منية الطالب في حاشية المكاسب‌ - ج1

- الميرزا محمد حسين الغروي النائيني المزيد...
415 /
101

المستثنى في قوله ص إلّا بطيب نفسه لأن عموم المستثنى منه لا يقتضي عموم المستثنى‌

هذا مع أنّه و لو قلنا بإباحة جميع التصرّفات حتّى المتوقّفة على الملك بمجرّد الرّضا الباطني إلّا أنّه كيف يتحقّق الرّكن الآخر و هو الضّمان بالمسمّى و انتقال التّالف إلى ملك من تلف في يده فإنّه يتوقّف على إنشاء لا محالة إمّا بقوله أعتق عبدك عنّي و عليّ عشرة و إمّا بإعطائه النّاشي عن قصد التّمليك أو التّسليط له و كفاية وصول كل واحد من العوضين إلى المالك الآخر كما في مسألة كوز الحمّامي و السقاء و نحوهما و إن لم ينشأ إباحة أو تمليكا ممنوعة أمّا أوّلا فلعدم كون أمر الحمّام و السّقاء من باب المعاطاة و أمّا ثانيا فلأنّ قيام السّيرة على تحقّقها بالإنشاء من طرف واحد غير موجب لتحقّقها و لو لم يكن هناك إنشاء أصلا كما في المقام‌

تذنيبان

الأوّل في حكم النماء و المنافع على القول بالملك قبل الرّجوع و بعده

و بيانه يتوقّف على رسم أمور الأوّل أنّ النماء عبارة عن الأعيان المستخرجة من المال أي ما يمكن الإشارة الحسيّة إليه لوجود ما بحذاء له في الخارج سواء كان قابلا للانفصال كاللبن و الثمرة و النّتاج و الصوف و نحو ذلك أو لم يكن كالسّمن و نموّ الأشجار و المنافع ما لا يكون بحذائه شي‌ء في الخارج كسكنى الدّار و ركوب الدّابّة و قد يطلق كلّ منهما على الآخر الثّاني أن حكمهما في الرّد بالخيار مختلف سواء كان الخيار أصليّا كخيار المجلس و الحيوان و الشرط و نحو ذلك أو عرضيّا كخيار التّفليس‌

فذهب المشهور إلى أنّ النّماء المنفصل و المنافع مستوفاة كانت أو تالفة ملك لمن انتقل إليه المال فلا تردّ بردّ العين و النّماء المتّصل تابع للعين و اختلفوا في مثل الصّوف و الشّعر المتّصل الّذي يقبل الانفصال في أنّ حكمه حكم السّمن أو حكم المنفصل و الحقّ أنّه قبل انفصاله أو جزه يتبع العين و إن بلغ أوان جنائه أو زمان جزّه الثّالث أنّ مدرك الحكم في باب الردّ بالخيار هو قوله ص الخراج بالضّمان‌

و المصنف و بعض من تبعه و إن ناقشوا في سنده إلّا أنّ المستفاد من كلام شيخ الطّائفة و جماعة أنّه من النبويّات المتلقاة بالقبول عند الفريقين فهو نظير على اليد ما أخذت بل معناه في الجملة من الارتكازيات و هذه القاعدة هي مدرك فتوى أبي حنيفة في قضية البغلة في الحكم بأن منافع المغصوب للغاصب لأنّ ضمانه عليه فالمناقشة في سنده لا وجه لها إنّما الكلام في دلالته و قد استظهر منه أبو حنيفة أنّ المراد من الضّمان فيه هو الضّمان بمعنى اسم المصدر فيشتمل الضّمان الثّابت بمقتضى قاعدة اليد فتوهّم أنّ كلّ من كان ضامنا لشي‌ء فخراجه أي ما يستفاد منه منفعة كان أو نماء له و قد قال الإمام (عليه السّلام) في ردّه في مثل هذا القضاء و شبهه تحبس السماء ماءها و تمنع الأرض بركاتها‌

هذا مع أنّ من مناسبة الحكم و الموضوع يستفاد أن كلّ من تعهّد مالا و جعل ضمانه في عهدته فخراجه له لأنّ العاقل لا يتعهّد مالا إلا لأن يملك نماءه و منافعه و يصرفهما في حوائجه و هذا يختصّ بالضّمان الجعليّ الأصليّ الفعليّ الّذي أمضاه الشّارع فيخرج منه الضّمان القهريّ كباب الغصب و الضّمان التبعيّ كضمان البائع للمبيع و المشتري للثمن قبل القبض لأنّ ما تعهّده البائع أصالة هو ضمان الثّمن الّذي انتقل إليه و معنى ضمانه له أنّ دركه عليه بحيث إنّه لو تلف ثمّ طرأ على المعاوضة فسخ أو انفساخ يجب عليه ردّ مثله أو قيمته‌

و هكذا في طرف المشتري فإن ما تضمّنه أصالة هو المثمن و ضمان كلّ منهما لما انتقل عنه إنّما هو لشرط التّسليم الّذي يتضمّنه كلّ عقد فمناسبة الحكم مع موضوعه تقتضي خروج الضّمان التّبعي لأن هذا الضمان‌

102

على عكس ما اقتضاه المعاوضة فإنّ البائع أقدم على المعاوضة لأن يملك منافع الثمن و حيث إنّ هذا الإقدام يقتضي تسليم المبيع فلا يمكن أن يكون منافعه للبائع‌

و يخرج عنه أيضا الضّمان التقديريّ كالضّمان في باب أعتق عبدك عنّي و الضّمان في باب السبق و الرّماية قبل وصول السّابق و الرّشق فإنّ منافع العبد و السّبق و العوض ليس للآمر و السّابق و الرّامي لعدم كونها فعلا ملكا للضامن مع أنّ المضمون غالبا خارج عن تحت تصرّف الضّامن فلا معنى لأن يكون منافعه له و يخرج عنه المقبوض بالعقد الفاسد لعدم كون الضّمان الجعلي ممضى شرعا فوجوده كالعدم‌

إذا ظهر معنى الحديث إجمالا فنقول لو لم يرجع أحد المتعاطيين فنماء كلّ عين أو منافعها لمن بيده سواء قلنا بالملك أو الإباحة أمّا على الملك فواضح و أمّا على الإباحة فظاهر استبعاد الشّيخ الكبير (قدّس سرّه) بأنّه كيف يكون النماء للآخذ دون العين أنّ حدوث النّماء في ملك المباح له مفروغ عنه بل لا إشكال في أن السّيرة عليه أيضا فإنّه لم يعهد من أحد مطالبة النماء‌

و على أيّ حال قوله ص الخراج بالضّمان يشمل كلّ ضمان معاوضي سواء كان بالتّضمين الملكيّ أو الإباحيّ لأنّ كلّ مورد جعل ضمان مال بإزاء عوض بضمان أصليّ فعليّ مع كونه ممضى من الشّارع فالخراج مسبّب عن هذا الجعل و أمّا لو رجع أحدهما فحكم الرّجوع في المقام حكم الرّجوع في باب الخيار في أنّ النماء المتّصل يتبع العين دون المنفصل و المنافع المستوفاة قبل الرّجوع فإنّهما لمن كان العين بيده و لا وجه لاسترجاعهما منه و لو على القول بالإباحة‌

و بالجملة يشمل القاعدة المعاطاة على كلا المسلكين و إن تقدم عن المصنف القول بعدم انتقال النّماء إلى الآخذ نقلا عن بعض القائلين بالإباحة فراجع‌

الثّاني يظهر من المحقّق الثّاني على ما حكي عنه الفرق بين المعاطاة في البيع و القرض

فقال بحصول الملك في الأوّل كما هو مختاره فيها و الإباحة في الثّاني ثم رتّب عليهما أن نماء المبيع للمشتري دون نماء العين في باب القرض فإنّه للمقترض و لا يخفى ما فيه أوّلا من أنّه لا فرق بينهما فإنّ المعاطاة لو كانت مفيدة للملكيّة فلا فرق بين القرض و البيع و ثانيا لا فرق بين الإباحة و الملك في مسألة النماء لما عرفت أنّ قاعدة الخراج بالضّمان تشمل البابين هذا مع أنّ السّيرة قائمة في باب القرض أيضا فإنّه لم يعهد مطالبة نماء العين من المقترض مطلقا‌

[مقدّمة في خصوص ألفاظ عقد البيع]

قوله (قدّس سرّه) مقدّمة في خصوص ألفاظ عقد البيع إلى آخره

توضيح ما أفاده (قدّس سرّه) في هذا العنوان و ما يرد عليه يتمّ برسم أمور الأوّل قد عرفت في بحث المعاطاة أنّ عدم إفادتها اللّزوم على مسلكين أحدهما عدم كون الفعل مطلقا مصداقا لعناوين العقود فيكون قاصرا عن إفادة التّمليك فضلا عن اللّزوم و لذا قيل بإفادتها الإباحة و ثانيهما الإجماع على اعتبار اللّفظ في اللّزوم مع صدق عنوان العقد على الفعل و إفادته الإلزام و الالتزام مثل القول فلو قلنا بالأوّل فما شكّ في اعتباره فيه فالأصل اعتباره لأصالة الفساد لأنّه لو منعنا عن صدق العقد و عنوان أبواب المعاملات عليه فلا دليل على صحّته إلّا ما قامت السّيرة عليه فلو شكّ في كونه موردا للسّيرة فأصالة عدم ترتّب الأثر عليه هي المرجع و لو قلنا بالثّاني فالأصل عدم اعتباره لصدق عنوان العقد‌

و على هذا فلا وجه لما أفاده المصنف من أنّ الأصل يقتضي كفاية إشارة الأخرس في مورد العجز عن التّوكيل لا في مورد القدرة عليه لأنّه (قدّس سرّه) اعتبر اللّفظ في اللّزوم من جهة الإجماع لا من جهة عدم صدق البيع على الفعل فإذا سلّم صدق العنوان فالأصل يقتضي عدم الاشتراط بالعجز‌

و بعبارة أخرى أصالة الفساد‌

103

إنّما تجري في مقابل الشكّ في أصل الصّحة و الفساد لا بعد إحراز الصّحة و الشكّ في اللّزوم و عدمه و كيف كان فسواء قلنا بأن الفعل ليس مصداقا لعنوان العقود أو قلنا بأنّه مصداق و لكنّما الإجماع قام على اعتبار اللّفظ في اللّزوم فالإشارة من الأخرس تقوم مقام اللّفظ و إن لم يقم معاطاته أي أخذه و إعطائه مقام اللّفظ كما سيظهر وجهه و ذلك لأنّ إشارة الأخرس و إن كانت فعلا من أفعاله إلّا أنّ قصور الفعل عن كونه إيجادا لعنوان العقد إنّما هو في غير إشارته فإنّ إشارته لا تقصر عن قول غيره لا سيّما من يفهم مقاصده الكليّة و الأمور الغير المحسوسة بالإشارة هذا بناء على الأوّل و أمّا بناء على أنّ اللّزوم يتوقّف على اللّفظ إجماعا فالإجماع إنّما قام في مورد القدرة على التكلّم و أمّا مع العجز عنه فلم يقم إجماع‌

ثم هل يقوم إشارته مقام اللّفظ مطلقا أو مع العجز عن التوكيل وجهان و الأقوى هو الأوّل أمّا بناء على صدق عنوان العقد على إشارته فواضح لأنّ الأصل عدم اشتراطه و أمّا بناء على عدم الصّدق فلإطلاق الأخبار في باب الطّلاق المستفاد منها بالفحوى حكم عقده و إيقاعه في سائر الأبواب و حملها على صورة العجز عن التّوكيل حمل على الفرد النّادر‌

هذا مع أنّه لو كانت إشارته كافية في التّوكيل لكانت كافية في أصل طلاقه و لا يقال إنّ العقود الإذنيّة يكفي فيها كلّما يدلّ على الإذن و الرّضا بخلاف غيرها لأنّا نقول و إن كان الإذن المطلق يكفي فيه كلّما يدلّ عليه إلّا أنّ الإذن في التصرف بعنوان الوكالة لا بدّ في تحقّقه من إشارة خاصّة فإذا كانت إشارته مفيدة لعقد الوكالة فهي مفيدة لغيره من العقود و الإيقاعات أيضا الثّاني أنّ محلّ البحث في إشارة الأخرس إنّما هو فيما إذا كانت المعاملة منشأة بإشارته بحيث كان القبض و الإقباض وفاء بها لا ما إذا كان الإنشاء بهما فإن معاطاته لا خصوصيّة فيها فما أفاده المصنف (قدّس سرّه) في قوله ثم لو قلنا بأنّ الأصل في المعاطاة اللّزوم فالقدر المخرج صورة قدرة المتبايعين على مباشرة اللّفظ لا يستقيم لأنّ جهة البحث ليست في معاطاة الأخرس حتى يبحث أنّها لازمة أو جائزة لعدم انعقاد الإجماع هاهنا‌

نعم لو أراد من لفظ المعاطاة مطلق الفعل لا خصوص القبض و الإقباض لاستقام ما أفاده الثّالث فيما يتحقّق به الإشارة و أنّه هل تعتبر كيفية خاصّة من تحريك اللّسان أو الإصبع أو غيرها أو لا تعتبر الأقوى هو الثّاني لأنّه لا دليل على اعتبارها بعد كون مطلق أفعاله مفهما لمراده و بعد صدق عنوان العقد أو الإيقاع على مطلق إشاراته و اختلاف الأخبار في باب الطلاق من إلقاء القناع أو الإشارة بالإصبع ناظر إلى هذا المعنى لأنّ كلّا منهما من أنحاء إفهام المراد و من مصاديق العناوين و ليس لنوع الأخرس كيفيّة واحدة نوعيّة حتّى لا يتجاوز عنها‌

الرّابع هل الإشارة مقدّمة على الكتابة أو العكس متعيّن أو كلّ منهما في عرض الأخرى في بعض أخبار الطّلاق ما يدلّ على ما تقدم الكتابة و به أفتى الحلّي (قدّس سرّه) هناك و لا يخفى أنّه لو قلنا به هناك للتعبّد لا يمكن التّعدي منه إلى كلّ باب لأنّ الكتابة ليست مصداقا في العرف و العادة لعنوان عقد أو إيقاع فليست آلة لإيجاد عنوان بها و لذا انعقد الإجماع على عدم تأثيرها في غير الوصيّة و إن كان الحقّ أنّه لا ينشأ بها الوصيّة أيضا نعم هي معتبرة عند العرف من حيث الكاشفيّة و تصير مدركا و سندا لإثبات البيع و الدّين و الوصيّة و نحو ذلك‌

و بالجملة إذا لم يكن الفعل مصداقا‌

104

لعنوان عقديّ أو إيقاعي فقصد إيجاد هذا العنوان لا يؤثّر أثرا لأنّه إذا لم يكن مصداقا فليس هناك إلّا القصد المجرّد و هذا لا أثر له في العناوين الإيجاديّة و الموجدات الاعتباريّة الّتي هي منشأ الآثار الشّرعيّة و العرفيّة‌

الخامس هل الحكم مختصّ بالأخرس الّذي نشأ خرسه من صممه أو يشمل كلّ من لا يتكلّم و لو لعذر من نذر أو إكراه أو أخصّ من ذلك و أعمّ من الأوّل فيشمل كل من كان عاجزا خارجا سواء كان لصممه أو لاعتقال في لسانه أو لمرض مرجوّ الزّوال وجوه الأقوى هو الأوّل فإنّه الّذي يصدق عليه الأخرس يقينا ثمّ الأخير و أمّا الخرس لعذر فلا يشمله الأدلّة قطعا بل ليس هو خرسا‌

و بالجملة و إن قلنا بعموم الأخرس لكلّ من كان عاجزا عن النّطق و إن لم يكن منشأ خرسه الصّمم كما لا يبعد دعواه و لا وجه للأخذ بالقدر المتيقّن لعدم إجمال في اللّفظ إلّا أنّ شموله لمن نذر ترك التكلّم و نحوه ممنوع جدّا و على هذا فلو صدق عنوان العقد و الإيقاع على إشارة كلّ عاجز فهو و إلّا فمن فحوى باب الطّلاق نتعدى إلى غيره و نحكم بلزومه بإشارته كما نحكم بجواز معاطاته الّتي هي في حكم معاطاة غيره‌

و على أي حال كتابته ليست داخلة في إشارته و لا هي معاطاة منه‌

قوله (قدّس سرّه) ثمّ الكلام في الخصوصيّات المعتبرة في اللّفظ تارة يقع في مواد الألفاظ

توضيح البحث في هذا العنوان يتمّ بتمهيد مقدمات الأولى أنّه لو شكّ في صدق عنوان من عناوين العقود و الإيقاعات على لفظ صادر من الموجب و القابل أو الموقع فأصالة الفساد تقتضي عدم صحّته و أمّا مع صدق العنوان عليه عرفا فمقتضى الإطلاقات و العمومات عدم اعتبار ما شك في شرطيته في مادة العقود و الإيقاعات أو هيئتهما فإنّ قوله عزّ من قائل أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ مثلا و إن كان ناظرا إلى المسبّبات بالمعنى الّذي بيّناه و هو الموجد بالأدلة إلّا أنّ إمضاء اسم المصدر إمضاء للمصدر فيقتضي حلّية جميع ما كان آلة عرفا لإيجاد البيع سواء كان بمادّة البيع أو بغيرها من الموادّ و سواء كانت الهيئة الّتي توجد بها المادة ماضويّة أو غيرها و سواء أنشأ هذا العنوان بألفاظ صريحة أو بغيرها و باللّغة العربيّة أو غيرها كان الإيجاب و القبول متواليين أو لا‌

نعم لو منع من صدق البيع عرفا على ما إذا أنشأ بغير لفظ الماضي أو بما إذا لم يكن بين الإيجاب و القبول موالاة أو بما أنشأ بالكناية و نحوها أو ادّعى الانصراف عنها فلا يفيد الإطلاق‌

ثم إنّه كما يصحّ التمسّك بالإطلاق فيما إذا كان الشكّ في ناحية الأسباب كذلك يصحّ التمسّك به فيما إذا كان الشكّ في ناحية المسبّبات فلو لم يكن مسبّب متعارفا في زمان الشّارع و صار متعارفا بعده كالأمر بإلقاء المتاع في البحر و تعهّد الآمر الضّمان و نحو ذلك من استيفاء مال أو عمل بأمر معامليّ لجاز التمسّك لصحّته بعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و لا وجه لدعوى اختصاصه بالعقود المتعارفة و المعاملات المتداولة إلّا إرادة العهد من اللّام و هو خلاف ظاهر اللّام في كلّ مقام لا سيّما في مثل هذه الأحكام‌

نعم هنا إشكال في صحّة التمسّك بعموم أَوْفُوا فيما إذا كان الشكّ راجعا إلى الشكّ في الصّحة و الفساد و تقريبه أنّ العموم في هذه الآية الشّريفة وارد مورد حكم آخر لأنّه في مقام بيان لزوم ما هو صحيح و ليس في مقام بيان أصل الصّحة فلا بدّ أن تكون الصّحة مفروغا عنها حتّى يجب الالتزام بما أنشأه المتعاقدان و لكن التّمسك بعموم تجارة عن تراض لا إشكال فيه‌

و بالجملة إذا لم يكن سبب متعارفا‌

105

في زمان الشّارع كبعض اللّغات المستحدثة و صار إيجاد المسبّبات متعارفا بها و صدق عليها عنوان المعاملة أو إذا لم يكن مسبّب متعارفا في زمانه و صار متعارفا في عصر فيتمسّك بإطلاق أدلّة العناوين لصحّتهما و لا وجه لدعوى الاختصاص و لا الانصراف‌

الثّانية لا شبهة في الفرق بين الحكايات و الإيجاديّات فإنّ الحكايات لا يتعلّق غرض بها إلّا إظهار ما في الضّمير و إلقاء المقصود إلى المخاطب فكلّ لفظ لم يكن خارجا عن أسلوب المحاورة يصحّ إظهار ما في الضّمير به سواء كان الاستعمال حقيقة أم مجازا صريحا أم كناية كانت قرينة المجاز حاليّة أو مقاليّة كان المجاز بعيدا أو قريبا و هذا بخلاف الإيجاديّات فإنها لا توجد إلّا بما هو آلة لإيجادها و مصداقا لعنوانها فلو لم يكن شي‌ء مصداقا لعنوان و آلة لإيجاده بل كان للازمه أو ملازمه لم يوجد الملزوم أو الملازم الآخر به و إن كان الغرض من إيجاد اللّازم أو الملازم إيجاد الملزوم و الملازم الآخر بحيث كان هو المقصود الأصلي إذ لا عبرة بالدّواعي و الأغراض في الإيجاديات فلو قصد البيع و أتى بغير ما هو مصداقه فلا أثر له و لذا لا يرتّبون الآثار على الشّروط البنائيّة الّتي لم تذكر في متن العقد‌

ثم إنّ الإيجاد المعتبر في العقود غير الإيجاد الحاصل في سائر الإنشائيّات في معاني الحروف فإنّ الهيئة في سائر الإنشائيّات وضعت لإلقاء الحدث على الفاعل و إيجاد النّسبة بين الفاعل و الفعل و بإيجاد النّسبة إذا كان المتكلّم في مقام البعث و التشريع يتحقّق مصداق للأمر و إذا كان في مقام السّؤال يتحقّق مصداق للاستفهام و إذا كان في مقام إظهار المحبّة في وقوع النّسبة يتحقّق التمنّي و الترجّي و نحو ذلك‌

و أمّا الهيئة في باب العقود فمضافا إلى أنّ بها تتحقّق النّسبة توجد المادّة بها أيضا إذا كان المتكلّم في مقام الإنشاء فإنّه بقوله بعت يوجد البيع و أمّا الإيجاديات في باب الحروف فقوامها بأمور أربعة الأوّل كون معنى الحروف إيجاديّات لا إخطاريّا الثّاني كونه قائما بغيره الثّالث عدم التقرّر له في غير وعاء الاستعمال الرّابع كون المعنى حين إيجاده مغفولا عنه و أمّا الإيجادي في باب العقود كالملكية مثلا فهو أمر متقرّر في حدّ نفسه و له وعاء غير وعاء الاستعمال فإنّه موجود في عالم الاعتبار و ليس بمغفول عنه و تمام الكلام موكول إلى بحث الحروف‌

الثّالثة لا شبهة في أنّ البيع بل كلّ عنوان من عناوين العقود و الإيقاعات عنوان بسيط ليس مركّبا من الجنس و الفصل فإذا كان بسيطا فلا يمكن إيجاد هذا المعنى تدريجا بل إمّا أن يتحقّق آنا أو لا يتحقّق أصلا بل المركّب من الجنس و الفصل أيضا لا يمكن أن يوجد تدريجا فإن تحصّل الجنس إنّما هو بالفصل و تحقّق الهيولى إنّما هو بالصّورة فلا يعقل أن يوجد المادة أولا ثم الصّورة فإذا كان هذا حال المركّب الخارجي فكيف بما هو بسيط و ما به امتيازه عين ما به اشتراكه فإنّ السّود الشّديد بعين ما هو لون يكون سوادا و بعين ما هو سواد يكون شديدا و هكذا التّمليك البيعيّ و القرضيّ و نحوهما من الهبة و الإجازة يكون التّمليك في كلّ منهما بعين كونه بيعا أو قرضا أو نحوهما أي لا يكون التّمليك في البيع جنسا و بيعيّته فصلا بل هو بيع بعين كونه تمليكا بل لا شبهة أنّ التّمليك ليس شيئا و البيع شيئا آخر و إن قلنا بأنّ كلّ واحد من هذه الأمور الأربعة مباين في النّسخ مع الآخر مضافا إلى أنّ التّمليك في جميع‌

106

هذه الأمور أمر واحد و إنّما الاختلاف بينهما كالاختلاف بين أفراد البيع‌

و على أيّ حال المعنى المنشأ بلفظ بعت أمر بسيط ليس مركّبا من الجنس و الفصل و لا يمكن أن يوجد تدريجا كتدريجيّة الباء و العين و التّاء إذا عرفت ذلك فيقع البحث تارة في صحّة إنشاء العناوين بالكنايات و أخرى بالمجازات و ثالثة بالمشترك اللّفظيّ و رابعة بالمشترك المعنويّ أمّا صحّته بالكناية فلو قيل إنّها قسم من المجاز كما عرفها بعضهم من أنّها ذكر اللّازم و إرادة الملزوم فحكمها حكمه و لو قيل إنّها قسيم للمجاز كما هو الحقّ فإنّ قوله زيد طويل النّجاد استعمل في نفس معناه الحقيقيّ و ألقى معنى اللّفظ إلى المخاطب لينتقل منه إلى ملزومه و هو طول القامة و هكذا في أمثال ذلك من قوله زيد كثير الرّماد أو مهزول الفصيل فإنّ الانتقال إلى الجود من دواعي استعمال هذه الألفاظ في معانيها الموضوعة لها لا أنّها استعملت في الجود فالأقوى عدم صحّة إنشاء العنوان بها فإن إنشاء اللّازم و إيجاده في الإنشاء القولي ليس إيجادا للملزوم عرفا و كون الملزوم مقصودا و داعيا من إيجاد اللّازم لا أثر له بعد ما عرفت في المقدّمة الثّانية أنّ الأغراض و الدّواعي لا أثر لها في باب العقود و الإيقاعات فلو قال كناية عن البيع ترى خيره أو في مقام النّكاح ألّف اللّٰه بين قلبكما و أمثال ذلك فلا أثر له‌

و بالجملة ما لم ينشأ عنوان العقد بما هو آلة لإيجاده عرفا فلا أثر له و لا يرى العرف آلة إيجاد اللّازم آلة لإيجاد الملزوم ثمّ لو قيل بأنّ الملزوم و إن لم ينشأ أصالة إلّا أنه منشأ تبعا و في المرتبة الثّانية من الإيجاد و لا وجه للاقتصار على المنشإ الأوّل بعد إطلاق أدلّة العناوين فيقال الإيجاد بهذا النّحو في كمال الضّعف من الوجود فينصرف الإطلاق عنه و لا يشمله العمومات أيضا لخروجه عن الأسباب المتعارفة و مع الشكّ في دخوله تحت العموم و الإطلاق فالأصل عدم ترتّب الأثر عليه‌

و أمّا صحّته بالمجاز فإن كان مجازا مشهورا فالأقوى كفايته دون ما لم يكن كذلك و ذلك لأنّ الشّهرة توجب أن لا يحمل اللّفظ على معناه الحقيقيّ أو المجازيّ إلّا بانضمام قرينة معيّنة لأحدهما فعدم حمله على معناه الحقيقيّ بمجرّد التلفّظ يجدي في وقوعه به و لا يلزم إيجاد عنوان البسيط تدريجا و هذا بخلاف المجاز الغير المشهور فإنّه يحتاج إلى قرينة صارفة أيضا فحاله أردأ من الكناية لأنّ ما يوجد به بحسب الدلالة التّصوريّة هو معناه الحقيقيّ و بحسب الدلالة التّصديقيّة معناه المجازيّ فيتناقضان و ليس باب الإيجاد كباب الحكاية كما عرفت‌

و لذا قال المشهور بأن بعتك بلا ثمن و آجرتك بلا أجرة لا يفيدان فائدة الهبة الصّحيحة و العارية كذلك و ليس ذلك مع أنّ القرينة الصّارفة مقرونة باللّفظ إلا لأن ما أوجد أولا بلا مجي‌ء القرينة كان معاندا لما أوجد ثانيا و لا يمكن إرجاع ما أوجد عمّا هو عليه في الإيجاديات و إن أمكن في الحكايات‌

نعم لو قيل بأنّ في باب المجاز لا ينشأ بالقرينة شي‌ء حتى يكون بين القرينة و ذي القرينة تناقض بل عنوان العقد ينشأ بنفس ذي القرينة و القرينة كاشفة عن المعنى المقصود من ذي القرينة و لذا التزمنا بصحّة إنشاء العناوين بالمجاز المشهور لصحّ إنشاؤها بالمجاز الغير المشهور أيضا سواء كانت قرينة حاليّة أو مقاليّة إلّا أن يمنع كون المجاز الغير المشهور آلة لإيجاد العنوان الّذي قصد إيجاده به عرفا فإنّ مجرّد قصد العنوان من اللّفظ مع عدم كون اللّفظ آلة لإيجاده لا أثر له فإنّه في حكم القصد المجرّد‌

و لذا قلنا في أوّل المعاطاة بالفرق بين الفعل و اللّفظ و أنّ الفعل لو قصد به التّمليك يقع به و إن كان مصداقا للتّسليط و هذا بخلاف‌

107

قوله سلّطتك و ذلك لأنّ التّسليط الخارجي لو قصد منه البيع يصير مصداقا لهذا العنوان لقيام السيرة عليه دون التّسليط اللّفظي‌

و أمّا صحّته بالمشترك اللّفظي فلو كان هناك لفظ مشترك لفظا بين عنوان عقدين أو عقود كاشتراك لفظ الشراء بين البيع و الاشتراء فلا مانع عن إنشائه به لأنّه لا يوجب تعيّن معناه بالقرينة المعيّنة أن يوجد العنوان بالقرينة حتى يلزم تدريجيّة المعنى البسيط بل العنوان ينشأ بنفس اللّفظ و القرينة كاشفة عن وقوع اللّفظ في مقام إنشاء هذا العنوان إلّا أن يقال إنّ القرينة متمّم المراد و المعنى يستفاد من مجموع القرينة و ذيها كاستفادة موضوع الحكم في العام المخصّص من مجموع العالم العادل (1)

و أمّا صحّته بالمشترك المعنوي فلو كان مشتركا بين العقود التّمليكيّة كملكت صحّ إنشاؤها به و يتعيّن كلّ واحد من العناوين المقصودة بالقرينة المكتنفة به و لا يلزم إشكال إيجاد الأمر البسيط تدريجا لأنّه لو فرض أنّ البيع و القرض و الهبة و الإجارة مفيدة للتّمليك و التّمليك الحاصل بكلّ منها حاصل بعين ذلك العنوان لا بغيره فلا يلزم التدريجيّة فإنّ البيع بما هو بيع تمليك و هكذا الهبة بما أنّها هبة تمليك و الخصوصيّات الخارجيّة ككون البيع بعوض معيّن و الهبة بلا عوض كالخصوصيّات اللّاحقة لأفراد البيع فكما أنّ هذه الخصوصيّات لا توجب اختلافا في حقيقة البيع و لا تضرّ ببساطته فإنّ معنى بساطته بساطة أصل الحقيقة لا مع الشّروط المذكورة فيه و لا مع بيان عوضه و معوّضه و نقده و نسيته فكذلك تلك الخصوصيّات‌

و لو كان مشتركا بين العقود التمليكيّة و غيرها من النّقل الخارجي كلفظ نقلت فلا يصحّ إنشاء التّمليك العقديّ به لأنّ ما به امتياز النّقل الخارجيّ عن النّقل الاعتباري ليس بعين ما به اشتراكهما فلا يمكن إنشاء تمام معنى البسيط به بل ينشأ الجنس العالي أوّلا ثم يميز بالفصل فيلزم التدريجيّة في الوجود‌

قوله (قدّس سرّه) إذا عرفت هذا فلنذكر ألفاظ الإيجاب و القبول إلى آخره

بعد ما نقل (قدّس سرّه) الأقوال الّتي هي بين إفراط و تفريط و بيّن الإشكال في إنشاء العناوين بالمشترك اللّفظيّ و المعنويّ و المجاز إذا كانت قرائنها غير اللّفظ شرع في بيان الصّغرى و تعيين أنّ الشّراء و الاشتراء و البيع و نحو ذلك هل هو من المشترك اللّفظي بين الإيجاب و القبول أو من الحقيقة و المجاز أو من المشترك المعنويّ‌

و الظّاهر أنّ لفظ شريت مشترك لفظيّ و إن لم يستعمل في القرآن الكريم إلّا في معنى البيع و اشتريت بعكس ذلك كما هو معنى باب الافتعال و مجيئه بمعنى شريت كاكتسبت بمعنى كسبت على خلاف ما وضع له أو ما هو الظّاهر‌

و على أيّ حال قياسه (قدّس سرّه) الهبة المعوّضة بالصّلح و ابتناء صحّة إنشائهما بلفظ ملكت على صحّة عقد بلفظ غيره مع النّية قياس مع الفارق لأنّ الهبة مطلقا من أفراد التّمليك لما عرفت أنّ التمليك معنى يشترك فيه جميع أنواع العقود التمليكيّة سواء كانت مع العوض أم‌

____________

(1) و فيه أنّ استفادة كون موضوع الحكم مركّبا في العام المخصّص إنّما هو بتعدّد الدالّ و المدلول و أمّا المشترك اللّفظيّ فحيث إنّه وضع لجميع المعاني مستقلا فلو قيل عين جارية فقد استعمل لفظ العين في هذا المعنى الخاص و لفظ جارية لا يمكن أن يكون متمّما للمراد و هكذا في قرينة المجاز فإنّ يرمي في رأيت أسدا يرمي يكون علامة لاستعمال أسد في الرّجل الشّجاع و لا يمكن أن يكون متمّما للمراد من الأسد نعم ما أفاده مدّ ظلّه إنّما يصحّ بناء على ما قيل من أنّ المشترك اللّفظي يرجع إلى المشترك المعنويّ لوجود الجامع بين المعاني حتّى في المشترك اللّفظيّ بين الضدّين منه عفي عنه

108

بلا عوض كانت مجانيّة مختصة أو مشروطا فيها العوض و أمّا عنوان الصّلح فهو عنوان آخر في مقابل التّمليك إذ به ينشأ المسالمة و المصالحة و التّمليك في باب الصّلح هو المصالح به‌

ثم إنّه لو كان لفظ مشتركا بين الإيجاب و القبول و لم يعلم تقديم أحدهما حتى يتميّز البائع من المشتري أو علم بالتّقارن و قلنا بصحّته و لم يكن هناك جهة مميّزة أخرى فالحكم التّحالف و عدم ترتيب آثار البائعيّة و المشترييّة على واحد منهما لتعارض الأصلين إذا كان الحكم مترتّبا على وصف البيعيّة و الثمنيّة أو على البائع و المشتري و أمّا إذا كان الأثر مترتّبا على أحدهما دون الآخر بأن علم عدم ثبوته له و شكّ في ثبوته للآخر كما لو كان أحد العوضين ثوبا و الآخر حيوانا و ادعى من بيده الحيوان أنّه اشتراه و الثوب ثمن له و قال الآخر أنّ الحيوان ثمن فلو قلنا باختصاص خيار الحيوان بالمشتري فأصالة عدم ثبوت خيار الحيوان له جارية بلا معارض‌

[مسألة المحكي عن جماعة اعتبار العربية]

قوله (قدّس سرّه) المحكي عن جماعة إلى آخره

لا يخفى أنّ اعتبار العربية في العقود مما يقطع بعدمه و إلا كان على كلّ مكلّف تعلّم صيغ العقود كوجوب تعلّم الصّلاة لأنّ ابتلاء النّاس بالمعاملات كابتلائهم بالعبادات و لا يمكن توكيل العارف بلغة العرب غالبا فيلزم سدّ باب المعاش فكلّ ما صدق عليه عنوان العقد و العهد يصحّ إنشاؤه به سواء كان عربيا أم لم يكن فضلا عن العربيّ الملحون في الإعراب الغير المغيّر للمعنى و فضلا عن العربيّ المتعارف في زماننا‌

نعم إذا كان التّحريف في الحروف كجوّزت بدل زوّجت مفيدا المعنيين كان في حكم المشترك اللّفظي و على أيّ حال منع صدق العقد على غير العربي ممّا لا يصغى إليه ثم إنّ العربيّة بناء على اعتبارها إنّما يعتبر في نفس عنوان المعاملة و ما هو ركن فيها كالعوضين في البيع و الزّوجين في النّكاح و أمّا في غيرهما فلا وجه لاعتبارها بل دلّت رواية العلاء على عدم اعتبارها في نفس العوضين و صحّة العقد بغيرها قال قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) الرّجل يريد أن يبيع بيعا يقول أبيعك بده دوازده فقال لا بأس إنّما هذه المراوضة فإذا جمع جعل البيع جملة واحدة إلّا أن يقال إنّ هذه الرّواية وردت في المقاولة قبل البيع‌

و على أيّ حال فالتّركيب بين اللّغات أيضا لا يضرّ بالعقد بعد صدق العنوان عليه كما هو المتعارف الآن بين التّرك و الكرد المختلطين مع العرب لأنّ المدار على إنشاء عنوان العقود بما هو آلة له عرفا‌

[مسألة المشهور كما عن غير واحد اشتراط الماضويّة]

قوله (قدّس سرّه) المشهور كما عن غير واحد اشتراط الماضويّة إلى آخره

أقول وجه اعتبار الماضويّة صراحة الفعل الماضي في إنشاء العناوين به لأنّه وضع للتحقّق و الثبوت و لذا يستلزم المضيّ و وقوعه سابقا إذا كان المتكلّم في مقام الأخبار عن تحقّق المبدإ عن الفاعل فإذا كان في مقام إيجاد المبدإ بالهيئة كقوله بعت كان صريحا في تحقّق الأمر الاعتباري بما هو آلة له و هذا بخلاف الفعل المضارع فإنّه وضع لتلبس الفاعل بالمبدإ و هذا ملازم للتحقّق لا أنّه صريح فيه فإنّ ظهوره البدوي و إن كان تلبّسه بالمبدإ حالا و لذا يتوقّف استفادة الاستقبال عنه بسين و سوف إلّا أنّ التلبّس الحاليّ أيضا ليس صريحا في التحقّق بل لازمه كذلك لأنه في معنى اشتغاله بإصدار المبدإ فاستعماله و قصد الإنشاء به دائر مدار القول بصحّة الإنشاء بالكنايات‌

و بالجملة الفعل المضارع مع اسم الفاعل متّحدان في المعنى و إن كان بينهما ترتّب في النّسبة فإنّ المضارع وضع لنسبة الفعل إلى الفاعل و بعد تحقّق هذه النّسبة يتّصف الفاعل بأنّه ممّن صدر عنه الفعل و لذا يقال ضرب يضرب فهو ضارب و كما لا يصحّ إنشاء عناوين العقود و الإيقاعات‌

109

باسم الفاعل فكذا لا يصحّ بالفعل المضارع فقوله أبيعك أو أطلّقك أو أحرّرك بمنزلة قوله أنا البائع أنا المطلّق أنا المعتق في عدم كونهما آلة لإنشاء العناوين بهما‌

نعم في خصوص لفظ طالق دلّ الدليل على وقوع الإيقاع به و ممّا ذكرنا ظهر حال الأمر أيضا فإنّه وضع لإلقاء نسبة المادة إلى الفاعل فإذا لم يكن من العالي فليس إلّا استدعاء و التماسا فقوله زوجني نفسك لا يفيد الإنشاء و إيجاد علقة الزّوجيّة بل يفيد الاستدعاء و طلب الإنشاء منه فحكمه حكم المضارع فكما أنّه أشبه بالوعد فكذلك هو أشبه بالمقاولة و استدعاء الإيقاع‌

و الأخبار الواردة في بيع الآبق الظّاهرة في كفاية قوله أشتري في إنشاء العنوان بالفعل المضارع و الواردة في باب النّكاح و بيع المصحف كذلك محمولة على أنّ لفظ المضارع وقع مقاولة لا أنّ به أنشأ المعاملة كما أنّ الأخبار الواردة في النّكاح الظّاهرة في كفاية الأمر في الإنشاء محمولة على ذلك و يقيّد بما إذا وقع القبول بعد قوله زوّجتكها لا أنه أنشأ النّكاح بقوله يا رسول اللّٰه زوّجنيها إن لم يكن لك بها حاجة‌

و بالجملة المراجعة إلى رواية أبان بن تغلب و السّهل السّاعدي و غيرهما ممّا ورد في باب شراء العبد الآبق و بيع المصحف و ما ورد عن أبي جعفر الباقر (عليه السّلام) في باب التزويج توجب القطع بأنّ الفعل المضارع و الأمر في هذه الأبواب وقعا مقاولة و وعدا و استدعاء فاعتبار الماضويّة لا إشكال فيه‌

[مسألة الأشهر كما قيل لزوم تقديم الإيجاب على القبول]

قوله (قدّس سرّه) الأشهر كما قيل لزوم تقديم الإيجاب على القبول

توضيح هذا العنوان يتوقّف على تمهيد مقدمة و هي أنّه لا إشكال في أنّ تسمية العقد عقدا إنّما هو بلحاظ ارتباط ما ينشئه أحد المتعاقدين بما ينشئه الآخر و إلّا كان كلّ عقد مركّبا من إيقاعين ثم الارتباط الحاصل بينهما قد يتحقّق بأن ينشئ أحدهما قبول ما أوجده الآخر بلفظ قبلت و ما يشبهه من رضيت و أمضيت و قد يتحقّق بغيرها كاشتريت و ارتهنت و نحو ذلك و السرّ في ذلك هو أنّ العقود على أقسام قسم يتضمّن الإعطاء و الأخذ من الطّرفين و هو العقود المعاوضيّة و ما يشبهها كالنّكاح و جامعها ما يحتاج إلى أخذ و عطاء من كلّ منهما فيتوقّف على الإلزام و الالتزام من الطرفين و قسم يتضمّن الإعطاء من طرف و الأخذ من آخر كالهبة و الرّهن و الصّلح المحاباتي و قسم لا يتضمّن إعطاء و أخذا بل إنّما يفيد إباحة أو سلطنة على التصرّف أو الحفظ كالعقود الإذنيّة من الوكالة و العارية و الوديعة‌

ثم إنّ تمييز الموجب عن القابل في القسم الأوّل تارة يكون بالقصد و الاعتبار و أخرى يكون بذاته و ذلك فيما إذا أتى القابل ما ينشئه بلفظ قبلت فإنّ اختلاف الموجب و القابل في البيع و النّكاح إنّما هو بالاعتبار فإنّ العرف و العادة بناءهم على أنّ الزّوجة معطية نفسها للزّوج و هي الموجبة و الزّوج يقبل الزوجيّة و يعطي المهر بدلا عن إعطائها و بناؤهم على أنّ مالك العروض هو الموجب و مالك الثمن هو القابل‌

و إذا كان كلّ من العوضين عروضا أو ثمنا فمن قصد تمليك ماله من غيره بعوض فهو البائع و من قصد تملّك مال غيره بعوض فهو المشتري و القابل فإنّ الموجب و القابل في عقود المعاوضة كلّ منهما ينشئ أمرين أحدهما بالمطابقة و ثانيهما بالالتزام فالموجب ينقل ماله إلى ملك المشتري مطابقة و يتملّك مال المشتري عوضا عن ماله التزاما و القابل بعكس ذاك‌

و على هذا فلو لم يكن هناك لفظ يدل على نحو القصد كما إذا أنشأ كلّ منهما بلفظ شريت فنقول المقدّم هو الموجب و المتأخر هو المشتري و لو اشتبه أو تقارن‌

110

و قلنا بصحّته فلا يترتب الأثر الخاصّ على كلّ منهما كما أوضحناه في المعاطاة و أمّا في الصّلح المعاوضي فالتّفاوت بينهما لا يمكن إلّا بأن ينشئ أحدهما عنوان الصّلح و الآخر قبول ذلك العنوان لأنّ كلّا منهما ينشئ المسالمة و المصالحة على أمر فإذا لم ينشئ أحدهما بلفظ القبول فلا يرتبط إنشاء أحدهما بإنشاء الآخر و يصير كلّ من الإنشاءين إيقاعا مستقلّا و أمّا في القسم الثّاني و الثّالث فتمييز الموجب عن القابل في غاية الوضوح فإنّ الواهب و الرّاهن و المصالح هو الموجب فإنّه هو الّذي يعطي ماله و المتهب و المرتهن و المصالح له هو القابل لأنّه هو الّذي يأخذ مال غيره و هكذا في الوكالة و العارية و الوديعة كلّ من الموكّل و المعير و المودع هو الموجب و كلّ من الوكيل و المستعير و المستودع هو القابل‌

إذا عرفت ذلك فنقول أما العقود الإذنيّة فيجوز تقديم القبول فيها على الإيجاب كان بلفظ قبلت أو غيره لأنّ المدار فيها ليس إلا الرضا في التصرف و الحفظ فإذا استدعى الوكيل الاستبانة في التصرف و أظهر الموكّل الرّضا بها كفى لتحقّق هذا العنوان و السرّ في ذلك أنّه ليس في العقود الإذنيّة إلزام و التزام و إنشاء و مطاوعة بل نيابة و تسميتها عقدا مسامحة و منشؤها ليس إلّا كونها بين الطّرفين فيتحقّق بكلّ ما يظهر هذا العنوان أي النّيابة في التصرّف و الحفظ‌

نعم بعض الآثار الخاصّة مترتّب على الوكالة العقديّة كعدم انعزال الوكيل قبل وصول خبر العزل إليه و أمّا في غير العقود الإذنيّة فسواء كان قبوله منحصرا بلفظ قبلت أم لم يكن منحصرا به و لكنّه أنشأه بهذا اللّفظ و نحوه فلا يجوز تقديمه على الإيجاب لأنّه ظاهر في مطاوعة شي‌ء و إنفاذ أمر أوجده غيره و هذا المعنى بحيث يكون جزءا من العقد و لا يكون إيقاعا يتفرّع على وقوع إيجاد من الآخر كتفرّع الانكسار على الكسر فإنّ إنشاء المشتري نقل ماله عوضا عن نقل البائع لا يتحقّق إلّا بعد وقوع النّقل من البائع و لا يقاس على الإيجاب فإنّ في مفهوم الإيجاب لم يؤخذ إنفاد أمر و إن توقّف تأثيره خارجا على القبول فإن مفهوم الإيجاب هو تمليك مال بعوض و هذا يمكن إنشاؤه في عالم الاعتبار و لو لم يتحقّق قبول أصلا و ما يتوقّف على القبول هو تأثيره‌

و أمّا مفهوم القبول فلا يمكن إنشاء النّقل به اعتبارا أيضا فإنّ مطاوعة الأمر المتأخّر فعلا يمتنع عقلا و ليس مفهومه مجرّد الرّضا بشي‌ء حتّى يقال إنّ الرضاء بأمر ليس تابعا لتحقّق ذلك الأمر في الخارج و لا تابعا الرضا من يوجد ذلك الأمر بل المراد منه ما هو ركن في العقد و مطاوعة لما أوجده البائع فلا يمكن أن يكون مقدّما‌

و بالجملة تبديل المال بالعوض الّذي هو فعل الموجب لا يتوقّف على القبول في ناحية الإنشاء و أمّا قبول هذا التّبديل و إنفاذه فهو لا يمكن إلّا بعد وقوع التبديل سابقا لا من جهة التعليق في الإنشاء فإنّه لا يلزم من إنشاء القبول قبل الإيجاب فإنّ الإنشاء خفيف المئونة فينشأ القبول فعلا و إن توقّف منشأه على أمر متأخّر كما في الوصيّة و التّدبير و لا من جهة التّعليق في المنشئ فإنّه لا دليل على بطلانه إلّا الإجماع و الإجماع قام على اعتبار التّنجيز في مقام التلفّظ لا على اعتباره في واقع المعنى و إلّا لفسد جميع المعاوضات و الإيقاعات لأنّ البيع يتوقّف على الملكيّة و الطّلاق على الزّوجيّة و هكذا بل لأنّ المعنى معنى لا يمكن أن يتحقّق في عالم الاعتبار إلّا إذا كان متأخّرا فإنّ المطاوعة لا تتحقّق إلّا بعد وقوع الإيجاب من الموجب فإذا أريد من النّقل الحاصل‌

111

من قبلت ما يكون مرتبطا بفعل غيره و إنشاء لتملّك ما أعطاه و إنفاذا لما أوجده فقوامه بأن يكون الإيجاب صادرا من غيره قبل ذلك‌

و ما قيل من أنّ الإنشاء خفيف المئونة فلا يفيد في المقام لأنّه إذا اعتبر المطاوعة في مفهوم القبول فإنشاؤه بحيث يخرج عن الإيقاع متوقّف على وقوع الإيجاب قبل ذلك و على هذا فالقبول في العقود العهديّة الغير المعاوضيّة كالهبة و الرّهن أيضا لا بدّ أن يكون متأخرا و لو كان بغير لفظ قبلت كاتّهبت و ارتهنت لأنّه لو قدم لا يكون إنفاذا لما أوجده غيره و لا يتضمّن نقلا حتى يمكن تقديمه بالهيئة الواردة على المادة المناسبة لهذا الباب‌

بل التّحقيق أنه لا يجوز تقديم القبول في باب المعاوضات أيضا و لو بالهيئة الواردة على المادّة المناسبة لكل باب كاشتريت و استأجرت و تزوّجت و نحو ذلك فإنّها و إن لم تتضمّن المطاوعة لأن صيغة التفعّل و الافتعال و الاستفعال و نحو ذلك ليست كصيغة الانفعال و مادّة القبول متضمّنة للمطاوعة دائما بل إذا تأخّرت عن الإيجاب إلّا أنّها من جهة خروجها عن الإيقاع و صيرورتها جزءا من العقد لا بدّ أن تكون متأخّرة فإنّ قوله اشتريت لو لم يكن قبولا للشراء لا يرتبط بقول البائع بعت و عدم توقّف مفهومه على بعت و إن كان مسلما إلّا أن تقديمه يوجب عدم ارتباطه بالبيع فإنّه لو لم يتضمّن مطاوعة فلا يرتبط بالإيجاب و لو تضمّن المطاوعة فلا بدّ أن يكون متأخّرا فما أفاده (قدّس سرّه) من التّفصيل و تبعناه في الدّورة السّابقة لا وجه له‌

[مسألة و من جملة شروط العقد الموالاة]

قوله (قدّس سرّه) و من جملة شروط العقد الموالاة إلى آخره

اعلم أنّ من العقود ما يعتبر فيه الموالاة قطعا و منها ما لا تعتبر فيه قطعا و منها ما هو محلّ الإشكال أما القسم الأوّل فكالعقود العهديّة المعاوضيّة كالبيع و ما يلحق بها كالنّكاح و نحوهما و وجه اعتبارها فيها أمران الأوّل أنّه لمّا كان فيها خلع و لبس أو إيجاد علقة فلا بدّ أن يكون مقارنا للخلع لبس و هكذا مقارنا لإيجاد العلقة قبول و إلّا يقع الإضافة أو العلقة بلا محلّ و مضاف إليه الثّاني أنّ اعتبار كونها عقدا يقتضي أن يرتبط إنشاء أحدهما بإنشاء الآخر بأن يصيرا بمنزلة كلام واحد بل كلّ أمرين أو أمور يجمعها عنوان واحد كالصلاة و الأذان و نحوهما يجب أن لا يفصل بينهما فاصل مخلّ بالجهة الجامعة و ألّا يصير كل واحد عنوانا مستقلّا‌

و بهذا الملاك أيضا لو انفصل المستثنى عن المستثنى منه في باب الإقرار صار إنكارا بعد الإقرار فقول الشّهيد (قدّس سرّه) و هي أي الموالاة مأخوذة من اعتبار الاتّصال بين المستثنى و المستثنى منه إنّما هو بلحاظ أن باب المستثنى منشأ للانتقال إلى اعتبار الاتّصال بين كلّ أمرين أو أمور يجمعها عنوان واحد لا أن باب الاستثناء أصل و سائر الأبواب فرع له بأن يكون اعتبار الاتّصال في الاستثناء ألزم و أقوى من غيره لأن اعتبار الاتّصال في المقام آكد فإنّ في باب الإقرار كلّ من المستثنى و المستثنى منه يصدر من متكلّم واحد و في المقام من متكلّمين فارتباط كلام أحدهما بالآخر موقوف على اتّصالهما لأنّ المعنى الواحد لا يتحصّل من كلامهما إلّا إذا اتّصلا عرفا‌

و كيف كان فوجوب الوفاء بالعقد موقوف على اتّصال كلام الموجب بكلام القابل فإنّ العقد لا يتحقّق و لا يصدق إلّا معه و لا يقال إنّ لزوم المعاوضة يتوقّف على عنوان العقديّة المتوقّف على الاتّصال لانحصار دليله بقوله عزّ من قائل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و أمّا صحّتها فلا لعدم انحصار دليل صحّة العناوين ب‍ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فإنّ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ

112

و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و أدلّة النّكاح و الصلح و نحو ذلك تدل على صحّة العناوين من دون اعتبار العقديّة فيها فيكون الإنشاءان المنفصلان بيعا صحيحا غير لازم لأنّا نقول ليس البيع و التّجارة و الصّلح و النّكاح إلّا العقود المتعارفة مع أنّ هذا النّحو من المطلقات ليس في مقام البيان من جميع الجهات‌

هذا مضافا إلى عدم إمكان التّفكيك بين اللّزوم و الصّحة إلّا بدليل خارجيّ من الإجماع و نحوه من جعل الشّارع الخيار للمتعاقدين أو جعلهما لأنفسهما أو للأجنبي و إلّا فكلّ ما يقع صحيحا و يؤثّر في النقل لا ينقلب عمّا وقع عليه إلّا بمقلّب خارجي فما أثر يؤثّر دائما و هو معنى اللّزوم و أمّا القسم الثّاني فكالعقود الإذنيّة من الوكالة و العارية و الوديعة فوجه عدم اعتبار الموالاة فيها ما عرفت أنّ إطلاق العقد عليها مسامحة كيف و يكفي فيها كلّ ما يدلّ على الرّضا فلا وجه لاعتبار الاتّصال بين مظهر الإذن و التصرّف لا بمعنى عدم اعتبار بقاء إذن الموكل حين تصرف الوكيل بل بمعنى عدم اعتبار اتصال مظهر الرّضا مع رضا المتصرف بالتصرّف مع أنّ هذه العقود ليس فيها الخلع و اللّبس و أمّا القسم الثّالث فكالعقود العهديّة الغير المشتملة على المعاوضة كالهبة و الرّهن و منشأ الإشكال فيها كونها من العقود و العقد أمر وجدانيّ يتحصّل من كلامين فلا بدّ أن يكون بينهما اتّصال و من قيام السّيرة القطعيّة على عدم اعتبار الموالاة في موارد المعاطاة منها فإنّه قد يرسل الهدايا و الهبات من البلاد البعيدة و يتحقّق القبول من القابل بعد زمان طويل و يدل عليه قضيّة مارية القبطيّة (سلام اللّٰه عليها‌) الموهوبة للنّبي (صلّى اللّٰه عليه و آله)

و إيجاب الواسطة و الوكيل في الإرسال متّصلا بالقبول بعيد جدّا و التّفكيك بين المعاطاة و العقد أبعد و لكن الحقّ اعتبار الاتّصال فيها أيضا و إرسال الهدايا من البلاد البعيدة لا يدل على جواز الانفصال فإنّ تحقّق الأفعال مختلف فمنها ما لا يحتاج إلى زمان ممتدّ كما لو وقعت في حضور المتعاطيين و منها ما يحتاج إليه كالهدايا المرسلة من الأماكن البعيدة فإنّ الفعل لا يتحقّق إلّا بوصولها إلى يد المهدي إليه و جميع هذه الأفعال الصّادرة من الواسطة كأنّها صادرة من الموجب فهو بمنزلة من كان في المشرق و كانت يده طويلة تصل إلى المغرب فمد يده و أعطى شيئا لمن كان في المغرب فإنّ فعله يتمّ في زمان وصول يده إلى المغرب فتأمّل جيّدا‌

[مسألة و من جملة الشّرائط الّتي ذكرها جماعة التّنجيز]

قوله (قدّس سرّه) و من جملة الشّرائط الّتي ذكرها جماعة التّنجيز إلى آخره

لا يخفى أن بطلان العقد بالتّعليق الّذي هو ضدّ للتّنجيز المعتبر في العقود ليس إلّا من جهة الإجماع أو لعدم صدق عناوين العقود و الإيقاعات عليه و إلّا فلم ينهض دليل آخر من العقل و النّقل على اعتبار التّنجيز الّذي يعبّر عنه في كلام بعضهم بالجزم و ذلك لأنّ ما يمتنع عقلا هو التّعليق في الإنشاء فإنّ الإيجاد سواء كان اعتباريا أو تكوينيّا يستحيل أن يعلّق على شي‌ء أي كما لا يمكن أن يعلّق وقوع الضرب على أحد على كونه عدوّا فكذلك يستحيل أن يكون إنشاؤه شيئا أو إخبار به متعلّقا على شي‌ء فإن إيجاد المعنى المقصود باللّفظ إمّا لا يحصل رأسا و إمّا يحصل مطلقا فوقوع الإيجاد معلقا مرجعه إلى التّناقض‌

و بالجملة فرق بين أن يكون المخبر به معلّقا بأن يقول أعطيك أن ائتني و أن يكون نفس هذا الإخبار معلّقا فإنّه لو كان معلّقا فلا يتحقّق الإخبار و هكذا فرق بين أن يكون المنشأ معلّقا بأن ينشأ البيع على تقدير كون اليوم يوم الجمعة و أن يكون أصل إنشائه البيع معلّقا فإنه لو كان‌

113

كذلك لاستحال الإنشاء فما هو محلّ الكلام التّعليق في المنشإ و صحّته لا يخفى على أحد بل وقوعه في الأحكام الشّرعيّة فوق حدّ الإحصاء فإنّ أغلب الأحكام الشرعيّة بل جميعها إلّا ما شذ قضايا حقيقيّة و أحكام مشروطة على تقدير وجود موضوعاتها و وقوعه في الجملة في العقود و الإيقاعات كالوصيّة و التّدبير و النّذر و أخويه مما لا إشكال فيه‌

ثم إنّه لا ينحصر التّعليق في أداة الشرط بل كلّ ما كان في معنى التّعليق و لو بغير الأداة كالتّعليق بالزّمان المعبر عنه في كلماتهم بالتعليق بالوصف و في كلمات بعضهم بمعلوم الحصول كقوله أنت وكيلي في يوم الجمعة يدخل في محل النّزاع فبناء عليه التّعليق إمّا على الزّمان أو على الزّمانيّ و حيث إنّ صحّة العقد لا تتوقّف على التّعليق على الزّمان لم يدخله المصنف (قدّس سرّه) في مورد التّفصيل فنحن نتبعه أيضا في التّقسيم‌

فنقول المعلق عليه العقد إمّا أن يكون معلوم التحقّق و إمّا أن يكون مشكوكا و على التّقديرين إمّا أن يكون حاليا أو استقباليا و على التّقادير إمّا أن يكون ممّا يتوقّف عليه صحّة العقد ثبوتا كتوقف الطلاق على الزوجيّة بناء على بطلان إيقاع الفضولي و إمّا أن لا يتوقّف عليه صحّة العقد كتعليقه على مجي‌ء الحاج فالأقسام ثمانية إلّا أن في توقف صحّة العقد على الأمر الاستقبالي سواء كان مشكوكا أو متيقّنا مجرّد تصوير لأنّ الشّروط المعتبرة في العقد لا بدّ أن يكون حاصلا حين الإنشاء إلّا أن يقال في باب السّلم يتوقّف ثبوتا صحّة العقد على الأمر الاستقبالي بأن لا يكون المسلم فيه عزيز الوجود فلو قال بعتك الحنطة سلما إذا كان مبذولا في ذاك الزّمان دخل في التّعليق على الأمر الاستقبالي المعلوم أو المشكوك حصوله و ممّا يتوقّف صحّة العقد عليه‌

و كيف كان فالمتيقّن من الإجماع بطلان التّعليق بما كان مشكوك الحصول و لم يتوقف صحّة العقد عليه حاليا كان أو استقباليا و الظّاهر أنّ الاستقباليّ المعلوم الحصول زمانا كان أو زمانيا إذا لم يتوقّف صحّة العقد عليه ملحق بالصّورتين المتقدّمتين في دخوله في معقد الإجماع و أمّا باقي الصّور الخمس و هو معلوم الحصول الحالي الّذي لا يتوقّف عليه صحّة العقد و الصّور الأربع الّتي يتوقّف عليه صحّة العقد فهي خارجة عن معتقد الإجماع فلا محذور في تعليقها بها بل الحقّ أنّ الإجماع الثابت في الصور الثّلاثة ليس إجماعا تعبّديا بل إنّما أبطلوها لتوهّم اعتبار التّنجيز أو مانعيّة التّعليق‌

نعم يمكن أن يقال إنّ التّعليق ليس ممّا جرى عليه العرف و العادة في الأمور العهدية و العقود المتعارفة بين عامّة النّاس و إن مسّت الحاجة إليه أحيانا في العهود الواقعة بين الدّول و الملوك فلا يشمله أدلّة العقود و العناوين لكونه ممّا يشكّ في صدقها عليه و من هذا البيان يظهر وجه الصّحة فيما لو علق العقد على ما يتوقّف صحّته عليه سواء كان المعلّق عليه معلوما أو مشكوكا لجريان العرف و العادة على التّعليق عليه سيّما إذا كان مشكوكا فإنّ طريق التخلّص منوط به و نرى وقوعه كثيرا بين عامّة النّاس و بعد كونه متعارفا يصدق العقد عليه فلا محذور فيه و هذا هو المدرك للصحة لا ما أفاده شيخ الطائفة بأنّ المنشئ لم يشترط إلا ما يقتضيه إطلاق العقد فإنّ هذا الوجه لا ينهض لدفع محذور التّعليق إن كان فيه محذور كما أورد عليه المصنف (قدّس سرّه)

و حاصله أنّ ما يتوقّف عليه العقد من‌

114

حيث ترتّب الأثر الشرعي عليه هو المتوقّف على الشّرط لا ما ينشأ المنشئ فإنّ إنشاءه لا يتوقّف على التّعليق لتمكنه من أن ينشأ منجّزا فيقول بعت أو هي طالق فإذا كان التّعليق مضرّا و فرضنا أن إنشاء المنشئ لا يتوقّف عليه ثبوتا بل الحكم الشّرعيّ متوقّف عليه و يمكنه إثباتا إيجاد العقد منجزا يبطل إيجاده معلّقا‌

و بالجملة التّعليق في الحكم الشّرعي ليس من مدلولات كلام المتكلّم و من منشئاته و ما هو من منشئاته لا يتوقّف ثبوتا على التعليق فيضرّه إثباتا إذا كان أصل التّعليق مضرّا انتهى و لكن لا يخفى أنّ ما يتوقف عليه الحكم الشّرعي تارة لا يتوقف إنشاء المنشئ عليه و هو ما كان من مقتضيات إطلاق العقد كالبيع الواقع عن البائع و أخرى يتوقف عليه الإنشاء ثبوتا أيضا و هو ما كان ركنا و موضوعا للعقد أو الإيقاع كالزوجيّة للطّلاق و الرقبة للعتق فالتّعليق على أمثالهما لا يضرّ لأنّه لم يشترط إلّا ما يتوقّف العقد عليه فالأولى هو التفصيل لو كان التّعليق بإطلاق‌

[مسألة و من جملة شروط العقد التّطابق بين الإيجاب و القبول]

قوله (قدّس سرّه) و من جملة شروط العقد التّطابق بين الإيجاب و القبول إلى آخره

لا يخفى أنّ اعتبار التّطابق من القضايا الّتي قياساتها معها لأنّ العقد عبارة عن أمر وجداني متحصّل عن الإيجاب و القبول فلو أنشأ أحدهما البيع و الآخر قبل بعنوان الهبة أو أحدهما باع الجارية و الآخر اشترى العبد لم يتحصّل معنى واحد منهما لعدم ارتباط كلام أحدهما بالآخر نعم لو لم تكن الخصوصيّة الّتي اختلفا فيها ركنا في المعاملة و لا توجب اختلافا في العقد مثل كون المخاطب هو المشتري أو كونه وكيلا منه فلا بأس بعدم التّطابق لما عرفت أنّ البيع تبديل أحد طرفي الإضافة بمثله مع بقاء الطّرف الآخر بحاله فالمعاوضة تقع بين المالين و لا خصوصيّة لمالكهما و هذا بخلاف عقد المزاوجة فإنّ العلقة فيها تحصل بين الزوجين فهما بمنزلة العوضين في باب المعاوضة فلا بدّ في النّكاح من التّطابق بين الإيجاب و القبول بالنّسبة إلى الزّوج و الزوجة‌

و ممّا ذكرنا ظهر أنّه لا بدّ من اتّحاد المنشأ حتى بالنسبة إلى التوابع و الشّروط فلو أنشأ أحدهما مع شرط و قبل الآخر بلا شرط أو باع البائع عبدين و قبل المشتري أحدهما و غير ذلك ممّا هو نظير ما ذكرناه لم يصحّ أيضا لعدم ارتباط كلام أحدهما بالآخر و لا يفيد لصحّة العقد المختلف فيه من حيث الإنشاء ثبوت خيار تبعّض الصّفقة و التوقّف على الإجازة اللّذان هما من آثار العقد الصّحيح لأنّه لا بدّ أولا من صحّة العقد باتّحاد المنشأ بأن يتقبل المشتري ما يملكه البائع و ما لا يملكه كليهما حتى يتخير بين الفسخ و الإمضاء لو علم بالحال فما يترتّب على الصّحة لا يمكن أن يكون منشأ للصحة‌

نعم في بعض الأمثلة يمكن دعوى تطابق الإنشاءين كما لو قال بعتك الكتاب بدرهم و الثوب بدرهم فقال قبلت الثوب بدرهم لأنّهما عقدان مستقلان و كيف كان فلا إشكال في الكبرى‌

[مسألة و من جملة شروط العقد أن يقع كلّ من إيجابه و قبوله في حال يجوز لكلّ منهما الإنشاء]

قوله (قدّس سرّه) و من جملة شروط العقد أن يقع كلّ من إيجابه و قبوله في حال يجوز لكلّ منهما الإنشاء إلى آخره

لا يخفى أنّ هذا الشرط أيضا كالشرط السّابق من القضايا التي قياساتها معها بل منشأ اعتباره هو المنشأ لاعتبار الشرط السّابق لأنّ العقد لا ينعقد إلّا بفعل الاثنين فلو فقد حين أنشأ أحدهما شرائط العقد فوجودها سابقا أو لاحقا لا أثر له و مجرّد تحقّق الشرط حين إنشاء الآخر لا يفيد بعد كون إنشائه جزءا للعقد لا إيقاعا مستقلّا فلو كان المشتري‌

115

حين إنشاء البائع نائما لا يصحّ العقد و كذلك العكس‌

و التّفصيل بينهما كما في حاشية السيد (قدّس سرّه) لا وجه له و ما يدّعيه من الصّحة بلا إشكال في العقود الجائزة فإنّما هو في العقود الإذنيّة لا العهديّة ثم لا فرق بين الموت و الجنون و نحوهما و بين الفلس و الرقبة و نحو ذلك لأنّ المدار في التّطابق بين المشتري و البائع حال العقد على اجتماع جميع شرائط الصّحة و اللّزوم و بعبارة أخرى المدار على ما به يصير العقد عقدا نعم رضا المشتري حين إيجاب البائع و كذا العكس غير المعتبر في صحّة العقد و المعاهدة لأن ما يعتبر في صدق العقد هو قصدهما لإيجاد المادّة لا رضاهما به فلا يكون صحّة بيع المكره إذا لحقه الرّضا على خلاف القاعدة‌

[فرع لو اختلف المتعاقدان اجتهادا أو تقليدا في شروط الصّيغة]

قوله (قدّس سرّه) فرع لو اختلف المتعاقدان اجتهادا أو تقليدا في شروط الصّيغة إلى آخره

قد يقال بأن اعتبار العقديّة و المعاهدة بين الإنشاءين يقتضي أن يكونا متّفقين في الصّحة فلو اختلفا بأن اعتقد المشتري فساد العقد الفارسي فصحّته عند الموجب لا أثر له و هكذا العكس و هذا من غير فرق بين اتّفاقهما على الفساد أو اختلافهما فيه فكما يبطل العقد الّذي إيجابه فاسد بنظر المشتري و قبوله فاسد بنظر الموجب فيكون العقد مما اتّفقا على بطلانه فكذا يبطل لو اختلفا فيه كما إذا كان أحد الركنين فاسدا و ذلك لما حقّق في الأصول من أنّ الأحكام الظاهريّة أحكام لمن لا ينكشف خلافها عنده فالإجزاء لا وجه له إلّا في تبدّل الرأي و مثله بالنّسبة إلى القضاء و الإعادة في العبادات لقيام الإجماع عليه و أمّا في غيره كاقتداء من يرى وجوب السّورة بمن لا يرى وجوبها و يتركها في الصلاة فلا دليل عليه‌

ففي المقام من يرى فساد سبق القبول على الإيجاب كيف يصح منه الإيجاب بعد هذا القبول و ما أفاده المصنف (قدّس سرّه) من أنّ الوجهين الأوّلين و هو جواز اكتفاء كلّ منهما بما يقتضيه مذهبه و عدم جواز اكتفائه مبنيّان على أنّ الأحكام الظّاهريّة المجتهد فيها هل هي بمنزلة الواقعية الاضطراريّة أم هي أحكام عذريّة لا موضوع له في المقام لأن المسلّم من ترتيب أثر الحكم الواقعي الاضطراري على الحكم الظّاهريّ هو ما إذا كان فعل العامل بالحكم الظّاهري موضوعا بالنّسبة إلى غيره كمن اعتقد صحّة العقد الفارسي و تزوّج امرأة به فلا يجوز لغيره أن تزوّج بهذه المرأة ما دامت في حبالة الزوج و إلّا كيف يجوز الاكتفاء بالعقد الفارسي لمن يرى بطلانه و كيف يصحّ أن يوكل الزوج الّذي يرى بطلانه من يعتقد صحّته‌

و بالجملة النّكاح فعل واحد و أمر خاص يحصل من الإيجاب و القبول فمن يظن فساد الإيجاب اجتهادا أو تقليدا كيف يجوز له قبول هذا الإيجاب فضلا عمّن يقطع بفساده نعم لو قلنا بصحّته فالوجه الثّالث أردأ الوجوه لأن مجرّد عدم القائل لا يقتضي الفساد فلو فرضنا عدم القائل بجواز تقديم القبول و جواز العقد الفارسي و القابل أنشأ قبل الإيجاب و الموجب أنشأ بالفارسي مع أن كلا منهما يرمي صحّة إنشاء نفسه من حيث هو فلا وجه لبطلانه‌

و بالجملة الحق عدم صحة اكتفاء كلّ منهما بما يراه صحيحا عند الآخر و فاسدا عند نفسه و لا فرق بين هذه الصورة و الإخلال بالتّنجيز و الموالاة و نحوهما التي حكم المصنف (قدّس سرّه) أن اختلافها يوجب فساد المجموع لأنّ فساد الجزء في باب العقد كفساد المجموع هذا مع أنّ في غير التّنجيز في فساد المجموع تأملا فإن في باب التّنجيز يمكن أن يقال إنّ البائع إذا أنشأ الإيجاب معلّقا زاعما صحّته و قبل المشتري هذا الإيجاب الّذي‌

116

يعتقد فساده يكون قبوله أيضا باعتقاده فاسدا لأن قبول المعلّق‌

و أمّا الإخلال بالموالاة فكيف يفسد كلا الجزءين فإنّ القابل الّذي يعتقد عدم اعتبار الموالاة إذا أوجد القبول بعد مدة لا يفسد الإيجاب عنده و إلّا فيقتضي أن يكون فساد كلّ جزء موجبا لفساد المجموع و لعلّ هذا وجه نظر المصنف (قدّس سرّه) بقوله فتأمّل‌

و لكن الأقوى أن يقال و إن كان بين العقد و الإيقاعين فرق فإنّ العقد يرتبط كلّ جزء منه بالآخر إلّا أن ذلك لا يقتضي فساده فيما إذا اختلف المتعاقدان اجتهادا أو تقليدا فإنّ اختلافهما في اعتبار تقديم الإيجاب و الماضويّة و نحوهما ليس كاختلافهما في المنشإ بأن ينشئ أحدهما البيع و الآخر الهبة فإنّه لو لم يتطابقا في المنشإ لا يرتبط الإيجاب بالقبول و هذا بخلاف ما إذا اختلفا في شرائط الصّيغة فإنّ الإيجاب بالفعل المضارع و إن كان باطلا عند القابل إلّا أن فعل الموجب و منشأه لا يدخل في مفهوم القبول كالعكس فإذا أوجد البائع ما هو وظيفته باعتقاده فقد أتى بأحد جزئي العقد و هكذا من طرف المشتري‌

و التّعليل للفساد بأنّ العقد متقوم بالطّرفين فاللّازم أن يكون صحيحا من الطّرفين كما في العروة أو بأن البيع فعل واحد تشريكيّ و لا بدّ من كونه صحيحا على مذهب كلّ منهما كما في حاشية السّيد لا يستقيم لأن تقوم العقد بالطّرفين لا يقتضي أن يكون الموجب ينشئ مقصوده على نحو ينشئ طرفه مقصوده به و كون البيع فعلا واحدا تشريكيا ممنوع بل فعلان مرتبط أحدهما بالآخر فتأمّل‌

[مسألة في أحكام المقبوض بالعقد الفاسد]

[الأول الضمان]

قوله (قدّس سرّه) لو قبض ما ابتاعه بالعقد الفاسد لم يملكه إلى آخره

لا يخفى أنّ الكلام في المقبوض بالعقد الفاسد يقع في مقامين الأوّل في الحكم التّكليفي و الثّاني في الحكم الوضعي أمّا حكمه التّكليفي فقد يقال بجواز تصرّف القابض لأنّ فساد المعاملة لا يوجب زوال الإذن و الرضا بالتصرف الذي كان في ضمن العقد لأنّ الجنس لا يتقوّم بفصل خاصّ و أمّا حكمه الوضعي فقد عرفت في الأمر الثامن في المعاطاة ما يظهر من بعضهم من حصول الملك بالقبض الحاصل بعد العقد الفاسد زاعما كونه معاطاة أو راجعا إليها و فيهما ما لا يخفى‌

أمّا في الأوّل فلأنّ الرّضا أمر بسيط ما به امتيازه عين ما به اشتراكه و ليس من قبيل الجنس المتقوّم بفصول مختلفة حتى يبتني على تلك المسألة فإذا لم يرتّب الشّارع على الرضا في ضمن المعاملة الفاسدة أثرا فليس هناك رضا آخر نعم لو فرض رضا جديد بتصرف المأذون في ملك الآذن فهو موجب لجواز التصرّف و لكنّه خارج عن الرضا بالمعاقدة‌

و بالجملة فرق بين الرضاء الحاصل من باب أنّه ملك للقابض للجهل بالفساد أو للبناء على الصحة تشريعا أو لا هذا و لا ذاك بل مجرّد البناء المعاملي و لو عصيانا كما في بناء الغاصب و المقامر و نحوهما على البيع و بين الرضاء الحاصل من باب أنه ملك للآذن و ما يوجد في المقبوض بالعقد الفاسد هو الأوّل و المفروض أنّ الشّارع لم يرتّب عليه الأثر فالأقوى بالنسبة إلى الحكم التكليفي هو حرمة التصرّف و وجوب الرد فورا و أمّا في الثّاني فقد عرفت أنّ القبض الواقع بعد العقد الفاسد إنّما يقع وفاء لا إغماضا عن العقد فالأقوى عدم حصول الملك بالقبض بعد العقد الفاسد فيضمن القابض ما أخذه به‌

و الدّليل عليه مضافا إلى دعوى الإجماع عليه من الأساطين النبويّ المعمول به عند الفريقين على اليد ما أخذت حتى تؤدّي فإنّ الظّرف في المقام ظرف‌

117

مستقرّ لوقوعه خبرا فاستقرار الأموال و ثبوتها على اليد ظاهر في الحكم الوضعي كما إذا قيل عليه دين أو عين أي يستقرّ عليه الدّين و حمل الحديث على الحكم التّكليفي خلاف الظّاهر لاقتضائه أن يجعل الظّرف لغوا و يقدر يجب و نحوه و لا شاهد عليه‌

نعم إذا كان متعلّق الحروف الجارة و ما أسند إليه الظّرف فعلا من الأفعال كما إذا قيل عليه القيام و القعود فظاهرة في الحكم التّكليفي ثم إنّ كلمة الموصول عمومها باعتبار صلتها فإذا كان الأخذ عامّا لكلّ ما دخل تحت اليد و استولى عليه الآخذ سواء كان عدوانا أو لم يكن فيكون خروج اليد الحقّة كموارد إذن المالك الحقيقي أو إذن المالك المجازي مجانا بالتّخصيص و أما لو قلنا بأن الأخذ هو الأخذ عن قهر و الاستيلاء بلا حقّ كما هو الظاهر فخروجها بالتّخصّص و تظهر الثّمرة في الشّبهات المفهومية كما سيجي‌ء الإشارة إليها إن شاء اللّٰه تعالى في طي المباحث‌

و كيف كان فدلالة النبوي على الضّمان في الجملة لا إشكال فيه و يدل عليه أيضا قوله ع في الأمة المبتاعة إذا وجدت مسروقة بعد أن أولدها المشتري أنّه يأخذ الجارية صاحبها و يأخذ المشتري ولده بالقيمة فإن حكمه ع بضمان الولد ليس إلّا لكونه تابعا للعين فيقتضي كون العين مضمونة‌

و توضيح ذلك أن ضمان المنافع تارة يكون تبعا لضمان العين و أخرى يكون مستقلّا و القسم الثّاني على أقسام منها ما إذا أتلف المنفعة باستيفائها كما إذا سكن الدّار المستأجرة بالإجارة الصّحيحة أو الفاسدة فإنّ العين في الأولى ليس مضمونة و تضمن المنفعة و في الثّانية و إن كانت مضمونة إلّا أن ضمان المنافع ليس تبعا لها بل إنّما يضمنها من باب قوله ع من أتلف مال الغير و منها هذه الصّورة مع عدم كون العين تحت يد التلف كمن ركب دابّة الغير أو جلس في بيته مع كون الدابّة و البيت تحت يد المالك أو شرب حليب شاة الغير و أكل من ثمرة بستانه و منها ما إذا تلفت المنفعة بسبب منه كما لو منع مستأجر الدار عن التصرف فيها فإنّه يضمن المنفعة‌

و على أيّ حال ليس استيلاد الأمة داخلا تحت هذه العناوين فإنه لم يستوف منفعة الأمة فإن استيفاء المنافع إنّما هو من قبيل الركوب و الجلوس و الأكل و الشرب و الوطي و نحو ذلك و عد العرف حصول الولد له منفعة من الأمة لا اعتبار به لأنّ نظر العرف ليس متّبعا في تعيين المصاديق‌

نعم أوجد ما هو السّبب لفوت المنفعة على المالك لأن وطيه الّذي استلزم الحمل صار سببا لفوت المنفعة عليه و لكن ضمان من منع المالك من التصرّف حتى تلف المنفعة ممنوع إلّا إذا قيل بأنّ قاعدة لا ضرر كما ينفي الحكم الثابت الّذي يلزم منه الضّرر كذلك تثبت الحكم الّذي لو لا تشريعه لزم منه الضّرر‌

و بالجملة الّذي استوفاه المشتري إنّما هو الوطي و المفروض أنّ القيمة لم تجعل عوضا له بل للولد و الولد ليس من المنافع المتلفة و لا ممّا كان المشتري سببا لإتلافها لأنّ الولد لم يكن لمالك الأمة حتّى يكون مشتري الأمة سببا لإتلافه فليس استيلاد الأمة إلّا من قبيل منع المالك من السكون في داره فضمان الولد الّذي يرجع إلى ضمان قيمته لكونه حرّا إنّما هو من جهة تبعية المنافع التّالفة للعين المضمونة فيدلّ الخبر على ضمان العين لا للأولويّة بل لأنّ ضمان العين صار سببا لضمان التّالف و بالجملة منشأ الضمان إما قاعدة اليد أو الإتلاف أو التّسبيب و الأخيران منتفيان في المقام أمّا الإتلاف فلأنّ الأب لم يستوف المنفعة فإنّ الولد لا يعد من المنافع فإن حكمه حكم الأب و الأم فكما أنه لا يكون‌

118

من المنافع مع أنهما من أعظم ما يتصوّر من الفوائد في الدّنيا فكذلك الولد فمراد المصنف (قدّس سرّه) من أن الاستيلاد ليس استيفاء أنّه ليس ممّا استعمله و أتلفه المستولد‌

و الأصل في هذا التّعبير العلّامة (قدّس سرّه) فإنّه قال في التذكرة منفعة بدن الحر تضمين بالتفويت لا بالفوات فلو قهر حرّا و استعمله في شغل ضمن أجرته لأنّه استوفى منافعه و هي متقوّمة كما لو استوفى منافع العبد و لو حبسه مدّة لمثلها أجرة و عطل منافعه فالأقوى أنّه لا يضمن الأجرة لأنّ منافعه تابعة لما لا يصحّ غصبه إلى آخره‌

و مراده من قوله فهو كالتّالف أن الولد لو لم يكن حكم الشّارع بحريته كان تابعا لأمّه في الرقية و أمّا بعد حكمه بها فيكون كالتّلف السّماوي و في باب ضمان اليد لا فرق بين التّلف السّماوي و ما بحكمه و أمّا باب التّسبيب فواضح أنّ وطي المشتري ليس سببا لتلف المنفعة الموجودة المملوكة لمالك الأمة فلا يدخل تحت قاعدة الضّمان بالتّسبيب فانحصر أن يكون منشؤه ضمان اليد لأن سائر ما يوجب الضّمان منتف في المقام‌

[القول في القاعدة المعروفة كلّ عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده و عكسها]

قوله (قدّس سرّه) ثم إنّ هذه المسألة من جزئيات القاعدة المعروفة كلّ عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده إلى آخره

قد يقال بأنّ هذه القاعدة لم يدلّ عليها نصّ و لا وقعت في معقد إجماع حتّى تكون مدركا لضمان المقبوض بالعقد الفاسد فعلى هذا لا أهميّة في بيان معناها أصلا و عكسا و بيان مدركها كما اهتمّ به المصنف و لكنّك خبير بأنّ ظاهر صدر العنوان و إن دلّ على أنّ هذه القاعدة أصلا و عكسا من الأصول المسلّمة و القواعد الكلية الشّرعيّة إلّا أنّه يظهر من مجموع كلامه أنّه بصدد بيان ما هو خارج عن قاعدة اليد تخصّصا أو تخصيصا فإنّ اليد تقتضي الضّمان و يرفع هذا الاقتضاء في الجملة إذن المالك و تسليطه فالمهم بيان ما يخرج عن العموم و ليس ذكر القاعدة المعروفة أصلا و عكسا إلّا لبيان ذلك‌

إذا عرفت ذلك فنقول الضّمان قد يراد به المعنى المصدري كما في قاعدة الخراج بالضّمان كما تقدم وجهه و قد يراد به المعنى الاسم المصدري كما في المقام فإن يضمن حيث إنّه مبني للمفعول يناسب المعنى الاسم المصدري مع أنّ تعهّد الضّامن في الفاسد كالعدم فالجامع بينه و بين الصّحيح هو هذا المعنى و كما في باب الغصب و المقبوض بالسوم و نحو ذلك ممّا حكم الشّارع بالضمان من دون تعهّد الضامن و التزامه و هو في الأصل مأخوذ من ضمن بمعنى التزم و تعهّد فكان الضّامن بجعله الضمان أو بالجعل الشّرعيّ متضمّن للمال و مثبت في ذمّته الّتي هي واد وسيع‌

و بالجملة معنى الضّمان كون المال في الذمّة و من آثار ثبوت المال في الذمّة الغرامة و الخسارة لا أنّ الغرامة معناه الحقيقي ثم إنّه ليس معنى الضمان كون تلف ما يضمنه الضّامن في ملكه كما احتمله العلّامة في الأواني المكسورة و اختاره صاحب المقابس في مطلق الضّمانات و لو في غير باب الإتلاف كباب المغصوب و نحوه لأنّه لا موجب لتقدير التّالف ملكا لمن تلف في يده لأنّ الغرامة في باب الإتلاف و الغصب ليست معاوضة حتّى يعتبر دخول معوّضها في ملك الغارم‌

ثم إنّ اختلاف آثار الضّمان و أحكامه باختلاف موارده لا يوجب اختلافا في معناه فإن معناه كما عرفت هو كون الشي‌ء في عهدة الضامن و الخروج عن العهدة و تفريغ الذمّة عمّا اشتغلت بها تارة بالعوض المسمّى و أخرى بالمثل أو القيمة و ثالثة بأقلّ الأمرين كما في تلف الموهوب بشرط التعويض قبل دفع العوض فاختار في المسالك ثبوت أقلّ الأمرين و ذلك لأنّ المتّهب كان له التّخيير‌

119

مع بقاء العين بين ردّها و دفع المسمّى فإذا تلفت فإن كان الأقل هو المسمّى فقد رضي به الواهب و إن كان قيمة العين فحيث إنّ المتّهب كان مخيرا فله ردّ الهبة بردّ قيمة العين‌

و لكن عن جماعة تعيّن دفع المسمّى لأنّ تعذّر رد العين أوجب تعيين أحد عدلي التّخيير مع أنّه يمكن أن يقال بأنّ الضّمان في الصّحيح و الفاسد كليهما المثل أو القيمة فإنّ الضّمان بالمسمّى في الصّحيح هو قبل القبض و هو خارج عن القاعدة فإنّها أسّست لموارد ضمان اليد و هو يتحقّق بالقبض و يقال إنّ بالقبض ينتقل الضّمان و معنى انتقاله أنّ المسمّى يصير بعد القبض هو المثل أو القيمة و معنى ضمان القابض بعد قبضه مع أنّ المقبوض ملكه أنه لو تلف و طرأ عليه فسخ أو انفساخ يجب عليه ردّ المثل أو القيمة فالمثل أو القيمة هو المضمون في الصّحيح و الفاسد‌

و بالجملة مرادهم من انتقال الضّمان بالقبض أنّ الضّمان قبل القبض كان على المنتقل عنه و بعده انتقل إلى المنتقل إليه و لا شبهة أنّ الضّمان كما ينتقل عن المالك الأصلي إلى المالك الفعلي كذلك ينتقل بالقبض من الضّمان الجعلي إلى الضّمان الواقعي أي ينتقل من المسمّى إلى المثل أو القيمة فلا فرق بعد القبض بين المقبوض بالعقد الصحيح و الفاسد و على هذا فلا وجه للالتزام بأن الخروج عن العهدة في العقد الفاسد أيضا بأداء المسمّى حتّى لا يلزم التّفكيك بين لفظي الضّمان في قولهم يضمن بصحيحه يضمن بفاسده لما عرفت من عدم لزوم الاختلاف مع أنّ كيفية الخروج عن العهدة خارج عن حقيقة الضّمان فلو التزمنا بأن كيفيّته في العقد الصّحيح بأداء المسمى و في الفاسد بأداء المثل أو القيمة فلا يلزم تفكيك في معنى الضّمان‌

ثم لا يخفى ما في كلام المصنف في ردّ من توهّم أنّ الضّمان في الفاسد أيضا بالمسمّى بأن احتماله ضعيف لا لأن ضمانه المسمى يخرجه من فرض الفساد إذ يكفي في تحقق فرض الفساد بقاء كلّ من العوضين على ملك مالكه و إن كان عند تلف أحدهما يتعيّن الآخر للعوضيّة نظير المعاطاة على القول بالإباحة إلى آخره فإنّ الجمع بين الفساد و تعيين المسمّى للعوضيّة جمع بين المتناقضين و تعيّن العوض المسمّى في المعاطاة ليس مع فرض فسادها لأنه لا يعقل مع عدم تعلّق الجعل الشرعي بكون المسمّى عوضا و حكمه بفساده أن يكون عوضا بل تعيّنه للعوضيّة في المعاطاة إنما هو مع فرض صحّتها غاية الأمر أنّها لا تفيد التّمليك الّذي قصده المتعاطيان ابتداء بل إمّا تفيد الإباحة أو التّسليط أو التّمليك بشرط تحقّق أحد الملزومات و على أيّ حال تصح المعاطاة لا أنّها تفسد و مع ذلك يتعين المسمّى للعوضيّة فقياس العقد الفاسد على المعاطاة على القول بالإباحة قياس مع الفارق‌

قوله (قدّس سرّه) ثم العموم في العقود ليس باعتبار خصوص الأنواع إلى آخره

لا يخفى أن بعضهم عبّر عن هذه القاعدة بقوله كلّ عقد يضمن بصحيحه إلى آخره و بعضهم عبّر عنها بقوله ما يضمن بصحيحه إلى آخره و على أيّ حال المقصود واحد فإنّ المراد من العقد ليس خصوص ما لم يكن فيه شائبة الإيقاع بل يشمل كلّ ما فيه تضمين و تعهّد فمعناه أنّ كلّ ما صدر على وجه التعويض فالفاسد منه كصحيحه يوجب الضّمان فيكون المراد من عكسه أنّ كلّ ما صدر لا على وجه التعويض بل مجّانا ففاسده كصحيحه لا يوجب الضّمان و على هذا فتشمل القاعدة مثل الجعالة و الخلع فلو فرضنا كون الخلع فاسدا فليس المهر للزّوج مجانا كما أنّه لو فرض أن عوض الخلع كان مال غير الزّوجة فلا يمكن أن تكون الزّوجة مطلّقة بلا عوض بل إمّا يفسد الخلع و إمّا‌

120

يجب عليها المثل أو القيمة و هكذا في مسألة الجعالة‌

ثم بعد ما ظهر أنّ هذه القاعدة إنّما أسّست لموارد تمييز اليد المجانيّة عن غيرها فلا بدّ من أن يكون معناها مطابقا لما هو مدركها و لا وجه لما أفاده المصنف (قدّس سرّه) من أنّ الكلام في معنى القاعدة لا في مدركها فعلى هذا لو كان ظاهر هذه القاعدة ما أفاده (قدّس سرّه) من أنّ الموضوع هو العقد الّذي كان له بالفعل فرد صحيح و فاسد و كان هذا المعنى منافيا لمدركه فيجب أن يحمل على معنى آخر لا يكون منافيا لدليله و المعنى الصّحيح هو الّذي ذكرناه و حاصله أنّ المراد من الأصل أنّ كلّ عقد صحيح صدر على وجه التّعويض فالفاسد منه يوجب الضّمان و المراد من العكس أن كلّ ما صدر صحيحه مجانا فالفاسد منه لا يوجب الضّمان و هذا المعنى جامع و مانع و لا يحتاج إلى إرادة النّوع في العقد و لا الصّنف و لا خروج ما كان موجب الضّمان هو الشّرط دون العقد و لا فرض الوجود بالفعل للصحيح و الفاسد لأنّ كلّ ما صدر مجانا كالهبة الغير المعوّضة و الصّلح في مقام الإبراء فالصّحيح و الفاسد منه لا يوجبان الضّمان كما أنه لو فرض صحّة البيع بلا ثمن و الإجارة بلا أجرة فكذلك لا يوجبان الضّمان لأن فرض صحّة معناه مجّانيّة المبيع و العمل ففساده و لو كان ناشيا من قبل الشّرط لا يوجب الضّمان‌

نعم لو كان الشرط فاسدا بعد التعويض كما لو جعل بإزاء المبيع الثمن ثم شرط أنّه لو تلف المبيع عند المشتري فضمانه على البائع فهذا خارج عن عنوان البحث لأنه التزام في التزام و سيجي‌ء حكمه و بالجملة ما احتمل بعضهم في العبارة من أن يكون معناها أن كلّ شخص من العقود يضمن به لو كان صحيحا يضمن به مع الفساد و رتب عليها عدم الضّمان في مثل بعتك بلا ثمن و آجرتك بلا أجرة هو المعنى الصّحيح للقاعدة لأنّ هذه القاعدة كجميع القضايا الحقيقيّة الحكم فيها مرتب على فرض وجود الموضوع فمعناها أن كلّ ما يضمن لو كان صحيحا يضمن بفاسده و كلّ ما لا يضمن لو كان صحيحا لا يضمن بفاسده و فرض صحّة البيع بلا ثمن عبارة أخرى عن فرض المجانيّة ففساده و لو كان من قبل نفس هذا الفرض حيث إنّ البيع بلا ثمن باطل لا يقتضي الضّمان‌

قوله (قدّس سرّه) ثم إنّ لفظة الباء في بصحيحه و بفاسده إلى آخره

لا يخفى أنّ الباء يستعمل في الظّرفيّة كقوله سبحانه وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّٰهُ بِبَدْرٍ و قوله نَجَّيْنٰاهُمْ بِسَحَرٍ و السببيّة كقوله عز من قائل إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخٰاذِكُمُ الْعِجْلَ و قوله فَكُلًّا أَخَذْنٰا بِذَنْبِهِ و ليست السببيّة أظهر من الظّرفيّة فعلى الظّرفيّة لا يلزم تفكيك و على السببيّة يختلف معناها في الصّحيح و الفاسد فإنّ الضمان في قولهم بصحيحه مسبّب عن العقد و في الفاسد مسبّب عن القبض‌

نعم يمكن أن يوجّه هذا المعنى أيضا بأنّ العقد في كلّ منهما هو السّبب النّاقص فإنّ القبض لو لم يتحقّق في الصّحيح لم يتحقّق الضّمان لقولهم و بالقبض ينتقل الضّمان و في الفاسد العقد أيضا منشأ للقبض الّذي هو منشأ للضّمان و لكنّه لا يخفى الاختلاف بين الصّحيح و الفاسد في السّببيّة لأنّ القاعدة حيث ما عرفت أنّها لتأسيس تمييز موارد التّسليط المجّاني عن غيره فالتّسليط مع العوض الّذي يقتضي الضّمان في الصّحيح مستندا إلى العقد و هذا لا ينافي إناطة صحّة العقد بالقبض كما في الصرف و السّلم أو كون تلف المبيع قبل القبض على البائع الانفساخ العقد فإنّ شرطيّة القبض لا يوجب أن يكون الضّمان مستندا إليه‌

كما أنّ انفساخ المعاملة بعدم القبض لا يوجب أن يكون الضّمان‌

121

ناشيا عن القبض فإنّ الضّمان قبل القبض ضمان تبعيّ و الضّمان الأصلي من البائع هو ضمان الثمن و هو بنفس العقد حاصل و هذا بخلاف الضمان في مورد الفساد فإنّه مستند إلى القبض إلّا أن يقال إنّ الجامع بينهما هو السببيّة في الجملة و هذا كاف في استعمال لفظة باء في كلا الموردين‌

قوله (قدّس سرّه) ثم إنّ المدرك لهذه الكليّة إلى آخره

لا يخفى أنّه بعد ما ظهر أن عموم على اليد مقتض للضّمان في جميع ما دخل تحت اليد فلا مجال إلا للبحث عما يرفع الضمان فنقول يشترط في تحقّقه أمور الأوّل أن يكون الاستيلاء على المال ناشئا عن التّسليط المجاني سواء كان في المقبوض بالعقد الفاسد أو بغيره كما لو أذن في إتلاف طعامه مجّانا فأكله المأذون لأن مورد البحث هو المقبوض بالعقد الصّحيح أو الفاسد أو ما هو بمنزلة العقد لا فيما لا يدخل تحت اليد لأنّ هذه القاعدة أسست للضّمان النّاشي عن المعاوضة أو المجانيّة بالنّسبة إلى ما دخل تحت اليد و ليست لبيان موجبات الضّمان و روادعها مطلقا‌

ثم إنّه كما يمكن أن يتحقّق القبض في الأعيان فكذلك يمكن أن يتحقّق في المنافع تبعا لقبض الأعيان فما أفاده (قدّس سرّه) من أن قاعدة اليد لا تشمل المنافع و الأعمال المضمونة في الإجارة الفاسدة لا وجه له أمّا باب المنافع فأخذ كلّ شي‌ء بحسبه و أمّا باب الأعمال فلأن منشأ الضّمان فيها هو احترام عمل المسلم فإن مدرك الضمان لا ينحصر بقاعدة اليد بل قاعدة الإتلاف و احترام الأعمال كافيان لإثبات الضّمان فإذا فرضنا أنّ المالك تبرّع بالعمل أو سلّط المتلف على إتلاف ماله مجّانا فلا ضمان لأنّ في ضمان الأعمال يشترط أمور ثلاثة‌

الأوّل أن لا يكون سبب الفساد إجارة ما لا يرجع نفعه إلى المستأجر كما لو استأجر شخصا ليصلّي ما وجب على نفسه و في حكمه باب السّبق و الرّماية كما تقدم و الثّاني أن لا يكون العامل مبتدئ بالعمل بلا أمر و لا إجارة و لا إذن فإنّه لا يضمن عمله من عمل له و لو لم يقصد العامل التبرع الثالث أن لا يكون العامل متبرعا و بالجملة إذا تحقّق مقتضى الضّمان من قبض المضمون بالقبض المعتبر في باب العقود و هو التّخلية في إجارة الأموال و استيفاء عمل الحرّ في إجارة الأعمال و لم يتحقّق ما يرفعه من المجانيّة فيؤثر المقتضي أثره‌

الثّاني أن يكون التّسليط المجّاني راجعا إلى العوضين لا ما إذا سلّطه على ماله بشرط خارجيّ أي بالتزام في التزام كما لو جعل ضمان العوض على القابض في عقد البيع و لكنّه تداركه بشرط خارجيّ من ماله‌

الثّالث أن يكون ما سلّطه عليه مصبّا للعقد و موردا له بحيث كان العقد واردا عليه و أمّا لو كان المسلط عليه خارجا عن مصب العقد و لكن الشارع حكم بتبعيته لمصبّ العقد فهو خارج عن القاعدة فلا يرد النّقض بمسألة المسابقة و المراماة على أصل القاعدة فإنّ الصّحيح منهما و إن اقتضى الضّمان لكونهما مراهنة أمضاها الشّارع و لكن الفاسد منهما بمقتضى الشّرط الأوّل خارجان عن القاعدة لعدم دخولهما تحت يد الباذل و عدم رجوع نفع إليه بل هذان البابان خارجان عن باب العقود المعاوضيّة و ليس فيهما قبض و لا تسليط فلا ضمان في فاسدهما و لو كان في صحيحهما ضمان بمقتضى المراهنة الّتي أمضاها الشّارع و لا يرد النّقض بتلف المبيع قبل القبض كما أورده المصنف على مدرك القاعدة بناء على جعل مدركها هو الإقدام مستقلا و لو لم يكن معه يد‌

فقال مع أنّ مورد هذا التّعليل أعمّ من وجه من المطلب إذ قد يكون الإقدام موجودا و لا ضمان

122

كما قبل القبض و قد لا يكون إقدام في العقد الفاسد مع تحقّق الضّمان كما إذا شرط في عقد البيع ضمان المبيع على البائع إذا تلف في يد المشتري إلى آخره

لما عرفت أنّ القاعدة التأسيس الموارد الخارجة عن عموم على اليد و المبيع قبل القبض و إن تعلّق به الضّمان إلّا أنه لم يدخل تحت يد المشتري فلا يدخل تحت قاعدة ما يضمن و أمّا قوله و قد لا يكون الإقدام في العقد الفاسد مع تحقّق الضّمان إلى آخره‌

ففيه أنّ هذا أيضا بمقتضى الشّرط الثّاني خارج عن تحت القاعدة لأنّ الضّمان تعلّق في أصل المعاوضة بالعوض فإنّه جعل المبيع بإزاء الثّمن غاية الأمر شرط في ضمن العقد شرطا صحيحا أو فاسدا في أنّه لو تلف مال المشتري كان ضمانه على غيره و هو غير الإقدام على المجانيّة لأنّ هذا التزام خارجيّ هذا مضافا إلى أنّ إشكاله وارد على ما أفاده من معنى القاعدة و هو لزوم الفرد الفعليّ للصّحيح و أمّا على ما قلنا بأنّ معناها أن كل ما لو فرض صحيحا يضمن به يضمن به مع الفساد و ما لا يضمن مع فرض الصّحة فلا يضمن بفاسده فلا إشكال أصلا لأنه لو فرض أنّ المشتري لم يقدم على الضمان و كان مرجع جعل البائع الضّمان على نفسه إلى جعل المبيع بلا عوض كالأمثلة الّتي ذكرها بعد هذا المثال و هي بعتك بلا ثمن و آجرتك بلا أجرة فلا ضمان على المشتري حتّى يفترق الضمان عن الإقدام لأن هذا الشّرط لو كان صحيحا كان التسليط مجانيا فإذا فسد العقد بهذا الشّرط أو بغيره فلا ضمان‌

و بالجملة لو قلنا بأنّ الضمان هنا على المشتري فليس الإقدام مجّانيا و لو قلنا بأنّ الإقدام مجّانيّ فالضّمان ممنوع لأنّ معنى القاعدة ليس أنّ في كل فرد من أفراد البيع ضمانا حتى البيع بلا ثمن لأنّ في صحيحه ضمان بل معناها أنّ كلّ شخص من المعاملات إذا فرض صحّته و لم يكن فيه ضمان ففساده أيضا كذلك و بالجملة بمقتضى الشرط الثّاني يخرج التّسليط المجاني الحاصل من الشّرط الخارج لأنّ في نفس العقد لم يسلّطه على المبيع مجّانا و بمقتضى الشّرط الثّالث يخرج المنافع في باب البيع عن تحت القاعدة لأنّ مصبّ العقد في البيع هو العين فإذا لم يقتض العقد الصّحيح ضمان المنافع و اقتضاه الفاسد فلا يرد نقض على عكس القاعدة‌

قوله (قدّس سرّه) و أمّا عكسها فهو أنّ ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده إلى آخره

بعد ما عرفت معنى الأصل ظهر معنى العكس و مدركه في القبض الصّحيح هو أنّ المالك إذا سلّط القابض على ماله مجانا يخرج هذا اليد عن عموم على اليد إمّا تخصّصا و إمّا تخصيصا و ملاكه في الفاسد بعينه هو الملاك في الصّحيح و لا أولويّة لأحدهما على الآخر و بهذا الملاك لا يقتضي الإتلاف المأذون فيه الضّمان أيضا لأن المالك لو أذن في إتلاف ماله مجّانا يخرج هذا التصرّف عن عموم من أتلف‌

و بالجملة لا إشكال في أنّ تسليط المالك على عين ماله أو على منفعته مجّانا و بلا عوض يوجب أن لا يكون على القابض و المتلف ضمان إنّما الإشكال فيما يتوهّم من النّقض على الأصل أو العكس فمن موارد النقض على العكس ضمان العين المستأجرة فإن صحيح الإجارة غير موجبة لضمانها مع أنّ في الفاسد تضمن على ما في الرياض و المحكي عن الأردبيلي في مجمع الفائدة‌

و لكنّه لا يخفى أنّ النّزاع في ضمان العين و عدمه فيها نزاع صغرويّ و بيان ذلك أنّه لو قلنا بأن عقد الإجارة متعلّق بالمنفعة و العين خارجة عن مورد العقد أي العقد غير متعرّض لنفس العين و لازم ذلك صحّة شرط ضمان العين على المستأجر فضمان‌

123

العين في الإجارة الفاسدة ليس نقضا على قاعدة ما لا يضمن لأنّ القاعدة مختصّة بمورد العقد و مصبّه و عدم ضمانها في الصّحيح إنّما هو لأنّ العين أمانة مأذون فيها شرعا و حيث إنّها ليست أمانة في الفاسد شرعا فيد القابض عليها يد من غير استحقاق فيضمن و أمّا لو قلنا بأنّ العقد متعلّق بالعين أيضا فنقول الفاسد كالصّحيح لا يوجب الضّمان لأنّ العين بناء على هذا الوجه أمانة مالكيّة و مقتضى كون العين تحت يد المستأجر مجانا أن يتعلّق الضّمان بخصوص المنافع لا بالعين فلا يرد النّقض على أي حال على عكس القاعدة‌

ثم لا بأس بالإشارة إلى مبنى الوجهين إجمالا و تفصيله في باب الإجارة أمّا مبنى القول الأوّل فهو أن حقيقة الإجارة في جميع الموارد حقيقة واحدة و لا شبهة أنّ في إجارة الحرّ لم تتعلّق الإجارة إلّا بالمنفعة لأنّ الحر لا يمكن دخوله تحت يد المستأجر و في إجارة الدابّة و السّفينة للحمل لا تقتضي دخولهما تحت يده فإذا لم يقتض حقيقتها في هذين الموردين دخول العين تحت اليد بل لا يمكن في القسم الأوّل و المفروض أنها في الجميع حقيقة واحدة فلا بدّ أن يتعلّق عقد الإجارة في جميع الموارد بالمنفعة حتّى في مثل إجارة الدار و الدكّان للسكنى و تكون بالنّسبة إلى العين لا اقتضاء و على هذا فيمكن شرط ضمانها على المستأجر لأنّه لا ينافي مقتضى العقد و لازمه ضمان المستأجر في الإجارة الفاسدة إذا تلفت العين تحت يده‌

و أمّا مبنى الثّاني فهو أنّ الإجارة إضافة خاصّة حاصلة من العقد و هي مشترك معنوي لملك المنفعة و الانتفاع و المنفعة عبارة عن أمر وحداني اعتباري عقلائي و الانتفاع عبارة عن أمر تدريجيّ مساوق وجوده مع عدمه و هو الحاصل في الآنات فوجوده كنفس الزمان ينقضي و يتصرم و اختلاف هذين النّحوين إنّما هو باختلاف الموارد و هذا الاختلاف لا ينافي اتّحاد الحقيقة فعمل الحر من قبيل ملك الانتفاع فإنّ عمله لا يملكه المستأجر إلّا تدريجا و لذا لا يستحقّ الحر المؤجر الأجرة إلّا بمقدار عمله و أمّا منفعة الدّار فيملكها المستأجر تمام مدّة الإجارة بمجرّد الإجارة و لذا يستحقّ المؤجر الأجرة أيضا بمجرّد العقد و لكون المنفعة داخلة تحت ملك المستأجر في إجارة الدّار و مقبوضة له بمجرّد قبض الدار و ضامنا للأجرة بتمامها بمجرّد القبض استشكلوا بأنّ هذا لا يجتمع مع قولهم من أنّه لو انهدم الدّار تنفسخ الإجارة لأنّه في حكم تلف المبيع قبل القبض‌

و هذا و إن أمكن الجواب عنه بأنّ القبض في مرحلة البقاء لم يتحقّق كشفا إلّا أنه على أيّ حال اختلاف أجرة الدّار مع أجرة الحر يكشف عن اختلاف حكمها في القبض و اقتضاء كون العين تحت اليد و عدمه و كيف كان لا شبهة أنّ هذين الأمرين الاعتباريين يجمعهما حقيقة واحدة و هي ليست إلّا إجارة نفس العين ليستوفي منها المنفعة أو الانتفاع الّذي قد يعبر عنه أيضا في لسان الفقهاء بالمنفعة في مقابل الانتفاع الذي يعبرون عنه في باب العارية فيقولون أنّ المستعير يملك الانتفاع لا المنفعة و كلّ ما شئت فسمه إلّا أنه لا شبهة أنّ الأجرة تقع في مثل الدار و العقار مقابلا لكون العين المستأجرة تحت يد المستأجر و في مثل الحر و نحوه في مقابل عمله فلا بدّ أن يقع العقد في كلتا الصّورتين على العين و العقد متعرض لها و إن لم يمكن دخول الحرّ تحت اليد لأن كون الحر أجيرا معناه أنّه الذي يستحقّ عمله الغير و أنّه العامل فالإجارة تتعلّق به ليستوفي عمله و هذا المعنى لا يقتضي‌

124

كون متعلّق العقد تحت يد المستأجر مطلقا بل يختلف باختلاف الموارد فمثل الحر لا يمكن أن يدخل تحت اليد و مثل الدابّة للحمل العقد بالنسبة إليها لا اقتضاء و مثل إجارة الدّار الأجرة مقابلة لكون العين مدّة الإجارة في يد المستأجر‌

و على أيّ حال الإجارة تقع على العين ليستوفي منها المنافع و لذا يقال آجرتك الدّار و الدابّة و نفسي لعمل كذا و لا يصح أن يقال آجرتك سكنى الدار و آجرتك عملي فالإجارة في جميع الموارد إضافة خاصّة تتعلّق بالعين ليستوفي منها منافعها أو عملها و اقتضاء كون العين تحت اليد مدّة الإجارة إنّما هو لخصوصية المورد و من لوازم الفرد من حيث عدم إمكان استيفاء المنافع منها إلّا إذا كانت كذلك و لوازم الفرد لا تنفكّ عنه فشرط ضمان العين في هذا القسم مناف لمقتضى العقد فإنّ العقد متعرّض لعدم الضّمان بالنّسبة إلى العين و يكون كالعين المرهونة الّتي يتعلّق بها حقّ المرتهن لبقائها تحت يده فإذا كان المستأجر مستحقّا كذلك فلا يضمن إلّا الأجرة و إلّا يلزم أن يكون لمال واحد ضمانان‌

نعم يصحّ شرط الضّمان إذا استأجر الدابّة أو السّفينة للحمل فإذا شرط يضمن و أمّا لو لم يشترط و أطلق ففي جميع الموارد لا ضمان سواء كانت الإجارة على الأموال أم على الأعمال كانت الإجارة في الأموال مقابلة لكون العين تحت يد المستأجر أم لا كما أنّ في جميعها مع الشّرط هو الضمان غاية الفرق أن فيما لا يقتضي كون العين تحت يد المستأجر فلصحة الشّرط و فيما يقتضي كونها تحت يده فلفساد العقد بفساد شرطه فإذا كان العقد فاسدا فمقتضى اليد الغير الحقّة هو الضّمان و على أيّ حال لا نقض على القاعدة كما بينا وجهه و بالجملة كل ما يقتضي كون العين تحت يد المستأجر فشرط الضّمان مناف له و كلّ ما ليس كذلك فلا مانع من شرط الضّمان و لذا يصحّ في عكس المسألة كما إذا شرط المستأجر ضمان العين على الأجير فيما إذا استأجره لقصارة الثوب أو خياطته أو صبغه فإنّ الأجرة هنا مقابل العمل لا مقابل كون العين في يد الأجير و لذا يجوز للمستأجر أخذ العين منه و بعبارة أخرى في الأجرة على الأعمال لم تقع الأجرة إلّا بإزاء العمل لا بإزاء كون العين تحت يد الأجير فإنه لا غرض للموجر إلا أخذ الأجرة و حيث إنّه لا يمكنه الوفاء بالإجارة إلّا بأن يكون العين تحت يده يقع العين لغرض المستأجر تحت يده فيجوز للمستأجر شرط الضمان عليه و من موارد النّقض على العكس أيضا ضمان الصّيد الّذي استعاره المحرم من المحلّ بناء على فساد العارية مع أنّ صحيحها لا يضمن بها أقول صحّة النّقض و عدمها موقوف على بيان حكم الصّيد الّذي استعاره المحرم‌

و البحث فيه عن جهات الأولى أنّه ينسب إلى المشهور أنّ الصّيد بمجرّد العارية يخرج عن ملك مالكه و يجب على المستعير إرساله فورا بحيث لو أمسكه مقدارا ما يجب عليه الفداء أيضا فهو إمّا يرسله أو يتلف عنده أو يردّه إلى مالكه فلو أرسله فورا فلا يجب عليه إلّا قيمته للمالك و لو تلف عنده فيجب عليه القيمة و الفداء لتفريطه حق المالك و الخالق و لو رده فسيجي‌ء حكمه قال في الشّرائع و لا يجوز للمحرم أن يستعير من محلّ صيدا لأنّه ليس له إمساكه و لو أمسكه ضمنه و إن لم يشترط عليه و ظاهره أنه لو تلف عنده يضمنه و لا وجه لحمل صاحب الجواهر (قدّس سرّه) كلامهم على صورة الإتلاف و هو الإرسال و هو أيضا يصرّح بأن إطلاق كلامهم يوهم ذلك إلّا أنّه قال‌

125

لكن من المعلوم إرادتهم الفرد الّذي ذكرناه فإنّه الموافق لذكر مسألة المحرم و لا يخفى أنّه يمكن استفادة خروج الصيد عن ملك مالكه من مسألة من أحرم و معه صيد فإنّه اتّفقوا على أنّ الصّيد الّذي معه يخرج عن ملكه و يجب عليه إرساله و إن لم يفعل فمات يجب عليه الفداء و خروج ما معه عن ملكه و إن لم يلازم خروج ملك غيره لو استعاره منه إلّا أنّه يمكن أن يستفاد من مجموع ما ورد في باب الإحرام أن كلّ ما وقع الصّيد تحت يده و إن كان ملك غيره يخرج عن المملوكيّة بل يحرم عليه صيد البر أيضا ما دام محرما كما هو مقتضى الآية الشّريفة و كيف كان فالعجب من السيّد الطّباطبائي (قدّس سرّه) في حاشيته على المتن فإنّه ضمّ عبارة الجواهر إلى الشّرائع‌

و قال و في الشرائع لا يجوز للمحرم أن يستعير من محلّ صيدا لأنه ليس له إمساكه فلو أمسكه ثم أرسله ضمنه ثم قال و هذه العبارة كما ترى مختصّة بصورة الإتلاف بالإرسال فلا تشمل ما نحن فيه و الدّليل على الضّمان حينئذ عموم قوله من أتلف نعم مقتضى إطلاق بعضهم الضّمان في المقام شموله لصورة التّلف السّماوي أيضا إلّا أنّه يمكن دعوى انصرافه إلى ما في الشّرائع من الضّمان بعد الإرسال الواجب عليه إلى آخره مع أن لفظ ثم أرسله ضمنه بعد قول المحقق فلو أمسكه من كلام صاحب الجواهر لا من المحقق و كيف كان فالنقض مبنيّ على القول بضمان المستعير و لو مع التّلف‌

الثانية هل الضّمان مطلقا أو في صورة الإرسال مختصّ بما إذا جهل المعير أو يشمل صورة عمله قال السيد في الحاشية إذا كان المعير عالما فهو المتلف لما له بدفعه إلى من هو مكلّف بإتلافه و لكنّه لا يخفى أنّه لو لم يكن بين السبب و الأثر المترتّب عليه فعل اختياري عن غيره فالأمر كما ذكره لأنه ينسب الفعل إلى السّبب و ما إذا كان كما في المقام فلا فرق بين علم المالك و جهله لأنّ الفعل ينسب إلى المباشر لأنّه لو لم يأخذ المستعير لم يخرج عن ملك مالكه فإنّ أمر المعير بنفسه لا يوجب التّلف و هذا الحكم مطرد في جميع موارد المباشرة الاختياريّة فلو أمر المالك أحدا بقتل عبده المسلم أو بإلقاء ماله في البحر بلا جهة فعمله المأمور يضمن قيمة عبد الآمر و ماله لأنّ الأمر ليس مجوزا و رافعا للضّمان إلّا فيما للمالك فعله فيكون المأمور وكيلا منه‌

الثّالثة لو عصى المستعير و لم يرسله و ردّه إلى المعير فهل يخرج عن الضّمان وجهان بل قولان و الأقوى عدم خروجه عن الضّمان فيجب عليه قيمته كما يجب عليه الفداء بلا إشكال لما ذكرنا أنه يخرج الصّيد عن ملك مالكه بمجرّد العارية فرد الصيد إليه اصطياد جديد له فإنّ هذا الصيد من المباحات الأصليّة يصطاده من شاء و لا يمكن قياس المقام بما إذا غصب الغاصب خلّا ثم صار خمرا عنده ثم صار خلا برده في عدم الضّمان لأنّ حق الاختصاص للمالك باق فإذا زالت صورة الخمريّة قبل الرد أو بالرد فلا يضمن الغاصب شيئا و هذا بخلاف المقام فإنّ الصيد صار من المباحات الأصليّة إذا عرفت ذلك فنقول لا يرد النّقض على القاعدة أصلا في صورة تلف الصّيد لا لما ذكره المصنف بأنّ المستقر عليه قهرا بعد العارية هي القيمة لا العين فوجوب دفع القيمة ثابت قبل التّلف بسبب وجوب الإتلاف الّذي هو سبب لضمان ملك الغير في كل عقد لا بسبب التّلف إلى آخره لأنّه لا يعقل استقرار القيمة في العهدة قبل الإتلاف فلو لم يكن نفس أخذه إتلافا و تلف في يده فلا موجب لاستقرار الضّمان عليه فبناء عليه لا بدّ أن يقال إنّ التّلف لا يوجب الضّمان كما عن الجواهر و من تبعه فرارا عن الإشكال بل لما ذكرنا‌

126

من أن نفس الأخذ إتلاف على المالك فالضّمان مستند إلى الإتلاف و العارية لا توجب الضّمان في صورة التّلف و بالجملة لو أرسله فلا إشكال في الضّمان لعدم التنافي بين وجوب الإرسال و الضّمان فيدخل في قاعدة من أتلف و لو لم يرسله و تلف فلو لم نقل بالضّمان فلا نقض و لو قلنا به فلا محالة ضمانه مبني على خروج الصيد عن ملك المعير بمجرّد العارية و عاريته أيضا إتلاف لمال الغير فعلى أي حال لا نقض على عكس القاعدة و من موارد النّقض على الأصل ضمان المنافع في البيع الفاسد مع أنّها غير مضمونة في البيع الصّحيح و المصنف (قدّس سرّه) أورد النّقض بالنّسبة إلى المنافع الغير المستوفاة مع أنّها محل الخلاف بين الأعلام كما سيجي‌ء‌

و على أيّ حال لا يرد النّقض مطلقا لما ذكرنا من أنّ المدار على مورد العقد و مورده في البيع هو نفس العين و إنّما المنافع في الصّحيح تابع للعين بحكم الشّارع و في الفاسد حيث إنّ العين لم تنتقل إلى القابض فيضمن منافعها و من موارد النّقض عليه أيضا تلف الأوصاف فقيل في صحيح العقد لا يقتضي ضمانها لأنّ العوض لم يجعل في مقابل الوصف مع أنّ في الفاسد يضمنها القابض و فيه أنّ الوصف يضمنه القابض كالشّرط في الصحيح و الفاسد فإنّ العوض و إن لم يجعل في مقابلهما إلّا أنهما صارا موجبين لزيادة القيمة فلو تلفا بعد القبض و انفسخ العقد بموجب قهريّ أو اختياري فضمانهما على القابض فلو زال وصف الكتابة عند المشتري أو صار المبيع معيوبا عنده ثم استردّ الثّمن من البائع فيجب عليه ردّ قيمة الوصف في الصّحيح و الفاسد و كذا لو شرط الخياطة في ضمن العقد فعمل المشروط عليه بالشّرط فيجب على المشروط له أداء قيمته إذا فسخ العقد أو انفسخ فيما لو كان العقد صحيحا و هكذا يجب عليه أداء قيمته لو كان العقد فاسدا‌

و ممّا أورد عليه حمل المبيع فاسدا فإنّه غير مضمون في الصّحيح مع أنّه مضمون في البيع الفاسد و فيه أنّ محلّ الكلام تارة فيما إذا اشترط دخول الحمل في المبيع و أخرى فيما إذا كان خارجا فعلى الأوّل يضمنه المشتري إذا قبض الحامل الّذي يقبضه يتحقّق قبض الحمل في الصّحيح و الفاسد لأنّ الثّمن جعل بإزاء كليهما و على الثاني فلا يضمنه في الصّحيح و الفاسد لأنه أمانة مالكيّة فلا نقض مع أنّه لو قيل بالفرق فلا يرد النّقض على القاعدة أيضا لأنّ محلّ البحث هو مورد العقد لا ما هو خارج عنه فيرجع فيما هو خارج عنه إلى القواعد العامّة‌

ففي الصحيح حيث إنّه يقع في يد المشتري قهرا على البائع فيصير أمانة مالكيّة أو شرعية فلا ضمان و أمّا في الفاسد فلم يتحقّق رافع الضّمان ثم لا يخفى أنّ للتّوابع أحكاما مختلفة باختلاف تبعيّتها للمبيع و خروجها عنه عرفا فمثل السمن داخل عرفا و لا يمكن انفكاكه و أما الصّوف و اللّبن فالعقد بالنّسبة إليهما لا اقتضاء و إن كان الأقوى دخولها فيه إذا لم يشترطا خروجهما عنه و أمّا الحمل فخارج عنه إلّا إذا اشترطا دخوله لأنّه كاللّبن المحلوب و الصوف المجزوز لا يدخل تحت العقد الوارد على الحيوان و كيف كان لا يرد النّقض على القاعدة بالنسبة إليه لأنه إذا كان داخلا في المبيع فمضمون على أيّ حال و إذا لم يشترطا دخوله فخارج على أيّ حال على الأقوى‌

قوله (قدّس سرّه) و يمكن النّقض أيضا بالشّركة إلى آخره

لا يخفى أنّه لم يعلم مراده (قدّس سرّه) من هذا النّقض لأنّه لا فرق بين الشّركة الصحيحة و الفاسدة في الضّمان و عدمه فإنّه لو قلنا بأن أثر عقد الشّركة بعد مزج المالين هو جواز تصرّف كل واحد من الشريكين في جميع المال فلو تلف المال‌

127

فلا ضمان في الصّورتين لأنّ كلّا منهما أمين في مال الآخر و لو قلنا بأنّه بعد العقد أيضا لا يجوز التصرّف إلّا بإذن كلّ منهما للآخر فبدون الإذن يضمن كل منهما مال الآخر لو تلف تحت يده من غير فرق بين العقد الصّحيح و الفاسد هذا إذا قلنا بالضّمان من جهة حرمة التصرّف و أمّا لو قلنا بأنّه لا ملازمة بينهما كما في تصرف المتّهب في الموهوب بالهبة الفاسدة فإنّه لا يجوز مع أنّه لا يضمن فعلى أي حال لا يضمن و بالجملة المناط في الضّمان و عدمه إنّما هو بتسليط المالك على ماله بالعوض أو مجّانا فكلّ ما تحقّق التّسليط المجّاني فلا ضمان من غير فرق بين الصحيح و الفاسد‌

ثم إنّه ينبغي التّنبيه على أمور الأوّل قد يتوهم أنّ مقتضى ما ذكرنا من معنى القاعدة و هو أن كلّ شخص من العقود لو فرض صحيحا يضمن به يضمن مع الفساد ورود النّقض عليه بما إذا جعل أحد العوضين ما لا يصحّ الانتفاع به و ما لا يعدّ من الأموال كالحشرات فإنّ فرض صحّته يلازم المجانيّة لأنه وقع العوض بإزاء ما ليس مالا فهو بمنزلة الهبة و التّسليط المجاني مع أنّه لا يمكن الالتزام بعدم ضمان البائع الثمن إذا جعل المبيع ما لا يعد مالا و عدم ضمان المشتري المبيع إذا جعل الثّمن كذلك و أمّا بناء على ما اختاره المصنف فلا يرد الإشكال لأن البيع الصحيح لما كان موجبا للضّمان فالفاسد منه كذلك و لكنّه توهّم فاسد لأنّ فرض صحّة هذا البيع معناه فرض الثمن أو المثمن مالا فإذا كان هذا معنى صحته يضمن به مع الفاسد لأنّ صحّته هنا ليس كالصحة في بعتك بلا ثمن فإنّ ثمنه لم يجعل بإزاء المبيع شيئا بخلاف المقام فإنّه جعل العوض بإزاء المبيع ففرض صحّته معناه فرضه مالا‌

الثّاني لو قال بعتك بلا ثمن و آجرتك بلا أجرة ففيه احتمالات أو أقوال الأوّل عدم دخولهما في عنوان العقود أصلا لا الفاسدة و لا الصّحيحة الثّاني دخول الأوّل في عنوان البيع الفاسد و الثاني في الإجارة الفاسدة الثالث دخول الأوّل في الهبة الصحيحة و الثاني في العارية الصحيحة الرّابع دخولهم في الهبة و العارية الفاسدتين‌

الخامس التّفصيل في مسألة الإجارة بين إجارة الأموال و الأعمال فيدخل الأوّل في الإجارة الفاسدة و الثّاني في التبرّع فيضمن في الأوّل دون الثّاني و حكم البيع حكم القسم الأوّل فإنّه يدخل تحت قاعدة ما يضمن و قبل ذكر مدرك الاحتمالات لا بأس بذكر عبارة الشّرائع و ما قيل في شرحها و أما أفاده الشّهيد و المحقّق الثّاني في المقام قال في الشّرائع و كلّ موضوع يبطل فيه عقد الإجارة يجب فيه أجرة المثل مع استيفاء المنفعة أو بعضها سواء زادت على المسمّى أم نقصت عنه قال في الجواهر بلا خلاف أجده فيه إلى أن قال مضافا إلى مثل ذلك بالنسبة إلى قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده الشّاملة للمقام و إلى قاعدة احترام مال المسلم و عمله‌

ثم قال نعم قيّده الشّهيد في المحكي من حواشيه بما إذا لم يكن الفساد باشتراط عدم الأجرة في العقد أو عدم ذكرها فيه لدخول العامل على ذلك و استحسنه في المسالك و كان وجهه أنه متبرع بالمال و العمل مجّانا ثم قال بل قد يقال بشمول القاعدة للفرض بناء على إرادة أشخاص العقود منها لا أصنافها و لا ريب في عدم الضّمان لو فرض صحّة العقد المزبور فكذا لا يضمن به مع الفساد ثم قال لكن مع ذلك كله في جامع المقاصد بعد أن حكاه أنّه صحيح في العمل أمّا مثل سكنى الدّار الّتي يستوفيها المستأجر بنفسه فإنّ اشتراط عدم العوض إنما كان في العقد الفاسد الّذي لا أثر لما تضمّنه من التراضي فحقّه وجوب أجرة المثل و مثله ما لو باعه على أن لا ثمن له‌

128

و أمّا لو كان موردا لإجارة منفعة الأجير فيعمل بنفسه مع فسادها فوجه عدم استحقاقه شيئا ظاهر لأنه متبرّع بالعمل و هو المباشر لإتلاف المنفعة و دفعه في المسالك بما حاصله من أنّه يرجع في مثل سكنى الدار إلى العارية و إن عبّر عنها بلفظ الإجارة لأنّ التّصريح بعدم الأجرة أقوى من الظّهور المستفاد من لفظ الإجارة إذا عرفت ذلك ظهر إجمالا مدرك الأقوال‌

و توضيح ذلك أنّ مدرك الأوّل هو أن المنشئ حيث نقض إنشاءه فكأنه لم يصدر منه عقد فتندرج المسألتان تحت قاعدة اليد و مقتضاها الضمان و فيه أن تعقيب إنشائه بما يناقضه و إن جعله بلا أثر شرعيّ و عرفيّ إلّا أن أثره التكويني و هو إنشاؤه المعاملة الكذائية لا يرتفع بذكر ما يناقضه فوقوع عقده كلا عقد شرعا أو عرفا لا يوجب عدم وقوعه خارجا غاية الأمر أنّه عقد فاسد فيدخل إمّا في الأصل أو العكس‌

و أمّا مدرك الثّاني فتقريبه واضح لأنّه إنشاء ما هو صريح في عنوان البيع و الإجارة فتعقيبه بما ينافي صحّة البيع و الإجارة يوجب الفساد ثم بناء عليه اختلفوا في الضّمان و عدمه بما تقدم وجههما و هو إدخالهما في الأصل أو أنّ مع فرض صحّتهما يلازم المجانيّة فيدخلان في العكس و فيه أن حقيقة البيع تبديل مال بمال و حقيقة الإجارة تمليك المنفعة بالعوض و بمجرّد إنشاء البيع و الإجارة مع عدم جعل العوض لهما لا يكون بيعا و لا إجارة فلا بدّ من فرض كونهما فاسدين من اختلال غير ما هو داخل في حقيقتهما‌

و أمّا مدرك الثّالث فهو وقوع عناوين العقود بالألفاظ المجازية فيدخل قوله بعتك بلا ثمن في الهبة الصحيحة و قوله آجرتك بلا أجرة إمّا في العارية إذا كان العين الّتي تعلّق بها الإجارة من الأموال و إمّا في التبرع في الأعمال و فيه أنّه لو سلّمنا صحّة إنشاء العناوين بالمجازات فلا نسلّم صحّته بأمثال هذه الألفاظ التي تناقض القرينة فيها صريحا مع ذي القرينة و إلّا لم يتحقّق مصداق للعقد الفاسد رأسا إذ كلّ ما فرض فيه الفساد إمّا من جهة عدم ذكر العوض أو اشتراط ما يخالف السّنة أو نحو ذلك من الشّروط الفاسدة لأمكن إدراجه في عقد صحيح آخر و لذا من جعل عقد النكاح الدّائم مباينا مع المتعة حكم ببطلان عقد التمتّع بإخلال الأجل رأسا‌

و أمّا مدرك الرّابع فهو أنّ الهبة ليست إلّا التّسليط على العين مجانا و ليست العارية أو التبرع إلّا التّسليط على المال أو إيجاد العمل مجّانا و إنّما حكم بالفساد لعدم إيجاد العنوانين بالصّيغة الخاصّة لهما و فيه أنّه لا يخطر ببال القائل بقوله بعتك بلا ثمن و القائل بقوله آجرتك بلا أجرة عنوان الهبة و العارية و مع عدم قصد هذين العنوانين كيف يحكم بأنّهما هبة أو عارية نعم لو قيل بأن قصد هذين العنوانين لا يعتبر في وقوعهما كذلك بل ليس حقيقة الهبة إلّا التّمليك بلا عوض و العارية إلّا التّسليط على الأموال مجّانا صحّ هذا القول فتأمّل فيه‌

و أمّا منشأ التّفصيل بين البيع بلا ثمن و إجارة الدار بلا أجرة و بين العمل بلا أجرة أي خروج الأوّلين عن الأصل و العكس و إن دخل في الأصل حكما أي يحكم فيهما بالضّمان و دخول العمل بلا أجرة في التبرّع فظهر وجهه ممّا نقلناه من المحقّق الثّاني و حاصله أن اشتراط عدم العوض إنّما كان في العقد الفاسد الّذي لا أثر لما تضمّنه من التّراضي فإنشاء المجانيّة كالعدم فإذا صار العقد كالعدم لإنشائه ما يناقض البيع و الإجارة و تلف المبيع عند المشتري و استوفى المستأجر منفعة الدار فعليهما الضمان كما هو مقتضى قاعدة اليد‌

129

و الإتلاف بلا تحقّق رافع له و أمّا لو كان مورد الإجارة منفعة الأجير فلم يتحقّق يد و هو متبرّع بنفسه العمل و هو المباشر لإتلاف المنفعة فلا يستحقّ شيئا و فيه ما عرفت من أن لغويّة العقد الكذائي و كون وجوده كعدمه بالنّسبة إلى أثره الشّرعي لا يوجب أن يكون كذلك بالنسبة إلى أثره التكويني و هو التّسليط المجاني فكما أنّ المباشر هو المقدم لإتلاف منفعته فكذلك البائع في العين و المؤجر في منفعة الدّار‌

هذا مضافا إلى أنّ المباشر في إجارة الأموال لم يقدم على العمل إلّا بناء على الوفاء بالمعاملة و لم يقدم عليه ابتداء من دون عقد و لا أمر معاملي فإذا قلنا بالضّمان في إجارة الأموال فلا بدّ من القول به في إجارة الأعمال فتحصّل ممّا ذكرنا أنّ نظر من قال بالضّمان إمّا إلى دخولهما تحت قاعدة اليد و الإتلاف و خروجهما عن عنوان العقود و إمّا إلى دخولهما في الأصل و قال حيث إنّ صحيح البيع و الإجارة يضمن بهما فيضمن بفاسدهما و من قال بعدمه أدرجهما في العكس فإن صحيح الهبة و العارية و كذلك فاسدهما لا ضمان فيهما‌

و لكنّك خبير بأنّه يمكن إدراجهما في العكس بما بيّناه و هو أنّ كلّ عقد لا يضمن به على فرض صحّته لا يضمن به مع فساده و شخص هذا البيع و الإجارة لو فرض صحّتهما لا ضمان فيهما فلا ضمان مع فسادهما و لا وجه لما أفاده المصنف من أن المراد من كلّ عقد هو النوع أو الصّنف لأن هذه القضيّة وضعت لبيان أشخاص العقود الّتي يفرض وقوعها في الخارج لا النّوع أو الصّنف و من فصل بين إجارة الأعمال و بين البيع و إجارة الأموال أدخل العمل في التبرّع و أخرجه عن الإجارة و أخرج البيع و إجارة الأموال للمناقضة عن عنوان العقد فيدخل كلّ منها تحت القواعد الكليّة‌

و مقتضى احترام الأموال أن يكون المتصرّف فيها و المستوفى عنها المنفعة ضامنا و أمّا الحر فحيث لم يدخل تحت اليد فهو متبرّع مع فساد الإجارة و متلف لعمل نفسه فلا يكون المستأجر ضامنا لأن عمل العامل بدون الإجارة و الأمر لا يضمنه غيره الثالث أنّه قد يتوهم نقوض أخر لم يتعرض لها المصنف لخروجها عن عنوان العقود المعاوضيّة منها النكاح الدّائم و المتعة الفاسدين فإنّ الزّوج لا يضمن المهر إذا كان جاهلا بفساد العقد و كانت الزّوجة عالمة به مع أن الصّحيح منهما يوجب الضّمان فيرد النّقض على الأصل و فيه أن مجرى القاعدة في الضّمان المعاوضي إنّما هو بالنّسبة إلى ما دخل تحت اليد لا في الضّمان مطلقا بجعل من المتعاقدين من غير عنوان المعاوضة مع أنّ عدم الضمان لدليل خارجيّ و لكونها بغيّا لا ينافي اقتضاء العقد للضّمان و لذا لو كانت جاهلة بالفساد فله حقّ على الزّوج و منها بيع الغاصب مال الغير فإنّه لا يضمن الثّمن للمشتري إذا تلف عنده عند الأكثر مع أنّ صحيح البيع يوجب الضّمان و فيه أوّلا أن عقد الغاصب ليس بفاسد حتى يدخل في المقبوض بالعقد الفاسد بل يقع موقوفا و ثانيا أنّ العقد لم يقع معه و بعنوان شخصه بل وقع مع مالك المبيع فتعهّد الغاصب بالثّمن ليس تعهدا بعنوان المعاوضة مع شخصه لأنّه تعهّد مال المشتري بمال المالك لا على كون المال في ذمته و من وقع معه العقد حقيقة ضامن للثمن لو أجاز المعاملة فلو تلف الثّمن عند الغاصب و قلنا بأنّه لا يضمن لأنّ المشتري سلّطه عليه مجانا وجب على المشتري ردّ ثمن آخر على المالك و كلّ من المالك و المشتري‌

130

يضمنان لما وصل بيدهما و بالجملة من هو طرف المعاوضة فهو ضامن للعوض و من ليس ضامنا لا يكون طرفا‌

و منها اشتراء الصبي و المجنون و هبتهما و عاريتهما فإن اشتراءهما نقض للأصل و هبتهما و عاريتهما نقض للعكس لأن المبيع لو تلف عندهما لا يضمنان مع أنّ صحيح البيع يوجب الضّمان و كذا يضمن المتّهب و المستعير لما وهبه أو أعاره الصّبي أو المجنون مع أنّ الصحيح من الهبة و العارية لا يوجب الضّمان و فيه أنّ عقدهما كلا عقد و الأفعال القصديّة منهما كالعدم و محلّ الكلام في الصّحيح و الفاسد فيما يضمن و لا يضمن هو العدم و الملكة أي محلّ البحث فيمن كان قبضه معتبرا و إنشاء الصّغير و المجنون و قبضهما كالعدم فإنّهما غير قابلين للتعهّد فعدم ضمانهما للمبيع إنّما هو لضعف مباشرتهما فيسند التّلف إلى السّبب و هو البائع و كذا ضمان المتّهب و المستعير إنّما هو لعدم أهليّتهما للهبة و الإعارة‌

فتحصّل ممّا ذكرنا كله أمور الأوّل أنّ هذه القاعدة أسّست لموارد تمييز اليد المجّانيّة عن غيرها النّاشئة عن العقود و ما يلحق بها فعلى هذا يخرج مثل السّبق و الرماية و نحوهما ممّا لا يدخل تحت اليد فلا نقض بمثل ذلك و يخرج اليد النّاشئة عن غير العقود و ما يلحق بها الثّاني أن معنى الضّمان هو كون الشي‌ء في عهدة الضّامن و الخروج من العهدة يختلف باختلاف الموارد ففي الصحيح الجامع بين المسمّى و المثل أو القيمة هو المضمون لأنّه لو تلف أحد العوضين فلو لم ينفسخ العقد فمن تلف المال عنده ضامن للمسمّى و لو فسخ أو انفسخ أو أقيل فضامن للمثل أو القيمة و في الفاسد من أوّل الأمر الضّمان يتعلّق بالمثل أو القيمة ثم إنّ الضّمان كما يتعلّق بنفس العينين فكذا يتعلّق بصفاتهما و أجزائهما و الشّروط المتضمنة معهما الثّالث أنّ مورد الأصل و العكس هو مورد العقد و مصبّه لا ما هو خارج عنه و إنّما حكم بتبعيّته له شرعا أو لتوقّف استيفاء المنفعة عليه و من هذا الأمر ظهر عدم ورود النّقض بالنّسبة إلى المنافع و لا تلف العين المستأجرة و لا تلف الحمل و نحو ذلك من النّقوض المتقدّمة الرّابع أنّ موردهما هو التّسليط على العوض أو المجانيّة الّتي يتضمّنهما نفس العقد و لو بتوسّط الشّرط الّذي هو جزء للإيجاب أو القبول كما لو قال بعتك بشرط أن لا يكون ثمن و وهبتك بشرط العوض و يخرج ما هو شرط خارجيّ و التزام في التزام‌

و بعبارة أخرى الالتزام الابتدائي هو المدار لا الالتزام الثّانويّ فلا نقض على الأصل بما إذا باع بثمن و شرط في ضمن العقد أنّه لو تلف المبيع عند المشتري فخسرانه على البائع فإنّ نفس العقد لا يتضمّن المجّانيّة و لذا يأخذ الثمن و يستقر ملكه عليه لو لم يتلف المبيع الخامس أنّ المراد من القاعدة بالنّسبة إلى أفراد العقود هو الأفراد الشّخصيّة بالنسبة إلى كلّ نوع لا الأنواع و لا الأصناف لأنّ هذه القاعدة ناظرة إلى ما يقع في الخارج فكلّ ما يقع في الخارج لو فرض صحّته و لا يضمن به فلا يضمن به مع الفساد فمثل بعتك بلا ثمن و نحوه لا ضمان فيه فتأمّل في أطراف ما ذكرناه تجده حريا بالتأمّل فيه لما ظهر من مجموع الكلام أنّ معنى القاعدة ينطبق على مدركها فلا إشكال فيها‌

[الثّاني من الأمور المتفرّعة على عدم تملّك المقبوض بالعقد الفاسد وجوب رده فورا]

قوله (قدّس سرّه) الثّاني من الأمور المتفرّعة على عدم تملّك المقبوض بالعقد الفاسد وجوب رده فورا إلى آخره

قد ظهر في صدر المبحث أنّ البحث في المقبوض بالعقد الفاسد تارة يقع في حكمه التّكليفي و أخرى في حكمه الوضعي و ذكرنا أنّه بحسب الحكم‌

131

التّكليفي يحرم تصرف القابض في المقبوض و حرمة التصرّف ملازم لوجوب الرد فورا و دعوى أنّ الإمساك ليس تصرّفا ممنوعة فإنّه و إن كان منصرفا عنه بدوا إلّا أنّ الانصراف البدوي لا عبرة به و يصدق عليه التصرّف بعد صدقه على الأخذ فإذا كان الأخذ تصرّفا فبقاء المأخوذ عند الآخذ حكمه حكم نفس الأخذ لأنه باق على ما كان عليه‌

بل و لو سلّمنا عدم شمول التصرّف في قوله أرواحنا له الفداء في التّوقيع المبارك لا يجوز لأحد أن يتصرف في مال غيره إلّا بإذنه للإمساك فلا شبهة في شمول قوله ص لا يحلّ مال امرئ مسلم لأخيه إلّا عن طيب نفسه له فإن تعلق الحلّ و الحرمة بالمال ليس كتعلّقهما بالغنم مثلا مخصوصا بالأكل و نحوه ممّا يناسب الحكم مثل حرمة التّزويج المتعلّقة بالأمهات في قوله عزّ من قائل و حرّمت عليكم أمّهاتكم بل يشمل كلّ ما يعدّ في العرف قلبا و انقلابا كالتصرف فيه و إمساكه تحت يده و أكله و بيعه و أنحاء ذلك و إنّما يخرج مثل النّظر إليه و الوقوف تحت ظلّه إذا لم يعدّا تصرّفا و إلّا يحرم هذا أيضا كالوقوف في ظل الخيمة‌

و بالجملة أنّ قوله ع لا يحلّ مال امرئ عنوان عام يشمل إمساك المال أيضا و يدلّ عليه أيضا عموم على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي فإنّه و إن لم يكن متعرّضا للحكم التّكليفي بالدلالة المطابقيّة إلّا أنّه متعرّض له بالدلالة الالتزاميّة فإن استقرار الضّمان على عهدة القابض ملازم لوجوب الرد لأنّه لا أثر لاستقرار الضّمان على العهدة إلّا وجوب ردّ العين ما دامت باقية و ردّ المثل أو القيمة لو كانت تالفة فحرمة إمساك مال الغير من غير إذنه و وجوب ردّه إليه فورا بالفوريّة العرفية لا إشكال فيه إنّما الإشكال في مقامنا هذا و هو المقبوض بالعقد الفاسد من جهتين‌

الأولى توهّم أنّ الإذن المالكيّ الّذي يتضمّنه المعاملة كاف في رفع الحرمة و لكنّه ظهر جوابه سابقا و هو أنّ الإذن الّذي يرفع حرمة التصرّف هو الإذن بتصرّف القابض في ملك الآذن و التّسليط الّذي يقع من المالك إنما هو من باب الوفاء بالمعاملة نعم لو أغمض المالك عن المعاملة و أذن بالتصرّف فهو يرفع الضمان و الحرمة و لكن المفروض عدمه ثم لا فرق في حرمة التصرّف بين علم الدّافع بالفساد و جهله به لأنّ علمه بالفساد لا ينافي البناء على المعاملة تشريعا كما نرى حصوله من السارق و الغاصب و المقامر و ليس الإذن من حيث البناء على المعاملة حيثيّة تعليليّة و من الدّواعي الّتي لا يوجب تخلّفها تخلف أصل الإذن لأنّ عناوين العقود مختلفة و البيع الفاسد مغاير للعارية أو الوديعة فما بنى عليه العاقد هو البيع و لو مع علمه بالفساد لا الوديعة و إلّا لم يكن وجه لضمانه‌

الثّانية توهّم أنّ حرمة التصرّف فيما يضمن بصحيحه يضمن لا يلازم حرمته فيما لا يضمن بصحيحه كالهبة أو العارية الفاسدة فإنّه كما لا ضمان فكذلك لا حرمة أيضا فإنّ رافع الضّمان هو الرّافع للحرمة لأن تسليط المالك مجّانا لو رفع الضّمان فكذلك يرفع الحرمة و التّفكيك بينهما لا وجه له و فيه ما لا يخفى من عدم الملازمة بينهما فإنّ عدم الضمان لو كان من جهة تأثير الهبة الفاسدة الملكيّة للمتّهب لكان ملازما مع حليّة تصرّفه و أمّا لو كان من جهة التّسليط المجّاني الّذي لا أثر له إلّا أنّ العين لو تلفت بلا تعدّ و تفريط لا يضمنهما المتّهب فلا يوجب جواز التصرّف‌

و بعبارة أخرى مع فرض بقاء العين في ملك الواهب يدخل إمساك‌

132

المتّهب في تصرف مال الغير الّذي يحرم بمقتضى التّوقيع الشّريف و لا يحلّ و عموم على اليد نعم بناء على خروج اليد الّتي نشأت من تسليط المالك مجانا عن العموم بالتخصص فلا يمكن التمسّك به لحرمة تصرّف المتّهب أو المستعير في المال الموهوب و المستعار بالهبة أو العارية الفاسدة و لكن الظّاهر شمول قوله ص ما أخذت لكل أخذ حقّا كان أو لا فإنّا و إن استظهرنا منه أنّ الأخذ منصرف إلى الأخذ القهري إلّا أن الإنصاف أنّه انصراف بدويّ فإذا عمّ لكل أخذ فعدم كونه مقتضيا للضّمان في مورد التّسليط المجّاني لا ينافي في بقاء حرمته تحت العموم و هذا لا ينافي ما تقدم منّا من الملازمة بين الحرمة و الضّمان فإنّ الاستكشاف في مقام الإثبات لا يوجب التّلازم في مقام الثبوت فيمكن أن يكون التصرّف حراما و لا يكون التّلف موجبا للضمان‌

و على أيّ حال يكفي للحرمة قوله ع لا يجوز لأحد أن يتصرف و قوله ص لا يحلّ مال امرئ لأنّه مع بقاء العين الموهوبة في ملك الواهب و عدم تأثير الهبة الفاسدة في تملّك المتّهب يجب ردّها إلى الواهب و بالجملة لا إشكال في حرمة تصرف ما قبض بالعقد الفاسد و وجوب ردّه إلى مالكه فورا إنّما الكلام في أنه مئونة الرد على القابض مطلقا أو على المالك كذلك أو فيه تفصيل وجوه و الأقوى هو الأخير و حاصله أنّه لو كانت المئونة بمقدار ما يقتضيه طبعا ردّ مال الغير فهو على القابض و لو لم يكن كذلك بأن كانت زائدة عليه فلا يجب عليه و ذلك لأنّ الحكم المجعول إذا اقتضى في طبعه مقدارا من الضّرر فهو مخصّص لقاعدة الضّرر و لا أقل من عدم حكومتها عليه‌

نعم لو احتاج الرد إلى المئونة الزّائدة على المتعارف بحيث صار وجوبه بدون جبرانه من المالك إجحافا على القابض فأدلّة لا ضرر حاكمة عليه ثم لا فرق في وجوب الرد إذا كان متوقّفا على المئونة المتعارفة بين نقل القابض المال عن مكانه إلى بلد آخر أو لا مع وجود المالك في بلد القبض و أمّا إذا كان المقبوض في بلد القبض و انتقل المالك إلى مكان آخر فلا يجب نقله إليه بل يردّه إلى وكيله أو الحاكم لعدم دليل على لزوم الدفع إلى شخص المالك في هذه الصورة و يشكل الأمر لو نقله القابض من بلد القبض إلى بلد آخر و انتقل المالك أيضا إلى بلد ثالث فيحتمل أن لا يكون الرد إلى بلد القبض أو البلد الّذي انتقل إليه المالك واجبا إلّا إذا كان في بلد القبض خصوصيّة بأن يكون قيمته أغلى أو راغبه أزيد أو نحو ذلك‌

و على أيّ حال الرد إلى البلد الّذي انتقل إليه المالك لا دليل عليه إلّا إذا نقله القابض أيضا إلى هذا البلد فإنه مع مطالبته يجب دفعه إليه لأنّ ماله موجود و يستحقّ المطالبة فيجب ردّه إليه‌

[الثالث في المنافع المستوفاة]

قوله (قدّس سرّه) الثالث أنّه لو كان للعين المبتاعة منفعة استوفاها المشتري قبل الرد كان عليه عوضها إلى آخره

و يدلّ عليه مضافا إلى عموم على اليد القواعد الكليّة المستفادة من الشرع من قاعدة الإتلاف و حرمة التصرّف في مال الغير الّتي تستلزم ضمانها في المقام و منع شمول المال للمنفعة لا وجه له فإنّه أعمّ من الأعيان و المنافع لأنّه عبارة عن أمر اعتباري عقلائي يبذل بإزائه المال و الظّاهر أنّه لم يخالف أحد في المسألة إلّا ابن حمزة في الوسيلة و مستنده النبوي الخراج بالضّمان و قد تقدّم أنّ مفاده بمناسبة الحكم و الموضوع هو الضّمان الجعلي الفعليّ الأصلي الممضى من الشّارع فالقابض في المقام و إن تعهّد المبيع مثلا و تقبّل‌

133

ضمانه بإزاء إخراجه إلّا أنّ هذا التعهّد كالعدم شرعا فليس منافع المبيع له‌

و بالجملة كما أنّ النبويّ لا يشمل الضّمان القهري الّذي حكم الشّارع به من دون تعهّد من الضّامن كما في ضمان المغصوب إمّا لما استظهرناه منه من مناسبة الحكم و الموضوع و إمّا للتّخصيص كما يدلّ عليه صحيحة أبي ولاد الآتية فكذلك لا يشمل الضّمان الجعلي الّذي لم يمضه الشّارع كما في المقبوض بالعقد الفاسد لأنّ الشّارع إذا ألغى هذا التعهّد من الضّامن فوجوده كعدمه فإنّ الألفاظ و إن لم توضع للمعاني الصّحيحة إلّا أنّها لما كانت للمعاني الواقعيّة فلا تشمل ما كان وجوده كعدمه فإنّ الشّارع إذا أخرج هذا الفرد من الضّمان من المفهوم النّفس الأمري و خطّأ العرف في تطبيق المفهوم على هذا المصداق فلا وجه لأن يكون المنافع بإزاء الضّمان فلا بدّ من أن يرجع بالأخرة إلى قاعدة اليد و الحكم بأنّ منافع العين المغصوبة للغاصب كما أفتى به أبو حنيفة فابن حمزة (قدّس سرّه) في النّتيجة موافق له فإذا فسد هذان الاحتمالان و هو تملّك الخراج في الغصب و المقبوض بالعقد الفاسد انحصر في التعهّد المصدري الّذي أمضاه الشّارع‌

و هذا أيضا يحتمل وجهين الأوّل أن يكون كلّ من تعهّد لشي‌ء مالكا لمنافعه و خواصّه أي مالكا لما يستخرج منه مع بقائه كمنافع الدّار و نحوها و مالكا لما يستخرج منه مع تلفه كخواصّ العقاقير و نحو ذلك و مقتضى ذلك أن يكون منافع المبيع للبائع لو اشترط ضمانه عليه بعد قبض المشتري و كذا لو أعاده بشرط الضّمان يكون منافعه ملكا للمستعير و كذا في عارية الذّهب و الفضّة‌

و الثّاني أن يكون منشأ ضمان العين و الدّاعي عليه هو تملّك المنافع فينحصر في باب البيع و نحوه و إذا احتمل كلّ منهما تسقط الرّواية عن الاستدلال بها فلا تكون دليلا لتملّك البائع منافع المبيع و تملك المستعير منفعة العين المعارة في مورد شرط الضّمان بل ظاهرها هو المعنى الأخير بقرينة الباء الظّاهرة إمّا في السببيّة أو المقابلة و مقتضاهما أن تكون السببيّة و المقابلة من الطّرفين أي تملّك المنافع صار داعيا للضّمان و الضّمان صار سببا لكون المنافع له كما في كلّ علّة غائيّة فإنّها داعية لإيجاد الفعل و الفعل سبب لترتّبها عليه خارجا‌

و بالجملة قوله ص الخراج بالضّمان ظاهر في أنّ التّضمين كما صار سببا لأن يكون الخراج له فكذلك لحاظ الخراج صار سببا و داعيا لأن يتعهّد المال و هذا يختصّ بضمان المشتري المبيع فإنّ المقصود الأصلي من ضمان المبيع و جعل الثّمن بإزائه هو أن ينتفع به بل مناط مالية الأموال إنما هو لمنافعها و خواصّها و ممّا ذكرنا من أنّ الفرض الأصلي إنّما هو استفادة المنفعة و الخاصية يظهر أن العارية المضمونة و شرط ضمان المبيع على البائع و نحوهما خارج عن قوله ص الخراج بالضّمان‌

أمّا العارية فلأنّ الضّمان ليس بإزاء المنفعة و لا الانتفاع فإنّ المعير لا يضمن المستعير في مقابل المنفعة و الانتفاع بل ينتفع المستعير مجانا و إنّما يضمنه خوفا من تلفه و ليس المستعير ضامنا على كلّ تقدير و لذا لو لم يتلف لا ضمان عليه و هكذا في ضمان البائع المبيع إذا تلف عند المشتري‌

و قاعدة الخراج بالضمان ظاهرها أنّ الضّمان فعليّ و هو يناسب باب البيع فإنّ المشتري ضامن للمبيع و البائع ضامن للثّمن فلهما منافعهما على ما هو المرتكز من أنّ من عليه الغرم فله الغنم و هذا المعنى يستفاد أيضا من قوله ع أ لا ترى أنّه لو احترقت كانت من مال المشتري‌

134

في جواب من سأل عن منفعة المبيع في زمان خيار المشتري أي كون المنافع له إنّما هو بإزاء تلف المبيع في ملكه فإذا التزم بكون المبيع تالفا في ملكه ناسب أن يكون هذا الالتزام بإزاء ما قصده من تملّك المنافع‌

و يدلّ عليه أيضا ما ورد في الرهن فعن إسحاق بن عمّار قلت لأبي إبراهيم عن الرّجل يرهن الغلام أو الدّار فتصيبه الآفة على من يكون قال ع على مولاه ثم قال أ رأيت لو قتل قتيلا على من يكون قلت هو في عنق العبد قال ع أ لا ترى فلم يذهب مال هذا ثم قال ع أ رأيت لو كان ثمنه مائة دينار فزاد و بلغ مائتي دينار لمن كان يكون قلت لمولاه قال ع كذلك يكون عليه ما يكون له‌

و بالجملة استفادة أن من عليه الغرم فله الغنم من عدة من الأخبار لا إشكال فيه و لكن بعد ما أفاده (عليه السّلام) في صحيحة أبي ولاد ردا على أبي حنيفة أنّه ليس كلّ ضامن عين مالكا لمنفعتها فلا بدّ من تخصيص ما يستفاد منه العموم بمورد الضّمان المصدريّ الّذي أمضاه الشّارع بل بالقرينة الارتكازيّة و مناسبة الحكم مع الموضوع يستفاد اختصاص قوله ص الخراج بالضّمان بضمان المبيع و الثّمن على المشتري و البائع فلا عموم له من أوّل الأمر‌

و على أي حال ما أفاده ابن حمزة لا دليل عليه فالأقوى هو الضمان القاعدة الإتلاف و اليد و قوله ص لا يحلّ و قوله ع لا يجوز لأحد أن يتصرف في مال غيره إلّا بإذنه‌

قوله (قدّس سرّه) و أمّا المنفعة الفائتة بغير استيفاء فالمشهور فيها أيضا الضّمان إلى آخره

لا يخفى أنّ المصنف (قدّس سرّه) في ذيل هذا العنوان تارة حكم بالضّمان و أخرى بعدمه لا سيما مع علم الدافع بالفساد و ثالثة توقّف في حكم المسألة و رابعة قوى الضمان تبعا للعلّامة حيث اختاره في التذكرة ناسبا له إلى علمائنا أجمع و السرائر لدعواه الاتّفاق عليه‌

فأورد عليه السيد الطّباطبائي (قدّس سرّه) في الحاشية بأنّه لو فرضنا عدم تماميّة الأدلّة الدالّة على الضّمان فلا وجه للقول به اعتمادا على هذين الإجماعين المنقولين و لكنّه لا يخفى أنّ اختياره الضّمان أخيرا ليس لاعتماده على الإجماع المنقول مع أنّه (قدّس سرّه) منكر لحجيته في الأصول بل اعتمد على نقل الإجماع من جهة كشف اتّفاق الأعلام على شمول قاعدة اليد و الاحترام للمنافع و كيف كان الكلام في المنفعة الفائتة تحت اليد يقع في مقامين الأوّل في إثبات مقتضي الضّمان و عدمه و الثّاني في تحقّق رافعه و عدمه‌

أمّا ثبوت المقتضي فيكفي له عموم على اليد ما أخذت و المنع عن صدق الأخذ بالنّسبة إلى المنافع لا وجه له لأن أخذها هو قبضها و قبضه يتحقّق بقبض العين فهي مأخوذة بتبع أخذ العين و ليس الأخذ بمعنى القبض باليد بل بمعنى الاستيلاء و التّفكيك بين الأخذ و القبض لا وجه له نعم قد يكفي التخلية في القبض و لكن لا بمعنى أنّها قبض حقيقة بل بمعنى أنّها هو حكما و على فرض كونها قبضا فهي أخذ أيضا‌

و أمّا الرافع فتارة يتكلّم مطلقا و أخرى في مورد العلم بالفساد أمّا تحقّقه مطلقا فمدركه ما لا يضمن بصحيحه و فيه أنّ القاعدة أصلا و عكسا تجري في مصبّ العقد و المنافع خارجة عنه فيرجع فيها إلى القواعد الأخرى و كونها تابعة لملك العين إنّما هو لحكم شرعيّ تابع لصحة العقد لا ممّا أقدم عليه العاقد بالمجانيّة و إلّا لاقتضى عدم الضّمان في مورد الاستيفاء أيضا لأنّ التّسليط المجاني كما يرفع الضّمان الناشي عن اليد كذلك يرفع الضّمان النّاشي عن الإتلاف‌

و أمّا تحقّقه في مورد العلم بالفساد فتقريبه أنّ البائع حيث يعلم بفساد البيع فهو المقدم على استيلاء المشتري على المنافع مجانا و فيه أوّلا أنّه يلزم عدم الضّمان في المستوفاة أيضا و ثانيا قد تقدّم‌

135

أنّ العلم بالفساد لا ينافي البناء على الصّحة تشريعا و التّسليط الرافع للضّمان هو التّسليط على مال نفس الآذن لا التّسليم وفاء بالمعاملة و ثالثا أنّه لا نظر للمسلّط في المقام إلى المنافع لأنّه لو كان متعلّق العقد هو المنفعة بحيث كان الاستيلاء على العين من قبل المالك مقدّميا لكان للبحث عن أنّه سلّطه على المنافع مجّانا مجال فإنّ التّسليط على المنافع لو كان على وجه التعويض فهو إجارة و لو كان على وجه المجّانيّة فهو عارية‌

و أمّا لو كان العين ملحوظا استقلاليّا لا مقدّميّا كما في محلّ البحث فلا مجال للبحث في تحقّق الضّمان و عدمه لأنّه لو تحقّق التّضمين فهو بيع و إلّا فهبة فالتسليط على المنافع لا موضوع له في المقام حتى يبحث عن أنّه مع العوض أو مجّاني فالحقّ هو الضّمان مطلقا‌

و على أيّ حال لا ينبغي عدّ الأقوال في المسألة خمسة فإنّ التوقف في الحكم مطلقا أو مع العلم بالفساد ليس قولا‌

[الرابع إذا تلف المبيع فإن كان مثليا وجب مثله]

قوله (قدّس سرّه) الرابع إذا تلف المبيع فإن كان مثليا وجب مثله إلى آخره

لا إشكال في أنّ جميع ما يتعلق به الضّمان الّذي منه المقبوض بالعقد الفاسد إذا تلف فإن كان مثليا وجب على الضّامن مثله و إن كان قيميّا يجب عليه قيمته إلّا في المضمون بالعقد الصّحيح فإن ضمانه بالمسمّى على تفصيل تقدم إنّما الإشكال في أن دليل الضّمان بالمثل في المثلي و القيمة في القيميّ هل هو الإجماع أو أدلة نفس الضّمانات من قاعدة اليد و غيرها أو الآية الشريفة و هي قوله تعالى فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ

فنقول أمّا الإجماع فالظّاهر أنّ مدرك المجمعين هو أدلّة الضمانات و لا يكشف عن قول المعصوم و لا عن دليل معتبر سواها مع أنّه لمن ينعقد على مفهوم مبيّن حتى يكون النّزاع في مقام الشكّ في أنّ الضّمان بالمثل أو القيمة في الصّغرى و في تطبيق المفهوم المبيّن على المشكوك بل انعقد على مفهوم مجمل و أمّا الآية الشريفة فاستفادة المعتدى به منها في غاية الإشكال فإنّ الظّاهر كونها ناظرة إلى اعتبار المماثلة في مقدار الاعتداء فالعمدة نفس أدلّة الضّمانات و هي إن لم تكن متكفّلة بالدلالة المطابقية لكيفيّة الضّمان إلّا أنّها تدلّ عليها بدلالة الالتزام فإنّ ظاهر قوله ص على اليد ما أخذت حتى تؤدّي بعد استفادة الضّمان منه لو تلف المأخوذ أن أداء المأخوذ إنّما هو بما يعدّ أداء له عرفا و عادة و لا شبهة أنّ المرتكز في الأذهان أنّ أداء المثلي بالمثل و القيمي بالقيمة فإنّ الضّامن لو أدّاهما فكأنه لم يتلف من المضمون له شيئا من أمواله و يصدق أنّه هو الّذي أخذ منه‌

و بالجملة مقتضى النّبوي أنّ كلّ ما أدخل تحت اليد يجب على الضّامن من ردّه فما دام العين موجودة تدخل بخصوصيّاتها النوعيّة و الشخصيّة و الماليّة تحت الضّمان و إذا تلفت لا بدّ من ردّ عوضها و يعتبر في وجوب ردّ عوضها شروط ثلاثة الأوّل أن يكون التالف مما يتموّل عرفا و شرعا فمثل الخنفساء و الخمر و إن وجب ردّهما حين بقائهما لجهة حق الاختصاص الثّابت لمن أخذ منه إلّا أنّه بعد تلفهما لا يتعلّق بهما ضمان الثّاني أن يتعلّق الضّمان بما يمكن عقلا و عادة الخروج عن عهدته أي في مقام الأداء لا بدّ أن يكون ما يؤدّيه تحت قدرة الضّامن عقلا و عادة فالخصوصيّة العينيّة ساقطة حين الأداء و هكذا الخصوصيّة النّوعيّة إذا لم تكن مبذولة فلو لم يجد مثل التّالف إلّا عند من لا يبيعه إلّا بثمن كثير في العادة أو عنده من يحتاج الشراء منه إلى مصرف كثير فلا يجب ردّه‌

الثّالث أن يكون البدل هو المبدل عرفا و عادة بحيث يقال بعد أدائه أنّ التالف كأن لم يتلف و على هذا‌

136

ففي المثلي المثل هو المتعيّن و في القيميّ القيمة لأنّ بردهما كان لم يتلف من المضمون له شيئا و أمّا كون المدار على الأقرب إلى التالف فلا وجه له لأنّه مضافا إلى عدم ميزان مضبوطة له لا دليل على اعتباره إلّا أن يكون المقصود كون المثل أقرب إلى التّالف مطلقا حتّى في القيمي‌

و على أيّ حال مقتضى الشّرط الثّاني الخصوصيّة العينيّة لا يمكن أن تدخل تحت ضمان الضّامن و إلّا يقتضي تلفها سقوط الضّمان فإذا لم تكن بخصوصيتها تحت عهدة الضامن إلّا عند وجودها فلا محالة متعلّق الضّمان هو ما يعد أنه هو و هو في المثلي المثل و في القيمي القيمة إلّا على ما سيجي‌ء من أنّ الأصل هو الضّمان بالمثل مطلقا إلّا إذا قام الإجماع على كونه بالقيمة فتدبّر جيّدا‌

ثم لا يخفى أنّ التعاريف المذكورة للمثلي و القيمي كلّها تقريبيّة و لم نظفر على تعريف جامع مانع كما يظهر بالتأمّل فيها و الأجود منها ما يستفاد من تعريف المصنف (قدّس سرّه) بأنّ المثلي ما لا يتفاوت أفراد نوعه أو صنفه و لا يتميّز كل فرد منه من الآخر بحيث لو امتزج الفردان منه كمنين من الحنطة الخاصّة الكذائية من مالكين حصل الشركة القهرية بل لا يبعد أن يقال كلّ ما صحّ السلم فيه فهو مثلي و القيمي ما يتفاوت صنفا و لا يشترك فرد مع فرد آخر في جميع الصّفات و لا يصحّ السّلم فيه بحيث يتضمن المسلم فيه ثم المتيقّن من المثلي بحيث لم يكن للضّامن إلزام المالك بالقيمة ما كان له قيود أربعة‌

الأوّل أن يكون تساوي الصّفات و الآثار بحسب الخلقة الإلهيّة كالحبوبات و أمّا ما كان متساويا بحسب الصّناعة البشريّة فهو محلّ خلاف فبعضهم عدّ المسكوكات قيميّا و لعلّ وجهه أنّ المادة و الهيئة وجدتا بوجود واحد في المماثل بحسب الخلقة الإلهيّة و كلاهما ملك لشخص واحد بخلاف المماثل في الصّنيع بالمكائن فإنّ المسكوكات و كذلك الأقمشة المصنوعة في هذه الأزمنة و إن لم يكن تفاوت بين أفرادها أصلا إلّا أنّه يمكن أن يكون مادّته من شخص و صوغه أو نسجه من آخر فإذا تلف جنكل الزّهور أو اللّيرة فرد طاقة جنكل أخرى أو ليرة أخرى لا وجه له لأنّ القطن أو الذّهب من شخص و النّسج أو الصّوغ من آخر و هذا و إن لم يكن وجها لكون اللّيرة و نحوها قيميّا لأن على الضّامن ردّ ليرة أخرى و تصير بين مالك المادة و الهيئة شركة كما كانت بينهما بالنسبة إلى التّالف إلّا أنّه على أي حال ليس المتساوي في الصّفات بحسب الجعل الخلقي و الصّنع العرضيّ مثليا على جميع الأقوال فالمتيقّن هو المتساوي بحسب الخلقة الأصليّة بل مقتضى ما سيجي‌ء في تعذّر المثل من أنّ صفة المثليّة لا تسقط بالإسقاط أن يكون المثلي بالصّنع و العمل قيميا لأنّه لا إشكال في أنّ العمل الّذي به صار الشّي‌ء مثليا قابل للإسقاط فيكشف ذلك عن أنّ مثل هذه الأشياء مركّبة من أمرين المادّة و العمل و نفس المادة يمكن أن تكون مثليّة أو قيميّة و العمل يمكن أن يكون من صاحب المادّة و أن يكون من غيره سواء كان هو القابض أم غيره فإذا اشترك القابض و المقبوض منه في اللّيرة مثلا قبل العقد و القبض ثم قبضت بالعقد الفاسد فلا محالة يلاحظ ضمان ما أخذه الضّامن و لا معنى لتعلّق الضّمان بالمثل مطلقا‌

الثاني أن لا يتغيّر بالبقاء أو بتأثير من الهواء كالخضرويّات و الفواكه و كلّ ما يفسد من يومه فإنّه أيضا محلّ خلاف في كونه مثليا أو قيميّا فقد حكي عن الشّيخ في المبسوط كون الرطب و العنب قيميّا و حكى المصنف عن بعض من قارب عصره أنّهما مثليّان فالمتيقّن من المثلي بحيث لا يكون فيه اختلاف غير هذا‌

137

الثّالث أن يكون مماثله كثيرا مبذولا لما ظهر أن ما لا يمكن ردّه عادة لا يمكن أن يستقرّ في عهدة الضّامن فمجرّد صدق المثلي عليه لغة لا يوجب أن يكون الضّامن ضامنا لمثله الرّابع أن يكون تماثل الصّفات موجبا لتماثل القيمة و تقاربها و أمّا لو كان شي‌ء مماثلا لشي‌ء آخر في جميع الصّفات و الآثار و لكنّهما متفاوتان في القيمة جدّا فهذا ليس مثلا لذاك‌

و على هذا فالمتيقّن من المثلي الحبوبات و لكنّه لا بحسب الجنس و النّوع بل بحسب الصّنف كما أنّ المتيقّن من القيمي الحيوانات و ما قيل أنّ الجواري و العبيد يمكن أن تكونا مثليّة لا وجه له لأنّه على فرض أن تكون جارية متقارب الصّفة مع جارية أخرى إلّا أنّ المدار في المثلي على التّساوي في الصّفة لا التّقارب مع أنّ مقتضى الحكمة الإلهيّة أن لا يكون حيوان مماثلا لحيوان و لا متقاربا معه بحيث يعدّ أنه هو لما يلزم فيه من المحاذير الكثيرة كما لا يخفى كما أنّ عدّ أصول المعادن من المثلي لا وجه له فإنّ الحديد و النّحاس و نحوهما و إن كانت مثليّة ظاهرا إلّا أنّ التّفاوت بين أصنافها في اللّبن و الخشونة و نحوهما يلحقه بالقيمي ثم إنّه لو شكّ في كون الشي‌ء مثليّا أو قيميا فهل الأصل هو الضّمان بالمثل أو القيمة أو تخيير الضّامن لأصالة براءة ذمّته عمّا زاد على ما يختاره أو تخيير المالك لأصالة اشتغال ذمّة الضّامن أو الرّجوع إلى القرعة أو الصّلح القهريّ وجوه مبنيّة على دلالة على اليد على كيفيّة الضّمان أو أنّ المقام من دوران الأمر بين المتباينين أو الأقل و الأكثر‌

ثم على الأخير هل الدّوران بينهما في مقام الاشتغال و أصل ثبوت التّكليف حتى يكون المرجع هو البراءة أو مقام الخروج عن العهدة حتّى يكون المرجع هو الاحتياط قد يقال إنّ قوله ص على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي يدلّ على الضمان بالمثل مطلقا خرج منه ما كان قيميّا إجماعا و بقي الباقي فإنّ الظّاهر أنّ ما يستقرّ في الذّمة بمقتضى الظّرف المستقرّ هو نفس المأخوذ بجميع خصوصيّاته العينيّة و النّوعية و الماليّة فإذا تلف و لم يمكن أداء نفسه بنفسه بقيت خصوصيّة النّوعيّة و الماليّة‌

و قد يقال بحذف المضاف و التّقدير على اليد خسارة ما أخذت و دركه و غرامته لأنّه لا وجه لتعلّق الضّمان بنفس العين فإنّها ما دامت موجودة لا يتعلّق بها إلّا الحكم التّكليفي و هو وجوب ردّها فالحكم الوضعي و هو استقرارها على العهدة إنّما هو عند تلفها فمعنى على اليد أنّه لو تلف المأخوذ فخسارته على الآخذ و هو لا يقتضي إلّا قيمة الشي‌ء بل لو لم نقل بحذف المضاف أيضا نقول بأنّه لا وجه لدخول الصّفات النّوعيّة و الصّنفية تحت الضّمان حتى يقتضي كون الأصل في المضمون هو المثليّة لأنّ الصّفة لو لم توجب تفاوتا في الماليّة فهي تابعة للعين و مجرّد اقتضائه تفاوت و الرّغبات لا أثر لها فإذا كانت تابعة للعين فكما تسقط شخصي العين عن الذمّة بتلفها فكذا صفاتها النّوعيّة الغير الموجبة للتّفاوت في المالية‌

و بالجملة لا يستقرّ على العهدة إلّا ضمان ما يوجب تفاوت القيمة و المثل ليس قيمة مساويا لقيمة التالف عند التّلف دائما أو غالبا حتى يتعلّق بالذمّة و كونه أقرب إلى التّالف لا كبرى له لأنّه لا عبرة بالأقربيّة و لكن الحقّ أنّ قاعدة اليد غير متعرّضة لبيان أنّ المضمون هو المثل مطلقا إلّا ما خرج بالإجماع و لا أنّه هو القيمة لأنّه يمكن استفادة المثليّة و القيميّة كليهما على كلّ من صورتي تقدير المضاف و عدمه فإنّه لو قيل إنّ التقدير هو خسارة ما أخذت على اليد أمكن أن يقال إنّ الخسارة التي هي بمعنى الغرامة و الدّرك هي في كلّ شي‌ء بحسبه ففي القيمي هو القيمة و في المثلي هو المثل و لو قيل إن نفس‌

138

ما أخذت على العهدة أمكن أن يقال إنّ هذا المعنى لا يقتضي أن يكون الأصل هو المثل و هو في الذمّة لأنّه ليس استقرار المأخوذ في العهدة إلّا عبارة عن استقرار شخص العين و أما صفاتها الموجودة فيها و كذلك ماليتها فليست في عرض شخص العين ممّا يتعلّق به الضّمان بحيث إذا تلفت العينيّة بقت الصّفة و الماليّة و بالجملة لا تدلّ قاعدة اليد إلّا على لزوم أداء المأخوذ وضعا و تكليفا و إذا تلف فكلّ ما صدق أنه أداء له هو الّذي يتعلّق به الضّمان و هو يختلف باختلاف المثلي و القيمي ففي مورد الشكّ في كون الشّي‌ء مثليّا و قيميّا فالأصل اللّفظي لم يقم على كون الشي‌ء مثليا إلّا ما خرج و لا على كونه قيميا إلّا ما خرج فلا بدّ من الرّجوع إلى الأصول العمليّة و لا شبهة أنّه لو قلنا بأنّ القيميّ و المثلي من المتباينين فالأصل هو تخيير الضّامن لأنّه يعلم إجمالا باشتغال ذمّته بواحد من المثل أو القيمة‌

و بعد ما قام الإجماع على عدم وجوب الموافقة القطعيّة في الماليات انتهى الأمر إلى الموافقة الاحتماليّة و هي تحصل بأداء كلّ ما أراد و اشتغال ذمّته بإحدى الخصوصيّتين الّتي اختارها المالك غير معلوم فالأصل هو البراءة و لو قلنا بأنّهما من الأقلّ و الأكثر بتقريب أنّ القيمة ليست لها خصوصيّة وجوديّة مثل المثلي بل هي عبارة عن الماليّة المشتركة بين كون العين مثليّة و قيميّة فالمقام من دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر في مقام الاشتغال و أصل تعلّق الخصوصيّة في الذمّة و المرجع هو البراءة فعلى كلا التّقديرين التّخيير للضّامن‌

هذا بناء على ما ذهب إليه المشهور من أن مقتضى الضّمان المستفاد من الآية الشّريفة فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ و مقتضى قوله ص على اليد ما أخذت هو المثليّة في المثلي و القيميّة في القيمي و هكذا مقتضى الإجماع المدعى في المقام‌

و لو منعنا عن ذلك و قلنا إنّ مقتضى الآية و النبوي هو اعتبار المماثلة في جميع الخصوصيّات و الأقرب إلى التّالف هو المثل مطلقا و الإجماع على ضمان القيمي بالقيمة على تقدير تحقّقه لا يجدي بالنّسبة إلى ما لم يجمعوا على كونه قيميّا لأنّ المقام من دوران المخصّص المنفصل بين الأقل و الأكثر فالمرجع عند الشكّ هو عموم العام كما سلك هذا المسلك المصنف (قدّس سرّه) أو قلنا بأنّ الآية و النّبويّ مجملان و لكن مقتضى الاستصحاب هو تعلّق الخصوصيّة الصنفيّة و نشكّ في مقام الفراغ بكفاية القيمة فالأصل هو تخيير المالك مطلقا قلنا بأنّ القيمي و المثلي متباينان كما هو الحقّ فإنّ النّسبة بينهما نسبة الدّراهم و الدّينار مع العروض أو قلنا بأنّهما من قبيل الأقل و الأكثر‌

و توضيح ذلك في ضمن أمور الأوّل أنّ المشهور جواز المصالحة على التّالف و لو كان قيميّا بأيّ مقدار من الذهب و الفضّة و لو كان مجرّد تلف القيمي موجبا لانتقاله إلى القيمة للزم الرّبا فيما إذا كان الذّهب أزيد أو أقلّ وزنا من القيمة الثّاني عدم اعتبار تعلّق الضّمان بما يمكن أن يخرج عن عهدته عادة بل يمكن أن يتعلّق في الذمة ما لا يمكن أداؤه فعلا غاية الأمر أنه يسقط الخطاب التكليفيّ بوجوب الأداء و أمّا الوضعيّ فيمكن أن يكون في الذمّة ما لا يقدر على أدائه كما في المثلي المتعذّر أداؤه و كما في العين إذا غصبت أو أغرقت فإنّ وجوب ردّ المثل و العين في الصّورتين ساقط لأنّ الخطاب بغير المقدور قبيح و أمّا بقاؤهما في ذمّة الضّامن فلا مانع منه‌

و بعبارة واضحة مقتضى على اليد ما أخذت حتى تؤدّي أن يستقرّ في عهدة الضّامن نفس العين ما دامت موجودة فإنّ أداءها بأداء‌

139

الخصوصيّة العينيّة و أمّا إذا تلفت فلا يمكن أن يكون شخص العين في العهدة لا وضعا و لا تكليفا أمّا تكليفا فواضح و أما وضعا فلأن الذمّة و إن كانت وسيعة إلّا أن ما يدخل فيها هو الكليّات دون الأشخاص فإنّ الاعتبار العرفي لا يساعد على دخول ما يستحيل أداؤه أبدا في الذمّة بل مقتضى كون شخص العين بشخصيّتها في الذمّة سقوط الضّمان فلا محالة عند التّلف ليس خصوص العين في الذمّة إلّا أن سقوط شخصيّة العين لا يقتضي أن يكون الماليّة المتقدّرة بقيمة خاصّة في الذمّة بل يمكن أن يكون غير شخص العين من سائر الصّفات في ذمّة الضّامن و مجرّد عدم وجودها هذه الصّفات فعلا و لا يقتضي سقوطها و الانتقال إلى القيمة غاية الأمر حين مطالبة المالك تقوم الخصوصيّة أيضا و في مقام الوفاء يؤدي إمّا من الجنس أو من غير الجنس بل لو لم نقل بأنّ شخص الجارية الّتي تلفت مثلا عند القابض في ذمّته إلّا أنّ تقديرها بمجرّد التّلف بالقيمة لا وجه له بل تبقى في ذمّته غير متقدّرة بمقدار من القيمة‌

و بعبارة أخرى تتعلّق بالذمّة ماليّة المال غير متقدّرة بالقيمة و ماليّة الشّي‌ء الّتي يبذل بإزائها المال هي في الجارية عبارة عمّا يخدم المالك و في الحنطة عبارة عما يشبعه و في الثّوب عمّا يستره و نحو ذلك و هي قابلة لأن يتعلّق بها الضّمان و تكون هي في الذمّة نعم لو طالب المالك يقوّم بقيمة يوم المطالبة و تدفع بدلا عمّا في الذمة‌

الثّالث أنّ قوله ص على اليد ما أخذت حتى تؤدّي و إن كان يقتضي استقرار المثل في الذمّة في المثلي و القيمة في القيمي على ما هو المرتكز في الذّهن إلّا أنّ القيمي و المثلي حيث إنّهما محملان و الشكّ في كون الشّي‌ء مثليا أو قيميا من الشّبهة المفهوميّة فلا بدّ من الرّجوع إلى الأصل العملي و الاستصحاب يقتضي كون التّخيير للمالك و ذلك لأنّ القابض بعد أن وضع يده على المال جاء في عهدته جميع ماله دخل في ماليّة الشي‌ء تبعا لضمان العين غاية الأمر سقطت الخصوصيّة الشخصيّة و أمّا وصفه فلم يعلم سقوطه بالتّلف إلّا إذا أحرز كونه قيميّا بناء على ثبوت الإجماع على كون القيمي مضمونا بالقيمة فيستصحب اشتغال الذمّة‌

و بالجملة الأصل هو المثليّة إمّا للاستصحاب أو لما أفاده المصنف من أنه مقتضى الأدلّة الاجتهاديّة خرج منه ما علم أنّه قيمي بل بالتأمّل فيما ذكرنا ظهر أنّ في القيمي أيضا نفس المال هو بنفسه في الذمة و يقوّم يوم المطالبة و سيجي‌ء في الأقوال في القيميّات ما يوضح ذلك و على أيّ حال لا تصل النّوبة إلى القرعة لأنّها جارية في خصوص الشّبهات الموضوعيّة في بعض الموارد و لا إلى الصّلح القهريّ لأنّ مورده ما إذا لم يمكن فصل الخصومة بغيره‌

[الخامس ذكر في القواعد أنّه لو لم يوجد المثل إلّا بأكثر من ثمن المثل]

قوله (قدّس سرّه) الخامس ذكر في القواعد أنّه لو لم يوجد المثل إلّا بأكثر من ثمن المثل ففي وجوب الشّراء تردّد إلى آخره

لا يخفى أن مقصود العلّامة ليس من وجود المثل بأكثر من ثمنه وجوده كذلك بحسب القيمة السّوقيّة بل وجوده غير مبذول و عند من لا يبيعه إلّا بثمن غال و على هذا فوجوب شراء المثل في غاية الإشكال بل لا وجه له لما عرفت أنّ الشّي‌ء إذا لم يكن مثله كثيرا مبذولا فهو قيميّ و هذا من غير فرق بين التعذّر الطاري أو البدوي أي الّذي أوجب كون الشّي‌ء قيميّا من أوّل الأمر هو الّذي أوجب سقوط المثل عن الذمّة ما دام التعذّر فكون العين مثليا من أوّل الأمر لا يوجب أن يجب شراء مثله و لو ببذل مال كثير بل يسقط بالتعذّر‌

و بالجملة وجوده عنده من لا يبيعه إلا بأضعاف قيمته في حكم التعذّر و مقتضى قاعدة الضّرر عدم وجوب شرائه على الضّامن و أما لو كان كثيرا مبذولا و لكن زادت قيمته السوقيّة فيجب شراؤه و هذا الضّرر الوارد عليه لا يكون‌

140

داخلا في قاعدة لا ضرر فإنّه يعتبر في دخول الضّرر في الضّرر المنفي أن لا يكون طبع الحكم مقتضيا للضّرر فإن ترقي القيمة و تنزّلها على مساوق واحد و كل واحد منهما يقتضي ضررا على شخص فكما أنّه لو تنزّل قيمة المثل ليس للمالك مطالبة قيمة التالف أو قيمة المثل قبل تنزّل قيمته فكذلك لو ترقّى القيمة ليس للضّامن إلزام المالك لقيمة المثل قبل الترقّي‌

و حاصل الكلام أن المثلي لا ينتقل قيميّا بزيادة قيمته أو تنزّله نعم لو سقط عن الماليّة كالماء على الشّاطئ و الثلج في الشّتاء فكون المالك ملزما بقبول المثل مع أنه دفع إلى الضّامن الماء في المفازة و الثلج في الصّيف ففي غاية الإشكال فإنّ مقتضى كون الشّي‌ء مثليا أن لا يجب إلّا ردّ مثله سقط عن الماليّة أم لا و مقتضى كون الزمان و المكان دخيلا في ماليّة المال أن يكون خصوصيّة الزّمان و المكان في عهدة الضّامن إلّا أن يقال يرجع خصوصيّة الزّمان و المكان بالأخرة إلى القيمة السّوقية لأن تنزّل القيمة و ترقّيها ينشئان عن كثرة الوجود و قلّة الطّالب و عن عزّته و كثرة الطالب فإنّ الثلج في مفازة الحجاز لو لم يكن له طالب أو كان كثيرا يكون رخيصا و لو كان في الشّتاء قليل الوجود كثير الطّالب يكون غاليا‌

ثم لو قلنا بضمان خصوصيّة الزّمان و المكان فيتحقّق موضوع لنزاع آخر و هو أنّه هل المدار في الضّمان قيمة الماء في المفازة أو قيمته قبيل سقوطه عن الماليّة و سيجي‌ء ما هو الحقّ قوله (قدّس سرّه)

[السّادس لو تعذّر المثل في المثلي فمقتضى القاعدة وجوب دفع القيمة مع مطالبة المالك]

السّادس لو تعذّر المثل في المثلي فمقتضى القاعدة وجوب دفع القيمة مع مطالبة المالك إلى آخره

تنقيح المقام يستدعي رسم أمور الأوّل في بيان ميزان التعذّر فنقول قد أشرنا آنفا أنّ الّذي يوجب في ضمان العين عند تلفها استقرار القيمة في الذمّة لا المثل هو الميزان للتعذّر الطّاري للمثل‌

و بعبارة أخرى عدم وجود المماثل للعين بحسب الخلقة الإلهيّة أو مطلقا المقتضي لاستقرار قيمة العين في الذمة عند تلفها هو الموجب لصدق تعذّر المثل و لاستقرار القيمة عند تعذّر مثلها بناء على الانقلاب فالقيمي هو الّذي لا يوجد مثله أصلا كالحيوانات أو يوجد و لكن كان عزيز الوجود غير مبذول بحيث صار عزة وجوده باعثا لأن يعدّ مثله عديم المثل لأن ما لا يمكن أداؤه و لو عادة لا يمكن أن يجب ردّه إلى المالك فإذا تعذّر المثل بهذا المقدار فهو ميزان للتعذّر في المقام فالّذي يوجد في البلاد النائية أو عند ملك من المملوك لا يعدّ مثلا له فميزان التعذّر في المقام هو التعذّر في باب القرض و السّلم و على هذا فلا يجب عند إعوازه في البلد و ما حوله مما ينتقل منه إليه عادة تحصيله من الأماكن الّتي لم تجر العادة بنقل ما فيها من الحبوب و الأدهان إليه كما أنّه لو كان لنفس العين مثل في غاية العزّة أو في بلاد بعيدة لم نقل بوجوب ردّ مثلها عند تلفها‌

نعم لو شكّ في التعذّر إمّا للشكّ في وجوب المثل بعد ما كان موجودا أو للشكّ في إلحاق هذا المقدار من العزة بالقيمي مع وجود المثل ابتداء فمقتضى الاستصحاب بقاء المثل في الذمة بلا إشكال و هذا بخلاف الشك في باب ضمان العين في أنّه مثلي أو قيمي فإنّه لا أصل يعين كون الذمّة مشغولة بالمثل كما أنّه مع العلم بكون العين مثلية لو تعذّر مثلها ابتداء و شكّ في أنّ هذا التعذّر يوجب أن يكون المثل قيميا أم لا فلا أصل الثّاني هل التعذّر موجب لانقلاب المثل أو العين إلى القيمة أو يبقى في الذمّة إلى حين مطالبة المالك أو إلى ردّ الضّامن وجهان و الأقوى عدم الانقلاب فإنّ مجرّد عدم وجود المثل لا يوجب أن ينتقل إلى القيمة و الحكم كذلك في باب السّلم‌

141

و القرض فليس للضّامن من إلزام المالك بأخذ القيمة‌

و لا يقال ما لا يمكن أداؤه لا يمكن أن يثبت في الذمّة و لذا يسقط الخصوصيّة العينية بتلف العين و ينتقل ما في الذمّة إلى المثل أو القيمة لأنا نقول فرق بين تلف العين و إعواز المثل من جهتين‌

الأولى أنّ الخصوصيّة العينيّة لا يمكن أن تدخل في الذمّة بل الصّفات و الكليّات قابلة لأن تدخل في الذمّة نعم الشخص يدخل تحت العهدة بمعنى أنّه ما دام موجودا فعلى الضّامن ردّه فدليل اليد يقتضي ضمان الجامع بين العين و البدل فإنّ أداء المضمون إنّما هو بأداء الأعمّ من أداء شخصه و بدله فسقوط العين عن الذمّة تكليفا و وضعا لا يقتضي سقوط المثل في المثلي المتعذّر مثله كذلك فإن الصّفات كالكلي قابلة لأن تبقى في ذمّة الضّامن‌

و الثّانية أن حكم تعذّر المثل حكم تعذّر العين لا حكم تلفها فإنّه لو تعذر العين لا ينتقل في العهدة إلى القيمة بل تبقى نفس العين في العهدة و إنّما يجب على الضّامن بدل الحيلولة عند مطالبة المالك‌

ففي المقام أيضا لا وجه لسقوط ضمان المثل غاية الأمر أنّه يقع نزاع آخر و هو أنّه هل للمالك المطالبة بالقيمة بإلقاء خصوصيّة المثليّة أم لا وجهان و الأقوى جواز إلقاء الخصوصيّة لأن الحقّ للمالك و صبره إلى وجود المثل ضرر عليه بل له الاكتفاء بالقيمة أيضا و إن لم يكن ضررا عليه فإنّ ماليّة ماله و قيمة ملكه ممّا يمكنه المطالبة من الضّامن فإذا اكتفى بالقيمة بدل ماله فليس للضّامن من الامتناع منه‌

ثمّ إنّه لا فرق بين التعذّر الطاري للمثل و التعذّر الابتدائي سواء قلنا بالانقلاب أم لم نقل كما هو الأقوى فإنّ ظاهر عنوان التّذكرة في قوله لو تلف المثلي و المثل موجود ثم أعوز و إن كان اختصاص النّزاع بالتعذّر الطاري بل هو صريح جامع المقاصد لأنّه قال لو تعذّر المثل ابتداء يتعين حينئذ قيمة يوم التّلف إلّا أنّ الأقوى عدم الفرق بينهما فإنّ غاية ما يتوهم من الفرق أنّ التعذّر البدوي بمنزلة كون العين قيميّة و لكنّه فاسد فإنّ القيمي ما لا يوجد له مثل في الصّفات كالحيوانات و الفيروزج و العقيق و نحو ذلك لا ما كان في جنسه مثليا و لم يوجد مثله من باب الاتّفاق في عصر من الأعصار مع وجوده قبل ذلك و بعده فمن التزم بأنّ التعذّر الطاري لا يوجب الانقلاب فيجب أن يلتزم بأنّ التعذّر الابتدائي أيضا كذلك‌

و بعبارة أخرى كما أنّ استدامة وجود المثل ليس شرطا لتعلّق الضمان بالمثل بل يمكن بقاء المثل في الذمّة مع إعوازه فكذلك التمكّن منه ليس شرطا لحدوثه نعم بين التعذّر البدوي و الطاري فرق من جهة أخرى و هي أنّ التعذّر البدوي قد يوجب الشكّ في أنّ العين مثليّ أو قيمي و لكن هذا الشكّ مندفع بملاحظة وجود المماثل للعين قبل ذلك أو بعده و كيف كان العين إذا كانت مثليّة لا تنتقل إلى القيمة بمجرّد تعذّر مثلها سواء تعذّر حين تلف العين أو بعده‌

ثم لا فرق في التعذّر بين أن يكون خارجيا أو شرعيا كما لو فرض أنّ جميع مماثل العين صار نجسا و لا يمكن تطهيره كالدهن أو الخلّ صار خمرا و هكذا فللمالك إلقاء الخصوصيّة و المطالبة بالقيمة‌

الثّالث هل إلقاء الخصوصيّة و التّجاوز عن الصّفات موجب لسقوطها عن ذمّة الضّامن بحيث إنّه لو وجد المثل بعد المطالبة و قبل الأداء لا يجب عليه ردّه أم لا تسقط إلّا بالأداء لا بالإسقاط و ليست كالدّين قابلة للإسقاط وجهان و الأقوى عدم سقوطها بالإسقاط لأنّها لم يتعلّق بها ضمان مستقلا بل هي تابعة للعين و من الكيفيّات و إبراؤها بإبراء منعوتها فمجرّد مطالبة المالك ماليّة العين لا يوجب سقوط المثل‌

142

عن ذمّة الضّامن‌

نعم بعد أداء القيمة يسقط حقّه عن المثل و لو وجد بعده لأنّ الأداء بما جعله المالك مصداقا لوفاء حقّه صار مصداقا له فلا ينتقل ثانيا عمّا وقع عليه و هذا الكلام يجري في القرض و البيع و مال الصّلح و كلّ كلّي تعلّق بالذمة فإنه بأحد مصاديقه أو بأداء غيره في مقام الوفاء يسقط ما في الذمّة و الفرق بين الأداء بمصداقه و بغيره أنّه لو أدّاه بغيره يحتسب مقدار ماليّته أي لو تجاوز عن خصوصيّة الحنطة و رضي بالدهن يحسب الدّهن بمقدار قيمة الحنطة و أمّا لو أخذ حنطة أخرى من هذا الصّنف فيؤخذ بمقدار نفس المضمون‌

و بالجملة للمالك الرّضا بالفاقد و لكنّه لو لم يؤدّه الضّامن بقي المثل بخصوصيّاته تحت الضّمان فإنّ الرّضا لا يوجب الانقلاب و إنّما يوجبه الأداء لما ثبت في باب القرض أنّ ما رضي به المالك أداء لماله يتحقّق به الأداء إذا عرفت ذلك ظهر أنّ القول الموافق للتّحقيق هو عدم انقلاب المثل و لا العين التّالفة و لا القدر المشترك بينهما إلى القيمة بل يبقى المثل في الذمّة إلى أوان الفراغ منه بدفع القيمة من غير فرق بين التعذّر الطاري و التعذّر الابتدائي فإنّ بعد فرض كون العين مثليّة لا فرق بينهما فالانقلاب إلى القيمة لا وجه له فالأقوال الأربعة و الخمسة في القيميات لا تتطرق في المقام لأنّها من قبيل السّالبة بانتفاء الموضوع‌

نعم بناء على الانقلاب فالتعذّر الابتدائي موجب لانقلاب العين إلى القيمة و هذا بخلاف التعذّر الطاري فإنّه يمكن أن يقال بانقلاب المثل إلى القيمة و وجهه ظاهر و هو أنّ تلف العين صار موجبا لتعلّق الضّمان بالمثل فإذا تعذّر المثل فمقتضى ما يقال إنّ كل ما لا يمكن أداؤه لا يمكن أن يبقى في الذمّة هو انقلاب المثل إلى القيمة و يمكن أن يقال بانقلاب نفس العين التّالفة إلى القيمة و وجهه على مسلك المصنف (قدّس سرّه) من أنّ المدار في باب الضمان الأقرب إلى التّالف ظاهر لأنّ المثل للعين التّالفة ما دام موجودا فهو المضمون فإذا تعذّر فالأقرب إليها هو قيمتها لا قيمة المثل‌

و أمّا وجه انقلاب القدر المشترك إلى القيمة فقد يتوهم في بادي النّظر أنّه لا وجه له أصلا إذ العين بعد ما كانت مثليّة و بعد وجود مثلها في أوّل الأمر إمّا أن تنقلب هي إلى القيمة أو مثلها و لم يكن الجامع بينهما في الذمّة في زمان حتّى ينقلب هو إلى القيمة و لكن بالتأمّل فيما ذكره المصنف (قدّس سرّه) وجها له يظهر أنّ له وجها وجيها و حاصله أنّه بناء على استقرار ارتفاع القيم في الذمّة و سقوطه بأداء نفس العين في القيميات يقتضي في المقام القول باستقرار ارتفاع قيمة العين و المثل كليهما و يسقط بأداء المثل و أمّا لو تعذّر أداؤه فيبقى في العهدة و ينتج هذا انقلاب القدر المشترك إلى القيمة‌

و بالجملة لو قلنا بضمان القيمي بأعلى القيم من حين الغصب إلى حين التّلف ينتج في المقام ضمانه بأعلى القيم من حين أخذ العين إلى زمان إعواز المثل لأنّ معنى الضّمان بأعلى القيم هو استقرار مراتب القيمة السّوقيّة في عهدة الضّامن بشرط تلف المضمون و أمّا مع بقائه فيرتفع ضمان أعلى القيم برده و حيث إنّ العين في المقام مثلية فكما أنّ ردّ نفس العين يوجب سقوط ارتفاع القيمة فكذلك ردّ مثلها فإذا تعذّر ردّ مثلها كما تعذّر ردّ نفسها بقي ارتفاع القيمة في الذمّة و هذا معنى أنّ الجامع بين العين و المثل ينقلب إلى القيمة و كيف كان فالاحتمالات في المسألة كثيرة‌

و توضيح الصّور المنتجة للثمرة موقوف على بيان الأقوال في القيميّات فنقول قد يقال بقيمة يوم الغصب و ما يلحق بالغصب أي قيمة يوم دخول العين تحت يد الضّامن و قد يقال بقيمة يوم التّلف و قد يقال بقيمة يوم الدّفع و قد يقال بأعلى القيم‌

143

من يوم الغصب إلى يوم التّلف و احتمل المحقّق الأعلى من زمان الغصب إلى زمان الدّفع‌

و على هذا فبناء على المختار و هو عدم الانقلاب فالمدار على قيمة يوم الدّفع و هو أحد الأقوال أو الاحتمالات في المسألة و يتّحد في النتيجة مع المختار انقلاب العين أو المثل إلى القيمة على القول بيوم الدفع في القيميّات فإنّ قيمة العين أو المثل يوم الدّفع قيمة واحدة لا محالة‌

و الاحتمال الثّاني قيمة يوم أخذ العين و الثّالث قيمة يوم تلفها و الرابع الأعلى من يوم أخذها إلى يوم تلفها أو إلى يوم دفع القيمة و هذه الاحتمالات الثلاثة الأخيرة مبنيّة على انقلاب العين إلى القيمة بتعذّر مثلها و الخامس قيمة يوم تلف العين بناء على انقلاب المثل إلى القيمة و كون المدار في القيميّات على زمان الضّمان فإن أوّل يوم دخل المثل في الذمّة هو يوم تلف العين و السّادس يوم إعواز المثل و السّابع الأعلى من زمان تلف العين إلى يوم الإعواز و وجه هذين الاحتمالين ظاهر فإنّ الأوّل مبنيّ على انقلاب المثل إلى القيمة و كون المدار في القيميّات على يوم التّلف و الثّاني على هذا المبنى أيضا و كون المدار على الأعلى من زمان الضّمان إلى يوم التّلف فإنّ يوم إعواز المثل هو يوم تلفه و الثّامن الأعلى من زمان دخول العين تحت اليد إلى زمان دفع القيمة و قد بيّنا وجهه‌

و لا يخفى أنّ غير هذه الاحتمالات إمّا لا يبتني على أساس و إمّا لا ينتج ثمرة أي لا يتفاوت بها القيمة مع المحتملات المذكورة و كيف كان فقد عرفت أنّ الأقوى عدم الانقلاب و أنّ مجرّد المطالبة لا يوجب سقوط الخصوصيّة فالمدار على قيمة يوم الدّفع فإنّ القيمة في هذا اليوم تكون وفاء للمال‌

ثم إنّه ينبغي التّنبيه على أمور الأوّل أنّ من فروع تعذّر المثل ما إذا أسقط السّلطان دراهم و روّج غيرها بناء على كونها مثليا فإنّ ذلك قد يوجب تعذّر ما أسقطه كما إذا صار عزيز الوجود و في غاية القلّة و قد لا يوجب تعذّره و هذا على قسمين فإنّه تارة يسقط عن الماليّة رأسا و أخرى تنقص عنها كما إذا كان فضّة أو ذهبا فإذا تعذّر ما أسقطه فحكمه حكم تعذّر المثل في المثليّات و قد تقدم أنّه لا وجه لانقلابه إلى القيمة‌

و أمّا لو لم يتعذّر فإذا سقط عن الماليّة فحكمه حكم التلف فينتقل إلى القيمة نظير الجمد في الشتاء و الماء على الشّاطئ لو اقترضهما في الصّيف في مفازة اليمن و الحجاز مثلا و أمّا إذا لم يسقط عن الماليّة ففيه قولان قول بأنّه يرد مثل الدّراهم السّابقة أو عينها إذا كانت موجودة سواء كان منشأ تعلّق الضّمان بها العقود المضمنة كالبيع و القرض أم قاعدة اليد و الإتلاف و قول بأنّه يردّ الرّائجة إذا كانت مساوية للسّابقة في الوزن و القيمة أو يردّ من غير الجنس بقيمة السّابقة‌

و بالجملة لو نقصت قيمة السّابقة فالمشهور على أنّ نقصان القيمة ليس مضمونا و ذهب بعضهم إلى أنّه مضمون فلا بدّ من ردّ ما يساوي القيمة السّابقة فيردّ من الرّائجة لو كانت في الوزن و القيمة مساوية للسّابقة كما قد يتّفق نادرا أو من غير الجنس لو كان بينهما تفاوت حتى لا يلزم الرّبا و منشأ الاختلاف اختلاف الأخبار في المسألة ففي مكاتبة يونس إلى أبي الحسن الرّضا ع أنّه كان لي على رجل عشرة دراهم و أنّ السّلطان أسقط تلك الدّراهم و جاءت بدراهم أعلى من تلك الدّراهم الأولى و لها اليوم وضيعة فأيّ شي‌ء لي عليه الأولى الّتي أسقطها السّلطان أو الدّراهم الّتي أجازها السّلطان فكتب ع لك الدّراهم الأولى و عن العبّاس بن صفوان قال سأله معاوية بن سعيد عن رجل استقرض دراهم عن رجل و سقطت تلك الدّراهم أو تغيّرت و لا يباع بها شي‌ء لصاحب‌

144

الدّراهم الدّراهم الأولى أو الجائزة الّتي تجوز بين النّاس فقال لصاحب الدراهم الدّراهم الأولى‌

هذا مدرك المشهور و مدرك غيرهم مكاتبة أخرى من يونس قال كتبت إلى الرّضا ع أنّ لي على رجل ثلاثة آلاف درهم و كانت تلك الدّراهم تنفق بين الناس تلك الأيام و ليست تنفق اليوم فلي عليه تلك الدّراهم بأعيانها أو ما ينفق اليوم بين النّاس قال فكتب إليّ لك أن تأخذ منه ما ينفق بين النّاس كما أعطيته ما ينفق بين النّاس و في الوسائل عن الصّدوق أنّ الحديثين متّفقان غير مختلفين فمن كان له عليه دراهم بنقد معروف فليس له إلّا ذلك النّقد و متى كان له دراهم بوزن معلوم بغير نقد معروف فإنّما له الدّراهم الّتي تجوز بين النّاس‌

و نحن نقول مع قطع النّظر عن الأخبار و إمكان الجمع بينها و عدمه أن مقتضى القاعدة عدم الفرق بين الصّفات الدّاخليّة و الخارجيّة في الضّمان إلّا إذا رجعت الصّفة الخارجيّة إلى تفاوت الرّغبات أي القيمة السوقيّة من غير فرق بين أن يكون الموصوف بها مضمونا بالعقد أو باليد و الإتلاف فإنّ الأوصاف و إن كانت تابعة و لم تدخل تحت اليد و العقد مستقلا إلّا أنّها تدخل تحتها للشّرط الضّمني أو الصّريح كما في باب العقود أو تبعا كما في باب اليد و نحوه‌

و مجرد كون الوصف خارجيّا كرواج السّلطان الموصوف به لا يوجب خروجه عن تحت الضّمان فإنّ الرّواج نظير كون المال في محل كذا أو زمان كذا الّتي بها يتفاوت ماليّة الأموال بل لا شبهة أنّ الاعتبار ليس بذات النّقد من حيث هو بل برواجه عند الناس و هذا بنفسه خصوصيّة في المال من غير جهته السّوقيّة و تفاوت الرّغبات فإنّ كلّ صفة و إن رجع دخلها في الموصوف في الحقيقة إلى الرّغبة الّتي بها يتغيّر سعر السوق حتى مثل كتابة العبد إلّا أنّه لا شبهة أنّ في مقام الاعتبار فرق بين الرّواج أو كون المال في محلّ كذا و زمان كذا و بين القيمة السّوقيّة فعدم التزامنا بضمان زيادة القيمة السّوقيّة لا يلازم الالتزام بعدم ضمان الرّواج و صفة كونه في محلّ كذا هذا ما تقتضيه القاعدة‌

و أمّا جمع الصّدوق فحاصله ظاهرا أنّه لو كان الدّراهم السابقة بقيمة الدّراهم الرّائجة فله الدّراهم السّابقة و إلّا فله الدّراهم اللّاحقة و لا يخفى أنّ هذا التّفصيل لا يظهر من الأخبار بل مفروض السّؤال أنّ السّابقة ساقطة عن درجة الاعتبار و إن لم يخرج عن القيمة لكونه ذهبا أو فضّة و جمع الشّيخ بين الأخبار بحمل ما ينفق بين النّاس على معنى قيمة ما كان ينفق و حمل الدّراهم الأولى في الخبرين على قيمة الدّراهم الأولى‌

و حاصل جمعه أنّه ليس له الدّراهم الرّائجة و إنّما له قيمة الدّراهم السّابقة و هذا أيضا خلاف ظاهر كلّ من الطّائفتين فإنّ ظاهرهما عين الدّراهم السّابق أو ما ينفق فالصّواب أن يجعل الطّائفتين من قبيل الإطلاق و التّقييد فإن قوله ع الدّراهم الأولى مطلق من حيث ضمّ تفاوت السكّة و عدمه إليها و قوله ع لك أن تأخذ منه ما ينفق بين النّاس مقيّد له أي تأخذ الدّراهم الأولى بقيمة ما ينفق‌

الثّاني قد أشرنا أنّه لا فرق في عدم انقلاب المثلي المتعذّر مثله إلى القيمة بين أن يكون التعذّر طارئا و أن يكون ابتدائيا لأن الملاك متّحد فيهما إلّا أنّ هذا إنّما هو في المضمون باليد و أمّا المضمون بالعقد كالسّلم و القرض ففي مورد التعذر الابتدائي يشكل أصل صحّة التعهّد أمّا السّلم فالظّاهر اتّفاق الأصحاب عليه و وجهه أنّ من لا يمكنه أداء الحنطة مثلا حال حلول الأجل‌

145

يدخل بيع الحنطة فيما لا يقدر على تسليمه و أمّا القرض فإنّا و إن لم نجد من صرّح بالبطلان و لكن لو جعل للقرض مدّة لا يمكنه ردّ العين المقترضة و لا مثلها كما لو اقترض بطّيخا و نحوه ممّا يفسد في هذه المدّة و لا يوجد مثله فأصل صحّة القرض مشكل حتّى يقال بالانقلاب أو عدمه‌

ثمّ إنّه هل يفرق بين التعذّر الموقّت و التعذّر الدّائمي أم لا وجهان أقواهما الثّاني لأنّ غاية ما يوجّه به الفرق أنّ في التعذّر الموقت لبقاء المثل في ذمّة الضّامن أثر عقلائيّ فللمالك الصّبر إلى زمان وجود المثل و أمّا التعذّر الدّائميّ كالدّراهم السّاقطة رأسا فمضافا إلى أنّه لا يترتّب أثر على بقائه في الذمّة لا يمكن أن يتعلّق به الضّمان شرعا لأنّ ما لا يمكن أداؤه كيف يبقى في الذمّة فلا بدّ من القول بسقوط المثل عن الذمّة كسقوط خصوصيّة العين عنها بعد تلفها و لكنّه فاسد‌

أمّا عدم ترتّب الأثر على بقاء المثل في الذمّة ففيه أنّ له أثرا و هو عدم إمكان إلزام الضّامن المالك بأخذ القيمة و ثبوت التّخيير للمالك بين المطالبة و الصّبر و في هذا الأثر كفاية لأنّه قد يتّفق أن دفع الضّامن القيمة موجب لتضرّر المالك و كون المال في ذمّة الضّامن أنفع له‌

و أمّا مسألة أنّ ما لا يمكن أداؤه لا يمكن أن يكون في الذمّة ففيه أنّه و إن لم يمكن تعلّق التّكليف بالردّ إليه لخروجه عن القدرة إلّا أنّ الوضع لا يتوقّف على القدرة فالأقوى في جميع الصّور الأربع من التعذّر البدوي و الطّاري الموقّت و الدائمي عدم الانقلاب و لا يقاس المثل المتعذّر على العين الشّخصيّة إذا تلف فإنّ العين التّالفة لا يمكن دخولها في الذمّة رأسا فإنّ الذمّة ظرف للكليّات لا الأعيان فتلف العين موجب لسقوط الخصوصيّة الشّخصيّة و هذا بخلاف تعذّر المثل فإنّه لا وجه لسقوطه عن الذمّة‌

الثّالث بعد ما ثبت أنّ للمالك التّجاوز عن الخصوصيّة و مطالبة القيمة فيتفرّع عليه أنّ المناط في معرفة القيمة مع عدم وجود المثل هل بفرض وجوده في غاية العزّة أو بفرض وجوده كثيرا مبذولا أو المتوسّط بينهما وجوه و الحقّ هو الأول و لكن لا في مورد صار عزّة وجوده موجبا لأن يعد مثله عادم النّظير بل المقصود أنّه لو صار عزّة وجوده موجبا لغلائه فقيمته في حال غلائه يستقرّ في ذمّة الضّامن لأنّ المال حينئذ مثليّ فإنّه آخر أزمنة وجود المثل و بعد ذلك لو وصل عزّته بحيث لا يباع إلّا بإزاء عتاق الخيل فهذا يعدّ متعذّرا‌

ثم إنّ هذا بناء على عدم الانقلاب و أمّا بناء على الانقلاب سواء قيل بانقلاب العين أم المثل فمقدار القيمة معلوم لأنّ العين أو المثل في يوم الضّمان أو يوم التّلف أو يوم الإعواز إمّا موجود أو كان موجودا ثم تلف أو أعوز فلا تخفى قيمته الرابع قد عرفت أنّه لو أخذ المالك قيمة المثل المتعذّر فليس له مطالبة المثل لو تمكن الضّامن منه لأنّ قبض المالك ما عينه مصداقا لوفاء ماله يوجب تعيين حقه في المقبوض و أمّا لو لم يقبضها فنفس المطالبة و إسقاط الخصوصيّة غير موجب للتّعيين لأنّ غاية الأمر أنّه يصير القيمة بالمطالبة من أحد مصاديق الكلّي الثّابت في الذمّة و تعيين الكلّي في المصداق الخاصّ إنّما هو بقبض المالك فلو لم يقبضه لم يكن وجه لتعيّنه بل لو قيل بالانقلاب أيضا يمكن القول بأنّ الانقلاب ما دام التعذّر فبعد التمكّن يرجع الأمر إلى ما كان عليه‌

و على أيّ حال فبناء على عدم الانقلاب لا إشكال في أن للمالك مطالبة الضّامن بالمثل عند تمكّنه إنّما الكلام في أنّ له المطالبة به و لو في غير بلد الضّمان أو لا و هذا النّزاع يجري في مطالبة العين و القيمة أيضا‌

146

و توضيح ذلك أنّ في المقبوض بالعقد الفاسد و نحوه تارة يكون العين موجودة و أخرى تالفة و على الثّاني إمّا يكون العين قيميّة أو مثليّة و على الثّاني إمّا المثل موجود أو متعذّر فلو كان العين موجودة قيل بجواز مطالبة المالك بها من الضّامن في أي بلد أراد سواء كان قيمة العين في بلد المطالبة أزيد عن قيمتها في بلد الضّمان أم لا لعموم النّاس مسلّطون على أموالهم و لقوله ص حتّى تؤدّي فيجب من باب المقدّمة ردّها إليه‌

و فيه أنّ عموم السّلطنة إنّما هو باعتبار أنحائها من البيع و الصّلح و نحوهما و أمّا بالنّسبة إلى الأشخاص الّذين كانت الأموال في عهدتهم فلا عموم لها و أمّا على اليد فلا يدل إلّا على وجوب أداء المضمون و أمّا ردّه إلى شخص المالك أو وكيله أو الحاكم الشّرعي فليس في مقام بيان ذلك فلو كان المالك في بلد الغصب و الغاصب أخرج المال إلى بلد آخر فليس على الضّامن إلّا تخلية اليد عن المال لا رده إلى مالكه و إن فعل محرّما بالإخراج إلّا أنّ الظّاهر من الفقهاء أنّ للمالك إلزام الغاصب بالرّد إلى بلد الغصب‌

و على أيّ حال لو كان للأمكنة خصوصيّة في الماليّة بحيث عدّ عرفا كونه في هذا المكان من صفات المال كسائر الصّفات من السّمن و الكتابة و نحوهما فيجب على الغاصب تفاوت القيمة أو رد المال إلى بلد الضّمان بل لو أخرج المال إلى بلد يكون المال فيه في غاية الغلاء ثمّ ردّه إلى بلد الرّخص يجب عليه ردّ تفاوت القيمة لأنّه بمنزلة صيرورة المغصوب كاتبا عند الغاصب أو سمينا ثم زال سمنه أو كتابته عنده‌

و أمّا لو كان المالك في غير بلد الضّمان فلا يجب على الضّامن ردّ المال إليه و لا تفاوت القيمة لو كانت قيمة المال في البلدة الّتي كان المالك فيها أزيد من بلد الضّمان لأنّه لم يدل دليل على تسلّط المالك بالمطالبة في أيّ بلد أراد و لا موجب لضمان الضّامن تفاوت القيمة بين البلدتين في هذه الصّورة و أمّا لو كانت العين تالفة فإذا كانت مثليّة فحكم المثل حكم العين في التّفصيل المتقدم و أمّا لو كانت قيميّة أو تعذّر المثل فيجب عليه قيمة العين أو المثل مع الخصوصيّة على ما تقدم‌

و بالجملة لو لم يكن للمال خصوصيّة من حيث الزّمان أو المكان فوجوب ردّه إلى شخص المالك في أيّ بلد طالبه لا دليل عليه بل يرد إلى وكيله أو إلى الحاكم الشّرعي أو إلى عدول المؤمنين أو إلى فسّاقهم و مع تعذّر المراتب الطّولية السّابقة يعزله عن ماله و يحفظه لمالكه و لو تلف فحكمه حكم ضمان الدّين و الخمس و الزّكاة بل الضّمان في باب الغصب و المقبوض بالعقد الفاسد لا إشكال فيه فإنّه ليس داخلا في الأمانات الشّرعيّة أو المالكيّة فتأمّل‌

ثم لا يخفى أنّه بناء على دخل الأزمنة و الأمكنة في ماليّة الأموال لا وجه لما أفاده المصنف في مسألة خروج المثل عن القيمة كالماء على الشّاطئ و الجمد في الشتاء من احتمال ضمان آخر مكان أو زمان سقط المثل فيه عن الماليّة لأنّه يجب عليه ردّ جميع هذه الخصوصيّة فيلاحظه قيمة الماء في المفازة و قيمة الجمد في الصّيف‌

[السّابع لو كان التّالف المبيع فاسدا قيميّا فقد حكي الاتّفاق على كونه مضمونا بالقيمة]

قوله (قدّس سرّه) السّابع لو كان التّالف المبيع فاسدا قيميّا فقد حكي الاتّفاق على كونه مضمونا بالقيمة إلى آخره

قد تقدّم أنّ المرتكز في الأذهان لزوم ردّ المثل في المثلي التّالف و القيمة في القيمي و تقدم ميزان المثليّة و القيميّة فإذا كان أداء القيمة في القيميّات ارتكازيا فلو لم يقم دليل على خلافه فلا بدّ من الالتزام به و حمل الأدلّة العامّة عليه هذا مع أنّ الأخبار الخاصّة الدالّة على وجوب القيمة في العبد و الغنم و نحو ذلك تشهد للمدّعي و لم ينقل الخلاف إلّا عن الإسكافي و الشّيخ و المحقّق في الخلاف و الشّرائع في باب القرض‌

147

و لكنّه يمكن توجيه كلامهما بأنّ المتعارف في باب القرض لا سيّما بالنسبة إلى الرّغيف أنّ وجوب ردّ مثله و لو في بعض الصّفات من باب الشّرط الضّمني و تقدم أيضا أنّه لم ينهض دليل على وجوب ردّ الأقرب إلى التّالف مع أنّه ليس له ميزان مضبوط لإمكان أن يكون شي‌ء أقرب إلى التّالف من جهة و شي‌ء آخر من أخرى فوجوب ردّ القيمة في القيميّات لا إشكال فيه إنّما الكلام في أنّ المدار على قيمة يوم دخول العين تحت العهدة أو يوم التّلف أو يوم الدّفع أو أعلى القيم من زمان أخذ العين و دخولها تحت الضّمان إلى زمان التّلف أو إلى زمان الدّفع وجوه بل أقوال منشأ القولين الأوّلين الاختلاف في فعليّة الضّمان يوم الأخذ و تعليقيّته‌

فمن قال بتحقّق الضّمان فعلا بمجرّد الأخذ غاية الأمر أنّه مشروط بشرط متأخّر و هو تلفها قال بقيمة يوم الأخذ و من قال بأنّ الضّمان تعليقيّ أي يجب الخروج عن عهدة العين إذا تلفت قال بيوم التّلف ثم إنّ الاختلاف في صحّة ضمان الأعيان و عدمها ناش عن الاختلاف في الفعليّة و التّقديريّة لأنّه لو كان الضّمان حين وجود العين فعليا بحيث يجب الخروج عن عهدة قيمتها فعلا فيصحّ لغير الآخذ أن يضمنها لأنّه ليس ضمانا لما لم يجب و أمّا لو كان الضّمان تعليقيّا فضمان الغير ضمان لما لم يجب و منشأ القول بيوم الدّفع أمران‌

الأوّل أنّ العين بخصوصيّتها الشخصيّة في عهدة الضّامن حين وجودها و حين تلفها لأنّ الذمّة أمر وسيع و لا وجه للانقلاب إلى القيمة بمجرّد التّلف فإذا أمكن أن يتعلّق بها الضّمان على نحو الجامع بين الحالتين فنتيجته تختلف باختلاف الأحوال فمع التمكّن من ردّ العين يجب أن تردّ بشخصها و مع التعذّر لغرق و نحوه يردّ بدل الحيلولة و مع تلفها و ما بحكم التّلف كخروجها عن الماليّة شرعا يجب ردّ مثلها إن كانت مثليّة و إلّا فقيمتها و لكنّك خبير بأن هذا مما لا يمكن الالتزام به‌

أمّا أوّلا فلما عرفت من أنّ جعل الأداء غاية للتعهّد و الضّمان ملازم لاعتبار تعلّق الضّمان بما يمكن أداؤه و شخص العين حين التّلف ممّا لا يمكن أداؤه فلا يمكن أن تكون بنفسها تحت الضّمان و تقدم أنّ الذمّة ظرف للكليّات لا الخارجيّات و ثانيا أنّ لازم ذلك إمّا الالتزام بسقوط الضّمان و إمّا بعدم تعيّن قيمة يوم الأداء لأنّ الخصوصيّة لو كانت مضمونة حين التّلف لزم التّكليف بغير المقدور فلا بدّ أن يسقط الضّمان و أداء القيمة ليس أداء للمصداق فلا وجه لسقوط ما في الذمّة بأمر مباين له إلّا بالتراضي و لا يعقل تعين القيمة للبدليّة بنفسها و لو لم تكن مضمونة حين التّلف إلى زمان الأداء فلا موجب لتعيّن قيمة يوم الأداء‌

الثّاني أن قوام الشي‌ء بماليّته و أمّا خصوصياته الشخصيّة و المثليّة فهي من قبيل الفضلة فما يبقى في الذمّة ما هو الرّكن للشّي‌ء و هو ماليّته الّتي هي عبارة عمّا ينتفع به من غير تقديرها بقيمة فلو كان المأخوذ هو الحقّة من الحنطة مثلا فإذا تلفت بقي في الذمّة ما يشبع عشرة أنفس إلى زمان المطالبة فإذا طالبها المالك فيقوم بقيمة هذا اليوم لا يوم الأخذ و التّلف و منشأ القول بأعلى القيم هو كون تفاوت الرّغبات أي القيمة السّوقيّة مضمونة‌

ثم إنّ ضمان الأعلى مع كون المبدإ يوم الأخذ و المنتهى يوم التّلف أو الدّفع مبتن على أمور ثلاثة الأوّل كون الضّمان يوم الأخذ فعليا الثّاني تعلّق الضّمان بالأمور الخارجة عن ماليّة الأموال فيكون حكم قلّة المال و كثرة الرّاغب حكم الصّفات أو الاعتبارات فكما يضمن الكتابة و السّمن لو زالا سواء حصلا‌

148

بفعل اللّٰه سبحانه أم بفعل الضّامن و سواء كانا موجودين حين الأخذ أم حصلا عند الضّامن و زالا و كذا يضمن خصوصية كون المال في زمان كذا أو مكان كذا الّتي هي من الأمور الاعتبارية العقلائيّة فكذلك يضمن الرّغبات‌

و بالجملة ما يوجب زيادة القيمة على أقسام ثلاثة قسم من قبيل السّمن و الصوف الّذي لا إشكال في دخوله تحت عهدة الضّامن بتبع المال و قسم من الاعتباريات ككون الجمد في الصّيف و الماء في المفازة و قسم من الأمور الخارجيّة الاتّفاقيّة ككثرة الرّاغب أو قلّة المال‌

الثّالث بناء على كون المنتهى يوم التّلف يجب الالتزام بانقلاب العين إلى القيمة في ذاك اليوم فإنّها لو انتقلت إلى القيمة فليس للقيمة علوّ و نقيصة لأنّ عشرة دنانير مثلا لا تنقص و لا تزيد و بناء على كونه يوم الدفع يجب الالتزام ببقاء المضمون في الذمّة إلى يوم الدّفع سواء قلنا ببقاء خصوصيّة العينيّة إلى ذاك الزّمان كما على الوجه الأوّل أم قلنا ببقاء الماليّة غير متقدّرة بقيمة كما على الوجه الثاني أو قلنا بانتقال العين إلى الأقرب إلى التّالف بمجرّد التّلف كما احتملوا هذا الوجه في ترديد المحقّق في كون المنتهى يوم التّلف أو يوم الدّفع فيبتني كون منتهى الأعلى يوم الدّفع على بقاء الأقرب في الذمّة بعد تلف العين‌

و بالجملة لا بدّ بناء على القول بالأعلى من تعلّق الضّمان بالرّغبات و كون الذمّة مشغولة بغير القيمة حتى يلاحظ أعلى القيم من زمان الأخذ إلى يوم التّلف أو إلى يوم الدّفع ثم لا يخفى أنّ لازم تعهّد الضّامن للرّغبات أن يكون كذلك حتى مع ردّ العين و لا يلتزمون به فيلزم التّناقض بين القول بالأعلى و عدم ضمان نقصان القيمة عند ردّ العين‌

[تحقيق حول صحيحة أبي ولّاد]

قوله (قدّس سرّه) فالمهم صرف الكلام إلى معنى الصّحيحة إلى آخره

وجه الأهميّة إمّا لكون المقبوض بالعقد الفاسد حكمه حكم المغصوب كما ذكره الحلّي (قدّس سرّه) و إمّا من جهة استفادة قاعدة كليّة من الصّحيحة في جميع موارد ما يضمن بالقيمة فإذا دلّت على أنّ الاعتبار بقيمة يوم الغصب تكشف عن عدم اقتضاء إطلاقات الضّمان اعتبار قيمة يوم التّلف و إلّا لزم أن يكون الضّمان في الغصب أقلّ من غيره في بعض الموارد كما إذا كانت قيمة يوم الغصب أقلّ من قيمة يوم التّلف فيلزم خروج المغصوب عن سائر ما يتعلّق به الضمان خروجا حكميا‌

و بالجملة لو دلّت الصحيحة على عدم وجوب التّدارك إلا بقيمة يوم المخالفة فيستكشف منها أنّ ما عدّوه مصداقا للتّدارك من قيمة يوم التّلف أو الدّفع خطأ و إلّا يلزم أضعفيّة الغصب و عدم وجوب تدارك قيمته بمقدار ما يتدارك به سائر المضمونات و لو في بعض الموارد نعم لو دلت الصّحيحة على ضمان أعلى القيم فلا محذور في خروج المغصوب عن سائر المضمونات‌

و كيف كان فالصّحيحة تدلّ على أنّ المدار على قيمة يوم الأخذ في موضعين الأوّل قوله ع نعم قيمة بغل يوم خالفته سواء كان يوم خالفته مضافا إليه للقيمة أو مضافا إليه لمجموع المضاف و المضاف إليه أو كان قيدا للاختصاص الحاصل من إضافة القيمة إلى البغل أو كان متعلّقا بنعم الّذي معناه يلزمك أمّا على الأوّلين فواضح لأن معنى الحديث على الأوّل يلزمك قيمة البغل قيمة يوم المخالفة و على الثّاني يلزمك القيمة الثّابتة للبغل يوم المخالفة‌

و أمّا بناء على أن يكون متعلّقا بنعم بأن يكون الظّرف لغوا متعلّقا بشبه الفعل الّذي معناه يلزمك فإنّه و إن لم يدلّ بالمطابقة على قيمة يوم المخالفة لأن معناه أنّه يلزمك يوم المخالفة القيمة إمّا قيمة ذلك اليوم أو قيمة يوم التّلف أو يوم الدّفع فالحديث ساكت عنه إلّا أنّه‌

149

بالالتزام يدلّ على أنّ المدار على قيمة يوم المخالفة فإنّه لو لم يكن يوم المخالفة إلّا يوم دخول نفس العين في العهدة لكان ذكر القيمة بلا موجب لأن ماليّة المال إذا قدر بالقيمة يوم المخالفة فلا محالة يكون القيمة قيمة ذلك اليوم لأنّه لا يعقل أن يكون الضّمان بقيمة يوم المخالفة فعليّا و يقدر قيمة يوم ما بعد المخالفة‌

نعم وجوب الأداء يمكن أن يكون متأخّرا و لكن قيمة اليوم المتأخر لا يمكن أن تكون هي قيمة اليوم المتقدم و بالجملة كلّ من قال بضمان قيمة يوم التّلف لكون الضّمان بالقيمة في هذا اليوم فعليا فلا يمكن أن يجعل المدار على قيمة غير هذا اليوم فالتزام المشهور بقيمة يوم التّلف ليس إلّا لفعليّة الضّمان بالقيمة في هذا اليوم و هكذا على القول بيوم الدّفع فلا وجه لما تمحّله المصنف (قدّس سرّه) من جعل اليوم قيدا للقيمة أو لقيمة البغل مع ما فيهما من المخالفة للقواعد العربيّة و الخروج عن طريقة أهل اللّسان لأنّه لو كانت القيمة مضافة إلى البغل فلا يعقل أن يضاف في عرض هذه الإضافة إلى أمر آخر فإنّه يتوقف على لحاظين مستقلّين متباينين‌

و هكذا لو أضيف مجموع المضاف و المضاف إليه إلى اليوم الّذي هو ظاهر المتن فإنّ قوله (قدّس سرّه) فيكون إسقاط التعريف للإضافة صريح في أنّ البغل أيضا مضاف إلى اليوم كإضافة القيمة التي هي مضاف إلى البغل إليه فإنّه لو كان مقصوده إضافة القيمة إلى اليوم لا إضافة البغل إليه لما كان لسقوط حرف التعريف وجه و على أيّ حال فإضافة المجموع أيضا لا معنى له لأنّه يلزم الجمع بين اللّحاظ الآلي و الاستقلالي في لحاظ واحد فإنّ جهة إضافة المضاف هي معنى حرفيّ و لا بدّ من لحاظها مستقلّا في الإضافة الثّانية كما لا يخفى‌

نعم يجوز الإضافة الطولية نحو مثل دأب قوم نوح أو حافر فرس جبرئيل و لكن الإضافة الطّوليّة لا معنى لها في المقام لعدم معنى لقولك بغل يوم المخالفة فإنّ البغل لا يمكن أن يتخصّص بيوم المخالفة و هكذا لا يمكن أن يتعلّق اليوم بالاختصاص الحاصل من إضافة القيمة إلى البغل فإنّه معنى حرفيّ فالأوفق بالقواعد العربيّة تعلّق الظّرف بنعم و هو أيضا يدلّ بالالتزام على أنّ المدار على قيمة يوم المخالفة‌

بل لو قيل إنّ المقام من قبيل تتابع الإضافات و حيث لا يختلف الأعيان باختلاف الأيّام فبدلالة الاقتضاء لا بدّ أن يكون إضافة البغل إلى اليوم باعتبار قيمته في ذلك اليوم لكان المدار أيضا على قيمة يوم المخالفة هذا مع أنّ البغل في بعض نسخ الكافي و الإستبصار محلى باللّام فيكون يوم المخالفة حالا من القيمة بل لو كان غير محلّى بالألف و اللّام يمكن أن يكون منونا بدلا عن اللّام‌

و بالجملة ظهور هذه الفقرة في أنّ المدار على قيمة يوم المخالفة ممّا لا ينبغي التّشكيك فيه لأنّه لو كان السّؤال عن أصل الضّمان لكان اللّازم الاكتفاء بقوله ع نعم فتعقيبه بقوله ع قيمة بغل يوم خالفته كاشف عن أنّ أصل الضّمان كان مفروغا عنه عند السائل و لذا قال أ رأيت لو عطب أو نفق سيّما بعد فتوى أبي حنيفة بأنّ الضّمان موجب لسقوط الكرى من باب الخراج بالضّمان و إنّما كان سؤاله عن مقدار الضّمان فأجاب الإمام (عليه السّلام) بعد تقريره له أصل الضّمان بقوله نعم عن المقدار بقوله ع قيمة بغل يوم خالفته أو قيمة البغل يوم خالفته بنصب اليوم‌

الثّاني قوله ع أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل حين اكترى كذا و كذا فإنّ إثبات قيمة يوم الاكتراء في خصوص المورد ليس إلّا من حيث إنّه يوم المخالفة و التعبير به عنه لنكتة إمكان إقامة الشّهود لأنّ الاكتراء يقع غالبا بمحضر‌

150

من النّاس و على هذا فلا ينبغي طرح الرّواية من باب دلالتها على ضمان العين المستأجرة بلا شرط الّذي هو مخالف للقواعد لأنّها لم تدلّ على ضمان يوم الاكتراء الّذي وقع الإجارة فيه صحيحا و بلا شرط الضّمان بل تدلّ على ضمان يوم المخالفة و هذا على طبق القواعد‌

و حاصل الكلام أنّ ظهور الصّحيحة في أنّ المدار على قيمة يوم المخالفة لا شبهة فيه إنّما الكلام في ما يتخيّل أنّه موهن لهذا الطّهور و هو أمور الأوّل قوله ع عليك قيمة ما بين الصّحة و العيب يوم ترده عليه و ظاهره أنّ المدار في القيمة على قيمة يوم الردّ لا يوم المخالفة سواء كان اليوم قيدا للقيمة أو متعلّقا بأفعال العموم المقدّرة أو متعلّقا بعليك أمّا بناء على كونه قيدا للقيمة أو متعلّقا بأفعال العموم فواضح لأنّ معناه عليك ما يتقوم به يوم الردّ أو القيمة الثّابتة يوم الردّ و ما أفاده المصنف في ردّ تعلّق الظّرف بالقيمة بقوله إذ لا عبرة في أرش العيب بيوم الردّ إجماعا ففيه أنّه لم ينعقد الإجماع على عدم اعتبار يوم الردّ بل قد انعقد على تبعيّة النّقص الحادث في تعيّن يوم قيمته ليوم قيمة أصل العين فلو قيل في أصل العين بيوم الردّ فيتبعها الصفات أيضا فليكن هذه الصّحيحة دليلا ليوم الردّ بناء على التبعيّة الّتي هي مسلّمة‌

و أمّا بناء على كونه متعلّقا بعليك فلما ذكرنا من الملازمة بين فعليّة الضّمان في زمان و زمان القيمة و لكنّك خبير بأنّ هذا لا يوجب الوهن أصلا و إن اخترناه في تعليقتنا سابقا و ذلك لظهور هذا الكلام في تعلّق الظّرف بعليك و الملازمة ممنوعة في المقام لأنّها ثابتة في مقام اشتغال الذمّة لا في مقام الفراغ و الرّواية ليست في مقام بيان أنّ نقص الصّفات موجب للضّمان في يوم الردّ بل مفادها أنّ يوم ردّ البغلة عليك التفاوت بين الصّحيح و المعيب و لا تعرّض فيها على أنّ التّفاوت يلاحظ يوم الغصب أو يوم تلف وصف الصّحة أو نفس هذا اليوم الّذي يرد فيه‌

و ردّ المصنف هذا الموهن بوجه آخر و هو احتمال أن يكون اليوم قيدا للعيب أي العيب الموجود حال الردّ يوجب الضّمان و لكن ضعّفه بأنّ العيب قد يرتفع أو ينقص يوم الردّ و لازم كون اليوم قيدا للعيب أن لا يوجب ضمانا في هذين الصّورتين مع أنّ مقتضى الفتوى خلاف ذلك و فيه أنّه ليس عدم سقوط الضّمان مقتضى فتوى الكل بل المسألة خلافيّة فقيل بسقوط الضّمان مطلقا و قيل بعدم سقوطه مطلقا كما عليه الفاضل في التّذكرة و قيل بالتّفصيل بين الوصف القابل للزيادة كالسّمن و ما لم يكن كذلك كوصف الصّحة فإذا زال السّمن و رجع فعليه الضّمان بخلاف ما إذا حدثت نقطة في عين الدابّة و ارتفعت و هذا الاختلاف جار في العيب الموجود حال العقد أو الحادث بعده إذا زال قبل القبض‌

و لكن الأقوى في الغصب عدم ارتفاع الضّمان بارتفاع الوصف سواء ارتفع بفعل اللّٰه سبحانه أم بفعل الغاصب أم الأجنبي لأنّ ارتفاعه حصل في ملك المالك فلا ينتفع به الغاصب و الأقوى في باب العقد ارتفاع الضّمان لأنّ المدار في هذا الباب تسليم المبيع صحيحا و على أيّ حال ليس ضمان الوصف في باب الغصب مطابقا لفتوى جميع الفقهاء هذا مضافا إلى أنّ كون أحد الاحتمالات مخالفا للفتوى لا يوجب ظهور الكلام في غيره فإنّ الظّهور لا بدّ أن يكون مستندا إلى اللّفظ‌

فالصّواب أنّ العيب غير قابل لأن يتعلّق به الظّرف لأنّ المراد منه هنا الحاصل من المصدر و هو معنى اسميّ ليس فيه معنى الفعل و لا يمكن إشراب معناه فيه و لا يمكن أن يجعل اليوم صفة للعيب بأن يكون الظّرف مستقرّا لأنّه نكرة و العيب‌