منية الطالب في حاشية المكاسب‌ - ج1

- الميرزا محمد حسين الغروي النائيني المزيد...
415 /
401

و أحدهما المبهم ففي غاية الوضوح فإنّ المبيع في الثّاني جزئي خارجيّ مردّد بين هذا الفرد و الفرد الآخر و وجه فساده إبهام المبيع لأنّ ما في الخارج ليس إلّا هذا بخصوصيّته و ذاك بخصوصيّته فكلّ واحد هو هو بنفسه لا مردّدا بينه و بين غيره فأحدهما المردّد مفهوم انتزاعيّ وهميّ لا من المفاهيم المتأصلة و لا منتزعة عن منشإ انتزاع صحيح فلا يصحّ تعلّق البيع به و أمّا المبيع في الأوّل فهو أمر كلّي و هو طبيعيّ الصّاع غاية الأمر ينحصر مصاديقه في أفراد تلك الجملة‌

ففي القسم الثّالث جميع الخصوصيات الفرديّة خارجة عن المبيع و هذا بخلاف القسم الثّاني فإنّه فرد مردّد و لا محيص إلّا عن دخول الخصوصيات في المبيع إذا كان فردا و بعبارة أخرى المبيع تارة نفس الطبيعيّ و أخرى هو الفرد المنتشر في الجنس و هو يحصل بدخول تنوين التنكير في الجنس‌

ثمّ إنّه ظهر ممّا ذكرنا في طيّ تصوير هذه الوجوه الثّلاثة أنّ هنا وجها آخر و هو بيع أحدهما المعيّن عند البائع المجهول عند المشتري و لا ينبغي الإشكال في بطلانه و أن حكمه حكم الوجه الثاني و قد ذكرنا أنّ هذا الوجه خارج عن محطّ كلمات الأساطين في بيع بعض من جملة متساوية الأجزاء أو مختلفتها فانحصر الوجوه في ثلاثة بحسب الثّبوت‌

و أمّا بحسب ظاهر المعاملة فلو كانت الجملة كالعبيد المتباينة أو الصيعان المتفرقة فظهور الكلام يقتضي الحمل على الوجه الثّاني لا الحمل على الإشاعة و لا الكلي في المعيّن فيفسد البيع لأنّ مع تفرّق الأجزاء يمتنع الحمل على الكلّي لأنّ الكلّي هو الّذي لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين فيتوقّف صدقه على شي‌ء على خروج الخصوصيات الفرديّة عن المبيع و مع تفرّق الصّيعان فكلّ صاع لا محالة يشتمل على خصوصيّة و فرض إلغاء الخصوصيّات و جعل المجموع صبرة واحدة لا يرفع ظهور البيع في تعلّقه بالفرد المنتشر‌

و هكذا يمتنع الحمل على الإشاعة لأنّ عنوان المبيع في المشاع أيضا كلّي لأنّ التّسع أو العشر و نحو ذلك ينطبق على التّسع أو العشر من هذه الصّبرة من طرف الشّرق أو الغرب على أحد معاني الكسر المشاع أو ينطبق على كلّ جزء من أجزاء الحنطة الّتي في هذه الصّبرة شرقا أو غربا يمينا و شمالا فوقا و تحتا على المعنى الآخر من الكسر المشاع‌

و على أيّ حال الكسر المشاع أيضا كلي كالكلّي في المعيّن بل الصّاع من الصّبرة على الإشاعة كلّي من جهتين إذا لم يكن مقدار الصّبرة معلوما الأولى قابليّة انطباقه على كلّ كسر و الثّانية انطباق هذا الكسر على كلّ جهة من الجهات السّت في الصّبرة أو في الحنطة و أمّا الكلّي في المعيّن فكلّي من جهة واحدة و أمّا لو كانت الجملة مجتمعة فباع صاعا منها فهل ينزل على الإشاعة أو على الفرد المنتشر أو على الكلّي في المعين وجوه ذكرها المصنف (قدّس سرّه) في المتن‌

و حاصل الوجه الأوّل هو أنّ مقتضى المعنى العرفي أن يكون قوله صاعا إشارة إلى مقدار من الصّبرة مقدّرا بصاع فيلاحظ نسبة الصّاع إلى الصّبرة و هذا هو الكسر المشاع لأنّ المقدار المذكور من مجموع الصّبرة مشاع فيه و فيه أنّه كما يمكن حمل الصّاع على الإشاعة كذلك يمكن حمله على الكلّي بل ظهوره في الكلّي هو المتعيّن لأنّ الصّاع اسم الجنس و لحاظ نسبته إلى المجموع يتوقّف على مئونة زائدة‌

و حاصل الوجه الثّاني هو أن تنوين التّنكير يقتضي صرف الطبيعيّ إلى الفرد فمقتضى الوضع اللّغوي هو الفرد المنتشر و فيه أنّ مجرّد دخول التّنوين على الطّبيعي لا يقتضي صرفه إلى الفرد إلّا إذا كان هناك قرينة خارجيّة كقوله‌

402

رأيت رجلا بالباب فإنّ التّنوين قد يكون للتمكن و قد يكون للتّنكير فمع ظهور اللّفظ في الطبيعيّ لا وجه لحمله على الفرد‌

و حاصل الوجه الثّالث أنّ المتفاهم العرفي من قوله بعت صاعا هو الكلّي الطّبيعي من الصّاع الّذي يتعيّن في الخارج بأوّل وجود منه و هذا هو الأقوى و عليه يحمل الرّواية الواردة في اشتراء عشرة آلاف طنّ من القصب‌

[مسألة لو باع صاعا من صبرة]

قوله (قدّس سرّه) ثمّ إنّه يتفرّع على المختار من كون المبيع كليّا أمور إلى آخره

لا يخفى أنّه يتوقّف توضيح الثّمرات المترتّبة على الكلّي في المعين و الإشاعة على بيان الفرق بين الوجهين و قد أشرنا إليه إجمالا و حاصله أنّ الصّاع بناء على الإشاعة و إن كان كليّا أيضا من جهة أو من جهتين إلّا أنّه فرق بين الكلّي في الإشاعة و الكلّي في المعيّن و هو أن كليّة الصّاع على الإشاعة عبارة عن قابليّة الكسر المبيع لانطباقه على هذا الكسر و ذاك إلّا أنّ الخصوصيّات الخارجيّة داخلة في المبيع فإنّ النّصف من هذه الصّبرة القابل لانطباقه على كلّ واحد من النّصفين ملحوظ بمشخّصاته الخارجيّة غاية الأمر حيث إنّ النّصف كلّي فالخصوصيّة أيضا كلّي أي خصوصيّة ما داخلة في المبيع و هذا بخلافه بناء على الكلّي في المعين فإنّ المبيع نفس الطبيعيّ مجرّدا عن جميع الخصوصيات و هذا لا ينافي استحقاقه لها في مقام التسلم لأنّه فرق بين أن يكون مالكا للخصوصيّة فعلا و بين استحقاقه لأن يملكها فعلى الإشاعة مالك لها فعلا و أمّا بناء على كون المبيع كليّا فالمشتري لا يملكها فعلا‌

نعم حيث إنّ التّسليم من الشّرائط الضّمنية فهو مالك لأن يملكها‌

إذا عرفت ذلك فمن الثّمرات المترتّبة على الوجهين أنّه بناء على الكلّي فاختيار التّعيين بيد البائع لأنّ المشتري لا يملك إلّا نفس الصّاع دون كونه من هذا الطّرف من الكومة أو من ذاك فحكمه حكم الكلّي في الذمّة و لا فرق بينهما إلّا من حيث ضيق الدّائرة في الكلّي في المعيّن و توسعتها في الكلّي في الذمّة و هذا بخلافه على الإشاعة فإنّ الخصوصيّة داخلة في المبيع فتعيين إحداها يتوقف على رضا الطّرفين و منها أنّه بناء على الكلّي إذا تلف مجموع الصّبرة ما عدا صاع منها يستحقّه المشتري و هذا بخلافه بناء على الإشاعة فإنّ التّالف يحسب عليهما فيجري فيه حكم تلف بعض المبيع قبل قبضه‌

و بالجملة حيث إنّ المبيع بناء على الكلّي ينطبق عليه صرف الوجود من الطّبيعي فما دام مقدار حقّ المشتري باقيا في الصّبرة لا موضوع لقاعدة تلف المبيع قبل قبضه و أمّا على الإشاعة فالصّبرة مشتركة بينهما‌

ثم إنّه يتفرّع على هذه الثّمرة أنّه لو باع البائع ثانيا صاعا آخر من مشتر آخر فبناء على الكلّي لو تلف المجموع ما عدا الصّاع ينطبق الباقي على ملك المشتري الأوّل و يجري حكم تلف المبيع قبل قبضه بالنسبة إلى صاع المشتري الثّاني لأنّ الصّاع الثاني يسري كليّة إلى ما عدا الصّاع الأوّل لأنّ الصّاع الأوّل حيث إنّه كلّي فصرف الوجود من الطّبيعيّ مصداق له فينحصر ملك البائع فيما عدا صاع من الصّبرة‌

و أمّا على الإشاعة فالمبيع لا ينحصر في الصّاع الباقي و لا يسري البيع الثّاني إلى ما عدا الصّاع بل يسري إمّا إلى مجموع الصّبرة فيصير البيع الثّاني فضوليا بالنّسبة إلى مقدار من حقّ المشتري الأوّل بناء على احتمال تقدّم في مسألة ما لو باع من له نصف الدار نصفها أو يسري إلى نصفها الباقي الّذي هو ملك نفسه بناء على الاحتمال الآخر‌

و على أيّ حال فحيث إنّ المبيع مشاع تجري قاعدة تلف المبيع قبل‌

403

قبضه في حق كلّ منهما ثم إنه لا ينافي ما ذكرنا من اختصاص الصّاع الباقي بالمشتري الأوّل بناء على الكلّي كون تعيين الصاع للمشتري الثاني قبل تلف المجموع موكولا إلى نظر البائع لأنّ الصّبرة إذا بقيت بمقدار حق كلا المشتريين فللمالك تعيين حقّ كلّ منهما في أيّ صاع أراد و أمّا إذا لم يبق إلّا مقدار حقّ أحد المشتريين فحيث إنّ المشتري الأوّل سابق على الثّاني في المعاملة فهو سابق في صرف الطبيعيّ إلى نفسه و يزاحم الآخر في صرف الوجود من الطّبيعي‌

و بالجملة قياس وقوع المعاملتين على نحو الترتّب على ما إذا وقعتا دفعة مع الفارق لأنّهما إذا وقعتا دفعة فترجيح إحداهما على الأخرى بلا مرجّح و هذا بخلاف ما إذا وقعتا مترتّبة فإن الأوّل بسبقه يجرّ الطّبيعي إلى ملكه و يجعله منطبقا على الصّاع الباقي‌

ثم إنّه بعد ما اخترنا تبعا للمشهور من أنّه لو باع صاعا من صبرة ينزل على الكلّي في المعيّن دون الكسر المشاع يبقى سؤال الفرق بين هذه المسألة و مسألة ما لو باع ثمرة أشجار و استثنى منها أرطالا معلومة فإنّ في مسألة الاستثناء يظهر منهم أنّهم حملوا الأرطال على الإشاعة و لذا أفتوا بأنّه لو خاست الثمرة أو تلف بعضها سقط من المستثنى بحسابه‌

و لهم في التفصي عن هذه العويصة وجوه منها أنّ مقتضى ظاهر الكلام في كلتا المسألتين هو الإشاعة إلّا أنّهم حملوا بيع الصّاع من الصّبرة على الكلّي في المعين للنّص الوارد في شراء عشرة آلاف طنّ من القصب فيبقى مسألة الاستثناء على طبق قاعدة الإشاعة و فيه أوّلا أنّ ظاهر الكلام هو الكلّي لا الإشاعة فإنّها متوقّفة على مئونة زائدة في مقام الثّبوت و الإثبات فالإشاعة على خلاف القاعدة و ثانيا أنّ النصّ إن استفيد منه قاعدة كلية فحكم الاستثناء حكم مسألتنا هذه و مجرّد كون مسألة الاستثناء عكس مسألتنا من حيث إن ملك البائع فيها كلّي بخلاف مسألتنا فإن ملك المشتري فيها كلّي لا يوجب فرقا بينهما و إن استفيد منه التعبّد الصّرف و أنّه على خلاف القاعدة يجب الاقتصار على مورده و هو شراء القصب فلا وجه للتعدّي إلى شراء صاع من الصّبرة و يبقى سؤال وجه الفرق بين مورد التعدّي و مورد عدمه‌

و منها أنّ مقتضى ظاهر اللّفظ في البابين هو الحمل على الكلّي إلّا أنّه قام الإجماع على الحمل على الإشاعة في باب الاستثناء و فيه أنّ الإجماع ليس بنفسه حجّة بل لكونه كاشفا عن دليل معتبر و نحن نقطع بعدم استناد المجمعين إلى دليل معتبر‌

و منها أنّ وجه حمل الصّاع على الكلّي في المقام و حمله على الإشاعة في مسألة الاستثناء و نظائرها كالزكاة الّتي يحسب التّالف على المالك و الفقراء هو أنّ في المقام حيث يجب الإقباض على البائع من باب الشّرط الضّمني فما دام حق المشتري باقيا في الصّبرة يجب عليه دفعه إلى المشتري و لا وجه لأن يحسب التّالف عليه أيضا و فيه مضافا إلى أنّ كون الزّكاة كالاستثناء في الإشاعة لا دليل عليه إذ ليس الفقير شريكا مع من عليه الزكاة على نحو الإشاعة بل يتعلّق حق له بماله أنّ وجوب الإقباض على البائع فرع كون المبيع كليّا و أمّا إذا كان على الإشاعة فالتّالف يحسب عليهما و ينفسخ البيع بمقدار حق المشتري و قياس المقام بباب الكلّي في الذمّة فرع إحراز كون المقام من باب الكلّي في المعيّن‌

و منها ما في مفتاح الكرامة من أنّ في باب البيع وقع التّلف قبل قبض المشتري المالك للكلّي فيجب على البائع إقباضه من الصّبرة و في الاستثناء وقع التّلف بعد قبض المالك للكلّي و هو البائع فلا وجه لاحتسابه‌

404

على مالك المستثنى‌

و حاصل ما أفاده من الفرق بعد حمل المبيع و المستثنى في كلا المقامين على الكلّي في المعيّن أنّ منشأ جعل التّلف على البائع في بيع الصّاع من الصّبرة و عدم جعل التّلف على المشتري في استثناء الأرطال هو أنّ المشتري في المسألة الأولى يتلقّى الملك من البائع و أمّا البائع في مسألة الأرطال فلا يتلقّى المستثنى من المشتري لأنّ الاستثناء ليس معناه أنّ البائع ملّك المشتري جميع ثمرة الأشجار ثم تملّك منه المستثنى بل معناه بقاء المستثنى في ملكه و تمليك ما عداه فإذا كان المشتري في مسألة بيع الصّاع من الصّبرة متلقّيا من البائع و فرضنا أنّه لا يملك إلّا صاعا كليّا مجرّدا عن جميع الخصوصيّات الخارجيّة فما دام مصداق من الكلّي باقيا في ملك البائع ينطبق على المبيع فلم يتلف حتى يحسب على المشتري فيجب على البائع إقباضه بإقباض المصداق كما في الكلّي في الذمّة‌

و بعبارة أخرى المشتري يملك الصّاع في طول ملك البائع و يتلقّاه منه فإذا بقي من الصّبرة مقدار حقّه يجب على البائع إقباضه إياه و أمّا البائع في مسألة الاستثناء فهو و إن استثنى مقدارا كليّا و لم يعيّنه في محلّ خاصّ إلّا أنّ المستثنى بقي على ملكه مع خصوصيّاته الخارجيّة و نسبة التّالف إلى كلّ من المستثنى و المستثنى منه على حدّ سواء لأنّ كلّا منهما يملك مقدارا في عرض الآخر فلا وجه لاحتسابه على المشتري و على هذا فمراده من أنّ التّلف في مسألة الاستثناء وقع بعد القبض أي بعد ما كان المستثنى مقبوضا في يد مالكه مع تملّكه خصوصياته الخارجيّة فكونه مقبوضا إنّما هو معلول لكونه مالكا لخصوصيّاته الخارجيّة و دخول الخصوصيات في المستثنى لا يوجب خروجه عن الكليّة كدخول الخصوصيّات في الفرد المنتشر فإذا كانت الخصوصيّات داخلة في ملك البائع و كان المستثنى تحت يده فدخول الجميع من المستثنى و المستثنى منه بعد ذلك تحت يد المشتري لا يقتضي أن يكون التّالف على المشتري إلّا إذا فرط و أتلف الجميع حتى يجب عليه قيمة المستثنى أو أتلف ما عدا المستثنى حتى يجب عليه دفع الباقي إلى البائع و أمّا إذا تلف مقدارا منه بتلف سماويّ فلا وجه لأن يكون التالف محسوبا على المشتري مع عدم استحقاق مالك المستثنى الكلي المجرّد عن الخصوصيات و مع عدم تلقّيه المستثنى من المشتري‌

و العجب من المصنف (قدّس سرّه) أنه اعترف في المسألة السّابقة بأنّ المشتري لو قبض المجموع و تلف مقدارا منه يحسب التّالف على كليهما و استشكل فيما أفاده صاحب مفتاح الكرامة بأن قبض البائع في المقام لا يقتضي أن يكون التّالف عليهما مع أنّ المسألتين من واد واحد فإنّ في المسألة السّابقة لو كان قبض المجموع موجبا للإشاعة ففي المقام أيضا حيث إنّ المجموع قبل قبض المشتري كان في يد البائع يلزمه تحقّق الإشاعة و لازمه احتساب التالف عليهما و لو بعد قبض المشتري و لو لم يقتض القبض السّابق على قبض المشتري في مسألة الاستثناء الإشاعة فلا يقتضيها في المسألة السّابقة أيضا‌

نعم لو قلنا بأنّ في مسألة الاستثناء كون المستثنى و المستثنى منه في قبض البائع يقتضي الإشاعة فلازمه أمران لا يلتزم بهما الأصحاب الأوّل عدم جواز تصرّف المشتري في الثّمرة إلّا بإذن البائع الثّاني أن يكون التفريط في البعض كالتفريط في الكلّي في وجوب دفع القيمة لا إعطاء المستثنى من الباقي فإنّه لو كان المال مشاعا بينهما فإتلاف البعض يوجب أن يكون ضامنا للقيمة لا إعطاء البقيّة‌

فالصّواب في الجواب هو الّذي أشرنا إليه و هو أنّ المبيع في بيع الصاع‌

405

من الصّبرة و المستثنى في مسألة الاستثناء كلّ منهما كلّي و لا وجه للإشاعة أصلا إلّا أن المشتري في مسألة بيع الصّاع من الصّبرة لا يملك إلّا الكلّي المجرّد عن جميع الخصوصيّات فما دام صاع من الصّبرة موجودا يستحقّه منها و لا وجه لاحتساب التّالف عليه بمقدار نصيبه منها‌

و أمّا البائع في مسألة الاستثناء فهو يملك الكلّي مع الخصوصيّة فاحتساب التّالف على المشتري لا وجه له بل يحسب عليهما و مقتضى استحقاقه الكلّي أن يستحقّ الباقي لو أتلف المشتري مقدارا من الثمرة لأن حقّه لم يكن مشاعا في مال المشتري حتّى يستحقّ القيمة‌

و على هذا يرتفع إشكال جواز تصرف المشتري في الثمرة بلا رضاء من البائع لأنه لم يكن شريكا معه بعنوان الإشاعة و على فرض حصول الإشاعة بعد العقد من جهة كون الثمرة بأجمعها تحت يد البائع فجواز تصرّفه بلا إذن إنّما هو لبناء المتعاقدين نوعا في هذه المعاملة على استقلال المشتري في التصرّف فكأنه شرط ضمنيّ نشأ من البناء النّوعي‌

و على أيّ حال هذا الإشكال لا يختص بالإشاعة بل بناء على كون المستثنى كليّا يجري الإشكال أيضا فإنّه لا وجه لاستقلال المشتري في التصرّف مع كون المستثنى منه أيضا كليّا بل يجب إمّا الالتزام بعدم جواز تصرف كلّ منهما بلا رضاء الآخر و إمّا الالتزام باستقلال كلّ منهما فيه‌

و كيف كان فإنّما يحكم في مورد الإتلاف ببقاء حصّة البائع في البقية لا استحقاقه للمثل أو القيمة لأجل أنّ مقتضى البناء المعاملي في هذه المعاملة أن يكون اختيار التصرّف بيد المشتري فكما يجوز له بيع مقدار من الثّمرة من ثالث و يسري المستثنى في البقيّة فكذلك إذا أتلفه ينصرف قهرا حقه إلى التّالف و يبقى حق البائع في البقيّة و ذلك لأنّه إذا كان مختارا في التصرّف فيه بأيّ نحو شاء فتصرّفه يوجب أن يكون ما تصرّف فيه متعيّنا له و بهذا الملاك نقول إنّ اختيار تعيين المستثنى بيد المشتري‌

و بالجملة مقتضى البناء المعاملي أن يكون مسألة الاستثناء عكس مسألة بيع الصّاع من الصّبرة فإن اختيار التّعيين في تلك المسألة بيد البائع و في مسألة الاستثناء بيد المشتري و التّالف في تلك المسألة يحسب على البائع و في مسألة الاستثناء على كلّ واحد بحسابه و إنّما يشتركان في مورد الإتلاف فإنّه يتعيّن حقّهما في كلتا المسألتين في البقيّة فافهم و اغتنم [1]

قوله (قدّس سرّه) قال في الرّوضة تبعا للمحكيّ عن حواشي الشّهيد إن أقسام بيع الصّبرة عشرة إلى آخره

لا يخفى أنّه لو كان مقدار الصّبرة معلوما فالصّحيح من أقسام بيع الصّبرة أربعة و هي بيع جميع الصّبرة و بيع جزء معلوم منها كالعشر أو التّسع و نحو ذلك من الكسور و بيع صاع أو صيعان مع العلم باشتمالها على هذا المقدار و بيع الصّبرة كلّ صاع بكذا و يبطل فيما إذا باع كل صاع منها بكذا و وجه الصّحة في الأقسام الأربعة واضح لكون المثمن معيّنا كالثّمن و وجه البطلان في القسم الخامس عدم العلم بمقدار المبيع لصلاحيّة انطباق قوله كلّ صاع بكذا على الواحد و الزّيادة‌

نعم يظهر ممّا أفاده العلامة‌

____________

[1] لا يخفى عليك أنّا قد أشرنا إلى أنّ الإشكالين الواردين على الإشاعة يندفعان أيضا بالبناء المعاملي فبناء على ما يظهر من مفتاح الكرامة من حصول الإشاعة بعد المعاملة لكون كلّ من المستثنى و المستثنى منه في قبض البائع لا يرد إشكال عدم جواز تصرف المشتري إلّا بإذن البائع و لا كون المشتري ضامنا للقيمة في مورد الإتلاف لأنّ استقلال المشتري في التصرّف إذا كان للبناء المعاملي فلا محالة يكون ما تصرّف فيه مختصّا به قهرا فلا وجه لأن يكون ضامنا للقيمة (منه عفي عنه)

406

في بعض كتبه من صحّة الإجارة لو قال المؤجر آجرتك الدّار كلّ شهر بكذا في الشهر الأول لتضمّن هذا القول إجارة هذا الشّهر يقينا صحّة البيع في المقام بالنّسبة إلى صاع واحد‌

و لكنّ الأقوى البطلان في كلا المقامين لأن تردّد متعلّق العقد بين الأقلّ و الأكثر يقتضي الجهل به و أمّا لو كان مقدار الصّبرة مجهولا فيبطل جميع أقسام بيع الصّبرة إلّا إذا باع مقدارا يعلم باشتمال الصّبرة عليه فإنّه لو قال بعتك صاعين منها و علم باشتمال الصّبرة عليهما يقينا فلا مانع من صحّته إلّا توهّم أنّ الجهل بنسبة الصّاعين إليها يوجب الجهل بمقدار المبيع لأنه لا يعلم بأنّه باع أيّ واحد من الكسور و لكنّه فاسد لأنّ المدار في العلم بالمبيع على العلم بنفسه لا العلم بنسبته إلى أمر آخر أجنبيّ فكون الجهل بمقدار الصّبرة موجبا للجهل بنسبة الصّاعين إليها لا يضرّ بالمعاملة بل قد يقال بالصّحة و لو لم يعلم باشتمال الصّبرة على مقدار المبيع كما هو ظاهر الدّروس و اللّمعة غاية الأمر لو نقصت يتخيّر المشتري بين الفسخ و الإمضاء بنسبة الثّمن‌

و لكنّك خبير بأنّ الجهل بوجود المبيع غرر عرفا و لا يرفعه الخيار الّذي هو من أحكام العقد الصّحيح للزوم الدّور فإنّه يتوقّف الخيار على الصّحة و هي على عدم الغرر‌

[إذا شاهد عينا في زمان سابق على العقد عليه]

قوله (قدّس سرّه) إذا شاهد عينا في زمان سابق على العقد عليه فإن اقتضت العادة تغيّره عن صفاته السّابقة إلى غيرها المجهول عند المتبايعين فلا يصحّ البيع إلى آخره

لا إشكال في أنّ ما كان قوام ماليّته بالأوصاف الخاصّة بحيث إنّه لو شكّ في حصولها فيه عدّ البيع معه غرريا لا يصحّ بيعه إلّا مع توصيف المبيع بها و اشتراطها في متن العقد و نحو ذلك من أنحاء بيع الغائب كإخبار البائع بوجودها فيه‌

و على هذا فلو شاهد عينا في زمان سابق على العقد فإذا اقتضت العادة بقاءها على ما كانت عليه فلا إشكال في الصّحة و إن انكشف عدمه في الواقع لأنّ البيع وقع مبنيا عليها و إن اقتضت العادة تغيرها عمّا هي عليها لا يصحّ شراؤها إلّا بذكر هذه الصّفات في متن العقد أو بإخبار البائع ببقائها لأنّ بهما يرتفع الغرر إنّما الكلام في اعتبار الاستصحاب في هذه الصورة و الأقوى عدم اعتباره و إن قلنا بحجيّته حتّى مع الظنّ بالخلاف لأنّ الأثر لم يترتّب على الواقع بل على إحراز الصّفات كانت في الواقع أو لم تكن فإن ارتفاع الغرر من آثار العلم بوجود هذه الصّفات فاستصحاب بقاء الصّفات لا أثر له‌

و كيف كان فإذا اشتراها مبنيا على الصّفات القديمة فانكشف التغيّر فلو كان موجبا للزيادة في الماليّة أو لنقص فيها فالأقوى ثبوت الخيار للبائع على الأوّل و للمشتري على الثّاني لأنّ تخلّف الوصف بمنزلة تخلّف الشّرط إمّا من طرف البائع أو المشتري و مراد المصنف (قدّس سرّه) من المغبون في قوله تخيّر المغبون منهما هو المتخلّف شرطه لا من له خيار الغبن المصطلح لأنّه ينشأ عن نقص القيمة السّوقيّة أو زيادتها لا عن الزيادة في الماليّة أو نقصانها‌

و كيف كان فالأقوى هو الصّحة مع الخيار و لا وجه لدعوى البطلان كما حكي عن العلّامة في نهاية الأحكام معلّلا بأنّ ما وقع لم يقصد و ما قصد لم يقع لأن تخلّف الوصف بمنزلة تخلّف الشّرط و مرجع كلّ واحد منهما إلى الآخر و كما أنّ تخلّف الشّرط لا يوجب البطلان في حدّ نفسه لأنّ الشّرط ليس قيدا بل التزام في التزام فكذلك تخلّف الوصف و قياس تخلّف الوصف بتخلّف العنوان قياس مع الفارق لما تقدّم من أنّ العنوان هو ما يقع الثّمن بإزائه و هذا بخلاف الوصف أو الشّرط فإنّ الثمن لا يقع‌

407

بإزائه و إنّما هو موجب لزيادة قيمة الموصوف أو المشروط‌

و كذا لا وجه لدعوى اللّزوم بلا خيار من باب أنّ الوصف الغير المذكور في متن العقد لا أثر له و إن وقع العقد مبنيا عليه فهو كالشّروط البنائيّة الّتي تخلّفها لا يقتضي الخيار لأنه فرق بين هذا الوصف و بين الأوصاف الملحقة بالشّروط الغير المذكورة في العقد‌

و توضيح ذلك أنّ الشّروط أو الأوصاف على أقسام أربعة قسم يذكر الوصف أو الشّرط في متن العقد و هذا لا إشكال في أنّ تخلّفه يوجب الخيار و ثلاثة أقسام يقع العقد مبنيا عليها فالأوّل منها ما يدلّ عليه العقد بالدلالة الالتزاميّة باللّازم بالمعنى الأخصّ و هو ما يكون بناء العرف و العادة نوعا عليه كاشتراط تساوي المالين في الماليّة و اشتراط عدم كونهما معيبا و اشتراط التّسليم و التسلّم و اشتراط كون المعاملة نقديّة و اشتراط كون النّقد نقد البلد و يعبّر عنها بالشّرط الضّمني و لا إشكال في أنّ تخلّفها أيضا يوجب الخيار و الثّاني ما يتوقّف صحّة العقد عليه كالوصف الّذي لو لا وجوده لزم الغرر كموضوع البحث في المقام فإنّه و إن كان يعتبر في كلّ مورد لخصوصيّته فيه إلّا أنّه يدخل في كبرى الالتزام النّوعي لأنّه إذا فرض كونه ممّا يتوقّف عليه صحّة المعاملة و من الشّروط الرّاجعة إلى العوضين و فرضنا أنّ المتعاقدين أوقعا العقد مبنيا عليه فلو لم يكن أولى من الالتزامات النّوعيّة فلا أقلّ من كونه مساويا لها من حيث دخولها تحت الالتزام فلا ينافي ذلك كونه بناء شخصيّا من المتعاقدين لأنه في حكم البناء النّوعي و يدخلان تحت جامع واحد و يفترقان عن القسم الثّالث و هو الوصف الخارجي الّذي لا يعتبر ملاحظته في العقد ككون العبد كاتبا و نحو ذلك من الدّواعي الموجبة لإيقاع المعاملة لأجلها فإنّها لا أثر لها إلّا إذا ذكرت في متن العقد و أمّا مجرّد وقوع العقد مبنيّا عليه فلا يوجب تخلّفه الخيار‌

و بالجملة لا ينبغي الإشكال في أنّ مجرّد النيّة في باب العقود و الإيقاعات لا أثر لها بل لا بدّ أن ينشأ المقصود بما هو آلة لإيجاده فإذا كان الوصف الّذي وقع العقد مبنيّا عليه من الأغراض الشخصيّة أو من الأوصاف الخارجيّة و لم يذكر في العقد لا صريحا و لا ضمنا فوجوده كعدمه‌

و أمّا إذا كان من الأغراض النوعيّة كالقسم الأول أو من الأوصاف الشخصيّة المتوقّفة صحّة العقد عليها كالثّاني فيخرج عن الشّروط البنائيّة و يدخل في الالتزام العقدي و يكون العقد آلة لإنشائه غاية الأمر لا مدلولا مطابقيا بل التزاميّا نوعيّا أو شخصيا فتخلّفه يوجب الخيار‌

ثمّ إنّ الخيار بين الفسخ و الإمضاء يختصّ بما إذا كان المبيع شخصيّا و أمّا إذا كان كليا موصوفا و أراد البائع أن يسلّم مصداقا منه بلا وصف فللمشتري أيضا الخيار و لكن لا بذلك المعنى بل بمعنى أنّ له إسقاط الوصف و الرّضا بالفاقد في مقام التسلّم و له المطالبة بالوصف و أمّا فسخ العقد فلا وجه له و الفرق واضح فإنّ المبيع إذا كان شخصيا فليس له فرد آخر حتى يطالب بذلك و أمّا إذا كان كليّا فلا معنى لانتفاء الوصف فيه إلّا إذا فرضنا تعذّر الموصوف لفقد جميع مصاديقه‌

[فرعان]

[الأوّل لو اختلفا في التّغيير]

قوله (قدّس سرّه) فرعان الأوّل لو اختلفا في التّغيير فادعاه المشتري إلى آخره

لا يخفى أن ضابط تشخيص المدّعي و المنكر هو مطابقة قول المنكر للأصل المعوّل عليه في المسألة و لو كان الأصل الجاري في المرتبة الأخيرة كالبراءة و الاشتغال فمطابقة قول المنكر للبراءة أيضا كافية لتمييز المنكر عن المدّعي بلا إشكال و إنّما الإشكال في تشخيص الصّغرى‌

408

و أنّ قول أيّ منهما مطابق للأصل و قد ذهب جلّ من الأساطين إلى أنّ القول قول المشتري لوجوه الأول أنّ المشتري هو الّذي ينتزع منه الثّمن و لا ينتزع منه إلّا بإقراره أو ببيّنة تقوم عليه‌

و بعبارة أخرى يده على الثّمن إنّما يكون عن استحقاق و هذا عبارة عن أصالة الصّحة في اليد و أورد عليه المصنف بأنّ التشبّث باليد في المقام لا ينفع المشتري لاعترافه بتحقّق النّاقل غاية الأمر يدعي سلطنة على الفسخ فيجب عليه الإثبات و بدونه يجب عليه دفعه إلى البائع إلّا أن يقال إنّ وجوب التّسليم فرع عدم ثبوت الخيار له لأن العقد إذا كان خياريا يكون متزلزلا بجميع آثاره و منها التّسليم فكون يده يد أمانة مشكوك لأنّ الشكّ في ثبوت الخيار له يوجب الشكّ في سلطنة البائع على أخذ الثّمن و لكنّك خبير بأنّ مجرّد ثبوت الخيار له لا يقتضي استحقاقه حبس الثّمن‌

و توضيح ذلك أنّ الخيار على أقسام ثلاثة الأوّل الخيار المجعول شرعا إرفاقا لذي الخيار و نظرة له في المعاملة كخيار المجلس و الحيوان و يلحقه الخيار المشروط مدّة لأحد المتعاقدين أو لكليهما‌

و هذا هو الّذي قصده العلّامة من قوله في التذكرة لا يجب على البائع تسليم المبيع و لا على المشتري تسليم الثّمن في زمن الخيار و المصنف في أحكام الخيار و إن أورد عليه بقوله إنّي لا أجد لهذا الحكم وجها معتمدا و لم أجد من عنونه و تعرّض لوجهه إلّا أنّه يظهر منه في خيار المجلس كون الحكم مفروغا عنه فقال ما حاصله أنّه لو قلنا بوجوب التّقابض في عقد الصرف و السّلم فثمرة الخيار واضح و هي عدم وجود التّقابض‌

و كيف كان فمقتضى القواعد عدم وجوب التّسليم على ذي الخيار في الخيارات الزّمانيّة لأنّه إذا كان الالتزام العقدي متزلزلا بحكم الشّارع أو بجعل المتعاقدين فجميع آثار النّقل تحت سلطنة ذي الخيار الثّاني الخيار النّاشي عن تخلّف الشّرط الضّمني كخيار الغبن و العيب و يلحق بهما خيار تخلّف الوصف المشترط في المبيع الثّالث الخيار النّاشي عن تغيير المبيع عن أوصافه المرئيّة سابقا و هو المبحوث عنه في المقام الّذي قلنا بأنّه لو انكشف التغيير تخيّر المغبون منهما و الحق في القسمين الأخيرين عدم ثبوت حقّ الحبس لذي الخيار فضلا عمّا إذا شكّ في أصل الخيار كما لو اختلفا في التغيير فقال المشتري اشتريت الغنم حال كونه سمينا و قال البائع اشتريته مع هذه الحالة الّتي هي عليها فعلا و ذلك لأنّ في القسم الأوّل حيث إنّ ما تعلّق به العقد قد وصل إلى ذي الخيار فحقيقة الخيار فيه عبارة عن كون أمر العقد بيد ذي الخيار فجميع آثاره تحت تصرّفه و منها التّسليم و التسلّم و هذا بخلاف الأخيرين فإن حقيقة الخيار فيهما عبارة عن ثبوت حق استرداد ما لم يصل إلى ذي الخيار عوضه فالخيار ابتداء لا يرجع إلى العقد بل ثانيا فقبل الفسخ لم يرد تخصيص على أدلّة سلطنة النّاس على أموالهم فيجب على المشتري تسليم الثّمن و إن جاز له استرداده بعده‌

و بعبارة أخرى الخيار في هذين القسمين معناه أنّ صاحب الخيار له أن يمضي العقد أي يلتزم به فعلا و أن يفسخه فمع عدم فسخه ليس له حبس مال غيره و هذا بخلاف المجعول له إرفاقا إمّا بجعل شرعي أو بجعل منهما فإنّ حقّ النّظر في العقد يقتضي عدم كونه ملزما بآثاره الوجه الثاني ما استدلّ به العلّامة في التذكرة و هو أنّ البائع يدّعي علم المشتري بهذا الوصف الموجود و الرضاء به و المشتري ينكره‌

و أجاب عنه المصنف أولا بأنّه يمكن جعل المشتري مدّعيا و البائع منكرا لأنّ الأصل عدم علم المشتري بالوصف الآخر الّذي يدّعيه حتى يثبت‌

409

له الخيار و ثانيا أنّ علمه به أو بغيره مسبّب عن وجود هذا الوصف فيه سابقا و عدمه فمع الأصل السببي لا تصل النّوبة إلى الأصل المسبّبي و الأصل السّببي مع البائع و هو أصالة عدم تغيّر المبيع عمّا رآه سابقا‌

لا يقال إنّ أصالة عدم علم المشتري بوصف آخر غير هذا الوصف الموجود لا أثر له فلا تعارض بينها و بين أصالة عدم علمه بهذا الوصف الموجود و ذلك لأنّ دعوى البائع في المقام هي تعلّق العلم بالوصف الموجود الّذي أثره اللّزوم و المشتري ينكر ذلك و يدّعي عدم اللّزوم لأصالة عدم تعلّق علمه هذا الوصف الموجود و هذا الأصل و إن لم يكن بنفسه ذا أثر شرعا لأنّ الخيار لم يجعل في دليل من أثر هذا الأصل إلّا أنّه يجري بلحاظ رفع موضوع نقيضه الّذي له الأثر فيرفع به اللّزوم و هذا بخلاف أصالة عدم علمه بوصف آخر فإنّه لا أثر له أصلا إلّا إثبات ضدّه و هو علمه بالموجود الّذي أثره اللّزوم و هو مثبت‌

فإنّه يقال في دفعه إنّ المشتري يدّعي علمه بالوصف المفقود الّذي أثره الخيار فأصالة عدم علمه به يرفع موضوع نقيضه فلا إشكال في التّعارض إلّا أنّ ما أفاده المصنف (قدّس سرّه) من السّببيّة و المسببيّة لا يستقيم لأنّه ليس بين العلم و المعلوم سببيّة و مسببيّة بل لو لا تمسّك العلّامة بهذا الوجه لم يكن ذكر العلم في المقام مناسبا للأعلام فإنّ عمدة النزاع هو في تعلّق البيع بالوصف الموجود أو بوصف آخر مفقود و يتعارض أصالة عدم تعلّقه بالموجود مع أصالة عدم تعلّقه بالمفقود فتأمل‌

الوجه الثّالث ما استدلّ به المحقّق الثّاني من أنّ الأصل عدم وصول حقّه إليه و لا يخفى أنّ مرجع هذه الوجوه الثّلاثة إلى مطابقة قول المشتري لأصالة البراءة لأنّ استصحاب عدم التّغيير لو لم يفد للبائع فليس هناك أصل حاكم على أصالة البراءة و هذه التّعبيرات المختلفة من الأعلام إنّما هي لبيان أنه لا أصل للبائع لا لإثبات الخيار باستصحاب عدم وصول حقّه إليه حتى يقال إنّه مثبت‌

فجواب المصنف عن الوجه الثّالث بأن حقّ المشتري من نفس العين قد وصل إليه قطعا و ثبوت حق له من حيث الوصف المفقود غير ثابت لا يفيد إلّا إذا جرى أصالة عدم التّغيير أو أصالة اللّزوم و الحق عدم جريانهما أما الأوّل فلأن استصحاب عدم التّغيير لا أثر له شرعا فهو كاستصحاب عدم وصول حقّ المشتري إليه بل الموضوع للأثر هو تعلّق البيع بالوصف الموجود أو بغيره حتّى يثبت اللّزوم على الأوّل و الخيار على الثّاني و الاستصحابان بالنّسبة إليهما مثبتان و أمّا الثّاني فتوضيحه يتوقّف على ما أفاده المصنف (قدّس سرّه) في مبنى المسألة و حاصله أنّ كون الأصل مع البائع أو المشتري مبنيّ على أن يكون الوصف الملحوظ في العين المرئيّة من قبيل الشّروط الخارجيّة حتى يكون النّزاع في مفاد كان أو ليس النّاقصتين و أن يكون من قبيل القيد في المبيع حتى يكون النزاع في مفاد كان و ليس التامّتين‌

فعلى الأوّل الأصل مع البائع للشكّ في اشتراط خلاف هذا الوصف الموجود على البائع و عدمه فيستصحب عدمه فهو نظير الشكّ في اشتراط خياطة ثوب المشتري في ضمن البيع على البائع و عدمه و معلوم أنّ الشّرط و البيع كلاهما مسبوقان بالعدم و قد وجد البيع يقينا و شكّ في الشّرط‌

و على الثّاني فالأصل مع المشتري لأنّ مرجع النّزاع إلى وقوع العقد على الموصوف بهذا الوصف الموجود و عدمه و الأصل عدم وقوعه عليه و معارضته بأصالة عدم وقوعه على الوصف المفقود مدفوعة بأنّه لا أثر لهذا الأصل إلّا إثبات ضدّه و هو وقوع العقد على الوصف الموجود‌

410

و هذا أثر عقلي لأن الشّارع لم يجعل من أحكام عدم وقوع العقد على الوصف المفقود اللّزوم و الأقوى كونه من قبيل الشّروط من حيث الخيار أي التزام في التزام‌

و أما من حيث واقع البناء فهو قيد ملحوظ في العقد لأن البيع يقع على الشّاة السّمينة لا الشاة بشرط كونها سمينة فإذا وقع العقد على الشّي‌ء المقيّد فالأصل مع المشتري إذا عرفت ذلك ظهر لك ما في دعوى أصالة اللّزوم في العقد فإنّ الشكّ في اللّزوم و الجواز مسبّب عن الشكّ في متعلّق العقد فإذا جرى أصالة عدم تعلّق العقد بهذا الوصف الموجود يرتفع اللّزوم و ظهر أيضا أنّه لا يعارض هذا الأصل أصالة عدم تعلّق العقد بالوصف المفقود لأنّه لا أثر له نعم لو جرى أصالة عدم تقييد العقد بهذا الوصف المفقود لكان مفيدا لرفع الخيار و لكنّه ليس له حالة سابقة لأنّ العقد حين وقوعه إمّا مقيّد به أو بضدّه‌

و بعبارة أخرى العدم النّعتي ليس له حالة سابقة و العدم المحمولي من طرف البائع لا أثر له فالمقام نظير الدّم المشكوك أنّه حيض أو استحاضة ثم إنّه لا يمكن التمسّك لطرف البائع بعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لأنّ الشّبهة مصداقيّة و لا بقوله عزّ من قائل أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ لأنّ الشكّ ليس في صحّة البيع و فساده بل في كونه خياريّا أم لا‌

و بالجملة العقود الخياريّة الزمانيّة سواء كان جعل الخيار فيها من الشّارع أو المتعاقدين خارجة عن العمومات الدالّة على اللّزوم بالتّخصيص و غير الزّمانية خارجة بالتخصّص لأنّ الالتزام العقدي مقيّد بما عدا مورد الخيار مع الشّبهة الموضوعيّة لا يجوز التمسّك بها‌

و كذا لا يمكن التمسّك بالأدلّة الدالّة على حرمة التصرّف في مال الغير مثل قوله تعالى لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و قوله ع لا يحلّ مال امرئ مسلم و قوله ع النّاس مسلّطون على أموالهم و نحو ذلك للعلم بتخصيصها بالمال الّذي لم يدفع عوضه إلى طرفه فإذا شكّ في دفعه إليه فالأصل عدمه‌

نعم لو كان التّخصيص بأمر وجوديّ و هو وقوع المعاملة على ما لا يطابق المدفوع فالأصل مع البائع و لكنّه حيث إنّ الأمر بالعكس لأنّ منشأ خيار المشتري عدم وصول حقّه إليه الّذي هو عبارة عن عدم دفع البائع العوض الّذي وقع العقد عليه فالأصل مع المشتري‌

و حاصل الكلام أنّ الأصول المفيدة للبائع إمّا أن لا يكون لها حالة سابقة و إمّا أن لا يترتّب عليها أثر شرعي فمن الأوّل أصالة عدم تقييد متعلّق العقد بما يدّعيه المشتري الموجب للخيار و من الثّاني أصالة عدم وقوع العقد على الموصوف بالوصف المفقود و أصالة عدم تغيير المبيع أمّا الأوّل فلما ظهر من أن نفس عدم وقوع العقد على المفقود لا يثبت اللّزوم إلّا من باب العلم بوقوع عقد مردّد بين تعلّقه بالموجود أو المفقود فيثبت بعدم تعلّقه بالمفقود تعلّقه بالموجود الّذي أثره اللّزوم و رفع الخيار و أمّا الثّاني فمضافا إلى أنّه قد لا يكون للتغيّر حالة سابقة كما في الأوصاف المقارنة لوجود الموصوف و قد يكون التّغيير معلوما كما ذكره المصنّف (قدّس سرّه) أن مجرّد عدم تغيير المبيع أيضا لا يثبت اللّزوم بل اللّزوم مترتب على تعلّق العقد بالوصف الموجود و أصالة عدم التّغيير بالنّسبة إلى ماله الأثر مثبت‌

قوله (قدّس سرّه) و لم يعلم وجهه إلى آخره

لا يخفى أنّه و إن كان مقتضى الأصول الّتي ذكرنا أنّها في طرف المشتري في دعوى النّقص هو مطابقة قول البائع للأصل إذا كان مدّعيا للزيادة الموجبة لتضرّره إلّا‌

411

أنّ الغالب أنّه يقدم على البيع كائنا ما كان و لا ينظر إلى الوصف الزائد على ما رآه المشتري سابقا‌

و على هذا فلا مانع من الأخذ بإطلاق ظاهر كلام الشّهيد في اللّمعة من قوله و لو اختلفا في التغيّر قدم قول المشتري بيمينه حتى فيما إذا ادّعى البائع تغيّره في جانب الزيادة و أنكر المشتري و لا وجه لما أفاده الشّهيد الثّاني من أن الظّاهر تقديم قول البائع لعين ما ذكر في المشتري و في تقديم قول المشتري في كلتا صورتي النّقيصة و الزيادة جمع بين متنافيين مدّعى و دليلا إلى آخره‌

نعم ينافي ما ذكرناه من أنّ البائع يقدم على بيع المبيع مطلقا قوله بعد ذلك فإن ظهرت المخالفة تخيّر المغبون منهما‌

[الثّاني لو اتّفقا على التّغيير و اختلفا في تقدم التّغيير على البيع]

قوله (قدّس سرّه) الثّاني لو اتّفقا على التّغيير بعد المشاهدة و وقوع العقد على الوصف المشاهد و اختلفا في تقدم التّغيير على البيع ليثبت الخيار و تأخّره عنه إلى آخره

لا يخفى أنّه و إن اختلف هذا الفرع و الفرع الأوّل في كيفيّة الدعوى إلّا أنّه في النّتيجة لا فرق بينهما فإن أصالة عدم وصول حق المشتري إليه تقتضي تقديم قوله مطلقا ثم إنّه لا بدّ أن يكون دعوى البائع في هذا الفرع وقوع التّغيير بعد قبض المشتري لأنّ تلف الوصف قبل قبضه ضمانه عليه لا على المشتري غاية الأمر نتيجة كون تلفه عليه هي تخيّر المشتري بين الفسخ و الإمضاء [1]

و بالجملة لو اتّفقا على أنّ الغنم حال المشاهدة كان سمينا و أنّ العقد وقع على الوصف الشاهد و أنّه بعد المشاهدة صار مهزولا إلّا أنّ البائع يدّعي تحقّق الهزال بعد قبض المشتري و المشتري يدّعي تحقّقه قبل العقد أو قبل القبض فالقول قول المشتري كما لو اختلفا في أصل التغيّر فادّعى البائع أنّ الغنم حال المشاهدة كان مهزولا و وقع العقد على الوصف المشاهد و ادّعى المشتري بأنّه كان سمينا و وقع العقد عليه لأنّ في الفرع الثّاني أيضا تسقط الأصول السّببيّة سواء كان كلّ من التغيّر و العقد مجهول التّاريخ أو كان أحدهما معلوما‌

غاية الأمر أنّه في صورة كونهما مجهولي التاريخ لا يجري الأصلان من جهتين الأولى تعارضهما و الثّانية كونهما مثبتين فإنّ أصالة عدم وقوع الهزال و بقاء السّمن إلى زمان القبض لا يثبت وصول السّمين إلى المشتري الّذي يترتّب عليه اللّزوم شرعا كما أنّ أصالة عدم وقوع البيع أو القبض إلى زمان الهزال لا يثبت وقوع العقد أو القبض على المهزول الّذي يترتب عليه الجواز شرعا‌

و أمّا في صورة الجهل بتاريخ أحدهما فلا يعارض المعلوم المجهول إلّا أنّه لا أثر لأصالة تأخّر المجهول عن المعلوم و على هذا فلا حاكم على أصالة عدم وصول الحقّ إلى المشتري في كلا الفرعين سواء كان الشكّ في أصل الحقّ كما في الفرع الأوّل الّذي مرجعه إلى الشكّ في استحقاقه ما وصل إليه أو كان الشكّ في وصول الحقّ المعلوم كما في الفرع الثّاني ثم إنّه يظهر ممّا ذكرنا حكم ما إذا ادّعى البائع الزيادة قبل البيع و ادّعى المشتري تأخّرها عنه من أنّ القول قول البائع إلّا على ما احتملناه سابقا من إقدام البائع على البيع كيفما كان المبيع فتأمل‌

____________

[1] نعم بناء على أنّ تلف الوصف بعد العقد ليس حكمه حكم تلف المبيع و تلف جزئه في كون ضمانه على البائع فيكفي للبائع دعوى التّغيير بعد العقد و لو قبل القبض و لا يبعد أن يكون وجه نظر المصنف في جعل التّعارض بين أصالة عدم تقدم البيع و أصالة عدم تقدم التغيّر لا بين أصالة عدم تقدّم القبض و أصالة عدم تقدّم التغيّر هو الخلاف في كون ضمان تلف الوصف على البائع قبل القبض (منه عفي عنه)

412

قوله (قدّس سرّه) و لو وجد المبيع تالفا بعد القبض فيما يكفي في قبضه التّخلية إلى آخره

إنّما قيد وجدانه المبيع تالفا بما بعد القبض لأنّه لو كان تالفا قبل القبض فهو أيضا على البائع كما أنّه لو تلف في زمان خيار المشتري في الخيارات الزّمانيّة فهو على البائع و لو بعد القبض و على هذا فيعتبر في تصوير النّزاع بينهما أن يكون القبض مفروغا عنه إمّا لكفاية التّخلية فيه كما في غير المنقول و إمّا لتحقّق القبض سابقا قبل البيع كالمنقول الّذي كان في يد المشتري أمانة فباعه البائع منه و ادّعى المشتري تلفه قبل البيع و ادّعى البائع تلفه بعده‌

و بالجملة لو وجد المبيع تالفا فحيث إنّ الأصل الموضوعي الجاري لكلّ واحد منهما مع كونه مثبتا معارض بالمثل في مجهولي التّاريخ و الجاري لأحدهما في ما إذا كان إحدى الحالتين بالخصوص مجهولة مثبت فيشكّ في تأثير البيع و تصل النّوبة إلى الأصل الحكميّ و هو بقاء الثّمن في ملك المشتري و توهّم حكومة أصالة الصّحة على الاستصحاب الحكمي فاسد لأن أصالة الصحّة لا تجري في الشكّ في أركان البيع فضلا عن الشكّ في أصله فإنّها تجري في مورد دوران الأمر بين الصّحة و الفساد الرّاجعين إلى فعل المتعاقدين لا في دورانه بين الصّحة و اللّغويّة كما في المقام و نظائره كالشكّ في رجوع المرتهن عن إذنه في البيع قبل بيع الراهن أو بعده فإنّه لا معنى لأصالة صحّة رجوعه و الحكم بأنّه وقع قبل البيع‌

و بالجملة قد أوضحنا في الأصول أنّ المتيقّن من قاعدة الصّحة هو الشكّ في الصّحة و الفساد النّاشيين عن إقدام العاقد على بيع ما يجتمع فيه شرائط البيع شرعا و عدمه و أمّا مصادفة العقد لما هو معتبر شرعا و عدمها فلا تجري فيها القاعدة فضلا عن الشكّ في مصادفته لما هو معتبر عقلا أو عرفا و عدمها‌

فعلى هذا لو سلّمنا جريانها عند الشكّ في البيع بلا ثمن و الشكّ في بيع الخمر و الخنزير أو بيع الخلّ و الشّاة إلّا أنّها لا تجري في الشكّ في وجود المبيع و عدمه لأنّه يرجع إلى الشكّ في الصحّة و اللغويّة و أصالة الصحّة ليس مفادها أنّ العاقل لا يصادف عمله مع اللّغو بل معناها أنّ العاقل لا يقدم عمدا على اللّغو و العبث لأنه يقبح صدوره منه مع علمه بقبحه‌

ثمّ إن في بعض هذه الأمثلة يمكن دعوى عدم صحّته عقلا و عرفا أيضا كالبيع بلا ثمن فإنّه ليس تبديلا لطرف إضافة بطرف إضافة أخرى و قد تقدم الأقوال في هذه المسألة و في بعض منها يمكن دعوى صحّته شرعا أيضا كبيع ما أتلفه زيد على عمرو فضلا عن الصّلح عليه بناء على ما تقدم من أنّ التّالف يبقى في ذمّة المتلف و لا يتبدّل إلى المثل أو القيمة بمجرّد التّلف و على هذا يصحّ بيعه أو الصّلح عليه بما شاء من العوض و لا يلزم الرّبا و هذا بخلاف ما إذا انتقل إلى القيمة فإنّ المعاوضة بينهما و بين النقدين لا تصحّ إلّا إذا كانا متساويين‌

نعم بناء على عدم جريان الرّبا في الصّلح يصحّ جعل كلّ مقدار عوضا عنها‌

[مسألة لا فرق في عدم جواز بيع المجهول بين ضمّ معلوم إليه و عدمه]

قوله (قدّس سرّه) لا فرق في عدم جواز بيع المجهول بين ضمّ معلوم إليه و عدمه إلى آخره

لا إشكال في أنّه بعد ما ثبت عدم جواز بيع المجهول إمّا للإجماع المحصّل أو المنقول أو لحديث نفي الغرر أو للأخبار المحكيّة عن مستدرك الوسائل فمقتضى القاعدة عدم كفاية ضمّ المعلوم إليه و هو المشهور بين العلماء و قيل إنّ المشهور بين القدماء هو الصحّة و قيل بالتّفصيل بين ما إذا كان المجهول مقصودا بالاستقلال أو منضما إلى المعلوم و بين ما إذا كان تابعا فيبطل على الأوّل و يصحّ على الثّاني و الحقّ هو التّفصيل و لكنّه على بعض الوجوه‌

413

لا مطلقا‌

و توضيح ذلك أنّهم اختلفوا في معنى التّابع في المقام فيظهر من العلّامة في القواعد و التّذكرة أنّ التّابع ما أخذ شرطا في المبيع في مقابل ما جعل جزءا منه و بناء عليه فلا فرق في الصّحة بين أن يكون الشّرط أصلا في الغرض أو تابعا كما لا فرق في البطلان على الجزئيّة بين الصّورتين لأنّه جعل المدار في الصّحة و البطلان على التبعيّة و الأصالة في العقد و إن كانتا متعاكستين في الغرض النّوعي أو غرض شخص المتعاقدين‌

و يرد عليه ما أورد عليه المحقّق الثّاني من أنّ هذا الفرق ليس بشي‌ء لأنّ العبارة لا أثر لها و يظهر من الشّهيدين و المحقّق الثاني أنّ المراد من التّابع هو ما يعدّ في العرف تابعا كمفتاح الدار و حمل الأم و البيض الّذي في جوف الدّجاجة و اللّبن في الضّرع و نحو ذلك مما لا يبعد دعوى الدلالة الالتزاميّة بدخوله في المبيع لو لا شرط خروجه‌

و على هذا أيضا لا نظر إلى الغرض الشّخصي و لا النّوعي فإنّ الحمل في بعض أفراد الخيل لعلّه الأصل بالنّسبة إلى الغرض الشّخصي بل النّوعي و لكنّه بالنّسبة إلى الدلالة الالتزاميّة تابع‌

و يظهر من العلّامة في المختلف أنّ المراد من التّابع ما يكون تابعا بالنّسبة إلى الغرض من المعاملة سواء كان غرضا نوعيا أو شخصيّا و يظهر من المحقّق القمّي و صاحب الجواهر أنّ المراد من التّابع هو التبعيّة في الجعل و التّباني بمعنى أنّ المبيع و لو كان في الواقع هو المجهول و لكن للتخلّص عن الغرر يجعل تبعا للمعلوم كما في مورد التخلّص عن الرّبا في البيع الخياري في كثير من المعاملات فإنّ التّباني و الجعل على البيع و المقصود هو الرّبا و هكذا ما يستعمله بعض النّاس في التخلّص عن المخاصمة بإيقاع العقد على ما هو ماله يقينا و جعل ما لا يخلو عن مدّع تبعا‌

و الأقوى هو الوجه الثّاني بل الأوّل أيضا فإنّ المجهول لو كان تابعا للمبيع أو جعل شرطا لا يضرّ جهالته لأنّ ما وقع في عقد المعاوضة مبيعا ليس مجهولا و ما هو مجهول لم يقع عليه العقد و ما أوردنا على الوجه الأوّل تبعا للمحقّق الثّاني غير وارد لأنّ الجزء يسقط عليه الثّمن فإذا كان مجهولا يفسد البيع و هذا بخلاف الشّرط فإنّ الثّمن يقع بإزاء المشروط و هو معلوم‌

ثم بعد ما عرفت ما هو المقتضي القواعد الكليّة فلو دلّت الرّوايات الواردة في المقام على خلافها فلا بدّ من الاقتصار على موردها و لا يمكن التعدّي عنه إلى غيره لعدم استفادة القاعدة الكليّة منها بحيث تدلّ على أنّ المجهول يصحّ بيعه منضمّا إلى المعلوم مطلقا أصليا كان أو تبعيا جعل جزءا أو شرطا‌

[مسألة يجوز أن يندر لظرف ما يوزن مع ظرفه]

قوله (قدّس سرّه) مسألة يجوز أن يندر لظرف ما يوزن مع ظرفه مقدار يحتمل الزّيادة و النّقيصة على المشهور إلى آخره

لا يخفى أنّ موضوع هذه المسألة غير موضوع المسألة الآتية و هي بيع المظروف مع ظرفه فإنّ هذه المسألة عبارة عن بيع الظروف دون ظرفه و لذا يتفرّع عليه مسألة إندار الظّرف‌

ثم إنّ الإندار المفروض في المقام تارة يلاحظ قبل رتبة البيع و أخرى بعدها و المصنف (قدّس سرّه) استظهر من عبارات القوم أن مفروض كلامهم هو الثّاني و لكن الحق أنّ عبارتهم و لو لم تكن ظاهرة في الأوّل إلّا أنّها قابلة للحمل عليه مع أنّ صحّة الصورة الثّانية لا تخلو عن إشكال فإنّه إذا وزن الظّرف و المظروف و بيع المظروف قبل الإندار ثم أندر للظرف بعد البيع يكون المبيع مجهولا و لا يصحّحه كون هذا العمل متعارفا عند التجار‌

414

و إن تحقّق التّراضي من المتبايعين أيضا و إلّا لصحّ بيع كلّ موزون بلا وزن مع تراضيهما‌

و بالجملة عنوان هذه المسألة في كلمات الأساطين إنّما هو لاستثناء بيع الموزون الذي لم يعلم وزنه تحقيقا و إنّما علم تخمينا و تقريبا فصورته أن يوزن الظّرف بما فيه ثم يندر مقدار للظّرف مع جريان عادة التّجار على الإندار و مع تراضي المتبايعين على المقدار ثم يباع المبيع فالإندار يوجب تعيين المبيع و الثّمن كليهما و ليس مخصوصا لتعيين ما يستحقّه البائع من الثّمن‌

ثم إنّ المقدار المندر تارة لا يحتمل الزيادة و النّقيصة إلّا بمقدار يتسامح فيه و أخرى يعلم الزيادة و النّقيصة و ثالثة يحتمل كلاهما و على جميع التّقادير يصحّ البيع مع التعارف و التراضي غاية الأمر في مورد العلم بزيادته على المقدار أو نقيصته يتضمّن البيع هبة من أحدهما بل مقتضى ما ذكرناه من أنّ المدار على التّعارف و الرضاء بما يتعارف هو صحّة الإندار فيما يباع بلا ظرف كما هو المتعارف في بيع المخضرّات فيباع منّ من البطّيخ و نحوه و يندر مقدار منه و يسمّى بالتّرك‌

و قد يتّفق أنّه بعد وزن مقدار خاصّ يوضع مقدار من الرقي أو البطّيخ فوق الموزون لأنّ هذا مرجعه إلى هبة ذلك المقدار فلا يضرّ زيادته و كيف كان ففيما يوزن مع ظرفه و يباع المظروف فالجهل بمقداره لا يضرّ بصحّة المعاملة و على ما ذكرنا يصحّ الإندار سواء باع المظروف جملة بكذا أو باعه كلّ رطل بدرهم فإنه بعد ما وزن المجموع و ترك للظرف مقدارا و باع المظروف فسواء باعه جملة بعشرة دراهم أو باعه كلّ رطل بدرهم فقد لوحظ المبيع في الرّتبة المتأخّرة عن الإندار‌

ثم لا يخفى أن‌

قوله (قدّس سرّه) بأن يقول بعتكه كل رطل بدرهم

هو القسم الصّحيح من أقسام العشرة من بيع الصّبرة و هو بيع الجملة كلّ قفيز بدرهم لا القسم الباطل و هو بيع كل قفيز منها بدرهم و على هذا فالمبيع في الحقيقة مجموع ما في الظرف سواء قيل بعتكه بكذا أو بعتكه كلّ رطل بكذا ففي كلا القسمين بالإندار يتعيّن المبيع و ما يستحقّه البائع من الثّمن‌

فقوله (قدّس سرّه) و قد علم ممّا ذكرنا أنّ الإندار الّذي هو عبارة عن تخمين الظّرف الخارج عن المبيع بوزن إنّما هو لتعيين حق البائع و ليس حقّا للمشتري إلى آخره

لا يستقيم لما عرفت أنّ بالإندار يتعيّن كلا الحقّين‌

و العجب أنّه (قدّس سرّه) استظهر من عبارة فخر المحقّقين أنّه جعل عنوان البحث هو الوجه الثّاني مع أنّها لو لم تكن صريحة في أنّ الإندار في رتبة قبل البيع فلا أقل من ظهورها فيه و لعلّ أمره (قدّس سرّه) بالتأمّل يرجع إلى ذلك‌

و كيف كان فالمتيقّن من الصّحة هو ما اعتاد الإندار فيه بين التّجار و تحقّق رضاء المتبايعين بالمقدار لأنّه ليس في البين دليل يدلّ بإطلاقه على صحّته من دون تراض منهما‌

أمّا رواية عليّ بن أبي حمزة و رواية عليّ بن جعفر فصريحتان في اعتبار التراضي فلم يبق إلّا موثقة حنان و هي أيضا ظاهرة في كون المورد مورد الرّضا لقوله يحسب لنا النّقصان لمكان الزقاق فإنّ الحاسب و المحسوب له مختاران في إندار المقدار فمفروض السّؤال هو مورد التراضي مع أنّها على فرض إطلاقها تقيّد بالرّوايتين الصّريحتين في اعتبار التراضي منهما‌

ثم إنّ المصنف (قدّس سرّه) استظهر من الرّوايات النقصان و الزيادة الفعليّتين فوقع في محذور توجيهها مع أنّ الظّاهر منها هو احتمالهما ثم لا يخفى أنّ بعد دلالة الأخبار على صحّة إندار ما يحتمل الزيادة و النّقيصة لا وقع للتمسّك لصحّته بأصالة عدم زيادة‌

415

المبيع عليه و عدم استحقاق البائع أزيد ممّا يعطيه المشتري من الثّمن فإنّ الأصل حجّة حيث لا دليل‌

هذا مع أنّه بمفاد ليس التامّة و إن كان صحيحا إلّا أنّه لا أثر له و بمفاد ليس النّاقصة ليست له حالة سابقة و إجراء العدم المحمولي لترتيب آثار النعتي مثبت و على هذا فلا يدور صحّة الإندار مدار مطابقته للواقع بل يصحّ مطلقا زاد أو نقص نعم هذا فيما إذا لم يعلم بالزيادة و أمّا لو علم فيحتاج إلى رضاء جديد غير الرضا بأصل الإندار و إلّا فلا يجوز كما هو ظاهر ما يستفاد من الرّواية الأخيرة فإن قوله ع لا بأس في ذيل الرّواية و هي ربما يشتري الطّعام من أهل السّفينة ثم يكيله فيزيد قال ع ربما نقص قلت و ربما نقص قال فإذا نقص ردّوا عليكم قلت لا قال لا بأس ظاهر في أنّه إذا زاد دائما ففيه بأس أو يكره كما هو ظاهر موثقة حنّان من قوله ع و إن كان يزيد و لا ينقص فلا تقربه فإنّ النّهي عن التقريب إلى الزيادة ظاهر في الكراهة‌

و كيف كان ففي موضوع البحث و هو احتمال الزيادة و النّقصان لا أثر لانكشاف الخلاف فإن من هذه الأخبار يستفاد أمران الأوّل صحّة بيع المجهول في هذا القسم المتعارف بين التّجار و الثاني عدم استحقاق البائع على المشتري شيئا إذا لم يكن وزن الظّرف بالمقدار الّذي أندر له بل كان أقل و عدم استحقاق المشتري على البائع إذا كان وزن الظّرف في الواقع أزيد فإن خبر عليّ بن جعفر ع متضمّن للسّؤال عن صحّة هذا البيع و فساده بقرينة قوله أ يحلّ ذلك البيع و خبر حنان متضمّن لاستحقاق كلّ من البائع و المشتري بما وقع بقرينة قول معمّر الزيّات فيحسب لنا النّقصان لمكان الزّقاق‌

قوله (قدّس سرّه) ثم الظّاهر أنّ الحكم المذكور غير مختصّ بظروف السّمن إلى آخره

قد أشرنا إلى أنّ الإندار و التّرك إذا كان متعارفا بين التجّار يصحّ مطلقا و الظّاهر أنّ موارده أربعة الأوّل في ظروف السّمن و الزّيت و الدّبس و النفط و نحو ذلك ممّا يصعب إفراغه و بيع المظروف وحده الثّاني ظروف المتاع كالجوالق و نحوها الثّالث ما يكون مصاحبا للمبيع و يصعب التفريق بينهما كالشّمع في الحليّ المصنوعة من الذهب و الفضة و الّذي يوضع في الجلود لئلا يفسد كالملح في الجلد الّذي يراد دبغه فيما يتعارف بيعه بالوزن و هكذا الدّبس الّذي يصب في الزقاق و نحو ذلك الرابع الترك المتعارف في الخضروات‌

هذا تمام الكلام في مهمّات البيع و أحكامه و يتلوه إن شاء اللّٰه تعالى أقسام الخيار و أحكامه و الحمد للّه أوّلا و آخرا و الصلاة و السّلام على مؤسّس قواعد الدّين محمّد و آله الطيّبين الطاهرين و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين‌

كتبه محمّد علي التبريزي الغروي طبع في المطبعة الحيدريّة في طهران‌