منية الطالب في حاشية المكاسب‌ - ج1

- الميرزا محمد حسين الغروي النائيني المزيد...
415 /
251

بالإجازة تنكشف صحّة البيع و دخول المبيع آنا ما قبل التّلف في ملك البائع‌

و أمّا من حيث النماء فلو فرض حصول من حين العقد إلى زمان التّلف ظهرت الثمرة بين القولين و أمّا تجدّد القابليّة بعد العقد قبل الإجازة أو حصول الشّرط بعده قبل الإجازة أو بالعكس فالبحث فيه تارة يقع في شرائط العقد و أخرى في شرائط العوضين ثالثة في شرائط المالكين فما كان من الأوّل كاعتبار البلوغ و العقل في العاقدين فتجدّده بعد العقد لا يفيد و لو على النّقل لأنّ الإجازة تنفيذ للعقد السابق لا أنّها سبب مستقلّ فإذا كان الشّرط عند العقد مفقودا فلا يفيد تحقّقه حين الإجازة و ما كان من الثّاني و الثّالث اللّذين يرجعان إلى شرط أثر العقد و هو الملكية ككون العوضين ممّا يتموّل عرفا و شرعا و بدو الصّلاح في بيع الثّمرة و كون مشتري المسلم مسلما فلو قلنا بظهور الأدلّة في اعتبار استمرار هذه الشّرائط من حين العقد إلى حين الإجازة كما اختار صاحب الجواهر فلا فرق بين القولين‌

و لو قلنا بما ارتضاه المصنف فبناء على الكشف يشترط تحقّق الشّرائط عند العقد و لو انعدمت حال الإجازة و بناء على النّقل يشترط تحقّقها حين الإجازة فإذا ارتدّ المسلم بعد شرائه المصحف قبل الإجازة لا يملكه على النّقل و يجبر على البيع على الكشف و لو انعكس بأن كان المشتري كافرا حين العقد و أسلم حين الإجازة فالأمر بالعكس‌

و لكن الأقوى هو الفرق بين هذه الشّرائط أيضا فإنّ المبيع تارة يخرج بعد العقد عن قابليّة التملّك شرعا و يعود قبل الإجازة إلى ما كان كما إذا صار الخلّ بعد العقد خمرا ثم صار خلّا قبل الإجازة فالحقّ في هذه الصورة تأثير الإجازة سواء قلنا بالكشف أو النّقل و هكذا لو صار المالك بعد العقد مفلسا ثم صار مليّا قبل الإجازة‌

و أخرى يخرج عن ملك المالك بالنّقل بعد العقد ثم يعود إلى ملكه بالاشتراء أو الفسخ أو الإقالة و الأقوى هنا عدم تأثير الإجازة لأنّ التصرّفات النّاقلة يخرج العقد عن قابليّة تعلّق الإجازة به و في إلحاق الرّهن بالتصرّفات النّاقلة أو بمسألة الفلس بعد العقد وجهان و الأقوى هو الثّاني لأنه كما لو صار المالك بعد العقد مفلسا ثم صار مليا قبل الإجازة فأجاز لا يضرّ عدم استمرار الشّرط لأنّ نفس المجيز لم يحدث في العين حدثا و إنّما طرأ عليها حقّ و ارتفع فكذلك في الرّهن إذا فكّه ثم أجاز لا ينبغي الإشكال في صحّة العقد نعم لو لم يفكّه توقّف صحّة العقد على إجازة المرتهن و ذلك لأنّ حكم الإجازة حكم البيع البدوي و مجرّد الرّهنية لا يوجب عدم صحّة البيع فلا يضرّ الرهانة بعد العقد إذا ارتفعت قبل الإجازة في تأثير الإجازة‌

و ممّا ذكرنا ظهر أنّ ما اختاره صاحب الجواهر و المصنف لا يصحّ بإطلاقه فتأمّل جيّدا‌

[و ربما يقال بظهور الثّمرة في تعلّق الخيارات]

قوله (قدّس سرّه) و ربما يقال بظهور الثّمرة في تعلّق الخيارات إلى آخره

لا يخفى أنّ الأحكام المترتّبة على ملكيّة أحد المتبايعين تختلف على الكشف و النّقل كتعلّق الخمس و الزكاة و الأيمان و النّذور المتعلّقة بملك أحدهما و تعلّق الخيارات كخيار الحيوان أو العيب و الغبن‌

نعم لا يبعد سقوط خيار المجلس في المقام لأنّ مجلس العقد لا اعتبار به و لو على الكشف إلّا الكشف بمعنى عدم دخل الإجازة في التّأثير أصلا كما إذا قلنا بصحّة العقد في علم اللّٰه لو أجاز المالك و ذلك لاعتبار الإجازة في تأثير العقد على سائر الأقوال و مجلس الإجازة أيضا لا اعتبار به لأنّه ليس مجلس العقد فلو بقي المجلس إلى زمان الإجازة‌

252

فهو و إلّا يصير مجلس العقد كمجلس الوكيلين في أجزاء الصّيغة‌

و هكذا يشكل الأمر في مجلس الصّرف و السّلم فإنّ القبض المعتبر فيهما لا يمكن الالتزام باعتباره في مجلس العقد و لو على القول بالكشف و لا باعتباره في مجلس الإجازة و لو على النّقل و الالتزام ببطلان الفضولي فيهما أشكل و هكذا ثبوت حقّ الشّفعة بمجرّد العقد و لو على الكشف مشكل و بعد الإجازة و لو على النّقل أشكل لا سيّما بناء على الفوريّة‌

و يظهر ثمرة القولين فيما لو باع الفضولي حصّة أحد الشّريكين من زيد و قبل الإجازة باع الشّريك الآخر صحّته من عمرو ثم أجاز الشّريك فعلى الكشف يكون حقّ الشّفعة لزيد لأنّه صار شريكا للبائع الثّاني و على النّقل يصير لعمرو لأنه صار شريكا للمجيز فلزيد الأخذ بالشّفعة من عمرو على الكشف و لعمرو الأخذ بالشّفعة من زيد على النّقل و أمّا ثمرة القولين في ترتّب العقود على الثّمن أو المثمن فسيأتي الكلام فيها إن شاء اللّٰه تعالى‌

[و ينبغي التّنبيه على أمور]

[الأوّل أنّ النّزاع في حكم الإجازة إنّما هو في حكمها شرعا لا في معناها لغة]

قوله (قدّس سرّه) و ينبغي التّنبيه على أمور الأوّل إلى آخره

ريب في أنّ النّزاع في حكم الإجازة إنّما هو بحسب اعتبارها شرعا و عرفا في عقد الفضولي لا في معناها لغة و عرفا فالقائل بالكشف يقول حيث إنّ المالك يسند إلى نفسه ما وقع من الفضولي في موطنه فيقتضي أن يكون إجازته مؤثرة في الملكيّة حال العقد و القائل بالنّقل يدعي أنّ العقد يتمّ حين الاستناد فهما مختلفان في عالم الثبوت في أنّ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ هل تعلّق بالمالك حين العقد أو حين الإجازة فإذا كان الأمر كذلك فلو قصد القائل بالكشف إنشاء الالتزام بمضمون العقد من حين الإجازة و قصد القائل بالنّقل عكس ذلك ففي صحّة الإجازة وجهان‌

ثم إنّ الكلام في صحّتها يقع في مقامين الأوّل صحّتها على طبق ما قصد منها و الثّاني أصل صحّتها بمعنى الاكتفاء بها و عدم الافتقار إلى إجازة جديدة على طبق ما اعتقده المجيز من القولين‌

أمّا الكلام في المقام الأوّل فبعد ما عرفت أنّ اختلاف القولين إنّما هو في اقتضاء عقد الفضولي الّذي تعقّبه إجازة المالك للكشف أو النّقل بحسب الثبوت شرعا فلا يمكن القول بصحّة الإجازة و وقوعها على طبق ما قصد لأنّ اقتضاءها ذلك ليس من قبيل الاقتضاء بحسب الإطلاق لو خلي و طبعه حتى يمكن تقييده أي ليس من قبيل اقتضاء العقد سلامة المبيع حتّى يمكن إسقاط خيار العيب بالشّرط فيقال في المقام بأنّ الإجازة تقتضي الكشف أو النّقل إطلاقا فيمكن تقييده بالنّقل و لو على الكشف و بالكشف و لو على النّقل بل هي بحسب الحكم الشّرعيّ تقتضي تحقّق الملكيّة من حين العقد أو من حينها فلا يمكن أن تقع على طبق ما قيّدها المجيز‌

و أمّا الكلام في المقام الثّاني فالحقّ أنّ تقييدها بما يضادّ مختاره لا يوجب فسادها لأنّ غاية الأمر أن يكون من قبيل الشّرط المخالف للكتاب و السّنة و سيجي‌ء في محلّه أنّ الشّرط الفاسد لا يسري فساده إلى المشروط سواء كان المشروط عقدا أم إيقاعا بل الأمر في الإيقاع أظهر فإن مضمون الإيقاع يحصل بمجرّد الإنشاء فيلغو ما ينافيه بعده و ليس الشّرط موجبا للتّعليق بل و لو قلنا في العقد بأنّ التّمليك منوط بالشرط و لا تمليك بدونه إلّا أنّه ليس حكم الإيقاع حكمه لأن وقوع الأثر المترتّب عليه لا يناط بالشّرط فإن الإيقاعات ليست من باب المعاوضة‌

و بالجملة فساد الإجازة يدور مدار القول بفساد العقد و الإيقاع بفساد الشرط و على القول به‌

253

يتوقّف عقد الفضولي على إجازة أخرى لأنّ فساد الإجازة لا يؤثر في فساد العقد و ليس كالإجازة بعد الردّ‌

[الثّاني أنّه يشترط في الإجازة أن تكون باللّفظ]

قوله (قدّس سرّه) الثّاني أنّه يشترط في الإجازة أن تكون باللّفظ إلى آخره

الكلام في هذا التّنبيه يقع من جهات الأولى في كفاية الرّضا الباطني و عدمها الثّانية بعد اعتبار إنشاء الرّضا و عدم كفاية الرّضا الباطني هل يكفي الفعل أو يعتبر القول الثّالثة بعد اعتبار القول هل يشترط أن يكون باللّفظ الدالّ على الإجازة بالصّراحة العرفيّة أو يكفي الكناية‌

و الحقّ في الجهة الثّالثة كفاية الكناية و إن لم نقل بها في العقود لأنّ المحذور الجاري فيها لا يجري في الإجازة فإنّ الكناية عبارة عن استعمال اللّفظ في معناه لينتقل ذهن السامع منه إلى لازمه أو ملزومه بحيث يكون الانتقال من دواعي الاستعمال فإن كان معناه غير المعنى المقصود من العقد فلا يفيد كون الداعي عنوان أحد العقود لأنّ الدّواعي و الأغراض لا اعتبار بها في العقود و هذا بخلاف الإجازة فإنّ المقصود بها ليس عنوانا خاصا بل يكفي فيها كلّ ما يدلّ على الرّضا و كلّ لفظ يوجد به الاستناد فإذا عدّ المعنى الكنائي للفظ مصداقا لما ينشأ به الرضاء و الاختيار كقوله بارك اللّٰه في صفقة يمينك أو أحسنت و أجملت أو جزاك اللّٰه خيرا و نحو ذلك فلا مانع من إنشاء الرضاء به و لا وجه لاعتبار خصوص لفظ أجزت أو أمضيت‌

و الحقّ في الجهة الثانية كفاية الفعل لأنّه كالقول مصداق الإنشاء الرّضا و إيجاد الاستناد فلو سلّم المالك المبيع إلى المشتري أو مكّنت الزّوجة نفسها من الزّوج أو تصرّف المالك في الثّمن و هكذا فلا يحتاج إلى إجازة لفظيّة و ذلك واضح بعد ملاحظة أدلّة المعاطاة و باب الخيارات و أمّا الكلام في الجهة الأولى فالأقوى عدم كفاية الرّضا الباطني و اعتبار فعل أو قول ينشأ به الاستناد و ما ذكره المصنف شاهدا لكفايته لا يخلو من منع أمّا ما استظهره من النّصوص و الفتاوى ففيه نظر أمّا النّصوص فخبر السّكرانة لا يدلّ إلّا على كفاية تمكين الزّوجة لا على عدم اعتبار الإنشاء أصلا و خبر نكاح العبد فظاهر قوله ع سكوتهم عنك إقرار منهم بالنّكاح أنّ السّكوت عرفا كسكوت البكر إمضاء‌

و خبر التّوقيع و هو لا يحلّ مال امرئ لا يدلّ إلّا على جواز تصرّف الغير مع إذن المالك و رضاه لا على حصول التّمليك و التملّك بمجرد الطيب و أمّا الفتاوى فلا تدلّ إلّا على عدم اعتبار اللّفظ لا على كفاية كلّ شي‌ء حتّى الرّضا الباطني كما أن مفاد لا يحلّ أيضا ليس إلّا اعتبار الرّضا لا عدم اعتبار شي‌ء آخر و المفروض أنّ الفضولي فاقد لأمرين طيب نفس المالك و استناد العقد إليه و قد ذكرنا ما يزيد توضيح ذلك في أوّل بحث الفضولي‌

و بالجملة التمسّك بمثل هذه الأدلّة لكفاية الرّضا الباطني مع عدم كفاية الكراهة الباطنيّة للردّ في غاية الوهن و أمّا التمسّك بالعمومات فحاله كذلك لأنّ عقد المالك يصير عقدا له لو أنشأ الإمضاء و مجرّد رضاه باطنا لا أثر له بل يعتبر صدور ما هو مصداق للإمضاء منه كأجزت أو رضيت أو التصرّف في المنتقل إليه أو تسليم المنتقل عنه و هكذا كل قول أو فعل كان مصداقا للرّضا و الإمضاء و لا يبعد أن يكون مراد من اكتفى بالرّضا هو عدم خصوصيّة للفظ مخصوص بل المدار في الإجازة هو اختيار ما أوجده الفضولي و ارتضاؤه إياه و قد تقدم أنّ الرّضا يطلق على معنيين أحدهما الاختيار و يتعدّى بالنّفس أو بمن و ثانيهما الطّيب المقابل للكراهة و يتعدى بالباء‌

هذا مع أنّه لو سلم ظهور الفتاوى في كفاية الرّضا الباطني إلّا أنّ الكلام في صحّة‌

254

ما هو ظاهر الفتاوى مع عدم تحقّق الإجماع على كفاية مجرّد الطّيب ثم بعد اعتبار الاختيار في العقد القاصر من حيث الاقتضاء كعقد الفضولي فهل يلحق به ما هو قاصر من حيث المانع كعقد الرّاهن و نحوه أو يكفي مجرّد طيب النّفس من المرتهن أو الغرماء الأقوى أنّه من قبيل القصور في المقتضي لأن بعد تعلق الحقّ به يجب إسقاطه بالإجازة و أمثالها و الرّضا الباطني ليس إسقاطا نعم لو استكشفنا في مورد أن تعلّق الحق من باب احترام ذي الحق و رعاية شأنه كتوقّف العقد على بنت الأخ و الأخت على إذن العمّة و الخالة فالحق كفاية مجرّد رضاه و عليك بالتأمل في أبواب العقود و المتتبّع في موارد الحقوق‌

[الثالث من شروط الإجازة أن لا يسبقها الردّ]

قوله (قدّس سرّه) الثالث من شروط الإجازة أن لا يسبقها الردّ إلى آخره

استدلّ (قدّس سرّه) على اعتبار عدم تخلّل الردّ بين العقد و الإجازة بأمور ثلاثة الأوّل الإجماع الثاني أن الردّ موجب لانحلال العقد فهو بمنزلة ما يتخلّل بين الإيجاب و القبول ما يوجب خروجهما عن صدق العقد على ما ذكرنا في شروط الصّيغة من أنّ التعاقد و التّعاهد بين الموجب و القابل و عدّ كلا منهما عقدا إنّما هو لارتباط كلام كلّ واحد منهما بالآخر و إلّا كانا إيقاعين فالردّ الواقع بين العقد و الإجازة بمنزلة ردّ الإيجاب الواقع بين الإيجاب و القبول و بمنزلة فسخ ذي الخيار كما أنّ الإجازة بمنزلة إمضاء العقد و إنفاذه الثّالث أن مقتضى سلطنة المالك على ماله هو تأثير ردّه في قطع علاقة الطّرف الآخر عمّا انتقل إليه و لكنّك خبير بأنّ الوجهين الأوّلين قابلان للمناقشة‌

أمّا الإجماع فتحقّقه ممنوع بل قد يقال بأنّه لا إشعار به في كلمات العلماء إلّا كلام الشّهيد في القواعد و على أيّ حال إذا كان مدرك الجمعين الوجهين الأخيرين أو احتمل ذلك فلا اعتبار به و أمّا كون الردّ بمنزلة ما يتخلّل بين الإيجاب و القبول فممنوع أيضا لأنّ ردّ الموجب قبل القبول و هكذا ردّ القابل قبل قبوله لو قلنا بأنّه في حكم ردّ الموجب قبل قبول القابل إنّما يكون مضرا لكونه إبطالا للعهد و العقد و أمّا ردّ المالك فهو لا يضرّ بصدق العقد‌

نعم العقد لا ينتسب إليه إلّا بعد الإجازة و لا يضرّ الردّ بالانتساب فأيّ مورد تحقّق الإجازة يتحقّق الانتساب و لو بعد الردّ و بالجملة فرق بين ردّ الموجب إيجابه قبل القبول و ردّ المالك عقد الفضولي قبل الإجازة فإنّ الردّ في الأوّل يوجب بطلان العقد و معه لا يصدق المعاهدة و المعاقدة بخلاف الردّ في الثاني فإنّه بعد تحقّق العقد من الفضولي و الأصيل لا يؤثر ردّ المالك في إبطال العقد إلّا أن يضمّ إلى هذا الوجه الوجه الثّالث و يقال إنّ الردّ لما كان موجبا لرفع علاقة الطّرف كان موجبا لانحلال العقد و إذا انحلّ فلا تؤثر الإجازة بعده فالأولى البحث عن الوجه الثّالث‌

فنقول قد يقال إنّه ليس من أنحاء السّلطنة على المال السّلطنة على إسقاط عقد الفضولي عن قابليّة لحوق الإجازة فإنّه السّلطنة على الحكم لا على المال و ليس الردّ في المقام كردّ أحد المتعاقدين قبل إنشاء الآخر في كونه مبطلا لإنشاء الآخر لأنّ العقد في المقام تام من طرف الفضولي فانتسابه إلى المالك يحتاج إلى الإجازة و أمّا ردّه فلا يبطل أثر العقد فله الإجازة بعد الردّ‌

هذا مع أنّه لا نسلّم حصول العلقة للطّرف الآخر حتى يكون الردّ قاطعا لها بل المال بعد بيع الفضولي باق بحاله و لم يتعلّق به حقّ الغير نعم للمالك أن ينقله إليه بالإجازة كما كان له أن ينقله إليه قبل بيع الفضولي و حاصل الكلام‌

255

أنّ للمالك قبل بيع الفضولي البيع و عدمه و ليس له بعد ذلك إلّا الإجازة و عدمها و أمّا ثبوت أمر وجودي له و هو إلغاء بيع الفضولي عن التأثير بحيث لا يقبل الإجازة بعد الردّ لا من نفسه و لا من وارثه إذا مات فلا دليل عليه و عموم السّلطنة لا يقتضي إلّا أنّ طرفي النّقيض بيده‌

و أمّا ثبوت ضدّين وجوديّين كما في الخيار الذي هو ملك إقرار العقد و إزالته فلم يقم عليه دليل و لم يتصرّف الفضولي في ماله حتّى يكون له إبطاله فليس له إلّا السّلطنة على الإجازة و عدمها و مثل هذا حكم شرعيّ و لا يعدّ من العلقة هذا مع أنّ قاعدة السّلطنة تقتضي تأثير الإجازة بعد الردّ أيضا ثمّ إنّ هذا كلّه بعد تسليم عموم القاعدة و أمّا لو قلنا بأنّها ليست مشرعة و لا تنفع إلّا في نفوذ ما ثبت في الشّرع جوازه فالتمسّك بها في المقام لا أساس له أصلا للشكّ في ثبوت هذه السّلطنة للمالك‌

هذا محصّل ما أورده الأعلام الميرزا الرّشتي و المحقّق الخراساني و السيّد الطّباطبائي في حواشيهم على المتن و لكن الإنصاف عدم ورود هذه الإشكالات عليه و إن أشار إليها أو إلى بعضها بقوله (قدّس سرّه) فتأمل أمّا مسألة كون إسقاط العقد عن قابليّة لحوق الإجازة من الأحكام لا من الحقوق فهذه دعوى لا شاهد لها بل كونه راجعا إلى الحقوق الماليّة ظاهر فإنّ البيع من الغير من السّلطنة الماليّة و ثبوتها للمالك بأدلّة نفوذ البيع أيضا واضح فردّ البيع أيضا من أنحاء السّلطنة و شمول عموم القاعدة لهذا النّحو من السّلطنة لا ينبغي الإشكال فيه بل لو لم نقل بأنّ السّلطنة على إسقاط العقد من السّلطنة على المال بل هو من الأحكام الشّرعيّة الثّابتة للمالك كثبوت جواز البيع و الهبة و نحوهما له إلّا أنّه لا شبهة أنّ هذا الّذي ثبت له شرعا إذا تحقّق منه ينفذ عليه و لا يمكنه حلّه و إيجاد ضدّه فردّه عقد الفضولي كجواز البيع له فكا لا يجوز له فسخ البيع بعد صدوره منه فكذلك لا ينفذ منه إبطال ردّه بعد تحقّقه منه‌

و على هذا فمعنى سلطنته أن يكون كلا طرفي الإجازة و الردّ راجعا إليه فإذا أعمل أحدهما فلا يبقى محلّ للآخر و ليست السّلطنة عبارة عن ملك الإجازة و عدمها كما أفاده المحشون بل هي مثل سلطنة ذي الخيار على الفسخ في أنّ طرفيها وجودي أي له إقرار العقد و حلّه فلو ردّه تبطل المعاملة بين المالين فإنّ كون طرفي العقد تحت سلطنة يقتضي أن يكون ردّه كإجازته غير قابل لطروّ ضدّه عليه‌

و بالجملة و إن لم يتصرّف الفضولي في ملك المالك و لم يتحقّق المنشأ بإنشائه في عالم الاعتبار إلّا أنّه تحقّق منه المنشأ بنظره فإنّه أوقع التبديل بين المالين و مقتضى السّلطنة المطلقة الثّابتة للمالك بمقتضى النّاس مسلّطون على أموالهم أن يكون له إبطال هذا الإنشاء و إلّا فيكون سلطنته قاصرة و على هذا يؤثر ردّه كإجازته‌

نعم رد المرتهن بيع الرّاهن ليس موجبا لزوال أثر عقده لأنّ المرتهن ليس له سلطنة على العقد الواقع على المال و إنّما له استيفاء دينه من العين المرهونة و مجرّد العقد عليها لا يكون مزاحما لهذا الحقّ فيؤثر عقد الرّاهن لو فك الرهانة و إن فسخ المرتهن فينحصر بطلان عقده ببيع المرتهن خارجا لأن به يذهب موضوع عقده و هكذا الحكم في فسخ ذي الخيار فإنّ من عليه الخيار لو باع المال و قلنا بتعلّق الحق بالعين فلذي الخيار ردّ العين إلى ملكه لا إبطال العقد الواقع ممّن عليه الخيار فلو فسخ عقده لا يؤثر فسخه نعم لو فسخ العقد الأوّل بطل الثّاني‌

و أمّا قولهم بأنا لا نسلّم حصول العلقة للطّرف حتى يكون‌

256

الردّ قاطعا ففيه أنّه و إن لم تحصل له العلقة شرعا لكنّها حصلت له عرفا فالردّ يبطل هذه العلقة هذا مع أنّ تأثير الردّ في إبطال أثر العقد لا يتوقّف على تحقّق العلقة فعلا بل يكفي شأنيّة تحقّقها و لا شبهة أن عقد الفضول مادّة قابلة للحوق الإجازة عليها بحيث لا تحتاج إلى إنشاء جديد و ليست الإجازة عقدا مستأنفا فالردّ مقابل للإجازة و هو يسقط العقد عن القابليّة‌

و أمّا دعوى أن قاعدة السّلطنة متعارضة و كما أنّها تقتضي تأثير الردّ في إبطال أثر العقد فكذلك تقتضي تأثير الإجازة بعد الردّ أيضا ففيه ما لا يخفى لأنّ بعد بطلان العقد بالردّ و ذهاب أثره به ليس هناك موضوع تؤثر الإجازة فيه‌

و توهّم دلالة الصّحيحة الواردة في بيع الوليدة على تأثير الإجازة بعد الردّ في غير محلّه لما تقدم أنّه لم يعلم الردّ من مالك الوليدة و مجرّد أخذ المبيع لا يكشف عن الردّ فإنّ الردّ عنوان إنشائي يتوقف تحقّقه على قول أو فعل كان مصداقا له و ليس أخذ الجارية ردّا فعليا لإمكان أن يكون أخذها من باب التمسّك بالملكيّة الفعليّة الثّابتة للمالك قبل الإجازة‌

و قد تقدم أيضا أنّه يمكن أن يكون الإمساك لأجل أخذ الثّمن لا لردّ بيع ابنه و بالجملة مجرّد إمساك المبيع ليس ردّا من مالكه فإنّه من مقتضى طبعه الأصلي و هو تصرف كلّ مالك في ملكه و ليس مطلق التصرّف ردّا فعليا بل لو سلمنا أن تصرّف ذي الخيار فيما انتقل إليه إقرار للعقد و فيما انتقل عنه فسخ لكن تصرف المالك في ماله في المقام ليس كاشفا عن ردّه عقد الفضولي لعدم كونه كاشفا نوعيّا عنه و لا مصداقا فعليا منه لأن تصرف ذي الخيار فيما انتقل عنه تشبث بالملكيّة السّابقة فبه يتحقّق الفسخ و إلّا يكون تصرّفا في مال الغير و لذا يتحقّق بكل فعل ينافي صدوره منه مع كون المال ملكا للغير كالعرض على البيع و العقد الفاسد و نحوهما و أمّا تصرّف المالك في المقام فحيث إنّه في ملكه و بمقتضى طبعه الأصلي فليس مصداقا للردّ‌

[الرابع الإجازة أثر من آثار سلطنة المالك على ماله]

قوله (قدّس سرّه) الرابع الإجازة أثر من آثار سلطنة المالك على ماله إلى آخره

محصّل ما أفاده في هذا التّنبيه أنّ ثبوت الإجازة للمالك و تأثيرها منه ليس من قبيل ثبوت الخيار لذي الخيار من الحقوق القابلة للإسقاط و الانتقال إلى الغير بموت و نحوه بل هو من الأحكام الشّرعيّة الثّابتة للمالك كجواز البيع و الهبة و الصّلح و نحو ذلك له فكما أنّ للمالك بيع ماله ابتداء مباشرة أو توكيلا فكذلك له أن يجيز ما وقع عليه فضولا و على هذا فلو مات المالك لم تورث الإجازة لأنّها ليست ممّا تركه الميّت‌

نعم لمن انتقل إليه المال إجازة بيع الفضولي بناء على جواز المغايرة بين المالك حال العقد و المالك حال الإجازة و لكن لا من باب إرث الإجازة بل من باب إرث المال و على هذا فمن لا ينتقل إليه المال بموت المالك حال العقد ليس له الإجازة و بالجملة الفرق بين إرث الإجازة و إرث المال ظاهر فإنّه على الأوّل يكون كإرث الخيار فيشترك جميع الورثة فيها حتّى من ليس له نصيب من المال كالزّوجة في بعض الموارد على أشهر الأقوال كما سيجي‌ء إن شاء اللّٰه في أحكام الخيار بخلاف الثّاني فإنّها ليست للزّوجة‌

[الخامس إجازة البيع ليست إجازة لقبض الثّمن و لا لإقباض المثمن]

قوله (قدّس سرّه) الخامس إجازة البيع ليست إجازة لقبض الثّمن و لا لإقباض المثمن إلى آخره

البحث في هذا التّنبيه يقع من جهات الأولى أنّه لا ملازمة بين إجازة البيع أو الشّراء و بين إجازة قبض الثمن أو المثمن و لا لإقباضهما و ذلك لعدم جريان دلالة الاقتضاء في العقود الّتي لم يكن القبض جزء المؤثر و لا شرطا لصحّتها نعم فيما كان‌

257

كذلك كباب الصّرف و السّلم و باب الوقف و الرهن و الهبة فإجازة العقد إجازة للقبض أيضا بل يمكن أن يقال باختصاص ذلك بباب الصّرف و السّلم فإن حكم القبض فيهما حكم الإيجاب و القبول و لذا لو أقرّ بالبيع فإقراره به إقرار بجميع أجزاء العقد و هذا بخلاف باب الوقف و نحوه فإنّه لو قال وقفت الدار لا يحكم بأنّه أقرّ بإقباضه الدار نعم لو أقرّ بأنّ هذا الدار وقف يحكم بالقبض أيضا و الفرق واضح‌

و بالجملة لا ملازمة بين إجازة البيع و إجازة القبض مطلقا الثّانية هل القبض أو الإقباض قابل للإجازة أم لا قد يقال بأنّ الفعل الخارجي لا ينقلب عما هو عليه بالإجازة و لكنّك خبير بأنّ الفعل لا ينقلب عمّا هو عليه بالنّسبة إلى الآثار الماضية و أمّا الآثار الباقية فبالإمضاء و الإجازة يمكن أن يؤثر فيها نعم لو قيل بأنّ النّزاع في الكشف و النّقل لا يجري في إجازة القبض و الإقباض بل لا بدّ من الالتزام بالنّقل لكان في محلّه فالصّواب أن يقال إنّ البحث يقع تارة في قابليّة القبض و الإقباض للإجازة و أخرى في جريان نزاع الكشف و النّقل فيها ثم إنّ البحث تارة في قبض العين الشخصيّة و أخرى في الكلّي أمّا الثاني فالحقّ عدم الفرق فيه بين الكلّي و الشّخصي لا لعموم أدلّة الفضولي حتى يمنع عنه كما في المتن بل لعموم أدلّة الوكالة فكما أن لنفس المالك تعيين الكلّي في الشخص و جعل الشّخص مصداقا لما في الذمّة فكذلك لوكيله أو المأذون من قبله ذلك فلو أجاز قبض الكلّي أو إقباضه فلا مانع من تأثير الإجازة و صيرورة الكلّي مشخّصا في المقبوض‌

و أمّا البحث الأوّل فأصل تأثير الإجازة فيهما لا ينبغي الإشكال فيه من غير فرق بين وقوع أصل المعاملة بين المالكين أو الفضوليّين أو المختلفين مثلا لو أجاز المالك الّذي بيع ماله فضولا قبض هذا الفضولي أو الفضولي الآخر ثمن ماله كان الفضولي وكيلا في قبض ماله فيكون بمنزلة نفسه في قبض الثّمن و لو أجاز إقباض الفضولي المبيع إلى المشتري كان وكيلا من قبله‌

و على أيّ حال القبض و الإقباض لا يعتبر فيهما المباشرة فلا مانع من تأثير الإجازة فيهما نعم لا يجري فيهما نزاع الكشف و النّقل لأنّ الإجازة المتعلّقة بهما كالإجازة المتعلّقة بالعقود الإذنيّة تؤثر من حينها فلو وقع التّلف بين القبض و الإجازة فلا يمكن أن لا يؤثر هذا التّلف في الانفساخ لتعقّب القبض بالإجازة بل لا يبقى محلّ للإجازة نعم لو تلف المبيع بعد الإجازة خرج عن ضمان البائع لأنّ بالقبض ينتقل الضّمان و ينقلب المعاوضي منه إلى الضّمان بالمثل و القيمة كما سيجي‌ء في محلّه‌

و بالجملة لا إشكال في تأثير الإجازة في القبض و الإقباض و يكونان بمنزلة تحقّقهما من المالك لا لما أفاده المصنف في وجه ذلك من أنّ مرجع إجازة القبض إلى إسقاط الضّمان عن عهدة المشتري فإن هذا إنّما يصحّ لو قلنا بأنّ ضمان المشتري الثمن بمقتضى القاعدة أي من باب الشّرط الضّمني فيكون إجازة البائع قبضه إسقاطا للشّرط و أمّا لو قلنا بأنّه من باب التعبّد الثّابت في المثمن و تسريته إلى الثّمن من باب جعل المبيع مثالا في قوله ع كلّ بيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه فيمكن منع شمول النصّ لقبض الفضولي لأنّه لا أثر لإسقاط الضّمان و لو صرّح به المالك فإنّه بناء على هذا يكون تلف المبيع على البائع حكما تعبّديا غير قابل للإسقاط بل الوجه فيه هو ما ذكرناه من أنّ مرجع الإجازة إلى التوكيل‌

و على أيّ حال فلا بدّ‌

258

من الالتزام بالنّقل و ليست الإجازة في جميع الأبواب قابلة لنزاع الكشف و النّقل فيها و لذا التزم المحقّق الثّاني مع توغّله في الكشف بالنّقل في إجازة المرتهن و ما التزم به في مسألة الرّهن و إن لم يصحّ كما تقدم وجهه و هو أنّ الإجازة ترجع إلى العقد و العقد قابل لأن ينقلب بالإجازة إلّا أنّه يصحّ في مسألة الفعل فإنّه بالإجازة لا ينقلب عمّا هو عليه و السّر في ذلك هو ما تقدم الإشارة إليه سابقا من أنّ تأثير الإجازة فيما قبلها إنّما هو في الأمور الاعتباريّة لا الأمور التّكوينيّة فإنّها لا تكون مراعى برضاء أحد و إجازته‌

الثالثة قد ظهر أنّه لو كان القبض جزء المؤثر من العقد فإجازة العقد إجازة له أيضا و لكن هذا يصحّ لو كان المجيز عالما بذلك و أمّا في صورة الجهل فلا تتمّ دلالة الاقتضاء ثمّ إنّ تماميّة دلالة الاقتضاء في صورة العلم إنّما هو فيما لو يعقّب إجازة العقد بما ينافي صحّته فلو قال أجزت العقد دون القبض يبطل العقد و لا وجه لاحتمال لغويّة ردّ القبض و إلّا لجرى ذلك في الشرط المنافي لمقتضى العقد مع أنّهم لا يلتزمون بلغويّته بل يحكمون بأنّه مفسد للعقد بلا إشكال و إنّما يكون نزاعهم في الشرط الفاسد من جهة أخرى في أنّه هل مفسد للعقد مطلقا أو لا مطلقا أو التّفصيل بين الموارد‌

و السرّ في ذلك هو أنّ الأخذ بظاهر الكلام إنّما هو بعد فراغ المتكلّم عن كلامه و أمّا ما دام متشاغلا به فله أن يلحق به ما يخرجه عن الظّهور التصوّري فإذا عقّب العقد بما ينافيه كقوله بعتك بلا ثمن أو قوله أجزت العقد دون القبض بطل و احتمال الغويّة المنافي لا وجه له مع أنّ الكلام تدريجيّ و ذكر الثمن و توابع العقد كالشّروط ينشأ تدريجا‌

[السادس الإجازة ليست على الفور للعمومات]

قوله (قدّس سرّه) السادس الإجازة ليست على الفور للعمومات إلى آخره

لا يخفى أنّ الموارد الّتي يقال فيها بالفوريّة كخيار الغبن و الشّفعة و نحوهما إنّما يقال بها فيها لأنّ الطّبع مجبور على دفع ما يكرهه و الأخذ بما يحبّه فإذا لم يعمل الخيار مع علمه بثبوته فلا محالة إمّا مقدم على الضّرر أو مسقط لحقّه و هذا المعنى لا يجري في الفضولي فلا وجه لأن يكون فوريّا هذا مع دلالة صحيحة محمّد بن قيس على جواز التّراخي‌

ثم لو لم يردّ و لم يخبر فهل للأصيل إلزامه بأحد الأمرين أو له الخيار بين الفسخ و الإمضاء أو مخيّر بين الأمرين أو ليس له حقّ أصلا وجوه ثم إنّ هذه الوجوه هل تجري على القول بالكشف أو مطلقا وجهان و الصّواب ابتناء الجهة الأخيرة على ما اختاره المصنف (قدّس سرّه) و ما اخترناه فعلى ما اختاره (قدّس سرّه) من جواز تصرف الأصيل فيما انتقل عنه بناء على النّقل تختص بالكشف لأنّه بناء على النقل لا يتضرّر الأصيل و أمّا بناء على المختار من عدم جواز تصرّف الأصيل لا فيما انتقل عنه و لا فيما انتقل إليه مطلقا و لو بناء على النّقل فتجري على كلا المسلكين‌

و أمّا الجهة الأولى فإجبار المالك على أحد الأمرين من الإجازة أو الردّ فرع ثبوت حق للأصيل على المالك و ثبوت حق له عليه ممنوع و لا يمكن قياس المقام على الخيارات فإنّ في ذاك الباب الالتزام بالمعاوضة يقتضي أن يكون لمن عليه الخيار إلزام ذي الخيار بالفسخ أو الإجازة لو تضرّر بمماطلة من له الخيار و في المقام ليس بين المالك و الأصيل إلزام و التزام فلا وجه لثبوت حق الإجبار بين الردّ و الإجازة للأصيل فالوجه الأوّل لا وجه له‌

و أمّا الوجه الثّاني فمدركه أنّ الجزء الأخير من العلّة التامّة لتضرّر الأصيل هو لزوم العقد عليه فإذا انتفى اللّزوم يكون له الخيار بين الفسخ و الإمضاء و لكن يشكل هذا في باب النّكاح فإنّ ثبوت الخيار لأحد الزّوجين في غير الموارد المنصوصة مشكل لما بيّنا في محلّه أنّ لزوم‌

259

النّكاح حكميّ و لذا لا يصحّ جعل الخيار فيه و لا يجري فيه الإقالة‌

و أمّا الوجه الثالث و هو تخيير الأصيل بين إلزام المالك بأحد الأمرين من الإجازة و الردّ و بين اختيار الفسخ أو الصّبر فلتوهّم أنّ سلطنة المالك على ماله و لزوم العقد كليهما ضرر عليه فإذا ارتفعا بقاعدة نفي الضّرر ثبت التّخيير له بين فسخ العقد و الصّبر و بين إجبار المالك على أحد الأمرين و لكنّه فاسد لأنّ نفس سلطنة المالك في حدّ ذاتها ليست موجبة لضرر الأصيل و إنّما الموجب له و الجزء الأخير من العلّة التامّة له هو لزوم العقد من طرفه فلا بدّ أن يكون المنفي خصوص اللّزوم‌

و أمّا الوجه الرابع فلتوهّم إقدام الأصيل على الضّرر فلا يكون له حق أصلا لأنّه كان يحتمل أن لا يقدم المالك على الردّ أو الإجازة بل يبقى المعاملة معلّقة و مع احتماله ذلك فالضّرر يستند إليه لا إلى لزوم العقد كما سيجي‌ء في باب خيار الغبن أن احتمال الغبن موجب لعدم ثبوت الخيار للمغبون و فيه أنّ هذا مختصّ بالاحتمال العقلائي و هذا لا يتطرّق في باب الفضولي فإنّ المالك بحسب طبعه الأصلي أمره دائر بين الإجازة و الردّ و أمّا إبقاء المعاملة معلّقة فاحتماله بعيد فلا وجه لعدم ثبوت الخيار‌

[السّابع هل يعتبر في صحّة الإجازة مطابقتها للعقد الواقع عموما أو خصوصا أم لا]

قوله (قدّس سرّه) السّابع هل يعتبر في صحّة الإجازة مطابقتها للعقد الواقع عموما أو خصوصا أم لا إلى آخره

لا يخفى أنّ ما اختاره (قدّس سرّه) من عدم اعتبار مطابقة الإجازة للعقد الواقع عموما أو خصوصا بحسب الأجزاء هو الحقّ بحسب القواعد لأنّ حكم الإجازة حكم البيع ابتداء فكما يجوز للمالك بيع بعض ماله ابتداء فكذلك يجوز له إجازة بعضه و قياس المقام على مسألة الفسخ بالخيار في عدم جواز التّبعيض في إعماله إلّا في مختلفي الحكم قياس مع الفارق بل المقام نظير البيع الابتدائي و ذلك لأن في باب الخيار إنّما نقول بعدم جواز الفسخ في بعض أجزاء المبيع إذا كانت متّفقي الحكم من جهة أنّ الحقّ لا يتبعّض إلّا إذا كان متعلّقه متعدّدا ابتداء أو طرأ عليه التعدّد كما إذا انتقل إلى الورثة‌

و أمّا المبيع الواحد الشّخصي كحيوان خاصّ فليس لذي الخيار إعمال الخيار في بعضه لأنّ العقد على الحيوان الشّخصي لا ينحلّ إلى عقود متعدّدة و لا يقع نصف الثمن بإزاء نصف المبيع مثلا فملاك جواز الفسخ بالنّسبة إلى البعض هو انحلال العقد إلى عقود متعدّدة من حيث اختلاف أجزاء المبيع في الحكم كما إذا كان مالكها مختلفا أو كان بعضها ممّا لا يقبل التملّك أو كان بعضها حيوانا و بعضها غير حيوان و نحو ذلك‌

و أمّا ملاك الإجازة فهو بعينه ملاك البيع الابتدائي فيجوز للمالك جعل المبيع متعدّدا بحسب الإجازة فيجيز في بعضه حتّى يصير للمجاز له و يرد في بعضه حتى يبقى على ملكه فيتعدّد مالكه و بالجملة لم يقم دليل على المنع من جعل المبيع متعدّدا من حيث الحكم و ليس جواز الإجازة و الردّ للمالك كثبوت الخيار له الّذي هو من الحقوق لأنّه من الأحكام و من آثار السّلطنة على المال فيجوز له تنفيذ عقد الفضولي بالنّسبة إلى بعض متعلّقه غاية ما في الباب أنّ الإجازة في البعض تخالف الشّرط الضّمني و هو انضمام بعض أجزاء المبيع إلى الآخر‌

فالصّواب ابتناء مسألة مخالفة الإجازة للعقد بالنّسبة إلى بعض المبيع على مخالفتها له من حيث الشّرط فينبغي تحرير حكم الشّرط أوّلا ثم إلحاق الجزء به ثانيا فنقول الشّرط تارة يقع في ضمن العقد و أخرى في ضمن الإجازة و على الأوّل فتارة يكون للمالك على الأصيل و أخرى للأصيل على المالك فلو كان للمالك‌

260

فلا إشكال في صحّة إجازة العقد بلا شرط على ما هو التّحقيق من أنّ الشّرط في ضمن العقد لا يوجب التّعليق بل هو التزام في التزام فلو أجاز المالك التزام الفضولي بأصل المعاوضة و لم يجز التزام الأصيل بالشّرط على نفسه بل تجاوز عنه فلا ينبغي الإشكال في أنّ له ذلك لتجاوزه عن حقّه الّذي التزم به الأصيل على نفسه و أمّا لو كان للأصيل على المالك فأجاز العقد بلا شرط فالأقوى صحّة العقد و ثبوت الخيار للأصيل لأنّ المقام نظير تعذّر الشّرط الواقع بين الإيجاب و القبول الّذي يكون ضميمة لأحد العوضين فكما أنّ تعذّره لا يوجب بطلان العقد بل غايته ثبوت الخيار للمشروط له فكذلك المقام فإنّه و إن لم يتعذّر خارجا إلّا أنّ امتناع المجيز و عدم قبوله الشرط بمنزلة التعذّر و لا وجه لبطلان العقد إلّا على القول بالتّقييد و الإناطة و الحق عدمه و لذا نقول بأنّ الشّرط الفاسد غير مفسد للعقد إلّا إذا صار موجبا لاختلال أحد أركان العقد‌

و بالجملة هنا مسائل ثلاث ينبغي أن يكون حكم الجميع واحدا الأولى تعذّر الشّرط خارجا الثّانية تعذّره شرعا كالشّرط المخالف للكتاب و السنّة و الثّالثة مقامنا هذا و هو عدم رضا المالك بالشّرط و لا وجه للحكم ببطلان العقد بمجرّد عدم مطابقة الإجازة له هذا إذا كان الشّرط في ضمن العقد و أمّا إذا كان العقد مجرّدا و أجاز مع الشّرط فالشّرط أيضا تارة على المجيز و أخرى على الأصيل فلو كان على نفسه فلا إشكال في حكمه و أمّا لو كان على الأصيل أي الطّرف فتارة يرضى به و أخرى لا يرضى به فلو رضي به فلا ينبغي الإشكال أيضا في صحّته لأنّ الحقّ بينهما غاية الأمر أنّه من الشّروط الابتدائيّة لأنّه لم يقع في ضمن العقد فيبتني لزومه على لزومها‌

و على أيّ حال صحّة الإجازة لا إشكال فيها لمطابقتها لأصل الالتزام العقدي بل قد يقال بأنّه إذا رضي الأصيل بالشّرط فيخرج عن الشّروط الابتدائيّة و يدخل في الشّروط الواقعة في ضمن العقد و لكنّه غير وجيه لأنّ مجرّد الرّضا لا أثر له بل لو صرّح بقوله رضيت بذلك لا يدخل في الشّروط الواقعة في ضمن العقد لأنّها هي الّتي تقع بين الإيجاب و القبول لا بعد تماميّة العقد بل لو وقعت بين الإيجاب و القبول و لم تكن ضميمة لأحد العوضين لا تخرج من الشّروط الابتدائيّة و سيجي‌ء إن شاء اللّٰه في باب الشّروط أنّ منشأ عدم لزومها عدم تحقّق ملزم لها لكونها في حكم الهبة الغير المعوّضة و أمّا لو لم يرض به الطّرف فحكمه حكم تعذّر الشّرط و لا وجه لبطلان الإجازة فعلى هذا لا وجه لما أفاده المصنف (قدّس سرّه) من قوله أقواها الأخير‌

[القول في المجيز]

قوله (قدّس سرّه) و أمّا القول في المجيز فاستقصاؤه يتمّ ببيان أمور إلى آخره

الكلام في المسائل المتعلّقة بشرائط المجيز من جهات الأولى أن يكون جائز التصرّف حال الإجازة الثّانية في اعتبار وجود المجيز الفعلي حال العقد و عدمه الثّالثة لو قيل باعتبار وجوده فهل يشترط أن يكون جائز التصرّف حال العقد أم لا ثم عدم جواز تصرّفه إمّا لتعلّق حقّ الغير بماله و إمّا لكونه غير مالك ثم صار مالكا حال الإجازة‌

أمّا الجهة الأولى فاشتراط جواز تصرّف المجيز

فيما يتعلّق إجازته به حال الإجازة من القضايا الّتي قياساتها معها لأنّ حكم الإجازة حكم البيع الابتدائي فيشترط فيها ما يشترط فيه من البلوغ و العقل و الرّشد و هكذا فلو باع الفضولي ما تعلّق به حقّ الغرماء أو المرتهن فإجازة المفلّس أو الرّاهن بنفسها لا تؤثر سواء قلنا بالكشف أم النّقل و سواء تعلّق حق الغير‌

261

بمال المجيز قبل العقد أم بعده و توهم الفرق بين الكشف و النّقل فاسد كما تقدم وجهه و هو أن تأثير الإجازة مع تصرف المجيز بما ينافي الإجازة دور واضح فإنّ بطلان تصرّفه يتوقّف على تأثيرها و تأثيرها يتوقّف على بطلانه و لا عكس فإن تصرّفه وقع من أهله في محلّه فإرهان المالك المبيع قبل الإجازة يوجب عدم تأثير الإجازة و السرّ في ذلك هو ما ذكرناه من أنّ الإجازة كالبيع الابتدائي و ثبوت الإجازة للمجيز و نفوذها منه إنّما هو حكم شرعيّ من آثار السّلطنة على المال فإذا كان المالك ممنوعا من التصرّف في ماله فهو ممنوع من الإجازة أيضا فلا يقاس مسألة الإجازة على مسألة إعمال الخيار من المفلّس و المريض لأنّ الخيار حقّ مستقلّ في عرض المال و لا يدور مدار جواز التصرف في المال فالمنع من التصرّف فيه لا يلازم المنع من إعمال الخيار و هذا بخلاف الإجازة فإنّها تابعة للملك و حكم شرعيّ يدور مدار السّلطنة على المال‌

و أمّا الثّانية فالأقوى عدم اعتبار وجود مجيز فعليّ نافذ الإجازة حال العقد

فلو بيع مال اليتيم بلا مصلحة له أو زوّج مع عدم وجود الأب و الجدّ و لا الوصيّ من قبلهما فلا مانع من صحّة العقد بحيث إذا بلغ أجازه لأنّه لم يقم دليل تعبّدي على اعتبار وجود المجيز حال العقد في نكاح الصّغير بل الدّليل على خلافه فإنّ الأخبار الواردة في تزويج الصّغار فضولا لو لم تكن ظاهرة في مورد عدم وجود المجيز على ما هو منصرفها فلا أقلّ من إطلاقها و لا تقتضي القاعدة أيضا اعتبار وجود المجيز لأنّ أهليّة العقد و شأنيّته لإلحاق الإجازة به تكفي لصحّته‌

فقول العلّامة بأنّ صحّة العقد و الحال هذه ممتنعة و إذا امتنع في زمان امتنع دائما لا وجه له صغرى و كبرى أمّا الصّغرى فلأنّه لا وجه لامتناعه إلّا إذا كان مفاد عقد النّكاح أو البيع هو تحقّق المنشأ حين الإنشاء و أمّا إذا لم يكن مفاد العقد إلّا أصل الإنشاء فكلّ زمان تحقّقت الإجازة تتمّ أركانه و أمّا الكبرى فلأن وجه امتناعه فعلا ليس من باب اختلال أحد أركان العقد كشرائط الصّيغة و العوضين بحيث إذا امتنع العقد من جهة اختلال شرطه امتنع دائما بل من جهة عدم وجود المجيز فعلا فلو وجد بعد ذلك من له أهليّة الإجازة و أجاز لصحّ من حين الإجازة‌

و أمّا الثّالثة فتنقيحها في ضمن مسائل

لأنّ جهة عدم جواز تصرّف المجيز حال العقد إمّا واقعيّ و إمّا وهميّ و الواقعيّ على قسمين قسم يكون منشأ عدم جواز تصرّفه في متعلّق العقد تعلّق حقّ الغير به كحقّ المرتهن و الديان و قسم يكون منشأه عدم كونه مالكا حال العقد مع صيرورته مالكا بعده إمّا بإرث أو اشتراء كمن باع مال أبيه ثم مات أبوه بعد العقد و انتقل المبيع إليه أو باع مال غيره ثم اشتراه و أمّا الوهميّ فهو كما لو باع معتقدا لكونه غير جائز التصرّف فبان كونه جائز التصرّف إمّا لملك أو ولاية كمن باع مال أبيه بزعم كونه حيّا فبان كونه حال العقد ميّتا أو مال الصّغير مع اعتقاد كونه أجنبيّا فبان كونه وليا أو مأذونا أمّا المسألة الأولى فهي الّتي عنونها المصنف (قدّس سرّه) بقوله‌

الأولى أن يكون المالك حال العقد هو المالك حال الإجازة

لكن المجيز لم يكن حال العقد جائز التصرّف لحجر

و البحث فيها يقع من جهات الأولى في أصل صحّة بيعه و الثّانية في احتياجه إلى الإجازة بعد ارتفاع حجره و عدمه و الثّالثة في جريان نزاع الكشف و النّقل في رافع الحجر و عدمه أمّا صحة بيع‌

262

ما تعلّق به حق الغير فلا ينبغي الإشكال فيها سواء باعه نفس المحجور عليه أم باعه غيره فضولا لما عرفت من عدم اعتبار وجود مجيز حال العقد فضلا عن المقام الّذي له مجيز شأنيّ‌

و لا يقال إنّه لو وقع البيع عن المحجور عليه لوقع فاسدا لكونه ممنوعا عن التصرّف لأنّا نقول هذا من أحد أدلّة القائلين ببطلان الفضولي و قد عرفت ضعفه صغرى و كبرى أمّا الصّغرى فلأنّ مجرّد إجراء العقد على متعلّق حقّ الغير ليس تصرّفا و أمّا الكبرى فلمنع الملازمة بين حرمة التصرّف و فساد البيع بل يكون البيع مراعى بإجازة من له الحقّ كتصرّف من عليه الخيار فإن نفوذه يتوقف إمّا على انقضاء مدّة الخيار أو إسقاط ذي الخيار خياره‌

و بالجملة عقد الرّاهن و المفلّس ليس أسوأ حالا من عقد الفضولي و من عليه الخيار فأصل الصّحة لا إشكال فيه و التّفصيل الّذي اختاره بعض من قارب عصر المصنف بين بيع المرتهن و الرّاهن من الحكم بالصّحة في الأوّل و الفساد في الثّاني معللا بأنّ الأوّل داخل في الفضولي و الثّاني في من عصى اللّٰه لتصرّفه في حق المرتهن لا وجه له و سيجي‌ء تفصيل ذلك في بيع العين المرهونة نعم التّفصيل بين البيع و العتق من كونه مراعى بإجازة المرتهن أو فكّ الرهانة في الأوّل و ملزما على العتق له وجه فإنّ العتق لا يمكن أن يكون موقوفا على الإجازة‌

هذا مضافا إلى أنّ الإجازة إنّما تؤثر فيما يؤثّر الردّ فيه و ردّ الحرّ إلى الرقّ غير ممكن و تأثير العتق من الرّاهن حيث إنّه مالك للعين لا إشكال فيه خصوصا مع كون العتق مبنيا على التّغليب فلا بدّ إمّا من لزوم أداء الدّين و فكّ الرّهانة على الرّاهن و إمّا من استسعاء العبد في فكاك رقبته بفكّ الرهانة و سيجي‌ء في اشتراط كون الملك طلقا الإشكال في جريان نزاع الكشف و النّقل في عتق المالك العين المرهونة و وقفها فإنّ كونهما معلّقا على الإجازة مشكل و القول بالنّقل في خصوصهما أشكل و صحّتهما و نفوذهما بدون إجازة المرتهن بعيد و رجوع العين عن الحريّة و هكذا خروجها عن الوقفية بردّ المرتهن أبعد‌

و لكن الّذي يهوّن الخطب أنّه لا مانع من تعليقهما على أمر كما في مسألة الاستيلاد في العتق و مسألة القبض في الوقف و تمام الكلام في محلّه و أمّا احتياجه إلى إجازة المحجور عليه بعد ارتفاع حجره فالأقوى عدمه لأنّه لم يكن مانع عن الصّحة إلا تعلّق حق الغير به فإذا وقع العقد من نفس المحجور عليه و المفروض ارتفاع المانع إمّا بأداء الرّاهن أو المفلّس دينه و إمّا بإسقاط المرتهن أو الغرماء حقّهم و إمّا بانقضاء مدّة الخيار أو إسقاط ذي الخيار حقّه في تصرّف من عليه الخيار فلا موجب لإجازته لأن بعد رفع الحجر تمّ أركان العقد نعم لو وقع العقد من الفضولي فلا شبهة في توقّفه على إجازة المالك بعد ارتفاع حجره‌

و أمّا جريان نزاع الكشف و النّقل في مثل إسقاط المرتهن و ذي الخيار حقّهما و مثل فكّ الرّهن و انقضاء مدّة الخيار فقد تقدّم أنّ ظاهر المحقّق الثاني مع توغّله في الكشف عدم جريانه في أمثال ذلك بل لا بدّ من القول بالنّقل فإنّه (قدّس سرّه) و إن ذكر ميزانا تامّا فيما يجري فيه النّزاع و ما لا يجري كما أشرنا إليه إلّا أنّه (قدّس سرّه) في مقام الصّغرى عدّ مثل مسألة الفكّ ممّا لا يجري فيه النّزاع و لكن الأقوى أنّ حكم فكّ الدّين حكم الإجازة في أنّه ليس ممّا يعتبر في الانتقال بل هو متمّم للعقد‌

و لا يقال إنّ مفاد أسقطت الدّين و هكذا لازم أداء الدّين ليس إلّا سقوط الدّين حين الإسقاط أو الأداء لا حين العقد لأنّا نقول و إن كان الأمر كذلك إلّا أنّ النّزاع ليس في مفاد‌

263

الإسقاط و لازم الأداء و إلّا لا يجري النّزاع في الإجازة مع أن مفادها ليس الإجازة من حين العقد بل النّزاع إنّما هو في أنّ الإسقاط مثلا هل يرجع إلى العقد من حين الإسقاط أو من حين العقد كالنّزاع في الحكم الشّرعي في الإجازة من أنّها كاشفة لرجوعها إلى تنفيذ ما وقع سابقا أو ناقلة لتحقّقها من الحين‌

نعم لا يبعد أن يكون منشأ قياس سقوط الدّين و نحوه على القبض في الصرف و السّلم دون الإجازة هو أنّ الإجازة لا دخل لها في تتميم الملكيّة و إنّما هي لاستناد المنشأ إلى المالك و حيث تحقّق ما أنشأه الفضولي حين العقد يمكن أن تكون الإجازة كاشفة و أمّا إسقاط المرتهن حقّه أو فك الراهن و نحوه فليس إلّا متمّما للمنشإ لأنّ المال كأنّه بحسب الكيفيّة و السّلطنة مشترك بين الرّاهن و المرتهن فيكون كاشتراكه بين الشّخصين بحسب الكميّة فكما أنّه إذا باع أحد الشريكين حصّته في زمان و باع الآخر حصّته بعد ذلك انتقل جميع المال إلى المشتري حين بيع الشريك الثّاني فكذلك إذا باع الرّاهن لا ينتقل المال إلى المشتري إلّا حين إسقاط المرتهن حقّه لأن إسقاطه ليس تنفيذا لبيع الرّاهن و لا نظر له إليه بل مرجعه إلى التّجاوز عن حقّه المتعلّق بالمال بحسب الكيفيّة‌

و يتفرّع على هذا احتياج عقد الراهن بعد إسقاط المرتهن حقّه إلى إجازة الرّاهن بعده لأنّه من صغريات من باع شيئا ثم ملكه لأنّ السّلطنة المشتركة بينهما ترجع كلّها إلى الرّاهن بعد السّقوط و حيث ملكها ملكا جديدا يحتاج إلى الإجازة و لكنّك خبير بفساد القياس على القبض لأنّ عقد الرّاهن تامّ من حيث المنشأ و مسند إلى مالك المال حين الإنشاء و إنّما المانع عن نفوذه تعلّق حقّ الغير به فإذا سقط حقّه انكشف تأثير العقد حين صدوره بناء على القول بالكشف و ليس للمرتهن شركة في المال لا كما و لا كيفا غير أنّ المال مخرج لدينه و وثيقة عليه و هذا غير قابل لأن يملكه الرّاهن حتى يكون المال من أفراد ما باعه غير مالكه ثم اشتراه فيحتاج إلى الإجازة لأن هذا المعنى و هو كون المال مخرجا للدّين معنى لا يمكن أن يقوم بغير صاحب الدّين و يستحيل أن ينتقل إلى شخص الرّاهن‌

و بالجملة النّزاع في الكشف و النّقل يطّرد في هذه الأمور و إنّما لا يجري في خصوص ما كان المتأخّر جزء المؤثر للعقد لا فيما يتوقّف مؤثريّته عليه و سيجي‌ء في بيع العين المرهونة مزيد توضيح لذلك‌

و أمّا المسألة الثانية [من باع شيئا ثم ملك]

و هي عدم كون المجيز مالكا حال العقد مع كونه مالكا حال الإجازة إمّا بالاشتراء و نحوه و إمّا بالإرث فالبحث فيها يقع أيضا من جهات الأولى هل فرق بين ما إذا قصد البيع لنفسه و ما إذا قصده للمالك أو لا فرق بين الصّورتين الثّانية هل يتوقّف صحّة عقده على إجازته مطلقا أو لا يتوقّف عليها مطلقا أو تفصيل بين الصّورتين الثالثة في جريان نزاع الكشف و النّقل و أنّ الكشف في المقام هل هو الكشف في سائر المقامات و هو الكشف عن تحقق الملك حين العقد أو هو بمعنى آخر و توضيح جميع الجهات إنّما هو في ذيل شرح ما في المتن‌

قال (قدّس سرّه) أمّا المسألة الأولى فقد اختلفوا فيها فظاهر المحقّق في باب الزّكاة إلى آخره

و حيث إنّه لا إشكال ظاهرا في صحّة ما إذا قصد البيع للمالك عنوان المصنف (قدّس سرّه) ما إذا قصد البيع لنفسه ثمّ اشتراه من مالكه فأجاز لأنّه إذا صحّ هذه الصورة فصحّة ما إذا قصده للمالك أولى و يظهر من المحقّق في المعتبر صحّتها و توقّفها على الإجازة و من الشّيخ على ما استظهره المحقّق صحّتها و عدم توقّفها عليها لأن المحقّق قاس بيع المال الزكوي على‌

264

مسألة من باع شيئا ثم ملك و اختار أنّ اغترام المالك حصّة الفقراء بمنزلة الملك الجديد فيحتاج إلى الإجازة و نسب إلى الشيخ عدم توقّف صحّة بيع المال الزكوي إذا اغترم المالك إلى الإجازة فلازم كلام المحقّق حيث جعل المسألتين من باب واحد أنّ الشّيخ قائل بعدم توقف مسألة من باع شيئا ثم ملك إلى الإجازة و لكنّك خبير بأنّ هذا الاستظهار إنّما يتمّ على بعض الوجوه‌

و توضيح ذلك أنّهم اختلفوا في كيفيّة تعلّق الزكاة بالمال الزّكوي فقيل إنّه لا يتعلّق حقّ للفقراء بالعين أصلا و إنّما يتعلّق النّصاب بذمّة المالك و قيل إنّ الفقير شريك مع المالك في العين ثم إنّ القائلين بالشركة اختلفوا بين كونها على الإشاعة و على نحو الكلّي في المعيّن و الثّمرة بين القولين إنّما يظهر في صورة تلف مقدار من المال الزكوي فعلى الإشاعة التّلف يجب على المالك و الفقير كليهما و على الكلّي في المعيّن إنّما يحسب على المالك و قيل بتعلق حقّ الفقراء بالعين و القائلون به اختلفوا على وجوه ثلاثة فقيل بأنّه من قبيل حق الرهانة و قيل بأنّه من قبيل حق الجناية‌

و قيل بأنّه قسم ثالث ففي بعض الآثار يشبه حق الرهانة و في بعضها الآخر يشبه حقّ الجناية فمن حيث إنّه يجوز للمالك إخراج حصّة الفقراء من غير المال الزّكوي يشبه حق الرهانة لا الجناية لأنّه ليس لمالك الجاني إبقاء الجاني في ملكه فيما إذا لزم القصاص على جنايته و أمّا مالك المرهون فله فكّ الرهانة بأداء الدّين و من حيث إنّ السّاعي يتبع المال الزّكوي أينما وجده و يأخذ الزّكاة ممّن انتقل إليه يشبه حق الجناية‌

ثم إنّ الفرق بين حقّ الرهانة و حقّ الجناية هو أن حق الرهانة لا بدّ أن يستوفي من ملك الرّاهن بحيث إذا باع الرّاهن العين المرهونة فإمّا أن يبطل الرّهن و إمّا أن يبطل البيع لأنّه إذا صحّ البيع و انتقلت العين إلى ملك غير الرّاهن فلا يمكن أن تكون مخرجا للدّين و هذا بخلاف حقّ الجناية فإنه يجتمع فيه صحّة البيع و بقاء الحقّ لأنّ المجني عليه أو وارثه يستوفي حقّه من رقبة العبد أينما انتقل و لا يتوقّف استيفاؤه على كون العبد باقيا في ملك المالك حين الجناية‌

و كيف كان فالأقوال في ما إذا قصد البيع لنفسه ثلاثة الأوّل البطلان و الثّاني الصّحة مع اعتبار الإجازة و الثّالث الصّحة بدون التوقّف عليها و الأوّل مختار صاحب المقابس و اختار المصنف الثاني و الثّالث نسبه المحقّق إلى الشّيخ و نحن تابعنا المصنف (قدّس سرّه) في الدّورة السّابقة و لكن الإنصاف ورود بعض الإشكالات الّتي أورد على هذا القول و الأولى ذكرها على سبيل الإجمال حتّى يتبيّن الحال‌

فنقول الأوّل هو الإشكال المتقدّم في بيع الغاصب و هو من وجوه الأوّل عدم إمكان قصد المعاوضة الثاني مخالفة الإجازة لما قصده المتعاقدان الثّالث دلالة الأخبار النّاهية عن بيع ما ليس عندك على الفساد و يظهر من المصنف أنّ الجواب عن الإشكال الأوّل هو الجواب عن بيع الغاصب و لكنّك خبير بأنّ مبنى الجواب عن الأوّل هو أنّ الغاصب لما سرق الإضافة و رأى نفسه مالكا فأجرى العقد بين ملكي المالكين‌

و بعبارة أخرى كان مبنى صحّته تحليل داعيه إلى أمرين الأوّل وقوع التبديل بين ملكي مالكهما و الثّاني تخيّل أنّ المالك لأحد العوضين هو نفسه فيلغى هذا الخيال و التّطبيق و يؤخذ بقصده المعاوضة بين ملكي المالكين و هذا الجواب لا يجري في المقام لأنّه لم يسرق الإضافة و لم يغصب المال فكيف يقصد المبادلة بين الثّمن الّذي يقصد تملّكه و المثمن الّذي هو ملك لغيره مع أنّها تقتضي دخول الثّمن في ملك‌

265

من خرج عنه المثمن‌

إلّا أن يقال إنّ قصد البيع لنفسه حيث يقع ممّن يطمئنّ بتملّك المبيع فكأنّه يرى نفسه صاحب المال المشارفة فيبيع ما يملكه فعلا بلحاظ ملكه فيما بعد فتأمل و أمّا الإشكال الثّاني فغير وارد في بيع الغاصب فضلا عن المقام لما ذكرنا أنّ الغاصب يقصد أمرين الأوّل وقوع المبادلة بين ملكي المالكين و الثّاني كون مالك أحد العوضين هو نفسه و الإجازة تتعلّق بالأوّل أو بهما معا و تعلّقها بالثّاني لغو لا أثر لها و بالنّسبة إلى الأوّل تطابق ما قصده الغاصب فتؤثر و توجب استناد النّقل إلى المالك الحقيقيّ و هو المجيز‌

و أمّا الإشكال الثالث فلا يمكن التفصّي عنه بمثل ما تفصّى به في مسألة الغاصب لما أجبنا عنها في تلك المسألة بأنّها في مقام بيان عدم وقوع البيع لغير المالك و نلتزم بمفادها و نقول بعدم وقوع البيع للغاصب بل يقع للمالك بإجازته و هذا الجواب لا يجري هنا لأنّ الغرض من صحّة البيع وقوعه لنفس العاقد إذا ملك المبيع بالاشتراء بل مصبّ هذه الأخبار هو النّهي عن بيع ما لا يملكه فعلا و إن قصد شراءه هذا تمام الكلام في الإشكال الأوّل‌

و أمّا الإشكال الثّاني فحاصله أنّه يعتبر في العاقد أن يكون راضيا بالعقد و قادرا على التّسليم و مالكا للمبيع فإذا كان العاقد هو المالك و قادرا على التّسليم و مختارا في البيع فهو و إلّا فنقول بكفاية حصول ذلك للمالك المجيز لأنّه البائع حقيقة فيعتبر في صحّة عقد الفضوليّ قدرة المالك حين العقد و رضاه به لو اطّلع عليه فلو كان المالك حال العقد هو المجيز فهو و إلّا كما في مفروض المقام فمن هو قادر حال العقد لا يجيزه و لا يعتبر إجازته و رضاه و من يجيزه لم يكن حين العقد قادرا و لا كان لرضاه أثر‌

و حاصل جواب المصنف أمّا في الرّضا فلا يعتبر إلّا ممّن كان أمر العقد بيده و المجيز في المقام هو مالك أمر العقد و رضاه حاصل و أمّا في القدرة فلا ننكر اعتبارها في المالك حال العقد فلو فرض أنّ المالك الأصلي الّذي يشتري البائع الفضوليّ منه غير قادر على التّسليم نلتزم بفساد المعاملة لأنّ كلامنا في صحّة هذا البيع بعد استجماعه لشرائط الصّحة و أمّا لو كان قادرا حال العقد و لم يكن قادرا حين الإجازة فلا يضرّ بالصّحة كما أنّ في الفضولي لو لم يكن قادرا حال العقد و كان قادرا حين الإجازة لا يضرّ بالصّحة‌

و بالجملة ما دام المالك الأصلي مالكا يعتبر قدرته و مفروض كلامنا حصولها و ما دام الفضولي مالكا يعتبر قدرته و المفروض حصولها و لا يقتضي اعتبار قدرة المالك حال العقد اتحاد المالك حال العقد و المجيز فإنّ هذا شرط آخر لم يقم عليه برهان‌

و حاصل الكلام أنّه لو عم العمومات هذا البيع و قلنا إن تبدّل المالكين حال العقد و حين الإجازة كقيام الوارث مقام مورّثه فلا يرد إشكال اعتبار القدرة و الرّضا لأنّ قدرة من يعتبر قدرته و رضاء من يعتبر رضاه موجودان و لا دليل على اعتبار بقاء قدرة المالك حال العقد إلى حال الإجازة هذا مضافا إلى أنّ اعتبار القدرة حال العقد ممنوع فإنّ هذا الشّرط يعتبر حين التّسليم‌

ثم لا يخفى أنّ ممّا ذكرنا ظهر أنّ المصنف (قدّس سرّه) لم يلتزم بورود الإشكال لتصريحه باعتبار القدرة في المالك حال العقد لا باعتبارها فيمن له العقد حتّى يقال إنّ من له العقد و هو المالك حال الإجازة غير مالك حال العقد فليس قادرا حينه و المالك حال العقد و إن كان قادرا إلّا أنّه ليس مجيزا‌

و أمّا الإشكال الثالث فحاصله أنّه بناء على الكشف يلزم كون البائع الفضولي مالكا قبل اشترائه المبيع من المالك الأصلي و إلّا لزم خروج المال عن ملكه‌

266

إلى ملك المشتري قبل دخوله فيه‌

ثم لا يخفى أنّ هذا الإشكال و الإشكال الرابع و الخامس الّذي عدّه من الأعاجيب واردة على فرض لزوم الالتزام بتملّك المشتري حقيقة من حين العقد بناء على الكشف و أمّا لو قلنا بأنّه يتلقّى الملك من المجيز فهو يملك من حين تملّك المجيز فلا يرد إشكال أصلا و ذلك لأنّ اجتماع المالكين على ملك واحد يتوقّف على كون المشتري مالكا حال العقد فيجتمع ملكه مع ملك المالك الأصيل الّذي لا بدّ لنا من الالتزام به حتى يصحّ اشتراء البائع منه و هكذا اجتماع الوجود و العدم كليهما في العقد الأوّل و الثّاني مبني على هذا المبني فإنّ مالكيّة المشتري مانع عن شراء البائع من مالك المبيع و شراء البائع منه متوقّف على عدم مالكيّة المشتري‌

و هكذا توقّف صحّة إجازة المجيز على إجازة المشتري للبيع الثاني و توقّف صحّة إجازة المشتري على إجازة البائع لأصل البيع مبني على مالكيّة المشتري من حين العقد حتّى لا يصحّ الإجازة من البائع إلّا بإجازة المشتري لأنّ البائع يشتري ملك المشتري فيتوقف إجازته على إجازته المشتري للبيع حتى يملك المبيع فيجيز‌

و هكذا توقف صحّة كل من العقدين على إجازة المشتري أمّا العقد الثّاني فلأنّه واقع في ملكه و أمّا العقد الأوّل فلتوقّفه على إجازته بالواسطة فإنّه يتوقّف على إجازة البائع المتوقّفة على البيع الثّاني المتوقّف على إجازة المشتري‌

و هكذا يلزم عدم تملك المالك الأصيل شيئا من الثّمن و المثمن أمّا الثمن فلأنّ المبيع ملك للمشتري فالبائع الفضولي يشتري منه حقيقة فلا بدّ من أن يسلّمه إلى المشتري و أمّا المثمن فلأنّه بالبيع الأوّل تملّكه المشتري‌

و هكذا يلزم تملّك المشتري المبيع بلا ثمن لو اتّحد الثّمنان كما لو باعه الفضولي بعشرة ثم اشتراه بهذا المقدار من الأصيل فيجب عليه ردّه إلى المشتري و يلزم تملّكه المقدار من المبيع مجانا لو زاد ثمن الأوّل كما لو اشتراه بعشرة و اشتراه البائع من الأصيل بخمسة و يلزم تملّكه تمام المبيع مجانا مع الزيادة لو نقص ثمن الأوّل كما لو اشتراه بخمسة و اشترى البائع من الأصيل بعشرة‌

و بالجملة هذه المحاذير إنّما يلزم لو قلنا بتملّك المشتري حين العقد حقيقة و هذا يلزم خروج المال عن ملك المالك قبل دخوله في ملكه و هو محذور لا يمكن الالتزام به و يلزم اجتماع مالكين في ملك واحد و هذان الإشكالان هما العمدة و أمّا مع الغضّ عنهما فلا الإجازة تتوقّف على الإجازة و لا العقدين عليها و لا يلزم مجانيّة المبيع أو مقدار منه لأنّ بيع مال المشتري يتوقّف على إجازته إذا كان ذلك المال ماله مع قطع النّظر عن هذا البيع و هكذا ثمن البيع الثّاني يكون له إذا كان الملك ملكا له و أمّا إذا لم يكن له إلّا بلحاظ هذا البيع فلا‌

هذا مع أن مقتضى الإيراد الثّالث وقوع التزاحم من المالك الأصيل و المشتري على الثّمن فإنّ صحة البيع الأوّل بالإجازة تقتضي كون الثّمن للمالك الأصيل لأنّه الّذي انتقل منه المبيع إلى المشتري و صحّة شراء البائع تقتضي كون الثّمن للمشتري فإنّ البيع الثّاني وقع في ملكه‌

ثم إن خروج المال عن ملك البائع قبل دخوله فيه يتوقّف على القول بالكشف بنحو دخل الإجازة شرطا متأخّرا و معنى دخلها كذلك توقّف الملكيّة عليها حقيقة الّذي قلنا باستحالته للزوم تقدّم المعلول و هو الملك على بعض أجزاء علته و هو الإجازة و إذا التزمنا بهذا المحال فلا يرد إشكال اجتماع ملاك ثلاثة كما ذكره المصنف لأنّ المشتري و المالك الأصيل مالكا إلى زمان البيع الثّاني و المشتري و المجيز مالكان بعد البيع الثّاني إلى زمان الإجازة و لا موجب‌

267

للالتزام بكون المجيز مالكا من حين العقد الأوّل إلى زمان الإجازة حتى يجتمع ملاك ثلاثة في زمان واحد على مال واحد لأنّ المشتري و إن كان يتلقّى الملك عن مالكه لا محالة إلّا أنّه لا يجب أن يكون هو المجيز بالخصوص بل إمّا هو أو الأصيل‌

فتلخّص ممّا ذكرنا أن ورود هذه الإشكالات موقوف على اقتضاء الإجازة الكشف عن مالكيّة المشتري من حين العقد فلو ادّعى المستدلّ على البطلان اقتضاؤها في المقام كاقتضائها في سائر الموارد الكشف من حال العقد فلا يستقيم الجواب عنه بما أفاده المصنف (قدّس سرّه) من أنّ مقدار الكشف تابع لصحّة البيع لأنّ للمستدلّ المنع عن أصل اقتضاء البيع للصحّة في المقام لما مرّ في الوجه السادس من أنّ بيع الأصيل ماله من البائع الفضولي يقتضي بطلان بيع الفضولي لأنّ الردّ كما يتحقّق بالقول يتحقّق بالفعل أيضا‌

ثم لو سلّم تحقّق المقتضي فله أن يدعي وجود المانع عن الصّحة بدعوى أنّه لا خصوصيّة للإجازة في المقام تقتضي التأثير من حين اشتراء البائع لا من حين العقد فإذا امتنع العمل بما تقتضيه في المقام كان اللّازم فساد البيع و لا يمكن تصحيحه بأنّ مقدار كشف الإجازة تابع لصحّة البيع إلّا بعد ورود الدّليل على صحّة هذا البيع حتّى يكون تخصيصا لما اقتضته الإجازة من كشفها عن تحقّق الملك حين العقد و إلّا يكفي للبطلان عدم إمكان العمل بما تقتضيه و صحّته تتوقّف على أمرين‌

الأوّل عدم اعتبار كون شخص خاصّ طرفا للمعاوضة لا بمعنى إمكان كونه كليّا فإنّ هذا غير معقول لأنّ الإضافة تتوقّف على مضاف إليه معيّن بل بمعنى عدم اعتبار خصوص كونه زيدا أو بكرا فلو اشترى من شخص باعتقاد كونه زيدا فتبيّن كونه بكرا لا يضرّ و ليس البيع كالنّكاح الثّاني كون مسألة من باع شيئا ثم ملك كمسألة اختلاف المالك حال العقد و الإجازة بسبب الموت و الوراثة بأن يكون تبدّل الملك كتبدّل المالك فإذا تمّ هذان الأمران فلا محيص عن الالتزام بالصّحة في المقام و إن كان اقتضاء الإجازة كشفها الملك من حين العقد في جميع المقامات‌

و الأمر الأوّل لا إشكال فيه و أمّا الثّاني فقد ظهر في أوّل مباحث البيع الفرق بين الإرث و البيع و أنّ في الإرث التغيير و التّبديل في المالك و في البيع التبديل في الملك فإذا باع الفضولي ملك المورّث ثم انتقل إلى الوارث فحيث إنّ الملك على حاله و دلّ الدّليل على قيام الوارث مقام المورّث فالوارث يجيز نفس هذا التبديل و أمّا لو باع الفضوليّ مال زيد ثم انتقل إلى نفسه فإجازته لا تتعلّق بما وقع أولا لأنّ التبديل وقع بين ملك زيد و المشتري و الإجازة تتعلق بملك المشتري و الفضولي الّذي لم يكن ملكه طرف الإضافة‌

و بالجملة كلّ ما تعلّقت الإجازة بما انتقل من المجيز إلى الآخر و لو في عقود متتابعة فهي مؤثّرة و أمّا لو تعلّقت بغيره فلا تؤثر و إن كان الملك حين الإجازة ملكا له لأنّ الإجازة ليست عقدا ابتدائيا حتّى يقع التّبديل بها فعلا و لو على النّقل فضلا عن الكشف و لا يمكن قياس مسألتنا هذه على مسألة الإرث لأنّه لو أجاز الوارث العقد الواقع على ملك مورّثه تؤثر إجازته بناء على الكشف من حين العقد و لا يمكن الالتزام بهذا في المقام و ليست جهة الفرق إلّا أنّ تبديل المالك و اختلافهما لا يوجب تفاوتا في المملوك و في المقام يوجب ذلك فالمنشأ لا تتعلّق به الإجازة و المجاز ليس هو المنشأ‌

ثم إنّه ينبغي التّنبيه على أمور الأوّل قد ظهر أنّه بعد الالتزام بالكشف من حين العقد و خروج الملك عن ملك المجيز‌

268

إلى ملك المشتري قبل دخوله في ملك المجيز لا يلزم الالتزام باجتماع ملاك ثلاثة بل الملك من حين العقد الأوّل إلى زمان العقد الثّاني ملك للمشتري و المالك الأصيل و من حين العقد الثّاني إلى زمان الإجازة ملك للمالك الفعلي و هو المجيز و المشتري لأنّ المجيز ليس مالكا قبل شرائه و الأصيل ليس مالكا بعد بيعه الثّاني أنّه و إن كان مبنى الإشكالات أمرا واحدا إلّا أن كلّ واحد منها يغاير الآخر و ليس من الإعادة بتقرير آخر الثّالث أنّ ما دفع به المستشكل إشكال اجتماع المالكين في ملك واحد في مطلق الفضولي لا يرجع إلى محصّل مضافا إلى ما في تعبيره من الملك الصّوري باستصحاب الملك فإنّ الاستصحاب المصطلح إنّما يجري في مورد الشكّ في بقاء المتيقّن و ذلك لأن الملك لو لم يكن للمجيز بعد العقد فإجازته غير مؤثّرة و المفروض أنّها شرط متأخر‌

فالصّواب أن يقال إنّه و إن اجتمع مالكان على ملك واحد في زمان واحد إلّا أنّه إذا كان ملك أحدهما في طول ملك الآخر فلا دليل على امتناعه و أدلّ الدليل على إمكانه وقوعه كما في ملك العبد الّذي يملكه المولى و إنّما الممتنع اجتماع مالكين عرضيين ففي المقام حيث إنّ ملك المجاز له مترتّب على ملك المجيز و قوامه به فاجتماعهما لا يضرّ‌

قوله (قدّس سرّه) و الجواب أن فسخ عقد الفضولي هو إنشاء ردّه إلى آخره

لا يخفى أنّ مبنى الجواب عن سادس الوجوه هو إمكان اختلاف الملك حين العقد و الإجازة فإذا أمكن ذلك فكلّ من هو مالك للمبيع فله الإجازة فإذا أجاز المالك الأوّل يصير العقد له و إذا فات محل الإجازة بانتقاله عنه فللمالك الثّاني أن يجيز و هكذا‌

و هذا إنّما يصحّ لو كان البيع مجرّد التبديل بين المالين من دون اعتبار قيام العوض مكان المعوّض في طرف الإضافة أو كانت الإضافة قابلة لتعلّقها بالكلّي من دون خصوصية مالك أصلا و أمّا لو قلنا بأنّ البيع تبديل طرف إضافة بطرف إضافة أخرى مع اعتبار تعلّق الإضافة بشخص خاصّ و إن لم يعتبر تعيينه حال العقد فلا إشكال في أنّ هذا العقد غير قابل للإجازة لأنّ الملك خرج عن ملك المالك الأصيل بسبب بيعه فلا تؤثر إجازته و ردّه بعد بيعه‌

و أمّا الفضولي الّذي اشترى المبيع فلأنّه حين العقد لم يكن طرفا لإحدى الإضافتين و لذا لا يؤثر ردّه فلا يؤثر إجازته فالبيع كالنّكاح مفوّت لمحلّ الإجازة و إن لم يلتفت المالك إلى عقد الفضولي فالقول بأنّ التّزويج موجب لفوات محلّ الإجازة مطلقا حتى فيما لو مات الزّوج الثّاني بخلاف البيع فإنّه موجب لفواته بالنّسبة إلى الأصيل لا يستقيم‌

و بالجملة بعد ما تبيّن أنّ الإجازة ليست عقدا مستأنفا فلا بدّ أن تتعلّق بالعقد السّابق و إذا بطل العقد السّابق لانتقال الملك عن الأصيل إلى غيره فلا يبقى محلّ للإجازة فما ذكره المستدل من أنّ حكم عقد الفضولي حكم سائر العقود الجائزة سواء كان الجواز فيها حكميا كالهبة أم حقّيا كالبيع الخياري هو الحقّ بل البطلان فيه أولى منها لأنّه قد حصل الملك للمتّهب و من عليه الخيار و لو متزلزلا بخلاف مسألة الفضولي فإذا أوجب تصرّف الواهب و من له الخيار بالبيع و نحوه بطلان العقد فكذلك تصرّف المالك في المقام و لذا لو عاد الملك إلى الواهب و من له الخيار بالملك الجديد لا يرجع عقده الأوّل إلى ما كان قبل التصرّف فكذلك ملك البائع في المقام ملك حادث و هو غير ما وقع عليه العقد‌

قوله (قدّس سرّه) السّابع الأخبار المستفيضة الحاكية لنهي النّبي ص عن بيع ما ليس عندك إلى آخره

269

الإنصاف أن الأخبار العامّة و الخاصّة ظاهرة في فساد بيع من لا يكون المبيع له و إن اشتراه و أجازه لأنّ النّهي ظاهر في كونه إرشادا إلى اعتبار قيد في المعاملة فلا يمكن الجواب عن الأخبار العامّة فضلا عن الخاصّة الظّاهرة في المبيع الشّخصي بما أجيب عنها في بيع الغاصب لأنّ في بيع الغاصب يمكن أن يكون المنع راجعا إلى عدم قدرته إلى التّسليم كما لو باع لنفسه غير مترقّب لإجازة المالك أو راجعا إلى وقوعه لنفس الغاصب فلا يدلّ على الفساد لو أسنده المالك إلى نفسه بإجازته و في المقام لا يجري شي‌ء منهما أمّا الأوّل فلأن مورد البيع قبل الشّراء مورد يطمئن البائع بأنّ المالك يبيعه إياه و إلّا لا يقدم أحد مع عدم اطمينانه بذلك على الإيجاب‌

و بعبارة أخرى مورده مورد يصحّ دعوى المالكيّة مجازا بقرينة المشارفة و أمّا الثّاني فلأنّ عدم الملازمة بين فساد البيع للغاصب مع الفساد للمالك إنّما يكون منشؤه أنّ الخطاب الموجّه إلى الغاصب بعدم وقوع العقد له لا إطلاق له بالنّسبة إلى المالك و أمّا في المقام فلا يمكن إنكار الإطلاق لأنّ إجازة البائع و عدمها من حالات بيعه فيشمل النّهي بإطلاقه صورة الإجازة أيضا‌

و بالجملة لا يخفى ظهور الأخبار في عدم صحّة البيع قبل الاشتراء و أنّه يشترط في البيع الثّاني عدم سبق إلزام و التزام سابق على هذا البيع من البائع و المشتري فلو التزم المشتري الثّاني في البيع الأوّل على تسليم المبيع إلى المشتري الأوّل بحيث لا يستطيع على صرف المبيع عنه لبطل كما أنّه يشترط في البيع الأوّل عدم التزام المشتري بالشراء بأن لا يكون هناك إيجاب و قبول بل صرف مقاولة و أمّا لو كان ملزما بالشّراء فصريح الأخبار بطلانه و المفروض أنّ المشتري في مسألة من باع ثم ملك ملزم بالشّراء على ما تقدم من أنّه ليس للأصيل فسخ المعاملة‌

و لا يمكن الجواب عنه بما أفاده المصنف (قدّس سرّه) من أنّ ظاهر الأخبار البطلان لو كان كلّ منهما ملزما بإنشائه دون ما إذا كان أحدهما ملزما به و ذلك لأنّ ظاهرها الصّحة فيما لو كان كلّ منهما مختارا فمفهومها البطلان لو لم يكن كذلك و أمّا حمل الأخبار على الكراهة لورود أكثرها في بيع الكلّي الّذي استقرّ مذهب الخاصّة على جوازه و لو لم يكن البائع مالكا له فبعيد جدّا‌

أمّا أوّلا فلعدم ظهورها فيه إلّا خصوص صحيحة معاوية بن عمار في بيع الحرير و أمّا صحيحة ابن مسلم فتنكير المتاع لا يدلّ على كونه كلّيا لوقوعه في كلام السّائل و غرضه السّؤال عن كلّ فرد من أفراد الأمتعة من دون خصوصيّة قسم خاصّ و إلّا فيقتضي أن يكون المتاع المبهم من جميع الجهات مفروض سؤال السّائل و هذا لا يقع في الخارج أصلا لأنّ الأثمان تقع بإزاء الصّور النوعيّة لا المادّة المشتركة فلا يمكن أن يكون قوله سألته عن رجل أتاه رجل فقال له ابتع لي متاعا هو طلب شراء المتاع المبهم القابل لانطباقه على كلّ شي‌ء هذا مضافا إلى ظهور قوله لعلّي أشتريه منك بنقد أو نسية في المبيع الشّخصي‌

و أمّا ثانيا فظهور أكثرها في الكلّي لا يوجب حمل جميعها عليه فما كان ظاهرا في الكلّي يحمل على الكراهة بقرينة أنّ المذهب استقرّ على صحّة بيعه و ما كان ظاهرا في الشّخصي فيحكم بفساده على ما هو ظاهر النّهي فإنّه كاشف عن اعتبار قيد في المعاملة و هو كون البائع مالكا للمبيع ثم لا يخفى أنّه لو قلنا بصحّة هذا البيع فلا تتوقّف على الإجازة لأنّ الغرض منها إما حصول الرّضا من المالك أو الاستناد إليه و كلّ منهما حاصلان بصدور البيع عنه لنفسه فلا يمكن حمل الأخبار على صورة عدم‌

270

الإجازة مع أنّها مثل صورة الإجازة في الصّحة و الفساد‌

هذا كلّه مع اعترافه (قدّس سرّه) بأن رواية الحسن بن زياد الطائي تدلّ على ما اختاره صاحب المقابس و العجب أنّه (قدّس سرّه) حمل النّهي على ما يترتّب بعد البيع من عدم تسليم المبيع و نحوه فإنّ النّهي الظّاهر في اعتبار قيد في نفس المعاملة كيف يحمل على ما يترتّب عليها بعد فرض صحّتها و الإنصاف أنّه لم يكن المناقشة في دلالة الأخبار على الفساد لائقة بمقامه فتدبّر جيّدا‌

قوله (قدّس سرّه) ثم إنّ الواجب على كلّ تقدير هو الاقتصار على مورد الرّوايات إلى آخره

لا يخفى أنّه لا فرق في البيع الشّخصي بين صوره فإنّ الأخبار العامّة و الخاصّة يشمل عمومها أو إطلاقها لجميع صور المسألة فالأقوى هو البطلان سواء باعه لنفسه أم باعه عن مالكه فصار مالكا بأن انتقل إليه بعد البيع أم باعه لثالث فاتّفق صيرورة الثّالث مالكا أو اتّفق صيرورة نفسه مالكا و على التقديرين لا فرق بين تحقّق الإجازة و عدمه و في جميع صور المسألة لو أجاز المالك الأصيل قبل بيعه من البائع صحّت المعاملة لأنّها من أفراد بيع الفضولي غاية الفرق هو اختلاف كيفيّة تحقّق قصد المعاوضة‌

و بالجملة المبحوث عنه في المقام هو وقوعه لمن لم يكن حال العقد مالكا و صار مالكا بعده و أصول أقسامه ثلاثة البيع لنفسه و عن مالكه و عن ثالث أجنبيّ فلو باع لنفسه فالأقوى بطلانه سواء باعه بداعي كونه ملزما بالاشتراء عن مالكه و تسليمه إلى المشتري كما في البيع الكلّي الّذي يجب عليه تحصيله أم بداعي أنّه لو اتّفق صيرورته مالكا يسلّمه إلى المشتري‌

و يظهر من المصنف أن مورد الأخبار هو مورد البناء على لزوم التّحصيل عليه من غير ترقّب لإجازة مجيز أصلا لا من المالك و لا من البائع إذا ملك و كذلك الصورة الثّانية إذا لم يخبر بعد الشّراء دون ما إذا باع على أن يكون العقد موقوفا على الإجازة من المالك أو البائع بعد تملّكه و استظهر هذا المعنى من العلّامة أيضا فإن استدلاله بالغرر و عدم القدرة على التسليم ظاهر في مورد يقع البيع على وجه يلزم على البائع تسليمه‌

و لكنّك خبير بأنّ الأخبار صريحة في أنّ البيع قبل تملّك البائع لا يصحّ سواء كان البائع بانيا على لزوم التّحصيل أم كان مترقّبا للإجازة تحقّقت الإجازة أم لا و مجرّد بنائه على لزوم التّحصيل عليه لا يؤثر في الفساد و ترقبه للإجازة و تحقّقها لا يؤثران في الصّحة فإنّ البناء القلبي لا يؤثّر في الفساد و الصّحة في باب المعاملات‌

و استدلال العلّامة (قدّس سرّه) على الفساد بالغرر و العجز عن التّسليم لا يصلح لحصر الفساد في صورة دون أخرى لأنّ هذين المحذورين و إن لم يجريا في جميع الصّور إلّا أنّ النّهي يشمل جميعها و لو باع عن المالك فاتّفق أنّه صار مالكا فلو قلنا بالصّحة فلا إشكال في توقّفها على إجازته لأنّ رضاه سابقا لا يفيد لوقوع المعاملة عنه فصحّتها تتوقّف على رضاه حين الملك حتّى يستند البيع إليه عن طيب‌

و لكن الكلام في صحّته فإن الأخبار و إن لم تعمّ هذه الصورة إلّا أن بعد ما عرفت من الفرق بين التّبديل في المالك و الملك فحكم هذا القسم حكم ما لو باع لنفسه لأن تبديل الملك يوجب اختلاف المنشأ و المجاز بل الاختلاف فيه أظهر لأنّ في القسم الأوّل باع لنفسه و هو المجيز و في القسم الثّاني باعه عن مالكه و هو لا يجيز و إنّما يجيزه المالك حال الإجازة و قياسه على ما إذا باع لنفسه فإجازة المالك لنفسه لا وجه له لأنّ صحّة هذا القسم إنّما هو لإلغاء قصد البيع للنّفس كإلغائه في مورد الغاصب فإذا تحقّق قصد المعاوضة و ألغى قيد لنفسه صحّ تعلّق إجازة المالك بها و أمّا قصده للمالك الأصيل فلا يمكن إلغاؤه فإجازة‌

271

غيره لا ترتبط بالعقد و يمكن أن يكون قوله فتأمّل إشارة إلى هذا‌

و لو باعه لثالث فاتّفق أنّ الثّالث صار مالكا فحكمه حكم ما لو باع لنفسه ثم ملك سواء أجاز الثّالث أم لم يجز أمّا في صورة عدم الإجازة فواضح و أمّا في صورة الإجازة فلأنّ النّهي التّكليفي و إن لم يشمله كما في الصورة الثّانية و هي ما لو باعه عن المالك إلّا أنّ الوضعيّ المستفاد من الأخبار و هو شرطيّة كون البائع مالكا يشمل كلتا الصّورتين هذا مع أنّ التبديل في الملك الموجب لاختلاف المنشأ و المجاز كاف في الفساد‌

فظهر ممّا ذكرنا أنّ الحكم في جميع الصّور هو الفساد و لا فرق بين أقسام الصورة الأولى فسواء باعه عن نفسه منجّزا أم باعه على أن يكون العقد موقوفا على الإجازة فاتّفقت الإجازة منه بعد تملّكه أو تبايعا على أن يكون اللّزوم موقوفا على تملّك البائع دون إجازته فالحكم في الجميع هو البطلان و لا وجه لتخصيصه (قدّس سرّه) الفساد بالصّورة الأولى و الثّانية إذا لم تتفق الإجازة دون ما إذا علّق العقد على الإجازة فتحقّقت و دون ما إذا علّق اللّزوم على التملّك مع أنّه نقل عن الدّروس فساد هذه الصورة الأخيرة‌

هذا مع أنّه لو كان المراد من التّعليق في العقد هو التّعليق البنائي فقد تقدم أنّ البناء القلبيّ لا أثر له في باب العقود و الإيقاعات و لو كان المراد هو التّعليق في ضمن العقد فهذا هو التّعليق في المنشأ الّذي أجمعوا على بطلانه ثم إنّه ليس لتعليق اللّزوم على التملك معنى محصّل في المقام لأنّه عبارة عن جعل الخيار و هو إنّما يكون مقابلا للالتزام العقدي من المالك و ليس العقد منسوبا إلى البائع في المقام و الاسم المصدريّ الغير الحاصل لا معنى لجعل الخيار فيه فمقصود صاحب الدّروس ليس ما هو ظاهر عبارته بل غرضه تعليق اللّزوم على الانتقال على نحو الدّاعي و لذا عبّر عنه بقوله و لو أراد لزوم البيع بالانتقال فهو بيع ما ليس عنده‌

قوله (قدّس سرّه) ثم إنّه قد ظهر ممّا ذكرنا في المسألة المذكورة حال المسألة الأخرى و هي ما لو لم يخبر البائع بعد تملّكه إلى آخره

قد تقدم أنّه لو قلنا بصحّة أصل البيع و عدم مانعيّة التّبديل في طرف الملك فلا وجه لاعتبار الإجازة أصلا لأنّه لم يقم دليل تعبّدي على اعتبارها و إنّما نحتاج إليها في الفضولي لتحقّق الاستناد و الرّضا و هما في المقام حاصلان فالعمدة بيان وجه أصل الصّحة و الأولى البحث أولا عن إمكان إدراج هذا البيع في العمومات ثم البحث ثانيا عن الأدلّة المانعة لأنّه لو لم يعمّه العمومات فلا موقع للبحث عن الأدلّة المانعة‌

و يظهر منه (قدّس سرّه) شمول أَوْفُوا بِالْعُقُودِ له إلّا أنّه جعل المقام أوّلا من موارد الرّجوع إلى استصحاب حكم الخاص لا من موارد الرّجوع إلى عموم العام لأنّ البائع قبل تملّكه لم يكن مأمورا بالوفاء بالعقد فيستصحب ثم أضاف إليه ثانيا أنّ عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ معارض بعموم النّاس مسلّطون على أموالهم و عدم حلّها لغيرهم إلّا بطيب النّفس فحكم باعتبار الإجازة من باب النّاس مسلّطون‌

و في كلامه ما لا يخفى على المتأمّل كما أمر بالتأمّل لأنّ مقام الرّجوع إلى الاستصحاب أو العام إنّما هو في الفرد المعلوم فرديّته الخارج عن حكم العام في قطعة من الزّمان و البائع في المقام قبل أن يشتريه لم يكن مأمورا بالوفاء بعقده و إنّما الشكّ في أنّه بعد ما اشتراه هل هو مأمور بالوفاء أو لا فهو قبل أن يشتريه لم يكن مصداقا للعام و كان كشخص لم يكن عالما في زمان ثم صار عالما فلا يمكن أن يقال هذا الفرد من العام لم يكن واجب الإكرام فيستصحب حكم المخصّص لأنّ البائع خارج عن العام تخصّصا مع أنه لو قيل بأنّ‌

272

كل من له ربط بالعقد يجب وفاؤه به إلّا أن محلّ الرّجوع إلى حكم العام أو الخاصّ إنّما هو في مورد الشكّ بالنسبة إلى عمود الزّمان كالشكّ بعد زمان الأوّل في البيع الغبني بأنّه محكوم حكم الخيار أو بحكم العام لا فيما كان المخصّص من الزّمانيّات كما إذا خصّص وجوب الوفاء بالعقود بمورد خاصّ و شكّ في أنّ هذا هو المورد الخاصّ أو غيره‌

ثمّ لا يخفى أنّه لو قلنا بأنّ المقام من موارد الرّجوع إلى عموم العام فلا يمكن أن يعارض بدليل السّلطنة و اعتبار الطّيب لأنّ معنى وجوب الوفاء بالعقد هو لزومه عليه قهرا و وجوب الالتزام بآثاره شرعا‌

و حاصل الكلام أنّه لا يمكن تصحيح البيع الشّخصي لمن لا يملكه سيّما إذا قصد البيع لنفسه لأنّه لو صحّ له فلا يمكن وقوعه للمالك الأصيل إذا أجاز مع أنّه لا إشكال في وقوعه له إذا أجاز قبل بيعه من البائع لأنّ معنى وقوعه للبائع أنّه قصد خروج المال عن ملكه بعد فرض نفسه مالكا بالأوّل و المشارفة فهو في الحقيقة يوقع المبادلة بين ملكه بما هو ملكه و بين ملك الطرف فالمالك الأصيل أجنبيّ عن العقد و لا يمكن قياسه على الغاصب لأنّه بعد سرقة الإضافة يوقع المبادلة بين ملكي المالكين و لا يلاحظ شخص نفسه إلّا على نحو الدّاعي بل المقام نظير البيع الكلّي في إجراء البائع المعاملة على ملك شخصه‌

و بالجملة الأمر يدور بين أن يجعل البائع أجنبيا أو الأصيل و المفروض أنه يقع للأصيل إذا أجاز فلا مناص عن جعل البائع أجنبيّا و يكون كمجري الصّيغة و على أيّ حال فقد ظهر ممّا ذكرنا من صدر المبحث إلى هنا أنّه لا فرق بين تحقّق الملك للبائع بالشّراء و تحقّقه بالإرث‌

نعم هناك فرق بينهما من جهة أخرى و هي أنّ الوارث حيث إنّه يقوم مقام مورّثه فله الإجازة لا من باب أنّه ملك ما باعه بل من باب أنّه هو المورّث فيكون حكمه حكم المالك الأصيل في نفوذ إجازته قبل بيعه من البائع و حكمه حكم نفس المورّث لو أجاز حال حياته نعم لو قلنا بأن في مسألة من باع ثمّ ملك بالشّراء لا يصحّ الإجازة من المالك الأصيل لعدم إمكان الجميع بين قابليّة انتساب العقد إلى كلّ من المالك و البائع فالوارث في المقام أيضا ليس له الإجازة من باب قيامه مقام مورّثه بل هو من أفراد من باع شيئا ثمّ ملك فالفرق بينهما لا وجه له فتأمّل في أطراف الكلام جيّدا‌

[المسألة الثّالثة ما لو باع معتقدا لكونه غير جائز التصرّف فبان كونه جائز التصرّف]

قوله (قدّس سرّه) المسألة الثّالثة ما لو باع معتقدا لكونه غير جائز التصرّف فبان كونه جائز التصرّف إلى آخره

لا يخفى أن ربط هذه المسألة بالمسألتين السّابقتين منوط بما ذكرنا في الجهة الثّالثة من الجهات الرّاجعة إلى شرائط المجيز و هو أنّ عدم جواز تصرّف المجيز حال العقد إمّا واقعيّ و إمّا خياليّ و نقّحنا الواقعيّ في ضمن مسألتين فإنّ عدم جواز التصرّف واقعا إمّا لتعلّق حق الغير بالمال و إمّا لعدم كونه مالكا فبقي حكم الخيالي و هو على صور أربع لأن اعتقاد عدم جواز التصرّف المنكشف خلافه إمّا لعدم الولاية فانكشف كونه وليا و إمّا لعدم الملك فانكشف كونه مالكا و على كلا التقديرين فإمّا يبيع لنفسه أو عن المالك‌

فالصّورة الأولى أن يبيع عن المالك فانكشف كونه وليا و الظّاهر من المصنف (قدّس سرّه) صحّتها من دون توقّف على إجازة المالك و لا يخفى أنّ الولاية على قسمين إجباريّة و اختياريّة و الإجباريّة إمّا بموهبة من اللّٰه سبحانه كولاية الأب و الجدّ و إمّا بموهبة من المخلوق كولاية العبد المأذون من قبل المولى في التّجارة و الاختياريّة كولاية القيّم على الصّغار و الوكيل‌

ثم لا يخفى أنّ صحّة هذه المعاملة و فسادها مبنيان على أن يكون العلم بالولاية أو الالتفات بالوكالة طريقيّا أو موضوعيّا فلو قلنا بالطّريقيّة فلا إشكال‌

273

في الصّحة و الأقوى كونه كذلك لأنّ الأحكام تدور مدار موضوعاتها واقعا و كونها منوطة بالعلم بها يتوقف على دليل نعم ولاية العبد ليست في الظّهور كولاية سائر الأولياء فإنّه بعد ما دلّ الدّليل على حجره و عدم قدرته على شي‌ء يشكّ في خروجه عن العجز بمجرّد إذن المولى واقعا مع عدم علمه به و كون إعطاء الإذن من آثار سلطنة المولى لا ينافي فساد بيعه لاعتبار علمه برفع الحجر‌

و بالجملة فكما أنّ العجز في امتثال الخطابين المتزاحمين لا يتحقّق إلّا مع العلم بهما فكذلك القدرة لا تتحقّق للعبد إلّا بوصول الإذن إليه لعدم صدق كونه قادرا مع عدم العلم بها و لكن الأقوى عدم الفرق بين القدرة و الوكالة و الولاية في أنّ العلم في كلّ منها طريقيّ‌

هذا مع أنّ الّذي يهوّن الخطب أنّ العبد و إن لم يصر قادرا شرعا بالإذن الواقعيّ إلّا أنّه ليس كالصبيّ و المجنون مسلوب العبارة فيكون بيعه لمولاه من أفراد الفضوليّ فيتوقّف على إجازة المولى كما أنّه لو باع مال غير المولى يتوقّف صحّة بيعه على إجازة صاحب المال و المولى كما أنّه لو قلنا بموضوعيّة العلم في جميع أنحاء الولاية فمع عدم العلم بها يدخل البيع في الفضولي و لكن احتمال موضوعيته في باب ولاية الأب و الجد و الحاكم الشّرعي و القيّم ضعيف فعلى القول ببطلان الفضولي يصحّ هذا البيع لخروجه عنه بالإذن الشّرعي أو المالكيّ و في هذه الصّورة لا يتوقّف الصّحة على الإجازة لأنّ الإذن السّابق لا يقصر عنها‌

و الصورة الثّانية أن يبيع لنفسه فانكشف كونه وليا و الأقوى صحّته و عدم توقّفه على الإجازة أمّا صحّته فلأنّ قصد بيعه لنفسه لغو بعد أن أوقع التبديل بين طرف الإضافة المالكيّة و الطّرف الآخر و أمّا عدم توقّفه على الإجازة فلأنّ الإذن السّابق لا يقصر عن الإجازة‌

و بالجملة لو كان القصد لنفسه منافيا لقصد المعاوضة فلا ينفعه الإجازة اللّاحقة و لو كان لغوا فيكفي لصحّته الإذن السّابق و الثالثة أن يبيع عن المالك ثم ينكشف كونه مالكا و هذا على قسمين الأوّل أن يبيع عن المالك مع اعتقاده أنّ المالك أبوه بأن يطبق المالك على أبيه و الثّاني أن يبيع عن شخص أبيه و الفرق بينهما كالفرق بين الوصف و الإشارة أمّا القسم الأوّل فلا إشكال في صحته لأنّه قصد البيع عن مالك المال فأوقع التّبديل بين الملكين و تطبيق المالك على الأب لا يضرّ بصحّة المعاملة و وقوعها لنفسه إنّما هو لكونه أحد طرفي الإضافتين و هو المالك واقعا إنّما الإشكال في القسم الثّاني و الصّورة الرّابعة و هي أن يبيع لنفسه و كلّ منهما يختصّ بإشكال لا يجري في الآخر و إن توهّم بعض ورود الإشكال المختصّ بالصّورة الرّابعة على القسم الثّاني أيضا على ما نقله المصنف عن النّهاية و الإيضاح‌

و حاصل إشكالهم على ما إذا قصد بيع ماله عن أبيه هو أنّه قصد البيع عن أبيه لا عن نفسه فلو انكشف كون المال لنفسه فكيف يصحّ المعاملة و تقع له بمجرد كونه في الواقع له هذا مع أنّ هذا البيع و إن كان منجّزا في الصورة إلّا أنّه معلّق واقعا و التقدير إن مات مورّثي فقد بعتك هذا مضافا إلى أنّه كالعابث عند مباشرة العقد لاعتقاده أنّ المبيع لغيره‌

و لا يخفى أنّ الإشكال الثّاني مع أنّه لا صغرى له و لا كبرى في المقام لا يجتمع مع الإشكال الأوّل أمّا عدم الصغرى فلأنّ المفروض أنّ الوارث يظنّ حياة أبيه و يبيعه أيضا عن أبيه فكيف يكون تقدير هذا البيع إن مات مورثي فقد بعتك بل هذا التّعليق المعنوي يجري في خصوص ما إذا باع لنفسه مع ظنّه بحياة مورّثه‌

و أمّا عدم الكبرى فلأنّ التّنجيز صورة كاف في صحّة المعاملة‌

274

و إن كان في الواقع معلّقا و أمّا عدم اجتماعه مع الإشكال الأوّل فلأنّ الإشكال الأوّل هو أنّه مع قصد البيع عن الأب كيف يقع لنفسه فلا يرد إشكال التّعليق و هو إن مات مورّثي فقد بعتك لأن مرجعه إلى أنّه قصد البيع لنفسه‌

و أما الإشكال الثّالث فهو الإشكال المعروف الوارد على التشريع و حاصله في المقام أنه مع اعتقاده بأنّ المال لأبيه كيف يقصد المعاوضة الحقيقيّة و قد أجبنا عنه في بيع الغاصب بأنّ البناء على أمر يعتقد خلافه بمكان من الإمكان ثم إنّ المصنف (قدّس سرّه) أجاب عن الإشكال الأوّل بأن قصد نقل الملك عن الأب لا يضرّ بوقوعه لنفسه لأنّه و إن قصد عن أبيه إلّا أنّه قصده من حيث كونه مالكا ففي الحقيقة قصد النقل عن المالك أي الحيثيّة في المقام تقييديّ و الموضوع هو الأب المالك‌

و لكنّك خبير بأنّ الحيثيّة التقييديّة لا يمكن الالتزام به في الموضوعات الشخصيّة لأنّ الفرد الخارجي غير قابل للتعدّد فتقييده ممتنع فالأب إذا كان هو الّذي بيع عنه فهو ملحوظ بخصوصيّته و توصيفه بأنّه المالك حيثيّة تعليليّة و الحيثيّة التّعليليّة لا أثر لها لاتّحاد المنشأ و المجاز و بالجملة النّزاع في أنّ الحيثيّة تقييديّة أو تعليليّة إنّما هو في الأحكام الكليّة المتعلّقة بالعناوين كتعلّق الأمر بالصّلاة و النهي بالغصب فيقع النزاع في أن متعلّق الحكمين هو المعنون و العنوان جهة تعليليّة أو نفس العنوان و تعلّقه بالمعنون إنّما هو لانطباق العنوان عليه و أمّا لو تعلّق حكم أو إشارة بشخص خاص مع اتصافه بعنوان كوجوب إكرام زيد العالم أو الاقتداء بعمرو العادل فلا شبهة في أنّ الحيثيّة تعليليّة فإذا قصد نقل المال عن أبيه فلا يمكن أن يقال إنّ المقصود هو النّقل عن المالك و لو عنون أباه بالمالك‌

نعم أصل الإشكال غير وارد لأن قصد نقل المال عن شخص معيّن مع إيقاع التبديل بين المعوّض و العوض الشّخصيين لا يضرّ بوقوع المعاملة عن مالكيهما و لذا لو اشترى من شخص بتوهم أنّه زيد فبان كونه عمرا يقع المعاملة بينه و بين عمرو‌

و بالجملة هذا الإشكال المختصّ بما إذا باع عن أبيه لا وقع له في العوض و المعوّض الشّخصيّين و أمّا الإشكال المختص بما إذا باع لنفسه مع اعتقاده بأنّه لغيره فهو التّعليق في المعنى و الجواب عنه أنّ التّعليق الواقعي لا يضرّ مع التّنجيز في الصورة هذا مضافا إلى أنّه لو كان هناك تعليق فهو في الحكم الشّرعي لا في المنشأ لا صورة كما هو ظاهر و لا معنى لأنّ المعتقد بحياة أبيه لا يصدر البيع عنه لنفسه إلّا بفرض المال مال نفسه إمّا بالمشارفة و إمّا بالادّعاء و نحوه كالغاصب و إلّا يكون سفيها ثم إنّه بعد الفراغ عن صحّة الصورتين فهل تصحّان مطلقا أو مع الإجازة أو تفصيل بينهما و الحقّ هو الأخير‌

أمّا الصورة الأولى فتوقّفها بقسميها على الإجازة واضح لأنّه باع عن المالك أو عن أبيه فلم يسند المعاملة إلى نفسه فيتوقّف وقوعها عن نفسه على الإجازة حتى تستند إليه الّذي هو المالك حقيقة و مجرّد الرّضا بأصل التّبديل لا يكفي في الطّيب و الرّضا المعتبر من المالك بعنوان أنّه مالك و ذلك لأنّ مقتضى قوله عزّ من قائل إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و قوله ع لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه و إن كان كفاية رضا المالك و طيب نفسه و لو مع اعتقاده بأنّ المال لغيره و لكن بمناسبة الحكم و الموضوع يستفاد منهما أنّ ذات الرّضا و الطّيب بما هو ليس موضوعا للحكم فإن احترام ماله و توقّف التصرّف فيه على إذنه يناسب أن يكون إذنه بما أنّه مالك دخيلا في جواز التصرّف‌

و معلوم أن الطّيب‌

275

بأصل التبديل ليس طيبا بالتبديل المالكي كما أنّ العمد بأصل التكلّم أو العمد بالأكل ليس عمدا بالتكلّم في الصّلاة أو الأكل في نهار شهر رمضان فيتوقّف شمول الدّليل الدالّ على مانعيّة التكلّم في الصّلاة أو مفطريّة الأكل على العلم بأنّه في الصّلاة و بأنّه في نهار شهر رمضان لأنّ الأحكام المترتّبة على الأفعال بعناوينها الخاصّة إنّما تترتّب عليها بعد صدورها مع قصد هذه العناوين فالإذن في الأكل مع عدم العلم بأنّه ماله و الإذن في العتق مع عدم العلم بأنّه عبده لا يوجب جواز التصرّف للمأذون واقعا و نفوذه بحيث لا يتوقّف على الإجازة اللّاحقة و مجرّد كون المالك هو المباشر للعقد لا يكفي في صحّته فإنّه و إن كان مستندا إليه و صادرا منه عن طيب إلّا أنّه لا بعنوان كونه مالكا فيعتبر الإجازة اللّاحقة حتّى يستكشف الرّضا المالكي و بما أنه ماله كما يعتبر الإجازة من المكره حتى يصحّ ما صدر عنه كرها مع كون الفعل صادرا من نفسه‌

فالإجازة قد تفيد فائدة الرّضا كإجازة المالك في المقام و إجازة المكره و قد تفيد الرّضا و الاستناد معا كما في الفضولي بل من هذا البيان يمكن اعتبار الإجازة في صحّة عقد من باع عن المالك و انكشف كونه وليا أو وكيلا فإنّه و إن كان هو المباشر للعقد إلّا أنّ بيعه لم يقع بعنوان الولاية فلاعتبار نظرة الوليّ تعتبر الإجازة بعد تبيّن الحال‌

و كيف كان فاعتبار الإجازة في المقام إنّما هو لما ذكره المصنف (قدّس سرّه) لا لما يظهر من جامع المقاصد من أنّ البائع لم يقصد البيع النّاقل للملك فعلا بل مع إجازة المالك فإنّ هذا ممنوع أمّا أوّلا فلأنّ البائع لا يقصد إلّا أصل البيع و حصول النّقل حينه أو بعد الإجازة من الأحكام الشّرعيّة لا من منشآت البائع حتّى يختلف تحقّق المنشأ باختلاف أنحاء قصده و أمّا ثانيا فلأنّ هذا ينافي مذهب الكشف فكيف يرضى القائل به أن يقول البائع لا يقصد نقل المال حين العقد ثم إنّ ممّا ذكرنا ظهر مدرك عدم اعتبار الإجازة في الصّحة و مدرك اعتبارها فيها‌

و حاصل الأوّل هو أنّ المالك حيث إنّه المباشر للعقد فلا وجه لاعتبار الإجازة فيما يرجع إلى تصرّف نفسه في ماله و استدلّوا له بوجه أخر و هو أن قصده إلى نقل مال نفسه إن حصل بمجرّد التّبديل بين المالين المعيّنين و إن لم يعلم بأنّه المالك للمبيع فهو أولى من الإذن لغيره في إيقاع المعاملة فضلا عن إجازته في ذلك و إلّا فيفسد من أصله و تقدم الجواب عن الوجه الأوّل‌

و أمّا الثّاني ففيه أنّه لا تنافي بين الصّحة و توقّفه على الإجازة لأنّ في أصل الصّحة يكفي قصد التّبديل بين المالين و قصد مال نفسه أو غيره لا ينفع و لا يقدح و لكنّه من جهة الرّضا المالكي من حيث إنّه ماله يتوقّف على الإجازة‌

و حاصل الثّاني أنّ أدلّة اعتبار الرّضا و طيب النّفس دالّة على اعتبار الرّضا بنقل ماله من حيث إنّه ماله و هو لمّا لم يكن عالما بأنّه ماله فالرضا بهذا النّحو لم يحصل فيتوقّف الصّحة على الإجازة كتوقّف عقد المكره عليها و هنا قول آخر و هو اعتبار الإجازة في اللّزوم دون الصّحة و استدلّوا له بقاعدة نفي الضّرر و حاصل تقريبه أنّ لزوم هذا النّقل على المالك بحيث لا يتوقّف على طيب نفسه بما أنّه ماله ضرر عليه فيكون له الخيار في الردّ و الإجازة و أجاب عنه المصنف بما لا يخلو عن خفاء و إشكال‌

و حاصل ما أورده على هذا القول هو أنّ التمسّك بقاعدة الضّرر لإثبات الخيار و توقّف اللّزوم على الإجازة إنّما هو بعد الفراغ عن صحّة العقد و الكلام الآن في صحّته لأنّ العقد ناقص من حيث الحدوث و لا من حيث البقاء‌

276

و بعبارة أخرى الملاك الموجب لاعتبار الإجازة في عقد الفضولي هو الموجب لاعتبارها في عقد من باع ماله باعتقاد أنه لغيره و هو الأدلّة الدالّة على اعتبار طيب نفس المالك في نفوذ التصرّف في ماله لا الأدلّة الثّانويّة كقاعدة الضّرر الموجبة لثبوت الخيار للمتضرّر كخيار الغبن و العيب نعم يصحّ التمسّك بها في المقام أيضا إلّا أنّ مفادها اعتبار الإجازة في الصّحة لا اللّزوم لأن انتقال ماله بدون اعتبار رضاه بما أنّه ماله ضرر عليه فيرتفع لا أنّ لزومه ضرر عليه بعد الفراغ عن صحّته كما في الضّرر المترتّب على لزوم البيع لأمر راجع إلى أحد العوضين‌

و لكنّك خبير بأنّه لو اكتفى (قدّس سرّه) في الجواب بأنّ المقام ليس من مقام التمسّك بالقاعدة الثّانويّة لأنّ نفس الأدلّة الأوليّة قاضية باعتبار الإجازة في انتقال المال لكان في محلّه و لكنّه حيث جعل الضّابط في التمسّك بقاعدة نفي الضّرر كون الضّرر مترتّبا على لزوم البيع لأمر راجع إلى أحد العوضين لا لأمر راجع إلى نفس العقد أو إلى المتعاقدين فإنّه ليس مقام التمسّك بالقاعدة ثم اعترف بصحّة التمسّك بها لنفس الصّحة فيرد عليه‌

أوّلا أنّه يمكن التمسّك بها لأمر يرجع إلى المتعاقدين كاعتبار علمهما بالعوض و المعوّض فإنّ الجهل بهما يوجب الضّرر و ثانيا أنّ التمسّك بها لنفي الصّحة لا يستقيم رأسا لأنّ الصّحة ليست أمرا مجعولا حتّى ترتفع بها بل هي منتزعة من تحقّق الشّرائط فلو دلّ دليل على اعتبار قيد في ناحية الأسباب و المسببات فنفس هذا الدّليل كاف لإثبات هذا القيد كالدّليل الدالّ على اعتبار رضا المالك بما أنّه ماله و الدليل الدالّ على اعتبار كون المشتري مسلما لو كان المبيع عبدا مسلما أو مصحفا و لو لم يدلّ فلا يمكن إثبات قيد بقاعدة الضّرر و نحوها لأنّها حاكمة على الأحكام الثّابتة و لا يمكن إثبات حكم بها لو لا جعله لزم منه الضّرر‌

و حاصل الكلام أنّه لو استفدنا من قوله ع لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه اعتبار طيب النّفس على التصرّف بعنوان أنّه مال امرئ إمّا للظّهور اللّفظي أو لمناسبة الحكم و الموضوع فيغنينا عن التمسّك بقاعدة نفي الضّرر و إلّا فلا يمكن اعتبار قيد لولاه لزم منه الضّرر‌

قوله (قدّس سرّه) ثم إنّ الحكم بالصّحة في هذه الصورة غير متوقّف على القول بصحّة عقد الفضولي إلى آخره

وجهه أنّه ليس من أفراد الفضولي لأنّه وقع ممّن أمره بيده فلا يشمله الأدلّة الدالّة على فساد الفضولي من الإجماع و الكتاب و السّنة نعم لو قلنا بفساد عقد الفضولي من باب حكم العقل بقبح التصرّف في مال الغير المستتبع لحكم شرعي بحرمة التصرّف المستلزمة للفساد إذا رجعت إلى المسبّب فيتّجه البطلان في المقام و لكنّه لا يخفى أنّ هذا مبنيّ على أن يكون حكم العقل بقبح التصرّف في ما يعلم أنّه مال الغير و ما لا يعلم أنّه مال الغير بمناط واحد نظير حكمه بقبح التّشريع الّذي هو عبارة عن الإسناد إلى الشّارع ما لم يعلم أنّه منه فيتّجه الفساد في المقام‌

و أما لو قلنا بأنّ العقل يحكم في صورة العلم بأنّه مال الغير و في صورة الشكّ و عدم العلم بمناطين أي في المال الّذي هو في الواقع ليس ماله بمناط واقعي و في المال الّذي هو ماله و لا يعلم بأنه ماله بمناط طريقيّ كحكمية في الظّلم فلا يستلزم الفساد في الفضولي الفساد في المقام لأنّه و إن قبح التصرّف إلّا أن حكمه طريقيّ فالحكم الشّرعيّ المستفاد منه من باب الملازمة أيضا طريقيّ فإذا انكشف مخالفة الاعتقاد للواقع فلا يكون إلّا تجرّيا هذا تمام الكلام في الصورة الأولى‌

و أمّا الصّورة الثّانية و هي أن يبيع لنفسه باعتقاد أنّه لغيره فانكشف أنّه له فوجه عدم توقّفها على الإجازة تماميّة أركان العقد حتى بيعه بعنوان أنّه ماله لأنّ البائع بعد فرض نفسه مالكا للمال إمّا للمشارفة و إمّا للاستيلاء عليه‌

277

عدوانا يبيعه بعنوان أنه ماله و اعتقاد أنّه لغيره لا يوجب توقّف عقده على إجازته‌

و لكنّه يمكن أن يقال بالفرق بين الغاصب و غيره فإنّ الغاصب بعد ما جعل نفسه مالكا و استولى على المال يبيعه بعنوان أنّه ماله و أمّا الّذي يريد أن يشتري من مالكه و يسلّمه إلى المشتري فهو و إن باعه لنفسه إلّا أنّه لا بعنوان أنّه ماله فعلا فيتوقّف على الرّضا بعد انكشاف الحال كتوقف عقد المكره عليه فإنّ الرضاء بأصل التّبديل غير الرّضا بأنّه ماله فعلا فصحّته تتوقّف على الإجازة فتدبّر‌

[القول في المجاز]

[الأوّل يشترط فيه كونه جامعا لجميع الشّروط المعتبرة في تأثيره عدا رضا المالك]

قوله (قدّس سرّه) و أمّا القول في المجاز فاستقصاؤه يكون ببيان أمور الأوّل يشترط فيه كونه جامعا لجميع الشّروط المعتبرة في تأثيره عدا رضا المالك إلى آخره

لا إشكال في أنه يعتبر في عقد الفضولي جميع ما يعتبر في سائر العقود حتى الشّروط المعتبرة في تأثير العقد مثل القدرة على التّسليم فلا خصوصيّة فيه من بين العقود إلّا أنّه يتطرّق فيه احتمالات بل أقوال لا تجري في غيره و هي اعتبارها حين العقد أو حين الإجازة أو من زمان العقد إلى زمان الإجازة و لا يبعد أن يكون أقوى الاحتمالات هو الأوّل من غير فرق بين الكشف و النّقل‌

نعم من مناسبة الحكم و الموضوع يستفاد اعتبار بعض الشّرائط حين تسليم المبيع إلى المشتري كالقدرة على التّسليم و كون مشتري المصحف و العبد المسلم مسلما فلا تعتبر حال العقد و لا حال الإجازة إلّا أن يكون زمان الإجازة زمان لزوم التّسليم‌

أمّا عدم اعتبار وجود هذه الشّرائط حين العقد فلأنّ مناط اعتبارها لا يقتضي إلّا أن يكون حال لزوم التّسليم هذا الشرط موجودا فلو باع الفضولي سلما فوجود القدرة حال العقد أو حال الإجازة لا أثر له و هكذا كون المشتري حال العقد كافرا لا يضرّ بشرائه المصحف أو المسلم إذا كان مسلما حال وصولهما تحت استيلائه لأنّ اعتبار هذا الشّرط إنّما هو لعدم استيلاء الكافر على المصحف و العبد المسلم‌

و أمّا اعتبار وجود سائر الشّرائط حال العقد فلأنّ المفروض أنّ الإجازة ليست عقدا مستأنفا بل هي إنفاذ للعقد السّابق و إمضاء له فيعتبر فيه ما يعتبر في سائر العقود أمّا شرائط نفس العقد فواضح و أمّا شرائط المتعاقدين من البلوغ و العقل و نحو ذلك و شرائط العوضين من كونه معلوما و مملوكا شرعا و نحو ذلك فلأنّ التبديل و العقد بين الشّيئين إنّما يصدر من الفضولي و طرفه كصدوره من الوكيل المفوض و طرفه فكما يشترط أن يكون طرف الفضولي جامعا للشرائط فكذلك الفضولي‌

و لا يمكن قياس عقد الفضولي على عقد الوكيل في إجراء الصّيغة من عدم اعتبار علمه بالعوض و أوصافه لأنّ القياس مع الفارق فإنّ الوكيل في إجراء الصّيغة ليس إلّا آلة و هو بمنزلة لسان الموكل و قلم الكاتب و هذا بخلاف الفضولي فإنّه هو الّذي يعقد و يوقع التبديل بين العوضين فعلم المجيز لا أثر له مع جهل الفضولي‌

هذا و لكن التّحقيق هو اعتبارها حين العقد و الإجازة معا لأنّ الإجازة و إن لم تكن عقدا مستأنفا إلّا أنّها دخيل في الاستناد إلى المالك فمع فقد الشّرائط حينها لا يمكن أن يستند العقد إليه نعم لا يعتبر استمرار جميع الشّرائط من زمان العقد إلى زمان الإجازة فإن بقاء المتعاقدين على شروط الصّيغة لا وجه له بلا إشكال‌

إنّما الإشكال في شروط العوضين فإنّه لو كان المبيع حين العقد خلا ثم صار خمرا ثم تبدّل و انقلب إلى الخلّ حين الإجازة فتأثير الإجازة في غاية الإشكال لأنّه يمكن أن يقال إنّ الخلّ بمجرّد انقلابه إلى الخمر يخرج عن قابليّة تعلّق الإجازة بالعقد الواقع عليه‌

و على هذا فالوجوه المحتملة خمسة كفاية وجود الشّرائط حين العقد‌

278

و كفاية وجودها حين الإجازة و اعتبار وجودها حينهما و اعتبار استمرارها من حين العقد إلى حين الإجازة و التّفصيل بين شروط العوضين و شروط المتعاقدين و على أيّ حال كفاية وجودها حين الإجازة لا وجه له فإنّ المبيع لو كان خمرا حين العقد فهذا غير قابل لأن تتعلّق به الإجازة و إن انقلب إلى الخلّ قبلها‌

[الثّاني هل يشترط في المجاز كونه معلوما للمجيز بالتّفصيل]

قوله (قدّس سرّه) الثّاني هل يشترط في المجاز كونه معلوما للمجيز بالتّفصيل إلى آخره

لا يخفى أنّه لا يجري في المقام ما يجري في الوكالة فإنّها تصحّ على نحو الإطلاق و إن لم تصحّ على نحو الإبهام و أمّا الإجازة فلا معنى لتعلّقها بالعقد على نحو الإطلاق لأنّ عقد الفضولي وقع على شي‌ء خاصّ و هو لو كان مجهولا عند المجيز فلا تشمله الأدلّة الدالّة على نفوذ الإجازة بل حكمها حكم تعلّق الوكالة بالأمر المبهم الّتي لا اعتبار بها عند العقلاء مع أنّها تندرج في عموم نهي النّبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) عن الغرر‌

و بالجملة مقتضى ما ذكرنا من أنّ الاستناد يتحقّق بالإجازة عدم صحّة تعلّقها بالأمر المبهم و تعلّقها بالأمر المشكوك بأن يجيزه على تقدير وقوعه فإنّها تقع لغوا و إن انكشف وقوعه لا لما ذكره المصنف (قدّس سرّه) من أنّ بالإجازة يخاطب المالك بالوفاء بالعقد فتشبه العقود فبطلان التّعليق فيها مستلزم لبطلانه فيها فإنّ مجرّد الشّباهة لا يوجب الإلحاق في الحكم بل لما ذكرنا من أنّ بها يتحقّق الاستناد و هي من الإيقاعات و الإيقاع لا يقبل التّعليق ثم إنّ هذا كلّه بناء على بطلان التّعليق مطلقا و أمّا بناء على صحّته إذا كان المعلّق عليه حاصلا كما في المقام و صحّته فيما إذا كان موضوعا كتعليق الطّلاق على الزّوجيّة فلا وجه لاحتمال البطلان و لعلّه لهذا أمر (قدّس سرّه) بالتأمّل‌

[الثالث المجاز إمّا العقد الواقع على نفس مال الغير و إمّا العقد الواقع على عوضه]

قوله (قدّس سرّه) الثالث المجاز أمّا العقد الواقع على نفس مال الغير إلى آخره

لا يخفى أن محلّ البحث إنّما هو في العقود الطّوليّة من حيث الترتّب لا في العقود العرضيّة و لو كانت طوليّة بحسب الزمان و بعبارة أخرى موضوع بحث الفقهاء في العقود المترتّبة على مال المجيز أو على عوضه إنّما هو فيما إذا أوقع المشتري العقد على مال المجيز كما إذا اشترى كتاب زيد من الفضولي ثم باع المشتري الكتاب من عمرو ثم باعه عمرو و هكذا في طرف العوض كما إذا وقع المعاملة على ثمن الكتاب و أمّا إذا وقع عقود متعدّدة من فضول واحد أو متعدّد في زمان واحد أو أزمنة مختلفة على مال المالك فهو خارج عن محلّ الكلام لأنّه ليس للمالك إلّا إجازة واحد منها فلو بيع كتابه بدرهم ثم بيع هذا الكتاب في زمان البيع الأوّل أو بعده بدينار ثم بيع هذا ثالثا بثوب فلا يكون الصّحيح من هذه العقود إلّا ما أجازه المالك و صحّته لا تتوقّف على صحّة غيره و لا تستلزمه فيقع غير ما أجازه باطلا‌

نعم بناء على عدم اعتبار مالكيّة المجيز حين العقد فللمجاز له إجازة عقد آخر من العقود مطلقا سابقا كان أو لاحقا بناء على الكشف و النّقل لأنّ المجاز له بإجازة المالك صار مالكا فله إجازة أي عقد تعلّق بماله سواء وقع من غيره أو منه و يحتمل أن يصحّ له و لو بلا إجازة إذا صدر منه فإن المقام من صغريات من باع شيئا ثم ملك و بناء على اعتبار مالكيّة المجيز حين العقد فعلى الكشف له إجازة ما وقع بعد عقده دون ما وقع قبله و على النّقل ليس له الإجازة مطلقا‌

و بالجملة محل البحث إنّما هو في العقود المترتّبة و ترتّبها إمّا بوقوع العقود من أشخاص متعدّدة على نحو تعاقب الأيدي و إمّا بوقوعها على أثمان متعدّدة و لو من شخص واحد و الترتّب تارة يقع في أحد العوضين و أخرى في العوض و المعوّض و المصنف إنّما عدل عن تعبير الفقهاء من أنّ‌

279

في العقود الواقعة على المثمن يصحّ المجاز و ما بعده و في العقود الواقعة على الثّمن يصحّ و ما قبله إلى ما ذكره لإدخال الترتّب التّركيبي فإنّ تعبيرهم مختصّ بالترتّب البسيط أي الواقع على أحد العوضين‌

و حيث إنّ تصوير الصّور في غاية الصّعوبة و إن كان حكمها في غاية السّهولة فلا بأس بذكر جميع الصّور الّتي فرضها المصنف ثم إنّ قوله (قدّس سرّه) و على كل منهما إمّا أن يكون المجاز أوّل عقد وقع على المال أو عوضه أو آخره أو وسطه ليس لبيان التّقسيم لكلّ من القسمين بل المراد أنّ المجاز إمّا أوّل عقد وقع على المال و إمّا آخره أو وسطه و هكذا المجاز إمّا أوّل عقد وقع على عوضه أو آخره أو وسطه ثم الوسط إمّا أن يكون مثل الأوّل و الآخر في وقوعه على ما وقعا و إمّا أن يكون غيرهما فلو كان مثلهما فهذا ترتّب بسيط و هو ما عنونه الفقهاء كما لو باع الفضولي عبد زيد بدرهم من عمرو فباع عمرو المشتري العبد بدينار من بكر ثم باعه بكر بثوب من خالد و هكذا فكلّ بائع يبيع العبد الّذي اشتراه و أمّا لو كان واقعا على غير ما وقع الأوّل و الآخر فهذا ترتّب تركيبي‌

و كلّ وسط من المال أو العوض يتصوّر على أقسام أربعة فيصير المجموع ثمانية و بانضمام الأربعة الواقعة على المال أو العوض يصير المجموع اثني عشر لأنّ العقد المجاز إمّا أوّل عقد واقع على مال المالك أو آخر عقد أو وسط واقع بين عقدين واقعين على مال المالك أو وسط بين عقدين واقعين على عوض مال المالك أو وسط أوّله وقع على المال و آخره على العوض أو بالعكس‌

و هكذا لو كان المجاز العقد الواقع على العوض فإنّه إمّا أوّل عقد وقع على العوض أو آخر عقد كذلك أو وسط بين عقدين واقعين على العوض أو بين عقدين واقعين على المعوض أو بين عقد وقع على المعوض و عقد وقع على العوض أو بالعكس فهذه اثنا عشر و لكلّ صورة صور كثيرة لإمكان ترامي العقود بالنّسبة إلى كلّ عوض و عوض عوضه و الأمثلة الّتي ذكرها المصنف جامعة لجميع الصّور الاثني عشر فأوّل عقد وقع على مال المالك بيع عبده بفرس و وسطه بيع صاحب الفرس العبد بكتاب و آخره بيع صاحب الكتاب العبد بدينار‌

و أوّل عقد وقع على عوض مال المالك أي الفرس هو بيع الفضولي الفرس بدرهم و وسطه بيع الدّرهم الّذي هو عوض عن الفرس برغيف و آخره بيع الرّغيف بالعسل فإنّ الرّغيف عوض عن الدّرهم و الدّرهم عوض عن الفرس و الفرس عوض عن العبد و قلنا إنّ الترامي في العوض إنّما هو بتبدّل الأثمان و أمّا تبديل الثّمن الواحد و هو الفرس مرارا فهو كبيع مال المالك مرارا ثم إنّ الوسط الّذي ذكرناه في القسمين هو الوسط الواقع بين عقدين واردين على مورده عوضا كان أو معوّضا‌

و هذه الأقسام هي الّتي ذكرها الفقهاء فبقي ست صور للوسط ثلاث منها كون الوسط المجاز هو العقد الواقع على مال المالك و كان قبله و بعده واردين على العوض أو كان قبله مثله دون بعده أو بالعكس و ثلاث منها كون الوسط المجاز هو العقد الواقع على عوض مال المالك و كان قبله و بعده واردين على المعوّض أو كان قبله مثله دون بعده أو بالعكس فالأوّل كبيع العبد بكتاب الواقع بين بيع الفرس بالدّرهم و بيع الدّينار بجارية و الثّاني كما لو بيع أوّلا عبد المالك بفرس ثم باع العبد صاحب الفرس بدينار ثم بيع الفرس بدرهم و الثّالث كما لو بيع بعد بيع العبد بفرس الفرس بالدّرهم ثم العبد ثم بالكتاب ثم العبد بالدّينار فإجازة بيع العبد بالكتاب إجازة متعلّقة بالعقد على مال المالك الّذي هو الوسط‌

280

بين العقد الواقع على العوض و العقد الواقع على المعوض‌

نعم في مثل هذه الصورة لا بدّ من فرض أربعة عقود حتى يكون قبل الثالث العقد واقعا على العوض و الرابع كبيع العبد أوّلا بفرس ثم بيع الفرس بدرهم ثم بيع العبد بكتاب و الخامس كبيع الدّرهم الّذي هو بدل البدل برغيف و الرّغيف بعسل ثم بيع العبد بكتاب و السّادس كبيع العبد بفرس ثم العبد بكتاب ثم الفرس بدرهم ثم الدّرهم برغيف‌

و لا يخفى أنّ بيع الدّرهم بالرّغيف الّذي ذكره المصنف في بدل البدل من جهة هو الوسط الّذي قبله عقد وارد على مورده و هو بيع الفرس بالدّرهم و بعده كذلك أيضا و هو بيع الدّرهم بحمار و من جهة هو الوسط الّذي قبله عقد وارد على غير مورده و بعده كذلك أيضا فإنّ قبله أولا بيع العبد بالفرس ثم بيع الفرس بدرهم فالفرس بدل الدّرهم و العبد بدل الفرس و بعده أولا بيع الدّرهم بحمار ثم بيع الرّغيف بعسل فالرّغيف بدل للدّرهم‌

ثم لا يخفى أنّ في الصّورتين من تعلّق إجازة المالك بماله و في الصّورتين من تعلّق إجازته ببدل المال لا محلّ للترتّب الطّبعي و إنّما هو ترتّب زماني فلا ترتبط بما هو المهم من محلّ البحث من أنّ إجازة البيع الواقع على المال فسخ لما قبله و مستلزم لصحّة ما بعده و إجازة البيع الواقع على البدل متوقف على إجازة ما قبله و غير متعرّض لما بعده و ذلك لأنّ المجاز لو كان العقد المتعلّق بالمال فلو كان قبله و بعده واردين على مورده أو بعده وحده واردا على غير مورده لكان الأمر كما ذكره المصنف من أن إجازة الوسط إسقاط لما قبله و إجازة لما بعده و أمّا لو كان القبل و البعد كلاهما واردين على غير مورده أو خصوص ما قبله كبيع الفرس بالدّرهم الواقع قبل بيع العبد بالكتاب فإجازة العبد بالكتاب لا تستلزم فسخ بيع الفرس بالدّرهم و إن استلزمت فسخ بيع العبد بالفرس لأن صحّة بيع الفرس بالدّرهم تدور مدار إجازة مالكه و فسخه‌

و هكذا لو كان بعد بيع العبد بالكتاب وقع عقد على غير مورد مال المالك كبيع الدينار بالجارية هذا حال تعلّق الإجازة بمال المالك و أمّا لو تعلّق ببدل المال فالعقد المجاز لو كان قبله و بعده واردين على مورد البدل أو كان خصوص قبله كذلك فالأمر كما ذكره المصنف‌

و أمّا لو كان كلّ منهما واردين على غير مورد البدل أي على بدل البدل أو خصوص ما قبله فأين التوقّف لأنّ الترتّب الطبعي لا يتصور بين بدل البدل و نفس البدل إلّا أن يكون البيع واقعا أوّلا على البدل ثم على بدله و أمّا لو كان واقعا أوّلا على بدل البدل ثم على البدل فهذا ليس إلّا ترتّبا زمانيّا كما إذا وقع البيع أوّلا على الدّرهم برغيف ثم بيع الدينار بالجارية‌

نعم لو كان المراد من بدل البدل بدل المورد لا مطلق بدل بدل المالك فلا محالة العقد المجاز لو كان واردا على بدل المال فقبله هو الواقع على بدل مال المالك كما لو أجاز بيع الدّرهم بالرّغيف الّذي قبله بيع العبد بالفرس و الفرس بدل المورد فإنّ الدّرهم بدل الفرس و بيع العبد بالفرس لا محالة يقع قبل بيع الدّرهم بالرّغيف فإن صحّة بيع الدّرهم به مترتّب طبعا على صحّة بيع الفرس بالدّرهم و بالجملة و إن أجاد المصنف في إدخال الترتّب التّركيبي في محلّ البحث إلّا أنّه لا يدخل في الترتّب الطّبعي إلّا بعض صوره فلا بدّ من تقييد قوله بما يقتضيه الترتّب كذلك‌

و توضيح ذلك أنّ كلّ عقد يتوقف صحته على صحّة ما قبله فإجازته إجازة لما قبله فإجازة بيع الرّغيف بالعسل تتوقّف على إجازة بيع الدّرهم بالرّغيف و هو على بيع الفرس بالدّرهم و هو على بيع العبد بالفرس و كل عقد‌

281

يستلزم صحّة المجاز صحّته فهو يصحّ أيضا بصحّة المجاز فإجازة بيع الفرس بالدّرهم يستلزم صحّة كل عقد وقع على العبد من صاحب الفرس الّذي ملكه أي تستلزم صحّة بيع العبد بالدّينار و بيع الدّينار بالجارية و هكذا‌

فعلى هذا ينحصر صحّة العقد بالتوقّف أو الاستلزام بما إذا وقع في سلسلة المجاز كما إذا باع بائع الفرس الدّرهم بالرّغيف فإنّ صحّة بيع الفرس بالدّرهم مستلزم لصحّة بيع الدّرهم بالرّغيف و أمّا لو وقع في غيره هذه السلسلة كما إذا بيع العبد أوّلا بفرس ثم باع فضولي آخر غير مالك الفرس الفرس بدرهم ثم بيع الدّرهم برغيف من غير مالك الدّرهم فلا تقتضي صحّة بيع الفرس بالدّرهم صحّة بيع الدّرهم بالرّغيف بل يحتاج إلى إجازة مالك العبد الّذي صار مالكا للفرس فصار مالكا للدّرهم‌

ثم إنّ توضيح حكم جميع الصّور يتوقّف على تمهيد أمور قد تقدم الإشارة إلى بعضها الأوّل أنّ الترتّب في المال منحصر في صدور العقود من أشخاص متعدّدة و في عوضه في صدوره من شخص واحد على أثمان مختلفة الثاني أن إجازة الوسط لو تعلّقت بالمال تقتضي فسخ ما قبله و تستلزم إجازة ما بعده و لو تعلّقت بالبدل فتتوقّف على إجازة ما قبله و ساكتة عمّا بعده فلو باع الفضولي عبد المالك بفرس ثم المشتري للعبد باعه بكتاب ثم من اشتراه بالكتاب باعه بدينار فإجازة مالك العبد بيع العبد بالكتاب ردّ لبيع العبد بالفرس و مستلزم لصحّة بيعه بالدينار و لو باع الفضولي الفرس الّذي كان بدلا للعبد بدرهم و باع الدّرهم برغيف تتوقّف على إجازة بيع الفرس بالدّرهم و أمّا بالنّسبة إلى الرّغيف بالعسل فلا تستلزم صحّته فلمالك الرّغيف الّذي صار مالكا له بإجازة بيع الدّرهم بالرّغيف إجازة بيعه بالعسل الثّالث أن ما ذكر من حكم الردّ و الاستلزام و التوقّف إنّما هو بالنّسبة إلى سلسلة المعاملات الواقعة على الثمن و المثمن و أمّا المعاملة الواقعة على بدلهما في جميع السّلسلة فليس كذلك‌

و حكم الجميع أنّه لو أجاز المالك بيع العبد بالكتاب فإجازته فسخ بالنّسبة إلى بيع العبد بالفرس و أمّا بالنّسبة إلى بيع الفرس بالدّرهم فهي غير متعرّضة له فلمالك الفرس إجازته و لو أجاز المالك بيع الدّرهم برغيف فإجازته تتوقّف على إجازة بيع الفرس بالدّرهم و هي على إجازة بيع العبد بالفرس و ساكتة عن بيع الرّغيف بالعسل و لكنّها مستلزمة لصحّة بيع الدّرهم بالحمار لأنّ الدّرهم صار ملكا لصاحب الرّغيف فلو باعه بالحمار صحّ هذا البيع و أمّا بيع صاحب الفرس العبد بالكتاب فإجازة بيع الدّرهم بالرّغيف لا تتوقّف على صحّته بل مستلزم لها‌

و حاصل الكلام أنّ توقّف صحّة عقد على صحّة عقد آخر إنّما هو بالنّسبة إلى ما كان الثّاني مترتّبا طبعا عليه لا بالنّسبة إلى غيره فكلام المصنف (قدّس سرّه) لا يتمّ بإطلاقه ثم إن اقتضاء إجازة عقد ردّ عقد آخر أو عدم تعرّضه له غير موجب لبطلان العقد رأسا بل قد يرجع أمر المردود أو المسكوت عنه إلى مالك المال كإجازة بيع الرّغيف بالعسل و قد يرجع أمره إلى الثّالث كبيع الدّرهم بحمار و قد يرجع إلى الطّرف كبيع الفرس بدرهم الرابع أنّ العقود الصّحيحة بالاستلزام إنّما هو على الكشف دون النّقل و أمّا بناء عليه فيبتني على ما تقدم من اعتبار ملكيّة المجيز حال العقد و عدمه ثم إنّ صحّتها بالكشف إنّما هو بعد إجازة من انتقل إليه المال كشفا لما تقدّم من اعتبار كون البيع بعنوان أنّه ماله فلو علم المشتري بكون البائع فضوليا أو غاصبا فلا يبيع ما اشتراه بعنوان أنّه ماله فبعد‌

282

تحقّق الإجازة من المالك يتوقّف صحّة بيع المشتري على الإجازة منه‌

نعم بناء على كفاية بيع المالك الواقعي في الصّحة فبيعه يصحّ بالاستلزام مطلقا‌

قوله (قدّس سرّه) ثم إنّ هاهنا إشكالا في شمول الحكم لجواز تتبّع العقود لصورة علم المشتري بالغصب إلى آخره

لا يخفى أن منشأ الإشكال هو فتوى المشهور بأنّ الثّمن إذا تلف عند البائع الغاصب لا يجوز للمشتري مع علمه بالغصب مطالبة الغاصب بمثله أو قيمته فينبغي البحث أولا عن المنشإ و ثانيا عمّا نشأ عنه‌

أمّا المنشأ فمقتضى تسليط المشتري الغاصب على الثّمن أن لا يكون له المطالبة به و لا يقال إنّه سلّطه عليه بإزاء المثمن لأنّ مع علمه بأنّه ليس له لا يمكن أن يجعله ضامنا بالضّمان المعاوضي بأن يكون الثّمن عوضا عن المثمن و المفروض عدم جريان ضمان اليد فيه أيضا لعلم المشتري بكونه غاصبا و لازمه التّسليط المجاني فيكون من صغريات قاعدة ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده الّتي أسّست لتشخيص موارد تخصيص قاعدة اليد‌

و أمّا ما أنشأ عنه و هو البحث عن تتبّع العقود فتارة يقرّر الإشكال بالنّسبة إلى نفس بيع الغاصب حتى يسري منه إلى العقود المترتّبة و أخرى بالنّسبة إلى العقود المترتّبة و بيانه على الأوّل يظهر من حواشي الشّهيد (قدّس سرّه) و حاصله أن تسليط المشتري الغاصب إنّما هو بنفس المعاملة معه و الاشتراء منه و هذا على وجهين الأوّل أن يكون مرجع الاشتراء من الغاصب إلى هبة و تملّك للمبيع مجّانا فكأنّه صدر منه إيقاعين هبة مجانية بالنّسبة إلى الغاصب و تملّك كذلك بالنّسبة إلى المغصوب منه و الثّاني أن يكون الغرض من اشترائه منه استنقاذ المبيع منه كاشتراء الحرّ المسلم من الكافر و بيع الميّتة من مستحلّيه و نحو ذلك ممّا لا يقصد فيه المعاوضة الحقيقيّة و مقتضى ذلك دخول الثمن في ملك الغاصب مع عدم دخول المبيع في ملك المشتري‌

و بيانه على الثّاني يظهر من فخر المحقّقين و حاصله أنّ التّسليط إنّما هو بدفع الثمن إليه و إقباضه إياه فعلى الأوّل لا يصحّ للمالك إجازة بيع الغاصب أيضا لأنّه لم يجعل بإزاء المبيع ثمن و على الثّاني لا يصحّ إجازة العقود المترتّبة على الثّمن لأنّ الثّمن بتسليم المشتري إلى الغاصب و تصرّف الغاصب فيه يصير ملكا له فعقده عليه يكون عقدا في ملكه فليس للمالك إجازته و هذا بخلاف العقد الأوّل فإنّ للمالك إجازته و أخذ ثمنه من المشتري‌

و لكنّه لا يخفى أنّ تقرير الإشكال على الوجه الأوّل فاسد فإنّ هذا إشكال في أصل بيع الغاصب و بعد ما عرفت صحّته لتحقّق قصد المعاوضة منه فيندفع به إشكال قصد المشتري فإنّه لا يقصد بشرائه التّسليط المجاني بل يقصد التبديل بين المالين حقيقة فإنّه يفرض الغاصب مالكا و يعامل معه معاملة المالك مع المالك فلو قلنا بأنّه ليس للمشتري مطالبة الغاصب بالمثل أو القيمة عند التّلف فلا يقتضي عدم صحّة البيع للمالك إذا أجاز مع بقاء عين ماله عند المشتري و تصرف الغاصب فيها بنقلها إلى المشتري ليس بحكم التّلف حتى لا يقبل لتعلّق الإجازة به‌

و بالجملة توهّم أنّ المشتري لم يقصد المعاوضة بل قصد الهبة أو التملّك أو الاستنقاذ فاسد جدّا فالبيع الأوّل قابل لتعلّق الإجازة به إذا كان الثّمن غير تالف بالتّلف السّماوي سواء أتلفه بالتّلف الخارجي أو الحكمي كما إذا اشترى به الغاصب شيئا أم كان باقيا عنده و سواء قلنا بالكشف أم النّقل لأنّ على جميع هذه التّقادير للمغصوب منه إجازة البيع فيملك الثّمن و يرجع إلى الغاصب بناء على أنّ التّمليك بالتّسليط الخارجيّ مقيّد بصورة الردّ دون الإجازة‌

283

و هذا و إن لم يكن في بادي النّظر خاليا عن الإشكال من حيث إنّ المالك لم يقيّد في مقام التّسليم تمليك الغاصب بصورة الردّ إلّا أنّ مقتضى ما ذكرنا من قابليّة العقد الأوّل للإجازة أن يكون التّسليم مبنيّا على المعاوضة و من جهة فرض الغاصب مالكا فله الرّجوع إلى الغاصب إذا أجاز مع بقاء الثّمن عنده بل مع التّلف الملحق بالبقاء و على أيّ حال فنفس المعاملة معه لا يقتضي عدم قصد المعاوضة‌

و أمّا تقرير الإشكال على الوجه الثّاني ففيه أوّلا أنّ هذا الإشكال مبنيّ على النّقل دون الكشف إلّا أن يقال باطّراده حتّى على الكشف لأنّ التّسليم إلى الغاصب على هذا المبنى و إن كان تسليما من غير المالك فلا يصير الغاصب مالكا إلّا أنّه يشترط في صحّة العقد كشفا بقاء قابليّة العقد للإجازة إلى زمان الإجازة و بعد إتلاف المشتري الثّمن بتسليمه إلى الغاصب و إتلافه الغاصب بنقله إلى الغير لا يبقى محلّ للإجازة فتأمل و ثانيا لا يثمر هذا التّسليط أثرا في المقام لا لما ذكره فخر المحقّقين من أنّ الغاصب يؤخذ بأخسّ الأحوال و المالك بأجودها فإنّ هذا الكبرى على فرض تسليمها لا تنطبق على المقام لأنّ مقتضاها أنّ ما يؤخذ منه يؤخذ بأشقّ الأحوال و أمّا إذا فرض أنّ تسليم المشتري يقتضي تملّك الغاصب الثّمن فتعلّق الحقّ من المالك بالمال ممنوع و حقّ الإجازة ليس من الحقوق بل هو حكم شرعيّ معناه جواز التملّك بها في المحلّ القابل لأنّ التّسليط المالكي لا يقتضي إلّا الإباحة نعم مقتضى الإباحة عدم ضمان المباح له عند التّلف‌

و بالجملة إنّما قلنا بجواز التصرفات المتوقّفة على الملك في المعاطاة بناء على الإباحة لقيام السّيرة و الإجماع عليه و إلّا فمجرّد التّسليط الخارجي من دون هبة و لا تضمين معاوضي لا يقتضي الملك و المفروض عدم كون التسليم هبة و عدم إمكان تضمين الغاصب أيضا حتّى يملك المضمون فإنّ مع تضمين المغصوب منه الذي هو مقتضى قابلية العقد لإجازته لا يعقل أن يكون في عرض هذا الضمان ضمان آخر فلا يمكن أن يكون التّسليم إلى الغاصب موجبا لتمليكه إلّا في صورة الردّ لأنّه ليس بإزائه شي‌ء فمرجعه إلى الهبة‌

فتمليك الغاصب الثمن يتوقّف على أمرين الأوّل أن يكون تسليطا من المالك و الثّاني أن يكون مجّانيا فعلى الكشف كلاهما منتفيان لأنّ المال ليس له حتّى يقتضي تسليطه تمليكا و على النّقل ليس تسليطا مجانيا لأنه دفعه إليه مبنيا على المعاوضة فالتّسليط إنّما هو بإزاء ملك المغصوب منه و لا يمكن قياسه على ما إذا دفع الثّمن إلى الأجنبي للفرق بينهما فإنّ التّسليم إليه ليس مبنيّا على المعاوضة فيقتضي أن يكون هبة و في المقام مبني على المعاملة فيكون الإقباض فيه كالإقباض في العقود الفاسدة و المشتري يسلّط الغاصب على الثمن بإزاء تسليط الغاصب المثمن له لبنائهما على مالكية الغاصب فيوقعان التّبديل بين ملكي المالكين‌

إن قلت فهذا يقتضي أن يكون الغاصب ضامنا في صورة التلف و إن لم يجز المغصوب منه لأن تسليط الغاصب مبني على كونه مالكا ففي الحقيقة قصد المشتري تسليط المالك فلو تلف عند الغاصب ضمنه لعدم تحقّق رافع الضّمان و بعبارة أخرى إن كان التّسليم مبنيّا على المعاوضة و يسلّمه إليه بما أنّه مالك فلم يقصد التّسليط المجاني فلا وجه لرفع الضّمان عنه عند التّلف فضلا عن الإتلاف أو النّقل إلى الغير و إن لم يكن مبنيا عليها لزم جواز تصرف الغاصب وضعا و تكليفا فليس للمالك تتبّع العقود إذا اشترى به شيئا‌

قلت لا إشكال في أنّ التّسليم مبنيّ على المعاوضة فإنّه بعد فرض المشتري الغاصب مالكا يملكه الثمن إلّا أنّ هذه الجهة التّعليلية و هي كون الغاصب مالكا ادّعاء مصحّحة للقصد المعاوضي‌

284

فقط لا للتّسليم الخارجيّ أيضا و ذلك لأنّ الجهات و العناوين يمكن أن تكون موضوعات للأمورات الاعتبارية كالأحكام الشرعية و الإنشاءات المعامليّة فينشأ المشتري مع الغاصب بما أنّه مالك و بهذا اللّحاظ تصحّ إجازة المغصوب منه و تنفذ إلّا أنّ هذه الجهات لا يمكن أن تكون موضوعات للأمور الخارجيّة فإنّها لا تتغيّر بالقصد و الخيال فلو ضرب أحد لكونه عدوّا وقع الضرب عليه و لو كان صديقا فتسليم المشتري الثمن إلى الغاصب لكونه مالكا لا يجعل المسلّم إليه هو المالك الحقيقي بل المسلّط هو شخص الغاصب و كونه مالكا جهة تعليليّة فلا يمكن تضمين الغاصب بهذا الدّفع لأنّ المفروض أنّ الضّمان المعاوضيّ مع المالك و في مال واحد لا يمكن جعل ضمانين فالتّسليم إليه كالتّسليم إلى الأجنبي فإذا تلف المال عنده لا يضمن لأنّ نفس التّسليط الخارجي يرفع ضمان اليد فلا تنافي بين كون طرف المعاوضة هو الغاصب لكونه مالكا و عدم كونه ضامنا في صورة التّلف السّماوي‌

نعم يضمنه في صورة الإتلاف لأن التّسليم غير موجب لجواز التصرّف تكليفا و وضعا إلّا إذا أذن له في الإتلاف كما لا شبهة في جواز الاسترداد منه إذا كان باقيا عنده لأنّ التّسليم لا يزيد من الهبة المجانيّة فتلخّص ممّا ذكرنا صحّة ما أفتى به المشهور من عدم ضمان الغاصب إذا تلف الثمن عنده بتلف سماويّ و جواز إجازة المغصوب منه أصل البيع و فروعه و فساد ما ذهب إليه بعض من عدم جواز استرداد الثمن منه و لو كان باقيا عنده و ظهر أيضا عدم جواز تصرّف الغاصب فيه وضعا و تكليفا و كلّ ذلك ليس إلّا لأنّ الغاصب من حيث جهة المعاملة بمنزلة المالك و من حيث التّسليم إليه بمنزلة الأجنبي واسطة في إيصال الثّمن إلى المالك فلو تلف عنده من غير تفريط لا ضمان عليه‌

تذنيب بعد ما ظهر عدم الفرق في العقود المترتّبة بين أن يكون العقد الأوّل صادرا من الغاصب و أن يكون صادرا من غيره فيجري فيها لو صدر من الغاصب ما يجري فيها إذا صدر من غيره و تقدم أنّ الإجازة المتعلّقة بمال المجيز بناء على الكشف الحقيقيّ مستلزمة لصحّة ما بعده ممّا ورد على مورده و فسخ بالنّسبة إلى ما قبله و الإجازة المتعلّقة بالعوض متوقّفة على صحّة ما قبله و ساكتة عمّا بعده و أمّا بناء على النّقل فيبنى على اعتبار ملك المجيز حين العقد و عدمه و على هذا فيقع البحث في الكشف الحكمي في أنّ التوقّف و الاستلزام هل يجري فيه أيضا أو أنّه في هذا الحكم كالنّقل‌

و الظّاهر أنّه في مسألة الاستلزام كالكشف الحقيقيّ فإنّ العقود المترتّبة على مال المجيز صحّتها بإجازة العقد السّابق عليها إذا كان من هذه السّلسلة من الآثار الممكنة الترتّب على الإجازة لأنّ من أثر إجازة مالك العبد بيع العبد بالفرس هو أن يصحّ بيع مشتري العبد العبد بكتاب و هكذا بيع الثّالث العبد بدينار و أمّا في مسألة التوقّف فيشكل الأمر لأنّ توقّف صحّة العقد المجاز على صحّة العقد السابق عليه ليس من المداليل اللّفظيّة حتّى يطّرد الحكم بناء على الكشف الحكمي بل مرجعه إلى دلالة الاقتضاء‌

و حاصلها أن صحة المعلول يتوقف على صحّة ما هو بمنزلة العلّة و جريان هذه الدّلالة الاقتضائيّة على الكشف الحكمي في غاية الإشكال سيّما بناء على كونه من باب التعبّد فإنّ الحكم بتحقّق علّة الأمر المتأخّر سابقا ليس من الأمور الممكنة الترتّب حتى تترتّب من حين العقد بسبب تحقّق الإجازة بعد ذلك بل يمكن منع ذلك بالنّسبة إلى الكشف الحقيقي أيضا فإنّ الالتزام بهذا المحال إنّما هو فرع قابليّة‌

285

العقد للإجازة و قابليّته لها إذا توقّفت على صحّة البيع السّابق لا يمكن أن يصحّح البيع السّابق بهذا الإجازة‌

و بعبارة أخرى لو دلّ دليل على صحّة تعلّق إجازة المالك بأيّ عقد من العقود لقلنا صحّة إجازة العقد الوسط تقتضي صحّة العقد السّابق عليه بدلالة الاقتضاء و أما لو لم يكن هناك دليل خاص فدلالة الاقتضاء غير جارية‌

[مسألة في أحكام الردّ]

قوله (قدّس سرّه) مسألة في أحكام الردّ إلى آخره

بعد ما تبيّن سابقا تأثير ردّ المالك كإجازته و أنّ من شرائط الإجازة أن لا يسبقها الردّ فالكلام يقع في أحكام الردّ فمنها اعتبار وقوعه إمّا بالقول الصّريح أو الفعل الّذي هو مصداق لهذا العنوان بالحمل الشّائع و لا يتحقّق بمجرّد الكراهة باطنا و نيّة الردّ قلبا لما تقدم من أنّ عناوين العقود و الإيقاعات من الإنشائيّات فلا بدّ من تحقّقها بما هو آلة لإنشائها من القول أو الفعل‌

و على هذا فالبحث يقع في مقامين الأوّل في تحقّقه بالقول و هذا لا إشكال فيه لأنّ الألفاظ الدالّة على هذا المعنى آلة لإنشائه فيقع بقوله رددت و فسخت و نحوهما ثم قد تقدم أنّه لو وقع الردّ بالقول بطل العقد رأسا و ليس قابلا لتعلّق الإجازة به لا من هذا الرّاد و لا من غيره فلو انتقل بعد الردّ إلى الغير فلا يؤثّر إجازة الغير أيضا وارثا كان أو غيره‌

الثّاني في تحقّقه بالفعل و لا إشكال فيه بحسب الكبرى فإنّ الردّ من العناوين القابلة لتحقّقها بالفعل و ليس كالنّكاح الّذي لا يقبل تحقّقه بالفعل فإنّ الفعل فيه من السفاح الّذي هو ضدّ للنّكاح و إنّما الإشكال في الصّغرى فإنّا لا نجد فعلا يكون مصداقا للردّ بالحمل الشّائع الصّناعي و لا يقاس على الخيار في تحقّق طرفيه من الفسخ و الإمضاء بالفعل فإنّ تصرّف ذي الخيار فيما انتقل عنه إنّما يكون فسخا لكونه تشبّثا بالملكيّة السّابقة و هو يحصل بكل تصرّف حتّى بالبيع الفاسد و عرض المبيع للبيع بإنكار البيع و أمّا تصرف المالك في المقام فهو بمقتضى طبعه الأصلي فكاشفيّته النوعيّة عن الردّ في محلّ المنع و لو مع التفاته إلى عقد الفضولي فلو قصد الردّ بفعل لا يكون مصداقا له بالحمل الشّائع دخل في القصد المجرّد الّذي لا أثر له في العقود و الإيقاعات و بالجملة الإشكال في الصغرى في محلّه نعم بعض الأفعال ممّا يوجب فوات محلّ الإجازة‌

و توضيح ذلك أنّ تصرّفات المالك على أقسام ثلاثة الأوّل أن تكون متلفا للموضوع حقيقة أو حكما كأكله و حرقه أو عتقه و وطيه الأمة المزوّجة فضولا و تزويجها من الغير الثّاني إخراجه عن الملك كبيعه و هبته الثّالث استيفاء منفعته إمّا بنفسه أو بإجارته من الغير و يلحق بالإجارة الرّهن على إشكال‌

و في جميع هذه الأقسام لو قلنا بعدم صحّة الإجازة فليست من جهة كونها فسخا فعليا بل لعدم قابليّة العقد للإجازة و لذا نقول لو باعه فللمشتري إجازة العقد بناء على عدم اعتبار مالكيّة المجيز حال العقد فالبطلان بالنّسبة إليه لا يلازم البطلان رأسا و لكن التّحقيق هو الفرق بين هذه الموارد إذ لا يبقى للإجازة محلّ في القسم الأوّل و الثّاني من غير فرق بين الكشف و النّقل‌

و توهّم أنّه بناء على الكشف تكشف الإجازة عن وقوعه في ملك الغير فقد ظهر سابقا فساده لأنّه و إن قلنا بالكشف الحقيقي إلّا أنّه لا بدّ من كشف إجازة المالك عن الملك من حين العقد لا إجازة من هو أجنبي لا علقة له بالمال فلو فرض صحّة التصرّف البيعيّ من المالك قبل الإجازة فهو يصير أجنبيّا فكيف يؤثّر إجازته و تكشف عن تحقّق الملك‌

286

لمن اشترى له الفضولي حال العقد‌

و بعبارة أخرى كاشفيّة الإجازة عن الملك ليست أثرا قهريّا للفظ أجزت حتى تفيد صدورها من كلّ شخص بل إنّما هي حكم شرعيّ مترتّب على إجازة المالك حال الإجازة و على هذا فالتصرّف المتلف للمال حقيقة أو حكما أولى بعدم بقاء محلّ للإجازة من التصرّف النّاقل فإنّ المال التّالف يخرج عن ملكيّة المجيز فلا يبقى محلّ للإجازة نعم ثبت بالدليل أنّ موت أحد الزّوجين غير مانع عن إجازة الآخر مع أنّ موت أحدهما كتلف أحد العوضين‌

و كيف كان ففي القسمين الأوّلين لا تؤثّر الإجازة و لو قلنا بالكشف الحقيقيّ و إنّما الكلام في القسم الثّالث و هو التصرّف الغير المخرج عن الملك إمّا باستيفاء منفعته أو تلفها تحت يده أو إجارته أو تزويج الأمة المبيعة أو جعل حقّ للغير فيه كالرّهن و قبل بيان حكمه ينبغي التّنبيه على أمر و هو أنّ إلحاق مسألة الاستيلاد بهذا القسم لا وجه له لأنّ حكمه حكم القسمين الأوّلين في أنّه مفوّت لمحلّ الإجازة لأنّ المدار في تأثير إجازة المالك صحّة بيعه ابتداء و الاستيلاد مانع من البيع إذا عرفت ذلك فنقول كما يصحّ إجازة المالك إذا فاتت منفعة العين تحت يده و استوفاها بنفسه فكذلك تصحّ إذا تعلّق الإجازة بها فإنّ حكمها حكم استيفاء منفعة العين بنفسه فإنّها من أحد مصاديق استيفاء المنفعة و ذلك لأنّ الإجازة تتعلّق بالعين لا بالمنافع و تملّك المشتري المنافع إنّما هو لتبعيّتها للعين شرعا فبناء على النّقل لا إشكال في أنّ العين تنتقل من حين الإجازة إلى الطّرف فكلّ منفعة تلفت تحت يد المالك أو استوفاها فلا ضمان عليه حتى في مورد الإجازة فإنّ العين تنتقل إلى الطّرف مسلوبة المنفعة في مدّة الإجازة غاية الأمر أنّ له الخيار لو لم يعلم كونها كذلك‌

و على أيّ حال لا موجب لعدم تأثير الإجازة و لا لضمان المالك و أمّا بناء على الكشف الحقيقيّ فحيث إنّ الإجازة تكشف عن وقوع التصرّف في ملك الغير فعليه أجرة المثل و لا إشكال أيضا في صحّة الإجازة و هكذا حكم تزويج الأمة الّتي بيعت فضولا فإنّ تزويجها لا ينافي الإجازة على النقل و الكشف و إن أوجب الخيار للمشتري في بعض الصّور‌

و على أيّ حال هذا التّرديد و الدّوران في المتن غير وجيه لأنّه (قدّس سرّه) في ردّ صاحب المقابس التزم بتأثير الإجازة حين الإمكان فما ذكر أخيرا و هو إيقاع الإجازة على غير ما تقع في سائر المقامات لا سبيل إلى منعه و بالجملة لا ينبغي الإشكال في تأثير الإجازة على النّقل و لا إشكال أيضا على الكشف الحقيقي لأنّ تبعيّة النماء للعين لا تقتضي إلّا ضمان المجيز لو استوفاها فلا ينافي صحّة استيفائه لها مع إجازة العقد الواقع على العين غاية الأمر أنّه يضمنها لأنّ صحّة الاستيفاء إنّما تنافي الإجازة لو كان العقد واقعا على النّماء كأن آجر الفضولي العين و آجرها المالك بعد ذلك من الغير و أمّا بيع الفضوليّ و إجارة المالك فلا تنافي بينهما و إنّما يتوهّم الإشكال على الكشف الحكمي‌

و حاصل التوهّم هو أنّ تصرّف المالك بالاستيفاء غير موجب للضّمان و الإجازة تؤثر في الآثار الممكنة و ضمان ما لا موجب لضمانه ليس من الآثار الممكنة فالجمع بين عدم ضمان المنافع و كشف العقد عن تبعيّة النماء للعين تعبّدا من حين العقد ممتنع و لكنّه فاسد لأنّ تصرّفاته بمقتضى إجازته وقعت في حكم التصرّف في مال الغير فيضمنها كضمانه لها بناء على الكشف الحقيقيّ‌

و بالجملة إذا أمكن ملكيّة المجاز له للعين في زمان العقد كما على الكشف الحقيقيّ أمكن ملكيته للمنافع من حين العقد بناء على الكشف‌

287

الحكمي فالجمع بين جواز تصرّفه تكليفا و وضعا و كونه في حكم مال الغير هو ضمانه للمنافع الّتي استوفاها فتدبّر جيّدا نعم‌

يقع الإشكال بناء على الكشف الحقيقيّ و الحكميّ في المنافع الفائتة تحت اليد فإنّ المنافع مطلقا مضمونة بضمان اليد على من انتقل عنه العين قبل القبض و على من انتقل إليه بعده أي لو باع المالك فمنافع المبيع مضمونة عليه قبل تسليمه المبيع إلى المشتري إلّا إذا كان مأذونا من قبل المشتري أو الشّارع فإنّه لا يضمن المنافع الفائتة و بعد القبض يضمنها المشتري أي لو طرأ فسخ أو انفساخ فما استوفاها المشتري أو تلف تحت يده يضمنه للبائع و مقتضى ذلك هو الضمان في المقام فإنّ الإجازة تكشف عن كون المبيع ملكا للمشتري حقيقة أو حكما من حين العقد فمنافعه مضمونة عليه بضمان اليد‌

و كيف كان لا منافاة بين الإجارة و تأثير الإجازة لأنّ حكمها حكم استيفاء نفس البائع المنفعة و الظّاهر أنّ وجه التأمّل في قوله (قدّس سرّه) فتأمّل هو عدم الفرق بقي الكلام في حكم الرّهن و نحن في الدّورة السّابقة قوّينا إلحاقه بالإجارة لأنّه ليس من التصرّفات النّاقلة للعين و لا المتلفة لها فلا يفوت به محلّ الإجازة‌

و لكنّ الأقوى إلحاقه بهما للتنافي بين كون المبيع للمشتري من حين العقد و صحّة رهن المجيز فإنّ رهن مال غير المديون إنّما يصحّ إذا رهنه نفس المالك بالمباشرة أو بالإذن منه و أمّا إذا رهنه غيره فإمّا أن يبطل الرهانة و إمّا الإجازة و المفروض صحّة الرّهن فلا محلّ للإجازة و لا يقال لا مانع من تعلّق إجازة المجيز بما رهنه غاية الأمر أنّه يصير فضوليا و يتوقّف نفوذه على إجازة المجاز له لأنّا نقول لا معنى لكون رهن المجيز فضوليا إلّا إذا كان المال ملكا للمجاز له من غير جهة إجازة المجيز و أمّا لو فرض أنّه بالإجازة ينكشف أنّه مالك فكاشفيّتها تتوقّف على عدم تصرّفه في المال على نحو يخرجه عن الطّلقية‌

و بعبارة أخرى كون المجيز هو الرّاهن ينافي إجازته و لا شبهة أنّه قبل الإجازة كان هو الرّاهن فكيف ينقلب الأمر بالإجازة و يصير المجاز له هو الرّاهن و لو صحّ ذلك لجرى في البيع و نحوه و على هذا فلا يصحّ الإجازة من مالك العبد الجاني في بعض فروضه كما إذا تعلّق دية الجناية بذمّة المولى فإنّه مع ضمانه لا يمكن أن يكون عبده ملكا لغيره و أمّا إذا تعلّق القصاص على رقبة العبد فلا مانع من الإجازة و تمام الكلام في محلّه‌

[بقي الكلام في التصرّفات الغير المنافية لملك المشتري من حين العقد]

قوله (قدّس سرّه) بقي الكلام في التصرّفات الغير المنافية لملك المشتري من حين العقد كتعريض المبيع للبيع إلى آخره

لا يخفى أنّ التّفصيل الّذي أفاده في المقام من كون العرض على البيع ردا لو التفت إلى عقد الفضولي دون ما إذا لم يلتفت به غير وجيه و الفحوى الّذي استدلّ بها غير تامّة فإنّ الدّفع و إن كان أسهل من الرّفع في الجملة و مقتضاه أن يكون ما به يرفع الأمر الثابت يدفع به أثر العقد المتزلزل من حيث الحدوث بطريق أولى فإذا كان العرض على البيع بل إنكار البيع فسخا من ذي الخيار فكونهما ردّا للبيع الفضولي أولى و لكن هذه الأولويّة معارضة بأولويّة أخرى و هي أنّه إذا لم يكن بيع المالك ردّا فعليا فعرضه على البيع أولى بعدم كونه ردّا‌

و بالجملة قد تقدّم منّا أنّ قياس المقام على فسخ ذي الخيار قياس مع الفارق لأنّ إجازة ذي الخيار و فسخه ليس إلّا لإعمال الحقّ من إقرار الالتزام أو رفعه و هما يحصلان بمجرّد التشبّث بالمنتقل إليه أو المنتقل عنه لأنّ العقد لا يقتضي بطبعه التصرّف فإذا تصرّف في المعقود عليه فيقتضي أن يكون تصرّفه عن حق و لازمه الفسخ أو الإمضاء‌

288

و أمّا تصرف المالك في المقام فليس إلّا لاقتضاء طبع الملك ذلك و ليس التصرف و لو مع الالتفات إلى عقد الفضولي ردّا و إلّا لزم عدم إمكان الإجازة غالبا لملازمة غالب ما وقع عليه العقد فضولا مع تصرّف مالكه فينحصر إمكان إجازة عقد الفضولي بما إذا وقعت الإجازة فورا‌

و حاصل الكلام أنّ الفعل في المقام ليس كالقول مسقطا لعقد الفضولي رأسا عن قابليّة تعلّق الإجازة به بل إذا باع المالك فللمشتري إجازة عقد الفضولي فإذا لم يكن البيع فسخا بل كان مفوّتا لمحلّ الإجازة بالنّسبة إلى المالك فعدم كون التعريض على البيع فسخا بطريق أولى و أمّا ما استدلّ به (قدّس سرّه) من الأخبار الدالّة على حصول الردّ بالفعل ففيه نظر أمّا ما ورد في نكاح العبد بغير إذن مولاه كما في موثّقة زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام) سألته عن مملوك تزوّج بغير إذن سيّده فقال ذاك إلى سيّده إن شاء أجازه و إن شاء فرق بينهما و كما في خبره الآخر عنه ع سألته عن رجل تزوّج عبده بغير إذنه فدخل بها ثم اطّلع على ذلك مولاه فقال ع ذلك إلى مولاه إن شاء فرق بينهما و إن شاء أجاز نكاحهما و للمرأة ما أصدقها إلخ فلا يدلّ إلّا على أنّ أمر النّكاح بيد المولى إن شاء أجاز و إن شاء ردّ و أمّا أنّ الردّ بم يتحقّق فلا تعرّض له فيه‌

و أمّا ما ورد فيمن زوجته أمّه كما في خبر محمّد بن مسلم عن الباقر ع أنّه سأله عن رجل زوجته أمّه و هو غائب قال ع النّكاح جائز إن شاء المزوّج قبل و إن شاء ترك فإن ترك المزوّج تزويجه فالمهر لازم لأمّه فهو في غاية الضّعف من الظّهور لأنّه يدل على أنّ الخيار بيد الزّوج إن شاء أجاز و إن شاء لم يجز و على فرض حمل التّرك على الأمر الوجودي فغايته أنّه كخبر تزويج العبد و دلالته على أنّه بالفعل يسقط العقد عن قابلية لحوق الإجازة ممنوعة‌

ثم لا يخفى أنّ إلحاق الردّ في المقام بالفسخ في العقود الجائزة حكما كالهبة و الجائزة حقّا كالبيع الخياري و بالفسخ في الوكالة و الوصاية لا وجه له لعدم الجامع بينها أمّا فسخ العقود الجائزة فلما عرفت أنّ المناط في تحقّق الفسخ فيها هو التشبّث بالملكيّة السّابقة و هو يحصل بالفعل كحصوله بالقول و هذا المناط غير موجود في ردّ عقد الفضولي و أمّا العقود الإذنيّة كالوكالة و العارية و نحوهما فلأنّ المدار فيها على الإذن و هو يرتفع بالكراهة الباطنيّة فضلا عن الفعل المنافي و أمّا الوصاية التّمليكيّة و السّبق و الرّماية بناء على القول بجوازهما فالظّاهر إلحاقها بالعقود الجائزة في حصول الفسخ بها بكلّ فعل مناف و تمام الكلام في هذه الأبواب موكول إلى محلّه‌

و كيف كان الفعل الّذي يتحقّق به الردّ في مقابل الإجازة بحيث يسقط العقد عن القابليّة لا وجود له بين الأفعال‌

[مسألة لو لم يجز المالك فإن كان المبيع في يده فهو و إلّا فله انتزاعه]

[الأولى أنه يرجع عليه بالثمن]

قوله (قدّس سرّه) مسألة لو لم يجز المالك فإن كان المبيع في يده فهو و إلّا فله انتزاعه ممّن وجده في يده مع بقائه إلى آخره

تنقيح هذه المسألة يتوقّف على البحث من جهات ثلاث الأولى في حكم رجوع المالك إلى الغاصب الثّانية في حكم رجوعه إلى المشتري الثّالثة في حكم رجوع المشتري إلى الغاصب‌

أمّا رجوع المالك إلى الغاصب أو المشتري فيقع الكلام تارة في صورة الإجازة و أخرى في صورة الردّ أمّا صورة الإجازة فلو كان الثمن باقيا عند الغاصب أو عند المشتري فله الرّجوع إلى كلّ واحد منهما و لو كان تالفا فتأثير إجازته يتوقّف على عدم انفساخ العقد بتلف الثّمن قبل قبضه كما في صورة إتلاف أحدهما أو الأجنبي و سيجي‌ء حكمه‌

و أمّا صورة الردّ فلو كان المبيع في يده فهو و إلّا فمع بقائه فله انتزاعه ممّن وجده في يده‌

289

أو إلزام غيره ممّن دخل تحت يده برده لأن كل من أخذه فهو مأمور بالردّ إلّا أن يرجع المالك إلى غيره ممّن كان العين في يده و بالجملة المالك مخيّر في الرّجوع إلى كلّ من ترتّب يده على ماله و له إلزامه بردّه و إن كان فيه مئونة على تفصيل تقدم و يرجع بمنافعه من المستوفاة و غيرها و بصفاته الفائتة إلى كلّ من ترتّب يده عليه إلّا إذا دخل العين خالية من الصفات تحت يد أحد مع عدم تجدّدها بعد ذلك عند من تلقّى منه‌

و بعبارة واضحة للمالك أن يرجع إلى الضّامن الأوّل بالصّفات الّتي فاتت عند الثّاني سواء كانت هذه الصّفات موجودة في العين حين كانت العين في يده أم تجدّدت في يد الثّاني ثم زالت نعم من لم تحصل في يده و لا في يد من تأخّر عنه فلا يرجع المالك إليه لأنّه تلقاها من السّابق خالية من الصّفات و لم تتجدّد عنده و لا عند من تأخر عنه أيضا فلا يضمنها‌

ثم إن قرار الضّمان على من تلف الصّفة عنده بمعنى أنّه لو رجع المالك إليه فهو لا يرجع إلى سابقه إلّا إذا كان مغرورا فإنّه يرجع إلى من غرّه و أمّا لو رجع المالك إلى السّابق فهو يرجع إلى اللّاحق الّذي تلفت عنده أو عند من تأخّر عنه و وجه جواز رجوع المالك إلى من تلفت الصّفة عنده هو أن مقتضى تعاقب الأيدي الغاصبة كون كل من وقع المال بيده ضامنا للعين بجميع خصوصيّاتها من ماليّتها و منافعها و صفاتها سواء كانت الصّفة حاصلة بفعله كما لو علم العبد المغصوب صنعة فنسيها أو سمنت الدابّة فهزلت أم كانت حاصلة بفعل اللّٰه سبحانه لأنّ جميع هذه الصّفات موهبة من اللّٰه سبحانه حصلت في ملك المالك فهو يستحقّها لا غير فيضمنها كلّ من وضع يده على هذا المال إلّا من وضع يده عليه بعد تلفها‌

و أمّا وجه جواز رجوعه إلى السّابق مع أنّ الصّفة لم تتلف عنده بل لم تكن موجودة كما في بعض الموارد فلأنّ مقتضى قوله ص على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي أن يكون ضمان العين مع خصوصياتها من منافعها و صفاتها الموجودة و المتجدّدة على الآخذ فالجميع على عهدته ما لم يرد العين غاية الأمر أنّه لو رجع إليه المالك فله الرّجوع إلى من تأخّر عنه لو لم يكن غارا له هذا مع بقاء العين و تلف المنافع و الصّفات و أمّا لو تلفت هي أيضا فحكمها حكم المنافع و الصّفات في استقرار الضّمان على من تلفت عنده‌

ثم إنّه لو قلنا في القيميات بقيمة يوم التّلف فالحكم واضح و أمّا لو قلنا بأعلى القيم فمقتضاه أنّ زيادة القيمة السّوقية كنفس القيمة في عهدة الغاصب و على هذا فلو كانت قيمة العين حين ما وقعت في يد الغاصب الأوّل عشرة و حين ما ترتّبت عليها يد الغاصب الثّاني اثني عشر ثم تنزّلت قيمته فدخلت بعد ذلك تحت يد الثّالث فتلفت عنده أو عند الرابع من دون ترق فللمالك مطالبة الأعلى من الأوّل أو الثّاني دون الثّالث أو الرابع لأنّها دخلت تحت يد الثّالث و من بعده نازلة القيمة فلا وجه لضمانها الأعلى و إنّما يضمنان القيمة الّتي وصلت العين إليها‌

و هذا هو مقصود المصنف (قدّس سرّه) في قوله و لو كان قبل ذلك في ضمان آخر و فرض زيادة القيمة عنده ثم نقصت عند الأخير اختص السّابق بالرّجوع بالزيادة عليه أي نقصت قبل دخوله تحت يد الأخير و بالجملة حكم تفاوت الرّغبات بناء على القول بأعلى القيم في القيميّات حكم الصّفات التّالفة فمن تلفت عنده أو عند من ترتّبت يده عليه فهو ضامن من دون من أخذه في حال النّقصان و لم يترقّ عنده و لا عند من يده مترتّبة عليه و ذلك واضح جدّا‌

و أمّا حكم رجوع المشتري إلى الغاصب بعد فرض رجوع المالك‌

290

إليه فالكلام فيه تارة في الثمن الّذي سلمه إلى الغاصب و أخرى فيما يغرمه للمالك زائدا على الثّمن فهنا مسألتان الأولى في أصل الثّمن و الكلام فيه تارة مع بقائه عند الغاصب أو عند من انتقل إليه و أخرى عند تلفه أمّا مع بقائه فلا ينبغي الإشكال في جواز رجوعه إليه و استرداده منه سواء كان عالما بالغصبيّة أم جاهلا إلّا إذا اعترف بكونه هو المالك و أمّا لو لم يقرّ بكونه مالكا أو أقرّ و لكن إقراره كان مستندا إلى اليد الّتي ثبت عدم كونها حقا فله الرّجوع إليه و على فرض شمول إطلاق قوله المشهور بعدم جواز الرّجوع إليه إذا كان عالما بكونه غاصبا لصورة بقاء الثّمن فقد عرفت ضعفه لأن الدّفع إليه لا يزيد عن الهبة فمع بقاء الثّمن يجوز له الرّجوع إليه و لو مع العلم بكونه غاصبا لا لما استدلّ به المصنف بقوله إذ لم يحصل منه ما يوجب انتقاله عنه شرعا و مجرّد تسليطه عليه لو كان موجبا لانتقاله لزم الانتقال في البيع الفاسد لتسليط كلّ من المتبايعين صاحبه على ماله و لأنّ الحكم بصحّة البيع لو أجاز المالك كما هو المشهور يستلزم تملّك المالك للثمن فإن تملّكه البائع قبله يلزم فوات محلّ الإجازة إذ يمكن الخدشة في كلا الوجهين‌

أمّا في الأوّل فلإمكان الفرق بين البيع الفاسد من غير جهة العوض و الفاسد من جهة العوض كما سيجي‌ء و أمّا في الثّاني فلأنّ القائل بانتقال الثّمن إلى الغاصب بمجرّد التّسليط يمكن التزامه بعدم قابليّة هذا البيع لإجازة المالك كما تقدم الإشكال فيه سابقا أو عدم قابليته لها على النّقل هذا مع أنّه قد تقدّم أنّه يمكن التّفصيل بين الإجازة و الرد فيكون ملكيّة الغاصب مراعى بعدم الإجازة‌

و بالجملة ليس جواز رجوع المشتري إلى الغاصب في صورة بقاء الثّمن للوجهين المذكورين في المتن كما أشار إلى بطلانهما أو بطلان خصوص الأخير بقوله فتأمل بل لما ذكرنا من أنّ التّسليط لا يزيد على الهبة المجانيّة فلا فرق بين صورة العلم و الجهل‌

ثم إنّه لا ينبغي الإشكال في حرمة تصرّف الغاصب في الثّمن وضعا و تكليفا لأنّ المشتري دفعه إليه مبنيّا على المعاوضة لا مع الغض عنها فلا ينتقل إليه حتى يجوز تصرّفه فيه تكليفا و ينفذ وضعا و هذا هو ظاهر المتن في صدر المسألة فإنّه قال و هل يجوز للبائع التصرّف فيه وجهان بل قولان أقواهما العدم لأنّه أكل المال بالباطل و لكنّه يظهر من موضعين من كلامه جواز التصرّف الأوّل قوله (قدّس سرّه) لأنّ طيب النّفس بالتصرف و الإتلاف من دون ضمان له بماله حاصل و الثّاني قوله و حاصله أن دفع المال إلى الغاصب ليس إلّا كدفعه إلى ثالث يعلم عدم كونه مالكا للمبيع فإنّ مقتضى هذين الكلامين جواز التصرّف التّكليفي أو مطلقا فإنّ الإذن في الإتلاف و إن لم يكن مشرعا إلّا أنّه يوجب جواز التصرّف إمّا تكليفا أو مطلقا بناء على أنّ التصرّفات المتوقّفة على الملك نافذة من المباح له و لو في غير المعاطاة‌

و كيف كان فالأقوى جواز استرداد الثمن منه إذا كان باقيا و أمّا في صورة التّلف فالأقوى هو التّفصيل بين العلم و الجهل فلو كان عالما فقد ظهر في مبحث ترتّب العقود أنّه ليس له الرّجوع إليه بالمثل أو القيمة و أمّا لو كان جاهلا فله الرّجوع كما هو المشهور‌

و قد يتوهّم أن حكمه حكم صورة العلم و حاصل التوهّم أنّ التّسليم الخارجي كما لا يوجب الضمان على الغاصب في صورة العلم إذ لا يصحّ جعل ضمانين لمال واحد عرضا فكذلك في صورة الجهل لأنّ المفروض أنّ التّضمين وقع على ملك غير الغاصب حقيقة لأنّ المعاملة و إن كانت واقعة بين الغاصب و المشتري إلّا أنّ الغاصب جعل طرفا بعد البناء على كونه مالكا‌

291

و لذا صح تعلق إجازة المالك بهذا العقد فمع ضمان المالك لا يمكن أن يكون الغاصب ضامنا‌

و بعبارة أخرى يجب القول إمّا بعدم قابليّة هذا البيع لإجازة المالك و عدم صحّتها كما في سائر البيوع الفاسدة و إما بعدم ضمان الغاصب و لكن التوهّم فاسد كما قدّمنا وجهه و تنقيحه توضيحا لما سبق و تتميما للجواب موقوف على بيان أمور الأوّل أنّ المناط في الضّمان المعاوضي عدم إقدام المتعاملين على المجانيّة و قد أوضحنا في قاعدة ما يضمن أنّ المقصود من القاعدة أصلا و عكسا إنّما هو تمييز مورد الإقدام على المجانيّة عن عدمه لأنّ اليد تقتضي الضّمان فيبحث عن وجود المانع و عدمه لا في المقتضي و عدمه الثّاني أنّه لا فرق بين العلم و الجهل في العقد الفاسد من غير ناحية العوض فكما أنّ في البيع الفاسد من جهة شروط الصّيغة مثلا مع الجهل بالفساد لم يتحقق رافع الضّمان فكذلك مع العلم لأنّ علمهما بالفساد لا يقتضي المجانية بل لا شبهة أنّ كلّ واحد منهما يضمن صاحبه غاية الأمر أنّ الشّارع لم يمض تضمينهما و لذا لا يصير ما جعلاه مضمونا بدلا عند التّلف بل البدل هو المثل أو القيمة‌

و بالجملة حكم الشارع بالفساد لا يلازم عدم البناء على الضّمان لأنّ التّضمين العرفي يجتمع مع العلم بأن المبيع لا ينتقل إلى المشتري شرعا الثّالث أنّ التّسليم في العقود الفاسدة طرّا ليس كالتّسليم إلى الأجنبي المحض كالتّسليم إلى غير الوكيل بل هو مبني على المعاوضة فيسلّم المشتري الثّمن إلى الغاصب ليتصرف فيه كما كان يتصرّف في المثمن و يجعله بدلا له الرابع أنّ حكم التّسليم إلى غير المالك مع الجهل حكم التّسليم إلى الطّرف في سائر المعاوضات الفاسدة بخلافه مع العلم و ذلك لأنّ مع الجهل لم يتحقّق رافع الضّمان لأنّه سلّم إليه معتقدا بأنّه مالك و متخيّلا أنّ البدل ينتقل إليه عوضا عمّا سلّمه إليه فجعل التّضمين عليه من ماله لاعتقاده كونه ملكا له و حيث إنّ مالكيّته ليست ركنا في عقود المعاوضة بل التبديل واقع بين المالين و إنّما يبني كونه مالكا لصحّة توجيه الخطاب معه فيلغى اعتقاد كونه مالكا و ينتسب العقد إلى المالك الحقيقي لو أجاز فينتقل الضّمان إلى ذمّته و أمّا لو ردّ و أخذ المبيع من المشتري فيبقى الضّمان في عهدة نفس الغاصب لأنّ لازم جعل الضمان على عهدته تحقّقه طولا و قهرا عليه لأنّ يده ليست يدا أمانية فلم يتحقّق رافع الضّمان و في صورة العلم أيضا و إن كان التّسليم وقع مبنيّا على المعاوضة إلّا أنّه حيث يعلم بأنّه ليس مالكا و يسلّمه إليه فهو مقدم على المجانيّة لما عرفت أن التّسليم الخارجي لا يمكن تقييده بالتّسليم إلى المالك الحقيقي لأنّ البناء و العدوان مصحّح للمعاوضة لا للفعل الخارجي و لم يجعل ضمانا تقديريّا على الغاصب في صورة الردّ فلا يندرج تحت عموم على اليد بعد خروج اليد الغير العادية منه و هذه لو لم تكن أولى في عدم الضمان من الوديعة و العارية و التّسليط على العين المستأجرة فلا أقل من كونها مثلها بل لا يمكن إنكار أولويّتها منها لأنّ المالك سلّطه على التصرّف في العين و إتلافها مجّانا بلا جعل‌

عوض إذا عرفت ذلك ظهر وجه صحّة تمسّك المصنف (قدّس سرّه) بفحوى الأمانات لأن غرضه بيان رافع الضّمان و هو الإقدام المجاني و ظهر الفرق بين العلم و الجهل في المقام دون سائر العقود الفاسدة و سيجي‌ء توضيحه أيضا و ظهر أيضا أنّ عدم الضّمان عند التّلف لا يلازم جواز التصرّف تكليفا و وضعا‌

قوله (قدّس سرّه) نعم لو كان فساد العقد لعدم قبول العوض للملك كالخمر و الخنزير و الحر قوي اطراد ما ذكرنا فيه من عدم ضمان عوضها المملوك مع علم المالك

292

بالحال إلى آخره

لا يخفى أنّ فساد العقد تارة من غير ناحية العوض و أخرى منها و ظهر أنّ قاعدة ما يضمن أصلا و عكسا أسّست لبيان حكم القسم الأوّل و عرفت أنّ الفساد إذا كان لاختلال شرائط هذا القسم كانتفاء شروط الصّيغة أو المتبايعين أو لزوم الرّبا أو الجهل بأحد العوضين و نحو ذلك فلا فرق بين صورة العلم و الجهل في الضّمان كما تقدم أنّه أحد الأمور المترتّبة على المقبوض بالعقد الفاسد و السرّ فيه ما تقدم أنّ كلّا منهما في العقود المعاوضيّة ضمن الآخر بماله و لو مع العلم بالفساد فلا رافع للضّمان و أمّا الفساد من جهة العوض فله مراتب‌

منها ما كان أحد العوضين مال الغير كالمعاوضة مع الغاصب و قد ظهر حكمه و منها البيع بلا ثمن و الإجازة بلا أجرة و منها جعل العوض ما ليس مالا عرفا و شرعا كالحشرات و منها جعله ما ليس مالا شرعا كالخمر و الخنزير أمّا البيع بلا ثمن و الإجازة بلا أجرة فقد تقدم حكمه في التّنبيه الثّاني من تنبيهات قاعدة ما يضمن و قوّينا أخيرا عدم الضّمان‌

نعم لا يبعد القول بالتّفصيل بين ما لو قال بعتك بلا ثمن و ما لو قال بعتك بثمن كذا و أسقطت الثمن بأن يحكم بالضّمان على الأوّل و بعدمه في الثاني و ما يقال في توجيه ما اختاره الشّهيد من عدم الضّمان في الأوّل أيضا من باب أنّ ذيل الكلام يصير قرينة على الصّدر فيدلّ المجموع على أنّ التّسليم مجانيّ ففيه ما لا يخفى فإنّ باب القرينة غير باب ما ينافي مقتضى العقد و إلّا يرجع كلّ شرط مناف لمقتضى العقد إلى القرينة‌

و حاصل الفرق بينهما أنّ القرينة هي الّتي تنافي الظّهور البدوي لذي القرينة فهي تصرف لفظي في ذيها و هذا بخلاف تناقض الذّيل مع الصدر فإنّ المناقضة بينهما في المعنى لا اللّفظ فلا وجه لجعل الذيل قرينة على الصّدر بل لا بدّ إمّا من الأخذ بما هو مقتضى قاعدة ما يضمن فيحكم بالضّمان و إمّا من القول بأنّ البائع لمّا ناقض صدر كلامه الدال على التّضمين بذيله الرّافع للضّمان فيتساقطان فالتّسليم بعد هذا يكون مجانيا و هذا لا ربط له بمسألة القرينة و جعل مجموع الكلام إنشاء للهبة المجانيّة‌

و أمّا جعل العوض ما ليس مالا عرفا و شرعا فقد تقدم في التّنبيه الأوّل من هذه القاعدة أيضا أنّ الأقوى فيها الضّمان على ما بيّناه من معنى القاعدة و هو أن كلّ عقد لو فرض صحيحا كان موجبا للضّمان ففاسده أيضا كذلك و فرض صحّة هذا العقد معناه فرض ما ليس مالا مالا فإذا فرض كونه مالا فلا محيص عن الضّمان‌

و أمّا مسألة الحرّ و نحوه فثبوت الضّمان فيه أظهر لأنّ عدم كونه مالا شرعا لا يوجب أن يكون العقد واقعا بلا تضمين عرفا و المدار في الضّمان على عدم الإقدام على المجّانية و لكن الإنصاف أنّ الحكم في جميع ذلك مشكل لأنّه لا فرق بين عدم جعل العوض أصلا كالبيع بلا ثمن أو جعله ما ليس مالا إمّا لقصور في المقتضي كالحشرات أو لوجود المانع كالطّير في الهواء و السّمك في الماء و الظّبي في البيداء أو جعله ما ليس مالا شرعا كالخمر و نحوه‌

و على أيّ حال ليس الحكم في تلف الرّشوة كالحكم في تلف المبيع في البيع بلا ثمن لأنّ الرّشوة ليست من قبيل الثّمن و ليس مقصود الراشي شراء الدّين و لا مقصود المرتشي بيعه فلا يلازم عدم الضّمان في مسألة البيع بلا ثمن عدمه في باب الرّشوة بل الأقوى أنّ جهة الضّمان فيها هي جهة الضّمان في باب الرّباء فكما أنّ الشّارع لم يبح للمالك هذا النّحو من السّلطنة و لم يسلّطه على إعطاء الزيادة في المتجانسين فكذلك لم يبح له الرّشوة على الحكم فعلى هذا لو تلف عند المرتشي فحيث إن يده يد عدوان يجب عليه المثل أو القيمة‌

قوله (قدّس سرّه) ثم إنّ مقتضى ما ذكرناه في وجه عدم الرّجوع بالثّمن ثبوت الرّجوع

293

إذا باع البائع الفضولي غير بائع لنفسه بل باع عن المالك و دفع المشتري الثمن إليه لكونه واسطة في إيصاله إلى المالك فتلف في يده إلى آخره

لا يخفى أنّ الفضولي و إن لم يكن وكيلا عن المالك إلّا أنّه لو أقبضه المشتري الثّمن لإيصاله إلى مالك المبيع يكون وكيلا عن المشتري فإذا لم يفرط فيه و لا أتلفه بل تلف بتلف سماوي فلا وجه لضمانه مع كونه أمينا منه و لو لا قوله إذا لم يسلّطه عليه و لا أذن له في التصرّف فيه فضلا عن إتلافه لقلنا إن قوله فتلف فيه من غلط النّاسخ و الصّواب هو أن يكون فأتلفه و بالجملة في مورد التّلف لا وجه للضمان‌

نعم يثبت الضّمان لو أخذ البائع الثّمن من دون إذن المشتري لأن يده على هذا ليست يدا أمانيّة كما أنّه يثبت الضّمان لو اشترط على البائع الغاصب الرّجوع إليه بالثمن لو أخذ العين صاحبها لأنّ التّسليط ليس مجانيا فلو تلف أو أتلفه يضمنه بلا إشكال كما لا فرق في عدم الضّمان لو لم يشترط الرّجوع إليه بين الثمن الشّخصي و الكلّي فيما إذا كان عالما بالغصبيّة كما لا فرق بينهما في الضمان إذا كان جاهلا هذا كلّه في بيان حكم الردّ‌

و أمّا حكم الإجازة فلو لم نقل بانفساخ العقد بالتّلف عند الأجنبي فلو أجاز العقد و الإقباض أيضا و قلنا بتأثير الإجازة في الفعل الخارجي بلحاظ أثره المترتّب عليه و هو رفع الضّمان فإذا تلف عند البائع بتلف سماوي فليس له الرّجوع إلى المشتري لإجازته إقباضه و لا إلى الغاصب لكونه أمينا منه و لو أتلفه فله الرّجوع إليه دون المشتري و أمّا لو لم نقل بتأثير الإجازة في القبض فله الرّجوع إلى كلّ منهما مطلقا كما هو واضح‌

و أمّا لو أجاز العقد و لم يجز القبض فإن كان الثّمن كليّا فليس له الرّجوع إلى البائع لأنّ المدفوع إليه لم يتعيّن كونه ثمنا و أمّا لو كان شخصيا فله الرّجوع إلى كلّ منهما ثم إنّه لو رجع إلى المشتري فللمشتري الرّجوع إلى البائع مطلقا لأنّ قابليّة العقد للإجازة تقتضي كون الثّمن للغاصب على تقدير الردّ لا على جميع التقادير سواء قيل بالكشف أم النّقل أمّا على الكشف فلأنّ المشتري سلّطه على مال المجيز و أمّا على النّقل فلأنّه و إن سلّطه على مال نفسه إلّا أنّه لم يسلّطه عليه مجانا بل بإزاء المعوّض فإذا انتقل إليه بإجازة المالك فلا محالة ينتقل العوض إلى المالك لا إلى الغاصب‌

و بالجملة معنى تأثير الإجازة أنّ الثّمن عند البائع مراعى فلا ينتقل إليه بالتّسليط الخارجي منجّزا و ملكا مطلقا و التّسليط الخارجي كما لا يرفع الضّمان مع الجهل مطلقا كذلك لا يرفعه مع العلم في صورة الإجازة لأنّه لا معنى لأن يكون التّسليط مسقطا للضّمان الّذي لم يتحقّق فإنّ الضّمان الحاصل للبائع إنّما هو بعد ردّ المشتري الثمن إلى المالك و قبله لا يكون البائع ضامنا حتّى يكون التّسليط مبرئا له لأنه ضمان ما لم يجب بل و لو قيل بصحّة إسقاط ضمان ما لم يجب أيضا لا يصحّ رجوع كلّ واحد من الغارمين إلى الآخر في خصوص الغرامة الناشئة عن تعاقب الأيدي إلّا بعد رجوع ذي الحقّ إليه فإن قبله لا غرامة حتّى يكون له الرّجوع ليكون له الإسقاط‌

[المسألة الثانية أنّ المشتري إذا اغترم للمالك غير الثّمن]

قوله (قدّس سرّه) المسألة الثانية أنّ المشتري إذا اغترم للمالك غير الثّمن إلى آخره

لا يخفى أنّ البحث في هذا العنوان إنّما هو في مورد الردّ دون الإجازة كما أن مفروض البحث أيضا فيما لو كان المشتري جاهلا و أمّا لو كان عالما فليس له الرّجوع إلى البائع الغاصب أو الفضولي مطلقا بأيّ غرامة اغترمها و ذلك واضح‌

ثم إنّ الغرامة الّتي قيل بلزومها عليه على أنحاء أربعة الأوّل ما يكون في مقابل العين كزيادة القيمة على الثّمن الّذي اشترى به كما لو اشترى المبيع بعشرة و أخذ منه المالك عشرين إمّا لكونه يسوي عشرين حين البيع أو زادت قيمته بعد ذلك‌

294

و على أيّ حال هذه الغرامة إنّما تتوجّه عليه إذا تلف المبيع و أمّا لو كان باقيا فليس للمالك إلّا أخذ العين منه دون زيادة القيمة السّوقيّة نعم لو سقط عن القيمة بالكليّة فهو مطلب آخر تقدّم حكمه في مسألة الجمد في الصّيف و الماء في المفازة الثّاني قيمة المنافع المستوفاة الثّالث قيمة المنافع الغير المستوفاة و لم يبيّن المصنف (قدّس سرّه) حكم هذا القسم و لعلّه إحالة إلى ما تقدّم منه في المقبوض بالعقد الفاسد أو أدرجه في القسم الآتي الرّابع ما اغترمه من جهة حفر أو غرس أو نفقة أو قيمة ولد أو نقص جزء أو وصف مما لا يرجع نفعه إليه بل و لو رجع إليه كالولد المنعقد حرّا إلّا أنّه لا يعدّه العرف أو الشرع منفعة‌

و كيف كان فلا إشكال في الجملة أنّ للمالك الرّجوع إلى المشتري و إنّما الكلام في رجوع المشتري إلى البائع و قبل ذكر الأقوال ينبغي بيان ما يمكن به الاستدلال لرجوع المشتري إليه بعد استقرار الضّمان عليه بمقتضى تعاقب الأيدي و هو على ثلاثة وجوه الأوّل قاعدة نفي الضّرر الثّاني قاعدة التّسبيب الثّالث قاعدة الغرور الدالّ عليها النبويّ المعمول بين الفريقين و هو قوله ص المغرور يرجع إلى من غرّه‌

و تقريب الأوّل أنّه لو لم يجز رجوع المشتري فيما اغترمه إلى البائع لزم الضّرر عليه و حيث إنّه منفيّ في الشّريعة فيحكم بضمان البائع له و بعضهم استشكل في اطّراد القاعدة فيما إذا اغترم في مقابل المنافع المستوفاة و تقريب الثّاني أنّ البائع هو السبب لفوت المنافع أو الأجزاء أو الأوصاف على المالك لضعف المباشر من جهة جهله كما هو المفروض و تقريب الثالث واضح لأنّ البائع في المقام كمقدّم طعام الغير للأكل و لكنّك خبير بما في الاستدلال بالقاعدتين الأوليين أمّا قاعدة الضّرر فلما بيّنا في محلّه أنّها حاكمة على الأحكام الثّابتة في الشّريعة و لا يمكن إثبات حكم بها لو لا تشريعه لزم منه الضّرر فلو لم ينهض دليل على ضمان البائع ما اغترمه المشتري فكون الغرامة ضررا عليه لا يوجب تعلّق الضّمان على البائع‌

و على هذا فيسقط ما استشكله بعض بأنّ الضّرر لا يطّرد في جميع الغرامات لأنّه ليس المقام مقام التمسّك بقاعدة نفي الضّرر رأسا اطّردت أو لا تطّرد و حاصل الكلام أنّ قاعدة الضّرر لو كانت مثبتة للحكم لما استقام حجر على حجر و لزم تأسيس فقه جديد و لزم تدارك كلّ خسارة من بيت المال أو من الأغنياء و بعض الأعاظم ممّن عاصرناهم و إن أفتى بجواز طلاق زوجة الغائب لرفع ضرر الزّوجة استنادا إليها و لكن لا يمكنه الالتزام بتشريع الأحكام حتّى فيمن تضرّر بالمال و خسر في التّجارة مع أنّ المسألتين من واد واحد و من جوّز من الأصحاب ذلك فإنّما هو للأخبار الواردة في المقام لا لأنّ الصبر ضرر عليها‌

و أمّا قاعدة التّسبيب فالمسلّم منها ما لا يتوسّط بين فعل الفاعل و الأثر المترتّب عليه فعل فاعل مختار أو إذا لم يكن مستندا إليه شرعا لكونه واجبا عليه فالأوّل كمن فتح قفص الطّائر فطار أو فتح فم قربة السّمن فذابته الشّمس فإنّ فعل الطّائر و الشّمس غير اختياري فالضّمان يستند إلى الفاتح و الثّاني كحكم الحاكم بشهادة شهود الزّور فإنّ المال و إن اغترمه المشهود عليه بحكم الحاكم إلّا أنّه حيث يجب عليه الحكم لعدم علمه بكذب الشهود فهو ليس ضامنا و الضّمان على الشّهود و هكذا فعل المكره بإكراه الجائر و نحو ذلك‌

و بالجملة قاعدة التّسبيب و إن كانت من القواعد المسلّمة و لذا حكموا بضمان من حفر بئرا في طريق المسلمين إذا وقع أحد فيه فمات و حكموا بضمان من نصب في قعره السكّين إذا مات بالسكّين‌

295

و حكموا بضمان من دفع الواقع في البئر و لكنّه إنّما تجري فيما لم يكن هنا واسطة اختياريّة بحيث كان عمله الجزء الأخير للعلّة و كان فعل السّبب هو المعدّ و إلّا يحكم بضمان المباشر كمن باشر بالاختيار أكل طعام الغير و لو لتغرير غيره المقدم إليه بل و لو قيل بأن الضّمان على المقدم هناك إلّا أنّه لا يصحّ القول به في المقام لأن مورد ضمان السّبب هو الّذي يرجع إليه ابتداء لا في مثل المقام الّذي لا إشكال في جواز رجوع المالك إلى المشتري ابتداء فلو قيل بضمان البائع فليس مستنده إلّا قاعدة الغرور‌

نعم هنا كلام آخر به يصحّ الجمع بين كلامي المصنف في المقام فإنّه بعد منعه من التمسّك بقاعدة التّسبيب بقوله و أمّا قوّة السّبب على المباشر فليست بنفسها دليلا على رجوع المغرور إلّا إذا كان السّبب بحيث استند التّلف عرفا إليه كما في المكره إلى أن قال و المتّجه في مثل ذلك عدم الرّجوع إلى المباشر أصلا قال فلا بدّ من الرّجوع بالأخرة إلى قاعدة الضّرر أو الإجماع المدّعى في الإيضاح على تقديم السّبب إذا كان أقوى أو بالأخبار الواردة في الموارد المتفرقة فيتوهّم التّنافي بين الصّدر و الذّيل و لكنّه بالتأمل فيما ذكره (قدّس سرّه) يتّضح عدم التّنافي‌

و توضيح ذلك أنّ ما يطلق عليه السّبب على أقسام ثلاثة الأوّل ما إذا كان أثر السبب صرف إحداث الدّاعي للمباشر من دون استناد الفعل إلى السّبب كمن أمر غيره بقتل شخص أو علّمه طريق سرقة الأموال فالضّمان هنا على المباشر دون السّبب الثّاني ما إذا كان الفعل مستندا إلى السّبب دون المباشر إمّا لكون المباشر حيوانا أو صبيّا أو كان مختارا خارجا و لكنّه كان ملزما شرعا كالأمثلة المتقدّمة و ما يحذو حذوها فهنا مورد قاعدة التّسبيب و المتّجه في مثل ذلك عدم الرّجوع إلى المباشر أصلا فإذا أمر الحاكم الشّرعي النّافذ حكمه بقتل أحد فلو كان الحاكم جائرا في حكمه واقعا فالضّمان عليه دون المباشر للقتل لوجوبه عليه فهو في حكم غير المختار و إذا كان مستند حكمه شهادة شهود الزّور فالضّمان على الشهود دون الحاكم و الثالث ما إذا كان الفعل مستندا إلى المباشر و لكن كان الضمان المترتّب عليه مستندا إلى السّبب إمّا لكون أمره أمرا بالضّمان كمن أمر غيره بأن يضمن عن دينه و إمّا لكونه موقعا له في الضّمان كمن قدم إلى غيره طعاما ليأكله مجانا فتبيّن عدم كون الطعام له و المتّجه في ذلك تعلّق الضّمان أولا بالمباشر ثمّ بالسّبب برجوع المباشر إليه و على هذا القسم تنطبق قاعدة الغرور أيضا فارتفع التنافي بين كلامي المصنف‌

نعم يرد عليه المناقشة في المثال فإنّ ضمان ما يؤخذ بشهادة شاهد الزّور ليس من قبيل ضمان الغار فإنّه يجب على الحاكم الحكم على طبق الشّهادة فهو مسلوب الاختيار فيرجع في الضّمان إلى الشهود ابتداء و المثال المطابق للمقام هو ضمان المقدم طعام الغير فإنّ الضّمان على الأكل ابتداء و هو يرجع إلى المقدم و بالجملة إذا كان الفعل مستندا إلى السّبب فهو الضّامن دون غيره و إذا كان الفعل مستندا إلى المباشر و كان غير مقدم على ما يترتّب عليه من الضّمان كمن أكل طعاما بتغرير غيره أنّه له مجانا أو كان إقدامه على الضّمان بإزاء العوض كمن أمره المديون بأداء دينه بإزاء العوض أو ضمن دين غيره كذلك فلا يرجع إلى السّبب إلّا بعد أداء المباشر الغرامة‌

ثم إنّك بعد ما عرفت أنّ النبويّ الدالّ على رجوع المغرور إلى الغار معمول به بين الفريقين كالنّبوي الدالّ على ضمان اليد فضعفه بالإرسال لا يضرّ بالاستدلال لأنّ العمل يجبره مع أنّ الحكم في الجملة يستفاد من الأدلّة الخاصّة أيضا منها رواية جميل المذكورة في المتن و منها‌

296

الأخبار الكثيرة الواردة في النّكاح في باب التدليس و بعضها معلّلة بعلّة مطّردة قال قضى أمير المؤمنين (عليه السّلام) في امرأة زوّجها وليّها و هي برصاء أنّ لها المهر بما استحلّ من فرجها و أنّ المهر على الّذي زوّجها و إنّما صار عليه المهر لأنّه دلّها و في بعضها علّل بالتّغرير كما في قوله ع و على الّذي زوّجه قيمة ثمن الولد يعطيه موالي الوليدة كما غرّ الرّجل و خدعه‌

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى الأقوال في المسألة و قد اختار صاحب الحدائق ره عدم رجوع المشتري إلى البائع في الغرامة الّتي اغترمها للمالك مع عدم رجوع نفع إليه و لازم كلامه عدم رجوعه إليه فيما اغترمه في مقابل المنافع الّتي استوفاها بطريق أولى و مستنده سكوت الأخبار الخاصّة عن الرّجوع إلى البائع كخبر زريق و رواية زرارة مع أنّها في مقام البيان و لا يخفى أنّ إحراز كونها في مقام البيان من جميع الجهات مشكل بل الظّاهر كونها مسوقة لجواز رجوع المالك إلى المشتري لا رجوع المشتري إلى البائع فلا تعارض بين هذين الخبرين و بين رواية جميل مع أنّه لو أحرزنا كون هاتين الرّوايتين في مقام البيان من جميع الجهات فإن رواية جميل تقدّم عليهما لأنّهما غاية الأمر ظاهرتان في عدم الرّجوع إلى البائع و هي نصّ في الرّجوع إليه و اختار صاحب الرّياض عدم رجوعه إليه فيما اغترمه في مقابل المنافع المستوفاة و مستنده عدم ورود ضرر عليه لاستيفائه المنافع‌

و فيه أنّ المستند ليس منحصرا في قاعدة الضّرر بل عرفت عدم كونها مستندا هنا أصلا و إنّما المستند للرّجوع هو رواية جميل و الأخبار الواردة في باب النّكاح و قاعدة الغرور و لو منعنا عن كون حريّة ولد المشتري نفعا عائدا إليه إلّا أنّه لا ريب في أن الزّوج الّذي يرجع بالمهر الّذي يؤخذ منه إلى المدلّس انتفع بالبضع‌

و بالجملة يستفاد من الأخبار الخاصّة أنّ المدار في رجوع المغرور إلى الغار هو مجرّد ضمانه بما يؤخذ منه بسبب إلقائه الغار في الضّمان سواء انتفع أم لم ينتفع و سواء كان الضّمان هو زيادة القيمة على الثّمن أم غيرها ممّا خسره‌

فتحصّل ممّا ذكرنا أمور ينبغي التّنبيه عليها الأوّل أنّ مورد الرّجوع إلى السبب ابتداء غير مورد الرّجوع إليه في المرتبة الثّانية فإن مورد تعلّق الضّمان بالسبب ابتداء لا بالمباشر هو ما إذا لم يكن الفعل مستندا إلى المباشر إمّا لكونه غير ذي شعور كالطّائر و نحوه و إمّا لكون فعله كالعدم كالصبي و المجنون و إمّا لكونه واجبا عليه كالحاكم و من كان مأمورا من قبله و مورد تعلّق الضّمان ابتداء بالمباشر ثم بالسّبب في المرتبة الثّانية هو ما إذا كان الفعل صادرا منه بالاختيار من دون إكراه خارجي و لا لزوم شرعيّ غاية الأمر كان غيره ملقيا إليه في الضّمان إمّا لالتماس الضّمان منه و إمّا لتغريره له بما يوجب الضّمان‌

الثّاني أنّ ضمان السّبب في القسم الثّاني إنّما هو بعد أداء المباشر الغرامة و أمّا قبله فلا يؤخذ بالضّمان فليس للمغرور مطالبة الغرامة من الغار ابتداء كما أنّه ليس للضّامن مطالبة المضمون عن المضمون عنه في الضّمان العقدي و سيجي‌ء في مسألة تعاقب الأيدي أنّ ما يظهر من بعض عبائر القواعد من أنّ للضامن الرّجوع إلى المضمون عنه قبل أدائه المضمون إلى الدّائن لا وجه له‌

و بالجملة لو لم يرجع ذو الحقّ إلى المباشر فليس للمباشر الرّجوع إلى من ألقاه في الضّمان و هكذا ليس للضّامن قبل مطالبة الدّائن و أخذ الدّين منه الرّجوع إلى المديون المضمون عنه ثمّ من هذين الأمرين تبيّن أنّ مسألة حكم الحاكم من القسم الأوّل لا الثّاني و أنّ قاعدة الغرور من أحد مصاديق القسم الثّاني فإنّ السّبب للضّمان‌

297

لا ينحصر في جهل المباشر فإنّ الضّمان بالالتماس و الضّمان في تعاقب الأيدي من موارد القسم الثّاني‌

الثّالث أنّ الضّمان في القسم الثّاني لا ينحصر في موارد الضّرر على المباشر بل يضمن الغار ما اغترمه المغرور سواء انتفع أم لا لأنّ المدار في تحقّق الضّمان لما يضمنه الغير هو التغرير أينما تحقّق سواء استوفى المغرور نفعا كأكله الطّعام و استيفائه منافع ما اشتراه من الغاصب و نحو ذلك أو لم يستوف نفعا أصلا‌

و السرّ فيه عدم إقدام المغرور بضمان ما يستوفيه و إنّما ألقاه الغار في الضّمان فعلى هذا يجب على الغار غرامة ما يغرمه المغرور زائدا على القيمة المسمّاة حال العقد فإنّه و إن أقدم على أن يكون ضمان العين و تلفها منه إلّا أنّه أقدم على مقدار ما سمّاه من القيمة لا زائدا عليها فلو اشترى ما يسوي عشرين بعشرة أو اشترى ما يسوي عشرة بعشرة و لكنّه زادت قيمته و تلف فالزّائد على العشرة ليس ضمانه مسبّبا عن الإقدام بل عن التغرير فقرار ضمان الزائد على الغار مع أن مجرّد الإقدام لا يوجب الضّمان و إن قيل بأنّ المشتري أقدم على أن يكون ضمان العين عليه كما استند إليه الشّيخ في ضمان ما يضمن بصحيحه يضمن بفساده و قد ذكرنا ما فيه هناك‌

و بالجملة جميع ما يغرمه المشتري يرجع به إلى البائع الغار إلّا القيمة الّتي وقع المبيع بإزائها فإنّ خسارتها لم تنشأ عن كذب البائع و تغريره سواء كان في مقابل المنافع المستوفاة أم غيرها ممّا فات تحت يده أو ممّا صرفها بأمر المالك من بناء أو هدم أو غرس أو قلع و سواء كان بإزاء الأجزاء التّالفة أم الأوصاف كذلك و سواء كانت الأوصاف موجودة حال العقد و تلفت أم تجدّدت بعده ثم تلفت و سواء كان في مقابل زيادة القيمة عن الثّمن المسمّى حال العقد أم كان في مقابل القيمة الّتي زادت بعد العقد بل حال زيادة القيمة المتجدّدة و الصّفات الحادثة أولى بوجوب الرّجوع فيها إلى الغار لأنّه يمكن أن يقال إنّ المشتري أقدم على أن يكون التّلف من كيسه إذا كان التّالف موجودا حال العقد‌

و لكنّه لا يمكن دعوى الإقدام في الأمور المتجدّدة بعد العقد مع أنّ الإقدام على كون التّلف من كيسه فيما كان موجودا حال العقد ممنوع أيضا صغرى و كبرى لأنّه لم يقدم إلّا على ما يقابل الثّمن المسمّى مع أنّ الإقدام بنفسه غير موجب للضّمان لا سيّما إذا كان سببه الغير كما في المقام‌

و بالجملة لا ينبغي الإشكال في أنّ المشتري يرجع في الزيادة الّتي حصلت بعد العقد و اغترمها للمالك إلى البائع لأنه لم يكن ملتفتا إلى حصولها حتى يقال بأنه أقدم على أن يكون تلفها منه كما أنّ الرّجوع في زيادة القيمة الواقعية على القيمة المسمّاة أولى من الرّجوع إليه فيما اغترمه بإزاء المنافع المستوفاة لإمكان أن يقال باختصاص قاعدة الغرور بمورد الضّرر فما اغترمه بإزاء المنافع لا يرجع فيه إلى غيره و لكنّه لا يمكن أن يقال بعدم رجوعه إليه فيما اغترمه بإزاء زيادة القيمة فإنّه و إن لم يخسر واقعا لفرض كون قيمة المبيع زائدا على المسمّى فهما مشتركان في عدم الخسارة إلّا أن الالتفات إلى حصول المنافع غالبا موجب للإقدام على أن يكون تلفها منه بخلاف زيادة القيمة على المسمّى فإنّه لا يقدم عليها‌

ثمّ لا يخفى أنّ المصنف (قدّس سرّه) التزم بالفرق بين وصف الصّحة و غيره من الأوصاف فقال في الغرامة الّتي اغترمها بإزاء وصف الصّحة لا يرجع بها إلى البائع لأنّ هذا الوصف بمنزلة الجزء يسقط عليه الثّمن فتلفه على المشتري لأنّه أقدم عليه كإقدامه في الجزء و أمّا غير وصف الصّحة كالكتابة و نحوها فإذا اغترم لتلفه‌

298

يرجع به إلى البائع‌

و لكنّ الحقّ أنّ الأوصاف مطلقا لا يسقط عليها الثمن كالشّروط و لا ينافي ذلك ما يقال إنّ للوصف أو الشّرط قسطا من الثّمن لأنّ معناه أنّ قيمة العين تزداد بالوصف أو الشّرط لا أنّ مقدارا من الثّمن في الإنشاء العقدي يقابل الوصف أو الشّرط و هذا لا ينافي ثبوت الخيار بين الردّ و الأرش في العيب لما سيجي‌ء في باب العيب أنّ الأرش ثابت بالتعبّد لا من باب أنّ الثّمن يقسط على الوصف و الموصوف و إلّا وجب أن يكون الأرش من نفس الثّمن‌

قوله (قدّس سرّه) ثم إنّ ما ذكرنا كلّه من رجوع المشتري على البائع بما يغرمه إنّما هو إذا كان البيع المذكور صحيحا من غير جهة كون البائع غير مالك إلى آخره

اختصاص قاعدة الغرور في المقام بالعقد الّذي هو قابل للصّحة بإجازة المالك واضح فإنّه لو لم يؤثر إجازة المالك بأن كان العقد فاسدا من جهة فقد سائر الشّرائط أو وجود الموانع فالضّمان الحاصل فيه لا يستند إلى التغرير فإنّ الفساد من جهة أخرى هو أسبق العلل فلا كون البائع غير مالك هو منشأ الفساد و لا المجموع بالتشريك لأنّ العقد الفاسد من جهة كون البائع غير مالك بمنزلة وجود المانع و الفاسد من جهة أخرى بمنزلة فقد المقتضي فلا محالة يستند الفساد إلى عدم المقتضي لا إلى وجود المانع لأنّه سواء كان البائع صادقا أم كاذبا كان المشتري ضامنا فلا وجه لرجوعه إلى البائع فيما اغترمه للمالك لو ظهر كذب البائع‌

و بالجملة مع فساد العقد من جهة أخرى فتمام ما يغرمه للمالك بمنزلة ما يغرمه بإزاء الثّمن المسمّى لو كان الفساد من جهة كون البائع غير مالك و قد عرفت أن كلّما يخسره على تقديري صدق البائع و كذبه فليس له الرّجوع إليه على تقدير كذبه‌

قوله (قدّس سرّه) ثم إنّه قد ظهر ممّا ذكرنا أن كلّما يرجع المشتري به على البائع إذا رجع إليه فلا يرجع البائع به على المشتري إذا رجع إليه إلى آخره

لا يخفى عليك أنّه بعد ما ظهر مناط التّسبيب بالضّمان و أنّه فرق بينه و بين التّسبيب بالفعل و أنّ سبب الفعل هو الضّامن لا غير دون الملقى في الضّمان فإنّ المباشر هو الضّامن ابتداء غاية الأمر أنّه يرجع بعد أداء المضمون إلى سبب الضّمان فمقتضاه أمران الأوّل أنّ في سبب الفعل ليس إلّا ضامن واحد و أمّا في سبب الضّمان فهناك ضامنان و الثّاني أنّه ليس للمالك ابتداء الرّجوع إلى السّبب بل هو يرجع إلى المباشر ثم يرجع المباشر إلى السّبب‌

فما أفاده (قدّس سرّه) من أنّه كلما يرجع المشتري به إلى البائع إذا رجع المالك إليه فلا يرجع البائع به إلى المشتري إذا رجع المالك عليه منحصر في بعض أقسام التّسبيب في الضّمان و هو مورد بيع الغاصب مع جهل المشتري دون سائر أقسام الضّمان فإنّه لو ضمن أحد بالتماس المديون دينه فالدائن يرجع إلى الضّامن دون المديون و هكذا في بعض موارد التّغرير و التّدليس كما إذا لم يتصرّف الغار في المال الّذي أتلفه المغرور أو تلف تحت يده فإنّ المالك أو الزّوجة يرجع ابتداء إلى المغرور دون الغار و المدلّس فهذه الكليّة المذكورة في المتن إنّما تجري في موضوع البحث‌

و حاصلها أنّه إذا رجع المالك إلى البائع في الغرامات الّتي لو رجع فيها إلى المشتري كان هو يرجع فيها إلى البائع لقاعدة الغرور فلا يرجع هو إلى المشتري لأنّ المفروض أنّ قرار الضّمان على البائع الغار فلا وجه لرجوعه إلى المشتري فيما أخذه المالك منه و أمّا ما لا يرجع فيه المشتري إلى البائع كمساوي الثّمن المسمّى على المختار أو مقابل المنافع على مختار الرّياض‌

299

فإذا رجع المالك إلى البائع فهو يرجع إلى المشتري لأن قرار الضّمان على المشتري لعدم جريان قاعدة الغرور فيه‌

و من هنا توجّه إشكال أشار إليه المصنف بقوله إن قلت و حاصله أنّ المفروض أنّ المبيع كان تحت استيلاء البائع و منه انتقل إلى المشتري و دخل تحت يده فإذا تلف فكما يكون المشتري ضامنا له و للمالك الرّجوع إليه فكذلك البائع ضامن له أيضا فإذا رجع المالك إليه فلا وجه لرجوعه إلى المشتري مع أنّه في عرض المشتري من جهة الضّمان فإنّ كلّا منهما وضع يده على المال و مقتضى قوله ص على اليد ما أخذت أنّه كالمشتري يجب عليه ردّ العين ما دامت باقية و بدلها لو صارت تالفة نعم لو أتلفها المشتري فقرار الضّمان من جهة قاعدة الإتلاف عليه‌

و أشار إلى جوابه‌

بقوله (قدّس سرّه) و توضيح ذلك يحتاج إلى الكشف عن كيفيّة اشتغال ذمّة كلّ من اليدين ببدل التّالف

لا يخفى أنّ ظاهر تمثيله المقام بباب الضّمان على مذهب الجمهور و نحو ذلك أنّه (قدّس سرّه) بصدد توجيه ثبوت ضمان مال واحد على شخصين أو أزيد عرضا‌

و التّحقيق أنّه لا يمكن ثبوتا كون المال الواحد في عهدة شخصين على نحو الاستقلال في عرض واحد بأن يجب تكليفا على كلّ منهما عينا الخروج عن عهدته و يتعلّق بذمّة كلّ منهما وضعا في عرض واحد فلو حدث سببان للضّمان في زمان واحد فلا بدّ للقائل بصحّته أن يكون الضّمان على كلّ من الضّامنين بنحو الاشتراك أو كون ضمان أحدهما في طول ضمان الآخر فلو ضمن شخصان في آن واحد عن مديون تمام ما في ذمته للدائن و رضي الدّائن بضمانهما دفعة أو رضي هو بضمان أحدهما و رضي وكيله بضمان الآخر في زمان واحد فعلى القول بالصّحة يكون الدّين في ذمّتها بالاشتراك لعدم إمكان تعلّق مال واحد بذمّة شخصين على أن يكون على كلّ منهما أداء تمام المال‌

و تصحيحه بنحو الواجب الكفائي إنّما يتمّ لو قلنا بأن أداء المال إنّما هو على نحو الواجب التّكليفي فيخاطب كلّ منهما بأن يجب عليك الأداء إن لم يؤدّه الآخر و أمّا لو كان الضّمان وضعيّا فلا يمكن تضمين كلّ منهما عرضا و لو بنحو تقييد الإطلاق بأن يقال أنت ضامن لو لم يضمنه الآخر فإنّ هذا لا محصّل له لأنّ نتيجة كون ضمان كلّ منهما في مورد عدم ضمان الآخر عدم ضمان كلّ منهما فعلا و على هذا فكلّما قيل بأنّه من هذا القبيل كدرك المبيع أو الثّمن أو ضمان الأعيان المضمونة أو ضمان الضّامن و المضمون عنه بناء على مذهب الجمهور من عدم انتقال الدّين من ذمّة المضمون عنه إلى ذمّة الضّامن إمّا ممنوع صغرى أي ليس من هذا القبيل أو كبرى أي ليس بصحيح‌

أمّا درك المبيع أو الثّمن فهو عبارة عن ضمان شخص عن البائع للمشتري عهدة الثّمن إذا خرج المبيع مستحقا للغير أو ضمان شخص عن المشتري للبائع عهدة المبيع إذا خرج الثّمن مستحقّا للغير و معنى ضمانه أنّه لو تلف المضمون أو امتنع أخذه من المضمون عنه يكون عوضه على الضامن ففي مورد التّلف أو الامتناع لا تشتغل إلّا ذمّة الضّامن و في مورد البقاء و عدم الامتناع ليس المكلّف بالردّ و الضّامن إلّا المضمون عنه‌

نعم لو قيل بأنّ كلّا منهما في مورد البقاء ضامنان فيصير من قبيل اشتغال ذمّتين عرضا لمال واحد و هذا ممنوع جدّا بل غاية ما يمكن أن يقال أنّه يجب على الضّامن إلزام المضمون عنه بالردّ إلى المالك لا الضّمان الفعلي و بالجملة لو قيل بأنّ المال حين البقاء في عهدة الضّامن أيضا فمرجعه إمّا إلى لزوم إلزامه المضمون عنه و إمّا إلى أنّ ما للمالك في عهدة‌

300

المضمون عنه فهو في عهدة الضّامن أيضا و هذا ليس إلّا ضمانا طوليا كما سيجي‌ء توضيحه‌

و أمّا ضمان الأعيان المضمونة فحكمها حكم درك المبيع أو الثّمن فإنّ من ضمن عن المستعير في العارية المضمونة أو ضمن في مورد الغصب أو المقبوض بالعقد الفاسد فليس ضامنا مطلقا بل عند التّلف و في هذا الحال لا تشتغل إلّا ذمّة الضّامن و أمّا في مورد البقاء فمعنى ضمانها أن عليه إلزام المضمون عنه بالردّ إلى المالك و أمّا الضّمان على مذهب الجمهور في الدّيون فالأقوى فساده لما ذكر في محلّه من أنّه ينتقل الدّين بمجرّد الضّمان إلى ذمّة الضّامن‌

و حاصل الكلام أنّه يمتنع ثبوتا ضمان شخصين لمال واحد في زمان واحد على نحو الاستقلال عرضا و أمّا الضّمان طولا على أزيد من شخص واحد في زمان واحد فيمكن ثبوتا و دلّت عليه الأدلّة إثباتا‌

أمّا ثبوتا فلإمكان أن يكون كل واحد من الضمناء ضامنا لما يضمنه الآخر فتشتغل ذمّة أحدهم بما تشتغل ذمّة الآخر به أي يخرج من كيس أحدهم ما يؤدّيه الآخر و هذا النّحو من الضّمان يمكن أن يكون سببه العقد أو الإتلاف أو اليد فالعقد كالضّمان بالالتماس فإذا التمس المديون من شخص أن يؤدّي دينه و رضي الدائن به فالضّامن يصير ضامنا للدّين و الملتمس يكون ضامنا لما يؤدّيه الضّامن بمقدار ما يؤدّيه و الإتلاف كضمان الغار ما يغترمه المغرور و اليد كتعاقب الأيدي الغاصبة فالغاصب الأوّل ضامن للمالك ما يضمنه الثّاني أي يجب أن يخرج من كيس الثّاني ما يغترمه الأوّل فالغاصب الثّاني ضامن لما يضمنه الأوّل‌

و أمّا إثباتا فأدلّة هذه الأبواب تكفي لإثبات هذا المعنى أمّا مسألة الضّمان بالالتماس و الغرور فقد اتّضحتا في محلّهما و قد أشرنا نحن إلى مدركهما فالعمدة هي مسألة اليد و قبل توضيحها لا بأس بالإشارة إلى جهة اشتراك هذه الأبواب الثلاثة و جهة افتراقها أمّا الأثر المشترك بينها فهو أنّ الضّامن لما يضمنه الآخر ليس ضمانه فعليا بل يكون تقديريا أي ضامن على تقدير أداء الآخر و بمقدار ما يؤدّيه و أشرنا إلى أنّ ما أفاده العلّامة من كونه ضامنا على أيّ حال لا وجه له إلّا بإرجاع كلامه إلى أنّ عليه أن يلزم الآخر بالأداء‌

و كيف كان فالتّحقيق أنّ المديون لا يضمن للملتمس حقيقة إلّا بعد أدائه دينه و كذلك الغاصب الثّاني لا يضمن للغاصب الأوّل إلّا بعد أداء الأوّل نعم هو ضامن فعلا للمالك على ما سيجي‌ء و هكذا الغار ليس ضامنا للمغرور قبل أدائه المال و السرّ في ذلك هو ما أشرنا إليه و هو كونه ضامنا لما يضمنه الآخر و ملتزما بما يؤدّيه فما لم يؤدّ شيئا لا معنى لأن يكون ضامنا و قد تقدّم في أوّل البيع أن كلّما كان من قبيل الضّمان بالالتماس و هو استيفاء الأموال أو الأعمال بالأمر المعاملي الغير المبنيّ على التبرّع لا يضمن الآمر ما يأمر به إلّا بعد استيفائه العمل أي بعد عمل المأمور بأمره‌

و أمّا الأثر المختص ففي مورد الضّمان العقدي لا يتعدّد الضّامن للمالك لأنّ الدّين قبل قبول الملتمس الضّمان على عهدة المديون دون غيره و بعد قبوله فالدّين على عهدته لا غير لخروجه عن ذمّة الملتمس و أمّا الضّمان بالتغرير أو تعاقب الأيدي فكلّ من الغار إذا كان غاصبا و المغرور و كلّ واحد من الغاصب الأوّل و الثّاني ضامن للمالك بنحو الطّوليّة على ما سيجي‌ء‌

نعم بينهما فرق و هو أنّ المالك إذا رجع إلى الغار لا يرجع هو إلى المغرور بخلافه في تعاقب الأيدي فإنّ كلّ سابق يرجع‌