منية الطالب في حاشية المكاسب‌ - ج1

- الميرزا محمد حسين الغروي النائيني المزيد...
415 /
151

معرّف باللّام و الظّرف المستقر منحصر في النّعت و الصّلة و الحال و الخبر و كلّ منها لا محلّ له في المقام‌

الثّاني قوله ع أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون على أنّ قيمة البغل يوم اكترى كذا و كذا فيلزمك فإنّه لو كان العبرة بيوم المخالفة لم يكن وجه لكون القول قول المالك مع كونه مخالفا للأصل فإنّ الأصل براءة ذمّة الضّامن عمّا يدّعيه المالك و هذا بخلاف ما إذا قلنا بيوم الدفع فإنّ القول قول المالك لكونه مطابقا للأصل لأنّ القول بيوم الدّفع مرجعه إمّا إلى بقاء العين بخصوصيتها إلى يوم الدّفع في عهدة الضّامن و إمّا إلى بقاء ماليّتها الغير المتقدّرة بالقيمة فإذا ادّعى المالك زياد قيمة العين أو الوصف يوم الدّفع فالقول قوله لأنّ الأصل عدم فراغ ذمّة الضّامن بما يدفعه بدلا عن التّالف فإنّ ظاهر السّؤال في قول السّائل فمن يعرف ذلك هو السّؤال عن صورة التّنازع فكون قول المالك موافقا للأصل منحصر في أن يكون المدار على يوم الدّفع‌

و فيه أنّه يمكن النزاع في تنزّل القيمة يوم المخالفة مع اتّفاقهما في القيمة قبل ذلك فيدّعي الغاصب التنزّل فالقول قول المالك الثّالث أنّ سماع البيّنة من المالك لا يجتمع مع كون القول قوله فلا بدّ من أن يجعل سماع البيّنة منه في مورد و كون القول قوله في مورد آخر و هذا يتمّ على القول بيوم التّلف بحمل الرّواية على صورتين الأولى ما إذا اختلفا في تنزّل القيمة يوم التّلف مع اتّفاقهما على قيمته سابقا فيدّعي الغاصب التنزّل فالقول قول المالك الثّانية ما إذا اختلفا في قيمته سابقا مع اتّفاقهما على بقائه عليها إلى يوم التّلف فالقول قول الغاصب لأصالة البراءة و على المالك إقامة البيّنة على ما يدّعيه‌

و أمّا بناء على يوم المخالفة فلا بدّ إمّا من حمل النّص على التعبّد و أنّ البيّنة تسمع من المنكر في خصوص الغصب أو غصب الدابّة و إمّا من حمل كون قول المالك موافقا للأصل على ما إذا اتّفقا على القيمة قبل الغصب و اختلفا في التنزّل يوم الغصب فيدّعي الغاصب التنزّل و كلاهما بعيد و فيه أوّلا أنّ مجرّد الاستبعاد لا يثبت المدّعى لأنّ للخصم دعوى الاستبعاد في بعض الموارد على الوجه الآخر أيضا فكما يمكن فرض مورد سماع البيّنة من المالك غير مورد كون القول قوله بناء على القول بيوم التّلف فكذا يمكن اختلاف الموردين على القول بيوم المخالفة و ثانيا يمكن حمل الرّواية على صورة واحدة و هي دعوى الغاصب كون الدابّة معيوبة حين اكتراها فالأصل مع المالك لأصالة الصّحة أو دعواه التنزّل عمّا اتّفقا عليه سابقا قبل يوم المخالفة و سماع البيّنة منه إنّما هو لدفع اليمين عن نفسه فيكون الصّحيحة من الأدلّة الدالّة على سماع البيّنة من المنكر كما في قضيّة السّرج المعروفة و هي أنّ عيسى بن موسى أمر رجلا في السّعي أن يدّعي البغلة الّتي عليها أبو الحسن موسى (عليه السّلام) فأتاه و تعلّق باللّجام و ادّعى البغلة فثنى أبو الحسن ع رجله و نزل عنها و قال لغلمانه خذوا سرجها و ادفعوها إليه فقال السّرج أيضا لي فقال ع كذبت عندنا البيّنة بأنّه سرج محمّد بن علي و أمّا البغلة فإنّا اشتريناها منذ قريب و أنت اعلم بما قلت‌

هذا تمام الكلام في مدرك القول بأنّ المدار على قيمة يوم المخالفة و أمّا مدرك سائر الأقوال فمدرك أعلى القيم وجوه الأوّل ظهور الصّحيحة فإنّ قوله ع يوم خالفته بيان لأنّ المخالفة موجبة للضّمان و المفروض أن كلّ ما كان الشّي‌ء تحت سلطنة الغاصب فالغاصب خالف المالك فيه‌

152

و لا موجب لأن يكون القيمة ملحوظة في أوّل حدوث المخالفة بل إذا فرض قيمة العين في يوم أعلى من سائر الأيام فيضمنها الغاصب و إن تنزّلت بعد ذلك أو لم يكن بهذا المقدار في أوّل الأيام و لامتناع اجتماع الضّمانات لعين واحدة يدخل الأدنى تحت الأعلى و ينحصر الأعلى الثّاني ما تقدم من أنّ تفاوت الرّغبات أيضا كالصّفات يدخل تحت الضّمان الثّالث ما ذكره المصنف (قدّس سرّه) من أنّه إذا تلفت العين في يوم ارتفاع قيمتها فلا إشكال في ضمان الأعلى بناء على الاعتبار بيوم التّلف فكذلك إذا حيل بينهما و بين المالك حتّى تلفت فيضمن الأعلى و لو تنزّلت يوم التّلف لكون الغاصب منع المالك عن التصرّف في اليوم الّذي ارتفعت قيمتها الرّابع قاعدة نفي الضّرر‌

و لكن لا يخفى أنّ هذه الوجوه كلّها تقتضي عدم الفرق بين ردّ العين و بين تلفها مع أنّهم لا يلتزمون بذلك و لو قيل بأنّ ضمان الأعلى مشروط بالتّلف لقلنا بأنّ هذا يمكن بناء على الوجه الأوّل و الثّالث و أمّا الثّاني و الرّابع فلا وجه لتقدير التّلف في العين بل نفس تلف الوصف كاف لثبوت ضمانه على الغاصب هذا مع أنّ التمسّك بقاعدة الضّرر لا وجه له في مثل المقام لأنّ نفي الضّرر حاكم على الأدلّة المثبتة للتّكاليف و ليس مثبتا لحكم يرفع به الضّرر فالحكم بوجوب دفع الأعلى حتى لا يرد الضّرر لا يستفاد من لا ضرر و أمّا مدرك يوم الدّفع فمن وجوه أيضا‌

الأوّل الصّحيحة فإنّ قوله ع يوم ترده عليه ظاهر في أنّ المدار على يوم الردّ و فيه ما تقدّم من عدم الدلالة و حكي عن صاحب الجواهر أنّ لفظ يوم ليس في نسخة التّهذيب المصحّحة فبناء عليه عدم الدلالة على يوم الدّفع في غاية الوضوح و لكن ما أفاده معارض أوّلا بنسخ الكافي الّذي روى التّهذيب عنها فإنّ لفظ يوم موجود فيها كما هو موجود في الوسائل و غيره و ثانيا في مقام الدّوران بين الزيادة و النقصان التّرجيح مع عدم الزّيادة و لا ينافي ذلك اشتراك كلّ منهما في الأصل العقلائي و هو أصالة عدم الغفلة لأنّ الغفلة بالنّقص أقرب إلى الإنسان من الغفلة بالزيادة فإنّ زيادة الرّاوي من عند نفسه في غاية البعد و ثالثا مقتضى القواعد العربيّة لو لم يكن لفظ يوم أن يقال تردّها عليه لانحصار المرجع في القيمة و هذا بخلاف ما إذا كان لفظ يوم في العبارة فإنّ مرجع الضّمير هو البغل لعدم إمكان إرجاع الضّمير إلى القيمة لأنّه لا معنى لأن يقال عليك قيمة ما بين الصّحة و العيب يوم تردّ القيمة لأنّه ليس للقيمة قيمة يوم الردّ‌

الثّاني قوله ص على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي بناء على ما استظهرناه منه من أنّه ظاهر في استقرار نفس المأخوذ في عهدة الآخذ و تلفه لا يقتضي انقلابه إلى القيمة بل يبقى المال غير متقدّر بالقيمة إلى يوم الأداء الثّالث تسالم الأصحاب على صحّة المصالحة بين التّالف و أي مقدار من القيمة و لو كان التّلف موجبا للانقلاب إلى القيمة لم تصحّ المصالحة إلّا على مقدار ما يساوي قيمة التّالف و إلّا لزم الرّبا فعدم ملاحظة أحكام الرّبا كاشف عن أنّ العوضين ليسا متجانسين‌

و أمّا مدرك القول بيوم التّلف فهو الأخبار الواردة في باب الرّهن و العتق أمّا الأوّل ففي الوسائل عن أبي حمزة سألت أبا جعفر ع عن قول عليّ (عليه السّلام) يترادان الفضل فقال كان عليّ ع يقول ذلك قلت كيف يترادان فقال إن كان الرّهن أفضل ممّا رهن به ثم عطب ردّ المرتهن الفضل على صاحبه و إن كان لا يسوى ردّ الرّاهن ما نقص من حقّ المرتهن قال و كذلك كان قول عليّ ع في الحيوان و غير ذلك‌

و فيه أيضا عن إسحاق بن عمّار‌

153

سألت أبا إبراهيم ع عن الرّجل يرهن الرّهن بمائة درهم و هو يساوي ثلاثمائة درهم فيهلك على الرّجل أن يردّ على صاحبه مائتي درهم قال نعم لأنّه أخذ رهنا فيه فضل و ضيعه قلت فهلك نصف الرّهن قال على حساب ذلك قلت فيترادّان الفضل قال نعم فهذان الخبران يدلان على أمرين‌

الأوّل أنّ القيمي بمجرّد التّلف ينتقل إلى القيمة الثّاني أنّه يحتسب التّالف قهرا في مقابل الدّين و التّهاتر القهري لا يمكن إلّا بالانتقال إلى القيمة في يوم التّلف و إلّا كان على الرّاهن أن يؤدّي الدّين و يأخذ حقّه من المرتهن إمّا بقيمة يوم الإتلاف أو يوم الدّفع أو أعلى القيم أو يوم التّفريط لو كان غير يوم التّلف و حملهما على الاحتساب بالتّراضي لا شاهد له لا سيّما الأخير فإنّ ذيله و هو قوله ع على حساب ذلك يدلّ على أن مجرّد التّلف يوجب فراغ ذمّة الراهن بمقدار ما تلف بتفريط المرتهن‌

نعم لا بدّ من حملهما على أنّ الرّهن قيميّ لا مثلي و أنّ الدّين من النّقدين و لا بعد فيه كما يدلّ عليه ذيل الخبر الأوّل حيث قال ع و كذلك كان قول علي (عليه السّلام) في الحيوان و لو نوقش فيهما ففي الباب أخبار صريحة في السّقوط كقوله ع و إن كان الرّهن سواء فليس عليه شي‌ء و قوله ع و إن كان الرّهن يسوى ما رهنه فليس عليه شي‌ء و في خبر آخر و إن كان الرّهن يسوى ما رهنه عليه فالرّهن بما فيه أي الرّهن بدل عن الدّين‌

و أمّا الثاني فعن عبد الرّحمن عن أبي عبد اللّٰه ع عن قوم ورثوا عبدا جميعا فأعتق بعضهم نصيبه منه هل يؤخذ بما بقي فقال ع نعم يؤخذ منه بقيمته يوم أعتق و في معناه روايات أخر و استدلّوا أيضا بالأخبار الواردة في باب الإجارة و لكن لا يخفى ما في الجميع فإنّها واردة في باب الإتلاف و لو فرض أنّ إطلاق أخبار الرّهن يشمل صورة التّلف فلا بدّ من حمله على صورة التعدّي و التّفريط و إلّا فليس المرتهن ضامنا عند التّلف و موضوع البحث هو صورة التّلف و لا دليل على اشتراكهما في الحكم‌

هذا مع أن يوم الإتلاف و التعدّي في باب عتق شقص من العبد و في مسألة الرّهن و الإجارة هو يوم المخالفة غالبا فإنّ يوم التعدّي و التّفريط الّذي هو يوم المخالفة هو اليوم الّذي يتلف الرّهن فتحصّل ممّا ذكرنا أنّ كون المدار على يوم المخالفة هو أقوى الأقوال و بعده يوم الدّفع بل لا يبعد أن يقال إنّ المتفاهم بحسب العرف و العادة كون اليد و الاستيلاء على العين سببا لتقدير القيمة و كون العين بماليّتها الغير المتقدّرة في عهدة الضّامن ليس أمرا ارتكازيا لأنّ المال عند العرف هو المقدر بالقيمة‌

هذا مع أنّ حكمهم بجواز مطالبة المالك لقيمة العين في صورة تعاقب الأيدي مع إمكان مطالبته ممّن يكون العين تحت استيلائه ظاهر في أنّ الغصب سبب لتحقّق الضّمان فعلا بقيمة المغصوب و إلّا لم يكن وجه لجواز مطالبته من الغاصب الأوّل مع وجود العين في يد الغاصب الثّاني بل لا يمكن الجمع بين عدم فعليّة الضّمان إذا كان العين موجودة و لم يتمكّن الغاصب من ردّها إلى مالكها و بين القول بوجوب بدل الحيلولة مع أنّ القول بيوم الدّفع بناء على كون العين في الذمّة يقتضي ضمان منافعها أيضا و الظّاهر بل المتيقّن عدم التزامهم به فيكشف عن أنّ المدار على زمان وضع اليد على العين‌

و كيف كان فالمسألة مشكلة و الالتزام بآثار الأقوال أشكل كما سيظهر ذلك إن شاء اللّٰه‌

فينبغي لتوضيح جميع ما تقدم من التّنبيه على أمور

الأوّل قد يتخيّل في بادي النّظر التّنافي

بين ما تسالم عليه المشهور من صحة المصالحة‌

154

على المال التّالف بأيّ مقدار من الدّرهم أو الدّينار و بين قولهم بيوم التّلف لأنّه لو كان المال منتقلا إلى القيمة يوم التّلف فالمصالحة على العين لا وجه له بل قد يتّفق مضافا إلى ذلك صيرورة المعاملة ربويّة فالمصالحة عليها إنّما يصحّ على القول بيوم الردّ كما تقدّم أنّه أحد الوجوه الدالّة عليه و لكنّه يمكن الجمع بينهما بأن يكون مقتضى الأصل هو يوم الدّفع و مقتضى الدّليل هو يوم التّلف بمعنى أنّ القائل بيوم التّلف لا يقول بانتقال العين في يوم التّلف إلى القيمة حتّى لا يصحّ المصالحة عليها بل يلتزم ببقاء المال غير متقدّر بالقيمة إلى يوم الدّفع و لكن يوم الدّفع إذا قدّر بالقيمة يقدر بقيمة يوم التّلف للأدلّة الدالّة على تعيين قيمة ذاك اليوم و نظير ذلك اجتماع الضّمان يوم المخالفة مع بقاء العين في ذاك اليوم فإنّ معنى كون المدار على يوم المخالفة ليس بمعنى انتقال العين إلى القيمة في ذاك اليوم و لا بمعنى اجتماع ضمان العين و القيمة معا بل معناه أنّ يوم التّلف يقوم بقيمة يوم المخالفة‌

نعم مقتضى ذلك أن يكون القول قول المالك عند الاختلاف سواء قلنا بقيمة يوم المخالفة أو يوم التّلف و لا يختصّ بما إذا قلنا بقيمة يوم الدّفع لأنّ الشكّ بناء على كون العين بماليّتها الغير المتقدّرة في الذمّة يرجع إلى الشكّ في الخروج عن العهدة لا إلى الشكّ في الاشتغال فإنّ رجوع الشكّ إليه إنّما يصحّ بناء على الانتقال إلى القيمة‌

الثّاني قد تقدّم أنّ تلف الوصف أيضا كتلف العين موجب للضّمان

و هذا من غير فرق بين الأوصاف الخارجيّة كوصف الصحّة و الكتابة و السّمن و نحو ذلك و الأوصاف الاعتباريّة ككون الشّي‌ء في زمان كذا أو مكان كذا فإنّه ممّا يزيد في ماليّة المال و ليس كتفاوت الرّغبات و قلّة المال أي فرق بين نقصان القيمة السّوقيّة و نقص القيمة الحاصل باختلاف الزّمان و البلاد فلو ردّ العين في غير هذا الزمان أو المكان وجب تدارك نقص قيمتها و بناء عليه يجب ردّ النّقص الخاص لا ردّ قيمة آخر الأزمنة أو الأمكنة الّذي يخرج العين فيه عن القيمة لأنّه لو كان للزّمان أو المكان خصوصية فلا وجه لتدارك قيمة قبيل خروج العين عن الماليّة فلو نقل الماء عن مفازة الحجاز إلى محلّ آخر للماء قيمة فيه أيضا وجب تدارك النّقص‌

نعم نقصان القيمة السوقيّة بناء على القول بوجوب تداركه مختصّ بما إذا تلف العين لا مطلقا و ذكرنا أنّ هذا ينافي القول باعتبار الأعلى لأنّ القول به معناه إلحاق القيمة السّوقيّة بسائر الصّفات فاعتبار تلف العين فيه مشكل‌

الثّالث لو تعذّر الوصول إلى العين فهل حكمه حكم التّلف

قولان المشهور ذلك و تبعهم المصنف (قدّس سرّه)

فقال ثم إنّ في حكم تلف العين في جميع ما ذكر من ضمان المثل أو القيمة حكم تعذّر الوصول إليه و إن لم يهلك كما لو سرق أو غرق إلى آخره

لا يخفى أنّه يسمّى هذا الضّمان ببدل الحيلولة‌

و توضيح ذلك يتوقّف على بيان أمور‌

الأوّل في تنقيح مورده

و هو على ما يستفاد من كلمات الأعلام صرف التعذّر لا التّلف و ما بحكمه كما إذا خرج المال عن الماليّة شرعا أو سرق و لم يعرف السّارق بحيث لا يتمكّن من ردّه إلى مالكه عادة و نحو ذلك ممّا يعدّ تالفا عرفا كما في الغرق و نحوه فإنّ في هذه الموارد لا يضمن إلّا قيمة المال أو مثله لا بدل الحيلولة‌

نعم في بعض الموارد يشكّ أنّه من مصاديق التعذّر أو التّلف كما لو غرق و لم يحصل اليأس من الوصول إليه فالأولى تأسيس الأصل في المسألة ثم بيان موارد الغرامات الّتي يكون التعذّر منها ثم بيان أقسام التعذّر أمّا الأصل في المسألة‌

155

فقد يقال إنّ مقتضى قوله ص على اليد ما أخذت حتّى تؤدي أن يكون المال بجميع خصوصياته الشّخصية و المثليّة و الصّفات و الماليّة و السّلطنة عليه في عهدة الضّامن بمجرّد وضع اليد عليه خرج منه صورة ردّ العين إجماعا فيبقى الباقي فيشمل صورة التّلف و ما بحكمه و صورة التعذّر بأقسامه لأنّه لو كان المال بماليّته و خصوصيّته في عهدة الغاصب مشروطا بعدم ردّه فإذا لم يمكن ردّ عينه فللمالك مطالبة بدله سواء صدق التّلف أو التعذّر أم لم يصدق خرج المال عن القيمة أم لم يخرج كان التعذّر عقليا أم عرفيا كان زمانه قصيرا أم طويلا حصل اليأس من العين أم لم يحصل‌

و قد يقال كما هو المتبادر بدوا أنّ عموم على اليد لا يقتضي إلّا ضمان ماليّة المال عند التّلف لا ضمان شخص المال فضلا عن توابعه إلّا بمعنى ردّه تكليفا فكون العين تحت سلطنة المالك ليس ممّا يدخل تحت ضمان الغاصب حتى يجب أن يخرج عن عهدة ذلك مع بقاء العين فثبوت البدل عند التعذّر و إلحاقه بالتّلف يتوقّف على دليل ثم بناء على هذا يصير الأصل على عكس الأصل بناء على الأوّل لأنّه إذا شكّ في صدق التّلف أو التعذّر فالأصل براءة ذمّة الغاصب و من بحكمه‌

و أمّا موارد الغرامات فأربعة الأوّل التّلف الحقيقيّ الثّاني تلف جميع الانتفاعات في جميع الأزمنة و هذا على قسمين قسم يخرج العين فيه عن الملكيّة و لا يبقى إلّا حقّ الاختصاص كصيرورة الخلّ خمرا و الدّهن نجسا بناء على عدم جواز الانتفاع بهما أصلا أو عدم الانتفاع المعتدّ به و قسم لا تخرج فيه عن الملكيّة كما إذا انكسرت المرآة أو الظّروف الصّينيّة و نحوهما الثّالث تلف بعض الانتفاعات الّذي ليس ممّا يتقوّم به الملكيّة في جميع الأزمنة كما لو صار الحيوان موطوءة فإنّه لم يتلف منه إلّا الانتفاع به دائما في بلد الوطي لا في سائر البلاد الرّابع تلف جميع الانتفاعات في بعض الأزمنة كاللّوح المنصوب في السّفينة الّذي يخاف بنزعه على النّفس المحترمة و لو كان هو الغاصب أو تلف مال غير الغاصب‌

و لا شبهة في أنّ الثّاني ملحق بالأوّل فإنّه في حكم التّلف إمّا شرعا أو عرفا و أمّا الثّالث فلو لا الدّليل على الضّمان لكان مقتضى القواعد العامّة عدمه لعدم فوت معظم الانتفاعات و أمّا الرّابع فهو مورد البحث في ثبوت بدل الحيلولة و عدمه و على أيّ حال بدل الحيلولة لا يقتضي دخول المبدل في ملك الضامن فإنّه غرامة عن المبدل لا أنّه عوض عنه‌

فتفصيل المصنف بين غرامة الحيوان بالوطي و سائر الغرامات حيث اختار دخول الحيوان في ملك الغارم دون غيره لا وجه له لأنّ وجوب الغرامة لو اقتضى ملكيّة المتدارك من باب عدم إمكان الجمع بين العوض و المعوّض لاقتضى في الجميع و لو لم يقتض ذلك لا يقتضي في الجميع و توهّم أنّه إذا خرج الحيوان عن ملك المالك فلا بدّ أن يدخل في ملك الغارم و إلّا يبقى الملك بلا مالك فاسد‌

أمّا أوّلا فلأنّه لا موجب لخروجه عن ملك المالك فإنّ الغرامة ليست عوضا حتى يقتضي دخولها في ملك المضمون له خروج العين الّتي وجب على الضّامن غرامتها عن ملكه و أمّا ثانيا فلأنّ خروجها عن ملكه لا يقتضي دخولها في ملك الغارم لإمكان دخولها في بيت المال إلّا أن يقال إنّ تفصيل المصنف مستفاد من نفس الرّواية الدالّة على غرامة الحيوان فإنّ قوله ع يغرم ثمنه ظاهر في أنّ الحيوان بالوطي يدخل في ملك الواطئ فإنّ التّعبير بالثمن‌

156

إنّما هو لبيان ذلك‌

و أمّا أقسام التعذّر فأصولها أربعة الأوّل أن يكون لسرقة المال المضمون مع معرفة السّارق أو لإباق العبد و حاصله ما تمكّن الضّامن من ردّه ذاتا و إنّما تعذّر لعارض خارجيّ الثّاني أن يكون لعدم التمكّن خارجا كالرّطوبة الباقية على أعضاء الوضوء الثّالث أن يكون لخروج المال بالردّ عن الماليّة كالخيط المغصوب الّذي خيط به الثوب فإنّه قد يكون إخراجه من الثوب مفضيا إلى التّلف الرّابع أن يكون لخلطه بمال آخر و لا يخفى أن بدل الحيلولة إنّما يجري في القسم الأوّل دون غيره و سنشير إلى ذلك إن شاء اللّٰه‌

الأمر الثاني في الأدلّة الّتي أقاموها على لزوم بدل الحيلولة

و هي أمور الأوّل قاعدة لا ضرر و فيه أن هذه القاعدة كقاعدة لا حرج إنّما تكون حاكمة على الأحكام الثّابتة في الشّريعة الشّاملة بإطلاقها لمورد الضّرر فكلّ مورد استلزم من تشريع الحكم فيه ضرر على المكلّف فهذا الحكم مرفوع و أمّا الحكم الغير الثّابت الّذي يلزم من عدم ثبوته ضرر على شخص فبقاعدة لا ضرر لا يمكن إثباته لأنّ القاعدة ناظرة إلى نفي ما ثبت من الأحكام الشّرعيّة و عدم حكم الشّارع بالضّمان ليس من الأحكام المجعولة في الشّريعة الثّاني أن فيه جمعا بين الحقّين بعد فرض رجوع البدل إلى الضّامن‌

و فيه أنّه لو ثبت حقّ للمالك على الضّامن مع بقاء عين ماله لكان دفع القيمة إليه ما دام العين خارجة عن تحت استيلائه جمعا بين الحقّين و هذا يتوقّف على كون مجرّد وضع اليد على العين مع بقائها موجبا لتعلّق حقّ فعليّ بالبدل للمالك على الغاصب و هذا ممّا لا يلتزم به أحد حتى بناء على القول بأنّ المدار في القيمي على يوم المخالفة لأنّه ليس معناه فعلية الضّمان بالقيمة و العين بل فعليّته بالنّسبة إلى القيمة مشروطة بالتّلف غاية الأمر أنّه يلاحظ قيمة يوم المخالفة و أمّا بدون تلف العين فلا حقّ له إلّا على العين الثّالث عموم النّاس مسلّطون و فيه أنّه لا سلطنة له إلّا على العين و عموم السّلطنة لا يثبت الصّغرى الرّابع كون الغاصب حائلا بين المالك و ملكه‌

و فيه أنّ الحيلولة ليست من موجبات الضّمان مستقلّا إلّا إذا دخل تحت اليد أو الإتلاف و المفروض أنّ قاعدة اليد لا تقتضي ردّ البدل مع عدم التّلف و المفروض عدم الإتلاف الخامس أنّه فوت سلطنة المالك فيجب عليه تداركها و فيه أنه ليس للمالك إلّا الملك و أمّا السّلطنة عليه فهي من أحكام الملك فلا معنى لتعلّق الضّمان بها و هذا مراد المحقّق الثّاني الّذي هو ترجمان الفقهاء من قوله جعل القيمة في مقابل الحيلولة لا يكاد يتّضح معناه‌

و حاصل إشكاله أن مجرّد منع الضّامن عن أعمال المالك سلطنة في ماله و حيلولته بينه و بين ماله لا يوجب أن يكون القيمة واجبة عليه إلّا أن يقال ليس المراد من السّلطنة الّتي التزم المصنف (قدّس سرّه) بتداركها هي الحكم الشّرعي بل المراد هي الجدة الاعتباريّة فالبدل بدل لهذه الجدة الّتي هي عبارة عن كون المال تحت استيلاء المالك يتقلّب فيه ما يشاء و يتصرّف فيه ما يريد بل قيل هذه هي الّتي تقع متعلّقة للإجارة في مثل الدّار و الدّكان فإنّ الأجرة تقع بإزاء كون العين تحت يده فإذا كان الضّامن سببا لتفويت هذه الخصوصيّة على المالك وجب عليه تداركها و هو لا يتحقّق إلّا بأداء ما هو بدل المال من المثل أو القيمة حتّى يتصرف المالك فيه على مشيّته‌

و فيه أنّ مقتضى ذلك إمّا ضمان المنافع أو التّفاوت بين كون العين تحت استيلائه و بين كونها خارجة عنه لا بدلها فإنّ المالك و إن لم يقدر على جميع أنحاء التقلّبات في ماله‌

157

بواسطة الحيلولة إلّا أنّ هذا لا يقتضي إلّا ضمان المنافع أو النّقص فإمّا يستحقّ أجرته أو أرشه فالأولى الاستدلال له بما أشرنا إليه في صدر المبحث و هو أن على اليد يقتضي كون الضّامن ضامنا للمأخوذ بجميع خصوصياته الشخصيّة و النّوعيّة و الماليّة و الصّفات و السّلطنة فإذا كان ماليّته في عهدته فإطلاقه يقتضي عدم الفرق بين أن يكون التعذّر دائميا أو موقتا‌

نعم يرد عليه أنّ مع بقاء العين لا وجه لدخول ماليّة المال في عهدة الآخذ بل تعلّق الضّمان بماليّته إنّما هو في طول تعلّق الضّمان بالعين فإنّ ظاهر الحديث أنّ نفس المأخوذ في عهدته غاية الأمر أنّ وجوب الردّ حيث إنّه ليس حكما تكليفيّا محضا يقتضي أداء ما هو هو عند التّلف إلّا أن يقال إنّه بمناسبة الحكم و الموضوع يستفاد عرفا من الحديث الشّريف أنّ الآخذ إمّا يجب عليه ردّ المأخوذ بشخصه و إمّا ما يصدق عليه أنّه أداء له ما لم يتمكّن من ردّ شخصه و لا يرى العرف فرقا بين التّلف و التعذّر من حيث دلالة الحديث فإنّ استقرار العين في عهدة الضّامن يقتضي أن يخرج من تبعات ماليته‌

نعم إذا كان زمان التعذّر قصيرا جدا فليست هذه المناسبة متحقّقة كما أنّه لا يصدق الضّرر أيضا‌

الأمر الثّالث هل المدار في التعذّر على التعذّر المسقط للتّكليف

بردّ العين أو الأعمّ منه و من التعذّر العرفي وجهان مبنيان على ما تقدّم من الاختلاف في تقريب الأصل في المسألة‌

و لكن مقتضى الأدلّة عدم الفرق بين الصّورتين فإنّ فوت سلطنة المالك و الضّرر عليه مشترك بينهما ففي مورد التعذّر العرفي و إن وجب على الضّامن السّعي في تحصيل العين إلّا أنّ هذا لا ينافي وجوب البدل في زمان السّعي و لا وجه لإجراء استصحاب عدم تسلّط المالك الّذي كان قبل التعذّر فإنّه محكوم بإطلاق على اليد و عموم السّلطنة و قاعدة لا ضرر و غير ذلك من الأدلّة الّتي أقاموها على ثبوت البدل و استحقاق المطالبة‌

كما أن مقتضى الأدلّة أيضا عدم الفرق بين العلم بحصول العين و اليأس منه و رجائه و لا وجه لاختصاصه بمورد اليأس و ليس دليل بدل الحيلولة لبيّا حتى يكون المتيقّن منه صورة اليأس ثم لا يخفى أنّ جهة البحث في التعذّر العقليّ أو العادي غير جهة البحث في تقييد التعذّر بمورد اليأس أو إطلاقه لأنّ اليأس من الحصول قد لا يوجب سقوط التّكليف لعدم كونه متعذرا عقلا كما أنّ العلم بوجدانه فيما بعد أو رجاء وجدانه قد يوجب سقوط التّكليف فعلا لكونه متعذّر الحصول عقلا في هذا الحال إمّا للمنع الشّرعي الّذي هو كالامتناع العقلي كما في اللّوح الّذي يوجب نزعه تلف النّفس المحترمة أو مال غير الغاصب و إمّا للمنع الخارجيّ التكوينيّ فكل من مورد اليأس و العلم قابل لتقسيمه إلى التعذّر العقليّ و العرفي كما أنّ طول الزّمان و قصره أيضا قابل لتقسيمه إليهما و إلى اليأس و العلم‌

فما أورده السيّد (قدّس سرّه) في حاشيته بعد قول المصنف ثم الظّاهر عدم اعتبار التعذّر المسقط للتّكليف بقوله لا يخفى أنّ هذا ليس مطلبا آخر بل هو نفس الوجه الأخير الّذي أيّده بأن فيه جمعا بين الحقين كما أنّ تعبير البعض بالتعذّر هو نفس الوجه الأوّل و هو اليأس من الوصول فلا وجه للتكرار غير وارد فتدبر و كيف كان لو قلنا بأنّ المالك يستحقّ المطالبة بالبدل من الضّامن بمجرّد أخذ المبدل غاية الأمر أنّه مشروط بالتلف أو التعذّر فلا فرق بين أقسام التعذّر إلّا أن يكون زمانه قصيرا جدا‌

الأمر الرابع في الأحكام المتفرّعة عليه بعد ثبوته و هي في ضمن مسائل

الأولى هل البدل ملك للمالك أو مباح له وجهان

158

و الأقوى كونه ملكا له لأنّه لو ثبت للمالك حق في أخذه البدل فهو ملك له و لو لم يثبت فلا يباح له أيضا و الالتزام بالإباحة حتى لا يجتمع العوض و المعوّض في ملك المالك لا موجب له لأنّه يمكن أوّلا الالتزام بكون العين المتعذّر ردّها ملكا للضامن كما اختار ذلك صاحب الجواهر (قدّس سرّه) في بعض أقسام التعذّر كالخيط الّذي برده يتلف أو يتلف المخيط و الرّطوبة الباقية على أعضاء الوضوء و اختار ذلك السيد المحشي (قدّس سرّه) في جميع أقسام التعذّر بل في التّلف الحقيقيّ و هذا و إن لم يستقم كما سيجي‌ء وجهه إلّا أنّه يرفع إشكال الجمع و ثانيا وجوب البدل ليس إلّا من باب الغرامة لا المعاوضة فإذا كان كلّ واحد من البدل و العين المتعذّر ردّها ملكا للمالك فلا محذور فيه لأنّ اجتماعهما كاجتماع الأرش و العين المعيبة‌

و لكن الصواب أن يقال لو كان البدل بدلا عن الماليّة بأن استفدنا وجوبه عن عموم على اليد فهو ملك للمالك و لو كان بدلا عن السّلطنة الفائتة فمقتضاه كونه مباحا له كالإباحة في المعاطاة لأنّ ما فات عن المالك هو آثار الملك و هي التصرّف و التقلّب فيه كيف شاء فلا بدّ أن يقام مقامه ما جاز للمالك التصرّف فيه حتّى المتوقّف على الملك كما كان له السّلطنة على عينه قبل التعذّر و مقتضى ذلك هو الإباحة المطلقة و الالتزام بالملكيّة آنا ما في التصرّف المتوقّف على الملك لا الملكيّة من أوّل الأمر‌

و كيف كان لم يجتمع عند المالك العوض و المعوّض و لا البدل و المبدل لأنّ الغرامة لو كانت مباحة له كانت بدلا عن السّلطنة الفائتة و لو كانت ملكا له فهي بدل عن مالية ماله الّتي فاتت منه زمان التعذّر‌

الثانية هل البدل بدل للعين دائما أو ما دام التعذّر

أو ما لم يردّ العين أو تفصيل بين القول بالملكيّة و الإباحة وجوه و الأقوى كونه موقّتا مطلقا فيعود إلى ملك الغارم أو إلى تحت سيطرته بعد التمكّن أو بعد ردّه العين على الوجهين الآتيين و ذلك لأنّ من مناسبة الحكم و الموضوع يستفاد أن الحيلولة أو التعذّر موضوع للحكم بوجوب الغرامة و عنوان له لا أنّه علّة له حتى يمكن أن تبقى الغرامة للمالك دائما لاحتمال كون حدوثه آنا ما كافيا لبقائها له أبدا كما في مسألة التغيّر الّذي هو علة لثبوت النّجاسة في الماء لا عنوانا للموضوع بل لو شكّ في كونه عنوانا أو علّة لكفى في عدم جريان استصحاب بقاء حقّ المالك‌

و بالجملة بعد التمكّن أو بعد ردّ العين لا وجه لبقاء الغرامة في ملك المالك أو تحت سلطانه فإنّها و إن لم تكن عوضا بل كانت إمّا بدلا عن السّلطنة أو بدلا عن الماليّة إلّا أن بدليّتها كانت موقّتة لا دائميّة إلّا أن يقال إنّها لو كانت بدلا عن السّلطنة فحيث إنّها كانت بدلا عن السّلطنة الفائتة الّتي لا ترجع إلى المالك أبدا فتبقى هذه أيضا على البدليّة دائما بل يمكن أن يقال أيضا بالملكيّة الدّائميّة على القول بالملك من جهة عدم ثبوت الملك الموقّت في الشرع‌

و لكن الحقّ عدم إمكان الالتزام بالسّلطنة الدّائميّة و لا بالملكيّة كذلك و لا يجري الاستصحاب على الوجهين أمّا بناء على بدليّتها عن السّلطنة فلأنّ مقدار ما فاتت من السّلطنة تتدارك بالغرامة فإذا عادت فتعود الغرامة أيضا إلى الغارم و أمّا بناء على كونها بدلا عن الماليّة فلأنّ القول بأنّ الملكيّة الموقّتة غير ثابتة في الشرع غير مسموع لأنّ ثبوتها كذلك لم يقم برهان على امتناعه إلّا في البيع لقيام الإجماع على بطلانه كذلك فإذا اقتضى الدّليل التوقيت في غير البيع فيتبع هذا مع أنّ في الأوقاف الخاصّة الملك للبطون ليس دائميا‌

الثالثة هل العين الّتي يجب على الضّامن

159

غرامتها ملك للضّامن مطلقا أو باقية في ملك المالك مطلقا أو تفصيل بين الغرامات وجوه قد تقدّم أنّ كلّ مورد دلّ الدّليل على كون الغرامة ثمنا فيستكشف منه أنّ وجوب دفع الغرامة من باب المعاوضة الشّرعيّة القهريّة و ما لم يقم دليل عليه فلا موجب لدخول العين في ملك الغارم من غير فرق بين التعذّر بأقسامه و التّلف الحقيقيّ و العرفيّ و جريان الربا فيها لا يدلّ على كون الغرامات من باب المعاوضة إلّا إذا قلنا بالتّلازم بينهما و بناء عليه لا نلتزم بجريان الرّبا فيها فإنّ عدم صحّة ردّ الزّائد أو الناقص في المكيل أو الموزون و بدلا عن التّالف أو المتعذّر ليس اتّفاقيا و بناء على ثبوت الاتّفاق ليس اختصاص الرّبا بالمعاوضات اتّفاقيّا‌

و بالجملة الغرامة لا معاوضة مالكيّة و لا شرعيّة قهريّة فإنّ الدّليل الدالّ على الضّمان لا يقتضي كون العين ملكا للضّامن سواء صارت تالفة حقيقيّة أم عرفا كما إذا خرجت عن قابلية الانتفاع بها كالأواني المكسورة و الماء المصبوب على أعضاء الوضوء أو شرعا كما إذا صار الخلّ خمرا أو صارت متعذّرة كمورد بدل الحيلولة بل في التّلف الحقيقيّ لا يعقل دخول التّالف في ملك الضّامن و للقطع باتّحاد الحكم في جميع موارد الغرامات نحكم بعدم دخول المبدل في ملكه مطلقا بل يبقى في ملك مالكه و ذلك لأنّ في التّلف الحقيقيّ إمّا أن يقال بدخول التّالف في ملكه قبل التّلف أو بعده فلو قيل بدخوله قبله كدخوله في تلف المبيع قبل قبضه آنا ما في ملك البائع و كذلك في المعاطاة‌

ففيه أوّلا أنّه يلزم تقدّم المعلول على علّته بيان الملازمة واضح فإنّ التّلف علّة للغرامة و الغرامة علّة لدخول التّالف في ملك الغارم فكيف يدخل في ملكه قبل التّلف الّذي هو علّة لعلّته و القول بأنّ في الرّتبة السّابقة على التّلف يقدر التالف ملكا للضّامن لا في الزّمان السّابق عليه لا يستقيم لامتناع التقدّم الرّتبي أيضا و ثانيا أنّ هذا يقتضي التقدير في التّلف الحكمي و التعذّر بأقسامه فيلزم أن يكون التعذّر بنفسه موجبا لملكيّة المتعذّر للغارم و لازم ذلك أن تكون منافعه قبل أداء الغرامة له و لا أظنّ أن يلتزم به أحد و لو كان بعده فدخول المعدوم في الملك أمر لا يعتبره العقلاء و فرضه موجودا لا يجعله موجودا مع أنّه بلا موجب‌

و بالجملة حيث إنّ الغرامة سادّة للثّلمة الّتي وردت على ملك المالك فلا يقتضي لزومها على الغارم دخول عين المالك في ملكه لأنّها ليست بدلا عن نفس العين فبقاء العين في ملك المالك لا يقتضي الجمع بين العوض و المعوّض و لا المبدل ثم إنّ مقتضى ذلك أنّه لو خرج العين عن قابلية التملّك كما إذا صار الخلّ خمرا كان المالك أولى من الضّامن به و يبقى حقّ الاختصاص له‌

و لا يقال لم يكن له حق الاختصاص في عرض الملك لأن لكلّ منهما موردا مستقلا و لا يجتمعان في مورد واحد حتى يبقى أحدهما بعد زوال الآخر فإذا زالت الملكيّة فإمّا يلحق بالمباحات الأصليّة فهو لكلّ من سبق إليه و إمّا للغاصب لكونه في يده و على أيّ تقدير فثبوت الأولويّة للمالك مشكوكة لأنّها جديدة تتوقّف على سبب و الأصل عدمه‌

لأنّا نقول ليس الحق أمرا مغايرا للملك بل هو من شئونه و مراتبه الضّعيفة المندكّة تحت القوى لأنه عبارة عن إضافة خاصّة بين المستحقّ و المستحقّ عليه و هي حاصلة للمالك و محفوظة في جميع الحالات المتواردة على الملك فهي كالهيولى لا تزول بزوال الصّور النوعيّة فإذا صار الخشب رمادا لا يزول عنه إضافة المالك بل قد لا تزول الصورة كالماء الخارج‌

160

عن المفازة و الجمد الباقي من الصّيف إلى الشّتاء و لا يصحّ قياس الملك و الحقّ على الوجوب و الاستحباب لأنّهما متغايران بالملاك و لكلّ منهما مصلحة مستقلّة فإذا نسخ الوجوب لانتهاء مصلحته فلا تبقى مرتبة ضعيفة من الطّلب حتى يبقى الاستحباب فإنّه يحتاج إلى ملاك مستقلّ و الجامع الطّلبي لا يكفي للحكم بالاستحباب و لذا عدّا حكمين متضادّين‌

نعم لو أحرزنا ملاك الاستحباب في ضمن ملاك الوجوب لقلنا ببقائه بعد نسخ الوجوب ثم إنّ هنا قولا بالتفصيل بين من كان يده يدا تبعيّة كيد الوكيل و الودعي و المرتهن و كلّ يد أمانيّة فحقّ الاختصاص للمالك و من كان يده يدا استقلاليّة كالغاصب و الآخذ بالعقد الفاسد فهو له و لكن الأقوى ما عرفت من بقاء حقّ الاختصاص للمالك مطلقا لكونه من مراتب الملك بل لو قيل بأنّه من أحكام السّلطنة و آثارها فهو له أيضا لأنّه إذا كان من آثار السّلطنة على الشّي‌ء ثبوت حقّ الاختصاص فيه فهذا غير قابل للزّوال بزوال الملكيّة‌

نعم لو قيل بأنّ الحق و الملك متغايران ذاتا و موردا فيجي‌ء النّزاع في أنّه لمن سبق إليه أو للمالك مطلقا أو لمن كان يده يدا استقلاليّة و على هذا لا يجري استصحاب وجوب الردّ الثّابت سابقا سواء كان هو المتأصّل في الجعل و الملكيّة أو الحق منتزعة عنه أم كان المجعول هو الملكيّة أو حق الاختصاص و كان وجوب الردّ من أحكامه أمّا على الأخير فواضح للعلم بزوال الملكيّة و الشكّ في ثبوت حق الاختصاص و أمّا على الأوّل فلأنّ الوصف العنواني و هو الملك أو الحق له دخل في وجوب الردّ و ليس الموضوع هو ذات الشّي‌ء و لا أقلّ من الشكّ فلا مجال لاستصحابه فتأمل‌

و لكن هذا القول ضعيف جدّا و لا يشهد له الاختلاف في باب إحياء الموات و هو أنّ من عمّر أرضا خربة تركها أهلها هل ينتفع بها بلا حقّ لصاحبها الأصلي أو مع إعطائه طسقا لأنّ الاختلاف فيه إنّما هو لاختلاف الأخبار في بقاء الملك على ملك المالك الأصلي فيستحقّ الطّسق أو زواله فلا يستحقّ شيئا و لا تدلّ على عدم بقاء حق الاختصاص لصاحبه الأصلي مع بقاء الملك على ملكه بل من نفس هذه الأخبار يظهر صدق ما ادّعيناه من أنّ الحقّ من مراتب الملكيّة لظهورها في أنّ من حجر مكانا يستحقّه اختصاصا لا ملكا و إذا عمره يصير ملكا له فيحصل له أوّلا حقّ الاختصاص ثم الملكيّة و لا شبهة في أنّ الحقّ لا يزول بعد حصول الملك بل يندرج فيه‌

و كيف كان لا إشكال في أنّ الخمر إذا صار خلّا عاد إلى ملك المالك اتّفاقا إذا لم يسبقه سابق ثم إنّ ممّا يتفرّع على هذه المسألة عدم جواز المسح بالبلل الباقي على أعضاء الوضوء فإنّ الماء و إن كان تالفا عرفا فيجب على الضّامن بدله إلّا أنّه لم يخرج عن ملك المالك لما عرفت أنّ الضّمان في حدّ نفسه لا يقتضي دخول المضمون في ملك الضّامن و لذا لم يلتزم أحد بأنّ الضّامن لدين الغير يملك الدّين و عرفت أنّ جريان الرّبا في الضّمان لا يلازم كونه معاوضة و لذا ينسب إلى المشهور جريانه في الضّمان العقدي فقالوا لا يجوز أن يصير الشخص ضامنا لدين في ذمّة الغير أزيد ممّا في ذمّته إذا كان مكيلا أو موزونا مع أنهم لا يلتزمون باقتضاء الضّمان المعاوضة مطلقا‌

اللّٰهمّ إلا أن يقال بالفرق بين الخمر و الرطوبة الباقية على أعضاء الوضوء فإنّ الخمر قابل للتّخليل فيبقى حق الاختصاص للمالك أو هو مباح لكلّ من سبق إليه و أمّا الرّطوبة فلا هي مال و لا فيها حقّ اختصاص لعدم إمكان ردّها إلى المالك خارجا و عدم قابلية الانتفاع بها لغير المتوضّي‌

و بالجملة الرّطوبة شي‌ء لا يمكن أن يتعلّق بها وجوب الردّ تكليفا و لا هي في عهدة الضّامن وضعا‌

161

لأنّ ما لا يمكن أدائه أبدا لا معنى لأن يتعلّق الضّمان به فإذا خرجت عن المملوكيّة عرفا فلا مانع لأن ينتفع بها من هي على أعضائه فتأمل‌

الرابعة هل دفع البدل حقّ للضّامن أو المطالبة به حقّ للمالك أو لكليهما

و الأقوى هو الثاني كما اختاره المصنف (قدّس سرّه)

فقال ثم إنّ ثبوت القيمة مع تعذّر العين ليس كثبوتها مع تلفها في كون دفعها حقّا للضّامن

و وجهه واضح فإن مجرّد التعذّر لا يوجب انقلاب العين إلى القيمة كما قلنا بذلك في المثلي المتعذّر مثله فليس للضّامن إلزام المالك بأخذ البدل بحيث لو امتنع منه ردّه إلى الحاكم بل للمالك الإغماض عن الخصوصيّة الشخصيّة و المطالبة بالبدل و له الصّبر لأنّه لو كان العذر أبديّا لم يكن المتعذّر قابلا لأن يتعلق به وضع كما لا يمكن أن يتعلّق به تكليف‌

و أمّا العذر الموقّت فهو و إن استلزم سقوط الحكم التّكليفي ما لم يتمكّن الضّامن من الردّ و لو بالسّعي في مقدّماته إلّا أنّه لا وجه لسقوط الخصوصيّة الشخصيّة فالخيار للمالك و هذا من غير فرق بين القول بأنّ البدل بدل عن الماليّة أو عن السّلطنة و القول بأنّه بدل عن كون العين تحت الاستيلاء لأنّ الخصوصيّة الشخصيّة تسقط على جميع التّقادير لا وجه له و مجرّد إرادة الضامن تفريغ ذمّته عن تبعات العين من ضمان المنافع و ارتفاع القيمة السّوقيّة و نحو ذلك من نقص الأوصاف لا يقتضي أن يكون حق الدّفع له‌

الخامسة أنّه لا إشكال في أنّ الضّامن قبل دفع الغرامة يضمن منافع العين المتعذّرة

و لو تلفت يضمن ارتفاع القيمة السّوقيّة بناء على القول بأعلى القيم فإنّ العين في عهدته بجميع تبعاتها و لا فرق بين ضمان المنافع و ارتفاع القيمة و ما استظهره المصنف من كلام بعض من تعرّض لضمان المغصوب من عدم ضمان ارتفاع القيمة السوقيّة الحاصل بعد التعذّر و قبل الدّفع حيث عطف التعذّر على التّلف ففيه أنّ العطف لا يقتضي الاتّحاد بين المعطوف و المعطوف عليه من جميع الجهات فعدم ضمان ارتفاع القيمة بعد التّلف لا يقتضي عدمه بعد التعذّر و قبل الدّفع‌

و على أيّ حال فالحق هو ما اختاره (قدّس سرّه) من اتّحاد حكمهما لو تلفت العين و إنّما الفرق بينهما من جهة أخرى و هي أنّ ضمان ارتفاع القيمة مشروط بالتّلف لأنّه لو ردّ العين فلا يجب غيرها و أمّا المنافع فيضمنها مطلقا‌

و بالجملة لا إشكال في أنّه يضمن المنافع و ارتفاع القيمة إنّما الإشكال في أنّه يضمن كذلك بعد الدّفع أيضا أو يخرج عن عهدة جميع ذلك بالدّفع و الأقوى خروجه عن جميع التبعات بعد ما قوّينا أنّ وجوب البدل إنّما هو من باب تدارك الماليّة أو كون العين تحت اليد لأنّه سقط خصوصيّة العين بالتعذّر و أدّى الماليّة فلم يبق في ذمّته شي‌ء يستتبع المنافع فيكون هذا نظير ما إذا أدّى القيمة في المثلي المتعذّر مثله نعم لو كان وجوبه من باب تدارك السّلطنة فيبقى جميع التبعات على عهدته‌

السّادسة إذا ارتفع العذر و تمكّن من ردّ العين إلى مالكه وجب الردّ فورا

حتى على القول بالمعاوضة القهريّة الشّرعيّة لأنّ حكم الشّارع بالمعاوضة مترتّب على عنوان التعذّر و يدور مداره و لا يمكن قياس المقام على المثليّ المتعذّر مثله بعد أداء قيمته حيث قلنا بأنّه لا يجب ردّ المثل بعد التمكّن فإنّهما و إن اشتركا في أنّ الخصوصيّة العينيّة أو المثليّة غير قابلة للإسقاط بنفسها إلّا أنّهما مفترقان في أنّ المثليّة أمر كلّي تدخل في الذمّة فإذا أغمض المالك عنها‌

162

و لم يصبر إلى زمان تمكّن المثل و طالب الماليّة فيقع كلّ ما أدّاه الضّامن مصداقا لما في ذمّته و بدلا عن الكلّي‌

و لا شبهة أنّ كلّ ما وقع بدلا عن الدّين يوجب سقوطه و لو كان من غير جنسه و هذا بخلاف العين الشّخصيّة فإنّها إذا سقط أداؤها بالتعذّر و طالب المالك ماليّتها فوقوع كلّ ما يؤدّيه الضّامن بدلا عن العين يحتاج إلى معاوضة مالكيّة أو شرعيّة أبديّة لا دائرة مدار التعذّر لأنّ العين لا تدخل في الذمّة حتى يبرأ ذمّة الضّامن عنها بأداء بدلها فإذا ارتفع التعذّر يجب ردّ العين و هذا أيضا مقتضى قوله ص على اليد ما أخذت المغيّى بأداء المأخوذ‌

السّابعة قد عرفت أنّ الغرامة ليست ملكا دائميا للمالك

على جميع التّقادير إنّما الكلام في أنّه يرجع إلى الغارم بمجرّد تمكّنه من ردّ العين أو بردّها خارجا وجهان و الأقوى هو الثّاني و ذلك لأنّ التعذّر و إن أوجب استحقاق البدل إلّا أنّه علّة للوجوب لا أنّه موضوع له حتى يبطل البدليّة بمجرّد التمكّن و ذلك لأنّ التمكّن لا يخرج العين عمّا هي عليه من انقطاع سلطنة المالك عنها و عدم كونها تحت يده فما لم يرجع العين لا تدخل تحت سلطنته و يده و لا تعدّ مالا من أمواله فالموضوع هو خروج العين عن تحت السّلطنة لا التعذّر فإنّه علّة للوجوب كالتغيّر الّذي هو علّة العروض النّجاسة على الماء فإذا شكّ في أنّه علّة محدثة فقط أو علّة محدثة و مبقية أيضا فيستصحب بقاء البدل على ملك المالك و لازم ذلك عدم ثبوت الضّمان الجديد فإنّ منشأ توهّم الضّمان الجديد هو عود الغرامة إلى الغارم و منشأ العود هو كون التعذّر ركنا لثبوت تملك المالك للغرامة و كونه ركنا يتوقّف على أن يكون التمكّن موجبا للجمع بين العوض و المعوّض عند المالك مع أنّ مجرّد التمكّن لا يخرج العين عمّا هي عليه من انقطاع سلطنة المالك و لا تعدّ مالا من أمواله فلا وجه لخروج البدل عن ملك المالك قبل ردّ العين و لا وجه للضّمان الجديد بل العين قبل الردّ مضمونة بالبدل فإذا تلفت بعد التعذّر و قبل الردّ يتعيّن البدل للبدليّة و على هذا لا وجه لاستحقاق الغارم لحبس العين لأنّه لا يستحقّ الغرامة إلّا بردّ العين فإذا كان علّة استحقاقه هو الردّ فكيف يتقدم المعلول على علّته‌

و لا يقال مقتضى ذلك عدم جواز مطالبة المالك العين من الغارم لأنّه ما لم يرد الغارم العين إليه يبقى بدليّة الغرامة على حالها فإنّ سقوط البدليّة و ارتفاعها على الفرض إنّما هو بالردّ فمع بقاء البدليّة كيف يجوز له المطالبة نعم بناء على كون البدل بدلا عن السّلطنة يمكن التّفكيك بين الأحكام الوضعيّة فيبرأ الضّامن عن بعض آثار المضمون دون بعضها الآخر فيجوز للمالك المطالبة مع بقاء البدل في ملكه‌

لأنّا نقول لا تنافي بين براءة ذمّة الضّامن عن ماليّة المال و عدم عود البدل إلى ملكه بمجرّد التمكّن و بين جواز مطالبة المالك بحق مالكي و ذلك لأنّ براءة ذمّة الضّامن ليس إلّا لأنه لم يبق من حيث ماليّة المال في عهدته شي‌ء و لكن علقة المالك بالنّسبة إلى ملكه باقية و لذا يصحّ في هذا الحال بيعه أو صلحه من غير الغارم فاستحقاق المالك إنّما هو لبقاء علقته كما في الخل الّذي صار خمرا و كما في الأواني المكسورة و حيث إنّه لا يمكن ردّ العين إلّا في ضمن ماليّتها فيجب عليه ردّ المال و بعد ذلك يستحقّ البدل لئلّا يجتمع البدل و المبدل عند المالك بل يمكن أن يقال ليس للغارم حقّ حبس العين و لو قيل ببطلان البدليّة بمجرّد التمكّن‌

163

و توضيح ذلك أنّ النزاع في استحقاق الغارم حبس العين إلى أن يدفع المالك الغرامة و عدمه يقع في مقامين الأول فيما لو وصل العين في يده و الثاني مجرّد التمكّن من ردّها مع بقائها في يد الغير أو المحلّ الذي كانت فيه فمعنى حبسها هو الأعمّ من حبسها تحت يده و عدم إقدامه على تحصيلها و المصنف رجّح أوّلا عدم ثبوت حقّ له لأنّ العين لم تكن معوّضة عن البدل بل كانت السّلطنة معوّضة عنه ثم رجّح ثانيا ثبوت الحقّ له لأنّ العين و إن لم تكن معوّضة بل كان المعوّض هو السّلطنة إلّا أنّ حبس السّلطنة لما كان متوقّفا على حبس العين لتضمّن العين السّلطنة عليها فلا مانع من حبس العين و ذلك كما يحبس الخيّاط الثّوب المخيط لتضمّنه الخياطة الّتي هي معوّض عن الأجرة و كذلك حبس القصّار الثوب‌

و لكنّك خبير بأنّ المورد الّذي دلّ الدليل على جواز الحبس فيه هو مورد المعاوضات قبل الفسخ و بعده أمّا قبله فللشّرط الضّمني من المتعاوضين فإن بناءهما بحسب العادة هو التّسليم و التسلّم بحيث صار ذلك من الأمور الارتكازيّة عند العرف فللبائع جنس المبيع ليأخذ الثّمن و للمشتري حبس الثمن ليتسلّم المبيع و أمّا بعد الفسخ فحقّ الحبس و إن لم يكن خاليا عن الإشكال لأن العقد إذا بطل بطل بتوابعه و منها الشرط الضّمني إلّا أنّه ادّعى الإجماع على أنّ لهما حقّ الحبس أو أنّ الشّرط الضّمني اقتضى حقّ الحبس بعد الفسخ أيضا و بطلانه لبطلان متبوعه لا يقتضي ذهاب أثره لأنّ هذا الأثر أثر لمطلق وجوده لا لبقائه و إذا ثبت حقّ الحبس إمّا للشّرط الضّمني أو الإجماع ارتفع إشكال الأردبيلي (قدّس سرّه) من أنّ ظلم أحدهما لا يسوّغ ظلم الآخر و أمّا ثبوته في المقام فلا دليل عليه سواء قلنا بأن باب الغرامات باب المعاوضات أو قلنا بأنّه ليس إلّا تدارك الفائت و سواء قلنا بعود الغرامة بمجرّد التمكّن أم بعد ردّ العين و ذلك لأنّه لو قلنا بأنّ الغرامة لا تعود إلّا بردّ العين فلا يتحقّق موضوع لحقّ الحبس فإنه نظير الخيار الحاصل بردّ مثل الثمن فإنّه ليس للبائع حبس الثّمن لأخذ المثمن لعدم تحقّق الخيار له إلّا بعد ردّ الثمن‌

و أمّا لو قلنا بأنّ الغرامة تعود بمجرّد التمكّن فلو قلنا بالمعاوضة بين الغرامة و العين فهذا و إن كان نظير بعد الفسخ إلّا أنّ الدّليل الدال على ثبوت حقّ الحبس بعد الفسخ لا يدلّ على ثبوته في المقام لأنّ الحبس فيه إنّما هو لفسخ المعاوضة المالكيّة و في المقام معاوضة شرعيّة قهريّة فيتوقّف ثبوت الحقّ فيه على دليل بالخصوص و لو قلنا بأنّه من باب الغرامة فأمره أظهر لأن باب الغرامة لم يثبت فيها جواز الحبس للغارم فلا يشبه بالعقد بعد الفسخ أيضا و هذا من غير فرق بين كون الغرامة بدلا عن السّلطنة أو الماليّة لعدم ثبوت الحقّ للضّامن على أيّ تقدير و حاصل الكلام أنّه لا وجه لعود الغرامة إلى الضّامن بمجرّد تمكّنه من ردّ العين فلا يضمن ضمانا جديدا و ليس له حقّ الحبس‌

و لا يقال فيما إذا دخل العين تحت يد الضّامن لا يمكن الالتزام بعدم ضمانه ضمانا جديدا و إلّا يلزم أن يكون التصرّف في مال الغير بغير إذنه خارجا عن أدلّة الضّمانات مع أنّه ليس أمانة شرعيّة و إذا التزمنا بالضّمان الجديد في هذه الصورة فلا بدّ من الالتزام بأن مجرّد التمكّن يوجب عود الغرامة إلى الضّامن و يوجب الضّمان الجديد أيضا و إلّا لزم القول بالفصل في المسألة مع اتّفاق الأعلام على أحد القولين إمّا عود الغرامة إليه بمجرّد التمكن و إمّا بردّ العين فعودها إليه في بعض أقسام التمكّن‌

164

دون بعض قول ثالث‌

لأنّا نقول أخذ العين و وضع اليد عليها إمّا لمحض الردّ إلى المالك و إمّا للتصرف فيها عدوانا فلو كان للردّ إلى المالك فإمّا أن يتصرّف فيها بمقدار يتوقّف الردّ عليه و إمّا زائدا عليه فلو كان مقدّمة للردّ و تصرّف فيها بمقدار ما يتوقّف عليه الردّ فالحق عدم تعلّق الضّمان الجديد بها لأن تصرّفه فيها إمّا من باب الإذن الشّرعي الّذي نشأ من وجوب الردّ تكليفا و إمّا لمطالبة المالك و إمّا لحقّ الحبس بناء على ثبوته له و لو قبل عود الغرامة إليه‌

و على أيّ تقدير فيد الغارم يد أمانة لا يد عدوان و يد الأمانة خارجة عن عموم على اليد إمّا تخصّصا أو تخصيصا و كون قبضه لمصلحة نفسه ليس من موجبات الضّمان في حدّ ذاته كما أنه ليس رافعا للضّمان أيضا مع أنّ القبض ليس أصلح له دائما كما إذا كانت الغرامة أغلى قيمة و أكثر نفعا من العين و بالجملة العين الّتي وجب ردّها إلى المالك عين مسلوب الماليّة فإذا تصرّف فيها مقدمة للردّ و لم يماطل فيه فلو تلفت بقيت الغرامة على البدليّة و تكون العين مضمونة بها لا بشي‌ء آخر فلا وجه للضّمان الجديد و بطلان الضّمان الأوّل‌

و أمّا لو تصرف فيها زائدا عمّا يتوقّف الردّ عليه أو عدوانا فلا إشكال في ثبوت الضّمان بالنّسبة إلى المنافع و ارتفاع القيمة لأنّه تصرّف بلا إذن مالكيّ و لا شرعيّ و أمّا ضمان نفس العين غير الغرامة بحيث لو تلفت بطلت بدليّة الغرامة و رجعت إلى ملك الغارم و ضمن العين بالضّمان الجديد فلا تعرف له وجها هذا مضافا إلى ما أفاده المصنف (قدّس سرّه) من أنّ الاستصحاب يقتضي كون العين مضمونة بالغرامة و عدم طروّ ما يزيل ملكيّة المالك عن الغرامة أو يحدث ضمانا جديدا‌

بقي هنا فروع لا بأس بالتعرّض لها

و إن كان بعضها سيجي‌ء إن شاء اللّٰه في تعاقب الأيدي و في خيار الغبن‌

الأوّل لو أقرّ أحد بمال في يده لزيد ثم أقرّ أنّه لعمرو

أو باع ذو اليد ما في يده ثم أقرّ أنّه لغيره أو قامت البيّنة على أنّ ما في يد زيد لعمرو و أقرّ زيد بأنّه لبكر فهل الغرامة الّتي يغرمها المقرّ في هذه الموارد من باب بدل الحيلولة أو من باب الإتلاف أو فرق بين خروج المال عن يد الغارم بسبب منه كإقراره أوّلا أو بيعه و خروجه بسبب غيره كالبيّنة وجوه نسب صاحب الجواهر (قدّس سرّه) إلى ظاهر الأصحاب أنّ الغرامة في الجميع من باب بدل الحيلولة و احتمل هو (قدّس سرّه) أن تكون من باب الإتلاف‌

ثمّ إنّ كلامه (قدّس سرّه) في انتقال العين الّتي هي مبدل الغرامة إلى الضّامن مختلف ففي باب الغصب يظهر منه أنّه ينتقل التالف إلى الغارم دون المبدل في بدل الحيلولة فإنّه باق على ملك مالكه و في أبواب أخر يظهر منه العكس و قد يظهر منه عدم الانتقال مطلقا و قد يظهر منه الانتقال مطلقا و حيث إنّ المسألة خلافيّة فلا بأس باختلاف الأنظار للفقيه الواحد و المختار عدم الانتقال مطلقا فعليه نتيجة البحث واضحة فإنّه لو كان وجوب الغرامة من باب الإتلاف فالاعتبار بقيمة يوم البيع أو الإقرار الأوّل أو الشّهادة لأنّ هذا اليوم يوم التّلف على المقرّ له ثانيا بعد الإقرار الأوّل و نحوه فارتفاع القيمة بعد هذا اليوم غير مضمون و كذلك المنافع و الأوصاف‌

و أمّا لو كان من باب الحيلولة فالاعتبار بقيمة يوم الدّفع إلى المقر له و يضمن المنافع و الأوصاف و ارتفاع القيمة من يوم البيع مثلا إلى يوم الدّفع بناء على المختار من براءة الضّامن عن المنافع و نحوها بدفع الغرامة و الحقّ أنّ وجوب الغرامة في المقام من باب بدل الحيلولة لما عرفت من أنّ المناط في بدل الحيلولة هو كون العين باقية على حالها من دون نقص في قيمتها و لا تغيير في هيئتها و إنّما‌

165

امتنع الردّ للغارم لبعض الموانع و في المقام العين كذلك لبقائها على ما كانت عليه و إنّما امتنع الردّ إلى مالكه لإقراره أو بيعه أو الشّهادة من غيره‌

هذا مع أنّه ليس فيه مناط التّلف و ما بحكمه لأنّ المناط فيه هو كون العين معدومة أو في حكم المعدوم كالماء الباقي على أعضاء الوضوء و المسروق بالسّرقة الّتي لا يعلم سارقها و لا يعلم بقاء العين أو تلفها أو الخيط الممتنع نزعه أو المزج و نحو ذلك و توهّم أنّه في حكم التّلف لعدم إمكان ردّه أبدا فاسد لإمكان تكذيب المقر له أولا للمقر و تصديقه الإقرار الثّاني و إمكان تصديق المشتري أو رده المبيع بفسخ أو إقالة و إمكان الشّراء منه و هكذا يمكن رجوع الشّاهدين عن الشّهادة‌

و بالجملة ليس الإقرار الأوّل و البيع و الشّهادة إلّا كالخروج عن يد الغارم بالإباق أو الغصب أو السّرقة مع العلم ببقاء العين على حالها و العلم بمكانها أو العلم بالسارق الّتي قد عرفت أنّ هذه جميعها من موارد بدل الحيلولة فتدبّر‌

الثّاني المدار في بدل الحيلولة هو تعذّر ردّ العين على الضّامن

سواء تمكّن المالك من أخذ العين أم لا لأنّ أخذ مال الغير يقتضي أن يكون عهدة المال على الآخذ فإذا تلف فعليه القيمة و إذا غصبه غاصب أو وقع في البحر فعليه بدل الحيلولة‌

و تمكّن المالك لا يرفع الضّمان و على هذا لو تعاقبت الأيدي على العين فتمكّن المالك من أخذ العين من الثّاني فلا يخرج اليد الأولى عن الضّمان فللمالك أن يرجع إلى الضّامن الأوّل و يأخذ الغرامة منه و أن يرجع إلى من كان العين في يده نعم لو رجع إلى الثّاني لا يجوز له الرّجوع إلى الأوّل ثم هل يجوز للغاصب الأوّل قبل دفع البدل إلى المالك الرّجوع إلى الثّاني مطلقا أو لا يجوز له مطلقا أو فيه تفصيل الأقوى هو التّفصيل لأنّ مع عجز الثّاني عن ردّ العين إلى المالك و إلى الغاصب الأوّل لا وجه لرجوع الأوّل إليه و أمّا مع تمكّنه فقد يقال بأنّه لا يجوز للأوّل أيضا الرّجوع إليه لا بإلزامه بدفع البدل لعدم استقرار البدل للغاصب الأوّل في عهدة الثاني قبل دفعه إلى المالك و لا بإلزامه بدفع العين لأنّها باقية في ملك مالكها‌

و لكن الأقوى أنّه يجوز له إلزامه بدفع العين إمّا إليه و إمّا إلى مالكه و يجوز للثّاني الردّ إليه أيضا لأنّ الأوّل حيث يكون قصده الإحسان و إيصال المال إلى مالكه فلا مانع من ردّه إليه نعم لو تلف عنده فلم يخرج عن الضّمان لأنّ الأوّل لم يكن وكيلا عن المالك و أمّا بعد دفع البدل إلى المالك ففي مورد عجز الثّاني يجوز له مطالبة البدل عنه لأنّ مقتضى ضمان كلّ لاحق لسابق بمقتضى أخذه العين منه مع عدم كونه مغرورا منه أن يكون في عهدة كلّ ضامن لاحق تدارك ما اغترمه السّابق‌

و بعبارة أخرى ضمن اللّاحق شيئا له البدل فهو يضمن على سبيل البدليّة واحدا من البدل و المبدل و المفروض أنّ المبدل خارج عن تحت يده و لم يؤدّ البدل إلى المالك أيضا لرجوع المالك إلى الأوّل فيجب عليه دفع البدل إلى السّابق و أمّا في مورد تمكّنه عن العين فلو قلنا بدخولها في ملك الأوّل بدفع الغرامة إلى المالك فلا إشكال في وجوب ردّ الثّاني إليه و أمّا لو لم نقل بالمعاوضة فلو قلنا بأنّ الغارم له حق الحبس فيجوز له مطالبة العين من الثّاني لأن يحبسها على مالكها حتى يأخذ الغرامة منه‌

و أمّا لو لم نقل به فهل يستحقّ مطالبة العين أو لا يستحقّ إلّا إلزامه بردّ العين إمّا إلى مالكه أو إليه كما كان له إلزامه كذلك قبل دفع البدل وجهان و الحقّ استحقاقه‌

166

مطالبة نفس العين لأنّ مقتضى ضمان كل لاحق لسابق إمّا بالبدل أو المبدل على سبيل البدليّة أن يكون الغاصب الأوّل مستحقّا لها لأنّ المفروض أنّ العين تحت يد الثّاني فليس مورد بدل الحيلولة و المفروض أنّه لا يمكن أن لا يكون ضامنا للأوّل فإذا كان ضامنا له و لم يكن مورد بدل الحيلولة فلا محالة يضمن له العين‌

ثم ممّا يتفرع على تعاقب الأيدي جواز مطالبة المالك من كلّ من وصل المال إليه و دخل تحت استيلائه سواء كان باقيا أم تالفا لأنّ كلّا من الأيدي يد ضمان على نحو الواجب الكفائي فضمان كلّ منها بالنّسبة إلى المالك ضمان استقراريّ فعليّ مشروط بعدم سقوطه بأداء الآخر و لذا تقدم أنّه لو تمكن أحدهم من ردّ العين و تعذّر على البقيّة فيلاحظ حكم كلّ منهم على حسب تكليف نفسه فلا يختصّ مطالبة بدل الحيلولة بصورة التعذّر على الكلّ بل لو رجع إلى الأوّل و لم يتمكن من ردّ العين غرم البدل و لو رجع إلى الأخير فهو لا يرجع إلى أحد و لو رجع إلى الوسط فهو لا يرجع إلّا إلى لاحقه و يلاحظ حكم كلّ لاحق بالنّسبة إلى السّابق لا بالنّسبة إلى المالك فلو رجع إلى الثاني و أخذ البدل منه في صورة وجود العين عند غيره رجع الثّاني إلى الثّالث فلو تمكّن من ردّ العين فهو المطلوب و إلّا فالبدل و لو رجع إلى الثّاني في صورة تلف العين عند الثّالث أخذ القيمة من الثّاني و يأخذها الثّاني من الثّالث‌

الثّالث قد تقدم حكم قسمين من أقسام التعذّر و بقي قسمان

أحدهما ما تعذّر ردّه لأدائه إلى تلف نفس

أو مال محترم كالخيط المخيط به جرح حيوان أو ثوب‌

الثّاني ما تعذّر ردّه بسبب الخلط أو المزج

أمّا الخيط فإذا كان المخيط به جرح حيوان يؤدّي إخراج الخيط منه إلى تلف الحيوان فلا يجوز لمالك الخيط مطالبة نفس الخيط سواء أدّى إخراجه إلى تلف الخيط أم لا لعدم جواز إتلاف النّفس المحترمة فله قيمة الخيط لأنّه بحكم الشّارع تالف‌

و أمّا لو كان المخيط به ثوبا فلو كان الثّوب من غير الضّامن فكذلك أيضا لأنّه مال محترم لا يجوز إتلافه و أمّا لو كان منه ففيه خلاف فقيل باستحقاق نزعه و حينئذ فلو لم يبق له قيمة فعلى الضّامن تمام القيمة و إلّا فعليه التّفاوت بين صحيحه و معيبه و قيل باستحقاقه قيمته لأنّ إتلافه لا يجوز حتّى من المالك فهو بمنزلة التّلف و الأقوى حصول الشّركة بين مالك الخيط و الثوب لأنّه لم يتلف فعلا و لا يصحّ إتلافه فيكون كالثّوب المصبوغ لو كان الصّبغ من غير مالك الثّوب فيباع الثوب و يؤخذ القدر المشترك بين كونه مخيطا و غير مخيط لمالك الثّوب و قيمة الخيط لمالكه إذا كان كونه في الثّوب أقلّ قيمة أو مساويا لما لم يكن كذلك و قيمته الفعلي إذا كان أزيد لأنّ الزيادة حصلت في ملكه و هذه الأقوال جارية في الفسخ بالخيار و الإقالة أيضا و منشؤها النّزاع في أنّ فساد الخيط هل هو بمنزلة التّلف الحقيقي أو ليس كذلك و سيجي‌ء في خيار الغبن إن شاء اللّٰه تعالى حكم الثوب الّذي صبغه من عليه الخيار فإن حكمه حكم المقام و إن كان بينهما فرق و هو احترام عمل الصباغ في تلك المسألة بخلاف المقام فانتظر‌

و أمّا مسألة الخلط أو المزج فتوضيحها متوقّف على تمهيد مقدّمتين الأولى أنّ ملاك بدل الحيلولة لا يجري في الخلط أو المزج فإنّ المدار فيه على تعذّر ردّ المال و عدم إمكان رده لا صحيحا و لا ناقصا لا منضما و لا مفروزا و أمّا إذا أمكن ردّه و لو منضما مع غيره فلا وجه لوجوب البدل عليه فإنّ خصوصيّة المال و شخصيّته و إن زالت‌

167

لأنّ ما لا يمكن امتيازه لا يمكن أن تتعلّق به إضافة مالكيّة و لا أن يتعلّق به الضمان أيضا إلّا أنّه مع بقائه عند الضّامن و عدم تلف ماليّته عرفا و شرعا لا وجه لثبوت بدل الحيلولة كما لا وجه لإجراء حكم التّلف عليه أيضا في غير مورد الاستهلاك الثّانية أنّ الاستهلاك إنّما يتصوّر في المزج بغير الجنس إذا زال صورته النّوعيّة حقيقة أو عرفا فالحقيقيّ كمزج حقّة حليب بمائة كرّ من الماء فإن تفرّق أجزاء الحليب في الماء الكثير موجب لذهاب صورته النوعيّة بالدقّة و العرفي كخلط حقّة من طحين الشّعير بعشر حقق من طحين الحنطة‌

و أمّا المزج بالجنس و كذا الخلط كذلك فلا معنى لاستهلاكه و هكذا المزج أو الخلط بغير الجنس مع بقاء صورتهما النّوعيّة كمزج حقّة من الحليب بحقة من الماء إذا عرفت ذلك فإذا امتزج مثلا شي‌ء بغيره فالمزج قد يقع من غير المالكين و قد يكون من فعل أحدهما و الأخير إمّا بحقّ كأحد المتبايعين و إمّا بغير حقّ كالغاصب و من بحكمه‌

ثم إنّه قد يكون بالجنس و قد يكون بغيره و المزج بالجنس تارة يكون بالمساوي و أخرى بالأجود أو الأردإ و المزج بغير الجنس تارة يكون موجبا للاستهلاك و أخرى لا يكون كذلك فإذا امتزجا من دون اختيار المالكين فلو كان المزج بالجنس المساوي فيحصل الشّركة في العين و في غير المساوي يحصل الشّركة في المالية فيباع المجموع و يعطى كلّ من المالكين مقدار قيمة ماله و لو نقص قيمته بسبب المزج أو زاد فالنقصان ليس على أحد المالكين و الزيادة موهبة من اللّٰه‌

ثم إنّ الفرق بين المزج بالمساوي و غيره واضح فإنّ الشركة في العين في الأوّل لا يستلزم الرّبا بخلاف الثّاني فإن صاحب الجودة لو أعطي مقدار من العين بدل جودة ماله لزم أن يستحقّ زائدا على مقدار ماله من العين و حيث إنّ صفة ماله محترمة فيباع العين و يعطى من القيمة مقدار ماله مع الخصوصيّة نعم نفس الامتزاج لو صار موجبا للزّيادة فلا شي‌ء له بل هذه موهبة لكليهما‌

و لو كان المزج بغير الجنس ففي صورة الاستهلاك إذا لم يوجب زيادة مالية في المزيد عليه كما لو استهلك ماء الورد في الدّهن فلا شي‌ء لمالكه لأنّه تلف من غير ضمان له على أحد و لو أوجب كاستهلاك الحليب في الماء أو دهن الجوز في الزّيت فيشتركان بمقدار مالية مالهما من نفس العين لعدم لزوم الربا في غير الجنس لأنّ مقتضى القاعدة هو الشركة من نفس العين إلّا إذا استلزم محذورا و في غير صورة الاستهلاك في كم الشّركة في العين أيضا بمقدار الماليّة‌

و لو امتزجا بفعل أحد المالكين فلو كان المزج بحقّ فإذا كان بالجنس المساوي يحصل الشّركة في العين و إذا كان بأردأ من مال صاحبه فعليه الأرش لعدم التّنافي بين جواز المزج و ثبوت الضّمان عليه فهما يشتركان في العين و على المازج الأرش و إذا كان بأعلى منه فليس له الأرش لأنّ المزج صار بفعله نعم حيث إنّه كان بحق و كان صفة الجودة محترمة يحصل بينهما الشركة في الماليّة و في الخلط بغير الجنس إذا أوجب الاستهلاك فهو بمنزلة التّلف و إلّا فيتحقّق الشّركة في العين بمقدار الماليّة‌

و لو كان بغير حق كالغاصب و الأخذ بالعقد الفاسد فحكمه حكم المزج بالحقّ إلّا أنّ صفة الجودة هنا غير محترمة حتّى في المقبوض بالعقد الفاسد لأنّ كونها ملكه لا أثر له فإن حصول صفة في مال غيره بفعله لا يوجب استحقاقه الأرش من الغير لأنّ الزيادة الحكميّة ليست كالزّيادة العينيّة من الغاصب محترمة فظهر ممّا ذكرنا الفرق بين المزج القهري و الاختياري‌

168

و الفرق في الاختياري بين من له الحق و غيره فإنّ النّقص الحاصل قهرا لا يضمنه أحد المالكين بخلاف النقص الحاصل بالمزج الاختياري و أنّ الزيادة الحكميّة من غير الغاصب محترمة بخلاف الزيادة الحكميّة الحاصلة من الغاصب و من بحكمه هذا بحسب ما هو الحقّ عندنا‌

و لكن نسب إلى ابن إدريس (قدّس سرّه) أنّه قال في مورد الغصب الخلط بمنزلة التّلف حتى في الجنس المساوي و نقل المحقّق و الشّهيد الثّاني قولين في الخلط بالجنس في الأردإ و الأجود و لم يرجّحا أحد القولين ففي الشرائع إذا غصب دهنا كالزّيت أو السّمن فخلطه بمثله فهما شريكان و لو خلطه بأجود أو أدون قيل يضمن المثل لتعذّر التّسليم و قيل يكون شريكا في فضل لجودة و يضمن المثل في فضل الرّداءة إلّا أن يرضى المالك بأخذ العين انتهى و الشّهيد الأوّل حكم بضمان المثل في المزج بالأردإ و الشركة في العين في المزج بالأعلى أو المساوي و قال في الشّرائع أمّا لو خلطه بغير جنسه لكان مستهلكا و ضمن المثل و احتمل الشهيد الثّاني في الرّوضة في مورد الخلط بالأجود الانتقال إلى المثل للاستهلاك‌

هذا و لكن ممّا بيّنا في المقدمتين ظهر أنّ الإلحاق بالتّلف منحصر في مورد الاستهلاك و هو في غير الجنس و أمّا مجرّد عدم الامتياز فليس في حكم التّلف و كيف كان فقد ظهر ممّا ذكرنا أنه ليس مورد يكون التّخيير للغاصب بين دفع المثل أو القيمة و لا للمالك بين أخذ العين الممتزجة مع الأرش في مورد النّقصان و أخذ القيمة لأنّ المزج لو كان بحكم التّلف تعيّن القيمة و إلّا فليس للمالك إلّا العين مع أخذ الأرش في مورد النّقصان‌

ثم إنّ ما ذكرنا من تعين القيمة في مورد التّلف إنّما هو بحسب الكبرى و أمّا تعيين الصّغرى ففي غاية الإشكال و لذا ذهب شيخ الطّائفة بأنّه لو زرع الحبّ أو استفرخ البيض فليس على الغاصب إلّا المثل أو القيمة و عن الخلاف أنّ القائل بأنّ الفرخ عين البيض و الزّرع عين الحبّ مكابر و ذهب صاحب الجواهر إلى عكسه و ادّعى بأنّ القائل بأنّ الزّرع و الفرخ للغاصب مكابر و منشأ النّزاع أنّ تلف الصورة النّوعيّة مع بقاء الماليّة هل هو بمنزلة التّلف أو أنّ المدار في التّلف هو تلف المال و أمّا تبدّل الصورة بصورة أخرى مع بقاء المادة الجامعة بين الصّورة فلا يوجب الانتقال إلى القيمة أو المثل بل على الضّامن الأرش لو حصل النّقصان‌

و على هذا ففي الخلط بغير الجنس لو بقي مقدار من الماليّة كما إذا امتزج الحليب بالماء في البلاد الّتي للماء فيها قيمة ينشأ الإشكال لأنّ نقصان القيمة لا يقتضي إلّا الأرش مع الشركة في العين لا المثل أو القيمة فالمسألة في غاية الإشكال و يمكن الجمع بين كلماتهم بأن يقال كلّ من حكم بأنّ المزج بغير الجنس بمنزلة التّلف مقصوده صورة الاستهلاك بنحو خاصّ فإنّ الاستهلاك على قسمين قسم لا يوجب زيادة الماليّة في المزيد عليه كاستهلاك الجلّاب في الدّهن و قسم يوجب الزّيادة كاستهلاك الحليب في الماء أو استهلاك دهن اللّوز في الزّيت فالقسم الأوّل ملحق بالتّلف و الثّاني حكمه الشركة في الماليّة ثم الشّركة في المالية على قسمين قسم يقوم المال و يؤخذ حق المضمون له من عين المال و هذا فيما لم يلزم منه ربا و قسم يعطى القيمة إذا كان مال الضّامن أردأ فتأمّل جيّدا‌

[الكلام في شروط المتعاقدين]

[مسألة المشهور كما عن الدّروس و الكفاية بطلان عقد الصبيّ]

قوله (قدّس سرّه) المشهور كما عن الدّروس و الكفاية بطلان عقد الصبيّ إلى آخره

أقول تقدم في صدر الكتاب أنّ شروط العقد على أنحاء ثلاثة شروط الصّيغة و المتعاقدين و العوضين و تقدم حكم الأوّل و أمّا الثّاني فمن جملتها بلوغ العاقد و لا إشكال في تحقّقه بالاحتلام‌

169

و الإنبات و أمّا تحقّقه بالسّن فالمشهور أنّه بتمام خمسة عشر في الرّجل و قيل بتحقّقه بعشر سنين‌

ثم إنّهم اختلفوا في اعتبار البلوغ في جميع الأحكام المتعلقة به و عدمه فبعضهم فرق بين الفروع و الأصول فلم يعتبره في إسلامه و بعضهم استثنى من الفروع وصيّته الشاملة لتدبيره لأنّه وصيّة أيضا كما يظهر من قضيّة وصيّة عيسى بن موسى المذكورة في صحيحة عبد الرّحمن بن الحجّاج و كذلك طلاقه و عتقه و معاملته الصّادرة منه امتحانا للرّشد فإنّ الامتحان قبل البلوغ إنّما هو بالمعاملة الحقيقيّة لا الصوريّة و غير ذلك ممّا هو مذكور في محلّه فإنّ هذه المستثنيات و إن لم تكن إجماعيّة إلّا أنّ جملة من المحقّقين التزموا بصحّتها من الصّبي المميّز أو ممّن بلغ عشرا‌

و على أيّ حال لا إشكال في إسلام الرّشيد الغير البالغ و خروجه به عن تبعيّة الوالدين لأنّ المدار فيه على الإدراك و الاقتدار على الاستدلال و لو إجمالا فكلّ من عرف أنّ للعالم صانعا و أنّ له سفراء و حججا فهو مسلم حقيقة و بهذا نفتخر على مخالفينا بأن عليا عليه الصّلاة و السّلام أوّل القوم إسلاما و أقدمهم إيمانا‌

و كيف كان فليس المقام مقام تنقيح ذلك و لا بيان المستثنيات فإنّ عقد البحث إنّما هو في صحّة معاملاته بمجرّد الرّشد مطلقا أو أنّ صحّتها موقوف على الرّشد و البلوغ فإذا قلنا بالثّاني يتفرّع عليه النزاع من جهات أخرى الأولى أنه هل ينفذ تصرفاته في ماله بإذن الوليّ كنفوذ تصرفات الرّاهن بإذن المرتهن أم لا الثانية هل يصحّ وكالته عن الوليّ في تصرفاته في ماله الّذي يرجع سلطنته إلى الوليّ أم لا الثّالثة أنّه هل يصحّ وكالته عن الغير أم لا فهنا جهات أربع الأولى استقلاله في التصرّف و الثّانية صحّته بإذن الوليّ و الثالثة وكالته عن الوليّ و الرابعة وكالته عن غيره‌

و منشأ النزاع في هذه الجهات هو أنّ الصبيّ الرّشيد هل هو من المحجورين أو لا و على القول بأنّه محجور فهو من أيّ قسم من أقسامه فإنّ المحجور لا يخلو أمره من أحد أمرين لأنّه إمّا محجور عن الاستقلال و إمّا محجور عن أصل السّلطنة و الأوّل على قسمين أحدهما من كان سبب حجره تعلّق حق مالكيّ على ماله كالراهن و المفلس بعد حكم الحاكم و الثّاني من كان سبب حجره تعلّق ولاية شرعيّة عليه كالبالغة الباكرة بناء على اعتبار إذن الولي في صحّة نكاحها و الثّاني أيضا على قسمين فإنّ كونه محجورا عن أصل التصرف إمّا لتعلّق حق مالكي عليه كالعبد لكون ملكه لمولاه و إمّا لتعلّق حقّ الولاية عليه و هذا على قسمين أحدهما من كان منشأ تعلّق حقّ الولاية عليه كونه مسلوب العبارة و كون فعله كالعدم كالمجنون و الثّاني من لا يكون محجورا من حيث الفعل بل من حيث المعاملة لنفسه و التصرف في ماله كالسّفيه فإنّه ليس محجورا عن العقود الراجعة إلى الغير و وجه الخلاف الاختلاف في ما يستفاد من الكتاب و السّنة‌

أمّا الكتاب فهو قوله عزّ من قائل وَ ابْتَلُوا الْيَتٰامىٰ حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا النِّكٰاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ فإنّه يمكن أن يكون قوله فإن آنستم تفريعا على الابتلاء أي اختبروهم قبل البلوغ من زمان يمكن رشدهم فيه إلى زمان البلوغ فإن آنستم منهم الرّشد في خلال هذه الأزمنة فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ فعلى هذا يكفي الرّشد لنفوذ تصرّفهم و لو لم يبلغوا‌

و يمكن أن يكون تفريعا على الامتحان بعد البلوغ أي امتحنوهم من زمان قابليتهم للامتحان إلى زمان البلوغ فإذا بلغوا راشدين فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ و الظّاهر هو الثاني أمّا أولا فلأنّه سبحانه لمّا أمر بإيتاء الأيتام أموالهم بقوله عزّ شأنه وَ آتُوا الْيَتٰامىٰ أَمْوٰالَهُمْ و نهى‌

170

عن دفع المال إلى السّفيه بقوله وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ بين الحدّ الفاصل بين ما يحلّ ذلك للوليّ و ما لا يحلّ فجعل لجواز الدفع شرطين البلوغ و إيناس الرّشد فلا يجوز قبلهما و ثانيا لو لم يكن قوله فادفعوا تفريعا على إحراز الرّشد بعد البلوغ لم يكن وجه لجعل غاية الابتلاء هو البلوغ و كان المناسب أن يقال وَ ابْتَلُوا الْيَتٰامىٰ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ

و لا يقال لو كان المدار على الرشد و البلوغ لا وجه لإيجاب الامتحان قبل البلوغ فإنّ ظاهر كلمة حتّى أنّها غاية للامتحان فلا محالة يكون مبدؤه قبل البلوغ لأنّا نقول إيجاب الامتحان قبله إنّما هو لإحراز الرّشد حتى تدفع إليهم أموالهم بمجرد البلوغ و لا يكون الوليّ ممّن يأكل أموالهم إسرافا و بدارا أن يكبروا فإنّ الأولياء لو أمروا بالامتحان مقارنا للبلوغ يحتمل أن يكون رشد الصبيّ من باب الاتّفاق فأمر سبحانه بالابتلاء من زمان القابليّة إلى زمان البلوغ حتى يرد أموالهم إليهم من دون تأخير مع بقاء الرشد الممتحن إلى هذا الزمان‌

بل قيل إن إذا للشرط و جوابها مجموع الشّرط و الجزاء و حتى حرف ابتداء و غايتها مضمون الجملة الّتي بعدها و هو دفع المال عقيب إيناس الرشد الواقع عقيب بلوغ النّكاح و على هذا فقوله حتى إذا بلغوا جملة مستأنفة‌

و كيف كان فظهور مجموع الكلام في اعتبار الرّشد و البلوغ ممّا لا مجال لإنكاره و هذا هو المستفاد من أغلب التّفاسير كما في المجمع و الصّافي و الكشاف و الرازي و حاشيته ففي تفسير الفخر و شرط في دفع أموالهم إليهم شرطين أحدهما بلوغ النّكاح و الثاني إيناس الرّشد إلى آخره نعم استدلّ أبو حنيفة على صحّة تصرفات الصبيّ بإذن الولي بهذه الآية و قال لأن قوله وَ ابْتَلُوا الْيَتٰامىٰ حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا النِّكٰاحَ يقتضي أنّ هذا الابتلاء إنّما يحصل قبل البلوغ و المراد من هذا الابتلاء اختبار حاله في أنّه هل له تصرف صالح للبيع و الشّراء و هذا الاختيار إنّما يحصل إذا أذن له في البيع و الشّراء و إن لم يكن هذا المعنى نفس الاختبار فهو داخل في الاختبار بدليل أنه يصحّ الاستثناء يقال وَ ابْتَلُوا الْيَتٰامىٰ إلّا في البيع و الشّراء و حكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل فثبت أنّ قوله وَ ابْتَلُوا الْيَتٰامىٰ أمر للأولياء بأن يأذنوا لهم في البيع و الشّراء قبل البلوغ و ذلك يقتضي صحّة تصرّفاتهم إلى آخره‌

و أجاب عنه الشّافعيّ بما حاصله أنّ اللّٰه سبحانه أمر بدفع المال إليهم بعد البلوغ و إيناس الرّشد و إذا ثبت بموجب هذه الآية أنّه لا يجوز دفع المال إليه حال الصّغر وجب أن لا يجوز تصرّفه حال الصّغر لأنه لا قائل بالفرق‌

ثم إنّ المستفاد من هذه الآية و الآية الّتي قبلها و هي قوله عزّ من قائل وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ أنّ الصّبي إذا بلغ سفيها لا يدفع وليّه أمواله إليه فإنّ المراد من الأموال في قوله عزّ من قائل وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ هو أموال نفس الأيتام كما في التّفاسير و يشهد له أيضا وقوع هذه الآية الشريفة بين قوله عزّ اسمه وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَهُمْ و قوله وَ ابْتَلُوا الْيَتٰامىٰ

ثم لا فرق في الوليّ بين الوصيّ و الأب و الجدّ و الحاكم لأنّ الخطاب شامل للوصيّ أيضا فالقول بالتفصيل بين الأب و الجدّ و الحاكم و بين الوصيّ في عدم انقطاع سلطنة الثلاثة دون الوصيّ لا وجه له و كيف كان يستفاد من الآية المباركة عدم استقلال الصبيّ في التصرّف في أمواله و إن كان رشيدا لا مباشرة و لا توكيلا إنّما الكلام في استفادة سائر المراتب منها و هي نفوذ تصرّفه في ماله بإذن الوليّ و وكالته عنه و وكالته عن غيره فنقول أمّا‌

171

عدم نفوذ تصرّفه في ماله بإذن الوليّ فيستفاد منها أيضا بضمّ مقدّمة عقليّة‌

و أمّا عدم صحّة وكالته عنه و عن الغير فلا يستفاد منها بل يستفاد من القواعد العامّة و توضيح ذلك يتوقّف على تمهيد مقدمات الأولى أنّه كما لا يمكن اجتماع مالكين مستقلّين على مال واحد و لا مالك مستقلّ و مالك كان شريكا معه فكذلك لا يمكن اجتماع سلطنتين مستقلّتين و لا سلطنة تامة و ناقصة في مال واحد فإنّ البرهان على الامتناع واحد في كليهما و هو أنّه ليس الملكيّة أو السّلطنة إلّا إضافة بين المالك أو السّلطان و المال و ليستا عبارة عن أمر موهوم كأنياب الأغوال حتى يتخيّل للملك مالكان و مسلّطان و الإضافة إذا كانت مرتبطة بشخص على نحو الاستقلال بحيث كان له التصرّف في المال من دون توقّف على إذن غيره و كان له المنع من تصرف الغير فيه يمتنع أن يكون في عرض هذا الشخص شخص آخر تكون له هذه الإضافة تامّة كانت أو ناقصة‌

نعم يمكن ثبوت الإضافة الطوليّة و الإضافة على نحو الإشاعة و الإضافة النّاقصة الّتي لم يكن لصاحبها منع غيره لأشخاص متعدّدة فالأوّل كإضافة ملك العبد إلى العبد و مالكه و هكذا سلطنة الوكيل و موكله و الثّاني كإضافة الشريكين و الثّالث كسلطنة الأب و الجدّ أو الوكيلين أو حكام الشرع و أمّا إضافتان مستقلّتان عرضيّان بحيث يكون لكلّ منهما طرد الآخر و منعه عن التصرّف فغير معقول فإذا امتنع هذا امتنع إضافة مستقلّة مع إضافة منضمّة إذ مع استقلال واحد في التصرّف يمتنع أن يكون تصرّفه منوطا بضمّ الآخر إليه بل لا بدّ أن يكونا كالشّريكين أو كسلطنة الرّاهن و المرتهن فإنّ ثبوت نصف الإضافة لأحد لا يجتمع مع ثبوت تمام الإضافة لغيره لأنّه خلف و مناقضة‌

و بتعبير آخر أنّ الولاية الثابتة للوليّ لا بدّ أن يكون بمقدار حجر المولى عليه فإن كان محجورا عن أصل السّلطنة كالمجنون و العبد فالوليّ مستقلّ في التصرّف و لو كان محجورا عن الاستقلال كالرّاهن و الباكرة فيجب أن يكون ولاية الولي بنحو الانضمام فلا يمكن أن يكون للصبيّ حقّ التصرّف منضمّا إلى الولي و كان للولي التصرّف بالاستقلال‌

و حيث إنّ الوليّ بمقتضى الآية الشّريفة له تمام السّلطنة قبل قابليّة الصبيّ لأن يمتحن و يختبر و يبقى له هذه السّلطنة قبل البلوغ و الرّشد على ما استفدناه من الآية فتأثير إذنه للصبيّ إمّا يرجع إلى كونه وكيلا من قبل الولي فسيجي‌ء حكمه و إمّا يرجع إلى كونه ضميمة مع الوليّ في التصرّف كتصرف السّفيه بإذن الولي و الراهن بإذن المرتهن فهذا غير معقول‌

و بالجملة مقتضى هذه المقدّمة عدم صحّة بيع الصبيّ لنفسه بإذن الولي أيضا لاستفادة السّلطنة التامّة الاستقلاليّة للوليّ من الآية الشّريفة ثم إنّه كما لا يجوز له مباشرته و لو بإذن الوليّ فكذلك لا يجوز له توكيله الغير لأنّه لا يصحّ التّوكيل إلّا في فعل يكون مملوكا للموكل بحيث يصحّ له مباشرته بنفسه فتوكيله الغير في هذه الصّورة نظير صورة عدم إذن الوليّ الثّانية أنّهم اعتبروا في الوكيل أمورا منها البلوغ إلّا فيما استثني و منها كمال العقل و منها أن يكون ما وكّل فيه ممّا يجوز له أن يليه بنفسه لنفسه و لا يعتبر المباشرة فيه فكلّ ما لا يجوز للوكيل صدوره من حيث إنّه فعله و من جهة الإصدار فلا يجوز أن يصير وكيلا عن غيره فيه و فرعوا على ذلك عدم صحّة وكالة المحرم لابتياع الصيد و إمساكه و عقد النّكاح و إن كان الموكل محلّا و صحّة وكالة المفلس و السّفيه و المرتدّ‌

أمّا عدم صحّة وكالة المحرم‌

172

فلحرمة هذه الأفعال عليه من حيث السّبب و لو مع قطع النّظر عن المسبّب و أمّا صحّتها عن المفلس و السّفيه و المرتد فلأنّ منع هؤلاء يرجع إلى التصرّف المالي في أموالهم لا لقصور فعلهم من حيث إنّه فعل فإنّ المفلس يتعلّق بماله حق الغرماء و السّفيه يتعلّق عليه حقّ الولاية و المرتد لا ذمّة له و بالجملة يعتبر في الوكالة كون الفعل ممّا يجوز وقوعه من النّائب و أن لا يعتبر فيه المباشرة و على هذه المقدّمة يترتّب أمران أحدهما عدم جواز وكالته عن الوليّ في أن يتصرّف في مال نفسه الّذي يرجع ولايته إلى الوليّ بالفرض و ثانيهما عدم وكالته عن النّاس في التصرّف في أموالهم لأنّه إذا ثبت أنّ الصبيّ كالمجنون في كونه مسلوب العبارة فحيث إنّ إجراء الصّيغة منه لا أثر له في ماله فوكالته أيضا كالمباشرة‌

نعم إثبات هذه المقدّمة و هي اعتبار البلوغ كاعتبار العقل و إنّ الصبيّ لا ينفذ منه البيع من حيث جهة الإصدار موقوف على قيام دليل على ذلك و على هذا فكلّ ما ثبت جواز تولية الصبيّ فيه بنفسه يصحّ وكالته فيه كما يصحّ توكيله إلّا إذا اعتبر المباشرة في الموكل ففي العتق و الطّلاق و الوصيّة كما يجوز أن يليها بنفسه فكذلك يجوز أن يتوكّل عن غيره و أن يوكل غيره عن نفسه‌

الثّالثة أنّ الأغراض بالنّسبة إلى الآثار المترتّبة على الأفعال مختلفة فقد يتعلّق الغرض بحصول الأثر في الخارج من دون دخل لفاعل خاصّ أي المقصود حصول النّتيجة و قد يكون الغرض حصوله من شخص خاصّ بحيث كان فعله موضوعا للحكم و القسم الأخير هو المقصود في باب الوكالة لأنّ البيع مثلا مترتّب على فعل الوكيل من حيث إنّه هو الفاعل و نظيره في الأحكام التّكليفيّة الفعل العبادي فإنّ المقصود منه حصوله من شخص المكلّف و أمّا القسم الأوّل الّذي نظيره في التّكاليف هو الفعل التوصّلي فهو خارج عن باب الوكالة‌

فعلى هذا عدّ إيصال الهديّة و الإذن في دخول الدّار من مستثنيات معاملات الصبيّ لا وجه له لأنّ هذه الأمور ليست من باب الوكالة بل الغرض وصول الهديّة إلى المهدي إليه و لو كان بتوسّط حيوان و هكذا في مسألة الدّخول في الدار الغرض استكشاف رضاء صاحب الدّار بل لو قلنا في باب المعاطاة أنّ الغرض منها وصول كلّ واحد من العوضين إلى مالك الآخر كما قيل به في مسألة كوز السقّاء و صندوق الحمّامي فلا بأس بأن يكون الصبيّ مقام الكوز و الصّندوق و دعوى صاحب الجواهر (قدّس سرّه) أنّ السّيرة الثّابتة في مثل إيصال الهديّة و الإذن في الدّخول من المسامحين لا المتديّنين لا وجه لها فإنّ خروج ذلك من باب معاملات الصبيّ خروج موضوعي‌

أمّا السّنة فهي على طوائف ثلاث الأولى ما دلّ على جواز أمر اليتيم بعد الاحتلام و عدم خروجه عن اليتم قبله الثانية ما دلّ على رفع القلم عنه الثّالثة ما دلّ على أنّ عمده و خطاءه واحد أمّا الطائفة الأولى فالاستدلال بها غير مفيد لأنّها في مقام بيان أنّ الاحتلام شرط في نفوذ أمر الصبيّ و ليست في مقام بيان عدم نفوذ أمره قبله و لو مع إذن الوليّ و أمّا الثّانية فالحق دلالتها على كونه مسلوب العبارة فإنّ الظّاهر من قوله ع رفع القلم عنه ما هو المتعارف بين النّاس و الدّائر على ألسنتهم من أنّ فلانا رفع القلم عنه و لا حرج عليه و أعماله كأعمال المجانين فهذه الكلمة كناية عن أن عمله كالعدم و رفع عنه ما جرى عليه القلم فلا ينفذ فعله و لا يمضى عنه فإنّ ما صدر عنه لا ينسب إليه نعم يختصّ رفع القلم بالفعل الّذي لم يكن موضوعا لحكم بذاته لأنّ الظّاهر من هذا الحديث الشّريف أنّ الأفعال الّتي تترتّب عليها‌

173

الآثار لو صدرت من البالغ العاقل المستيقظ فهي إذا صدرت من الصبيّ و مثله فلا أثر لها و أمّا الأفعال الّتي تترتّب عليها الآثار من دون فرق بين الالتفات و غيره و من غير فرق بين الاختيار و غيره فهذه خارجة عنه تخصّصا‌

فعلى هذا لا يشمل الحديث مثل الإتلاف و الجناية بل مطلق الحدث و الجناية الموجبة للدّية و نحو ذلك و على هذا لا يرد المناقشات الّتي أوردها المصنف (قدّس سرّه) على هذه الطّائفة بقوله أولا إنّ الظّاهر منه قلم المؤاخذة و ثانيا أنّ المشهور على الألسنة أنّ الأحكام الوضعيّة لا تختصّ بالبالغين و ثالثا لا مانع من كون فعل غير البالغ موضوعا للأحكام المجعولة في حق البالغين فيكون الفاعل كسائر غير البالغين خارجا عن ذلك الحكم إلى وقت البلوغ‌

أمّا في الأولى الّتي مرجعها إلى اختصاص الرّفع بالأحكام التكليفيّة دون الوضعيّة فلما أوضحنا في الأصول في حديث الرّفع من أنّ الرّفع التّشريعيّ يصحّ تعلّقه بالأمور الخارجيّة من دون توقّف على تقدير المؤاخذة أو غيرها و الرّفع التشريعيّ يقتضي رفع جميع الآثار ففي المقام يمكن تعلّق الرّفع بنفس القلم أي رفع قلم جعل الأحكام عنه سواء كانت موجبة للمؤاخذة على مخالفتها كالأحكام التكليفية أم لم تكن كالوضعيّة‌

و أمّا في الثّانية فلأنّ اشتراك غير البالغ مع البالغ في الأحكام الوضعيّة التي هي محلّ البحث كعقد الصبيّ أوّل الكلام بل المشهور عدمه نعم يشتركان في مثل الإتلاف و نحوه‌

و أمّا في الثّالثة فلأنّه مضافا إلى عدم إمكان تفكيك الآثار بين البالغ و غيره فيما كان ذات الفعل موضوعا للأثر بل فيما كان الأثر مترتّبا على الفعل القصدي أيضا فإنّه لو أفاد عقد الصبيّ الملكيّة فلا يمكن أن لا يكون مؤثرا فعلا و يصير ذا أثر بعد البلوغ أنّ كون فعله موضوعا للأحكام المجعولة في حق البالغين فرع أن يكون فعله مؤثرا و هذا أوّل الكلام لأنه يحقل أن يكون وجوده كعدمه كما في عقد المجنون و مثله فكيف يمكن أن يكون هذا الّذي صدر من مثل المجنون موضوعا لحكم البالغ العاقل‌

و بالجملة ظهور الحديث في كون عبارته كالعدم بقرينة جعله رديفا للمجنون و النّائم ممّا لا ينبغي المناقشة فيه و أمّا الثّالثة فدلالتها على أنّ أفعاله القصدي كالفعل الصّادر عن غيره بلا قصد واضحة نعم يمكن دعوى ورودها في مورد خاصّ و هو باب الديات أو عمومها للكفّارات أيضا و عدم شمولها لجميع أفعاله كالعقود و الإيقاعات و ذلك لأنّ الخطأ و العمد لم يؤخذا موضوعا لحكم إلّا في الجنايات و الكفّارات الواجبة على المحرم فإن في تلك المسألتين قوبل العمد مع الخطإ و أمّا في غيرهما فالحكم أمّا مترتّب على ذات الفعل و هو الغالب أو على خصوص العمد أو خصوص الخطإ أو ما هو مرادف لهما من القصد و الاختيار أو السّهو و النّسيان و الاضطرار و يشهد لذلك تذييل بعضها بقوله ع تحمله العاقلة فإنّ تحمل العاقلة إنّما هو الدّية في الجنايات‌

و لكن يمكن الجواب عن هذا الإشكال بأن تذييل بعضها بقوله تحمله العاقلة لا يوجب حمل الأخبار المطلقة على باب الجنايات هذا مضافا إلى ما ورد في رواية أبي البختري عن عليّ (عليه السّلام) أنّه كان يقول المجنون و المعتوه الّذي لا يفيق و الصبيّ الّذي لم يبلغ عمدهما خطأ يحمله العاقلة و قد رفع عنهما القلم فإنّ قوله ع و قد رفع عنهما القلم بمنزلة العلّة لقوله ع عمدهما خطأ و مقتضاه أنّ الأفعال الّتي تترتّب عليها الآثار إذا صدرت عن قصد من غير الصبيّ و المجنون إذا صدرت عنهما فكالصّادرة عن غيرهما بلا قصد لأنّ قلم جعل الأحكام‌

174

مرفوع عنهما فمقتضى التّعليل هو التعدي إلى غير الجنايات بل يستفاد منه أنّ الطّائفة الثانية و الثّالثة وردتا لمعنى واحد و كلّ منهما مخصوصان بالأفعال القصديّة لا الأفعال الّتي تكون موضوعات للأحكام بذواتها‌

و على هذا فلا وجه لقول المصنف (قدّس سرّه) بل يمكن بملاحظة بعض ما ورد من هذه الأخبار في قتل المجنون و الصبيّ استظهار المطلب من حديث رفع القلم إلى آخره لأنّه بعد ما عرفت من اتّحاد معنى الفقرتين لا وجه لاستظهار الاتّحاد من هذه الرّواية بالخصوص بل في جميع الرّوايات الواردة هذه الكلمة يراد منها مع قطع النّظر عن معناه الكنائي رفع فعله القصدي فإنّ معنى رفع قلم الأحكام هو أن عمدهما خطأ فإنّ اشتراكه مع المجنون في رفع القلم عنه و كون عمده خطأ يقتضي أن يكون المرفوع هو الفعل القصدي‌

ثم لا يخفى أنّه لا وجه لتقدير المؤاخذة ثم تعميمها للآثار الأخرويّة و الدنيويّة فإنّ المؤاخذة بناء على لزوم تقديرها ظاهرة في العقوبة الأخرويّة ثم لا وجه لاحتمال العليّة و المعلوليّة كليهما في رفع القلم فإنّ الظّاهر منه كونه علّة لأنّه أعمّ موردا من قوله تحمله العاقلة و العلّة بمنزلة الكبرى الكليّة و الحكم المعلّل بمنزلة الصّغرى و جعله معلولا لقوله ع عمدهما خطأ لا يستقيم لأنّهما إما متّحدان معنى بناء على أن يكون المراد من رفع القلم رفع الأفعال القصديّة و إمّا يناسب العليّة لو كان المراد الأعمّ منها و من غيرها‌

و بالجملة و إن أجاد المصنف (قدّس سرّه) فيما أفاد من أنّ المرفوع عن الصبيّ هو الأحكام المترتبة على الأفعال الّتي بذاتها موضوعات لها لظهور الخبر في أنّ الصبيّ كالمجنون إلّا أنه لا وجه لالتزامه بتعلّق الرّفع بالمؤاخذة ثم تعميمها للآثار الدنيويّة ثم تمسّكه بإطلاق الرّفع لما إذا صدر الفعل عن الصبيّ بإذن الوليّ فإنّ التمسّك بالإطلاق في هذا المقام من الغرائب على مذهب من اختار من أنّ التّقابل بينه و بين التّقييد تقابل العدم و الملكة فإنّه لو كان المراد من الرفع رفع الأثر رأسا و أن فعله كالعدم و قصده كعدم القصد فلا موقع للتمسّك بالإطلاق لأنّ الإذن لا يمكن أن يؤثر في الفعل الّذي هو بمنزلة العدم حتى يتوهّم تقييد عدم الأثر بمورد الخلوّ عن الإذن فيتمسك بالإطلاق لرفع هذا التوهّم و لو كان المراد منه أنّ الصبيّ ليس مستقلا في التصرّف فهو كالرّاهن أو الباكرة فلا يصحّ التمسّك بالإطلاق لأنّه ينقلب الفعل في مورد الإذن عمّا عليه فلا يصحّ أن يقال الرّاهن لا يستقلّ بالتصرّف سواء أذن له المرتهن أم لا‌

فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ قصد الصبيّ كالعدم و فعله العمدي خطأ لا مؤاخذة عليه و لا دية في ماله و لا يلزم بالإقرار و لا حدّ عليه و لا تعزير على أفعاله و لو قام دليل على أنّه يعزّر فليحمل على التأديب لئلّا يتمرّن على الفعل المحرّم نعم لو ثبت لزوم تعزيره في مورد ثبوت الحدّ على البالغ لكان ثبوت هذه العقوبة من أثر فعله القصدي و أمّا لو ثبت لزومه في غير هذه المعصية فليس المراد منه إلّا التأديب أي ليس العقوبة عليه لأجل ما صد منه بل لئلّا يصدر منه بعد البلوغ بحيث لو علم موته قبل البلوغ فتأديبه أيضا لا وجه له إلّا أن يكون نفس صدور الفعل منه نقصا لأقربائه‌

و كيف كان لو ثبت لزوم التعزير عليه فيدخل في المستثنيات لما بيّنا أنّ الصبيّ كالمجنون فهو داخل في هذا القسم من المحجورين فلا يترتّب على إنشائه أثر و لا يؤاخذ على فعل من أفعاله و إذا ثبت صحّة فعل منه بدليل خاصّ يكون مخصّصا لحديث رفع القلم و أمّا لو لم يثبت كما قيل بالنسبة إلى عباداته فيقتضي أن تكون‌

175

تمرينيّة لا شرعيّة‌

ثم كلّ ما ثبت صحّته مطلقا و لم يدلّ دليل على اعتبار صدوره من فاعل خاصّ يصحّ فيه توكيله للغير و وكالته عن الغير و هذا كلّه في الأفعال الّتي يعتبر فيها القصد و أمّا الّذي لا يعتبر فيه فخروجه عن الحديث بالتخصّص فالفروع الّتي ذكرها العلّامة (قدّس سرّه) في التذكرة مبتنية على إحدى القاعدتين أي كلّ فعل اعتبر فيه القصد كحصول الملك في الهبة و تعيّن الكلّي بالقبض فقبول الصبيّ فيه و قبضه كالعدم سواء كان بإذن الولي أم لا و سواء كان لنفسه أو للوليّ أو لغيره‌

و كلّ ما لا يعتبر فيه القصد كقبض مال معيّن من الوليّ بإذن الوليّ فقبضه فيه كقبض الوليّ كما أنّ من عليه الخمس أو الزّكاة يبرئ ذمّته منهما لو دفعهما إلى الصبيّ أو صرفهما في مصارف الصبيّ لأن قبضه هنا لا يعتبر فيه القصد‌

قوله (قدّس سرّه) ثم إنّه ظهر ممّا ذكرنا أنّه لا فرق في معاملة الصبيّ بين أن يكون في الأشياء اليسيرة أو الخطيرة إلى آخره

و إن كان مقتضى الأدلّة السّابقة ما ذكره (قدّس سرّه) من عدم الفرق إلّا أنّه بعد ما يشاهد من النّاس أنّهم لا يعاملون مع الصبيّ معاملتهم مع المجانين بل سيرة أهل العرف من كلّ ملّة و نحلة الإيكال إلى الصبيّ باختلاف المعاملات فيوكلون إلى من بلغ أربع سنين معاملة البقول و إلى من بلغ ثمانية بيع اللّحوم و إلى من تجاوز العشرة معاملة الثّياب و هكذا‌

فلا بدّ إمّا من القول بخروج هذه الأشياء عن معاملات الصبي بالتّخصيص و المخصّص لها هو السّيرة و لكن الالتزام بهذا مشكل كما أفاده (قدّس سرّه) لأنّ السّيرة مختلفة باختلاف الأشياء و ثبوت السّيرة من عصرنا إلى عصر الأئمّة ع من المتديّنين بهذا التّفصيل مشكل بل المعلوم عدمها فإنّا نرى تحرّز المتديّنين عن المعاملة مع الصبيّ في مثل اللّحم و نحوه فضلا عن الثّياب و إمّا من القول بأن السّيرة جارية بين من لا يبالي بالمحرمات و لا يخفى أنّ الالتزام بهذا أشكل فإنّ شراء البقول و نحوها منه معمول بين المتديّنين و إمّا بجعل الصبيّ في الموارد الّتي ثبتت السّيرة فيها بمنزلة الآلة و الواسطة في الإيصال و هذا على وجوه‌

أحدها ما ذكره كاشف الغطاء بأنّ المعاملة في الحقيقة واقعة مع الوليّ و الطّرف الآخر فيكون الأخذ من الطّفل مثلا موجبا وكالة من قبل الوليّ و قابلا من قبل نفسه فيكون فعل الصبيّ من قبيل فتحه باب الدار و الإذن في دخول الأغيار من كونه كاشفا عن رضا الوليّ و فيه أوّلا أنّ دخول عمل طرف الصبيّ في عنوان الوكالة مشكل لأنّ الوليّ لم يعيّنه لها و مجرّد رضا المالك لا يدخله في هذا العنوان و ثانيا أنّ ما هو الواقع في الخارج ليس إلّا المعاملة مع الصبيّ للعلم بعدم إنشاء التّوكيل من الوليّ و عدم قصد الطّرف الوكالة عنه و ثالثا مقتضى ذلك اختصاص الصّحة بما إذا كان المال من غير الصبيّ و أمّا إذا كان منه و لم يعلم له وليّ إجباريّ فلا يجوز مع أنّ بناء النّاس ليس على التّفحّص‌

و ثانيها أن يكون المنشئ للمعاملة هو الوليّ مع طرف الصبيّ و كان الصبيّ واسطة في إقباض المالين و إيصاله إلى المالكين كإيصاله الهديّة إلى المهدي إليه و فيه أوّلا أنّ إنشاء التّمليك لشخص غير معلوم بوجه لا يدخل تحت أحد العناوين التّمليكيّة و ثانيا أنّ الفصل بين هذا الإنشاء و الإنشاء من طرف الصبيّ قد يكون أزيد من سنة و ثالثا أنّ ما هو الواقع في الخارج ليس كذلك غالبا بل دائما‌

و ثالثها الاكتفاء في المعاملة بوصول كلّ من المالين إلى مالك الآخر مع رضا الطّرفين و قد تقدم في المعاطاة ما يدلّ على صحّة ذلك‌

176

فإنّه إما من مصاديقها بناء على عدم اعتبار التعاطي فيها و إمّا أنّه ملحق بها حكما بناء على ما تقدّم من أنّ المعاطاة إنّما تدل على التّسليط المالكي فلو أنشأ التّسليط عن المالك بعوض معيّن فكلّ من أقدم على إعطاء العوض فهو مسلّط على المعوض فإنّه لا يعتبر في حقيقة التّسليط تعيين المباح له كما في نثار العرس و لا الموالاة بين الإيجاب و القبول فهذا لو كان داخلا في عنوان العقود فيدلّ على صحّتها عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و لو لم يكن داخلا فيكفي في صحّتها السّيرة الجارية بين المتديّنين‌

نعم لا بدّ من الاكتفاء بما هو المتيقّن من جريان سيرة المتديّنين عليه و هو المعاملة الّتي لا تحتاج إلى المساومة بل كانت قيمة العين معيّنة في الخارج بحيث كان الصبيّ آلة صرفة و واسطة في الإيصال‌

[مسألة و من جملة شرائط المتعاقدين قصدهما لمدلول العقد]

قوله (قدّس سرّه) مسألة و من جملة شرائط المتعاقدين قصدهما لمدلول العقد إلى آخره

توضيح هذه المسألة يقع في طي مباحث‌

الأوّل أنّ بعض الجمل مختصّ بالإنشاء

كصيغة الأمر و النّهي فإنّ مفادهما إيقاع النسبة بين الفاعل و المادّة تشريعا أو سلبها عنه كذلك و بعبارة أخرى مفاد الأمر البعث نحو المطلوب تشريعا و مفاد النّهي الزجر عنه كذلك و هذان المعنيان متمحّضان في الإنشائية و بعض الجمل مختص بالأخبار كالجملة الّتي كان محمولها أمرا خارجيّا كقوله زيد قائم و بعضها مشترك بين الأمرين كالفعل الماضي و المضارع و الجمل الاسميّة الّتي يكون محمولها قابلا لأن يوجد بالإنشاء فالفعل الماضي يصحّ أن ينشأ بها عناوين العقود و الفعل المضارع يصحّ أن ينشأ بها الأحكام‌

و السرّ في اختصاص كلّ واحد بباب هو أنّ الفعل الماضي للنّسبة التحقّقية و الفعل المضارع للنّسبة التلبسيّة فالماضي أمسّ بإيجاد عناوين العقود به و المضارع أمسّ بتشريع الأحكام به فإن إيجاد عنوان العقد لا يناسبه التلبّس و إيجاب متعلّقات الأحكام لا يناسبه التحقّق و أمّا الجمل الاسميّة فكاسم الفاعل في قوله هي طالق و اسم المصدر في قوله أنت حرّ و نحو ذلك كقوله أنت وصيّي أو وكيلي و كلّ ما كان من هذا القبيل و لا يخفى أنّ كون الجملة مفيدة للإنشاء أو الإخبار إنّما هو باقتضاء المقام و من المداليل السّياقيّة فإنّ لكلمة بعت معنى إذا كان المتكلّم به في مقام الحكاية يكون إخبارا و إذا كان في مقام إيجاد المادّة بالهيئة يكون إنشاء و هكذا سائر الصّيغ القابلة للمعنيين‌

ثم إنّه لا شبهة أنّ لكلّ من الإخبار و الإنشاء مراتب ثلاث الأولى القصد إلى اللّفظ لا بمعنى أن يكون اللّفظ بالنّظر الاستقلالي ملحوظا فإنّ هذا خارج عن استعمال اللّفظ في المعنى فإنّ الاستعمال عبارة عن إلقاء المعنى باللّفظ فاللّفظ غير منظور فيه و فان صرف بل بمعنى أن لا يكون اللّفظ صادرا عن غير الملتفت و الغافل كالنّائم و الغالط فإنّ اللّفظ إذا صدر في حال النوم أو على غير عمد بأن سبق اللّسان إليه فلا أثر له‌

و الثّانية أن يكون قاصدا للمعنى باللّفظ أي بعد كونه قاصدا لصدور اللّفظ كان قاصدا لمدلوله لا بمعنى كونه قاصدا لأصل المعنى فإنّه بعد قصده اللّفظ و علمه بمعناه لا يعقل عدم قصده معناه فإنّ استعمال اللّفظ عبارة عن إلقاء المعنى باللّفظ بل بمعنى كونه قاصدا للحكاية أو الإيجاد أي كان داعيه على استعمال اللّفظ في المعنى الحكاية عن وقوع هذا المدلول في موطنه من ذهن أو خارج أو إيجاد المنشأ بهذا اللّفظ الّذي هو آلة لإيجاده فلو كان قصده الهزل و اللّعب فلا أثر له و فقد هذين المرتبتين في الإخبار يوجب عدم صدق الحكاية عليها‌

177

و أمّا في المنشئات ففي العقود يوجب عدم صدق عنوان العقد و في الأحكام يوجب عدم صدق الحكم الواقعي بل يطلق عليه الحكم الصّوري أو الهزليّ أو نحو ذلك من الدّواعي‌

و المرتبة الثّالثة في الإخبار أن يكون مدلول اللّفظ مطابقا لما يحكي عنه و إلّا يكون كذبا و في الإنشاء أن يكون المنشأ متحقّقا في عالم الاعتبار بأن لا يكون المبيع خمرا مثلا و لا يخفى أنّ هذه المرتبة في الإخبار و الإنشاء خارجة عن اختيار المتكلّم لأنّها أمر خارجي و ليست من مدلول لفظه أيضا‌

و قد ظهر ممّا ذكرنا أمور الأوّل أن جعل القصد من شرائط العقد أولى من أن يجعل من شرائط المتعاقدين إذ بدونه لا يتحقق العقد كعدم تحقّقه بالفصل بين الإيجاب و القبول و بعدم تطابق الإيجاب و القبول و مجرّد أن عدم تحقّقه نشأ من قبل العاقد لا يوجب عدّه من شرائطه و إلّا لصحّ أن يقال و من شرائط العاقدان لا يتلفّظ بالفارسي و أن لا يقدم القبول على الإيجاب‌

الثّاني أن قياس الأمر الصّوري على الكذب في الإخبار لا وجه له لأنّ الكذب مرتبة ثالثة في الإخبار و الأمر الصّوري يشبه الهزل في الإخبار لأنه لم يقصد به البعث نحو المطلوب و هكذا في العقود لو لم يقصد إيجاد المادّة بالهيئة بل قصد الهزل و نحوه فحكمه حكم الهازل في الحكاية و شبيه الكذب في الإخبار منحصر في الإنشاء في عدم وقوع المنشإ في عالم الاعتبار و عدم المطابقة في الإخبار كعدم وقوع المنشإ في الإنشاء كلاهما خارجان عن مدلول اللّفظ و إمكان القصد إليه‌

الثّالث ما أفاده في المسالك من عدم تحقّق القصد في عقد الفضولي و المكره خلط قصد بقصد فإن القصد يستعمل في موارد أحدها قصد اللّفظ و ثانيها قصد المعنى فإنّهما معتبران في أصل صدق العقد فإن عقد النّائم و عقد الهازل ليسا بعقد فإنهما لم يقصدا إيجاد المادّة بالهيئة ثالثها قصد وقوع العقد خارجا عن طيب في مقابل وقوعه عن كره فإنّ العاقد مع قصده اللّفظ و المعنى تارة داعيه على وقوع مضمون العقد إكراه المكره و أخرى غيره من الدّواعي النّفسانيّة و رابعها قصد وقوع المضمون عن العاقد في مقابل وقوعه عن غيره كبعض أقسام عقد الفضولي و لا يخفى أنّ اعتبار القصدين الأخيرين إنّما هو لأمر تعبّدي لا لتحقّق مفهوم العقديّة فإنّ عقد المكره و الفضولي من حيث جهة العقديّة لا يقصر عن غيره فما أفاده في المسالك من أنّهما قاصدان إلى اللّفظ دون مدلوله لا وجه له لأنّهما قاصدان للمدلول أيضا و إنّما الفرق أن قصد وقوع مضمون العقد في المكره ليس عن داع اختياري و قصد نفسانيّ بل عن وعيد المكره بالكسر مع عدم إمكان التورية أو مطلقا على ما سيجي‌ء و في الفضولي هذا المعنى أيضا موجود و إنّما المفقود قصد وقوع المضمون عن نفسه و على هذا فقياس المكره على الفضولي أيضا لا وجه له لأنّهما ليسا في وزان واحد‌

المبحث الثّاني في اعتبار قصد المالكين و عدمه

و توضيحه يتمّ برسم أمور الأوّل لا شبهة أنّ تعيين العوضين في العقود التمليكيّة كتعيين الزّوجين في النّكاح الثّاني أنّ مقتضى المعاوضة و المبادلة دخول كلّ من العوضين في ملك مالك الآخر الثّالث بعد تحقّق المعاوضة تعقيبها بما ينافيها لا يوجب بطلانها بل يقع لغوا و برهان الجميع واضح أمّا اعتبار تعيين العوضين من حيث الجنس و المقدار في العقود المعاوضيّة فلأنّ عيش بني آدم يتوقّف على تبديل الأموال و لا يتمّ ذلك إلّا بتعيين ما يقع المال بإزائه من حيث الجنس و المقدار فإنّ المال يقع بإزاء الصّور النّوعيّة لا بإزاء‌

178

المادة المشتركة ثم لا يقع أي مقدار من المال بإزاء أي مقدار من الصورة النوعيّة فيجب تعيين كلتا الجهتين و سيجي‌ء توضيح ذلك في محلّه‌

و أمّا اقتضاء حقيقة المعاوضة دخول كلّ واحد من العوضين في ملك مالك الآخر فقد تقدّم وجه ذلك في أوّل البيع و إجماله أنّ المعاوضة تبديل طرف إضافة بطرف إضافة أخرى مع بقاء الطرف الآخر من كلّ من الإضافتين على حاله أي يتبدّل المملوكين لا المالكين فإذا كان المالكان على حالهما في المعاوضة و لم يقم مقام مالك المال مالك آخر كمسألة الإرث بل تبدّل طرف الإضافة القائمة بالمال بطرف الإضافة القائمة بمال آخر فلا بدّ أن يقع كل من المضافين مكان الآخر في الملك و يجب أن يدخل البدل في ملك من يخرج عنه المبدل و هذا لا يمكن إلّا إذا دخل المبدل في ملك من خرج عنه البدل و مجرّد عدم المجانية و وقوع مال بإزاء مال ليس معاوضة لأنّ العقد هو الأثر الحاصل من فعل المتعاقدين و ليس الثّالث طرفا لهما‌

فلو كان أثر تمليك البائع تمليك المشتري غير البائع لزم أن يكون هنا عقدان لو احتاج كلّ تمليك إلى قبول أو إيقاعان لو لم يتوقّف و قد تقدم أيضا أنّه لو قام دليل على صحّة ما لو قال اشتر بمالي لنفسك طعاما فلا بدّ من حمله إمّا على هبة المال له قبل الشّراء و إمّا على هبة الطعام له بعد الشّراء و إمّا على إعطائه له أحدهما قرضا و هكذا لو قام دليل على صحّة بيع معلّقات الكعبة المشرفة و تملّك ثمنها فلا بدّ من حمله على غير البيع من أنحاء التصرّف أو تملّكها آنا ما قبل البيع ثم بيعها و أمّا عدم بطلان المعاوضة بعد تحقّق أركانها بذكر ما ينافيها بعدها فلأنّه لا موجب لإبطال الأمر اللّاحق الأمر الصّحيح المتقدم نعم لو لم يتحقّق ركن المعاوضة و هو تبديل المالين فذكر ما ينافيها يوجب بطلانها كقوله بعتك بلا ثمن و آجرتك بلا أجرة على التفصيل الّذي تقدّم في قاعدة ما يضمن‌

إذا عرفت ذلك فنقول تارة يكون العوضان شخصيّين و أخرى كليّين و ثالثة يكون أحدهما شخصيّا و الآخر كليّا فإذا كانا شخصيّين فلا يعتبر تعيين مالكهما سواء كان العقد من المالكين أم من غيرهما وكيلا كان أم لم يكن عقبه بما ينافيه أم لم يعقّبه فإنه بعد ما عرفت من أنّ المعاوضة تقتضي دخول العوض في ملك من خرج عنه المعوض و بالعكس فلو بدل المبيع الشخصي بالثّمن الشخصي و قال بعتك هذا بهذا أو قال بعت هذا بهذا صار المثمن لمالك الثّمن و الثّمن لمالك المثمن و لا يعتبر تعيين المالكين لكونهما معيّنين في الواقع و لا يضرّ تعقيب العقد بما ينافيه بأن يقول بعتك هذا بهذا لزيد مع عدم كون زيد مالكا لأحد العوضين بل و لا يضر ذكر المنافي بين الإيجاب و القبول بأن يقول بعت هذا الّذي لزيد بهذا الثّمن الّذي لعمرو فإنّه يقع التبديل بين الثّمن و المثمن و قصد كونه لزيد أو ذكره لغو لا يوجب البطلان و لا يقاس على قوله بعتك بلا ثمن لما عرفت من الفرق بينهما‌

و بالجملة لم يقم دليل تعبّدي على اعتبار قصد المالكين و لا على بطلان قصد الخلاف و لا يتوقّف عنوان العقديّة أيضا على قصد المالكين أو ذكرهما و لا يمكن أن يؤثر قصد الخلاف في البطلان كما لا يمكن أن يتعدّد وجه وقوع العقد أيضا حتّى يتوقّف على التّعيين‌

و أمّا إذا كانا كلّيين فلا بدّ من تعيين ذمّة شخص بالنّسبة إلى أحد العوضين و العوض الآخر لو لم يجعله العاقد في ذمّة غيره يتعلّق بذمته ظاهرا فلو قصد الإبهام و قال بعت أو اشتريت منّا من الحنطة‌

179

بعشر قرانات فلا يصحّ لأنّ الكلّي ما لم يضف إلى ذمّة شخص لا يكون مالا و لا ملكا فإنّه و إن لم يعتبر الملكيّة و الماليّة قبل العقد و يكفي تحقّقهما بنفس العقد كما في السّلم إلّا أن تحقّقهما به يتوقف على تعيين ذمّة شخص فإنّ المنّ من الحنطة بدون تعيين ذلك مفهوم و المفهوم بما هو مفهوم لا ماليّة له و إنّما ماليته باعتبار انطباقه على المصاديق الخارجيّة و ما لم يعيّنه في ذمّة شخص لا ينطبق على مصداق و لا دليل على كفاية تعيين المبهم بعد العقد كشفا أو نقلا‌

و بالجملة القدر المشترك بين الذّمم لا ماليّة له و لا يقاس على عتق أحد العبدين و طلاق إحدى الزّوجتين و بطلان الزّائد على الأربع من دون تعيين فيما لو أسلم الكتابيّ على الزائد عليهن فإنّه يمكن الفرق بين المقام و بين الأمثلة أولا بأنّ الأمثلة من باب الشّبهة المحصورة و يمكن أن يقال إنّ إحدى الذمّتين في المقام أيضا لها اعتبار الملكيّة دون ذمّة من في العالم و ثانيا بأنّ هذه الأمثلة ثبتت بالتعبّد لا على طبق القاعدة فإنّ القاعدة لا تقتضي تعلّق الطّلاق بإحدى الزّوجتين فإنّ طلاق القدر المشترك لا معنى له و لا معين في الواقع أيضا حتى يتعيّن بالقرعة فالقاعدة تقتضي البطلان‌

و أمّا إذا كان أحدهما كليّا فإن كان الشخصيّ ملك شخصه وجب تعيين من يقع الكلّي في ذمّته و أمّا لو انعكس فلا يجب التّعيين و ذلك لأنّه لو كان الشخصيّ ملك غيره تعلّق الكلّي بذمّة نفسه لأنّ ذمّة الغير يحتاج إلى التّعيين و إلّا انصرف إلى النّفس حتّى فيما لو كان وكيلا عن الغير و نظير ذلك النّيابة و الأصالة في العبادات فإنّه لو اشتغل ذمّته بفريضة لنفسه و كان أجيرا للغير أيضا فلو صلّى و لم يقصد النّيابة وقعت عن نفسه و لو لم يشتغل ذمّة نفسه بها وقعت لغوا فالانصراف إلى النّفس لا مئونة له‌

نعم لو قصد الإبهام وقع في نفس الأمر باطلا و إن كان ملزما في الظّاهر بالالتزام المعامليّ كما سيجي‌ء في العنوان الآتي نظير ذلك ثم إن اعتبار تعيين البائع أو المشتري في الكلّيين ليس كاعتبار طرفي العقد في غير باب المعاوضات كالنّكاح و الوصيّة و الهبة و الوقف و نحو ذلك فإنّ الزّوجين و الموصى له أو الوصيّ أو المتّهب أو الموقوف عليه ركن في هذه الأبواب و بدون التّعيين لا ينعقد العقد و لا يرتبط إنشاء الموجب بإنشاء القابل لأنّه ليس قصد الواهب مثلا الهبة لكلّ من يقبلها و أمّا المعاوضات فاعتبار التّعيين فيها إنّما هو لاعتبار العوض فيها حيث إنّ تحقّق الماليّة في الكلّي إنّما هو بتعيين المالك و إلّا فما هو الرّكن فيها هو العقد و العوضين فلو تمّ شرائطهما لم يعتبر شي‌ء آخر أصلا‌

و على هذا فلا يخفى ما في كلام المحقّق التّستري من النّظر أمّا أوّلا فلأنّ اعتبار التّعيين في الكلّي ليس لاعتبار قصد المالكين بل لاعتبار العوضيّة فإنّ قوام العقد بجعل العوض في مقابل المعوض و بالعكس و الكلّي ما لم يضف إلى ذمّة شخص ليس مالا و تعيين الذمّة بعد العقد لا يكفي في تحقّق العقديّة لأنّ الإنشاء من الإيجاديّات و الإيجادي في الحال لا يعقل تحقّقه في الاستقبال فلو قام دليل على كفاية تحقّق ما يجب أن يتحقّق فعلا فيما بعد فلا بدّ من تنزيله منزلة تحقّقه فعلا و إلّا لا يمكن وجود شي‌ء في ظرف أن يكون وجودا له في غير هذا الظّرف فلا يمكن قياس المقام على العتق و نحوه‌

و على هذا فلو سلمنا صدق العقد على الكلّي و لو لم يضفه إلى شخص فقوله لا دليل على تأثير التّعيين المتعقّب فيه أنّ الدّليل عليه عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و قوله و لا على صحّة العقد المبهم لانصراف الأدلّة إلى الشّائع المعهود ففيه أن التّعارف‌

180

بنفسه لا يوجب الانصراف و قوله قبل ذلك و الدّليل على اشتراط التّعيين و لزوم متابعته في هذا القسم أنّه لو لا ذلك لزم بقاء الملك بلا مالك ففيه أنّ هذا لا يتمّ في جميع الصّور لأنّه لو كان كلّ من العوضين كليّا فقبل التّعيين لا يتحقّق نقل حتى يبقى الملك بلا مالك‌

و أمّا ثانيا فقوله و لو اشترى لنفسه بمال في ذمّة زيد فإن لم يكن وكيلا عن زيد وقع عنه و تعلّق المال بذمّته لا عن زيد ليقف على إجازته و إن كان وكيلا فالمقتضي لكل من العقدين منفردا موجود و الجمع بينهما يقتضي إلغاء أحدهما و لما لم يتعين احتمل البطلان للتدافع إلى آخره ففيه أنّه لا فرق بين صورة الوكالة و غيرها في أنّ التصريح بالخلاف لا يضرّ بالعقد و لا يقاس على مثل بعتك بلا ثمن مع أن احتمال البطلان يجري في غير صورة الوكالة أيضا فإن مجرّد قابليّة وقوع العقد عن الموكل لو كان منشأ للتّدافع بين قوله اشتريت لنفسي و قوله في ذمّة زيد فقابليّة وقوعه عن زيد فضولا أيضا يوجب التّدافع لأنّ كلّ ما صحّ عن قبل الموكل في صورة الوكالة صحّ عن المالك في صورة الفضولي فالتّفصيل بينهما لا وجه له‌

نعم يعتبر في قابليّة وقوع العقد عن قبل الموكل أو المالك أن يكون العقد جامعا لشرائط الصّحة من جميع الجهات إلّا أنّه في صورة الوكالة لا يحتاج استناده إلى الموكل إلى الإجازة منه بعد وقوع العقد و هذا بخلاف عقد الفضولي فإنّ استناده إلى المالك يتوقّف على الإجازة‌

و على هذا فيرد على عبارة المتن‌

في قوله و إذا لم يقصد المعاوضة الحقيقيّة فالبيع غير منعقد فإن جعل العوض من عين غير المخاطب الّذي ملكه المعوّض فقال ملّكتك فرسي هذا بحمار عمرو فقال المخاطب قبلت لم يقع البيع لخصوص المخاطب لعدم مفهوم المعاوضة معه و في وقوعه اشتراء فضوليا لعمرو

كلام يأتي فإن مع تصريحه بعدم انعقاد البيع لا وجه لوقوعه اشتراء فضوليا لعمرو فإنّ العقد الفضولي لا بدّ أن يكون المقصود منه المعاوضة الحقيقيّة حتّى في بيع الغاصب لنفسه و أمّا مع عدم قصد البيع أصلا فلا يصحّ رأسا‌

و ما وجّهنا به هذه العبارة سابقا و هو عدم قصد المعاوضة مع المخاطب لا عدم قصد أصل المعاوضة لا يستقيم لأنّه لو لا قوله فالبيع غير منعقد لكان لهذا التوجيه وجه و أمّا معه و مقابلة قوله و إذا لم يقصد المعاوضة مع قوله سابقا فالمقصود إذا كان المعاوضة الحقيقيّة فلا وجه له فتأمل لعلك تتصوّر وجها له ثم لا بأس بالإشارة إلى ما أفاده المصنف في توجيه ما أفاده المحقّق التّستري فيما إذا كان العوضان معيّنين بناء على عدم اعتبار التّعيين فقال المحقّق التّستري و على الأوسط لو باع مال نفسه عن الغير وقع عنه و لغى قصد كونه عن الغير‌

و قال المصنف و أمّا ما ذكره من مثال من باع مال نفسه عن غيره فلا إشكال في عدم وقوعه عن غيره و الظّاهر وقوعه عن البائع و لغوية قصده عن الغير لأنه أمر غير معقول لا يتحقّق القصد إليه حقيقة و هو معنى لغويّته و لذا لو باع مال غيره عن نفسه وقع للغير مع إجازته إلى أن قال إلّا أن يقال إنّ وقوع بيع مال نفسه لغيره إنّما لا يعقل إذا فرض قصده للمعاوضة الحقيقيّة لم لا يجعل هذا قرينة على عدم إرادته من البيع المبادلة الحقيقيّة أو على تنزيل الغير منزلة نفسه في مالكيّة المبيع إلى آخره

و حاصل ما أفاده أنّه بعد تحقّق المعاوضة و تبديل مال معيّن بمال آخر كذلك فذكر ما ينافي ذلك لا يضرّ فلو قصد بيع مال نفسه للغير يقع لنفسه و لو قصد بيع مال غيره لنفسه كالغاصب فيقع للغير لأن بعد قصد المعاوضة لا أثر‌

181

لقصد ما ينافيها نعم لو قيل بأن قصد بيع مال نفسه للغير كاشف عن عدم قصد المعاوضة فلا موجب للصحة كما أنّه لا موجب لها أيضا لو نزل الغير منزلة نفسه فأوقع المعاملة بين ذلك الغير و المشتري فإنّه بهذا التّنزيل أخرج نفسه عن الطّرفيّة فلا تقع له و لا يمكن أن يقع أيضا للغير بإجازته لأنّه غير مالك و لا إضافة بينه و بين المبيع فهذا التّنزيل موجب للبطلان عكس ما إذا نزل الغاصب نفسه منزل المالك فإنّه موجب للصحّة‌

ثم إنّ بعض المحشّين أورد على الشقّ الأوّل من الترديد بأن كون عدم المعقولية قرينة على عدم إرادة المعاوضة الحقيقيّة إنّما يتمّ إذا شكّ في قول الغير و أمّا مع صدور المعاملة الخاصّة عن نفسه فلا معنى لجعله قرينة إذ هو مطّلع على ما قصد و على الشقّ الثّاني من التّرديد بأنّ تنزيل الغير منزلة نفسه في مالكيّة المبيع وجه للصحّة لا للبطلان كما في تنزيل الغاصب نفسه منزلة المالك و فيهما ما لا يخفى‌

أمّا في الأوّل فلأنّ القرينة الواقعة في الإنشاء ليست كالقرينة الواقعة في الإخبار كاشفة عن المراد حتّى يقال إن المتكلّم مطلع على مراده بل قرينيّة القرينة في الإنشاء معناها أنّ العقد المتحصّل من إنشاءين إذا لم يتعقّب بما ينافيه فهو يقع على طبق ما أنشأ و أمّا إذا اقترن بما ينافيه كقوله بعتك بلا ثمن فلا يقع الإنشاء للتّدافع ففي مثل بيع مال نفسه عن غيره يحتمل الصّحة بأن يجعل قصد الغير لغوا و يحتمل البطلان بأن يجعل قصد الغير بمنزلة بلا ثمن في كونه إيجادا لما ينافي إنشاءه و هذا هو معنى قرينيّته لعدم قصد المعاوضة الحقيقيّة‌

و أمّا في الثّاني فللفرق بين قصد المالكيّة في بيع الغاصب و تنزيل الغير منزلة نفسه في بيع المالك و هو أنّ القصد في الأوّل مصحّح للمعاملة دون الثّاني و ذلك لأنّ العناوين الواقعيّة أو الجعليّة قد يكون الأثر فيها مترتّبا على المعنون بها أولا و بالذّات و بتوسط انطباقها على المصداق يرتب على هذا المصداق ثانيا و بالعرض فإنّ زيدا يجب عليه الحجّ لكونه مستطيعا‌

و قد يكون الأثر مترتّبا على المصداق لكونه معنونا فالعنوان من قبيل الدّاعي و واسطة في الثّبوت مثلا لو اقتدى بالعادل و تخيّل أنّه عمرو فبان أنّه زيد صحّت صلاته و لو اقتدى بعمرو لكونه عادلا فتبيّن أنّه زيد بطلت صلاته ففي الأوّل قصد كونه مالكا من الدّواعي و من قبيل الخطإ في التّطبيق فإنّ المقصود إيقاع المبادلة بين المالين من المالكين و حيث يعلم بأن كلّا منهما ليسا له يبني على مالكيّة نفسه حتّى يتحقّق قصد المعاوضة حقيقة فإذا تمّت المعاوضة و أجاز المالك وقعت له‌

و أمّا في الثّاني فقصد كون ماله لغيره لا يمكن أن يكون من قبيل الخطإ في التّطبيق بل يكون ضدّ ذلك لأنّه يرى نفسه خارجا عن طرف المعاوضة فصحّته عن قبل نفسه لا يعقل بعد إخراج نفسه عن المالكية و صحّته عن الغير أيضا لا معنى لها بعد عدم تأثير إجازته و بالجملة تنزيل الغير منزلة النّفس موجب للبطلان لأنه لا يعقل دخول البدل في ملك الغير مع عدم خروج المبدل عن ملكه و لا وقوعه عن نفسه لإخراج نفسه عن المالكيّة و تعقيب إنشائه بما ينافيه‌

نعم بناء على ما ذكرنا من أنّ ذكر ما ينافي العقد بعد تحقّق أركانه يقع لغوا و لا يوجب بطلانه فهذا القصد لغو و على أيّ حال هذا القصد ليس مصحّحا للمعاملة بل إمّا يقع لغوا أو موجبا للبطلان‌

المبحث الثالث في تعيين الموجب لخصوص المشتري و القابل لخصوص البائع

و فيه أيضا جهات من البحث الأولى في أنّه هل فرق بين هذا المبحث و المبحث الثّاني أو لا فرق بينهما و الحقّ‌

182

عدم الفرق بينهما ففيما إذا كان العوضان شخصيّين فكما لا يعتبر تعيين البائع من يبيع له و لا تعيين المشتري من يشتري له فكذا لا يعتبر أن يعلم البائع بأنّ المشتري يشتريه لنفسه أو لغيره و أنّ الثمن ملك له أم لا و هكذا في طرف المشتري لأنّ التبديل يقع بين المالين فكلّ من هو مالك للثمن ينتقل إليه المثمن و بالعكس‌

نعم في غير باب المعاوضات كعقد النّكاح و الهبة و الوقف و الوصيّة و نحو ذلك كالضّمان و الحوالة يعتبر العلم بالطّرف فإنّ خصوصيّات الأشخاص لها ركنيّة و دخل تام في نظر الطّرف و بالجملة من يتعلّق العقد به تارة هو ركن في العقد و أخرى ليس كذلك فلو كان ركنا فلا بدّ من تعيينه فلو لم تعلم الزّوجة بأنّ القابل هو الزّوج أو وكيل عنه لم يصحّ العقد و هذا بخلاف البيع‌

الثّانية إذا علم بأنّ الطّرف الآخر وكيل أو وليّ فهل يصحّ في مقام إجراء الصّيغة المخاطبة مع الطّرف مطلقا بأن يقول أنكحتك أو لا يصحّ مطلقا أو التّفصيل بين البيع و ما يحذو حذوه و بين النّكاح و ما يتلو تلوه و الحقّ هو التّفصيل لا للفرق بين وكيل الزّوج و وكيل البائع بأن يقال يطلق على وكيل البائع بأنّه بائع و أمّا وكيل الزوج فلا يقال بأنّه زوج فإنّ هذا باطل لعدم الفرق بين الإطلاقين كما أشار إليه المصنف بقوله فتأمل بل لأنّ ما لم يعتبر فيه أن يكون شخصا خاصا صحّ مخاطبته بما أنّه هو أو بما أنه وكيل لا بمعنى أن كاف الخطاب وضع في البيع و نحوه للأعمّ فإنّه باطل بل بمعنى أنّه في البيع يتعارف تنزيل الغير منزلة المخاطب فلو علم بالوكالة نزل الوكيل منزلة نفس الموكل فيخاطبه بقوله بعتك بما أنت موكلك و أمّا لو يعلم بها فيخاطبه بقوله بعتك بما أنت أنت و هذا بخلاف باب النّكاح فإنّه لا يتعارف فيه ذلك فمع أنّ المخاطب في كلتا الصّورتين هو العاقد يختلف كيفيّة الخطاب اعتبارا‌

الثّالثة بعد صحّة البيع و لو لم يعلم بأنّ الطّرف يشتريه لنفسه أو لغيره فهل الملزم بالالتزام العقدي نفس العاقد و لو ثبت بأنّه وكيل أو يفصل بين ما إذا ثبت وكالته فالملتزم هو الموكل و ما لم يثبت فالعاقد وجهان و الأقوى هو الأوّل‌

و على هذا فلا يسمع دعوى الوكالة لأنّ الدعوى إنّما تسمع فيما إذا كان الأثر مترتّبا على المدّعى به و أمّا لو لم يكن له الأثر سواء كان ثابتا في الواقع أم لا فلا وجه لسماع الدّعوى فالعمدة إثبات أنّ الملتزم بالالتزامات نفس العاقد فيما لم يعلم أنه وكيل لأنّه لو علم كونه وكيلا فالملتزم هو الموكل بلا شبهة لأنّ الخطاب و إن كان متوجّها إلى الوكيل إلّا أنّه لا بما هو هو بل بما أنه موكله فكأنّ الطرف مع علمه بوكالة المخاطب جعل الالتزامات العقديّة على الموكل و أمّا لو يعلم بها فالملزم هو الوكيل و لو ثبت كونه وكيلا بعد هذا غاية الأمر أنّه أيضا يرجع إلى الموكل لأنّ الطّرف حيث إنّه جاهل بوكالته فينشئ الالتزامات الصّريحة أو الضّمينة معه بل لعلّه لو كان عالما بوكالته لما أوقع المعاملة مع الموكل لأنّ النّاس في السّهولة و الصّعوبة و العسر و اليسر و المماشاة و المماطلة مختلفون فالوكيل المفوّض كما هو مفروض الكلام لو لم يصرّح بالوكالة فهو الملزم بالتّسليم و سلامة المبيع و نحو ذلك من الشّروط الضّمنيّة و الصّريحة لأنّه بإنشائه التزم أمرين‌

أحدهما الالتزام بكون المبيع عوضا عن الثمن و أثر هذا الالتزام انتقال كلّ واحد من العوضين من أي مالك كان إلى مالك الآخر فعليه إلزام موكله بأخذ الثّمن أو المثمن منه و تسليمه إلى الطّرف و للطّرف الرّجوع إليه ابتداء و ثانيهما الالتزام بعدم العيب و الغبن و نحو ذلك من الشّروط الضمنيّة أو الصّريحة و أثر هذا الالتزام أيضا رجوع الطرف إليه‌

183

ابتداء و بعد رجوعه إليه فهو أيضا يرجع إلى موكله‌

نعم لو كان كاف الخطاب موضوعا للأعمّ لكان سماع الدّعوى منه في غاية الوضوح لأنّ ظهور الإطلاق في كونه هو الأصيل لا ينافي سماع الدعوى منه فإنّ مورد سماع الدعوى هو كون الأثر على المدّعى به مع كونها مخالفة للأصل أو الظّاهر فمع الالتزام بكون الكاف موضوعا للأعمّ لا وجه لعدم سماع قول من يدّعي الوكالة‌

و لعلّ قوله فتأمّل

إشارة إلى ذلك‌

[مسألة و من شرائط المتعاقدين الاختيار]

قوله (قدّس سرّه) مسألة و من شرائط المتعاقدين الاختيار إلى آخره

قد تقدم أنّه يعتبر في تحقّق عنوان العقديّة أمران الأوّل أن يكون قاصدا للّفظ بما أنّه فان في المعنى و حاك عنه و قصده كذلك مع عدم قصد المعنى لا يجتمعان فإنّ قصده كذلك الّذي هو عبارة عن استعماله في المعنى ملازم لقصد المعنى منه نعم قصد اللّفظ موضوعيّا كمن يتكلّم تقليدا أو غير عالم بالمعنى لا يلازم قصد المعنى الثّاني أن يكون الداعي على الاستعمال بعد قصد اللّفظ وقوع المدلول في الخارج فعقد الهازل لا أثر له لأنّه و إن قصد المعنى بتوسّط قصده اللّفظ إلّا أنّه غير قاصد لوقوع المدلول في الخارج أي لم يقصد من قوله بعت إيجاد المادة بالهيئة خارجا بل قصد صورة و هزلا‌

و يعتبر في نفوذ العقد و مضيّه شرط ثالث و هو أن يكون إرادة الفعل ناشئة عن طيب النّفس أي يكون الموجب لإرادة الفعل و الدّاعي لها الّذي هو بمنزلة العلّة للإرادة و إن لم تكن علّة و إلّا لزم القول بالجبر كما برهن في محلّه طيب نفسه لا إكراه المكره فإنّ المكره بالفتح و إن كان قاصدا للّفظ و قاصدا لوقوع مدلوله في الخارج أيضا إلّا أن هذا القصد نشأ عن غير رضاه منه فلو كان هذا القصد أيضا ناشيا عن الرّضا خرج عن عنوان الإكراه و لو انتهى إلى غير الرّضا كما أنه لو كان أصل صدور الفعل عن غير اختيار فهو أيضا خارج عن عنوان الإكراه‌

و بعبارة واضحة هنا أمور ثلاثة اثنان منها خارج عن عنوان الإكراه و الإكراه متوسّط بينهما الأوّل ما إذا صدر الفعل عن غير إرادة كمن وجر في حلقه مفطر أو كتف و ألقي في السفينة و الثّاني ما إذا صدر الفعل عن إرادة و نشأت هذه الإرادة عن داع نفسانيّ إلّا أنّ الدّاعي على هذا الدّاعي غير الرّضا و الاختيار كمن كان جائعا فباع ثوبه ليشتري بثمنه خبزا بحيث لو لم يكن مضطرّا لما باعه و المكره واسطة بين هذين الشّخصين فإنّه مختار في الفعل إلّا أنّ هذا الاختيار نشأ عن غير اختيار و أمّا الجائع و نحوه كمن أكره على إعطاء مائة دينار فباع داره لإعطاء الدّنانير فإرادة الفعل أيضا نشأ عن الاختيار إلّا أنّ هذا الاختيار نشأ عن أمر غير اختياريّ و كيف كان فموضوع البحث في عقد المكره وجود جميع الشرائط سوى الرضا بالمعاملة فما عن العلّامة و الشّهيدين (قدّس اللّٰه تعالى أسرارهم) من أنّ المكره قاصد إلى اللّفظ دون مدلوله ليس مقصودهم ما هو ظاهر عبارتهم أمّا مراد الشّهيدين فبالنّظر إلى قياسهما الكره على الفضولي يظهر أن مقصودهما من قولهما أنّ المكره قاصد إلى اللّفظ غير قاصد إلى مدلوله هو أنّ المكره لم يقصد ما هو ظاهر إنشاء كلّ منشئ من رضائه بوقوع المدلول في الخارج كما أنّ الفضولي لم يقصد ما هو ظاهر المعاملة من وقوعها لنفسه و أمّا العلّامة فمقصوده من قوله في التحرير لو أكره على الطّلاق فطلّق ناويا فالأقرب وقوع الطّلاق إذ لا إكراه على القصد هو التّفصيل بين أقسام المكره و هو أنّ كلّ من لم يتمكّن من التورية فهو مكره و أمّا من أمكن له التورية فإذا لم يوروا وقع المعاملة فليس مكرها بل صدرت المعاملة عنه عن طيب‌

و بالجملة فمحلّ الكلام‌

184

في المقام هو أنّ الدّاعي الذي ينشأ منه إرادة الفعل يجب أن يكون اختياريا فعدم قصد وقوع المدلول في الخارج كما في الهازل لا يدخل تحت هذا العنوان كما أن انتهاء جميع الدّواعي في السّلسلة الطّولية إلى الاختيار أيضا لا دليل على اعتباره و إلّا لزم عدم صحّة أغلب المعاملات فلو كان محلّ البحث هو البيع الصّادر عن إرادة ناشئة عن الإكراه لصحّ التمسّك لاعتبار الاختيار المقابل لهذا المعنى بالأدلّة العامّة و الخاصّة‌

أمّا الأدلّة العامّة فكقوله عزّ من قائل إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و قوله ع لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا عن طيب نفسه و قوله ص رفع ما أكرهوا عليه فإنّ الإكراه على إرادة المعاملة يخرجها عن التّجارة النّاشئة عن الرضا بها و عن طيب النّفس فإنّ المكره و إن كان راضيا بالفعل بمعنى أنّه يصدر عنه بالاختيار إلّا أنّه غير راض بحاصل فعله و بإرادته للفعل الّذي يترتّب عليه الأثر فلم يصدر التّجارة عن رضا‌

و أمّا حديث الرّفع فبناء على ما بيّنا مفاده في الأصول من أنّ الرفع رفع تشريعيّ و لا يحتاج إلى التّقدير فدلالته على المقصود واضحة و لا يتوقّف التمسّك به على ضمّ استشهاد الإمام ع به على رفع أثر الحلف بالطّلاق إذا كان الحالف مكرها لما بيّنا من دلالته بنفسه مع قطع النّظر عن الخارج و على أيّ حال المناقشة في الاستشهاد بحمل نفس الاستشهاد على التّقية غير صحيحة لأنّ الظّاهر أنّ الإمام ع في استشهاده بحديث الرّفع بيّن الحكم الواقعي و إنّما اتّقى في تطبيق الحديث على المورد ففي بيان الكبرى لا تقيّة فيدلّ الحديث على رفع الآثار الوضعية كرفع الآثار التّكليفيّة في حال الإكراه‌

و نظير المقام ما ورد عن الصّادق ع في قوله ذاك إلى الإمام إن صمت صمنا و إن أفطرت أفطرنا فإنّ الظّاهر من هذا الحديث أنّه ع لم يتّق في ثبوت الهلال بحكم إمام المسلمين بل في تطبيق الإمامة على المنصور الّذي أمر الإمام ع بإفطار آخر يوم الصيام كما أنّ الإشكال عليه بأن مقتضاه بطلان البيع عن اضطرار مع عدم إمكان الالتزام به غير وارد لأنّ الحديث حيث ورد في مقام الامتنان فلا امتنان في رفع أثر المعاملات الصادرة عن اضطرار هذا مع أنّ الاضطرار إلى المعاملة عبارة عما يكون نفس المعاملة اضطراريّة و أمّا إذا كانت المعاملة ممّا يدفع بها الاضطرار فلا يدلّ الحديث على رفعها كما أنّه لو كان الخطأ أو النّسيان متعلّقا بأمر آخر غير نفس المعاملة و صدرت المعاملة عن عمد و التفات فهذه لا ترتفع بالحديث‌

و على أيّ حال سواء قلنا برفع الآثار الوضعيّة أيضا كرفع الأحكام التكليفيّة كما هو ظاهر استشهاد الإمام ع بالحديث أم لم نقل به بأن يحمل نفس الاستشهاد على التقيّة فعدم مضي المعاملة إذا كانت إكراهيّة لا إشكال فيه لأنّ الإكراه موجب لفقد الرّضا مع أنّ رفع الآثار الوضعيّة به في الجملة لا إشكال فيه و تمام الكلام في الأصول‌

و أمّا الأدلّة الخاصّة فهي الأخبار الواردة في الطّلاق و العتق فعن زرارة عن أبي جعفر ع عن طلاق المكره و عتقه فقال ع ليس طلاقه بطلاق و لا عتقه بعتق و عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) لا يقع الطّلاق بإكراه و لا إجبار و لا مع سكر و لا على غضب إلى غير ذلك من الأخبار‌

ثم إنّه لا ينافي الصّحة مع الرضا اللّاحق في العقود البطلان مطلقا في الطّلاق و العتق لأنّ البطلان فيهما إنّما هو لخصوصيّة كونهما إيقاعيّين و الإيقاع لا يقبل الرضا المتأخّر كما أنّه لا محذور في الجمع بين ما لا إرادة في الفعل كما في السّكر و الغضب الّذي أريد منه مورد سلب الشّعور و الإجبار‌

185

إذا أريد منه سلب الاختيار كحركة المرتعش و ما فيه الإرادة كالإكراه لاشتراك القسمين في الجامع و هو بطلان الطّلاق‌

قوله (قدّس سرّه) ثم إنّ حقيقة الإكراه لغة و عرفا حمل الغير على ما يكرهه إلى آخره

بعد ما تبيّن حكم الإكراه و أنّه لا يترتّب الأثر على العقد أو الإيقاع الصادر عن المكره‌

يجب التّنبيه على موضوع الحكم و بيان القيود المعتبرة فيه

و فيه جهات من البحث‌

الأولى في بيان حقيقته

و قد ظهر ممّا قدّمنا أنّ الإكراه المبحوث عنه بين الأعلام هو الواسطة بين مثل حركة المرتعش و الاضطرار فهو عبارة عن تحقق إرادة وقوع المضمون عن غير رضا و طيب و هذا هو مقصود المصنف (قدّس سرّه)

في قوله فالمعيار في وقوع الفعل مكرها عليه سقوط الفاعل من أجل الإكراه المقترن بإيعاد الضّرر عن الاستقلال في التصرّف بحيث لا يطيب نفسه بما يصدر منه و لا يتعمّد إليه عن رضا و إن كان يختاره دفعا للضّرر

و توضيح ذلك أنّ الغرض من المعاملة قد تكون هو التّجارة و قد تكون حاجة عارضة و هذه الحاجة تارة هي دفع ضرر ترك المعاملة و أخرى دفع ضرر آخر فلو كان مكرها بدفع شي‌ء فباع داره لتحصيل المكره عليه أو كان مضطرّا لشراء ما يسدّ به خلّة عياله فباع داره لتحصيل ثمن ما يحتاج إلى شرائه فهذا ليس مكرها على المعاملة بالداعي الأولى و إن كان مكرها عليها ثانيا و بالعرض و أمّا لو كان مكرها على المعاملة أوّلا و كان الحامل لها أمر المكره فهو موضوع البحث و اعتبار كون التّجارة عن تراض يقتضي خروج هذه المعاملة عمّا تعلّق الإمضاء الشّرعيّ به لكونها عن غير رضا لا القسم الأوّل فإنّه و إن انتهى إلى عدم الرّضا إلّا أنّه لا يصدق عليه أنّه غير راض لأنّه و إن أوجد المعاملة لدفع الضّرر إلّا أنّه مستقلّ في فعله‌

ثم بعد اعتبار الإكراه على نفس المعاملة و كون وقوعها ناشيا عن حمل الغير على ما يكرهه لا مجرّد استرضاء خاطره من دون طلب منه يعتبر توعيد الطّالب على التّرك ثم يعتبر الظنّ أو الاحتمال العقلائي على ترتّب ذلك الوعيد على التّرك فمجرّد أمر الغير مع عدم اقترانه بتوعيد منه لا يدخل في موضوع البحث و إن خاف من تركه ضررا سماويا أو الضّرر من شخص آخر غير الأمر كما أنه مع عدم احتماله الترتّب ليس داخلا في عنوان الإكراه لأنّ الشّخص في هذه الصّور إمّا مستقلّ في التصرّف و إمّا أن صدوره منه ليس لعنوان الإكراه بل للاضطرار و نحوه و على هذا فمثل أمر الوالدين أو أمر من لا يمكن مخالفته حياء لا يدخل في عنوان الإكراه إلّا إذا خرج صدور الفعل من الفاعل عن داعي حصول اسم المصدر و على هذا يحمل ما دلّ على رفع أثر الطّلاق الصادر مداراة بأهله أو على عدم قصد المضمون‌

كما أن رواية ابن سنان عن الصادق ع قال لا يمين في قطيعة رحم و لا في جبر و لا في إكراه قلت أصلحك اللّٰه و ما الفرق بين الجبر و الإكراه قال الجبر من السّلطان و يكون الإكراه من الزّوجة و الأم و الأب و ليس ذلك بشي‌ء الدالّة على دخول إكراه الزّوجة و الأبوين في عنوان الإكراه لا بد أن تحمل على خصوص الإكراه في اليمين لأنّها حيث تكون مرجوحة فلا أثر للإكراه عليها و لو كان من قبل الأبوين و الزّوجة و على هذا فالاستدلال بها للمقام غير مستقيم لأنّ البيع ليس مرجوحا فإذا لم يخف البائع من تركه و صدر منه فهو مستقلّ في التصرّف‌

ثم إنّ قوله و ليس بشي‌ء يرجع إلى صدر الحديث أي ليس اليمين في مورد الإجبار و الإكراه بشي‌ء فيكون السّؤال و الجواب جملتين معترضتين بين الصّدر و الذّيل و منشأ الفصل عدم إمهال السائل لإتمام الإمام ع كلامه‌

186

ثمّ إنّ ممّا ذكرنا من الفرق بين الاضطرار و الإكراه ظهر اندفاع ما يتوهّم من التّناقض بين كلامي المصنف‌

وجه التوهّم هو أنّ توجيهه (قدّس سرّه) كلام الشهيدين و هو أنّ المكره و الفضولي غير قاصدين لمدلول العقد بأن المراد من القصد المفقود في المكره هو القصد إلى وقوع أثر العقد و مضمونه في الواقع مناقض لما ذكره في أوّل العنوان من أنّ المراد من الاختيار هو القصد إلى وقوع مضمون العقد عن طيب النّفس في مقابل الكراهة فإنّ قوله في أوّل العنوان ظاهر في أنّ المكره قاصد لوقوع أثر العقد و مضمونه في الواقع إلّا أنّه نشأ قصد وقوع مضمونه في الخارج عن إكراه و كلامه في التوجيه ظاهر في أنّ المكره لا يكون قاصدا لوقوع مضمون العقد مضافا إلى كونه غير راض به‌

وجه الدفع يتوقّف على تمهيد مقدّمة و هي أنّ الفعل المحرّم الصادر عن الإنسان كشرب الخمر يقع على أنحاء منها شربه تشهيا و منها شربه علاجا و منها شربه مكرها عليه و لا إشكال في أنّ القسم الأوّل يصدر عنه بتمام الاختيار من حيث اختيار الفعل و اختيار الأثر الحاصل منه و هو السّكر و أمّا الثّاني فالفعل و قصد حصول الأثر المرغوب عنه و إن صدرا بالاختيار إلّا أن قصد الأثر حصل لدفع الضّرر فهو نشأ عنه ثانيا لا أوّلا و بالذات و أمّا الثّالث فالفعل و إن صدر عنه بالاختيار إلّا أنّه لم يقصد حصول الأثر حتّى في المرتبة الثّانية لأنّه لا يكون غرضه في صدور الفعل حصول النّتيجة و الثّاني يسمّى بالمضطرّ إليه و الثّالث بالمكره عليه‌

إذا عرفت ذلك ظهر أن مراده في التوجيه من أنّ المكره غير قاصد لمضمون العقد ليس كونه غير قاصد للانفعال الّذي هو أثر الفعل مع قصده الفعل بل مراده أنّ نتيجة فعله أي الأثر المترتب عليه كالانتقال الخارجيّ الذي هو بمعنى اسم المصدر لم يصدر عنه باختيار و رضا‌

و بعبارة أخرى يشترك المضطرّ مع المكره في قصدهما المعنى المصدريّ إلّا أنّهما يفترقان في قصد اسم المصدر فإنّ المضطرّ قاصد له كقصده المعنى المصدريّ عن طيب بخلاف المكره فإنّه لم يقصد حاصل المصدر عن رضا و يمكن أن يكون هذا مراد العلّامة (قدّس سرّه) في قوله لو أكره على الطّلاق فطلّق ناويا فالأقرب وقوع الطّلاق إذ لا إكراه على القصد أي نوى الحاصل من المصدر و قصد تحقّق مضمون العقد لا بمعنى أنّه قصد مدلوله بل بمعنى كون الفعل ناشئا عن قصد حصول الأثر‌

و بعبارة أخرى قد يكون قصد المعنى المصدريّ تبعا لقصد اسم المصدر فإن المقصود توجه أولا إلى قصد اسم المصدر و حيث إنّه حاصل من المصدر فيقصد المعنى المصدريّ مقدّمة و المضطرّ كذلك لأنّه لمّا توقّف علاج مرضه على السّكر فيقصد الشرب المحصّل له مقدّمة و أمّا المكره فلا يريد السّكر أصلا بل الشّرب هو المقصود الأصلي له فعلى هذا يصحّ أن يقال إنّ المكره غير قاصد لوقوع مضمون العقد أي المتحصّل من العقد و الأخبار المصرّحة بأنه لا طلاق لمن لا يريد الطّلاق ناظرة إلى هذا المعنى‌

و حاصل الكلام أنّه ليس مقصود المصنف (قدّس سرّه) من أنّ المكره لا يكون الدّاعي له من الإنشاء قصد وقوع مضمونه في الخارج أنّ المكره لا يقصد إيجاد المادّة بالهيئة بل مقصوده أنّه لا غرض له من إيجاد المادّة بالهيئة و إن أوجدها بها فإنّ غرضه و داعيه هو دفع الضّرر الّذي ينشأ من تركه إيجادها فهو يوجدها بها لا عن رضا بخلاف المضطرّ فإنّه يوجدها بها عن رضا منه فهو مستقلّ في التصرّف دون المكره‌

الجهة الثّانية ما أشاره إليه المصنف

بقوله (قدّس سرّه) ثم إنّه هل يعتبر في موضوع الإكراه أو حكمه عدم إمكان التفصي عن الضرر المتوعّد به

187

بما لا يوجب ضررا آخر إلى آخره

و حاصله أن إمكان دفع الضرر بالوقوع في ضرر آخر لا يخرج الفعل عن عنوان الإكراه و لذا لو أكره على الطّبيعي فكلّ واحد من مصاديقه يصدق عليه أنّه وقع مكرها عليه و هكذا لو أكره على أحد الشّيئين فاختيار أحدهما لا يخرجه عن عنوان الإكراه‌

و توهّم كونه مختارا في اختيار الخصوصيّة فاسد جدا لأنّ الخصوصيّة إذا صدرت لدفع إيعاد المكره فليست صادرة عن طيب و هذا لا إشكال فيه إنّما الإشكال في أنّه إذا أمكنه دفع الضّرر بالتوصّل إلى شخص ليدفع ضرر المكره أو بالتّورية فهل يكون مكرها مطلقا أو لا يكون كذلك مطلقا أو يفصل بين التّورية فيكون مكرها و غيرها فلا وجوه و الأقوى هو التّفصيل‌

و توضيحه يتوقّف على رسم أمور الأوّل في معنى التّورية و المشهور أنّها عبارة عن إلقاء الكلام الظّاهر في معنى و إرادة خلاف ظاهره مع إخفاء القرينة على الخلاف و في مجمع البحرين وريت الخبر تورية إذا سترته و أظهرت غيره حيث يكون للّفظ معنيان أحدهما أشيع فتنطق به و تريد الخفي إلى آخره و في القاموس و ورّاه تورية أخفاه و في تلخيص المفتاح و منه التّورية و تسمّى الإيهام أيضا و هو أن يطلق لفظ له معنيان قريب و بعيد و يراد البعيد إلى آخره‌

و الظّاهر عدم انحصار التورية بما عرفوها به فإنّ هذا الّذي ذكر في تعريفها ينحصر في الإخبار و الجامع بين الإخبار و الإنشاء هو أن تعرّف بمطلق إخفاء المقصود سواء كان بهذا النحو الّذي ذكر أم بنحو ذكر اللّفظ و عدم قصد المعنى بأن لا يكون ذكره اللّفظ استعمالا بل ناظرا إليه بالنّظر الموضوعيّ و بعبارة أخرى استعمال اللّفظ عبارة عن إلقاء المعنى باللّفظ فإذا لم يكن مقصود اللّافظ هو الاستعمال إمّا بأن لا يلقي ما هو معناه و إمّا بأن لا يلقي به معنى أصلا بل ينظر إليه لا بما هو فان و آلي بل بالنّظر الاستقلاليّ كاستعمال اللّفظ و إرادة شخص هذا اللّفظ كقوله زيد لفظ فهو الموري‌

و على هذا فالتورية في الحكايات قد تكون عبارة عن إراءة استعمال الألفاظ في المعاني حكاية مع أنّه ليس داعيه إلّا صرف التلفّظ و في الإنشائيات عبارة عن كونه مرائيا بأنّه يوجد المواد بالهيئات و ينشأ المعاني بالألفاظ مع أنّه ليس كذلك‌

و على أيّ حال لا يخرج الكلام عن الكذب بالتّورية لأنّه عبارة عن مخالفة ما هو ظاهر اللّفظ مع ما هو الواقع خارجا سواء كان اللّافظ مريدا للظّاهر أم لا قاصدا لاستعمال اللّفظ في المعنى أم لا الثّاني قد تقدم أنّه يعتبر في رفع الإكراه أثر المعاملة ترتّب الضّرر على مخالفة الفعل المكره عليه و محلّ بحث الأعلام في عدم اعتبار إمكان التفصّي مطلقا أو اعتباره كذلك أو التّفصيل بين إمكانه بغير التورية و إمكانه بها إنّما هو بعد الفراغ عن اعتبار ترتّب الضرر على مخالفة الفعل المكره عليه و أمّا لو قلنا بأن مجرّد حمل الغير على ما يكرهه يكفي في ارتفاع أثره لصدق الإكراه فالنزاع في اعتبار إمكان التفصّي مطلقا أو عدم اعتبار إمكانه كذلك أو التّفصيل لغو و ذلك لصدق الإكراه بمجرّد عدم رضاء المكره بالنتيجة و من هنا صحّ تمسّك المصنف برواية ابن سنان الدالّة على عدم اعتبار إمكان التفصّي مطلقا و لا يرد عليه ما أورد بأنّ الظّاهر من الرّواية تحقّق الإكراه بدون التوعيد بالضّرر لا أنّ التفصّي بغير التّورية أيضا غير لازم فلا دخل لها بمسألة إمكان التفصّي و عدمه و ذلك لما عرفت من أنّ محلّ البحث إنّما هو بعد اعتبار ترتب الضّرر و الرّواية حيث دلّت على أنّ إكراه الزّوجة أو الوالدين ليس بشي‌ء‌

188

مع أنّ التفصّي بغير التورية بالنّسبة إلى مخالفتهم أيضا ممكن فتدلّ على عدم اعتبار العجز عن التفصّي مطلقا‌

نعم قد يورد عليه أنّ الرّواية مختصّة بمسألة الإكراه في مورد اليمين لا مطلقا و كيف كان فثمرة هذا النّزاع إنّما هو بعد الفراغ عن اعتبار ترتّب الضّرر على مخالفة الفعل المكره عليه الثّالث يظهر من المصنف أنّ الفرق بين التخلّص من التورية و غيرها من وجهين أحدهما من حيث الحكم و ثانيهما من حيث الموضوع أمّا من حيث الحكم فحاصله أنّ الإكراه و إن لم يكن صادقا موضوعا على ما إذا تمكّن من التفصّي مطلقا إلّا أنّ إطلاق الأخبار و معاقد الإجماعات تلحقان القادر على التفصّي بالتورية بمن لا يقدر عليه‌

أمّا عدم صدق الإكراه موضوعا على مورد إمكان التفصّي فلما عرفت أنّه يعتبر في وقوع الفعل عن إكراه أن يكون الدّاعي إليه هو خوف ترتب الضّرر الموعود على التّرك و مع القدرة على التفصّي و لو بالتّورية لا يكون الضّرر مترتّبا على ترك المكره عليه بل على تركه و ترك التفصّي معا فدفع الضرر يحصل بأحد الأمرين فإذا اختار الفعل و لم يورّ فهو مختار فيه و لا يقاس على اختيار أحد فردي المكره عليه كما إذا أكرهه على بيع داره أو بستانه في أنّ اختيار كل واحد لا يخرج الفعل عن كونه مكرها عليه للفرق بينهما فإنّ المكره لم يكرهه إمّا على المعاملة أو على التفصّي فليس التفصّي عدلا للمكره عليه بل هو من قبيل شرط الوجوب و مسقط للتّكليف و موجب لذهاب الموضوع و لذا لو تفصّى بعقد آخر غير ما أكره عليه وقع صحيحا و ليس ذلك إلّا أنّه ليس فردا لما أكره عليه و لا عدلا له‌

و أمّا دخول إمكان التفصّي بالتّورية في حكم الإكراه فلإطلاق معاقد الإجماعات و الأخبار و بعد حملها على صورة العجز عن التّورية لجهل أو دهشة و فيه ما لا يخفى من الغرابة فإنّه لو سلّم أنّ مع القدرة على التفصّي و لو بالتّورية ليس مكرها عليه فكيف يشمله إطلاق معاقد الإجماعات و الأخبار فإنّ الإطلاق يؤخذ به في أفراد الموضوع أو أحواله و مع خروجه موضوعا لا يعقل شمول نفس هذا الإطلاق له نعم لو نهض دليل آخر على إلحاقه به حكما أو قام إجماع على عدم اعتبار العجز عن التّورية في رفع الإكراه أثر الفعل المكره عليه لصحّ دعوى الإلحاق الحكمي و لكن أنّى لنا بإثباته مع أنّ الإجماع إذا كان مستنده صدق الإكراه فلا يفيد‌

و قوله (قدّس سرّه) مع أنّ العجز عنها لو كان معتبرا لأشير إليها في تلك الأخبار الكثيرة المجوّزة للحلف كاذبا عند الخوف و الإكراه خصوصا في قضيّة عمّار

ففيه أنّ عدم الإشارة إليها في باب الحلف كاذبا عند الخوف و الإكراه إنّما هو لعدم فائدة للتّورية في الخروج عن الكذب كما تقدم من أنّ الكذب هو مخالفة ما هو ظاهر الكلام مع ما هو الواقع في الخارج و أمّا في قضيّة عمّار فلا أثر للتّنبيه عليه بأن يوري إذا ابتلى بعد ذلك‌

أمّا أولا فلأنّ الألفاظ الكفريّة يحرم التلفّظ بها و لو لم يقصد بها معانيها لأنّ لها موضوعيّة من وجه و إن كانت طريقيّة من وجه آخر فالتبرّي من اللّٰه سبحانه و رسوله و الأئمّة الهدى (صلوات اللّٰه عليهم أجمعين) يحرم و إن لم يقصد به معناه كما قيل في عكس ذلك بالنسبة إلى الشّهادتين في أن بعض الآثار مترتّب على نفس التنطّق باللّسان و إن لم يقصد بهما معناهما لعدم اعتقاد المتلفّظ بمدلولهما‌

و بالجملة في مورد ترتب الأثر على الواقع قد أشير في بعض الأخبار بأنّه يجب التّورية كما في الحلف كذبا و أمّا في مورد ترتّب الأثر على اللّفظ فلا يفيد التورية و ثانيا‌

189

أنّ مثل عمّار لا يحتاج إلى التنبيه لأنّ المؤمن لا محالة لا يقصد معنى لفظ الكفر لو أكره عليه فمع أنّه يوري لا محالة ورد قوله عزّ من قائل إِلّٰا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ و أمّا من حيث الموضوع فلأنّ الإكراه يصدق مع إمكان التفصّي بالتّورية و لا يصدق مع إمكان التفصّي بغير التّورية و ذلك لأنّ المكره بالفتح لو ورى و التفت المكره بالكسر إلى توريته لأوقعه في الضّرر الّذي أوعده به نعم قد لا يلتفت إلى توريته و امتناعه ممّا أكرهه عليه و أمّا لو توسّل إلى غيره لدفع ضرر المكره و امتنع عن الفعل المكره عليه لم يوقعه في الضّرر‌

و بعبارة واضحة لا بدّ في تحقّق الإكراه من أمرين أحدهما اطّلاع من يكره أحدا على فعل بأن المكره ممتنع حتى يوصل الضّرر إليه و أمّا لو لم يعلم بأنّه يمتنع أو لا يمتنع فلا معنى لتوعيده و ثانيهما أن يوقعه في الضّرر الّذي أوعده و أمّا لو اطّلع بالامتناع و لم يمكن له أن يوقعه في الضّرر فهذا ليس إكراها‌

و على هذا فإذا تمكّن المكره من دفع ضرر المكره بالتشبّث بذيل من يرفع ضرره أو بإذهاب الموضوع الّذي أكرهه عليه فهو ليس مكرها لأنّ مع اطّلاع المكره على امتناعه لا يقدر أن يوقعه في الضّرر و هذا بخلاف من يتفصّى بالتّورية فإنّه لو اطّلع المكره على امتناعه أوقعه في الضّرر و علمه بامتناعه يتوقّف على أن يكون الموري أيضا مكرها و إلّا فمن أين يطّلع على أنّه امتنع أو لم يمتنع لأنّ المكره إذا أوقع صورة البيع من دون قصد معناه فلم يمتنع ظاهرا و لكنّه امتنع واقعا فامتناعه إنّما يتحقّق بأن لا يوقع صورة البيع أيضا‌

و الحاصل أنّ في مورد التفصّي بغير التّورية لا يلازم وقوعه في الضّرر الّذي توعّد عليه مع علم الحامل بالامتناع و أمّا في مورد التفصّي بها فأوّلا لا يعلم الحامل على الامتناع فلا معنى لتوعيده و ثانيا يوقعه في الضّرر لو اطّلع على الامتناع فلا يفيده التفصّي بها و لكنّك خبير مضافا إلى أنّ هذا البيان مرجعه إلى أنّ الأمور القصديّة لا معنى لتعلّق الإكراه به فيقع الإكراه على ذات الفعل فمخالفة المكره يتحقّق بأن لا يقع منه ذات الفعل لا أن لا يقصد معناه أنّ غاية الفرق أنّ المتمكّن من التفصّي بغير التّورية يمكنه التخلّص من الضّرر و المتمكن من التفصّي بها لا يمكنه التخلّص من الضّرر و مجرّد هذا الفرق لا يفيد لأنّ المدار في صدق الإكراه أن يكون قصد وقوع المضمون لا عن طيب النّفس و المتمكّن من التفصّي مطلقا يقع قصد وقوع المضمون عنه عن طيب النّفس فكما أنّ المتمكّن من التشبّث بذيل الغير لرفع إكراه المكره إذا لم يتشبّث و لو لعدم تحمّل المنّة و أوقع المعاملة يقع المعاملة منه اختيارا فكذلك المتمكّن من التّورية إذا لم يور و قصد وقوع المضمون يقع المعاملة منه اختيارا و عن طيب و من هذا الوجه قال العلّامة (قدّس سرّه) و لو أكره على الطّلاق فطلّق ناويا فالأقرب وقوع الطّلاق لأنّ هذا الطّلاق صدر عن نيّة إليه و طيب النّفس به‌

و يمكن أن يكون قوله فافهم إشارة إلى هذا فالأولى أن يقال بأنّ التّورية لمّا كانت مغفولا عنها غالبا و على خلاف طبع الاستعمال فمع تمكّنه منها لو لم يور و أوقع البيع أو الطّلاق فلا يكون إيقاعه ناشيا عن الاختيار و طيب النفس بوقوع المضمون بل مع كراهته له أوقع البيع أو الطّلاق بمقتضى جبلّته الّتي تقتضي قصد المعنى من اللّفظ و أمّا مع تمكّنه من دفع ضرر المكره بغير التورية بنحو من الأنحاء فلا محالة إذا لم يتفصّ فهو راض‌

190

بوقوع المضمون خارجا‌

الجهة الثّالثة هل المدار في إمكان التفصّي بغير التّورية للخروج عن موضوع الإكراه

هو الإمكان الفعلي أو الإمكان المطلق أي المدار على القدرة الفعليّة أو القدرة على أن يقدر كاف في صدق عدم الإكراه لا إشكال في أنّ المسوّغ للمحرّم هو العجز المطلق حتّى عن القدرة بإقدار نفسه فمن يمكن له التخلّص عن شرب الخمر المكره عليه و لو بسير مسافة بعيدة غير حرجيّ فضلا عن خروجه عن الدار و التمسّك بذيل الأخيار فلا يجوز له شرب الخمر و لو كان بالفعل عاجزا‌

و أمّا الإكراه الرّافع لأثر المعاملة فهو الأعمّ من ذلك أي العجز الفعلي كاف لأنّ المدار فيه على عدم حصول المصدر بداعي اسم المصدر خارجا نعم يعتبر فيه صدق العجز الفعليّ فمن كان خادمه حاضرا و لا يتوقّف دفع الإكراه إلّا على الأثر فهو قادر فعلا على التفصّي‌

و بالجملة الإكراه الرّافع لأثر المعاملة أعمّ من الإكراه الرافع للحرمة نعم مع قطع النّظر عن عنوان الإكراه النّسبة بين العلّة الرّافعة للحكم التكليفيّ و الرّافعة للحكم الوضعيّ هي الأعمّ من وجه فإنّ المناط في الأوّل هو دفع الضّرر سواء كان للإكراه أم لا و المناط في الثّاني عدم الإرادة و طيب النّفس سواء كان لرفع الضّرر أم لا‌

الجهة الرابعة قد تقدّم أنّ الإكراه على القدر المشترك

سواء كان حقيقيا أو انتزاعيا إكراه على الأفراد فاختيار أحد الأفراد لا يخرجه عن الإكراه كما هو واضح إنّما الكلام في أنّ ذلك يطّرد في مطلق الإكراه على القدر المشترك التأصّلي أو الانتزاعي أو يختصّ بما إذا كان الأفراد متساوية الإقدام بالنّسبة إلى القدر المشترك و أمّا لو كان لأحدها خصوصيّة لا تكون لغيره أو كان لأحدها خصوصية زائدة لا تكون لغيره فاختيار المتخصّص بها لا يقع عن إكراه أو اضطرار وجهان بل قولان و الأقوى هو الفرق بين الصّور و توضيح ذلك يتمّ بذكر الصّور المتصوّرة في المقام‌

فمنها الإكراه على الأفراد الطّوليّة و الظّاهر في هذه الصورة الفرق بين المحرّمات و المعاملات فلو كان مكرها أو مضطرّا إلى شرب الخمر موسّعا فلا يجوز له المبادرة إليه في أوّل الوقت سواء احتمل التخلّص منه لو أخره أم لم يحتمل إذ لا بدّ في ارتكاب المحرّم من المسوّغ له حين الارتكاب فإذا لم يكن حين الشّرب ملزما فاختياره فعلا لا مجوّز له نعم لو كانت المبادرة من جهة خوف عدم الإمكان بعد ذلك و الوقوع في الضّرر فلا إشكال في جوازها و أمّا لو كان مكرها في بيع داره موسعا فلو كان مأيوسا من التخلّص و لكن الأولى أن يقال إنّ الفرق بينهما أنّ التّورية ليست في مترتبة صدور اسم المصدر لأن المفروض في موضوع البحث انقسام العقد إلى الإكراه و الاختيار و أمّا الموري فليس قاصدا لمعنى العقد فلم يصدر عنه المصدر أصلا حتّى ينقسم إلى الإكراه و غيره و أمّا المتمكّن من التفصّي بغير التّورية فلا محالة يصدر عنه اسم المصدر بالاختيار لأنّ صدور المصدر عنه إنّما هو بداعي حصول اسم المصدر و لو من باب عدم تحمّل المنّة و بعبارة أخرى المكره لا محالة يأمره بقصد وقوع المضمون و لا يأمره بذات القول فخروج الفعل عن عنوان الإكراه إنّما هو بأن لا يقع الفعل على النحو الّذي أمره الآمر به و لا يترتّب على تركه ضرر لا بأن يموّه المأمور على الآمر و يلقيه في الخلاف فإراءته أنّه فعل الفعل بسبب أمره غير أنّه تخلّص عن ضرره لو امتنع ثم لا يخفى أنّ السيد في حاشيته مثل للتفصّي بغير التورية بعين ما هو التفصّي بالتّورية نعم مثاله ذلك هو التّورية في الأفعال لا في الأقوال فراجع و كيف كان الفرق بين التفصّي بالتورية و غيرها واضح و إمكان التفصّي بها لا يخرج الفعل عن الإكراه لو لم يتفصّ و أوقع الفعل منه عفي عنه‌

191

عنه فإقدامه على البيع في أوّل الوقت لا يخرجه عن الإكراه و أمّا لو احتمل التخلّص فلو باع أوّل الوقت فهو مختار و الفرق واضح‌

و منها الإكراه على الأفراد العرضيّة كالإكراه على شرب الخمر أو الماء فلو اختار شرب الخمر فلا يكون مكرها و هكذا لو أكره إمّا على العقد الصّحيح أو الفاسد فلو اختار الصّحيح فلا يكون مكرها و ما أفاده المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) في حاشيته من أنّ الإكراه على أحد الأمرين كاف في وقوع ما اختاره مكرها عليه مطلقا كان لكلّ واحد منهما بخصوصه أثر أو كان لخصوص أحدهما نعم يمكن أن يقال إنّ دليل ذي الأثر في الفرض أظهر ففيما أكره على مباح أو محرّم أو عقد فاسد أو صحيح يقدم دليله على دليل رفع الإكراه إلى آخره‌

ففيه أن الإكراه على القدر المشترك إكراه على الأفراد لو كان الأفراد متساوية و أمّا لو كانت مختلفة فيتوجّه الإكراه ثبوتا على ما لا أثر له أو على ما كان أثره أقلّ أو أخف فلو أكره على شرب أحد الإناءين اللّذين أحدهما نجس و الآخر نجس و مغصوب فالإكراه إنّما يتعلّق بالنّجس فلا يجوز شرب ما هو مغصوب و نجس‌

و هكذا لو أكره على شرب الخمر و الماء فالإكراه يتعلّق بالماء و ذلك لأنّ الحامل له على العمل و إن لم يتعلّق غرضه بخصوص ما لا أثر له بل غرضه تعلّق بالقدر المشترك و انطباقه على الأفراد عقليّ إلّا أنّ هذا يصحّ فيما كان الأفراد متساوية و أمّا لو لم تكن كذلك بل كان أحد الأفراد ممتنعا تكوينا أو شرعا فالانطباق يقع على ما عدا ذلك لوضوح الفرق بين الإكراه على أحد الإناءين اللّذين كلّ منهما خمر و الإكراه على أحد الإناءين اللّذين أحدهما خمر و الآخر ماء فإنّ المكره لا يكون في الثاني مكرها على شرب الخمر و إن كان مكرها على شرب المائع بخلاف الأوّل فإنّه على أيّ حال لا مفرّ له منه‌

و لو قلنا بأنّ في المثال الثّاني أيضا مكره عليه فلا وجه لتقديم أدلّة المحرّمات على أدلّة الإكراه مع أنّ الحكومة بالعكس بل الحقّ أنّه ليس مكرها على المحرّم لأنّ اختيار ما له أثر زائد على القدر المشترك ليس إلّا عن طيب النّفس به‌

و منها الإكراه على أحد المحرّمين اللّذين أحدهما أشدّ عقوبة من الآخر و في هذه الصّورة لا يخفى أنّه لا يمكن ثبوتا أن يتعلّق الإكراه بالمباح أو بما هو أخفّ عقوبة من الآخر مع تعلّق غرض المكره بالقدر المشترك و لا يمكن قياس المقام على الاضطرار بارتكاب أحد الإناءين اللّذين علم حرمة أحدهما حيث نقول بتعلّق التّرخيص بالمباح دون المحرم فيكون المحرّم من المتوسّط في التنجّز أمّا أوّلا فلعدم صحّة ذلك في تلك المسألة أيضا فإنّ المباح الّذي لا يمكن تمييزه أبدا كيف يتعلّق التّرخيص به فعلى هذا يكون الحرام من المتوسّط في التّكليف كما بيّنا وجهه في الأصول و أمّا ثانيا فللفرق بين البابين فإنّ في باب العلم الإجمالي يمكن أن يقال إنّ جواز دفع الاضطرار بأحدهما متوجّه ثبوتا إلى المباح لوجود المانع عن تعلّقه بالحرام فإنّ مع تحريم الشّارع أحدهما و عدم اضطرار المكلّف بارتكابه بالخصوص لا وجه لتعلّق الترخيص به و أمّا في الإكراه فليس للمكره غرض إلّا وقوع أحدهما لا على التّعيين فكلّ واحد منهما مصداق للمكره عليه نعم حيث تقدم أنّ المسوّغ لارتكاب المحرّمات ليس مجرّد الإكراه فمع إمكان التخلّص من ارتكابها لا يكون حديث الرّفع حاكما على دليل المحرّمات و بالجملة عدم تجويز العقل و العقلاء ارتكاب المحرّم أو ما هو أشدّ عقوبة ليس لعدم صدق الإكراه عليه إذا كان عدلا للمباح أو لما هو أخف بل لكون الإكراه الرافع لأثر الحكم التّكليفي أخصّ من الإكراه الرّافع لأثر المعاملات و على هذا فلو أكرهه على بيع صحيح أو فاسد يرتفع أثر الصحيح لأنّه يكره عليه لو فرض أنّه لو لا الإكراه لما أقدم عليه فتأمل جيدا منه عفي عنه‌

192

ارتكاب الأشد و إن لم يجز إلّا أنّه لا لكونه مختارا فيه بل لكون الآخر أقلّ قبحا منه فإنّه على أيّ حال مكره على ارتكاب المحرّم و لكنّ العقل يحكم بتقديم الأقلّ قبحا و يمكن أن يقال في هذه الصورة أيضا ارتكاب أشدّهما عقوبة أيضا يخرج عن عنوان الإكراه فإنّ القدر المشترك هو أصل الحرمة و الزيادة بمنزلة عنوان آخر يختصّ بفرد دون الآخر‌

و منها ما لو أكره على بيع شي‌ء أو أداء مال مستحقّ عليه فإذا اختار البيع لم يكن مكرها كما لو أكره إمّا على شرب الخمر أو فعل الصّلاة الواجبة عليه فإنّ اختيار شرب الخمر يقع عن غير كره و السّر في ذلك أنّ القدر المشترك لا أثر له و الخصوصيّة غير مكره عليها و إلّا لوقع الإيفاء أو الصّلاة أيضا باطلا و هكذا لو أكره الرّاهن عند حلول الدّين على بيع العين المرهونة أو بيع غيرها مما لا يستحقّه المكره فاختار غيرها فيقع صحيحا‌

و السرّ في ذلك أنّ بيع المرهونة ليس عدلا لبيع غيرها لأنّ رضا الرّاهن ساقط و يشترط في رفع الإكراه أثر المعاملة أن يكون رضا الفاعل معتبرا فيها و لذا لو أكره من عليه الدّين مع كونه مليّا و مماطلا ببيع ماله فهذا البيع ليس إكراهيا نعم هنا كلام آخر و هو أنّ في مثل هذا المورد هل يسقط شرطيّة رضاه بالبيع أو يسقط شرطيّة مباشرته الأعم من فعل نفسه أو استنابته وجهان بل وجوه قد يقال بأنّه لا وجه لرعاية أحد الشّرطين بالخصوص لدوران الأمر بين سقوط المباشرة أو الرّضا فالحكم التّخيير و قد يقال بأنّ للرضا دخلا في حقيقة المعاملة و قوامها به و المباشرة لا دخل لها فيها و لذا يجوز التّوكيل فيرجّح جانب الرّضا و يسقط المباشرة فينوب عنه الحاكم و يبيع عن طيب به و الأقوى أنّ ولاية الحاكم ثابتة فيما يمتنع صدور الفعل عن المالك أو وكيله فليس فعل الحاكم في عرض فعل المالك لأنّ الفعل المباشري يشترط فيه الرّضا فإذا صدر بالمباشرة و كان مكرها فلو كان الصّدور واجبا عليه يسقط رضاه و إلّا كان إكراهيا فعلى الحاكم إجباره على البيع فإذا امتنع فهو حينئذ وليّ الممتنع‌

الجهة الخامسة إكراه أحد الشّخصين على فعل واحد

بمنزلة إكراه شخص واحد على أحد الفعلين مثاله في المحرّمات واضح و أمّا في المعاملات كإكراه أحد من الأب و الجد على بيع مال اليتيم أو أحد الوكلاء المفوّض إليهم أمر بيع شخصيّ و لكن قيل بأنّه يعتبر في صدق المكره على كلّ واحد عدم علمه بصدور الفعل أو المعاملة من الآخر و أمّا لو علم بأنّ الآخر يفعله إمّا لعدم اطلاعه على حال صاحبه أو لكونه مريدا له بلا إكراه فلو بادر هذا فلا يكون مكرها لأنّه لا يكون قصده حينئذ دفع ضرر المكره الحامل على الفعل بل لو احتمل صدوره عن الآخر و مع ذلك بادر إلى الفعل تقربا إليه مثلا لم يكن مكرها لأنّ داعيه على الفعل في هذه الصّورة ليس إكراه المكره بل التقرّب إليه فإنّ الفعل الإكراهي ما كان تمام العلّة لصدور الفعل هو إكراه المكره و أمّا لو انضمّ إليه التقرّب إليه فلا يكون إكراهيّا فلو أمر الجائر بأخذ مظلوم على جميع أهل البلد و علم بعض بأنّه يأخذه غيره فلو بادر إلى أخذه فالأخذ هنا لا يكون عن كره فعلى هذا كلام المصنّف لا يمكن الأخذ بإطلاقه سيّما إذا أتى بالفعل كلّ واحد منهما على التّعاقب بل في هذه الصورة لو أتى به كلّ واحد منهما دفعة فليس الفعل من كلّ منهما إكراهيّا و على هذا لو أكره أحد الشخصين على أحد الفعلين فمع احتمال كلّ منهما إقدام الآخر فصدور أحد الفعلين عن أحدهما و صدور الفعلين عن الشّخصين لا يدخل في عنوان الإكراه و لكنّه لا يخفى عليك الفرق بين المحرّمات و المعاملات‌

193

و توضيح ذلك أنّ في المحرّمات كما لو أكره أحد أهل البلد على أخذ مظلوم أو أكره أحد الشّخصين على شرب الخمر فمع علم أحدهما بإقدام الآخر أو احتماله لا يجوز له الإقدام عليه نعم لو علم بعدم إقدام أحد فيجب عليه الإقدام لدفع الضّرر عن نفسه أو أخيه‌

و أمّا مسألة الأب و الجدّ فمع علم أحدهما بإقدام الآخر لو أقدم على بيع مال اليتيم فلا يكون البيع اختياريا فضلا عن الشكّ و وجه الفرق أنّ في باب المعاملات يرجع أمر مال اليتيم إلى كلّ من الأب و الجد و هكذا يرجع أمر مال الموكل إلى كلّ من الوكيلين أو إلى كلّ من الوكيل و الموكل فاقد أم كلّ واحد لا يخرج المعاملة عن عنوان الإكراه فعلم الأب مثلا بأنّ الجدّ يقدم على البيع لدفع الإكراه لا يخرج المعاملة عن الإكراه إذا سبق الأب إلى البيع لدفع ضرر المكره عن نفسه و أبيه نعم لو فرض قصده التقرب إلى الحامل أو قصده البيع على أيّ حال كما إذا باع بعد بيع الجدّ عن كره فهذا خارج عن الفرض كما أنّه لو كان المكره على البيع شخص خاص و لكنّه باع عن طيب بحيث إنّه لو لم يكن إكراه لباعه أيضا فهذا خارج لأن محلّ البحث ليس مجرد وقوع معاملة بعد إكراه بل موضوعه ما لو كانت المعاملة لإكراه الحامل بحيث نشأ إرادة الفاعل عن إرادة الحامل و في هذا الفرض لو أقدم على البيع كلّ من الأب و الجد لدفع الضّرر عن نفسه و غيره فلا يخرج عن كونه مكرها و لو علم بأنّ الآخر يقدم عليه لو لم يقدم هذا‌

بل يمكن أن يقال إنّ حكم المحرّمات أيضا حكم المعاملات في هذه الصّورة و هو ما إذا علم أحدهما بأنّ الآخر يفعله لدفع الإكراه لا للشّهوة فيجوز للعالم أن يقدم على شرب المحرّم لدفع الإكراه عن نفسه و أخيه لأن مجرّد علمه بأنّ الآخر يفعله لا يدخله في عنوان الاختيار إذا فعل العالم لدفع ضرر الحامل و هكذا لو أكره أحد الشّخصين على أحد الفعلين فإنّ كلّ واحد منهما لو أقدم على أحد الفعلين لدفع الضّرر عن نفسه و أخيه فهو مكره و إن علم بأنّ الآخر يفعله لدفع الضّرر فتدبّر جيّدا و كيف كان فالحكم في مسألة الأب و الجدّ واضح‌

الجهة السّادسة لو تعلّق الإكراه بالمالك دون العاقد أو بالعاقد دون المالك

فهل حكمه حكم ما لو تعلّق بالمالك العاقد مطلقا أو لا يكون محكوما بحكمه مطلقا أو فرق بين الصّورتين وجوه و الأقوى أنّه في الجهة الّتي هي موضوع البحث و هي رفع الإكراه أثر كلّ ما صدر عن كره لا فرق بين الصّور و إنّما الاختلاف في نتيجة الرّفع فقد ينتج الصّحة إذا لحقه الرّضا و قد لا يفيد الرّضا المتأخّر‌

و توضيح ذلك أنّه لو أكره الزّوج على التّوكيل في طلاق زوجته فالتّوكيل الصّادر عنه بمنزلة العدم فيقع طلاق الوكيل بلا إذن من الموكل فيكون فضوليا و لا إشكال في أنّه لو لم يلحقه الإجازة أصلا وقع باطلا و أمّا لو لحقه الإجازة فإذا أجاز الطّلاق الواقع من الموقع فلا يؤثر الإجازة في الصّحة بناء على ما سيجي‌ء في الفضولي من أنّ الإيقاعات كليّة لا تصحّ بالإجازة اللّاحقة إجماعا‌

و أمّا لو تعلّق الرّضا بالتّوكيل الّذي صدر عنه كرها فصحّته بالرّضا اللّاحق مبنيّة على دخول العقود الإذنيّة في عنوان الفضولي و على القول بأنّ الإجازة كاشفة حقيقة أو حكما و أمّا على القول بكونها ناقلة فلا يصحّ التّوكيل إلّا حينها لأنّ الرّضا في زمان الإجازة بناء على النّقل يكون بمنزلة القبض في الصّرف و السّلم فالتّوكيل المتعقّب بالإجازة إنّما يؤثّر بعد مجي‌ء الإجازة و لا فائدة في عقد الوكالة السّابقة إلّا عدم الاحتياج إلى إعادته فيكون كلّ ما وقع‌

194

من الوكيل قبل الإجازة نظير وقوعه من الأجنبي و إنّما يؤثر ما وقع منه بعدها‌

و أمّا لو انعكس الأمر بأن أكره الوكيل دون الموكل فالإكراه تارة من قبل الموكل و أخرى من غيره و على كلا التقديرين تارة يقع على العقود و أخرى على الإيقاعات ثمّ الإكراه على العقود تارة يتعلّق بالعقود الّتي تتعلّق الالتزامات العقدي فيها بالوكيل و أخرى يتعلّق بغيره فإذا كان المكره هو الموكل فلو أكرهه على الطّلاق فلا إشكال في الصّحة لأنّ المفروض أنّ الإيقاع الصّادر من المكره من حيث جهة الإيقاعيّة لا يقصر عن إيقاع غيره فليس عبارة المكره كالعدم و رضا الزّوج حاصل بالقرض‌

و لا أثر يترتّب على فعل الموقع من حيث إنه فعله حتّى يرتفع بالإكراه لأنّ حديث الرّفع حيث إنّه ورد في مقام الامتنان فلا بدّ أن يرفع الأثر الثّابت على المكره بالفتح لو لا الإكراه و الوكيل لو لا الإكراه لا يرتبط وقوع الطّلاق به فلا يرفع أثره بالإكراه و هذا هو مقصود المصنف لا أنّ المرفوع هو الحكم الذي عليه لا له حتى يناقش بأنّ لازمه صحّة قبول الهبة إكراها لأنّ المصنف (قدّس سرّه) لم يفرّق بين ماله و عليه حتّى ينتقض عليه بقبول الهبة بل ادّعى أنه لا بدّ أن يكون لفعل المكره أثر حتى يرتفع بالإكراه و أمّا لو لم يكن له أثر فلا يشمله الحديث هذا مع أنّ المدار إذا كان على الامتنان فلا امتنان على قبول الهبة لأنّ كون الإنسان مقهورا في التملّك خلاف الامتنان‌

و بالجملة لا بدّ أن يقال في مفروض الكلام إنّ الإكراه لا يرفع أثر الإنشاء و أمّا لو قلنا بأنّه يرفع أثره فالقول بصحّة الطّلاق لتحقق رضاء الزّوج غير مستقيم أمّا أولا فلأن مجرّد الرضاء لا يصحّح الاستناد كما أنّ الكراهة الباطنيّة ليست ردّا إلّا أن يقال إنّ الرّضا في المقام ليس مجرّد الرّضا الباطني بل مظهره نفس الإكراه الحاصل من الزّوج على طلاق زوجته و هو يصحّح الاستناد و أمّا ثانيا فلأن رضاء الزّوج إنّما يفيد فيما إذا تمّ شرائط الإيقاع من حيث الصّيغة و غيرها و إذا فرض أنّ الإكراه يرفع أثر اللّفظ فالرضا وحده لا أثر له‌

فالصّواب أن يقال بأنّه بعد ما فرض أنّ الزّوج هو الحامل للوكيل على الطّلاق فهو قاصد لنتيجة فعل المطلق أي قاصد لاسم المصدر و الوكيل أيضا قاصد لمعنى المصدر فلا مانع من صحّته و احتمال كون ألفاظ الوكيل كالعدم لا وجه له إلّا إذا احتمل في حقّه عدم القصد و هذا الاحتمال مندفع بأصالة تحقّق القصد في كلام كلّ متكلّم عاقل ملتفت إلّا أن يمنع بناء العقلاء على إجراء أصالة القصد هنا كما أشار إليه المصنف بقوله فتأمّل‌

و بالجملة فالحقّ أنّ المدار في الصّحة على صدور الفعل عن الوكيل بقصد منه إلى اللّفظ و المعنى و رضا المالك بوقوع المدلول في الخارج و هذا حاصل في الوكيل المكره مع كون الموكل مختارا و يؤيّد الصّحة في المقام حكم المشهور بصحّة بيع المكره بعد لحوق الرّضا فإنّ الرّضا الحاصل منه بعد العقد لا يصحّح الألفاظ بل يوجب استناد قصد النّتيجة إليه فلا بدّ أن يكون مفروض كلامهم عدم بطلان أثر اللّفظ بالإكراه على العقد‌

و أمّا لو أكرهه على البيع أو النّكاح فإذا كان الطّرف عالما بوكالته فحيث إنّ الالتزامات العقدي على الموكل فالعقد يصحّ سواء كان عالما بكونه مكرها أم لا و أمّا لو لم يكن عالما بوكالته فحيث إنّ الالتزامات العقدي عليه فيرتفع هذه الالتزامات بواسطة الإكراه و أمّا لو كان المكره غير الموكل و كان الموكّل راضيا فإشكال الاستناد هنا أقوى لأن مجرّد رضا المالك لا يصحّح الاستناد و هذا الإشكال و إن أمكن دفعه فيما إذا كان المكره هو الموكّل كما تقدم بيانه‌

195

إلّا أنّه لا يمكن دفعه فيما إذا كان المكره غيره‌

و لا يخفى أنّ هذه الصورة هي الفرع الثّاني المذكور في المسالك و هو قوله لو أكره الوكيل على الطّلاق دون الموكل ففي صحّته وجهان إلى آخره ثم إنّه يمكن أن يكون مراده من الوكيل و الموكل هما اللّذان يتّصفان بهذين العنوانين فرضا و يمكن أن يكون مراده من اتّصفا بهذين العنوانين فعلا كما لو أكره الوكيل المفوض و على أيّ حال أقوى الوجهين هو عدم الصّحة‌

الجهة السّابعة لو أطاع المكره من جهة و خالف من أخرى فهل يعدّ هذا إكراهيّا أم لا

فنقول المدار في صدق الإكراه على أن تكون إرادة الحامل هي الدّاعي لإرادة المأمور بحيث ينشأ إرادة المأمور من إرادة الأمر و كانت إرادته تابعة لإرادته فيصدر المعنى المصدري الاختياري لا لداعي وقوع اسم المصدر و أمّا مجرّد تحقّق إكراه مشتمل على إيعاد ضرر من شخص و وقوع فعل عقيبه من آخر مع صدوره بداعي وقوع النّتيجة و عن طيب النّفس إليه فهذا ليس إكراهيا‌

فهناك صور لا بدّ من البحث فيها الأولى ما إذا أكرهه على بيع أحد العبدين لا على التّعيين فباعهما دفعة و الحق عدم كون كلّ منهما إكراهيا لأن ما صدر عنه خارجا غير ما أكره عليه و ما أكره عليه لم يصدر و مجرّد اشتمال المجموع على أحدهما لا يوجب صدق الإكراه على أحدهما فضلا عن كليهما‌

و احتمال كون المجموع باطلا من باب وقوع أحدهما مكرها عليه و بطلان الترجيح بلا مرجّح لا وجه له كاحتمال بطلان أحدهما و تعيينه بالقرعة لأنّ الاحتمالين إنّما يجريان فيما إذا صدر أحدهما عن كره و لم يعلم أنّ المكره عليه أيّ منهما و في المقام ليس كلّ واحد واقعا عن كره لأنّ ما أكره عليه لم يقع و ما وقع لم يكره عليه فيقع المجموع صحيحا‌

و لا يقاس المقام على بيع ما يملك و ما لا يملك بأن يقال ما قصد و هو بيع المجموع لا يقع شرعا و ما وقع شرعا و هو بيع ما يملك لم يقصده و ذلك للفرق بين المقامين فإنّ في بيع ما يملك و ما لا يملك و أن تعلّق القصد بالمجموع إلّا أنّ من تعلّق القصد به ينشأ قصد تبعيّ بالأجزاء و لازم وقوع المجموع بإزاء المجموع وقوع البعض مقابل البعض و في المقام لم يتعلّق إرادة الأمر بالمجموع حتى يكون إرادة المأمور بالبعض تبعا لإرادة الآمر بالكل نعم لو فرض أنّ إرادة الآمر بالبعض تتعلّق في الواقع بالكل كما لو أكرهه على بيع أحد مصرعي الباب و نحو ذلك فباعهما دفعة فيمكن أن يكون المجموع إكراهيّا و لذا لو فرض أنّ إرادة المكره لم تتعلّق إلّا بأحدهما وحده لارتفاع حاجته ببيع مصراع واحد فباع المأمور كليهما وقع الكلّ صحيحا لأن إرادة الآمر صارت علّة لرفع المأمور يده عن المجموع فيقع الكلّ صحيحا‌

الثّانية هذه الصورة مع وقوعهما تدريجا و الأقوى وقوع الأوّل إكراهيا لانطباق عنوان أحدهما عليه و الثّاني صحيحا و احتمال الرّجوع إلى المأمور في تعيين المكره عليه عن غيره لا وجه له لأنّ انطباق أحدهما على الأوّل قهريّ و لزوم تصديق دعوى ما لا يعلم إلّا من قبل المدعي لا دليل عليه في جميع الدّعاوي الثّالثة لو أكره على المعيّن فضمّ إليه غيره و باعهما دفعة فالصّحة في غير ما أكره عليه لا إشكال فيه إنّما الكلام فيما أكره عليه و لا يبعد أن يقال إنّ مجرّد ضمّ غيره إليه لا يخرجه عن كونه مكرها عليه فإنّ كلّ واحد ناش عن إرادة غير ما نشأ منه الآخر إلّا أن يكون هناك أمارة على تحقّق الدّاعي له في بيع المجموع فيتبع الأمارة‌

و توضيح ذلك أنّه قد يكون بناء المالك إبقاء من أكره عليه‌

196

من عبديه مثلا لخدمة نفسه و بيع الآخر الّذي لم يكره عليه فإذا باعهما دفعة وقع البيع بالنسبة إلى ما أكره عليه إكراهيّا و أمّا إذا كان بناؤه على عدم بيع واحد منهما أو بيع كليهما فإذا أكره على واحد معيّن فباعهما دفعة وقع المجموع صحيحا لأنّه وقع الفعل على خلاف ما أكره عليه و كيف كان فلا إشكال في هذه الصورة أنّه لو باعهما تدريجا لحق كلّا منهما حكمه‌

الرابعة لو أكره على واحد فباع نصفه فتارة يشمل إكراه المكره على بيع مجموع النّصفين لبيعه دفعتين و أخرى لا يشمله فإذا لم يشمله فلا إشكال في أنّ النّصف يقع صحيحا لأنّ ما وقع غير ما أكره عليه و أمّا إذا شمله فتارة يبيعه لرجاء أن يقنع المكره بالنّصف و أخرى يبيعه لا لذلك بل لكونه مكرها عليه فيبيع نصفه فعلا و النّصف الآخر بعد ذلك لرفع ضرر الحامل فلو باعه رجاء وقع صحيحا لأن إكراهه صار داعيا لبيع النصف فهو يرفع اليد عن نصف ماله لدفع ضرر المكره على المجموع‌

و لا وجه لما أفاده المصنف من كونه إكراهيّا فإنّ البيع كذلك غير ما تعلّق الإكراه به فإن رجاء قناعته بالنّصف يوجب تحقّق الطيب و الرضاء ببيع النّصف و تقدم أن مجرّد وقوع فعل بعد الإكراه ليس مصحّحا لصدق عنوان الإكراه عليه و أمّا لو باعه لكونه مكرها عليه فيندرج في موضوع الإكراه‌

[القول في الإكراه على الطلاق]

قوله (قدّس سرّه) بقي الكلام فيما وعدنا ذكره من الفرع المذكور في تحرير الأحكام قال في تحرير الأحكام لو أكره على الطّلاق فطلّق ناويا فالأقرب وقوع الطلاق

لا يخفى أن الاحتمالات المتصورة في كلام العلامة على وجوه إلّا أنه لا بدّ أن يؤخذ بما يمكن أن يتصوّر فيه الصّحة و الفساد و نحن نذكر الاحتمالات حتى يتّضح أنّ المتعيّن منها في كلامه ما هو فالأوّل أن لا يكون الإكراه مؤثرا في إرادة الفاعل أصلا بل كان بانيا على الطّلاق لكن لمّا كان الآمر جاهلا بحاله أكرهه عليه و هذا لا يتطرّق فيه الوجهان بل لا شبهة في صحته و الثّاني أن يكون كلّ من الإكراه و الرّضا سببا مستقلّا بحيث لو لا الإكراه لأوقعه و لو لا الرّضا لأوقعه أيضا دفعا للإكراه و حيث لا يمكن توارد علّتين مستقلّتين على معلول واحد فيصير كلّ واحدة إذا اجتمعتا جزء السّبب و الفعل يستند إليهما معا‌

و هذه الصورة يحتمل فيها وجهان و لكن الأقوى فيها الفساد لأنّها و إن لم تكن إكراهيا إلّا أنّها لا تكون تجارة عن تراض أو أنّها و إن كانت عن رضاء إلّا أنّها عن إكراه أيضا و كلّ علّتين مستقلّتين إذا وردتا على معلول واحد و كان بينهما تدافع فلا يؤثر كلّ منهما كاجتماع الرّياء و قصد الأمر في العبادات بل كاجتماع التبريد و قصد الأمر نعم لو كان التبريد ضميمة لا داعيا مستقلّا صحّت العبادة و في المقام لو كان الإكراه ضميمة لصحت المعاملة كما أنّه لو كان الرّضا ضميمة لفسدت‌

و بالجملة لو كان كلّ من السّببين مستقلّا فلا يؤثر كلّ منهما إلّا أن يقال ليس المقام من تعارض المقتضيين بل من قبيل تعارض المقتضي و اللامقتضي فإنّ الإكراه غايته أن لا يقتضي الصّحة لا أنّه يقتضي الفساد فيؤثر الرّضا و فيه ما سيجي‌ء الثّالث أن يكون كل منهما جزء السّبب بحيث إنّه لو لا اجتماعهما لا يؤثر كلّ منهما و هذه الصورة أيضا يحتمل فيها الوجهان و لكن قد يقال بأنّ الأقوى فيها الصحّة لأنّه و إن انضمّ الإكراه إلى الرّضا إلّا أنّ الإكراه لا يقتضي الفساد حتى يعارض ما يقتضي الصّحة و لكنّ الأقوى فيها الفساد لأنّ قوله عزّ من قائل إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و قوله ع لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه ظاهران في اعتبار الرّضا‌

197

و الطّيب مستقلا فإذا كان جزء السّبب بأن ورد مع الإكراه دفعة على المسبّب فالفعل مستند إليهما و الإكراه و إن لم يقتض الفساد إلّا أنّ المقتضي للصحّة أيضا لم يتحقّق لعدم صدق التّجارة عن تراض‌

و بالجملة فإذا ورد الجزءان في عرض واحد لم يتحقّق مقتضى الصّحة نعم إذا كان أحدهما في طول الأخر فالفعل يستند إلى الجزء الأخير للعلّة التّامّة فإذا صار الإكراه منشأ لتحقّق الرّضا فالفعل يستند إلى الرّضا كما أنّه إذا صار الأمر بالعكس فحكمه العكس و سيجي‌ء الكلام في هذه الصورة الرّابع أن يطلّق من غير تورية مع علمه بأنه يمكن التلفّظ بلا قصد المعنى أو إرادة خلاف الظّاهر و لا يخفى أنّ هذا الاحتمال ليس مراده لأنّ عدم إمكان التفصّى بالتورية لا دليل على اعتباره أولا‌

ثم بناء عليه لا وجه لاحتمال فساده ثانيا مع أنّه يرجع إلى الوجه الأوّل لأنه طلّق زوجته راضيا بالطّلاق فلا وجه لعده وجها آخر ثالثا الخامس أن يكون الإكراه داعيا للدّاعي على الطّلاق فالفعل مستند إليهما طوليا و هذا يتّفق كثيرا فإذا أكره على بيع الدار يوطّن نفسه على بيعها و يصير الإكراه داعيا على الرّضا بنتيجة الفعل أي باسم المصدر و هذه الصورة أيضا يتطرّق فيها الوجهان و الأقرب هو الصّحة لأنّه طلّق ناويا و مريدا للطّلاق و يحتمل البطلان أمّا لأنّ الإكراه صار علة لإرادة اسم المصدر فالفعل بالأخرة يستند إليه و أن كان الدّاعي الثّانوي اختياريا و إما لأنّ الإكراه أسقط أثر اللفظ لأنّ اللّفظ وقع تبعا لإكراه المكره و النيّة المجرّدة عن اللّفظ لا أثر له‌

و هذان الاحتمالان و أن كانا ضعيفين كما ظهر وجه ضعفهما في طيّ ما ذكرناه فإن الاحتمال الأوّل مستلزم لبطلان أغلب المعاملات فإنّها بالأخرة تنتهي إلى غير الاختيار و الثّاني يرجع إلى الأوّل لأنّ سقوط أثر اللّفظ بالإكراه إنّما هو لكونه داعيا للدّاعي على التلفّظ مع أن اختيارية التلفّظ بهذا المعنى لا برجوعه إلى تلفّظ النّائم و الغالط لا دليل عليه إلّا أن منشأ احتمال الفساد في كلام العلامة (قدّس سرّه) هو هذا كما وجّهه به ثاني الشّهيدين (قدّس سرّه) و منشأ احتمال الصّحة و اقربيّتها هو كون الإكراه داعيا على الدّاعي لا داعيا على الفعل فهذه الصّورة هي المتعيّن بين الصّور‌

ثم بناء عليه فالإكراه إذا كان داعيا على الدّاعي لا يوجب البطلان سواء كان الضّرر المتوعّد به ضررا على نفس المكره بالفتح أم على المكره بالكسر كما لو قال له ولده طلّق زوجتك و إلّا قتلت نفسي أو قتلتك فطلّق الوالد خوفا من قتل الولد نفسه أو قتل الغير له إذا تعرض لقتل والده أم وقوع المكره بالكسر في المعصية كما لو قال طلّق زوجتك لأزوّجها و إلّا زنيت بها فالطّلاق في جميع هذه الصّور صحيح لأنّ الإكراه صار داعيا على الطّلاق عن طيب كما قد يكون الدّاعي له أمور أخر و لا وجه لإشكال المصنف فيه فضلا عن قوله إلّا أن تحقّق الإكراه أقرب بل لا يخفى أن عدم تحقّقه أقوى و أقرب‌

الجهة الثامنة في تحقيق ما أفاده المصنف (قدّس سرّه)

في قوله ثم المشهور بين المتأخرين أنّه لو رضى المكره بما فعله صحّ العقد إلى آخره

و تنقيحه يتوقف على بيان أمرين الأول أنّ وجه توهّم عدم قابليّة عقد المكره للصحّة بالرّضا المتأخر أمور كلّها فاسدة الأوّل اعتبار مقارنة طيب نفس المالك في صدق العقد و وجه الفساد ما تقدّم في أوّل العنوان من أن عقد المكره من جهة العقديّة لا يقصر عن سائر العقود لأنّه قاصد للّفظ و المعنى و إنّما لم يصدر قصده اسم المصدر عن داع اختياري فإذا لحقه الرّضا يتمّ أركان العقد هذا مضافا إلى أنّ لازم هذه الدّعوى‌

198

عدم كون عقد الفضولي أيضا عقدا حقيقة فإنّهما مشتركان في عدم مقارنة طيب نفس المالك للعقد الثّاني اعتبار طيب نفس العاقد في تأثير عقده أي العاقد لا بدّ أن يكون راضيا بإنشاء ما ينشئه‌

و فيه أولا أنّ هذا الإشكال يتوجّه في بعض صور الإكراه و هو ما إذا كان المكره هو المالك العاقد و ما إذا كان المالك أكره العاقد و أمّا إذا كان المالك مكرها على التوكيل و العاقد مختارا فلا يتوجّه و ثانيا قد تقدم أنّه لا دليل على اعتبار اختيار العاقد من حيث إنشائه لأنّ العقد من حيث إنّه عقد لا يعتبر فيه سوى القصد الموجود في المالك المكره‌

بالجملة عقد المكره ليس فاقدا لما كان الفضولي واجدا له بدعوى أنّه مشتمل على المفسد و هو عدم رضى العاقد بإنشائه و بمنشئه فإنّ عدم رضائه بهما لا يضرّ بصدق العقديّة بعد قصده اللّفظ و مدلوله و لا دليل على اعتبار الرّضى بالإنشاء فإنّ اللّفظ الصادر عن غير النّائم و الغالط إذا قصد به المعنى بأن لا يكون هازلا يؤثر في النّقل و الانتقال مراعى بالرضا بهما فحكم عقده حكم عقد الفضولي لو لم يكن أولى منه لكونه واجدا لما كان الفضوليّ فاقدا له و هو الاستناد إلى المالك فمع الالتزام بصحّة عقد الفضولي على القاعدة لا محيص إلّا عن الالتزام بصحّة عقد المكره فإنّ اشتمال عقد الفضولي على الرّضى بالمنشإ لا أثر له بعد عدم مدخلية رضاء غير المالك‌

نعم لو قلنا بأنّ عقد الفضولي يصحّ على خلاف القاعدة فلا دليل على إلحاق عقد المكره به فضلا عن كونه أولى منه لاحتمال خصوصيّة في الفضولي دونه و لو كانت المباشرة فيه موجودة‌

الثّالث دعوى اعتبار مقارنة طيب النّفس للعقد في تأثيره شرعا و فيه أنّها خالية عن الشّاهد يدفعها الإطلاقات لأن غاية ما يتوهم لاعتبار مقارنة طيب النفس للعقد أمران أحدهما عدم شمول المطلقات مثل أحلّ اللّٰه البيع و الصّلح جائز و نحوهما له لأنّ عناوين العقود موضوعة للمسبّبات و المكره في إرادته المسبّب مقهور فلا يندرج عقده تحت الإطلاقات و ثانيهما تخصيص المطلقات بالأدلّة الدالة على اعتبار الرّضى المقارن كقوله عزّ من قائل تجارة عن تراض و قوله ع لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه و قوله ص رفع عن أمّتي تسعة و كلاهما ضعيفان‌

أمّا خروج عقده عن المطلقات فلا وجه له أصلا لأنّه أوّلا ليس عنوان العقود أي المنشأ بها من قبيل المسبّبات و العقود من قبيل الأسباب بل من قبيل الإيجاد بالآلة و المكره و إن كان مقهورا في إيجاده المنشأ إلّا أنّه لا دليل على اعتبار الاختيار في الإيجاد فيصدق البيع على بيع المكره قبل الرّضى و بعده و إنّما أخرجته أدلّة اعتبار الرّضا عن حكم البيع فلا يكون في حال من الأحوال خارجا موضوعا حتى يقال كيف يخرج عنه في حال و يدخل فيه في حالة أخرى و ثانيا المقهورية في المسبّب لا يخرج العقد عن الاختياريّة كما تقدم أنّ المناط في اختيارية العقد كونه قاصدا للّفظ و مدلوله‌

و أمّا دلالة الأدلّة على اعتبار الرّضى المقارن ففيه أمّا آية إلّا أن تكون تجارة عن تراض فلا تدلّ إلّا على اعتبار الرّضى في نتيجة المصدر و نحن نلتزم به و نقول باشتراط الرّضى المتأخّر و ليس المراد من التجارة هي العقد حتى يعتبر أن يكون عن رضى بل هي الاكتساب و لا يحصل شرعا إلّا بعد تحقّق الرّضى كما هو الحق في المقام من النّقل أو الكشف الحكمي نعم بناء على الكشف الحقيقي فيشكل الأمر و لكن لا موجب للالتزام به‌

فالصّواب في الجواب عن الآية المباركة منع دلالتها على اعتبار الرّضى المقارن للعقد‌

199

و أمّا ما أفاده المصنف (قدّس سرّه) من منع دلالتها على الحصر مع تسليمه دلالتها على اعتبار الرّضى المقارن للعقد ففيه أولا أن كلامه هنا مناف لمختاره في سائر الأبواب فإن استدلاله بها على أصالة اللّزوم لا يتمّ إلّا على فرض دلالتها على الحصر لأنّ الأكل بالفسخ لو لم يكن حلالا فلا وجه له إلّا عدم كونه تجارة عن تراض فيجب أن يكون أكل الحلال منحصرا بالتّجارة عن تراض و ثانيا لا وجه لإشكاله في الحصر إلّا كون المستثنى منقطعا و أمّا كونه غير مفرغ فلا دخل له في الإشكال مضافا إلى أنّه قيد توضيحيّ لأنّ الاستثناء المنقطع لا ينقسم إلى قسمين مفرغ و غير مفرغ لأنّ كلّ مفرغ لا محالة الاستثناء فيه متّصل لأنّه لا موجب لتقدير المستثنى منه معنى لا يشمل المستثنى فلو قيل ما جاءني إلّا حمار فيقدر ما جاءني حيوان فيصير متّصلا‌

و بعبارة أخرى المتّصل ينقسم إلى قسمين مفرغ و غيره و المفرغ مفيد للحصر قطعا و المنقطع لا يكون إلّا غير مفرغ و كونه غير مفرغ لا يوجب عدم إفادته الحصر لأنّه بناء على عدم إفادة غير المفرغ الحصر فإنّما هو في المتّصل لا المنقطع فإنّه مفيد له و لو كان المستثنى منه مذكورا بل هو أبلغ في الحصر من المتّصل المفرغ لأنّه لا يصحّ التّعبير بالانقطاع إلّا فيما كان بين المستثنى منه و المستثنى ارتباط ما و مناسبة في الجملة فكل ما يناسب مع المستثنى منه يخرج عنه بأداة الاستثناء و لا يبقى إلّا خصوص المستثنى فقوله ما جاءني إلّا حمار أي من كل من احتمل أن يجي‌ء من القوم و من دوابهم ما جاءني إلّا حمارهم فانحصر الجائي بالحمار و هكذا مفاد الآية الشّريفة أي كل كسب و اكتساب أكل بالباطل إلّا الكسب عن الرّضا‌

و بالجملة وجه توهم عدم إفادة الاستثناء المنقطع للحصر عدم محصورية المستثنى بالخروج و كون الخارج ممّا لا يتناهى فإنّ المنقطع من القوم ليس خصوص الحمار فإنّ البقر و الفرس و غيرهما أيضا غير داخل في القوم فلا يفيد نفي المجي‌ء عن القوم و إثباته للحمار اختصاصه به لإمكان اشتراك سائر الحيوانات معه و هذا التوهّم فاسد فإنّ المستثنى في المنقطع ليس كلّ ما لا يرتبط بالمستثنى منه حتّى يكون ممّا لا يتناهى بل لا بدّ في صحّة المستثنى المنقطع من عناية و تنزيل فينحصر فيما يناسب مع المستثنى منه و لو كان أدنى مناسبة فإذا انتفى المجي‌ء من القوم و ما يناسبهم و انحصر الجائي و الحمار فيفيد اختصاص الحكم به و نفيه عمّا عداه ففي الحقيقة كلّ منقطع راجع إلى المتّصل‌

هذا مضافا إلى أنّه لا يمكن في خصوص المقام عدم إفادة الجملة للحصر لأنّ أكل المال بالباطل لا يمكن أن يكون حلالا في مورد من الموارد فيكون الاستثناء في المقام من قبيل التخصّص لا التّخصيص لأنّه لم يستثن موضوع من الموضوعات من حكم الأكل بالباطل بل التّجارة عن تراض مغايرة للأكل بالباطل و يكون مفاد الآية الشريفة أنّ كل كسب و اكتساب متداول بينكم من النّهب و السّرقة و القمار أكل للمال بالباطل إلّا التّجارة عن تراض فإنّها ليست كذلك فيكون قوله عزّ من قائل بالباطل بمنزلة التّعليل لقوله لا تأكلوا فيرجع مفاد المعلّل و التّعليل إلى قوله لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بوجه من الوجوه لأنّ كل وجه باطل إلّا التّجارة عن تراض و هذا راجع إلى المتّصل‌

و أمّا دلالة قوله ع لا يحلّ مال امرئ على اعتبار المقارنة ففيها ما لا يخفى فإنّه غير ناظر إلى اعتبار الطّيب حال العقد أصلا بل على أنّ مال النّاس لا يحلّ إلّا بالطّيب و نحن نلتزم به حين تحقّق النتيجة‌

200

و صيرورة المبيع مالا للمشتري و أمّا حديث الرّفع فقد ناقش فيه المصنف أوّلا بأنّه يدلّ على رفع المؤاخذة لا مطلق الآثار و لكنّك خبير بأنّه لا وجه لهذا الاستظهار‌

ثم تعميم المؤاخذة لمطلق الأحكام الّتي يتضمّنها عقد المكره و لو كانت دنيوية حتّى يحتاج إلى الجواب بقوله و الحكم بوقوف عقده على رضاه راجع إلى أنّ له أن يرضى بذلك و هذا حقّ له لا عليه و حاصل هذا الكلام أنّ سوقه في مقام الامتنان يقتضي صحّة عقد المكره إذا تعقّبه الرّضا لأنّ المرفوع بالإكراه هو الحقّ الثّابت عليه لا له و وقوف عقده على رضاه راجع إلى ثبوت اختيار العقد له‌

و فيه أنّه لا وجه لاختصاص المرفوع بالآثار المتعلّقة بالمكره بل المرفوع مطلق آثار الفعل مع أن أصل الدعوى و هي أنّ الحكم بوقوف عقده على رضاه راجع إلى أنّ له أن يرضى بذلك و هذا حق له لا عليه ممنوعة لأنّه ليس وقوف عقده على إجازته من الحقّ الثّابت له لو لا الإكراه لأنّ موقوفيّة العقد على الإجازة حكم شرعيّ مستفاد من الآية الشّريفة و هي قوله عزّ من قائل إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و من حديث الرّفع و لو لا هذه الأدلّة كان عقد المكره من حيث العقدية مثل سائر العقود فلم يكن من آثار العقد لو لا الإكراه الوقوف على الإجازة حتى يقال إنّ الحديث لا يرفعها لأنّ هذا الحقّ له لا عليه بل لو لا حديث الرّفع و أمثاله من قوله عزّ و جل تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ لم يكن عقده موقوفا على الإجازة‌

و بعبارة أخرى كلّ قيد صار وجوده موجبا للانقلاب فالأثر المرفوع به هو الأثر المترتّب على الفعل المطلق كالمرفوع بالخطإ و النّسيان فيجب أن يكون المرفوع بالإكراه هو الأثر المترتّب على مطلق الفعل لا الأثر بوصف الاختيار و لا الأثر المترتّب عليه بوصف الإكراه و ليس من آثار الفعل المطلق الوقوف على الإجازة حتّى يقال إنّ هذا الحقّ له لا عليه فلا يرتفع بالحديث فالصواب في الجواب هو ما أفاده بقوله ثانيا‌

و حاصله أنّ المرفوع بالإكراه هو الأثر الثّابت على فعل المكره لو لا الإكراه أي الأثر المترتّب على الفعل المجرّد عن عنوان الإكراه و الاختيار كما أنّ المرفوع بالخطإ و النّسيان أيضا كذلك لأنّ الأثر المترتّب على الفعل بعنوان العمد يرفع بمجرد فقد نفس القيد لا بحديث الرّفع كما أنّ الأثر المترتّب على الفعل بعنوان الخطإ يستحيل أن يرتفع بالحديث فإنّ ما كان علّة الوضع لا يمكن أن يكون علّة للرفع فإذا كان الأمر كذلك فبانضمام مقدمة أخرى إلى ذلك و هو عدم كون ذات العقد ذا أثر شرعا لاعتبار الرّضا فيه بالأدلّة الخاصّة الموجبة لتقييد عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و نحو ذلك تنتج عدم إمكان عروض البطلان لعقد المكره الملحوق بالرّضا لأنّ قبل لحوق الرّضا لا أثر للعقد حتّى يرتفع بالإكراه و بعد لحوقه ينقلب العقد عمّا هو عليه‌

و غاية ما يتوهّم لفساد عقد المكره أمران أحدهما ما أفاده المصنف بقوله لكن يرد على هذا أن مقتضى حكومة الحديث على الإطلاقات هو تقييدها بالمسبوقيّة بطيب النّفس فلا يجوز الاستناد إليها لصحّة بيع المكره و وقوفه على الرّضا اللّاحق فلا يبقى دليل على صحّة بيع المكره فيرجع إلى أصالة الفساد و لكن أجاب عنه بقوله اللّٰهمّ إلّا أن يقال و حاصله أنّ دليل الإكراه لا يمكن أن يكون حاكما في المقام لأنّه حاكم على الحكم الثّابت في الشريعة و المطلقات بإطلاقها ليست أحكاما ثابتة في الشّريعة حتى ترتفع بالإكراه بل الحكم الثّابت هو البيع المقيّد بالرّضا سبقه الرّضا أو لحقه و بعد تحقّق الرّضا يخرج البيع عن كونه إكراهيا‌

و بعبارة أخرى لو دلّت أدلّة الرّضا على اعتباره في العقد سابقا لكان الرّضا‌