منية الطالب في حاشية المكاسب‌ - ج1

- الميرزا محمد حسين الغروي النائيني المزيد...
415 /
301

إلى اللّاحق بعد رجوع المالك إليه و السرّ فيه هو التغرير في الأوّل دون الثّاني بل قيل بفرق آخر بينهما و هو أن سبب ضمان الغار للمغرور متحقّق و إن كان ضمانه فعلا يتوقّف على رجوع المالك إلى المغرور بخلاف تعاقب الأيدي فإنّ سبب ضمان الثّاني للأوّل أيضا غير موجود بل الموجود هو ضمانه للمالك بمقتضى اليد‌

و لكنّ الحقّ عدم الفرق بينهما من هذه الجهة لأنّ الثّاني أيضا بالنّسبة إلى الأوّل كالغار بالنسبة إلى المغرور فإنّ الثّاني يضمن ما ضمنه الأوّل و الأوّل حيث إنّه ضامن للمالك فعلا و المفروض أن يد الثاني نشأت من يد الأوّل فسبب ضمان الثّاني للأوّل موجود و إن كان ضمانه الفعليّ له يتوقّف على أداء الأوّل بدل مال المالك إذا عرفت ذلك ظهر أنّه يمكن تعدّد الضّمناء لمال واحد إذا كان ضمان أحدهم في طول ضمان الآخر رتبة و إن كان في عرض الآخر زمانا فإنّ في تعاقب الأيدي اجتمع ضمان كلّ واحدة من الأيدي للمالك في زمان واحد و ضمان كل لاحق لسابقه‌

أمّا ضمان اللّاحق للسابق طولا فواضح لأنّ كيس اللّاحق مخرج لما ضمنه السّابق بمعنى أنّه لو أدّى السّابق بدل مال المالك فاللّاحق ضامن له لا مطلقا بل صحّ أن يقال إنّ الضّمان الفعلي على اللّاحق بالنّسبة إلى السّابق متأخر زمانا أيضا‌

و أمّا ضمانه للمالك فإنّه و إن كان بمقتضى اليد كالسّابق ضامن للمالك أيضا لأنّه كما يضمن الغاصب الأوّل مال المالك وضعا و يجب عليه الأداء تكليفا فكذلك الغاصب الثّاني إلّا أنه فرق بينهما و هو أنّه ليس الثّاني ضامنا للمال كضمان الأوّل له بل ضامن لمال هو في ذمّة الأوّل و عهدته و نتيجة هذا النحو من الضّمان هو وحدة ما يؤدّي عن المضمون ذاتا و حقيقة من دون تقييد إطلاق و إمكان هذا النحو من الضّمان لا إشكال فيه ثبوتا إنّما الكلام في نهوض الدليل عليه إثباتا‌

فإنّه قد يقال إنّ عموم على اليد بالنّسبة إلى جميع الأيدي بنسق واحد فكيف لا يضمن الثّاني للمالك على طبق ما ضمنه الأوّل و لكنّك خبير بأنّ دليل على اليد و إن كان عاما و كما يشمل كلّ يد عادية بالنّسبة إلى كلّ مال فكذلك يشمل جميع الأيدي المتعاقبة بالنّسبة إلى مال واحد إلّا أنّه قد يكون بين أفراد العام فرق من غير ناحية شمول العام لهذه الأفراد المختلفة و من غير احتياج إلى مئونة زائدة لشموله لها كما إذا نشأ الاختلاف من ناحية الأفراد فقد يكون مال زيد في عهدة عمرو و مال بكر في عهدة خالد و هكذا و قد يكون مال زيد في عهدة عمرو و أخذه بكر من عمرو و أخذه خالد من بكر و هكذا‌

فإذا كان من قبيل الأوّل فمعنى الضّمان عند العقلاء و العرف هو كون المال مجرّدا عن خصوصيّته الشخصيّة في عهدة الضّامن و بهذا المعنى يصحّ ضمان الأعيان فإنّ الالتزام بأنّ ضمان الأعيان الخارجيّة عبارة عن كونها عند التّلف على ذمّة الضّامن بلا موجب لأنّ الأعيان و إن لم تكن قابلة كالدّيون قابلة لأن تكون بنفسها في الذمّة كما لا يمكن أن تكون في الحسّ المشترك و لا في المتخيّليّة و لا في القوة العقلائيّة إلّا أنّها حال تجرّدها عن خصوصيّتها الشخصية قابلة لأن تكون في الذمّة أي العين بماليّتها الغير المتقدّرة بالقيمة في عهدة الضّامن و هذا اعتبار عقلائي و مال كلّي عرفي لا بأس بالتزامه و لا موجب لأن يقدّر الضّمان عند التّلف‌

و أمّا ما كان من قبيل الثّاني فاعتبار ضمانه عرفا أن يكون بدل المضمون واحدا ذاتا و فردا حقيقة لأنّ‌

302

الأوّل ضامن لما يكون مخرجه في ذمّة الثّاني و الثاني ضامن لما يضمنه الأوّل فالثّاني و إن كان ضامنا للمالك أيضا بإطلاق الدليل أو عمومه كالأوّل إلّا أن كلّ واحد ليس ضامنا مطلقا لأن حقيقة ضمان المال الّذي هو في عهدة الآخر و ذمّته أن لا يكون الضّمان مطلقا‌

و على كلّ تقدير فالضّمانان و إن اجتمعا في الزّمان بمقتضى عموم اليد إلّا أنّهما لم يجتمعا في الرتبة لأنّ الغاصب الأوّل ضامن للمالك ما يجب أن يؤخذ من الثّاني و ما في عهدة الثّاني هو الّذي ثبت في عهدة الأوّل فلم يجتمع الضّمانان عرضا كاجتماعهما على مذهب الجمهور فإنّهم أيضا و إن لم يلتزموا بضمان كلّ منهما مستقلا بحيث يرجع المالك إلى كليهما إلّا أنّهم قائلون بضمان كلّ منهما عرضا‌

و بالجملة لتعدّد الضمناء طولا آثار منها أنّ لازمه وحدة بدل المضمون خارجا بل حقيقته تضادّ الجمع في الوجود فلا يرد على أصحابنا بأنّهم التزموا بما التزم به الجمهور مع أنّهم يشدّدون النّكير عليهم حتى قال بعضهم باستحالته للفرق بين المسلكين في الطّوليّة و العرضيّة‌

و منها أن في باب تعاقب الأيدي إذا لم يكن الثّاني مغرورا من الأوّل إذا رجع المالك إليه لا يرجع هو إلى الأوّل لأن لازم ضمان الأوّل شيئا يجب تداركه على اللّاحق و ضمان اللّاحق شيئا كان في عهدة السّابق هو أن يرجع السّابق إلى اللّاحق دون العكس و هذا عكس قاعدة الغرور‌

و منها أنّه لا بأس بالتزام اجتماع الضّمانات المتعدّدة في زمان واحد كما هو مقتضى على اليد فإنّ في تعاقب الأيدي سواء كان هناك غرور أو لم يكن سبب الضّمان للمالك موجود في كل واحد من الضمناء فإنّ مقتضى وضع اليد من كلّ منهم على مال المالك أن يكون ذمته مشغولة بماله‌

نعم في الضمان العقدي لا يقتضي ثبوتا و إثباتا اجتماع ضمانين في زمان واحد فإنّ المديون الّذي هو ضامن للضامن كان أوّلا هو الضّامن للدّين و لم يكن الضّامن قبل ضمانه ضامنا و بعده برئ ذمته و صار الضّامن ضامنا لأن حقيقة ضمان شخص ما في ذمّة الآخر مع وحدة الدين أن لا يكون للمالك حقّ على المديون و لذا لو اشترط بقاء ذمّته يكون الشرط منافيا لمقتضى العقد و الكتاب و السّنة‌

قوله (قدّس سرّه) هذا حال المالك بالنّسبة إلى ذوي الأيدي و أمّا حال بعضهم بالنّسبة إلى بعض فلا ريب في أنّ اللّاحق إذا رجع إليه لا يرجع إلى السّابق إلى آخره

لا يخفى أنّه ظهر ممّا ذكرنا أمور أربعة الأوّل جواز رجوع المالك إلى كلّ من شاء من الأيدي المتعاقبة و وجهه هو تحقّق سبب الرّجوع في الجميع و هو اليد العادية و أنّ على اليد ما أخذت كما يشمل الأيدي المختلفة على الأموال المختلفة كذلك يشمل الأيدي المختلفة على المال الواحد كما هو شأن كلّ قضيّة حقيقيّة الثّاني أنّه لو رجع إلى أحدهم و أخذ عوض ماله منه ليس له الرّجوع إلى الآخر‌

و وجهه هو وحدة الحقّ و كون ما في ذمّة السّابق هو ما في ذمّة اللّاحق أي مخرج ما في ذمّة الأوّل ذمّة الثاني فليس هناك ذمّتان عرضيّتان الثّالث رجوع السّابق إلى اللّاحق لو لم يكن غارا له و لو لم يتلف المال عنده بل تلف عند غيره‌

و وجهه أن ذمّة اللّاحق مشغولة بما يجب خروجه عن ذمّة السّابق أي ذمّته مخرج لما يضمنه الأوّل فما يؤدّيه الأوّل يؤخذ من الثّاني لاشتغال ذمّته للمالك بماله بدل أي عهدة في ذمّة الأوّل فإذا رجع المالك إليه فهو لا يرجع إلى السّابق لعدم كونه مغرورا منه بالفرض و أمّا لو رجع المالك إلى السّابق فهو يرجع إلى الثّاني لأنه ضمن شيئا له بدل في ذمّة السّابق و البدل يجب أن يخرج‌

303

من الثاني و هذا هو المراد من البدل في كلام المصنف أي ما في ذمّة الأوّل في ذمّة الثاني فيضمن الأوّل ما يضمنه الثاني فقد ضمن اللّاحق شيئا له بدل أي عهدة كما أشار إليه بقوله (قدّس سرّه) فما يدفعه الثّاني فإنّما هو تدارك لما استقرّ تداركه في ذمّة الأوّل و ليس المراد من البدل بدل أصل المال نظير المنافع حتى يقال إنّ الثّاني و إن ضمن ماله بدل إلّا أنّ الأوّل كذلك أيضا لأنّ كلّ ما يضمن للمال في السلسلة الطّوليّة من المنافع و علوّ القيمة و البدل ثابت على السّابق أيضا فيصدق أنّ السّابق أيضا ضامن لما له بدل إلى آخر الإيرادات السّبعة المذكورة في حاشية السيّد الطّباطبائي (قدّس سرّه) و بالجملة غرض المصنف أنّ اللّاحق ضامن للمالك و للسّابق لأنّ ذمته مخرج لما يؤخذ من السّابق فهو يضمن على البدل إمّا نفس العين بما أنّها في ذمّة السّابق و إمّا ما يؤخذ من السّابق فلا يرد عليه أنّ كلّا منهما ضامنان للبدل و ذلك لأنّ الأوّل ليس ضامنا للثّاني فكيف يكون كلّ منهما ضامنين للبدل و بالجملة بعد ما عرفت من أنّ ورود المال من يد السّابق إلى يد اللّاحق يقتضي أن يكون اللّاحق مشغول الذمّة بما يؤخذ من الأوّل فمقتضاه أن يكون اللّاحق ضامنا للسّابق دون العكس و حيث إنّ المحشي (قدّس سرّه) حمل البدل على المثل أو القيمة الّذي يكون كلّ يد مشغولة له مشروطا بالتّلف أورد ثانيا بقوله إنّ ضمان العين الّتي لها بدل أي عوض في ذمّة الآخر لا يقتضي ما ذكره من ضمان واحد من البدل و المبدل كيف و البدل لم يتحقّق فيه سبب الضّمان إذ لم يثبت تحت يد الضّامن و لا أتلفه و لا غير ذلك فلا وجه لكونه مضمونا و دعوى كونه من توابع العين كما ترى إلى آخره و أنت خبير بأنّ غرض المصنف إثبات الضّمان الطّولي و بيان عدم اجتماع الضّمانين عرضا و أنّ يد اللّاحق ليست كيد السّابق ضامنا للمال مجرّدا عن خصوصية كونه في ذمّة غيره و توضيح ذلك مضافا إلى امتناع اجتماع الضّمانين عرضا و لو بنحو تقييد الإطلاق و الواجب الكفائي لما عرفت أنّ التّقييد إنّما يصحّ في التّكليف دون الوضع و مضافا إلى ما قيل و إن كان خلاف المختار أنّه لو لم يكن للمال خصوصيّة عند وضع السّابق يده عليه و حدثت عند اللّاحق فيضمنها اللّاحق دون السّابق و هذا يقتضي الاختلاف في كيفيّة الضّمان أن مقتضى عموم على اليد و انحلاليّته بالنّسبة إلى كلّ يد كما هو شأن كلّ عام أصولي في القضايا الحقيقيّة أن يكون يد السّابق مشغولة بالمال مجرّدا عن خصوصيّة كونه في ذمّة أحد و أمّا يد اللّاحق فلا يمكن أن يكون مشغولة بالمال مجرّدا لأنّ المفروض أنّ المال وصل إلى اللّاحق بعد اشتغال ذمّة السّابق به فشمول على اليد بالنّسبة إلى السّابق كشمول دليل حجيّة الخبر للخبر بلا واسطة بالنّسبة إلينا و شموله بالنّسبة إلى اللّاحق كشمول دليل الحجّية للخبر مع الواسطة فإنّه كما يثبت موضوع بتوسّط شمول فرد من الحكم لفرد من الموضوع و لا مانع من شمول فرد آخر من الحكم الانحلالي لهذا الموضوع المتولّد فكذا يثبت خصوصيّة للمال و اعتبار عقلائي له بتوسط شمول على اليد لليد الأولى فإذا عمّ فرد من الحكم اليد الثّانية مع الخصوصيّة الّتي نشأت من قبل شمول على اليد لليد الأولى فمقتضاه أن لا تكون اليد اللّاحقة ضامنة للمال مجرّدا عن الخصوصيّة كضمان اليد السّابقة بل هي تضمن العين للمالك بخصوصيّة كونها في ذمّة الأولى و هذه الخصوصيّة اعتبار عقلائي لا يمكن أن تجرّد اليد اللّاحقة عنها‌

304

إلّا بدليل خارجيّ و إلّا فمقتضى عموم على اليد ما أخذت و انحلاليّة القضيّة ثبوت هذه الخصوصيّة في ذمّة الثاني و هذا عين الضّمان الطّولي و العجب أنّ المحقّق الخراساني في حاشيته مع تصريحه بهذا المعنى في قوله و أمّا حديث جواز رجوع اليد السّابقة إلى اللّاحقة لو رجع إليها المالك المستلزم لكون قرار ضمان التّالف على من تلف عنده مع المساواة فيما هو سبب الضّمان فهو أيضا من آثار حدوث سبب ضمان ما كان في ضمان الآخر لواحد آخر و أحكامه عند العرف إلى آخر كلامه (قدّس سرّه) التزم بالضّمان العرضي في أوّل هذه الحاشية على نحو الواجب الكفائي‌

و قد عرفت أنّ تساوي اليدين في سبب الضّمان لا وجه له بل الأوّل يضمن المال مجرّدا و الثّاني بما أنه في ذمّة الآخر و هذا عبارة أخرى عن ضمان ما كان في ضمان الآخر و أمّا الأوّل فلا يضمن ما في ضمان الآخر بل يضمن المال مجرّدا‌

و بالجملة تعهّد شخصين لمال واحد عرضا بأن يكون ذمّة كلّ منهما ظرفا لمال واحد من المستحيل فإنه نظير ثبوت شي‌ء واحد في آن واحد في الأمكنة المتعدّدة فما يمكن ثبوتا هو التعهّدات الطوليّة و الذّمم المترتّبة و هذا هو مقصود المصنف فاندفعت الإيرادات السّبعة عنه لأنّ مبناها على كون مقصوده من البدل هو العوض مع أنّ مقصوده أنّ السّابق متعهّد للمال قبل اللّاحق و اللّاحق متعهّد لما في ذمّة الأوّل و عهدته فالمال الواحد في ذمم كثيرة بهذا النحو من الظرفيّة و هذا منشأ رجوع السّابق إلى اللّاحق دون العكس‌

ثمّ ممّا ذكرنا من أنّ ذمّة الثّاني مخرج لما في ذمّة الأوّل ظهر الأمر الرابع و هو أنّ السّابق ليس له الرّجوع إلى اللّاحق ما لم يخرج من وظيفته و قد ذكرنا أنّ هذا هو الأثر المشترك في جميع أبواب تعدّد الضّمناء لمال واحد‌

و كيف كان فما أفاده في الجواهر في وجه رجوع غير من تلف المال في يده إلى من تلف في يده من أنّ خطاب الثّاني بالأداء ذمّي و أمّا خطاب الأوّل تكليفيّ لا نعرف وجهه مع أنّ دليل الضّمان واحد في الجميع‌

هذا مضافا إلى ما أورد عليه المصنف (قدّس سرّه) من أنّه لو كان خطاب الأوّل مجرّد التّكليف لا الوضع لم يكن وجه لإجباره على دفع بدل المال أو دفع الحاكم عنه و تقديمه على الوصايا و نقل المالك البدل بالمصالحة و نحوها من غيره‌

ثم إنه كيف يملك غير من تلف المال في يده بأدائه بدل المال ما في ذمّة من تلف في يده مع أنّه لم يقم دليل على المعاوضة الشّرعيّة القهريّة بل و لو قلنا بما اختاره صاحب المقابس بأنّ من تلف العين في يده يملك العين التّالفة حين التّلف آنا ما بالملك القهريّ إلّا أنّ اطّراده في غير مورد التّلف لا وجه له لأنّه لم يقم دليل على أنّ كلّ غارم يملك العين الّتي غرمها أو بدلها الّذي في ذمّة الآخر فلا معنى للمعاوضة القهريّة‌

و بالجملة قد تقدّم سابقا أنّ باب الغرامات غير باب المعاوضات فالغارم لا يملك بغرامته شيئا و حاصل الكلام أنّ عمدة الإشكال في مسألة تعاقب الأيدي هو رجوع كلّ سابق إلى لاحقه إذا رجع المالك إليه و أمّا سائر الأحكام مثل أنّه لو رجع المالك إلى أحد فليس له الرّجوع إلى غيره ثانيا و عدم ثبوت حق للسّابق على اللّاحق قبل دفع الغرامة و عدم ثبوت حقّ اللّاحق على السّابق إذا رجع المالك إليه فهي من الأمور الواضحة و تقدّم وجه الجميع و وجه رجوع السابق إلى اللّاحق أيضا و هو أنّ اللّاحق يضمن ما في عهدة السّابق و هذا عبارة أخرى عن كون ذمّته مخرجا لذمّة السّابق‌

و الدليل‌

305

على ذلك إطلاق على اليد بالنّسبة إلى اليد اللّاحقة أي يشمل إطلاقه ضمان اللّاحق قبل خروج السّابق عن عهدة مال المالك و بعده و نتيجته أنّه لو رجع المالك إليه فهو يرجع إلى لاحقه دون سابقه لو كان هناك لاحق و لو رجع إلى السّابق فهو يرجع إليه لأنّه كان ضامنا على أيّ حال أمّا كونه ضامنا للمالك فلدخول المال تحت يده و أمّا كونه ضامنا للسّابق فلأنّ شمول على اليد لليد الأولى اقتضى كون خصوصيّة ما في اليد الأولى مضمونا على اليد اللّاحقة فتأمل في أطراف ما ذكرناه فإنّ هذا غاية ما يمكن أن يقال في هذا المقام‌

ثمّ إنّ هنا فروعا ينبغي التّنبيه عليها الأوّل إذا تلف العين فإذا أبرأ المالك جميعهم فلا إشكال في سقوط حقّه إنّما الإشكال فيما لو أبرأ أحدهم فهل يبرئ الجميع أو خصوص ذلك أو التّفصيل بين السّابق عليه فيبرئ ذمّته و اللّاحق فلا وجوه وجه الأوّل هو وحدة الحقّ و إن كان سبب الضّمان متعدّدا و الإبراء يرجع إلى المسبّب فإذا أسقطه سقط عن ذمّة الجميع كما لو أخذ بدله من بعض و وجه الثاني أنّ الإبراء يرجع إلى السّبب فيسقط عن ذمّة خصوص من أبرأ ذمّته دون غيره و لا يخفى ضعف هذا الوجه و وجه الثّالث هو أنّ الحق و إن كان واحدا إلّا أنّ السّبب متعدّد و مقتضى إبرائه أحدهم أن يبرئ هو و من لا يمكن مع فراغ ذمته اشتغال ذمّته و ليس هو إلّا السّابق فإنّ ذمّته كانت مشغولة بما يكون مخرجه من اللّاحق فإذا أبرأ اللّاحق فلا يعقل بقاء الاشتغال للسّابق لأنّ معنى بقائه أن يكون مخرجه من اللّاحق و المفروض فراغ ذمّته بإبراء المالك إلّا أن يلتزم بعدم تأثير إبراء المالك في السّلسلة الطّوليّة بالنّسبة إلى واحد و هذا لا يمكن الالتزام به‌

و أمّا اللّاحق فبراءة ذمّة السّابق لا يستلزم عقلا براءة ذمّته و نحن اخترنا سابقا هذا التفصيل و وجّهناه بأنّ الإبراء ليس بمنزلة استيفاء الحقّ بل هو بمنزلة إعدام موضوع المطالبة من المبرإ عنه فإذا استلزم هذا الإعدام إبراء ذمّة واحد آخر كالسّابق فهو و إلّا لا وجه لسقوط حق المالك عن غير المبرإ عنه فعلى اللّاحق خروجه عن عهدة ما ضمنه للمالك و إن لم يكن ضامنا للسّابق‌

و بالجملة الإبراء ليس كالهبة و المصالحة و لذا وقع الخلاف في مسألة إبراء الزّوجة الزّوج الصّداق في أنّه لو طلّقها بعد ذلك قبل الدّخول فهل له المطالبة منها بنصف المهر أو ليس له و لم يقع الخلاف في جواز المطالبة لو وهبته أو صالحته كذلك و لا وجه لهذا الفرق إلّا من جهة أنّ الصّلح أو الهبة تمليك للزوج ما في ذمّته و إن كان أثره الإبراء لعدم معقوليّة تملّك الإنسان ما في ذمّة نفسه و أمّا الإبراء فهو إعدام الموضوع فحكم المبرإ عنه حكم أحد الشّخصين في الواجب الكفائي إذا تعذّر عليه التّكليف فإن سقوط التّكليف عن أحدهم لا يوجب سقوطه عن الآخر‌

و لكنّ الحقّ أنّ الإبراء أيضا كاستيفاء الحقّ في المقام لأنّ البرهان الجاري في السّابق على المبرإ عنه يجري في اللّاحق أيضا فإنّه كما لا يمكن مع فراغ ذمّة الوسط اشتغال ذمّة السّابق عليه فكذلك لا يمكن مع فراغ ذمّته اشتغال ذمّة اللّاحق لأنّ اللّاحق على ما قدمناه ليس في عرض السّابق عليه ضامنا للمالك بل هو ضامن للمالك ما في ذمّة سابقه أي ذمّته مخرج لذمّة السّابق فيستحيل مع فراغ ذمّة الوسط اشتغال ذمّة اللّاحق‌

و بعبارة أخرى‌

306

إذا فرضنا أنّ اللّاحق يضمن ما يضمنه السّابق لا غيره فكيف يبرئ ذمّة السّابق و لا يبرئ اللّاحق عليه فالحقّ أنّ الإبراء من واحد يوجب فراغ ذمّة الجميع الثّاني لو وهب المالك ما في ذمّة أحدهم أجنبيا أو صالحه بعوض أو مجّانا فحكم هذا الأجنبي حكم المالك في جواز رجوعه إلى أيّ واحد من الأيدي و أمّا لو وهب أو صالح واحدا من السّلسلة فلا إشكال في أنّ المالك يسقط حقّه من الجميع لأنّه مقتضى وحدة الحقّ إنّما الإشكال في أنّ المتّهب أو المتصالح من هذه السّلسلة هل هو كالأجنبي في جواز رجوعه إلى من شاء منهم أو كما يبرأ ذمّته لأنّ هذا أثر الهبة و الصّلح يبرأ ذمّة الجميع أو يبرأ ذمّة السّابق دون اللّاحق وجوه أقواها الأخير‌

أمّا براءة ذمّة الجميع فلا وجه له فإنّ المالك الأصلي و إن سقط حقّه من الجميع لانتقال الملك إلى غيره إلّا أنّه يقوم هذا المالك الفعلي مقام الأصليّ فله المطالبة من اللّاحق فإنّ المصالحة أو الهبة لها أثران إبراء المتّهب أو المتصالح و تملّكه المال فيرتّب عليها آثار الملكيّة فإذا كان اللّاحق ضامنا للسّابق الّذي هو ضامن لسابقه أو للمالك فإذا ملك الضّامن السّابق فله الرّجوع إلى الضّامن اللّاحق الّذي هو ضامن للضّامن‌

و أمّا براءة ذمّة السّابق عليه فلأنّ المتّهب أو المتصالح لم يكن حين وصول المال إلى السّابق مالكا فلا وجه لضمان السّابق و مجرّد تملّكه فعلا لا يقتضي جواز رجوعه إليه لأن تعاقب الأيدي يقتضي أن يرجع السّابق إلى اللّاحق لا العكس‌

و بالجملة مقتضى تملّك واحد من هذه السّلسلة ثبوت حق الرّجوع له إلى اللّاحق إلّا أن يقال إنّ مقتضى الملكيّة و إن كان ذلك إلّا أنّ هذا مختصّ بما إذا استقر الملك في ملكه و أمّا الملك التّقديري كما في المقام فلا أثر له إلّا الإبراء و إبراء واحد يقتضي إبراء الجميع كما هو المختار بل مقتضى ما تقدّم من أنّه لا تشتغل ذمّة اللّاحق للسّابق إلّا بعد أدائه الغرامة فالسّالبة هنا بانتفاء الموضوع لأنّ السّابق لم يغترم للمالك شيئا حتى يكون مخرجه ذمّة اللّاحق‌

نعم لو لم تكن المصالحة مجانيّة بل كانت بعوض فللمتصالح الرّجوع إلى اللّاحق لأنّ المال التالف أو بدله صار ملكا له فله الرّجوع إلى اللّاحق الثّالث إذا أقرّ أحدهم بالغصبيّة دون غيره فهو الملزم بأداء المال إلى المالك دون غيره و ليس له الرّجوع إلى لاحقه لإنكار اللّاحق بأنّ المال له و لو أقام مدعي الملك البيّنة عند الحاكم فحكم به فيرتب على ملكه جميع آثار الملكيّة لأنّ لوازم البيّنة حجّة فله الرّجوع على كلّ من وضع يده على ملكه إلّا أن يكون واحدا منهم غائبا فله الحجّة لإمكان جرحه الشهود هذا إذا كان وضع اليد على الملك معلوما و كونه ملكا للمدّعي مشكوكا فأثبته عند الحاكم‌

و أمّا إذا كان الوضع مشكوكا فلا بدّ من إثباته أيضا فيمكن له المرافعة مع غير واحد ثم إنّ هذا كله حكمه رجوع المالك إلى كلّ واحد و أمّا رجوع السّابق إلى اللّاحق فلو كذّب الشهود و أنكر الحكم و ادّعى أنّ المال له فليس له الرّجوع إلى اللّاحق لو باعه منه أو وهبه إياه و نحو ذلك و لو رجع المالك إلى اللّاحق فلو أنكر الحكم و ادّعى أنّ المال للسّابق فإذا أعطاه بدله فليس له الرّجوع إلى البدل كما أنّه ليس له الرّجوع إليه بالنّسبة إلى الغرامة الّتي اغترمها للمالك هذا إذا ثبت الحقّ بالإقرار و البيّنة و حكم الحاكم‌

و أمّا إذا وصلت النّوبة إلى الحلف فتارة يحلف واحد منهم و أخرى يحلف المدّعي بردّ المنكر أو الحاكم فإذا حلف واحد‌

307

منهم فالأقوى سقوط حقّ المدعي عن الجميع سواء قلنا بأنّ الحلف يذهب حقّ المدّعي واقعا أم قلنا بأنّه يذهبه ظاهرا لأنّ هذا النزاع لا أثر له في المقام بل إنّما يؤثر في مسألة التّقاص و إقرار الحالف على خلاف حلفه و نحو ذلك لأنّه على كلا القولين يرفع الخصومة و يقطع الدعوى فلا يمكن للمدّعي بعد حلف واحد منهم الرّجوع إلى غيره لأنّه لو رجع إلى السّابق فهو لا محالة يرجع إلى الحالف و مع حلفه لا يمكن اشتغال ذمّته و لو رجع إلى اللّاحق فاللّاحق لا يشتغل ذمّته إلّا بما هو في ذمّة سابقه و المفروض براءة ذمة سابقه فيقتضي براءة ذمّة أحد السّلسلة براءة الجميع و ليس له الترافع مع غيره‌

و أمّا لو حلف المدّعي فلا شبهة في ثبوت حقّه على الرّاد و إنّما الإشكال في ثبوت حقّه على غيره فقد يبتني المسألة على أنّ حلف المدّعي بمنزلة البيّنة فله الرّجوع إلى كلّ واحد أو بمنزلة الإقرار حتّى يختصّ بالراد دون غيره و لكن الحقّ أنّه أصل برأسه و لازم ذلك عدم جواز رجوعه إلى غير الرّاد لأنّ ردّه اليمين على المدّعي لا يلازم ثبوت حقّ له على غيره‌

نعم لو قيل هنا بجواز رجوعه إلى اللّاحق دون السّابق و كذا رجوع الرادّ في الغرامة الّتي اغترمها إلى اللّاحق دون السّابق فله وجه لأن حكم مسألة الإثبات بالحلف عكس حكم مسألة الإسقاط بالإبراء فلو قلنا بالتّفصيل في مسألة الإبراء فالتّفصيل جار هنا أيضا غاية الأمر عكس التّفصيل السّابق فراجع و تمام الكلام موكول إلى مبحث القضاء‌

الثّالث لو رجع المال من يد اللّاحق إلى السّابق فتلف في يده فلا شبهة في جواز رجوع المالك إلى كلّ منهما إنّما الكلام في أنّه لو رجع إلى السّابق الّذي تلف المال في يده فهل له الرّجوع إلى اللّاحق بمقتضى ما تقدم من أنّ كلّ سابق يرجع إلى لاحقه أم لا الحقّ هو الأخير لأنّ وجه جواز رجوع كلّ سابق إلى لاحقه هو ما تقدم من أنّ ما يخسره على اللّاحق و هنا انعكس الأمر لأنّ السّابق صار لاحقا بأخذه ثانيا فإنّه و إن لم يضمن للمالك ضمانا جديدا إلّا أنّه صار ضامنا للضّامن فيصير هو محلّا للخسارة فلا يمكن أن يرجع هو إلى غيره بل لو رجع المالك إلى اللّاحق فهو يرجع إلى السّابق الّذي صار لاحقا و هذا واضح‌

[مسألة لو باع الفضولي مال غيره مع مال نفسه]

قوله (قدّس سرّه) مسألة لو باع الفضولي مال غيره مع مال نفسه فعلى القول ببطلان الفضولي فالظّاهر أنّ حكمه حكم ما يقبل الملك مع ما لا يقبله إلى آخره

لا إشكال فيما ذكره (قدّس سرّه) فإنّه لو قيل ببطلان الفضولي يكون ضمّ مال غيره إلى مال نفسه و بيعهما صفقة حكم ضمّ الخمر إلى الخلّ فإنّ الإشكالين المذكورين فيه من أنّه من بيع المجهول و من عدم وقوع ما قصد و عدم قصد ما وقع جاريان فيه و دفعهما مشترك و على فرض صحّة تلك المعاملة فضمّ مال غيره إلى مال نفسه أولى بالصّحة لورود النّص الصّحيح فيه و هو صحيحة صفّار المتقدّمة و قيام الإجماع الصّريح على صحّته و لو قيل بصحّة الفضولي فلا إشكال في الصّحة مع الإجازة و إنّما الكلام في صحّته مع الردّ‌

و يظهر من المصنف (قدّس سرّه) أنّ في صورة الردّ لا ملازمة بين هذه المسألة و مسألة بيع ما يقبل التملّك و ما لا يقبله لأنّه يمكن القول بالصّحة في المقام دون تلك المسألة و ذلك لأنّ الإشكالات الواردة في تلك المسألة ورودها في المقام أضعف فإنّ الإشكال فيها منحصر في ثلاثة الأوّل اعتبار وقوع الإنشاء فيما يقبل التملّك أي يشترط في العقد أن يكون عوضه ممّا يقبل التّمليك و التملّك الثّاني أن التّراضي‌

308

وقع على المجموع الّذي لم يمضه الشّارع فما قصد لم يقع و ما أمضاه الشّارع لم يقصد الثّالث ورود الغرر بمعنى الجهل في ثمن المبيع‌

و لا شبهة أنّ الإشكال الأوّل لا يجري هنا فإنّ المبيع ملك و يقبل التّمليك و التملّك إلّا أن يعتبر شرط آخر في الإنشاء و هو اعتبار وقوعه من المالك أو وكيله دون الفضولي و هذا يرجع إلى القول ببطلان الفضولي و كلامنا مبني على الصحّة فبناء عليها لا يرد الإشكال الأوّل و كذلك الثّاني أيضا فإنّ الشّارع أمضى التراضي بالمجموع غاية الأمر جعل اختيار بعض المبيع بيد مالكه فلا إخلال فيه من جهة الإنشاء العقدي و الثّالث وروده في المقام أضعف لأن في تلك المسألة يتوقّف التّقسيط على فرض ماليّة للخمر مثلا بخلاف المقام فإنّه مال حقيقة‌

و بالجملة بناء على ما سيجي‌ء في محلّه من أنّه لا إشكال في الصّحة فيما لو جمع بين مختلفي الحكم كالخمر و الخلّ أو الحيوان مع غيره فلا إشكال أيضا في بيع مال الغير مع مال نفسه لأنّه ينحلّ العقد بالنّسبة إلى كلّ جزء إلى ما يقتضيه حكمه و لا يرد أيضا إشكال كون البيع أمرا بسيطا فكيف ينحلّ إلى جزءين لأنّ بساطة البيع لا يلازم بساطة المبيع أي المنشأ به فإنّ الانحلال في المقام نظير انحلال التّكليف بالمركّب الارتباطي بالنّسبة إلى أجزائه و شروطه فردّ الغير لا يضرّ بصحّة بيع مال نفسه غاية الأمر أنّه لو لم يعلم المشتري بكون بعض المبيع مال الغير يثبت له الخيار من جهة تخلّف الشّرط الضّمني و هذا بخلاف ما إذا كان عالما به فإنّه مع علمه لا معنى لأن يشترط على البائع انضمام بعض الأجزاء إلى الآخر لأنّه شرط غير مقدور‌

و بالجملة مع العلم لا يصحّ الشرط فلا خيار لا أنّه يسقطه و إنّما الخيار له مع الجهل بناء على ما سيجي‌ء من أنّ تخلّف الشّروط الضّمنيّة و الصّريحة موجب للخيار و على هذا فقد يثبت الخيار للبائع أيضا إذا كان جاهلا بأنّ بعضه مال الغير أو اعتقد كونه مأذونا من قبله لتبعّض‌

ثم إنّ صحّة البيع في مفروض المقام مقيّدة بما إذا لم يلزم من التّبعيض محذور آخر كلزوم الربا و نحوه من بيع ما لا يقدر على تسليمه و من بيع المجهول فإذا باع دينارا من ماله مع درهم من غيره بدرهمين و دينارين و رد مالك الدّرهم فسد المعاملة رأسا لأنّ ما بإزاء ديناره حين التقسيط أزيد من الدينار و الرّباء تفسد المعاملة و لو في باب الغرامات فضلا عن مثل المقام الذي يكشف الردّ عن وقوع المعاملة الرّبوية من أوّل الأمر و حكم الرّباء في المعاملات حكم القياس في الأحكام و الرّياء في العبادات‌

و إذا باع عبده الآبق مع ضميمة من مال غيره فلو ردّ الغير يقع العبد مبيعا بلا ضميمة فيفسد و إذا باع الموصى له العبدين اللّذين أوصى الميّت بكون أحدهما له بعد الموت فردّ الورثة يلزم كون المبيع مبهما‌

و بالجملة كلّ شرط اعتبر في المعاملة استمراره من أوّل وقوع العقد إلى حين التّقسيط لو فقد يوجب بطلان المعاملة و أمّا لو لم يعتبر استمراره بل كفى وجوده حين التّسليم أو حين العقد فالمدار وجوده على نحو ما اعتبر و لا ينبغي الإشكال في أنّ المدار في اعتبار العلم في العوضين كونهما معلومين حين العقد فلا يضرّ الجهل حين الردّ فلو باع عبدين فلا فرق في الصّحة بين أن يكون عبده معلوما و ضمّه إلى عبد غيره المعلوم أو المجهول و أن يكون عبده مجهولا و ضمّه إلى عبد غيره المعلوم أو المجهول لأنّ العبدين معلومان من حيث المعاوضة و إن كان مال نفس‌

309

البائع مجهولا في مثل الوصيّة قبل تعيين الموصى به فإنّ الجهل بعين المال لا يضرّ في مقام التّقسيط لأنّ المشتري يقوم مقام الموصى له فكما كان له أحد العبدين اللّذين يعين أحدهما بالقرعة أو بتعيين الورثة أو غيرهم ممّن ينفذ تعيينه كان لمشتري أحدهما ذلك أيضا‌

و بالجملة لو كان مدار الصّحة على معلوميّة ما وقع عليه البيع فالمبيع في كلتا الصّورتين معلوم لأنّ البيع وقع على مجموع العبدين و هما معلومان و ثمنهما أيضا معلوم و حين التّوزيع أيضا يعين المبيع و يتبيّن مقدار ما وقع من الثّمن بإزائه و لا دليل على اعتبار استمرار العلم من حين البيع إلى زمان تسليم المبيع إلى المشتري‌

و كيف كان سواء قلنا باعتبار الشّروط دائما أم حين البيع أم حين التّسليم فليس بيع المال الزّكوي قبل إخراج نصابه من مسألة بيع مال نفسه مع مال غيره و لو قلنا باشتراك الفقراء مع من عليه النصاب في المال الزّكوي لأنّ ولاية الإخراج على أيّ حال لمن عليه الزكاة فردّ الفقراء لا يؤثر في البطلان إلّا إذا ماطل المالك في إخراجها فللسّاعي أن يتبع مقدار الزّكاة أينما وجده فإذا أخذه من المشتري فله استرجاع الثّمن بالنّسبة‌

ثم إنّ مقتضى مقابلة مجموع المبيع بمجموع الثّمن أن يفرّق الثمن على أجزاء المبيع بقيمتها الواقعيّة فيرد على المشتري ما يقابل مال الغير و طريق التّوزيع في القيمي غير طريقه في المثلي أمّا في القيميّ فيظهر من مجموع الكلمات أنّه على أنحاء ثلاثة الأوّل ما اختاره المصنف تبعا للإرشاد و هو أن يقوم كلّ منهما منفردا فيؤخذ لكلّ واحد جزء من الثمن نسبته إليه كنسبة قيمته إلى مجموع القيمتين فإذا باع مجموع المالين بثلاث دنانير و قوم مال الغير بأربع دنانير و مال البائع بدينارين فيرجع المشتري بثلثي الثّمن الثّاني ما يظهر من الشّرائع و اللّمعة و هو أن يلاحظ قيمة المجموع ثم يقوّم أحدهما ثم تنسب قيمته إلى قيمة المجموع الثالث ما اختاره السيّد الطباطبائي في حاشيته و هو أن يقوّم كلّ منهما منفردا لكن بملاحظة حال الانضمام لا في حال الانفراد ثم يؤخذ لكلّ واحد جزء من الثمن نسبته إليه كنسبة قيمته إلى مجموع القيمتين‌

و لا يخفى أنّ طريق التوزيع في الصّور المتعارفة هو ما ذكره المصنف و توضيح ذلك أن هيئة الاجتماع قد لا توجب زيادة في قيمة كلّ من المالين و لا نقيصة فيها و هو الأغلب و على هذا ينطبق جميع أنحاء التّقويم لأنّه إذا ضم عبد غيره إلى عبده و باعهما اثني عشر دينارا فسواء قوّم كل منهما منفردا و نسب إلى مجموع القيمتين و أخذ لكل واحد جزء نسبته إلى الثّمن كنسبة قيمته إلى مجموع القيمتين أم لوحظ قيمة المجموع ثم قوم أحدهما ثم نسب قيمته إلى قيمة المجموع و سواء على الأوّل قوّم كلّ منهما منفردا بملاحظة حال الانضمام أو حال الانفراد لا يتفاوت الصّور في الأثر لأنّ المفروض أنّ انضمام عبد إلى عبد لا يوجب زيادة و لا نقيصة بالنسبة إلى قيمة كلّ منهما منفردا‌

و على هذه الصّورة المتعارفة يمكن حمل عبارة الشّرائع و اللّمعة و نحوهما و قد توجب زيادة في قيمة كل منهما كمصراعي الباب و فردتي الخفّ و قد توجب نقصا في كلّ منهما كضم جارية مع أمّها و هاتان الصّورتان أيضا كثيرتان إذا صارت هيئة الاجتماع موجبة للزّيادة أو النّقصان بالسّوية و هنا صور نادرة و هي ما إذا صارت هيئة الاجتماع موجبة لزيادة قيمة أحدهما دون الآخر أو موجبة لزيادة قيمة أحدهما و نقص الآخر ثم فيما إذا صارت موجبة لزيادة قيمة كلّ منهما أو لنقيصة كلّ منهما قد توجبهما كذلك بالسويّة و قد‌

310

توجبهما كذلك بالاختلاف‌

و على أيّ حال لا ينطبق كيفيّة تقسيط ظاهر الشرائع و اللّمعة إلّا على ما لا يوجب الضّم نقصا و لا زيادة و لا ينطبق كيفية تقسيط المصنف إلّا على ما يوجب الضّم زيادة أو نقيصة في كل منهما بالسويّة و إنّما لا ينطبق على صور الاختلاف و لم يزد قيدا في الكلام حتّى يشملها أيضا لخروجها عن الصّور المتعارفة و ندرتها جدّا فتدبّر جيّدا‌

و أمّا في المثلي فقوله (قدّس سرّه) في كيفيّة التّقسيط فيه لا يصحّ بإطلاقه لا في المشاع و لا في المفروز لإمكان أن يكون المثليّ مشاعا و مع ذلك تتفاوت قيمة حصّة كلّ منهما بتفاوت الحصّتين في المقدار كان يكون لأحدهما تسعة أمنان من الحنطة و للآخر منّ و ليس دائما قيمة من واحد تسعا لتسعة أمنان و إن كان كلّ منهما في الجودة و الرّداءة مثل الآخر كما هو المفروض على الإشاعة و لإمكان أن يكون المثلي مفروزا و يكون مع ذلك كلّ من النّصيبين من كومة واحدة و صبرة خاصّة فيجب أن يقابل كلّ من حصّتي البائع و المشتري بما يخصّه من الثّمن فيكون كالمثليّ المشاع لا كالقيميّ و لعلّ قوله فافهم إشارة إلى ذلك‌

[مسألة لو باع من له نصف الدّار نصف تلك الدّار]

قوله (قدّس سرّه) مسألة لو باع من له نصف الدّار نصف ملك الدّار

لا يخفى أنّ ظاهر العنوان اختصاص مورد البحث بما إذا علم بأنّ البائع لم يقصد من قوله بعتك نصف الدّار إلّا مفهوم هذا اللّفظ و أمّا لو علم بأنّه أراد من النّصف شيئا معيّنا من نصفه المختص أو نصف غيره أو النّصف المشاع في الحصّتين و اشتبه المراد فخارج عن موضوع البحث مع أنّه لا شبهة في تعميم النّزاع لأنّه إذا حمل النّصف على الإشاعة أو على النّصف المختص فيما إذا علم بأنّه لم يقصد من قوله بعتك نصف الدّار إلّا مفهوم هذا اللّفظ إجمالا و هو ما ارتكز في أذهان النّاس فليحمل على هذا أو ذاك فيما علم أنّه أراد شيئا معيّنا و اشتبه المراد لأنّ الظّهورات النوعيّة و المرتكزات الذهنيّة طرق لإحراز المراد فلا فرق بين الصّورتين‌

بل يظهر عن بعض أنّ موضوع البحث هو الصورة الثّانية و أمّا إذا لم يقصد إلّا مفهوم هذا اللّفظ فيكون باطلا لعدم تعيين المبيع و لكنّك خبير بأن الجهل هنا لا يتطرّق إلى المبيع بل إلى المالك و قد تقدّم أنّه لا يضرّ الجهل به‌

و كيف كان الظّاهر تعميم موضوع البحث و الظّهورات اللّفظيّة متبعة في كلا المقامين و لذا يتمسّك بظاهر عبائر الأسناد المعمولة للوصيّة و الوقف و نحو ذلك ثم هل يختصّ موضوع البحث بما إذا كان نصيبه مشاعا في مجموع الدّار و أمّا في صورة الإفراز فيحمل النّصف على نصف المجموع أو يعمّ الصّورتين ثم هل يختصّ النزاع بما إذا كان البائع أجنبيّا بالنّسبة إلى النّصف الآخر بحيث لو تعلّق قصد بيعه بنصيب الآخر أو بنصف نصيبه أو حمل اللّفظ عليهما في صورة عدم القصد كان البيع فضوليا أو يعمّ ما إذا كان وليّا أو وكيلا في نصيب الآخر سيجي‌ء في طيّ المبحث أنّ بعض الوجوه و إن لم يجر على هذين الفرضين إلّا أنّه يجري فيهما بعض آخر‌

فالأقوى تعميم النزاع من الجهات الثّلاث فلو كان الدّار مشاعة و كان البائع أجنبيا فالأقوى في كلا المقامين حمل النّصف على نصفه المختص لا على الإشاعة و لا على خصوص نصف الشّريك أمّا عدم حمله على تمام نصيب الشّريك فلأنّه مفروغ عنه في المقام لأنّ قصد الغير يتوقّف على مئونة و ليس هنا ما يدلّ على نصيب الغير فيبقى في المقام الوجهان الأوّلان أوّلهما حمله‌

311

على نصفه المختصّ للوجهين المذكورين في المتن الأوّل ظهور الفعل أي التصرّف في التصرّف فيما يملكه و يختصّ به و الثّاني ظهور إنشاء البيع في البيع لنفسه فإنّ مال الغير إذا كان متعيّنا في الخارج فصحّة بيعه لا يتوقّف على تعيين مالكه و أمّا في المقام و بيع الكلّي في الذمّة فلو لم يعين الغير حمل على ملك نفس البائع و لا يعارض هذين الظهورين ظهور لفظ النّصف في الإشاعة لأنّه ظهور إطلاقيّ ينشأ من انتفاء ما يوجب التّعيين فإذا قامت قرينة على التّعيين و هي هذان الظّهوران ارتفع موضوعه كما هو الشّأن في ارتفاع موضوع كل محكوم بالدّليل الحاكم هذا هو الوجه الأوّل‌

و أمّا الثّاني فهو حمل النّصف على الإشاعة كما أفاده في المتن و يكون هذا معارضا لظهور الفعل في تمليك مال نفسه و ظهور إنشاء البيع في البيع لنفسه و يقدم عليهما لقرينيّته عليهما لكون ظهور النّصف في الإشاعة من باب ظهور القيد كما سيظهر منه فيما إذا كان البائع وكيلا أو وليا‌

و لكنّك خبير بأن ظهور النّصف في الإشاعة ليس إلّا من جهة انتفاء ما يوجب التّعيين فيرتفع بأدنى ظهور على خلافه و هو ظهور مجموع الكلام في النّصف المختصّ و بالجملة فالحقّ أنّ النّصف ليس ظاهر في الإشاعة لا من حيث الوضع و لا من حيث الانصراف و إنّما يحمل عليها في باب الإقرار و نحوه من جهة انتفاء ما يوجب التّعيين فإذا وجد قرينة على التّعيين فلا موجب للحمل عليها و ليست القرينة كون الفعل و هو لفظ بعت ظاهرا في البيع لنفسه بل مجموع الجملة و هو ظهور واحد‌

فلا يقال إن ظهور المتعلّق و هو النّصف يصلح قرينة على الفعل كما أن ظهور أحد في قوله لا تضرب أحدا في الأحياء قرينة على أنّ المراد من الضرب هو الضرب المولم فإنّ هذا مضافا إلى عدم كونه مطّردا لإمكان أن يكون الفعل قرينة على المتعلّق كما في قوله ع لا تنقض اليقين بالشكّ فإنّ ظهور النّقض في تعلّقه بأمر مبرم و هو مورد الشكّ في الرافع أقوى من ظهور اليقين في الأعمّ و لذا لا نقول بحجيّة الاستصحاب في الشكّ في المقتضي يرد عليه أنّ القرينة على التعيين مجموع الجملة لا خصوص الفعل بمعناه اللّغوي و لا إنشاء البيع منضمّا إليه و على هذا فلا فرق في لزوم العمل على ظهور الجملة بين وجود لفظ النّصف كما في المقام و عدمه كما لو قال بعت غانما و كان غانم مشتركا بين عبده و عبد غيره‌

فقياس فخر المحقّقين المقام على مسألة العبد في محلّه لأنّ المدّعى مشترك مع مسألة العبد من الجهة الّتي ندّعيها فبناء عليه لو كان البائع أجنبيّا و كان نصف كلّ منهما مفروزا فليحمل على نصفه المختصّ لأنّه نظير مسألة العبد و مجرّد إمكان انطباق النّصف على ملك الأجنبي لا يوجب أن يتردّد الأمر بين أحد النّصفين و هذا واضح‌

و أمّا لو كان البائع وكيلا أو وليّا في النّصف الآخر فيظهر من المصنف (قدّس سرّه) أنّ في كونه كالأجنبي وجهان و مراده من أحد الوجهين كون الشّريك للموكل أو المولى عليه كالأجنبي في جريان الاحتمالين و فيه من الآخر تعيّن الإشاعة لأنّه لو كان المعارض لظهور النّصف في الإشاعة ظهور النّصف في مقام التصرّف في النّصف المختص و ظهور البيع من حيث الإنشاء أيضا في النّصف المختص أو كان المعارض خصوص الأخير يكون الولي أو الوكيل كالأجنبي في جريان الاحتمالين فيهما لأنّه و إن كان قد تصرّف فيما له الولاية فيه إلّا أن ظهور البيع في البيع للنّفس يكفي للمعارضة‌

312

و أما لو كان المعارض لظهور النّصف في الإشاعة خصوص ظهور التصرّف فيما له التصرّف فيه فيتعيّن الإشاعة فيهما لأنّ الوكيل أو الوليّ قد تصرف فيما له التصرّف فيه‌

قوله (قدّس سرّه) الأقوى هو الأوّل إلى آخره

يعني الأقوى أنّ المعارض لظهور النّصف في الإشاعة هو الظّهور الأوّل لا كلاهما و لا الثاني فيتعيّن الاشتراك هنا لأنّ المعارض الأوّل لا يعارض في المقام و المعارض الثّاني غير قابل للمعارضة إمّا لأنّ ظهور البيع في البيع للنفس يكون من باب الإطلاق فيكون ظهور النصف في النّصف المشاع مقيدا له و إن كان ظهوره في المشاع أيضا من باب الإطلاق لحكومة إطلاق النّصف في النّصف المشاع على إطلاق البيع في البيع للنّفس و ليس هنا إطلاق حاكم أو وارد على ظهور النّصف في النّصف المشاع‌

و ما ذكره الشّهيد الثّاني من عدم قصد الفضولي مدلول اللّفظ و إن كان مرجعه إلى ظهور حاكم على ظهور النّصف في النّصف المشاع لأنّ حاصل كلامه أنّه لو حمل على الإشاعة كان البائع فضوليا و الفضولي غير قاصد للمدلول و عدم قصد المدلول خلاف ظاهر كلام المتكلّم فيحمل على الأصالة حتى لا يلزم خلاف ظاهر كلام المتكلّم إلّا أن كلامه لا يجري في مفروض المقام من كون البائع وليّا أو وكيلا لأنّ القصد موجود فيهما‌

و بالجملة ظهور النّصف في الإشاعة يقيّد إطلاق البيع لكونه صالحا للتّقييد و إمّا لأنّ ظهور البيع في البيع للنّفس من باب ظهور الفعل و ظهور النّصف في النّصف المشاع من باب ظهور المتعلّق و ظهور المتعلّق يصلح للقرينيّة على الفعل هذا غاية توجيه ما اختاره (قدّس سرّه) و قد ظهر ممّا تقدّم أنّ الأمر بالعكس و أنّ ظهور البيع في البيع للنفس مقدّم على ظهور النّصف في النّصف المشاع و قد تقدّم أنّ كلا من الفعل و المتعلّق صالحان للقرينيّة على الآخر و لم يحرز قرينيّة المتعلّق للفعل كإحراز قرينيّة يرمي للأسد حتى يقال بحكومة أصالة الظّهور في طرف القرينة على أصالة الظّهور في ذي القرينة‌

ثم إنّ هذا كلّه مبني على ظهور النّصف في النّصف المشاع و لكنّه (قدّس سرّه) رجع عنه ثانيا‌

فقال إلّا أن يمنع ظهور النّصف إلّا في النّصف المشاع في المجموع و أمّا ملاحظة حقي المالكين و إرادة الإشاعة في الكلّ من حيث إنّه مجموعهما فغير معلومة إلى آخره

و حاصله أنّ النّصف و إن كان ظاهرا في الإشاعة إلّا أن الإشاعة لا تقتضي الإشاعة في الحصّتين حتى يكون المبيع ربعا من حصّة نفسه و ربعا من غيره بل مقتضى الإضافة إلى الدّار هي الإشاعة بالنّسبة إلى المضاف إليه لأنّ الإشاعة في المضاف تابعة للمقصود من المضاف إليه و المفروض أنّه لم يعلم قصد البائع أو لم يقصد إلّا مفهوم هذا اللفظ أي بعت نصف الدّار فالمضاف إليه هو العين الخارجيّة و النّصف المشاع منها ينطبق على حصّة البائع لأنه مالك لكلّ نصف فرض من الدّار على ما هو معنى الإشاعة و المالك للكلّي مالك لمصداقه أيضا فهو كما لو باع منّا من الحنطة من دون إضافتها إلى ذمّة فإنّه يقع في ذمّته و لو كان وكيلا في بيع هذا المقدار فضلا عمّا لو كان أجنبيّا‌

و توهّم أن معنى الإشاعة أن يكون كلّ من الشّريكين شريكا في كلّ جزء جزء بحيث لو كان كلّ جزء قابلا لأن يتجزّى إلى ما لا نهاية له لكان كلّ منهما مالكين له كذلك فنصف الدّار على الإشاعة يقتضي تعلّق البيع بكلّ جزء على الإشاعة فاسد مع قطع النّظر عن أنّ قابليّة كلّ جزء للتّجزية إلى ما لا نهاية له يلزم حصر ما لا نهاية له بين حاصرين إنّ الشّركة على نحو الإشاعة ليست إلّا‌

313

بمعنى أن كلّ نصف فرض من هذا الدّار و لو كان بمقدار غير محصور يكون لهذا الشّريك لا أنّ كلّا منهما في الكلّ شريكان في كلّ جزء و سيجي‌ء توضيح ذلك إن شاء اللّٰه تعالى في بيع الصّاع من الصّبرة‌

و حاصل الكلام أنّه لا فرق بين كون البائع أجنبيّا عن النّصف الآخر و كونه وليّا أو وكيلا في ظهور مجموع الفعل و متعلّقه في النّصف المختصّ و ظهور النّصف في الإشاعة لا ينافي ذلك فإنّ الإشاعة فيما أضيف إليه لفظ النّصف و هو الدّار قابلة لأن ينطبق عليها النّصف المختص و هذا هو الصّحيح لا ما أفاده المصنف قبل ذلك‌

و العجب منه (قدّس سرّه) كيف جعل المعارض للإشاعة في مجموع حقّي المالكين أحد الظّهورين و من هنا فرق بين كونه أجنبيّا و كونه وكيلا أو وليا مع ما فيه أوّلا أنّ الظّهور في الإشاعة لا ينافي الحمل على النّصف المختصّ و ثانيا إذا كان الظّهوران المخالفان لظهور النّصف في الإشاعة في مجموع حقّي المالكين متوافقين فلا وجه لجعل المعارض له تارة أحدهما و أخرى الآخر منهما‌

ثم إنّه لا ينافي الحمل على النّصف المختص في المقام الحمل على الإشاعة في الإقرار فإن باب الإقرار لم يعلم بكون القائل بأنّ نصف الدار لزيد مقرّ أو شاهد فيحمل على مجموع الحصّتين لإضافة النّصف إلى الدار و ظاهر الإضافة أن زيدا مالك لنصف ما بيد المقر و نصف ما بيد الآخر لا مجموع ما في يد القائل و لذا قيل بالفرق بين ما لو قال بأنّي مقرّ بأنّ نصف الدار لزيد و ما لو قال بأن نصف الدار لزيد فيحمل النّصف على الأوّل على تمام النّصف الّذي في يد المقر لظهور لفظ أنا مقر في ذلك دونه على الثّاني فإنه يحمل على نصف ما في يده و هو ربع الدار و نصف ما في يد الآخر‌

قوله (قدّس سرّه) و لعلّه لما ذكرنا ذكر جماعة إلى آخره

أي لما ذكرنا من عدم التّنافي بين ظهور النّصف في الإشاعة و انطباق المبيع على نصفه المختص من باب أنّه من ملك كليّا ملك مصداقه ذكر جماعة أنّه لو أصدق المرأة عينا فوهبت نصفها المشاع من الزّوج قبل الطّلاق استحقّ النّصف الباقي بالطّلاق لا نصف الباقي و قيمة النّصف الموهوب‌

و لا وجه لهذا الفتوى إلّا من جهة صدق النّصف على الباقي فقول اللّٰه سبحانه فَنِصْفُ مٰا فَرَضْتُمْ ينطبق على النّصف الباقي و تمليك الزّوجة الزّوج نصف الصّداق ينطبق على النّصف الآخر من العين من باب أنّه من ملك كليّا ملك مصداقه لأنّها مالكة لمصداق النّصف و لا يخفى أنّ وجه التّنظير بباب الطّلاق منحصر في هذا الوجه لا ما ذكر أولا في حاشية السيّد (قدّس سرّه) فراجع‌

قوله (قدّس سرّه) لكنّ الظّاهر أنّهم لم يريدوا هذا الوجه إلى آخره

لما احتمل كون الحكم بالنّصف الباقي من العين للزّوج في باب الطّلاق من باب تساوي ربع الباقي للمرأة من الموجود مع الربع التّالف نظير دفع المقترض نفس العين الّتي اقترضها إلى المقرض لا من باب أنّه من ملك كليّا ملك مصداقه فأجاب عنه بأن حكمهم باستحقاق الزّوج النّصف الباقي ليس نظير دفع المقترض نفس العين المقترضة إلى المقرض مع كونها قيميّة من باب تساوي العين القيميّة مع قيمتها و إلّا وجب الفتوى بجواز إعطاء المرأة للزّوج النّصف الباقي و جواز إعطائها له نصف الباقي و نصف التّالف كجواز ردّ المقترض نفس العين و قيمتها مع أنّهم أفتوا باستحقاقه خصوص النّصف الباقي و علّلوا استحقاقه له ببقاء مقدار حقّه‌

قوله (قدّس سرّه) فلا يخلو عن منافاة لهذا المقام إلى آخره

لا يخفى أنّه (قدّس سرّه) بعد أن ذكر أنّ القائلين باستحقاق الزّوج النّصف الباقي ما أرادوا هذا التوجيه و هو قياسه‌

314

على القرض فيسأل عنه وجه المنافاة فإنّ الحكم بالنّصف المختصّ في البيع و الصّداق من باب واحد و لا فرق بينهما إلّا أن يكون مراده (قدّس سرّه) أنّه بعد إمكان التّوجيه في قولهم بالاختصاص بالنّصف الباقي في مسألة الصداق بحمل المسألة على مسألة القرض أي مع كون ظاهر النّصف في هبة الصّداق هو النّصف المشاع و مع ذلك أفتوا بالمختصّ فإنّما هو لقياسه على مسألة القرض لا لظهور نفس النّصف في النّصف المختصّ فيصير مسألة هبة الصداق منافيا لما ذكرنا من ظهور النّصف في مسألة البيع في النّصف المختص و لذا عبّر عن المنافاة بين البابين بقوله فلا يخلو عن منافاة لهذا المقام الّذي يرجع حاصله إلى أنّه مع إمكان هذا التّوجيه في باب هبة الصّداق و إن كان بعيدا يقع التّنافي بينه و بين ما ذكرنا في مسألة البيع من ظهور النّصف في النّصف المختص‌

أو يكون مراده أنّ الاتّفاق في مسألة الطّلاق على الحمل على النّصف المختصّ ينافي الاختلاف في مسألة البيع إلّا أنّه ينافي هذا الاحتمال‌

قوله (قدّس سرّه) و نظيره في ظهور المنافاة لما هنا ما ذكروه في باب الصّلح إلى آخره

لأنّه لو كان مراده هذا التّوجيه الأخير و هو التّنافي بين الاتّفاق في مسألة الطّلاق مع الاختلاف في مسألة البيع لم يكن الصّلح نظيرا للطّلاق بل كان منافيا له بناء على ما هو ظاهر العبارة من أنّ ضمير نظيره يرجع إلى الطّلاق و المشار إليه بقوله هنا هو مسألة الطّلاق‌

نعم لو رجع ضمير نظيره إلى البيع و كان المشار إليه بقوله لما هنا مسألة الطّلاق لم يكن هذا التّوجيه منافيا مع هذه العبارة و استقام المطلب و تمّ المقصود لأن مفاد مجموع الكلام يصير هكذا لكنّ الظّاهر أنّ الأصحاب لم يريدوا في مسألة الطّلاق هذا الوجه بل أرادوا ظهور النّصف في حدّ ذاته في النّصف المختص فينافي دعوى الظّهور في الاختصاص اتّفاقا في الصّداق مع دعوى بعضهم ظهور النّصف في الإشاعة في مسألة البيع‌

و نظير تنافي الدّعويين ظهور الصّلح في الإشاعة أي كما أنّ ظهور لفظ النّصف في الإشاعة في مسألة البيع ينافي دعوى الاختصاص في مسألة الطلاق فكذلك ظهور النّصف في الإشاعة في باب الصّلح ينافي دعوى الاختصاص في باب الطّلاق إلّا أنّه خلاف ظاهر العبارة كما لا يخفى‌

و كيف كان فلا يخفى أنّ الحمل على الإشاعة على القول به في باب الصّلح ليس لظهور النّصف في حدّ ذاته فيها بل لأنّ المدّعي الّذي صالح مع المنكر الّذي أقرّ له هو يعترف بأنّ المقرّ به مشترك بينه و بين المدّعي الآخر فإذا صالح المقرّ له على ذلك المقرّ به مع من بيده المقر به الّذي هو منكر بالنّسبة إلى المدّعي الآخر فنفوذ صلحه في جميع المقرّ به يتوقّف على إجازة المدّعي الآخر الّذي هو باعتراف المقر له شريك معه و لذا لا نحمل على الإشاعة لو صالح المقرّ له قبل الإقرار نصفه أو صالح بعد الإقرار حقّه الواقعي بل ينصرف صلحه إلى نصفه المختصّ‌

و بالجملة الظّاهر أنّ مسألة الصّلح و كذلك مسألة الإقرار بالنّسب و كذلك الإقرار بالدّين لا ينزل على الإشاعة إلّا أن يقوم دليل تعبديّ أو قرينة خارجيّة كإقرار المقرّ له بالشّركة فالأولى في تنقيح المسألة إذا كانت الدار مشتركة بين الاثنين بنحو الإشاعة أن يقال تارة يقع الكسر المشاع في كلام أحد المالكين في مقام التصرّف كالبيع و الصّلح و نحوهما فيجب أن تحمل على المختصّ لأنّ ظهورها في الإشاعة في مجموع الحصّتين على القول به و عدم ظهورها في الإشاعة في المضاف إليه القابل لأن ينطبق على حصّة المتكلّم لمكان أنّه من ملك كليّا ملك مصداقه إنّما هو لأجل الإطلاق و عدم ما يوجب تعيينه في المختصّ‌

315

أو المشترك فإذا وجد موجب التّعيين ككون المتكلّم في مقام البيع و سائر أنحاء النّقل من الصّلح أو الهبة مع فرض كونه مالكا لما باعه فليحمل على ملكه و إن كان وليا أو وكيلا في الكسر المشاع الآخر فضلا عمّا كان أجنبيا لأنّ وقوعه من الموكل أو المولى عليه يحتاج إلى مئونة زائدة و هي قصده عنه و أمّا لو علم عدم قصده عنه كما في مفروض المقام أو احتمل كما لو قصد معنيا و اشتبه المراد فليحمل على ما هو ظاهر فعله و هو تصرّفه في ملكه عن نفسه‌

و أخرى يقع الكسر في كلام غير المالكين كما لو باع الفضولي نصف الدّار المشتركة بين الاثنين على نحو الإشاعة فيجب أن يحمل على الإشاعة لأنّه لا موجب لحمل البيع على تمام حقّ أحد الشّريكين و ثالثة يقع في مقام الإقرار كما لو أقرّ من كان شريكا مع غيره في دار بأنّ نصف هذا الدّار لزيد فليحمل هنا أيضا على الإشاعة لأن مرجع كلامه إلى أنّ ربع ما في يدي و ربع ما في يد شريكي لزيد و ذلك لعدم ما يوجب صرف لفظ النّصف عن الإشاعة و جعل تمام حقّ زيد ما في يد المقر لأنّ إخباره بأنّ نصف الدار لزيد يتضمّن أمران إقرار على النّفس فيسمع و شهادة على غيره فموقوف على شرائط البيّنة‌

نعم لو وجد ما يوجب التعيين حمل على الاختصاص كما في كلام كاشف الغطاء على ما حكي عنه بأنه لو قال أنا مقرّ بأن نصف هذا الدّار لزيد فيحمل على نصفه المختص بخلاف ما لو قال نصف هذا لزيد فإنّه يحمل على الإشاعة فعلى هذا الإقرار الّذي لم يتضمّن للشّهادة محمول على الاختصاص أيضا كالحمل عليه في البيع و الصّلح و الهبة و إنّما حملوا صلح المقرّ له مع المقرّ على الإشاعة مع أنّ نفس الصّلح لا يقتضي ذلك لاقتضاء إقرار المقر له بأنّ المدّعي الآخر شريك معه في العين الّتي بيد المقرّ أو لحكم الشّارع بأن ما حصل لهما و ما توى كذلك بناء على شمول الرّواية للمقام‌

و بالجملة مقتضى الصّلح هو الاختصاص كما في الصّلح في غير مورد الترافع و إنّما يحمل في مورد الترافع على الإشاعة إمّا من باب التعبّد أو من باب أنّ من بيده العين لا يقرّ للمقرّ له إلّا ما يدعيه و ما يدّعيه بإقراره مشترك ففي مقام الصّلح كأنّه يصالح ربع ماله لأنّه نصف المقرّ به و لذا قلنا إنّه يحمل على الاختصاص لو وقع الصّلح على حقّه الواقعي أو على نصف الدار قبل الإقرار‌

فتفصيل صاحب المسالك في غير محلّه لأنّ في مفروض القوم لا يقبل غير الإشاعة لأنّه لا يمكن حمل الصّلح على النّصف المختصّ و إلّا يلزم إقرار المقرّ للمقرّ له بثلاثة أرباع الدّار نصفه من جهة الإقرار و ربعه من جهة الصّلح مع أنّ المقر لم يعترف له إلّا بما يدّعيه و لا يقع عقد الصّلح منهما إلّا عليه‌

قوله (قدّس سرّه) و لذا أفتوا ظاهرا على أنّه لو أقرّ أحد الشّريكين الثّابت يد كلّ منهما على نصف العين بأنّ ثلث العين لفلان حمل على الثلث المشاع في النّصيبين إلى آخره

لا يخفى أنّ حمل الثلث على الإشاعة فيما إذا كان كلام من بيده النّصف مجرّدا عن القرينة على الاختصاص أو الإشاعة ينافي‌

قوله فلو كذّبه الشّريك الآخر دفع المقرّ إلى المقرّ له نصف ما في يده

لأنّ من بيده العين إذا أقرّ لشريك ثالث و أنّ ثلث العين له فمعنى كلامه ليس إلّا أنّ ما زاد عن حقي من العين هو للثّالث و لم يقرّ بأن نصف ما في يده له فإنّه خلاف الإشاعة لأنّ معنى الإشاعة أنّ الثّلث الّذي هو للشريك الثّالث نصفه و هو السدس على الشريك الآخر و السدس عليّ و مسألة أن كلّ ما حصل لهما و كل ما توى كذلك لا يرتبط بالمقام فإن هذه المسألة تعبّديّة صرفة دلّت عليها الأخبار‌

316

ففي الوسائل في كتاب الدّين عن سليمان بن خالد قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن رجلين كان لهما مال بأيديهما و منه متفرّق عنهما فاقتسما بالسويّة ما كان في أيديهما و ما كان غائبا عنهما فهلك نصيب أحدهما ممّا كان غائبا و استوفى الآخر عليه أن يرد على صاحبه قال نعم ما يذهب بماله‌

و فيه في كتاب الضّمان عن عليّ (عليه السّلام) في رجلين بينهما مال منه بأيديهما و منه غائب عنهما فاقتسما الّذي بأيديهما و احتال كلّ واحد منهما بنصيبه فقبض أحدهما و لم يقبض الآخر قال ما قبض أحدهما فهو بينهما و ما ذهب فهو بينهما و فيه في كتاب الشّركة عن عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) قال سألته عن رجلين بينهما مال منه دين و منه عين فاقتسما العين و الدّين فتوى الّذي كان لأحدهما من الدّين أو بعضه و خرج الّذي للآخر أ يرد على صاحبه قال نعم ما يذهب بماله‌

و لا يخفى أنّ مفاد هذه الأخبار أنّ قسمة الدّين لا تصحّ قبل القبض و أنّ نيّة المديون بكون ما يدفعه إلى أحد الشّريكين مختصّا به لا تؤثر في الاختصاص و هذا لا ربط له بالمقام و على فرض التعدّي عن مورد الدّين إلى العين فإنّما يصحّ التعدّي فيما إذا كانت العين المشتركة في يد الثّالث و أقرّ لأحدهما بنصفها و أنكر كون نصفها الآخر للآخر فحيث إنّ المدّعيين يقرّان بالشّركة فمقتضى الإقرار أن يكون ما حصل لهما و ما توى عليهما و أين هذا ممّا إذا أقرّ أحد الشّريكين بشريك ثالث و أنكر الآخر فإنّه لا وجه لتنصيف المقرّ نصف العين الّتي في يده من باب أنّه ما توى عليهما‌

و بالجملة لو لا إقرار كل واحد من الشّريكين المدّعيين للعين الّتي بيد الثّالث بالشركة لم يقتض إقرار من بيده العين لأحدهما التّنصيف بينهما فلا يمكن قياس ما إذا كان العين بيد الشّريكين و أقرّ أحدهما لثالث على تلك المسألة فإنّ في مسألة المدّعيين نفس إقرار المقر له بالشّركة تقتضي الاشتراك لأنّه بإقراره بأنّ المال مشترك يكذب من بيده العين المقرّ لأحدهما في تمام النّصف و يصدقه في نصف النّصف فما يحصل لهما و ما توى عليهما‌

و أمّا في مسألة الإقرار بالثّالث فلا تحصيل حتى يكون مورد قوله ع ما قبض أحدهما فهو بينهما و لا يكون مورد دليل آخر أيضا فلا وجه لحصول النّقص على المقرّ و المقرّ له لأنّ إقرار المقرّ لا يقتضي إلّا الإشاعة و معناها أنّ الزّائد عن حقّي للثّالث و لا يقرّ بأنّ المنكر غاصب لحقّنا على السويّة حتّى يجب عليه دفع نصف ما في يده‌

و ممّا ذكرنا ظهر أنّ حكم مسألة الإقرار بالنّسب حكم مسألة الإقرار بالشّركة من غير جهة الإرث في أنّ أحد الوارثين لو أقرّ بوارث آخر يدفع إليه الزّائد عمّا يستحقّه لا نصف ما في يده و انكشاف الواقع و العلم بصدق المقرّ لا ينافي ما ذكرنا بل يؤيّده لأنّ الواقع مطابق لما ذكرنا من عدم وجوب دفعه إلى المقرّ له إلّا الزّائد عمّا يستحقّه فإنّ بانكشاف الواقع يعلم أنّ الوارث ثلاثة و يستحقّ كل واحد منهم ثلث المال فيجب على المقرّ دفع السدس و على المنكر دفع السّدس الآخر و يتمّ بمجموع السّدسين حقّ المقرّ له و هو الثلث‌

و لذا لو فرضنا أن الشّركاء كانوا أولا ثلاثة و أخرج اثنان منهما واحد من الدّار فكلّ واحد من الاثنين في الواقع متصرّف في نصف الدّار على الإشاعة و يد كلّ منهما على نصفها فإذا أقرّ واحد منهم بأنّ الدّار مشتركة أثلاثا فهو لا يقرّ إلّا بأنّ ثلث الدار في يد اثنين و مرجعه إلى أنّ سدسها تحت تصرّفه و لا وجه لحمل إقراره على نصف ما في يده و لا يقتضي الإشاعة ذلك‌

317

و ما ذكرناه لا يتوقّف على صحّة تقسيم الغاصب مع الشّريك كما هو واضح مع أنّه يكفي لصحّته تعلّق الغصب بالمشاع و تعلّقه به لا إشكال فيه بحيث إنّه يتمحّض الغصب في حقّ أحد الشريكين مع إشاعة المال بينهما و ذلك كما إذا استأجر أحد دارا من شريكين و أعطى نصف الأجرة لأحدهما و أنكر أنّ الدّار بينهما نصفان و منعه من الآخر فإنّ المعطى به هنا نصيب للمعطى له و الأخبار الدالّة على أنّ ما توى عليهما و ما حصل لهما لا تشمل المقام و كما إذا أخرج غاصب أحد الشّريكين من الدّار و استأجر نصفها المشاع من الآخر أو سكن معه فإنّ المؤجر إذا استوفى الأجرة لا يشترك معه الشّريك الآخر و هكذا لو سكن أحدهما مع الغاصب سكن في نصيبه‌

نعم مجرّد نيّة الغاصب بأن ما يأخذه نصيب أحدهما لا تؤثّر في تعلّق الغصب بحق أحدهما كما لو غصب صاعا من صبرة مشتركة و قصد كون الصّاع من أحدهما فإنّ الغصب لا محالة يتعلّق بحقّهما و التّالف محسوب عليهما و كما لو تصرّف في بيت من الدّار المشاع أو الشرقيّ منها فإنّ الغصب يتعلّق بكلا الحقّين‌

و كيف كان فالأقوى أنّه و لو لم نقل بصحّة تقسيم الغاصب إلّا أنه لا إشكال في صحّة التقسيم مع الغاصب فإنّه لو استدعى أحد الشّريكين من الحاكم قسمة الدّار و كان الإشاعة ضررا عليه وجب على الحاكم إفراز حقّه و جعل الدار نصفين مفروزين بينه و بين الغاصب‌

و على أيّ حال سواء قلنا بهذا أم لم نقل به لتوقّف التّقسيم على رضا الشريك و ليس للغاصب ذلك و لا للحاكم فمسألتنا هذه لا ربط لها بمسألة تقسيم الغاصب بل لا ينبغي الإشكال في أنّ السدس الآخر للمقرّ له عند المنكر و يختصّ هو به و لا يشترك المقرّ و المقرّ له فيما عنده بل لو قلنا بأنّ الأجرة الّتي يأخذها أحد الشّريكين من الغاصب مشتركة بينه و بين شريكه و ما عند الغاصب أيضا مشتركة بينهما إلّا أن مقامنا هذا لا يرتبط بهذه فإنّ الاشتراك فيما يؤخذ من الغاصب لو قيل به فإنّما هو لدعوى شمول الأخبار الواردة في تقسيم الدّين له و إلّا فلا شبهة في أنّ تعيين المديون حق أحد الديان يوجب التعيّن له و ليس من قبيل العين الخارجي الّتي ليس لغير الشّريكين تقسيمها‌

و أمّا في مقامنا فليس إقرار أحد الشّريكين بشريك ثالث موجبا لأن يكون ما عند المنكر مشتركا بينه و بين المقرّ له ثم إنّه كما في العين الخارجي لا تقتضي الشركة على نحو الإشاعة أن يكون نصف ما في يد المقرّ مشتركا بينه و بين المقرّ له فكذلك في الإقرار بالدّين و النّسب و نحوهما فلو أقرّ أحد الورثة بدين على أبيه فهو ملزم بمقدار حقّه من الإرث و كذا لو أقرّ بأخ آخر أو أخت له فيلزمه ذلك في حصّة أي هو مقرّ بما زاد عن حقّه على فرض ثبوت نسب المقر له واقعا‌

و على طبق ما يرتكز في الذّهن و تقتضيه قاعدة الإقرار ورد عن أبي جعفر عن أبيه ع قال قضى عليّ ع في رجل مات و ترك ورثة فأقرّ أحد الورثة بدين على أبيه أنّه يلزمه ذلك في حصّته بقدر ما ورث و لا يكون ذلك في ماله كلّه و إن أقرّ اثنان من الورثة و كانا عدلين أجيز ذلك على الورثة و إن لم يكونا عدلين ألزما ذلك في حصّتهما بقدر ما ورثا و كذلك إن أقرّ بعض الورثة بأخ أو أخت إنّما يلزمه في حصّته‌

و نقل الصّدوق بهذا السّند ما هو المرويّ في المتن ثم قال و في خبر آخر إن شهد اثنان من الورثة و كانا عدلين أجيز ذلك على الورثة و إن لم يكونا عدلين ألزما ذلك في حصّتهما و في الوسائل في كتاب الإقرار عن أبي عبد اللّٰه ع في رجل مات فأقرّ بعض ورثته لرجل بدين قال يلزمه ذلك في حصّته و فيه في آخر كتاب الميراث‌

318

عن منصور بن حازم قال سألت أبا عبد اللّٰه ع عن رجل هلك و ترك غلاما مملوكا فشهد بعض الورثة أنّه حرّ فقال تجاز شهادته في نصيبه و يستسعى الغلام فيما كان لغيره من الورثة‌

و لا يخفى ظهور هذه الرّوايات في أنّ المقرّ بالدّين أو بالأخ أو العتق ملزم بما زاد على نصيبه لا أنّ المال يوزّع على المقرّ و المقرّ له و بعبارة أخرى ظاهر قوله ع يلزمه ذلك في حصّته بقدر ما ورث أنّ الضّرر لا يرد على المقر و أنّه ليس ملزما بما زاد عن حقّه فما أفاده السيّد الطّباطبائي (قدّس سرّه) في حاشيته من عدم صراحة الرّوايات في ذلك و أنها بصدد أنّ ذلك ليس في تمام المال حتى في حصّة من لم يعترف بذلك غير مسموع منه‌

ثمّ ممّا ذكرنا من أوّل المسألة إلى هنا ظهر أنّ حكم المفروز حكم المشاع في أنّه لو قال بعت نصف الدار يحمل على نصفها المختص به لا على نصف مجموع الدار بل الحمل على نصف المختصّ في المفروز أظهر من الحمل عليه في المشاع لأنه لو كان مقصوده في المشاع هو الاختصاص كان الأنسب أن يقول بعت حقّي و نحو ذلك‌

هذا مضافا إلى أنّ الإشاعة في المضاف إليه تقتضي أن يكون المبيع نصف مجموع الدار و أمّا في المفروز فنفس الإفراز يقتضي الحمل على الاختصاص بلا مئونة و لكنّه مع هذا الاختصاص أظهر عن الإشاعة حتّى في المشاع لأنّ ظهور مجموع الكلام في مقام التصرّف يوجب حمل النّصف على الاختصاص لأنّه مالك لمصداق نصف الدّار و نصفه المختص به أحد مصداقيه‌

[مسألة ما لو باع ما يقبل التملّك و ما لا يقبله صفقة واحدة]

قوله (قدّس سرّه) مسألة ما لو باع ما يقبل التملّك و ما لا يقبله كالخمر و الخنزير صفقة إلى آخره

لا يخفى أنّ الأولى تعميم عنوان البحث بالنّسبة إلى ما لا يقبل التملّك من حيث عدم قابليّته له شرعا كالمثالين مع كونهما مالا عرفا و عدم قابليّته له عرفا أيضا كالخنفساء و نحوها‌

و على أيّ حال لا إشكال في فساد البيع بالنّسبة إلى ما لا يقبل التملّك مطلقا إنّما الكلام في صحّته بالنّسبة إلى ما يقبله و الأقوى هو الصّحة لوجود المقتضي و عدم المانع أمّا وجود المقتضي فلشمول العمومات له مضافا إلى إطلاق صحيحة صفار أمّا شمول العمومات فلأنّ مثل قوله عزّ من قائل أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و قوله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و قوله تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ كما يشمل ما إذا كان تمام المبيع قابلا للتملّك كذلك يشمل ما إذا انضمّ إليه ما لا يقبل التملّك لأنّ العقد ينحلّ بالنّسبة إلى جزئي المبيع إلى عقدين أحدهما صحيح و الآخر فاسد نظير انحلال التّكليف المتعلّق بالمركّب المشتمل على الأجزاء‌

و دعوى انصرافها عن هذا المبيع غير مسموعة لأنّه على فرض التّسليم فهو انصراف بدوي و نظير انصراف الماء في أطراف الدّجلة إلى ماء الدّجلة و الانصراف المؤثر لعدم تماميّة الإطلاق هو الانصراف النّاشي عن التّشكيك في الوجود أو الماهيّة لا الانصراف البدوي النّاشي عن كثرة الوجود‌

و أمّا إطلاق صحيحة الصّفار فلأنّ توقيع العسكري ع إلى الصّفار و إن ورد فيمن باع قطاع أرضين الّتي يملكها منضمّة إلى ملك الغير فوقّع (عليه السّلام) لا يجوز بيع ما ليس يملك و قد وجب الشّراء من البائع على ما يملك إلّا أنّ المدار على عموم الجواب و أن قوله ع وجب الشراء من البائع على ما يملك يدلّ على تحليل العقد و نفوذه فيما يملكه و إن اختصّ قوله ع لا يجوز بيع ما ليس يملك بما يقبل التملّك و لم يكن ملكا للبائع بناء على قراءة يملك مبنيا للفاعل‌

و بعبارة أخرى لا يدور صحّة الاستدلال مدار عدم نفوذ البيع بالنسبة إلى الضّميمة بل إنّما يدور مدار نفوذ البيع في الجزء الآخر الّذي يملكه و الصّحيحة تدلّ بإطلاقها على صحّته و بالجملة مع قطع النّظر‌

319

عن تنقيح المناط القطعي فمدّعى شمول التوقيع للمقام و إن كان مورد السّؤال غيره فما ذكرناه سابقا من عدم الشمول لا وجه له‌

و أمّا عدم المانع فلأنّ ما توهّم من المانع على وجوه الأوّل أنّ ما قصد و هو التّراضي على المجموع لم يقع و ما وقع لم يقصد الثّاني أنّ النّهي عن الغرر المطلق أو الغرر في البيع يشمله من جهة الجهل بثمن المبيع الثّالث أنّ اللّفظة الواحدة لا يمكن تبعيضها و المفروض أنّ ما لا يقبل التملّك لا يمكن الالتزام بصحّته من جهة غلبة ما يقبل التملّك عليه فيغلب لا محالة الفاسد على الصّحيح الرّابع أنّ الجمع بين ما يقبل التملّك و ما لا يقبله نظير الجمع بين الأختين في عقد واحد‌

و لا يخفى ما في هذه الوجوه أمّا الأوّل منها فلأنّ بعض المبيع و إن لم يقصد مستقلّا و لم ينشأ بصيغة تخصّه إلّا أنّه أنشأ ضمنا فينحلّ الإنشاء باعتبار تعدّد متعلّقه إلى إنشاءات متعدّدة كانحلال التّكليف المتعلّق بالمركّب إلى تكاليف متعدّدة بمقدار تعدّد قيوده‌

نعم تخلّف وصف الانضمام يوجب الخيار لأنّ منشأ الخيار في تبعّض الصّفقة مطلقا هو تخلّف الشّرط الضّمني بل هو المنشأ له في الغبن و العيب أيضا لا الضّرر كما سيجي‌ء توضيحه و قياس فساد الجزء على فساد الشّرط حيث قيل بأنّه مفسد للعقد مع الفارق مضافا إلى عدم تماميّة الحكم في المقيس عليه إلّا إذا رجع فساد الشّرط إلى اختلال أحد أركان العقد كما سيجي‌ء في محلّه‌

و ليس منشأ الفرق أنّ الشرط يوجب تقييد العقد المشروط به بخلاف الجزء فإنّ بيع المجموع في قوّة شرط انضمام كلّ جزء إلى آخر و لذا قلنا بأن تخلّفه الّذي هو عبارة عن تبعّض الصّفقة على المشتري يوجب ثبوت الخيار له بل للفرق بين الشّرط الفاسد و شرط انضمام الجزء الفاسد فإنّ الشّرط الفاسد لا يملكه المشروط له أي لا يصير الشارط مالكا لالتزام الطّرف لأنّ نفس جعل هذا الالتزام على المشروط عليه باطل و فاسد مع قطع النّظر عن الملتزم به و هذا بخلاف شرط الانضمام فإنّ نفس جعل هذا الالتزام ليس باطلا بل الملتزم به لا يصحّ الالتزام به لخروجه عن قابليّة التملّك فيصير الاشتراط سببا لتملّك المشروط له الشّرط و يصير فساد المشروط سببا لتحقّق الخيار من باب تعذّره شرعا‌

و بعبارة أخرى الشّرط الضّمني في المقام كالشّرط المتعذّر الّذي لا يوجب تعذّره إلّا الخيار بخلاف الشّرط الفاسد فإنّه ليس قابلا للملكيّة أصلا و أمّا الثّاني فلأنّ الجهل بثمن المبيع و إن كان موجبا للفساد إمّا للإجماع على اعتبار العلم به و إمّا للغرر بمعنى الخطر المنهيّ عنه في الخبر المتلقّى بالقبول بين الفريقين و هو قوله ع نهى النّبي ص عن الغرر أو عن بيع الغرر إلّا أنّ الثّمن في المقام معلوم فإنّه وقع جميع الثمن بإزاء جميع المبيع و عدم صحّة البيع شرعا بالنّسبة إلى بعض المبيع لا يقتضي عدم قصد المتعاملين مقابلة المجموع بالمجموع و لا خطر أيضا لو جعل المجموع بإزاء المجموع لأنّ البيع الغرريّ المنهيّ عنه هو ما كان في حدّ ذاته خطريّا لا من جهة حكم الشّارع بعدم وقوع بعض الثّمن بإزاء بعض المبيع بل قيل بأنّه لا يؤثر الغرر حال العقد إذا ارتفع بالتّقسيط أي المدار في الصّحة أن لا يكون البيع غرريّا حين التّسليم و التسلّم لا حين إنشاء البيع‌

و لكنّ الصّواب في الجواب هو ما ذكرناه من أنّ البيع في نفسه ليس غرريا ابتداء و إلّا لو سلّم بكونه غرريّا حين البيع فارتفاعه بعد ذلك لا يؤثر في الصّحة و إلّا لصحّ بيع كلّ مجهول إذا آل إلى العلم بعد ذلك مع أنّه لا إشكال في فساده و أمّا الثّالث فلأنّ اللّفظة‌

320

الواحدة إذا أنشأ بها أمور متعدّدة فلا مانع من تبعيضها بل لا محيص عن تبعيضها فيما لو جمع بين مختلفي الحكم كما لو جمع بين ملكه و ملك غيره أو جمع بين الحيوان و غير الحيوان فالجمع بين ما يقبل التملّك و ما لا يقبله أيضا كذلك و أمّا الرابع فلأنّ فساد عقد الأختين جمعا يقتضي فساد عقد إحداهما أيضا من باب عدم ترجيح إحداهما على الأخرى و في المقام فساد المجموع لا يقتضي فساد عقد ما يقبل التملّك و ذلك واضح بعد ما ظهر لك من انحلال العقد في المقام إلى عقدين و لحوق كلّ جزء حكم ما يقتضيه‌

هذا كلّه مضافا إلى النّقض بالجمع بين ملكه و ملك غيره فإنّ هذه الإشكالات ترد عليه أيضا و بالجملة و لو قلنا بأنّ فساد الشّرط يوجب فساد العقد المشروط به إلّا أنّه لا يمكن قياس فساد الجزء عليه لأنّ الشرط لا يقع بإزائه شي‌ء من الثّمن بل يوجب زيادة قيمة المشروط فإذا قيد به و كان فساده موجبا لعدم إمكان تحقّقه فالعقد المقيّد لم يتحقق‌

و أمّا الجزء الفاسد فحيث إنّ الثّمن يوزّع عليه و على الجزء الآخر ففساده لا يقتضي إلّا ردّ الثّمن الّذي وقع بإزائه أي يفسد العقد بالنّسبة إليه دون الجزء الآخر الصّحيح الغير المقيّد بما لا يمكن تحصيله أو تحقّقه مع أنّه سيجي‌ء أنّ الحكم في المقيس عليه أيضا ليس البطلان فإن تخلّف الشرط ليس إلّا من قبيل تخلّف الدّاعي و إنّما يوجب الخيار في المقام و لا يوجبه في سائر الموارد للفرق بينهما و هو أن المشترط بمقتضى شرطه صريحا أو ضمنا في المقام لم يلتزم بفاقد الشّرط فله الفسخ و له الالتزام بالفاقد حين العلم بالفقد و أمّا تخلّف الدّاعي فيما لم يكن مذكورا صريحا أو ضمنا فإنّما لا يوجب الخيار مع أنّه في نفس الأمر غير ملتزم بما كان مخالفا لغرضه لأجل أن الشّروط البنائيّة لا أثر لها ما لم يجعل في قالب الإنشاء‌

و بالجملة تارة يتحقّق الخيار بجعل إلهي كخيار الحيوان و نحوه أو بجعل من المتعاقدين كخيار الشّرط و أخرى يتحقّق من باب عدم الملزم ففي القسم الأوّل قد تحقّق الالتزام العقدي و لكن اللّٰه سبحانه أو نفس المتعاقدين جعل أمر الالتزام العقدي بيد ذي الخيار نظرة له و إرفاقا و أمّا في القسم الثّاني فلم يتحقّق الالتزام العقدي فليس المتعاقدان ملزمين بالتبديل و المعاملة الصّادرة منهما فلهما الفسخ أو الالتزام بمضمون المعاملة مجدّدا و حيث إنّ من يتبعّض الصّفقة عليه لم يلتزم بوقوع بعض المبيع بإزاء بعض الثّمن فله الفسخ أو الالتزام مجدّدا و لا موجب لبطلان العقد بالنّسبة إلى ما يقبل التملّك‌

قوله (قدّس سرّه) نعم ربما يقيّد الحكم بصورة جهل المشتري إلى آخره

لا يخفى أنّ التّفصيل بين صورة الجهل و العلم في غير محلّه لأنّ العلم بأنّ أحد الجزءين ليس قابلا للتملّك لو كان موجبا للجهل بثمن المبيع لوجب تقييد الصّحة بما إذا كان البائع أيضا جاهلا مع أنّه لم يفصل بين علمه و جهله فمنه يستكشف أنّ العلم لا يضرّ بالصّحة‌

و سرّه أنّ مقابلة المجموع بالمجموع في الإنشاء المعاملي ليس إلّا بقصد تمليك المجموع و تملّكه عرفا و إن علم النّاقل أو المنقول إليه أنّ الشّارع لم يمض البيع بالنّسبة إلى بعض المبيع و العلم بالحكم الشّرعي لا ينافي البناء على خلافه في الإنشاء المعاملي نعم يتولّد هنا إشكال على القائل بعدم رجوع المشتري العالم بالغصبيّة إلى الغاصب إذا تلف الثّمن فإنّه لو اقتضى العلم بالفساد من جهة الغصب تمليك المشتري للغاصب مجانا لاقتضى التّمليك في المقام المجانيّة أيضا بل عرفت أنّ بعضهم عمّم عدم الرّجوع إلى الغاصب حتى في مورد‌

321

بقاء العين أيضا و لكنّك عرفت ضعف هذا القول‌

و على أيّ حال فلو قيل بأن في مورد ردّ المغصوب منه لا يرجع المشتري العالم إلى الغاصب في مورد تلف الثّمن فمقتضاه عدم وقوع بعض الثّمن بإزاء غير المملوك في المقام مع أنّ ظاهر المشهور هو التّقسيط و عدم التزامهم بوقوع مجموع الثمن مقابل المملوك أو وقوع ما بإزاء غير المملوك للبائع مجّانا‌

و لكنّه يمكن دفع الإشكال بدعوى الفرق بين المقام و بين الفساد من جهة الغصب و هو أنّ في الغصب حيث إنّ المشتري العالم لم يضمن البائع الغاصب إلّا بمال الغير فيقع الثّمن للغاصب مجّانا إذا ردّ الغير الّذي هو صاحب المبيع و ليس على الغاصب ضمان بالنّسبة إلى الثّمن إلّا إذا كان موجودا فيسترد منه لأنّه في حكم الهبة المجانيّة و أمّا في المقام فبعد جعل بعض الثّمن بالإنشاء المعاملي مقابلا لما لا يقبل التملّك فلا وجه لأن يكون مجموع الثّمن مقابلا لما يقبل التملّك أو يكون ما بإزاء غير المملوك للبائع مجّانا‌

نعم قياس المقام على باب الغصب إنّما يصحّ فيما إذا كان ما لا يقبل التملّك غير مال عرفا أيضا كالقاذورات و الحشرات و توضيح ذلك أنّ ما لا يقبل التملّك على أقسام ثلاثة قسم لا يقبله شرعا مع قبوله عرفا كالخمر و الخنزير و قسم لا يقبله شرعا و عرفا كالحشرات و نحوها و قسم متوسّط بينهما كالحرّ فإنّ مقتضى التملّك فيه موجود و لكنّه لا يقبله شرعا و لذا يفرض عبدا في الجنايات الواردة عليه الغير المقدّرة شرعا و يؤخذ دية الجناية الواردة على العبد من الجاني و هكذا يصحّ استرقاقه في بعض الموارد بل يصلح أن يصير مالا عند العرف في جميع الموارد‌

و بعبارة أخرى الحر و إن لم يكن مالا عند العرف فعلا إلّا أنّه مال شأنا لقابليّته للاسترقاق عندهم ففي القسم الأوّل و المتوسّط لا بدّ من التّوزيع لأنّه لم يجعل المشتري مجموع الثّمن بإزاء ما يقبل التملّك و لا مقابلا لما لا يقبله للبائع مجّانا و أمّا في القسم الأخير فحيث إنّه يعلم أنّ بعض المبيع ليس مالا لا شرعا و لا عرفا و لا يقع بإزائه ثمن فإمّا يجعل المقابل له للبائع مجّانا و إمّا يجعل المجموع بإزاء ما يقبل التملّك كما صرّح به الشّهيد في الحواشي المنسوبة إليه حيث قال إنّ هذا الحكم أي التوزيع مقيّد بجهل المشتري بعين المبيع و حكمه و إلّا كان البذل بإزاء المملوك ضرورة أنّ القصد إلى الممتنع كلا قصد انتهى فإنّ كلامه ينزل على ما إذا امتنع القصد بإزاء المجموع عرفا و إلّا فمجرّد امتناعه في الشّرع لا يجعل القصد إليه كلا قصد فإنّ التوزيع من آثار القصد تكوينا و الأثر التكوينيّ للقصد لا يمكن أن ينفكّ عنه بمجرّد الحكم الشّرعيّ بأنّه كالعدم‌

و بالجملة القصد المعاملي يتمشّى حقيقة من العالم بأنّ الخمر لا يقبل التملّك و إنّما لا يتمشى في مورد العلم بأنّ المبيع لا ماليّة له كالخنفساء و نحوها لأنّ القصد المعاملي ليس مجرّد الخيال كتصور أنياب الأغوال حتّى يمكن تصوّر الماليّة للخنفساء و يفرض كونها مالا في عالم الخيال بل له واقع في عالم الاعتبار و ذلك يتوقّف على عدّ العرف المبيع مالا‌

قوله (قدّس سرّه) و يشكل تقويم الخمر و الخنزير بقيمتهما إذا باع الخنزير بعنوان أنّها شاة و الخمر بعنوان أنها خلّ فبان الخلاف إلى آخره

لا إشكال في أنّه لو ضمّ الخمر مثلا إلى الخلّ و باعهما بعنوان أنّه خمر فيقوم عند مستحلّيه و أمّا لو باعه بعنوان أنّه خلّ فقد يتوهّم أنّه لا وجه لملاحظة قيمة الخمر عند مستحلّيه بل يقوّم بما أنّه خلّ أي يفرض كونه خلّا على طبق عنوان المبيع‌

322

فإنّ له دخلا في القيمة بل سيجي‌ء أنّ مناط ماليّة الأموال هو عناوينها أي صورها النّوعيّة لا المادّة الهيولائيّة و لذا يكون تخلّفها موجبا للفساد و إن جعلها وصفا أو شرطا للمبيع فقال بعتك هذا الّذي هو عبد أو بعتك هذا إن كان عبدا و تبيّن كونه حمارا بل و إن تبيّن كونه أمة لأنّ العبد و الأمة جنسان عند العرف‌

و فيه أنّ العناوين الجنسيّة و إن كانت في باب البيع هي مناط ماليّة الأموال و تخلّفها موجبا لفساد البيع دون تخلّف الوصف و إن جعله عنوانا للمبيع و قال بعتك الكاتب إلّا أنّها في باب التقويم من الدواعي و تخلّفها لا يوجب تبدّل الموضوع فلو قال بعتك هذين الشاتين مع كون أحدهما خنزيرا فلا وجه لردّ قيمة الشّاة بمجرّد جعله معنونا بها مع أنّه أشار إلى ما هو في الخارج خنزير فالإشارة هنا تقدم على العنوان و العنوان من قبيل الدّاعي و تخلّفه لا يضرّ بتقويم ما هو المشار إليه واقعا فلا مناص إلّا عن تقويم ما لا يقبل التملّك بما يقوّم عند مستحلّيه‌

و بالجملة و إن كان مدار الصّحة و الفساد على مطابقة المعنون لعنوانه و مخالفته له و لا أثر للبحث من هذه الجهة في المقام لأنّه على أيّ حال بيع الخنزير باطل باعه بعنوان نفسه أو بعنوان كونه شاة إلّا أن مدار التقويم على واقع الشّي‌ء لا على العنوان فإنّ العنوان لا يغيّر الخنزير عمّا هو عليه‌

[يجوز للأب و الجد أن يتصرّفا في مال الطّفل بالبيع و الشّراء]

قوله (قدّس سرّه) مسألة يجوز للأب و الجد أن يتصرّفا في مال الطّفل بالبيع و الشّراء إلى آخره

هذه المسألة من فروع مسألة شروط المتعاقدين حيث قال و من شروطهما أن يكونا مالكين أو المأذونين من المالك أو الشّارع فالمأذون من المالك هو الوكيل و المأذون من الشّارع هو من له الولاية على التصرّف في مال الغير و الولاية على أقسام قسم منها ذاتي و يعبّر عنه بالإجباري و هو ولاية الأب و الجدّ على اليتيم و ماله و ثبوتها لهما في الجملة ضروري يطّلع عليه المتتبّع في الأبواب المتفرّقة ففي باب الوصيّة ينفذ إذن الوالد في المضاربة بمال ولده الصّغير بحيث لا ضمان على المأذون و في باب الحجر وليّ الطّفل قبل البلوغ و المتصرف في ماله هو الأب و الجد و في باب النّكاح ينفذ عقد الأب و الجد على الصّغير و قسم منها مجعول بجعل شرعيّ تعبديّ كولاية الحاكم و قسم منها مجعول بجعل خلقيّ كولاية القيّم من قبل الأب و الجدّ بعد موتهما على الصّغير‌

و بالجملة ولاية الأب و الجدّ من ضروريّات الفقه و لا شبهة أن تصرّفهما نافذ في مال الطّفل و إنّما الإشكال في جهات ثلاث الأولى في اعتبار عدالتهما أو ثبوتها لهما مطلقا الثّانية في اعتبار المصلحة أو كفاية عدم المفسدة أو جواز التصرّف و لو مع المضرّة الثّالثة في اشتراك جدّ الجد مع الجدّ أيضا في الولاية أو الاشتراك يختصّ بالأب مع الجدّ و إن علا و أمّا مع عدم الأب فالجدّ القريب هو الوليّ دون البعيد لا مستقلّا و لا مشتركا مع القريب‌

أمّا الجهة الأولى فالحقّ عدم اعتبار العدالة لا لما أفاده المصنف من الأصل فإنّ الأصل بالعكس لأنّ نفوذ تصرّف شخص في مال غيره يتوقّف على الدّليل و مع عدمه فالأصل يقتضي عدم نفوذه بل لإطلاق الأدلّة فإنّ الأخبار المستفيضة الدالّة على نفوذ وصيّته في المضاربة بماله و نفوذ عقد الأب و الجد و نفوذ عقد الجد بدون إذن الأب معلّلا بأنّ البنت و أباها للجدّ و الأخبار الدالّة على أنّه و ماله لأبيه إطلاقها شامل لما إذا كان الأب فاسقا و الطّائفة الثّانية و إن كانت في مقام حكم أخلاقيّ لا فقهيّ لعدم كون الولد‌

323

و لا ماله مملوكا للأب و ليس حكمه حكم العبد في كون نفسه ملكا لسيّده حقيقة و ماله مالا له طولا إلّا أن مقتضى تمسّك الأئمّة (عليهم السّلام) بقوله (صلّى اللّٰه عليه و آله) أنت و مالك لأبيك لجواز تصرّف الوالد في مال الولد هو ثبوت الولاية له و إن لم يكن عدلا‌

ففي الوسائل بعد ما نقل في كتاب التجارة عن الشّيخ بإسناده عن محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه ع قال سألته عن الرّجل يحتاج إلى مال ابنه قال يأكل منه ما شاء من غير سرف قال و قال في كتاب عليّ ع إنّ الولد لا يأخذ من مال والده شيئا إلّا بإذنه و الوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء و له أن يقع على جارية ابنه إذا لم يكن الابن وقع عليها و ذكر أنّ رسول اللّٰه قال لرجل أنت و مالك لأبيك‌

ثم روى عنه أيضا عن أبي حمزة الثّمالي عن أبي جعفر ع أنّ رسول اللّٰه ص قال لرجل أنت و مالك لأبيك ثم قال أبو جعفر ع ما أحبّ أن يأخذ من مال ابنه إلّا ما احتاج إليه ممّا لا بدّ منه إنّ اللّٰهُ لٰا يُحِبُّ الْفَسٰادَ و في الوسائل أيضا عن العلل بإسناده إلى محمّد بن سنان أنّ الرّضا ع كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله و علّة تحليل مال الولد لوالده بغير إذنه و ليس ذلك للولد لأنّ الولد موهوب للوالد في قوله عزّ و جل يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ إِنٰاثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ الذُّكُورَ مع أنّه المأخوذ بمئونته صغيرا و كبيرا و المنسوب إليه و المدعوّ له لقوله عز و جل ادْعُوهُمْ لِآبٰائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّٰهِ و لقول النّبي ص أنت و مالك لأبيك إلى آخره‌

و في كتاب الحجر عن أبي عبد اللّٰه ع قال انقطاع يتم اليتيم بالاحتلام و هو أشدّه و إن احتلم و لم يونس منه رشده و كان سفيها أو ضعيفا فليمسك عنه وليّه ماله و بالجملة الأخبار بإطلاقها تدلّ على ثبوت الولاية للوليّ و إن لم يكن عدلا و ليس في البين دليل على اعتبار العدالة حتّى يقيّد ما يكون مطلقا أو يبين ما يكون مجملا و ما تمسّكوا به لاعتبارها مثل قوله عزّ من قائل وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ لا يدلّ على المقصود كما لا يخفى فإنّ الظّالم هنا هو السّلطان الجائر و الرّكون إليه هو الاعتماد عليه و الدّعاء له بالبقاء و هكذا ما قيل من أنّه يستحيل من حكمة الصانع أن يجعل الفاسق أمينا فإنّ على ما في الأخبار من أنّ الولد و ماله لأبيه لم يجعل الفاسق أمينا على مال الغير بل المال و مالكه له‌

و على هذا يردّ أيضا الاستدلال بالآية الشّريفة بناء على كون مطلق الفاسق ظالما و كون جواز تصرّف كلّ فاسق في كلّ ما لم يكن له ركونا إليه لأنّ المال إذا كان مالا لشخص الظّالم فلا يشمله عموم الآية بل لو قلنا بأنّ هذه الأدلّة في بيان أمر أخلاقي و هو إثبات الولاية من باب الشّفقة و المحبّة و إثبات مرتبة من الاختصاص و الملكيّة دون الولاية المصطلحة الفقهيّة إلّا أنّ كون الوليّ فاسقا لا يضادّ مع حكمة الصّانع لأنّ الفاسق لو تعدّى و فرّط في مال الطّفل يحجره الحاكم كحجر السّفيه في ماله‌

نعم لا يمكن عزله لما ذكرنا أنّ هذه موهبة غير قابلة لسلبها عنه و لذا يسمّى بالوليّ الإجباري و كيف كان فلا يظهر لاعتبار العدالة ثمرة عمليّة إلا بناء على اعتبارها موضوعيّا كما في إمام الجماعة و المفتي و القاضي لأنّه لو قلنا في الجهة الثّانية باعتبار المصلحة في نفوذ تصرّفه فمع عدمها يبطل حتّى تصرّف العادل و لو قلنا بكفاية عدم المفسدة من باب أنّ مجرّد الشّفقة يكفي لجعل هذه الولاية فالشّفقة حاصلة للفاسق أيضا و لو قلنا بنفوذه حتّى مع المفسدة فعدم اعتبار العدالة بناء عليه أولى‌

و بالجملة لا دليل‌

324

على اعتبار العدالة فالأقوى ثبوت الولاية للفاسق أيضا نعم ثبوتها للكافر إذا كان المولى عليه مسلما كما إذا كان الجدّ كافرا و كان الوالد مسلما أو كانت الأمّ مسلمة لا يخلو عن إشكال بل الأقوى عدمه لأن الولد إذا كان مسلما من حيث تبعيّته للأب أو الأم فلا يمكن أن تكون للجدّ ولاية عليه لأنّها سبيل و لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا و تمام الكلام في هذا الشّرط و سائر الشّرائط كالحريّة و الإيمان موكول إلى محلّه‌

و أمّا الجهة الثّانية فالحقّ ثبوت الولاية له و لو مع المفسدة و المضرّة للطّفل و ذلك لإطلاق الأدلّة و استدراك المصنف لما أفاده من التمسّك بالإطلاق بقوله لكن الظّاهر منها أي من أخبار جواز تقويم جارية الابن على نفسه تقييدها بصورة حاجة الأب متمسّكا بقول الصادق (عليه السّلام) في جواب من سأله عمّا يحلّ للرّجل من مال ولده و هو قوله ع قوته بغير سرف إذا اضطرّ إليه و بقول الباقر ع لا نحبّ أن يأخذ من مال ابنه إلّا ما يحتاج إليه ممّا لا بدّ منه إنّ اللّٰهُ لٰا يُحِبُّ الْفَسٰادَ و بالآية الشريفة وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ و نحو ذلك لا يضرّ بالمقصود لأنّ المفروض أنّ من هذه الأدلّة يستفاد جواز أخذ الأب من مال الابن ما يحتاج إليه و هو ضرر على الطّفل‌

إلّا أن يقال إن مسألة نفقة الأب أو الجدّ من مال الولد صغيرا كان أو كبيرا خارجة عن موضوع البحث و إنّما الكلام في جواز تصرّف الوليّ الإجباري فيما يرجع إلى أمر الطّفل و هذه الأدلّة ليست ناظرة إلى إثبات الولاية بالمعنى الّذي هو موضوع البحث و هو نفوذ تصرف الوليّ في مال الطّفل بالبيع و الشّراء و الصّلح و الهبة و أمثال ذلك حتّى يتمسّك بإطلاقها لجواز تصرّفه فيما كان مضرا بالطّفل و إنّما هي في مقام جواز أخذ الوالد مال الولد و إن كان كبيرا‌

نعم يستفاد من هذه الأخبار أنّ للوالد نحو سلطنة على مال الولد و نفسه لا سيّما بضميمة أخبار عقد الجدّ بدون إذن الوالد و لا نعني بالولاية إلّا هذا المعنى لأنّه لو كان الولد و ماله تحت سلطنة الوالد فله التصرّف في ماله تصرّف الملاك في أملاكهم و مقتضى مفادها أن نحو ولاية الأب و الجدّ غير ولاية سائر الأمناء و الولاة لأنّ حكمة جعل الولاية قد تكون المصلحة و الغبطة كولاية الحاكم و نحوه و قد تكون الشّفقة و المحبّة كولاية الأب و الجدّ‌

و على هذا فكما يجوز تصرف الجدّ أو الأب في مال نفسه لو لم يكن سفهيّا و إن كان ضرريّا فكذا يجوز تصرّفه في مال المولى عليه كذلك إلّا أن ينعقد إجماع على خلافه أو يتمسّك بقوله سبحانه وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ و الخطاب فيه و إن لم يشمل الأب لفرض اليتم فيه إلّا أنّه يشمل الجد و يتم في الأب بعدم القول بالفصل أو يقال شمول اليتيم لمن ماتت أمّه و لو كان أبوه حيّا فتأمّل فإنّ الحكم بالإطلاق لا يخلو عن وجه و إن اختار شيخنا الأستاد مدّ ظله في هذه الدّورة عدم جواز التصرّف مع المفسدة‌

و أمّا الجهة الثّالثة فلا ينبغي الإشكال في أنّ الجد و إن علا يشارك الأب في الولاية عرضا فمع وجود الأب جدّا لجدّ حكمه حكم الجدّ في اشتراكه مع الأب لأن رواية النّكاح شاملة للجدّ العالي و إنّما الإشكال في أن مع فقد الأب هل الحكم بين الأجداد عرضيّ أو طوليّ أي الأقرب يمنع الأبعد أم لا فقد يتمسّك للأوّل بقوله عزّ من قائل وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ و لكنّ الظّاهر أنّ الآية‌

325

واردة لحكم الإرث و لا تشمل الولاية و هكذا لا تشمل المقام الأدلّة الدالّة على أنّ الأولى بأمر الميّت من كان أولى بالميراث فإنّها في مقام بيان الولاية في أمر التّجهيز و المناط في عدم مزاحمة الأب مع الجدّ في تزويج البنت مشترك بين الأجداد فإنّ الطّبقات النّازلة مملوكة للعالية فيشترك العالي مع النّازل‌

[مسألة من جملة أولياء التصرّف في مال من لا يستقلّ بالتصرّف في ماله الحاكم]

قوله (قدّس سرّه) مسألة من جملة أولياء التصرّف في مال من لا يستقلّ بالتصرّف في ماله الحاكم إلى آخره

لا شبهة في أنّ للحاكم الّذي هو الفقيه الجامع للشرائط التصرّف في مال الصّغير و الغائب في الجملة و إنّما الكلام في أنّ جواز تصرّفه فيه هل هو من جهة الولاية العامّة الثّابتة له على قول أو لكون هذا التصرّف من شئون القضاء الثّابت له بلا خلاف‌

و توضيح ذلك أنّ للولاية مراتب ثلاث إحداها و هي المرتبة العليا مختصّة بالنّبي و أوصيائه الطّاهرين (صلوات اللّٰه عليهم أجمعين) و غير قابلة للتّفويض إلى أحد و اثنتان منها قابلتان للتّفويض أمّا غير القابلة فهي كونهم (عليهم السّلام) أولى بالمؤمنين من أنفسهم بمقتضى الآية الشّريفة النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ و هذه المرتبة غير قابلة للسّرقة و لا يمكن أن يتقمّص بها من لا يليق بها و أمّا القابلة للتفويض فقسم يرجع إلى الأمور السّياسيّة الّتي ترجع إلى نظم البلاد و انتظام أمور العباد و سدّ الثّغور و الجهاد مع الأعداء و الدّفاع عنهم و نحو ذلك ممّا يرجع إلى وظيفة الولاة و الأمراء‌

و قسم يرجع إلى الإفتاء و القضاء و كان هذان المنصبان في عصر النّبي و الأمير (صلوات اللّٰه عليهما) بل في عصر الخلفاء الثلاثة لطائفتين و في كل بلد أو صقع كان الوالي غير القاضي فصنف كان منصوبا لخصوص القضاء و الإفتاء و صنف كان منصوبا لإجراء الحدود و نظم البلاد و النّظر في مصالح المسلمين‌

نعم اتّفق إعطاء كلتا الوظيفتين لشخص واحد لأهليّته لهما إلّا أنّ الغالب اختلاف الوالي و القاضي و لا إشكال في ثبوت منصب القضاء و الإفتاء للفقيه في عصر الغيبة و هكذا ما يكون من توابع القضاء كأخذ المدّعى به من المحكوم عليه و حبس الغريم المماطل و التصرّف في بعض الأمور الحسبيّة كحفظ مال الغائب و الصّغير و نحو ذلك‌

و إنّما الإشكال في ثبوت الولاية العامّة و أظهر مصاديقها سدّ الثّغور و نظم البلاد و الجهاد و الدّفاع و هنا مصاديق مشكوكة في أنّها من منصب القاضي أو الوالي كإجراء الحدود و أخذ الزكاة و إقامة الجمعة و لإثبات دخولها في أيّ واحد من المنصبين محلّ آخر و المهم إثبات الكبرى و هي ثبوت الولاية العامّة للفقيه في عصر الغيبة فإنّها لو ثبتت بالأدلّة المعتبرة فالبحث عن الصّغرى لغو لأنّها على أيّ حال من وظيفة الفقيه‌

و استدلّوا لثبوتها له بالأخبار الواردة في شأن العلماء و بالتّوقيع الشّريف المرويّ في إكمال الدّين و هو قوله أرواحنا له الفداء و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّٰه و بمقبولة عمر بن حنظلة و بالمشهورة و بروايتي أبي خديجة و لكنّك خبير بعدم دلالتها على المدّعى‌

أمّا قوله ص علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل فلعلّ التّنزيل كان بلحاظ تبليغ الأحكام بين الأنام كما هو شأن أغلب أنبياء بني إسرائيل فإنّهم ع كانوا مبلّغين لأحكام موسى على نبيّنا و آله و (عليه السّلام) و قلّ من كان منهم واليا و سلطانا كداود و سليمان ع‌

و أما قوله ع مجاري الأمور بيد العلماء و قوله العلماء ورثة الأنبياء‌

326

و نحو ذلك من الأخبار الواردة في علوّ شأن العالم فمن المحتمل قريبا كون العلماء فيها هم الأئمّة (عليهم السّلام) كما في الخبر المعروف مداد العلماء كدماء الشهداء و لا سيّما الخبر الأوّل الدالّ بإطلاقه على الولاية العامّة فإنّ فيه قرائن تدلّ على أنّ المراد من العلماء فيه هم الأئمّة (عليهم السّلام) فإنّهم هم الأمناء على حلال اللّٰه و حرامه‌

و أمّا التّوقيع الشّريف فغاية تقريبه للمدّعى ما أفاده في المتن من الوجوه الّتي منها ظهور الحوادث في مطلق الوقائع الّتي لا بدّ من الرّجوع فيها إلى الإمام ع مع حضوره من غير فرق بين الأحكام و السّياسات من إجراء الحدود و أخذ الزّكوات و نحو ذلك و منها إرجاع نفس الحوادث إلى رواة الأحاديث الّذين هم الفقهاء فتكون ظاهرة في الأمور العامّة لا أحكامها حتى تكون ظاهرة في الإفتاء و القضاء و منها التّعليل بكونهم حجّة من قبله كما أنّه ع حجّة من قبل اللّٰه فما كان له (عليه السّلام) من قبل اللّٰه سبحانه و كان قابلا للتفويض فهو للرّواة و منها أنّ مثل إسحاق بن يعقوب أجلّ شأنا من أن يخفى عليه لزوم الرّجوع في المسائل الشّرعيّة إلى الفقهاء بخلاف الرّجوع إليهم في الأمور العامّة فإنّه يحتمل أن يكون الإمام ع قد جعله الشخص خاص أو أشخاص معيّنة من ثقات ذاك الزّمان فيريد معرفته فيوقع الإمام أرواحنا له الفداء بأنّ جميع الرّواة مراجع لهذه الأمور‌

هذا و لا يخفى ما في هذه الوجوه من المناقشة أمّا الأوّل فلأنّ السّؤال غير معلوم فلعلّ المراد من الحوادث هي الحوادث المعهودة بين الإمام ع و السّائل و على فرض عمومها فالمتيقّن منها هي الفروع المتجدّدة و الأمور الرّاجعة إلى الإفتاء لا الأعمّ و أمّا الثّاني فلأنّ أدنى المناسبة بين نفس الحوادث و حكمها كاف للسّؤال عن حكمها فيكون الفقيه هو المرجع في الأحكام لا في نفس الحوادث و أمّا الثّالث فلأنّ الحجّة تناسب المبلّغيّة في الأحكام و الرسالة على الأنام أيضا كما في قوله عزّ من قائل قُلْ فَلِلّٰهِ الْحُجَّةُ الْبٰالِغَةُ و قوله تِلْكَ حُجَّتُنٰا آتَيْنٰاهٰا إِبْرٰاهِيمَ و نحو ذلك ممّا ورد بمعنى البرهان الّذي به يحتجّ على الطّرف‌

و بهذا المعنى أيضا ورد قوله ع إنّ الأرض لا تخلو من حجّة لأنّ به يتمّ الحجّة و يهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حيّ عن بيّنه و لذا وصفهم برواة الأحاديث الّذين شأنهم التّبليغ و أمّا الرابع فكون محمّد بن إسحاق من أجلّاء العلماء لا ينافي سؤاله عن أمر جليّ و لذا يسأل مثل زرارة و محمّد بن مسلم من الإمام ما لا يخفى على أحد هذا مع أن سؤاله لا يكون ظاهرا في تكليف المسلمين في الغيبة الكبرى حتّى يكون الجواب ظاهرا في عموم الوقائع بل يسأل عن حالهم في الغيبة الصّغرى فإنّ العمري الّذي بتوسطه سأل محمّد بن إسحاق عن حكم الوقائع عن الإمام ع هو محمّد بن عثمان العمري كما يظهر من قوله ع في ذيل الخبر و أمّا محمّد بن عثمان العمري فرضي اللّٰه عنه و عن أبيه من قبل فإنّه ثقتي و كتابه كتابي و هو كان سفيرا من قبله ع فلعلّه يسأل بتوسّطه عن المرجع في الفروع المتجدّدة في ذلك العصر لا عن المرجع في الأمور العامّة‌

و أمّا روايتا أبي خديجة فاختصاصهما بالقضاء واضح مضافا إلى ضعفهما لأنّ له حالة اعوجاج عن طريق الحقّ و هي زمان متابعته للخطابيّة و حالتي استقامة و هما قبل الاعوجاج و بعده و لم يعلم أنّه رواهما في أيّ الحالات و كيف كان لا تدلان إلّا على نفوذ قضاء المجتهد المطلق أو المتجزّي أيضا دون مطلق الأمور العامّة فإنّ إحداهما قوله ع اجعلوا بينكم رجلا ممّن عرف حلالنا و حرامنا‌

327

و الأخرى قوله ع انظروا إلى رجل منكم يعلم من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه و في سند الكليني إليه بدل قضايانا قوله قضائنا و لا يخفى أنّ القاضي غير الوالي‌

و أمّا المشهورة و هي قوله السّلطان وليّ من لا وليّ له فلا تدلّ أيضا على مرجعيّة السلطان في الأمور العامّة فإنّه لو لم نقل بما قيل من ورودها بالنّسبة إلى الميّت الّذي لا وليّ له بل قلنا بولايته على كلّ من لا وليّ له حتى الموقوف عليهم في الأوقاف العامّة فضلا عن مثل الصبيّ و المجنون و الغائب إلّا أنّه حيث إنّ ظاهرها ولاية السلطان على من يحتاج إلى الوليّ فتختصّ بالأمور الحسبيّة فلا تدلّ على ولايته على إقامة الجمعة و إجراء الحدود و أخذ الزكاة جبرا و نظم البلاد و ما يرجع إلى الأمور العامّة‌

نعم لا بأس بالتمسّك بمقبولة عمر بن حنظلة فإن صدرها ظاهر في ذلك حيث إنّ السّائل جعل القاضي مقابلا للسّلطان و الإمام ع قرره على ذلك فقال سألت أبا عبد اللّٰه ع عن رجلين من أصحابنا تنازعا في دين أو ميراث فتحاكما إلى السّلطان أو إلى القضاة أ يحلّ ذلك إلى آخره‌

بل يدلّ عليه ذيلها أيضا حيث قال ع ينظر إلى من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإنّي قد جعلته عليكم حاكما فإنّ الحكومة ظاهرة في الولاية العامّة فإنّ الحاكم هو الّذي يحكم بين النّاس بالسّيف و السّوط و ليس ذلك شأن القاضي ثم إنّ وجوب أداء سهم الإمام أرواحنا له الفداء إلى الفقيه ليس إلّا من باب أنّه أبصر بموارد صرفه بعد العلم بأنّه ع لو كان حاضرا لصرفه‌

و كيف كان فإثبات الولاية العامّة للفقيه بحيث تتعيّن صلاة الجمعة في يوم الجمعة بقيامه لها أو نصب إمام لها مشكل‌

قوله (قدّس سرّه) الولاية تتصوّر على وجهين الأوّل استقلال الوليّ بالتصرّف مع قطع النّظر عن كون تصرّف غيره منوطا بإذنه أو غير منوط به و مرجع هذا إلى كون نظره سببا في جواز تصرّفه الثّاني عدم استقلال غيره بالتصرّف و كون تصرّف الغير منوطا به و إن لم يكن هو مستقلّا بالتصرّف و مرجع هذا إلى كون نظره شرطا في جواز تصرّف غيره و بين موارد الوجهين عموم من وجه إلى آخره

لا يخفى أنّ هذين القسمين المتصوّرين في الولاية لا يوجبان اختلافا في حقيقتها لأنّ لنظر الوليّ جهة موضوعيّة في كلا القسمين غاية الأمر أنّ ما يراه صلاحا تارة لا بدّ أن يقع عن الفقيه بالمباشرة كالفتوى و القضاء و أخرى لا بدّ أن يقع بمباشرة غيره كما إذا عجز أحد الوصيّين اللّذين اشترط الموصي اجتماعهما أو مرض على وجه لا يقدر على القيام بتمام ما أوصي به و لو بالتوكيل أو الاستيجار فإنّ الحاكم يضمّ إليه من يقوّيه و يعينه فإنّ في هذا المثال ليس للحاكم المباشرة مع أنّ تصرّف غير الوصي منوط بإذنه و ثالثة يمكن أن يقع من الحاكم أو من غيره بإذنه كوكيله أو متولّي الوقف من قبله أو المأذون في الصّلاة على ميّت لا وليّ له و على هذا فالمثال الثالث هو مادّة الاجتماع‌

و بالجملة إن رجع جهة العموم من وجه بين القسمين إلى مباشرة الحاكم و الغير فلا بدّ أن يفرض مادة الاجتماع ما يمكن أن يصدر من كليهما و أمّا لو رجع إلى غير هذه الجهة فلا نجد بينهما هذه النسبة إذ لا ينفكّ توقّف التصرّف على نظر الفقيه عن استقلاله في التصرّف‌

بل يمكن أن يقال لا اختلاف في حقيقتهما بل كلّ منهما من أفراد الولاية العامّة فإنّ كون نظر الحاكم شرطا لجواز تصرّف الغير أو سببا لجواز تصرّف نفسه لا يوجب اختلافا في هويّتها فإنّ هذه‌

328

الاختلافات راجعة إلى المشخّصات الفرديّة و كلّ من هاتين المرتبتين من شئون ولاية الفقيه و من كان واليا من قبل الإمام ع في البلاد بل لا يمكن صدور جميع الأمور من نفس الوالي بالمباشرة كما لا يخفى‌

قوله (قدّس سرّه) ثم إنّ النّسبة بين مثل هذا التّوقيع و بين العمومات الظّاهرة في إذن الشّارع في كلّ معروف لكلّ أحد مثل قوله ع كل معروف صدقة و قوله ع عون الضّعيف من أفضل الصّدقة و أمثال ذلك و إن كانت عموما من وجه إلّا أنّ الظّاهر حكومة هذا التّوقيع عليها إلى آخره

الظّاهر أن مراده من العموم من وجه بين التوقيع و العمومات هو أنّ الحوادث الّتي يكون المرجع فيها الفقيه هي الأعمّ من كونها معروفا أو غير معروف لأنّ جميع الوقائع العامّة الحادثة يكون المرجع فيها الفقيه سواء كانت من الأمور الّتي علم من الشّارع بوجوب وجودها في الخارج أم لم تكن كذلك كحكمه بثبوت الهلال و نحو ذلك و أمّا أعميّة المعروف فيمكن أن يكون بلحاظ شموله للأمور الكليّة و الجزئيّة و يمكن أن يكون بلحاظ شموله للحادث في عصر الغيبة و لما كان في عصر الأئمّة‌

و كيف كان لو قيل بأنّ مرجعيّة الفقيه لا تختصّ بالقضاء و الإفتاء فلا شبهة في حكومة هذا التوقيع على العمومات لأنّ مقتضاه أنّ صدور كلّ قضيّة يجب أن يكون بنظر الفقيه فكون القضيّة معروفة لا ينافي كونها مشروطة بإذن الفقيه‌

قوله (قدّس سرّه) و على أيّ تقدير فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ ما دلّ عليه هذه الأدلّة هو ثبوت الولاية للفقيه في الأمور الّتي يكون مشروعيّة إيجادها في الخارج مفروغا عنها بحيث لو فرض عدم الفقيه كان على النّاس القيام بها كفاية و أمّا ما يشكّ في مشروعيّته كالحدود لغير الإمام و تزويج الصّغيرة لغير الأب و الجدّ و ولاية المعاملة على مال الغائب بالعقد عليه و فسخ العقد الخياري عنه و غير ذلك فلا يثبت من تلك الأدلّة مشروعيّتها للفقيه إلى آخره

لا يخفى أنّه بعد أن بيّنا أنّ للإمام (عليه السّلام) مراتب ثلاث من الولاية و أن مرتبة منها غير قابلة للتفويض و هي كونه ع أولى بالمؤمنين من أنفسهم و محلّ الكلام غير هذا القسم و هو الولاية العامّة و القضاء و الإفتاء يظهر ما في كلام المصنف أمّا أولا فلأنّ بعض الأمور خارج عن موضوع البحث كتزويج الصّغيرة لغير الأب و الجد فإنّه ليس من شئون القضاء و الإفتاء و لا من الأمور الّتي يتوقّف نظم البلاد عليها و لا من المعروف الّذي نعلم بوجوب وجوده في الخارج و ثانيا من أين ظهر أن ما دلّ عليه هذه الأدلّة هو ثبوت الولاية للفقيه في الأمور الّتي يكون مشروعيّة إيجادها في الخارج مفروغا عنها فإنّه (قدّس سرّه) اعترف بأنّ النّسبة بين التّوقيع و العمومات الظّاهرة في إذن الشّارع في كلّ معروف لكلّ أحد هي العموم من وجه و قد تقدّم أنّ أعميّة الحوادث إنّما هي باعتبار شمولها للمعروف و غيره و على فرض عدم اعترافه (قدّس سرّه) بذلك فقوله ع و أمّا الحوادث لا يختصّ بهذه الأمور و كذا قوله ع مجاري الأمور بيد العلماء و قوله ع فإنّي قد جعلته حاكما‌

و بالجملة حيث إنّه (قدّس سرّه) جعل الولاية على قسمين استقلال الوليّ بالتصرّف و عدم استقلال غيره بالتصرّف نهض لإثبات الثّاني بالأدلّة الدالّة على أنّ مرجع الأمور هو الفقيه مع أنّك قد عرفت أنّ هذا التّقسيم ليس إلّا باعتبار تصدّي نفس الحاكم أو المأذون من قبله و مع الغضّ عن هذا و التّسليم بصحّة التّقسيم على وجه التباين و لو في الجملة فالدّليل الدالّ على الثّاني يدلّ على الأوّل أيضا و الخبير يعرف مواقع أخر للنّظر في كلامه (قدّس سرّه)

و بالجملة المقصود من إثبات الولاية للفقيه هو إثبات ما كان للأشتر‌

329

و قيس بن سعد بن عبادة و محمّد بن أبي بكر و نظرائهم (رضوان اللّٰه تعالى عليهم) و لا إشكال في أنّه كان لهم أجزاء الحدود و أخذ الزكاة جبرا و الخراج و الجزية و نحو ذلك من الأمور العامّة فراجع‌

[مسألة في ولاية عدول المؤمنين]

قوله (قدّس سرّه) مسألة في ولاية عدول المؤمنين إلى آخره

لا يخفى أنّه لو ثبت الولاية العامّة للفقيه مطلقا إلّا ما خرج كإقامة الجمعة الّتي قيل باختصاصها بالإمام (عليه السّلام) فإذا تعذر الرّجوع إليه في الأمور الّتي يتوقّف حفظ النظام عليها فلا شبهة في سقوط اعتبار مباشرته أو إذنه لاستقلال العقل بلزوم القيام بما يحفظ به النظام غاية الأمر ما دام العادل قادرا على القيام به فهو المتيقّن و إلّا فعلى كلّ من يتمكّن منه و أمّا الأمور الّتي لا يتوقف حفظ النّظام الكلّي عليها و لكنّها من المعروف أو من قبيل فصل الخصومات أو الإفتاء في الأحكام الكليّة فتارة يعلم من مناسبة الحكم و الموضوع أنّ ولايته إنّما هو لنظره و اجتهاده غاية الأمر اعتبر فيه العدالة أيضا موضوعيّا و أخرى يعلم بأنّ ولايته لعدالته أو لرئاسته و حكومته أي يعلم بأنّ الاجتهاد لم يكن دخيلا أصلا أو لم يكن ركنا في الموضوع ففي الأوّل إذا فقد الفقيه ليس لغيره التصدّي له فلا يجوز للعامي الإفتاء و لا القضاء و في الثّاني يقوم عدول المؤمنين به من باب كونه المتيقّن أو مطلق من يوثق به و لو تعذّر فيقوم به سائر المؤمنين‌

و بالجملة الأمور الّتي يعلم من الشّرع مطلوبيّتها في جميع الأزمان و لم يؤخذ في دليلها صدورها من شخص خاصّ فمع وجود الفقيه هو المتعيّن للقيام بها إمّا لثبوت ولايته عليها بالأدلّة العامّة أو لكونه هو المتيقّن من بين المسلمين أو لئلّا يلزم الهرج و المرج فيعتبر قيام الفقيه به مباشرة أو إذنه أو استنابته و مع تعذّره فيقوم به سائر المسلمين و لما كان العدل أولى بالحفظ و الإصلاح فمع وجوده هو المتعيّن كما يدلّ عليه الأدلّة الّتي نشير إليها أو هو المتيقّن و مع فقده فمطلق الثّقة و مع عدمه فكلّ من كان صالحا فكون هذه الأمور مطلوبة لا ينافي اعتبار قيام شخص خاصّ بها على التّرتيب كما لا ينافي مطلوبيّتها لزوم تعطيلها إذا قلنا باعتبار قيام خصوص الفقيه بها عند فقده‌

نعم لو كانت مطلوبة على كلّ تقدير و لو مع فقد الفقيه فلا بدّ من القيام بها على التّرتيب المذكور و قد يستدلّ لولاية عدول المؤمنين على الصّغار الّذين لا وليّ لهم بما رواه في الكافي عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع قال مات رجل من أصحابنا و لم يوص فرفع أمره إلى قاضي الكوفة فصير عبد الحميد القيّم بماله و كان الرّجل خلّف ورثة صغارا و متاعا و جواري فباع عبد الحميد المتاع فلمّا أراد بيع الجواري ضعف قلبه في بيعهنّ إذ لم يكن الميّت صيّر إليه وصيّته و كان قيامه بهذا بأمر القاضي لأنّهن فروج فذكرت ذلك لأبي جعفر (عليه السّلام) فقلت له يموت الرّجل من أصحابنا و لم يوص إلى أحد و يخلّف الجواري فيقيم القاضي رجلا منّا ليبعهنّ أو قال يقوم بذلك رجل منّا فيضعف قلبه لأنهن فروج فما ترى في ذلك القيّم قال فقال إذا كان القيّم مثلك أو مثل عبد الحميد فلا بأس‌

و تقريب دلالته على العدالة أنّ الوجوه المحتملة للمماثلة أربعة الأوّل المماثلة في التشيّع و الثّاني المماثلة في الفقاهة الثالث المماثلة في الوثاقة و ملاحظة مصلحة اليتيم الرابع المماثلة في العدالة و الأوّل بعيد جدّا و إلّا كان المناسب أن يقال إذا كان من أصحابنا أو من أصحابك أو من يعرف أمرنا فلا بأس و الثّاني أبعد لأنّه لو كان كذلك فمفهوم الشّرط أنّه لو لم يكن القيّم فقيها ففيه البأس و هذا ينافي كون التصرف في مال اليتيم و القيام بأمره من الأمور التي لا تسقط بتعذّر إذن الفقيه فيدور الأمر‌

330

بين الاحتمالين الأخيرين‌

و النّسبة بين الوثاقة و العدالة و إن كانت عموما من وجه إلّا أنّه لا شبهة أنّ العدل أيضا لا بدّ من أن يتصرّف فيما هو مصلحة اليتيم فالعدالة في هذا الباب هي الأخصّ من الوثاقة و في الدّوران بين الخاص و العامّ الخاصّ هو المتيقّن‌

هذا مضافا إلى اعتبار العدالة صريحا في رواية إسماعيل بن سعد قال سألت الرّضا (عليه السّلام) عن رجل يموت بغير وصيّة و له ولد صغار و كبار أ يحلّ شراء شي‌ء من خدمه و متاعه من غير أن يتولّى القاضي بيع ذلك فإن تولّاه قاض قد تراضوا به و لم يستخلفه الخليفة أ يطيب الشّراء منه أم لا قال ع إذا كان الأكابر من ولده معه في البيع فلا بأس إذا رضي الورثة بالبيع و قام عدل في ذلك‌

نعم ظاهر صحيحة علي بن رئاب و موثّقة زرعة عن سماعة كفاية الوثاقة و لكنّهما قابلتان للتّقييد بالعدالة فمع وجود العدل لا شبهة أنّ المتيقن نفوذ خصوص ما يقوم به نعم مع تعذّره يقوم الفسّاق من المؤمنين بعد عدم احتمال تعطيله لكونه ضروريّا و ممّا يستقل العقل بلزوم وجوده‌

ثم إنّه لا إشكال في أنّ ثبوت الولاية للعدل أو الثّقة ليس كثبوتها للفقيه فإنّ الفقيه لو وضع يده على مال اليتيم أو الغائب يخرج المولى عليه عمّن لا وليّ له و ليس لفقيه آخر مزاحمته و هذا بخلاف ولاية العدل أو الثّقة فإنّ ولايته عبارة عن أنّ له أن يفعل في مال المولى عليه ما يراه صلاحا فما لم يفعل و لم يتصرّف في المال يجوز تصرّف العدل الآخر‌

و بعبارة أخرى حكم ولاية العدل حكم ولاية الأب و الجدّ فما دام الموضوع باقيا له التصدّي و أمّا ولاية الفقيه فلا يقبل المزاحمة و إن لم يتصرّف بعد لأنّه وليّ من لا وليّ له فإذا تحقّق الوليّ فلا ولاية لآخر كما هو مفاد المشهورة السّلطان وليّ من لا وليّ له‌

ثمّ لا يخفى أنّه يستفاد من مجموع الأدلّة أن ولاية الفقيه و العدل و مطلق المؤمن ليس كولاية الأب و الجد حتى يكون لهم التصرّف مطلقا بل الظّاهر منها إناطة جواز التصرّف بما كان صلاحا لليتيم أو الغائب و نحوهما لأن مفهوم قوله ع في حسنة الكاهلي إن كان في دخولكم عليهم منفعة فلا بأس أنّه لو لم يكن الدّخول صلاحا لهم سواء كان ضرريا أو لا ففيه البأس و ذكر أحد فردي المفهوم لخصوصيّة موجبة لذكره في الشّرطيّة الثّانية لا يوجب أن تكون الشّرطيّة الأولى ساكتة عمّا لم يكن فيه صلاح و فساد لأنّ ظاهر الشّرط في الثّاني أنّ المدار على الأوّل فهو تابع للأوّل مع أنّه لو كان كذلك فمقتضى الأصل و هو عدم ولاية أحد على مال غيره هو اعتبار الصّلاح فلا تعارض بين الصدر و الذّيل و ترك الاستفصال في رواية مغيرة إنّما هو لأنّ الغالب في الهدايا للأيتام أنّ تبديلها بالثّمن صلاح لهم‌

[مسألة يشترط فيمن ينتقل إليه العبد المسلم ثمنا أو مثمنا أن يكون مسلما]

قوله (قدّس سرّه) يشترط فيمن ينتقل إليه العبد المسلم ثمنا أو مثمنا أن يكون مسلما إلى آخره

لا يخفى أنّ الدّليل الدالّ عليه الخالي عن الإشكال و المناقشة هو النّص الوارد في عبد كافر أسلم فإنّ أمر الأمير عليه الصّلاة و السّلام بالبيع من المسلم و نهيه عن الاستقرار عند الكافر يدلّ بالملازمة العقليّة على عدم تملّك الكافر العبد المسلم ملكا مستقرّا فهو نظير ما لو قيل أزل النّجاسة عن المسجد فكما يفهم منه حرمة إدخال النّجس فيه كذلك يستفاد من عدم استقرار ملك الكافر على المسلم عدم حدوث ملكه عليه كذلك‌

و ما أفاده المصنف (قدّس سرّه) من أنّ عدم الحدوث تابع لعدم الرّضا بالبقاء فكما أن عدم الرّضا بالبقاء لا يدلّ على خروج ملك الكافر عن ملكه بمجرّد إسلام عبده بل هو مجرّد تكليف بعدم‌

331

الإبقاء و لا يستتبع وضعا فكذلك عدم حدوثه أيضا ليس معناه عدم تملّكه أصلا بل مع تملّكه له يجب إخراجه عن ملكه ففيه أنّه لا إشكال في المتابعة و إن حكم الحدوث و يستفاد من حكم الإبقاء إلّا أنّ منع استتباع النّهي عن الإبقاء للوضع مناقض لما هو المستفاد منه (قدّس سرّه) في الأصول على ما في التقرير من أنّ النّهي الرّاجع إلى السّبب يقتضي الفساد كما هو الحقّ فإنّ النّهي إذا تعلّق بنتيجة الفعل و قيل بأنّه لا تقرّوا المسلم تحت يد الكافر يدلّ عقلا على أنّ الكافر مسلوب التصرّف و ليس له إبقاء الملك على ملكه فإذا كان كذلك في مرحلة البقاء يكون كذلك في مرحلة الحدوث أي ليس له إحداث الملك المستقر‌

و لذلك ذهب المشهور إلى أنّه لو نذر أن يتصدق فليس له بيع المنذور لأنّه بنذره سلب عن نفسه جميع التصرّفات المنافية للصّدقة و هكذا لو اشترط أن يبيع من زيد أو لا يبيع من عمرو فليس له إلّا البيع من زيد في الأوّل و لا ينفذ بيعه من عمرو في الثّاني و ليس ذلك إلّا لأنّ الشّرط أو النّذر يوجب سلب سلطنة المالك على غير العمل بالنّذر أو الشّرط‌

فحاصل الرّواية أنّه يجب عليه وضعا البيع من المسلمين و يحرم عليه وضعا البقاء عنده أي إنّه مسلوب التصرّف و لا معنى للفساد إلّا عدم سلطنته على التصرّف و هذا نتيجة حكومة الأدلّة الدالّة على العناوين الثّانويّة كالنّذر و الشّرط و نحو ذلك على العمومات الأوّليّة ك‍ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و النّاس مسلطون على أموالهم‌

قوله (قدّس سرّه) و أمّا الآية فباب الخدشة فيها واسع إلى آخره

لا يخفى أنّه لو سلّم الخدشة الأولى من جهة أن ظاهر كلمة لن في قوله عزّ من قائل لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا أن جعل السّبيل للكافر على المؤمن أمر لم يكن و لا يمكن أن يكون أبدا و هذا المعنى غير قابل للتّخصيص مع أنّه لا إشكال في تملّك الكافر المؤمن بالإرث ابتداء و تملّكه له استدامة كما لو كانا كافرين و أسلم العبد أو كانا مسلمين و ارتدّ المولى فلا بدّ من جعل السّبيل المنفيّ غير الملكيّة حتّى لا يلزم تخصيص و لم نقل بأنّ لزوم التّخصيص إنّما هو لو التزمنا أنّ السّبيل مطلق التملّك القهري و الاختياري و أمّا لو قلنا بأنّ التملّك القهري ليس سبيلا له على المؤمن فلا يلزم تخصيص إلّا أنّه لا يرد عليها الخدشة الثانية و الثّالثة‌

أمّا الثّانية فلأنّ تفسيرها في بعض الأخبار بنفي الحجّة للكفّار على المؤمنين لا ينافي الأخذ بظاهرها و هو نفي كلّ ما يعدّ عرفا سبيلا و من أفراده الظّاهرة كون العبد المسلم مملوكا له كسائر أملاكه بحيث يكون له جميع أنحاء التصرّف من الاستخدام و بيعه من الكافر و نحو ذلك فإن هذه التّفاسير من بطون القرآن و من المعاني الطّوليّة الغير المستلزمة لاستعمال لفظ واحد في أكثر من معنى واحد فلا تنافي ما هو ظاهره‌

و أمّا الثّالثة فلأن مجرّد كون النّسبة بين الآية و أدلّة صحّة البيع عموما من وجه لا يوجب معاملة التّعارض بينهما لأن حكومتها عليها يرفع التّعارض و لا وجه لما أفاده في قوله و حكومة الآية عليها غير معلومة لأنّ الحكومة لا تحتاج إلّا إلى كون أحد الدليلين ناظرا إلى الآخر بأن يتعرّض الحاكم إلى عقد وضع المحكوم أو حمله و معلوم أنّ الآية كذلك بالنّسبة إلى العمومات لو لم يكن هناك محذور فالعمدة إباء سياق الآية عن التّخصيص‌

و على هذا فيحمل الآية على نفي السّلطنة التامّة لا أصل الملكيّة و مقتضى نفي التسلّط التّام أن يكون المالك محجورا عن التصرّف الصّادق عليه الاستيلاء و السّبيل و مجبورا على البيع و بالجملة مقتضى الرّواية الشريفة‌

332

عدم تملّك الكافر المسلم و مقتضى الآية المباركة عدم استيلائه عليه و على هذا ففي الموارد الّتي لا يدخل رقبة المسلم تحت يد الكافر كملك المنافع إذا صدق الاستيلاء عليه ليس له ذلك أيضا كما سيجي‌ء إذ فرق بين مفاد الآية المباركة و الرّواية الشّريفة فإنّ الآية غير ناظرة إلى أدلّة المعاوضات و إنّما هي حاكمة على مثل النّاس مسلّطون لأنّ السّبيل هو السّلطنة التامّة دون التملّك‌

و أمّا الرّواية الشّريفة فهي حاكمة على أدلّة المعاوضات إذا اقتضت الملكيّة المستقرّة و لا تشمل الملكيّة الاستطراقيّة على المسلم و لا الملكيّة الحاصلة للكافر قهرا كالإرث و نحوه كالوقف عليه لأنّ قوله ع لا تقرّوه عنده لا يدلّ على خروج الملك عن ملك الكافر قهرا بل على عدم استقراره عنده فلا يدلّ على عدم حدوثه عنده و إنّما الملازمة بين البقاء و الحدوث تقتضي عدم الحدوث و على نحو الاستقرار فالعقود المقتضية للبقاء كالبيع و نحوه محكومة بالرّواية لا كلّما يوجب الملك و لو آنا ما‌

قوله (قدّس سرّه) هذا مضافا إلى أنّ استصحاب الصّحة في بعض المقامات يقتضي الصّحة إلى آخره

لا يخفى ما في هذا الكلام من الغرابة فإنّ عدم القول بالفصل مضافا إلى أنّه لا أثر له إلّا إذا رجع إلى الإجماع على الاتّحاد لا وجه له في باب مجاري الأصول فإن التّفكيك بين اللوازم و الملزومات لا محذور فيه فإذا جرى الأصل في مورد و لم يجر في آخر فلا وجه لإلحاق هذا المورد بمورد جريان الأصل‌

و بالجملة محلّ التمسّك بعدم القول بالفصل إنّما هو الأحكام الواقعيّة لا الأحكام الظّاهريّة و فيها أيضا يتوقّف على الملازمة القطعيّة بين الموارد و أمّا مجرّد عدم القول بالتّفكيك فلا أثر له‌

و بعبارة أخرى استفادة حكم موضوع من موضوع آخر يتوقّف على أمرين الأوّل أن يكون التّلازم بينهما قطعيا الثّاني أن يكون حكم الأصل الّذي يستفاد منه الفرع ثابتا بالأمارة و أمّا إذا لم يكن التلازم قطعيّا أو ثبت حكم أحد المتلازمين بالاستصحاب و نحوه فلا يمكن إثبات حكم الملازم الآخر و لذا يحكم في مقدار خاصّ من الماء تارة بالقلّة إذا كان مسبوقا بها و أخرى بالكثرة إذا كان مسبوقا بها و يحكم في مكان خاص بوجوب القصر تارة و وجوب الإتمام أخرى لاختلاف الحالة السّابقة‌

و أغرب من هذا ما أفاده في‌

قوله (قدّس سرّه) و لا يعارضه أصالة الفساد في غير هذه الموارد لأنّ استصحاب الصّحة مقدّم عليها إلى آخره

لأنّه لو كان المدّعى الحكم بالصّحة في غير مورد جريان استصحاب الصّحة من باب عدم القول بالفصل بين الموردين و الحكم بالفساد في غير مورد استصحاب الفساد من باب عدم القول بالفصل بين الموردين فلا يصحّ الجواب عنه بأن أصالة الفساد محكوم بأصالة الصّحة لأنّ مورد الحكومة إنّما هو لو كان الأصلان واردين في مورد واحد و أمّا لو كان مورد أحدهما غير مورد الآخر و لا سببيّة و مسبّبية بينهما فلا وجه للحكومة فالالتزام بملكيّة الكافر فيما لو كان مسلما و ارتدّ و ما لو كانا كافرين و أسلم العبد و نحو ذلك كالإرث لا يلازم الالتزام بتملّكه بالشراء و نحوه كالهبة و الصّلح بل الوصيّة و الجعالة‌

و بالجملة مقتضى الرّواية عدم تملّك الكافر للمسلم و استصحاب صحّة تملّكه في بعض المقامات لا يقتضي صحّته في الموارد الأخر سيّما إذا فرضنا وجود أصل موضوعيّ يقتضي الفساد و مقتضى الآية الشّريفة نفي استيلاء الكافر على المؤمن و سلطنته عليه فالرّواية خاصّة من جهة لاختصاصها بملك الرقبة‌

333

و لا تشمل المنافع و الآية خاصّة من جهة أخرى و لا تشمل الملكيّة المسلوبة عنها الآثار و أمّا شمولها لملك المنفعة أو الانتفاع إذا فرضنا اقتضاء تملّكه لهما السّلطنة على المسلم و الاستيلاء عليه كالإجارة المطلقة المتعلّقة بجميع منافع الحرّ و العبد المسلمين فلا ينبغي الإشكال فيه‌

و على هذا فالصّواب أن يقال إن كلّ ما اقتضى استيلاء الكافر على المسلم لا يصحّ من غير فرق بين تمليك المنفعة كالإجارة و تمليك الانتفاع كالعارية و من غير فرق بين أن يكون المسلم حرّا أو عبدا و كلّ ما لم يقتض ذلك فلا مانع منه مطلقا‌

و التفصيل بين الذمّة و العين أو بين كون المسلم حرّا و عبدا أو بين كون الكافر مسلّطا على استيفاء المنفعة و استيفاء الانتفاع إن رجع إلى البحث عن الصّغرى و أنّه هل هذا سبيل أو لا فللبحث عنها مجال و أمّا إن رجع إلى البحث عن الكبرى و أنّه هل يشمل آية نفي السّبيل جميع هذه الأقسام أو لا فلا شبهة أنّه لم يقم دليل خاصّ على خروج بعض الأقسام مع كونه من أفراد العام و لا على إلحاق بعضها بها مع كونه خارجا عنها‌

فالصّواب هو تنقيح الصغرى حتّى يظهر أنّ الجواز مطلقا كما في التذكرة و غيرها أو المنع مطلقا كما عن الإيضاح لا وجه له فنقول كما أنّه قد تقتضي إجارة الأموال كون العين كالدّار تحت يد المستأجر و قد لا تقتضي ذلك كإجارة الدابّة و السّفينة للحمل فكذلك في إجارة الأعمال قد تقتضي استيلاء المستأجر على العامل سواء كان هو المؤجر نفسه كالحر أو كان غيره كالعبد و قد لا تقتضي ذلك فالأوّل كالإجارة المطلقة المتعلّقة بجميع منافع الحرّ و العبد و مجرّد أنّ الحرّ ليس قابلا للتملّك و الغصبيّة لا يقتضي سلب سلطنة الكافر فإذا آجر رقبته بحيث كان جميع منافعه للكافر فهذا سبيل منه عليه و هكذا الأجير الخاصّ كما لو استأجر الكافر المسلم في مدّة من الزّمان لعمل خاصّ بحيث لم يكن للموجر أن يعمل في هذه المدّة لغير المستأجر الكافر‌

و بعبارة أخرى إذا ملك الكافر عمل المسلم بحيث لم يكن له أن يملك غيره فهذا سبيل منه عليه و الثّاني كالإجارة المتعلّقة بذمّة المسلم كما لو آجر نفسه لأن يخيط له ثوبا أو آجر عبده كذلك فإنّ مجرّد ذلك ليس سبيلا عليه فهذه الإجارة نظير الاقتراض من الكافر في أنّ مجرّد مطالبة الدّين ليس سبيلا منه عليه‌

قوله (قدّس سرّه) و أمّا الارتهان عند الكافر ففي جوازه مطلقا إلى آخره

لا يخفى أنّه من أحكام الرّهن شرعا عند الإطلاق أن تكون العين المرهونة تحت يد المرتهن فإذا كان المرتهن كافرا و كانت العين المرهونة عبدا مسلما لا يمكن أن يؤثر عقد الارتهان ما يقتضيه إطلاقه لأنّ كون العبد المسلم تحت يد الكافر سبيل منه عليه فإذا اشترطا أن يكون عند ثالث مسلم فلا إشكال في صحّته لأنّ مجرّد إلزامه المسلم بأداء الدّين و فكّه الرّهانة أو إلزامه ببيع العين المرهونة ليس سبيلا منه عليه و لا يشمله الرّواية الشّريفة أيضا كما هو واضح و أمّا لو لم يشترطا ذلك فتارة يصرّحان بما يقتضي إطلاقه لو لا التّصريح به أيضا فهذا مخالف للكتاب لأنّ مرجعه إلى اشتراط كون الكافر مستوليا على المسلم‌

و أمّا لو أطلقا فهل يكون الرّهن باطلا أو أنّ نفي السّبيل بنفسه يوجب التّقييد وجهان من أنّ الحكم الشّرعي بنفي السّبيل لا يمكن أن يقيّد قصد المتعاقدين فمع فرض قصدهما الإطلاق فحكمه حكم ما لو صرّحا بالإطلاق و من أنّ تأثير الإطلاق إنّما هو من باب عدم ما يوجب التّقييد فإذا دلّ نفي السّبيل على عدم صحّة كون المسلم تحت يد الكافر لا على فساد الرّهن فهذا‌

334

بنفسه يوجب التقييد و لا يختص صحته بما لو صرّحا بالتقييد و الحكم الشّرعي في المقام نظير الحكم الشّرعيّ بحرمة صوم يوم العيد فكما أن حرمته تقتضي تقييد النّذر المتعلّق بصوم كلّ يوم خميس بما عدا العيدين فكذلك الحكم الشّرعي في المقام يقتضي التّقييد بعدم كون العبد تحت يد المرتهن و ممّا ذكرنا من التّفصيل في باب الرّهن ظهر حكم جميع العقود الأمانيّة‌

أمّا الإجارة فقد تقدم حكمها و أمّا العارية فلا تجوز لأنّها تسليط على الانتفاع فيكون سبيلا و أمّا الوديعة فلا مانع منها لأنّ حفظ الكافر مسلما ليس سبيلا عليه و هكذا توكيل الكافر على بيع المسلم فإنّ مجرّد وكالة الكافر على بيع المسلم من قبل المولى المسلم ليس سبيلا و استيلاء منه عليه و هكذا توكيله في التّجارة و مطالبة الدّين من المسلم و نحو ذلك‌

ثمّ إنّه لا فرق في الكافر بين أن يكون كبيرا أو صغيرا فأطفال الكفّار بحكمهم و لا وجه لإشكال المصنف في الإلحاق كما أنّه لا فرق في المسلم بين أن يكون كبيرا أو صغيرا و كذلك لا فرق بين أن يكون مؤمنا أو مخالفا و ذلك واضح‌

قوله (قدّس سرّه) ثم إنّه قد استثنى من عدم جواز تملك الكافر للعبد المسلم مواضع إلى آخره

لا يخفى أنّ السّبيل المنفيّ هو الملك المستقرّ بحيث يكون للمالك أنحاء التصرّف و أنواع السّلطنة و الاستيلاء و أمّا مجرّد شراء الكافر من ينعتق عليه أو دخول المسلم في ملكه مقدّمة للانعتاق فهذا لا يعد سبيلا و سيادة و علوّا فالآية الشّريفة و حديث المسلم يعلو و لا يعلى عليه لا يشملان هذا النّحو من التملّك إنّما الكلام في صحّة تملّكه بمقتضى النصّ المرويّ عن الأمير (عليه السّلام) في بيع عبد أسلم فإن مقتضى كون النّهي عن المسبّب موجبا لعدم حصوله وضعا هو عدم تملّك الكافر بالشراء أصلا فكيف يترتّب عليه العتق و لكن الّذي يهوّن الخطب أنّ الانعتاق على المشتري و لو على القول بالملكيّة آنا ما ليس داخلا في مدلول النّص لانصراف قوله ع و لا تقرّوه عنده عن مثل هذا الملك فإنّ الملكيّة بالنّسبة إلى أقسامها من الكلّي المشكّك و هذا الفرد منه ينصرف عنه الكلّي هذا بالنّسبة إلى شراء العمودين‌

و أمّا بالنّسبة إلى شرائه من ينعتق عليه ظاهرا كما لو أقرّ بحريّة مسلم ثم اشتراه فالحقّ صحّة شرائه و انعتاقه عليه أيضا بمقتضى إقراره و العلم الإجمالي بكونه إمّا صادقا فلا يصحّ شراء الحرّ و إمّا كاذبا فكذلك لعدم صحّة شراء الكافر للمسلم فنعلم تفصيلا ببطلان الشّراء غير وجيه لإمكان اختيار كلا الشقّين و الالتزام بصحّته على أيّ حال‌

أمّا بناء على صدقه فلإدراجه في المعاملة الاستنقاذيّة فإنّه بعد ما ثبت في الشّريعة صحّة هذا النحو من المعاملة فليكن هذا من ذاك كما لو اشترى المسلم مسلما من كافر استرقه فإنّه قيل بأنّ الثمن يدخل في ملك الكافر بحيث لو حاربه المسلمون و غنموا أمواله الّتي منها الثمن المعين يدخل الثّمن في في‌ء المسلمين و لا يرجع إلى المشتري المسلم‌

و أمّا بناء على كذبه فلأنّ الكافر و إن لم يملك المسلم إلّا أنّه قد ظهر أنّ الملك الّذي يكون مقدّمة للانعتاق ليس سبيلا من الكافر على المسلم و لا يشمله النصّ أيضا كما تقدم فيملك واقعا و ينعتق عليه ظاهرا لإقراره بحريّته و التّفكيك بين الواقع و الظّاهر في مورد الإقرار ليس عزيز الوجود‌

ثم إنّ إقرار المقرّ له على خلاف ما أقرّ به المقرّ لا يبطل إقرار المقرّ في المقام فتصدي المولى لبيع العبد و عدم استنكاف العبد ذلك لا يبطل إقرار الكافر بحريّته و لا يقاس على ما إذا أقرّ المولى بحريّة عبده و أقرّ العبد بعبوديّته له و ذلك للفرق بينهما فإنّ إقرار المقرّ له أو مولاه في المقام‌

335

بعبوديّة العبد لا أثر له لأنّه على أيّ حال لا يستقرّ في ملك الكافر سواء كان حرّا أم عبدا فيسمع إقرار الكافر بحريّة العبد و ينعتق عليه ظاهرا و هذا بخلاف ما إذا أقرّ المولى بحريّة عبده و أقرّ العبد بعبوديّته له‌

ثم إنّ ممّا ذكرنا يظهر أن قوله (قدّس سرّه) فتأمّل إشارة إلى عدم العلم التّفصيليّ ببطلان الشّراء لا أنّ العلم الإجماليّ في المقام لا أثر له و أمّا الثالث و هو العتق بأمر الكافر فأولى بالصّحة من القسم الأوّل لأنّ احتمال شمول النصّ لشراء من ينعتق عليه يجري في القسم الأوّل دون هذا القسم و ذلك لأنّ في مورد الشّراء قد أنشأ الملكيّة باللفظ فيمكن أن يقال المنشأ إذا كان منهيّا عنه فلازمه عدم تحقّقه أي فساد المعاملة و أمّا قول الكافر أعتق عبدك عنّي و قول المأمور أعتقته عنك فليسا إنشاء للملكيّة صريحا و إنّما قلنا بحصولها آنا ما للجمع بين الأدلّة حيث إنّها دلّت على صحّة استيفاء مال أو عمل محترم بأمر معاملي و دلّت على أنّه لا عتق إلّا في ملك فمقتضاها استطراق الملك من ملك المالك إلى ملك الآمر و خروجه عنه إلّا أن يقال إنه ليس الغرض من النّهي إلّا بيان عدم حصول النتيجة للكافر بأيّ سبب سواء كان من الأسباب المتعارفة أم غيرها و لكنّه قد ظهر أنّ النّص منصرف عن هذا النحو من الملك‌

و على أيّ تقدير هذه الأقسام الثّلاثة مستثناة من عدم تملّك الكافر كخروج تملّكه بالإرث عن مورد النّص أمّا الآية المباركة فواضح لأنّها تنفي السّلطنة لا أصل التملّك و أمّا الرّواية فلأنّها تنفي استقرار الملك و لا تدلّ على خروجه عن ملكه قهرا حتى يقتضي عدم دخوله فيه رأسا لا سيّما إذا كان استطراقيّا كشراء من ينعتق عليه و أولى من ذلك كلّه استيفاء مال محترم بأمر معامليّ يقتضي دخول المال في ملك المستوفي الكافر و خروجه عنه فإنّ الملكيّة آنا ما للملازمة بين العتق و الملك لا يندرج في قوله ع لا تقروه عنده‌

و حاصل الكلام أنه فرق بين شراء العمودين و عتق المسلم بأمر الكافر لأنّهما لا يدخلان تحت كبرى واحدة فإنّ شراءه من ينعتق عليه داخل في الملكيّة الصّريحة بخلاف العتق فإنّه لم ينشأ الملك إلّا ضمنا فلا بدّ من قيام دليل آخر يدلّ على المنع عن الملك الضّمني‌

و على أيّ حال لا ينبغي الشّبهة في أنّ شرط البائع على الكافر المشتري عتق العبد المسلم لا يؤثر في الصّحة لأنّ المبيع قابل لأن يستقرّ في ملك الكافر بإسقاط المشروط له شرطه و مجرّد تسلّط المشروط له على إلزام المشروط عليه لا يقتضي عدم شمول النصّ لهذا النّحو من الشّراء و إلّا فإنّه مجبور على البيع في غير مورد الشّرط أيضا فيجب أن يقال بأنّه يملكه من دون شرط‌

قوله (قدّس سرّه) ثم إنّ ما ذكرنا كلّه حكم ابتداء تملّك الكافر للمسلم اختيارا أمّا التملّك القهري فيجوز ابتداء كما لو ورثه الكافر من كافر أجبر على البيع فمات قبله إلى آخره

لا يخفى ما في كلامه (قدّس سرّه) في ذيل هذا العنوان أمّا أولا فلما ظهر من أنّ آية نفي السّبيل لا تدلّ على نفي الملكيّة بل هي دالّة على نفي السّلطنة و الاستيلاء فالملك المسلوب عنه الآثار ليس من مصاديق السبيل فلو قيل بأنّ المال ينتقل من المورث الكافر إلى الوارث الكافر بمقتضى أدلّة الإرث ثمّ يحجره الحاكم و يبيعه عليه كحجر المورث لا يرد عليه محذور و الرّواية الشّريفة أيضا لا تدلّ على نفي التملّك رأسا بحيث ينعتق العبد المسلم على الكافر و يخرج عن ملكه إذا كانا كافرين و أسلم العبد بل تدلّ على‌

336

نفي الاستقرار فتختصّ بما إذا حصل له الملك القابل للاستقرار بالأسباب الاختياريّة كالبيع و نحوه لأنّه هو الذي يجري فيه النّزاع بأنّ النّهي المتعلّق بالمسبّب هل يقتضي الفساد أم لا‌

و أمّا في الإرث فليس هناك سبب و مسبّب حتى يقال إنّ النهي عن المسبّب يقتضي الفساد و بالجملة بعد الفراغ عن عدم خروج العبد المسلم عن ملك الكافر بمجرّد إسلام العبد أو ارتداد المولى بل يبقى على ملكه و يباع عليه أو يجبر على البيع و بعد الفراغ عن أنّ الإرث ليس كالبيع بحيث يكون التّبديل في طرف الملك بل مع بقاء الملك على ما كان عليه يتبدّل المالك فلا إشكال فيه و على هذا لو أجبر الكافر على بيع عبده المسلم و مات قبل البيع يقوم مقامه الوارث و يكون الملك على ما كان عليه قبل قيام الوارث مقام مورثه‌

و أمّا ثانيا فلأنّه لو سلم دلالة آية نفي السبيل على نفي تملّك الكافر رأسا حتّى بالأسباب القهريّة فلا وجه لتوهّم معارضتها مع أدلّة الإرث و تساقطهما ثم الرّجوع إلى استصحاب بقاء العبد على عبوديّته فإنّ الاستصحاب و إن كان جاريا بعد التّساقط إلّا أنّه لا تصل النّوبة إلى التّعارض فإنّ أدلّة نفي السبيل حاكمة على أدلّة الإرث لأنّها تثبت الإرث للوارث بالعنوان الأولي و ليست ناظرة إلى اعتبار الخلوّ عن الموانع و عدمه فكما أنّ الدّليل الدالّ على أنّ القاتل لا يرث حاكم على أدلّة الإرث فكذلك الدّليل الدالّ على أنّ الكفر مانع‌

فالصّواب هو المنع عن شمول آية نفي السّبيل للمقام لأنّه بعد الفراغ عن عدم خروج العبد المسلم عن ملك الكافر قهرا فالوارث حيث إنّه ليس كالمشتري الّذي يتبدّل ملكه بملك الآخر بل مع بقاء الملك على ما هو عليه يقوم مقام مورّثه و قيامه مقامه ليس سبيلا على المسلم لأنّه لم يوجد في البين سبيل آخر غير ما كان للمورث بل لو سلّمنا عدم تملّك الكافر أصلا حتّى بالأسباب القهريّة إلّا أنّ الإرث خارج عن هذا العنوان رأسا لأنّه لم يملك الوارث الكافر ملكا جديدا بسبب قهريّ أو اختياري بل انتقل إليه على ما كان عليه من تملّك الكافر له و لو قيل بأنّ هذا أيضا سبيل فلا بدّ من الالتزام بخروج العبد المسلم عن ملك المورّث و إلّا فلا وجه لعدم قيام الوارث مقامه و أمّا ثالثا فلو سلّم المعارضة فلا وجه لرجوع العبد إلى الإمام (عليه السّلام) لأنّه ع إنّما يكون وارثا لمن علم أنّه لا وارث له و أمّا لو شكّ في وراثة غيره لشبهة حكميّة كما في المقام و نحوه أو شبهة موضوعيّة كما لو احتمل وجوده في البلاد البعيدة فكونه (عليه السّلام) وارثا غير معلوم إلّا أن يقال بمجرّد الشكّ في وراثة الطبقة السّابقة يتحقّق مورد إرث الطّبقة اللّاحقة و لو لم يحرز عدم كون السّابق وارثا‌

و في المقام و إن لم يجر استصحاب عدم كون الكافر وارثا بالعدم النّعتي إلّا أنّ العدم المحموليّ أيضا كاف لأنّ تملك الوارث العبد الباقي على رقّيته بالاستصحاب مسبوق بالعدم فإذا جرى استصحاب عدم ملكيّته لم ينتقل إلى الإمام و لذا لو شكّ في تقدم إسلام الوارث على موت المورّث و تأخّره عنه و لم يكن أصل يحرز أحدهما كما في مجهولي التّاريخ يرث غيره ممّن هو في طبقته لو كان و إلّا يرثه الطّبقة اللّاحقة‌

ثم إنّه بناء على ما اخترناه من عدم شمول آية نفي السبيل لإرث الكافر العبد المسلم من الكافر فلا يمكن أن يقاس عليه سائر الأملاك القهريّة لا من باب قيام الإجماع على ثبوت الإرث كما يظهر عن جامع المقاصد و عدم قيامه في غيره فإنّ تحقّق الإجماع في الإرث‌

337

أيضا ممنوع بل لما ذكرنا من أنّ الإرث ليس تبديلا في الملكيّة و هذا بخلاف سائر الأملاك القهريّة سواء كان سببه قهريّا كدخول الكافر في من أوقف عليه العبد المسلم أو الانتقال إليه بالانفساخ كما إذا تلف الثّمن الشّخصي الّذي جعل بإزاء العبد قبل القبض أم كان اختياريا كالملك الحاصل له بفسخ من انتقل إليه العبد المسلم لأنّه ملك جديد نظير الملك الحاصل له بالشراء أو الهبة أو المصالحة فبناء على دلالة آية نفي السّبيل على عدم تملك الكافر لا يصحّ الفسخ من ذي الخيار و يبطل الوقف إذا انحصر الموقوف عليه في الكافر لأنّ التملّك بالوقف الخاصّ حكمه حكم التملّك بالمعاوضة و ليس الموقوف عليه مصرفا‌

قوله (قدّس سرّه) و يحتمل أن يكون ولاية البيع للحاكم إلى آخره

هذا هو الأقوى لأنّ ظاهر قوله ع اذهبوا فبيعوه على المسلمين أنّ ولاية البيع ليس له و إلّا كان المناسب أن يقول ألزموه على البيع و على أيّ حال لا شبهة أنّ الملك لا يزول عنه بمقتضى النّص و الفتوى فما في الإيضاح من زوال ملك السيّد عنه لا وجه له مع أنّه لو زال فاستحقاقه للثمن بلا موجب لأنّه لو قلنا بأنّه لو أسلم العبد ينعتق على مولاه و يصير حرّا فلاستحقاقه للثمن وجه فيجب على العبد أن يسعى في قيمته لتعلّق ثمنه برقبته و أمّا لو لم نقل بانعتاقه بل قلنا بزوال ملكه عنه فيصير ملكا بلا مالك أو ملكا للمسلمين و على أيّ حال لا وجه لأن يباع من المسلمين و يعطي المولى الكافر ثمنه‌

و بالجملة الجمع بين زوال ملكه عنه مع بيعه و دفع الثّمن إليه لا محصّل له‌

قوله (قدّس سرّه) و كيف كان فإذا تولاه المالك بنفسه فالظّاهر أنّه لا خيار له و لا عليه إلى آخره

لا يخفى أنّه لا وجه لجعل موضوع البحث تولّي المالك لبيعه الّذي قد ظهر عدم ثبوت الولاية له بل الصّواب أن يجعل موضوع البحث تولّي الحاكم أو غيره من المسلمين فيقال لو لم يستقرّ المسلم على ملك الكافر فمقتضاه أنّ البيع الّذي هو مقدّمة لسلب ملكيّة الكافر لا يكون خياريّا لا لمالك العبد و لا لمن انتقل إليه من غير فرق بين الخيارات‌

و على أيّ حال فالمحتملات الّتي ذهب إلى كلّ منها قائل كثيرة منها ما ذكرناه من أنّ الكافر لا يملك المسلم في غير مورد الإرث و لو كان منشأ التملّك فسخ العقد فلا خيار في هذا العقد مطلقا لا للكافر و لا للمشتري‌

و منها مقابل هذا القول و هو عدم الفرق بين هذا العقد و العقود الأخر فيجري فيه ما يجري فيه و منها التّفصيل بين الخيارات الثّابتة بالتعبّد الشّرعي كخيار المجلس و الحيوان فلا يجري و الثّابتة بجعل من المتعاقدين صريحا أو ضمنا كخيار الشّرط و خيار العيب أو الغبن‌

338

فلا مانع منه و منها التّفصيل بين الخيارات الثّابتة من غير ناحية الضّرر فلا يثبت حتّى خيار الشرط و الثّابتة من ناحية الضّرر كخيار الغبن و العيب و نحوهما فيثبت و منها التّفصيل في الخيارات النّاشئة من الضّرر بين كون المتضرّر مسلما فيثبت و كونه كافرا فلا‌

و منها ابتناء المسألة على أنّ الزّائل العائد كالّذي لم يزل أو كالذي لم يعد فلو قلنا بالأول يثبت الخيار لأن الفسخ يجعل الملكية السابقة كأن لم يزل أو كالذي لم يعد فلو قلنا بالأول ثبت الخيار لأن الفسخ يجعل الملكية السابقة كأن لم يزل و المفروض أنّ الملكيّة قبل البيع كانت ثابتة للكافر فلا مانع من تأثير الفسخ و عود الملكيّة السّابقة و لو قلنا بالثّاني فلا يمكن أن يؤثر الفسخ لأنّ ما يرجع بالفسخ ملك جديد و الكافر لم يجعل له التملّك الجديد و لا يخفى أنّ مدارك هذه المحتملات مذكورة في المتن فلا يهمّنا بيانه إنّما المهم بيان أمور ينبغي التّنبيه عليها الأوّل أنّه لو منعنا عن جريان خيار العيب في هذا العقد فإنّما الممنوع هو التّخيير بين الردّ و الأرش و أمّا الأرش فقط فلا مانع منه كما هو الشّأن في كلّ مورد تعذّر أحد فردي التّخيير الثّاني سيجي‌ء في باب الخيارات أنّه لا يمكن أن تكون قاعدة لا ضرر منشأ لثبوت الخيار أصلا بل المنشأ له هو تخلّف الشّرط الصّريح أو الضّمني في غير مورد الخيارات المجعولة الشّرعيّة فإذا تخلّف الشّرط فحيث إن المشروط له واجد للشرط و بفقده يتضرّر فيثبت له الخيار الثّالث أن هذه القاعدة و هي أنّ الزائل العائد كالّذي لم يزل أو كالذي لم يعد مضافا إلى ما أورده المصنف عليها من أنّها لا تبتني على أساس و لا كبرى لها لا عقلا و لا شرعا لا تنطبق على المقام فإنّ هذه القاعدة أسّست فيما لو رجع ما انتقل عن المشتري إليه بسبب جديد أو بفسخ و نحوه و كان له أو للبائع الأوّل الخيار‌

فلو قيل بأنّ الزائل عن ملك المشتري العائد إليه بمنزلة غير الزائل أي كأنّه لم يخرج عن ملكه فالمبيع قائم بعينه فللبائع الأوّل أو المشتري الأوّل الفسخ بالخيار و لو قيل بأنّه كالّذي لم يعد أي كأنّه باق في ملك الثّالث الّذي هو المشتري الثّاني فليس المبيع قائما بعينه فليس للبائع و لا للمشتري الأوّل الفسخ و في المقام ثبوت الخيار من أصله مشكوك أي لم يعلم قابليّة المبيع للعود حتى يقال إنّ الزائل العائد كالذي لم يزل أو كالّذي لم يعد الرابع أنّ ما أفاده (قدّس سرّه) في‌

قوله و يشكل في الخيارات النّاشئة عن الضّرر من جهة قوّة أدلّة نفي الضّرر فلا يبعد الحكم بثبوت الخيار للمسلم المتضرّر من لزوم البيع بخلاف ما لو تضرّر الكافر فإن هذا الضّرر إنّما حصل من كفره إلى آخره

من الغرابة بمكان‌

أمّا أولا فمضافا إلى ما أشرنا إليه من أنّ نفي الضّرر بنفسه لا يقتضي الخيار أن أقوويّة نفي الضّرر من نفي السّبيل غير معلومة لأنّ كلا منهما حاكم على أدلّة الأحكام كقاعدة نفي الحرج و لا منشأ لأظهريّة نفي الضّرر من نفي السّبيل بل العكس هو المتعيّن فإنّ آية نفي السّبيل آب عن التّخصيص‌

و أمّا قاعدة لا ضرر فقابلة للتّخصيص بل قيل بوهنها لكثرة التّخصيصات الواردة عليها و أمّا ثانيا فالتّفصيل بين المسلم و الكافر لا وجه له لأنّ الكافر لم يقدم على الضّرر و إنّما أقدم على الكفر فكيف لا يثبت له الخيار‌

و بالجملة الإقدام على نفس الضّرر هو الموجب لعدم جريان قاعدة لا ضرر لا الإقدام على المقدّمات الإعداديّة لجعل الحكم الضّرري الخامس ما ذكره جامع المقاصد من أن نفي السّبيل لو اقتضى خروج العقد عن مقتضاه و هو الخيار لاقتضى خروج العبد ابتداء عن ملك الكافر ففيه أنه لا ملازمة بينهما فإنّ تملك الكافر ابتداء بالإرث و نحوه لا يقتضي تملّكه بالفسخ و البيع و نحوهما السّادس ما يظهر‌

339

من القواعد من أنّه لا مانع من ثبوت الخيار في هذا العقد و استرداد القيمة دون نفس العبد لا وجه له أصلا سواء قلنا بتعلّق الخيار بالعين أم بالعقد و سواء كان الخيار للمشتري أم للبائع‌

أمّا بناء على تعلّقه بالعين فواضح لأنّ حقّ الفسخ و إن لم يكن دائرا مدار بقاء شخص العين و لذا لا يسقط بتلفها إلّا أنّه لا بدّ من تعلّقه بالعين و لا حتى يرد مثلها أو قيمتها في مورد تعذّر ردّها و المفروض امتناع تعلّقه بها لأنّ الكافر لا يملك المسلم بأيّ سبب سواء كان عقدا كالبيع أم إيقاعا كالفسخ فإذا امتنع تعلّقه بها فلا مقتضي لتعلّقه ببدلها‌

و أمّا بناء على تعلقه بالعقد فحيث إنّ تعلّقه به ليس إلّا طريقا و وسيلة لاسترداد العين فيمتنع تحقّقه أيضا لأنّ أعماله مستلزم لردّ العين إلى المالك إذ لا معنى لأن يكون العين باقية و يتعلّق الضمان بالبدل و فرضها تالفة و رد مثلها أو قيمتها بلا موجب و الجمع بين الحقين هو بنفسه ليس من الأدلّة بل لو اقتضى الدليل رجوع قيمة العبد إلى الكافر فهو و إلّا يسقط الخيار و سيجي‌ء في خيار المجلس تمام الكلام في شراء من ينعتق على المشتري‌

ثم إنّه لا فرق فيما ذكرنا بين خيار الكافر أو المشتري المسلم لأنّ تقدير العبد المسلم في ملك الكافر بمقدار يثبت عليه بدله و إن لم يكن سبيلا له عليه إلّا أنّ التقدير يحتاج إلى الدّليل كما في مسألة أعتق عبدك عنّي و تلف المبيع قبل القبض على ما تقدّم تفصيله و الأدلّة العامّة المثبتة للخيارات غير متكفّلة للتّقدير و ليست كالأدلّة الخاصّة حتى نلتزم بالتّقدير بدلالة الاقتضاء‌

فتحصّل ممّا ذكرنا أنّ هذا العقد لا يقتضي الخيار لا للكافر و لو كان أعماله بولاية الحاكم و لا للمشتري لأنّ مقتضى الرّواية الشّريفة أن كلّ سبب يترتّب عليه تملّك الكافر بالملك المستقرّ لا يؤثر سواء كان عقدا كالبيع و نحوه أو إيقاعا كالفسخ أو ملحقا بأحدهما كالإقالة للملازمة الّتي تستفاد منها و هي عدم الفرق قطعا بين البقاء و الحدوث نعم لا تشمل مثل الإرث و نحوه‌

[مسألة المشهور عدم جواز نقل المصحف إلى الكافر]

قوله (قدّس سرّه) مسألة المشهور عدم جواز نقل المصحف إلى الكافر إلى آخره

لا يخفى أنّه و إن لم يرد النصّ في المصحف إلّا أنّه لا يبعد إلحاقه بالعبد المسلم بل إلحاق كل كلام منقوش محترم من الرّوايات الواردة في الأحكام أو الأدعية و الأذكار به للأولويّة القطعيّة من غير فرق بين أن تكون من المتواترة أو الآحاد لأنّها بعد حجّيتها حكمها حكم المتواتر إلّا أن يمنع القطع بالمناط و إن كان الإلحاق أحوط ثم إنّ هاهنا فروعا من حيث الابتداء و الاستدامة و من حيث شمول الحكم للتّرجمة و عدمه و من حيث الخطوط و غير ذلك مذكورة في كتب القوم فراجعها‌

[القول في شرائط العوضين]

[الأول يشترط في كلّ منهما كونه متموّلا]

قوله (قدّس سرّه) القول في شرائط العوضين يشترط في كلّ منهما كونه متموّلا إلى آخره

قد تقدّم سابقا أنّ البحث في شرائط المعاوضات في مقامات ثلاثة و تقدم شرائط العقد و شرائط المتعاقدين و بقي شرائط العوضين فمنها أن يكون كلّ منهما متموّلا أي يبذل بإزائه المال و تقدم أنّ ماليّة الشّي‌ء إمّا باعتبار قابليته للانتفاع به مع بقاء عينه كالعقارات و نحوها و إمّا للخاصيّة المترتّبة عليه و هو ما يتوقّف الانتفاع به على إتلافه كالحبوبات و الفواكه‌

ثم الشّي‌ء الّذي له خاصيّة تارة يكون محلّ ابتلاء عامّة البشر دائما و أخرى لا يبتلى به إلا نادرا ثم إنّ القسم الثّاني قد يتعارف اقتناؤه لرفع الحاجة الاتّفاقيّة أو لا يتعارف فلو كان اقتناؤه متعارفا فلا إشكال في صحّة المعاملة عليه كالأدوية‌

340

و العقاقير و أمّا لو لم يتعارف ذلك كالخنافس و الديدان فيفسد المعاملة عليه و إن اتّفق الحاجة إليه لأنّ مناط الماليّة إذا كان بذل المال بإزائه فلا يشمل أمثال ذلك و على هذا فلا يصحّ المعاملة على حبّة الحنطة و الماء على الشّاطي لعدم بذل المال بإزائه إمّا لقلّته أو لكثرته و إن قلنا بكونهما مملوكين و لذا يحرم غصبهما لأنّ النسبة بين الملكيّة و الماليّة عموم من وجه فإنّه قد يكون الشي‌ء مالا و ليس بملك كالكلّي قبل استقراره في الذمّة و لذا يبذل بإزائه المال و قد يكون ملكا لا مالا كحبّة الحنطة ثم إنّه كما يعتبر في العوضين أن يكون مالا عرفا يعتبر أن يكون كذلك شرعا فلو أسقط الشّارع جهة ماليّته العرفيّة كالخمر و الخنزير لا يصحّ جعلهما عوضا و لا معوّضا‌

ثمّ بناء على التّباين الجزئي بين الملك و المال فلا يصحّ الاستدلال لاعتبار الماليّة العرفيّة في العوضين بمثل قوله ع لا بيع إلّا في ملك كما أنّه لا يصحّ في مورد الشكّ في كون شي‌ء مالا عرفا التمسّك بعمومات صحّة البيع و التّجارة لأنّ هذه الأدلّة إمضاء لما عليه العرف و العادة فإذا شكّ في جريان العادة على المعاملة بشي‌ء فبدليل الإمضاء لا يمكن أن يحكم بصحّته‌

قوله (قدّس سرّه) ثم إنّهم احترزوا باعتبار الملكيّة في العوضين عن بيع ما يشترك فيه النّاس إلى آخره

لا يخفى أنّ ظاهر هذا التفريع تساوي الملكيّة و الماليّة و إلّا كان حقّ العبارة أن يقال كما يشترط في كلّ منهما أن يكون متموّلا كذلك يشترط أن يكون ملكا فعليّا و على أيّ حال لا إشكال في عدم جواز بيع السّمك في الماء و الطير في الهواء قبل اصطيادهما‌

و بعبارة أخرى كلّ ما يباح لجميع النّاس أو المسلمين لا يجوز بيعه قبل تملّكه بالاصطياد أو الاحتطاب أو التّحجير و نحو ذلك فإنّ بذل المال بإزائه سفهيّ فلا يمكن أن يقاس الطّير في الهواء على بيع الخمر للتّخليل بناء على صحّته لأنّ الخمر يبقى فيه حق الاختصاص لمن صار خلّه خمرا فيصحّ بيعه للتّخليل ثم إنّهم كما احترزوا باعتبار الملكيّة عن المباحات الأصليّة كذلك احترزوا بها عن الأراضي المفتوحة عنوة فإنّها و إن كانت ملكا إلّا أنّها لجميع المسلمين لا لمن هي في يد من عمّرها و أحياها فلا يجوز بيعها و شراؤها فهي من جهة كالوقف على الجهة الّذي قد يعبّر عنه بالوقف العام كالعلماء و المؤمنين و إن كانت هي بنفسها قسما مستقلا‌

و توضيح ذلك أنّ الملك باعتبار المالك على أقسام خمسة الأوّل الملك الطّلق لكلّ شخص شخص كدار زيد و بستان عمرو و نحو ذلك من المنقول و غيره الثّاني ملك الموقوف عليهم للعين الموقوفة في الوقف الخاص الثالث ملكهم لها في الوقف العام فالطّائفة الأولى يملكون منفعتها على نحو الإشاعة و الثّانية يملكون منفعتها لا على نحو الإشاعة و في كلا القسمين يمكن أن يعرضها الطلقيّة على شرائط سيجي‌ء إنشاء اللّٰه تعالى الرابع ملك السّادات و الفقراء للخمس و الزّكاة فإنّهما يملكانهما بالقبض الخامس الملك المفتوحة عنوة فإنه نحو مستقلّ من الملكيّة لها أحكام خاصّة لا تترتّب على غيرها و من جملتها عدم إمكان عروض الطلقية لها و لا ينافي ذلك صحّة بيعها للإمام ع إذا رأى فيه المصلحة لأنّه على فرض تسليم ذلك فموضوع البحث هو جواز بيعها مع قطع النّظر عن إذن الإمام أو موضوعه تعذّر إذنه و مباشرته للبيع كما في زمان الغيبة‌

[لا بأس بالإشارة إجمالا إلى جميع أقسام الأرضين]

قوله (قدّس سرّه) و حيث جرى الكلام في بعض أقسام الأرضين فلا بأس بالإشارة إجمالا إلى جميع أقسام

341

الأرضين إلى آخره

حاصل الأقسام أنّ الأرض إمّا موات أو عامرة و كلّ منهما إمّا أن يكون كذلك بالأصل أو بالعرض فإذا كانت مواتا بالأصالة أي لم تكن مسبوقة بالعمارة أصلا فهي للإمام (عليه السّلام) و يدلّ عليه الإجماع المنقول بل المحصّل و الأخبار المستفيضة بل المتواترة بل يدلّ عليه الكتاب على ما يستفاد من الأخبار الكثيرة من أنّها من الأفعال‌

ثم لا إشكال في أنّه لو أحياها الشّيعة يملكها كما هو صريح قوله ع ما كان لنا فهو لشيعتنا و قوله ع كلّما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محلّلون إنما الكلام في أنّ الحلية بالإحياء مختصّة بهم أو تشمل غيرهم من المسلمين بل كل من أحياها مسلما كان أو كافرا ثم هل يملكه المحيي مجّانا أو يجب عليه أداء خراجه إلى الإمام أمّا الكلام في الجهة الأولى فالحقّ فيه هو العموم و إن كان ظاهر بعض الأخبار هو الاختصاص إمّا لشمول الإذن في الإحياء و الإباحة و التّمليك لمطلق المسلم فلنبويّين أحدهما قوله ص موتان الأرض للّه و لرسوله ثم هي لكم منّي أيّها المسلمون و ثانيهما قوله ص عادي الأرض للّه و رسوله ثم هي لكم منّي‌

و أمّا شموله لمطلق من أحياها و لو كان كافرا فلقوله ع في صحيح محمّد بن مسلم سألته عن الشّراء من أرض اليهود و النّصارى فقال ليس به بأس إلى أن قال أيّما قوم أحيوا شيئا من الأرض أو عملوه فهم أحقّ بها و هي لهم و في صحيح أبي بصير سألت أبا عبد اللّٰه ع عن شراء الأرضين من أهل الذمّة فقال لا بأس بأن يشتري منهم إذا عمروها و أحيوها فهي لهم إلى آخر الحديث‌

و لا ينافي ذلك ما يدلّ على تخصيص الشّيعة بذلك فإنّه يمكن الجمع بين الطّائفتين بأنّ الغرض الأصلي من الإذن هم الشّيعة و لكنّه حيث يمتنع تخصيص الإذن بخصوص الشّيعة فأذنوا (عليهم السّلام) لكلّ من أحياها و نظير ذلك مسألة العدّة فإنّ حكمة تشريعها مختصّة بمورد اختلاط المياه و لكن الحكم عامّ و في المقام أيضا حكمة الإذن مختصة بالشيعة لتطيب ولادتهم و تحلّ مساكنهم و مناكحهم و لكنّ الحكم عام من حيث توقّف الحليّة على الشّيعة على الحليّة لكلّ من أحياها و إلّا لا يترتّب الغرض فإنّ الأرض الّتي لم يحيها الشيعة لو لم تكن ملكا لمحييها لما جاز للشّيعة التصرّف في غلّاتها و منافعها فإنّ جواز التصرّف فيها يتوقف على الإحياء و المفروض عدم إحياء الشّيعة لها‌

و أمّا الجهة الثّالثة و هي تعلّق الخراج بها فالحقّ عدمه و الظّاهر كون الحكم إجماعيّا كما يظهر ذلك بالمراجعة إلى كتاب الخمس و إحياء الموات و أمّا إذا كانت عامرة بالأصالة أي لا من معمّر كأطراف الشّطوط و سواحل البحار و الآجام و الغابات فالكلام فيها أيضا من جهات الأولى في كونها من الأنفال الّتي لا إشكال في أنّها للإمام (عليه السّلام) و عدمه و الأقوى كونها منها لقول الباقر و الصّادق (عليهما السّلام) حيث سئلا عن الأنفال فعدا من جملتها و كلّ أرض لا ربّ لها على ما في تفسير عليّ بن إبراهيم و لما روي على ما في المتن أنّ كلّ أرض لم يجر عليها ملك مسلم فهو للإمام (عليه السّلام)

نعم ناقش في هذه الأدلّة صاحب الجواهر و يظهر منه تقييد الأرض الّتي هي من الأنفال بما كانت ميتة أو كانت عامرة في يد الكفّار و أخذت منهم من دون خيل و لا ركاب و أمّا العامرة الّتي لا يد لأحد عليها فهي من المباحات الأصليّة يملكها كلّ من حازها فإنّ قوله ع و كل أرض لا ربّ لها‌

342

و إن كان مطلقا إلّا أنّه يقيّده قوله ع و كل أرض ميتة لا ربّ لها‌

و أجاب عنه المصنف بأنّ الوصف المسوق للاحتراز و إن كان له المفهوم إلّا أنّه لو لم يكن واردا مورد الغالب و الغالب في الأرض الّتي لا مالك لها كونها مواتا و لكن الحقّ أنّه و إن لم يكن القيد واردا مورد الغالب فللمنع عن التّقييد أيضا مجال لأنّ التّقييد في المثبتين منوط بما إذا كان المطلوب صرف الوجود كما في قوله أعتق رقبة مؤمنة المقيّد لإطلاق قوله أعتق رقبة‌

و أمّا إذا كان المطلوب مطلق الوجود كما في قوله أكرم هاشميّا فلا موجب لتقييد إطلاقه بقوله أكرم هاشميا عالما مع أنّا نمنع كون قوله ميتة مسوقا لتقييد قوله كلّ أرض بل المسوق له هو قوله لا ربّ لها فمحصّله أنّ كلّ أرض سواء كانت عامرة أم ميتة إذا لم يكن لها رب فهي للإمام فتخرج ما كان لها ربّ فهذا التّقييد تقييد لإطلاق ما دلّ على أنّ جميع الأراضي للإمام ع‌

الثانية في أنّه هل تملك هذه بالحيازة أم لا و الأقوى أنّها في هذا الحكم كالموات بالأصالة تملّك بوضع اليد عليها لا لما استدل به المصنف (قدّس سرّه) من عموم النبوي من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو أحق به لأنّ هذا العموم في مقام بيان أحقّية السّابق و عدم جواز مزاحمته و هذا يفيد فيما إذا ثبت استحقاق كلّ أحد في السّبق إليه كالرباطات و الخانات و المساجد و المدارس الموقوفة على عموم من يستوفي منافعها و ليس بصدد بيان أنّ كلّ شي‌ء يتعلّق به حق بالسّبق إليه‌

هذا مضافا إلى أنّ الحقّ ظاهر في غير التملّك بل لما ورد أنّهم ع أباحوا لشيعتهم ما كان لهم ثم إن أكثر ما ورد في هذا الباب و إن كان مختصّا بخصوص الشيعة إلّا أنّه قد تقدم أن مقتضى تعليلهم ع الإباحة بأن تطيب ولادة الشيعة كون التملّك بالتصرّف عاما لكلّ أحد و ممّن صرّح بذلك الشّهيد في حواشيه على القواعد عند قول العلّامة و لا يجوز التصرّف بغير إذنه و الفائدة حينئذ له قال و لو استولى غيرنا من المخالفين عليها فالأصحّ أنّه يملك لشبهة الاعتقاد كالمقاسمة و كتملّك الذمّي الخمر و الخنزير فحينئذ لا يجوز انتزاع ما يأخذه المخالف من ذلك كلّه و كذا ما يؤخذ من الآجام و رءوس الجبال و بطون الأودية لا يحلّ انتزاعه من أخذه و إن كان كافرا و هو ملحق بالمباحات المملوكة بالنيّة لكلّ متملّك و آخذه غاصب تبطل صلاته في أوّل وقتها حتى يرده انتهى‌

الثّالثة أنّ هذا القسم أيضا كالسّابق لا خراج عليه كما يظهر من أخبار التّحليل فراجع و أمّا إذا كانت مواتا بالعرض إمّا لاستيلاء الماء عليها بأن غرقها و إمّا بانقطاع الماء عنها و إمّا باستيجامها بما لا ينتفع به أو بنحو ذلك ممّا تعدّ ميتة فهي على قسمين قسم كانت معمورة بالذات و قبل أن يملكها أحد عرض لها الموت فهذا لا إشكال في كونها للإمام ع و قسم كانت مواتا بالأصل ثم عمّرها معمّر فماتت أو كانت عامرة و تملّكها أحد ثم ماتت ففيه قولان أحدهما بقاؤها على ملك مالكها و ثانيهما صيرورتها في حكم الموات الأصليّة فيملكها الإمام ع ثم يملكها كلّ من عمّرها ثانيا‌

و قد ذكروا قولا ثالثا لم يشر إليه المصنف في المقام و هو الفرق بين ما إذا ملك المالك لها حال العمارة بالشراء أو العطيّة أو نحو ذلك و بين ما إذا ملكها بالإحياء فإذا ملكها بالشّراء و ما يلحق به لا يزول ملكه بعد موتها و لا يصحّ لأحد إحياؤها إلّا بإذنه و أمّا إذا ملكها بالإحياء و ماتت‌

343

فتملّك بالإحياء و أصل هذا التّفصيل من التّذكرة قال لو لم تكن الأرض الّتي من بلاد الإسلام معمورة في الحال و لكنّها كانت قبل ذلك معمورة و جرى عليها ملك مسلم فلا يخلو إمّا أن يكون المالك معيّنا أو غير معيّن فإن كان معيّنا فإمّا أن ينتقل إليه بالشّراء أو العطيّة و شبهها أو بالإحياء فإن ملكها بالشّراء و شبهه لم تملك بالإحياء بلا خلاف قال ابن عبد البر أجمع الفقهاء على أنّ ما عرف بملك مالك غير منقطع أنّه لا يجوز إحياؤه لأحد غير أربابه إلى آخره‌

و لا يخفى أنّ الظّاهر من هذا الكلام جريان التّفصيل في الملك الّذي كان عامرا بالأصل ثمّ تملّكه أحد ثم مات الملك بعد انتقاله إلى غير من تملّكه بالشّراء لأنّ التملّك بالشراء إذا كان له خصوصيّة فيجري عليه أحكامه مطلقا كما أنّه لو كان التملّك بالإحياء له خصوصيّة فيجب أن لا يكون فرق بين ما إذا عرض الموت في ملك المحيي أو في ملك وارثه أو من انتقل إليه بالشّراء و بالجملة لم يعلم مورد هذا التّفصيل في أنّه في ملك المعمور بالأصالة أو المعمور بالإحياء‌

و على أيّ حال لا نعرف وجها للفرق بين عروض الموت على ملك من كان مالكا له بالشّراء و نحوه أو مالكا له بغيره من الإحياء و التملّك بالأخذ و التصرّف و عليك بمراجعة كتاب إحياء الموات و أمّا إذا كانت عامرة بالعرض فهي ملك للمحيي بالشّروط الخمسة المذكورة في كتاب إحياء الموات ثم إذا كان محييها مسلما فملكها لا يزول إلّا بالنّقل إلى غيره أو بعروض الموت عليها ثانيا بناء على أحد القولين في الصورة السّابقة و أمّا إذا كان كافرا فبناء على ما اخترناه من أنّه يملكها بالإحياء سواء كان في بلاد الإسلام أو الكفر فملكها إذا كان في بلاد الإسلام حكم ملك المسلم و إذا كان في بلاد الكفر فيمكن أن يزول بالاغتنام أيضا و أمّا لو قلنا بأنه لا يملك فهي باقية على ملك الإمام (عليه السّلام)

قوله (قدّس سرّه) ثم ما ملكه الكفّار من الأرض إمّا أن يسلم عليه طوعا إلى آخره

لا يخفى أنّه (قدّس سرّه) بعد ما بيّن أقسام الأرضين و حكمها إجمالا أراد أن يبيّن حكم الأرض المفتوحة عنوة و هي مبيّنة بحسب المفهوم و هي عبارة عن أرض فتحت قهرا بالخيل و الرّكاب أي رفعت يد الكافر عنها بغلبة من المسلمين إلّا أنها مجهولة مصداقا و المسلم منها على ما يظهر من التواريخ المستفيضة و الأخبار المتظافرة هي أرض العراق المعروفة بأرض السّواد المشهورة بما بين النّهرين على حدودها المعيّنة و هي ملك للمسلمين بشروطها المعروفة الّتي منها إذن الإمام بالمقاتلة و لا شبهة في حكمها إذا كانت مشتملة على الشّرائط فإنّها لا يجوز بيعها مستقلّا على ما يظهر من الأخبار‌

و ما استدلّ به المصنف من الوجوه و إن لم يخل بعضها عن قصور في الدّلالة كرواية إسماعيل الهاشمي إلّا أنّ من المجموع يستفاد عدم جواز بيعها على نحو سائر الأراضي و لكن الّذي يهوّن الخطب أنه لا فائدة في البحث عن حكمها بعد تقييد موضوعها بما إذا كانت عامرة حال الفتح و أمّا إذا كانت مواتا فهي للإمام ع فيملكها كل من أحياها‌

و على هذا فلا مانع من شراء كلّ ما احتمل كونه مواتا حال الفتح فإنّ يد من عليها أمارة على كونها ملكا له و لا يبعد أن يكون منشأ سيرة الخلف عن السّلف على بيع ما يصنع من تراب أرض العراق من الآجر و الكوز و الأواني و التربة الحسينيّة على مشرّفها آلاف السّلام و التحيّة عدم إحراز كون هذه الأراضي معمورة حال الفتح و مجرّد العلم الإجمالي‌

344

بعمارة أغلب أراضي العراق لا أثر له بعد عدم كون جميعها محلّا للابتلاء‌

نعم لو أحرز عمارة أرض خاصّة حال الفتح و لم يحتمل عروض الموت عليها أو استصحب بقاءها على عمارتها إلى الآن فيجري فيه الاحتمالات بل الأقوال الخمسة و أوفقها بالقواعد هو توقف التصرّف في زمان الغيبة على إذن الفقيه أو السّلطان الجائر الّذي حلّ قبول الخراج و المقاسمة منه بناء على ما تقدّم في كتاب المكاسب أنّه يستفاد من الأئمّة (عليهم السّلام) الإذن العام للتصرف فيما يأخذه الشيعة بإذن سلطان الجور‌

و بالجملة مع الشكّ في كون أرض ميتة أو محياة أو مع العلم بكونها ميتة كأرض الغري على مشرّفها و أولاده الطّاهرين آلاف التحيّة و السّلام فلا مانع من شرائها و التصرّف فيها بجميع أنحاء التصرّف‌

[و اعلم أنّه ذكر الفاضلان بعد الملكيّة كونه طلقا]

قوله (قدّس سرّه) و اعلم أنّه ذكر الفاضلان و جمع ممّن تأخّر عنهما في شروط العوضين بعد الملكيّة كونه طلقا إلى آخره

لا يخفى أنّ مقصود الأساطين من هذا الشّرط اعتبار أمر آخر في العوضين مضافا إلى أصل الملكيّة و هو كون المالك تامّ السّلطنة و عدم كونه محجورا عن التصرّف إمّا لقصور في المقتضي كما إذا كان ملكه محدودا كالوقف الخاصّ فإنّ الموقوف عليه في هذا الوقف و إن كان مالكا للعين الموقوفة على ما هو الحق كما اختاره المشهور إلّا أنّه لا يصحّ بيعه لها لأنّ البيع الموقت لا يصحّ في الشّرع و إمّا لوجود المانع كالرهانة و الجناية و الاستيلاد فلا يرد عليهم ما أفاده المصنف من أنّ مرجع هذا الشّرط إلى أنّه يشترط في البيع مثلا أن يكون متعلّقه مما يصح للمالك بيعه مستقلا و هذا لا محصّل له لأنّه عبارة أخرى عن أنّه يشترط في المبيع صحّة بيعه‌

ثم إنّه (قدّس سرّه) وجّه اعتبار هذا الشّرط بقوله فالظّاهر أنّ هذا العنوان ليس في نفسه شرطا ليتفرّع عليه عدم جواز بيع الوقف و المرهون و أمّ الولد بل الشّرط في الحقيقة انتفاء كلّ من تلك الحقوق إلى أن قال فالتّعبير بهذا المفهوم المنتزع تمهيد لذكر الحقوق المانعة عن التصرّف لا تأسيس لشرط ليكون ما بعده فروعا بل الأمر في الفروعيّة و الأصالة بالعكس إلى آخره و لكنّك عرفت أنّ الأمر بالعكس و أنّ الطلقيّة شرط و عدم جواز بيع الوقف و نحوه فرع له لأنّ الطلقيّة عبارة عن عدم قصور السّلطنة و يتفرّع عليه عدم جواز بيع الوقف و نحوه‌

و على أيّ حال الحقوق المانعة عن الاستقلال بالبيع و إن عدّت أكثر ممّا ذكره الأساطين و قد أنهاها صاحب المقابس إلى أزيد من عشرين إلّا أن بعضها ليس داخلا في الحقوق المانعة كحقّ الشّفعة و بعضها يرجع إلى هذه الثلاثة بل أمهات الحقوق اثنان و لذا يقال في تمييز الحقّ إنّه هل هو من قبيل حقّ الجناية أو من قبيل حقّ الرهانة نعم بعضهم جعل تعلّق حق السّادات و الفقراء بالخمس و الزكاة حقّا برأسه و أصلا مستقلّا‌

[مسألة لا يجوز بيع الوقف إجماعا]

قوله (قدّس سرّه) لا يجوز بيع الوقف إجماعا إلى آخره

لا يخفى أنّ موضوع البحث هو الوقف الخاص و قد استدلّ على بطلان بيعه بأنّ حقيقة الوقف تقتضي ذلك لأن معناه لغة إيقاف الشّي‌ء فإذا أنشأ الواقف هذا المعنى الّذي عرف في النبوي المعروف بحبس الأصل و سبل الثّمرة و عرفه الأصحاب بقولهم تحبيس الأصل و تسبيل الثّمرة فينافي البيع مع مقتضاه‌

و لكنّه لا يخفى أنّ مجرّد كون المنشأ وقف الشّي‌ء لا يقتضي لزومه و عدم جواز بيعه من الواقف أو الموقوف عليه فإنّ الهبة تمليك من المتّهب مع أنه يجوز‌

345

الرّجوع فيه نعم لو انضمّ إلى ذلك أمران آخران أحدهما بالنّسبة إلى الواقف و هو خروج العين عن ملكه فرجوعها إليه يتوقّف على دليل و ثانيهما بالنّسبة إلى الموقوف عليه و هو أنّ الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها فليس لغيره التّبديل لأن أهله جعله حبسا و موقوفا فإطلاقه أو تبديله لا بدّ له من دليل و عمدة الدّليل على عدم نفوذ بيعه هو الأخبار الخاصّة المذكورة بعضها في المتن‌

و أقوى دلالة منها هو قوله ع صدقة لا تباع و لا توهب فإنّ الظّاهر أنّ قوله لا تباع صفة لقوله ع صدقة الّتي هي المفعول المطلق النّوعي فمرجع هذا الكلام إلى أنّ سنخ هذه الصّدقة سنخ من صفتها و من أحكامها شرعا عدم جواز بيعها و لا هبتها و الغرض من هذا التّوصيف الإشارة إلى القسم المعروف من الصّدقة و هو الوقف و احتمال كونها صفة لشخص هذه الصّدقة أو ما يرجع إلى ذلك بأن يكون شرطا خارجيا من الواقف لا صفة للنوع بعيد غايته فإنّه بلا قرينة و هذا بخلاف كونه صفة للنوع فإنّه يكفي في كونه كذلك قوله صدقة الّتي هي المفعول المطلق النّوعي‌

هذا مضافا إلى أنّه لو كان شرطا لاقتضى تأخّره عن ركن العقد أعني الموقوف عليهم مع أنّ التّعبير عن الشّرط بمثل هذا الكلام في غاية البعد و بالجملة ظاهر ما ورد عنهم في بيان الأوقاف هو أنّ الوقف ملازم لعدم الانتقال فإنّ من مجموع الروايات يظهر أن مثل قوله ع لا تباع و لا توهب و مثل قوله ع لا يحلّ لمن يؤمن باللّٰه و اليوم الآخر أن يبيعها و لا يبتاعها إلى آخر الحديث في مقام بيان ما يقتضيه الوقف بحسب الحكم الشّرعي لا بيان شرط خارجيّ فالعمدة ظهور الرّوايات في ذلك لا ما أفاده المصنف بقوله مع أنّه لو جاز البيع في بعض الأحيان كان اشتراط عدمه على الإطلاق فاسدا بل مفسدا لمخالفته للمشروع فإنّه مضافا إلى ما تنبّه عليه فقال مع أنّ هذا التّقييد ممّا لا بدّ منه سواء قلنا بأنّ قوله ع لا تباع صفة للنوع أو الشّخص يرد عليه أنّ جواز البيع شرعا لا ينافي اشتراط الواقف عدم البيع فإنّ الجواز في مورده إنّما يكون منافيا لمقتضى قوله ع الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها فيخصّص بأدلّة الجواز سواء كان عدم البيع وصفا نوعيا أو شرطا خارجيّا‌

و بعبارة أخرى جواز البيع في بعض الموارد لا ينافي ما أنشأه الواقف بل ينافي حكمه الّذي ثبت بقوله ع الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها لأنّ مرجع هذا الكلام إلى أنّ ما أنشأه الواقف ممضى فيخصّص دليل الإمضاء بما دلّ على جواز البيع في بعض الموارد كما أنّه لو كان قوله ع لا تباع و لا توهب وصفا نوعيا لكان دليل الجواز مخصّصا له أيضا‌

و حاصل الكلام أنّ شرط الواقف على الموقوف عليه عدم بيع العين الموقوفة ليس منافيا لجواز البيع شرعا في بعض الموارد لأن الواقف لا يشترط عليه أن لا يكون الحكم الجوازي أصلا حتى مع طروّ المسوّغ للبيع بل يشترط أمرا خارجيا لا يقتضيه حقيقة الوقف و لا إطلاقه بناء على أن لا يكون عدم البيع وصفا للنّوع و الشّارع أمضى هذا الشرط بقوله الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها و استثنى منه مورد طروّ أحد موجبات جواز البيع‌

كما أنه لو كان عدم جواز البيع وصفا نوعيّا و من أحكام مطلق الوقف فلا مانع من تخصيصه ببعض الموارد و من ذلك يظهر النّظر في ما أفاده في بيان لزوم التّقييد بناء على‌

346

أن يكون الوصف وصفا للنّوع دون ما إذا كان شرطا خارجيّا من أنّه لو كان شرطا خارجيّا من الإمام (عليه السّلام) يستغني علمه بعدم طروّ الأمور المبيحة عن تقييد إطلاق عدم البيع بعدم طروّ هذه الأمور دون ما إذا كان وصفا للنّوع فإنّ العلم بعدم طروّ هذه الأمور في شخص هذا الوقف الصّادر منه (عليه السّلام) لا يغني عن تقييد إطلاق الوصف في النّوع فإنّه بعد ما كان دأب الأئمّة (عليهم السّلام) اتّكالهم على القرائن المنفصلة فهذا الوصف و إن كان للنّوع إلّا أنّه لا يلزم أن يكون التّقييد بعدم طروّ المسوّغ متّصلا بهذا الكلام‌

و بالجملة حكم الشّارع بأنّ الوقف لا يباع و لا يوهب أو حكمه بأن الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها قابل للتّقييد ثم لا يخفى أن دعوى انصراف المطلق إلى البيع لا لعذر و إن كان الشّرط شرطا خارجيا لا محصّل لها لأنّ الشخص الخارجي و إن أمكن تصوير الإطلاق له باعتبار الحالات إلّا أنّ الانصراف إلى بعض الأفراد دون بعض يختص بالكلّي المقول بالتّشكيك و أمّا الشّخص فلا يتصوّر فيه التّشكيك في الماهيّة أو الوجود نعم يمكن التفاوت بين الأحوال في غلبة الوجود و عدمها إلّا أنّ هذا انصراف بدويّ لا اعتبار به‌

قوله (قدّس سرّه) و ممّا ذكرنا ظهر أنّ المانع عن بيع الوقف أمور ثلاثة إلى آخره

لا يخفى أنّ ما أفاده (قدّس سرّه) قد سبق إليه بعض الأعلام أيضا فقال في الوقف حقوق ثلاثة حقّ اللّٰه سبحانه و حقّ الواقف و حقّ البطون و نظير ذلك ذكر في العبد المشروط عتقه فقيل يتعلّق به حقوق ثلاثة حق اللّٰه سبحانه و حقّ المشترط و حقّ العبد و لكنّك خبير بأنّ تعلّق حقّ من اللّٰه بالوقف لا معنى له إلّا بمعنى إطاعة حكمه و امتثال أمره بمقتضى حكمه المستفاد من قول سفرائه الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها‌

و أمّا تعلّق حقّ إلهي مقابل للحكم كتعلق حقّه بالخمس بمقتضى قوله عزّ من قائل وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ إلى آخره فلا دليل عليه و مجرّد أنّ الواقف يطلب الأجر و الثواب و على اللّٰه سبحانه عوضه لا يوجب أن يثبت حقّ من اللّٰه سبحانه على العين الموقوفة‌

و أمّا حق الواقف فبمجرّد وقفه تخرج العين الموقوفة عن ملكه أنشأ التأبيد أم لا كان الحبس من منشئاته أم لا لأنّ العين على جميع التّقادير ليست متعلّقة لحقه و كون الوقف صدقة جارية ينتفع بها لا يقتضي أن يكون العين متعلّقا لحقّه و إن توقّف انتفاعه بها على بقائها موقوفة فضلا عمّا إذا لم يتوقّف عليه فإنّ الثّواب و الأجر يمكن أن يترتّب على نفس الوقف بقصد البقاء إلى الأبد و إن لم يبق كذلك‌

و أمّا حقّ البطون فمع عدم وجودهم كيف يتعلّق حق لهم بالعين فإنّ المعدوم قبل وجوده كما لا يكون مالكا كذلك لا يكون ذا حق مع أنه لو قيل به فإنّما يمنع حقّهم عن بيع العين و صرف ثمنها إلى الموجودين و أمّا لو اشترى به بدلها يتعلّق به حقهم على نحو تعلّقه بالمبدل فلا مانع منه‌

فالعمدة من الأدلّة المانعة هي الأخبار الدالّة على عدم جوازه لا سيّما قوله ع الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها فإنّ الواقف حيث ينشئ الوقف الّذي هو عبارة عن حبس المال و إيقافه و قد أمضاه الشّارع بقوله الوقوف فلا يجوز تغييره عمّا جعله و أنشأه‌

قوله (قدّس سرّه) ثم إنّ جواز البيع لا ينافي بقاء الوقف إلى أن يباع فالوقف يبطل بنفس البيع لا بجوازه إلى آخره

لا يخفى أنّ ما أفاده هو الحقّ الّذي لا محيص عنه‌

و ما أفاده صاحب الجواهر (قدّس سرّه) تبعا لأستاده‌

347

كاشف الغطاء لا يمكن الالتزام به لأنّ غاية ما يوجّه به كلامهما على ما يظهر من عبارتهما أنّه يشترط في صحّة البيع الطّلقيّة فلا بدّ أولا من بطلان الوقف لطروّ المجوّز حتى يصحّ بيعه و إلّا فبقاء الوقف مع صحّة البيع متضادان‌

و ببيان آخر نفس حقيقة الوقف تقتضي عدم جواز بيعه فكل مورد قيل بصحّة بيعه يجب أن يقال ببطلان الوقف أولا حتّى يصحّ بيعه و لا يخفى أنّه بناء على هذا البيان الأخير لا يرد عليهما النقض بجواز الرّجوع في الهبة للفرق الواضح بين الهبة و الوقف فإنّ الهبة ليس من مقتضاها إلّا تمليك المتّهب لا عدم جواز الرّجوع فيه بخلاف الوقف فإن مقتضاه وقوف العين على حالها فينافيه بيعها‌

فالصّواب أن يقال في ردّهما إنّه على فرض أن يكون عدم البيع مأخوذا في قوامه و حقيقته إلّا أنّ هذا المعنى ما لم يمضه الشّارع لا أثر له و الحكم الممضى قابل للتّخصيص فالأولى هو البيان الأوّل و هو اعتبار الطّلقيّة قبل البيع في صحّته حتّى يرد على المحلّ القابل و الجواب عنه أوّلا عدم إمكان إلزامهم ببطلان الوقف مطلقا بمجرّد طروّ المسوّغ فإن من موارد جواز بيعه شدّة حاجة أربابه و لا شبهة أنه لو ارتفع ضرورتهم قبل البيع يبقى الوقف على حاله و لا يمكن أن يبطل الوقف بطروّ الضّرورة و يعود بارتفاعها لأنه لا دليل على عوده بعد بطلانه و ثانيا أنّ صحّة البيع لا تتوقّف على الطلقيّة قبله بل يكفي جوازه للبائع و قابليّة المبيع له و لذا يصحّ لذي الخيار بيع ما انتقل عنه و بنفس البيع ينفسخ العقد الأوّل و بالجملة لا دليل على المنع عن البيع إلّا كون العين موقوفة و بعد أن ثبت جواز بيع العين الموقوفة نستكشف منه عدم اعتبار الطّلقيّة قبل البيع بل قابليّة البيع و مالكيّة البائع و سلطنته عليه يكفي في صحّة البيع فعلى هذا لا الوقف مانع عن البيع و لا البيع يعتبر في متعلّقه أن لا يكون وقفا قبله نعم البيع و الوقف لا يجتمعان‌

قوله (قدّس سرّه) إذا عرفت أنّ مقتضى العمومات في الوقف عدم جواز البيع فاعلم أنّ لأصحابنا في الخروج عن عموم المنع في الجملة أقوالا إلى آخره

لا يخفى أنّ موضوع البحث و إن كان الوقف الخاصّ إلّا أنّ الأولى ذكر جميع أقسامه على الإجمال و بيان أحكامها على مقتضى الأصل فنقول للوقف أقسام خمسة الأوّل وقف المشاعر كالمسجد و المشهد و لا يبعد إلحاق الحسينيّة بهما و هذا هو الّذي يقال إنّه تحرير و فكّ ملك أي إبطال للملكيّة و ليس تمليكا للمسلمين فهو بمنزلة عتق العبد الثّاني ما يلحق بالأوّل كوقف الخانات و القناطر و ما يشبه ذلك مما يوقف لانتفاع كلّ من سبق إليه فإنّه أيضا تحرير‌

الثّالث ما كان وقفا على الجهة كالوقف على العلماء و طلّاب المدارس و الزوّار و نحو ذلك و الفرق بينه و بين القسمين الأوّلين أنّ الوقف في هذا القسم ليس تحريرا و إدخالا له في المباحات بل تمليك للجهة و لذا لو غصبه غاصب يحكم بضمانه دون الأوّلين الرابع ما كان وقفا خاصا كالوقف على الذريّة في مقابل القسم الثالث الّذي يطلق عليه الوقف العام أيضا‌

ثم هذا القسم قد يكون مؤبّدا و قد يكون منقطع الآخر أي تارة يجعله بعد فرض انقطاع الذريّة لمصرف خاصّ و قد لا يجعله كذلك الخامس الوقف على الموقوفات كالحصير على المسجد أو الفرش على المدارس و الفرق بينه و بين القسم الثّالث أنّ في القسم الثّالث يملك الموقوف عليه المنفعة و لذا‌

348

يصحّ إجارته أمّا هذا القسم فمجرّد إباحة الانتفاع‌

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ مقتضى الأصل عدم جواز بيع القسم الأوّل و الثاني لخروجهما عن الملكيّة و تلف ماليّتهما شرعا و مقتضى الأصل جواز بيع القسم الخامس إذا لم يمكن الانتفاع به لأنّ الواقف و إن أوقف عين الرقبات و لكن حيث إنّها ممّا تزول خصوصيّتها الشّخصية فكأنّه وقفها بمراتبها و تعلّق نظره أوّلا بشخصيّتها ثم بماليّتها فإذا لم يمكن الانتفاع بشخصيّتها الخاصّة فيتعلّق بماليّتها فللحاكم أو المتولي تبديلها و يصير بدلها وقفا كما تقدّم نظير ذلك في باب اليد فإنّ العين المضمونة ما دامت موجودة يجب ردّها بشخصها و إذا تلفت أو حيل بينها و بين مالكها يردّ ماليّتها‌

و أمّا القسم الثّالث و الرّابع فالأقوى إلحاقهما بالقسم الخامس لأنّهما ليسا من التحرير و إتلاف الماليّة بل الثالث تمليك للجهة و الرابع تمليك لأشخاص خاصّة فإذا توقّف انتفاع الجهة أو الأشخاص على تبديله فلا مانع منه فيكون ثمنه وقفا بعد بيعه و إذا اشترى به شيئا صار وقفا من دون توقّف على إجراء صيغة الوقف و على هذا فدية العبد الموقوف على الجهة أو على الذريّة حكمها حكم العبد في صيرورتها وقفا بناء على كونها بدلا عن العبد أو عن الجناية الواردة عليه لا كونها غرامة تعبّدية‌

و حاصل الكلام أنّ ما كان تحريرا أو فكا للملكيّة و إتلافا للماليّة فليس مالا حتّى يصحّ بيعه أو إجارته أو صلحه أو هبته و ما عن كاشف الغطاء من أنّه لا يصحّ بيعه لا لعدم تماميّة الملك بل لعدم أصل الملك و لكنّه يصحّ إجارته للزراعة مع اليأس عن الانتفاع به في الجهة المقصودة مع مراعاة الآداب اللّازمة إذا كان مسجدا إلى آخر ما أفاده لا نعرف وجهه و هو أعرف بمدارك فتاواه‌

و كلّما لم يخرج عن الملكيّة كوقف الدّكان على الطلّاب أو وقف الدار على الذريّة أو وقف الحصير على المسجد أو أجزاء بنيان المسجد كالجذوع و الآجر و نحو ذلك الّتي هي ملحقة بالحصير الّذي يوقف على المسلمين و يوضع في المسجد لانتفاعهم فحيث إنّه ملك غاية الأمر ليس طلقا فلا مانع من بيعه إذا طرأ ما يوجب بيعه و رأى وليّ الموقوف عليه المصلحة في ذلك‌

و على هذا فلا يقال كيف لا يجوز بيع المسجد و يصحّ بيع جذوعه إذا انكسر و ذلك لأنّ ما وقع عليه التّحرير هو نفس الأرض لا أجزاء بناء المسجد و ممّا ذكرنا ظهر الملازمة بين بقاء الملكيّة و تعلّق الضّمان به فلو ثبت في مورد عدم الضّمان نستكشف أنّه تحرير لا وقف على الجهة كما أنّه لو ثبت في مورد أنّه تحرير نثبت به عدم الضّمان و الجمع بين كلمات العلماء غير ممكن و استفادة الاتّفاق منهم مطلقا أو في مورد خاصّ ممتنع و عليك بمراجعة المتن فإنّه (قدّس سرّه) قد بذل جهده في استقصاء الكلمات شكر اللّٰه سعيه‌

و كيف كان الفرق بين بناء المسجد و نحوه و العرصة واضح فإنّه لو جعل شخص عرصة مبنيّة بالأخشاب و الآلات مسجدا و وقفها كذلك فالعرصة لا يجوز بيعها و أما الآلات فيجوز لأنّه لو جعل ما يعرض عليه الخراب و الانهدام وقفا يتعلّق النّظر لا محالة بالأعمّ من نفس العين بخصوصيّتها و من ماليّتها و هذا بخلاف نفس الأرض فإنّها قابلة للبقاء فلا يجوز بيعها و لا ينافي ذلك كون المجموع من الأرض و البناء وقفا بصيغة واحدة لأنّ اختلاف أجزاء الموقوفة إنّما هو لاختلاف حقيقتها فيلحق كلّ جزء حكمه‌

ثم إنّه قبل بيان المسوّغات للبيع‌

349

لا بأس بالتّنبيه على فروع الأوّل أنّه لو بيع العين و اشتري بثمنها عين أخرى فهل حكمها حكم العين الأولى في أنّه لا يجوز بيعها إلّا بطروّ المسوّغ أو يجوز بيعها و تبديلها إذا رأى المتولّي المصلحة مطلقا وجهان و الأقوى الثّاني لأنّ عدم جواز البيع ليس من إنشاء الواقف حتى يقال إن حكم البدل حكم المبدل بل هو من أحكام الوقف شرعا و الحكم الشّرعي إنّما ثبت في نفس العين الّتي وقفها الواقف دون العين الأخرى الّتي اشتريت بثمن العين الأولى‌

و بالجملة وظيفة الواقف ليس إلّا إيقاف العين و ليس حكم الوقف من منشئات الواقف و ليس له إنشاؤه و ليس حكم البدليّة إلّا تعلّق حقّ البطون اللّاحقة في الوقف الخاصّ أو تعلّق حق الجهة في الوقف العام بالبدل و تعلّق حقّهم به لا يقتضي عدم جواز بيعه للمتولّي فله تبديله و اشتراء عين أخرى‌

ثمّ إنّ حكم ما يشترى من منافع مثل الدكّان الموقوف على المسجد و نحوه حكم العين الّتي تشترى من ثمن العين الموقوفة في أنّه يجوز للمتولّي تبديله بلا طروّ أحد مسوغات بيع الوقف إذا رأى فيه المصلحة و ذلك لعدم قيام دليل على تبعيّة الحصير الّذي يشتريه المتولّي من منافع الدكّان أو العقار لنفس الدكّان و العقار بل نفس وجود المصلحة في التّبديل كاف في جواز البيع‌

نعم لو اشترى الحصير مثلا من غير منافع الموقوفة شخص ثالث و وقفه على المسجد فحكمه حكم الأعيان الموقوفة فيحتاج جواز بيعه إلى مسوّغات البيع و الفرق بين القسمين واضح فإنّ الحصير الّذي وقفه أجنبي على المسجد هو بنفسه أيضا من أقسام الوقف و هذا بخلاف ما يشتريه المتولّي من منافع الأعيان الموقوفة على المسجد و المدرسة فإنّه ليس من الأعيان الموقوفة فيجوز تبديله مطلقا مع المصلحة‌

الثّاني إذا اتّجر بثمن العين الموقوفة فهل ربحه كمنافع العين الموقوفة للبطن الموجود أو إنّه كالعين في اشتراك البطون فيه وجهان و الأقوى هو الثّاني لأنّ الثمن كالمبيع و ربحه بمنزلة جزء المبيع لا بمنزلة منفعته لأنّ ربح الثّمن بمنزلة ارتفاع القيمة السوقيّة للمبيع فلا يختصّ بالبطن الموجود و ليس حكمه حكم منافع العين الموقوفة‌

الثّالث هل يجب شراء المماثل للوقف مع الإمكان و لو كان غيره أصلح أم يجب رعاية الأصلح فيه وجهان و الأقوى هو الثّاني لأنّ غاية ما يوجّه به الأوّل ما أفاده العلّامة و من تبعه من أنّ المثل أقرب إلى مقصود الواقف و فيه مضافا إلى أنّ مقصود الواقف لا يدخل تحت ميزان منضبط أنّه لا دليل على رعاية مقصوده إلّا إذا كان من منشئاته فإن الغرض تارة يكون من الدّواعي فلا أثر له في شي‌ء من العقود و لا يوجب تخلّفه خيارا و لا بطلانا و أخرى يكون قيدا في ما أنشأه و هذا في الوقف إنّما يتصوّر بالنّسبة إلى المراتب الطّوليّة للمال كما هي كذلك في باب الضّمان دون بدل العين الموقوفة‌

و توضيح ذلك أنّ مقتضى تعلّق الوقف بما يطرأه الفساد أن يكون متعلّق الوقف أولا هو العين بخصوصيّتها الشخصيّة و ثانيا بماليّتها و لذا يجوز بيعها إذا لم يمكن الانتفاع بشخصها فيتعلّق الوقف ثانيا بماليّة الشّي‌ء و لذا نقول بأنّه لا يجب إجراء صيغة الوقف بالنّسبة إلى بدل العين بل نفس شرائه بنفسه يقتضي كونه وقفا و أمّا تعلّق الوقف بما هو أقرب من العين الموقوفة فهذا ليس من مقتضيات الوقف و من منشئات الواقف بل إذا قيل به فلا بدّ أن‌

350

يستند إلى حكم شرعي و حيث لم ينهض عليه دليل فلا وجه لشراء المماثل بل يجب ملاحظة مصلحة البطون‌

إلّا أن يقال إن المثل مقدم على الماليّة بحسب المرتبة فإنّه كنفس العين بعد تعذّر العين فبحسب المراتب الطّوليّة ما دام المثل موجودا لا تصل النوبة إلى غيره فبعد جواز تبديل العين يقدم شراء المثل على غيره كما في باب الضّمان الرّابع هل المتصدّي لبيع العين الموقوفة هو النّاظر المنصوب من قبل الواقف لو كان أو هو وظيفة الحاكم وجهان و الأقوى هو الثّاني لعدم شمول دليل النّصب لهذا التصرّف فيرجع إلى الحاكم و إن كان الأحوط مراعاة نظر كليهما ثم بناء على هذا فليس له النّظارة في بدل العين الموقوفة بل حكمه حكم الأوقاف الّتي لا متولّي لها‌

[فاعلم أنّ الكلام في جواز بيع الوقف يقع في صور]

[الأولى أن يخرب بحيث لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه]

قوله (قدّس سرّه) فاعلم أنّ الكلام في جواز بيع الوقف يقع في صور الأولى أن يخرب بحيث لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه إلى آخره

لا يخفى أنّ هذه الصورة هي المتيقّن في كلام كلّ من قال بجواز بيع الوقف عند خرابه و أمّا إذا سقط عن الانتفاع المعتدّ به الّذي هو الصورة الثّانية في المتن فإلحاقها بالصّورة الأولى مشكل فضلا عن الصّورة الثّالثة و هي ما إذا قلّت منفعته‌

و بالجملة لو لم يمكن الانتفاع بالعين الموقوفة أصلا أو عدّ الانتفاع المتصوّر فيه في حكم العدم كما إذا غرقت الأرض المعدّة للزّراعة و لم يمكن الانتفاع بها إلّا لاصطياد السّمك منها الّذي هو في حكم العدم فيجوز بيعها و أمّا إذا سقطت عن الانتفاع المعتدّ به و لكن لم يلحق بالعدم فلا يجوز بيعها فضلا عمّا إذا قلّت منفعتها و لو أمكن الانتفاع بها فعلا و لكن يعلم بخرابها بعد ذلك فلو علم بأنّه لو لم تبع فعلا فلا يشتريها أحد حين خرابها فلا يبعد أن يكون بيعها جائزا‌

ثم إنّ ما ذكرناه من عدم جواز بيع العين الموقوفة إذا لم يلحق قلّة الانتفاع بها بالعدم إنّما هو إذا بقيت الصورة النّوعيّة للعين الموقوفة و أمّا إذا تبدّلت بصورة أخرى فيجوز بيعها و إن لم تلحق بالعدم و لا يبعد أن يكون كلام الشّيخ ناظرا إلى هذا المعنى فإنّ النّخلة الموقوفة إذا قلعت تعدّ عرفا مباينة للنّخلة لأنّها عبارة عن الشّجرة لا المادّة المشتركة بينها و بين الجذع و الخشب و بطلان الصورة النوعيّة عبارة أخرى عن خراب الوقف و سيجي‌ء إنشاء اللّٰه تعالى في باب الخيار أنّ مناط ماليّة الأموال إنّما هو بالصورة النوعيّة لا المادّة المشتركة‌

ثم المدار في الصورة النوعيّة على الصّورة النّوعيّة العرفيّة لا العقليّة فإذا تبدّلت الصّورة النوعيّة الّتي تعلّق الوقف بها يبطل الوقف و يبقى ذات الجسم فيباع و لا يقاس انهدام الدّار على زوال صورة الشّجرة فإنّ الدّار مركّبة من البناء و الأرض و انهدام البناء لا يوجب بطلان الوقف رأسا لبقاء العرصة‌

و بالجملة حيث إنّ قوام الوقف بأمرين بقاء العين الموقوفة و كونها ذات منفعة لأنّه عبارة عن حبس العين و تسبيل الثّمرة فكما يجوز بيعها إذا لم تكن لها منفعة أصلا فكذلك يجوز بيعها إذا لم تبق صورتها العينيّة الّتي هي إحدى ركني الوقف [1]

____________

[1] و لا يخفى أنّه لو قلنا بأنّ للوقف ركنين حبس العين و تسبيل الثّمرة و بزوال الصورة النّوعيّة للعين يبطل الوقف فمقتضاه بطلانه إذا لم يمكن الانتفاع بالعين و هذا هو الّذي اختاره صاحب الجواهر تبعا لأستاده كاشف الغطاء فما اختاره شيخنا الأستاذ مد ظلّه تبعا للمصنف من أن الواقف لا يبطل إذا بطلت المنفعة بل يجوز بيعه لا وجه له و بالجملة الفرق بين انتفاء هذا الرّكن و الرّكن الآخر لا وجه له ثم لا يخفى ما في استدلال المصنف لجواز بيع الوقف إذا طرأ عليه الخراب و تبديله بعين أخرى بما حاصله أنّ الأمر دائر بين تعطيله حتى يتلف بنفسه و بين انتفاع البطن الموجود بالإتلاف و بين تبديله بما يبقى و الأول تضييع و الثاني مع منافاته لحق سائر البطون يستلزم جواز بيع البطن الأول إذ لا فرق بين إتلاف البطن الموجود و بيع البطن الأول إذ لو لم يجب مراعاة البطون اللاحقة جاز للبطن الأول بيعه و ذلك لمنع الملازمة بين جواز إتلاف البطن الموجود و بيع البطن الأول لأنا نلتزم بجواز الإتلاف إذا عرض الخراب لا مطلقا فلو عرض الخراب جاز بيعه للبطن الأول أيضا و لو لم يطرأ فجواز إتلافه للبطن الموجود أيضا ممنوع