منية الطالب في حاشية المكاسب‌ - ج1

- الميرزا محمد حسين الغروي النائيني المزيد...
415 /
351

[الصّورة الرّابعة أن يكون بيع الوقف أنفع و أعود للموقوف عليه]

قوله (قدّس سرّه) الصّورة الرّابعة أن يكون بيع الوقف أنفع و أعود للموقوف عليه إلى آخره

لا يخفى أنّ هذه الصورة و الصورة الخامسة و هي أن يلحق الموقوف عليه ضرورة شديدة متّحدان في الحكم و هو المنع كما أفاده المصنف (قدّس سرّه) إذ لا دليل على جواز بيع الوقف بمجرّد كون بيعه أنفع و بمجرّد لحوق الموقوف عليه ضرورة شديدة و لا ينسب جواز البيع في الصورة الرّابعة إلّا إلى المفيد و لم يرض العلّامة بصدور هذا الكلام منه فقال إن كلامه متأوّل و لا دليل عليه إلّا رواية ابن محبوب و رواية الاحتجاج و على فرض دلالتهما و صحّة سندهما فحيث أعرض الأصحاب عنهما فلا يمكن التمسّك بهما‌

ثم إنّه لا فرق في الأنفعيّة الملحوظة بين أن تكون للطّبقة الموجودة أو لجميع البطون لأنّه على أيّ حال لا دليل على جواز البيع و أمّا الصورة الخامسة فالقائل بجواز البيع فيها جماعة كثيرة و ادّعى الإجماع عليه في الانتصار و الغنية و لكن حيث إن مصطلحهم في الإجماع غير مصطلح المتأخّرين فلا يصحّ الركون إليه فلم يبق دليل إلّا رواية ابن محبوب و هي تدلّ بظاهرها على كفاية أصل الحاجة و لو لم تكن شديدة و هي بهذا المعنى غير معمول بها‌

و بالجملة بعد ما ثبت ضرورة من الشّرع أنّ من أحكام الوقف عدم جواز بيعه فلا بدّ في تخصيصه من مخصّص قويّ تام الدلالة و هذان الخبران غير قابلين للتّخصيص هذا مع أنّ النّسبة بين الجواب المذكور في رواية الاحتجاج و الأدلّة الدالّة على عدم جواز بيع الوقف هي التّباين و إذا قيّدت الأدلّة المانعة بعدم طروّ الخراب و أخرج عن إطلاقها صورة الخراب تنقلب النّسبة و تصير الأدلّة المانعة أخصّ مطلقا من دليل الجواز فيخصّص بما إذا طرأ الخراب‌

و بالجملة على فرض صحّة سند هاتين الرّوايتين و تماميّة دلالتهما فلا بدّ من تقييدهما بمورد لا يمكن الانتفاع بالعين الموقوفة و إلّا فمجرّد الأنفعيّة أو الحاجة لا يوجب جواز بيع العين الموقوفة‌

[الصورة السّادسة أن يشترط الواقف بيعه عند الحاجة]

قوله (قدّس سرّه) الصورة السّادسة أن يشترط الواقف بيعه عند الحاجة إلى آخره

لا يخفى أنّه مع قطع النّظر عمّا رواه في الكافي في صدقة أمير المؤمنين (صلوات اللّٰه عليه و على آله الطّاهرين) لا بدّ من صرف عنان الكلام إلى بيان أنّ شرط بيع الوقف هل ينافي مقتضى الوقف حتّى يأوّل الرّواية على فرض دلالتها على صحّة الشّرط أو لا ينافيه فنقول المدار في مخالفة الشّرط لمقتضى العقد على أن يكون المنشأ في العقد مضادا للشّرط و مناقضا له كما لو اشترط في البيع أن يكون بلا ثمن أو اشترط في الإجارة أن تكون بلا أجرة أو اشتراط عدم تصرّف المستأجر في الدار المستأجر أصلا و أمّا إذا لم يكن الشّرط منافيا لنفس ما أنشأ بالعقد بل كان منافيا لإطلاقه فلا مانع منه كما لو اشترط في البيع أن يكون الثّمن مؤجّلا أو أن يكون من غير نقد البلد و نحو ذلك‌

إذا عرفت ذلك فنقول لو كان التأبيد من منشئات الواقف فاشتراط بيع الوقف عند الحاجة مناف لمقتضاه و أمّا لو كان من مقتضيات الإطلاق فلا مانع منه ثم إنّ شرط بيعه عند الحاجة على قسمين لأنه تارة يشترط بيعه و شراء غيره بثمنه و أخرى يشترط بيعه و إتلاف ثمنه أمّا القسم الأوّل فلا ينبغي الإشكال فيه لأنّه لا ينافي مقتضى العقد على أيّ حال فإنّ عقد الوقف لا يتعلّق بنفس الخصوصيّة العينيّة و إلّا لما صحّ بيعها عند طروّ الخراب و تبديلها بغيرها بل يتعلّق بالأعمّ منها و من ماليّتها‌

نعم‌

352

مقتضى الإطلاق أن يتعلّق الوقف بعينها و تعلّقه ببدلها في طول تعلّقه بعينها فيحتاج إلى مئونة زائدة و أمّا لو اشترط التّبديل فمرجعه إلى جعل الوقف متعلّقا بالجامع بين المال و بدله و أمّا القسم الثّاني فيبتني صحّته على صحّة الوقف المنقطع الآخر و كونه وقفا لا حبسا و حيث إنّ المختار صحّته لا سيّما إذا كان مردّدا بين الانقطاع و عدمه فيصحّ شرط جواز البيع لبعض البطون فإن مرجع شرطه إلى أنّ له أن يجعله منقطعا و أن يبقيه على حاله و على هذا ينزل الرّواية الشريفة الواردة في صدقة أمير المؤمنين ع و تأويلها بتنزيلها على الوصيّة لا الوقف لا وجه له لأنّ العمل بظاهرها لا إشكال فيه‌

نعم بناء على ما اختاره صاحب الجواهر تبعا لشيخه من بطلان الوقف في كلّ مورد جاز بيعه و لو لم يبع فمرجع الشّرط إلى جعله منقطعا و كيف كان فبناء على ما اخترناه من أنّ جواز البيع لا يستلزم البطلان فلا مانع من جعل الواقف الخيار لبعض البطون حتّى البطن الأوّل كما في صدقة أمير المؤمنين (صلوات اللّٰه عليه و آله الطّاهرين‌)

[الصورة السّابعة أن يؤدّي بقاؤه إلى خرابه علما أو ظنّا]

قوله (قدّس سرّه) الصورة السّابعة أن يؤدّي بقاؤه إلى خرابه علما أو ظنّا إلى آخره

لا يخفى أنّ هذه الصّورة ملحقة بالصورة الأولى و هي خراب الوقف بحيث لا يمكن الانتفاع به فإنّ العلم بتأديته إلى الخراب أو الظّن به المعبّر عنه بخوف الخراب إنّما هو من حيث طريقيّته إليه‌

و بعبارة أخرى إذا احتمل احتمالا عقلائيا تأديته إلى الخراب على نحو لو كان فعلا خرابا لجاز بيعه فحكم الاحتمال حكم نفس الخراب و لكن من حيث كونه طريقا لأن بعد اعتبار هذا الاحتمال عند العقلاء فكأنّه صار خرابا فعلا و أمّا الصّور الثلاث الّتي بعد هذه الصّورة و هي وقوع الاختلاف بين الموقوف عليهم بحيث لا يؤمن من تلف المال و النّفس أو أدائه إلى ضرر عظيم أو استلزامه فسادا يستباح منه الأنفس فلا دليل على جواز البيع فيها إلّا إذا لزم إحدى مجوّزات البيع كالخراب و نحوه و أمّا مجرّد تضرّر الموقوف عليهم أو تلف المال أو النّفس منهم أو من غيرهم فليس بنفسه من المسوّغات‌

و توهّم أنّ الباب باب التّزاحم فيراعى ما هو الأهمّ فاسد لأنّه لو قلنا بجواز التصرف في الموقوفة لحفظ الغريق أو إطفاء الحريق فإنّما هو فيما لو اتّفق ذلك قهرا من دون دخل فاعل مختار و أمّا إذا كان تلف الموقوف عليهم نفوسهم أو أموالهم باختيار منهم فبيع المتولّي العين الموقوفة و صرف ثمنها لحفظ نفوسهم لا دليل عليه فضلا عن بيعها لحفظ أموالهم و هكذا لو فرضنا أنّ الاختلاف صار منشأ لتلف نفس الموقوفة بأن يكون المراد من المال الّذي يؤدّي الاختلاف إلى تلفه هو نفس الموقوفة فإنّ بيعه أيضا غير جائز إلّا أن يرجع إلى الصّورة الأولى و هي خراب الوقف بحيث لا يمكن الانتفاع به و الظّاهر أنّ المراد منه خرابه قهرا لا لاختلاف الموقوف عليهم‌

و بالجملة مقتضى قوله ع لا يجوز شراء الوقف و لا يدخل الغلّة في ملك عدم جواز البيع إلّا إذا ثبت التّخصيص أو التخصّص بأن يكون المورد خارجا من الإطلاق كما في صورة الخراب على ما يقال من أنّ إطلاق لا يجوز منصرف عنه و أمّا إذا كان من أفراد المطلق و لم يدلّ دليل على خروجه فمجرّد أن بقاء الوقف يؤدّي إلى تلف المال أو النّفس أو الضّرر العظيم على الموقوف عليهم لا يقتضي جواز بيعه‌

ثم إنّا قد بيّنا في قاعدة أصالة الصّحة أنّها‌

353

لا تجري في مورد الشكّ في قابليّة المال للنّقل و الانتقال كالشكّ في طروّ المسوّغ لبيع الوقف و على هذا فيرد على ما أفاده في قوله بعد الاستدلال بعموم لا يجوز شراء الوقف من أنّ ترك الاستفصال عن علم المشتري بعدم وقوع بيع الوقف على بعض الوجوه المجوّزة و عدمه الموجب لحمل فعل البائع على الصّحة يدلّ على أنّ الوقف ما دام له غلّة لا يجوز بيعه إلى آخره أنّ المورد ليس مورد حمل فعل بائع الوقف على الصّحة و لو لم يعلم المشتري بعدم وقوع بيع الوقف على بعض الوجوه المجوّزة بل احتمل ذلك‌

و كيف كان الاستدلال بمكاتبة ابن مهزيار لجواز بيع الوقف في الصورة السّابعة و بعدها من الصّور لا وجه له أمّا أولا فلإجمال الرّواية من جهتين الأولى ظهورها في جواز بيع سهم الإمام (عليه السّلام) من دون طروّ مسوّغ فلا بدّ إمّا من حمله على أنّ سهمه ع كان من حقّه و هو الخمس أي اشترى بعض الضّيعة من سهم الإمام ع و جعله وقفا أو حمله على قضية خاصّة غير معلومة الوجه و الثّانية عدم دلالتها على تحقّق شرط الوقف من القبض كما لو كان المال بيد المالك و جعله وقفا ثم وقع الاختلاف قبل القبض و أمّا ثانيا فلأنّ الاستدلال بها للصورة السّابعة إنّما هو بقوله ع ربما جاء في الاختلاف تلف الأموال بناء على أن يكون المراد من الأموال هو العين الموقوفة و هذا مضافا إلى أنّه لا يناسب التّعبير عنها بالجمع لا ينطبق على هذه الصّورة لأنّ القائلين بالجواز فيها إنّما يقولون به في مورد العلم بأدائه إلى الخراب أو الظنّ و لفظ ربما يستعمل لمجرّد الاحتمال و هذا لا يلتزم به أحد‌

هذا مع أنّ الاستدلال بها لهذه الصورة ينافي الاستدلال بها للصورة الثّامنة و هي أن يقع بين الموقوف عليهم اختلاف لا يؤمن معه تلف المال أو النّفس لأنّ الاستدلال بها لها يتوقف على أن يكون المراد من الأموال هي العين الموقوفة و الاستدلال بها للصورة الثامنة يتوقف على أن يكون المراد منها غيرها من سائر الأموال‌

ثم إنّ الاستدلال بها على الصّورة التاسعة و هي أداء الاختلاف إلى ضرر عظيم يتوقف على استفادة العموم من التّعليل و هو قوله ع فإنّه ربما جاء في الاختلاف تلف الأموال و النفوس و هذا لا يمكن الالتزام به و إلّا اقتضى جواز بيع الوقف لإصلاح كل فتنة‌

و أمّا الاستدلال بها على خصوص الصّورة العاشرة و هي خوف تلف النّفس فيتوقّف على إلقاء كفاية تلف المال عن الاعتبار و جعل ضمّ تلف النّفس إليه كاشفا عن لزوم بلوغ الفتنة إلى هذا الحدّ دون ما دونه و هذا خلاف الظّاهر منها فإنّ الظّاهر أنّ كل واحد من تلف المال و النفس موضوع مستقل كاف لجواز البيع فتحصّل ممّا ذكرنا كلّه أنّ الجائز من بيع الوقف هو الصورة الأولى و هي خراب الوقف بحيث لا يمكن الانتفاع به رأسا و ما يلحق به من انتفاء الصورة النوعيّة‌

و أمّا الباقي من الصّور فلا دليل معتدّ به يدلّ على جواز بيعه إلّا الصورة السّادسة و هي صورة شرط الواقف على ما عرفته من التّفصيل و الصورة السّابعة‌

[و أمّا الوقف المنقطع]

قوله (قدّس سرّه) و أمّا الوقف المنقطع و هو ما إذا وقف على من ينقرض إلى آخره

ينبغي إجمالا بيان حكم الوقف المنقطع أوّلا ثم بيان جواز بيعه فنقول الوقف المنقطع على قسمين قسم يجعله موقّتا كما لو قال وقفت هذا عشر سنين و هذا لا إشكال في بطلانه وقفا إجماعا لأنّ التّأبيد إمّا شرط في الوقف أو مأخوذ في حقيقته إنّما الكلام في أنّه بقرينة التوقيت يصير حبسا‌

354

أو أنه يدور مدار القصد فلو قصد به الحبس يكون حبسا و لو قصد به الوقف يكون باطلا و لو لم يقصد شيئا فلا حبس و لا وقف و قسم يجعله على من ينقرض غالبا و في صحّته وقفا أو حبسا قولان و الأقوى وقوعه وقفا كما هو مدلول كلامه‌

و يدلّ عليه مضافا إلى قوله ع الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها الخبران الدالّان على أنّ الوقف الموقت مطلقا صحيح و غير الموقت باطل و المراد من الموقّت هو الّذي جعله وقفا على أشخاص خاصّة أو مصرف خاصّ و غير الموقت ما لا يكون كذلك كما لو قال هذا وقف فالمنقطع يصحّ وقفا ما دام الموقوف عليه باقيا و إذا انقرض يبطل و لا وجه لاحتمال كونه حبسا إلّا توهم اعتبار التأبيد في الوقف و لكنّه فاسد لأنّ المراد منه ليس إلّا عدم توقيته مدّة لا كونه دائما بحيث يبقى إلى أن يرث اللّٰه الأرض و من عليها‌

هذا مضافا إلى ما يقال من عدم القول بكونه حبسا بل قيل بأنّه وقف ملحق بالحبس و على أيّ حال لا وجه لكونه حبسا بل لا بدّ إمّا من القول بالبطلان رأسا و إمّا بوقوعه وقفا و ذلك لأنّه لا نرى الفرق فيما ينشئه الواقف بين قوله وقفت على ذرّيتي و قوله وقفت على ذرّيتي و إن انقرضوا فللفقراء فحمل الأوّل على الحبس و الثّاني على الوقف لا وجه له و بالجملة للحبس عنوان مستقل لأنّه بمنزلة الإجازة و الوقف بمنزلة الهبة و كل منهما يحتاج إلى القصد فلو قصد الوقف و أجرى الصّيغة لا يمكن أن يقع حبسا‌

نعم لو قيل بأنّ الوقف المنقطع الآخر باطل رأسا يدخل ما يعلم الواقف بانقراضه في الوقف الموقّت فيقع النّزاع في أنّه يبطل رأسا أو يقع حبسا و كيف كان بعد القول بصحّته فهل يرجع بعد الانقراض إلى ورثة الواقف أو ورثة الموقوف عليه أو يصرف في وجوه البرّ أقوال و الأقوى هو الثّاني لأنّ غاية ما يوجّه به رجوعه إلى الواقف أو ورثته هو أنّ الموقوف عليه لم يخلّف مالا حتى يرثه وارثه لأنّه و إن ملكه بتمليك الواقف إلّا أنّه ملكه ما دام حيّا و لذا لو كان بعده طبقة أخرى يملك تلك الطّبقة دون وارث الموقوف عليه فإذا فرض انقطاع الموقوف عليه يصير مصداقا للوقف الغير الموقّت الّذي ورد في الصّحيح أنّه باطل مردود على الورثة و المراد من الورثة هي ورثة الواقف‌

و بالجملة لو فرض أنّ نقل الواقف كان بمقدار حياة الموقوف عليه فبعد ذلك يرجع إلى نفسه إن كان حيّا و إلّا فإلى ورثته حين الوقف أو حين الانقراض و على أيّ حال لا وجه لرجوعه إلى ورثة الموقوف عليه و لا صرفه في سبيل اللّٰه الّذي يتوقّف على بقاء الوقف على وقفيّته و تعذّر صرفه في مصرفه الخاص و لكنّه مع هذا كلّه فمقتضى ما ورد في صدقة أمير المؤمنين ع هو أنّه بعد الانقراض ينتقل إلى ورثة الموقوف عليه و ذلك لأنّه (عليه السّلام) جعل الخيار لأبي محمّد الحسن (عليه السّلام) في إبطال الوقف و صرف ثمنه لنفسه دون شراء بدله و ذلك يكشف عن تملكه ملكا تامّا لا حق للواقف عليه نعم لو لم يبعه ينتقل إلى غيره بعد وفاته فإذا انقرض قهرا و بطل الوقف ينتقل ممّن انقرض إلى وارثه لأنه صار مالكا بالاستقلال من دون تعلّق حق عليه من الواقف لفرض انتقاله منه إلى الموقوف عليه و لا من الطّبقة الأخرى لفرض عدمهم فرجوعه إلى الواقف أو ورثته أو إلى سبيل اللّٰه لا وجه له بل يمكن أن يقال بجواز بيع من في الطّبقة الأخيرة‌

355

بلا مجوّز و إن توقّف جواز بيع السّابق عليه على المسوّغ لأنه يملكه ملكا تاما و اعتبار الواقف بقاءه في يده إلى انقراضه لو كان شرطا خارجيا منه عليه للزم اتّباعه‌

و أمّا لو كان غرضه من البقاء في يده رعاية حق البطون اللّاحقة و مقدمة لانتفاعهم فمع فرض انتفاء بطن آخر لا مانع من بيعه و لكن الأقوى عدم جواز بيعه إلّا بالشّرط لأنّ الواقف وقفه عليه فإذا لم يجعل الخيار للموقوف عليه فجواز بيعه مناف للوقف‌

و بالجملة فالأقوى أنّه بعد انقراض الطّبقات ينتقل إلى وارث الطّبقة الأخيرة و انقراض الموقوف عليه ليس من مصاديق الوقف الغير الموقّت الّذي ورد في الصّحيح أنّه باطل مردود إلى الورثة أي ورثة الواقف و تمام الكلام موكول إلى محلّه‌

[مسألة و من أسباب خروج الملك عن كونه طلقا صيرورة المملوكة أمّ ولد لسيّدها]

قوله (قدّس سرّه) مسألة و من أسباب خروج الملك عن كونه طلقا صيرورة المملوكة أمّ ولد لسيّدها إلى آخره

هذا هو القسم الثّاني من الأملاك الخارجة عن الطّلقيّة و الظّاهر كون خروجه عنها من الأمور المسلّمة بين المسلمين فلا وقع للبحث عن دلالة الأدلّة الّتي أقيمت عليه و عدم دلالتها كما في حاشية المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) كما أنّه لا وقع للبحث عن أنّ خروجها عن الطلقيّة هل هو لحقّ من اللّٰه سبحانه عليها أو لحق الولد أو لحق نفسها لأن هذه كلّها من علل التّشريع لا من علة الحكم حتى يكون وظيفة الفقيه تنقيحها فلا يهمّنا البحث عنها إنّما المهم أمور أخر ينبغي إيضاحها الأوّل هل يختصّ المنع عن التصرّف فيها بخصوص البيع أو يعمّ مطلق المعاوضة أو مطلق النّقل و لو لم يكن معاوضة كالهبة وجوه بل أقوال و الأقوى هو الأخير‌

و توضيح ذلك أنّ الأحكام المترتّبة على العقود تارة يستفاد من نفس أدلّتها أو من مناسبة الحكم و الموضوع أنّها مختصّة بالبيع و لا تجري في غيره كخيار المجلس و الحيوان و أخرى يستفاد أنها جارية في مطلق المعاوضة بيعا كانت أو صلحا أو إجارة كتلف المبيع قبل قبضه على ما سيجي‌ء من أنّ قاعدة الانفساخ قبل التّلف تجري في عوض الخلع و المهر و نحو ذلك لأنّ المدار فيها على الضّمان المعاوضي و ثالثة يستفاد أنّها جارية في مطلق النّقل و الانتقال و لو لم يكن معاوضة كالهبة و نقل أمّ الولد فإنّه لا يجوز نقلها عن ملك سيّدها و لو بالهبة فإنّ من مناسبة الحكم و الموضوع يستفاد أنّ الاستيلاد مانع عن التصرّفات النّاقلة‌

بل ادّعى بعضهم المنع عن كلّ تصرّف كان في معرض النّقل كالرّهن و لكنّ الحقّ أن المنع عن الرّهن لو قلنا به فليس من جهة المنع عن مطلق التصرّف فيها فإنّ التصرفات الغير المزاحمة لعتقها من نصيب ولدها لا دليل على المنع عنها و لذا لا ينبغي الإشكال في جواز عتقها بل المنشأ في المنع عن الرّهن قصور أدلّة الرّهن لأن الغرض منه كون المرهون وثيقة للدّين فيباع و يؤخذ الدّين من ثمنه و حيث إنّ أمّ الولد لا يجوز بيعها فلا يجوز رهنها إلّا أن يقال إنّ مرجع ذلك إلى امتناع رهنها لأنّ الرّهن يقتضي طبعا أن تكون العين المرهونة مخرجا للدّين و حيث إنّها غير قابلة لذلك فلا يصحّ رهنها فالمانع ليس مجرّد قصور الأدلّة بل لامتناع تحقّق حقيقة الرّهن في أمّ الولد‌

الثّاني أنّه لا إشكال في أنّ عدم جواز التصرّفات النّاقلة فيها يدور حدوثا و بقاء مدار حياة الولد فلو مات و لم يخلّف ولدا تصير طلقا إنّما الإشكال في أنّه لو مات و خلّف ولدا فهل تبقى على ما كانت عليه من المنع مطلقا لصدق كونها أمّ ولد أو تخرج مطلقا لكون الولد حقيقة‌

356

في ولد الصّلب و لا أقلّ من كونه ظاهرا فيه أو يفصل بين كون ولد الولد وارثا للمولى فتبقى على المنع و عدم كونه وارثا له فتخرج عنه وجوه و الأقوى هو الأخير لأنّها و إن كان يصدق عليها أمّ الولد إلّا أنّها إذا لم يكن للولد نصيب منها فلا مانع من جواز بيعها‌

الثّالث يكفي الحمل في المقام و إن قلنا بأنّ الولد لا يصدق عليه حقيقة بل يعتبر فيه الانفصال و ذلك لقوله ع هي أمته إن شاء باع ما لم يحدث عنده حمل ثم إنّه لا يعتبر في الحمل ولوج الرّوح بل يكفي استقرار النّطفة في الرّحم إذا كان منشأ نشوء الآدمي و لا يدلّ على خلاف ذلك قول سيّد الساجدين ع في مكاتبة يطأها مولاها فتحبل حيث قال ع يرد عليها مهر مثلها و تسعى في رقبتها فإن عجزت فهي من أمّهات الأولاد لعدم الملازمة بين زمان السّعي و العجز و بين ولوج الروح غالبا فإنّ السّعي في أداء مال الكتابة لا يحتاج إلى زمان طويل و لا سيّما أنّ الغالب انكشاف الأمر في العجز و القدرة‌

الرابع يعتبر في الحمل أن يكون ملحقا بالمولى فإذا زوّج أمّها ثم وطئها زناء و استولدها فهي ليست بأمّ الولد شرعا لأن للعاهر الحجر إنّما الكلام في أنّه هل يعتبر الوطي من المولى أو يكفي كون النّطفة منه و إن حصل الحمل بالمساحقة مع من وطئها المولى وجهان من دعوى الانصراف و من أنّ المدار كون الولد ملحقا بالمولى شرعا و لو كان الوطي محرّما كما في حال الحيض و الأقوى هو الأخير لأنّه إذا كان الولد ملحقا به فيصدق عليها كونها أمّ الولد و لا وجه للانصراف‌

[ثم إنّ المنع عن بيع أمّ الولد قاعدة كليّة مستفادة من الأخبار]

قوله (قدّس سرّه) ثم إنّ المنع عن بيع أمّ الولد قاعدة كليّة مستفادة من الأخبار إلى آخره

لا يخفى أنّ استفادة القاعدة الكليّة من الأخبار أو انعقاد الإجماع عليها لا ينافي وقوع الخلاف في بعض صغرياتها و الاتّفاق على خروج بعض آخر لأنّ جميع القواعد العامّة قابلة للتّخصيص ففي الموارد الّتي انعقد الإجماع على الخروج لا كلام فيها و أمّا في مورد الخلاف فيتمسّك بعموم القاعدة و يمنع جواز نقلها لا من باب قاعدة المقتضي و المانع فإنها لا أساس لها أصلا مضافا إلى المنع عن وجود المقتضي في المقام فإنّ المخالف في بعض الصغريات لا يسلّم وجود المقتضي للمنع حتى يرد عليه أنّ مع إحراز المقتضي و الشكّ في المانع يجب الحكم بترتّب المقتضي بالفتح بل من باب أنّ هذه القاعدة الكليّة من قبيل العناوين الأوّلية الّتي لا ينافيها طروّ عنوان ثانوي فإذا أحرز العنوان الأوّلي و شكّ في طروّ العنوان الثّانوي الرافع لعموم المنع يتمسّك بالعموم حتّى يثبت التّخصيص كما يتمسّك به في الشكّ في رافعيّة الموجود لشبهة حكميّة أو مفهوميّة‌

و بالجملة يستفاد من الإجماع و الأخبار أن نفس عنوان كون الأمة أم الولد من العناوين الموجبة لخروج الملك عن الطلقيّة فإذا ثبت بدليل قطعيّ جواز نقلها في مورد فهو و إلّا يحكم بالعدم‌

ثم إنّ الموارد الّتي قيل بالتّخصيص فيها صور

يجمعها تعلّق حقّ للغير بها أو تعلّق حق تعجيل العتق لها أو تعلّق حقّ بها سابق على الاستيلاد مانع عن تأثيره أو انعدام الموضوع كموت الولد‌

[القسم الأوّل تعلّق حقّ للغير بها]

فمن موارد القسم الأوّل ما إذا كان على مولاها دين و لم يكن له ما يؤدّي هذا الدّين به

و المتيقّن منه ما إذا كان الدّين ثمن رقبتها بعد موت المولى و أمّا إذا كان حيّا أو كان له مال آخر أو لم يكن الدّين في ثمن رقبتها فخروجها عن عموم المنع ممنوع لا سيّما إذا كان له مال آخر و إن كان الدّين مستغرقا‌

357

فإنّ صاحب العين و إن كان أحقّ بماله في الدّين المستغرق فيما إذا كان المديون حيّا و لا يضرب مع الغرماء إلّا أنّ هذا الحكم مخصوص بالمفلّس و أمّا الميّت الّذي لا ذمّة له فصاحب العين أيضا كسائر الغرماء فإذا كان بعض أمواله متعلّقا لحقّ إلهيّ أو حقّ آخر لا يمكن تعلّق الدّين به ككونه أمّ الولد مثلا لا يصحّ أخذه للدّين‌

و بالجملة المتيقّن من الخروج عن القاعدة هو المشتمل على القيود الثّلاثة و يدلّ عليه صحيحة عمر بن يزيد قلت لأبي إبراهيم أسألك عن مسألة قال سل قلت لم باع أمير المؤمنين (صلوات اللّٰه و سلامه عليه) أمّهات الأولاد قال في فكاك رقابهنّ قلت فكيف ذلك قال أيّما رجل اشترى جارية فأولدها و لم يؤدّ ثمنها و لم يدع من المال ما يؤدّى عنه أخذ منه ولدها و بيعت و أدّي ثمنها قلت فيبعن فيما سوى ذلك من دين قال لا‌

و لا يخفى أنّ هذه الصّحيحة صريحة في القيدين منها و هما كون الدّين في ثمن رقبتها و عدم مال آخر لمولاها و ظاهرة في القيد الآخر و هو موت المولى فإنّ ظاهر سؤاله عن أنّه لم باع أمير المؤمنين أنّ البيع وقع منه (عليه السّلام) بعد موت المولى و إلّا كان المناسب أن يقول لم أمر أمير المؤمنين ع ببيع أمّهات الأولاد و هكذا ظاهر قوله ع و لم يدع من المال أنّ هذه القضيّة كانت بعد موت المولى و لا وجه لدعوى إطلاق صحيحته الأخرى عن أبي الحسن عن بيع أمّ الولد تباع في الدّين قال‌

نعم في ثمن رقبتها فإنّ هذه أيضا ظاهرة فيما بعد الموت فإن تباع يستعمل في هذا الحال نعم هي مطلق من حيث وجود مال آخر و عدمه و لكن بعد صراحة الصحيحة الأولى في اختصاص الحكم بما إذا لم يدع مالا آخر فتقيّد هذه بتلك مع أنّ مدّعي منع الإطلاق لها غير مجازف فإنّ قوله ع نعم في ثمن رقبتها لم يعلم كونه واردا في مقام البيان عن جميع الجهات فلعلّه كان (عليه السّلام) بصدد بيان جواز بيع أمّ الولد في الجملة أي كان في مقام أصل التّشريع و قد ذكرنا في الأصول أنّ شرط التمسّك بالإطلاق أن لا يكون الحكم في مقام أصل التّشريع كالأوامر الواردة في الكتاب المتعلّقة بالماهيّات كقوله عزّ من قائل أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ و أن لا يكون واردا مورد حكم آخر كقوله سبحانه فَكُلُوا مِمّٰا أَمْسَكْنَ فإنّه مسوّق لحليّة ما اصطاده الكلب المعلّم فلا يمكن التمسّك بإطلاقه للحكم بطهارة محلّ عضّه‌

نعم لو اخترنا ما اختاره المشهور قبل السّلطان من أنّ المطلقات موضوعة للماهيّة اللّابشرط القسمي بأن تكون موضوعة للإطلاق لكان للتمسّك بإطلاقها ما لم يعلم تقييدها مجال‌

لا يقال كون المتكلّم في مقام البيان يحرز بالأصل العقلائي و إن قيل بمقالة السلطان من كون المطلق موضوعا للماهيّة اللّابشرط المقسمي و إذا ثبت الإطلاق فلا يمكن تقييده بالصّحيحة الأولى لأن مورد التّقييد إنّما هو في العموم البدلي لا الشّمولي لعدم التّنافي بين جواز بيعها مع القيود الثلاثة و جوازه مطلقا غاية الأمر يقع المعارضة بينه و بين صحيحة ابن مارد الدالّة على عدم جواز بيعها مطلقا و النّسبة بينهما عموم من وجه فإن رواية ابن مارد خاصّة من جهة و هي كون البائع نفس المولى و عامّة من أخرى و هي عدم الفرق في كون البيع لثمن رقبتها أو لغيره و هذا الرّواية خاصّة من جهة و هي كون البيع لثمن رقبتها و عامّة من أخرى و هي كون البائع مولاها أو غيره و شمول هذه الرّواية لمادة الاجتماع و هي كون البائع مولاها في ثمن رقبتها أظهر من صحيحة‌

358

ابن مارد لكون صحيحة ابن مارد بمنزلة الأدلّة الواردة للعناوين الأوّلية و هذه الرّواية بمنزلة العنوان الثّانوي الطاري فهي حاكمة على الصّحيحة‌

لأنّا نقول إنّما لا يحمل المطلق على المقيّد في العموم الاستغراقي إذا لم يكن المقيّد في مقام التّحديد و الاحتراز لأنّه في غير هذا المورد لا موجب للحمل لإمكان أن لا يكون السّؤال عن تمام موارد جواز بيع أمّ الولد فالجواب لا يفيد الحصر كما هو منشأ نظر المصنف (قدّس سرّه) في قوله و اندفاع التوهّم بكلا شقّيه واضح و أمّا إذا كان في مقام التّحديد كما هو ظاهر السّؤال في قوله فكيف ذلك فالجواب بما يدلّ على الحصر بقوله ع أيّما رجل اشترى جارية فأولدها و لم يؤدّ ثمنها و لم يدع من المال ما يؤدّى عنه إلى آخره موجب لتقييد ما يدلّ بإطلاقه على جواز بيعها في ثمن رقبتها‌

و دعوى أظهريّة الرّواية من صحيحة ابن مارد في مادّة الاجتماع إمّا لما ذكرناه و إمّا لما ذكره المصنف (قدّس سرّه) من أنّ الصّحيحة ليست في مقام بيان البيع لثمن رقبتها لقوله فتمكث عنده ما شاء اللّٰه فإنّ من البعيد عدم أداء ثمنها في خلال هذه المدّة المديدة مع أنّ ظاهره جواز بيعها اقتراحا لا لاضطرار لقوله فيبدو له في بيعها غير مسموعة لأنّ المدار في التعارض إنّما هو على جواب الإمام ع فإنّ قوله ع هي أمته إن شاء باع ما لم يحدث عنده حمل عام يشمل جميع الموارد و ظاهر في أنّ الحمل مطلقا موجب لخروج الأمّة عن استيلاء المولى‌

و كيف كان فالحقّ أنّه لا تصل النّوبة إلى تعارض رواية عمر بن يزيد مع صحيحة ابن مارد لأنّ الصّحيحة الأخرى عن عمر بن يزيد تقيّدها بما بعد الموت على فرض ظهورها في العموم مع أنّه ممنوع فإنّ قوله تباع ظاهر في أنّ المولى غير البائع و على أيّ حال فلو قلنا بجواز البيع أيضا في حال الحياة في ثمن رقبتها فالأقوى اختصاصه بما إذا لم يكن للمولى مال أصلا لا من المستثنيات و لا من غيرها‌

و توهّم أنّ مستثنيات الدّين يزاحم حق الديان فمزاحمتها لحقّ الاستيلاد الغير المزاحمة لحقّ الدّيان أولى فاسد لأنّا لا ندّعي وجوب بيع المستثنيات لأداء الدّين الّذي على المولى في ثمن رقبتها حتّى قال إنّ هاهنا حقوقا ثلاثة حق أمّ الولد و حق الديّان و حق المالك في المستثنيات عن الدّين فإذا لم يزاحم الأوّل الثّاني فكيف يزاحمه الثّالث‌

بل ندّعي أنّ كلّا من المستثنيات و الاستيلاد مزاحم لحقّ الديّان و لا مزاحمة بينهما لإمكان ورود كلّ منهما على المال الّذي تعلّق به الدّين فيكون كلّ منهما مخصّصا لأدلّة وجوب أداء الدين بل يمكن دعوى أقوويّة حق الاستيلاد من حقّ المالك في المستثنيات لأنّ الاستيلاد يخرج الملك عن الطلقيّة بخلاف حقّ المالك فإنّه لا شبهة في أنّه يجوز له بيعها و أداء الدّين منها و إن لم يجب عليه‌

و بالجملة لا تزاحم بين الاستيلاد و حقّ المالك فالعمدة ملاحظة الدليل الوارد في المقام فنقول ظاهر قوله ع و لم يدع من المال ما يؤدّى عنه بناء على شموله لحال الحياة أنّه لم يدع ما يمكن أن يؤدّى عنه و مع وجود المستثنيات يمكن أداء الدّين منها و إن لم يجب نعم لو كان المولى ميّتا فمئونة التّجهيز ممّا لا يمكن أن يؤدّى عنه الدّين فتباع أمّ الولد‌

ثم هل الثمن الّذي يجوز بيعها له مخصوص بما إذا كان الثّمن الواقع في عقد المعاوضة بنفسه دينا أو يشمل جواز البيع لغاية أداء الثّمن سواء كان من قبيل الأوّل أم استدان الثّمن و اشترى به الأمة نقدا بل و لو استدان‌

359

ثمنا لأداء الثمن الّذي في ذمّته عوضا عن الأمة وجوه و أقواها الأوّل و قد اختار المصنف أولا إلحاق الثاني بالأوّل ثم تأمّل فيه و وجه تأمّله أنّ ظاهر النّص و الفتاوى اختصاص جواز البيع بما إذا كان عوض الأمة بنفسه في ذمّته لا عوض العوض فإنّ قوله ع و لم يؤدّ ثمنها ظاهر في أنّ الثمن عوض عما يطلبه البائع‌

و بالجملة هنا موارد خمسة يحتمل جواز البيع في جميعها الأوّل بيعها في ثمن رقبتها الّذي وقع في عقد المعاوضة الثّاني بيعها في الدّين الّذي استقرضه المولى و اشترى به الأمة الثّالث بيعها لوفاء الثّمن الّذي استدانه لوفاء ثمن الرّقبة الّذي كان في ذمّته الرّابع بيعها لأداء ما اشترط عليه في عقد المعاوضة كما إذا اشترط البائع على المشتري أن ينفق عليه مدّة و لم يتمكّن من الإنفاق إلّا ببيع الجارية أو اشترط عليه أن يخيط له ثوبا أو يعمل عملا يتوقف الوفاء به على بيع الأمة فإنّ بيعها للوفاء بالشّرط بمنزلة بيعها لأداء بعض ما عليه من الثّمن لأنّ للشّرط قسطا من الثّمن الخامس بيعها لأداء قيمتها إذا تعلّق بها ضمان اليد كما إذا كان للبائع حق الفسخ و فسخ بعد الاستيلاد بناء على جواز تصرّف المشتري في زمان خيار البائع و بناء على أنّ الاستيلاد اللّاحق مانع عن الحقّ السّابق فحيث لا يمكن رد نفس الرّقبة فهي بمنزلة التّلف فلا بدّ من ردّ قيمتها و إذا لم يتمكّن منه فتباع لأداء القيمة الّتي يضمنها للمشتري‌

و لكن الأقوى عدم جواز البيع إلّا في القسم الأوّل لأنّه هو الّذي يصدق عليه أنّها تباع في ثمن رقبتها و أمّا في سائر الأقسام فبيعها ليس إلّا لأمر خارج لا سيّما في الرّابع و الخامس أمّا الرابع فإنّ قسطا من الثّمن و إن كان في اللبّ واقعا بإزاء الشّرط إلّا أنّ في عقد المعاوضة لم يجعل بإزائه شي‌ء فكيف يصدق أنّها تباع في ثمن رقبتها و أمّا الخامس فأمره أوضح لأنّه بمنزلة بيعها في دين آخر لأنّ المفروض أنّه أدّى ثمن رقبتها و البدل الّذي يجب عليه الردّ بعد الفسخ لا ربط له بثمن رقبتها مع أنّه لو جاز بيعها لأداء هذا الثّمن و صحّ انتقالها إلى غير المولى المستولد لجاز انتقالها إلى المولى الأصلي الّذي باعها‌

فالأقوى أنّه لا يصح بيعها إلّا بعد موت المولى في ثمن رقبتها الذي وقع في عقد المعاوضة هذا كلّه في ثمن رقبتها أو ما ينتهي إليه و أمّا بيعها في دين آخر فالأقوى عدم جوازه مطلقا كان المولى حيّا أو ميّتا كان الدّين مستغرقا أم لا خلافا للشّيخ و الشّهيدين و الفاضل المقداد و الشّيخ مفلح الصّيمري فجوّزوا البيع بعد موته إذا كان الدّين مستغرقا‌

و لعلّ منشأ فتواهم بالجواز في هذه الصّورة ما ذكره في الرّوضة من أنّها إنّما تعتق بموت مولاها من نصيب ولدها و لا نصيب له مع استغراق الدّين فلا تعتق بل تصرف في الدّين و يؤيّده أيضا مقطوعة يونس فإنّ قوله فإن كان لها ولد و ليس على الميّت دين فهي للولد بمفهومه يدلّ على عدم كونها للولد إن كان على مولاها دين و معلوم أنّه ليس مطلق الدّين مانعا عن الإرث بل هو الدّين المستغرق‌

و لكنّك خبير بأنّ الرّواية مع كونها مقطوعة مطلقة فتقيّد بما دلّ على جواز بيعها في خصوص ما إذا كان الدّين ثمن رقبتها و أمّا ما اختاره الشّيخ و من تبعه في مسألة الدّين المستغرق فالأقوى خلافه لأنّ التّركة تنتقل إلى الورثة غاية الأمر لا يجوز لهم التصرّف ما لم يؤدّوا الدّين فإذا انتقلت إليهم تنعتق الأمة من نصيب ولدها و هذا هو الّذي اختاره الشّهيد الثّاني في المسالك‌

360

نعم استشكل عليه صاحب المقابس انتصارا للشّيخ بأمور أربعة أحدها أن المستفاد ممّا دلّ على أنها تعتق من نصيب ولدها أنّ ذلك من جهة استحقاقه لذلك النّصيب من غير أن تقوم عليه أصلا و إنّما الكلام في باقي الحصص إذا لم يف نصيبه من جميع التركة بقيمة أمّه هل تقوم عليه أو تسعى هي في أداء قيمتها انتهى و حاصل إيراده أنّ أدلّة الانعتاق من نصيب ولدها تختصّ بما إذا انعتقت عليه مجّانا من دون أن يكون عليه شي‌ء و هذا يتمّ فيما إذا لم يكن الدّين مستغرقا و أمّا إذا كان مستغرقا فلا تقوم على الولد فلا وجه للانعتاق فلا مانع من بيعها‌

و بالجملة إمّا لا تنعتق عليه و إمّا إذا انعتقت فتنعتق عليه مجّانا فإذا امتنع الأخير تعيّن الأوّل و ثانيها أنّ النّصيب إذا نسب إلى الوارث فلا يراد منه إلّا ما يفضل من التّركة بعد أداء الدّين و سائر ما يخرج من الأصل و المقصود منه النّصيب المستقرّ الثّابت لا النّصيب الّذي يحكم بتملّك الوارث له تفصّيا من لزوم بقاء الملك بلا مالك انتهى‌

و هذا الوجه يرجع إلى الوجه الأوّل لأنّ حاصله أنّ أدلّة الانعتاق من نصيب الولد لا تشمل هذا الملك الثّاني بل يختصّ بالنّصيب الّذي للولد بعد إخراج الدّين و الحقوق المتعلّقة بأصل المال كالحجّ الميقاتي و الخمس و الزّكاة و نحو ذلك و هذا إنّما يجري فيما إذا بقي للميّت مال زائد على الحقوق المتعلّقة به لا ما إذا كان الدين مستغرقا بحيث كان الحكم بانتقال المال إلى الورثة من باب احتياج الملك إلى المالك و ثالثها الّذي هو الرّابع في كلامه أنّ ما ادّعاه من الانعتاق على الولد بمثل هذا الملك ممّا لم ينصّ عليه الأصحاب و لا دلّ عليه دليل معتبر و ما يوهمه الأخبار و كلام الأصحاب من إطلاق الملك فالظّاهر أنّ المراد به غير هذا القسم و لذا لا يحكم بانعتاق العبد الموقوف على من ينعتق عليه بناء على صحّة الوقف و انتقال الموقوف إلى الموقوف عليه انتهى‌

و مرجع هذا الوجه أيضا هو الوجه الأوّل لأنّ حاصله أنّ أدلّة الانعتاق لا تشمل هذا النّحو من الملك و الأصحاب أيضا لم يصرّحوا بذلك لأنّ ظاهرهم اختصاص الانعتاق بالملك المستقر و لذا لا يلتزمون بانعتاق العمودين على الموقوف عليه إذا وقفهما الواقف عليه مع أنّهم يلتزمون بصحّة الوقف و تملّك الموقوف عليه العين الموقوفة و رابعها الّذي هو الثّالث في كتابه أنّه يلزمه على كلامه أنّه متى كان نصيب الولد من أصل التركة بأجمعها يساوي قيمة أمّه تقوم عليه سواء كان هناك دين مستغرق أم لا و سواء كان نصيبه الثّابت في الباقي بعد الدّيون و نحوها يساوي قيمتها أم لا و كذلك لو ساوى نصيبه من الأصل نصفها أو ثلثها أو غير ذلك فإنّه يقوم نصيبه عليه كائنا ما كان و يسقط من القيمة نصيبه الباقي الثّابت إن كان له نصيب و يطالب بالباقي و هذا ممّا لا يقول به أحد من الأصحاب و ينبغي القطع ببطلانه‌

و حاصل هذا الوجه أنّ كلام المسالك في قوله و الأقوى انتقال التّركة إلى الوارث مطلقا و إن منع من التصرّف فيها على تقدير استغراق الدّين فيعتق نصيب الولد منها كما لو لم يكن دين و يلزمه أداء مقدار قيمة النّصيب من ماله لازمه أن يخسر الولد قيمة أمّه أو بعضها للدّيان و أن تنعتق الأم عليه أيضا لأنّ مقتضى ما ادّعاه من انتقال المال إلى الورثة هو انعتاق الأم عليه إمّا بتمامها لو لم يكن وارث غيره و إمّا بمقدار نصيبه من التّركة لو كان هناك وارث غيره و مقتضى قوله و يلزمه أداء مقدار‌

361

قيمة النّصيب من ماله أن يتضرّر هذا المقدار للدّيان أو للورثة و لازم هذا الكلام هو التزامه بالتّقويم عليه في صور ثلاث‌

الأولى ما إذا كان نصيب الولد من مجموع التّركة يساوي قيمة الأمّ سواء كان هناك دين مستغرق أم لا فإذا فرضنا عدم استغراق الدّين بأن كان الدين مائة و التركة مائتين و قيمة الأمة مائة و باقي التركة مائة و الورثة منحصرة بولد أم الولد و أخ له من غير أمّه فلو قلنا بانتقال التركة بأجمعها إلى الورثة فتنعتق الأم بأجمعها على الولد لأنّ نصيبه من التّركة بمقدار قيمة الأمّ فيجب عليه حينئذ خمسون و على أخيه كذلك فيحصل لأخيه خمسون و هو تضرّر بخمسين و لا شي‌ء له سوى الأم نعم إذا استغرق الدّين يخسر كلّ منهما ما انتقل إليه‌

الثّانية ما إذا كان نصيبه الثّابت في الباقي بعد الدّيون و نحوها ممّا يخرج من المال مساويا لقيمة أمّه أو أقل لأنّ المفروض انتقال ما يساوي قيمتها إليه قبل الدّين فإذا فرضنا أنّ الورثة كالصّورة السّابقة و التّركة ثلاثمائة و قيمة الأم مائة و الدّين و ما يلحق بالدّين مائة فنصيب الولد من التّركة بعد الدّين و نحوه يساوي قيمة أمّه فالأم تنعتق جميعها عليه و يقوم عليه نصف قيمتها لأخيه و نصف المائة الباقية له فيتهاتر النّصيبان فيكون تمام المائة في الحقيقة لأخيه و الأم بتمامها له و إذا فرضنا أنّ الدّين و نحوه مائتان فنصيبه منها بعد الدّين و نحوه أقلّ إلّا أنّ نصيبه من التّركة أزيد من قيمة الأم لأنّ نصيبه مع قطع النّظر عن الدّين مائة و خمسون فلا بدّ من أن تنعتق الأمّ بأجمعها عليه و أن يخسر نصف قيمتها لأخيه فإنّ ما بقي من التّركة يرد إلى الدّيان و الأمة مشتركة بين الأخوين فإذا انعتقت عليه يجب أن يخسر قيمة نصفها لأخيه‌

الثّالثة ما إذا كان نصيبه من الأصل نصفها أو ثلثها أو غير ذلك فإنّه يقوم عليه نصيبه كائنا ما كان و يسقط من القيمة نصيبه الباقي الثّابت إن كان له نصيب و يطالب بالباقي مثلا إذا فرضنا أنّ الدّين مستغرق و مجموع التّركة يساوي مائة و عشرين و قيمة الأمّ تسعين و باقي التّركة ثلاثين و الوارث كالسّابق فنصيب الولد من التّركة النّصف و هو يقابل ثلثين من الأمّ فينعتق عليه ثلثان منها و ينعتق الباقي بالسّراية فتسعى الأم في ثلثها للديان و عليه ستّون و على أخيه ثلاثون و إذا فرضنا انحصار التّركة في هذه الصورة بالأم و قيمتها مائة و عشرين فنصيبه منها نصفها فعليه ستّون و على الأمّ ستّون‌

و لو فرض أنّ التّركة كالسّابق بأن كان قيمة الأم تسعين و باقي التّركة ثلاثين و الدّين مستغرق و الورثة ثلاثة فنصيب ولد أمّ الولد منها ثلثها و من باقي التّركة أيضا ثلثها و المجموع أربعون فتنعتق عليه أربعة أتساع من الأمّ و يسري العتق في الباقي فعلى الأمّ خمسون و عليه أربعون و باقي التّركة أيضا للدّيان من سهم الأخوين و من سهم ولد أمّ الولد‌

و لو فرض في هذه الصّورة أنّ الدّين تسعون فينعتق عليه أيضا أربعة أتساع إلّا أنّه يسقط من الأربعين نصيبه الباقي في الثّلاثين و هو عشرة فيطالب بالثّلثين فعليه ثلاثون غير هذه العشرة و على أخويه ستّون إلّا أنّ الأم تسعى في خمسين من نصيبهما من الدّين و يدفعان إلى الدّيان أيضا العشرة الّتي كانت من نصيب ولد أمّ الولد فيبقى لهما من التركة عشرون‌

و حاصل إشكال المقابس على المسالك أنّ اللّازم من كلامه أن ينعتق نصيب الولد منها أو ما يساوي نصيبه منها‌

362

من أصل التّركة و يغرم الولد مع ذلك قيمة ما انعتق منها و هذا لم يقل به أحد فإنّ في مورد الانعتاق القهري لم يقل أحد بالتقويم على من ينعتق عليه إلّا الشّيخ في الخلاف و رجع عنه في المبسوط‌

بل قيل إنّ الشّيخ أيضا لم يقل بذلك إلّا في مورد عدم استغراق الدّين للتركة فقال يجب على الولد فكّ الباقي من ماله بعد بذل ما قابل سهمه الّذي ورثه من الميّت و وافقه ابن حمزة فقال بأنّه يسعى في الباقي و مدركه الخبر المذكور في باب الاستيلاد فراجع هذا حاصل ما أورده صاحب المقابس على الشّهيد الثّاني و أورد عليه المصنف (قدّس سرّه) بقوله و يمكن دفع الأوّل إلى آخره‌

توضيح ما أفاده ردّا على إيراداته الأربعة و على ما أفاده بقوله و بالجملة فالجمع بين أدلّتهم و فتاويهم مشكل يتوقّف على تمهيد مقدّمتين الأولى يظهر من الفقهاء (قدّس اللّٰه تعالى أسرارهم) أنّه لو انعتق مقدار من الرقّ على شخص فتارة يكون المنعتق عليه هو المباشر لعتقه بالاختيار كعتق أحد الشّريكين نصيبه أو شراء شخص أو اتهابه مقدارا ممّن ينعتق عليه و أخرى يكون العتق بغير اختياره كإرث العمودين مطلقا و إرث الرّجل إحدى المحرّمات عليه نسبا فإذا كان بسبب اختياري فيسري عتق البعض إلى الكلّ و يقوم عليه نصيب سائر الشركاء إذا كان موسرا و أما إذا كان بسبب قهري فقد اختلفوا في وجوب السّعي على الرقّ أو على من انعتق عليه بعد الاتّفاق على سراية انعتاق البعض إلى الكلّ فالمشهور أنّه على نفس الرقّ‌

و مختار الشّيخ في الخلاف الّذي رجع عنه في المبسوط و ابن حمزة أنّه على من انعتق عليه لخبر غير معمول به كما أشرنا إلى ذلك ثم إنّ مقدار الانعتاق في الانعتاق القهري في غير أمّ الولد هو مقدار نصيب الوارث من نفس الرقّ و أمّا في أمّ الولد فلو لم يكن هناك دين مستغرق للتّركة فهو مقدار نصيب الولد من جميع التّركة و الفرق بينهما هو النّص و لو لا ذلك لكان مقتضى الأصل عدم انعتاقها عليه إلّا بمقدار نصيبه من الأم‌

و على أيّ حال لو لم يف نصيبه من التّركة بمقدار الأمّ لم يقل أحد بأنّه ينعتق عليه من سائر أمواله لعدم الدّليل عليه و أمّا إذا كان الدّين مستغرقا فلا وجه لانعتاق نصيبه من جميع المال عليه و إن قلنا بأنّ التّركة تنتقل إلى الورثة حتى مع إحاطة الدّين بالتركة و ذلك لأنّ سائر التّركة غير أمّ الولد قابل لأن يكون مخرجا للدّين سواء كان رقا أو غيره من سائر الأموال و أمّا أم الولد فحيث ثبت بالنصّ أنّها لا تباع في غير ثمن رقبتها فهي ليست قابلة لتعلّق الدّين بعينها فلا يجوز للورثة أن يدفعها بدلا عنه و لا للديّان أخذها تقاصا لو امتنع الوارث من أداء الدّين‌

و حاصل الفرق بين أمّ الولد و غيرها من العبيد أمران الأوّل أنّ أمّ الولد تنتقل إلى الولد و تنعتق عليه بمقدار نصيبه من التّركة و أمّا غيرها فينعتق على من ينعتق عليه بمقدار نصيبه منه الثّاني أنّ أمّ الولد لا يتعلّق بعينها حق الدّيان فلا يمكن أن لا تنعتق على ولدها و أمّا غيرها فيتعلّق بعينه حق الديان فمع استغراق الدّين لا وجه لانعتاقه و إن قلنا بانتقالها إلى الورثة لأنّ موت المولى علّة لأمرين أحدهما انتقال تركته إلى وارثه و الثّاني تعلّق حق الديان بتركته و هذان المعلولان يوجدان في رتبة واحدة و الانعتاق أمر مترتّب على أحد المعلولين و هو لا يمكن أن يتحقّق مع مزاحمة حق الدّيان مع ما هو علّته و هي تملّك الورثة لمن ينعتق عليه فإذا تعذّر انعتاق سائر من ينعتق على الورثة مع إحاطة الدّين‌

363

فكذلك لا يمكن انعتاق أمّ الولد من جميع نصيب الولد من التّركة مع إحاطة الدّين لأنّ غير أمّ الولد من سائر الأموال قابل لتعلّق الدّين بعينه فلا يرثه الولد بلا مزاحم حتّى يدخل في نصيبه و يشمله النّصوص الدالّة على أنّ أمّ الولد تنعتق على ولده بمقدار نصيبه من التّركة‌

الثّانية أن منشأ عدم التزام الفقهاء بأنّ أمّ الولد من مستثنيات الدّين مع أنّهم خصّوا جواز بيعها بما إذا كان في ثمن رقبتها هو أنّ لازم فتواهم بانعتاقها على الولد بمقدار نصيبه من التّركة و سعيه أو سعيها في مقدار حصّة باقي الورثة لو لم يكن على الميّت دين هو أن صفة كون الأمة أمّ الولد لا تقتضي سقوط حقّ الديّان عنها رأسا بحيث يكون حكمها حكم الكفن لأن تعلّق حقّ سائر الورثة بها ممّن لا تنعتق عليه يقتضي تعلّق حق الديّان بها لأنّ هذا الحقّ أسبق من حق الورثة لكون الإرث بعد الوصيّة و الدّين‌

إذا عرفت ذلك ظهر أنّ الجمع بين أدلّتهم و فتواهم ليس بتلك المثابة من الإشكال كما هو مقتضى المقدّمة الثّانية و أما إيراداته على المسالك فالثّلاثة الأول غير واردة عليه أصلا إذا كان ضمير منها في كلامه راجع إلى الأمّ لا إلى التّركة لما عرفت من أن مقتضى النصّ على أنّ أمّ الولد لا تباع في غير ثمن رقبتها أن لا يكون حق الديّان متعلّقا بعينها‌

و مقتضى ما عرفت من أنّ أمّ الولد ليست كمئونة التّجهيز بحيث لا يتعلّق الدّين بها رأسا هو الجمع بين حقّ أمّ الولد و حقّ الديّان و مقتضاه هو انعتاق أمّ الولد بمقدار نصيبه منها و سراية العتق إلى البقيّة بمقتضى أدلّة العتق بالسّراية و حيث إنّ المختار في الانعتاق القهري هو سعاية نفس المعتق بالفتح فتسعى الأم في الزائد عن نصيب الولد منها و تقوم على الولد قيمة نصيبه منها و تدفع إلى الديّان نعم لو رجع ضمير منها إلى التّركة فلا يصحّ جزءا من كلام المسالك كما سنشير إليه‌

و بالجملة لا وجه لدعوى عدم انعتاق أمّ الولد في الدّين المستغرق سواء قلنا بانتقال التّركة إلى الورثة أو قلنا ببقائها على حكم مال الميّت لأنّ أمّ الولد ليست من قبيل سائر الأموال القابلة لتعلّق حقّ الديّان بعينها و قياسها على العبد الموقوف على الطّبقات مع الفارق لأنّ عدم انعتاقه على ولده إذا صار الولد موقوفا عليه ليس من جهة عدم كونه ملكا تامّا له بل لتعلّق حقّ سائر الطبقات به و أمّا الديّان فلم يتعلّق حقّهم بعين الرّقبة فلا مانع من انعتاقها على ولدها بمقدار نصيبه منها و أمّا الإيراد الرابع فقد أجاب عنه المصنف بأنّه إنّما يرد عليه إذا قلنا بأنّ قيمتها بعد الانعتاق تتعلّق بالولد و أمّا إذا قلنا باستسعائها فلا يرد عليه شي‌ء‌

و مبنى هذا الجواب على تسليم الإشكال في جزء من كلام المسالك و هو التّقويم على الولد و الدّفع عنه في الجزء الآخر و هو انتقال التّركة إلى الورثة و حاصل إيراد المصنف على المقابس أنّ عدم إمكان التّقويم على الولد ليس مانعا من انتقال التّركة إلى الورثة لإمكان الجمع بينه و بين عدم التّقويم عليه بأن يجب السّعي على الأمّ و لا يخفى أنّ الصّواب أوّلا توضيح ما أفاده المقابس ردّا على المسالك ثمّ الدّفع عنه‌

فنقول قد ظهر ممّا ذكرنا من تفصيل الصّور أنّه لا يندفع إشكال المقابس على المسالك لو كان ضمير منها في قوله و الأقوى انتقال التّركة إلى الوارث مطلقا و إن منع من التصرّف فيها على تقدير استغراق الدّين فيعتق نصيب الولد منها كما لو لم يكن دين و يلزمه أداء قيمة مقدار النّصيب من ماله إلى آخره راجعا إلى التّركة كما هو ظاهر كلامه من قياس صورة استغراق الدّين‌

364

على ما لم يكن دين لأنّه لو لم يكن دين فينعتق على الولد نصيبه من جميع التّركة على ما صرّح به في كلامه قبل هذا بأسطر فلو انعتق عليه أمّه من نصيبه من جميع التّركة فالالتزام بوجوب السّعي على الأمّ لا يدفع الإشكال لأنّ حاصل إشكال المقابس هو أنّه لو قلنا بانعتاق أمّ الولد في جميع الصّور فإنّما هو من جهة عدم قابليّة أمّ الولد لأن تكون مخرجا للدّين و أمّا سائر التّركة فلا مانع من أن يكون مخرجا للدّين‌

و مقتضى قول المسالك بأنّه يقوم عليه مقدار قيمة النّصيب من ماله أنّ أمّ الولد في جميع الصور حتّى في غير الدين المستغرق تنعتق بمقدار تمام نصيب الولد من التّركة فلا يكون شي‌ء ممّا يرثه من التركة مخرجا للدّين بل إنّما يقوم عليه بمقدار سهمه من الدّين الّذي لو لا أمّ الولد لكان للوارث أن يؤدّيه من عين التّركة و لو امتنع لكان للديّان أخذه منها و هذا ممّا لا يقول به الأصحاب و ممّا ينبغي القطع ببطلانه سواء قيل بالتقويم على الولد أم قيل بسعي الأمّ‌

و أمّا لو كان ضمير منها راجعا إلى الأم فلا يرد عليه إشكال و الظّاهر ذلك لأنّه (قدّس سرّه) بصدد بيان أنّ إحاطة الدّين بالتّركة غير مانع عن انتقالها إلى الوارث غاية الأمر يجب عليه دفع ما قابل سهمه ممّن ينعتق عليه إلى الديّان جمعا بين الحقّين و هذا لا يلازم التقويم عليه في جميع الصّور حتى مع الدّين الغير المستغرق و لا يلازم القول بانعتاق الأم على الولد بمقدار تمام نصيبه من التركة‌

و لتوضيح ذلك لا بأس بذكر بعض عبائر القوم و عبارة المسالك في نكاح الإماء قال في الشّرائع في باب الاستيلاد إذا مات مولاها و ولدها حيّ جعلت في نصيب ولدها و عتقت عليه و لو لم يكن سواها أعتق نصيب ولدها منها و سعت في الباقي و قال في نكاح الإماء فأمّ الولد لا تنعتق إلّا بعد وفات مولاها من نصيب ولدها و لو عجز النّصيب سعت في المتخلّف و لا يلزم ولدها السّعي فيه أو الفكّ من ماله و قيل يلزم و مراده من هذا القائل هو الشّيخ في النهاية حيث قال يجب السّعي على الولد إذا كان ثمنها دينا على مولاها و لم يخلّف سواها‌

و عن الوسيلة أنّه يجب السّعي عليه إن كان عليه دين في غير ثمنها و عنها أيضا أنه يجوز بيعها في دين مولاها و إن لم يكن ثمنا إذا كان الدّين محيطا بالتّركة و قال في المسالك لا ريب أنّ مجرّد الاستيلاد ليس سببا للعتق نعم تتشبّث بالحريّة و إنّما تعتق بموت المولى لأن ولدها ينتقل إليه منها شي‌ء أو ينتقل جميعا إذا كان هو الوارث خاصّة فتنعتق عليه ما يرثه منها لأنّ الولد لا يملك الأمّ و لو بقي منها شي‌ء خارج عن ملكه سرى إليه العتق إن كان نصيبه من التّركة يفي به و إلّا عتق بقدره و لو عجز النّصيب عن المتخلّف منها سعت هي دون الولد و لا يسري إليه لو كان له مال من غير التّركة لأنّ السّراية مشروطة بالملك الاختياري و الإرث ليس منه و إنّما سرى إليه في باقي نصيبه من التّركة لإطلاق النصوص في أنّها تعتق من نصيبه من التّركة و إلّا لكان الأصل أن لا ينعتق عليه سوى نصيبه منها ثم نقل عن النّهاية وجوب السّعي على الولد إلى أن قال الأقوى انتقال التّركة إلى الوارث مطلقا و إن منع من التصرّف فيها على تقدير استغراق الدّين فيعتق نصيب الولد منها كما لو لم يكن دين و يلزمه أداء مقدار قيمة النّصيب من ماله انتهى‌

و في الجواهر في كتاب الاستيلاد بعد أن نقل عن الدّروس جواز بيعها في الدّين المستغرق لأنّه لا نصيب‌

365

لولدها الّذي عتقها بعد الوفاة مستند إليه قال و إن كان قد يناقش بأنّ الأصحّ انتقال التّركة إلى الوارث و إن كان الدّين مستغرقا فيتّجه انعتاق نصيبه منه بملكه و إن كان الدين مستغرقا لكن قد يدفع لظهور النصوص في انعتاقها من نصيب ولدها الّذي لا تعلّق حقّ فيه و الفرض في المقام تعلّق حقّ الدّين فيها و إن قلنا بملك الوارث اللّٰهمّ إلّا أن يكلّف الولد بما يخصّها من الدّين أو هي بالسّعي و هما لا دليل عليهما بل ظاهر الأدلّة خلافه‌

و لا يخفى أنّ هذا الكلام الأخير من الجواهر هو الوجه الأوّل في كلام المقابس و هو قوله إنّ المستفاد ممّا دلّ على أنّها تعتق من نصيب ولدها أنّ ذلك من جهة استحقاقه لذلك النّصيب من غير أن تقوم عليه أصلا إلى آخره‌

إذا عرفت ذلك فنقول على فرض رجوع ضمير منها في عبارة المسالك إلى التّركة حتى يكون مختاره انعتاق الأمّ على الولد بمقدار نصيبه من التّركة إلّا أنّ ظاهر كلامه إنّما هو فيما لم يكن على الميّت دين و أمّا إذا كان عليه دين فلم يظهر منه ذلك فيمكن أن يلتزم بانعتاقها عليه بمقدار نصيبه من تمام التّركة أو بمقدار نصيبه من الأم‌

فلو أراد الأوّل يرد عليه أنّه لا وجه لانعتاق هذا المقدار مع قابليّة غير الأم لتعلّق حقّ الديّان به و لو أراد الثّاني لا يرد عليه إلّا ما أفاده صاحب الجواهر من أنّ نصوص الانعتاق ظاهرة في النّصيب الّذي لا يتعلّق حقّ به و في مورد الدّين المستغرق يتعلّق حقّ الديّان به و لكنّك خبير بأنّ نصوص الانعتاق غير متعرّضة لهذه الجهة و لا يستفاد منها أنّه إذا انعتقت الأمّ على الولد لا تتقوم عليه و لو فرض دلالتها على ذلك يلتزم بوجوب السّعي على الأم‌

فدعوى أن ما أفاده المسالك قطعيّ البطلان و لم يقل به أحد من أصحابنا ممّا لا يصغي إليها و على أيّ حال سقوط حقّ الديان عن أمّ الولد عينا و قيمة بحيث تكون من قبيل مئونة التّجهيز لا وجه له فإنّ الانعتاق لا يقتضي ذلك‌

[و منها تعلّق كفن مولاها بها]

قوله (قدّس سرّه) و منها تعلّق كفن مولاها بها إلى آخره

هذه هي الصورة الثّانية من موارد القسم الأوّل الّذي قيل بتعلّق حق المولى بها على ما حكاه في الرّوضة و لكن قيّد جواز بيعها لكفنه بما إذا لم يمكن بيع بعضها و إلّا اقتصر عليه و يلحق بالكفن سائر مئونة التّجهيز فإنّها أيضا كالكفن يقدم على الإرث‌

ثم إنّ الكلام فيه يقع تارة بناء على عدم جواز بيعها إلّا في ثمن رقبتها و أخرى بناء على جوازه في مطلق الدّين أمّا على الأوّل فالحقّ أنّها لا تباع لمئونة التّجهيز أيضا و ما يقال من أنّ المنع عن بيعها إنّما هو لغاية الإرث و مع احتياج الميّت إلى التّجهيز فلا إرث مدفوع بأنّ هذه حكمة لا علة حتى يدور الحكم مدارها هذا مضافا إلى أنّ هذا فرع تقدم حقّ الميّت و مقتضى ما يستفاد من الرّواية المتقدّمة من أنّهن لا يبعن في غير فكاك رقابهنّ هو تعلّق حقّ الورثة بها‌

و أمّا على الثّاني فقد يتوهّم أنّه لا مانع من بيعها لمئونة التّجهيز لأنّه لا إشكال في أنّ الإرث واقع في المرتبة الرابعة من مراتب تعلّق الحقوق بمال الميّت فإنّ أوّل المراتب هو مئونة التّجهيز على ما يستفاد من النصوص من أنّه يبدأ بالكفن و الثّاني هو الدين و الثّالث هو الوصيّة و الرابع هو الإرث فإذا كان الكفن مقدّما على الدّين الّذي هو مقدّم على الإرث بمرتبتين فتقدّمه على الإرث بطريق أولى و من هذا البيان يمكن القول بتقديم الكفن على‌

366

الإرث بل على الدّين الّذي في ذمّة المولى من ثمن رقبتها حتّى بناء على اختصاص جواز بيعها بذلك‌

و لكنّك خبير بفساد التوهم المذكور سيّما بناء على انحصار جواز بيعها في ثمن رقبتها فإنّ الإرث و إن كان في المرتبة الرابعة من الحقوق المتعلّقة بمال المورّث إلّا أنّ أولويّة تعلّق حق التّجهيز من الاستيلاد ممنوعة لأنّه يمكن أن يقال بتقدم حقّ الميّت على الاستيلاد إذا كان له مال بمقدار التّجهيز فيؤخذ منه الكفن و لا يصرف في ثمن رقبة الأمة فضلا عن سائر الدّيون بل تباع الأمة في ثمن رقبتها و لا يكون هذا التقدّم فيما إذا لم يكن له مال غير الأمة بل يمكن الجمع بين الحقّين بأن تنعتق الأمة من نصيب ولدها و تتعلّق برقبتها مئونة التّجهيز فتوجر نفسها لها‌

و كيف كان فدعوى الأولويّة القطعيّة غير مسموعة فما يستفاد من المصنف (قدّس سرّه) من أنّ تقدم حقّ الميّت على حقّ أمّ الولد إذا كان له مال بمقدار تجهيزه حيث إنّه يصرف المال في التّجهيز و لا تخلص الأمة من ثمن رقبتها بهذا المال بل تباع هي لهذا الدّين يقتضي ترجيح حقه على حقّها فيما إذا لم يكن له مال بهذا المقدار فلا بدّ أن يصح بيعها لصرف ثمنها في مئونة التّجهيز إذا لم يكن عليه دين فيه أنّه لا ملازمة بين الصّورتين فلعلّ بيعها في ثمن رقبتها كان لخصوصيّة لا تجري في غير هذا المورد‌

و بالجملة لمّا ثبت بالدّليل جواز بيعها في ثمن رقبتها فتباع له لو لم يكن للمولى مال آخر أو كان و لم يكن أن يصرف في الدّين كنفس كفنه أو ثمنه و أمّا إذا لم يكن ثمن رقبتها دينا على المولى فلا وجه لأن يتقدم حقّ المولى على حقّ الأمة مع عدم قيام الدّليل على جواز بيعها في ثمن كفن المولى مع كون الاستيلاد سابقا و عدم إحراز أهميّة حقّ المولى حتّى لا يكون موقع لترجيح الأسبق زمانا على اللّاحق‌

ثم إنّه لو قيل بالجواز فإنّما هو فيما لم يكن متبرّع لمئونة التّجهيز بل قيل إنّه لو أمكن استسعاء الأمة لها بأن توجر نفسها لها يبقى حقّ الاستيلاد لإمكان الجمع بين الحقّين و ارتفاع الضّرورة و تغليب جانب الحريّة ثم لا يخفى ما في‌

قوله (قدّس سرّه) و لو فرض تعارض الحقين فالمرجع إلى فساد بيعها قبل الحاجة إلى الكفن

لأنّه لو فرض الشكّ في أهميّة حقّ المولى حتّى يقدم على حقّ الأمة و لو كان سابقا أو أهميّة حق الأمة أو تساوي الحقّين حتى يقدم حق الأمة لسبقه فلا يمكن التمسّك باستصحاب المنع لعدم إحراز اتّحاد القضيّة المشكوكة مع المتيقّنة لأنّ بيعها قبل الموت لم يكن بيعا في الكفن إلّا أن يقال ليس هذا اختلافا في الموضوع بل إنّما هو من الأحوال العارضة له الّتي لم تكن في السّابق ثمّ عرضت بعد ذلك فصارت منشأ للشكّ في الحكم‌

[و منها ما إذا جنت على غير مولاها في حال حياته]

قوله (قدّس سرّه) و منها ما إذا جنت على غير مولاها في حال حياته إلى آخره

أي من موارد القسم الأوّل جناية الأمة على غير مولاها في حياة المولى و أمّا بعد موته فهي إمّا حرّة خالصة أو أمة كذلك و الحكم في كلتا الصّورتين واضح ثم إنّ جنايتها في حياة المولى إمّا عمديّة و إمّا خطائية‌

أمّا العمديّة فحيث إنّ الخيار للمجني عليه أو ورثته فلا إشكال في قابليتها لأن تسترق و تصير قنّا خالصا و ملكا طلقا إمّا كلا أو بعضا و لا وجه لتوهم انتقالها إلى المجني عليه أو ورثتها على نحو كان ملكا للمولى من التّشبّث بالحريّة لأنّها لم تنتقل إليه بنقل من المولى حتّى تكون كما كانت بل إنّما انتقلت قهرا عليه و من دون اختيار و مباشرة منه و إلّا كان باطلا لما تقدم من أنّ عدم جواز النّقل لا يختصّ بالبيع بل من مناسبة الحكم و الموضوع يستفاد أنّ ذكر البيع في قوله ع لا تباع من باب التّنبيه على العام بذكر الخاصّ فلا يصحّ النّقل من المولى مطلقا‌

367

فالجناية العمديّة لا إشكال فيها‌

و أمّا الخطائيّة فالحقّ أنّه لا يجوز للمولى تسليمها إلى المجني عليه أو ورثته سواء قلنا بأن التّخيير بين الفداء و التّسليم من التّخيير بين الأمرين الوجوديّين أو من التّخيير بين الوجودي و العدميّ و هما الفداء و التّخلية بينها و بين المجني عليه أو ورثته لأنّ ترك الفداء و التّسليم أو التّخلية يقتضي استحقاق المجني عليه أو ورثته استرقاقها أمّا على الأوّل فواضح لأنّ في جميع موارد التّخيير بين الوجوديّين إذا تعذّر أحد فرديه يتعين الآخر ففي المقام تسليمها من المولى متعذّر لما عرفت من أنّ كلّ نقل منه ممتنع فيتعيّن عليه الفداء و أمّا على الثّاني فإنّ الترك و إن كان عدميّا إلّا أنّ المولى صار سببا للاسترقاق و الانتقال إلى غيره حقيقة و في المعنى هو نقلها من ملكه إلى ملك غيره فيمتنع عليه أيضا فينحصر التخلّص بالتّفدية‌

[و منها ما إذا جنت على مولاها]

قوله (قدّس سرّه) و منها ما إذا جنت على مولاها إلى آخره

لا يخفى أنّ جواز بيعها في هذه الصّورة و ما يتلوها من الصّور لا يخلو من الإشكال‌

أمّا هذه الصّورة فلأنّ جنايتها على مولاها لا توجب جواز بيعها لمولاها مطلقا بعد ما ثبت عدم صحّة النّقل من مولاها و إنّما أثر جنايتها العمديّة هو جواز قتلها و الوجوه الّتي قيل بها لصحّة التصرّفات النّاقلة من مولاها أو ورثته استحسانيّة و أمّا الصور الأخرى و هي جناية الحرّ عليها و استرقاقها بعد لحوقها بدار الحرب و خروج مولاها عن الذمّة و قتل مولاها الذمّي مسلما فالمشهور في الأولى و الثّانية هو عدم دخولهما في المستثنيات و بيّن المصنف وجهه في المتن و أمّا الثّالثة فالمشهور هو أنّ الذمّي إذا خرق الذمّة جرى عليه حكم الحربي فيلزم استرقاق أم ولده فيحلّ التصرّف فيها‌

و أمّا الرابعة فظاهر فتوى الفقهاء في قولهم و يدفع هو و ماله إلى أولياء المقتول إن شاءوا قتلوه و إن شاءوا استرقّوه أن جميع أمواله ينتقل إلى ورثة المقتول حتّى أمّ الولد إلّا أنّ المسألة لا تخلو عن الإشكال هذا تمام الكلام في القسم الأوّل‌

و أمّا موارد القسم الثّاني و هو ما إذا عرض لها حق لنفسها أولى بالمراعات من حقّ الاستيلاد

فمنها بيعها على من تنعتق عليه و منها بيعها بشرط العتق و منها بيعها ممّن أقرّ بحرّيتها و منها بيعها لترث ممّن لا وارث له سواها و الحقّ صحّة البيع في الجميع‌

أمّا بيعها على من تنعتق عليه فلأنّ أدلّة المنع عن جواز التصرفات النّاقلة من المولى لا تشمل ذلك فإنّ ظاهرها المنع عن إخراجها عن ملكه الموجب لتفويت أثر الاستيلاد و بعبارة أخرى تنصرف الأدلّة إلى الملك المستقرّ لا الملك آنا ما و النّقل الموجب لانعتاقها فورا على من اشتراها و أمّا بيعها بشرط العتق فكذلك أيضا بناء تأثير الشرط وضعا بحيث لو امتنع المشروط عليه من الوفاء بالشّرط أجبره الحاكم عليه و لو لم يمكن فيعتقها بنفسه [1] و أمّا بيعها ممّن أقر بحريّتها فالإشكال عليه بأنّه لا يجوز بيعها على أيّ حال سواء علم المولى بكذبه أو علم بصدقه لأنّ الحرّ لا يجوز بيعه إنّما يتجه لو لم يعلم مناط المنع و أمّا لو علم فلا مانع من بيعها لانصراف أدلّة البيع إلى الملك المستقرّ و أمّا بيعها لأن ترث و تنعتق فلأنّ النّقل ليس اختياريّا من المولى لأنه لو امتنع عنه يباع عليه قهرا و أدلّة المنع عن البيع لا تشمل‌

____________

[1] لا يخفى أنّه بناء على ما تقدّم في بيع العبد المسلم من الكافر من عدم جوازه و لو بشرط العتق فيجري المنع هنا أيضا لأنّ للمشروط له إسقاط الشرط إلّا أن يقال بأنّه ليس له ذلك في المقام و هذا لا دليل عليه منه عفي عنه

368

هذا المورد كما لا يخفى‌

[و من القسم الثّالث و هو ما يكون الجواز لحق سابق على الاستيلاد]

[ما إذا كان علوقها بعد الرّهن]

قوله (قدّس سرّه) و من القسم الثّالث و هو ما يكون الجواز لحق سابق على الاستيلاد ما إذا كان علوقها بعد الرّهن إلى آخره

لا يخفى أنّ نسبة الرّهن إلى الاستيلاد نسبة التزاحم لا التّعارض و ذلك لعدم امتناع تشريع الحكمين ثبوتا و إنّما لا يمكن الجمع بينهما في الخارج لتزاحم الحقّين فهما كتزاحم الحكمين فإذا كان كذلك فلا بد من إعمال مرجّحات باب التزاحم و من المرجّحات كون أحد الحكمين مشروطا بالقدرة عقلا و الآخر مشروطا بها شرعا و هذا المرجّح مقدم رتبة على الأسبق زمانا فإنّه متأخّر عن جميع المرجّحات الخمسة المذكورة في التّزاحم و لا شبهة أنّه يشترط شرعا في صحّة الرهن حدوثا و بقاء قابليّة العين المرهونة لأن تكون مخرجا للدّين فمع حدوث حقّ الاستيلاد ليست الأمة قابلة لأن تكون كذلك‌

و أمّا في طرف الاستيلاد فلم تؤخذ القدرة شرطا شرعا فمع إمكان تأثير الاستيلاد يتقدّم على المزاحم له هذا مع أنه يظهر من بعض الأساطين حرمة وطي الأمة المرهونة على المالك الرّاهن بدون إذن المرتهن و علّلها بأنّه تعريض لإبطال الرهانة فيستكشف من ذلك أن بطلان الرّهن بالاستيلاد مسلّم و إلّا لم يكن وجه لحرمة وطي الأمة على مالكها فحرمة وطي الأمة على المولى الراهن كحرمة وطيها في حال الحيض و الحرمة التكليفيّة لا توجب رفع أثر الاستيلاد غاية الأمر حيث إنّ الرّاهن أتلف على المرتهن العين المرهونة يجب عليه تبديلها بعين أخرى تكون رهنا كما ذكروا ذلك في مسألة إتلاف الراهن و لا يمكن قياس الوطي على البيع فإن بيع الرّاهن لو كان محرّما لا يؤثّر في النّقل إلى المشتري لأنّه لا أثر له إلّا النقل و هذا بخلاف الوطي فإن حرمته لا توجب عدم ترتب الأثر التّكويني عليه و لم يقم دليل على اعتبار حليّة الوطي في تأثير الاستيلاد إلّا دعوى انصراف أدلّته إلى ذلك و هو ممنوع أو شبهة احتمال اعتبار الطلقيّة و مانعيّة الرهانة عنه و هو دور واضح لأنّه لا يمكن أن يحفظ الحكم موضوع نفسه فإن تأثير الرّهن يتوقّف على قابليّة العين المرهونة لأن تكون مخرجا للدين و قابليّتها تتوقّف على عدم مزاحمة الاستيلاد لها و عدم مزاحمته لها يتوقف على أن يكون الرّهن مانعا عن تأثير الاستيلاد و لا عكس لأنّ الاستيلاد لا يتوقف إلّا على كون الأمة ملكا للمولى‌

و أمّا كون المولى مالكا للوطي بأن لا يكون عليه محرما فلم يقم عليه دليل كما قام الدّليل على عدم تأثير الاستيلاد فيما إذا كان ثمنها دينا على المولى‌

و ممّا ذكرنا ظهر حكم ما إذا كان علوقها بعد اشتراط المولى أداء مال الضّمان منها و ما إذا كان علوقها بعد إفلاس المولى و الحجر عليه و كانت فاضلة عن مستثنيات الدّين أمّا مسألة اشتراط أداء مال الضّمان منها على فرض صحّته كما هي الأقوى فلأنّها داخلة في باب الرّهن لأنّ اشتراط الضّمان من مال معيّن مرجعه إلى جعل المال رهنا على دين الغير فعلى ما اخترناه من تأثير الاستيلاد المتأخّر و مانعيّته عن كون الأمة مخرجا للدّين لا يصحّ أداء مال الضّمان منها‌

و أمّا مسألة الحجر فحاله أردأ من الرّهن لأنّ مجرّد حجر الحاكم على أموال المفلس لا يوجب تعلّق حق للديان بالأموال غاية الأمر أنّه ممنوع من التصرّف و يحرم عليه وطي الأمة الّتي تعلّق الحجر بها و لو ادّعى اختصاص تأثير الحجر بقاء بما هو قابل للبيع بنفسه و أمّ الولد ليست كذلك لا يصحّ‌

369

الجواب عنه بأنّ الحجر السّابق موجب للقابليّة‌

و بالجملة كلّ حقّ معلّق على عدم شي‌ء لا يمكن أن يزاحم مع هذا الشّي‌ء فلا وجه لتأثير الحجر في المقام لا يقال مقتضى ما تقدم سابقا من أنّ أدلّة عدم جواز بيع أمّ الولد لا يتعدّى منها إلّا إلى كلّ ناقل اختياريّ من طرف المالك كالصّلح و الهبة و نحو ذلك أن تكون النواقل القهريّة مانعة عن تأثير الاستيلاد إذا كانت سابقة عليه و لذا يقدم حقّ المجني عليه على الاستيلاد إذا كانت الجناية عمديّة لأنّا نقول مناط عدم جواز النّقل من طرف المالك هو لزوم بقاء الأمة في ملك المولى لتنعتق من نصيب الولد فالاستيلاد موجب لتعلّق حق من الأمة على المولى أو على ولدها أي موجب لتشبّثها بالحريّة فالمناط يجري في مطلق النّواقل و إن كانت قهريّة إلّا إذا كانت رافعة لموضوع الاستيلاد كالجناية العمديّة حيث ثبت أن لورثة المجني عليه قتل الأمة أو الاسترقاق و أمّا سائر الحقوق فحيث إنّها علّقت على إمكان استيفائها من متعلّق الحقّ فحقّ الاستيلاد رافع لموضوعها‌

و بالجملة فرق بين الرهانة و ما يحذو حذوها كتعلّق الضّمان بها و تعلّق حق الغرماء و نحو ذلك و بين الجناية العمديّة فإنّ الجناية العمديّة و لو كانت متأخرة عن الاستيلاد ترفع موضوع حق الأمة و أمّا في الجناية الخطائيّة و نحوها من الحقوق فالأمر بالعكس و لو كانت سابقة على الاستيلاد لأنّه رافع لموضوعها‌

و ممّا ذكرنا ظهر حكم الاستيلاد في زمان خيار بائعها فإنّ علوقها في ملك المشتري يمنع من تأثير حق الخيار في استرداد عين الأمة سواء قلنا بتعلّق حق الخيار بالعقد كما هو الأقوى أو قلنا بتعلّقه بالعين أمّا على الأوّل فواضح لأنّ الأمة ملك طلق للمشتري فتصرفه فيها ليس محرّما فضلا عن عدم كونه مؤثّرا أثره التكويني و أمّا بناء على تعلّقه بالعين فغاية الأمر يصير الوطي محرّما عليه كوطي الأمة المرهونة و قد عرفت أنّ في باب التزاحم ليس المدار على تقدم السّابق إلّا إذا كان المتزاحمان متساويين من جميع الجهات و إلّا كان اللّاحق مقدّما على السّابق‌

[و منها ما إذا كان علوقها بعد نذر جعلها صدقة]

قوله (قدّس سرّه) و منها ما إذا كان علوقها بعد نذر جعلها صدقة إلى آخره

لا يخفى أنّ النّذر تارة يكون من نذر النّتيجة كنذر كونها صدقة و أخرى يكون من نذر الفعل بأن نذر أن يتصدّق بها و على التّقديرين فتارة النّذر مطلق و أخرى معلّق و المعلّق عليه إمّا معلوم التحقّق أو مشكوك فإذا نذر كونها صدقة و كان مطلقا فلا إشكال في عدم تأثير العلوق لخروجها عن ملكه بمجرّد النّذر و أمّا إذا كان معلّقا فاستولدها قبل حصول المعلّق عليه ففي تأثير النّذر أو تأثير الاستيلاد وجهان و قبل تحقيق الحقّ ينبغي بيان حكم منذور الصّدقة إجمالا‌

فنقول بناء على صحّة نذر النّتيجة كما هو المشهور فلو نذر أن تكون الشاة صدقة بلا قيد فبمجرّد النّذر تخرج عن ملكه و لا يجوز له التصرّف فيها مطلقا و ذلك واضح و هكذا لو نذر أن يجعلها صدقة فإنّه حيث لم يعلّق الفعل على شي‌ء يجب عليه الوفاء به تكليفا و لا ينفذ تصرّفاته فيها وضعا نعم في خروجها عن ملكه بمجرّد النّذر خلاف‌

و يظهر من صاحب المقابس أنّه لو كان النّذر بصيغة للّه عليّ أو عليّ عهدا للّه أنّ هذا المال المعين صدقة للفقراء فبمجرد النذر يخرج المنذور عن ملكه و يبطل جميع تصرفاته إلّا في موردين أحدهما ما إذا كان مقصوده كون قيمته صدقة فيصحّ تصرّفه لذلك و ثانيهما ما إذا نذره لمعين فردّه و لم يقبل فينفسخ النّذر و أما في نذر‌

370

الفعل كنذر الهبة و الوقف و الإبراء و الإعتاق و الوصيّة و التّدبير و التصدق و الإهداء و التضحية و نحوها ففي السّتة الأولى لا يخرج المال عن الملك بالنّذر و في الأخيرين وجهان‌

ثم نقل عن العلّامة و ابن إدريس أنّ في نذر الإهداء يخرج عن الملك بمجرّد النّذر ثمّ قال و عندي أنّ لهذا النّذر معنيين أحدهما أن ينذر جعل الغنم هديا أو أضحية و ثانيهما أن ينذر فعل الإهداء و التّضحية فعلى الأوّل لا يخرج عن الملك ما لم يقل بعد النذر جعلت هذا هديا أو أضحية على القول بأنّه يتعيّن بالنيّة و خروجه بذلك عن الملك على القول الآخر و على الثّاني يخرج عن الملك بالنّذر و حمل كلام العلّامة و ابن إدريس على الثّاني‌

و لكنّك خبير بعدم الفرق بين نذر جعل الغنم هديا أو نذر فعل الإهداء فإنّه لو قلنا بخروج المال بمجرّد النّذر عن الملك في الثّاني لكان اللّازم أن يكون المال خارجا عن ملكه بالأوّل أيضا و على أيّ حال سواء قلنا بخروجه عن ملكه كما في القسم الأوّل و هو ما إذا نذر أن تكون الشّاة صدقة أم لم نقل لا يجوز لها التصرّفات المنافية و يجب عليه الوفاء بالنّذر بحيث لو امتنع فعلى الحاكم أن يتصدق‌

بل يظهر من العلّامة أنّ المسألة مسلّمة حتى في النذر المشروط الّذي حصل شرطه و كيف كان لا فرق بين نذر النّتيجة و نذر الفعل في أنّه لا يصحّ للنّاذر التصرّفات المتلفة إذا كان مطلقا أو مشروطا بشرط حاصل قلنا بخروجه عن الملك في الصّورة الثانية أو لم نقل‌

و أمّا النذر المشروط الّذي لم يحصل شرطه فهو على قسمين قسم يعلم بتحقّق شرطه كما إذا علّقه على الوقت الّذي يعبّر عنه بالتّعليق على الوصف أو علّقه على الشّرط المعلوم تحقّقه كموت شخص و قسم لا يعلم تحقّق الشّرط و في كلا القسمين لا يخرج المال عن ملكه بمجرد النّذر إنّما الكلام في جواز التصرّف المنافي فالمشهور عدمه لو علم بتحقّق الشّرط دون ما لو شكّ فيه لأنّ مع علمه بحصول شرطه يجب عليه إبقاؤه في ملكه ليتمكّن من الوفاء بالنّذر‌

و لكن الأقوى أنه لا يجوز له التصرّف المنافي مطلقا لأن مرجع الشكّ في تحقّق الشّرط إلى الشكّ في القدرة على الامتثال و كلّما كان الشكّ في ذلك يجب عليه الفحص أو الاحتياط كما بيّنا ذلك في الأصول فمنذور الصّدقة على جميع الصّور و الأقسام لا يجوز للنّاذر التصرّف المنافي فيه إنّما الكلام في أنّ وطي الأمة الّتي نذر التصدّق بها هل يكون منافيا للنّذر أم لا و الأقوى ابتناء جواز الوطي على عدم تأثير العلوق في انعتاق الأمة على الولد و تأثيره فيه فلو كان العلوق مؤثرا يحرم عليه التصرّف لأنّ أمّ الولد لا يمكن صرفها في النّذر و لو لم يكن مؤثرا فلا مانع من وطيها إذا لم تخرج عن ملكه بمجرّد النّذر كما إذا كان النّذر مشروطا بشرط غير حاصل إذ قد تقدم أنّ في باب تزاحم الحقوق ليس المدار على السّبق و اللّحوق و تقديم السّابق مطلقا بل إذا كان المتزاحمان متساويين من جميع الجهات فالسّابق مقدم على اللّاحق و أمّا إذا اختلفا بأن كان أحدهما مقيدا بقيد يرفعه اللّاحق بوجوده فلا أثر للسّبق‌

و لذا قلنا إنّ الاستيلاد مقدم على حقّ الرّهانة و حقّ الغرماء و نحو ذلك و مؤخر عن الجناية العمديّة و إن سبقها في الزّمان و لا يقال إنّ النّذر و الاستيلاد كليهما حقّان واردان على الأمة في رتبة واحدة و كلّ واحد قابل لأن يرفع موضوع الآخر لأنّ في موضوع النّذر أخذ القدرة على العمل به و الاستيلاد مانع عنه‌

371

فينحلّ النّذر و في موضوع الاستيلاد أيضا اعتبر بقاء الأمة في ملك المالك إلى زمان موته حتى تنعتق من نصيب ولدها و إذا كان كلّ منهما قابلا لأن يرفع موضوع الآخر فيتزاحمان و يقدّم الأسبق زمانا‌

لأنّا نقول إنّ النّذر المشروط سواء علم بتحقّق شرطه كالمعلّق على الزّمان أو شكّ فيه لا يمكن أن يزاحم حقّ الاستيلاد إذا تحقّق العلوق قبل الشّرط سواء تحقّق الشّرط قبل الموت أو بعده‌

أمّا إذا تحقّق الشّرط بعد الموت فواضح لأنّ المفروض بقاء الأمة في ملك المولى قبل حصول الشّرط فإذا مات تنتقل الأمة إلى ولدها فتنعتق عليه قهرا و لا يمكن بقاؤها في ملك الولد إلى زمان حصول الشّرط و أمّا إذا تحقّق الشّرط قبل الموت فلأنّ القدرة أخذت في موضوع النّذر و أمّا الاستيلاد فلم يؤخذ في موضوعه سوى تحقّق العلوق في الملك و أمّا كون المال باقيا في ملك المولى إلى زمان موته فهو من أحكام الاستيلاد و عدم ترتب هذا الحكم عليه فرع تأثير النّذر و تأثيره يتوقّف على بقاء موضوعه و الاستيلاد يرفع موضوعه و إن كان متأخرا زمانا‌

ثم إنّه إذا أثّر الاستيلاد و قدّم على النذر فهل ينحل النّذر كما احتمله المصنف (قدّس سرّه) و وجّهه بصيرورة النذر مرجوحا أو يتحقّق الحنث و يجب عليه الكفّارة و يضمن عوض المنذور وجهان و الأقوى هو الثّاني‌

و توضيح ذلك أنّ انحلال النّذر مورده ما إذا كان المنذور راجحا فعله ظاهرا حين النّذر و انكشف كونه مرجوحا في ذاته من دون اختيار النّاذر بناء على ما هو الأقوى من أن المدار في الرّجحان المعتبر في متعلّق النّذر إنّما هو حين العمل لا حين النّذر لأنّ النّذر حكمه حكم الإيجاب من الشّارع فكما يعتبر شرائط التّكليف من القدرة و البلوغ و العقل حين الوجوب لا حين الإيجاب فكذلك يعتبر الرّجحان في متعلّق النّذر حين العمل فإذا نذر المستطيع قبل الموسم أن يزور الحسين (عليه السّلام) في عرفة لا ينعقد نذره لكونه حين العمل مرجوحا و إذا نذر غير المستطيع أن يزوره في كل سنة ينحلّ نذره في سنة الاستطاعة كما لو نذرت المرأة صوم سنة فحاضت في بعض الشّهور‌

و أمّا إذا جعله النّاذر على نفسه مرجوحا باختيار منه كمسألتنا هذه فإنّه وطئ الأمة المنذور التصدّق بها و أحبلها فحكمه حكم ما إذا أعدم الموضوع بالاختيار كما إذا قتلها فإنّه كما يجب عليه الكفّارة و العوض لو قتلها فكذلك لو أحبلها و لا يتوهّم أنّه لو كان الوطي حراما لا يؤثر الاستيلاد لما ذكرناه من أن تأثيره موجب للحرمة فلا يمكن أن يكون الحرمة علّة لعدم تأثير الاستيلاد نظير ما ذكروه من حرمة السّفر بعد ظهر يوم الجمعة و حرمة السّفر على من تضيّق عليه وقت قضاء صوم شهر رمضان‌

و بالجملة فرق بين وطي الأمة المزوّجة من الغير و وطي الأمة المنذور التصدّق بها فإنّ الأوّل لا يملك وطيها لكون بضعها حقّا للغير فحكمه حكم وطي أمة الغير في عدم تأثير الوطي و هذا بخلاف وطي الأمة المنذور التصدّق بها فإنّ حكمه حكم وطي أمته في حال الحيض فالحرمة التّكليفيّة الصّرفة غير مؤثّرة في رفع أثر العلوق بل لو لم تؤثر الحرمة في المقام يلزم من وجودها عدمها و بعد تأثر الوطي فمقتضاه تحقّق الحنث لا الانحلال ثم إنّ هذا كلّه بعد فرض بقاء المنذور التصدّق به في ملك النّاذر كما في غير نذر النّتيجة إذا كان مطلقا و إلّا لا أثر للعلوق كما لا يخفى‌

[و منها ما إذا كان علوقها من مكاتب مشروط]

قوله (قدّس سرّه) و منها ما إذا كان علوقها من مكاتب مشروط إلى آخره

لا يخفى أنّ المكاتب المشروط‌

372

قبل أداء جميع مال الكتابة إذا وطئ الأمة الّتي اشتراها بناء على أنّه في حكم الحر تصير الأمة المستولدة أم الولد فعلا و لذا لا إشكال في أنّ ولده منها حرّ إلّا أنّه إذا فسخت كتابته يرجع إلى الرقّية فيجوز لمولاه أن يبيع أمته المستولدة فيصير المقام من موارد القسم الثّالث‌

[و القسم الرابع فهو ما كان إبقاؤها في ملك المولى غير معرض لها للعتق]

قوله (قدّس سرّه) و القسم الرابع إلى آخره

لا يخفى أنّه بعد ما علم من أنّ المدار في انعتاق أمّ الولد إرث الولد منها فإذا حرم من الإرث لأحد موانع الإرث من القتل أو الارتداد أو لعدم تحقّق العلوق على وجه ينسب الولد إلى أحد أبويه فلا مانع من بيعها لأنّه لا أثر لإبقائها في ملكه هذا تمام الكلام في هذا القسم من الملك الغير الطّلق و الإنصاف أنّ المصنف قد أجاد في تبويب المواضع القابلة للاستثناء فجزاه اللّٰه عن الإسلام و أهله خير الجزاء و لكنّ الأسف أنّ هذه المسألة لا موضوع لها في عصرنا‌

[و من أسباب خروج الملك عن كونه طلقا كونه مرهونا]

قوله (قدّس سرّه) و من أسباب خروج الملك عن كونه طلقا كونه مرهونا إلى آخره

لا إشكال في أنّ الرّهن يوجب منع المالك عن التصرّف في العين المرهونة كمنع المرتهن عن التصرّف فيها و لا إشكال أيضا في أنّه لو تصرّف المرتهن فيها يتوقف نفوذ تصرّفه على إجازة الرّاهن إنّما الكلام في أنّ تصرّفات الرّاهن أيضا حكمها حكم تصرّف المرتهن في أنّها تنفذ بإجازة المرتهن و بفكّ الرهانة و بإسقاط المرتهن حقّه أو إبرائه الراهن من الدّين أو أنّها تقع باطلة لا تصحّحها الإجازة و لا غيرها قولان‌

ثمّ على الصّحة هل يجري نزاع الكشف و النّقل أو لا بدّ من القول بالنّقل فالبحث فيها من جهات‌

الأولى في صحّتها بالإجازة

و الأقوى هو الصّحة لأن غاية ما استدلّ به للبطلان هو ما أفاده صاحب المقابس من أنّ القدر المتيقّن من صحّة الفضولي هو ما إذا قصد الفضولي البيع من المالك فأجازه المالك و ذلك لا يتصوّر في بيع الرّاهن لأنّه هو بنفسه يكون مالكا فلا يمكن أن يقصد البيع من غيره و لكنّه ممنوع جدّا لأنّ التمسّك بالقدر المتيقّن مبني على كون الفضولي مخالفا للقاعدة و بعد ما عرفت في بحث الفضولي كونه على طبق القاعدة فلا وقع له أصلا و إجمال ذلك أنّ الأفعال على قسمين قسم لا يقبل النّيابة أصلا فهذا خارج عن محلّ بحث الفضولي موضوعا لأنّ ما لا يقبل النيابة في أصل صدوره فعدم قبول وقوعه عن الغير بإجازة منه أولى‌

و قسم يقبل النّيابة و هذا أيضا على قسمين قسم لا ينفكّ الفعل عن الأثر المرتّب عليه و الموجد به كالضّرب و هذا أيضا لا يقبل لأن يستند إلى الغير بإجازة منه لأنّ الفعل لا ينقلب عمّا هو عليه و لا يتغيّر بإمضاء الغير عمّا وقع و يلحق بهذا القسم مطلق الأفعال الّتي ليس لها مسبّب توليدي كالصّلاة و الصّوم و نحو ذلك فإنّها و إن كانت قابلة للنّيابة في بعض الموارد إلّا أنّها ليست قابلة لوقوعها عن غير الفاعل بإجازة منه لأنّ الفعل بما هو فعل صادر عن الفاعل لا ينقلب عمّا هو عليه‌

و قسم يمكن أن ينفكّ الأثر عنه و هذا يمكن أن يستند إلى الغير بإجازة منه و العقود و الإيقاعات من هذا القبيل غاية الأمر أنّ بعض الإيقاعات خرج بالإجماع عن باب الفضولي و قد عرفت أنّ بعضها لا يمكن أن يكون من مصداق الفضولي‌

و على أيّ حال لا إشكال في أنّ العقود لها جهتان جهة نفس الكلام الصّادر عن الفضولي و من هذه الجهة القول غير قابل لأن يستند إلى الغير بالإجازة و جهة مترتّبة عليه و هو الموجد بهذا الكلام و المنشأ بهذا الإنشاء الّذي يعبّر عنه بالمسبّبات المترتّبة على‌

373

الأسباب و هذا الموجد حيث إنّه بمجرّد إيجاد آلته لا يتحقّق في عالم الاعتبار من كلّ من أوجده بل يعتبر أن يكون له الولاية على ذلك فإذا صدر آلة الإيجاد من الغير فيمكن أن يتعلّق الإمضاء به من المالك و من له الولاية و حيث إنّ ما أوجده الفضولي ليس إلّا تبديل المالين و تغيير طرفي الإضافتين و هو الرّكن في باب العقود لا قصد كونه لنفسه أو لغيره فإنّه لغو و هذا التبديل لا يتحقّق بمجرّد بيع الفضولي بل يقع موقوفا فبإجازة من له الولاية يستند إليه هذا المنشأ و الموجد و لا يتوقف إلى دليل خارجيّ غير عمومات أدلّة العقود مع أنّ من التّعليل الوارد في باب نكاح العبد يستفاد صحّة الفضوليّ في جميع أبواب العقود فإنّه إمّا من منصوص العلّة أو مستنبط العلّة القطعيّة فيتعدّى منه إلى كلّ ما هو مشترك معه في العلّة‌

فإنّ قوله ع معلّلا صحّة نكاح العبد بالإجازة بأنّه لم يعص اللّٰه و إنّما عصى سيّده يمكن أن يكون من قبيل قوله ع الخمر حرام لأنّه مسكر في كونه منصوص العلّة فإنّ ضابطه أن يكون العلّة بمنزلة الكبرى الكليّة و المورد بمنزلة الصّغرى لها و هذا يتوقّف على أن لا يكون للمورد خصوصيّة يحتمل أن يكون العلّة مخصوصة به كما إذا قيل الخمر حرام لإسكاره و أن لا يكون الحكم المعلّل متخصّصا بخصوصيّة موجبة للفرق بين الموارد المحكومة بهذا الحكم كما في المثال فإنّ الحرمة في جميع الموارد على سنخ واحد‌

و تقريب منصوص العلّة في المقام أن يكون قوله عصى سيّده بمنزلة عصى غيره بحيث يفهم عرفا عدم مدخليّة التصرّف في سلطان السيّد بل المدار على التصرّف في متعلّق حقّ الغير مطلقا و يمكن أن يكون من قبيل مستنبط العلّة بحيث لم يكن اللّفظ بمدلوله شاملا لغير مخالفة العبد سيّده بل يستفاد منه أنّ المناط فيه هو التصرّف في حق الغير و إذا كان استفادة هذا المعنى قطعيّا فيخرج عن القياس و إلّا فلا اعتبار به‌

و لا شبهة في تنقيح المناط القطعي و الجزم بعدم الفرق بين تصرف العبد في سلطان المولى أو تصرف الراهن في متعلّق حق المرتهن أو تصرّف المفلّس في متعلّق حق الغرماء أو تزويج الأمة على الحرّة أو تزويج بنت الأخ أو الأخت على العمّة أو الخالة أو بيع من عليه الزكاة المال الزكوي فإنّ في جميع موارد تصرّف من ليس له السّلطنة التامّة إمّا لقصور في المقتضي كبيع مال الغير أو لوجود المانع كبيع الراهن العين المرهونة إذا أجاز من له الحقّ ينفذ التصرف بل لو ارتفع المانع بفكّ الرهانة أو إبراء المرتهن صحّ بيع الرّاهن لأنّه لم يكن فيه جهة نقص إلّا كون المبيع متعلّقا لحق الغير فإذا ارتفع حقّ الغير يرتفع النّقص بل صحّة بيع الراهن بإجازة المرتهن و نحوها أولى من صحّة بيع الفضولي بإجازة المالك‌

و بالجملة ما اعتبره صاحب المقابس في صحّة الفضولي من قصد النّيابة عن المالك ممّا لم يقم عليه دليل هذا مع أنّه لم يعلم أنّه (قدّس سرّه) هل اكتفى في صحّة هذا القسم بإمكان قصد الفضولي النيابة عن الغير أو اعتبر فعليّته و على كلا التقديرين لا وجه له فإن مجرّد الإمكان مع عدم قصده النّيابة لا أثر له و لا يجعل العقد بما هو فعل صادر من الفضولي عقدا للغير بإجازته و لا يخرجه عن الحرمة على ما ادّعاه من أنّ العقد أو الإيقاع إن وقع بطريق الاستقلال في الأمر لا على وجه النّيابة عن المالك فالظّاهر أنّه محرّم و اعتبار الفعليّة أيضا لا دليل عليه بعد كون الثّمن و المثمن معيّنين في الخارج فإنّ قوام المعاوضة ليس بتعيين المالكين كما تقدّم‌

و ما أفاده في قوله الّذي يظهر من تتبّع أدلّة العقود أنّها ما لم تنته إلى المالك‌

374

فيمكن وقوعها موقوفة على إجازته و أمّا إذا انتهت إليه و صدرت منه فإمّا تقع باطلة أو صحيحة ففيه أنّه لا وجه للفرق بين القسمين فإنّها لو صدرت من المالك أيضا إذا تعلّق بمتعلّقها حق الغير أمكن وقوعها موقوفة على إجازته‌

و ما أفاده من أنّ التّعليل المستفاد من الرّواية المرويّة في النّكاح و هو قوله ع لم يعص اللّٰه و إنّما عصى سيّده إنّما يجري فيمن لم يكن مالكا كالعبد و أما الراهن فهو عاص للّه ففيه ما لا يخفى فإنّ المراد من عصيان اللّٰه هو مخالفته فيما لم يمضه كالنّكاح في العدّة لا مخالفته في التعدّي في حقّ الغير فإنّ هذا هو معصية الغير فإذا أجاز جاز‌

و ما أفاده من أنّ الحرمة لو لم تكن لأمر خارج عن عنوان المعاملة توجب الفساد ففيه ما تقدم من الأجوبة الخمسة عمّن استدلّ لبطلان الفضولي بحكم العقل و النّقل على عدم جواز التصرف في مال الغير إلّا بإذنه و هي منع كون مجرّد العقد على متعلّق حقّ الغير تصرفا أولا و منع حرمة كلّ تصرّف ثانيا و إمكان فرض رضا المرتهن ثالثا و منع اقتضاء كلّ حرمة فسادا رابعا و أنّ الفساد من قبل الفضولي لا يلازم الفساد المطلق خامسا‌

هذا مع أنّ الحرمة المتصورة في المقام هي تسليم الراهن العين المرهونة إلى المشتري دون مجرّد العقد عليها و لذا اعترف بصحّة بيع المرتهن بإجازة الرّاهن مع أنّ كلّا منهما ممنوعان من التصرّف في العين المرهونة فكيف لا تقتضي حرمة تصرف المرتهن فساد بيعه و تقتضي فساد بيع الرّاهن و لو أجاب بأنّ توقّع المرتهن إجازة الرّاهن يخرج تصرّفه عن الحرمة ففيه أنّا نفرض الكلام أيضا فيما إذا باع الراهن متوقّعا لإجازة المرتهن‌

نعم هاهنا إشكالان آخران قد يتوهّم اختصاصهما بالمقام دون سائر أقسام الفضولي أحدهما أنّه بناء على الكشف كما هو مختار جمع من المحقّقين يلزم أن يكون ملك غير الرّاهن رهنا لأنّ الإجازة تكشف عن كون المبيع ملكا للمشتري فيلزم أن يكون ملكه من زمان العقد إلى زمان الإجازة وثيقة لدين البائع فيجب إمّا الحكم ببطلان البيع أو ببطلان الرهانة و فيه أنّ القائل بالكشف إذا تخلّص من إشكال الشّرط المتأخر فهذا الإشكال و نظائره لا تضرّه لأنّه يلتزم ببطلان الرّهانة من حين صدور البيع و لا يلزم محذور‌

هذا مع أنّ هذا الإشكال بعينه يجري في سائر أقسام الفضولي فإنّ في المقام يجري إشكال اجتماع البيع و الرّهن و فيما إذا باع مال الغير يجري إشكال اجتماع مالكين في زمان واحد على شي‌ء واحد و هكذا ثانيهما أنّه يدخل المقام في مسألة من باع شيئا ثم ملك غاية الفرق أنّ في تلك المسألة صار البائع الفضولي مالكا للمبيع و في المقام صار مالكا للبيع فإنّه قبل إجازة المرتهن لم يكن مالكا للبيع و بعد الإجازة ينكشف كونه مالكا له لأن إجازة المرتهن عبارة عن إسقاط حقّه و إذا أثر إسقاط حقّه حين الإجازة في سقوطه من زمان البيع ينكشف كون الرّاهن مالكا للبيع فيدخل في مسألة من باع شيئا ثمّ ملك الّتي اخترنا فيها فساد البيع سواء أجاز أم لا‌

و فيه أيضا أنّ إدخال المقام في مسألة من باع شيئا ثم ملك عبارة أخرى عن الإشكال الوارد على الكشف و هو أنّه كيف يكون ما هو جزء العلّة لتحقّق الملك كاشفا عن تحقّق المعلول قبل ذلك ففي المقام أيضا يلزم أن يكون ما هو جزء العلّة لسلطنة البائع على البيع و هو الإجازة كاشفا عن سلطنته قبل ذلك و مرجع الإشكال إلى أنّه كيف يكون الشي‌ء علّة لعدمه و كيف يجتمع حجر الرّاهن عن البيع مع سلطنته عليه و إلّا فغير‌

375

هذا الإشكال لا يرد على الإجازة لأنّ توقّف بيع الرّاهن على إجازة المرتهن كالعكس ليس من صغريات من باع شيئا ثم ملك بل الصّغرى لهذه الكبرى هي أن يتحقّق الملك بعد البيع بغير إجازة المالك الأوّل و بغير إجازة المرتهن و سائر ذوي الحقوق و هذا إنّما يجري في المقام إذا ارتفع موضوع الرهانة بأداء الدّين أو بإسقاط المرتهن و سيأتي الكلام فيه‌

الجهة الثانية في أنّ النزاع في الكشف و النّقل هل يجري في إجازة المرتهن أم لا

قد يتوهّم أنّه لا موضوع لإجازة المرتهن في المقام حتّى يجري فيه نزاع الكشف و النّقل بل يتوقّف صحّة بيع الرّاهن إمّا على إسقاط المرتهن حقّه أو على فكّ الرّاهن الرهانة و أما إجازة المرتهن فلا أثر لها لأنّ الإجازة إنّما تؤثر في عقد الفضولي من باب أنّها توجب استناده إلى المجيز و بها يصير مخاطبا ب‍ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و المرتهن لا يمكن أن يتوجّه إليه خطاب أَوْفُوا فلا أثر لإجازته و لا لردّه لأنّه بالنّسبة إلى أصل الملك أجنبي غاية الأمر له حقّ بالنسبة إلى العين يوجب عدم نفوذ بيع الرّاهن إلّا بزوال هذا الحقّ إمّا بإسقاطه أو بإبرائه من الدّين أو بفكّ الراهن الرهانة‌

و لكنّه لا يخفى فساد التوهّم فإنّ خطاب أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ليس تكليفيّا حتى يقال بأنّه لا يتوجّه إلى المرتهن بل هو خطاب وضعيّ و كناية عن أنّ العقد نافذ و ممضى فكلّ من له إضافة إلى الملك له إنفاذه و لا شبهة أنّ المرتهن له حصّة من الإضافة و مرتبة منها بالمقدار الّذي نقص من الرّاهن و لذا يعبّر عن ملكه بالملك الغير الطّلق و عدم طلقيّته ليس إلّا من جهة واجديّة المرتهن مرتبة منه فله ملك إقرار العقد و إزالته بل تنفذ إجازة كلّ من هو نظيره كإجازة الغرماء عقد المفلّس و إجازة الورثة وصيّة الميّت فيما زاد عن الثّلث و إجازة العمّة و الخالة العقد على بنت الأخ و الأخت و غير ذلك فإذا كانت الإجازة مؤثّرة في هذه الموارد فمقتضاه أمران‌

أحدهما أنّ ردّ ذي الحقّ أيضا مؤثر و يوجب إبطال أثر العقد فإنّ في جميع هذه الموارد ملك كلا الأمرين من الإقرار و الإزالة ثابت لذي الحقّ فبعد الردّ لا يؤثر الإجازة ثانيا نعم إنّما يؤثّر الردّ في المقام في مورد فعليّة حق المرتهن و هو ما إذا حلّ أجل الدّين و أمّا لو لم يحل فلا يؤثر لأنّ العين إنّما تكون مخرجا للدّين إذا كان للدّائن حقّ المطالبة و قبل ذلك و إن كان له الإجازة الّتي أثرها إسقاط حقّه الّذي يتحقّق بعد ذلك و أمّا ردّه فحيث إنّه يمكن للرّاهن فكّ الرّهانة قبل حلول الأجل فلا يؤثر فعلا فله الإجازة بعد ذلك‌

و ثانيهما جريان نزاع الكشف و النقل فيها على ما تقدم سابقا من أنّ أركان العقد ثلاثة منها ما به يتحقّق عقديّة العقد كشرائط الإيجاب و القبول و منها ما هو في عرض أجزاء العقد جزء مؤثر في المنشأ و إن تمّ العقد بدونه كالقبض في بعض العقود و منها ما يوجب نفوذ العقد كالإجازة و ما لا يجري فيه نزاع الكشف و النقل هو القسمان الأوّلان و أمّا الإجازة كانت من المالك أو غيره فيجري فيها النّزاع لأنّ مناط جريانه في إجازة المالك ليس من باب أنّ المالك يسند عقد الفضولي إلى نفسه حتى يقال إنّ إجازة المرتهن ليس فيها هذا المناط بل من باب أنّ ما أوجده الفضولي إنّما وجد في عالم الإنشاء لا في عالم الاعتبار و تحقّقه في عالم الاعتبار إنّما هو بإمضاء المالك أو من له الحقّ و هذا و إن اقتضى النّقل على ما هو الصواب و لكنّ القائل‌

376

بالكشف الّذي يدّعي أنّ بالإجازة يستكشف تحقّق المنشأ في عالم الاعتبار حين الإنشاء يجب أن لا يفرّق بين إجازة المالك و إجازة المرتهن لأنّ كلّا منهما كاشف عن تحقّق المنشأ حين الإنشاء لأنّ المفروض أنّ العقد في جهة العقديّة تامّ و لا يتوقّف تحقّق المنشأ على أمر آخر كتوقّف بعض العقود على القبض فإذا كان العقد سببا تامّا فلا فرق بين الأبواب أصلا‌

و قد تقدم في الفضولي أنّه لا وجه لما عن المحقّق الثّاني مع توغّله في الكشف من اختيار النّقل في إجازة المرتهن و بالجملة بناء على صحّة الكشف الحقيقيّ لا فرق بين الأبواب إنّما الكلام في الكشف الحكمي و مقتضى ما وجهناه به من أنّه على القاعدة و أنّه متوسّط بين النّقل و الكشف الحقيقيّ لا بدّ من الاطّراد في جميع الأبواب و أمّا بناء على أنّه ثبت بالتعبّد فلو علم اطّراد المناط في الأبواب قطعا فهو و إلّا يجب البناء على النّقل‌

الجهة الثالثة في صحّة بيع الرّاهن بفكّ الرهانة

أو إسقاط المرتهن حقّه أو إبرائه الراهن من الدّين و عدمها و منشأ الإشكال توهّم دخول بيع الرّاهن في مسألة من باع شيئا ثم ملكه و حيث إنّ الأقوى هو البطلان سواء أجاز البائع أم لا فينبغي الحكم بالبطلان في المقام و حاصل الإشكال هو الفرق بين إجازة المرتهن و سائر ما يوجب سقوط حقّه فإنّ مفاد إجازته حيث إنّه إنفاذ بيع الراهن و إمضاؤه فيوجب صحّته و يكون أثرها سقوط حقّه لأنّه أنفذه و أمضاه في زمان ثبوته و سقوط حقّه مترتّبا على إنفاذه يرفع المنع عن صحّة بيع الرّاهن و أمّا السّقوط بغير جهة الإجازة فحيث إنّه لا تعرّض فيه للعقد فالعقد باق على حاله فلا إجازته بعد ذلك مؤثّرة لخروج المبيع عن كونه متعلّقا لحقّه و لا إجازة الرّاهن لأنّه باع في زمان لم يملك البيع و نفس الإجازة ليست عقدا مستأنفا و لا معنى لتنفيذ ما صدر عن نفسه‌

و بالجملة المسألة بعينها داخلة في باب من باع شيئا ثم ملك لأنّه لا فرق بين أن لا يملك الفضولي المبيع ثم ملكه أو لا يملك البيع ثم ملكه و لكنّه لا يخفى عليك فساد هذا التوهّم لأنّه لم يكن تمام الملاك في صحّة بيع الرّاهن بإجازة المرتهن كون الإجازة مفادها الإمضاء و الإنفاذ حتّى لا يجري هذا الملاك في السّقوط بنحو آخر بل مناطها كون الإجازة رفعا للمانع‌

و بعبارة أخرى فرق بين العقد الّذي صدر ممّن لا يملك المبيع أو ممّن لا يملك البيع فإنّ الأوّل عقده موقوف لقصور في المقتضي و يشبهه العبد إذا تزوّج بغير إذن السيّد و الثّاني عقده موقوف لوجود المانع فإذا كان لقصور في المقتضي فلو ملك المبيع لا يمكن أن يصحّ البيع بالملكيّة الحاصلة بعد العقد فإنّه حين وقوعه كان موقوفا على إجازة مالكه و من كان مالكا لم يجزه حين البيع و لا مجال لتأثير إجازته بعد ذلك لصيرورته بالنّسبة إلى المبيع أجنبيا و من صار مالكا لا يفيد إجازته لعدم كونه مالكا حين البيع فضلا عمّا إذا لم يجز‌

و أمّا إذا كان لوجود المانع فعقده لا قصور فيه إلّا كون المبيع غير طلق و متعلّقا لحقّ الغير فإذا تمّ طلقيّته و زال حقّ الغير فلا مانع من صحّته ثم إنّ نزاع الكشف و النّقل يجري فيه أيضا لما عرفت من أنّ المدار ليس على مدلول لفظ أجزت حتى يقال السّقوط بنحو آخر غير متعرّض للعقد بل على تماميّة العقد و كشف السّقوط عن كونه سببا تامّا فيؤثر من أوّل الأمر نعم القول بالكشف فاسد من أصله لامتناع الشّرط المتأخر و لكنّه على فرض صحّته فبرهان الصّحة يجري في جميع الأبواب‌

[مسألة إذا جنى العبد عمدا]

قوله (قدّس سرّه) مسألة إذا جنى

377

العبد عمدا بما يوجب قتله أو استرقاق كلّه أو بعضه فالأقوى صحّة بيعه إلى آخره

لا يخفى أنّ مقتضى ما ذكره الفقهاء في مقام تمييز الحقوق من جعل حق الجناية مقابلا لحقّ الرهانة هو صحّة بيع العبد الجاني و إن جنى عمدا فضلا عمّا إذا جنى خطأ أو شبه العمد و ذلك لأن مقصودهم من قولهم إنّ حق الفقراء مثلا على المال الزكويّ هل هو من قبيل حقّ الرّهانة أو حقّ الجناية أنّ الجناية و إن كانت من الحقوق المتعلّقة بالعبد الجاني إلّا أنّها ليست من قبيل الرهانة التي يعتبر فيها أن يكون المال المرهون مخرجا للدّين من ملك الرّاهن فإذا صحّ بيعه فلا بدّ من أن يبطل الرّهن و حيث إنّه لا وجه لبطلانه مع كونه أسبق من البيع فلا محالة يبطل البيع‌

و أمّا حق الجناية فلا يشترط في استيفائه بقاء الجاني في ملك من كان مالكا له حين الجناية فلا مانع من بيعه و مجرّد تعلّق حقّ المجني عليه أو ورثته به لا يوجب عدم نفوذ بيع مولاه لعدم كون البيع مانعا من استيفاء الحق بل يتبعه المجني عليه أو ورثته أينما انتقل‌

و بالجملة نفوذ بيع الرّاهن يتوقف على سقوط حق المرتهن إمّا بإجازته للبيع أو إسقاطه حق الرّهانة أو إبرائه الدّين و أمّا نفوذ بيع مولى الجاني فلا يتوقف على إمضاء المجني عليه أو أوليائه لا في الجناية العمديّة و لا الخطائيّة‌

نعم لو قيل بخروج العبد عن ملك المولى بمجرّد جنايته عمدا و انتقاله إلى المجني عليه أو ورثته يدخل بيع المولى في عقد الفضولي و لكنّ الظّاهر ضعف هذا القول و إن حكي عن الشّيخ أنّه استدلّ بإجماع الفرقة على أنّه إذا جنى عمدا ينتقل إلى ملك المجني عليه و استظهر ذلك أيضا من عبارة الإسكافي المحكيّة عنه في الرّهن و استدلّ له أيضا بما رواه في الوسائل عن الشّيخ بإسناده عن عليّ بن عقبة عن أبي عبد اللّٰه ع قال سألته عن عبد قتل أربعة أحرار واحدا بعد واحد قال فقال هو لأهل الأخير من القتلى إن شاءوا قتلوه و إن شاءوا استرقّوه لأنّه إذا قتل الأوّل استحقّ أولياءه فإذا قتل الثّاني استحقّ من أولياء الأوّل فصار لأولياء الثّاني فإذا قتل الثّالث استحقّ من أولياء الثّاني فصار لأولياء الثّالث فإذا قتل الرّابع استحقّ من أولياء الثّالث فصار لأولياء الرابع إن شاءوا قتلوه و إن شاءوا استرقّوه‌

وجه الضّعف أنّ الإجماع المبنيّ على قاعدة اللّطف ليس بحجّة و لم ينعقد إجماع في المسألة على مصطلح المتأخّرين كما يطّلع عليه الفقيه بالمراجعة إلى مصنّفات الأصحاب و عليك بمراجعة المقابس فإن مصنّفه (قدّس سرّه) قد بذل جهده في نقل أقوال القوم جزاه اللّٰه و إيّاهم عن الإسلام خير الجزاء و أمّا الرّواية فهي و إن كانت دالّة عليه صدرا و ذيلا إلّا أنّه يعارضها روايات أخرى‌

ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر ع في عبد جرح رجلين قال هو بينهما إن كانت جنايته تحيط بقيمته قيل له فإن جرح جرح رجلا في أوّل النهار و جرح آخر في آخر النهار قال هو بينهما ما لم يحكم الوالي في المجروح الأوّل فدفعه إليه بجنايته فجنى بعد ذلك الحديث فإنّ ذيلها ظاهر في أنّ المجني عليه لا يملكه بالجناية و إلّا لكان من الثّاني و إن دفعه الحاكم إلى الأوّل‌

و عن الكافي بإسناده عن أبي بصير قال سألت أبا جعفر ع عن مدبّر قتل رجلا عمدا فقال يقتل به قال قلت فإن قتل خطأ قال فقال يدفع إلى أولياء المقتول فيكون لهم رقّا فإن شاءوا باعوا و إن شاءوا استرقّوا و ليس لهم أن يقتلوه فإنّ الدّفع ظاهر في أنّ القتل بنفسه ليس من أسباب الملك فتأمل بل ظاهر ذيل رواية عقبة أيضا ذلك فإنّ الاسترقاق في مقابل القتل يقتضي‌

378

عدم انتقال العبد إلى ملك ورثة المجني عليه بمجرّد القتل‌

و كيف كان بناء على عدم خروج العبد عن ملك المولى لا مانع من تصرّف المولى فيه من غير فرق بين العتق و غيره و من غير فرق في الجناية بين العمديّة و الخطائيّة و من غير فرق في الخطاء بين كون المولى موسرا أو معسرا لا لأنّه في حكم الأرمد و المريض فإنّ الفرق بينهما و بين الجاني في غاية الظّهور فإنّ الجاني قد تعلّق به حقّ الغير دونهما بل لأنّه ليس كلّ حقّ مانعا عن نفوذ التصرّف و إنّما المانع هو التصرّف الموجب لزوال الحقّ كتصرّف الرّاهن فإنّ نفوذه مع بقاء الرّهانة لا يجتمعان و على هذا فلمالك الجاني أن يتصرّف في العبد من دون مراجعة ذي الحقّ و لا يحرم عليه التصرّف تكليفا أيضا و هذا بخلاف مالك المرهون فإنّه يحرم عليه التصرّف تكليفا كعدم نفوذه منه وضعا‌

ثم إنّه لا يتوقّف صحّة بيعه في الجاني خطأ على إفدائه أوّلا أو الالتزام بالفداء ثم البيع بل يصحّ بيعه من دون ذلك و لا وجه لما أفاده العلّامة من أنّ البيع بنفسه هو التزام بالفداء فإنّ البيع بناء على ما تقدم ليس إتلافا للعبد حتى يكون بيعه التزاما بالفداء لأن المجني عليه أو وليّه يتبع العبد أينما انتقل غاية الأمر لو كان المشتري جاهلا بذلك فله الخيار نعم صحّة عتقه تتوقف على ذلك لأنّ العتق لا يجتمع مع تعلّق حق الغير به إلّا أن يكون الحقّ قصاصا فإنّه يجتمع مع الحريّة و لذا قال في الشّرائع إذا قتل العبد حرا عمدا فأعتقه مولاه صحّ و لم يسقط القود نعم لو كان لورثة المجني عليه القصاص أو الاسترقاق فالعتق ينافي حقّهم و لذا قال المحقق بعد الكلام المتقدّم و لو قيل لا يصحّ لئلّا يبطل حقّ الوليّ من الاسترقاق كان حسنا و عليك بمراجعة كتب القوم فإن كلماتهم مضطربة‌

[مسألة الثّالث من شروط العوضين القدرة على التّسليم]

قوله (قدّس سرّه) مسألة الثّالث من شروط العوضين القدرة على التّسليم إلى آخره

قد يتخيّل أنّ عدّ هذا الشّرط من شروط المتعاقدين أنسب من جعله من شروط العوضين لأنّ مرجعه إلى مانعيّة عجز البائع عن صحّة العقد و لكن الأولى هو ما صنعه المصنف (قدّس سرّه) تبعا للأساطين لأنّ مناط ماليّة المال هو كونه بحيث يتسلّط مالكه على قلبه و انقلابه بأيّ نحو من أنحاء التصرّف و مع عدم تمكّنه من التصرّف فيه بنحو من الأنحاء كالسّمك في البحر و الطّير في الهواء لا يعدّ من الجدة الاعتباريّة فإنّ المال و إن لم يكن من الجدة الاصطلاحية إلّا أنّه مثلها في مقام الاعتبار العقلائي فلو لم يكن قابلا لتصرّف مالكه إلّا بنحو العتق الّذي لا يعدّ أثرا لماليّته لا يكون مالا اعتبارا بحيث يكون منشأ للآثار عند العقلاء‌

و بالجملة ماليّة الأموال في عالم الاعتبار إنّما هي باعتبار كونها منشأ للآثار و إذا لم يكن كذلك فلا يعدّه العقلاء مالا و إن ترتّب عليه بعض الآثار الجزئيّة فهذا الشّرط في الحقيقة من شروط العوضين‌

و كيف كان فينبغي التّنبيه على الفرق بين تعذّر التّسليم الّذي هو مانع عن صحّة البيع و تعذّره الموجب للخيار فنقول لو لم يمكن التّسليم من المنتقل عنه و لا التّسلم من المنتقل إليه فهو مورد عدم صحّة البيع فيرجع شرطية القدرة على التّسليم إلى اعتبارها في الجامع بينهما و أمّا لو كان المنتقل عنه عاجزا دون المنتقل إليه أو كان المنتقل عنه قادرا ابتداء ثمّ طرأ العجز فهو مورد الخيار‌

و السرّ في ذلك هو أنّه لو لم يمكن التّسليم و التسلّم فهذا المال لا يعتبره العقلاء مالا و أمّا إذا كان المنتقل عنه متمكّنا من التّسليم في وقت لزومه و ماطل حتّى طرأ العجز أو كان من أوّل الأمر عاجزا و لكن كان المنتقل إليه متمكّنا من التسلّم فمناط ماليّة المال موجود فيه‌

379

و يتدارك نقصه بالخيار للمنتقل إليه إذا كان جاهلا بعجز المنتقل عنه لأن منشأ الخيار في غير خيار الحيوان و المجلس هو تخلّف الشرط الصّريح أو الضّمني الّذي يتضمّنه كلّ عقد معاوضيّ التزاما و هذه الدّلالة الالتزاميّة فرع تماميّة العقد من حيث الأركان و أمّا إذا كان العقد متعلّقا بما كان فاقدا لمناط ماليّة المال و لا يمكن التبديل و التبدّل من حيث المدلول المطابقي فهو موجب للفساد فالدّليل على اعتبار هذا الشّرط في صحّة العقد هو عدم عدّ العرف و العقلاء ما لا يمكن تسليمه و لا تسلّمه مالا و لا يرتّبون عليه أثرا و لذا مثل الأساطين لفقد هذا الشّرط ببيع السّمك في الماء و الطّير في الهواء مع عدم اعتياد رجوعهما إلى الحالة الّتي يمكن إقباضهما و قبضهما‌

و لا يقال لو كان في هذا النّحو من المال قصور في جهة الماليّة لزم جريان قاعدة التّلف قبل البيع فيه لو فرض كونه حال العقد مثل سائر الأموال ثم قبل التّسليم صار كذلك‌

لأنّا نقول و إن كان هذا المال في عالم الاعتبار قاصرا عمّا عليه سائر الأموال إلّا أنّه ليس كالعدم بحيث يعدّ تالفا و قاعدة كون التّلف قبل القبض من مال بائعه تختصّ بما إذا تلف حقيقة و لا تشمل ما إذا نقصت ماليّته و لذا لو باع الجمد في الصّيف أو الماء في المفازة و لم يسلّمه إلّا في مكان نقصت قيمته و ضعفت اعتباريّته العقلائيّة لا يلتزمون بانفساخ المعاملة لقاعدة التّلف قبل القبض‌

و كيف كان فهذا المناط أيضا يقتضي فساد الإجارة لو لم يمكن لمالك الدّار تسليمها إلى المستأجر و لا للمستأجر تسلّمها و يقتضي الصّحة مع الخيار لو طرأ العجز للمالك أو كان المستأجر قادرا على الاستيفاء نعم استدلّ العلّامة أيضا على ذلك بالنبويّ المشهور بين الفريقين و هو نهى النّبي ص عن بيع الغرر و الظّاهر أنّه من أقضيته (صلّى اللّٰه عليه و آله) الّتي جمعها أحمد بن حنبل في مسنده و رواها عنه ص عبادة بن الصّامت الّذي هو من خيار الصّحابة و لكن أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) فرقوها في الأبواب و حيث إنّ الرّواية مشهورة و هي مستند الأصحاب في الفتوى فلا يضرّ إرسالها و أمّا دلالتها فأهل اللّغة و إن اختلفوا في تفسير الغرر فبعضهم جعله من الغرّة بمعنى الغفلة و بعضهم من التغرير بمعنى الخدعة و الإغفال و بعضهم فسّره بالخطر إلّا أنّ مرجع الكلّ واحد غاية الأمر بعضهم أخذ بالمبادي و بعضهم أخذ بالغايات و ترك المبادي و لذا فسّره بالخطر الّذي هو نتيجة الغفلة و الإغفال‌

ثم إنّ كلّا من الغرّة و الغرور و الغرر يستلزم الجهل بواقع الأمر لأنّه لو كان الشخص عالما به فإقدامه يوجب سلب هذه العناوين عنه نعم قد يكون هذه المعاملة سفهيّا و هذا أمر آخر غير عنوان الغرر فالغرر سواء كان بلحاظ سببه و هو الغفلة أو الخدعة أو بلحاظ المسبّب و هو الخطر يقتضي الجهل بما يغتر به و ما يقع في ضرره سواء كان جهلا بالوجود أو الحصول أو بصفات المبيع‌

ثم إنّ تقريب الاستدلال بالنبويّ على فساد المعاملة إذا كان المبيع مجهول الحصول كما هو مفروض البحث موقوف على ذكر محتملات النبويّ الشّريف فنقول نهيه (صلّى اللّٰه عليه و آله) عن الغرر يحتمل أن يكون حفظا للنظام و سياسة للعباد لئلّا يقعوا في المشاجرة و التنازع و يحتمل أن يكون إرشادا لدخل القدرة على التّسليم و لبيان شرطيّتها أو مانعيّة العجز نظير النّواهي الغيرية الواردة في أجزاء المركب العبادي و يحتمل أن يكون نهيا عن المسبّب كالنّهي عن بيع العبد المسلم من الكافر أو عن بيع المصحف منه و دلالته على الفساد‌

380

يتوقف على كونه على أحد الوجهين الأخيرين و الأقوى ذلك لأنّ استدلال العامّة و الخاصّة به يكشف عن كونه مسوقا لذلك و الدلالة السّياقيّة و إن كانت موقوفة على كونها قطعيّة و فهم العلماء لا يوجب الظّهور في اللّفظ و لذا لا نقول بأنّ العمل يجبر ضعف الدلالة إلّا أنّه في المقام خصوصيّة يمكن استفادة هذه الدلالة منه و هي أنّه لو لم يكن الكلام الصادر عنه ص في مقام بيان الفساد بل كان للنّصح و الإرشاد إلى ما لا يوقع في النزاع و التّشاجر لم يتمسّكوا به في باب اعتبار القدرة على التّسليم فمن ذلك يستكشف أنّ مع نهيه ص قرينة على كونه مسوقا للنّهي عن المسبّب أو شرطيّة القدرة دون المعنى الأوّل فتأمل‌

و ممّا استدلوا به على شرطيّة القدرة أيضا قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله) لحكيم بن حزام الدلال لا تبع ما ليس عندك بتقريب أنّه ليس مرجع النّهي إلى اعتبار حضور العين خارجا و إلّا لما جاز بيع الكلّي و الغائب و لا إلى اعتبار الملكيّة و إلّا كان المناسب أن يقال لا تبع ما ليس لك فلا بدّ أن يكون كناية عن المنع عن بيع ما لا يقدر عليه و ليس تحت استيلائه سواء كان منشأ عدم الاستيلاء كونه ملكا للغير أو كونه غير قادر على تسليمه فيشمل ما هو مورده و هو بيع العين الشّخصيّة المملوكة للغير ثم شراؤها من مالكها و تسليمها بعد الشراء إلى المشتري كما هو ديدن الدلّالين و بيع العين الّتي لا يقدر على تسليمها فإنّ المورد لا يوجب التّخصيص‌

و لكنّك خبير بما في هذا التقريب لأنّ عدم كون المورد مخصّصا معناه أنّ شخص حكيم بن حزام الّذي توجّه هذا النّهي إليه لا خصوصيّة فيه بل النّهي يشمل كلّ من هو يبيع مال غيره ثم يشتريه من مالكه ليسلّمه إلى المشتري و أمّا التعدّي عنه إلى المقام فهو فرع عموم للكلام و هو ممنوع‌

ثم لا يخفى ما في كلام المصنف في هذا المقام لأنّه على فرض شمول قوله ص للمقام بأن يكون ما ليس عندك كناية عن اعتبار أمرين في البيع أحدهما الملكيّة و ثانيهما القدرة على التّسليم فإخراج الفضوليّ عنه بأدلّته لا وجه له لأن من انتقل عنه الملك واجد للأمرين و عدم مالكيّة مجرى العقد و عدم كون المال تحت يده لا يضرّ بتحقّق المعاملة لأنّه أجنبيّ عن المبيع و لا يتوجّه إليه قوله ص لا تبع‌

و بالجملة اعتبار الملكيّة و كون المال تحت اليد إنّما هو في ناحية المسبّب لا في السّبب ثمّ لا وجه لاستدراكه بقوله نعم يمكن أن يقال إنّ غاية ما يدلّ عليه هذا النّبوي بل النّبوي الأوّل أيضا فساد البيع بمعنى عدم كونه علّة تامّة لترتّب الأثر المقصود فلا ينافي وقوعه مراعى بانتفاء صفة الغرر و تحقّق كونه عنده لأنّ كون البيع مراعى الّذي هو عبارة عن كونه مشروطا بالشّرط المتأخّر على النّحو الصّحيح و هو كونه مشروطا بوصف التعقّب يتوقف على دليل عقليّ أو نقليّ يساعد عليه العرف و العادة كاشتراط صحّة كل جزء من أجزاء المركّب التّدريجي بالآخر‌

و أمّا في المقام فلم يقم دليل على كون البيع مراعى بانتفاء صفة الغرر فإذا كان العجز عن التّسليم موجبا للغرر أو مشمولا لخطاب لا تبع ما ليس عندك فلا بدّ من الالتزام بلغويّة العقد رأسا ثم لا وجه لقوله (قدّس سرّه) و لو أبيت إلّا عن ظهور النبويّين في الفساد بمعنى لغويّة العقد رأسا المنافية لوقوعه مراعى دار الأمر بين ارتكاب خلاف هذا الظّاهر و بين إخراج بيع الراهن إلى آخر كلامه‌

أمّا أوّلا فلأنّ مسألتي الرّهن و العبد الجاني لا تندرجان في جامع واحد كما ذكرنا ذلك في بيع العبد الجاني و أمّا ثانيا فما للبائع من الحق في المبيع في هذه الموارد قادر على تسليمه و توضيح ذلك أنه لو كان المال مشتركا بين شخصين فعدم‌

381

قدرة كلّ منهما على تسليم جميع المال لا يضرّ بالبيع بلا إشكال لأنّ المناط هو القدرة على مقدار المبيع لا القدرة على غيره فلو قيل في باب الرّهن بأنّ للمرتهن حصّة من الإضافة المالكيّة و للراهن أيضا حصّة فبالمقدار الّذي للراهن يقدر على تسليمه و توقّف تسليم المبيع إلى المشتري على إجازة المرتهن أو فكّ الرهانة و نحوه لا يوجب عجز الرّاهن عن تسليم مقدار حقّه‌

و لو قيل إنّ ملكيّة المرتهن ملكيّة طوليّة لا اشتراكيّة بمعنى أنّ ما يملكه الرّاهن هو تحت استيلاء المرتهن فعدم قدرة الرّاهن على تسليم المبيع ليس إلّا لعدم استيلائه على أصل البيع لأنّه لا بدّ من بقاء الملك في ملكه حتّى يستوفي المرتهن حقّه ففساد بيع الرّاهن ليس من جهة عدم القدرة بل لوجود المانع‌

و بعبارة أخرى و إن كان العجز الشّرعي كالعجز الخارجي إلّا أنّ محطّ نظر الأساطين في هذا الشّرط هو عدم القدرة خارجا و لذا يمثّلون لما لا يقدر على تسليمه ببيع السّمك في الماء و الطّير في الهواء و أمّا عدم القدرة شرعا على تسليمه لتعلّق حق الغير به أو لوجه آخر من وجوه فقدان شرائط المعاوضة فهو خارج عن موضوع البحث‌

ثم على فرض شمول قوله ع لا تبع ما ليس عندك لمن لا يقدر على تسليم المبيع إلّا أنّه لا يوجب إخراج بيع الفضولي بجميع أقسامه عن عمومه أمّا بيع من لا يملك المبيع فلأنّ اعتبار القدرة على التّسليم إنّما هو في ناحية المسبّب و حيث إنّه بإجازة المالك يقع عنه فعدم قدرة موجد السّبب لا يضر بالمعاملة أصلا سواء قصد البيع لنفسه كالغاصب أو قصده عن المالك و سواء قلنا بالكشف الحقيقيّ أو الحكميّ أو قلنا بالنّقل‌

و أمّا بيع الراهن و من بحكمه كالمحجور لسفه أو رق أو فلس فبناء على كون الفضولي بجميع أقسامه على طبق القاعدة حتّى بيع الراهن و نكاح بنت الأخ و الأخت على العمّة و الخالة و نحوهما فالأمر واضح لأنّ قوله ص لا تبع ما ليس عندك و نهيه ص عن بيع الغرر لا يشمله‌

و أمّا بناء على التعبّد فيمكن دعوى عدم شمول بعض أدلّة بيع الفضولي لبيع الراهن بدون الإذن السّابق من المرتهن إلّا أنّه لا إشكال في أنّ أدلّة صحّة نكاح العبد بدون إذن المولى إذا تعقّبه الإجازة يشمله إذا أجازه المرتهن و عليك بمراجعة ما علقناه على مسألة بيع الرّاهن قبل ذلك‌

و كيف كان فعدم القدرة على التّسليم قبل إجازة المرتهن لا يضرّ بعقد الرّاهن و نحوه لأنّه لم يتمّ سبب النّقل قبلها و إنّما يتمّ بها و يؤثر العقد بتحقّقها و مجرّد أنّ العاقد و المجيز في عقد الفضولي شخصان و في عقد الراهن و نحوه للعقد حالتان لا يوجب فرقا في القدرة على التّسليم‌

و ممّا استدلّوا به على شرطيّة القدرة أنّ لازم العقد وجوب تسليم كلّ من المتبايعين العوضين إلى صاحبه فيجب أن يكون مقدورا لاستحالة التّكليف بالممتنع و لا يخفى أنّه إن كان نظر المستدلّ إلى ما ذكرناه من اعتبار القدرة في حقيقة المعاوضة من باب أنّ ما لا يمكن فيه التّسليم و التسلّم قاصر من حيث الماليّة فهو و أمّا لو كان المراد منه الوجوب الشّرعي فلو أريد منه الوجوب التّكليفي فلا معنى لتضعيفه بالترديد بين الوجوب المطلق و مطلق وجوبه و لا للاعتراض عليه بأصالة عدم تقييد الوجوب و لا لدفع الاعتراض بأصالة عدم تقييد البيع بهذا الشّرط لأنّ الوجوب التّكليفي لا يعقل أن يتعلّق بالأعمّ من المقدور و الممتنع‌

و غرض المستدلّ من قوله فيجب أن يكون مقدورا هو انحصار صحّة البيع بما إذا كان المبيع تحت استيلائه فلا بدّ أن يقال في جوابه بأنّه لم يقم دليل غير نهي النّبي عن بيع الغرر و قوله ص لا تبع ما ليس عندك على انحصار صحّة البيع بما إذا‌

382

كان المبيع تحت استيلائه‌

و بعبارة أخرى يمكن منع الملازمة بين صحّة العقد و وجوب التّسليم لا الوجوب المطلق و لا مطلق الوجوب لأنّ العقد لا يقتضي إلّا تحقّق مضمونه و أمّا وجوب التّسليم فهو إمّا من جهة الدلالة الالتزاميّة أو من أحكام حرمة التصرّف في مال الغير‌

و بالجملة نفس العقد لا يقتضي وجوب التّسليم سواء تمكّن منه أم لم يتمكّن و أمّا لو قلنا باقتضائه له فإنّما هو عند التمكن لاستحالة تعلّق التّكليف بالممتنع فلا يمكن أن يقال الأصل عدم تقييد الوجوب بالتمكّن‌

هذا مع أنّه لا أصل لهذا الأصل كما أنّه لا يمكن دفع هذا الأصل بمعارضته بأصالة عدم تقييد البيع بهذا الشّرط لأنّ هذا الأصل أيضا لا أصل له إلّا أن يرجع إلى الإطلاق و مرجعه إلى إنكار اقتضاء العقد وجوب التّسليم هذا إذا كان المراد من الوجوب هو التكليفيّ‌

و أمّا لو كان المراد منه الوضعيّ الّذي مرجعه إلى بيان شرطية القدرة في صحّة العقد فيمكن تضعيفه بالترديد بين الشّرطيّة المطلقة الّتي مقتضاها انتفاء المشروط بانتفاء شرطه و الشرطيّة المقيّدة بالتمكّن الّتي مقتضاها عدم اشتراط العقد بلزوم التّسليم حين العجز عنه‌

و ممّا استدلّوا به على اعتبارها أيضا هو أنّ الغرض من البيع انتفاع كلّ منهما بما ينتقل إليه و لا يتمّ ذلك إلّا بالتّسليم و لا يخفى أنّه لو رجع هذا إلى أنّ ما لا يمكن تسليمه ناقص من حيث الماليّة فيرجع إلى ما ذكرناه و أمّا لو كان المقصود منه أنّ الدّاعي على البيع ذلك ففيه أنّ تخلف الدّاعي لا أثر له مع أنّ الدّاعي قد لا يكون ذلك كما أنّه لا يصحّ الاستدلال لاعتبارها بأنّ بيع ما لا يمكن تسليمه سفهيّ لأنّه غير مطّرد‌

قوله (قدّس سرّه) قال و يظهر الثّمرة في موضع الشكّ إلى آخره

لا يخفى عليك أنّ ما دار على الألسن من أنّه لو تردّد الأمر بين شرطيّة أحد الضدّين و مانعيّة الآخر فبناء على الشّرطيّة يجب إحراز الشّرط عند الشكّ و بناء على المانعيّة تكفي أصالة عدم وجود المانع لا يرجع إلى محصّل و على فرض صحّة هذا الكلام فهو إنّما يصحّ فيما إذا دار الأمر بينهما في الوجوديين لا في مثل شرطيّة القدرة و مانعيّة العجز الّذي يكون التّقابل بينهما تقابل العدم و الملكة و نحن و إن أشبعنا الكلام في ذلك في الأصول و في مسألة اللّباس المشكوك فيه إلّا أنّه لا بأس بالإشارة إليه إجمالا‌

فنقول لو دار الأمر بين شرطية الشي‌ء و مانعيّة ضدّه كشرطيّة المأكوليّة و مانعيّة غير المأكول في لباس المصلّي فيظهر الثمرة بينهما في جريان البراءة لا أصالة عدم المانع سواء أريد منها الاستصحاب أو أصلا برأسه كما صرّح به جملة من الأساطين و ذلك لأنّه بناء على الشّرطيّة لو شكّ في اللّباس أنّه مأخوذ من المأكول أو غيره لشبهة حكمية أو موضوعيّة لا تصحّ الصّلاة فيه لأنّ اشتراط المأكوليّة معلوم فلا يمكن جريان البراءة في أصل الشّرطيّة نعم لو صحّت الصّلاة فيه فإنّما توجب توسعة في ناحية الامتثال و أصل البراءة لا تجري في مرحلة الامتثال‌

و أمّا بناء على المانعيّة فحيث إن منشأ انتزاع المانعيّة و هو النّهي عن لبس غير المأكول في الصّلاة ينحلّ بعدد كلّ موضوع إلى خطاب مستقلّ فيتعدّد المنتزع عنه بتعدّد الموضوع فيرجع الشكّ في المانع إلى الشكّ في زيادة قيد في متعلّق التكليف و المرجع هو البراءة‌

و أمّا أصالة العدم فلو كان مفادها غير الاستصحاب فلا دليل على اعتبارها إلّا في باب الأصول اللّفظية فإن بناء العقلاء في مورد الشكّ في التّخصيص و التّقييد و قرينة المجاز و النّقل على العدم و أمّا في غير هذا الباب فليس بناؤهم عند الشك فيه على العدم فأصالة عدم وجود‌

383

المانع عند الشكّ فيه مع قطع النّظر عن الاستصحاب ممّا لا أساس له و إن رجعت إلى الاستصحاب يدور الأمر مدار وجود الحالة السابقة و كون الأثر الشّرعي مترتّبا على النّحو الّذي له حالة سابقة‌

و ما يتوهّم من أنّ العدم أولى من الوجود بالنّسبة إلى الممكن حيث يقال إنّه من طرف علّته أيس و من طرف نفسه و ذاته ليس ففيه أنّه على فرض صحّته و عدم الالتزام بما هو المسلّم عند المحقّقين من الحكماء من تساوي الوجود و العدم بالنسبة إليه فهو إنّما يصحّ بالنّسبة إلى العدم المحموليّ المسبوق به كلّ ماهيّة ممكنة و يغني عنه الاستصحاب لأنّ للعدم المحمولي حالة سابقة فسواء كان أصل العدم حجّة مستقلّة أم لا يجري في مورده الاستصحاب فلا أثر له إلّا في موارد شاذة كتعاقب الحالتين اللّتين يتعارض فيه الاستصحابان‌

و أمّا العدم النعتي فلا معنى لأن يكون العدم بالنّسبة إليه أولى من الوجود لأن اتّصاف الممكن بالعدم النّعتي يتوقف على استمرار العدم المحمولي إلى زمان وجود المنعوت فإذا استمرّ عدم القيام مثلا إلى زمان وجود زيد يتّصف زيد بأنه لا قائم و أمّا قبل وجود زيد فليس عدم القيام نعتا له فإنّ النّعتية مساوقة لوجود المنعوت و أمّا حال عدمه فليس هناك إلّا العدم المحمولي‌

و بالجملة الاتّصاف و النعتيّة من الأمور الوجودية المتوقّفة على تحقّق موصوف يتّصف بالنّعت العدميّ و عدم الغرض بنفسه ليس مساوقا لكونه نعتا و لا يمكن قياسه على وجوده لأن وجوده مساوق لنعتيّته من باب أن وجوده لنفسه عين وجوده لعروضه و أمّا عدمه فلو استمر إلى زمان وجود ما يكون قابلا لأن يستمرّ هذا العدم فيه و أن يطرأ عليه نقيضه فاتّصافه بالنّعتية لا إشكال فيه و أمّا حين عدم وجود المعروض فلا معنى لأن يكون العدم نعتا للعدم مع أن الأعدام لا ميز لها فأصالة العدم النّعتي غير الاستصحاب لا أساس لها و أمّا الاستصحاب فجريانه أيضا يتوقف على وجود معروض يستمرّ العدم المحمولي إلى زمان وجوده فلو شكّ في أنّ البائع قادر أو عاجز يستصحب عجزه السّابق مثلا و أمّا العدم المحمولي الّذي يشكّ في استمراره في أوّل وجود المعروض كالقرشية و مخالفة الشّرط للكتاب و نحو ذلك فالاستصحاب أيضا غير جار إلّا بمفاد ليس التامّة و هو لا أثر له و إجراؤه لإحراز النعتيّة مثبت‌

و على أيّ حال ففي باب تقابل العدم و الملكة الّذي هو أحد فردي تقابل الوجود و العدم غاية الأمر هو عدم ما من شأنه أن يتّصف بالوجود لا يجري هذا النزاع بل لا بدّ من الالتزام بشرطيّة القدرة إذ العجز أمر عدميّ غير قابل لأن يكون مانعا إذ المانع هو الأمر الوجودي الّذي يمنع عن تأثير المقتضي ثم لو سلّم إطلاق المانع عليه فلا ثمرة لهذا النّزاع سواء جعل القدرة شرطا أم العجز مانعا لأن منشأ الشكّ في القدرة أو العجز تارة هو الشبهة الحكميّة أو المفهوميّة كالشكّ في أنّ الخارج عن عمومات الصّحة هو العجز المستمر أو العجز في الجملة أو الشكّ في أنّ العجز يعمّ التعسّر أو يختصّ بالتعذّر‌

و أخرى هو الشّبهة الخارجيّة فإذا كان من جهة الشكّ في الحكم فلا شبهة في أن أصالة العموم متبعة و إذا كان من جهة الشكّ في المفهوم كالمثال الثّاني فحيث إنّ المخصّص المنفصل لا يسري إجماله إلى العام يتمسّك بالعام فلا ثمرة للنّزاع بين شرطيّة القدرة و مانعيّة العجز و لو كان من جهة الشبهة الخارجية فإذا كانت الحالة السابقة من العجز أو القدرة معلومة فالمرجع هو الاستصحاب و لو لم تكن معلومة يجب الفحص أو الاحتياط كما هو الشّأن في جميع موارد الشكّ في القدرة فلا ثمرة للنّزاع أيضا‌

و لا يمكن أن يقال الأصل عدم العجز لأنّ العجز حيث إنّه عدميّ فمرجع الأصل إلى أنّ الأصل‌

384

عدم القدرة و لهذا لا أساس له بلا إشكال‌

قوله (قدّس سرّه) ثم إنّ العبرة في الشرط المذكور إنّما هو في زمان استحقاق التّسليم إلى آخره

لا يخفى وضوح ما أفاده (قدّس سرّه) سواء قلنا بأنّ التّسليم من الشّروط الضّمنية أو من باب التعبّد إمّا للإجماع و إمّا لاستفادته من النبويّين و ذلك لأنّ مناط هذا الشرط هو وصول العين إلى من انتقل إليه حين استحقاقه له فالقدرة حين العقد لا أثر لها إذا لم تكن المعاملة نقديّة و علم بعدمها حال استحقاق التّسليم كما لا يقدح عدمها حال العقد إذا كانت حاصلة حين لزوم التّسليم كما في السّلم و على هذا فلا تعتبر أصلا فيما إذا كانت العين في يد المشتري و فيما لم يعتبر التّسليم فيه رأسا كما لو باع من ينعتق على المشتري لأنّه بعد فرض صحّة هذا البيع إجماعا و بعد عدم إمكان الاستيلاء على العمودين فلازم ذلك عدم اعتبار هذا الشّرط في هذه المعاملة فلا يقال إن انعتاق المبيع من أحكام البيع و لا تترتّب عليه أحكامه إلّا إذا كان واجدا لشرائط الصّحة و منها القدرة على التّسليم فكيف يسقط ما يعتبر في صحّته بما يترتّب عليه من الأحكام‌

و هكذا لا يعتبر القدرة حال العقد فيما إذا لم يستحقّ التّسليم بمجرد العقد إمّا لاشتراط تأخيره مدّة و إمّا لتزلزل العقد كما إذا اشترى فضولا و إشكال المصنف (قدّس سرّه) في الفضولي على الكشف غير وارد لأنّه سواء قيل بالكشف أو النّقل فما لم تتحقّق الإجازة لا يستحقّ المطالبة و إن كان مالكا حال العقد بناء على الكشف إذ لا ملازمة بين الملكيّة و استحقاق التّسليم‌

و بعبارة أخرى العاقد الفضولي لا يجب عليه التّسليم رأسا و من يجب عليه هو المالك و هو ملزم به بعد إجازته الموجبة لاستناد البيع حين صدوره إليه فما لم يجز لا يكون مخاطبا ب‍ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و لا ملزما بتسليم ما باعه الفضولي حتى بناء على الكشف و اللّزوم من طرف الأصيل لا يختصّ بباب الكشف بل قد تقدّم منّا أنه ملزم بالعقد حتّى بناء على النّقل فإذا استلزم الغرر بالنّسبة إليه فلا فرق بين الكشف و النّقل و لا بين الفضولي من طرف واحد أو من الطّرفين لأنّه لو سبق إجازة أحدهما على الآخر مدّة فبين الإجازتين يقع المجيز الأوّل في الخطر و لكن قد عرفت أنّه ما لم تتحقّق الإجازة لا يستحقّ التّسليم‌

و بهذا المناط نقول بعدم لزوم التّسليم في الخيارات الزّمانيّة كالمجلس و الحيوان و نحو ذلك فإنّ لزوم التّسليم و اشتراط القدرة عليه إنّما هو بعد تماميّة أركان العقد و استحقاق المشتري التسلّم و أمّا إذا لم يتحقّق أركان العقد أو لم يستحقّ المنتقل إليه التسلّم فلا وجه لاعتبار هذا الشرط رأسا‌

و بالجملة لو سلّم وقوع الأصيل في الخطر فلا فرق بين النّقل و الكشف و لا بين الفضولي من طرف واحد و من الطّرفين لو سبق إجازة أحدهما على الآخر مدّة معتدّ بها إلّا أنّ وقوعه في الخطر ممنوع لأنّه لو وجب عليه التّسليم بمجرّد إيقاعه العقد مع الفضولي و لم يستحقّ التسلّم يقع في الخطر و أمّا إذا كان التّسليم و التسلّم من أحكام العقد التامّ و عقد الفضولي لم يكن تامّا إلّا بعد إجازة المالك و لو على الكشف فكيف يقع في الخطر و مجرّد لزوم العقد من طرف الأصيل و عدم جواز تصرّفه فيما انتقل عنه بالتّصرف المنافي للعقد الواقع مع الفضولي لا يوجب وقوعه في الخطر إذا لم يجب عليه التّسليم و كان منافع ما انتقل عنه له ما لم تتحقّق الإجازة نعم لو لم يكن للإجازة دخل في تحقّق الملك و كانت أمارة صرفة و الملك حاصلا من أوّل الأمر لكان لوقوعه في الخطر وجه و أمّا مع مدخليّتها في تحقّق الملكيّة فلا وجه له أصلا‌

و ينبغي التّنبيه على أمور‌

385

الأوّل أنّ المصنف جمع في قوله و يتفرّع على ذلك عدم اعتبارها أصلا إذا كانت العين في يد المشتري و فيما لم يعتبر التّسليم فيه رأسا إلى آخره بين ما لا يمكن التسليم فيه خارجا و ما لا يمكن شرعا و جمع أيضا بين ما يكون التّسليم فيه من شرائط تأثير العقد كالصّرف و السّلم و الرهن و ما يكون من شرائط تأثيره غير التّسليم كإجازة المالك لعقد الفضولي و إجازة المرتهن لعقد الرّاهن و جمع بين ما لا يعتبر فيه التّسليم كالمثالين الأوّلين و ما لا يجب لاشتراط تأخيره مدّة أو لتزلزل العقد مع أنّه لا يجمعها ضابط واحد أمّا المثال الأوّل فعدم اعتبار القدرة فيه ليس لعدم اشتراط هذا العقد بها بل إنّما هو لحصول النتيجة و أمّا المثال الثاني فلا يجب فيه التّسليم شرعا من باب عدم بقاء الملك لمشتري العبد و أمّا مسألة اشتراط التّأخير مدّة فلا يجب فيه التّسليم مع تماميّة أركان العقد من باب الاشتراط فيدخل تحت ضابط الخيارات الزّمانيّة و هذا بخلاف عقد الفضولي فإنّه لا يجب التّسليم عليه لعدم ارتباط العقد به و لا على المالك لعدم استناد العقد إليه قبل الإجازة‌

ثم كان الأولى أن يفرّق (قدّس سرّه) بين الفضولي و الرّهن بأن يفرض عدم القدرة بالنّسبة إلى المالك عدم القدرة الخارجيّة و أمّا في عقد الراهن فعدم قدرته إنّما هو للعجز الشّرعي‌

و على أيّ حال لا فرق بين عقد الصرف و السّلم و الرّهن و سائر العقود فإذا كان العجز عن التّسليم مانعا عن تأثير العقد أو موجبا للخيار فكذلك في باب الصّرف و السّلم و الرّهن لأنّ القبض و إن كان شرطا في هذه العقود الثلاثة دون غيرها إلّا أنّه ليس جزءا للسّبب النّاقل و ليس حكمه حكم القبول و إنّما هو شرط للملكيّة في باب الصّرف و السّلم‌

و أمّا الإلزام و الالتزام العقدي فقد تحقّق بنفس العقد و لذا اختار المشهور وجوب التّقابض كما سيجي‌ء في خيار المجلس و يدلّ عليه قوله ع فإن نزى حائطا فانز معه الوارد فيمن تفرّق بدون رضا صاحبه فإذا كان العقد تامّا تكون القدرة على التّسليم شرطا في الصّرف و نحوه فلو تعذّر يفسد العقد كما في سائر العقود نعم لو كان القبض جزءا للعقد كما هو المحتمل في عقد الرّهن فحيث لا عقد إذ لا قبض فالعجز عن التّسليم لا أثر له لأنّه بعد حصول التّسليم لا موضوع لوجوبه و قبله لا عقد إلّا على ما احتمله المصنف (قدّس سرّه) من صدق الغرر عرفا و إن لم يصدق بالدّقة العقليّة‌

و لكنّه (قدّس سرّه) استشكل فيه بأن صدق الغرر عليه إنّما هو بالنّظر البدويّ و العرف بعد الاطّلاع على الحكم الشّرعي و هو أن أثر المعاملة لا يتحقّق إلّا بعد التّسليم لا يحكمون بأنّه غرري ثم أمر بالتأمّل و وجهه أنّ الحكم الشّرعيّ بلزوم القبض لا يرفع الغرر مع العجز عن تسليم الثّمن في بيع السلم‌

الثّاني لا فرق في جهة الفساد بين ما كان المشتري عالما بعجز البائع و ما كان جاهلا سواء اعتبرنا القدرة على التّسليم من باب القاعدة لدخلها في مناط ماليّة الأموال أو اعتبرناها لحديث نفي الغرر لأنّ علم الطرف لا يوجب تحقّق ملاك الماليّة و لا يرفع الغرر إلّا إذا فسّر بالخديعة و هو خلاف الظّاهر‌

الثّالث أنّ هذا الشّرط ليس كسائر الشّرائط المعتبرة في العقود في كون المدار على وجودها الواقعي سواء كانت معلومة أو مجهولة بل يعتبر مضافا إلى ذلك علم العاقد به فلو كان في الواقع قادرا و لكنّه اعتقد عجزه لا يمكنه الالتزام العقدي و لا يرفع الخطر و مقتضى ذلك فيما لو كان في الواقع عاجزا و لكنّه اعتقد قدرته فتبيّن عجزه في زمان يعتبر فيه التّسليم هو البطلان أيضا لا الصّحة و إعطاء بدل الحيلولة لأنه لم يقم دليل على‌

386

كون الاعتقاد تمام الموضوع حتى نحكم بصحّته و يتدارك المتعذّر تسليمه ببدل الحيلولة أو إجراء حكم التّلف قبل القبض عليه‌

الرابع بعد ما اعتبرنا القدرة على التّسليم حال الاستحقاق فلو تعذّر مدّة فمقتضاه الفساد سواء كانت المدّة مضبوطة أو لا إلا إذا كانت قليلة جدّا بحيث لا يعدّ التعذّر في هذه المدّة تعذّرا و إلّا فمجرّد كون المدّة مضبوطة لا يقتضي كون التّسليم مقدورا للبائع حال استحقاق المشتري للتسلّم نعم إذا علم المشتري بعجز البائع في مدّة معيّنة و قدرته بعد ذلك لا يبعد أن يكون شراؤه و الحالة هذه متضمّنا لاشتراط تأخير التّسليم مدّة التعذّر‌

الخامس لو كان المالك عاقدا بالمباشرة فلا إشكال في أنّ المعتبر قدرة نفسه و أمّا لو كان العاقد غيره فلو كان الغير وكيلا في إجراء الصّيغة لا غير فلا أثر لقدرته و عجزه كما لا عبرة بعلمه و جهله بشرائط طلاق زوجة موكّله و أمّا لو كان وكيلا مفوّضا فلا إشكال في كفاية قدرته و في كفاية قدرة موكله لو كان عاجزا وجهان و الأقوى كفايته سواء علم المشتري بذلك أم لا لأنّه إذا كان مناط اعتبار القدرة وصول المال إلى المنتقل إليه حين استحقاقه فلو كان كلّ من الوكيل أو الموكل قادرا على التّسليم يكفي في المناطيّة و هذا لا ينافي شرطيّة القدرة في صحّة الالتزام العقدي من الوكيل و ذلك لأنّه و إن كان عاجزا عن التّسليم إلّا أنّه من حيث كونه بمنزلة الموكل و كونه بدنا تنزيليّا له يكفي قدرة الموكل في صحّة التزام التّسليم من الوكيل‌

و بالجملة ما أفاده المصنف (قدّس سرّه) من أنّ الطّرف إذا اعتقد قدرة الوكيل لا يشترط علمه بقدرة الموكل و إذا علم بعجزه يعتبر علمه بقدرة الموكل هو الصّحيح الّذي يبتني عليه قاعدة الطّوليّة فإنّه لو اعتقد قدرة الوكيل يصحّ الالتزام العقدي من المشتري و يتحقّق منه الإقدام على الشراء و إن كان الوكيل في الواقع عاجزا و هذا بخلاف ما إذا كان كلّ من الوكيل و الموكل عاجزا عن التّسليم فإنّ البيع فاسد إذا فرضنا عدم قدرة المشتري أيضا على التسلّم و خياري إذا كان قادرا‌

و في الجواهر أنّه ربما قيّد الحكم بالكفاية بما إذا رضي المشتري بتسليم الموكل و رضي الموكل أيضا برجوع المشتري إليه و بنى عليه بطلان عقد الفضولي لأنه عاجز عن التّسليم و قدرة المالك إنّما تؤثر لو بني العقد عليها و حصل التّراضي بها حال البيع لما عرفت أنّ في بيع المأذون لا يكفي قدرة الإذن مطلقا بل مع الشّرط المذكور و هو غير متحقّق في الفضولي و البناء على القدرة الواقعيّة باطل إذ القدرة المشروطة هي القدرة المعلومة دون الواقعيّة و القدرة الواقعيّة من الفضولي على التّسليم إنّما تتحقّق بإجازة المالك عقد الفضوليّ لا قبلها و المعتبر هو القدرة حال العقد إلى أن قال و لا يقال قد يحصل الوثوق للفضولي بإرضاء المالك فيتحقّق له بذلك القدرة على التّسليم حال العقد‌

فأجاب عنه بأنّ هذا يخرج الفضولي عن كونه فضوليا لأنه يدخل بذلك في المأذون بالفحوى و شاهد الحال و لو سلّمنا بقاءه على صفة الفضولي إلّا أنّ القائلين بصحّة الفضولي لا يقصّرون الحكم على هذا الفرض انتهى ملخّصا و الظّاهر أنّ صاحب هذا الكلام هو صاحب المصابيح (قدّس سرّه) و لا يخفى ما فيه أمّا أوّلا فلأنّ أصل تخصيص الحكم بكفاية قدرة الموكل بما إذا رضي المشتري بتسليم الموكل و رضي هو أيضا برجوع المشتري إليه فاسد لأنّ المناط في اعتبار القدرة هو وصول المال إلى المنتقل إليه فيصحّ أن يلتزم الوكيل بالتّسليم من باب كونه بدلا عن المالك و بما أنه مفوّض إليه البيع و لا يشمله حديث نفي الغرر أيضا لأنه مع قدرة الموكل‌

387

لا غرر على المشتري‌

و ثانيا الفضولي خارج عن باب العجز عن التّسليم تخصّصا و هو أسوأ حالا من الوكيل في أجزاء العقد الّذي لا شبهة في أنّ قدرته و عجزه لا أثر له فإنّه لا يرتبط به العقد حتّى يكون عجزه موجبا لبطلانه و‌

ثالثا لا وجه لاعتراضه على ذلك بقوله لا يقال قد يحصل الوثوق للفضولي بإرضاء المالك حتى يجيب عنه أولا و ثانيا لأنه لو اعتبر قدرة العاقد إلّا إذا رضي المشتري بتسليم الموكل فمجرّد وثوق الفضولي بإرضاء المالك لا يوجب قدرة الفضولي و ليس في البين رضاء من المشتري بتسليم المجيز و لا رضا من المالك برجوع المشتري إليه فلا محلّ لهذا الاعتراض‌

و بالجملة لا شبهة في أنّ مع قدرة كلّ من الموكل و الوكيل في تسليم المبيع يصحّ البيع‌

[مسألة لا يجوز بيع الآبق منفردا]

قوله (قدّس سرّه) مسألة لا يجوز بيع الآبق منفردا إلى آخره

هذا هو التّنبيه السّادس المتفرّع على عدم صحّة بيع ما لا يقدر على تسليمه سواء جعلنا مدرك الفساد و عدم صحّة الالتزام العقدي انتفاء مناط ماليّة المال أو جعلنا مدركه نفي الغرر المستلزم للجهل بجميع معانيه و مقتضى ذلك عدم الفرق بين الآبق و المجحود بغير بيّنة لمالكه و الضّال و المغصوب و نحو ذلك و عدم الفرق بين اليأس عن حصوله و رجائه لأنّه على جميع التّقادير لا يصحّ الالتزام العقدي بالتّسليم منجّزا و لا يندفع الغرر بمجرّد احتمال الحصول‌

ثم إنّ موضوع البحث و إن كان المبيع إلّا أنّه بناء على القاعدة المتقدّمة ينبغي أن لا يفرّق بينه و بين الثّمن‌

نعم بناء على النصّ يمكن الاختصاص بالمبيع لو لم يكن المرسل و هو نهي النّبي ص عن الغرر معمولا به على الإطلاق و لكن الظّاهر كونه معمولا به و لذا يجرون حكم البيع على سائر المعاوضات من الإجارة و المزارعة و المساقاة و نحو ذلك‌

نعم الصّلح المبنيّ على التّسالم و المسامحة لا يجري فيه حكم البيع و كيف كان فلا يمكن منع الغرر من باب أنّه بعد اليأس يكون المبيع في حكم التّلف قبل القبض المقتضي لانفساخ البيع أو من باب أنّ المشتري ما لم يتسلّم المبيع لا يجب عليه تسليم الثّمن فلا خطر عليه و إن لم يفسخ المعاملة لرجاء حصول المبيع لأنّ هذه الأحكام الشرعيّة إنّما تترتّب على العقد الصّحيح في حدّ نفسه فلا يمكن إثبات الصّحة بما يترتّب على الصّحيح و إلّا لزم أن يكون الحكم حافظا لموضوعه‌

نعم في هذه الصّورة لو اشترط المشتري الخيار لنفسه بين الفسخ و الإمضاء فلا يبعد أن يقال بعدم صدق الغرر كما أنّه لو اشترط البائع الضّمان على نفسه فكذلك و ذلك للفرق بين ما يترتّب على البيع الصّحيح و ما أخذ في نفس العقد فإنّ الأوّل لا يرفع الغرر لأنّ ترتّبه عليه فرع عدم كونه غرريّا في نفسه و أمّا ما أخذ قيدا في العقد فيلاحظ الغرر فيه بالنّسبة إلى المجموع من القيد و المقيّد‌

السّابع مقتضى القاعدة بطلان البيع و لو جعل مجهول الحصول جزء المبيع لأنّ جعل جزء من الثّمن مقابل المجهول غرريّ إلّا أنّه ثبت بالنّص جواز بيع الآبق مع الضّميمة ففي صحيحة رفاعة النّخاس قلت لأبي الحسن ع أ يصلح أن أشتري من القوم الجارية الآبقة و أعطيهم الثّمن و أطلبها أنا قال لا يصلح شراؤها إلّا أن تشتري منهم ثوبا أو متاعا فتقول لهم أشتري منكم جاريتكم فلانة و هذا المتاع بكذا و كذا درهما فإنّ ذلك جائز‌

و موثّقة سماعة عن أبي عبد اللّٰه ع في الرّجل قد يشتري العبد و هو آبق عن أهله قال لا يصلح إلّا أن يشتري معه شيئا فيقول أشتري منك هذا الشّي‌ء و عبدك بكذا و كذا درهما فإن لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى معه و الرّوايتان وردتا بطرق متعدّدة فلا إشكال في سندهما بل مقتضى ما ورد في باب ضمّ الضّميمة إلى مجهول الوجود كاللّبن في الضّرع و ما في البطون‌

388

من الحمل هو صحّة بيع الآبق مع الشكّ في حياته فضلا عن الشكّ في حصوله فأصل الحكم في الجملة لا إشكال فيه إنّما الكلام في اختصاص الصّحة بما إذا كان الآبق مرجوّ الحصول أو يصحّ مطلقا قولان و الأقوى هو الأوّل لأنّ ظاهر الرّوايتين هو رجاؤه لقوله و أطلبها أنا في الأولى و قوله في الثّانية فإن لم يقدر على العبد الظّاهر في أن مفروض السؤال كان مع رجاء القدرة فالمتعيّن هو الاقتصار على ظاهر النّص‌

نعم بناء على صحّة الشّرط المجهول ففي مورد الشكّ أيضا يصحّ على نحو الاشتراط لا جعله جزءا للمبيع ثم إنّ ظاهر الرّوايتين اعتبار كون الضّميمة ممّا يصحّ بيعها منفردا فلا يجوز ضمّ ما لا يجوز بيعه أصلا كالمنفعة و لا ما يجوز بيعها منفردا و إن صحّ مع الضّميمة أمّا الشّرط الأوّل فلأنّ ظاهرهما أنّ الضّميمة جزء للمبيع فكان البيع ينحلّ إلى بيعين فإنّ قوله ع فتقول لهم أشتري منكم جاريتكم فلانة و هذا المتاع و قوله فيقول أشتري منك هذا الشّي‌ء و عبدك ظاهر في تعلّق الشّراء بكل من الضّميمة و الآبق فلا بدّ من اشتمالهما على الشّرائط غاية الأمر أنّ العلم بحصول الآبق غير لازم إلّا أنّه يعتبر قابليّة الضّميمة للشراء و المنفعة لا يصحّ شراؤها و أمّا اعتبار كونها ممّا يصحّ بيعها منفردة فلأنّه لو ضمّ ما يتعذّر تسليمه إلى مثله لا يوجب صحّة بيع ما يفسد بيعه فعلى فرض إطلاق الرّوايتين من هذه الجهة إلّا أن مناسبة الحكم و الموضوع توجب تقييده‌

ثم لا يخفى عليك أنّ مجرّد اليأس عن الظّفر بالآبق لا يجعله في حكم التّلف حتى يقع البحث في أن أحكام التّلف قبل القبض يجري في ذلك أو لا فإنّ موضوع البحث في قاعدة التّلف هو التّلف الحقيقي و ظاهر المتن أنّه لو تلف قبل اليأس ففي تلفه على المشتري وجهان و لكنّ الأقوى أنّه لا يوزّع الثمن على الآبق فلو تلف لا يرجع المشتري إلى البائع لأنّه جعل في الرّوايتين الثّمن بإزاء الضّميمة في مورد عدم القدرة على الآبق و لا فرق في عدم القدرة عليه بين تلفه أو اليأس من حصوله و مقتضى ذلك أنّه لو تلف الضميمة قبل القبض فإن كان قبل حصول الآبق يردّ الثمن بأجمعه و لو كان بعده يوزّع الثمن لأنّه ما دام آبقا لا يقابله شي‌ء من الثمن فإذا انفسخ العقد بالنّسبة إلى الضّميمة إمّا لتلفها أو لخيار يختصّ بها كما إذا كانت حيوانا يبطل بيع الآبق أيضا ثم إنّه لو كانت الضّميمة من مالك آخر ففي صحّة العقد كلام و لو أجازه‌

[و من شرائط العوضين عدم الغرر]

[مسألة المعروف أنّه يشترط العلم بالثّمن قدرا]

قوله (قدّس سرّه) مسألة المعروف أنّه يشترط العلم بالثّمن قدرا إلى آخره

الظّاهر أنّ من شرائط صحّة البيع اتّفاقا هو العلم بمقدار الثّمن و لعلّ منشأ الاتّفاق هو الحديث المتقدم المشهور بين الفريقين و هو نهي النّبي ص عن بيع الغرر أو عن الغرر و قد عرفت أنّ الغرر بجميع معانيه يستلزم الجهل فالبيع بحكم أحدهما باطل‌

و يؤيّده التّعليل في رواية حمّاد بن ميسر عن جعفر عن أبيه ع أنه كره أن يشتري الثوب بدينار غير درهم لأنه لا يدري كم الدينار من الدّرهم فإنّه إذا كان استثناء الدّرهم من الدّينار موجبا للجهل بالثّمن لعدم العلم بنسبة الدّينار من الدّرهم فالبيع بحكم أحدهما أولى بأن يكون باطلا لأنّ الثّمن مجهول رأسا و لا ينافي ذلك ما في صحيحة رفاعة النّخاس الظّاهر في صحّة البيع بحكم المشتري لأنّ الظّاهر من هذه القضية أن بائع الجارية وكّل المشتري في تعيين القيمة لا أنّه باعها بثمن يعيّنه بعد المعاملة مع أنّه لا يمكن الأخذ بظاهر هذه الصّحيحة لأنّه لو كان البيع بحكم المشتري جائزا لم يكن وجه لقوله ع أرى أن تقوّم الجارية بقيمة عادلة‌

و بالجملة لا إشكال في تفاوت ماليّة الأموال بحسب‌

389

المقدار و الكميّة فلا بدّ من العلم بها و لا يصحّ جعل الثمن أو المثمن قابلا للانطباق على القليل و الكثير بل يستفاد من الأخبار الواردة في خصوص المكيل و الموزون وجوب الوزن و الكيل فيهما و كذا وجوب العد في المعدود إلّا أن يكون أحد هذه الأمور طريقا للآخر كما في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه ع أنّه سئل عن الجوز لا نستطيع أن نعدّه فيكال بمكيال ثم يعدّ ما فيه ثم يكال ما بقي على حساب ذلك العدد قال لا بأس‌

و على هذا فإن كان الشي‌ء مذروعا كالثّياب و نحوه فلا بدّ من ذرعه إلّا إذا كان الوزن طريقا لذرعه كالأقمشة المصنوعة بالمكائن فإنّها يعلم مقدار أذرعها بوزنها ثم إنّ ظاهر الأخبار الواردة في المكيل و الموزون و المعدود وجوب اعتبار الكيل و الوزن و العدّ فيها سواء كان عدمها غرريّا أو لا فكون الغرر شخصيّا أو نوعيّا لا دخل له في هذه الأبواب إلّا أنّ هذا الظهور متبع فيما كان مقدار ماليّة المال غير محرز إلّا بالكيل أو الوزن أو العد و أمّا إذا أحرز بالمشاهدة و نحوها فيصحّ بيعه بلا تقديره بهذه الأمور‌

و لذا جرت السّيرة على بيع مقدار من الدّهن و الجبّتين و الثلاثة من الحنطة و زبرة من الحديد لخروج هذه الأشياء عن أدلّة اعتبار الوزن‌

و توضيح ذلك أنّ المخصّص المنفصل إذا كان مجملا مفهوما يخصّص العموم به بالقدر المتيقّن منه و يتمسّك بالعموم في المشتبه ففي المقام مقتضى عمومات أدلّة البيع عدم اعتبار الكيل و الوزن و لا العدّ و الذّرع إلّا أنّه ثبت في الجملة اعتبار هذه الأمور و لكن الدّليل الدالّ عليه لا إطلاق له‌

أمّا دليل العدّ فلأنّه ليس إلّا رواية الجوز و هي ناظرة إلى جهة أخرى و هي كفاية الكيل عن العدّ و لا تدلّ على اعتبار العدّ إلّا لاستفادة كونه مفروغا عنه عند السّائل و أمّا خصوصيات اعتباره فالدّليل مجمل بالنسبة إليها‌

و أمّا أدلّة الكيل و الوزن فأظهرها هو ذيل صحيحة الحلبي و هو قوله ع و ما كان من طعام سمّيت فيه كيلا فإنّه لا يصلح مجازفة هذا ممّا يكره من بيع الطعام و ظهورها في اعتبار الكيل في المكيل لا شبهة فيه إلّا أنّها تختصّ بما كان مناط مقدار ماليّته الكيل أو الوزن مثلا و أمّا لو كان مناطه العدد و إن كان الوزن فيه ملحوظا أيضا بحيث إنّه لو نقص عن هذا الوزن كان معيوبا فلا يضرّ عدم كيله أو وزنه و كذلك تختصّ بما إذا كان عدم كيله مستلزما للجزافيّة و أمّا إذا خرج عنها و لو لكونه مضبوطا في نفس الأمر و إن كان مجهولا عند المشتري بل البائع فلا يضرّ عدم كيله و وزنه و بهذا المناط يحكم بصحّة المعاملة بالدّراهم و الدّنانير و إن لم يعلم مقدارهما من حيث الوزن فإنّ السكّة طريق إلى مقداره المقرّر عند السّلطان‌

و بهذا الوجه فصل الصّادق ع بين الدّراهم الوضاحيّة و غيرها فإنّ الدّراهم الوضاحيّة هي الدّراهم الصّحيحة الّتي لا تنقص عن الوزن شيئا و أمّا غيرها فمن جهة نقصانها الموجب للغش نهي عن المعاملة بها إلّا بعد بيان مقدار نقصها و بالجملة عدم اعتبار الكيل و الوزن في الدّراهم و الدّنانير إمّا لكون مقدار ماليّتها بالعدد و الوزن بمنزلة وصف الصحّة و إمّا لأنّ السكّة طريق إلى مقدارها فيخرج عن كونه من بيع الجزاف‌

و كيف كان فلا شبهة في صحّة بيع ما يكال بكيل مجهول عند المشتري كالغريب الوارد إلى بلد فإنّه و إن لم يعلم غير العراقي بمقدار الحقّة و لا العراقيّ بمقدار المنّ الشّاهي أو التبريزيّ إلّا أنّ المنّ أو الحقّة حيث إنّه مضبوط في الواقع يخرج المعاملة به عن كونها معاملة جزافيّة‌

390

و حاصل الكلام أنّه يستفاد من أدلّة اعتبار الكيل و الوزن أمران أحدهما أنّ اعتبارهما إنّما هو لكونهما طريقا إلى مقدار الشّي‌ء و كميّته فلو كان له طريق آخر كسكّة السّلطان و نحوها فلا دليل على اعتبارهما و بهذا المناط يصحّ شراء المكيل بلا كيل لو أخبر البائع بكيله و كان موثوقا به و يصحّ كيل المعدود و وزن المكيل ثانيهما كون البيع بدونهما جزافيا فلو لم يكن كذلك يكفي الكيل و الوزن و إن لم يعرف المشتري مقدارهما و بهذا يصحّ بيع مقدار من الطعام بما يقابله في الميزان من جنسه أو من غيره المساوي له في القيمة‌

و على أيّ حال يستفاد من هذه الأدلّة أنّ الجهل بمقدار المبيع يوجب البطلان سواء كان غرريّا أو لا و في نفس هذه الأخبار لم يعلّل مانعيّة الجهل بالغرر حتّى يبحث في أنّه حكمة للتشريع فيكون المدار على النّوع أو علّة للمجعول فيكون المدار على الغرر الشّخصي و على فرض التّعليل به فلا شبهة أنّه حكمة‌

و بيان ذلك أنّه قد بيّنا في قاعدة لا ضرر أنّه لو علّق الحكم على عنوان كالضّرر و الحرج و نحوهما يكون ذلك العنوان موضوعا للحكم و يدور الحكم مداره و بذلك يكون لا ضرر أو لا حرج حاكما على أدلّة الأحكام و لا محالة يكون الضّرر أو الحرج المنفيّ شخصيّا‌

و أمّا لو علّق الحكم على عنوان آخر غير عنوان الضّرر و الحرج و علّل بهما فلا محالة يكونان علّة للتشريع و لا يطّرد و لا ينعكس فيكون نوعيّا و الحرج ورد على كلا الوجهين ففي الحديد يكون الحرج حكمة لرفع نجاسته و في مثل مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ يكون حاكما على أدلّة الأحكام‌

و أمّا نفي الضّرر فكونه حاكما على أدلّة الأحكام لا إشكال فيه كما في قضيّة سمرة و أمّا كونه علّة للتشريع فيتوقّف على ورود هذا اللّفظ منه (صلّى اللّٰه عليه و آله) في ذيل حكمه بالشّفعة أو حكمه بكراهة منع فضل الماء و أمّا في المقام فلم يرد منه ص إلّا النّهي عن الغرر إمّا مطلقا أو في البيع من دون تعليله بعلّة فكون الحكم دائرا مدار الغرر الشّخصيّ أو النوعيّ لا موضوع له لأنّ نفس عنوان الغرر إذا كان متعلّقا للنّهي فلا محالة يدور الحكم مداره‌

نعم لهذا البحث مجال إذا استفيد من أدلّة اعتبار الكيل أو الوزن كون عدمه غرريّا فحيث إنّ اعتبارهما و كذا اعتبار العدد إنّما هو لرفع الغرر فلا محالة يكون الحكم ثابتا و لو لم يكن غرر و أمّا في الذّرع فلا دليل عليه إلّا نفي الغرر و نهيه ص عنه فلا بدّ أن يكون المدار على تحقّق الغرر‌

و لكنّك خبير بأن التّفصيل في الأبواب الأربعة لا يمكن الالتزام به للقطع باتّحاد أحكامها فلا بدّ أن يقال إذا كان إحراز مقدار ماليّة المال بالكيل أو الوزن فالجهل به يوجب فساد المعاملة و لكن ذلك إنّما هو بالنظر إلى الأمرين المتقدّمين و هما عدم طريق آخر لإحرازه و كون البيع بدون العلم بالمقدار جزافيّا و أمّا لو لم يكن كذلك كبيع مقدار من الطعام بما يقابله من جنسه فلا خصوصيّة لها أيضا‌

و ممّا ذكرنا ظهر ما في‌

[مسألة لو قلنا باعتبار الغرر الشّخصي]

قوله (قدّس سرّه) مسألة لو قلنا بأنّ المناط في اعتبار تقدير المبيع في المكيل و الموزون و المعدود بما يتعارف التقدير به هو حصول الغرر الشّخصي فلا إشكال في جواز تقدير كلّ منها بغير ما يتعارف تقديره به إذا انتفى الغرر بذلك إلى آخره

و ذلك لما عرفت من أنّه لم يعلّل اعتبار هذه التقديرات بالغرر‌

نعم يمكن أن يدّعى أنّ حكمته سدّ باب الغرر المؤدّي إلى التّنازع و على هذا فلا يدور الحكم مدار الغرر بل لا بدّ من التقدير بأحد هذه الأمور إنّما الكلام في أنّه هل يختصّ كلّ واحد منها بما يتعارف التقدير به أو يجوز التّقدير بأحد هذه الأمور مطلقا أو يفصل بين الوزن و غيره فيكتفي به في الجميع‌

391

دون غيره و الأقوى هو الأوّل‌

و توضيح ذلك أنّه لا شبهة أنّ للوزن دخلا في ماليّة الأموال غالبا حتى في المعدود إذا كان مأكولا فإنّ الجوز و البيض و نحوهما يختلف قيمته باختلاف وزنه و قد يتّفق مدخليّة عدد الشّي‌ء أو كيله أو ذرعه في ماليته و على هذا فإذا كان لحجم الشّي‌ء دخل في الماليّة لا يكفي الوزن عن الكيل كما أنّه لو كان للذّرع أو العدد دخل في الماليّة لا يكفي الوزن عنه‌

نعم يصحّ جعل الوزن طريقا إلى الذّرع أو العدد أو الكيل إذا ثبت طريقيّته لها بالامتحان و التّجربة و على هذا فلا نعرف وجها محصّلا لما أفاده المصنف (قدّس سرّه) من أنّ الكلام تارة في كفاية كل من التّقديرين في المقدّر بالآخر من حيث جعله دليلا على التّقدير المعتبر فيه و أخرى في كفايته فيه أصلا من غير ملاحظة تقديره المتعارف لأنّ الكلام إمّا فيما لا دخل لغير الوزن في ماليته و إمّا فيما له دخل فيها فإذا كان المناط منحصرا في نفس المقدار لا يجوز تقديره إلّا بالوزن إلّا أن يكون غيره طريقا مضبوطا إليه بحيث لا يتخلّف عنه أصلا أو بمقدار يتسامح فيه‌

و إذا كان للعدد أو الحجم أو الذّرع أيضا دخل يجب مضافا إلى الوزن تقدير كلّ بما له دخل في ماليّته و لا يصحّ الوزن أو العدّ بدل الكيل و لا الكيل أو الوزن بدل العدّ إلّا أن يكون طريقا مضبوطا إليه بحيث لا يتخلّف عنه إلّا بمقدار يتسامح فيه‌

و لا يدلّ رواية وهب على تقدير ما يكال بالوزن و ما يوزن بالكيل لأنّ قوله ع لا بأس بالسّلف ما يوزن فيما يكال و ما يكال فيما يوزن ليس معناه أن كلّ واحد يصحّ بدلا عن الآخر بل معناه أنّ ثمن المكيل يمكن أن يكون موزونا و بالعكس‌

و بالجملة احتمال كفاية أحد التقديرين عن الآخر أصالة من غير ملاحظة التّقدير الآخر لا وجه له فيما كان لغير المقدار و الكمّ أيضا دخل في مقدار الماليّة و عدم كفاية جعل أحدهما طريقا للآخر لا معنى له إذا كان هو في الواقع طريقا معتبرا و أمّا إذا لم يكن طريقا مضبوطا إليه بل يتخلّف بما لا يتسامح فيه فلا معنى لجواز جعله طريقا و البناء على ذلك المقدار لأنّ البناء عليه لا يخرجه عن الجهالة و إلّا لصحّ بيع الموزون مشاهدة مع البناء على أنّه مقدار خاصّ و لا يمكن قياسه بإخبار البائع بالكيل فإنّه طريق معتبر شرعيّ‌

و حاصل الكلام أنّ نيّة كون شي‌ء طريقا أو لحاظ كونه أصلا أو البناء على كونه مقدارا بمقدار خاص و نحو ذلك من الأمور البنائيّة و القلبيّة لا أساس لها في باب المعاملات فالعمدة لحاظ الرّوايات الواردة في هذا الباب فلو دلّت على أنّ نفس الجهل بالمقدار يوجب فساد المعاملة سواء كان غرريّا أو لا يجب رفعه بأحد هذه المقادير كلّ منها في مورده أو بما هو طريق إليه و على هذا فلا وجه للتّفصيل بين الوزن و الكيل كما لا وجه لجعل أحد التقديرات دليلا على الآخر لو لم يكن هو بنفسه طريقا له فإن مجرّد لحاظه طريقا لا يرفع الغرر و إلّا لصحّ بيع الموزون مشاهدة مع البناء على كونه بالوزن الخاص‌

قوله (قدّس سرّه) بقي الكلام في تعيين المناط في كون الشّي‌ء مكيلا أو موزونا إلى آخره

بعد ما ظهر الكبرى و أنّه يعتبر الكيل و الوزن في المكيل و الموزون و كذا العدد و الذرع في المعدود و المذروع فيقع البحث في الصّغرى و تعيين ما هو من المكيل أو الموزون أو المعدود أو المذروع و ما يصحّ بيعه مشاهدة‌

قد يقال باعتبار الوزن أو الكيل فيما بيع بهما في زمان الشّارع و حكم الباقي في البلدان ما هو المتعارف فيها و نسب صاحب الحدائق ذلك إلى الأصحاب و منعه صاحب الجواهر (قدّس سرّه) و قال‌

392

إن لحاظ زمان الشّارع يختصّ بباب الرّبا و أمّا بالنّسبة إلى الغرر فلا مدخليّة لزمان الشّارع فيه و أشكل المصنف عليه بما حاصله أنّ الموضوع في كلتا المسألتين شي‌ء واحد و هو المكيل و الموزون و قد حمل عليه حكمان أحدهما عدم صحّة بيعه جزافا و الآخر عدم صحّة أخذ الزيادة في بيع بعضه ببعض و الإنصاف أنّ كلمات الأعلام في المقام مضطربة‌

و دعوى أنّ الموضوع في المسألتين شي‌ء واحد لا دليل عليها فالإيراد الثّاني من المصنف عليه غير وارد كما أنّه لا يرد عليه إيراده الأوّل بمجرّد عبارة المبسوط و التذكرة و قوله في المبسوط بلا خلاف لا يدلّ على الإجماع المعتبر عندنا فإنّ الإجماع و عدم الخلاف في اصطلاح القدماء محمول على أمر آخر غير الاتّفاق الكاشف عن رأي المعصوم فإذا لم يثبت الاتّفاق على اعتبار الكيل و الوزن فيما كان مكيلا أو موزونا في عصر الشّارع فلا بدّ من التشبّث بما تقتضيه القاعدة الكليّة حتى يكون المدار عليها إلّا ما ثبت خروجه عنها‌

فنقول قوله ع ما كان من طعام سمّيت فيه كيلا لا يصلح مجازفة من القضايا الحقيقيّة الّتي أنشأ الحكم فيها على الموضوعات المقدّر وجودها فكل مصداق انطبق عليه هذا العنوان يشمله هذا الحكم سواء كان هذا المصداق مكيلا في عصر الشّارع أو لم يكن و كلّ ما لم تسم فيه الكيل أي لم يجعل له الكيل يصحّ بيعه بلا كيل سواء كان هذا الشّي‌ء مكيلا سابقا أو في خصوص عصر النّبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) أو لم يكن‌

و بالجملة هذه القضيّة حقيقيّة كسائر القضايا الشرعيّة و على فرض اختصاصها بباب الرّبا بأن يقال المدار فيه على المصداق الخارجي من المكيل و الموزون و هو الّذي كان معنونا بهذا العنوان في عصر الشّارع بحيث إذا كان شي‌ء مكيلا في عصره لا يجوز التّفاضل عليه إلى يوم القيمة و لو بيع في العصر السّابق على عصره مشاهدة أو بيع بعد عصره كذلك إلّا أنه لم يقم دليل على أنّ المدار في الغرر على الكيل في زمانه ص بحيث إنّه إذا كان شي‌ء مكيلا في المدينة المنوّرة أو في سائر البلاد في عصره ثم يباع بغير كيل و وزن في الأعصار المتأخرة يبطل بيعه‌

و ما أفاده المصنف (قدّس سرّه) في قوله ثالثا إلى آخره لا يستقيم لأنّ حاصل ما ذكره مركب من مقدمتين أولاهما أنّ ما كان ربويّا في عصر الشّارع ربويّ إلى يوم القيامة و ثانيهما أن من شرط جريان الرّبا في معاملة كون الكيل و الوزن شرطا في صحّة بيعه فضمّ المقدّمة الثانية إلى الأولى ينتج أنّ ما كان مكيلا في عصر الشّارع لا بدّ أن يكال إلى يوم القيامة و ما كان موزونا لا بدّ أن يوزن و ما يباع في عصره جزافا يصحّ بيعه كذلك و إن تعارف وزنه لعزّته و قلّة وجوده‌

و السرّ في استفادة هذه النتيجة ظاهر لأنه لو قام الإجماع على أنّ ما كان ربويّا في عصره يكون ربويا إلى الأبد و ثبت أنّ شرط الرّبا هو أن يكون الكيل أو الوزن شرطا في صحّته فيثبت الملازمة بين كون الشي‌ء مكيلا في عصره و كونه مكيلا في الأعصار اللّاحقة‌

و لكنّك خبير بما فيه أمّا أولا فلمنع المقدّمة الأولى فإنّ ظاهر أدلّة الربا أنّه يدور الحكم مدار كون الشّي‌ء مكيلا أو موزونا و هذه قضيّة حقيقيّة يدور الحكم مدار تحقّق موضوعه في كل عصر و ذلك لا يستلزم النّسخ لأنه رفع الحكم عن موضوعه لا اختلافه بتبدّل موضوعه‌

و ثانيا على فرض تسليم هذه المقدّمة و الالتزام بأنّ كلّ ما كان ربويّا في عصر الشّارع فهو ربويّ إلى يوم القيمة بأن يقيّد عنوان المكيل و الموزون بما كان‌

393

مكيلا أو موزونا في عصره لا مطلقا إلّا أنّ اشتراط جريان الرّبا في معاملة بكون الكيل و الوزن شرطا في صحّة بيعه لا ينتج إلّا أنّه من جهة التخلّص عن الرّبا و عدم التّفاضل لا بدّ من الكيل و الوزن حتى يباع الشي‌ء متساويا و أمّا اعتبار الكيل و الوزن من جهة الغرر فلا يستنتج من هذه الشّرطيّة‌

و بعبارة أخرى كون جريان الربا في معاملة مشروطا بأن يكون الكيل و الوزن شرطا في صحّة بيعه بمنزلة شرط الوجوب و أمّا كون الربا في عصره مستلزما لجريان الرّبا إلى الأبد و ملازما لاعتبار الكيل أو الوزن في الأعصار اللّاحقة فهو بمنزلة شرط الواجب فيعتبر للتخلّص من الربا الكيل أو الوزن و أمّا اعتبار أصل الكيل و الوزن في صحّة المعاملة فلا دليل عليه‌

و حاصل الكلام أنّه لو سلّمنا قيام الإجماع على أنّ ما كان ربويا في عصر الشّارع فهو ربويّ دائما و سلمنا الملازمة بين كون الشّي‌ء ربويا و كون الكيل أو الوزن شرطا في صحّة بيعه بأن رتّبنا القياس الاستثنائي و هو أن كلّ ما كان ربويا يشترط في صحّة بيعه الكيل أو الوزن و هذا ربوي فيشترط في صحّة بيعه الكيل أو الوزن إلّا أنّ هذا الإجماع مع هذا القياس لا ينتج إلّا ضدّ ما قصده المصنف (قدّس سرّه) لأنّ توقّف جريان الربا في معاملة على كون الكيل أو الوزن شرطا في صحة بيعه لا يخلو إمّا أن يكون منشؤه هو التخلّص عن الرّبا بحيث إنّه لو جعل الأثمان مقابل هذا الشّي‌ء لا جنسه يصحّ بيعه بلا كيل و لا وزن و إمّا أن يكون منشؤه أنّ قوام ماليّته بالتقدير لكونه في غاية العزّة و الغلاء‌

و على كلا التقديرين لا ينتج ما قصده بل التقدير الأخير مناقض لما قصده أمّا على الأوّل فلأن توقّف التخلّص عن الرّبا على الكيل أو الوزن لا يلازم كون الشّي‌ء مكيلا أو موزونا لأنّه يصحّ بيعه بعوض من غير جنسه بلا كيل أو وزن‌

و أمّا على الثّاني فعدم صحّة بيع الشّي‌ء بلا كيل و لا وزن لتوقّف معرفة مقدار ماليّته عليهما يقتضي صحّة بيعه بدونهما إذا صار الشّي‌ء مبذولا بحيث لا يتوقّف معرفة مقدار ماليّته عليهما فتوقّف جريان الرّبا في معاملة على كون الشّي‌ء مكيلا أو موزونا من باب توقّف ماليّته على التّقدير بهما مناقض لما ادّعاه من اعتبار الكيل و الوزن في شي‌ء كان مكيلا أو موزونا في عصر الشّارع فتدبّر جيّدا‌

هذا مع أنّه يمكن أن يقال إنّ تقييد جريان الرّبا في معاملة بكون الكيل أو الوزن شرطا في صحّة بيعه إنّما هو في مرحلة الحدوث و دون البقاء و ذلك لما يحكى عن التّنقيح من دعوى الإجماع على أنّ ما كان مكيلا أو موزونا في عصر النّبي ص في جميع البلدان أو كلّ بلد جرى فيه الرّبا و إن تغيّر بعد ذلك و ما لم يكن من أحدهما لا يجري فيه الرّبا و إن تغيّر بعد ذلك و صار من أحدهما و لازم ذلك أنّ جريان الرّبا في معاملة و إن اعتبر فيه الكيل و الوزن إلّا أنّ اعتبارهما إنّما هو في عصر الشّارع و أمّا التّغيير بعد ذلك و صيرورة الشي‌ء غير مكيل أو موزون فلا ينافي ثبوت الربا فيه و مرجع هذا الكلام إلى أنّ الربويّ في عصر الشّارع ربويّ دائما و لكن كون الشّي‌ء مكيلا أو موزونا يختلف باختلاف الأعصار‌

و حاصل الكلام أنّ ما أسنده صاحب الحدائق إلى الأصحاب من أنّ المناط في المكيل و الموزون المعتبرين في صحّة البيع ما كانا كذلك في زمان الشّارع و لو في غير مسألة الرّبا و أيّده المصنف (قدّس سرّه) من غرائب الكلام و أغرب من ذلك تمسّكه لذلك بأنّ المرجع في الألفاظ الواردة في لسان الشّارع إلى عرفه ص لأنّ هذا الكلام إنّما يتمّ في الماهيّات المجعولة منه‌

394

لا مطلق الألفاظ الواردة و المستعملة في لسانه فإنّ مرجعها إلى العرف و ذلك واضح‌

و على هذا فلو سلّم أنّ موضوع المسألتين شي‌ء واحد إلّا أنّه لو شكّ في شي‌ء كونه مكيلا أو موزونا و كونه يباع مشاهدة أو عددا أو ذرعا في عصر الشّارع فمقتضى أصالة البراءة عدم حرمة التّفاضل و إن كان من حيث صحّة البيع الأصل الفساد إلّا أن يقدّر على نحو يرتفع به الغرر‌

و كيف كان فالمسألة في غاية الإشكال من حيث الصّغرى و ما هو المناط في الكيل و الوزن و إن كان الأقوى هو ما ذكرناه من حيث ظهور القضيّة في كونها حقيقيّة فالمدار على تحقّق المصداق في أي عصر و مع اختلاف البلدان فلكلّ بلد حكم نفسه ثم إنّ استفادة كون المدار على العرف العام لو كان و مع عدمه فلكلّ بلد حكمه و مع الاختلاف في البلد الواحد فالتّخيير من الأخبار الواردة في المكيل و الموزون ليست بهذه المرتبة من الصّعوبة و الإشكال لأنّ الكلي إذا كان ذا مراتب و مقولا بالتّشكيك بالنّسبة إلى ما يندرج تحته فشموله لجميع المراتب لا إشكال فيه فقولهم (عليهم السّلام) ما كان مكيلا فلا يباع جزافا و ما كان من طعام سمّيت فيه كيلا فإنّه لا يصلح مجازفة يشمل جميع هذه المراتب‌

[مسألة إذا أخبر البائع بمقدار المبيع جاز الاعتماد عليه]

قوله (قدّس سرّه) مسألة إذا أخبر البائع بمقدار المبيع جاز الاعتماد عليه إلى آخره

لا يخفى أنّ توضيح هذا العنوان يتوقّف على ذكر أمور الأوّل أنّه لا ينبغي الإشكال في صحّة الاعتماد على إخبار البائع بالكيل و الوزن و العدّ و الذّرع لما عرفت من أنّ اعتبار هذه الأمور إنّما هو لخروج بيع الشّي‌ء عن كونه جزافا و الاعتماد على إخباره بها يخرجه عنه و تدلّ عليه مضافا إلى ذلك الرّوايات الواردة في هذا الباب فعن عبد الكريم بن عمرو قال قلت لأبي عبد اللّٰه ع أشتري الطّعام فأكتاله و معي من قد شهد الكيل و إنّما أكيله لنفسي فيقول بعنيه فأبيعه إياه على ذلك الكيل الّذي اكتلته قال لا بأس و عن ابن بكير عن رجل من أصحابنا قال سألت أبا عبد اللّٰه ع عن الرّجل يشتري الجصّ فيكيل بعضه و يأخذ البقيّة بغير كيل فقال إمّا أن يأخذ كله بتصديقه و إمّا أن يكيله كلّه و عن محمّد بن حمران قال قلت لأبي عبد اللّٰه ع اشترينا طعاما فزعم صاحبه أنّه كاله فصدّقناه و أخذناه بكيله فقال لا بأس‌

و بهذا المضمون أيضا روايات أخرى و لا يعارضها صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه ع أنّه قال في رجل اشترى من رجل طعاما عدلا بكيل معلوم و إنّ صاحبه قال للمشتري ابتع منّي هذا العدل الآخر بغير كيل فإنّ فيه مثل ما في الآخر الّذي ابتعت قال لا يصلح إلّا بكيل و قال و ما كان من طعام سمّيت فيه كيلا فإنّه لا يصلح مجازفة هذا ممّا يكره من بيع الطّعام لأنّها لا تدلّ على أنّ البائع أخبر بالكيل عن حس لأنّ قوله فإن فيه مثل ما في الآخر ظاهر في أنّه يحدس المقدار من غلبة تساوي العدلين فيه هذا مع أنّه على فرض الظّهور يحمل على الكراهة المصطلحة لصراحة تلك الأخبار في الرّخصة‌

الثّاني هل إخبار البائع بالمقدار من الأمارات التعبّديّة حتّى لا يدور حجيّته مدار الظنّ الفعلي فضلا عن الاطمئنان أو من باب كونه طريقا عرفيا إليه أو لا هذا و لا ذاك بل يدور مدار كونه رافعا للغرر و عدمه وجوه و الأقوى هو الأخير لعدم استفادة جعل الطّريقيّة لقول البائع من هذه الإخبار و ليس طريقا عرفيا مضبوطا أيضا بل يظهر من ذيل رواية أبي العطارد أنّ المدار على الوثوق و الاطمئنان فقال ع إذا ائتمنك فلا بأس‌

395

و على أيّ حال فمجرّد بناء المتعاملين على مقدار خاص لا يفيد صحّة بيع ما يكال بغير الكيل و لا يقاس على بيع العين الغائبة بأوصاف مذكورة لأنّ ذكر الوصف يخرج المبيع عن الجهالة و على هذا فلو قلنا بأنّ إخبار البائع طريق تعبّدي إلى المخبر به يكفي نفس إخباره لأن بحجيّته يرتفع الجهالة و أمّا لو قلنا بأنّه طريق عرفيّ لمعرفة مقدار المبيع فإذا لم يرتفع به الجهالة لا يصحّ المعاملة بمجرّد بناء المتعاملين على أنّه بمقدار خاصّ فتعيّن أن يكون وجه اعتباره خروج البيع بإخباره عن كونه مجازفة نظير بيع العين الغائبة بأوصاف مذكورة في العقد فإنّ ذكرها يرفع الجهالة و الخطر‌

الثّالث لو تبيّن الخلاف تخيّر المشتري بين الفسخ و الإمضاء سواء كان زائدا على ما أخبر به أو ناقصا عنه أمّا إذا كان زائدا فلأنّ الزيادة ملك للبائع و يصير شريكا على نحو الإشاعة مع المشتري و الشّركة عيب يوجب الخيار و أمّا إذا كان ناقصا فلتخلّف وصف الانضمام الّذي اشترط ضمنا و أمّا احتمال بطلان أصل المعاملة من باب تخلّف عنوان المبيع ففيه أنّه فرق بين ما إذا باع عينا بعنوان أنّها عبد فتبيّن كونها حمارا أو جارية و ما إذا باع عشرة أمنان من الحنطة و تبيّن كونها ثمانية ففيما تبيّن كونها حمارا تخلّف عنوان المبيع عرفا و عقلا و فيما تبيّن كونها جارية تخلّف عنوان المبيع عرفا لا عقلا و على أيّ تقدير يبطل البيع لأنّ مناط مالية الأموال بصورتها النوعيّة العرفيّة لا بالمادّة المشتركة بين جميع الأشياء و لذا لا فرق في مورد تخلّف العنوان بين جعله موضوعا كما لو قيل بعتك العبد أو جعله وصفا أو شرطا كما لو قيل بعتك هذا الّذي هو عبد أو بعتك هذا إن كان عبدا‌

و أمّا إذا تخلّف مقدار البيع فلا وجه لبطلان أصل البيع بل إمّا يبطل البيع بالنّسبة إلى المقدار النّاقص أي ينحلّ البيع إلى بيوع متعدّدة بالنّسبة إلى كلّ منّ و إمّا يصحّ البيع بالنّسبة إلى الجميع و يحسب النّقصان كتخلّف الوصف الّذي لا يوزع الثّمن بإزائه و على كلا التّقديرين فلا وجه لاحتمال فساد البيع‌

و لا يقال حكم تخلّف المقدار كتخلّف عنوان المبيع لأنّ كلّا منهما ممّا يتوقّف صحّة البيع عليه فكما أنّه لا يصحّ البيع إذا كان العنوان مجهولا فكذا يفسد إذا كان المقدار مجهولا و كما أنّه لو باعه بعنوان خاص فتخلّفه موجب للبطلان فكذلك لو باعه على مقدار خاصّ فلا بدّ أن يكون تخلّفه موجبا للبطلان رأسا‌

لأنّا نقول فرق بين مقدار الماليّة و عنوان المبيع فإن كلّا منهما و إن كان من شرائط صحّة البيع إلّا أنّ تخلّف العنوان يوجب تغيير ما هو المبيع رأسا و هذا بخلاف تخلّف المقدار فإن المبيع لم يختلف إلّا من حيث انضمام متّفقي الحكم و القيمة فانحلال العقد بالنّسبة إلى الثّاني هو المتعيّن دون الأوّل‌

و بالجملة تخلّف المقدار ملحق بتخلّف الوصف لا بتخلّف العنوان و إن شئت قلت فرق بين شرائط صحّة البيع فما هو راجع إلى عدم الغرر فتخلّفه لا يوجب إلّا الخيار و ما هو راجع إلى الصورة النوعيّة للمبيع فتخلّفه يوجب البطلان و إن شئت قلت فرق بين الأوصاف المشترطة في البيع صريحا أو ضمنا فالأوصاف إذا كانت خارجية ككتابة العبد و نحوها بحيث لا يتوقّف صحّة البيع عليها فتخلّفها لا يوجب إلّا الخيار بين الفسخ و الإمضاء بتمام الثمن‌

و أمّا إذا كانت داخليّة كمقدار المبيع بحيث يتوقّف صحّة البيع على العلم‌

396

بها فتخلّفه يوجب الخيار بين الفسخ و الإمضاء بمقدار من الثمن و هذا هو الأقوى فإنّه لا وجه لإلحاق نقص المقدار بتخلّف وصف الكتابة فإنّ بإزاء وصف الكتابة لا يقع جزءا من الثّمن و إنّما يصير وجوده منشأ لزيادة قيمة الموصوف به‌

و أمّا المقدار فالثمن يوزع عليه فإذا بيع عشرة أمنان بعشرة دراهم فقد قوبل كلّ منّ بدرهم فإذا تبيّن نقص المبيع و كونه ثمانية فلا محيص إلّا من نقص درهمين فله الإمضاء مع استرداد التّفاوت و له الفسخ لتخلف وصف الانضمام الّذي اشترط ضمنا‌

و ما اختاره شيخنا الأستاذ مد ظلّه في الوسيلة من أنّه لو اشترى عشرة أمنان الّتي هي هذه الصبرة فتخلّفه موجب للخيار مع التّقسيط و أمّا لو اشترى هذه الصّبرة الخارجيّة مقدّرة بكونها عشرة أمنان فتخلّفه موجب للخيار بلا تقسيط لأنّ حكمه حكم تخلّف الشّرط و المبيع نفس العين الخارجيّة و هكذا الحكم فيما لو كانت الأجزاء مختلفة من حيث الجودة و الرّداءة كما لو اشترى عشرة أجرب الّتي هي هذه الأرض أو اشترى هذه القطعة المحسوسة مقدرة بكونها عشرة أجرب لم يتّضح لنا وجهه و أنّ اختلاف التّعبير لا يغيّر الواقع و المقدار دائما جزء المبيع سواء كان كيلا أو وزنا أو عددا أو ذرعا‌

و إن جعل في مقام التّعبير شرطا و جعل عنوان المبيع نفس العين الخارجيّة فالجزء دخيل في قوام المعاملة و العوض يقع بإزاء كلّ جزء جزء فعدم وجود مقدار من المبيع يوجب استرداد مقدار من الثّمن و أمّا الأوصاف الخارجيّة كالكتابة و نحوها فهي و إن كانت دخيلا في عالم اللبّ في زيادة الثّمن إلّا أنّ العوض لا يقع في مقام الإنشاء المعاملي إلّا بإزاء الموصوف‌

و بالجملة المقدار متوسّط بين الصّور النّوعيّة و الأوصاف الخارجيّة فمن جهة ملحق بالصّور النّوعيّة فيستردّ من الثّمن بمقدار النّاقص و من جهة ملحق بالأوصاف فتخلّفه موجب للخيار‌

و بعبارة أخرى من جهة داخل في الالتزام الأولى الّذي هو نفس المنشأ بالعقد و من جهة داخل في الالتزام الثّانوي أي التزام في التزام و تخلفه لا يوجب بطلان أصل المعاملة ثم إنّه لا وجه لثبوت الخيار للبائع فيما تبيّن زيادة المقدار الّذي أخبر به لأنّه و إن صار شريكا مع المشتري بنحو الإشاعة إلّا أن كلّ شركة لا تقتضي ثبوت الخيار فإنها و إن كانت عيبا إلّا أنّه ما لم يدخل ضدّه و هو السّلامة عن العيب تحت الالتزام الضّمني فتحقّقه لا يوجب الخيار فالزّيادة توجب الخيار للمشتري لأنّ المبيع الّذي انتقل إليه لو لم يكن مفروزا فهو معيوب لأنّه اشترط ضمنا كونه مفروزا و أمّا البائع فيثبت له الخيار لو كان في الثّمن شركة‌

و أمّا الشّركة في المثمن فلا وجه لكونها موجبا للخيار و هذا من غير فرق بين علم البائع بالزيادة و جهله لأنه على أي حال لم يشترط على المشتري عدم الشركة فلا يملك عليه شيئا‌

[مسألة قال في الشّرائع يجوز بيع الثّوب و الأرض مع المشاهدة و إن لم يمسحا]

قوله (قدّس سرّه) مسألة قال في الشّرائع يجوز بيع الثّوب و الأرض مع المشاهدة و إن لم يمسحا إلى آخره

لا يخفى أنّ ما يصحّ بيعه بالمشاهدة على قسمين قسم لا يعتبر فيه الكيل و الوزن و العدّ و المساحة من جهة مبذوليّته و كثرة وجوده بحيث يتسامح فيه قلة و كثرة و لا يعد بيعه بلا تقدير مجازفة و قسم تكون المشاهدة طريقا معتبرا لمعرفة مقداره بحيث لا يتخلّف عادة إلّا بمقدار يتسامح فيه و أمّا لو لم يكن من هذين فلا وجه للقول بصحّة بيعه كذلك و مجرّد كون المبيع مختلف الأجزاء لا يوجب صحّة بيعه بالمشاهدة لا سيّما في مثل قطيعة الغنم الّتي تتفاوت ماليّتها‌

397

قلة و كثرة حسب أفراد القطيعة‌

[مسألة بيع بعض من جملة متساوية الأجزاء]

قوله (قدّس سرّه) مسألة بيع بعض من جملة متساوية الأجزاء كصاع من صبرة مجتمعة الصّيعان أو متفرّقتها أو ذراع من كرباس أو عبد من عبدين و شبه ذلك يتصوّر على وجوه إلى آخره

لا يخفى أنّ الوجه الأوّل و هو بيع الكسر المشاع لا ينبغي الإشكال في صحّته من غير فرق بين أن تكون الجملة الّتي يباع بعضها متساوية الأجزاء من حيث الصّفة المستلزمة لتساوي قيمتها و أن تكون مختلفة كأحد العبدين و إحدى الشّاتين فإنّهما قيميّان لاختلاف أفرادهما غالبا لأنّه كما لو باع صاعا من صبرة مشتملة على عشرة أصوع فقد باع عشرا من الصّبرة فكذا لو باع عبدا من العبدين فقد باع النّصف من كلّ منهما لأنّ نسبة المبيع إلى الجملة في الأوّل هي العشر و نسبته إليها في الثّاني النّصف‌

و دعوى أنّ ظاهر الثّاني هو الوجه الثّاني أو الثّالث من وجوه بيع البعض من الكلّ لا الوجه الأوّل و هو الكسر المشاع لا شاهد لها لأنّ غاية ما يدعى من الفرق بين الصّبرة و العبدين أمران أحدهما انصراف إطلاق المبيع في قوله بعتك عبدا من العبدين إلى واحد منهما إمّا على الوجه الثّاني أو الثالث لا إلى النّصف من كلّ منهما و ثانيهما توقّف الحمل على الإشاعة في مورد العبد على تنزيل العبدين منزلة أمر واحد حتّى يباع جزء مشاع منه و لا يتوقّف على هذا التّنزيل في مثل الصّبرة لأنّها بنفسها أمر واحد خارجيّ‌

و بعبارة واضحة الوحدة الحقيقيّة أو الاعتباريّة اللّازمة في كلّ مركّب هي موجودة بنفسها في الصّبرة و هذا بخلاف الوحدة في العبدين فإنّها لا حقيقيّة و لا اعتباريّة معتبرة من الشّارع أو العقلاء بل إنّما تتحقّق بنفس اعتبار المتعاقدين و الإنشاء الواحد لا يمكن أن يتكفّل أمرين الأوّل تنزيل الشّيئين منزلة شي‌ء واحد و الثّاني بيع الكسر المشاع في المجموع‌

و لكنّك خبير بأنّ هذين الفرقين غير فارقين أمّا الانصراف فلأنّه ليس الكلام في مقام الإثبات حتى يدعى انصراف المطلق إلى بعض أفراده بل في مقام الأقسام بحسب الثّبوت و أنّه لو قصد البائع من قوله بعتك عبدا من العبدين نصفا من كلّ منهما فما حكمه‌

و بعبارة أخرى عدم ظهور الكلام فيما قصده المتبايعان لا يوجب الفرق بين المثال و غيره من الأمثلة بحسب التصوّر و أمّا توقّف الكسر المشاع في الثّاني على التّنزيل فهذا لا يضرّ بصحّة بيع الكسر المشاع فإن اعتباره لا مئونة له و لا يلزم أن يتكفّله الإنشاء حتى يقال إنّه لا يمكن الجمع بين اللّحاظين في إنشاء واحد‌

و بالجملة لا فرق بين متّفق الأجزاء و مختلفها هذا كلّه لا إشكال فيه و إنّما الكلام في تصوير الكسر المشاع و أنّ الشّركة الحاصلة في المبيع على أيّ كيفيّة فنقول ذهب أكثر المتكلّمين و بعض الحكماء قبل ظهور الإسلام إلى أنّ مادّة الجسم المطلق هي الأجزاء الّتي لا تقبل القسمة لا خارجا و لا ذهنا و يسمّى كل جزء من هذه الأجزاء بالجوهر الفرد و الجزء الّذي لا يتجزّى‌

و ذهب النّظام إلى أنّ الجسم مؤلّفه من أجزاء غير متناهية و إخبار بعض المحقّقين من المتكلّمين و جمهور الحكماء إلى بطلان الجزء الّذي لا يتجزّى و على فرض تحقّقه فليس هو مادّة الجسم المطلق و صار بطلان عدم قابليّة الجزء للقسمة من أوضح البديهيّات في عصرنا لأنّ كلّ متخيّر بالذّات أي كلّ ما هو قابل للإشارة الحسيّة إليه لا بدّ أن يكون ما يحاذي منه جهة الفوق غير ما يحاذي منه جهة التحت و كذا باقي الجهات السّت فلا محيص من أن يكون منقسما و إن لم يكن فعلا كذلك و لم يكن لنا آلة لتقسيمه‌

هذا مضافا إلى‌

398

ما يرهنوا عليه من لزوم تفكّك الرّحى و نفي الدائرة و هكذا بطلان مذهب النّظام صار بديهيّا لأنّه لو كان الجسم مركبا فعلا من أجزاء غير متناهية يلزم امتناع قطع مسافة معيّنة في مدّة متناهية إلّا بالطّفرة‌

إذا عرفت ذلك فحيث إنّ الجزء قابل للقسمة فمعنى الشّركة على الإشاعة أن كل جزء يفرض في الجسم فكل واحد من الشّريكين المتساويين مالك لنصف هذا الجزء لا أنّ كلّ واحد مالك في تمام الجزء و لا أن لكلّ واحد جزءا خاصّا واقعا غير معلوم ظاهرا‌

نعم لو انتهى الأمر إلى الالتزام بصحّة الجزء الّذي لا يتجزّى فلا محيص إلّا عن القول بأنّ كلّ واحد منهما مالك لجزء معيّن أو مالك لتمام هذا الجزء‌

و على هذه المسالك يبتني القولين في قسمة المشاع من أنّها بيع أو إفراز حقّ فإنّ كونها إفراز حقّ ملازم لأن يكون كلّ واحد شريكا مع الآخر في كلّ جزء بحسب نسبة الملك بأن يكون نصفه أو ثلثه أو غير ذلك من الكسور لأحد الشّريكين و الباقي للآخر و حيث إنّ النّصف من كلّ جزء أمر كلّي قابل للانطباق على النّصف من أيّ طرف من الجسم فبالقسمة يميز و يخرج عن الإبهام و الكليّة و يعيّن في الطّرف الشّرقي أو الغربي و كونها بيعا ملازم لأن يبيع كلّ واحد إضافته بالنّسبة إلى هذا الجزء بإضافته بالنّسبة إلى الجزء الآخر‌

و بالجملة من التزم بالجوهر الفرد و الجزء الّذي لا يتجزّى فإمّا أن يلتزم بأن كلّ جزء له مالكان حتّى يمكنه تصوير الإشاعة و إمّا أن يلتزم بأن بعض الأجزاء بتمامه ملك لأحد الشّريكين واقعا و بعضه بتمامه ملك للآخر كذلك إلّا أنّه غير متميّز خارجا و أمّا القائل بأنّ الجزء قابل للقسمة إلى ما لا نهاية له فمعنى الإشاعة على مختاره عدم تمييز الكسر المشاع و كونه كليّا قابلا للانطباق على كلّ كسر [1] و كيف كان فلا إشكال في صحّة بيع بعض من جملة متساوية الأجزاء على نحو الإشاعة‌

و أمّا الوجه الثّاني و هو أن يبيع صاعا من الصّيعان أو واحدا من العبدين فالمشهور فيه هو البطلان و استدلّوا له بوجوه أربعة فبعضهم استدل بالجهالة الّتي يبطل معها البيع إجماعا و آخر استدلّ بأنّ الإبهام في البيع مبطل له و ثالث استدلّ‌

____________

[1] و لا يخفى أنّ الجمع بين ما اخترناه من معنى الإشاعة و هكذا ما اختاره بعض من أنّ لكلّ جزء مالكين على نحو الملك الضّعيف و بين ما اختاره الخاصّة من أنّ القسمة إفراز حقّ أو تعيين حقّ ممتنع لأنّه لو فرضنا عبدين مشتركين بين وارثين فتقسيمهما و جعل أحدهما لأحدهما و الآخر للآخر لا يعقل إلّا بأن يجعل عوض النّصف من هذا العبد النّصف من الآخر أو تبديل الإضافتين الضّعيفتين فيهما بإضافة قويّة في واحد منهما و هذا يوافق مذهب الجمهور من أنّ القسمة بيع نعم لو اخترنا ما يظهر من صاحب الجواهر من أنّ المراد من إشاعة الشّركة لو لا الإجماع دوران حقّ الشّريك بين مصاديق الكلّي و أن كلّ واحد منهما مالك لجزء خاصّ واقعا فكون القسمة إفراز حق و تميز حق و تعيين حقّ و نحو ذلك من العبارات في كمال الوضوح و هو اختار هذا المعنى لوجوه يرد على الإشاعة بذلك المعنى الّذي اخترناه و هي عدم إمكانها في الجزء الّذي لا يتجزّى و في قسمة الوقف من الطّلق لاستلزامه صيرورة بعض أجزاء الوقف طلقا و بعض الطّلق وقفا و غير ذلك من المحاذير الّتي ذكرها في كتاب الشّركة إلّا أن يقال لا ينافي ما ذكرناه من معنى الإشاعة مع ما ذكروه في باب القسمة لأنّ غرضهم في باب القسمة من أنّها إفراز حقّ أنّها ليست بيعا و لا صلحا و لا غيرهما من أنواع المعاوضات بل هي أمر برأسها لا تجري فيها أحكام العقود و هذا لا ينافي استلزامها المعاوضة و مرجع القسمة في الحقيقة إلى إبطال الإشاعة و إحداث نحو آخر من الملك و لتمام الكلام محلّ آخر و على أيّ حال فالالتزام بأنّ في إرث العبدين كلّ واحد من الوارثين يرث نصف المجموع لا نصف كل واحد منهما كما هو ظاهر صاحب الجواهر خلاف ظاهر كلمات المشهور في الإشاعة (منه عفي عنه)

399

بالغرر و رابع بأنّ الملك صفة وجوديّة محتاجة إلى محلّ تقوم به و لا يخفى أنّ هذه الوجوه لا تجري في موضوع واحد فإنّ الثاني و الرابع يجريان على تقدير و الأوّل و الثّالث يجريان على تقدير آخر‌

و توضيح ذلك أنّ البيع تارة يتعلّق بأحدهما المفهومي و أخرى بأحدهما المصداقي أي تارة متعلّق البيع ليس له واقع بل المبيع قابل لأن يكون هذا العبد أو ذاك و يعبر عنه بالفرد المنتشر و الفرد المردّد و أخرى يكون له واقع معيّن غير معلوم عند المشتري أو البائع أيضا و يعبّر عنه بالنّكرة‌

و بعبارة أخرى تارة المبيع نظير متعلّق التّكليف في قوله جئني برجل و أخرى من قبيل جاء رجل من أقصى المدينة و هذان المعنيان هما محلّ النزاع في مورد القرعة فقيل بأنّها تختصّ بما إذا كان له واقع معيّن و مشتبه عند المكلّف كالموطوءة المجهولة في قطيع الغنم‌

و قيل بأنّها تجري في تعيين المطلقة المجهولة بحسب الواقع و في تعيين الزائدة على الأربع إذا أسلم الكافر و كانت زوجاته زائدة عنها فإذا كان المبيع أحدهما المفهومي الّذي ليس له وجود متأصّل و لا منشأ انتزاع أي ليس له ما بحذاء كالجواهر و الأعراض و لا منشأ انتزاع لا من الذّاتيات كالعليّة و المعلوليّة و لا من قيام إحدى المقولات بمحالها كالقبليّة و البعديّة و التقدم و التأخّر بل كان صرف اعتبار و اختراع يجري فيه الوجه الثّاني من أنّ المبيع مبهم‌

و لذا منع العلّامة في التذكرة عن بيع أحد العبدين الشاهدين مع كونهما متساويين في القيمة و يجري فيه أيضا الوجه الرابع فإنّ البيع لم يتعلّق بمحلّ معيّن و أحدهما على سبيل البدل غير قابل لقيامه به لأنه أمر انتزاعيّ صرف من دون أن يكون له منشأ انتزاع صحيح لا من الذاتيّات و لا من قيام أحد الأعراض بمحلّه‌

و أمّا لو كان أحدهما المعيّن و إن كان مجهولا عند أحدهما أو كليهما فيجري فيه الوجه الأوّل و الثّالث نظير ما إذا باع أحدهما بعد تلف الباقي هذا و لكنّه يمكن أن يقال إنّ نظر الأصحاب في هذا الوجه هو خصوص ما إذا لم يكن لمتعلّق البيع واقع معيّن بل باع صاعا أو عبدا مردّدا بين ما يمكن صدقه عليه من الأفراد المتصوّرة في المجموع و لا ينافي ذلك استدلالهم على البطلان بالجهالة و الغرر لتخيّلهم جريانهما في المبهم الغير المعيّن حتى في الواقع غاية الأمر لنا منع كون الواحد على سبيل البدل مجهولا‌

و على فرض صدق الجهالة عليه نمنع كون البيع بهذا النّحو من الجهالة باطلا ثم نمنع كونه غرريّا مع فرض تساوي الأفراد في الصّفات الموجبة لاختلاف القيمة‌

و بالجملة عمدة الوجوه فيما هو محطّ نظر الأصحاب هو الوجه الثّاني و هو ما إذا لم يكن لمتعلّق البيع واقع معيّن و منشأ بطلانه هو أنّه و إن لم يقم دليل خاصّ على أنّ الإبهام في البيع مبطل له إلّا أنّ توقّف البيع على وجود محلّ يقوم به لا يمكن إنكاره فإنّ الملكيّة و إن لم تكن أمرا خارجيّا و صفة وجوديّة بل من الاعتباريات إلّا أنّ هذا الأمر الاعتباري لا بدّ له من محلّ يقوم به فإنّ البيع الّذي هو تبديل طرف الإضافة لا بدّ له من المضاف إليه و أحدهما المردّد الغير المعيّن لا يعتبره العقلاء طرفا للإضافة الملكيّة و لا يمكن قياس أحدهما المبهم ببيع الكلّي في الذمّة فإنّه و إن لم يكن موجودا خارجيّا فعلا إلّا أنّ الذمّة أمر وسيع يعتبره العقلاء ملكا و هذا بخلاف ما إذا باع أحدهما المردّد فإن المفروض أنّ هذا المفهوم ليس من المفاهيم المتأصّلة كالرّجل و المرأة أو البياض و السّواد و لا من المفاهيم الانتزاعيّة الّتي لها‌

400

منشأ انتزاع خارجيّ كالعلّيّة و المعلوليّة و التقدم و التأخّر فإنّه لو كان كذلك لأمكن أن يتعلّق التّكليف و الوضع به كما يقال جئني برجل أو تقدّم إلى كذا‌

و أمّا المفهوم الانتزاعي الصّرف الّذي ليس له وجود خارجيّ و لا منشأ انتزاع صحيح فمقتضى القاعدة الأوّليّة عدم تعلّق البيع به لأنّ المفروض أنّه لم يتعلّق البيع بأحد العبدين الموجودين في الخارج الغير المعلوم عند المشتري أو البائع أو كليهما بل تعلّق بهذا المفهوم الصرف القابل للانطباق على كلّ واحد على البدل و لا يمكن قياسه أيضا بالواجب التّخييري فإنّه مضافا إلى الإشكال في تصوير تعلّق التّكليف بأحد الشّيئين على البدل من دون إرجاعه إلى الجامع و من دون جعل الواجب أحدهما و مسقطيّة الآخر عنه أنه قام الدليل على التّخيير كقيام الدّليل على صحّة بيع أحد العبدين على ما ادعاه الشّيخ و إن كان الحقّ عدم دلالته على المدّعى‌

و لذا قال في الوسائل بعد ما نقل الرّواية أقول وجهه بعض علمائنا بوقوع البيع على نصف العبدين و محلّ البحث هو الصّحة بمقتضى القاعدة و قد عرفت أنّها تقتضي عدم صحّة تعلّق البيع و لا سائر العقود و الإيقاعات بالأمور الانتزاعيّة الوهميّة لعدم صلاحيّة الكلّي الانتزاعي لقيام البيع و النّكاح و الطّلاق به‌

و العجب من الشّيخ (قدّس سرّه) أنّه تعدّى عن البيع إلى الطّلاق أيضا على ما حكي عنه في مبسوطه فقال بصحّة طلاق إحدى الزّوجتين و استخراجها بالقرعة مع أنّه لم يرد فيه نصّ و بالجملة لو قام دليل تعبّدي على ذلك نقول بصحّته لأنّ للشّارع الحكم بملكيّة أحد العبدين و طلاق إحدى الزّوجتين كحكمه ببينونيّة الزائد على الأربع فيمن أسلم على الزيادة و أمّا لو لم يقم دليل خاصّ فالعمومات لا تقتضي صحّتها لأنّ هذه العناوين لا يمكن أن تقوم بالمبهم فلا تندرج في مسمّى البيع و الطّلاق و النّكاح فلا يمكن الاستدلال لصحّتها بالعمومات و الإطلاقات الواردة في هذه الأبواب‌

و حاصل الكلام أنّ الملكيّة و الزّوجيّة و البينونة و نحوها و إن لم تكن من الصّفات الخارجيّة إلّا أنّها في نظر العقلاء في حكمها فكما لا يمكن وجود الحموضة في محلّ مردّد و لا البياض و السّواد في محلّ مبهم و هكذا سائر الأعراض من الكم و الفعل و الانفعال و الجدة فكذلك الجدة الاعتباريّة و الزوجيّة و الطّلاق إلّا أن يقوم دليل تعبّدي على ذلك كالإجماع على وقوع العتق على المبهم لأنه يمكن أن يرد من الشّارع أن أثر قوله أعتقت أحد العبدين انعتاق أحدهما فيستخرج بالقرعة أو نحوها من الطّرق المعتبرة لتعيين المبهم‌

ثم إنّ مقتضى ذلك أنّه و لو اتّفق المتبايعان على الترديد لم يصحّ البيع و أمّا لو اختلفا فادّعى المشتري الإشاعة و قال البائع أردت معيّنا أو مبهما فالقول قول مدّعي الصّحة إلّا أن يكون هناك ظهور لفظيّ في الإبهام فإنّ الأصل العملي لا يعارض الظّواهر اللّفظيّة و لا يبعد أن يكون الظّهور في مثل العبيد و نحوها من الأمور المتباينة و في مثل الصّيعان المتفرّقة مع من يدعي البطلان‌

و أمّا الوجه الثّالث و هو أن يبيع صاعا كليّا فالأقوى صحّته لأنّه و إن أضاف الصّاع إلى الصّبرة و لم يجعله كليّا مطلقا إلّا أنّه مع هذا لم يخرج عن الكليّة لأنّه لا فرق بين أن يبيع صاعا في الذمّة و أن يبيع صاعا من الصبرة غاية الفرق أنّ الثّاني يكون من الكلّي في المعيّن‌

و أمّا الفرق بين الكلّي في المعيّن‌