منية الطالب في حاشية المكاسب‌ - ج1

- الميرزا محمد حسين الغروي النائيني المزيد...
415 /
51

دون البيع بالفعل فإنّه يستلزم فيه جواز التصرف الملك آنا ما لا وجه له فإنّ الإجماع في البيع بالصّيغة أيضا لا يقتضي الملك إلّا آنا ما فعلى هذا إما لا يقتضي البيع بالصّيغة الملك من أوّل الأمر و إمّا لا فرق بينه و بين البيع بالفعل‌

ثم يرد عليه أنّه لو لم نقل بدلالة الآيتين على حصول الملكيّة بل على جواز التصرّفات فكما يمكن الالتزام بالملك آنا ما كذلك يمكن تخصيص الأدلّة الدالّة على عدم جواز البيع و الوطي و العتق في غير الملك و بعبارة أخرى الالتزام بالملك آنا ما بلا موجب لأنه يمكن أن يكون الآيتان مخصّصتين لقواعد أخرى و رابعا الإشكال في السيرة في المقام موجب لهدم أساس السيرة أصلا و رأسا‌

ثم إنّ ثبوت السيرة على التّوريث يكشف عن حصول الملك بالتّعاطي من أوّل الأمر فإنّه لا موجب لتقدير الملك آنا ما للمورّث حتّى يرثه الوارث ثم إنه قد يستدلّ على حصول الملكيّة بالمعاطاة بعموم النّاس مسلّطون على أموالهم بتقريب أنّ من أنحاء السلطنة المالك تبديل ماله بمال غيره بالفعل‌

و لكنّه لا يخفى أن عموم أنحاء السّلطنة إنّما هو باعتبار أفراد السّلطنة الّتي ثبتت للمالك كالهبة و البيع و القرض و الإجارة فلو شكّ أن نوعا آخر من أنحاء السّلطنة كالصّلح من أفراد هذا العموم فيتمسّك بعموم هذه الرواية لصحته و نفوذه و أما لو علم بتسلّط المالك على بيع ماله و لكنّه شك أن الموجد له هو الفعل أيضا أو ينحصر بالقول فليس العموم ناظرا إليه‌

و بعبارة أخرى لا يمكن التمسك بهذا العموم للمقام و لا لما شكّ فيه من شروط الصّيغة مثل كفاية الفارسيّة و نحوها هذا كله بناء على حصول الملك بالمعاطاة و أمّا بناء على القول بالإباحة فهل يمكن التمسّك له بقوله النّاس مسلّطون على أموالهم و البحث فيه يقع من جهتين الأولى في التمسّك به لسلطنة المالك على إباحة ماله لغيره بالإباحة المطلقة حتى المتوقّفة على الملك كالبيع و نحوه الثّانية لتسلّطه على إباحة ماله بالعوض المسمّى‌

أمّا الجهة الأولى فسيجي‌ء في ذيل البحث عن كلام المصنف في التّنبيه الرّابع مفصّلا و أمّا الثانية فإنّا و إن اخترنا في الدّورة السّابقة إمكان إدراج هذا النّوع من الإباحة في عنوان الصّلح إلّا أن الأقوى أنّ الإباحة بالعوض المسمّى ليست من أنحاء سلطنة المالك رأسا لأنّ كون المسمّى عوضا يتوقف على تضمين معامليّ و هو يتوقّف على أن يكون ضامن المسمّى مالكا لمال طرفه لا كونه مباحا له‌

و بالجملة مالكيّة المبيح للمسمّى مع عدم مالكيّة المباح له لما أبيح له لا يجتمعان بناء على ما تقدم من أن حقيقة المعاوضة تقتضي تبديل أحد طرفي الإضافة بمثله في الملكيّة أو تبديل نفس الإضافة و على أيّ حال لا بدّ أن يكون كل واحد من الطّرفين من سنخ الآخر و سيجي‌ء أيضا توضيح ذلك‌

نعم يصحّ التمسّك لصحة ذلك بالسيرة القائمة على الإباحة بالعوض المسمّى كما هو المعمول في إجارة الدّور و الدّكاكين فإنّ المسافر يستأجر الدار من المالك ليلة بمقدار ثم يبنيان على أنّ كل ما بقي المستأجر يعطي الأجرة بذلك المقدار فبناء عليه نفس هذه الإباحة بالمسمّى من إحدى المعاوضات المتعارفة و يكفي في إمضائها قوله عزّ من قائل تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ فتأمل‌

قوله (قدّس سرّه) هذا مع أنّ ما ذكر من أنّ للفقيه التزام حدوث الملك عند التصرّف المتوقّف عليه لا يليق بالمتفقه فضلا عن الفقيه و لذا ذكر بعض الأساطين إلى آخره

لا يخفى أنّ كلام المصنف في هذا الباب لا يخلو عن تناقض و اضطراب فإنّه قبل هذا الكلام صرّح بأن للفقيه الالتزام بإباحة جميع التصرّفات مع التزامه بحصول الملك آنا ما‌

52

لا من أوّل الأمر و في المقام يقول إنّه لا يليق بالمتفقه فضلا عن الفقيه لما ذكره من التوالي الفاسدة تبعا لكاشف الغطاء (قدّس سرّه) و بعد ذلك يمنع عن فساد التوالي و يصحّح ذلك‌

و كيف كان فالمهم بيان ما أورده الشّيخ الكبير على القول بالإباحة في مورد قصد المتعاطيين التّمليك و تخيّله أنّ ما ينسب إلى المشهور من إفادة المعاطاة الإباحة في صورة قصد التّمليك مستلزم لقواعد جديدة منها تخلّف العقد عن القصد و بالعكس أي ما وقع لم يقصد و ما قصد لم يقع فإنّ الإباحة غير مقصودة لهما فكيف تقع و التّمليك مقصود لهما فكيف لا يقع‌

و قد تقدم منّا جواب هذا الإشكال مفصّلا و هو و إن لم يكن مرضيّا عندنا إلّا أنّه يرفع الإشكال فإنّ القائل بالإباحة لا يلتزم بأنّ الفعل مصداق لعنوان البيع فقصد هذا العنوان و إيجاد ما ليس مصداقا له كقصد الزارع من الزّرع صيرورته حنطة و تخلّفه من قبيل تخلّف الدّاعي و أمّا وقوع الإباحة مع عدم قصدها فلما عرفت من أنّه لا يعتبر في ترتّب الأمور المترتّبة على الأفعال قهرا قصدها بل يكفي قصد نفس الفعل في صدق كونها صادرة عنه اختيارا‌

و أما ما أجاب به المصنف (قدّس سرّه) حلّا و نقضا فلا يفي بدفع الإشكال و لا يستقيم أمّا جوابه الحلي من أن تبعيّة العقود للقصود و بالعكس إنّما هي في العقود اللّفظيّة و أمّا المعاطاة فعند القائل بالإباحة المجرّدة ليست عقدا و لا قائما مقامه و مقتضى ذلك و إن كان فسادها إلّا أنّه لا مانع من أن يحكم الشّارع بترتّب الإباحة عليها تعبّدا و بالجملة تبعيّة العقد للقصد إنّما هو لأجل دليل صحّة ذلك العقد بمعنى ترتّب الأثر المقصود عليه فلا يعقل الحكم بالصحة مع عدم ترتّب المقصود عليه و أمّا المعاطاة فلم يدلّ دليل على صحّتها حتى لا يتخلف العقد عن القصد‌

ففيه أنّ تبعية العقد للقصد و بالعكس في كلمات العلماء لا تختصّ بالعقد الذي هو من أفراد قوله عزّ من قائل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بل تجري في جميع المنشئات و ليست هذه القاعدة حكما تعبديّا حتّى تختصّ بمورد دون آخر بل حكم فطريّ ارتكازي منشؤه أنّ الموجد الاعتباري إنّما يوجد بآلة إيجاده إذا صدر عن قصد فتحقّق غير ما قصد لا يعقل في طريقة العقلاء و ليس حكم الشّارع في باب العقود إلّا إمضاء ما هو طريقتهم فحكم الشّارع بترتب غير ما قصد لم يقم عليه دليل خاص تعبّدي‌

و أما جوابه النقضي من أن تخلّف العقد عن القصد في المقام نظير تخلّفه في الموارد الخمسة و هي عدم ترتّب الضمان بالمسمّى على العقد الفاسد بل ترتّب الضمان الواقعيّ عليه مع أنّ قصد المتعاقدين هو المسمّى و عدم تقييد الشّرط الفاسد العقد مع أنّهما لم يقصدا المعاملة إلّا مقرونة به و عدم اعتبار انضمام ما لا يملك إلى ما يملك مع أنّهما قصداهما منضما و عدم تأثير قصد البائع الغاصب البيع لنفسه و ترتّب غير ما قصد و هو وقوعه للمالك مع إجازته و عدم تأثير قصد الانقطاع و ترتّب غير ما قصد عليه و هو الدّوام‌

ففيه من الغرابة ما لا يخفى أمّا الأوّل فلأنّ موضوع البحث هو العقود الصّحيحة لا الفاسدة فعدم ترتّب الضّمان بالمسمّى في العقد الفاسد لا يفيد في إثبات جواز تخلّف العقد عن القصد فلا يقال إنّهما أقدما على الضّمان بالمسمّى و لم يترتّب عليه و لم يقدما على الضمان بالمثل أو القيمة فكيف يترتبان عليه لأنّه لا أثر لإقدامهما على المسمّى إذا كان ملغى عند الشّارع لاختلال شروط العقد و سيجي‌ء في قاعدة ما يضمن أن منشأ الضّمان بالمثل أو القيمة إنّما هو قاعدة اليد لا الإقدام على الضّمان حتى يقال إنّهما أقدما على الضّمان بالمسمّى لا الضّمان الواقعي‌

و ما يظهر‌

53

من الشيخ و المسالك من كون منشأ الضّمان هو الإقدام فسيجي‌ء أن تمسّكهما بقاعدة الإقدام إنّما هو لإثبات عدم تحقّق الرافع للضّمان و هو الإقدام على المجّانيّة فحاصل كلامهما أنّ منشأ الضّمان في العقد الفاسد هو قاعدة اليد مع عدم قصد التبرع‌

و أمّا الثّاني فلأن الشرط الفاسد لو كان غير موجب للأثر حتّى الخيار لكان النّقض واردا و صحّ أن يقال إنّهما لم يقصدا المعاملة إلّا مقرونة به فكيف تصحّ مع عدم اقترانها به و أمّا بناء على المختار من صحّتها مع الخيار فلا يرد النقض أصلا لأنّ منشأ صحّة المعاملة عدم كونها مقيّدا بحيث ينتفي القصد بانتفاء القيد و أمّا الخيار فالالتزام العقدي حيث إنّه مرتبط بالالتزام الشّرطيّ فتخلّفه يوجب الخيار‌

و بالجملة لو قيل إنّ الشّرط موجب لكون المنشإ أمرا خاصا فمقتضاه أن فساده يوجب فساد العقد و أمّا لو كان هناك التزام في التزام أي التزام مرتبط بالتزام آخر ففساد أحدهما لا يوجب إلّا الخيار و على أيّ حال القائل بالصحّة إمّا مع الخيار أو بدونه لا يلتزم بأنّ القصد الخاص منشأ للعقد المشروط حتّى يرد النّقض عليه بأنّه تخلّف العقد عن القصد‌

نعم لو التزم بأنه ليس في العقد المشروط إلّا التزام واحد و قصد خاص و مع ذلك لا يقتضي تخلّفه فساد العقد لكان النّقض واردا و هذا مما لم يقل به أحد و كيف كان الأمر المختلف فيه لا يناسب جعله موردا للنّقض‌

و أمّا الثّالث فلأنّ صحّة بيع ما يملك و فساد ما لا يملك سواء كان المراد منه ما لا يقبل التملّك كالخمر و الخنزير أو كان ملك الغير إنّما هو الانحلال العقد إلى عقدين أحدهما صحيح و الآخر إمّا فاسد أو موقوف على الإجازة و لا وجه لنقضه بالمقام لأنّ في كل من الجزءين لم يتخلّف العقد عن القصد و إنّما صحّ أحدهما لكونه واجدا للشّرائط دون الآخر لكونه فاقدا لها و مجرّد انضمام ما لا يملك إلى ما يملك لا يستلزم الاتّحاد و ذلك واضح‌

و أمّا الرّابع فلأنّ قصد الغاصب البيع لنفسه إنّما هو لبنائه على كونه مالكا فبعد هذا البناء يوقع البيع بين ملك المالكين فعدم وقوعه له لا يقتضي إلّا تخلّف الاعتقاد المقارن لقصد إنشاء التبديل بين الملكين و بتعبير آخر الرّكن في المعاوضات هو العوضين دون العاقدين و ليس البيع كالنّكاح في وجوب تعيين الزّوجين فكون المالك هو البائع أو غيره لا دخل له في صحّة المعاوضة و قصد وقوعه لنفسه ليس إلّا لجعل نفسه مالكا و تخلّف هذا البناء لا يستلزم تخلّف العقد عن القصد‌

و أمّا الخامس فمع كون المسألة خلافيّة لا يفيد انقلاب الانقطاع دائما لإثبات تخلف العقد عن القصد لأنّه يمكن أن يقال إنّ النّكاح حقيقة واحدة فقصد الانقطاع ليس إلّا قصد هذه الحقيقة مع خصوصيّة زائدة يتوقّف حصولها على ذكر الأجل فإذا نسي ذكره يقع أصل الحقيقة التي لا يتوقّف على مئونة زائدة غير إيجادها بما هو آلة لإيجادها‌

و نظير ذلك ما إذا كان بناء المتعاقدين البيع مع شرط خاصّ و نسيا ذكر الشّرط فوقوع البيع و عدم وقوع الشّرط لا يوجب تخلّف العقد عن القصد‌

قوله (قدّس سرّه) و منها أن يكون إرادة التصرّف من المملكات فيملك العين أو المنفعة بإرادة التصرّف بها أو معه دفعة إلى آخره

حاصل إشكاله (قدّس سرّه) أنّه لازم القول بالإباحة المطلقة أحد الأمرين أمّا الالتزام بأن إرادة التصرّف من أسباب حصول الملك مع أن حصوله بأسباب مخصوصة ليست لإرادة منها و أمّا الالتزام بأن نفس التصرّف مملك و هذا مع أنّه ليس من الأسباب المملّكة مستلزم لإشكالات أخر‌

54

تجري في تصرّف ذي الخيار و الواهب فيما انتقل عنهما كاجتماع العلّة و المعلول في رتبة واحدة فإنّ الانتقال إلى المشتري مترتّب على الملك و الملك مترتب على التصرّف فبالتصرّف يحصل الملك و الانتقال و كالدّور فإنّ صحّة البيع تتوقّف على الملكيّة و الملكيّة يتوقف حصولها على البيع و نظير هذين الإشكالين يأتي في التكليفيّات أيضا مثلا الوطي في غير الملك محرّم و به تتحقّق الملكيّة و الحلية المترتّبة عليها في رتبة واحدة‌

و أجاب عنه المصنف (قدّس سرّه) بأنّه لا بأس بالتزام كون إرادة التصرّف مملّكا إذا كان ذلك مقتضى الجمع بين الأصل و دليل جواز التصرّف و أدلّة توقّف بعض التصرّفات على الملك و نحن نقول أوّلا ليس فيما ينقل عن الشيخ الكبير (قدّس سرّه) كون إرادة التصرّف من المملكات بل أنّه جعل محطّ الإشكال كون نفس التصرّف مملّكا و إنّما جعل المحقّق الثّاني الإرادة من المملّكات دفعا للإشكالات الواردة على تصرف ذي الخيار فينبغي أن يجاب على طبق إشكاله و ثانيا الجمع بين الأدلّة لا يقتضي كون الإرادة من المملّكات إلّا في بعض الصّور‌

و توضيح ذلك أنّ التصرّف أحد المتعاطيين فيما أبيح له و كذا تصرّف من له الخيار و الواهب فيما انتقل عنهما إمّا تصرف متلف أو ناقل أو ما يتوقّف على الحلية كالوطي أمّا المتلف ففي المقام لا يتوقّف على جعل الإرادة من المملّكات و لا على تقدير الملك آنا ما لأنّ إتلاف المباح له مال المبيح لا يتوقّف على كونه ملكا له بل هو كأكل الضّيف و الغاصب غاية الفرق أنّ الضيف ليس ضامنا و في المقام المتلف ضامن للمسمى و الغاصب ضامن للمثل أو القيمة‌

نعم لو قلنا أنّ الضّامن بالمسمّى لا يصحّ إلّا إذا كان الضّامن مالكا للعوضين فلا بدّ من الالتزام بالملك له آنا ما قبل التّلف لأنّ المالك التّالف لا يمكن أن تتعلّق به الملكيّة حين التّلف فعلى هذا الفرض أيضا لا يقتضي الجمع بين الأدلّة جعل الإرادة من المملّكات بل حكم المقام حكم إتلاف ذي الخيار و الواهب ما انتقل عنهما في أنّ مقتضى جواز الإتلاف منهما شرعا و انفساخ العقد به هو رجوع التّالف إلى ملك المتلف آنا ما و وقوع التّلف في ملكه‌

و أمّا الناقلة كالبيع و نحوه فإن قلنا إنّ الأدلّة الدالّة على عدم نفوذها إلّا في الملك تقتضي اعتبار وقوع سبب النّقل أيضا في الملك فلا بدّ من الالتزام بكون إرادة التصرّف من المملّكات لأنّ العقد لا يمكن أن يقع في الملك إلّا إذا كان أراد البيع من المملّكات و لا يمكن هنا دفع الإشكال بتقدير الملك آنا ما لأنّ التقدير الّذي هو عبارة عن رجوع الملك عن ملك مالكه و دخوله في ملك النّاقل و خروجه عن ملكه إنّما يتحقّق بنفس النّقل لأنّ الملك آنا ما ممّا تقتضيه نفس المعاملة أي خروج المعوّض عن ملك من يدخل في ملكه العوض يقتضي التقدير آنا ما لا غيره فقول ذي الخيار و الواهب و المباح له بعت يقتضي أمرين دخول الملك في ملك البائع و خروجه عن ملكه‌

و بعبارة أخرى معنى الملك آنا ما أي الملك الغير المستقيم و الاعوجاجي و هو يحصل بنفس التصرّف النّقلي لا قبل ذلك فإذا التزمنا بأنه لا بدّ من وقوع نفس قول بعت في الملك فلا بدّ أن يكون إرادة البيع من المملّكات و أما لو قلنا إن الأدلّة لا تقتضي إلّا وقوع المنشإ في الملك لا السّبب النّاقل كما هو الحقّ لأنّ قوله ع لا بيع إلّا في ملك ظاهر في نفس المسبّب فلا يلزم الالتزام بجعل إرادة التصرّف من المملّكات بل يحصل بنفس قوله بعت أمران أحدهما دخول الملك في ملك البائع و هو يحصل بنفس الإنشاء من حيث إنّه فعل من أفعال البائع و ثانيهما خروجه عن ملكه إلى ملك المشتري و هو يحصل من الأثر الحاصل من الإنشاء‌

55

و بعبارة أخرى الفسخ في تصرّف ذي الخيار مثلا عبارة عن حلّ التبديل و هو يحصل بنفس السبب أي يتملّك الفاسخ بنفس الفعل الإصداري و لذا يتملّك بالعقد الفاسد أيضا و يتملّك المشتري بالأثر الحاصل منه أي باسم المصدر فلا يلزم دور و لا كون العلّة و المعلول في رتبة واحدة لأنّ العلّة في رتبة الإنشاء و المعلول في رتبة المنشأ ففي رتبة الإنشاء يدخل الملك في ملك البائع و يخرج عن ملكه في رتبة المنشإ و سيجي‌ء توضيح ذلك في محلّه‌

و أمّا الوطي فأصل الإشكال فيه غير وارد لأنّ الوطي لا يتوقف على ملك الرقبة فمع فرض جوازه شرعا فهو يملك الوطي و لو لم يكن مالكا للرقبة كمورد التّحليل و ما أفاده المحقّق القمي في جامع الشّتات من أنّ إباحة الوطي له مع عدم كونه مالكا للرقبة يقتضي وقوع العوض في مقابل الوطي و هو مستلزم لحليّة إجارة البضع‌

ففيه أنّ العوض في باب المعاطاة لم يجعل مقابلا للوطي بل عوض المسمّى مقابل لإباحة المالك التصرّفات و إباحته يقتضي جواز الوطي و ما يقال من أن سبب الوطي منحصر بالملك أو التّحليل أو الزّوجيّة ففيه بعد قيام السيرة على نفوذ جميع التصرّفات حتى الوطي و بعد قيام الدّليل على عدم إفادة الفعل التّمليك فلازم هذين الأمرين أنّ مجوّز الوطي ليس منحصرا بالتّحليل و ملك الرقبة و الزّوجية بل من أسبابه إباحة المالك له التصرّف بالعوض بالتّعاطي و لو كان هناك كلام فلا بدّ من المناقشة في أصل إفادة المعاطاة الإباحة أو أصل جواز كل تصرف حتى الوطي و أمّا بعد تسليم الأمرين فلا يرد محذور أصلا لأنّ جواز المسبّب وضعا كالوطي مستلزم لحليّته شرعا‌

قوله (قدّس سرّه) منها أنّ الأخماس و الزّكوات و الاستطاعة و الديون و النفقات و حق المقاسمة و الشّفعة و المواريث و الربا و الوصايا تتعلّق بما في اليد مع العلم ببقاء مقابله إلى آخره

حاصل إشكاله (قدّس سرّه) أنّ في هذه الموارد العشرة و هكذا بالنّسبة إلى صفة الغنى و الفقر يلزم بناء على إفادة المعاطاة الإباحة تأسيس فقه جديد أي الالتزام في مورد المعاطاة بأمور مخالفة للقواعد المسلّمة في غير مورد المعاطاة‌

فإنّه كيف يتعلّق الخمس و الزكاة بما في يد أحد المتعاطيين مع أنّه ليس مالكا و كيف يجب عليه الحجّ و كيف يتعلّق حق الديان به و كيف يجب عليه الإنفاق على من يجب عليه و كيف يجوز إلزام شريكه بالقسمة و كيف يجوز له الأخذ بالشّفعة و كيف يرث منه وارثه و كيف يجري الربا فيه أي إذا اشترى بجنس ما في يده مع الزيادة و كيف يحرم عليه مع أنّ الرّبا لا يجري في غير المعاوضات الموجبة التبديل أحد طرفي الإضافة في الملك و كيف يلاحظ ثلث مال الميّت بالنّسبة إلى ما في يده مع أنّه ليس مالكا له و كيف يكون غنيّا لا يجوز له أخذ الزكاة أو الخمس مع أنه فقير لا مال له‌

هذا و المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) في حاشيته على الكتاب حمل بعض إشكالات الشيخ الكبير (قدّس سرّه) على غير ما بيّناه فإنّه في مقام الجواب قال ففيه أنه لا محذور في كثير منها كالاستطاعة و أداء الدين و النفقة إلخ فتوهّم أنّ الشيخ استشكل بأنه كيف يجوز أداء الدّين من هذا المال الّذي ليس مالكا له و هكذا كيف يجوز له الإنفاق منه مع أنّ اتحاد السّياق يقتضي أن يكون إشكاله في تعلّق حقّ الديان و تعلّق وجوب الإنفاق به لا في جواز إعطاء الدين في مقام الوفاء منه‌

و كيف كان فقد أجاب المصنف عنه بما لا يخلو عن اضطراب و إشكال أمّا الاضطراب فلأنّ قوله و أمّا ما ذكره من تعلّق الأخماس و الزّكاة إلى آخره فهو استبعاد محض و دفعها بمخالفتها للسيرة رجوع إليها يحتمل معنيين‌

أحدهما أنّه لا نلتزم بتعلّق هذه الأمور بما في يد أحد المتعاطيين مع بقاء مقابله‌

56

في يد الآخر وجدانا أو تعبّدا و دعوى أنّ عدم التعلّق مخالف للسيرة فإنّها قائمة على التعلّق ففيه أنّه بناء على هذا لا يستلزم التعلّق مخالفة القاعدة فإنّ السيرة دليل عليه‌

و ثانيهما نلتزم بتعلّقها به مع عدم كونه مالكا و دفع تعلّقها بمخالفته للسيرة لأنّها قائمة على أنّ ما ليس ملكا لا يتعلّق به هذا الأمور رجوع إلى السيرة و كلام الشّيخ الكبير ناظر إلى مخالفته للقواعد لا مخالفته للسيرة و أمّا الإشكال فلأنّ الجواب على كلا الاحتمالين لا يستقيم‌

أمّا على الأوّل فلأن مجرّد كون السيرة دليلا على التعلّق لا يرفع الإشكال لأنّ أصل الإشكال هو أنّه لا يمكن أن يكون في المعاطاة و غيرها فرق فجوابه بأنّ في المعاطاة قامت السيرة بتعلّق هذه الأمور بما لا يكون ملكا لا يستقيم لأنّ حاصل إشكاله أنّه لو قيل بتعلّق هذه الأمور بما ليس ملكا فلا بدّ من الالتزام به مطلقا و لو قيل بعدم تعلّقها به فيقال بأنّ السيرة قائمة على التعلق فلا مناص عن الالتزام بإفادة التعاطي الملك حتى لا يكون فرق بين موارد الأملاك‌

و أمّا على الثّاني فلأنّه إقرار بالإشكال لأنه التزام بتعلّق هذه الأمور بما لا يكون ملكا و هذا فقه جديد و نحن نقول لا يرد الإشكال إلّا في ثلاثة موارد و هي تعلّق الخمس و الزكاة و حقّ الشفعة بما لا يكون ملكا فإنّ الظّاهر من أدلّتها اعتبار الملكيّة و يظهر من صاحب الكفاية أنّه لا يعتبر في تعلّق حقّ الشفعة بما بيع بالمعاطاة أن تكون مفيدة للملكيّة لأنّ الشفعة تتعلّق ببيع أحد الشريكين شقصه سواء باعه على نحو يفيد الملكيّة أو لا فالشّريك الّذي يملك الشقص الآخر له الأخذ بما أباحه شريكه لغيره بالعوض المسمّى و لا يخفى صحّة ما أفاده بناء على أن يكون نظر الشّيخ الكبير إلى هذه الصورة‌

و أما لو كان دار مشتركة بين من كان نصفها ملكا له و من كان نصفها مباحا له فباع مالك النّصف من غير شريكه فهل يمكن الالتزام بأنّ للشريك الّذي كان نصفها مباحا له الأخذ بالشّفعة فتأمل و أمّا الموارد الباقية فتعلّقها بما في يد أحد المتعاطيين لا يكشف عن الملكيّة بل يمكن أن يكون مباحا و مع هذا تتعلّق به‌

أمّا الاستطاعة فلحصولها ببذل الزّاد و الرّاحلة أيضا و أما الغنى المانع عن استحقاق الزكاة فلعدم توقّفه على الملك و لذا لا يجوز أخذ الزكاة للأقارب إذا كان من يجب عليه الإنفاق عليهم مليّا و أمّا تعلّق حقّ الديان به فلأنّه و إن لم يكن من بيده مالكا إلّا أنّه لكونه مالكا لأن يملك باسترداد العوض أو بالتصرّف فيما عنده فللغريم إلزامه بأحدهما و أمّا تعلّق حقّ الإنفاق به فلأنّ وجوب الإنفاق يدور مدار الغنى و هو حاصل بكون ما في يد المنفق مباحا له‌

و أمّا حقّ التّقسيم فلعدم اختصاص وجوب الإفراز على الشّريك في الشي‌ء المشاع بين الشّخصين بأن يكون كل منهما مالكا له بل حيث إنّ المباح له له التصرّف فيما أبيح له بأيّ نحو من أنحاء التصرّف فله إلزام شريكه بإفراز حقّه الموجب لصيرورته ملكا له‌

و أمّا مسألة الإرث فلا يبعد أن يقال إنّ الموت موجب للزوم كموت الواهب و اللّزوم هنا مساوق للملكيّة بناء على أنّ الإباحة اللّازمة غير متصوّرة هذا مع أنّ الإرث لا يتوقّف على الملك لأنّ كلّ ما تركه الميّت من حقّ أو ملك يرثه الوارث‌

و أمّا مسألة الرّبا فلا تختصّ حرمته بالبيع الموجب للملك بل يجري حتّى في الضمان بالمثل و القيمة فضلا عن الضّمان بالمسمّى و أمّا مسألة الوصيّة فلو كان المراد من الاستبعاد أنّه كيف يكون ما ليس ملكا مخرجا للثلث ففيه أنّه لو قلنا بأنّ المال المباح يصير ملكا بموت المباح له فلا إشكال لأنّ الثلث يخرج ممّا يملكه حين الموت‌

نعم لو قلنا بعدم صيرورته‌

57

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

58

وجهه ممّا قررنا في جواب الاستبعاد و منها أنّ التصرف إن جعلناه من النّواقل القهريّة إلى آخره و فيه أنّ هذا يرجع إلى الإشكال الثاني و تقدم الجواب عنه و منها أن النماء الحادث قبل التصرّف إن جعلنا حدوثه مملّكا له دون العين فبعيد أو معها فكذلك و كلاهما مناف لظاهر الأكثر و شمول الإذن له خفيّ‌

و حاصل إشكاله أن النماء المتّصل حكمه حكم العين و أمّا المنفصل فحيث إنّ تسليط المبيح للمباح له على ماله لا يشمل النماء المنفصل فيدور الأمر بين أن يقال بعدم جواز تصرف المباح له فيه لعدم كونه ملكا له و لا مباحا أو يقال نفس حدوث النماء في يد المباح له يقتضي أن يكون ملكا له و كلاهما ممّا لا يمكن الالتزام به أمّا الأوّل فلأنه خلاف السّيرة و أمّا الثاني فلأنّه بلا موجب و قد أجاب عنه المصنف بأن القائل بالإباحة لا يقول بانتقال النماء إلى الآخذ بل حكمه حكم أصله و يحتمل أن يحدث النّماء في ملكه بمجرّد الإباحة و فيه ما لا يخفى بعد ما ظهر أنّ استبعاده إنّما هو في النماء المنفصل فاختيار الاحتمال الأوّل و هو عدم انتقال النماء بل إباحته لا يصحّ لأنّ إباحته فرع شمول الإذن له و الشّيخ الكبير أنكر ذلك و قال شمول الإذن له خفيّ‌

و أمّا الاحتمال الثّاني فهو عين الاستبعاد الّذي ذكره و هو أنّه كيف يحصل للمباح له ملك النماء بمجرد حدوثه مع أنه ليس من أسباب الملك فالحقّ أن يقال إنّ مقتضى قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله) الخراج بالضّمان أن يكون النماء ملكا له بناء على ما سيجي‌ء في معنى الخبر و إجماله أنّ الضّمان في النّبوي ليس بمعنى الاسم المصدري بأن يكون معناه من كان ضامنا لشي‌ء سواء كان منشأ الضمان هو الغصب أو غيره فمنفعته له لأن هذا المعنى هو الّذي أفتى به أبو حنيفة و قال الإمام (عليه السّلام) من مثل هذا الفتوى يمنع السّماء قطرها و الأرض بركاتها بل معناه هو الضّمان المصدري و هو التعهّد المعاملي الّذي أمضاه الشّارع‌

و حاصله أن كلّ من تعهّد ضمان شي‌ء بالتّضمين المعاملي فمنافعه له و هذا من غير فرق بين أن يكون التّضمين على نحو يفيد الإباحة أو التّمليك فإنّ مقتضى إطلاقه كون منافعه للضّامن و معنى كون الشخص ضامنا لما يتملّكه أو لما أبيح له هو أنّه لو تلف يكون دركه عليه و يكون عوضه المسمّى ملكا للطرف الآخر و هكذا لو طرأ عليه فسخ أو انفساخ حين كونه تالفا يضمن مثله أو قيمته على ما يقتضيه المعاملة و هذا هو معنى الضّمان في قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده‌

و بالجملة مقتضى الضّمان المعارضي أن تكون المنافع ملكا للضّامن فالالتزام بأنّ النماء الحادث قبل التصرف ملك المباح له دون العين لا بعد فيه و هذا المعنى في النّبوي و إن كان منافيا لقاعدة تبعيّة النّماء للعين و لكنّه لا يخفى جهة تقديمه عليها و إن كان بينهما عموم من وجه‌

أما أوّلا فلأنّ هذه القاعدة ليست مدلولا لنصّ بل حكم لبي مدركه الإجماع أو العقل و ليس لها إطلاق بحيث يقاوم النّبوي‌

و أمّا ثانيا فلأنّ النّبوي بمنزلة الحكم المعلّل لأنّه متعرّض لمنشإ ملكيّة النّماء فإنّ الباء في قوله ص بالضّمان بمعنى المقابلة فإذا كان المنافع بإزاء الضّمان فيكون النّبوي حاكما عليها لأنّ الحكم المعلّل نصّ في مورد الاجتماع فيكون قاعدة تبعيّة النماء للعين ناظرة إلى اقتضائها بحسب طبعها الأصلي و أمّا إذا اقتضت معاملة انفكاك النماء عن العين في الملك فلا تنافي بينها و بين الملازمة في الملكيّة بحسب الطّبع الأصلي‌

قوله (قدّس سرّه) فالقول الثّاني لا يخلو عن قوّة و عليه فهل هي لازمة مطلقا إلى آخره

قد تقدم وجه قوّة القول الثاني و هو أنّ الفعل بنفسه مصداق للعنوان الّذي يقصد به فإذا قصد به التّمليك يترتب عليه لو كان‌

59

واجدا للشّرائط ما عدا القول و عليه فهل هي لازمة ابتداء مطلقا كما عن المفيد أو بشرط أن يقع قبل الفعل مقاولة من المتعاطيين أو جائزة مطلقا وجوه اختار المصنف (قدّس سرّه) الأوّل بدعوى أصالة اللّزوم في الملك فإنّ الملك بعد حصوله بالتّعاطي لو شكّ في زواله بفسخ أحدهما فمقتضى الاستصحاب بقاؤه و لا يرد على هذا الأصل إلّا أمران‌

أحدهما معارضة هذا الأصل باستصحاب بقاء عقلة المالك الأوّل فإذا تعارضا فاستصحاب بقاء العلقة حاكم على استصحاب بقاء الملك لأنّ منشأ الشكّ في اللّزوم و الجواز ارتفاع علقة المالك و بقاؤها فإذا استصحبت فيرتفع الشكّ في المسبب‌

و ثانيهما أنّ الثابت هو الملك المشترك بين المستقرّ و المتزلزل و بعد رجوع أحدهما يرتفع لو كان متزلزلا و كونه مستقرا مشكوك الحدوث و الأصل عدم حدوثه و لا يخفى اندفاع كلّ منهما أما الأول فللشكّ في ثبوت علاقة أخرى للمالك غير العقلة المالكيّة‌

و بعبارة أخرى الإضافة الّتي كانت بين المالك و الملك ارتفعت قطعا بنقله إلى غيره و لم يكن هناك إضافة أخرى حتى تستصحب ليكون حاكما على أصالة اللّزوم فالشكّ هنا في حدوث علاقة للمالك الأصلي بالفسخ لا في بقائها‌

و بعبارة ثالثة العقد الخياري يوجب بسبب الخيار أن يحدث علاقة لذي الخيار فهو مالك لأن يملك لا أنّ العلاقة الأولى باقية له و أمّا الثّاني ففيه أوّلا على فرض الاختلاف في حقيقة الملك و أنّ الملك اللازم مباين للجائز فلا مانع من إجراء الاستصحاب في المقام و لو كان المستصحب مردّدا بين مقطوع الارتفاع و مشكوك الحدوث لأن تردد المستصحب بين الأمرين صار منشأ للشكّ في كون الحادث باقيا أو مرتفعا‌

و ما يتوهّم من عدم جريان الاستصحاب في هذه القسم الّذي جعله المصنف (قدّس سرّه) في أصوله قسما ثانيا من استصحاب الكلّي بالتقريب الّذي بيّنه (قدّس سرّه) فيه و اختاره السيد الطّباطبائي في حاشيته على المتن مندفع جدّا لأنّ حاصل الإشكال أحد الأمرين‌

أحدهما أنّ الشكّ في بقاء القدر المشترك مسبّب عن الشكّ في حدوث ذلك المشكوك الّذي لو كان هو الحادث لكان القدر المشترك باقيا فإذا حكم بأصالة عدم حدوثه فيلزم ارتفاع القدر المشترك‌

و ثانيهما أنّ وجود الكلّي بوجود فرده و عدمه بعدمه فالكلّي لو كان في ضمن الحصّة الزّائلة فهو مقطوع الزّوال و كونه في ضمن الحصّة الأخرى مشكوك من أوّل الأمر و كلاهما مندفعان أمّا الأوّل فلأنّ الشكّ في بقاء الكلّي و ارتفاعه ليس مسبّبا عن الشكّ في حدوث ذلك المشكوك الحدوث بل من لوازم كون الحادث ذلك الفرد الّذي ارتفع يقينا أو الّذي بقي يقينا و لا أصل يعين أنّ الحادث ما هو مثلا لو شكّ في أنّ الحادث هو المني أو البول فبعد الوضوء إذا شكّ في بقاء الحدث لا يترتّب على أصالة عدم حدوث المني ارتفاع الحدث إلّا بضميمة القطع بارتفاع الحدث في ضمن البول هذا مضافا إلى معارضته بأصالة عدم حدوث البول‌

و بالجملة العدم المحمولي لا يترتّب عليه الأثر في المقام و العدم النّعتي ليس له حالة سابقة فجريان أصالة عدم تحقق الحدث الأكبر غير مفيد و أصالة عدم كون هذا الحادث من الحدث الأكبر غير جار‌

هذا مضافا إلى أن مجرّد السببيّة و المسببية لا يفيد في رفع الشكّ عن المسبب إلّا إذا كان الترتّب شرعيا كترتّب انغسال الثوب على طهارة الماء لا في مثل المقام و مسألة الحدث فإنّ الشّارع لم يترتّب ارتفاع الملك على عدم حدوث الملك اللّازم و لا ارتفاع الحدث على عدم حدوث المني‌

و أمّا الثّاني فلأنّ الكلّي عين الفرد لا أنّه منتزع عنه فوجود الكلّي إذا كان يقينيا فتردّده منشأ للشك في بقائه و توضيح‌

60

دفع الإيرادين موكول إلى الأصول و قد دفعناهما بما لا مزيد عليه في تنبيهات الاستصحاب فراجع و أمّا ثانيا فلأنّه لا اختلاف في حقيقة الملك و ليس الجائز مغايرا للّازم في الماهيّة و إنّما الاختلاف بينهما في السّبب المملّك و هو حكم الشّارع في أحدهما بجواز الرد و في الآخر بعدمه‌

و توضيح ذلك أن منشأ الاختلاف إمّا اختلاف إنشاء المنشئ أو جعل الشّارع أمّا الأوّل فواضح إن العاقد ينشئ معنى واحدا في البيع الخياري و غيره فإنّه يفكّ أحد طرفي الإضافة و يعطي ماله لغيره من دون قصدا للّزوم و الجواز مع أنّه لا أثر لقصد المنشئ اللّزوم و الجواز في البيع و أمّا الثاني فلأنّه يلزم تخلّف العقد عن القصد فإنّ العاقد لو أنشأ نفس القدر المشترك فإذا خصّصه الشّارع في بعض الموارد بإحدى الخصوصيّتين و في الآخر بالخصوصية الأخرى يلزم تخلّف العقد عن القصد هذا على ما أفاده المصنف (قدّس سرّه)

و لكنّه لا يخفى أنّه لو جعل الشّارع القدر المشترك في كل مورد متخصّصا بخصوصيّة خاصّة فلا بدّ للعاقد أن يقصد هذه الخصوصيّة و إلّا لبطل العقد رأسا لا أنّه يصحّ على خلاف ما قصده العاقد فالأمر يدور بين البطلان و الصّحة بلا تخلف العقد عن القصد لا الصّحة مع تخلّفه عنه حتى يقال كما في المتن هو باطل في العقود لما تقدم من أنّ العقود الصحيحة عند الشّارع تتبع القصود إلى آخره‌

و كيف كان فالصّواب في المقام هو المراجعة إلى الوجدان و نرى وجدانا أنّ العاقد في العقود المملّكة لا يقصد إلّا التمليك و لا ينشئ إلّا ذلك‌

و بالجملة فالحقّ في وجه جريان أصالة اللّزوم هو اتّحاد حقيقة الملك و الاختلاف إنّما هو في السبب المملّك حيث حكم الشّارع باللّزوم في بعض الأسباب و بالجواز في الآخر مع أنّك قد عرفت أنّه لو كان الاختلاف في حقيقة الملك أيضا لجرى الاستصحاب في مورد الشكّ في أنّ الواقع في الخارج لشبهة حكميّة أو موضوعيّة من أيّ القسمين‌

نعم قد يستشكل في جريان الاستصحاب الكلّي في المقام بعين الإشكال في جريان الاستصحاب الشّخصي إذا وجد أحد الرّافعين‌

و توضيح ذلك أنّا قد بيّنا في الأصول أنّ في القسم الثّاني قد يجري استصحاب الشّخصي كما يجري استصحاب الكلّي و قد لا يجري فإذا شكّ في أنّه عمل عملا يرفع الحادث المردّد أم لا فيجري استصحاب بقاء الشّخص الحادث الواقعي و نتيجته وجوب الاحتياط أو إيجاد الرافع على أيّ تقدير مثل الجمع بين الوضوء و الغسل في الحدث المردّد بين البول و المني‌

و أمّا إذا توضّأ ثم شكّ في بقاء الحدث الشخصي الثّابت واقعا فلا يجري استصحاب الشّخصي لأنّ الشك ليس في البقاء بل في حدوث أي واحد من الشّخصين و في كلّ واحد منهما أحد ركني الاستصحاب منتف أمّا في الحدث الأصغر فللقطع بارتفاعه و أما الأكبر فللشكّ في حدوثه فعلى هذا لا يجري في مسألة الحدث بعد إيجاد رافع أحدهما و هكذا في الظّهر و الجمعة و البق و الفيل و نحو ذلك إلّا استصحاب الكلي‌

و أمّا في المقام فلا يجري استصحاب الكلّي أيضا لأنّ اختلاف الملك ليس إلّا بنفس الارتفاع و البقاء فالشكّ في بقاء الكلّي عبارة عن الشك في أنّ الحادث ما هو فإن تنوعه بنوعين ليس باختلاف السبب المملّك و لا باختلاف حقيقته و ماهيته من غير جهة أن أحدهما يرتفع بالفسخ و الآخر لا يرتفع فإذا كان تنوّعه بنفس اللّزوم و الجواز فينتفي أحد ركني الاستصحاب على أي حال لأن الملك الجائز مقطوع الارتفاع و اللّازم مشكوك الحدوث من أوّل الأمر‌

و بعبارة أخرى يعتبر في كلّ قضية أن يكون المحمول خارجا عن الموضوع أي يعتبر أن يكون الموضوع في القضية مجرّدا عن عقد الحمل حتى يصلح الحمل و في المقام حيث إنّه ليس تقسيم الملك‌

61

إلى القسمين باعتبار الفصول المنوعة و ليس كالحدث المشترك بين النوعين المتخصّص كلّ منهما بخصوصيّة خاصّة من غير جهة البقاء و الزّوال بل جهة تقسيمه إليهما منحصرة بالبقاء و الارتفاع فلو شك في بقاء الملك و ارتفاعه فمعنى استصحاب الملك هو استصحاب الملك الباقي فيصير البقاء الّذي هو عقد الحمل داخلا في عقد الوضع و لا شبهة في خروج هذا القسم من الاستصحاب من عموم لا تنقض عقلا‌

و مرجع هذا الإشكال في الحقيقة إلى أنّ النّوعين من الملك متباينان بتمام هويّتهما و في كل واحد منهما أحد ركني الاستصحاب منتف كما لا يخفى و على هذا فيمكن أن يكون وجه التأمّل في كلام المصنف راجعا إلى ما ذكرنا لا إلى أنّه ليس للقدر المشترك أثر كما أشار إليه بعض المحشّين فإن جواز التصرف أثر للقدر المشترك بين اللّازم و الجائز‌

و بعضهم أرجعه إلى أنّ الشكّ هنا في المقتضي فقاس الملك بالحيوان المردّد بين البق و الفيل و لا يخفى ضعفه فإنّ الشكّ في المقتضي هو الّذي لم يحرز فيه عمر المستصحب بحسب أمد الزّمان كالمردّد بين البق و الفيل و أما الملك فإذا تحقّق فلا يرتفع إلّا بالرّافع و الشك في تأثير الفسخ شك في رافعيّة الموجود‌

قوله (قدّس سرّه) و يدل عليه مع أنّه يكفي في الاستصحاب الشكّ في أن اللّزوم من خصوصيات الملك أو من لوازم السّبب المملّك إلى آخره

لا يخفى أن بعض المحشّين أورد على هذا الكلام بأنّه كيف يكفي في الاستصحاب الشكّ في أنّ اللزوم من منوعات الملك أو من الأحكام الشرعيّة للسّبب المملّك و الحال أنّ مع هذا الشكّ ليس المستصحب محرزا‌

و فيه أن مرجع هذا الشكّ ليس إلى الشكّ في الموضوع لأنّ القدر المشترك بين ما إذا كان الملك على قسمين و ما كان الحكم في السبب المملّك على نحوين محرز قطعا و هو أصل تحقّق الملك فإن كلّ من أنشأ أمرا يتحقّق منشؤه خارجا بنفس إنشائه و تردّده بين الأمرين منشأ للشك في بقائه فيستصحب‌

و لا يتوهّم أنّ الشكّ في المقام نظير الشكّ في الشبهات المصداقيّة و تقريب ذلك أنّه بعد ما ظهر في وجه التأمّل خروج هذا القسم من الكلّي من عموم لا تنقص عقلا فإذا شكّ في أنّ اللّزوم من خصوصيات الملك حتّى لا يجري الاستصحاب بناء على عدم جريانه في هذا النحو من الكلّي أو من لوازم السّبب الملك أي من الأحكام الشّرعيّة حتى يجري فيشكّ في أنّ المورد من موارد جريان الاستصحاب أو ليس موردا له و كلّ ما كان كذلك لا يجري فيه الاستصحاب للشك في كون المورد من مصاديق العام و هذا نظير اعتبار الاتّصال بين الشكّ و اليقين فإنه إذا شكّ فيه لا يجري الاستصحاب و حكمه حكم العلم بالانفصال هذا ملخّص ما يتوهّم في المقام‌

و دفعه واضح و حاصله الفرق بين المخصّص اللّفظي و المخصّص اللّبي و المخصّص في المقام لبّي لأن عدم جريان الاستصحاب إنّما هو لاعتبار خروج عقد الحمل عن عقد الوضع عقلا لا لقصور في اللّفظ فإذا أحرز هذا المانع لا يمكن إجراء الاستصحاب و أمّا إذا شكّ فيه فيؤخذ بالعموم و ليس من قبيل الشكّ في الموضوع و الشبهة المصداقيّة‌

فالحق جريان الاستصحاب في مورد الشكّ في أن اللّزوم من خصوصيات الملك أو من لوازم السّبب المملّك هذا مع ما عرفت من أنّ الملك حقيقة واحدة و إنّما الاختلاف من جهة حكم الشّارع في الأسباب فإذا كان كذلك ففي مورد الشك يستصحب المنشأ بالعقد و لا يقال إنّ الاختلاف في الأفراد أيضا كاف في عدم جريان استصحاب نفس هذه الحقيقة الواحدة كالفرد المردّد بين زيد و عمرو مع العلم بأنّه لو كان زيدا لم يبق يقينا لأنّا نقول فرق بين المقام و المثال‌

62

فإنّ زيدا و عمرا و إن كانا متّفقي الحقيقة إلّا أنّ الخصوصيّات الفرديّة دخيلة في الاستصحاب و هذا بخلاف المقام فإنّ الاختلاف ليس إلا من ناحية حكم الشّارع في بعض الأسباب باللّزوم و في بعضها بالجواز كما يظهر من المراجعة إلى الأدلّة‌

قوله (قدّس سرّه) و بالجملة فلا إشكال في أصالة اللّزوم في كلّ عقد شكّ في لزومه شرعا إلى آخره

لا يخفى أنّ مراده (قدّس سرّه) من كلّ عقد هو العقود العهديّة لا العقود الإذنية فإنّها لا تجري فيها أصالة اللّزوم لأنّ قوام هذه العقود بالإذن فإذا ارتفع بفسخ المالك و نحو الفسخ يرتفع المنشأ بها قطعا و لا يبقى شكّ حتّى يستصحب أثر العقد و المنشأ به و أمّا العهديّة فلا فرق فيها بين التنجيزيّة و التعليقيّة‌

و مناقشة المصنف (قدّس سرّه) في جريان قاعدة اللّزوم في نحو السّبق و الرّماية و الجعالة لو شك في تأثير فسخ من جعل السّبق مثلا للسّابق قبل وصوله إلى المحلّ المعيّن غير جارية لأنّ الاستصحاب في هذه العقود كاستصحاب عدم النّسخ في الأحكام و يا ليت أنّه (قدّس سرّه) عكس الأمر و ناقش في جريان الاستصحاب التعليقي في مثل الزّبيب و التمر لا في العقود التّعليقيّة فإنها من قبيل القضايا الحقيقة في الأحكام التكليفيّة و أوضحنا تنقيح ذلك في الاستصحاب فراجع‌

و بالجملة لا إشكال في جريان أصالة اللّزوم في كل عقد شكّ في لزومه و جوازه لشبهة حكمية و كذا فيما شكّ في لزومه و جوازه لشبهة موضوعيّة كما لو شكّ في أنّ الواقع في الخارج هبة أو بيع مع العلم بكون الأوّل جائزا و الثّاني لازما نعم في دوران الأمرين الوديعة و القرض لا يجري أصالة اللّزوم لعدم إحراز تملّك من بيده المال في وقت حتى يستصحب فمورد البحث هو العقود المملّكة المشكوك جوازها أو لزومها فمن يدعي اللّزوم هو المنكر لمطابقة قوله للأصل و احتمال كون المقام من باب التداعي إذا كان مصبّ الدّعوى تعيين العقد الواقع في الخارج كما يظهر من صاحب الجواهر (قدّس سرّه) تبعا لبعض من تقدّم عنه و تبعه السيد الطّباطبائي في حاشيته على المتن و في بعض كلماته في كتاب القضاء احتمال لا يعتنى به كما أوضحناه في كتاب القضاء‌

و إجماله أنّ باب التداعي هو ما كان قول كلّ منهما مطابقا للأصل أو مخالفا و أمّا إذا كان قول أحدهما مطابقا للأصل دون الآخر فهو باب المدّعي و المنكر و كيفيّة تحرير الدعوى لا أثر لها بل المدار على الغرض منها على وجه يرجع إلى أثر عقلائي كتأثير الفسخ أو اشتغال ذمة الآخر أو نحو ذلك لا إلى مجرّد إثبات أنّ العقد صلح بلا عوض أو هبة غير معوّضة و إلّا لا تسمع هذه الدّعوى رأسا فإنّها كدعوى أن بر إفريقيا كذا مساحة‌

ثم لا يخفى أنّ النّزاع تارة في اللّزوم و الجواز و أخرى في الضّمان و عدمه ففي الأوّل المنكر هو مدّعي اللّزوم و في الثاني المنكر هو مدعي الضّمان على المشهور و المختار خلافا لمن تمسّك بأصالة البراءة و ذلك لأنّ مقتضى قاعدة اليد مع أصالة عدم إقدام مالكه الأصلي على المجانيّة هو الضّمان فإن موضوع الحكم مركّب من عرضين لمحلّين و هو اليد على ملك الغير المحرز بالوجدان مع عدم إقدام مالكه على التبرّع المحرز بالأصل فإذا تمّ الموضوع يترتّب عليه الحكم و هو الضّمان‌

و قد بيّنا في الأصول أنّ التمسك بقاعدة على اليد للحكم بالضّمان في موارد الشكّ في المجانية و رافع الضّمان ليس من باب التمسّك بالعموم في الشبهات المصداقيّة و لا من باب قاعدة المقتضي و المانع و لا من باب استصحاب العدم النعتي في حال عدم الموضوع بل لما ذكرنا من أنّ الضّمان مترتّب على وضع اليد على مال الغير مع عدم إحراز المجانيّة الذي هو العدم النّعتي حال وجود الموضوع فإنّ التبرّع و التّضمين من نعوت المالك فلو لم يكن متبرّعا في وقت يستصحب عدم التبرع و لا يعارض بأصالة‌

63

عدم قصد التضمين فإنّ ضمان مال الغير لا يتوقف على القصد فتدبّر جيدا‌

و يظهر من السيد الطباطبائي في كتاب القضاء من العروة أنه لو كان محلّ النزاع هو البيع أو الهبة فالأصل البراءة و أمّا لو كان النّزاع في إذن المالك في التصرّف في ماله مجّانا أو مع العوض فالأصل الاشتغال لجريان قاعدة احترام مال المسلم في الثّاني دون الأوّل للاتّفاق على حصول الملك للتصرّف في هذه الصّورة‌

و لكن لا يخفى عدم الفرق بين القسمين فإنّ في الأوّل و إن اتّفقا على كون المال ملكا للمتصرّف إلّا أنّه علم كونه ملكا لغيره سابقا فمع عدم إحراز المجانية يقتضي أن لا يخرج عن ملكه بلا عوض هذا مع أن في مورد بقاء العين لا أثر لدعوى مدعي الهبة للعلم الإجمالي إمّا بتأثير فسخ الواهب لو كان مدعي الهبة متّهبا واقعا و إما بضمانه لو كان مشتريا‌

قوله (قدّس سرّه) و يدلّ على اللّزوم و مضافا إلى ما ذكر عموم قوله النّاس مسلّطون على أموالهم إلى آخره

لا يخفى تماميّة الاستدلال بهذه المرسلة المعروفة بين الفريقين و بالآيتين أمّا المرسلة فلأنّ مقتضى السّلطنة التامة للمالك على ماله أن يجوز له جميع أنحاء التصرّفات المباحة في ماله و قصر سلطنة الغير عنه فالخبر الشّريف متضمّن لعقدين إيجابي و سلبي و لو لم يكن مفيدا للعقد السّلبي فلا يكون مثبتا للسّلطنة التامّة للمالك فاسترجاع المال عنه بلا رضى منه بفسخ و نحوه مناف لسلطنته‌

و المناقشة في العقد الإيجابي فضلا عن السّلبي بتقريب أنّ الرّواية في مقام بيان عدم محجوريّة المالك لا في نفوذ جميع تصرفاته ما غير مسموعة فإنّه لا قصور في عموم النّاس و لا في إطلاق السّلطنة و مقتضى مقابلة الجمع بالجمع أن يكون كلّ أحد مسلّطا على ماله بأيّ نحو من أنحاء السّلطنة و من أنحاء السّلطنة منع الغير عن التصرّف في ماله و لا يقال إنّ سلطنة المالك لا ينافي الخيار بناء على كونه متعلّقا بالعقد لا بالعين‌

فإنّا نقول و إن كان الخيار على المختار متعلقا بالعقد دون العين إلّا أن تعلّقه به طريقيّ لا موضوعيّ لأنّه متعلّق به طريقا لاسترجاع العين فبالأخرة إذا كان لغير المالك حقّ استرجاع العين يستلزم أن يكون سلطنة المالك ناقصة و بالعموم ندفع هذا الحقّ أيضا‌

ثم إنّ ممّا ذكرنا في تقريب الاستدلال ظهر أنّ التمسّك به لأصالة اللّزوم ليس من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة بأن يقال مع الشكّ في تأثير الفسخ يشكّ في بقاء الإضافة فالتمسّك به من التمسّك بالعام مع الشكّ في المصداق و ذلك لأنّ العموم يرفع الشكّ في تأثير الفسخ لتنافي تأثيره مع العقد السّلبي فإن مقتضى السّلطنة التامة أن لا يكون لغيره التملّك منه‌

نعم التمسّك به في الشبهات الموضوعيّة تمسّك بالعام في الشّبهة المصداقيّة فإنّه مع الشكّ في أنّ الواقع بيع أو هبة لا يمكن رفع الجواز بعموم النّاس مسلّطون لاحتمال كونه من مصاديق ما ثبت فيه شرعا سلطنة غير المالك على ملك المالك و هذا بخلاف الشّبهة الحكمية و الفرق بينهما واضح فإن مرجعهما إلى الشكّ في أصل التّخصيص و الشكّ في مصداق المخصّص‌

و أمّا الآيتين فآية التّجارة عن تراض إفادتها اللّزوم حتّى في المعاطاة ظاهرة سيّما بناء على ما تقدم من جعل الاستثناء متّصلا بأن يكون مفادها لا تتصرفوا في أموالكم بنحو من الأنحاء فإنّه باطل إلّا بالتكسّب عن الرّضا فبدون رضاء المالك لا يمكن التصرّف في ماله إلّا في المورد التي رخّص الشّارع التصرّف فيها‌

و أمّا آية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فدلالتها على اللّزوم فيما عدّ عقدا لا إشكال فيه سواء قلنا بأنّ الملكيّة و نحوها من الأحكام الوضعيّة كاللزوم في المقام‌

64

منتزعة عن الحكم التّكليفي كما هو مختار المصنف أو قلنا بتأصّلها في الجعل و انحصار الانتزاعيّة في الشرطيّة و الجزئيّة و المانعيّة و السّببيّة على ما هو المختار و سيجي‌ء في أوّل الخيارات توضيح ذلك‌

و إجماله أنّه بناء على التأصّل فمفاد قوله عزّ من قائل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ هو أنّ العقد لازم لا ينحلّ فيكون الأمر فيه إرشادا إلى هذا المعنى و كناية عنه و أمّا بناء على الانتزاعيّة فمفاده وجوب الوفاء بكلّ عقد في كلّ زمان بالنّسبة إلى كل طار فإذا كان مطلقا بالنّسبة إلى جميع الأزمنة و بالنسبة إلى كلّ زماني فلازمه بقاء وجوب الوفاء حتى بعد الفسخ و لازمه عدم تأثير الفسخ‌

و لا يقال إذا بقي العقد يجب الوفاء به مطلقا و مع الشكّ في بقائه لاحتمال تأثير الفسخ فلا موضوع حتّى يجب الوفاء به لأنّا نقول بناء على الانتزاعيّة لا بدّ أن يكون الحكم التكليفيّ المتأصّل على نحو يناسب انتزاع اللّزوم منه و المناسب له أن يتعلّق الوفاء بالمعنى المصدري أي الالتزام و التّعقيد و لا العقدة و الملتزم به فإذا كان الالتزام بما التزم به واجبا فمعناه أن كلّ واحد من المتعاقدين ليس مالكا لالتزامه الّذي ملك صاحبه‌

و بالجملة دلالة الآية على اللّزوم في المعاملات اللّفظيّة لا إشكال فيها كما لا إشكال في عدم دلالتها عليه في المعاطاة لعدم إمكان إفادتها له ثبوتا مضافا إلى قيام الإجماع على الجواز و مخالفة المفيد (قدّس سرّه) غير معلومة و المصنف (قدّس سرّه) و إن استشكل في هذا الإجماع بأنّ قول الأكثر بعدم اللّزوم من باب عدم التزامهم بإفادتها الملكيّة إلّا أنّه (قدّس سرّه) أجاب عنه بالإجماع المركّب فإنّ أصحابنا بين قائل بالملك الجائز و بين قائل بعدم الملك رأسا فالقول بالملك اللّازم قول ثالث لأنه مخالف للإجماع البسيط المتحصّل من المركّب فإنّ مرجع القولين إلى عدم إفادتها اللّزوم‌

و إشكاله عليه بقوله فتأمل الرّاجع ظاهرا إلى عدم جامع بين السّالبة بانتفاء الموضوع و السّالبة بانتفاء المحمول حتّى يكون هذا الجامع متّفقا عليه بين الفريقين غير وارد فإنّ مجرّد عدم وجود الجامع بين السّالبتين لا يضرّ بالإجماع لإمكان قيامه على عدم إفادة المعاطاة اللّزوم‌

و كيف كان فالحقّ عدم إمكان إفادتها له ثبوتا و ذلك لأنّ اللّزوم المتصوّر في باب العقود على قسمين لزوم حكميّ تعبّدي و لزوم حقّي فالأوّل كما في باب النّكاح و الضمان و الهبة لذي الرّحم و نحو ذلك من القربات الّتي لا رجعة فيها فإنّ في باب النّكاح مثلا يستكشف من عدم صحّة الإقالة و عدم صحّة جعل الخيار لأحد الزّوجين أنّ اللزوم فيه حكم شرعيّ تعبّدي من لوازم ذاته و يقابله الجواز في الهبة لغير ذي رحم فإنّه أيضا حكم تعبّدي و إلّا كان قابلا للإسقاط و الثّاني كما في باب العقود المعاوضيّة اللفظيّة تنجيزيّة كانت كالصّلح و البيع و الإجارة أو تعليقية كالسّبق و الرّماية فإنّ بقوله بعت ينشأ أمران‌

أحدهما مدلول مطابقي للّفظ و هو تبديل أحد طرفي الإضافة بمثله الّذي ينشأ بالفعل أيضا لأنّه أيضا مصداق لعنوان البيع بالحمل الشّائع الصّناعي و ثانيهما مدلول التزاميّ له و هو التزامهما بما أنشئا و هو يختصّ بما إذا أنشأ التبديل باللّفظ دون الفعل فإنّ الدّلالة الالتزاميّة بحيث يرى في العرف و العادة ملازمة بين تبديل طرف إضافة بمثله و التزام البائع بكون المبيع بدلا عن الثمن و التزام المشتري بكون الثمن عوضا عن المثمن تجري في اللفظ‌

و أمّا الفعل فقاصر عن إفادة هذا المعنى فإنّ غاية ما يفيده هو تبديل أحد طرفي الإضافة بمثله إذا قصد منه و أمّا التزام البائع ببقاء بدليّة المبيع للثمن فليس الفعل دالا عليه‌

65

فلو فرض أنّ المتبايعين قصدا التبديل و قصدا بقاءه على ما هو عليه فحيث إنّ البناء القلبي في باب العقود لا أثر له إلّا إذا أتي بما هو مصداق لهذا العنوان و ليس الفعل مصداقا لهذا فلا أثر له فعلى هذا لا يمكن ثبوتا أن يفيد الفعل الالتزام العقدي بل هو خارج بالتخصّص عن عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فإنّ العقد إنّما يسمّى عقدا لكونه مفيدا للعهد المؤكّد و الميثاق و التعهّد و الفعل قاصر عن إفادة هذا المعنى‌

نعم يمكن إيجاد هذا المعنى بالفعل أيضا إلّا أنّه لا بالتّعاطي بل بالمصافقة و نحوها و أمّا باب الألفاظ فحيث إنّ الملازمات العرفيّة من أنحاء المدلولات و العرف يرى من أوجد البيع بلفظ بعت أنّه التزم ببقائه على ما أنشأه فيمكن أن ينشأ بلفظ بعت معنيان أحدهما نفس التّبديل و ثانيهما التزامهما بما التزما به من التّبديل‌

ثم إنّ هذا اللزوم العقدي حقّ مالكي أمضاه الشّارع بقوله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فإنّه إذا كان من منشئات المتعاقدين لا من التعبّد الصرف يصير حقّا مالكيّا و لذا يجري فيه الإقالة و حقّ الفسخ فإنّه لو كان اللّزوم من لوازم ذات المنشأ لما صحّ جعل الخيار في مقابله سواء كان بجعل شرعيّ كخيار الحيوان و المجلس أو بجعل من المتعاقدين كخيار الشّرط‌

و على هذا فأصالة اللزوم المستفادة من العمومات مثل قوله ص النّاس مسلطون و قوله ع لا يحلّ و قوله ع البيعان بالخيار و قوله عزّ من قائل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و قوله لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ و قوله إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ تختصّ بالعقود اللّفظيّة و لا تشمل المعاطاة تخصّصا‌

أمّا آية أَوْفُوا فواضح لما ذكرنا من أنّها ليست عقدا و أمّا البيعان بالخيار فلأنّ اللّزوم الحاصل بالافتراق حيث إنّه جعل مقابلا للخيار فيختصّ بالبيع الّذي كان الالتزام الحاصل منه من منشئات المتعاقدين و أمّا سائر الأدلّة فحيث إن المستفاد منها ليس اللّزوم الحكمي بل اللّزوم الحقّي فلا تشمل المعاطاة فعلى هذا لا يكون المعاطاة لازما لا بجعل شرعيّ تعبّدي و لا يجعل شرعيّ حقّي فيكون جائزا بمعنى عدم تحقّق موجب اللّزوم‌

و على هذا فالجواز على أقسام ثلاثة الجواز الحكمي التعبّدي كالهبة و الجواز الحقي كالبيع الخياري و الجواز من جهة عدم تحقّق منشإ اللّزوم كالمعاطاة‌

ثم إنّه لا تنافي بين كون اللّزوم من مقتضيات ذات النّكاح و الضّمان و بين ثبوت خيار الفسخ في بعض الموارد كالعيوب في الرّجل و المرأة و اشتراط بنت المهيرة في النّكاح و إعسار الضّامن مع عدم علم الدائن في باب الضّمان و ذلك لإمكان التّخصيص فإنّ كلّ حكم تعبدي قابل للتّخصيص‌

و بالجملة لو كان الالتزام فيهما حقيّا و من منشئات المتعاقدين لم يختصّ الخيار بمورد خاص بل صحّ جعل الخيار مطلقا لأنّه لو كان منشأ اللّزوم التزام المتعاقدين لصحّ جعل ملكية كلا الالتزامين لأحدهما أو لكليهما و لصحّ الإقالة منهما فمن عدم صحّة جعل الخيار و عدم جواز الإقالة يستكشف أنّ اللّزوم حكمي‌

[بقي الكلام في الخبر الّذي تمسّك به في باب المعاطاة]

قوله (قدّس سرّه) بقي الكلام في الخبر الّذي تمسّك به في باب المعاطاة إلى آخره

لا يخفى أنّ قوله ع إنّما يحلّل الكلام و يحرم الكلام حيث إنّه ورد في باب شراء الشّي‌ء ممّن ليس مالكا له و في باب المزارعة فلا بدّ أن يكون له معنى يمكن تطبيقه على كلا البابين بحيث يكون كبرى كليّا لهما و إلّا يلزم خروج المورد فيجب أولا بيان محتملات هاتين الكلمتين في حدّ ذاتهما ثم تطبيقهما على محلّ ورودهما‌

فنقول الوجوه المحتملة خمسة الأوّل أن يكون المراد انحصار المحلّل و المحرّم باللّفظ دون القصد المجرّد و دون الفعل مع القصد و بناء عليه يلزم عدم إفادة المعاطاة‌

66

للإباحة و التّمليك الثّاني أن يكون المراد أنّ المضمون الواحد يختلف حكمه باختلاف الألفاظ المفيدة له مثلا البينونة تتحقّق بقوله أنت طالق دون أنت بريّة و علقة الزّوجيّة تحصل بقولها متّعتك دون سلّطتك على بضعي و هكذا و حاصل هذا المعنى أنّه يختلف الحكم باختلاف الأداء و التّعبير و إن كان كلّ واحد من اللّفظين بمعنى واحد‌

و الثّالث أن يكون المراد أنّ الكلام الواحد قد يكون محلّلا إذا صدر في محلّ و قد يكون محرّما إذا صدر في محلّ آخر مثلا عقد النّكاح يكون محرّما إذا كان العاقد محرما بخلاف ما إذا كان محلّا و أمّا ما أفاده في المتن باعتبار الوجود و العدم ففي غاية البعد‌

الرّابع أن يراد منه أنّ العبارة الواحدة تختلف حكمها باعتبار قصد الإنشاء منها أو صرف المقاولة و المواعدة مثلا بناء على صحّة النّكاح بلفظ أزوّجك فإذا وقع هذا اللّفظ في زمان العدّة بقصد إنشاء التّزويج فيحرم و إذا وقع مواعدة فلا يحرم و هكذا في الشّراء من الدلّال فإذا أنشأ الدلّال البيع قبل أن يشتريه من مالكه يحرم و إن كان مقاولة يحلّل أي لا يحرم و بعبارة أخرى يراد من الكلام المحلّل الإخبار و المقاولة و من المحرّم الإنشاء و إيجاب البيع‌

الخامس أن يراد من الكلام نفس معنى اللّفظ لا اللّفظ بمعناه فيصير حاصله أنّ البيع قبل الشّراء محرّم و بعده محلّل و هكذا في باب المزارعة جعل شي‌ء بإزاء البقر و البذر محرم و جعله بإزاء عمل الزّارع محلّل ثم إنّ المعنى الأوّل لا ينطبق على باب المزارعة فإنّ الظّاهر من الكلام في الفقرتين أنّ المضمون الواحد يختلف حكمه باختلاف التّعبير فإذا جعل في مقابل البذر و البقر شيئا يفسد و إذا جعل بإزاء عمل العامل يصحّ مع أنّ المقصود واحد في الحقيقة فإن العامل لو لم يكن منها البذر و البقر لا يجعل بإزاء عمله هذا المقدار‌

و ما يقال من كون المراد منهما في باب المزارعة أن القصد لا يؤثر بدون الإنشاء اللّفظي و إنّما المؤثر هو الإنشاء فخلاف الظّاهر لأن مع فرض الإنشاء على نحوين أجاب الإمام (عليه السّلام) بأن أحدهما محرّم فالظّاهر من الكلام في كلا البابين هو المعنى الثّاني و هو أنّ الغرض الواحد و هو الرّبح في باب البيع و جعل العوض للبذر و البقر في باب المزارعة لو عبر عنه بكلام خاصّ يفسد و لو عبّر عنه بكلام آخر يصحّ و هذا لا يدل على اعتبار اللّفظ في الصّحة و الفساد لعدم كونه ناظرا إلى هذه الجهة أو المعنى الثالث بناء على ما احتماله المصنف‌

من أنّ المحلّليّة بالكلام باعتبار عدم البيع قبل الشّراء و باعتبار عدم الجعل للبذر و المحرمية به باعتبار البيع و الجعل للبذر و هذا الاحتمال و إن كان جامعا بين البابين إلّا أنّه لا يخفى ضعفه لأنّ نسبة المحلليّة إلى عدم الشّي‌ء لا تصحّ فإن العدم لا يؤثّر في الصحة و لو أمكن التّفكيك في معنى الفقرتين بين البابين لكان الأنسب بالنّسبة إلى الشّراء من غير المالك هو المعنى الرّابع بأن يكون الألف و اللّام للعهد أي يحلّل الكلام و هو المقاولة و يحرم الكلام و هو البيع‌

و على أيّ تقدير لا تدلّ الرواية على اعتبار اللّفظ في المعاملات إلّا أن يقال كما أفاده المصنف (قدّس سرّه) أنّ هذه الفقرة على أيّ حال تدلّ على انحصار المحلّل و المحرّم باللّفظ و إن لم يستظهر منه المعنى الأوّل و ذلك لأنّه لو انعقد البيع بالمعاطاة لم يصح حصر المحرّم بالكلام لإمكان بيع ما ليس عنده بالمعاطاة‌

و لكنّه (قدّس سرّه) أجاب عن هذا الإشكال بأنّ وجه انحصار المحرّم بالكلام في هذه المورد من باب عدم إمكان المعاطاة إذ المبيع ليس عند الدلّال ثم أمر بالتأمّل و وجهه‌

67

ظاهر و هو أولا إمكان كون المبيع عند الدلال فيبيعه من المشتري ثم يشتريه من مالكه و ثانيا كفاية التّعاطي من طرف واحد‌

و كيف كان فلا يخفى أنّه على فرض إفادة الرّواية للحصر فالحصر إضافي لأنّ حصر المحلّل بالكلام إنّما هو بالنسبة إلى إيجاب المبيع قبل الشّراء و كذا حصر المحرّم بالكلام إنّما هو بالنّسبة إلى المقاولة لا عدم تأثير الفعل رأسا‌

و بعبارة أخرى إذا كان مفاد الرّواية حصر كلّ من المحلّل و المحرم بالمقاولة و البيع أي كلّ واحد بالنسبة إلى الآخر لا حصر أصل المحلّل و المحرّم باللّفظ فلا يمكن التمسّك بها لبطلان المعاملة المعاطاتيّة لعدم استفادة عدم تأثير الفعل مع القصد منها لعدم كونها ناظرة إليه‌

[و ينبغي التّنبيه على أمور]

[الأوّل الظاهر أن المعاطاة قبل اللزوم على القول بإفادتها الملك بيع]

قوله (قدّس سرّه) و ينبغي التّنبيه على أمور الأوّل إلى آخره-

مقصوده (قدّس سرّه) من هذا التّنبيه أمران أحدهما بيان اعتبار جميع شروط البيع العقدي في المعاطاة مطلقا أو عدمه مطلقا أو التّفصيل و الثّاني لحوق أحكام البيع لها و عدمه ففيه مقامان‌

أمّا المقام الأوّل فالحقّ اعتبارها فيها مطلقا أمّا على المختار من إفادتها التمليك فلأنّها بيع عرفا فيشترط فيها ما يشترط في البيع و دعوى انصراف البيع إلى البيع العقدي فتختصّ شروط البيع به غير مسموعة لأنّ الانصراف إنّما يتمّ إذا كان صدق المفهوم على المعاطاة ضعيفا بحيث تكون خارجة عن حقيقة البيع بنظر العرف واقعا و لا شبهة أنّها ليست كذلك‌

و بالجملة اختصاص الأدلّة الدالّة على اعتبار الشّروط في العوضين أو المتعاقدين بالبيع المنشإ باللّفظ لا وجه له و أمّا بناء على القول بالإباحة فعلى ما اختاره صاحب الجواهر من أنّ إفادتها الإباحة إنّما هي في صورة قصد الإباحة فلأنّه لو كان الدليل على صحّة الإباحة بالعوض هو قوله ع النّاس مسلّطون على أموالهم لكان إطلاقها مفيدا لصحّتها و لو مع فقد الشّرط و أمّا بناء على ما تقدم و سيأتي من أنّ قوله ع النّاس مسلّطون ليس ناظرا إلى باب الأسباب و لا يدل على مشرعيّة صاحب المال و تسلّطه على الأحكام فينحصر دليلها بالسّيرة و لا خفاء أنّ المتيقّن منها صورة استجماع المعاطاة لجميع ما يعتبر في البيع إلّا الصّيغة‌

و أمّا على ما وجّهنا به قول المشهور من أنّ المتعاطيين و إن قصدا التّمليك و لكن حيث إنهما يوجدان مصداق التّسليط فيترتّب عليه الإباحة فلأنّ دليل صحتها أيضا هو السّيرة و المتيقّن فيها صورة استجماعها لجميع الشّرائط و أمّا على ما يستفاد من كلام الشّيخ الكبير و اعترف به المصنف في المتن من أنّ المتعاطيين يقصدان التّمليك و يوجدان مصداق هذا العنوان و إنّما حكم الشّارع بالإباحة تعبّدا على خلاف ما قصداه فلأنّ الدّليل على ذلك إما السيرة أو الإجماع و هما يقتضيان الصّحة في مورد استجماع جميع شروط البيع‌

و بالجملة سواء قلنا بأنّ المعاطاة بيع أو معاوضة مستقلّة كما ذكره الشّهيد (قدّس سرّه) في موضع من الحواشي فالحق اعتبار جميع الشّروط فيها‌

ثم إنّه قد ظهر سابقا أنّ الوجه الأخير و هو حكم الشّارع بالإباحة تعبّدا على خلاف ما قصده المتعاطيان و إن كان مستبعدا كما عدّه الشّيخ الكبير من مستبعدات ما اختاره المشهور و لم يكن و نقوض المصنف (قدّس سرّه) عليه واردا إلّا أنه بناء على كون مقصود المشهور هذا الّذي استفاده الشيخ الكبير لا ما وجّهنا به مقصودهم فاعتبار الشّروط فيها أيضا ممّا لا إشكال فيه مع أنّه يمكن توجيه آخر لكلامهم بحيث لا يرد عليه هذا الإشكال و هو أنه يمكن أن يجعل الشّارع لحصول الملك شرطا آخر و هو التصرّف أو التّلف و نحو ذلك من الملزمات كما اعتبر لحصوله القبض في الصّرف و السّلم فقول المشهور بالإباحة إنّما هو قبل الأول إلى البيع‌

68

أي قبل حصول الشّرط فعلى هذا إذا قصد المتعاطيان التّمليك و أوجد المصداق هذا العنوان و اعتبر شرعا في تحقّقه شرط متأخّر و هو التصرّف أو التّلف كشرطيّة القبض في حصول الملكيّة في الصرف و السّلم فلا ينخرم قاعدة العقود تابعة للقصود و على هذا فاعتبار الشّروط أيضا لا إشكال فيه لأنّها بيع فيعتبر فيها ما يعتبر فيه‌

و كيف كان حيث إنّه لا دليل على صحّتها إلّا أدلّة البيع أو الإجماع و السيرة فيقتضي اعتبار جميع ما اعتبر في البيع بالصّيغة فتدبّر جيدا‌

و أمّا المقام الثّاني فالحقّ فيه هو التّفصيل فيجري فيها الربا سواء قلنا بكونها مفيدة للملك أو الإباحة لأنّ الربا يجري في جميع المعاوضات بل في الغرامات و كذلك يجري فيها الانفساخ بالتلف قبل القبض لما سيجي‌ء من أنّ هذه القاعدة و إن استفيدت من النّص و هو يختصّ بتلف البيع إلّا أن الأقوى أنّها ليست تعبّدية صرفة بل منطبقة على القاعدة و منشؤها التزام المتعاملين بالتّسليم ضمنا فإذا امتنع التّسليم تنفسخ المعاملة فعلى القول بالإباحة أيضا تنفسخ المعاوضة بل الانفساخ هنا أولى لأن المعاوضة المفيدة لإباحة العوض المسمّى قوامها بوجود المباح فلو تلف لا يبقى مورد للإباحة تعلّق الإباحة بالمثل أو القيمة لا وجه له و أمّا لحوق الخيارات لها فتارة يتكلّم فيه قبل اللّزوم و أخرى بعده‌

أمّا قبل اللزوم فالأقوى عدم جريان الخيارات مطلقا سواء قلنا بالملك أو الإباحة لأنّ الخيار هو ملك التزام نفسه مع كونه مالكا لالتزام طرفه و بعبارة أخرى أثر إقالة الطّرفين يملكه ذو الخيار فهو مالك لكلا الالتزامين و مالكيّة الالتزام إنّما تجري في العقد دون الفعل الّذي لا ينشأ به إلّا تبديل طرف الإضافة دون البقاء على هذا التبديل و الالتزام به‌

و بالجملة بعد ما عرفت أنّ الجواز في المعاطاة من باب عدم تحقّق الملزم فلا يجري فيها الخيار لأنّه مقابل للالتزام العقدي فلو لم يكن التزام فلا خيار نعم بناء على ما وجّهنا به الإباحة على القول المشهور يمكن جريان الخيارات مطلقا على القول بالإباحة و ذلك لأنّ حكم المعاطاة قبل الملزمات حكم بيع الصرف و السّلم قبل القبض و مجرّد جواز الرد لا يمنع عن جريان الخيار حتّى مثل خيار المجلس و الحيوان لأنّها بناء على هذا بيع يفيد الإباحة شرعا قبل الملزمات فإذا كانت بيعا فيدخل فيها الخيار و لو كان مبناها على الجواز قبل الملزمات فإنّ جوازها من وجه لا ينافي جوازها من وجه آخر و أمّا حكم الخيار بعد الملزمات فسيأتي إن شاء اللّٰه بعد ذكرها‌

[الأمر الثّاني أنّ المتيقّن من مورد المعاطاة هو حصول التّعاطي فعلا]

قوله (قدّس سرّه) الأمر الثّاني أنّ المتيقّن من مورد المعاطاة هو حصول التّعاطي فعلا من الطّرفين إلى آخره

لا يخفى أنّه لم يرد المعاطاة في نصّ أو معقد إجماع حتى يقال إنّ المتيقّن من موردها ما إذا كان التعاطي من الطّرفين دون ما إذا كان الإعطاء من طرف و الأخذ من الطّرف الآخر فالمدار على إمكان إنشاء عنوان البيع أو الإجارة و نحوهما بالفعل من طرف واحد أم لا و ذلك لما أشرنا إليه سابقا و سيجي‌ء في طيّ المباحث الآتية أنّ المناط في تحقّق عنوان عقد من العقود بالفعل كون الفعل مصداقا لهذا العنوان بحيث يحمل عليه بالحمل الشّائع الصّناعي كحمل الإنسان على زيد و أمّا مجرد قصد عنوان من الفعل من دون أن يكون هذا الفعل عرفا من مصاديق هذا العنوان فلا أثر له في باب العقود لأنّ عناوين العقود من المنشئات و المنشأ إنّما يتحقّق بما هو آلة لإنشائه‌

و من هنا يظهر أن مثل الصّلح و الهبة المعوّضة و النّكاح و الضّمان و نحو ذلك‌

69

لا يمكن إيجاده بالفعل لعدم وجود فعل يكون مصداقا لهذه العناوين فقصد إيجادها بالفعل لا يفيد إذا عرفت ذلك فعمدة الإشكال في جريان حكم المعاطاة في الإعطاء من طرف واحد أنّ الإعطاء كذلك ليس مصداقا لخصوص تبديل أحد طرفي الإضافة بمثله الّذي يسمّى بيعا و إن قصد به التّعويض بالثّمن الكلّي أو الشّخصي و أخذ الآخر المثمن بقصد القبول و أعطى الثّمن بعد ذلك بعنوان الوفاء لأنّ نسبة هذين الإعطاءين إلى البيع و الهبة المعوّضة متساوية و مجرّد مقاولتهما على كونه بيعا و قصدهما البيع من إيجاد الفعل لا يفيد بعد عدم كونه مصداقا له‌

و بالجملة حيث إنهما في مقاولتهما عينا عوضا معيّنا كليّا كان أو شخصيّا فيخرج هذا الإعطاء عن عنوان القرض لأنّ العوض فيه هو المثل أو القيمة إلّا أنّه لا وجه لخروجه عن الهبة المعوّضة لأنّها ليست إلّا هبتان مستقلّتان و تمليكان مجانيان و في المقام يمكن ذلك فجعله مصداقا للتبديل الملكي في غاية الإشكال و لا يقاس الإعطاء من طرف واحد بالإعطاء من الطّرفين و يقال كيف يستفاد البيع من إعطاء الطّرفين مع أنّه يمكن أن يكون هبة معوّضة و ذلك للفرق بينهما فإنّه لو كان في البين تعاط فنفس هذا التبديل المكاني بطبعه الأصلي تبديل لأحد طرفي الإضافة الاعتباري بطرف إضافة أخرى و المفروض أنّهما قصدا به التّبديل البيعي و أوجد ما هو مصداق له فإخراجه عن البيع و إدخاله في الهبة المعوّضة يحتاج إلى مئونة زائدة و هذا بخلاف ما إذا كان الإعطاء من طرف واحد فإنه ليس هناك تبديل خارجيّ حتى يكون قصد إنشاء التبديل الاعتباري منه كافيا‌

ثم إنّه يقوى الإشكال فيما لم يكن الإعطاء و الأخذ من طرف واحد أيضا بل كان مجرّد إيصال الثّمن و أخذ الثمن كوضع الدّراهم في دكان صاحب المخضرّ و أخذ المخضرّ بدلا عنها مع غيبة صاحبه و لا يمكن تصحيحه بكونه وكيلا من الطّرفين في تبديل أحد طرفي الإضافة بمثله لوضوح عدم توكيل المالك شخصا معيّنا‌

نعم لو قلنا أنّ البيع هو اسم المصدر لا المصدر صحّ عدّه بيعا لأن نتيجة الإعطاء من الطّرفين وصول العوضين إلى المالكين إلّا أنّ هذا فرض لا واقع له لأنّ البيع يتحقّق بإنشائه بالفعل أو القول و مجرّد وصول كل عوض إلى مالك الآخر ليس بيعا و لو قصد من الإيصال تبدل أحد طرفي الإضافة بمثله لأنّ القصد المجرّد أو القصد مع إيجاد غير مصداق ما هو المقصود لا أثر له فالالتزام بكونه إباحة بالعوض و أنّ الدّليل عليه هو السيرة في خصوص المحقّرات لا بأس به لعدم دليل على انحصار باب المعاوضات بالعناوين الخاصّة‌

ثم إنّ الأقوى إشكالا منه ما إذا لم يكن وصول أيضا كما إذا تقاولا على مبادلة شي‌ء بشي‌ء و تلفّظا بالألفاظ الغير المعتبرة في العقد بأن تكون المعاملة بنفس هذه المقاولة لا بالإعطاء الواقع بعدها بل كان وفاء بالمعاملة‌

و وجه الإشكال أنّ المقاولة ليست إلّا التّباني على أمر و مجرّد التباني ليس بيعا نعم لو أنشأ بهذه الألفاظ مصداق التّباني بحيث يخرج عن البناء القلبي و الإخبار و الوعد فالصّواب أن يقال إنّها مصالحة لعدم اعتبار لفظ خاص في الصّلح و كون حقيقته هو التّسالم على أمر و يدلّ عليه الخبر الوارد في قول أحد الشّريكين لصاحبه لك ما عندك و لي ما عندي فإنه محمول على الصّلح لأن المنشأ في الصّلح هو التباني على أمر و التّسالم عليه فتأمل‌

[الأمر الثّالث تميز البائع من المشتري]

قوله (قدّس سرّه) الثّالث تميز البائع من المشتري إلى آخره

محصّل هذا التّنبيه أنه لو كان أحد المالين اللّذين‌

70

وقع التبديل بينهما من الأثمان و الآخر من المعروض فصاحب الثمن هو المشتري و لو كان كلّ منهما من الأثمان فالمشتري هو المعطي ثانيا و لو كان كل منهما متاعا فتمييز البائع من المشتري من وجهين‌

أحدهما ما تقدم و هو كون المعطي أولا هو البائع و التّالي هو المشتري و ثانيهما من قوم متاعه بثمن و أعطى لكونه يسوي بدرهم كذا فهو المشتري و البائع من لم يلاحظ ماله مقوما بقيمة خاصّة و لو لم يكن كل ذلك و لا قصد و لا سبق مقاولة يدلان على كون أحدهما بائعا و الآخر مشتريا ففي كونه بيعا و شراء بالنّسبة إلى كلّ منهما أو كونه مصلحا أو معاملة مستقلّة وجوه و الأقوى عدم صحّتها‌

أمّا الأوّل فإنّ في المعاملة الواحدة لا يمكن أن يكون كل واحد منهما بائعا و مشتريا لما عرفت من أنّ البيع تبديل أحد طرفي الإضافة بمثله و البائع ينشئ التّبديل و المشتري يقبل ذلك و إذا فرضنا أنّ الفعلين وقعا دفعة واحدة و أنّ المالين كلّا منهما من الأثمان أو من العروض و لم يكن سبق مقاولة منهما في تمييز البائع عن المشتري فلا بدّ أن يكون هناك معاملة واحدة قائمة بصرف الوجود من تبديل أحدهما و قبول الآخر و صرف الوجود يتحقّق بأحدهما من دون ميّز بينهما لا ظاهرا كما هو ظاهر و لا واقعا لعدم خصوصيّة في أحدهما دون الآخر‌

و بالجملة التبديل بين المالين لا يتصوّر فيه أن يكون كل واحد بائعا و مشتريا من جهة إذ بعد حصول الإيجاب من أحدهما لا على التّعيين و القبول من الآخر كذلك لا يبقى محلّ للإيجاب و القبول مرّة أخرى فإنّه تحصيل للحاصل و المفروض أنّه لم يقع هناك إقالة منهما حتى يحصل البيع ثانيا و أمّا كونه صلحا فهو موقوف على أن يكون قصدهما من الإعطاء و الأخذ هو التّسالم لا البيع و على هذا لا وجه لكونه معاملة مستقلّة لأن مع قصدهما التبديل لا يكون إلّا بيعا فالحقّ كون أحدهما لا على التّعيين بائعا و الآخر مشتريا من دون امتياز بينهما واقعا فلا يترتّب على كلّ منهما الآثار الخاصة الثّابتة للمشتري و البائع‌

[الأمر الرابع أن أصل المعاطاة و هي إعطاء كل منهما الآخر ماله]

قوله (قدّس سرّه) الأمر الرابع أن أصل المعاطاة و هي إعطاء كل منهما الآخر ماله يتصور بحسب قصد المتعاطيين على وجوه إلى آخره

لا يخفى أنّ الوجه الأوّل في كلامه هو أن يقصد المتعاطيان البيع و الشراء بأن يقصد أحدهما تبديل ماله بمال الآخر الّذي هو بيع حقيقة و بقصد الآخر تملك ما أعطاه البائع مطابقة الّذي لازمه تمليك ماله للبائع‌

ثم لا يخفى أنّه بناء على ما أفاده من أنّ الإيجاب و القبول يتحقّق بدفع العين أوّلا من البائع و قبضها من المشتري و خروج ما يدفعه المشتري ثانيا و يقبضه البائع عن حقيقة المعاوضة فيلزمه أن يكون المعاملة حاصلة دائما بدفع العين أوّلا و قبضها و يكون دفع المشتري دائما خارجا عن حقيقة المعاوضة‌

على هذا فلا وجه لما التزم به في الأمر الثاني من أنّ المتيقّن من مورد المعاطاة هو حصول التّعاطي فعلا من الطّرفين لأنّه لا وجه لتقية من بين الأفراد لأن المفروض أنّ العطاء الثّاني لا أثر له و لا يتحقّق به إلّا عنوان الوفاء بالمعاملة لأنّ دفع المشتري إنّما هو من باب التزامه به على نفسه و لذا قال (قدّس سرّه) بأنّه لو مات الآخذ قبل دفع ماله مات بعد تمام المعاطاة فالأقوى أن يقال إنّ المعاملة تتحقّق بفعل كلّ منهما و فعل البائع بمنزلة الإيجاب القولي و إعطاء المشتري بمنزلة القبول القولي و أخذ كلّ منهما وفاء بالمعاملة و التزام بآثارها و على هذا فما يتعارف في قصد المتعاطيين بناء على الملك لا يخلو من ثلاثة على سبيل المنفصلة الحقيقيّة بناء على عدم خروج المعاطاة عن المعاملات المتعارفة لأنّ‌

71

الإعطاء إمّا من الطرفين أو من طرف واحد‌

و على الأوّل إما أن يكون إعطاء أحدهما مترتّبا على إعطاء الآخر أو في عرضه فلو كان من الطّرفين طوليا فهو بيع لا غير لأنّ الأوّل قصد بإعطائه تمليك ماله و تبديله بمال الآخر و الثّاني قصد بإعطائه قبول هذا المعنى و أخذ المعوض من باب الاستيفاء كما أنّ الأوّل يأخذ العوض كذلك‌

و لو كان عرضيا فلو تسالما على أن يكون تمليكا بإزاء تمليك فهو مصالحة أو معاملة مستقلّة و ليس بيعا لأنّ البيع هو التبديل بين المالين لا التّمليكين و أمّا لو قصد التبديل بين المالين فهو بيع و لو كان من طرف واحد لا يكون إلّا هبة معوّضة‌

أمّا كونه هبة لا بيعا فلأنّ البيع تبديل مال بمال فالمالان لا بدّ أن يكونا موجودين أو بمنزلة الموجود كالكلّي و المفروض في المقام أنّ أحدهما ليس موجودا و الكلّي لا يمكن أن يكون عوضا في المعاملات الفعليّة لقصور الفعل عن إفادة جعل الكلي في ذمّة المشتري بدلا و القرينة القائمة على عدم المجّانيّة إنّما تقتضي اعتبار العوض و هو ملائم مع الهبة المعوّضة أيضا فينحصر في الهبة بعد عدم كونه بيعا و لا معاملة مستقلّة و أمّا كونها معوّضة فلما عرفت من قيام القرينة على عدم المجّانيّة‌

فظهر أنّ في مورد قصد التّمليك و إفادة المعاطاة الملكيّة لا يتصوّر إلّا ثلاثة أقسام كل قسم في مقام خاص لا كما يظهر من كلامه (قدّس سرّه) من جريان جميع الأقسام في جميع الموارد‌

و بالجملة لو ورد الفعل على المالين فهو إمّا بيع لو قصد أحدهما التّمليك و الآخر التملّك أو مصالحة لو قصدا تمليكا بإزاء تمليك و لا يمكن أن يكون صلحا في مقام البيع لأنه و إن قلنا بعدم كون الصّلح عنوانا مستقلا من عناوين العقود بل كان في كلّ مقام تابعا لما يقصد منه إلّا أنّ الصّلح في مقام البيع معناه أن يكون المصالح عليه هو البيع و حيث إنّه لا يمكن أن يكون في المقام بيعا فلا يمكن إنشاء التّسالم عليه و لو ورد الفعل على مال واحد فهي هبة لا غير غاية الأمر قرينة أنّه لا يملك مجّانا تقتضي اشتراط العوض و لا يمكن أن يكون بيعا لما عرفت من أنّ البيع تبديل مال بمال و الكلّي لا يمكن أن يصير عوضا إلّا باللّفظ و مجرّد القصد لا أثر له ما لم يتحقّق عليه طبقه لفظ أو فعل يحمل عليه عنوان التبديل و الإنشاء باللّفظ مفقود على الفرض و الفعل لا يقع في مقام اللّفظ إلّا في تمليك المال بالمال الموجود لا بالكلّي و القرينة لا تقتضي إلّا عدم المجّانية فتأمّل‌

ثم لا يخفى أن الوجوه المتصوّرة فيما إذا قصدا التّمليك أو الإباحة أزيد ممّا ذكره (قدّس سرّه) و إنّما لم يذكرها لخروجها عمّا هو المتعارف من قصد المتعاطيين مع أنّ منها ما لا دليل على صحّته كما لو قصد أحدهما تبديل ماله بتمليك الآخر و هو الفعل الخارجيّ الصّادر من المشتري فيكون من بيع الأموال بالأعمال و كما لو أوقعا المعاملة على وجه الإباحة أي تبديل المباح بالمباح‌

أمّا الأوّل فلبطلانه في المقام و إن صحّ بيع الأموال بالأعمال و ذلك لأنّ العمل الّذي يقابل بالمال يشترط كونه مقصودا بالاستقلال لا آليا و طريقا لتحصيل المال كما في المثال لأنّه ليس التّمليك بالمعنى المصدري مالا بل المال هو الحاصل من المصدر و ليس هذا الفعل إلّا آلة لحصول اسم المصدر فلا يمكن أن يقابل بالمال و فرق بين البيع بإزاء التّمليك و بيع المال على أن يخيط له ثوبا أو يجري له صيغة عقد أو يبيع مالا من أموال البائع فإنّ الفعل في الأوّل آلي بخلاف الثّاني فإنّه استقلالي يبذل بإزائه المال‌

و بالجملة الأعمال الّتي تقابل بالمال هي ما يصحّ‌

72

أن يتعلّق به الإجارة و إجارة الإنسان لأن يبيع ماله على المؤجر باطلة و الفرق بين التّمليك و سائر الأعمال يظهر في وقوعها شرطا في ضمن عقد لازم فإنّه لو تخلف من اشترط عليه التّمليك ينوب عنه الحاكم أو عدول المؤمنين أو فسّاقهم أو نفس المشترط كلّ لاحق بعد تعذّر سابقه و هذا بخلاف سائر الأعمال فإنّه بمجرّد التخلف يتعذّر الشّرط و يثبت الخيار و السرّ فيه أنّ التّمليك طريقيّ آليّ لا يشترط فيه المباشرة و أمّا الثّاني فلأنّ الإباحة ليست بنفسها أمرا حاصلا للمالك لأنّ ما هو الحاصل له هو الملكيّة و هي قابلة للتبديل لأنّ زمام أمرها بيده بخلاف المباحيّة فإنّها تحصيل بإباحة المالك لغيره و ليست هي حاصلة للمالك في عرض الملك و جواز تصرف المالك في ملكه من آثار مالكيته لا من آثار إباحته له‌

قوله (قدّس سرّه) و أمّا إباحة جميع التصرّفات حتى المتوقّفة على الملك فالظّاهر أنّه لا يجوز إلى آخره

حاصل مرامه أنّه لو قصد أحدهما الإباحة و الآخر التّمليك أو قصدا الإباحة بإزاء الإباحة يشكل صحّة هذه المعاملة لأنّ التصرفات المتوقّفة على الملك لا تسوّغ لغير المالك بمجرد إذن المالك و لا يمكن التمسّك لصحتها بعموم النّاس مسلّطون على أموالهم و ليس عمومه بمنزلة دليل خاصّ يدلّ على صحّة التّصرف حتى يكون مخصّصا لأدلّة لا بيع إلّا في ملك مثلا أو يقدّر الملك آنا ما و ذلك لأن عموم النّاس مسلّطون إنّما يدلّ على تسلّط النّاس على أموالهم لا على أحكامهم فالأدلّة الدالّة على عدم صحّة البيع و العتق و نحوهما إلّا في الملك حاكم على عموم النّاس و الموارد الّتي يقدّر الملك فيها آنا ما لا يخلو من ثلاثة ليس الإذن في التصرّف منها‌

الأوّل استيفاء المال أو العمل بالأمر المعاملي كقول الآمر لمالك العبد أعتق عبدك عنّي و نحو ذلك و الثّاني ملك العمودين و الثالث تصرف ذي الخيار فيما انتقل عنه و تقدير الملك في هذه الموارد ليس بمجرّد الخيال و التصوّر حتّى يتصوّر في كلّ مقام بل له حقيقة تقتضي الأدلّة تقديره في هذه الموارد‌

و محصّل وجه التقدير في أمثال العتق عن الآمر أنّ أمر الآمر بإيجاد عمل محترم أو بإتلاف مال محترم غير مجّانيّ يرجع نفعه إلى الآمر يقتضي وقوعه لو أوجده المأمور في ملك الآمر لأنّه استوفاه حقيقة بأمره و المفروض عدم صدوره عن المأمور تبرّعا بل بالعوض المسمّى لو عينه أو المثل أو القيمة لو لم يعيّنه فلا محالة يدخل هذا العمل أو المال في ملك الآمر و ينتقل عنه أو يتلف في ملكه فلو أمره بعتق عبده عنه أو بإلقاء ماله في البحر و عليه ضمانه أو بأداء دينه من ماله أو بضمانه عنه أو بحمل شي‌ء له بحلق رأسه و نحو ذلك فباستدعائه من المأمور يصير شبه قرض في الجميع أو يقال بأنه لو تعلّق أمره بالأعيان فكأنّه اشتراها من المأمور أو بالأعمال فكأنه استأجر عاملها أو بأداء الدّين فكأنّه اقترض من المأمور فيدخل العبد المأمور بعتقه حقيقة في ملك الآمر و ينعتق عنه و هكذا يدخل المال الّذي أمر بإلقائه في البحر في ملك الآمر و يتلف في ملكه إذا لم تكن المعاملة سفهيّة كما إذا توقّف النّجاة من الغرق على الإلقاء و هكذا في مورد الأمر بأداء الدين فبعد دخول المال في ملكه يوفي به دينه و كذا الحوالة على البري‌ء و هكذا الأمر بحمل شي‌ء له و نحو ذلك‌

و بالجملة كل هذه العناوين حيث إنّها معاملة واقعة بين الآمر و المأمور و المأمور امتثل ما أمر به الآمر فتقع في ملك الآمر و إذا عيّن له العوض فلا يستحق إلّا المسمى‌

73

و لو لم يعيّن فيضمن له المثل أو القيمة‌

و من أحكام هذه المعاملة أنّه ليس للمأمور مطالبة العوض إلّا بعد الامتثال و لا يضمن الآمر إلا بعد الاستيفاء فصحّة هذه المعاملة لعموم تجارة عن تراض تقتضي تقدير الملك فكأنّ العبد يدخل في ملك الآمر و ينعتق عنه‌

ثم إنّ تقدير الملك آنا ما في مسألة العتق ليس لأنّ العتق لا بدّ أن يقع من المالك لأنّه إذا وقع من دون أمر آمر و استدعائه يقع من مالكه و لو قصده عن غيره بعوض فإنّ هذا القصد من دون أمر الغير لغو و لا لأنّ العتق لا يقع من المالك عن الغير كما توهم فإنّ الدّليل الدالّ على وقوعه تطوّعا معتبر دلالة و سندا لكونه معمولا به بين الأصحاب و به يثبت التّلازم بين صحّة الوكالة و صحّة النّيابة في خصوص العتق و إن لم نقل بأنّ كلّ ما يقبل الوكالة يقبل النّيابة بل لما ظهر من أن استيفاء مال محترم كالعبد بالأمر المعاملي و باستدعاء التّمليك بالعوض و تمليك المأمور جوابا عن الاستدعاء يقتضي دخول العبد في ملك المستدعي و انعتاقه عنه دون مالكه الأصلي فمعنى التقدير في أمثال هذه الموارد ليس بمعنى الفرض بل ملك حقيقيّ غير مستقرّ كالملك الحاصل لذي الخيار و الواهب بالتصرّف النّاقل و الملك الحاصل المشتري العمودين و لا وجه لما يظهر من المصنف من الفرق بين الموارد‌

و حاصل الكلام أنّ نفس استيفاء الأموال أو الأعمال بالاستدعاء المعاملي يقتضي وقوع ما استدعاه في ملك المستدعي و هذا المعنى مفقود في إذن المالك للغير بالتصرّف و إباحته له لأنّ مجرّد الإباحة و الإذن لا يوجب وقوع المأذون فيه و المباح في ملك المأذون و المباح له فلو قال أعتق عبدي عنك من دون إذن في توكيله في العتق عن المالك تبرعا عن الوكيل و من دون إذن في شرائه العبد لنفسه ثم عتقه في ملكه فلا يقتضي وقوع العتق في ملك المأذون حتى يقدّر الملك آنا ما لعدم دليل يدلّ على جواز هذا النّحو من التصرّف من غير المالك بإذن المالك حتّى يقدر الملك آنا ما بدلالة الاقتضاء و عموم النّاس مسلّطون قاصر عن شموله له لحكومة الأدلة الدالّة على توقف هذه التصرّفات على الملك عليه‌

ثم لا يخفى أنّ دلالة الاقتضاء المستفادة في المقام ليست من مداليل الألفاظ و لا ممّا يتوقّف صحّة الكلام و الخروج عن اللغويّة عليه حتى تستفاد هذه الدلالة في عكس المقام و هو ما لو قال أعتق عبدي عنك أو اشتر من مالي لنفسك طعاما بل وجه استفادة دلالة الاقتضاء هو أنّ استيفاء المال أو العمل المحترم مع عدم قصد التبرّع من المالك أو العامل يقتضي ضمان المستوفي و مقتضى ضمانه انتقال ما استوفاه إلى ملكه لأن ضمانه من باب المعاملة لا الغرامة حتى لا يقتضي دخول المضمون به في ملك الضامن فدلالة الاقتضاء في المقام نظير اقتضاء إيجاب شي‌ء لإيجاب مقدّمته و هذه الدّلالة لو وجدت في عكس المسألة نلتزم بها كما لو فرض أنّه قصد الإعطاء مجّانا بنفس الفعل و قال اشتر لك من مالي طعاما من دون أن يقصد بالقول إنشاء التّمليك و من دون توقف التّمليك على اشتراط المأمور بل داعيه تمليك المال للمأمور مجانا لأن يشتري به شيئا خاصا أو قصد الإقراض و كان القبول من المتّهب بنفس الأخذ من دون مدخليّة للاشتراء في القبول أو كان غرضه توكيله في الاشتراء للمالك ثم أخذ الطّعام قرضا أو اشتراء الطّعام لنفسه في ذمّته و إيفائه من مال الآمر بإذنه و يصحّ كلّ ذلك لو قلنا بوقوعه بالألفاظ‌

74

المجازيّة و الكنائيّة إلّا أنّ جميع ذلك خارج عن مفروض المسألة لأنّ المفروض هو حصول النّقل و الانتقال بنفس الأمر و الامتثال و هذا إنّما يصحّ في أعتق عبدك عنّي أو أدّ ديني أو احلق رأسي لا في مثل أعتق عبدي عنك و اشتر لنفسك من مالي طعاما‌

و توضيح الفرق بينهما أنّ في الأصل و هو العتق عن الغير و أداء دينه و حلق رأسه يصحّ بنفسه من مالك المال و العمل و إذا صحّ مجّانا يصحّ مع العوض فإذا استدعى الآمر صدوره من المالك و العامل مع التزامه الضّمان و امتثل المأمور فيقتضي الاستدعاء و الامتثال مع عدم قصد التبرّع الضّمان و لازم الضّمان التعهّدي دخول المضمون به في ملك الضامن و هذا هو الملك التّقديري‌

و أمّا في عكس المسألة فالاشتراء للنّفس بمال الغير و عتق عبد الغير لا يصحّ حتى يكون الأمر به استدعاء و امتثاله إيجابا فلا أثر هنا للامتثال و لا للأمر من المالك و إباحته لغيره و إذنه في التصرّف لأنّه ليس من أنحاء سلطنة المالك الإذن بتصرّف يتوقّف على الملك لأنّ الإباحة المطلقة لا يباح بها إلّا ما هو جائز بذاته شرعا كما عرفت في الأصل لا ما يباح بالإباحة فإنّ الإباحة بها فرع صحّتها و صحّتها بالإباحة دور واضح فتقدير الملك في العكس دور واضح لتوقّفه على صحّة عتق المأمور و صحّته يتوقّف على التقدير‌

نعم لو قام دليل خاصّ على صحّة هذه الإباحة بالإذن كما ادعي قيام السيرة على صحّة المعاطاة فيما لو قصد المتعاطيان الملك مع ترتّب الإباحة عليه و كذا لو قصد الإباحة المطلقة و ادّعى الإمضاء أيضا أو قام دليل على عموم أنحاء سلطنة المالك حتّى إذنه في التصرّفات المتوقّفة على الملك لخصّصنا به الدليل الدالّ على اعتبار وقوع هذه التصرّفات في الملك لو كان شرعيا أو نقدر الملك آنا ما لو كان عقليا‌

و أما إذا لم يقم دليل خاص فبعموم الناس مسلّطون لا يمكن إحراز كفاية إذن المالك و إباحته في التصرّف فيما يتوقّف على الملك‌

و بالجملة كون عكس المسألة من قبيل المسألة إنّما هو فيما لو كان إذنه في عتق العبد إذنا في توكيله باستيفاء العبد من قبل مالكه بأمر معاملي موجب للضّمان فوقوع العتق بمنزلة الاستيفاء بالضّمان و الإذن بمنزلة القبول و لازم الاستيفاء بالضّمان وقوع العتق في ملك المستوفي الضّامن و ولائه له بخلاف ما إذا أذنه في عتقه من قبل مولاه تبرعا منه للمأمور فإنّ ولاءه للإذن الّذي خرج العبد عن ملكه و أمّا مجرّد الإذن في العتق بدون قصد التبرع و بدون وقوع المعاملة بينهما فلا يفيد في صحّة وقوع العتق لأنّ النّاس غير مسلّطين على إباحة ما لا تؤثّر الإباحة فيه‌

ثم إنّ الأمور الّتي تتوقّف على الملك قطعا هو البيع و العتق و الوطي و أمّا الخمس و الزكاة و ثمن الهدي ففيها خلاف كما سنشير إليه‌

أمّا البيع فلما تقدم من أنّ حقيقته تبديل المالين و لازمه خروج العوض عن ملك من يدخل في ملكه المعوّض و بالعكس فمع بقاء ما أخذ بالمعاطاة في ملك مالكه أي المبيح لا يمكن دخول العوض في ملك المباح له من دون خروج المعوّض عن ملكه و ليس اعتبار هذا الشرط لإخراج التّمليك المجاني حتى يقال يعقل تمليك الإنسان مال غيره بعوض يملكه بإزائه كما يعقل تمليك ماله بعوض يملكه غيره بل لبيان حقيقة البيع و هو تبديل أحد طرفي الإضافة بمثله فإذا كان في المثمن أحد طرفي الإضافة مالكه و الطّرف الآخر هو المثمن و كان في طرف الثمن أيضا كذلك فلا بدّ أن يقوم العوض مكان المعوّض‌

75

في الطرفيّة و لازمه أن يصير مالك المعوض مالكا للعوض و بالعكس فلا يعقل أن يقع التمليك من غير المالك و يقع العوض ملكا لهذا الغير و لا يعقل أن يقع التّمليك من المالك بعوض يملكه غيره مع أنّ المعاملة مجّانية بالنّسبة إلى الغير الّذي أخرج منه المال في المثال الأوّل و المالك في المثال الثّاني و إن لم يخرج المال مجّانا و بلا عوض‌

و بالجملة لا يمكن أن يقع المعاملة بين ثلاثة أشخاص أو أربعة بأن يخرج المتاع من ملك زيد و العوض من عمرو و يملك بكر العوض أو المعوّض أو يملك بكر العوض و خالد المعوّض فبدون دخول العوض في ملك من خرج عنه المعوض و بالعكس لا يمكن أن يكون بيعا بل هذا حال سائر المعاوضات أيضا فإن حقيقتها تقتضي أن يكون طرف العقد و من يقام به المعاوضة مالكا للعوض فإنّ في المصالحة بين اثنين أو غيرها من العقود تقتضي أن يكون المتعاقدان طرفي الإضافة فلو صالح عن ماله زيدا على أن يكون عوضه الّذي هو مال زيد لعمرو يكون الصّلح باطلا إلّا أن يكون بنحو الاشتراط الّذي لازمه مالكيّة المشترط الشرط على المشروط عليه دون عمرو فالمعاوضة بين اثنين تقتضي أن يكون الأجنبي أجنبيّا و على هذا فيلحق بالبيع الهبة لتوقّفها على الملك حتى صار قولهم وهب الأمير ما لا يملك من الأمثال و هكذا الصّلح و نحوه من المعاوضات فإنّها في حكم البيع في اقتضائها دخول العوض شرطا كان أو مالا أو سائر الاعتبارات العقلائية في ملك من يخرج المعوض عن ملكه‌

نعم شبه المعاوضات كالنكاح و الخلع لا يقتضي ذلك فيصحّ أن يكون الصداق من غير الزوج و هكذا يصحّ أن يكون البذل من غير الزوجة إلّا أنّه في الحقيقة خارج عن العقود المعاوضيّة‌

و أمّا العتق فلأنّه فكّ الملك و من الإيقاعات فلا بدّ من تحققه ممن له إيجاده و إيقاعه و الإذن في التصرّف لو كان راجعا إلى توكيل المأذون في العتق عن المالك و لو تبرعا عن المأذون فهو خارج عن محلّ الكلام لأنّ العتق حقيقة واقع في ملك المالك لا المباح له و المأذون و لذا يكون ولاءه للمالك و لو رجع إلى مشروعيّة الإذن في وقوع العتق عن غير المالك فلا دليل عليها‌

و بالجملة لا فرق بين البيع و العتق فكما لا يجوز بيع مال الغير بحيث يدخل الثمن في ملك البائع دون المالك فكذا لا يجوز عتق عبد الغير بحيث يكون المعتق غير المالك و يكون ولائه له أيضا‌

و كما أن إباحة المالك و إذنه في بيع غيره و كذا إجازته بعد وقوع البيع لا يجديان في أن يكون ثمن ماله للغير فكذا إباحته و إذنه للغير في عتق عبد الآذن أو إجازته بعد وقوع العتق منه لا يجديان في أن يكون ولائه للغير‌

نعم بين البيع و العتق فرق من جهة أخرى و هي أنّ في العتق حيث إنّه يجوز التبرع من مالك العبد عن غيره فينفذ إذنه للغير في أن يعتق عبد المالك عن نفسه و أما البيع فحيث إنّه تبديل طرف إضافة بطرف إضافة أخرى فلا يؤثر إذن المالك في بيع المأذون لنفسه و صيرورة الثمن له لما عرفت من أنّ هذا ليس معاوضة لأنّها عبارة عن لبس بعد خلع فكلّ من خلع يلبس بدله و لا يمكن أن يكون الخلع من أحد و التلبس للأجنبي‌

و أمّا الوطي فلأنّه اعتبر بالنصّ و الإجماع وقوعه في ملك الواطئ أي لا بدّ أن يكون الواطئ مالكا للوطي سواء كان للزّوجية أو لملك الرّقبة و للتّحليل و لا يملك الوطي بالإذن من المالك لاعتبار ألفاظ خاصّة في التّحليل و التزويج‌

76

و أمّا ثمن الهدي فلا مانع من إعطائه من مال الغير بإذن مالكه سواء كان في الكفّارات أو في حجّ القران أو الإفراد لأن نفس السوق لا بدّ أن يقع قربيّا و مباشرة من السّائق لو قلنا بالأخير لا ثمن المسوق‌

و أمّا الخمس و الزكاة فلو قيل بتعلّقهما بالذمّة يجوز إخراجهما من مال غير من تعلقا بذمّته كسائر الديون الّتي يجوز أداؤها من مال غير المديون و لو قيل بتعلّقهما بالعين كما هو المشهور فيشكل جواز التبرّع عمن عليه إمّا لاعتبار مباشرته أو لاختصاص ولاية الإخراج من غير العين به فلا يؤثر إذنه في الإخراج‌

فتحصّل ممّا ذكرنا أن كلّ ما يتوقّف صحّته على الملك لا يجدي فيه الإذن و الإباحة لأنّ صحّته بهما تتوقّف على عموم النّاس مسلّطون و عمومه فرع عدم تخصّصه بما دلّ على اعتبار الملك عقلا أو عدم تخصيصه بما دلّ على اعتباره شرعا و لا وجه للالتزام بالملك التقديري إلّا بعد صحّته في نفسه كما عرفت ممّا ذكرنا في موارد استيفاء الأموال أو الأعمال بالأمر المعاملي فإنّ إتلاف هذه الأموال و الإتيان بالأعمال بنفسها مشروعة من مالكها و مقتضى الأمر المعاملي أن يكون ضمانها على المستوفي و مقتضى الضّمان وقوعها في ملك الضّامن‌

أمّا ما شكّ في صحّته كما في الإذن و الإباحة فالتقدير فيه فرع عموم التسلّط و لا عموم مع وجود الدّليل الدال على لزوم وقوع هذه التصرّفات في الملك و المورد الثاني من الموارد الّتي يقدر فيها الملك آنا ما تصرّف ذي الخيار فيما انتقل عنه و ما يلحق به كتصرف الواهب في العين الموهوبة بالتصرّف الّذي يتوقّف على الملك فإنّ دليل نفوذ هذا التصرّف يقتضي وقوعه في ملك المتصرّف ثم خروجه عنه فإن من وجود المعلوم و هو نفوذ بيع ذي الخيار و الواهب و انتقال العين منهما إلى المشتري يستكشف أنّ المبيع قبل البيع أو في زمان الإنشاء ملك لهما كما أنّ في مثل أعتق عبدك عني يستكشف الملك من العلّة و هو الضمان النّاشي عن الأمر المعاملي و المورد الثالث شراء من ينعتق على المشتري و انعتاق أمّ الولد من نصيب ولدها و انعتاق العبد المسلم عن الكافر في بعض الصّور فإنّ من المعلول و هو الانعتاق يستكشف الملك أو يقال ترتّب الانعتاق من لوازم الملكيّة فعليّة الملك لأمر مترتّب عليه موجبة لثبوت الملك بالشّراء أو التوريث ملكا غير مستقرّ‌

و على أيّ حال تحقّق أصل الملك في الموارد الثّلاثة لا إشكال فيه لأنه يستكشف إمّا من علته أو من معلوله أو من أمر ملازم له مترتّب عليه و أما كونه آنا ما و غير مستقر فهو مقتضى الدليل القائم في كلّ مورد و كيف كان فالإباحة و الإذن لا يدخل تحت هذه العناوين و لا دليل على نفوذهما حتى يستكشف منه الملك من جهة الجمع بينه و بين دليل توقّف التصرّف على الملك‌

قوله (قدّس سرّه) فليس ملكا تقديريا نظير الملك التقديريّ في الدّية بالنّسبة إلى الميّت أو شراء المعتق عليه إلى آخره

قد أشرنا إلى ما يرد على هذا الكلام و قلنا في جميع هذه الموارد أنّ الملك حقيقيّ غير مستقر و أنّ المراد من التقدير ليس مجرّد الخيال فلا فرق بين الملك المستكشف من نفوذ تصرف الواهب و ذي الخيار و الملك المستكشف من انعتاق الأقرباء على المشتري و الملك المستكشف للميّت القتيل من إرث وارثه فإنّه كما يستكشف من صحّة بيع الواهب أو عتقه كونه مالكا قبل البيع أو العتق لو قلنا باعتبار وقوع الإنشاء في الملك أو كونه مالكا حال البيع أو العتق لو قلنا باعتباره وقوع المنشإ في الملك فكذلك يستكشف من وراثة الورثة من دية الميّت المقتول أنّ المقتول حال القتل أو آنا ما قبله مالك لديته حتّى‌

77

يرث الوارث منها‌

نعم لو كان مراده (قدّس سرّه) من الميّت هو الذي قطع أحد أعضائه بعد الموت و من الذي ينعتق عليه أقرباؤه هو الّذي لا يملكهم كما قيل بعدم حصول الملك لمشتري القريب نظرا إلى بعض الأخبار الدالّة على أنّ العمودين لا يملكان لكان الفرق بين هذين المثالين و تصرّف الواهب بالبيع و نحوه بيّنا فإنّ نفوذ بيع الواهب كاشف عن كون المبيع ملكا له و أمّا الميّت فلا يملك إلّا حكما‌

كما أنّ الانعتاق على المشتري ليس إلّا تعبّدا جزاء لكونه بصدد شراء أقربائه و على هذا تسويته (قدّس سرّه) بين الميّت و المنعتق عليه أقرباؤه لا يصحّ لأن الميّت يملك ديته حكما و المنعتق عليه لا يملك رأسا‌

كما أنّه لا يصح كلامه لو كان مراده من الميّت الذي قطع أعضاؤه بعد الموت و من المشتري من ينعتق عليه ما ملكه بالشّراء كما في بعض الأخبار الدالة على أنّهما يملكان فينعتقان بلحاظ الفاء الدالّ على الترتّب لأنّه لا جامع بينهما فإنّ الملك للمشتري ملك حقيقيّ غاية الأمر جعله الشّارع علّة لزواله في المرتبة المتأخّرة أو جعل الشراء سببا لأمرين الملكيّة و الانعتاق‌

و أمّا ملك الميّت للدّية فهو ملك حكمي دلّ عليه الدّليل و إنّما النزاع في تقديره من زمان الموت حتّى يرث منه كل وارث حينه أو من زمان ورود القطع و هكذا النّزاع في ملك الميّت للصّيد الواقع في الشبكة الّتي نصبها حال حياته إنّما هو في أنّ الوارث حين النصب يرث و حين الاصطياد‌

قوله (قدّس سرّه) فلم يبق إلّا الحكم ببطلان الإذن في بيع ماله لغيره إلى آخره

قد تقدم أنّ الإذن بنفسه ليس مشروعا فنفوذه لجواز تصرف المأذون إنّما هو فيما ثبت للإذن شرعا‌

و تفصيل ذلك أنّ ما كان من قبيل الإتلافات الّتي كانت للمالك مباشرة أو توكيلا فينفذ الإذن فيه و ما لم يكن له ذلك فلا ينفذ فإذا أذن في الأكل و الشرب و العتق و أداء الدّين و نحو ذلك فينفذ أمّا الأوّلان فواضح لأنّه من آثار سلطنة المالك على ماله‌

و أمّا العتق فلما ظهر من أنّ العتق عن الغير تبرعا جائز و نافذ و يقع عنه سواء كان واجبا أو مستحبّا على الغير فإذن الغير به بمنزلة توكيله في عتقه عن مالكه للوكيل و مقتضاه وقوعه مجّانا لو لم يكن مسبوقا بالاستدعاء من الغير إلّا أن تقوم قرينة على التّضمين فيضمن لو أعتقه كما أنّ مقتضى الاستدعاء أن يكون ضمانه على المستدعي فيقتضي دخوله في ملكه آنا ما إلّا أن تقوم قرينة على عدم الضّمان و على الاستدعاء من المالك مجّانا‌

و بالجملة إذن المالك بالعتق عنه لغيره نافذ و لكنّه يحكى عن المسالك في باب الكفّارات أنّه لا بد أن يقع العتق في ملك المعتق و عن نفسه لا عن غيره و إنّما خرج عتق الولد عن الوالد تبرعا بالدّليل و لا يخفى أنّ ما أفاده يتمّ لو قام إجماع عليه و إلّا مقتضى القاعدة صحته من مالك العبد عن غيره لأنّه من قبيل سائر التبرّعات كأداء الدين و إعطاء ثمن الهدي و مهر زوجة الغير و نحو ذلك فحكمه حكم الإذن في الإتلاف نعم تقدم وجه الإشكال في الخمس و الزكاة‌

و بالجملة كلّ ما كان للمالك إتلافه مباشرة تؤثر إذنه فيه لأنه من الواضح عدم اعتبار المباشرة في مثل ذلك و ما لم يكن للمالك مباشرته كالشراء بماله للغير أو شرائه لنفسه بمال الغير بل مطلق المعاوضات فإذنه لا يؤثّر في صحّته إلّا أن يرجع إلى الإذن في القرض ثم الاشتراء لنفسه بماله أو يكون مجرّد مقاولة قبل البيع كما في أخبار العينة الدالّة على أنّه لو كان للآمر الخيار و للمأمور كذلك فلا بأس أي إذا اشترى أحد بماله لنفسه و لو كان داعيه أمر غيره‌

78

بالشراء و لذا كان مختارا في بيعه من الأمر و عدمه فلا محذور فأخبار العينة ناظرة إلى جهة المرابحة و إلى بيان أنّه لو كان مقصود المتبايعين أخذ الربا يبطل البيع و الشراء و أمّا لو كان قصدهما البيع الحقيقي فلا يبطل و ليست ناظرة إلى جواز شراء شي‌ء بماله لغيره و نحن نذكر واحدا منها تيمنا‌

ففي رواية الحسين بن منذور قال قلت لأبي عبد اللّٰه ع الرجل يجيئني فيطلب العينة فاشترى له المتاع مرابحة ثم أبيعه إياه ثم أشتريه منه مكاني فقال إذا كان هو بالخيار إن شاء باع و إن شاء لم يبع و كنت أنت بالخيار إن شئت اشتريت و إن شئت لم تشتر فلا بأس فإنّه (عليه السّلام) في مقام بيان أن مقصودهما لو كان المعاوضة حقيقة فلا بأس و لو كان مقصودهما أخذ الرّبح فربا و أمّا أنّ شراء المستدعى منه من مال المستدعي بعد قرضه منه أو من نفسه فليس الإمام (عليه السّلام) بصدد بيانه‌

ثم لا يخفى أنّه لو باع المأذون المفروض يقع البيع للمالك إمّا لازما أو موقوفا على الإجازة ثانيا كما سيجي‌ء إن شاء اللّٰه في الفضولي تفصيله و ملخّص وجه الاحتمالين أنّه لو كان بيع المباح له مال غيره لنفسه من قبيل بيع الولد مال أبيه بظن حياته ثم تبين موته قبل البيع فيحتاج إلى الإجازة لأنّه لم يقصد بيع مال نفسه و لو كان من قبيل من باع ماله على أن يصير الثّمن ملكا للغير فالقصد لغو و يقع البيع لنفس البائع و لا يحتاج إلى الإجازة ففي المقام حيث قصد البائع بيع مال غيره لنفسه يكون هذا القصد لغوا كقصد الغاصب بيع مال المغصوب منه لنفسه و بيع الغاصب و إن توقّف وقوعه للمالك على إجازته إلّا أنّ في المقام يقع البيع للمالك لا إجازته للتّلازم فيما صحّ بالإجازة صحّ بالإذن فإنّه لو أثّر الإجازة اللاحقة يؤثر الإذن السّابق بطريق أولى‌

و لكن الأقوى الاحتياج إلى الإجازة في المقام لأن التلازم فيما صحّ بالإجازة صحّ بالإذن إنّما هو لو وردا في محلّ واحد و في المقام الإذن تعلّق ببيع المأذون مال غيره لنفسه لا لمالكه و في باب صحّة ما باعه الغاصب لنفسه بالإجازة إنّما هو لأنّ الغاصب بنى على مالكيته فأوقع المعاملة بين ملكي المالكين فالإجازة ترد على تبديل المالين فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ الإذن ليس مشرعا و لا يباح به إلّا ما يجوز للمالك مباشرته فتأمّل‌

قوله (قدّس سرّه) و لكن الّذي يظهر من جماعة منهم قطب الدين إلى آخره

لا يخفى أنّه و إن كان ظاهر جماعة أن شراء العالم بالغصبيّة من الغاصب يوجب تملّك الغاصب الثمن و لما اشتراه بهذا الثّمن إلّا أنّ هذا لا يمكن الالتزام به و لذا حمل بعض تملّك ما اشتراه الغاصب بالثمن الّذي أعطاه العالم بالغصبيّة على ما إذا وهبه العالم لا على ما إذا أباح له فإن مجرّد الإباحة لا أثر له و يمكن أن يكون قوله (قدّس سرّه) فتأمّل إشارة إلى أنّ ما يظهر من جماعة لعلّه محمول على هبة العالم لا إباحته له‌

قوله (قدّس سرّه) و أمّا الكلام في صحّة الإباحة بالعوض إلى آخره

إباحة أحد المالكين ماله للآخر بعوض أي تقابل الإباحة مع الملك يقع على قسمين الأوّل أن يبيح المالك ماله على أن يكون المباح له ضامنا بالمثل أو القيمة و هذا لا إشكال فيه فإنّه نظير العارية المضمونة الثّاني أن يبيح له بضمان المسمّى كما هو مفروض البحث و هذا تارة يقع بالمعاطاة كما هو مفروض كلام المصنف و أخرى بالقول على كلا التّقديرين لا إشكال في خروج هذه المعاملة عن عنوان البيع لأنّه تبديل مال بمال لا تبديل الإباحة بالمال إنّما الكلام في أنّها‌

79

عنوان مستقل أو داخلة في عنوان الصّلح‌

ثم بناء على الأول ما الدّليل على صحّتها و نحن في الدورة السّابقة نبينا على أنّها داخلة في عنوان الصّلح لأنها بمعنى التّسالم و الاتفاق على أمر و هذا العنوان لا يشترط أن يكون منشأ بلفظ صالحت أو تسالمنا على كذا بل يكفي كلّ لفظ أو فعل يدلّ عليه و لو بالالتزام كما ورد في صلح الشّريكين بقولهما لك ما عندك و لي ما عندي إلّا أنّ الأقوى عدم دخولها تحت عنوان الصّلح و لو بناء على تحقّقه بكل فعل أو لفظ يكون دالا عليه لأنّ مجرّد الاتّفاق على أمر لا يوجب دخوله في عنوان الصّلح و إلّا كان البيع و الإجارة و نحوهما أيضا داخلا فيه بل لا بدّ إمّا أن ينشأ عنوان الصّلح بقولهما صالحت و قبلت أو بما يكشف عنه بالدلالة السّياقيّة كما في صلح الشّريكين فإنّهما بعد نزاعهما لو تسالما على أمر و قال أحدهما لك ما عندك و لي ما عندي و قال الآخر كذلك أو قبلت فمن سوق كلامهما يستكشف أنّهما في مقام التّسالم‌

و أمّا في المقام و هي الإباحة العوض فلا دلالة لفظيّة أو فعلية على إنشاء العنوان و لا سياقيّة فكيف يقال إنّه صلح ثم إنّه لا يمكن التمسّك لصحتها بقوله عزّ من قائل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و لا بقوله تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ أمّا الأوّل فلأنّها إذا وقعت بالفعل فلا تكون عقد و إن وقعت بالقول فلا تكون من العهود المتعارفة حتى يكون قوله سبحانه إمضاء لها و أمّا الثّاني فلأنّ التّجارة و إن كانت مطلق التكسّب إلّا أنّه لا بدّ أن يكون التكسّب من الطّرفين و المباح له لم يكتسب ملكا و مطلق استيفاء المنافع ليس تكسّبا فتأمّل‌

نعم قد تقدّم أنّه يمكن التمسّك لصحّته بعموم قوله ع النّاس مسلّطون على أموالهم لأنّ هذه القاعدة و إن لم تجري في ناحية الأسباب و لا تدلّ على كفاية العقد الفارسي مثلا إلّا أنّها جارية في ناحية المسبّبات و من آثار سلطنة النّاس على أموالهم إباحة مالهم بالعوض المسمّى إلّا أن يناقش في عموم القاعدة بحيث يشمل المقام لأنّه لو لم يكن الإباحة بالعوض المسمّى مندرجة تحت أحد العناوين المتعارفة الّتي أمضاها الشّارع فليس للمالك التسلّط عليها‌

هذا مع أنّ كلّ إجارة فاسدة و بيع فاسد لا محالة متضمّن للإباحة بالعوض المسمّى فما معنى عده من العقود الفاسدة فتأمّل‌

قوله (قدّس سرّه) و على تقدير الصّحة ففي لزومها مطلقا إلى آخره

لا يخفى أنّه على فرض الصّحة فالصّواب هو التّفصيل بين الواقع بالفعل و القول على ما اخترناه من جواز المعاطاة فلو وقع بالقول فالحق لزومه من الطّرفين لعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بناء على أن مفاده هو الحكم الوضعي كما هو الحقّ و تبيّن وجهه في محلّه لأن نفوذ العقد و كونه ممضى يقتضي نفوذه من الطّرفين فإنّ العقد هو العهد المؤكد الواقع بين المعاملين فلا يمكن التّفكيك إلّا إذا ثبت بالدّليل كما في الجواز الثّابت للمرتهن دون الرّاهن‌

نعم بناء على أن مفاده الحكم التكليفي فيمكن أن يجب الوفاء على أحد المتعاقدين دون الآخر و لو وقع بالفعل فالحقّ جوازه من الطّرفين و التّفصيل بين الملك و الإباحة لا وجه له‌

[الأمر الخامس في حكم جريان المعاطاة في غير البيع]

قوله (قدّس سرّه) الأمر الخامس في حكم جريان المعاطاة في غير البيع إلى آخره

لا يخفى أنّ الاستدلال بأدلّة المعاملات لصحّة المعاطاة فيها يتوقّف على إثبات مقدّمتين‌

الأولى كون الفعل بنفسه مصداقا لهذه العناوين ليصحّ الاستدلال بأدلّة العناوين على صحّته أو كونه مصداقا لأمر ملازم لأحد العناوين بحيث يترتّب عليه بجريان العادة المألوفة و السيرة المستمرّة‌

80

ما يترتّب على ملازمه بأن كانت السيرة دليلا على ترتب ما يترتّب على ملازم الفعل لا أن تكون دليلا على أصل صحّة المعاملة الفعليّة فبعد جريان العادة يدخل الفعل بالملازمة في أحد العناوين و يصحّ الاستدلال له بما يستدلّ به للعناوين نظير القول فإنه قد ينشأ به أحد العناوين مطابقة و قد ينشأ به أحدها التزاما‌

و وجه اعتبار كون الفعل مصداقا لها و مصداقا لملازمها ما أشرنا إليه سابقا من أنّ مجرّد قصد عنوان وقوع الفعل عقيبه لا يؤثر في تحقّق هذا العنوان إذا لم يكن الفعل آلة لإيجاده أو إيجاد ملازمه‌

و الثّانية أنّ الفعل إذا كان مصداقا لعنوان خاص فلا إشكال في تحقّق هذا العنوان بإيجاده مع القصد و أمّا إذا كان مشتركا و كان ذا وجوه فتعيّن أحد العناوين دون غيره إنّما هو بالقرائن المكتنفة به و القرينة في باب الأفعال ليست ممّا ينشأ بها جزء المعنى حتى يقال إنّ المنشئات في باب المعاملات معان بسيطة لا يمكن إنشاؤها تدريجا و ليست لها أجناس و فصول لأنّ القرينة موجبة لتعين وجه الفعل فينشأ التمليك مثلا بالفعل وحده‌

و بالجملة و إن قلنا بأنه لا يمكن إنشاء العقود بالمشترك المعنوي و لا بالمشترك اللّفظي إلّا أنه لا يمكن قياس الفعل باللّفظ لأنّ القول في المشترك المعنوي وضع لمعنى جامع و في المشترك اللّفظي لكلّ معنى مستقلا فإيجاد المعنى المشترك بالقول المفيد لمعنى عام إيجاد للجنس و اللّفظ الدال على الخصوصيّات إيجاد للفصل فيوجد المقصود بتعدّد الدالّ و المدلول و هكذا إيجاد باللّفظ الّذي لا يستفاد منه معنى إلّا بالقرينة كالمشترك اللّفظي إيجاد للمقصود بلفظين و هذا و إن لم يخل عن المناقشة كما سيجي‌ء إن شاء اللّٰه من أنّه لا مانع من إيجاد أحد العناوين بالمشترك لفظا بين عناوين متعدّدة إلّا أنّ هذا الإشكال لا يرد في الفعل لأنّ وجه الفعل ليس بمنزلة القرينة لينشأ بها شيئا غير ما ينشأ بذي القرينة بل ينشأ العنوان بنفس الفعل الموجّه فإذا كان المعطي في مقام البيع فينشأ البيع بنفس الفعل و هكذا لو كان في مقام إعطاء ماله قرضا أو هبة ينشأ القرض أو الهبة بنفس الفعل‌

و بالجملة فكما إذا كان الفعل موجّها بعنوان واحد ينشأ العنوان به كالوطي الّذي به يتحقّق الرجوع في العدّة الرجعيّة و به يتحقّق الفسخ في البيع الخياري فكذلك بنفس الفعل ينشأ العنوان إذا كان ذا وجوه‌

إذا عرفت ذلك ظهر جريان المعاطاة في البيع و الهبة و القرض في الإجارة و العارية و الوديعة لأنّ الفعل إمّا بنفسه مصداق لأحد هذه العناوين أو ملازم له فلو لم يكن إعطاء كل منهما ماله للآخر بيعا فلا أقل من كونه تسليطا و من جهة العادة و السّيرة المستمرّة من قصد البيع به يقع البيع به و إن كان الفعل في الخارج ملازما للبيع و هكذا يصحّ إنشاء المضاربة و نحوها به فإن الفعل و إن لم يمكن إنشاء جميع ما يعتبر في المضاربة به من تعيين الرّبح و نحوه إلّا أنه كلّما يمكن إنشاؤه بالفعل فينشأ به و كلما ليس الفعل مصداقا له يتعيّن بالقول و ينشأ باللّفظ و لا مانع من تركيب المعاملة من الفعل و القول إذا كانت المعاملة مشتملة على أمور كلّها لا بدّ من إنشائها إمّا بالفعل أو القول كالشّرائط الّتي في ضمن العقود‌

و ما يقال من أنّ منشئات العقود بسيطة ليس معناه أنه لا يمكن إنشاء أمرين في معاملة واحدة بل معناه أنّ الأمر الواحد لا يمكن إنشاؤه تدريجا و بالجملة كلّ شرط في ضمن العقد منشأ مستقلّ و تحقّقه في عالم الاعتبار بإنشائه قولا أو فعلا فلا مانع‌

81

من إنشاء المضاربة و نحوها من المزارعة و المساقاة بالفعل نعم ما لا يجري فيه المعاطاة أمور منها ما لا يمكن إلّا إنشاء بالقول خارجا و منها ما لا يصح إنشاؤه بالفعل شرعا و منها مورد الخلاف‌

فمن الأوّل الوصية تمليكية كانت أو عهديّة و التّدبير و الضّمان فإنّها لا تنشأ إلّا بالقول لعدم وجود فعل كان مصداقا لهذه العناوين فإن انتقال الدّين من ذمّة إلى أخرى لا يمكن أن يتحقّق بالفعل و لا العتق أو الملكيّة أو القيمومة بعد موت الموصي‌

و من الثّاني النّكاح فإنّ الفعل فيه ملازم لضدّه و هو الزّنا و السّفاح بل مصداق للضدّ حقيقة فإن مقابل النّكاح ليس إلّا الفعل المجرّد عن الإنشاء القولي و عمّا جعله الشّارع سببا للحليّة‌

و من الثّالث الوقف و لكن الأقوى هو التّفصيل بين أقسامه فما كان الفعل بنفسه مصداقا لحبس العين و تسبيل المنفعة كوقف المساجد و القناطر و المدارس و وقف الحصر و البواري و نحوهما للمساجد و المشاهد يقع بالفعل كوقوعه بالقول و ما لم يكن الفعل مصداقا له كالوقف الخاص أو لمصرف خاص كالوقف لتعزية سيد الشّهداء (سلام اللّٰه عليه‌) و على الدّماء السّائلات بين يديه فلا يقع بالفعل‌

و بالجملة لم يقم دليل خاص على اعتبار القول في مطلق الوقف كباب النّكاح بل النّزاع صغروي ثم ممّا ذكرنا ظهر أنّه لا يمكن وقوع الإيقاعات بالفعل إلّا باب الإجازة و الفسخ و ما يلحق بهما من الرجوع في العدّة لعدم وجود فعل يكون مصداقا للطّلاق و العتق و نحوهما فإنّ إلقاء القناع على الزّوجة و إخراج العبد من الدّار و أمثال ذلك من الأفعال ليست مصداقا للطّلاق و العتاق بل هي من آثارهما‌

ثم إنّ من القسم الثالث الرّهن فبعضهم ادّعى عدم تحقّقه بالفعل لانعقاد الإجماع على كونه من طرف الرّاهن لازما و انعقاده على توقّف العقود اللّازمة على اللّفظ و بتعبير آخر حقيقة الرّهن و هي كون المال وثيقة للدّين تقتضي عدم إمكان الفسخ للرّاهن مع أنّ المعاطاة سواء كانت مفيدة للملك أو الإباحة جائزة إمّا إجماعا أو لعدم ثبوت مقتضي اللّزوم فلا بدّ إمّا من القول ببطلان المعاطاة في الرّهن أو تخصيص ما دلّ على كون المعاطاة جائزة أو تخصيص أدلّة الرّهن و حيث إنّ الالتزام بالأخيرين ممتنع للإجماع على توقّف العقود اللّازمة على اللّفظ و لمنافاة الجواز مع كون الشّي‌ء وثيقة فتعيّن الأوّل‌

و لكنه لا يخفى أنّ الإجماع على توقّف العقود اللّازمة على اللّفظ ليس إجماعا تعبّديا قائما على حصر ما يفيد اللّزوم باللّفظ بل غرض المجمعين أنّ حكم الشّارع بلزوم المعاملة يتعلّق بالمعاملة المنشأة باللّفظ لكونها مشتملة على مدلول التزاميّ و بهذا اللّحاظ تسمّى عقدا و حيث إنّ المعاطاة ليست عقدا فلا تكون لازمة و هذا لا ينافي كون الرّهن المعاطاتي لازما من جهة أخرى و هي اقتضاء ذاته اللّزوم أي لا تنافي بين أن يكون الرّهن من حيث وقوعه بالفعل جائزا و من حيث الحكم الشرعي أو اقتضاء ذاته لازما‌

كما أنّ عدم معروفيّة الجواز من الشارع في الوقف لا ينافي جوازه من حيث وقوعه بالفعل غاية الأمر يقدم جهة الذّاتيّة أو عدم المعروفيّة على جهة نفس الفعل‌

و بالجملة لو قلنا بأنّ المعاطاة جائزة من جهة عدم اقتضائها اللّزوم أو إجماعا فلا ينافي طروّ جهة اللزوم عليها‌

قوله (قدّس سرّه) و فيه أن معنى جريان بالمعاطاة في الإجارة على مذهب المحقّق الثّاني إلى آخره

حاصل مرامه (قدّس سرّه) في ردّ المحقّق الثاني في الإجارة هو أنّ من آثار الإجارة أن يكون المستأجر‌

82

مالكا لعمل الأجير و لمنفعة دار المؤجر و أن يكون الأجير مالكا للأجر المعيّن و المؤجر مالكا للعوض بإزاء المنفعة بحيث يكون عمل العامل أو تسليم الدّار لاستيفاء المنفعة وفاء للحقّ الحاصل بالإجارة مع أنّ الآمر ليس مالكا كذلك بلا إشكال لأنّ للمأمور أن لا يعمل بما أمره الآمر و أن لا يسلّم داره فأمر الآمر و عمل المأمور ليس داخلا في باب الإجارة المتعارفة بل يدخل في باب استيفاء العمل بالأمر المعاملي الموجب لضمان المثل أو القيمة لو لم يعيّن له أجرة و لضمان المسمّى لو عيّن على إشكال فيه و منشأ الإشكال أنّ مجرّد تعيين الأجرة لا يوجب أن يكون ضامنا لما عيّن لأنّ التّعيين ليس بنفسه عقدا و لذا لا يستحقّ العمل على المأمور بل الضّمان يتحقّق بعد إتيان العامل بالعمل بإذن الآمر مع عدم قصده التبرّع فيدخل في ملك الآمر آنا ما و يضمن‌

و بالجملة اختلفوا في أنّه لو عين مقدار ما يضمن به فهل يتعين المسمّى أو يرجع إلى ضمان المثل أو القيمة أو يضمن أقل الأمرين من ضمان المسمّى أو المثل أو القيمة و الأقوى هو الثّاني لما عرفت من أنّ التّعيين بنفسه ليس عقدا بل التزام ابتدائي و لا يشمله المؤمنون عند شروطهم بناء على ما هو الحقّ من اختصاص الحديث بالشّرط في ضمن العقد و منه ظهر ضعف وجه القول الثّالث فإن وجهه إقدام العامل و رضاه بما عين له الآمر و مع بطلان التّعيين فلو كان هو الأقل فقد أقدم العامل به و لو كان هو ثمن المثل فهو الّذي يستحقّه‌

وجه الضّعف أنّ إقدام العامل لا أثر له لأنّه ليس إلّا التزام بدويّ و بالجملة لو كان أمر الآمر و عمل المأمور داخل في إجارة النّفس للعمل لكان المسمّى متعيّنا و أمّا مع عدم تحقّق الإجارة لا قولا و لا معاطاة فالتّعيين لا أثر له أما قولا فلعدم الإنشاء باللّفظ كما هو المفروض و أمّا معاطاة فلأنّ العمل بنفسه ليس إجارة لأنّ إجارة العمل ليست بنفسها صحيحة و لو بالقول فضلا عن الفعل و إجارة النّفس للعمل لا تتحقّق بالفعل لأنّ العمل الخارجي ليس مصداقا للإجارة المتعلّقة بالنفس و مجرّد قرينيّة حرفته و صنعته على أنّه لا يعمل مجانا لا يوجب أن يكون عمله مصداقا لإجارة نفسه للعمل فلو حمل المتاع بلا أمر من صاحبه و لا رضاه الّذي بمنزلة الأمر لا يدخل عمله في عنوان الإجارة و لا يستحقّ شيئا من صاحب المتاع و لو قصد الأجرة‌

نعم في إجارة الأموال تسليم المال لاستيفاء المنفعة و تسلّم المستأجر و إعطاء الأجرة إجارة معاطاتية و على هذا فما أفاده المحقّق الثّاني من أنّ في كلام بعضهم ما يقتضي اعتبار المعاطاة في الإجارة و ذلك أنّه إذا أمره بعمل على عوض معيّن و عمله استحقّ الأجرة غير وجيه لأنّ هذا غير داخل في الإجارة المعاطاتيّة و إنما يدخل في باب استيفاء العمل بالأمر المعاملي الموجب للضّمان الواقعي لا المسمّى كما ظهر‌

و حاصل مقصوده (قدّس سرّه) في ردّ المحقّق الثّاني في الهبة هو أنّه لا يمكن جريان المعاطاة فيها على مختار المحقّق الثاني القائل بأن المعاطاة مفيدة للملك الجائز للإجماع على عدم حصول الملك في الهبة إلّا باللّفظ فجريانها فيها إنّما يتم على القول بكونها مفيدة للإباحة و فيه أنّ الظاهر عدم كون المسألة إجماعيّة و عدم خصوصيّة الهبة في توقف حصول الملك فيها على اللّفظ بل لو توقّف حصوله على اللّفظ لتوقّف كل عقد عليه‌

قوله (قدّس سرّه) و أمّا على القول بالإباحة فالأصل عدم اللزوم إلى آخره

لا يخفى أنّ ما اختاره هنا ينافي ما ذكره في الأمر الرّابع في الإباحة بالعوض من أن الأقوى اللّزوم فإنّ مدرك الأقوال الثّلاثة جار‌

83

في مطلق ما يفيد الإباحة سواء كان قصد المتعاطيين الإباحة أو التّمليك مع ترتّب الإباحة على فعلهما فإنّ وجه الجواز مطلقا هو أنّ العقود التّسليطيّة دائرة مدار الإذن و التّسليط‌

و لذا استشكل في لزوم الوكالة في ضمن العقد اللّازم بتقريب أنّ الوكالة ثابتة ما دام الإذن باقيا فإذا ارتفع ارتفعت و لا يجدي اشتراط عدم عزله و لو في ضمن عقد لازم و وجه اللّزوم مطلقا كفاية عموم المؤمنون عند شروطهم لإثبات اللّزوم فإن العقود التّسليطيّة لو خليت و طبعها دائرة مدار بقاء التّسليط لا فيما إذا اشترط اللّزوم في ضمن عقد لازم أو التزم و تعهّد به ابتداء‌

و وجه التّفصيل أنّ المباح له أخرج ماله عن ملكه فلا دليل على إمكان إرجاعه إليه ثانيا دون المبيح فإنّه باق على سلطنته فإذا كان مختار المصنف اللّزوم فكيف يصحّ قوله و أمّا على القول بالإباحة فالأصل عدم اللّزوم فالأولى أن يقال حيث إنّ الفعل لا ينشأ به إلّا نفس التبديل أو الإباحة بالعوض و ليس له مدلول التزامي فلا تشمله أدلّة العهود و العقود بل يكون بالنّسبة إلى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و المؤمنون عند شروطهم و البيعان بالخيار خارجا بالتخصّص‌

أمّا الأوّلين فلعدم كونه عقدا و لا شرطا و التزاما بشي‌ء و أمّا الأخير فلأنّه و إن كان بيعا إلّا أنّ الحكم المرتّب على البيع بمقتضى هذا الخبر من الخيار عند الاجتماع و اللّزوم عند الافتراق لا يترتّب عليه لأنّه ليس فيه التزام حتّى يلزم بعد الافتراق فليس فيه خيار أيضا لأنّه في مقابل اللّزوم الحقّي فكما أنّه ليس لازما حكما كالنّكاح لوضوح صحّة الإقالة فيه و كلّما يدخل فيه الإقالة يدخل فيه خيار الفسخ و اللّزوم الحكمي لا يصحّ جعل الخيار فيه من المتعاقدين كذلك ليس لازما حقّا أيضا لأنّ اللّزوم الحقي ينشأ من التزام المتعاقدين و في الفعل لا ينشأ الالتزام فهو خارج عن عموم البيعان بالتخصص أيضا‌

و بالنّسبة إلى قوله عزّ من قائل وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ فهو خارج بالحكومة لأن بعد الإجماع على الجواز أو لعدم موجب اللّزوم يكون رجوع المتعاطيين أكلا بالحقّ لا بالباطل و بالنسبة إلى النّاس مسلّطون و لا يحلّ مال امرئ إلّا أن تكون تجارة عن تراض فهو خارج بالتّخصيص لأنّ بعد قيام الإجماع على الجواز أو عدم ما يوجب اللّزوم يثبت حق للمالك الأوّل أو المبيح فيخرج ردّ المتعاطيين عين مالهما إلى ملكهما عن عموم تسلّط النّاس على أموالهم و حرمة التصرّف إلّا بطيب النّفس و التجارة لا عن تراض‌

كما لا فرق بين القول بالملك و القول بالإباحة بناء على الوجه الثّامن و هو الاستصحاب لأنّه بناء على ما قلنا من عدم تحقّق ما يوجب اللّزوم فلا يبقى شك في جواز الرد حتّى يتمسّك بالاستصحاب إلّا أن يقال و إن لم يتحقّق موجب اللّزوم إلّا أنّه بناء على حصول الملك عنه فجواز الرّجوع أيضا لا دليل عليه نعم بناء على الإباحة جواز الرّجوع هو مقتضى بقاء سلطنة المالك و فيه أنّه لا فرق بينهما أمّا بناء على الملك فيكفي التمسّك بالإجماع للجواز فإنّه و إن كان مقتضى الاستصحاب بقاء أثر ما تحقّق بالفعل إلّا أنّ الإجماع على الجواز يكفي للخروج عن أصالة اللّزوم‌

و أمّا بناء على الإباحة فأصالة سلطنة المالك الثّابتة قبل المعاطاة حاكمة على أصالة بقاء الإباحة النّاشئة من التّعاطي لو سلم جريانها مع أنّ جريانها ممنوع لا لما توهّم من أنّ المقام من قبيل الشكّ في المقتضي فإنّه فاسد لأنّ الشكّ في المقتضي هو الشكّ في بقاء المستصحب في عمود الزّمان لا الشكّ في مقدار استعداده بالنّسبة‌

84

إلى الزّمانيات و إلّا رجع الشكّ في رافعية الموجود بأقسامه إلى الشكّ في المقتضي بل لأنّ قوام الإباحة الثابتة بالفعل إنّما هو بالإذن فإذا ارتفع ارتفعت قطعا فلا يبقى شكّ حتّى يستصحب الإباحة‌

و بالجملة على فرض جريان أصالة الإباحة فأصالة السّلطنة حاكمة عليه و أمّا استصحاب الملك فالإجماع على الجواز كاف في عدم جريانه و كيف كان بعد قيام الإجماع أو عدم تحقّق موجب اللّزوم يثبت جواز المعاطاة بلا إشكال نعم فرق بين المسلكين و هو أنّه لو قلنا إنّ الأصل هو اللّزوم كما على مختاره (قدّس سرّه) بناء على الملك فالإجماع على الجواز إنّما يفيد في المتيقّن منه لو كان معقد الإجماع مجملا كما يظهر منه (قدّس سرّه) و يقول المتيقّن منه مورد تراد العينين مع بقاء صفاتهما و عدم انتقالهما إلى غيرهما فمع تلفهما أو تغييرهما أو تملك غير المتعاطيين لهما فالمرجع أصالة اللّزوم للشكّ في شمول دليل الجواز لهذه الصّورة‌

و أما لو قلنا إنّ الأصل عدم اللّزوم كما على القول بالإباحة على مختاره فالأمر بالعكس فتأسيس الأصل على مختاره يترتّب عليه آثار غير خفيّة نعم يرد عليه إشكال و هو أنه لو تمسّكنا لأصالة اللّزوم بغير الاستصحاب من الوجوه السبعة الأخرى فيقتضي أن يكون اللّزوم فيها هو اللّزوم الحقّي سيّما إذا تمسّكنا ب‍ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و المؤمنون عند شروطهم و البيعان بالخيار فالإجماع على الجواز أيضا يقتضي أن يكون حقيا و مقتضاه بقاء الخيار عند التّلف إلّا أن يدّعى الإجماع على الجواز مقيّدا ببقاء العينين كما سيجي‌ء توضيحه‌

نعم بناء على ما سلكناه من أنّ الفعل لا يقتضي اللّزوم فالجواز المتصوّر فيه يرجع إلى الجواز الحكمي لا الحقّي لأنّه يقع في مقابل اللزوم الحقّي كالخيارات الشّرعيّة فينحصر أن يكون الجواز حكميّا‌

قوله (قدّس سرّه) إذا عرفت هذا فاعلم أنّ تلف العوضين ملزم إجماعا إلى آخره

لا يخفى أنّا في تعليقتنا سابقا على هذا العنوان اخترنا ما هو ظاهر كلام المصنف من تعلّق جواز الرد بنفس العينين ففي مورد تلفهما لا يبقى موضوع للجواز و بيّنا عدم إمكان تعلّق حقّ الرجوع بالمثل أو القيمة عند التّلف لأنّ التّعاطي إنّما يقتضي التبديل بين المالين دون الالتزام بهذا التبديل فلو لم يمكن ردّ نفس المالين إلى مالكهما الأصلي فردّ بدلهما لا وجه له لأنّ تحقّق المعاملة كما يتوقّف على وجودهما فكذلك ردّهما أيضا و لكن الظّاهر للمتأمّل أنّ ما ذكرنا من عدم إمكان الرد إلّا مع بقاء العينين استحسانيّ و لا يبتني على أساس و ذلك لأنّه لو قلنا بأصالة اللّزوم من جهة الأدلّة الثّمانية فالإجماع على الجواز لا يقتضي إلّا الجواز الحقّي المقتضي لبقائه عند التّلف‌

نعم لو تردّد الجواز بين معنيين متباينين و هو جواز المعاوضة أو تراد العينين فلا يمكن التمسّك بالعمومات في مورد الشكّ لأنّ المخصّص و إن كان منفصلا إلّا أنّ تردّده بين المتباينين يوجب سقوط ظهور العام في كلّ منهما و لو قلنا بها من باب الاستصحاب فالإجماع على الجواز أيضا لا يقتضي انحصاره بمورد بقاء العينين إلّا أن يقوم الإجماع عليه مقيّدا أو كان هناك إجماع تعبّدي آخر على أنّ تلف العينين ملزم كما هو ظاهره (قدّس سرّه) في قوله على الظّاهر المصرّح به في بعض العبائر‌

و الظّاهر عدم كون الإجماع على الجواز مقيّدا ببقاء العينين و عدم قيام الإجماع القطعي على أنّ تلفهما ملزم و لو قلنا بأن الفعل ليس فيه جهة لزوم أصلا فالإجماع على الجواز لا أثر له إلّا إذا تحقّق ما يوجب اللّزوم من جهة كما إذا تلف العينين فإنّ الجواز من جهة عدم تحقّق الملزم إنّما يؤثر‌

85

في ردّ العين فإذا تلفت لا يبقى موضوع لهذا الجواز فيؤثر الجواز من جهة أخرى و يقتضي ثبوته عند تلف العينين لأن الجواز من جهتين نظير ثبوت الخيار من جهتين واحدهما مع وجود الآخر لا أثر له و إنّما يؤثر مع سقوط الآخر‌

و بالجملة لا معنى لتعلّق الجواز بنفس العين ابتداء لأنّه لم يقم دليل على كون المقام من قبيل التّقاص الثّابت لغير المالك في تعلّقه بنفس مال الغير بل الجواز هنا إمّا من قبيل جواز البيع الخياري أو جواز الرّجوع في الهبة و على أيّ حال له مساس بالمعاوضة و يسترجع العين تبعا للرّجوع عنها و إنّما لم يمكن الرّجوع في الهبة عند تلف العين لأنّها ليست معاوضة بل تسليط مجّانيّ فإذا تلفت العين الّتي لم يتعلّق بها ضمان فرجوع مثلها أو قيمتها بلا موجب فلا يؤثر رجوع الواهب و هذا بخلاف باب المعاوضة فإنّها ليست تسليطا مجّانيا فلو رجع المالك الأصلي أو المبيح بمقتضى ثبوت جواز الرّجوع له فلا بدّ أن يرجع إليه عين ماله عند بقائها و بدلها عند تلفها‌

إلّا أن يقال بناء على الإباحة فبعد فرض إفادة المعاطاة الضّمان بالمسمّى فمقتضاه أن يصير التّالف آنا ما ملكا للمباح له فإذا كان التّالف ملكا لمن تلف عبده فلا وجه لأن يكون عليه ضمان المثل أو القيمة إلّا إذا ثبت جواز رجوع المالك الأصلي حتّى بعد التّلف و في خصوص الإباحة فلا لإجماع القطعيّ على أنّ المبيح ليس له الرّجوع إلى المثل أو القيمة بعد التّلف فلا يؤثر فسخه بل يمكن تطبيقه على القاعدة أيضا بتقريب أن الجواز على الإباحة إنّما يكون من جهة سلطنة المالك فإذا تلف العينين ينتقل ملكه إلى طرفه و إرجاعه إلى ملكه ثانيا يتوقّف على ثبوت الجواز بعد التّلف و هذا يتوقف على دليل خاصّ عليه‌

و بالجملة حكم الإباحة حال التّلف حكم الملك فإنّه على كل تقدير يحصل الملك إمّا آنا ما أو من أوّل الأمر فإذا لم نقل بجواز الفسخ بعد التّلف بناء على الملك كما سيجي‌ء تقريبه فعدم جوازه على الإباحة أولى‌

ثم ممّا ذكرنا ظهر ما في قوله (قدّس سرّه) لأنّ تلفه من مال مالكه و لم يحصله ما يوجب ضمان كلّ منهما مال صاحبه لما عرفت من أنّ التّالف ملك لمن تلف عنده لا المبيح فإنّ كونه من مال المبيح مناف لكون كلّ من المالين مضمونا على الآخر بالضّمان المعاملي بل هو (قدّس سرّه) أيضا صرّح بما ذكرنا في جواب استبعاد الشّيخ الكبير كون التّلف من الجانبين معيّنا للمسمّى من الطّرفين فقال ما حاصله أنّ هذا مقتضى الإجماع على عدم ضمان المثل أو القيمة مع رعاية عموم على اليد بحيث لا يلزم التخصيص فيه و أصالة عدم الملك إلى حين التّلف فيصير التّلف في المقام كتلف المبيع عند البائع قبل إقباضه‌

و بالجملة ما ذكره في المقام مناف لم تقدّم منه كما لا يخفى و أمّا على القول بالملك فلو ثبت الإجماع على أنّ تلف العوضين ملزم فلا إشكال و هذا و إن لم يكن إجماعا تعبديا إلّا أنّه يصير منشأ للشكّ في أنّ جواز المعاملة دائمي أو مختصّ بما دام العين باقية كما في باب خيار العيب فبعد تلف العين لم يحرز الجواز و لا يمكن استصحابه أيضا كما سيجي‌ء وجهه‌

و أمّا لو لم يثبت فإذا قلنا بأنّ الأصل في المعاطاة اللّزوم للوجوه الثّمانية فالإجماع على الجواز لو كان مقيّدا ببقاء العينين فالمرجع في مورد تلفهما هو أصالة اللّزوم و لو لم يكن مقيّدا أو شكّ في بقاء الجواز حال التّلف يدخل في النزاع المعروف و هو أنّ المرجع هل هو استصحاب حكم الخاص أو عموم العام و لو شكّ في موضوع الجواز فلا يجري استصحاب حكم المخصّص أيضا فإنّ الجواز و إن كان مردّدا بين مقطوع البقاء و مقطوع الارتفاع فيدخل في القسم الثّاني من الاستصحاب‌

86

الكلّي إلّا أنّه لا يجري في الأحكام إذا كان منشأ الشكّ فيها الشكّ في موضوعها‌

و في المقام و إن لم نقل بأنّ جواز المعاملة عبارة عن ترادّ العينين بل قلنا بأنّه عبارة عن ردّ المعاوضة إلّا أنّه يمكن ثبوتا أن يكون ردّها مشروطا ببقاء العين و مع الشكّ يؤخذ بالمتيقن‌

و على هذا فعلى القول بالإباحة أيضا لا يمكن إحراز جواز الرد بعد التّلف لأنّ جواز الرد الثّابت للمبيح قبل التّلف كان من جهة سلطنة المالك و حيث إنّه بالتّلف خرج الملك عن ملكه و دخل في ملك المباح له فهذه السلطنة ارتفعت قطعا و لم يثبت سلطنة أخرى إلّا ما ثبت بالإجماع الّذي دلّ على جواز المعاطاة و عرفت أنّ هذا الإجماع لا يفيد لإثبات الجواز بعد التّلف و لا يقال لا إشكال في إمكان الإقالة منهما على كلا القولين بعد التّلف و مقتضاه إمكان الرد منهما على القولين بعد التّلف لأنّا نقول و إن ثبت الملازمة بين ما يجري فيه الإقالة و ما يجري فيه الخيار إلّا أنّ ثبوت الملازمة إنّما هو من حيث الاقتضاء أي ما يصحّ فيه الإقالة يصحّ فيه جعل الخيار لا الملازمة الفعليّة و لذا يجري الإقالة بعد تلف المعيب أو تغيّره مع سقوط الخيار بهما‌

ثم إنّ من جريان الإقالة بعد التلف لا يمكن استكشاف الجواز الحقّي في المعاطاة الّذي هو بمعنى الخيار الثّابت حتّى بعد التّلف أمّا أوّلا فلما عرفت أنّ الجواز الحقّي أيضا يمكن ارتفاعه بالتّلف كما في خيار العيب و ثانيا يمكن أن يكون الجواز حكميّا كالجواز في باب الهبة و بقيام الإجماع على أنّ تلف العينين ملزم يثبت اللّزوم الحقّي الّذي يجري فيه الإقالة و ذلك لعدم انحصار اللّزوم الحقّي بما إذا كان الالتزام بالمعاوضة من منشئات المتعاقدين بل كما يمكن أن يكون كذلك يمكن أن يكون بجعل شرعيّ كما في الجواز الحقّي فإنّه يمكن أن يكون مالكيّا كخيار الشرط و يمكن أن يكون شرعيّا كخيار المجلس و الحيوان فإنّه مع كونه شرعيّا يكون حقيا هذا إذا قلنا بأنّ الأصل في المعاطاة على القول بالملك هو اللّزوم‌

و أمّا لو قلنا بأنّ الأصل فيه الجواز لعدم منشأ اللّزوم فالجواز فيها كالجواز الحكميّ حكما و ثبوته بعد تلف العينين يتوقّف على قيام دليل عليه و حيث إنّ الإجماع عليه لا يفيد لإثباته بعد تلفهما فينحصر بمورد البقاء‌

قوله (قدّس سرّه) و منه يعلم حكم ما لو تلف إحدى العينين إلى آخره

بعد ما تقدم منّا أنّه يمكن ثبوتا أن يكون جواز المعاطاة مختصّا بمورد قيام العينين على حالهما فبعد تلف إحداهما أو تلف بعض من إحداهما يرتفع موضوع الجواز أو هذا على الملك مسلّم‌

و تقدم منّا أنّ الحكم كذلك على الإباحة أيضا حذو النعل بالنّعل لأنّه بناء عليها يحصل الملك أيضا بتلف إحداهما لكلّ من المبيح و المباح له فإنّه إذا صار من تلف المال عنده مالكا للتالف آنا ما يملك الآخر العين الموجودة أيضا فإذا ملك كلّ منهما مال الآخر فمقتضى الاستصحاب بقاء ملكهما و استرجاع العين عمّن بيده حتّى يرجع هو إلى مثل ماله أو قيمته الّذي تلف عند طرفه يتوقّف على دليل و حيث إنّه لا دليل فيتعين المال الموجود للعوضيّة عن التّالف‌

إذا عرفت ذلك ظهر ما في كلام المصنف (قدّس سرّه) في ذيل هذا العنوان من الأمور الأربعة فإنّه أولا ارتضى ما استوجهه بعض مشايخه وفاقا لبعض معاصريه تبعا للمسالك من جريان أصالة بقاء سلطنة مالك العين الموجودة و ملكه لها فله الرجوع و استشكل فيه بمعارضتها بأصالة براءة ذمّته عن مثل التالف أو قيمته و ثانيا جعل أصالة بقاء السّلطنة حاكمة على أصالة البراءة و ثالثا ناقش في جريان الأصلين من جهة العلم الإجمالي‌

87

بالضّمان و الشكّ في أنّ المضمون هو المسمّى بحيث يتعيّن فلا يمكن لمن تلف عنده الرّجوع إليه أو المثل أو القيمة بحيث يمكن له الرّجوع و لا أصل يعيّن أحدهما و رابعا تمسّك بعموم النّاس لرد البراءة عن المثل أو القيمة و قال مقتضى عمومه السّلطنة على المال الموجود بأخذه و على المال التّالف بأخذ بدله‌

أمّا في الأوّل فلما عرفت أنّ السّلطنة على المال من آثار بقاء الملك في ملك مالكه فإذا خرج عن ملكه بمقتضى الضّمان المعاوضي انقطعت سلطنة أيضا فلا يجري استصحاب حتى يعارض بأصالة البراءة و بالجملة مقتضى الضّمان المعاملي أي التعهد بكون المسمّى عوضا أن تصير العين الباقية ملكا لمن هي في يده لأنّ التالف يصير حين التّلف ملكا لمن تلف عنده فلا محالة يصير عوضها ملكا للآخر فكيف يبقى سلطنة مالك العين الموجودة و لا مجال لاستصحابهما قطعا‌

و العجب من السيد الطّباطبائي (قدّس سرّه) في حاشيته على المتن حيث قال إنّ الأولى التمسّك بعموم القاعدة لا الأصل إذ لا مجرى له مع العموم و ذلك لما ظهر من أنّه لا مجال للتمسّك بالعموم و لا الأصل لأنّ عموم النّاس لا يثبت بقاء العين الموجودة في ملك مالكها الأصلي‌

و أعجب منه ما في المتن في ردّ ترجيح أصالة بقاء السّلطنة على أصالة البراءة بالتمسّك بعموم على اليد من قوله و التمسّك بعموم على اليد هنا في غير محلّه بعد القطع بأنّ هذا اليد قبل تلف العين لم يكن يد ضمان بل و لا بعده إذا بنى المالك العين الموجودة على إمضاء المعاطاة و ذلك لأنّ ما ذكره هدم لأساس باب المعاوضة فإنّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده قاعدة مستخرجة من قواعد المعاوضات و أساسها يبتني على الضّمان قبل تلف العين و بعده أمّا قبله فبالعوض المسمّى و أمّا بعده فبالعوض الواقعي من جهة عموم على اليد فإنّ اليد على مال الغير توجب ضمانه إذا لم يكن مجانيا فما دام العين باقية فالتّضمين يقتضي بدليّة كلّ من العينين عن الأخرى فإذا رجع إحداهما إلى مالكها الأصلي ترجع الأخرى إلى مالكها أيضا إذا كانت باقية و عوضها إذا كانت تالفة‌

نعم معنى ضمانها عند التّلف هو الضّمان عند الفسخ و الرّجوع و أمّا مع الإمضاء و عدم الرّجوع فلا معنى للضّمان و بالجملة معنى الضّمان أنّه لو تلفت و طرأ فسخ أو انفساخ فيرجع مثلها أو قيمتها و ليس هذا إلّا مقتضى المعاوضة و اليد فإنّ المعاوضة تقتضي ضمان كلّ من المالكين مال الآخر قبل القبض بمقتضى شرط التّسليم ضمنا و بالقبض ينتقل الضّمان أي ضمان كل ملك على مالكه فإذا طرأ عليه الفسخ فمقتضى اليدان يكون ضامنا لبدله لو كان تالفا و أمّا في الثّاني فلأنّ حكومة أصالة بقاء السّلطنة على أصالة البراءة إنما تتم إذا كان مفاد أصالة بقاء السّلطنة و أثرها الشّرعي رفع البراءة أو إثبات ضدّها أي الاشتغال و إلّا فمجرّد السببيّة و المسببية لا أثر له‌

و لا شبهة أن أثر أصالة بقاء سلطنة مالك العين الموجودة ليس اشتغال ذمّته بالمثل أو القيمة أو عدم خلو ذمّته عنهما بل أثرها الشرعي هو رجوع العين إلى ملكه لو فسخ نعم لازم رجوعها إليه أن يضمن بدل التّالف لما ثبت من الخارج أنّه لم يعط مالك التّالف ماله مجانا و الملازمة الخارجية غير مفيدة في رفع الشك المسبّبي و أمّا في الثّالث فلأنّ قوله فلا أصل إنما يصحّ لو كان الشكّ في مرحلة الثّبوت بأن يكون الحادث مشكوكا و أمّا لو كان الشكّ في مرحلة البقاء فيجري الاستصحاب فيتساقط الأصلان للعلم الإجمالي و ذلك لأنّه لا إشكال في ثبوت سلطنة كلّ منهما على ماله و براءة ذمّة كلّ منهما عن البدل الواقعي ما دامت العينان باقيتين و إنّما الشكّ في ارتفاع السّلطنة و البراءة‌

88

بعد تلف إحداهما فإذا استصحب بقاء سلطنة مالك العين الموجودة و براءة ذمّته عن المثل و القيمة فيتعارضان و أصالة البراءة عن البدل الواقعي لها حالة سابقة غاية الأمر لا تجري إما للتّساقط مع أصالة بقاء السّلطنة أو لعدم إمكان جعلهما في الجعل‌

و بعبارة أخرى في مورد بقاء العين لا معنى لاشتغال الذمّة بالبدل الواقعيّ حتى يقال لا نعلم بعد التّلف بأنّ الذمّة مشغولة به أو بالمسمّى و لا أصل يعيّن بل الذمّة لم تكن مشغولة به قطعا و إنّما الشكّ في أنّ عدم اشتغال الذمّة به باق حتّى لا يمكن له الرّجوع بل يتعيّن المسمّى للبدليّة لئلّا يلزم الجمع بين العوض و المعوّض أو ارتفع حتّى يمكن له الرّجوع فاستصحاب عدم اشتغال الذمّة بالبدل الواقعي لا محذور فيه في حدّ نفسه و نتيجته تعيين المسمّى للبدليّة كما أن استصحاب بقاء السّلطنة مع قطع النّظر عمّا أوردنا عليه لا محذور فيه أيضا في حدّ نفسه و نتيجته اشتغال الذمّة بالمثل أو القيمة‌

و أمّا في الرّابع فلأن إبطال البراءة بعموم النّاس مسلّطون لا معنى له لأنّ العين الموجودة لو كانت ملكا لمالكها الأصلي فلا شبهة في ضمانه البدل الواقعي لأنّ بقائها في ملكه ملازم لبقاء التّالف في ملك الآخر فإذا رجع مالك العين الموجودة إلى عينه فيرجع الآخر إليه و يأخذ منه بدل التّالف لأنّه لم يمكن مجّانيا و لو كانت ملكا لمن في يده فلا سلطنة للمالك الأصلي و عموم السّلطنة لا يحرز موضوعه‌

قوله (قدّس سرّه) و لو كان أحد العوضين دينا في ذمّة أحد المتعاطيين إلى آخره

أي لو باع أحد المتعاطيين ماله من الآخر بالعوض الّذي في ذمّته للآخر أو اشترى ما في ذمّته فهل يوجب امتناع الرّجوع على القول بالملك و الإباحة مطلقا أو لا يوجب مطلقا أو يفصل بين القول بالملك فيمتنع دون القول بالإباحة وجوه و توضيح ذلك يتوقّف على صحّة المعاطاة في المقام و إمكان تملّك الإنسان لما في ذمّته و لو آنا ما‌

أمّا صحّتها في المقام فلا إشكال فيها أمّا على القول بكفاية الإعطاء من طرف واحد فواضح و أمّا على القول بعدمه فللفرق بين المقام و البيع نسية لأنّ التّعاطي متحقّق في المقام لأنّ الدّين بمنزلة المقبوض فلا يحتاج إلى القبض ثانيا‌

و أمّا تملّك الإنسان لما في ذمّته آنا ما و سقوطه به فهو نظير تملّك المشتري لعموديه آنا ما و انعتاقهما عليه و القول بعدم تعقّل تملّك الإنسان لما في ذمّته آنا ما مساوق للقول ببطلان بيع الدّين على من هو عليه و شراء مال المديون بالثمن الّذي في ذمّته لأنّه لو قلنا بعدم تملّك الإنسان لعموديه و انعتاقه عليه فإنّما هو لظاهر بعض الأدلّة الدالّة على أنّهما لا يملكان و مع هذا ينعتقان و هذا الدّليل موجب لتخصيص لا عتق إلّا في ملك‌

و أمّا في المقام فحيث لم يقم دليل خاصّ على صحّة بيع الدّين على من هو عليه و لا على صحّة شراء مال المديون بالعوض الّذي في ذمّته فلا بدّ من تطبيقهما على القواعد العامّة و مقتضى المعاوضة أن يدخل العوض في ملك من خرج عنه المعوّض فإذا اشترى المشتري مال المديون بالثمن الّذي في ذمّته فيملك المديون لا محالة الثّمن الّذي في ذمّته نعم حيث إنّه لا يعقل أن يتملّك الإنسان لما في ذمّته فيسقط على أيّ حال لا يترتّب على النّزاع في المقام و شراء العمودين ثمرة عمليّة لأنّه ينعتق العمودين في ذلك الباب و يسقط الدّين في المقام‌

إذا عرفت ذلك فيقع النّزاع في أنّه بعد تملّك الإنسان ما في ذمّته و سقوطه فهل يجوز لأحدهما الرّجوع أو حكم السّاقط حكم التّالف في الأعيان الخارجيّة وجهان من أنّ الدّين ليس بمنزلة العين التّالفة الّتي لا يمكن تملكها لأنّ تملك الإنسان ما في ذمّة الآخر من الأمور الاعتباريّة العقلائيّة فإذا ردّ المشتري العين يملك الدّين‌

89

على البائع ثانيا هذا مع أنّ الذمّة لها عرض عريض و لم يتشخص ما في الذمّة حتى يمكن أن يعرض عليه التّلف و ليس حكم الساقط حكم التّالف فلا منافاة بين سقوطه و إمكان الرّجوع فيه و من أنّ تملّك ما في ذمّة الغير و إن كان ممكنا إلّا أنّه يحتاج إلى موجب فهو فرع أن يملك و ملكيّته فرع أن يمكن له الرّجوع و هذا دور‌

و بعبارة أخرى إن كان جواز الفسخ مفروغا عنه كما في باب الخيارات لقلنا بأنّ في مورد التّلف يرجع إلى المثل أو القيمة فإنّ الرّجوع إلى العين التّالفة غير معقول و في المقام إذا رجع المشتري لا يرجع أيضا إلى عين ما في الذمّة الذي كان سابقا فإنّه إعادة للمعدوم و هو ممتنع بل يرجع إلى مثله و هذا يتوقّف على دليل‌

و الأقوى هو الثّاني فإنّه مضافا إلى عدم الدليل على جواز الرّجوع و تملّك ما في ذمّة الغير ثانيا يمتنع لجهة أخرى بناء على ما سيجي‌ء في باب خيار المجلس من أنّه يعتبر في جواز الرّجوع بالخيار و نحوه خروج الملك عن ملك من انتقل إليه إلى ملك من انتقل عنه نظرا إلى أنّ خروج أحد العوضين عن ملك أحدهما يستلزم دخول الآخر فيه و لو آنا ما و هذا ممتنع في المقام لأنّه إذا ردّ المشتري العين الموجودة إلى المديون فلا بدّ أن يخرج الدّين عن ملكه و يدخل في ملك المشتري و دخول الدّين في ملك المديون نتيجة السّقوط دائما نظير انعتاق العمودين في ملك المشتري لهما فإنّه إذا ملكهما ينعتقان فإذا كان نتيجته السّقوط يمتنع الرّجوع بل و لو لم نقل باعتبار تلقي الفاسخ الملك من المفسوخ عليه لكان مجرّد احتماله منشأ للشكّ في جواز الرّجوع و المتيقن غير هذا الصورة‌

و أمّا على القول بالإباحة فقد يقال إنّ إباحة الدّين على من هو عليه لا يستلزم السقوط لأنّ كون الدّين مباحا لمن عليه الدّين معناه أنّه يجوز له التصرّفات فيه بإسقاطه عمّا في ذمّته و المصالحة عليه و سائر أنحاء التصرّفات الجائزة على القول بالإباحة فيرجع مالك ما في الذمّة إلى ملكه الّذي أباحه لمن عليه لعموم النّاس مسلّطون و سائر الأدلّة‌

و لكنّه لا يخفى ما في هذا التقريب لأنّ الإباحة التي هي محل البحث في باب المعاطاة ليست بالمعنى الّذي حملها عليه صاحب الجواهر (قدّس سرّه) من أنّ إفادة المعاطاة الإباحة إنما هو فيما إذا كان قصد المتعاطيين الإباحة بل المراد منها التّسليط المالكي على التقريب المتقدم فإذا أوجدا مصداق التسليط فلا فرق بينه و بين الملك فكما أنّه لا يعقل أن يتملّك الإنسان ما في ذمته فكذلك لا يمكن أن يكون مسلّطا عليه فنتيجة التّسليط أيضا السّقوط و التّلف و التالف لا يعود‌

قوله (قدّس سرّه) و لو نقل العينين أو إحداهما بعقد لازم فهو كالتّلف إلى آخره

أقول التصرّفات الواقعة من أحد المتعاطيين إمّا أن لا تتوقّف على الملك و إما أن تتوقّف عليه و هذا على قسمين قسم من التصرّفات الخارجيّة كالوطي و قسم من التصرّفات في عالم الاعتبار و هذا أيضا على قسمين قسم من العقود المعاوضيّة و شبهها كالبيع و الرّهن و قسم من الإيقاعات أو عقد غير معاوضي كالعتق و الهبة و العقود المعاوضيّة تارة تقع على الأعيان كالبيع و نحوه و أخرى على المنافع كالإجارة أمّا الإجارة و كلّ تصرف غير ناقل للعين كالعارية و الوديعة أو غير متوقّف على الملك كالرّكوب و الافتراش فغير موجب لسقوط الرد حقا كان أو حكما على الملك أو الإباحة لبقاء العين على حالها‌

و أمّا التصرّفات النّاقلة أو الموقوفة على الملك كالوطي فموجبة لسقوط الرد مطلقا سواء كانت بالعقد اللّازم أو الجائز على القول بالملك أو الإباحة عاد العين إلى من انتقل عنه بحق خيار أو إقالة أو معاوضة أم لا و العقد الجائز كان معاطاة أو عقدا‌

90

فسخ العاقد أم لا و ذلك لأنّ العين بمجرد الوطي أو النّقل إلى غيره خرجت عما هي عليها لأنّ حكم الرد في المعاطاة حكم الرد في باب الخيار العيب يعتبر في جوازه أن تكون العين قائمة بعينها فإذا صارت موطوءة أو ملكا للآخر لم تكن قائمة بعينها‌

و بالجملة المراد من الجواز في المقام هو رد العين عن ملك من انتقلت إليه أو أبيحت له بنفس هذه المعاملة إلى ملك مالكه الأصلي أو المبيح فرجوع العين ثانيا إليه بأيّ نحو رجع و لو بالفسخ لا يفيد إمكان الرد فإنّ الفسخ و إن قلنا بأنّه يوجب حلّ العقد من حينه لا من حين الفسخ إلّا أنّه حيث يكون دخيلا في انتقال العين إلى ملك من انتقلت عنه يكون مالكيّة أحد المتعاطيين أو كونه مباحا له بسبب غير السّبب الأوّل و بمقوّم غير المقوّم‌

الأوّل و بعبارة واضحة المناط في جواز الرد في المقام هو تعلّق الرد بالعين بما هي متعلقة للمعاوضة لا بذاتها و رد المعاوضة و المنشأ بالفعل يتوقف على بقاء المعاوضة حتى يرجع عمّا أوجده أولا فمع عروض معاوضة أخرى مباينة لها و مثلها انتفى موضوع الجواز و رجوع العين إلى محلّها بسبب آخر غير كونها في محلّها بالسّبب الأوّل فالموضوع معلوم الارتفاع و هذا من غير فرق بين الملك و الإباحة لأنّ التصرّفات النّاقلة تكشف عن سبق الملك للمتصرف لأنّ مقتضى الضّمان المعاملي أن ينتقل الملك عن مالكه الأصلي بتصرّف المباح له أو إتلافه و يدخل آنا ما في ملك المتصرف و يخرج عن ملكه إلى ملك الثّالث فعوده إلى ملك المالك الأوّل محتاج إلى دليل‌

و بعبارة أخرى اللّزوم الحاصل من التصرّف كونه مشروطا بعدم رجوع الملك إلى ملك المتصرف يتوقّف على دليل فاستصحاب اللّزوم جار بلا إشكال و هذا من غير فرق بين ما إذا قلنا بأن تصرّفات من عليه الخيار لا يوجب سقوط حق ذي الخيار عن العين بعد رجوعها إلى ملك من عليه الخيار ثانيا بالفسخ أو لم نقل و ذلك لأنّ هذين القولين مبنيان على أنّ الزائل العائد كالّذي لم يزل أو كالّذي لم يعد و في المقام يقتضي أن يكون الزائل العائد كالّذي لم يعد لأنّه بمجرّد زواله أوجب سقوط حق الرد لأنّ الموضوع في باب الخيار لم يكن نفس العين و لذا لا يسقط بالتّلف‌

فيمكن أن يقال تعلّق الخيار بالمثل أو القيمة يدور مدار تعذّر ردّ العين فإذا دخل العين في ملك من عليه الخيار فيتعلّق الحق بها و في المقام التلف مسقط للجواز رأسا و التصرّف بالنّقل في حكمه أيضا فإذا بطل التصرف بفسخ و نحوه فرجوع الجواز متوقّف على دليل‌

قوله (قدّس سرّه) نعم لو قلنا بأنّ الكاشف عن الملك هو العقد النّاقل إلى آخره

توضيح هذه العبارة يتوقّف على بيان الوجوه المتصورة في نفوذ تصرّف ذي الخيار فيما انتقل عنه و هي أربعة الأوّل أن إرادة التصرّف موجبة لنقل الملك عمّن عليه الخيار إليه فتصرّفه بالبيع و نحوه كالوطي يقع في ملكه و هذا الوجه و إن لم يكن مرضيّا عندنا لأنّ القصد المجرّد عن إنشاء قولي أو فعليّ لا أثر له في باب العقود و الإيقاعات إلّا أنّه بناء على صحّته يرتفع جميع الإشكالات حتّى في الوطي لأنّه يقع بعد تحقّق الملك للواطي الثّاني أنّ الفسخ يحصل بأوّل جزء من الفعل أو القول و بتمامه يحصل الملك للمشتري و هذا يصحّ في البيع لا الوطي لأنّ الجزء الأوّل منه يكون محرما و الثالث أنّ الفسخ و البيع يحصلان معا بالتصرف إلّا أنّ الأوّل مقدّم طبعا على الثّاني‌

و بعبارة أخرى التصرّف سبب لترتّب مسبّبين طوليّين عليه و الرّابع أنّه لو تحقّق التصرّف بالعقد النّاقل فالفسخ يحصل بالإنشاء و البيع بالمنشإ أي البيع من حيث إنّه فعل من أفعال الفاسخ يتحقق به‌

91

الفسخ لأنّه يحصل بكلّ ما هو مصداق للتثبّت بالملكية و لذا يعدّ إنكار البيع و العرض على البيع و البيع الفاسد فسخا و أما الانتقال إلى المشتري فهو يحصل بالمنشإ لأنّه لا يعتبر في انتقال الملك إلى الغير أن يكون إنشاؤه أيضا في ملك النّاقل و هذا أمتن الوجوه و هذا و إن لم يجر في الوطي إلّا أنّ الإشكال في الوطي أصلا غير وارد لأن جوازه ليس موقوفا على تملك الرّقبة بل يكفي لحليّة ملكيّة الوطي كما في التّحليل‌

و على أي حال جميع هذا الوجوه لا يجري في تصرّف أحد المتعاطيين فيما انتقل إليه أمّا على الملك فلا يتوقّف على شي‌ء أصلا لأنّه ملكه فيتصرّف فيه كيف شاء و أمّا على الإباحة فيجري فيها الوجه الأوّل و الثّالث لأنّ تصرّف المباح له بالبيع و نحوه الّذي يتوقف على الملك إنّما يؤثر في الانتقال إلى الثّالث لو جعلنا إرادة التصرّف المتوقّف على الملك من المملّكات أو جعلنا العقد سببا لأمرين مترتّبين دخوله في ملكه و انتقاله إلى الثّالث و أمّا الوجهان الآخران فلا يجريان في المقام لأنّ الجزء الأوّل من اللّفظ و كذا تمام اللّفظ لا يوجب تملك المباح له لأنّه لم يقم دليل في المقام على أن كل فعل من أفعال المباح له يوجب تملّكه لما أبيح له و هذا بخلاف باب الفسخ لأنّه يحصل حتى بالعقد الفاسد‌

و بعبارة واضحة مجرّد إنشاء المباح له لا يوجب تملّكه مال المبيح فضلا عن الجزء الأوّل من إنشائه فتملّكه لما أبيح له إمّا بإرادة تصرفاته النّاقلة و إما بالعقد النّاقل فعلى الأوّل لو رجع ما انتقل عنه إلى ملكه فلا وجه لرجوع المالك الأصليّ إليه و أمّا على الثاني فيمكن أن يقال أنّ العقد الّذي كان سببا التملّك المباح له و انتقال المال عن ملكه إلى الثّالث إذا ارتفع بالفسخ يرتفع كلا مسبّبيه و بتعبير آخر لو قلنا أن الملك الحاصل للمباح له إنّما هو باقتضاء العقد النّاقل الواقع بين المباح له مع الثّالث فإذا بطل العقد بطل مقتضاه رأسا‌

ثمّ إنّه يمكن أن يقال إنه لا يقتضي دخول الملك في ملك المباح له إلّا في خصوص العقد المعاوضي لا مطلق العقد النّاقل حتى مثل الهبة و ذلك لأنّ العقد المعاوضي يقتضي دخول العوض في ملك من خرج عنه المعوّض فعقد المباح له مع المشتري يقتضي دخول الثّمن في ملكه و خروج الثمن عن ملكه إلى ملك المشتري و لازمه أن يخرج المال عن ملك المبيح و يدخل في ملك المباح له آنا ما حتى يمكن أن يخرج عن ملكه فإذا فسخ المباح له ما أنشأه أصالة بطل لازمه فيرجع بفسخه إلى ملك المبيح‌

و بالجملة لو كانت المعاوضة مقتضية للخروج وجب الالتزام بأمرين أحدهما أنّ الخروج ثابت ما دام العوض باقيا على عوضيّته فإذا رجع عمّا هو عليه رجع إلى ملك مالكه الأصلي و ثانيهما عدم اقتضاء ذلك في هبة المباح له إذ لا عوض فيها فيمكن أن يخرج المال رأسا عن ملك المبيح إلى المتّهب هذا تمام الكلام في شرح العبارة و توضيح الفرق بين كون إرادة التصرّف موجبة للملكيّة و العقد الناقل و لكن الفرق بينهما ضعيف جدّا و الفرق بين البيع و الهبة أضعف أمّا الأوّل فلأن تقدير الملك آنا ما للمباح له في المقام ليس لأجل وقوع العقد بينه و بين الثّالث بل لاقتضاء المعاطاة ذلك فإنّ الضّمان بالمسمّى الّذي هو مفاد المعاطاة يقتضي أن يكون تلف أحد العوضين أو نقله من ملك المتلف أو النّاقل و دخول العوض الآخر في ملك المبيح و لازمه رجوع المال بالفسخ إلى الناقل لا المبيح فإنّه لو رجع إليه يلزم أن يخرج العوض الآخر عن ملكه و أن يكون الناقل ضامنا للمثل أو القيمة له لا العوض الّذي‌

92

أعطاه إياه و هذا خلف فالمسبّبان المترتّبان على العقد إذا كان أحدهما مسبّبا عن المعاطاة و ناشيا عنهما فرفع العقد لا يقتضي إلّا رفع ما هو العلّة له لا رفع معلول علّة أخرى‌

و بالجملة العقد الصّادر من المباح له ليس إنشاء لأمرين أصلي و هو الانتقال إلى المشتري مثلا و تبعي و هو الانتقال إلى نفسه حتّى لا يكون التبعي مرتفعا برفع الأصلي بل المنشأ ليس إلّا المعاملة مع المشتري و أمّا دخول العين في ملك المباح له تصرّفا معاوضيّا بل مطلق التصرّف النّاقل مقتضى لدخول ملك المبيح في ملك المباح له لأنّ نفوذه موقوف على التقدير و هذا المعنى مشترك بين العقد المعاوضي كالبيع و غيره كالهبة و بين بقاء العوض في ملك المبيح و خروجه عن ملكه فكما لا ينفذ بيع غير المالك فكذا لا ينفذ هبته و على هذا لا يمكن أن يكون جواز الرّجوع للمالك الأصلي دون الواهب لأنّ الواهب لم يكن وكيلا عن المالك و لا مأذونا شرعا في أن يهب عنه فيكون هبته من قبيل هبة الأب و الجدّ مال الصّغير و يكون حق الرّجوع له كما أن حق الرجوع للصغير بعد الكبر لا لوليّه‌

و بالجملة الواهب يهب عن نفسه لا عن المبيح فلا يمكن أن يكون الهبة صحيحة و حقّ الرّجوع للمبيح لأنّ حقّ الرّجوع إلى العين الموهوبة إن كان مع بقاء المعاطاة على حالها كما هو مفروض البحث و صريح كلام المصنف ففيه أنّ العوض الّذي عند المبيح عوض عن تصرفات المباح له من قبل نفسه فهو يهب مال نفسه لا مال المبيح فينتقل العين الموهوبة آنا ما إلى ملكه و يخرج إلى المتّهب فإنّ الواهب لا يعطي ماله بإزاء أن يكون وكيلا أو مسلّطا على نقل مال النّاس إلى غيرهم هذا مضافا إلى أنّ الهبة عن قبل غيره خلاف الحسّ و الوجدان فالجمع بين بقاء العوض الّذي عند المبيح على عوضيّته و ثبوت حق الرّجوع في الهبة للمبيح بأن يبطل الهبة و يجعل العين الموهوبة مباحا للواهب كما كان كذلك قبل الهبة جمع بين طرفي النّقيض و إن كان حق الرّجوع بعد بطلان المعاطاة فهذا خلف لأن المفروض عدم وقوع ما يوجب الفسخ قبل صدور الهبة و إن كان جواز الرّجوع إلى الهبة عبارة عن فسخ المعاطاة ففيه مع كونه خلاف فرض المصنف أنّ ثبوت حق الفسخ للمبيح أوّل الكلام لاحتمال سقوط الجواز بهبة المباح له‌

و حاصل الكلام صحّة هبة الواهب عن قبل نفسه و جواز رجوع المالك إلى العين الموهوبة جمع بين طرفي النقيض و وقوع الهبة في ملك المالك الأصلي مع بقاء العوض على ملكه جمع بين طرفي النّقيض أيضا ثم إنّ المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) في حاشيته على المتن التزم بجواز الرّجوع للمبيح إلى العين الموهوبة و لكنّه اختار أنّ الرّجوع في الهبة ليس فسخا للهبة حتى يرجع الأمر إلى ما كان سابقا أي كأن لم يكن هناك هبة حتى تكون المعاطاة على ما كانت محلّا للتراد بل تملك جديد فإذا كان تملّكا جديدا لا فسخا للهبة ترتّب عليه أمران أحدهما عدم إمكان رد المعاطاة لأنه سقط بالهبة و ثانيهما أنه لا يجب على المبيح ردّ العوض الّذي كان عنده فالعينان و إن اجتمعتا عنده إلّا أنّ إحداهما بالمعاطاة ابتداء أو بعد التصرّف في إحداهما بالهبة و أخرى بالرّجوع إلى العين في الهبة لا المعاطاة‌

فهو (قدّس سرّه) جمع بين جواز رجوعه في الهبة و عدم جواز ردّ المعاطاة و جمع بين العوضين أحدهما لكونه بإزاء إباحة المالك ماله للمباح له و ثانيهما لأنّه تملّك جديد و لا يخفى ما فيه لأنّ العوض عوض عن صيرورة المال المتّهب لا عن إنشاء الواهب فإذا رجع المال عن المتّهب فلا بدّ أن يرجع ما عند المبيح من العوض إلى ملك الواهب‌

و بعبارة‌

93

أخرى العوض في باب المعاطاة ليس بإزاء إباحة التصرّف آنا ما للمباح له مع عدم استقرارها بل عوض عن نفوذ تصرفاته فالتملّك الجديد لا معنى له في المقام‌

قوله (قدّس سرّه) و لو باع العين ثالث فضولا إلى آخره

لا يخفى أنّه لا وجه لما أفاده المصنف (قدّس سرّه) من كون الإباحة بعكس الملك وضوحا و خفاء بل على كلّ من المقولين يجوز لكلّ منهما الإجازة لأنّ مبنى الإشكال على القول بالملك هو أن ردّ المعاطاة ليس كردّ ذي الخيار ما انتقل عنه في تحقّقه بكلّ فعل أو قول بل لا بدّ أن يكون بالدلالة المطابقيّة و هي تتحقق برد العين لا بإجازة عقد الفضولي فإنّها لازمة للرد‌

و مبنى الإشكال على الإباحة أن المبيح ما لم يبطل المعاوضة بالمسمّى و لم يجعل الضمان ضمان اليد لا يمكنه الرّجوع إلى ماله و لا يخفى فساد كل منهما أما على الملك فلأنّه كما لا إشكال في أنّ المالك الثّاني لو أجاز لنفذ لأنّ إجازته تصرّف منه فيما انتقل إليه فإنّ تصرّفه فيه أعمّ من التصرّف بنفسه أو تصرّف الغير بإذنه أو إجازته كذلك لا إشكال في أن تصرف المالك الأصلي بالأنحاء الثلاثة فيما انتقل عنه فسخ منه للمعاطاة‌

و دعوى أنّه يجب أوّلا ردّ ما عنده حتّى يتحقّق الفسخ دعوى بلا برهان فإنّه كما يتحقّق به كذلك يتحقّق التصرّف فيما انتقل عنه و أمّا على الإباحة فكما إبطال عوضية المسمّى يتحقّق بردّه إلى الآخر كذلك يتحقّق بالتصرّف فيما أباحه له مباشرة أو إذنا أو إجازة و على هذا فعلى كلا القولين ينفذ إجازة كل منهما أمّا على الملك فلأن إجازة المالك الفعلي تصرف فيما انتقل إليه و به يبطل موضوع جواز التراد للمالك الأصليّ و إجازة المالك الأصلي تصرف فيما انتقل عنه و به يبطل المعاطاة و أما على الإباحة فإجازة المباح له إتلاف لما أبيح له و به يلزم المعاملة و إجازة المبيح رجوع عن الإباحة‌

قوله (قدّس سرّه) و لكلّ منهما ردّه قبل إجازة الآخر إلى آخره

الكلام تارة على الملك و أخرى على الإباحة و الراد على الأول أمّا المالك الأصلي أو الفعليّ و على الثّاني أما المبيح أو المباح له أما ردّ المالك الأصلي فلا يفيد لأنّه أجنبيّ بالنّسبة إلى ما باعه الفضولي و ليس كإجازته رجوعا إلى ملكه لأنّه ليس مصداقا للرّجوع و ليس من قبيل تصرّف ذي الخيار بالبيع أو الإجازة و الحقّ الثّابت له إنّما هو بمعنى جواز ردّ الملك عن المالك الفعلي إلى ملكه لا ردّ الملك عن الثالث إلى ملك المالك الفعلي إلّا أن يقال بالملازمة بين الرد و إرادة الرّجوع عرفا فينشأ به الرّجوع التزاما أمّا ردّ المالك الفعلي فلا إشكال في تأثيره و ينعكس الأمر في ردّ المبيح و المباح له فإن رد المبيح يؤثر بلا إشكال و أمّا ردّ المباح له فليس كإجازته تصرّفا في المبيع إلّا أن يقال بتلك الملازمة‌

قوله (قدّس سرّه) و لو رجع الأوّل فأجاز الثاني إلى آخره

أي لو رجع المالك الأصلي أو المبيح عن المعاطاة فأجاز الثّاني المعاملة الصّادرة من الفضولي فهل يؤثر الرجوع أو الإجازة لا يخفى أنّ إطلاق كلامه منزل على ما إذا رجع أحد المتعاطيين إلى ما انتقل عنه الذي باعه الفضولي و أجاز الآخر المعاملة الواقعة على ما انتقل إليه لا مطلقا لأنّ الرّجوع قد يؤثر في بعض الصّور سواء قلنا بالكشف أو النّقل فإنّ الصّور المتصوّرة في المقام كثيرة فإنّ الفضولي قد يبيع المثمن و قد يبيع الثّمن و الرد تارة يقع من البائع و الإجازة من المشتري و أخرى بالعكس و هذا تارة على الملك و أخرى على الإباحة فلو باع الفضولي المبيع فرجع البائع و أجاز المشتري أو باع الثمن فرجع المشتري و أجاز البائع و هذا هو محلّ الكلام‌

و لو انعكس كما لو كان المبيع هو المبيع و الراجع هو المشتري و المجيز هو البائع أو كان المبيع هو الثمن و الراجع هو البائع و المجيز هو المشتري‌

94

فلا إشكال في تأثير الإجازة لأنّها تقع على ملك مالكه‌

و بالجملة محلّ الكلام فيما لو وقعت الإجازة على شي‌ء لولاها لأثر الرّجوع بحيث يبطل عقد الفضولي و أمّا لو كان رجوعه عن المعاطاة إبطالا لوقوع عقد الفضولي في ملك نفسه فلا يؤثر الرّجوع إلّا هذا المقدار فيبقى موضوع الإجازة الآخر فإذا ظهر موضوع البحث فلو رجع الأوّل ثم أجاز الثّاني فلو جعلنا الإجازة كاشفة بمعنى عدم دخلها في العقد لكون السبب التّام هو العقد بحيث كان الإجازة طريقا صرفا إلى الواقع كالعلم كما يظهر ذلك من بعض المحقّقين لغى الرّجوع لوقوعه في ملك الغير و لو كان سابقا على الإجازة لتأخره عن السّبب التّام و هو العقد‌

نعم لو قلنا بأنّ لها دخلا في التأثير بنحو الشّرط المتأخر أو بنحو آخر من أنحاء الكشف غير الطريقية الصرفة فيلغو الإجازة لتأثير الرّجوع قبلها فيصير المقام نظير ما لو باع الأصل ما باعه الفضولي ثم أجاز فإنّ الإجازة تقع من غير المالك و لا يقاس بما إذا باع الفضولي الخلّ ثم وقع الإجازة حين صيرورته خمرا للفرق بينهما فإنّ في هذا المثال و إن خرج المبيع عن قابليّة التملّك الفعلي إلّا أنّ المجيز الّذي هو ذو الحقّ هو المالك حال العقد و لم يخرج من زمان العقد إلى زمان الإجازة عن الأهلية للإجازة و هذا بخلاف المقيس و المقام فإنّه لو باع الأصيل أو ردّ أحد المتعاطيين فليس المجيز مالكا للإجازة هذا إذا قلنا بأنّ الإجازة كاشفة و أمّا لو قلنا بأنّها ناقلة فتلغو الإجازة قطعا‌

قوله (قدّس سرّه) و لو امتزجت العينان أو إحداهما سقط الرّجوع على القول بالملك إلى آخره

ليعلم أنّ حكم الامتزاج حكم التّغيير في باب رجوع صاحب المال على المفلس و في خيار العيب و الغبن و الهبة فحكموا بأنّ التغيير أو المزج لا يوجب سقوط حق صاحب العين عن عينه في باب الفلس لأنّ المناط فيه وجود العين بمقتضى النّبوي إذا فلس الرّجل و وجد سلعته فهو أحقّ بها و هما لا يخرجان العين عن إمكان رجوع صاحبها إليها فلا يضرب صاحب العين مع الغرماء‌

نعم في بعض الصّور كما في المزج بالأجود خالف الشيخ و العلامة المشهور فقالا بسقوط حقّه من العين و أمّا المشهور فجعلوا المناط وجود العين فما لم يطرأ عليها التّلف فصاحب العين أحقّ بها و أمّا في باب خيار العيب فحكموا بسقوطه بالتغير و المزج لأنّ المناط فيه هو بقاء العين بعينها كما هو مقتضى مرسلة جميل عن الصّادق (عليه السّلام) قال إن كان الثوب قائما بعينه ردّه على صاحبه و أخذ الثمن و إن كان الثّوب قد قطع أو خيط أو صبغ رجع بنقصان العيب و هذا المناط مشترك بين المزج و التّغيير فيسقط الرد دون الأرش‌

و أمّا الهبة و الغبن فألحقوهما بباب العيب بل ورد في صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) إذا كانت الهبة قائمة بعينها فله أن يرجع فيها و إلّا فليس له نعم عن المحقق اختصاص سقوط الرّجوع بالتلف الحقيقي دون التغيّر و الامتزاج و أمّا باب الغبن فسيجي‌ء حكمه في محلّه إن شاء اللّٰه و على أيّ حال لم يفرقوا بين التّغير و المزج في الأبواب الأربعة و أما في المقام فحيث إنّ المصنف (قدّس سرّه) بنى على أنّ الجواز في المعاطاة ليس بمعنى الجواز في باب الخيار و لا كالجواز في باب الهبة بل بمعنى تراد العينين فيمكن الفرق بين التغيّر و الامتزاج فالإيراد عليه بأنّه لا وجه للجزم باللزوم في مورد المزج بناء على الملك و التّرديد في مورد التّغيير ضعيف‌

نعم الأقوى عدم الفرق بين التغيّر و المزج في سقوط جواز الرد على القول بالملك و الإباحة و ما اخترناه في الدّورة السّابقة من الفرق بين القولين لا وجه له‌

و توضيح ذلك مضافا إلى عدم‌

95

الفرق بينهما بحسب السيرة المستمرة و أنّه لو ردّ أحد المتعاطيين المتاع الّذي فصّله أو صبغه أو مزجه بأيّ نحو من المزج ينكرون عليه أنّ الإباحة الحاصلة بالمعاطاة ليست عبارة عمّا اختاره صاحب الجواهر و يظهر من المصنف (قدّس سرّهما) من كونها كإباحة الطعام بل تسليط مالكي و تضمين معاوضيّ و لا تنقص عن الملك و يترتّب عليه جميع ما يترتّب على الملك فإنّ المعاطاة بناء على الملكيّة موجبة لتبديل طرف إضافة بطرف إضافة أخرى و بناء على الإباحة و إن لم تتبدل نفس طرفي الإضافتين إلّا أن جميع آثار التبديل كالسّلطنة على التصرف المالكيّ يحصل للمباح له و يبقى الملك مسلوب الأثر لمالكه فإذا كان كذلك فعلى الملك المزج و كذا التّغيير موجب لسقوط جواز الرّجوع‌

أمّا المزج فلامتناع ترادّ الأعيان المملوكة فإذا امتنع التراد لزم المعاطاة و احتمال حصول الشركة للمالك الأصلي فرع بقاء تعلّق حقّه بذات الأجزاء و بقاء الحق فرع إمكان امتيازها و لا يقاس المقام بما إذا بيعت الأجزاء من الغير لأنّ البيع يقع على مقدار من هذه الأجزاء لا على نفسها و إلّا لا يصح البيع أيضا‌

و ما أفاده المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) من أنّه لا يمتنع التراد لو لم نقل بحصول الشركة بمجرّد الامتزاج لبقاء الأجزاء الممتزجة على ما كانت عليه من الملك أو الإباحة لمن صارت إليه من المتعاطيين ضعيف لأن مناط لزوم المعاطاة ليس منحصرا بخروج المال عن قابلية التملّك بل ممّا يوجب اللّزوم عدم بقاء العين على ما هي عليه من الوصف كما في خيار العيب‌

و أمّا التّغيير فلعين البرهان المتقدم آنفا سواء كان تغييرا موجبا لزيادة القيمة كالسّمن و الصّبغ و القصارة أو لنقصانها كفصل الثوب أو تعيّبه أو نسيان الكتابة و الطّحن أو لم يكن كذلك و في المزج أيضا لا يتفاوت المزج بالمساوي أو الأجود أو الأردإ و بما يوجب الإتلاف أو لا أي لا يتفاوت في البابين بين أن يوجب المزج أو التّغيير ضمان المازج أو المغير كما لو مزجه بالأردإ أو غيّره بما يوجب النقص و أن يوجب شركة المازج أو المغيّر كما لو مزجه بالأجود أو غيّره بما يوجب زيادة القسمة لأن المناط في مقامنا هذا عدم بقاء العين على ما هي عليه فلا فرق بين جميع الصّور‌

و السر في ذلك ما أشرنا سابقا أنّ الجواز هنا و إن لم يتعلّق بالعين ابتداء بحيث لا يكون له مساس بالمعاوضة إلّا أنّه من الممكن أن يكون كخيار العيب الثّابت في مورد بقاء العين على ما هي عليه و التّغير أو المزج يخرج العين عمّا هي عليه فإنّ في مرسلة جميل جعل قطع الثوب أو خيطه أو صبغه مقابلا لبقاء العين و قيامها على ما هي عليه‌

نعم يمكن أن يكون كخيار المالك في باب المفلس إلّا أنّ الشكّ في كونه ملحقا بأنّهما يكفي في لزوم المعاطاة و عدم جريان استصحاب الجواز و ليس منشأ الشكّ كون الموضوع عرفيا أو عقليّا و لا يبتني جريان الاستصحاب و عدمه على الوجهين كما لا يخفى هذا على الملك‌

و أمّا بناء على الإباحة فحيث قد عرفت أنّها ليست كإباحة الطّعام دائرة مدار الإذن حتى ترتفع برفعه بل تسليط مالكي و تضمين معاوضي فالمتيقّن من جواز الرد أيضا هو بقاء العين على ما هي عليه فإذا تغير وصفها فيرتفع موضوعه هذا مضافا إلى أن استصحاب الجواز له معارض باستصحاب بقاء سلطنة المباح له و استصحاب بقاء المسمّى على العوضيّة و ليس بينهما سببيّة و مسببيّة لكون كلّ منهما مسبّبا عن نحو الجعل الشّرعي ثبوتا هذا مع ما تقدم من أنّ السّيرة المستمرة قائمة على اللّزوم‌

قوله (قدّس سرّه) ثم إنّك قد عرفت مما ذكرنا أنه ليس جواز الرّجوع في مسألة المعاطاة نظير الفسخ في العقود اللّازمة حتى يورث بالموت إلى آخره

لا إشكال فيما و ذكره (قدّس سرّه) سواء قبل بالملك أو الإباحة أمّا على الملك فلأنّ الجواز في المقام ليس حقّا مالكيا‌

96

حتّى ينتقل بموت المورث إلى الوارث و يسقط بالإسقاط بل هو نظير جواز الرّجوع في الهبة فإثبات هذا الحكم للوارث يتوقّف على دليل و لا يقاس الجواز الحكمي على حقّ الإقالة الّتي يرثه الوارث لأنّه عبارة عن ملك الالتزام الّذي كان للمالك فإذا مات انتقل هذا الحقّ إلى الوارث بخلاف الحكم المحض فإنّ المالك لم يترك شيئا حتى يرثه وارثه‌

و لا يقاس أيضا على حقّ الخيار فإنّه عبارة عن ملك التزام نفسه و التزام طرفه فقوامه بملك كلا الالتزامين و لذا قيل بعدم ثبوت الخيار للزّوجة في العقار الّذي لا ترث منه سواء كان منتقلا إلى زوجها أو منتقلا عنه لأنّه لو انتقل إليه فالزّوجة غير مالكة لالتزام زوجها لأنّ ملك التزام الزّوج طريق لرد العقار و المفروض أنّها لا ترث العقار فلا ترث طريق ردّه و إن كان منتقلا عنه فهي غير مالكة لالتزام طرف زوجها لأنّها لا ترث العقار لو ردّ بالفسخ فلا ترث الفسخ أيضا هذا على الملك‌

و أمّا على الإباحة فلو قيل بأنّها من قبيل إباحة الطعام كان مقتضاه بطلان المعاطاة بموت المبيح و المباح له فإنّها لو كانت كذلك كانت من قبيل العقود الإذنيّة كالعارية و الوديعة و الوكالة الّتي تبطل بموت الآذن و المأذون و لا يبقى موضوع لها حتى تكون جائزة أو لازمة و لكنّك خبير بأنّها من المعاوضات و لا تبطل بموت أحد المتعاطيين فيقع الكلام في لزومها أو بقائها على الجواز‌

ثم على اللّزوم هل تبقى على ما كانت عليه من الإباحة أو ينتقل المباح آنا ما إلى ملك الميّت و ينتقل إلى الورثة وجوه و الأقوى هو الأخير أمّا عدم بطلانها بالموت فللسيرة المحققة و تفرّع النّزاع في اللّزوم أو البقاء على الجواز على عدم البطلان بالموت فإنّها لو بطلت بالموت كيف يفتي المحقّق و الشهيد الثّانيان بأنّها تصير لازمة بالموت بل يظهر من المصنف ذلك أيضا فإنّه في جواب استبعاد الشّيخ الكبير بأنّها على الإباحة كيف يرث الوارث أجاب بأنّها استبعاد محض و لم يجب بأنّها تبطل بالموت و لا يرث الوارث ما أخذه المورّث معاطاة‌

و أمّا لزومها فلعين ما ذكرنا في الملك فهو أنّ الجواز الحكمي لا ينتقل إلى الوارث فليس له فسخ المعاطاة نعم هنا شبهة لا تجري على الملك و هي أنّها على الملك إذا بقي الجواز للورثة فلا بدّ أن يكون من جهة إرث نفس الجواز و حيث إنّه حكم شرعيّ فلا يرثه الوارث و أمّا بناء على الإباحة فحيث إنّ الملك باق على ملك المبيح فإذا مات انتقل إلى وارثه فللوارث ردّ المعاطاة من حيث إنّه من آثار سلطنته على المال و لا من جهة إرثه الجواز و ذلك كما في الإجازة في باب الفضولي فإنّها غير قابلة لأن يرثها الوارث إلّا أنه إذا انتقل ما باعه الفضولي إليه بالإرث فله أن يجيز و هكذا في وارث المستودع بناء على عدم بطلان الوديعة بالموت‌

و لكنّك خبير باندفاع هذه الشّبهة أيضا في المقام فإنّه كما يعتبر في الجواز الثّابت في المعاطاة بقاء العين على ما هي عليه كذلك يعتبر في المتعاطيين أيضا بقاؤهما كذلك فلو تبدّل أحدهما أو كلاهما يرتفع موضوع الجواز بل لو شكّ فيه أيضا فالمتيقّن منه ثبوته لخصوص المتعاطيين و أمّا انتقال المال إلى ملك الميّت و انتقاله إلى الورثة فلأن تقدير الملك عند التّلف هو الموجب للتقدير عند موت أحد المتعاطيين و ذلك لأنّه لو كان المال باقيا في ملك المبيح و لم يجز له التصرّف بنحو من الأنحاء فهو بمنزلة العدم لأنّه لا معنى لأن يكون الشخص مالكا و لا يتمكن من ترتيب آثار الملك على ملكه فكما أنّه في مورد التّلف يقدر الملك من باب عدم إمكان تعلّق الملك بالتّالف فكذلك إذا امتنع التملّك يقدر الملك آنا ما‌

و بالجملة لو فرضنا أن التّسليط‌

97

المالكي اقتضى بقاء الملك للمالك مسلوب المنفعة و لكنّه كان مالكا لأن يرجع سلطنته إلى نفسه كان له أثر من آثار الملك و أمّا إذا ارتفع هذا الأثر أيضا فليس إلّا كالتالف الحقيقي‌

قوله (قدّس سرّه) و لو جنّ أحدهما فالظّاهر قام وليّه مقامه في الرّجوع على القولين إلى آخره

قد اخترنا في تعليقتنا سابقا على هذا العنوان ما هو مختار المصنف و قلنا إنّ الجنون لا يقاس على الموت لأن كل ما يقبل النّيابة يقوم فيه الوليّ مقام المولى عليه و مباشرة المالك في الرد غير معتبرة بلا إشكال لصحة توكيله فيقوم وليّه مقامه إذا جنّ و لذا قوينا في باب الطلاق صحّة طلاق الولي إذا جنّ المولى عليه بعد الكبر و لكن لا يخفى فساد ذلك أمّا بناء على الإباحة فعلى ما يظهر من المصنف (قدّس سرّه) من أنّها من قبيل إباحة الطعام فمقتضاه بطلان المعاطاة بالجنون فإنّها كالعقود الإذنيّة تبطل بجنون الآذن و المأذون و المبيح و المباح له بل لو جن الباذل للزّاد و الرّاحلة لا يجوز للمبذول له التصرف في مال الباذل خصوصا لو جنّ قبل إحرام المبذول له‌

ففي المقام لو جنّ كل واحد منهما فلا يجوز أن يتصرف الآخر في مال المجنون و بقاء حق الرّجوع للوليّ فرع بقاء المعاطاة على حالها و أمّا على ما اخترناه من معنى الإباحة و هي كونها تسليطا مالكيّا فحكمها حكم الملك و حكم المجنون على الوجهين حكم الموت في لزوم المعاطاة لاشتراط بقاء الجواز ببقاء المتعاطيين على حالهما حين المعاطاة و قيام الوليّ مقامهما فرع بقاء الجواز‌

[الأمر السّابع أنّ الشّهيد الثاني ذكر في ذلك وجهين في صيرورة المعاطاة بيعا]

قوله (قدّس سرّه) الأمر السّابع أنّ الشّهيد الثاني ذكر في ذلك وجهين في صيرورة المعاطاة بيعا بعد التّلف و معاوضة مستقلّة إلى آخره

توضيح المقام يتوقّف على بيان حال المعاطاة قبل التّلف بناء على الملك و الإباحة حتى يعلم حالها بعده فنقول أمّا بناء على الملك فلا إشكال في أنّها بيع من أوّل الأمر غاية الأمر أنّها جائزة و تلزم بعروض أحد الملزومات فالوجهان المذكوران في المسالك لا يجريان على القول بالملك و أمّا بناء على الإباحة فقد ظهر أنّها متصوّرة على وجوه الأوّل ما بنى عليه صاحب الجواهر (قدّس سرّه) و حمل عليه كلمات الأصحاب من أنّ المعاطاة تفيد الإباحة فيما إذا قصدها المتعاطيان‌

الثّاني ما يستفاد من كلمات جماعة من أنّها إباحة شرعيّة رتّبها الشّارع على خلاف ما قصده المتعاطيان من التّمليك الثالث ما وجّهنا به كلمات المشهور من أنهما قصد التّمليك و لكنّهما أوجدا مصداق التّسليط فهي إباحة مالكيّة لإيجادهما ما هو مصداق التّسليط المالكي و أمضاها الشّارع أيضا الرّابع ما قوّيناه أخيرا من أنّهما قصد التّمليك و أوجدا ما هو مصداقه إلّا أن حصول الملك مشروط بتعقّبه بأحد الملزومات كاشتراط حصول الملك في الصرف و السّلم بالقبض غاية الأمر جوّز الشّارع قبل الملزمات تصرّف كلّ منهما بأيّ نحو من أنحاء التصرّف سواء كان مما يوجب حصول الشّرط كالتصرفات المتلفة و ما بحكمها أو لم يكن فالإباحة قبل حصول الشرط شرعيّة و على هذا فالفعل جزء السبب و جزؤه الآخر التصرفات المتوقفة على الملك أو التّلف و حيث إن جميع هذه الوجوه لا تخلو عن إشكال فالأقوى كونها مفيدة للملك ابتداء‌

و على أي حال لو قلنا بما اختاره صاحب الجواهر (قدّس سرّه) الّذي إليه يرجع تنظير المصنف (قدّس سرّه) الإباحة الحاصلة بالمعاطاة بإباحة الطعام فلا بدّ من الالتزام بأنّها معاوضة مستقلّة و خارجة من أبواب العقود المتعارفة فيكون نظير استيفاء المال أو العمل بالأمر المعاملي الموجب لتقدير الملك آنا ما و بأن التّضمين بالعوض المسمّى ينشأ من أوّل الأمر لا عند التّلف حتى يقال إنّ التّلف أو التصرّف ليس معاوضة و لازم جعل المسمّى عوضا هو انتقال الملك آنا ما إلى ملك المتصرف أو من تلف المال عنده و الدّليل على هذا المعنى هو السيرة الموجودة‌

98

فلا يقاس المعاطاة على إباحة المالك التصرّفات المتوقّفة على الملك لغيره الّتي منعنا كونها من أنحاء سلطنة المالك و قلنا إنّه ليس للمالك السلطنة على الأحكام الشّرعيّة‌

و بالجملة بناء على الإباحة بالمعنى الأوّل فلا بدّ من جعلها معارضة مستقلّة رتّبها الشّارع على قصد الإباحة من المالك بالعوض المسمّى إذا تحقّق منه فعل على طبق قصده و لم يرتّبها على قوله و أمّا جعلها بيعا بعد التّلف فبعيد جدّا للزوم الانقلاب فإنّ ما ليس بيعا كيف يصير بيعا‌

و لو قلنا بالوجه الثّاني فالصّواب أن يقال أيضا بأنّها معاوضة مستقلّة و لكنّها قهريّة شرعيّة و جعلها الشّارع لازمة بأحد الملزمات أو أنّ الشّارع رتّب عليها أوّلا ما هو مخالف لما قصده المتعاطيان و حكم عند تحقّق الملزمات بطبق ما قصده أو لو قلنا بالوجه الثّالث فهو و إن كان يقتضي كونها معاوضة مستقلّة لا بيعا إلّا أنّها لازم مساو للبيع لأنّ التّسليط المالكي عبارة عن إعطاء المالك جميع آثار الملك لغيره و هذا مرجعه في الحقيقة إلى إعطاء نفس الإضافة و السّلطنة الّتي منعنا سابقا كونها داخلة تحت سلطنة المالك لأنّ ما هو داخل تحت سلطنته هو طرف الإضافة لا نفس الإضافة إلّا أنّها على أيّ حال مرجعه إلى البيع‌

ثم إنّ انتقال كلّ عوض إلى ملك من انتقل إليه بالتّلف إنّما هو من آثار جعل الضّمان بالمسمّى لا أنّه بالتّلف ينقلب عمّا هو عليه و يصير بيعا فإنّ هذا الاحتمال أبعد الوجهين المذكورين في المسالك و لو قلنا بالوجه الرابع فمقتضاه كونها بيعا من أوّل الأمر و لا يجري فيه الاحتمالان كما لا يجريان على ما هو المختار تبعا للمحقّق الثّاني من حصول الملك بنفس الفعل‌

ثمّ إنّهم ذكروا نظير هذين الوجهين المذكورين في المسالك على القول بالإباحة في مسألة القسمة و الإقالة فاختلفوا في أنّ القسمة بيع أو إفراز حقّ و أنّ الإقالة فسخ أي حلّ للعقد الأوّل الّذي لازمه رجوع كلّ مال إلى مالكه الأصلي أو بيع أي إنشاء تمليك عكس الإنشاء السّابق و قيل بالتّفصيل بين ما إذا قيل بلفظ فسخت فإنّها فسخ و ما إذا قيل بلفظ أقلت فهي بيع‌

و كيف كان فعلى القول بالملك يلحقها من أوّل الأمر جميع الخيارات الثابتة للبيع عدا ما استفيد من دليله اختصاصه بالبيع العقديّ الّذي مبناه على اللزوم لو لا الخيار لا وجه للقول بلحوقها بها بعد لزومها بالتّلف و نحوه خاصّة لا قبله كما هو ظاهر المصنف التفاتا إلى كونها جائزة قبل التّلف و عدم الفائدة في الخيار حينئذ و ذلك لعدم انحصار الفائدة في الرّد لإمكان إسقاطها و الصّلح عليها‌

و بالجملة لا يلحقها خصوص خيار المجلس و الحيوان لظهور دليلهما في اختصاصهما بالبيع العقديّ الّذي مبناه على اللّزوم لو لا الخيار نعم لو قلنا بثبوتهما لكلّ بيع لازم سواء كان الالتزام من منشئات المتعاقدين أي كان عقديّا أو حقّيا من مجعولات الشّارع فيلحقان بها بعد ما صارت بيعا لازما و يلحقها خيار العيب و الغبن و الشّرط لعدم اختصاصها بالبيع العقدي فإنّ ثبوتها في البيع و شبهه من المهر و عوض الخلع إنّما هو للشّرط الصّريح أو للشّرط الضّمني الّذي يتضمّنه كلّ معاوضة عرفا و عادة فإنّ بناء النّوع على عدم الالتزام بالمعيوب و بما لا يتغابن بمثله و لا ينحصر دليل الخيار بقاعدة لا ضرر حتّى يقال باختصاصه بالبيع العقدي لكونه متيقّنا كيف و لو لا الشّرط الضّمني لما أمكن إثبات الخيار بتلك القاعدة لبناء المتعاملين على المعاملة كيف ما كانت و إقدامهما عليها مطلقا‌

99

و بالجملة فكلّ عقد أو معاملة لم يكن اللّزوم فيها حكميا و لم تكن من قبيل النّكاح و الضّمان يلحقها خيار العيب و الغبن و الشّرط نعم الخيار في المعاطاة ليس بمعنى ملك فسخ الالتزام و إقراره فإنّها لم تكن متضمّنة للالتزام المنشإ من المتعاملين بل بمعنى حلّ ما أوجداه و هذا المعنى يمكن ثبوته للمتعاطيين من حين المعاطاة إلى ما بعد التّلف‌

و ليس الجواز الثّابت من أجل تخلّف الشّرط الصّريح أو الضّمني كالجواز الحكميّ حتّى يمتنع عند التّلف و لا يكون قابلا للإسقاط و الإرث بل جواز حقّي لا يتوقف على بقاء العينين فلو تلف عوض المعيوب جاز ردّ المعيوب و لو تلف المعيوب جاز أخذ الأرش و أمّا خيار الرّؤية و خيار التأخير فبناء على عدم اعتبار التّعاطي من الطّرفين يجريان فيها سواء قلنا بأنّهما من مصاديق تخلّف الشرط الضّمني أم قلنا بكونهما خيارين مستقلّين‌

و أمّا على الإباحة كما هي مبنى المسالك فتثبت لها الخيارات الثّابتة في كلّ معاملة و كذا الخيارات اللّاحقة لكلّ بيع بعد ما صارت بيعا و أمّا الخيارات المختصّة بالبيع العقدي كخيار المجلس و الحيوان على ما استظهرناه من دليلهما فلا تثبت لها خلافا للمسالك فإنّه التزم بثبوت خيار الحيوان له و إنّما استشكل في مبدئه و احتمل أن يكون حين المعاطاة و أورد عليه بأن المعاطاة على مبناه ليست بيعا قبل التّلف فكيف يحتمل أن يكون مبدأ خيار الحيوان من حين المعاطاة و لكنّه يمكن أن يوجّه بأن البيع و إن تحقّق حين التّلف إلّا أن منشأه و السّبب الموجد له هو المعاطاة و كان ما يئول إلى البيع بمنزلة البيع‌

و لكن يرد عليه بأنّه لا فرق بين خيار المجلس و الحيوان فإذا انتفى خيار المجلس ينتفي خيار الحيوان أيضا و لو بعد تحقّق اللّزوم نعم بناء على الفرق بينهما فوجه تقيّده ره ثبوت خيار الحيوان بما لو كان التّالف الثّمن أو بعضه ظاهر فإنّ ثبوت خيار الحيوان و إن لم يتوقّف على بقاء الحيوان في غير مقامنا هذا إلّا أنّه يتوقّف على بقائه في المقام حتى يثبت الخيار لأنّه يشترط في تعلّقه بالتّالف أن يتعلّق به قبل تلفه و لو آنا ما حتى لا يكون تلفه موجبا لسقوطه فيرد مثله أو قيمته فلو كان التّالف الثّمن فبعد تلفه يصير المعاطاة بيعا فيتعلّق به خيار الحيوان و أمّا لو كان التّالف نفس الحيوان فما لم يتلف لم يكن خيار لعدم صيرورتها بيعا و إذا تلف تلف غير متعلّق به الخيار فمن أين يثبت المثل أو القيمة‌

و بالجملة تعلّق حقّ الخيار في المقام بالمثل أو القيمة يتوقّف على تحقّق الخيار و تحقّقه يتوقف على تعلّقه بالمثل أو القيمة نعم لو ثبت من الخارج ثبوت الخيار في المقام فلا بدّ من تقدير تعلّقه آنا ما بالحيوان حتّى يثبت المثل أو القيمة لأنّ شرط تعلّق الحق بالبدل أن يتعلّق بالمبدل و لو آنا ما فلو لم يكن هناك دليل خاصّ فعمومات أدلّة الخيار لا تفيد لإثبات التّقدير آنا ما و لذا قيل بامتناع تعلّق حقّ الخيار بمن ينعتق على المشتري و سيجي‌ء توضيحه في محلّه إن شاء اللّٰه تعالى‌

[الأمر الثّامن لا إشكال في تحقّق المعاطاة]

قوله (قدّس سرّه) الأمر الثّامن لا إشكال في تحقّق المعاطاة

لا يخفى أنّ ظاهر عبارته (قدّس سرّه) أنّ المقصود في هذا العنوان تحقّق المعاطاة بالقول الغير الجامع لشرائط اللّزوم فقط كخلوّه عن القبض في باب الوقف و الهبة بذي رحم و لكن بالتأمّل في مجموع كلماته يظهر أنّ المقصود أعمّ من فقد شرائط اللّزوم و الصّحة‌

و بالجملة مقصوده الجمع بين ما هو المسلّم بينهم من أنّ المقبوض بالعقد الفاسد لا يترتّب عليه شي‌ء من آثار الملكيّة بل يحرم التصرّف فيه و يجب ردّه فورا إلى مالكه و يضمن العين و منافعها المستوفاة و غير المستوفاة و بين ما يظهر من كلام غير واحد تبعا‌

100

للمحقّق و الشّهيد الثّانيين أنّه لو أخلّا بالشّروط المعتبرة في الصّيغة و أوقعا البيع خاليا عنها يكون معاطاة لو علم التراضي منهما‌

ثم إنّ قوله (قدّس سرّه) أمّا إذا حصل بالقول الغير الجامع لشرائط اللّزوم إلى آخره ليس المقصود منه خلوّ القول عن شرائط اللّزوم عند كل أحد حتى يكون قوله فإن قلنا بعدم اشتراط اللّزوم بشي‌ء زائد على الإنشاء اللّفظي خلفا كما أورده عليه المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) بل مقصوده خلوّه عن شرائط اللّزوم عند المشهور فالترديد لا يكون خلفا‌

ثم إنّ ما ذكره هذا المحشّي (قدّس سرّه) في وجه الجمع من أنّ الحكم بضمان المقبوض بالعقد الفاسد اقتضائي بمعنى أن قضيّته فساده إنّما هو لكونه عقدا فلا ينافي صحّته بما هو معاطاة لا يخفى ما فيه فإنّ هذا العنوان الطّاري دائما موجود في المقبوض بالعقد الفاسد سيّما إذا قلنا بأنّ العقد الفاسد حكمه حكم المعاطاة و لو لم يتحقّق معه قبض أصلا فترتيب الأعلام هذه الآثار عليه لا يبقى له موضوع‌

إذا عرفت ذلك فنقول تارة يتحقّق قبض العينين بعد القول الفاسد و أخرى لا يتحقّق فلو لم يتحقّق فهذا خارج عن المعاطاة المصطلحة و لا بدّ من إخراجه من موضوع بحث الشّهيد و المحقّق الثّانيين و من تبعهما و القول بأن إنشاء القولي الغير الجامع لشرائط الصحّة يرجع إلى حكم المعاطاة مطلقا لا وجه له و لو تحقّق قبض العينين فتارة بناؤهما على الإغماض عن القول السّابق و إنشائهما التّمليك أو التّسليط بالفعل فهذا داخل في المعاطاة موضوعا و ليس هذه الصورة محطّ كلام المحقّقين و من تبعهما لأنّ مجرّد وقوع المعاطاة بعد العقد الفاسد لا يوجب الشكّ في دخولها في عنوان المعاطاة‌

و أخرى ليس بنائهما على الإغماض و هذا على قسمين لأنهما قد يقبضان وفاء بما التزما به على البيع الفاسد بحيث لم يعلم منهما رضاء بالتصرّف إلّا الرّضا المعاملي الّذي كان في ضمن الإنشاء الفاسد و مقيّدا به و هذا أيضا خارج عن موضوع البحث لأنّ هذا هو المقبوض بالعقد الفاسد الّذي هو موجب للضّمان و يترتّب عليه آثار خاصّة و قد يقبضان لا بما أنّ القبض وفاء بل رضى جديد حاصل لهما على أيّ حال و هذا هو موضوع كلامهما و كلام من تبعهما ثم الرّضا كذلك تارة تحقيقيّ كما لو علما بفساد الصّيغة و مع ذلك رضيا بالتصرف‌

و أخرى تقديري كما لو جهلا به و لكن استكشف من حالهما أنّهما لو علما بفسادها لرضيا بالتصرّف أيضا كالرّضى المستفاد من شاهد الحال في غير المقام فمرجع كلامهما إلى أنّه يكفي الرّضا و الطيب الّذي يجوز معه التصرّفات الغير المتوقّفة على الملك للتصرّفات المتوقّفة عليه و سائر الآثار المترتبة على المعاطاة من اللّزوم بالملزمات‌

و لا يخفى أنّ إدخال هذا في المعاطاة يتوقّف على أمرين الأوّل كفاية الرّضا الشّأني حتى يشمل كلامهما صورة الجهل بالفساد الثّاني عدم اعتبار إنشاء عنوان العقود قولا و لا فعلا بل كفاية مجرّد وصول كلّ من العوضين إلى المالك الآخر و هذا ممّا لا يمكن الالتزام به سواء قلنا بالملك أو الإباحة لأنّ مجرّد الرّضا سواء كان فعليا أو تقديريا و تحقّق قبض بعده أو قبله لا أثر له في باب العقود و الإيقاعات فإنّ القبض الواقع بعد العقد الفاسد إذا لم ينشأ به التّمليك و لا التّسليط كما هو المفروض وجوده كالعدم و الرّضا بالتصرّف أيضا لا أثر له إلّا جواز التصرفات الغير المتوقّفة على الملك‌

و أمّا حصول الملك بمجرّد الرّضا أو الأوّل إليه أي تعيّن المسمّى للبدليّة بطروّ أحد الملزمات فلم يقم دليل على حصوله بمجرّد الرّضا لأنّ عناوين العقود إيجاديّة و لا بدّ من حصولها بإنشائها قولا أو فعلا و لا عموم في طرف‌