم‏

قوله و عن الرابع أن صلاحيته للجميع إلخ‏

(1) يمكن أن يدفع بأن الاستدلال ليس بمجرد الصّلاحية بل مع تعذر حمله على البعض للزوم التحكم و الترجح بلا مرجح ثم الفرق بين الجمع المنكر و الاستثناء ظاهر لأن الاستثناء بتعذر حمله على غير العموم بخلاف الجمع المنكر فالأولى أن يقال التحكم ممنوع لأن القرب مرجح لتعلقه بالأخيرة و لو سلّم فلا نسلم لزوم العود إلى الجميع بل الظاهر هو الوقف‏

قوله و تناول ألفاظ العموم إلخ‏

(2) يعني قياس الاستثناء على العام باطل لوجود الفرق بينهما لأن العام حقيقة في الكلّ اتفاقا بخلاف الاستثناء فإن كونه حقيقة في الكل محل النزاع‏

قوله و عن الخامس أنهم‏

(3) الظاهر أنه معارضة بالمثل تقريرها كما أن إرادة الاختصار موجب لذكر الاستثناء عقيب الكل كذلك إرادة الاستثناء من الأخيرة موجب لذلك فلو جعلتم الأوّل دليل العود إلى الكل جعلنا الثاني دليل الأخيرة فما هو جوابكم فهو جوابنا ثم الحمل على أن اللفظ محتمل لكلّ منهما و التعيين مستفاد من القرينة و قد يجاب عن أصل الدّليل بأنا لا نسلم أن التكرير يوجب الاستهحان فإنه يعرف حينئذ شمول الاستثناء للكل بيقين فلا يكون مستقبحا و لم يتعرض له المصنف لأن التكرير من حيث هو مستهجن قطعا فمنعه مكابرة

قوله و عن السّادس أن اعتبار الاتصال إلخ‏

(4) توضيحه أن ما ذكرتم في صدر الدليل حق لأن توابع الكلام تلحق به ما دام الكلام متصلا و أمّا قولكم فالاستثناء المتعقب للجمل المتصلة المعطوف بعضها على بعض يجب أن يؤثر في جميعها فممنوع لأن المذكور إنما يفيد صحة تعلق الاستثناء بذلك الكلام و تأثيره فيه مطلقا

166

لا بجميعه و إن كان بعض ذلك الجميع بعيدا عن محل المؤثر و لا ببعضه بل هو محتمل لكل واحد منهما و التعيين لأمر خارج‏

قوله فله جهة صحة

(1) فيه مناقشة لأن الاستثناء على القولين الأولين من الأقوال الثلاثة الآتية لا يوجب التجوّز في العام لأن العام فيهما أطلق على جميع أفراده إلاّ أن الحكم مختص ببعضها بقرينة الاستثناء و يمكن أن يتكلف و يراد بالتجوّز في العام التجوز باعتبار عدم شمول الحكم لجميع الأفراد سواء كان هناك تجوز باعتبار إخراج بعضها عن الإرادة أو لا

قوله فاسد

(2) لما حمل الحكم الأول على الحكم الذي تحقق في المستثنى قبل الاستثناء فكأن المستدل قال لاشتمال الاستثناء على حكمين مختلفين بالإيجاب و السّلب بين فساد ذلك بأنه ليس في المستثنى حكم قبل الاستثناء فلا يلزم الاشتمال المذكور و يمكن أن يراد بالأصل المستثنى منه و بالحكم الأوّل الحكم الذي فيه و باشتمال الاستثناء على مخالفة اشتماله عدم ذلك الحكم فيصير الكلام هكذا المستثنى يخالف المستثنى منه في الحكم لاشتماله على عدم ذلك الحكم فصح التعليل على جميع المذاهب‏

قوله إذ لا مخالفة فيه‏

(3) فإن قلت على تقدير ملاحظة المخالفة هل لها مدخل في كون الاستثناء موجبا للتجوّز قلنا نعم المخالفة يقتضي أن يراد بالعام بعض أفراده دفعا للتناقض‏

قوله فظاهر

(4) لأن المستثنى لم يتعلق به حكم المستثنى منه فليس فيه حكمان مختلفان‏

قوله لم يتعلق بالأصالة إلاّ بالباقي‏

(5) يعني أن الحكم و إن تعلق بظاهر العام قبل الوصول إلى آخر الكلام لكن بعده علم أنه متعلق بالباقي حسب دون الخارج أيضا لأن الحكم لا يتقرر في الكلام إلاّ بعد تمامه فلا يلزم اشتمال الخارج على حكمين مختلفين في الحقيقة

قوله هذر

(6) قال في الحاشية ترك الأدب هنا لكون المستدل هنا أبا حنيفة

قوله فإن الخروج عن أصالة الحقيقة إلخ‏

(7) يمكن دفعه بأن القرينة إنما هي مصحّحة لإرادة خلاف الظاهر لا حجة بل المرجح الذي في جميع موارد القرينة هو دفع محذور هذريّتها الناشئة على تقدير حمل كل واحدة من الجمل على ظاهرها و الحاصل أنه وقع التعارض بين ظواهر تلك الجملة و بين القرينة فلا بد من مرجّح و هو القرينة إذ لو حملنا كل واحدة من تلك الجمل على ظاهرها صارت القرينة هذرا بالكليّة بخلاف العكس فوجب حمل واحدة منها على خلاف الظاهر دفعا لمحذورية

167

و ممّا يؤيّد أن أصل القرينة لا يكفي في حمل اللفظ على خلاف الظاهر بل لا بدّ من مرجح ما تقرر عند أرباب علم البلاغة أن الحذف و أمثاله يفتقر إلى أمرين أحدهما القرينة و ثانيهما الداعي الموجب لرجحان الحذف على الذكر كالاحتراز عن العبث و نحوه و أمّا قوله لأن دفع الهذرية لو صلح بمجرده سببا إلخ نفي غاية السقوط لأن المستدل لم يجعل الهذريّة وحده سببا للخروج عن الأصل بل جعل دفع الهذرية مع وجود المصحح أعني القرينة سببا لذلك و لا شك أن الاستثناء في صورة انفصاله في النطق عرفا ليس قرينة لحمل العام على خلاف الظاهر فالأحسن في الجواب أن يقال دفع محذور الهذرية سببا كما يحصل بصرف واحدة من تلك الجمل عن ظاهرها كذلك يحصل بصرف كل واحدة منها فدعوى التخصيص بالواحدة ليس إلاّ غير محل النزاع فليتأمّل‏

قوله و البديهة تنادي بفساده‏

(1) قال في الحاشية قال المرتضى (رحمه الله)ه في الإحتجاج على اشتراط اتصال الاستثناء في تأثيره و الذي يدل على ذلك أن كل مؤثر في الكلام لا بدّ من اتصاله بما يؤثر فيه كالشرط و التقييد بالصّفة فالاستثناء كذلك يعني ما ذكرناه أمّا لو سمعنا قائلا يقول بعد تطاول سكوته إلاّ واحدا لعدّدناه عاميا هاذيا كما نعده كذلك إذا اشترط أو قيّد بعد انقضاء الكلام و تراخيه بمدة طويلة

قوله و إن كان المراد أن الظاهر من المتكلم باللفظ إلخ‏

(2) قال في الحاشية هذا المعنى هو الدائر على ألسنتهم حيث يقولون إنه مخالف الأصل لكونه إنكارا بعد الاعتراف انتهى و اعلم أن المراد بإرادة العموم إرادة عموم الحكم و شموله لجميع أفراد العام ليصحّ ذلك التعليل لجواز أن يكون الاستثناء بعد إرادة العموم بهذا المعنى قبل الحكم و الإسناد فلا يلزم اشتماله على مخالفة الحكم الأول لانتفائه فيه‏

قوله يعني القاعدة أو استصحاب هذه الإرادة

(3) لما كان هنا أصلان على زعم المستدل أحدهما الأصل بمعنى القاعدة و هي أن المتكلم بالعام بمجرده يريد العموم حين التكلم و ثانيهما أن الأصل بمعنى استصحاب تلك الإرادة أشار إلى أنّ مخالفة الاستثناء حينئذ يعقل بالنسبة إلى كل واحد من الأصلين أمّا مخالفته للقاعدة فبأن يكون دليلا على عدم إرادة العموم حين التكلم و أمّا مخالفته للاستصحاب فبأن يكون دليلا على‏

168

إزالة تلك الإرادة

قوله فتوجّه المنع ظاهر

(1) أي توجه المنع إلى الأصل المذكور و هو أنّ الظاهر من المتكلم باللفظ العام إرادة العموم ظاهر

قوله حتى يتحقق الفراغ‏

(2) فإن قيل الفراغ أعمّ من السّكوت المقتضي للفصل عرفا و من العدول من نوع إلى نوع آخر من الكلام و الثاني فيما نحن فيه متحقق فالسّامع توقف في العام الأوّل عن الحكم بإرادة ظاهرة إلى حين شروع المتكلم في العام الثاني أو لا يرى أن عطف خالدا على زيدا في قوله ضربت زيدا و أكرمت عمرا و خالدا مستهجن و كذلك عطف الرجل على الوجوه في آية الوضوء و ما ذلك إلا لوقوع الفراغ من الجملة الأولى بالشروع في الثانية قلت المجموع من حيث المجموع فيما نحن فيه كلام فوجب التوقف في الحكم إلى الفراغ منه فإن قيل المجموع من حيث المجموع فيما ذكرنا من المثال أيضا كلام فوجب التوقف في الحكم إلى الفراغ منه مع أنهم حكموا باختصاص الغسل بالموضعين عند العدول عنه إلى المسح فما هو جوابكم فهو جوابنا قلت توارد اللواحق على المجموع في هذا المثال ممتنع فوجب التعلق بالأقرب لرجحانه بخلاف ما نحن فيه فإن المفروض عن توارده على المجموع محتمل فظهر الفرق بينهما

قوله و لو كان صدور اللفظ إلى آخره‏

(3) دليل على أن الاتفاق المذكور يقتضي وجوب التوقف تقديره لو كان صدور لفظ العام بمجردها من غير وجوب توقف السّامع إلى الفراغ مقتضيا لحمله على العموم لكان التصريح بخلافه قبل فوات وقته متنافيا له و وجب ردّه و اللاّزم باطل للاتفاق المذكور و لأنه يتمشى ذلك في الجملة الأخيرة و المستدل لا يقول به و لما كان له أن يقول تعلّقه بالأخيرة لدفع محذور الهذرية أجاب بأن هذا بمجرده لا يصلح للعدول عن ظاهر الأخيرة و إلاّ يقبل الاستثناء و إن انفصل في النطق عرفا و انقطع عن المستثنى منه حسّا و البديهة تنادي بفساده إلاّ و يمكن أن يجاب بأن المستدل لا يقول بوجوب حمل اللفظ على عمومه قبل فوات وقته بل بعده إلا أنه يقول فوات وقت الأولى يتحقق بالشروع في الثانية فإن صح هذا لا يلزمه مخالفة الاتفاق و لا يتمشى ذلك إلى الأخيرة لأن فوات وقتها إنما هو بالانفصال عرفا فلمّا جي‏ء باللواحق قبله علم تقييدها بتلك اللواحق هذا و لك أن تجعل قوله و لو كان دليلا

169

على إبطال الأصل المذكور بعد منعه و قوله و يتمشى نقضا إجماليّا إلا أن الأوّل الأنسب بقوله فعلم‏

قوله لبقاء مجال الاحتمال‏

(1) أي احتمال أن يأتي المتكلم من اللواحق ما يدل على أن المراد غير الحقيقة و مع هذا الاحتمال لا يمكن الحكم بأن المراد هو الحقيقة

قوله نعم لو كان الغرض‏

(2) يحتمل وجوها الأوّل أن نعم تصديق للخبر الصادق و هو أنه لا يتجه للسّامع الحكم بإرادة الحقيقة قبل الفراغ و لما كان هنا مظنة أن يقال هل يحصل العلم بإرادة خلاف الظاهر في كل واحدة من تلك الجمل أجاب على سبيل الاستئناف بأنه يمكن ذلك لا على وجه الاختصاص الثاني أن نعم هنا للاستدراك و رفع التوهم إذ قد يتوهم من الخبر المذكور أنه لا يمكن تحقق العلم بإرادة خلاف الظاهر في الأخيرة وحدها الثالث أنه جواب للاستفهام المقدر و هو أنه هل يمكن تحقق العلم بإرادة خلاف الظاهر في الأخيرة من غير هذا الوجه الذي أبطلتموه فأجاب بأنه نعم يمكن ذلك و لم يحذف الجملة لأن الحذف جائز لا واجب و لأن المقصود تعيين هذا الوجه و قوله ليس هذا من القول بالاختصاص بالأخيرة في شي‏ء لأن اختصاص الاستثناء بالأخيرة ينافي احتمال تعلقه بغيرها حقيقة و قد عرفت أنه محتمل‏

قوله تدل على الندب‏

(3) ممنوع و ما ذكر إتيانه لا يفيد لأن مطلق الرجحان أعمّ من الوجوب و النّدب و ما زاد عليه أيضا أعمّ من المنع و من عدمه و ترجيح الثاني بأصالة عدم الأوّل يعارضه بترجيح الأوّل برعاية الاحتياط بعد تحقق المقتضي في الجملة و بالجملة القول بأن الأمر المجرد عن القرائن يدل على الندب ينافي القول بالاشتراك فليتأمّل‏

قوله كما يقوله من ذهب إلخ‏

(4) السّر في ذلك أن قرينة الوجوب على تقدير الاشتراك قرينة التعيين و على تقدير الاختصاص قرينة الإرادة و الأولى قرينة الحقيقة بخلاف الثانية فإنها قرينة للمجاز

قوله و هذا مما يفرق بين القولين‏

(5) أي كون استعمال الأمر في الوجوب عند القرينة واقعا في محله على القول بالاشتراك و غير واقع فيه على القول بالندب ممّا يفرق بين هذين القولين و إلا فلا فرق بينهما باعتبار أن المجرد عن القرائن يدل على الندب و أن المحتاج إليها هو الوجوب وحده و فيه نظر لأنا لا نسلم أن المجرّد

170

يدل على الندب بل على مجرد مطلق الرجحان كما مر و لو سلم فالندب أعني الرّجحان المطلق المقيد لعدم المنع من النقيض مستفاد من القرينة العقلية

قوله و عدّ بعض الأصوليين‏

(1) كأنه جواب عن سؤال مقدر تقديره أن ما ذكرت من أن صيغة الأمر إذا وردت مجرّدة عن القرائن على القول بالاشتراك يدل على الندب ينافي عدّ بعض الأصوليين القول بالاشتراك في فرق الوقف لأنه لا يعلم المراد منها عند التجرد قال المصنف في الحاشية نقل عن المحصول أنه عد أهل الوقف ثلاث فرق القائلين بأنه للقدر المشترك و في القائلين بأنه مشترك و الذين لم يدروا ما حقيقة فيه و ينبغي أن يعلم الحال على القول بالقدر المشترك مثلها على تقدير الاشتراك لأنه لا يمكن إرادته مجردا بل إمّا في ضمن الواجب أو النّدب انتهى و تقرير الجواب أن القدر المذكور إنما هو بالنظر إلى أن نفس الصّيغة لا تدل على إرادة الندب بخصوصه لأنها عند التجرد إنما يدل على مطلق الرجحان الشامل للوجوب و الندب جميعا هذا حق و هو لا ينافي ما ذكرناه من أن الندب مستفاد من التمسك بالأصل في نفي ما زاد عليه لكونه زيادة في التكليف‏

قوله و قد مر غير مرة إلخ‏

(2) يريد أن الاستثناء لو كان حقيقة في الأخيرة وحدها لكان استعماله في الجميع مجازا من باب إطلاق الجزء على الكلّ و هو مشروط بأن يكون لذلك الجزء زيادة اختصاص بالمعنى الذي قصد بالكلّ مثلا لا يجوز إطلاق اليد على الرّقيب بخلاف إطلاق العين لأن العين لما كانت هي المقصودة في كون الرجل رقيبا حافظا صارت كأنها نفسه و هذا الشرط مفقود فيما نحن فيه فيلزم أن لا يجوز التجوز فيه و أنه باطل عندكم و فيه نظر لأن ما نحن فيه مجاز من باب إطلاق الكلّ على الجزء و هو غير مشروط بشرط و ذلك لأن الاستثناء موضوع للإخراج المخصوص و هو الإخراج عن الأخيرة فإذا استعمل في جزء الموضوع له أعني الإخراج المطلق الشامل للإخراج عن الأخيرة و الإخراج عن غيرها كان مجازا فليتأمّل‏

قوله و إنما يقتضي عدم القطع إلخ‏

(3) لا يقال عدم استقلال الاستثناء علة لتعلقه بغيره فإذا حصل الاستقلال بتعلقه بالأخيرة انتفت العلّة فينتفي المعلول أعني تعلقه بالجميع لأنا نقول علية عدم الاستقلال لذلك ممنوع لجواز أن يكون الباعث‏

171

له هو الوضع و دعوى اختصاصه بالأخيرة أول البحث سلّمنا لكن عدم الاستقلال علته لتعلقه بغيره مطلقا سواء كان ذلك الغير هو الأخيرة فقط أو المجموع و لا شك أن الاستقلال كما يحصل بتعلقه بالأخيرة وحدها كذلك تحصل بتعلقه بالجميع دفعة فحصول الاستقلال بتعلقه بالأخيرة أعم من أن يكون بتعلقه بالأخيرة وحدها أو بالأخيرة في ضمن الجميع فهو لا يدل على عدم تعلقه بالجميع بل إنما يدل على عدم القطع بتعلقه به و نحن نقول به إذ تعلقه به محتمل عندنا و عند السيّد لا واجب‏

قوله و أمّا قوله لو جاز مقصوده‏

(1) إبداء الفرق بين المستقل بنفسه و المستقل بغيره بأن الأول لا يجوز تعلقه بغيره أصلا بخلاف الثاني فإنه مع الاستقلال يجوز تعلقه بغيره و ما ذكرناه آنفا ينفعك في هذا المقام لأنه بنى دليله على أن الاستقلال يقتضي أن لا يجوز تعلقه بغيره لا على أنه يقتضي أن لا يجب بينهما فرق‏

قوله فإن غاية ما يدل عليه أنه لا يجوز القطع على تخصيص غير الأخيرة

(2) لأن الضرورة يقتضي القطع على تعلق الاستثناء بالغير فإذا انتفت انتفى القطع و هو لا ينافي الجواز و الاحتمال لا يدفع الظاهر الذي هو العموم في الأولى و الأولى أن يقال إن أردت بالضرورة التي اقتضت تعلق الاستثناء بالأخيرة عدم استقلاله ففيه أن مآل هذا الدليل و الثاني واحد و قد عرفت جوابه و إن أردت بها الوضع فلا نسلم انتفاءها في غير الأخيرة

قوله يلزم إلخ‏

(3) نقل بالمعنى و منع للملازمة أولا و بطلان اللازم ثانيا

قوله لقيام معنى الاستثناء بها

(4) كقيام الفعل بالآلة

قوله و لكونها ثابتة عن الاستثناء

(5) أصل إلا زيدا استثنى زيدا حذف الفعل الناصب للمستثنى حذفا لازما لكثرة استعماله طلبا للتخفيف و أنيبت إلا منابه مثل حرف النداء فإنه يعمل في المنادى لكونه نائبا مناب أدعو

قوله و ضعفه ظاهر

(6) لأنه قياس مع الفارق إذ عدم جواز استثناء وجود شخصيّ إلى علتين مستقلتين في التأثير لا تقتضي عدم جواز استثناء العلم لوجوده إلى مادتين و قوله العلل الإعرابية كذلك فإنما هي علامات فإن الواضع جعل الرفع للفاعل و النصب للمفعول و الجرّ للمضاف إليه و جعل العوامل علامات دالة عليها

قوله لا حجة فيه‏

(7) إذ لعل ذلك نشأ عن اجتهاده فلا يكون حجة على غيره لا يقال المسألة لغوية و قوله حجة في اللغة لأنا

172

نقول قوله حجة إذا كان بطريق النقل و إلا فلا كما أن رواية الثقة حجة على غيره لا اجتهاده و رأيه‏

قوله مع أنه قد عورض بنص الكسائي‏

(1) على الجواز فلا بد من الترجيح و هو للكسائي لأنه يشهد بالثبوت و سيبويه بالنفي و لأنه مؤيد بقول الفراء فإنه حكم بالتشريك بين العاملين المتساويين في العمل على إحدى الروايتين و الرواية الأخرى عنه دلت على نفي التشريك كما يظهر لمن نظر في باب التنازع‏

قوله و الأوّل باطل‏

(2) بطلانه موقوف على أن يكون كل واحد منهما محكوما به و هو ممنوع لجواز أن يكون الثاني صفة للأول و المجموع محكوم به‏

قوله و الثالث هو المطلوب‏

(3) لقائل أن يقول المطلوب إنما هو إعمال عاملين لا يمكن التعبير عنهما بلفظ واحد في معمول واحد و هاهنا يمكن التعبير عنهما بلفظ واحد و هو مزّ و لذا عدّ ترك العطف هنا أولى لاقتضائه التعدد و لا تعدد هنا في الحقيقة

قوله و قد نقل هذا الحكم أيضا إلخ‏

(4) نقل نجم الأئمة الحكم بجواز قام زيد و ذهب عمرو الظريفان عن الخليل و سيبويه و نقل عن سيبويه القول بأن العامل في الصفة هو العامل في الموصوف و ارتضاه فسيبويه قال بأن قام و ذهب عملا في الظريفان و هذا النقل يخالف ما نقل عنه من النص على عدم الجواز و في هذا الكلام تأكيد و مبالغة في أن النّص على عدم الجواز لم يثبت منه لتكرار النص على الجواز منه‏

قوله و الجواب عن الخامس إلخ‏

(5) حاصله أن امتناع رجوع الاستثناء عن محلّ النزاع إذ هو ما يمكن فيه العود إلى المجموع و إلى الأخيرة

قوله لخيال فاسد

(6) و هو أن الشرط متقدم معنى و لهذا يتعلق بالجميع و وجه فساده أن الشرط متقدم معنى على ما يثبت تعلقه به فلو ثبت التعلق بتقدمه دار و قد مر آنفا ما ينفعك في هذا المقام‏

[أصل في الضمير الراجع إلى العام المخصص‏]

قوله و الضمير في بردهن للرجعيات‏

(7) لأن الرد لا يمكن إلا فيهنّ إذ البوائن انقطع التعلق عنهن‏

قوله و على الثالث يتوقف‏

(8) في تخصيص المطلقات بالرجعيات و في تعميمها لها و للبائنات‏

قوله الظاهر انتفاؤه‏

(9) قد يقال الظاهر أقوى دلالة من الضمير ليتوقف الضمير عليه بخلاف العكس و حمل الأضعف على خلاف الظاهر أولى من حمل الأقوى عليه لأن ذلك أسهل‏

قوله فإن قلت‏

(10) الظاهر أنه منع لانتفاء المرجح و يحتمل أن يكون معارضة لأصل الدليل‏

قوله قلت هذا

(11) أي كون تخصيص العام مستلزما لتخصيص الضمير و تجوزه‏

قوله و الأظهر إلخ‏

(12) قال بعض المحققين وضع الضمير على أن يراد به ما كان‏

173

المرجع ظاهرا فيه و حقيقة له فإن أريد به المعنى الحقيقي للمرجع فهو حقيقة و إن أريد به المعنى المجازي فهو مجاز لأن الضمير بمنزلة الظاهر فحكمه حكمه و قال بعضهم وضعه على أن يراد به ما أريد لمرجعه فإذا كان الضمير موافقا للمرجع في المراد فهو حقيقة و إلاّ فهو مجاز سواء كان المرجع في الصورتين حقيقة أو مجازا إذا عرفت هذا فنقول إن جعلنا السؤال منعا فالسائل مستظهر و إن جعلنا معارضة فالمجيب مستظهر

قوله و ما قيل‏

(1) قال المصنف هذا الكلام للعلامة في النهاية

قوله و هو الإضمار

(2) لأنا لو حملنا الظاهر على عمومه وجب إضمار لفظ البعض ليصح استناد الحكم إليه‏

قوله فالتعارض إنما هو بين التخصيص و المجاز

(3) أراد بالمجاز هنا التجوز الحاصل في ضمن التخصيص بقرينة قوله سابقا و أما الثاني فلأن تخصيص الضمير مع بقاء المرجع على عمومه يجعله مجازا فكأنه قال هنا التعارض إنما هو بين التخصيص فإن قلت فما معنى قول بعضهم بترجيح التخصيص و الحال أن ترجيح التخصيص على التخصيص ترجيح لأحد المتساويين على الآخر و هو باطل قطعا قلت معناه ما ذكرناه آنفا من أن تخصيص الضمير أسهل من تخصيص المرجع‏

قوله و جوابه منع بطلان المخالفة

(4) الأولى بالنظر إلى مذهب المصنف أن يجيب بالمعارضة بأنه لو خصص المرجع لزم خلاف الظاهر أيضا و إذا تعارضا تساقطا و أما الجواب بالنقض بأن عود الضمير لا يزيد على عود الظاهر و لا شك أن إعادة الظاهر و تخصيصه لا يقتضي تخصيص الأول و لا يحكم بكونه مخالفا له فكذا الضمير فليس بشي‏ء لأن تعلق الضمير بالمذكور أقوى من تعلق الظاهر فلو لم يخصص العام لزم عود الضمير إلى بعض المذكور و هو خلاف الظاهر بخلاف الظاهر فإنه ليس عائدا إلى المذكور فلا يلزم من تخصيصه تخصيص الأوّل‏

[أصل في تخصيص العام بمفهوم المخالف‏]

قوله لا ريب في جواز تخصيص العام بمفهوم الموافقة

(5) المفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق بل في محل السكوت سواء كان حكما له أو حالا من أحواله أما الأول فكتحريم الضرب المستفاد من قوله تعالى و لا تقل لهما أف و أمّا الثاني فكتأدية الدينار المفهوم من قوله تعالى و منهم من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك و عدم تأدية القنطار المستفاد من قوله سبحانه و منهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ثم المفهوم على قسمين الأول مفهوم الموافقة و هو أن يكون الحكم و الحال في محل السكوت موافقا لما في محل النطق إثباتا و نفيا و منهم من اعتبر أولويته بالنسبة إلى المذكور و لذلك سمّاه بتنبيه الأدنى على الأعلى كما في المثالين المذكورين و الثاني مفهوم‏

174

المخالفة و هو أن يكون الحكم أو الحال في محل السكوت مخالفا لما في محل النطق و لا خلاف في حجيّة الأول و في تخصيصه للعام فقولك إن دخل داري زيد لا تقل له أف تخصص مفهومه منطوق كل من دخل داري فاضربه عمّن سوى زيد و أمّا الثاني فقد اختلفوا في أن ما هو حجّة منه هل يخصّص العام أم لا فمنهم من قال بالأول و منهم من قال بالثاني فمنطوق قوله (عليه السلام) خلق الماء طهورا لا ينجس إلا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته و هو أن الماء مطلقا قليلا كان أو كثيرا لا ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة بل ينجس بالملاقاة مع تغير أحد أوصافه الثلاثة يخصّص على الثاني دون الأول بمفهوم قوله إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا و هو أن القليل ينجس بمجرد الملاقاة

قوله و في جوازه فيما هو حجة

(1) إشارة إلى أن من لم يقل بأنه حجة أصلا أو في بعض الأقسام فهو ليس من أهل هذه المسألة أصلا أو في ذلك القسم‏

قوله إنما يقدم على العام لكون دلالته أقوى من دلالة العام‏

(2) على خصوص ذلك الخاص أن العام يحتمل عدم تناوله لذلك الخاص لإمكان تخصيصه بغيره بخلاف الخاص و لك أن تمنع الحصر مستندا بأن الخاص إنما يقدم على العام للجمع بين الدليلين و هو أولى من إبطال أحدهما و إن كان أضعف‏

قوله فإن المنطوق أقوى دلالة من المفهوم‏

(3) الحق أن لكل منهما قوة و ضعفا من جهتين إذ في العام قوة في الدلالة باعتبار النطق و ضعف باعتبار العموم و في المفهوم قوة فيها باعتبار الخصوص و ضعف باعتبار المفهوم فهما قد تعارضا فوجب حمل العام على بعض أفراده جمعا بين الدليلين‏

[أصل في تخصيص الكتاب بالخبر الواحد]

قوله لا خلاف في جواز تخصيص الكتاب بالخبر المتواتر

(4) كتخصيص قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم بقوله (عليه السلام) القاتل لا يرث و كذلك يجوز تخصيصه بفعله (عليه السلام) و تقريره إذا كانا متواترين كتخصيص الزانية و الزّاني فاجلدوا برجمه الزّاني المحض و كما إذا فعل أحد ما يخالف العام في حضوره و لم ينكره مع القدرة فإن ذلك يدل على إخراج ذلك الفاعل عن العام‏

قوله و وجهه ظاهر أيضا

(5) لفظ أيضا موجود في أكثر النسخ و هو إما يتعلق بقوله لا خلاف أو بما يليه فعلى الأول معناه لا خلاف في هذا كما أنه لا خلاف في جواز تخصيص العام بمفهوم الموافقة و على الثاني معناه وجه تخصيص الكتاب بالخبر المتواتر ظاهر كما أن وجه تخصيص العام بمفهوم الموافقة أو بما هو حجة من مفهوم المخالفة و هو

175

أنهما دليلان متساويان تعارضا فوجب الجميع بينهما حذرا من إبطال أحدهما

قوله على تقدير العمل‏

(1) إنّما قال ذلك لأنه على تقدير عدم العمل به لا يجوز تخصيصه به قطعا و اعلم أن حكم تخصيص الخبر المتواتر بخبر الواحد حكم تخصيص الكتاب به‏

قوله مطلقا

(2) أي سواء خصّ قبل تخصيصه بخبر الواحد بغيره من المخصصات أم لا

قوله و جمع من العامة

(3) قال الحاجبي هو مذهب الأئمة الأربعة و قيل هذا ليس على إطلاقه لأن الحنفية إنّما يجوزون إذا كان الخبر مشهورا مستفيضا و هو ما كان في الأصل آحادا ثم اشتهر فصار ينقله قوم لا يتوهم تواطؤهم على الكذب لأنّ شهرته تدفع ضعفه فيصلح أن يكون مخصّصا للكتاب‏

قوله و هو مذهب السيّد

(4) لا يقال السيّد لا يجوز العمل بخبر الواحد رأسا و قد مرّ أن هذه المسألة على تقدير العمل به فلا معنى لقوله و هو مذهب السيّد لأنا نقول السيّد يمنع التخصيص على تقدير تسليم العمل به كما يدلّ عليه ما نقل عنه المصنف‏

قوله و من الناس من فصل إلخ‏

(5) ذهب طائفة إلى أن العام قطعي فلا يجوز تخصيصه بخبر الواحد إلا إذا خصّ منه البعض قبله لأنه يصير حينئذ لتساوي نسبته إلى باقي المراتب المجازية المحتملة فيجوز تخصيصه بخبر الواحد و اختلفوا في المخصص الذي قبله فقال عيسى بن أبان لا بد من أن يكون قطعيا سواء كان متصلا أو منفصلا و قال الكرخي لا بد من أن يكون منفصلا سواء كان قطعيا أو ظنيا و المراد بالمنفصل هو المستقل كلاما كان أو عقلا أو حسّا أو عادة أو غيرها و بالمتصل غير المستقل كالاستثناء و الشرط و الصفة و الغاية و وجه اختلافهما في ذلك أن قصر العام على البعض تخصيص له عند ابن أبان سواء كان بالمتّصل أو بالمنفصل و ليس تخصيصا عند الكرخي إلا بالمنفصل و النسبة بين المذهبين عموم من وجه لا عموما مطلقا كما زعمه بعض الأفاضل و يرد على الكرخي أن تجويز تخصيصه بالمنفصل الظني و عدم تجويزه بخبر الواحد تحكم نعم لو خص المنفصل بالقطعي لم يرد عليه ذلك و كانت النسبة عموما مطلقا كما زعم ذلك الفاضل و يمكن أن يجاب أولا بأن المراد بالمنفصل الظني ما كان طريق ثبوته قطعيا كأن يكون من خواص الكتاب و هذا لا يخلو من شي‏ء لأن الخاص قطعي الدلالة بالنسبة إلى أفراده فإذا كان قطعي الطريق أيضا لم يكن لتوصيفه بالظني وجه و ثانيا بأن الظن يتفاوت مراتبه و المراد بالظني‏

176

المنفصل ما كان أقوى من خبر الواحد و جواز تخصيص الكتاب به ابتداء لا يوجب جواز تخصيصه بخبر الواحد فليتأمّل‏

قوله و توقف بعض إلخ‏

(1) أي توقف بعض فيما يعارض فيه الخاص من أفراد العام لا فيما سواه فلا يرد أن التوقف يوجب إلقاء الدليلين بالكليّة و هو باطل‏

قوله لكن بنا على منع إلخ‏

(2) يعني أن خبر الواحد يعمل به عند عدم معارضته بما هو أقوى منه لانعقاد الإجماع على ذلك و أما عند المعارضة فلا إجماع فسقط وجوب العمل المستفاد منه و لم نجد دليل سواه فهو محل التوقف و هذا التقرير اندفع ما توهم ظاهر العبارة من أنه إنما يدل على عدم عمله بخبر الواحد عند المعارضة لا على التوقف‏

قوله على الإطلاق‏

(3) أي سواء كان معارضا بما هو أقوى منه أو لا

قوله دليلان تعارضا

(4) ممنوع لأن خبر الواحد عند معارضته للقرآن ليس بدليل عند الخصم‏

قوله و لا ريب أن ذلك لا يحصل إلا مع العمل بالخاص‏

(5) إذ العمل بالخاص لا يوجب العمل بالعام في غير موارده فيكون العمل بالخاص معمولا مطلقا و العام من وجه‏

قوله و الجواب عن الأول إلخ‏

(6) توضيحه أن التخصيص لا يدفع ثبوت متنه الذي هو قطعي بل يدفع دلالته على أفراده و هي ظنية لاحتمال التخصيص ففي الحقيقة يلزم ترك الظني الّذي هو الدلالة بالظني الذي هو الخاص و لما كان لقائل أن يقول إذا تعارض الظنان وجب ترجيح القرآن لكونه قطعي السند بخلاف الخاص قال و بتقرير آخر مشير إلى أن الخاص أيضا قطعي لكن من جهة الدلالة لأنا نقطع أن البعض الذي يستفاد منه مراد قطعا فتعارضا و تساقطا فوجب العمل بالخاص لكونه جمعا بين الدليلين و هو أولى من إبطال أحدهما و الفرق بين التقريرين من وجهين أحدهما أن في الأخير جمع بين الدليلين لا ترك لأحدهما كما في السابق و ثانيهما أن الخاص أيضا قطعي من جهة الدلالة و في قوله لأنه دفع للدلالة مسامحة و المقصود أنه دفع لإرادة الدلالة و إلا فالدلالة مستندة إلى الوضع غير مدفوعة و لك أن تقول ذلك القول من غير عدول إلى تقرير آخر الظن في الخبر من جهة احتمال كذبه و في دلالة العام من جهة جواز تخصيصه و احتمال الكذب في العدل أبعد من احتمال التخصيص و لهذا كان أكثر العمومات مخصصة و ليس أكثر أخبار العدل كاذبة فالظنان غير متساويين بل هو في الخبر أقوى فما فيه مما تساوي ما في العام معارض له و الزائد معارض بقطعية

177

العام من جهة السند و ترجيح الخبر حينئذ لكونه جمعا بين الدليلين‏

قوله على أن التخصيص أهون من النسخ‏

(1) جواب آخر عن الثاني تحريره أن التخصيص أهون من النسخ لأنه رفع البعض و النسخ رفع الكل و لا يلزم من جواز تأثير خبر الواحد في الأهون جواز تأثيره في الأقوى و لعلّ قوله فليتأمّل إشارة إلى قول المرتضى رضي اللّه عنه حيث قال لقائل أن يقول رفع الكل بعد العمل به أهون من رفع البعض قبل العمل به فالنسخ أهون بهذا الاعتبار من التخصيص فإذا جاز التخصيص بخبر الواحد جاز النسخ به أيضا و يمكن أن يجاب عنه بأن هذا إنما يتوجه لو دخل ذلك البعض في الخطاب و هو مراد للمخاطب و ليس الأمر كذلك لأن المخصص كاشف عن أن المخاطب لم يرده في حال التخاطب‏

قوله حجة المفصّلين إلخ‏

(2) يمكن تقريرها بوجهين الأول و هو الأنسب لما ستعرفه أن الخاص ظني الطريق و إن كان قطعي الدلالة بخلاف العام فإنه قطعي الطريق و الدلالة جميعا إذ العام عندهم قطعي في مدلوله أيضا كما صرّح به بعض المحققين فلا يعارضه الخاص إلا إذا ضعف دلالته بتخصيصه بقطع أو بمنفصل فإنه حينئذ يكون لكل واحد منهما قوة و ضعف من وجه فتساويا فوجب الجمع بينهما و الثاني أن الخاص ظني الطريق و قطعي الدلالة و العام بالعكس و ما كان طريق ثبوته ظنيّا و إن كانت دلالته ظنية لأن اعتبار دلالة الشي‏ء فرع ثبوته في نفسه إلاّ أن يضعف دلالة العام بأحد الوجهين فيكتسب وهنا على وهن فيصير مغلوبا فحينئذ يعارضه الخاص‏

قوله و القطعي ترك بالظني‏

(3) هذا بالتقرير الأول أنسب يعني أن قطعي الدلالة و هو العام يترك بظني السند و هو الخاص إذا ضعف بالتجوز بقطعي أو بمنفصل مطلقا إذ لا يبقى ما كان قطعيا قبله قطعيا بعده لأن نسبة بعده إلى جميع مراتب التجوز بالجواز سواء و إن كان العام بعده ظاهرا في كل الباقي لأنه أقرب إلى الحقيقة فارتفع مانع من التخصيص بخبر الواحد أعني القطع فيجوز تخصيصه به لوجود مقتضيه و ارتفاع مانعه و الإضافة في مانع القطع بيانية و المناسب للتقرير الثاني هو أن يقال و القطعي السند يترك بالظني إذا ضعف بالتجوز فتصير دلالته أضعف مما كان و يكتسب وهنا على وهن فيجوز تخصيصه بالظني لأن قوله إذ لا يبقى قطعيّا إلى آخره لا وجه له على هذا التقرير

قوله و الجواب بمثل ما تقدم‏

(4) إن حملت الحجة على التقرير الأول فالجواب منع أن العام قطعي الدلالة كما أشار إليه بقوله و هي ظنية و لكن قوله فلا ينافيه‏

178

قطعية المتن ليس في محله ظاهر لأن المستدل لم يجعل قطعية المتن وحدها منافية للتخصيص بل جعلها مع قطعية الدلالة منافية له و الأمر في ذلك هيّن و إن حملت على التقرير الثاني يعني على أن ما كان ثبوته ظنيّا لا يعارض ما كان ثبوته قطعيا فالجواب منع ذلك كما أشار إليه بقوله فلا ينافيه قطعية المتن لا يقال كان الواجب عليه أن يقول قطعية السند إذ المتن يطلق عليه لغة و عرفا على ما دل على الحكم من النّص لا على السّند و هو المراد هنا لأنا نقول المتن هنا إذا ذكر في مقابلة الدلالة يراد به السند كما وقع في هذا المقام و إذا ذكر في مقابلة السند أو مطلقا كما إذا قيل قطعي السند ظني المتن اعتبر فيه الإضافة إلى الدلالة أي ظني الدلالة

[خاتمة في بناء العام على الخاص‏]

قوله متنافيا الظاهر

(1) بأن يشتمل أحدهما على حكم إيجابي و الآخر على حكم سلبي و أما المتوافقان في الحكم كقولك أكرم بني تميم أكرم بني تميم الطوال فيجب العمل بهما إلا أن حكم البعض وقع مرتين إما لكثرة الاهتمام به أو لغرض آخر و لا أعرف خلافا في ذلك عندنا

قوله فإما أن يعلم تاريخها

(2) و ذلك بأن يكون في لفظ أحد الخبرين ما يشعر بالتقديم أو التأخير أو بأن يضاف أحدهما إلى وقت أو حال يعلم بها ذلك أو بأن يكون زمان إحدى الروايتين مقدما على زمان الآخر أو بأن يخبر صحابي بتقدم أحدهما على الآخر

قوله و الأول إما مقترنين‏

(3) قيل هذا لا يكاد يوجد إلا أن يريد بالمقارن المتأخر و المتقدم الموصولين فهو حينئذ قسم من المتقدم أو المتأخر و قيل هذا إنّما يتصور في فعل خاص له (عليه السلام) مع قول عام‏

قوله بلا خلاف يؤبه به‏

(4) من الوبه قال في القاموس هو لا يؤبه له و به لا يبالى به و في بعض النسخ يعبأ به قال فيه أيضا ما أعبأ بفلان ما أبالي به قال المصنف و هو إشارة إلى ما نقله في النهاية عن بعض من شذ من الجمهور عن مخالفة مثل ذلك انتهى أقول و لعلّ ذلك ما نقل عن أصول الحنفية من أن حكم المقارنة و حكم الجهل بالتاريخ واحد و هو أن حكم العام ثابت في غير أفراد الخاص و التعارض واقع في قدر ما تناولاه فيجب الترجيح بدليل آخر

قوله و كان نسخا له لا تخصيصا

(5) كما ذهب إليه صاحب المنهاج لأن التخصيص إنما هو دفع الحكم في بعض الأفراد و بيان لعدم ثبوته و إرادته حين الخطاب بالعام و ورود الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام يقتضي ثبوت العمل في جميع أفراده و الخاص يرفعه عن بعضها و هذا معنى النسخ أقول هذا إنما يتم عند انقضاء شي‏ء من أوقات العمل بالعام و أما عند ورود الخاص في أول أوقات العمل به فلا إلا عند من لم يجوز تأخير البيان عن وقت‏

179

الخطاب إلى وقت الحاجة و حمل قوله بعد حضور وقت العمل على الأول و إدراج الثاني في قوله و إن كان قبله بعيد جدا لأن ضمير قبله لا يعود إلى وقت العمل ثم المراد بكون الخاص ناسخا للعام حينئذ إما أنه ناسخ له مطلقا أو لما تناولاه مع بقاء حكم الباقي بحاله على اختلاف المذهبين و للمرتضى هنا تفصيل لا يخلو من وجه و هو أن العام كله منسوخ إن غير رفع البعض حكم الباقي بحيث متى فعل لم يكن له حكم به في الشرع و لم يجر مجرى فعله قبل الرفع كنقض الركعتين من أربع فإنه يغير حكم الركعتين الأولتين لورود التسليم بعدهما و إلا فذلك البعض منسوخ دون الكل كإسقاط عشرة من الثمانين في حد القذف مثلا

قوله و بين راد له‏

(1) لانتفاء شرط التخصيص و النسخ عندهم أعني المقارنة و وقوع الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام المستفاد من ظاهر هذا الكلام أنهم يردون الخاص حينئذ بالكلية و لا يبعد أن يقال إنهما بمنزلة الخبرين المتعارضين فيرجح أحدهما بوجه من وجوه الترجحات‏

قوله و عزاه‏

(2) بالعين المهملة و الزاي المعجمة أي نسبه‏

قوله و هو ظاهر من كلام علم الهدى‏

(3) ليس في الذريعة ما يدل على أن مذهبه في هذا القسم هو النسخ غير هذا القول بناء العام على الخاص له شرط لا بد من اعتباره و هو أن يكونا واردين معا و الحال واحدة لأن تقدم أحدهما على الآخر يقتضي عندهم النسخ‏

قوله فلا بد من تقدير المقارنة

(4) و أنت خبير بأن هذا على تقدير دلالته على أنّ مذهبه في هذا القسم النسخ لا تختص بصورة التأخير بل يجري في صورة التقديم أيضا

قوله لنا أنّهما دليلان‏

(5) قال المصنف من الأدلة على ما صرنا إليه أنه لو لم يخصص العام المتأخر بالخاص المتقدم لبطل القاطع بالمحتمل و اللازم منتف أما الملازمة فلأن دلالة الخاص على مدلوله قاطع و دلالة العام على مدلوله محتمل لجواز أن يراد به الخاص فلو لم يخصص العام حينئذ بل أبطلنا الخاص فكما أبطلنا القاطع بالمحتمل و أما بطلان اللازم فالعقل يقتضي به اقتضاء أوليا و إنّما عدلنا عنه في الأصل لأنه لا يتم إلا في بعض صور المعارضة و هي ما يكون الخاص فيه خاليا من جهة عموم ليكون قطعي الدلالة إذ لو كان له عموم من جهة أخرى لم يلزم كونه قطعيّا فليتأمّل انتهى أقول الخاص و إن كان عاما في نفسه محتملا لتخصيصه ببعض الأفراد دلالته على ثبوت الحكم لفرد ما في الجملة قطعية و العام و إن كان دلالته أيضا على ثبوت الحكم في بعض الأفراد قطعية دلالته على عمومه و ثبوته في جميعها ظنية لاحتمال التخصيص فإذن إذا عمل بعموم العام بطل الخاص بالكلية بحيث لا يتناول فردا أصلا فلزم بطلان‏

180

القاطع بالمحتمل و إذا عمل بالخاص لزم بطلان ما هو ظني أعني العموم لا ما هو قطعي أعني دلالته على بعض الأفراد

قوله و ما يقال إلخ‏

(1) نقل عنه (رحمه الله)ه أن هذا الاعتراض للنهاية على الحجة مع استدلاله بمثلها على ما صار إليه كما حكينا عنه و لم يجب عنه و هو لا يخلو من عجب انتهى أقول الظاهر أن هذا الاعتراض نقض تفصيلي إذ هو منع لقوله و هو هين عند ذينك المحذورين تقريره لا نسلم أن تخصيص العام أهون من نسخ الخاص و إنما يكون أهون لو لم يكن النسخ تخصيصا أيضا و لكنه تخصيص في الأزمان فليس التخصيص بأعيان العام أولى من التخصيص في أزمان الخاص كما ادعاه المستدل و تقرير الجواب أن النسخ مرجوح بالنسبة إلى التخصيص و لا مساغ لإنكاره إما لما مر من أن النسخ رفع للحكم بالكلية و التخصيص دفع لدلالة العام على بعض أفراده و هو أهون لما سيجي‏ء من أن النسخ رفع و التخصيص دفع لدلالة العام على بعض أفراده و هو أهون و إما لما سيجي‏ء من أن النسخ رفع و التخصيص لا رفع فيه و إنما هو دفع و الدفع أهون من الرفع ثم إنه لما كان مدار الاعتراض على تسمية النسخ تخصيصا تصدى للفرق بقوله و مجرد الإشراك النسخ و التخصيص بالمعنى المعروف و هو قصر العام على بعض أفراده في مسمى التخصيص لا يقتضي المساواة بينهما عند التعارض لأن التخصيص بالمعنى المعروف أغلب من النسخ كما يشهد به الاستقراء و يصدقه المثل المشهور فعند التعارض بينهما وجب المصير إلى ما هو أغلب و أكثر بالضرورة

قوله لما بيناه من أولوية إلخ‏

(2) إشارة إما إلى ما ذكره أولا من الدليل على أولوية التخصيص بالنسبة إلى النسخ أو إلى ما ذكره في الجواب من أن التخصيص أغلب و أكثر من النسخ‏

قوله لأن النسخ رفع إلخ‏

(3) توضيحه أن النسخ رفع للحكم بعد استقراره و لا ريب في أن رفع غير المستقر أهون من رفع المستقر لا يقال الحكم إما مقيد بغاية أو مؤبد و على التقديرين لا رفع فيه أما على الأول فلأن الحكم بخلاف ذلك الحكم بعد تلك الغاية لا يكون رفعا كمن يقول صم إلى يوم العيد ثم يقول يوم العيد لا تصم إذ ليس فيه رفع قطعا و أما على الثاني فلأن الحكم المؤبد لا يجوز رفعه للزوم التناقض إذ حاصله أنه مؤبد ليس بمؤبد لأنا نقول نحن نختار قسما ثالثا و هو أن الموصوف بالحكم مقيد بالتأبيد و أما الحكم فلا يكون مقيدا بغاية و لا مؤبدا بل مطلقا فحينئذ يمكن رفعه و إبطال استمراره و محصوله أن قولهم صم رمضان أبدا يجعل أبدا قيدا لرمضان لا لوجوب الصوم و معناه أن صوم كل شهر من شهور رمضان إلى الأبد واجب في الجملة غير مقيد للوجوب بالاستمرار إلى الأبد و حينئذ رفع وجوب الصوم و معناه عدم‏

181

استمراره لا يكون مناقضا له إذ قيد التأبيد لنفس الفعل و رفع التأبيد إنما هو للحكم لا للفعل فلا تناقض‏

قوله و يتأخر وصف كونه بيانا

(1) الأصوب أن يقول و يقارن وصف كونه بيانا

قوله علله بأنه لا يجيز تأخير البيان‏

(2) لعل المقصود لا يجيز تأخير وصف البيانية عن ذات الموصوف و لو كان الخاص المتقدم بيانا للعام المتأخر لزم اتصافه بالبيانية عند ورود العام لا قبله فيلزم تأخير البيانية عن البيان و حينئذ لا يحتاج إلى التوجيه الذي ذكره المصنف و الجواب عن هذا التعليل على هذا التوجيه أن تأخير وصف البيانية عن البيان من حيث إنه بيان لا يجوز و الخاص قبل ورود العام ليس بيانا بل هو بيان عند ورود العام و البيانية لا تتأخر عنه حينئذ

قوله و كأنه يريد إلخ‏

(3) أي كأن الشيخ يريد بعدم جواز تأخير البيان عدم جواز إخلاء العام عند إرادة التخصيص من مخصص مقارن له فعبر عن عدم المقارنة بالتأخير تسمية اللازم باسم الملزوم و يلزم على هذا التوجيه أن مذهب الشيخ في صورة تأخير الخاص مطلقا سواء كان قبل حضور الوقت أو بعده هو النسخ‏

قوله و إلا فلا معنى إلخ‏

(4) أي و إن لم يرد بذلك التعليل ما ذكرناه من التوجيه فتعليله باطل إذ لا معنى لجعل صورة تقديم الخاص من تأخير البيان لأن الخاص لو كان بيانا لكان من باب تقديم البيان فكان الحق في التعليل أنه لا يجيز تقديم البيان‏

قوله لا يكون البيان متأخرا

(5) أي غير مقارن عليه لأن الخاص المتقدم موجود حين ورود العام له و إن كان ذاته مقدما عليه‏

قوله و عندنا أنه يعمل حينئذ بالخاص إلخ‏

(6) قال و يظهر سرّ العدول عن البناء على الخاص إلى العمل بالخاص من كلام القيل و كذا سر إبهام الأقسام انتهى أقول السر في ذلك أن العمل بالخاص يشتمل ما إذا كان الخاص متأخرا عن العام واقعا بعد حضور وقت العمل به فإنه حينئذ يعمل بالخاص لأنه ناسخ و لا يبني العام على الخاص لأن البناء إنما هو إذا كان الخاص بيانا و إنما قال عندنا لأن الخاص عند الجهل بالتاريخ على مذهب أبي حنيفة و الحاجبي مردد بين كونه منسوخا و مخصوصا لاحتمال تقدمه على العام و تأخره عنه فتساقطا عندهما في قدر ما تناولاه إلى أن يرجح أحدهما المرجح و المراد بالأقسام السابقة تقدم الخاص أو تأخره أو اقترانه للعام‏

قوله إن ورد قبل حضور وقت العمل إلخ‏

(7) حاصله أن الخاص بالمتأخر إمّا أن يكون وروده قبل حضور وقت العمل أو بعده و على التقديرين إمّا أن يكون العام و الخاص قطعيين‏

182

أو ظنيين أو يكون الأول ظنيا و الثاني قطعيا أو بالعكس فهذه ثمانية حاصلة من ضرب الاثنين في الأربع و الخاص في أربعة منها و هي جميع الصور القبلية الحاصلة مع ملاحظة الأربع مخصص و في ثلاثة منها و هي الصور البعدية الحاصلة مع ملاحظة الثلاثة الأول ناسخ مقبول و في واحدة منها و هي البعدية مع الأخير ناسخ و مردود إذ لا يجوز نسخ القطعي بالظني فقد تردد الخاص مع جهل التاريخ بين أن يكون مخصصا للعام و بين أن يكون ناسخا مقبولا و بين أن يكون ناسخا مردودا فكيف يقدم و الحال هذه على العام و لسلطان المحققين هنا كلام حاصله أنك إن أردت بقطعية العام قطعيته باعتبار السند أو باعتبار الدلالة فعدم جواز نسخه بالظني ممنوع لأن النسخ تخصيص في الأزمان و دلالته عليها ظنية و إن أردت بها قطعية باعتبار شمول جميع الأزمان فيرد أن التخصيص أيضا كذلك لو كانت دلالته على جميع الأفراد قطعية فلا وجه للفرق بينهما أقول قد عرفت غير مرة أن التخصيص أهون من النسخ فتجويز تخصيص القطعي بالظني لا يستلزم تجويز نسخه به‏

قوله و احتمال التخصيص مطلق‏

(1) أي غير معلق على ورود الخاص قبل وقت العمل و هذا في حيز المنع كما ستعرفه‏

قوله فمع جهل الحال‏

(2) أي فمع الجهل بتقديم الخاص على وقت العمل و تأخره عنه لكون التاريخ مجهولا لا يعلم حصول شرط النسخ و هو تأخره و الأصل يقتضي عدمه لأن وقت العمل متأخر عن العام قطعا و الأصل عدم تأخر الخاص عن العام لأن حدوثه و إن اقتضى تأخره لكنه معارض بحدوث العام أيضا فالأصل عدم التأخير عن ذلك الوقت أيضا و بهذا التقرير اندفع ما أورده سلطان المحققين من أن الأصل يقتضي حصول الشرط لأن الخاص حادث و الأصل تأخر الحادث فليتأمّل‏

قوله فالاشتراط إنما هو في العدول عنه لا إليه‏

(3) تفريع على المتقدم و ينتجه له أي إذا كان التخصيص مقدما على النسخ عند التردد بينهما و لا يصار إلى النسخ إلا حيث يمتنع التخصيص كما في صورة تأخر الخاص عن وقت العمل بالعام كأن الاشتراط إنّما هو في العدول عن تخصيص إلى النسخ لا عن النسخ إلى التخصيص فمحصل قوله لأنا نقول إلخ أن الشرط إنّما هو النسخ دون التخصيص بل التخصيص وجب المصير إليه عند عدم العلم بحصول المانع منه و من البين أنه مع جهل التاريخ لا يعلم حصول المانع ففيه منع لقول المعارض احتمال التخصيص مشروط بورود الخاص قبل حضور وقت العمل فاندفع ما أورده سلطان المحققين من أنه هذا الجواب عدول عن الجواب‏

183

المذكور أولا و تعيين له لا تتميم له فلا ينفع في تصحيحه بل إن صح فهو جواب آخر

قوله و لئن سلمنا تساوي الاحتمالين‏

(1) أي احتمال النسخ و احتمال التخصيص و ذلك على أن يكون التخصيص أيضا مشروطا مثل النسخ‏

قوله إذ ما عداه‏

(2) و هو أن يكون العام و الخاص قطعيا أو ظنيا أو يكون العام ظنيا و الخاص قطعيّا

قوله إنما يتصور في النّبوي منها الحصر

(3) ممنوع إذ الظاهر أن النسخ يوجد في بعض أخبار الأئمة (عليهم السلام) أيضا لأن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) علّم وصيّه (عليه السلام) كل ما أنزل إليه من الناسخ و المنسوخ و غيرهما فكما أنهما يوجدان فيما نسب إلى النبي (صلى اللَّه عليه و آله) صريحا كذلك يوجدان في أخبار خلفائه لا من حيث إنها أخبارهم ليرد أن النسخ لا يعقل بعد انقطاع الوحي بل من حيث إن أخبارهم في الحقيقة أخباره (صلى اللَّه عليه و آله)

قوله التوقف عن النبإ

(4) و إليه ميل عيسى بن أبان و الكرخي و أبي عبد الله البصري كما صرح به في الذريعة

قوله في القسم السابق على القسم الرابع‏

(5) يعني القسم الثالث و هو أن يتقدم الخاص على العام‏

قوله وجهه إلخ‏

(6) أي وجه التوقف بعد ملاحظة البناء على مذهبهم هناك و هو أن الخاص المتقدم المنسوخ ظاهر لدوران الخاص عند الجهل بالتاريخ بين أن يكون مخصصا لاحتمال الاقتران و البعدية أو منسوخا لاحتمال القبلية و لا ترجيح لأحدهما على الآخر فيتوقف و يرجح الأخذ بأحدهما إلى دليل فإن قلت الخاص حادث و الأصل تأخره قلت العام أيضا حادث و الأصل تأخره و اعلم أن في قول المصنف بظهور وجه التوقف هنا لا فيما سبق تحكم‏

[المطلب الرابع في المطلق و المقيد و المجمل و المبين‏]

[أصل في المطلق و المقيد]

قوله و هو ما دل على شائع في جنسه إلخ‏

(7) أي هو ما دل على فرد شائع أي محتمل الصدق على أفراد كثيرة مندرجة في جنس ذلك الفرد و هو مفهوم كلي يصدق عليه و على غيره من تلك الأفراد الكثيرة و إلى هذا التفسير أشار المصنف بقوله بمعنى كونه أي المدلول حصّة محتمل الحصص كثيرة أي ممكنة الصدق عليها حال كون تلك الحصّة من الحصص المندرجة تحت أمر مشترك بينها و بين الحصص البواقي قال (رحمه الله)ه إنّما فسّرنا الشائع بالحصة ليندفع ما قد يتوهم من الظاهر كثير من العبارات أن المطلق ما يراد به الحقيقة من حيث هي هي و ذلك لأن الأحكام إنما تتعلق بالأفراد لا بالمفهومات انتهى أقول هذا التوهم لا يجري في ظاهر عبارة المصنف لأن الماهية ليست شائعة في جنسها ثم أقول دخل في هذا الحد نحو رجل و حيوان فإن الأول دل على فرد محتمل لأفراد كثيرة بطريق البدل مندرجة كلها تحت مفهوم رجل و الثاني دل على حصة

184

من الحيوان محتملة لحصة في ضمن الإنسان و لحصة في ضمن الفرس و لغيرهما مندرجة كلها تحت مفهوم الحيوان المشترك بينهما و كذا دخل فيه المعهود الذهني مثل اشتريت اللحم فإنه أيضا مطلق و خرج عنه ما ليس له شيوع بل له تعيين شخصي إما بحسب الوضع و الاستعمال كالأعلام أو بحسب الاستعمال فقط كالمضمرات و المبهمات أو تعيين نوعي كالأسد و أسامة فإن كل واحد منهما يدل بالوضع على حقيقة الحيوان المفترس مع الإشارة إلى تعيينها و الفرق بينهما أن الإشارة على التعيين في علم الجنس مستفاد من جوهر اللفظ و في اسم الجنس المعرف مستفاد من اللام فمفهوم المركب من أسد و لام التعريف هو مفهوم أسامة وحده أو تعيين حصة من الكلي كالمعهود بالعهد الخارجي نحو فعصى فرعون الرّسول أو تعيين عموم كالمعرف بلام الاستغراق إذ جميع الأفراد لا يحتمل صدقه على كثرة

قوله فهو ما يدل لا على شائع في جنسه‏

(1) دخل فيه كل ما خرج عن حد المطلق و إنما لم يقل فهو ما لا يدل على شائع في جنسه لئلا ينتقض عكسه بالمهملات‏

قوله و هو ما أخرج من شياع‏

(2) قيل بين المعنيين عموم من وجه لصدق الأول على زيد دون الثاني و الثاني على رقبة مؤمنة دون الأول و صدقهما على هذا الرجل و كذا بين المطلق بالمعنى الأول و المقيد بالمعنى الثاني لصدقهما على رقبة مؤمنة و تفارقهما في رقبة و هذا الرجل و أما بين المطلق و المقيد بالمعنى الأول فمباينة فقد ظهر ممّا ذكرنا أن إزالة الشياع أعم من أن يكون بالكلية أو بوجه ما و دل عليه أيضا التنكير في قول المصنف من شياع فقوله مثل رقبة مؤمنة للتمثيل إذ له فرد آخر غير متناول للكثرة أصلا

قوله و الاصطلاح الشائع في المقيد هو الإطلاق الثاني‏

(3) لقائل أن يقول إن أريد بالمطلق المقابل للمقيّد بهذا المعنى ما لم يخرج عن شياع صدق على مثل زيد و عمرو غيرهما من الأعلام الشخصية و إن أريد به المعنى المذكور أولا لم يحسن التقابل لصدقهما على مثل رقبة مؤمنة كما مر و يمكن أن يجاب بأن المراد به ما أبقى على شيوعه فليتأمّل‏

قوله فإما أن يختلف حكمهما

(4) و المراد بالحكم هنا هو السند دون الحكم الشرعي و النسبة و إطلاق الحكم عليه شائع‏

قوله بوجه من الوجوه اتفاقا

(5) أي لا بوجه البيان و لا بوجه النسخ و ادعى أكثر الأصوليين الاتفاق عليه و نقل الشهيد الثاني في قواعده خلافا عند اتحاد الموجب و نسبه الشيخ بهاء الملة و الدين‏

185

في حاشيته على الزبدة إلى أكثر الشافعيّة و لهذا حملوا اليد في التيمم على ما آخره المرفق لتقييدها به في الوضوء مع اتحاد الموجب و هو الحدث‏

قوله إلاّ في مثل المقيّد إلخ‏

(1) المراد بمثله كل ما اختلف فيه الحكمان بأن يكون حكم المطلق أمرا و حكم المقيّد نهيا و توقف حكم المطلق على حكم المقيد فيحمل المطلق على المقيد لكن لا على منطوقه بل على مفهومه نحو إن ظاهرت فأعتق رقبة و لا تملك رقبة كافرة فإنه يجب أن يقيد الرقبة بعدم الكفر لأن إعتاقها يتوقف على ملكيتها و ملكيتها يتوقف على عدم كفرها فإعتاقها يتوقف على عدم كفرها

قوله فإنه يقيد المطلق بنفي الكفر

(2) و إنما قال بنفي الكفر و لم يقل بالإيمان للإشارة إلى أن معنى حمل المطلق على المقيد تقييده بذلك المقيد جسما يقتضيه المقام إثباتا و نفيا فاندفع ما قيل من أن القيد هو الكفر و المطلق لم يقيد به بل ينقضيه و هو الإيمان‏

قوله و إن كان الظهار و الملك حكمين‏

(3) الأولى أن يقول و إن كان الإعتاق و الملك حكمين لأن الحكم و الإعتاق و الظهار موجب له و ربّما يدفع ذلك بحذف المضاف أي حكم الظهار

قوله أو يختلف‏

(4) لا تفاوت في صورة اختلاف الموجب بين أن يكون الحكمان مثبتين أو منفيين أو مختلفين و لذلك أعرض عن ذكر هذا التفصيل كما أعرض عن ذكر المختلفين في صورة اتحاده‏

قوله فيحمل المطلق على المقيد

(5) إجماعا يعني يعمل بالمقيد و يؤثر في المطلق قيده فلا يرد أن الحمل هو البيان و لا يصح دعوى الإجماع عليه لأن القول بالنسخ كما ذكره معروف و هذا الإجماع نقله العلامة في النهاية و أشار إليه الآمدي و ربما يقتضي كلام بعضهم أن لهذا قائلا بالعكس و هو أن المقيّد يحمل على المطلق المقيد يحمل على الأولوية و الحق أن هذا القول لم نعرف انتسابه إلى أحد على أنه لو عرف كان شاذا نادرا مخالفا للإجماع فإن قلت سيجي‏ء أن المطلق بمنزلة العام في إفادة الشمول إلا أن شمول المطلق بطريق التبادر و شمول العام بطريق التناول و أن المقيد بمنزلة الخاص و قد صرّحوا بأن العام و الخاص إذا كانا مثبتين يعمل بهما لعدم التعارض بينهما فوجب أن يكون المطلق و المقيد مثلهما و إلاّ فما الفرق بينهما قلت الإجماع أولا فارق و ثانيا أن مدلول المطلق فرد من الأفراد لا بعينه و مدلول المقيد فرد معين فصار المقيد قرينة لما هو مراد بالمطلق بخلاف العام فإن مدلوله جميع الأفراد لا بعضها على الإجمال ليكون الخاص معينا و ممّا يتفرع على هذا الأصل حمل خبر ورد بثلاث مسحات مطلقة على خبر دل على المسح بثلاثة أحجار بإرادة تعدد الآلة

186

في الأول فلا يكفي واحد ذو جهات و منه حمل وضع اليد في خبر التيمم و هو مطلق على الضرب و هو مقيد إذ هو واضع مع اعتماد دون العكس كما قالوا غفلة منهم عن هذه القاعدة

قوله و كونه بيانا لا نسخا

(1) أريد بكون المقيد بيانا دلالته على أن المراد بالمطلق عند التخاطب هو المقيد و بكونه نسخا دلالته على رفع حكم الإطلاق المقيد للخروج عن العهدة بأي فرد كان‏

قوله لأن العمل بالمقيد

(2) يلزم منه العمل بالمطلق لأن العمل بالمطلق هو العمل بفرد من أفراده و المقيد فرد منه و قد يوجه ذلك بأن المطلق هو الماهية لا بشرط و المقيد متضمن لها فالعمل به يستلزم العمل بها و فيه نظر أما أولا فلأن المراد بالمطلق فرد لا بعينه دون الماهية من حيث هي كما مر و أما ثانيا فلأن المراد بأمر المطلق حينئذ وجوب إيجاد الماهية و بأمر المقيد وجوب إيجاد القيد و لا منافاة بينهما حينئذ قطعا فلا يكون العمل بالمقيد موجبا للتجوز في المطلق و لا عكس فلا يصح على هذا التوجيه قول المصنف و هو جيد إلخ بخلاف ما إذا كان المراد بالمطلق فردا مّا لا بعينه فإن الأمر به حينئذ يدل على إيجاب العمل بأي فرد كان و لا ريب في أن العمل بالمقيد يصرفه عن ظاهره و يجعله مجازا

قوله و هو جيد إلخ‏

(3) يعني أن هذا الاستدلال جيدان لم يحتمل التجوز في المقيد بإرادة الندب منه بمعنى أنه أفضل أفراد المطلق أو بإرادة الوجوب التخييري بينه و بين غيره من أفراد المطلق و الفرق بينهما أن الأفضلية ملحوظة في الأول دون الثاني و إن احتمل التجوز في المقيد على أحد الوجهين و لكنه يكون مرجوحا بالنسبة إلى التجوز في المطلق بحمله على المقيد فإن حمل المطلق على المقيد حينئذ متعين لعدم المعارض أمّا مع تساوي احتمال التجوز في المطلق و احتمال في المقيّد فيشكل الحكم بترجيح المطلق المجاز على المقيد المجاز بل يحصل التعارض بينهما فيتساقطان و يبقى المطلق سليما من المعارض فيعمل به و محصوله أن هذا الاستدلال موقوف على كون الأمر في المقيد محمولا على الوجوب العيني و هو ممنوع لجواز حمله على الندب مجازا و معنى أنه أفضل أفراد المطلق و لو سلم فحمله على العيني ممنوع لجواز حمله على الوجوب التخييري مجازا و الأمر بالمطلق على التقديرين محمول على إطلاقه و قرينة له نعم لو ثبت أن التجوز في المطلق راجح على التجوز في المقيد بأحد الوجهين ثم الاستدلال إمّا مع تساويهما فلا بل يبقى المطلق على إطلاقه و قد يجاب بأن حمل الأمر بالمقيد على الندب مجاز قطعا و حمل المطلق على المقيد ليس بمجاز و لهذا لو

187

أتى بالمقيد قبل الأمر به كان ممتثلا على أن إرادة التخيير من الأمر بالمقيد أيضا لا يخلو من بعد لأنه لا يدل على الأفراد فضلا على التخيير فيهما

قوله و قد أشار إلخ‏

(1) يعني أشار العلامة في النهاية إلى إشكال التعارض بين المجازين و أجاب بأنه لا بد لترجيح أحدهما من مرجح و المرجح لمجاز المطلق لأن حمله على المقيد يقتضي يقين البراءة و الخروج عن العهدة لأنه إن كان مكلّفا بالمقيد فهو المأمور به و إن كان مكلفا بالمطلق فهو متضمن للمأمور به بخلاف حمله على الإطلاق و الإتيان بفرد آخر غير المقيد فإنه لا يحصل معه يقين البراءة لجواز أن يكون المأمور به هو المقيد

قوله و قد أخذه بعضهم إلخ‏

(2) استدل الحاجبي و بعض متأخري أصحابنا أولا بما مر من غير تعرض للإشكال و جعلوا ثانيا ما ذكره العلامة في الجواب عنه دليلا مستقلا على حمل المطلق على المقيد و هو كما ترى غير سديد لأن الدليل الأول لا يتم بدون ضم الثاني إليه و إلا لورد الإشكال عليه‏

قوله و يصير تخصيصه بنحو المؤمنة تخصيصا

(3) أراد بالتخصيص هنا المعنى اللغويّ الشامل للتقييد و التعبير عن التقييد بالتخصيص إيماء إلى ما هو المقصود من رجوع أحدهما إلى الآخر

قوله فحكمه حكم التخصيص‏

(4) أي حكم التخصيص حكم التقييد في كونه دفعا لا حكم النسخ في كونه رفعا و أورد عليه بأن تساويهما في الإخراج لا يوجب تساويهما في الحكم لأن بينهما فرقا آخر يقتضي اختلافهما فيه لأن في التقييد حكما شرعيا لم يكن ثابتا في المطلق و هو وجوب إيمان الرقبة فلا يجوز أن يكون بيانا للمطلق فوجب أن يكون ناسخا له بالضرورة فهو حكم شرعي رفع حكما شرعيا آخر و هو جواز إعتاق الكافرة بخلاف الخاص فإنه يدل على بعض ما يتناوله العام فجاز أن يكون بيانا فلا يجوز حمله على النسخ مع جواز حمله على التخصيص الذي هو أهون و يمكن دفعه بأن الحكم الذي يدل عليه المقيد ليس إلا وجوب الاقتضاء عليه و الخاص مثله في ذلك فلا فرق بينهما من هذه الجهة فلا يتفاوت الحكم فيهما

قوله فكما أن الخاص المتأخر إلى آخره‏

(5) فيه نظر من وجهين أحدهما أنه إن أراد أن الخاص المتأخر مطلقا سواء كان قبل حضور وقت العمل بالعام أو بعده بيان للعام لا ناسخ فهو ممنوع لأنه قد صرّح سابقا أن الخاص المتأخر عن الوقت ناسخ و إن أراد أن الخاص المتأخر عن العام قبل وقت العمل به بيان فهو ممنوع لكن اللازم هو أن المقيد متأخر إذا وقع قبل وقت العمل بالمطلق بيان لا مطلق و هو في المقيد لم يقل بهذا التفصيل و ثانيهما أن العام و الخاص إن اعتبرهما مثبتين فالقوم كلهم يعملون بهما جميعا و لا يحملون أحدهما

188

على الآخر و إن اعتبرهما متخالفين فلا يصح قياس المطلق و المقيد المثبتين عليهما

قوله و هو فرع الدلالة

(1) بيان لبطلان اللازم و لم يتمسك له بأن المجاز خلاف الأصل كما يتمسك به قطب المحققين لئلا يرد عليه أن المجاز خير من النسخ و المراد بالدلالة الدلالة على وجه الإرادة بخصوصه كما يدل عليه قوله لأن المراد بالمطلق هو المقيد و قوله لا دلالة على مقيد خاص فلا يرد عليه ما أورده بعض الأفاضل من أن انتفاء الدلالة ممنوع لأن المطلق له دلالة على كلّ مقيد مندرج تحته نعم يمكن نقضه بالعام و الخاص فما هو جوابه فهو جوابنا

قوله و الجواب أن المعنى المجازي إلخ‏

(2) قال (رحمه الله)ه في الحاشية الجواب المشهور بين القوم هو أن هذا لازم لهم إذا تقدم المقيد فإنهم يقولون المراد بالمطلق حينئذ المقيد فيجب دلالته عليه مجازا و أيضا فإنه لازم لهم في تقييد الرقبة بالسلامة مجازا فما هو جوابكم في الصورتين فهو جوابنا و نوقش فيه بأن جوابهم في الصورة الأولى أن تقدم المقيد ربّما يصلح قرينة لانتقال الذهني من المطلق إلى المقيد و هو المعني بالدلالة عند علماء الأصول و البيان و في الثانية أنهم لا يسلّمون أن تناول الرقبة لما يكون ناقصا في كونه رقبة و هو فائت جنس المنفعة حتى يكون دلالتها على السليمة مجازا و لو سلم فانتقال الذهني عن المطلق إلى الكامل ظاهر لا ندفع له و أنت تعلم أن شيئا من الجوابين لا يمكن أن يجاب به في موضع النزاع فلذلك لم نتعرض للجواب المشهور أقول قوله فإنه لازم لهم في تقييد الرقبة بالسلامة مجازا نقض إجمالي مثل الأول تقريره أنهم يقيدون الرقبة بالسلامة عن العيوب مع أن اللفظ لا دلالة عليها لأنه متناول لها و للمعية قال بعض الأفاضل الفرق بين النقضين أن الثاني لأصل الدليل و الأول لمقدمته‏

قوله مثل أن يقول في كفارة الظهار لا تعتق المكاتب لا تعتق المكاتب الكافر إلخ‏

(3) قال (رحمه الله)ه في حاشية المشهور هنا التمثيل بلا تعتق لا تعتق مكاتبا كافرا و ليس على ما ينبغي لأنه من تخصيص العام لا من تخصيص المطلق أقول عدوله عن المثال المشهور إلى المثال المذكور و التقييد بعدم قصد الاستغراق ليصير المثال من تقييد المطلق و يحصل التخلص عما أورده العضدي على المشهور من أنه من تخصيص العام لا من تقييد المطلق بناء على أن النكرة في سياق النفي يفيد العموم فيتوجه على ما أورده سلطان المحققين أولا من أنه على هذا التقدير يصير مفاد مطلق لا تعتق مكاتبا من المكاتبين على سبيل البدل أو الإجمال من غير قصد إلى الاستغراق و العموم فيكفي في المطلق المنفي‏

189

لامتثاله عدم عتق فرد واحد من المكاتبين فقط و يحتمل حينئذ أن قوله لا تعتق مكاتبا كافرا بيانا لهذا الفرد المنفي فمن أين يحصل الحكم بعدم إجزاء إعتاق المكاتب أصلا كما قالوا في حكم هذه المسألة سيّما مع اعتبار مفهوم الصفة في قولنا لا تعتق المكاتب الكافر فإنه يدلّ على صحّة غير الكافر فظهر ممّا ذكرنا أن حكم المسألة لو لم يكن من تخصيص العام فمحل التأمّل و النظر لو لا الإجماع و ثانيا من أن الفرار من كون اللام للاستغراق كأنه لجعل المثال من تقييد المطلق و إخراجه من العموم و لا يخفى أن اللام هنا داخلة على المنفي فعلى تقدير كونها للاستغراق لا يصير النفي عاما و لا يفيد الكلام عموم النفي بل نفي العموم و يكون تحققه و صدقه بنفي فرد ما من الأفراد فلا وجه لنفي الاستغراق أقول يمكن أن يتكلف و يدفع الأول بأن الاحتمال المذكور احتمال لا يصار إليه لوقوع الإجماع على خلافه كما صرح به و لأن حمل نفي المقيد على نفي المطلق يوجب جواز العمل بهما إذ يجوز حينئذ العمل بنفي المقيد كما يجوز العمل بنفي فرد آخر للمطلق بخلاف العكس فإنه لا يجوز حينئذ إلا العمل بنفي المقيد فإن قلت هذا يجري في الإثبات الظاهر و هم صرحوا بخلافه حيث حملوا المطلق على المقيد قلت لو لم يكن في الإثبات إجماع على ما صاروا إليه لكان حكمه حكم النفي أيضا أ لا ترى أن المطلق و المقيد بمنزلة العام و الخاص و قد صرحوا بأنهما إذا كانا مثبتين وجب العمل بهما فكان ينبغي أن يكون حكم المطلق و المقيد إذا كانا مثبتين كذلك إلا أن الإجماع صار فارقا بينهما ثم إن حكم هذه المسألة و اللازم من العمل بنفي المطلق على سبيل البدل هو عدم إجزاء إعتاق المكاتب عموما على سبيل البدل هو عدم إجزاء إعتاق المكاتب عموما على سبيل البدل لأن النهي عن الأشياء على سبيل البدل يوجب عدم الإجزاء كذلك و هذا هو المراد بقوله فلا يجزي إعتاق المكاتب أصلا أي لا كافرا و لا غيره على سبيل البدل و لا ريب في صحة هذا التفريع حينئذ كيف لا و هو مثل المثال المعدول إليه في أنه يفيد نفي العموم و أمّا مفهوم الصفة فعلى تقدير حجيته إنما يعمل به عند عدم معارضته بما هو أقوى و هنا قد عارضه الإجماع و يمكن دفع الثاني بأن استغراق اللام يمكن اعتباره بوجهين أحدهما اعتباره قبل ورود النفي و هو حينئذ قيد في الكلام و النفي يعود إليه فيفيد الكلام نفي العموم و ثانيهما اعتباره بعد وروده فالنفي حينئذ قيد فيه و الاستغراق يعود إليه فيفيد عموم النفي و لذا قالوا النفي في الكلام المقيد يرجع تارة إلى المقيد و تارة إلى المقيد و أخرى إلى المجموع و لما لم يكن المثال المعدول إليه من باب‏

190

تقييد المطلق إلا باعتبار الأول تعرض المصنف إلى نفي إرادة اعتبار الثاني بقوله حيث لم يقصد الاستغراق أي لم يقصد استغراق النفي و عمومه إذ المثال على تقدير قصده من تخصيص العموم لا من تخصيص تقييد المطلق فإن قلت ما ذكرت من الوجهين يجري في المثال المشهور أيضا فما الفائدة في العدول عنه قلت اعتبار الأول لا يجري في المثال المشهور لأن استغراق الزكاة الواقعة في سياق النفي لا يتصور حصول قبل ورود النفي فالمثال المشهور نص في التخصيص بخلاف المعدول إليه‏

قوله لعدم المقتضي إلى آخر

(1) لأن العمل بالمطلق لا يوجب طرح المقيد و لأنه لو قال أوجب عليكم في كفارة القتل رقبة مؤمنة و في الظهار رقبة مطلقا أي رقبة كانت لم يكن أحدهما مناقضا للآخر فلا يكون تقييد أحدهما مقتضيا لتقييد الآخر

قوله و ذهب كثير ممن خالفنا إلخ‏

(2) نقل عن أكثر الشافعية أن المطلق في هذا القسم يحمل على المقيد إن اقتضى القياس تقييده بأن وجد علة القيد مشتركة بينهما كزيادة القربة في المثال المذكور مثلا و ذلك لأن القياس دليل شرعي فلو حملنا عليه لكنّا عاملين بالمطلق و المقيد و القياس و لو لم يحمل لزم ترك أحدهما مع زيادة و هي ترك القياس أيضا و الأصل عدم الترك فضلا عن الزيادة و إن لم يقتض القياس تقييده لا تقييد المطلق لعدم دليل يقتضيه كالصوم في كفارة الظهار و كفارة اليمين فإنه لما ورد في أحدهما التتابع دون الآخر و لم يوجد علة التقييد مشتركة بينهما حمل كل واحد منهما على ما ورد و هو باطل لأنه لا يلزم من عدم الحمل ترك أحدهما لظهور أن كل واحد منهما معمول به في بابه على ما ورد غاية ما في الباب أنه لزم عدم العمل بالقياس و نحن نلتزمه‏

قوله و ربما نقل‏

(3) نقل عن شذوذ من الشافعية أنه يحمل المطلق على المقيد مطلقا سواء تحقق بينهما جامع أو لا لأن كلام اللّه تعالى واحد بعضه يفسر بعضا و هو باطل أيضا لأنه إن أراد به كلامه الأزلي فمع عدم ثبوته يرد أولا لأن الكلام ليس فيه و ثانيا أنه تختلف تعلقاته باختلاف المتعلقات فلا يلزم من تعلقه بأحد المختلفين بنحو الإطلاق تعلقه بالآخر كذلك و إلا لزم أن يكون أمره و نهيه بأحد المختلفات أمرا و نهيا بالجميع و إن أراد به العبارة الدالة عليه فلا خفاء في تكثرها و اختلافها فإن فيها العام و الخاص و الظاهر و المؤول و المجمل و المبين و غيرها فلم لا يجوز فيها الإطلاق و التقييد على أنه قد اعترف ثبوتها في بعض الصور

[أصل في المجمل‏]

قوله المجمل هو ما لم يتضح دلالته‏

(4) المراد بحسب قرينة المقام حيث إن الكلام في الموضوعات بل في‏

191

المستعملات هو أن المجمل ما له دلالة و هي غير واضحة فلا يصدق الحد على المهمل و إن كان المفهوم من هذه العبارة أعم منه لأن انتفاء اتضاح الدلالة أعم من أن يكون لانتفاء الدلالة أو لانتفاء الاتضاح ثم الدلالة أعم من أن يكون لفظية أو عقلية حقيقية أو مجازية لأن الإجمال قد يكون في الفعل و دلالته عقلية و في المجاز حيث تعدد المجازات مع عدم قرينة معيّنة لأحدها و مع تعذر إرادة الحقيقة سواء كان معنى الحقيقي مفهوما كليا مشتركا بين تلك المجازات كالكل إذا أريد واحد من أفراده بعينه من غير قرينة معينة له مع تحقق الصارف عن الحقيقة أو لا كما في سائر المجازات لا يقال الحدّ يصدق على لفظ يراد به معناه المجازي مع عدم صارف عن الحقيقة إذ دلالته على المراد غير واضحة و قد صرحوا بأنه ليس بمجمل فلا يكون الحدّ مانعا لأنا نقول المذكور في الحد هو عدم اتضاح الدلالة على المراد و هذا اللفظ دلالته واضحة و إن لم يكن على المراد فلا يصدق الحد عليه على أنّه لو كان المراد نفي إيضاح الدلالة على المراد لقلنا دلالة هذا اللفظ على المراد واضحة إذ المراد أعم من أن يكون مرادا بحسب الواقع أو بحسب قانون الاستعمال و قانون استعمال اللفظ في المعنى بلا نصب قرينة صارفة عن الحقيقة يقتضي أن يكون المراد هو الحقيقة دون المجاز فيصدق على هذا اللفظ أن دلالته واضحة على ما هو مراد بحسب القانون و إن لم يكن مرادا بحسب الواقع هذا عند من قال بأنه ليس بمجمل و أما من قال بأنه مجمل فلا حاجة له إلى هذه التكلفات‏

قوله على وجه وقوعه إلخ‏

(1) كما إذا صلى النبي (صلى اللَّه عليه و آله) صلاة و لم يظهر وجهها من الوجوب و الندب و كما إذا قام من الركعة الثانية من غير تشهد فإنه محتمل للجواز و السهو

قوله و أما اللفظ المركب‏

(2) الإجمال في اللفظ إما من حيث إنه مركب من الغير أي من الأجزاء أو من حيث إنه مركب مع الغير أي من الأجزاء أو من حيث إنه مركب مع الغير أو لا بشي‏ء من الحيثيتين الغالب هو الإجمال في المفرد كالمشترك فإنه لا خفاء في إجماله بعد الاستعمال و إن لم يعتبر تركيب و هو الإجمال في المركب من حيث إنه مركب كما في قوله تعالى و إن طلقتموهنّ من قبل أن تمسوهنّ و قد فرضتم لهنّ فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فإنه لا إجمال في العفو و لا في اليد و لا في النكاح بل في مجموع الذي بيده عقدة النكاح من حيث هو بين الزوج فيرجع كل المهر إلى الزوجة و بين‏

192

ولي الزوجة فيعود كله إلى الزوج و الثاني هو الإجمال في مرجع الضمير و في المخصوص بمجهول فإنه لا يتصور الإجمال فيهما بدون اعتبار تركيبهما مع المرجع و المجهول في الإجمال فيهما في المفرد لكن بشرط انضمامها مع الغير و لذا جعلهما من أقسام الإجمال في المركب و مثله الإجمال في المجازات المتساوية مع تعذر الحقيقة لأن الإجمال فيها لا يتصور بدون ملاحظة التركيب إذ لا يمكن الحكم بتعذر الحقيقة بدونه و إنّما اعتبرنا تساوي المجازات لأنه إذا كان أحدها راجحا دل اللفظ عليه دلالة ظاهرة و ذلك الرجحان يكون إما لأن البعض أقرب إلى الحقيقة كما في العام المخصّص فإن كل الباقي أقرب إلى الحقيقة من بعضه أو لأنه أظهر عرفا كقوله تعالى حرمت عليكم الميتة أي كلها فإن تقديره أظهر من تقدير البيع أو شرب الألبان أو نحوهما أو لنحو ذلك‏

قوله كالمخصوص بمجهول‏

(1) سواء كان التخصيص بمتّصل كما ذكره أو بمنفصل كقولك هذا العام مخصوص‏

قوله فلا إجمال‏

(2) لأن دلالته واضحة و إن لم يكن على المعنى المراد هنا و قد مر تحقيقه‏

قوله إلى الأشاجع‏

(3) الأشاجع جمع الأشجع بفتح الهمزة أو كسرها و هو أصل الإصبع الذي يتّصل بعصب ظاهر الكف‏

قوله و إلى الزند

(4) الزند موصل طرف الذراع في الكف‏

قوله و ليس يجري‏

(5) توضيح لكون اليد مشتركا لفظيا بين كل العضو و كل جزء مذكور منه إذ لو اختصه بالكل لما كان بينهما و بين الإنسان المختص بالكل تفاوت في عدم الإطلاق على الأبعاض و اللازم باطل‏

قوله قطع يده‏

(6) قد يجاب بأن القطع هنا بمعنى الإبانة و التجوز إنما وقع في اليد لأن المراد بها بذلك البعض المبان‏

قوله موقوف على ضميمة القرينة

(7) و القرينة على الإطلاقات المذكورة هي الغاية

قوله فإن ذلك بمجرده لا يقتضي الإجمال‏

(8) يعني أن بمجرد كون استعمال اليد في الأبعاض متعارفا من غير إثبات أن ذلك الاستعمال حقيقة لا يقتضي الإجمال فيها

قوله مطلقا

(9) أي عد جماعة من المجمل مطلقا نحو القول المذكور سواء كان الفعل المنفي شرعيا أو لا و سواء كان لغويا و حكمه واحد أو لا

قوله لنا أنه إن ثبت كونه حقيقة شرعية

(10) يعني إن ثبت كون لفظ الصلاة و الصوم و النكاح حقيقة شرعية في الصحيح منها دون الفاسد كان معناه لا صلاة صحيحة و الصوم صحيحا و لا نكاح صحيحا إلا بكذا و كان دالا على أن الفاتحة جزء و التبييت و الولاية شرط التحقق الحقيقة الشرعية و نفي المسمى و هو الحقيقة الشرعية حينئذ ممكن باعتبار انتفاء الجزء أو الشرط و قد أخبر الشارع به فتعين للإرادة

193

لأن الأصل أن يحمل كلام الشارع على الحقيقة بلا مانع و لا إجمال و لا يجوز حمله على نفي الصحة لأنه ينافي الغرض المذكور و هو كون هذه الألفاظ حقيقة شرعية في الصحيح‏

قوله متعينا أيضا

(1) أي كان نفي الحقيقة العرفية يعني نفي الفائدة متعينا أيضا كما نفى أن الحقيقة الشرعية متعينا في الفرض المذكور لوجوب حمل الكلام على الأمر المتعارف‏

قوله و لو فرض انتفاؤه أيضا

(2) أي لو فرض انتفاء العرفية و الشرعية كليهما و كان نفي الحقيقة غير مقصود لتحققها فلا بد من إضمار ليضاف النفي إليه حذرا من إهمال اللفظ و كل واحد من نفي الصحة و نفي الكمال يصلح لذلك و لكن الأول أقرب إلى نفي الحقيقة لمشاركتها في عدم الجدوى رأسا و في عدم جميع الصفات بخلاف نفي الكمال فإنه ليس بهذه المثابة فكان أبعد و ارتكاب أقرب المجازين إلى الحقيقة أولى من ارتكاب أبعدهما فلا إجمال و اعترض بأن المجاز تابع للدلالة على الحقيقة فإذا انتفت انتفى المجاز أيضا لوجوب انتفاء الفرع عند انتفاء الأصل الجواب أن المنفي هو الإرادة دون الدلالة و الفرق بينهما ظاهر

قوله لا يقال‏

(3) هذا إثبات اللغة بالترجيح أي هذا المذكور من إثبات أولويته بعض الاحتمالات و الحكم بأن اللفظ مستعمل فيه إثبات اللغة بالترجيح الذي هو بيان الأولوية و هو باطل لأنكم منعتموه في اللغويات و قلتم طريقها النقل فقط

قوله و ليس هو منه‏

(4) أي ليس هذا الذي ذكرنا من إثبات اللغة بالترجيح إذ ما قلنا هكذا اللفظ موضوع لكذا لأجل الأولوية بل قلنا أحد المجازات مرجح على غيره بكثرة تعارفه لقربه إلى الحقيقة دون ذلك الغير و هذا جائز بالاتفاق لكونه قاعدة ممهدة عند جميع أرباب الأصول قال قطب المحققين لا ينبغي أن يحمل التعارف على تعارف الشرع أو اللغة إذ التقدير انتفاء العرفين بل ينبغي أن يحمل على عرف الأصوليين و أورد عليه بعض الأفاضل أن ذلك الكلام يأباه التأمل فإن كلام الشارع لا يرد على ما هو مصطلح قوم نشئوا بعده بل الجواب أن المراد تعارف الاستعمال المجازي لمثل هذا الكلام و هو لا ينافي انتفاء العرفين‏

قوله و لذلك يقال‏

(5) هو كالعدم يريد أن يبين وجه المشابهة التي بين العلاقة المصحّحة للمجاز ليظهر أن ذلك ليس من باب إثبات اللغة بالترجيح بل من باب المجازات المعتبرة عند إطلاق أهل اللغة

قوله احتج الأولون‏

(6) بأن عرف المتشرعة في مثله ممّا نفى فيه العقل صريحا مختلف فيفهم منه‏

194

نفي الصحة تارة أي لا صلاة صحيحة و يفهم منه نفي الكمال أخرى أي لا صلاة كاملة إلا بكذا فكان اللفظ متساويان فيهما متردد بينهما و لزم الإجمال و الجواب أن اختلاف عرفهم و فهمهم ممنوع و لو سلم فإنما هو باعتبار اختلافهم في أنه هل هو ظاهر في الصحة أو في الكمال فذهب طائفة إلى الأول و ذهب طائفة إلى الثاني فعلى هذا صاحب كل مذهب يحمله على ما هو الظاهر عنده و لا يتردد فهو ظاهر عندهما لا مجمل إلا أنه ظاهر عند كل طائفة في شي‏ء

قوله و لو نزلنا إلى تسليم التردد بينهما فكونه على السواء ممنوع‏

(1) فيه نظر لأن تسليم التردد مستلزم لتسليم المساواة إذ لا تردد مع رجحان أحدهما فمنع المساواة بعده من قبيل منع اللازم مع تسليم الملزوم و هو غير معقول اللّهم إلا أن يكون عدم التردد مستندا بأن كل واحدة من الطائفتين لا تجوز حمل اللفظ على ما ذهب إليه الأخرى أصلا فتسليمه حينئذ باعتبار تجويز كل منهما حمله على ما ذهب إليه الأخرى في الجملة فحينئذ يتوجه منع مساواتهما إلا أن هذا مع كونه تكلفا ينافي قوله ظاهر في الصحة أو في الكمال و المناسب حينئذ أن يقول نصّ بدل ظاهر

قوله و الجواب ظاهر ممّا قدمناه‏

(2) أي في الجواب عن حجة الأولين تقريره أنا لا نسلم أن له حكمين عند الجميع بل له حكم عند كل طائفة فلا إجمال عندهما و لو سلّم فكون الاحتمالين متساويين ممنوع بل نفي الأجزاء أقرب إلى الحقيقة لأن الفعل الذي ليس بصحيح أقرب إلى المعدوم من الفعل الصحيح الذي ليس بكمال و حمل اللفظ على أقرب المجازات أولى‏

قوله في التحريم المضاف‏

(3) إلى الأعيان و كذا في التحليل المضاف إليها نحو أحلت لكم بهيمة الأنعام و إنا أحللنا لك و لأزواجك إلى غير ذلك و كذا في الوجوب و الندب المضافين إليها

قوله إنما هو تحريم الفعل المقصود من ذلك‏

(4) إن كان المقصود صفة للفعل فذلك إلى التحريم المذكور من الأعيان و إن كان صفة لتحريم الفعل فذلك إشارة إلى التحريم المضاف إلى الأعيان و لا يخفى أن المقصود من العين قد يكون أفعالا كثيرة فإما أن يقدر واحد لا بعينه بناء على أن ما يقدر للضرورة يقدر بقدرها و يلزم الإجمال و تخصيص كلام المصنف بما عدا هذه الصورة و إمّا أن يقدر الجميع حذرا عن الترجيح بلا مرجح كما قالوا في لام الحقيقة في المقام الخطابي فلا إجمال و الأصح الثاني لئلا يلزم فوات المقصود و يمكن حمل كلام المصنف على هذا أيضا بأن يريد بالفعل المقصود أعم من الواحد و الاكتفاء بمثال الواحد اقتصارا على أقل مراتب العدد

قوله فإذا قيل حرم عليكم إلى آخره‏

(5) نشر لما لفّ أوّلا على سبيل التفصيل و ذلك في قوله فهم‏

195

ذلك لف بعد النشر لذلك اللف المفصل على سبيل الإجمال و هذا النوع من اللف و هو أن يذكر متعدد على التفصيل ثم يذكر ما لكل و يؤتى بعده بذكر ذلك المتعدد على الإجمال فيقع النشر بين لفين أحدهما مفصل و الآخر مجمل لطيف مسلك غريب منهجه كما تقول ضربت زيدا و أعطيت عمرا و خرجت من بلد كذا للتأديب و الإكرام و مخافة الشر فعلت ذلك أي ذلك المذكور من الضرب و الإعطاء و الخروج‏

قوله فهم ذلك سابقا إلى الفهم عرفا

(1) إشارة إلى أن مثل ذلك و إن كان مجازا في اللغة حقيقة في العرف حتى أنهم يفهمون هذا المعنى من غير تقدير الفعل في نظم الكلام و لو نزلنا عن كونه حقيقة عرفية لوجب حمل اللفظ عليه أيضا لأنه راجح على غيره من المجازات‏

قوله و لا يمكن إضمار الجميع‏

(2) تفصيله إما أنه يقدر جميع ما يمكن تعلقه بالعين من الأفعال و التصرفات أو لا يقدر شي‏ء منهما أو يقدر بعض معين أو غير معين و الثلاثة الأول باطلة فتعين الرابع و هو الإجمال أما بطلان الأول فلأنه إفراط و تجاوز عن الحد لأن ما يقدر لضرورة تصحح اللفظ يقدر بقدرها و أما بطلان الثاني فلأنه يلزم إهمال اللفظ و هو غير مناسب لكلام الحكيم هذا إذا لم يرد تعلق التحريم بالفعل أصلا و أما إذا أريد تعلقه به لكن لا باعتبار تقديره في نظم الكلام بل باعتبار أنه أطلق العين عليه من باب إطلاق المحل على الحال كما ذهب إليه بعض الحنفية فيعود الكلام حينئذ إلى هذا الإطلاق و يجري فيه الاحتمالات الأربعة المذكورة و الكل باطل غير الأخير و أما الثالث فلعدم دليل على خصوصية شي‏ء منها فيلزم الترجيح بلا مرجح و لقائل أن يقول كما أن ما في الأول محذور التجاوز عن قدر الضرورة كذلك في الرابع محذور الإجمال فلا وجه لترجيح الرابع على الأول لا يقال إضمار البعض لا يقتضي إلى تعليل دلالة اللفظ مطلقا لإمكان معرفة تعيين مدلوله بدليل آخر و أما محذور إضمار الجميع فلازم مطلقا و التزام المحذور الدائم أقبح من التزام المحذور الذي لا يدوم لأنا نقول ذلك معارض بأن إضمار الجميع أولى من إضمار البعض لأن الإضمار في اللغة أكثر من الإجمال كما صرّح به الآمدي و اعلم أن النزاع إنما هو فيما إذا كان الفعل الصالح للتقدير متعددا و أما إذا كان واحدا كما في قوله تعالى و اسئل القرية فلا إجمال اتفاقا كما صرح به الفاضل التستري‏

[أصل في المبين‏]

قوله و ينقسم كالمجمل‏

(3) أي ينقسم المبين بالكسر كالمجمل إلى أقسام المذكورة

196

و عود الضمير إلى المبين بالفتح ينافي الأمثلة المذكورة لتلك الأقسام قال بعض المحققين تشبيه المبين بالكسر بالمجمل غير ملائم و الملائم هو تشبيه المبين بالفتح به و أيضا البيان بالمفرد لم يذكره أحد من الأصوليين أقول أنت تعلم أن غير ملائم غير ملائم إذ المتغايران إذا اشتركا في أمر صح تشبيه أحدهما بالآخر و أن البيان بالمفرد و إن لم يذكره صريحا مندرج في البيان بالقول الذي ذكروه لأن القول أعم من أن يكون مفردا أو مركبا على أن ذلك احتمال عقلي إذ يجوز أن يكون المفرد مختصا بأحد معنى المشترك فيبين ذلك المشترك بذلك المفرد و لا فساد فيه‏

قوله على الأصح‏

(1) و هو الأصح لأن مشاهدة أفعاله (عليه السلام) من الصلاة و الحج و غيرهما أدل على معرفة تفاصيلها من الأخبار عنها بالقول و لهذا يقال ليس الخبر كالمعاينة و إذا كان الفعل أدل كان البيان به أولى و لأنه واقع فهو جائز أما الوقوع فلما سيجي‏ء من بيان الصلاة و الحج بالفعل‏

قوله و لبعض الناس خلاف في الفعل ضعيف‏

(2) قال الفعل أطول من القول فلو بيّن به لزم تأخير البيان مع إمكان تعجيله و هو باطل و الجواب لا نسلم أن الفعل أطول من القول بل قد يعكس كما ترى في فعل الركعتين و بيان ما فيهما بالقول من الأفعال و الأذكار و التروك و الشرائط فإن ما يقع فيه الثاني من الزمان أكثر مما يقع فيه الأول بكثير و لئن سلم فلا نسلم لزوم تأخير البيان إما لأن التأخير إنما يتحقق إذا لم يشرع عقيب الإمكان و هذا قد شرع فيه و إنما الفعل هو الّذي يستدعي زمانا و مثله لا يسمى تأخيرا و أما التأخير إنما يلزم لو لم يكن كل جزء من أجزاء الفعل يصلح أن يكون بيانا لكل جزء من أجزاء المجمل و أما إذا صلح فلا لأن ما يكون متأخرا من الأجزاء يكون الشروع في بيان الجزء الآخر من الفعل و لئن سلم فالتأخير بلا غرض لا يجوز و أما معه كما فيما نحن فيه و هو سلوك أقوى الطريقين فهو جائز على أن تأخير البيان إنما يمتنع عن وقت الحاجة و هذا لم يتأخر عنه فيجوز

قوله في أظهر الوجهين‏

(3) قال و الوجه الآخر أنها ليست بيانا للأولى و إنما هي ابتداء تكليف حيث تعنتوا و سألوا و قد بالغ السيّد المرتضى رضي اللّه عنه في الاحتجاج على أنها بيان و أطال القول في ذلك في الذريعة

قوله كقوله صلّوا كما رأيتموني أصلي إلخ‏

(4) إن قلت بم عرفتم أن البيان هو فعله (عليه السلام) دون هذين القولين كما ذهب إليه بعضهم قلت عرفنا ذلك بأنهما لم يشتملا على تعريف شي‏ء من الصلاة و الحج على أنهما

197

يحتاجان إلى البيان لتحقق الإجمال فيهما و لم يقع بعدهما قول بينهما فبيانهما إنما هو بالفعل و بذلك أيضا يتم المطلوب‏

قوله لا خلاف بين أهل العدل في عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة

(1) وجهه وراء الإجماع أن التأخير عن وقت الحاجة تكليف بما لا يطاق إذ هو في ذلك الوقت مكلف بالإتيان بالمراد مع أنه غير عالم به و هو محال‏

قوله و العموم لو كان باقيا على أصل اللغة إلخ‏

(2) قد عرفت في المطلب الثالث أن السيّد ذهب إلى أنه ليس في اللغة صيغة تدل على العموم وحده بحيث لو كان أطلقت على غيره كانت مجازا بل كل ما يدعى فيه العموم من الألفاظ فهو عندها مشترك في اللغة بينه و بين الخصوص لكنه نقل في عرف الشرع إلى العموم إذا عرفت هذا فنقول مقصوده هنا أن ما يدعى فيه العموم لو كان باقيا على أصل اللغة في أن ما هو ظاهر أي عند طائفة أو في الشرع أو في بادي الرأي محتمل كاحتمال الخصوص لكونه مشتركا بينهما جاز تأخير بيانه لأنه في حكم المجمل و إذا انتقل في عرف الشرع إلى وجوب الاستغراق فلا يجوز تأخير بيانه و محصله أن لفظ العام لو كان مستعملا في اللغة جاز التأخير و لو كان مستعملا في الشرع لم يجز

قوله بعد إنعام النظر

(3) من أنعم فيه إذا زاد و بالغ و المراد هنا إعطاء النظر حقه‏

قوله إن الإجماع من الكل واقع‏

(4) قال (رحمه الله)ه نقل الإجماع كذلك أيضا من العامة الغزالي في المستفصى و ادعى وجوب تأخير الناسخ فضلا عن حسنه‏

قوله مع ما فيه من البعد إلخ‏

(5) يعني يرد على العلامة في الحكم بوجوب اقتران بيان المنسوخ أمور الأول أنه مستبعد الثاني أنه مخالف لما هو معروف بينهم من اشتراط تأخيره و العدول عن المعروف إلى المستبعد مستبعد الثالث أنه مخالف لحكم نفسه أيضا لأنه جعل تأخير بيان المنسوخ شرطا لتحقق النسخ فهذا الحكم إمّا غفلة منه أو عدول عن اشتراط التأخير و كلاهما بعيد

قوله و أما ما يوهمه ظاهر عبارة السيد

(6) دفع لما يمكن أن يقال إن المخالفة بين العلامة و السيّد في أمرين آخرين من غير جهة النسخ فلا يصح قولك و لا يكاد يظهر إلخ تقرير الدفع أن كلام السيّد في الاحتجاج مشعر بالموافقة في كلا الوجهين يعني أنه يصح أيضا عمم المنع لكل ما له ظاهر و اكتفى بالبيان الإجمالي‏

قوله هو القول الأول‏

(7) و هو جواز تأخير البيان إجمالا و تفصيلا في المجمل و الظاهر إلى وقت الحاجة

قوله كعزم المكلف و توطين النفس إلخ‏

(8) أورد عليه الغزالي بأن مثل هذا يتصور في خطاب العربي بالزنجي مع أنكم لا تجوزونه بيان ذلك أن المخاطب و إن لم يفهم شيئا

198

يعلم أن خطاب الحكيم لا يكون عبثا فيستعد و يوطن نفسه كما ذكرت فلا فرق بين الأمرين قال السيّد (رحمه الله)ه في الذريعة و لقائل أن يفرق بينهما بأن المخاطب بالمجمل يفصل بين أنواع الخطاب و ضروبه و إنما يلتبس عليه تفصيل ما تعلق الأمر به بخلاف الخطاب الزنجية فإنه لا يفصل المخاطب بين كونه أمرا أو نهيا أو خبرا أو استفهاما أو عرضا أو تمنّيا أو شتما أو قذفا أو مدحا أو ذما فاندفع مظنة الاستعداد و التوطين‏

قوله و أيضا فتأخير العلم إلخ‏

(1) فيه شي‏ء و هو أنّ الخصم إنما يجعل العلم بالفعل ذاتا و صفة و شرطا لصحة التكليف و هو متحقق في صورة تأخير الإقدار و اعتباره لا يوجب اعتبار الإقدار إلا إذا كان اعتباره لأجل حصول القدرة عليه حين الخطاب و ليس كذلك‏

قوله لفظ موضوع لحقيقة

(2) أراد بها الحقيقة الشرعية لأن لفظ العام عنده حقيقة في العموم شرعا لا لغة

قوله لأن المخاطب بالمجمل لا يريد به إلا ما هو حقيقة فيه‏

(3) هذا ظاهر في نحو المشترك و أما في المتواطي فلا إلا أن يقال هو مستعمل معناه في الأصلي و الخصوصية مستفادة من القرينة

قوله الثاني أن جواز التأخير

(4) يعني أن جواز التأخير يقتضي أن يكون المتكلم قد دلّ على شي‏ء بلفظ لا يصح قصد ذلك الشي‏ء بذلك اللفظ لأن لفظ العموم مع تجرده عن قرينة الخصوص يقتضي الاستغراق فإذا خاطب به مجردا عنها فإن دلّ به على الخصوص فقد دل به على ما لا يفيده و هو غير صحيح و إن دل به على العموم فقد دل به على ما لا يريده و هو أيضا غير صحيح‏

قوله فإن قيل إنما يستقر إلخ‏

(5) توضيحه أن المتكلم لم يدل بالعام المجرد قبل وقت العمل على العموم و لا على الخصوص بل دل عليهما في وقت الحاجة لأنه إن ذكر فيه البيان فقد دل على الخصوص و إن لم يذكر فقد دل على العموم فلا يرد شي‏ء من المحذورين‏

قوله قلنا إلخ‏

(6) توضيحه أن حضور زمان الحاجة ليس بمؤثر في دلالة اللفظ على معناه بالضرورة فإن دل اللفظ على العموم فيه عند تجرده عن البيان فإنما يدلّ بشي‏ء يرجع إليه يعني الوضع و هو متحقق قبل وقت الحاجة فالمحذور باق بحاله‏

قوله على أن وقت الحاجة إنما يعتبر إلخ‏

(7) جواب آخر عن السؤال المذكور تقريره لو صح استقرار الدلالة عند وقت الحاجة لصحّ فيما له وقت الحاجة من الخطاب التكليفي و أما غيره من الأخبار التي ليست لها وقت الحاجة لزم جواز التأخير دائما و هذا يؤدي إلى سقوط الاستفادة من الكلام ثم إذا تم الدليل الثاني في هذا القسم بطل جواز التأخير مطلقا

199

لعدم القائل بالفصل و الجواب أن الحصر ممنوع لأن الأخبار أيضا وقت الحاجة و هو زمان صدور الخطاب لأن المخاطب حينئذ محتاج إلى فهم مدلوله و الحاصل أن الغرض من الأخبار هو الإفهام فقط و من التكليف هو العمل فكما أن وقت العمل وقت الحاجة كذلك وقت إلقاء الخبر فالأخبار خارج عن محل النزاع لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة اتفاقا و أورد بعض المحققين على قوله و هذا يؤدي إلى سقوط الاستفادة من الكلام بأنه إن أراد سقوط الاستفادة من الكلام دائما فممنوع إذ ربّما تحصل الإفادة و تستقر في مستقبل الأوقات كما في وقت الحاجة في التكليفات و إن أراد سقوطها من الكلام إلى ذلك الوقت فلا فرق بين التكليفات و الأخبار في هذا الزمان فإن جاز جاز في كليهما و إلا فلا أقول يمكن أن يقال نحن نختار الأول و نقول إذا لم يمكن للأخبار وقت الحاجة فأي وقت فرض من الأوقات المستقبلة يجوز التأخير فيه فيلزم سقوط الفائدة دائما و حصول الإفادة و البيان في بعض الأوقات و في بعض الأخبار اتفاقا من غير وجوب لا ينافيه و إنما ينافيه لو كان المراد سقوط الاستفادة في جميع الأخبار

قوله الثالث أن الخطاب إلخ‏

(1) الفرق بين الأدلة الثلاثة بعد اشتراكها في أن المقصود إثبات إبطال نقيضه أن مناط الأول أنه يقبح من الحكيم حمل اللفظ على المجاز بلا قرينة و مناط الثاني أنه لا يلزم أن يدل المتكلم على شي‏ء بوجه غير صحيح و مناط الثالث أنه يلزم أن لا يكون العام مفيدا للمخاطب مطلقا سواء كان أريد منه الخاص أو العام لأن تجويز التبيين و التخصيص يخرجه عن الإفادة و هذه المفاسد إنّما نشأت من تجويز تأخير البيان إذ مع عدمه يحمل العام على عمومه عند عدم اقترانه به و لا يرد شي‏ء منها

قوله و لا يستفيد في هذه الحالة شيئا

(2) أي لا خصوصا لعدم البيان و لا عموما لتجويز أن يكون مخصوصا و يتبين له في الاستقبال قال بعض المحققين لا يخفى ورود هذا في المجمل مع أنه قائل بجوازه فيه و كان مراده الإلزام مع أنكم تقولون باستفادة العموم من ألفاظ العموم قبل ورود المبين أقول فيه أولا أن هذا و مآل ما سيذكره المصنف من الجواب عن هذا الدليل واحد و ثانيا أن الخصم لا يقول باستفادة العموم قبل وقت الحاجة بل العموم و الخصوص عنده متساويان حينئذ لأنه يجعل وقت الحاجة بمنزلة آخر الخطاب في وجوب التوقف إلى أوان إدراكه كما سيصرّح به المصنف فلا يتم الإلزام‏

قوله على أقبح الوجوه‏

(3) إما لأنهم قالوا بالوقف مع اعترافهم ببطلانه بخلاف أصحاب الوقف فإنهم يقولون‏

200

به و يدعون صحته و إما لأن قولهم بالوقف مناف لما ذهبوا إليه من أن لفظ العموم مستغرق بظاهره و الجواب عن الأول أن الوقف الذي قالوا به هو الوقف قبل وقت الحاجة و الوقف الذي اعترفوا ببطلانه هو الوقف بعده فلا يلزمهم القول بما اعترفوا ببطلانه و عن الثاني أنهم يقولون أن لفظ العموم مستغرق بظاهره في وقت الحاجة عند عدم المخصص لا قبله فلا منافاة

قوله و تقريره أن من شرط المنسوخ إلخ‏

(1) يعني من شرط المنسوخ أن لا يقترن به ما يدل على الغاية و إلا لعدّ موقتا لا منسوخا و هو حينئذ ظاهر في الدوام و بعد ورود الناسخ يعلم أن المراد خلاف ذلك الظاهر فقد استعمل اللفظ في خلاف ظاهره من غير بيان فما هو جوابكم فهو جوابنا

قوله فرارا عن هذا المحذور

(2) و هو و إن فرّ عن محذور النقض بجعل المنسوخ من قبيل ما نحن فيه في وجوب اقتران البيان به لكن يرد عليه محذور آخر و هو أن هذا مناف لما جعله في باب النسخ شرطا لتحققه من وجوب تأخير بيانه و هل هذا إلا تهافت‏

قوله ادعى الإجماع على خلاف هذه المقالة

(3) يعني أن السّيد ادعى الإجماع على أنه لا يجب اقتران بيان النسخ به و جعل جواز تأخير بيانه نقضا على المانع من تأخير بيان المجمل و قد غفل أن مثل هذا النقض يتوجه على مذهبه من منع تأخير بيان الظاهر أيضا كما ستعرفه‏

قوله و أراد بذلك غاية معينة

(4) فيه نظر لأن هذا الكلام صريح في أن الحكم في المنسوخ مقيد بغاية في حال الخطاب فيرد عليه أن الحكم بخلاف ذلك الحكم فيما بعد تلك الغاية لا يكون نسخا له بل هو تخصيص و هذا مذهب من أنكر النسخ كأبي مسلم الأصفهاني اللّهم إلاّ أن يقال المغيا في علم اللّه ليس مثل المغيا في اللفظ و الأصحاب يجعلون الأول نسخا و الثاني تخصيصا و أبو مسلم لا يفرق بينهما و يجعل الجميع تخصيصا كما صرح به صاحب النقود و فيه بعد شي‏ء يظهر بالرجوع إلى ما ذكرناه آنفا

قوله فإن قالوا لا حاجة إلخ‏

(5) يعني أن المكلّف به في المنسوخ معلوم بنفس الخطاب ذاتا و صفة و المجهول إنما هو غيره و هو ما يمكن أن يقع بعد غاية النسخ فلبيان مدة النسخ بيان لما لا يجب فعله فلا حاجة إليه في وقت الخطاب بخلاف المجمل فإن المكلّف به غير معلوم بنفس الخطاب ذاتا و صفة فبيانه بيان لما يجب فعله و تعيين لصفاته فلا يجوز تركه حين الخطاب‏

قوله لأنكم توجبون إلخ‏

(6) يعني أنكم تعقدون في إيجاب البيان على أمر يرجع إلى نفس الخطاب و هو حسن الحاصل من البيان لأن خطاب الحسن ما علم فوائده أو قبحه الناشئ من عدمه لأن الخطاب الغير المقيد قبيح و لا تعتمدون فيه على أمر