هدى الطالب في شرح المكاسب‌ - ج3

- السيد محمد جعفر المروج الجزائري المزيد...
629 /
505

و يحتمل (1) أن يكون قيدا للعيب، و المراد (2) العيب الموجود في يوم الرّدّ، لاحتمال (3) ازدياد العيب إلى يوم الردّ، فهو المضمون، دون العيب القليل الحادث أوّلا.

____________

(1) هذا الاحتمال في قبال ما استظهره بقوله: «فالظرف متعلّق بعليك» و سيأتي تضعيف الاحتمال. و الغرض من إبداء هذا الاحتمال تقوية ضمان الأرش بقيمة يوم الرّدّ، لا تبعية الأرش لأصل العين في القيمة المضمونة.

و توضيح الاحتمال: أنّ كلمة «يوم» قيد ل‍ «العيب» فيكون المعنى على هذا:

«عليك قيمة ما بين الصّحّة و العيب الموجود في يوم ردّ العين، لا قيمة العيب السابق على الرّدّ». فلو كان أرش العيب وقت حدوثه دينارا، فاتّسع الجرح و ازداد العيب إلى يوم ردّ العين، فبلغ التفاوت بين البغل الصحيح و المعيب دينارين وجب على أبي ولّاد دفع دينارين حين ردّ البغل إلى المكاري.

و نتيجة هذا الاحتمال مخالفة قيمة الأرش لقيمة نفس البغل، فالعبرة في البغل بقيمة يوم المخالفة و الغصب، و العبرة في مقدار الأرش بقيمة العيب يوم ردّ العين.

و بناء على هذا الاحتمال يشكل ما أفاده المصنف (قدّس سرّه) من جعل «يوم» متعلّقا ب‍ «عليك» وجه الإشكال: دلالة هذه الجملة على اعتبار قيمة معيّنة، و هي قيمة يوم ردّ البغل المعيب.

(2) يعني: إذا كان «يوم» متعلّقا ب‍ «العيب» كان المراد من القيمة قيمة العيب في يوم ردّ العين، لا قيمة العيب في زمان حدوثه.

(3) تعليل لإرادة العيب الموجود حين الرّدّ.

____________

و قد نوقش في هذا الاستدلال بوجوه:

أحدها: دلالته على ضمان العين المستأجرة بدون شرط الضمان، و هو مخالف للقواعد.

و قد دفع بأنّ المراد بيوم الإكتراء يوم المخالفة فلا يلزم الاشكال المزبور.

506

____________

ثانيها: منافاة قوله (عليه السلام): «عليك قيمة ما بين الصّحّة و العيب يوم تردّه» لضمان قيمة يوم المخالفة، لمنافاة قيمة يوم الرّد ليوم الغصب. و لا فرق في ضمان القيمة من حيث الوقت بين قيمة العين إذا تلفت و بين قيمة صفاتها.

و قد دفع تارة بأنّ «يوم» متعلق ب‍ «عليك» لا قيد للقيمة، فمعناه حينئذ: عليك يوم الرّدّ قيمة ما بين الصّحّة و العيب من دون تعرّضه لزمان القيمة، فلا ينافي ما استدلّ به على اعتبار قيمة يوم الغصب.

و اخرى: بأن اعتبار تعيين الأرش بقيمة يوم الدفع مخالف للإجماع.

و فيه: أنّ الإجماع غير محقّق، و لذا طلب السيّد و النائيني من المصنف (قدّس سرّهم) مدركه.

فالأولى أن يقال: إنّ تعيين الأرش بقيمة يوم الدفع مخالف للقواعد.

و ثالثة بأنّ قاعدة «الأقرب يمنع الأبعد» تقتضي رجوع القيد أعني به «اليوم» إلى العيب دون القيمة، فمعناه حينئذ وجوب ردّ قيمة العيب الموجود حين الرّد، دون ما ارتفع و لم يبق إلى زمان ردّ العين. و هذا ما تقتضيه قاعدة «على اليد» الموافقة لسيرة العقلاء.

و رابعة بابتناء المناقشة على اشتمال الصحيحة على كلمة «يوم». و قد أنكر في الجواهر ذلك، و قال: «إنّ الموجود فيما حضرني من نسخة التهذيب الصحيحة المحشاة (تردّه عليه) من دون لفظ اليوم. و معناه: وجوب ردّ الأرش لا غير، فلا توقيت فيه» لكن الصواب على هذا تأنيث ضمير «تردّه» لرجوعه إلى القيمة. إلّا أنّ الأمر سهل في التذكير و التأنيث.

ثالثها: أنّ قوله (عليه السلام): «إمّا أن يحلف هو» ظاهر في ثبوت جميع الحقوق من الحلف و الردّ و البيّنة للمالك، و هو مخالف لقاعدة «البيّنة على المدّعى و اليمين على المدّعى عليه». و المصنف (قدّس سرّه) جعل هذه الفقرة مؤيّدة لكون المدار على قيمة يوم التلف، و موهنة لكون المدار على قيمة يوم الغصب.

و محصّل كلامه: أنّه إذا اختلف الغاصب و المالك في قيمة العين المغصوبة و كانت العبرة بقيمة يوم المخالفة كان المالك مدّعيا، لدعواه زيادة القيمة المخالفة للأصل، و كان الغاصب منكرا، لإنكاره تلك الزيادة.

507

____________

و عليه فمقتضى القاعدة توجّه الحلف على الغاصب لا المالك. بل الواجب على المالك إقامة البيّنة على دعواه.

لكنّ الصحيحة تدلّ على كون كلّ من اليمين و إقامة البيّنة على المالك. و هذا خلاف المقرّر من كون البيّنة على المدّعي و اليمين على المنكر، فإن كان المالك مدّعيا فوظيفته إقامة البيّنة، لا اليمين. و إن كان منكرا فوظيفته الحلف. فتوجيه الوظيفتين إلى المالك خلاف موازين القضاء.

فعلى القول بكون العبرة بقيمة يوم الغصب تكون الصحيحة مخالفة للقواعد من جهتين:

الاولى: أنّ دعوى الزيادة من المالك مخالفة للأصل، فلا تتوجّه إليه اليمين.

الثانية: أنّ اليمين إذا توجّهت إلى المالك لم تسمع منه البيّنة، فكيف حكم الامام (عليه السلام) بقبول كلا الأمرين من المالك؟

فلا بدّ حينئذ من حمل الصحيحة على أنّ العبرة بقيمة يوم التلف، لا يوم الغصب، إذ يصحّ على مبنى يوم التلف توجّه كلا الأمرين إلى المالك. و ذلك لأنّ الإمام (عليه السلام) تعرّض في الفقرة المزبورة لصورتين من صور التنازع بين المالك و الغاصب.

الصورة الأولى: اتّفاق المالك و الغاصب على أنّ قيمة يوم الاكتراء كذا و كذا، و لكن اختلفا في تنزّله عن تلك القيمة يوم التلف، و عدم تنزله عن تلك القيمة، فإنّه حينئذ يجب الأخذ بقول المالك، لأنّ الغاصب يدّعي نقصان القيمة، و المالك ينكره، فيقدّم قول المالك مع يمينه، لكونه موافقا للأصل أي استصحاب قيمته السابقة.

مثلا إذا اتّفقا على أنّ قيمة البغل يوم الاكتراء عشرون دينارا، لكن الغاصب يدّعي نقصانها إلى يوم التلف، و ادّعى المالك بقاءها على حالها. فلا شبهة في كون قول المالك موافقا للأصل، فيقدّم مع يمينه. بخلاف قول الغاصب، فإنّه مخالف للأصل، فوظيفته إقامة البيّنة.

508

____________

الصورة الثانية: أنّ يتّفق المالك و الغاصب على أنّ قيمة يوم التلف متّحدة إجمالا مع قيمة يوم المخالفة، لكنّهما اختلفا في تعيين تلك القيمة، بأن ادّعى المالك أنّ قيمته يوم المخالفة عشرون دينارا، و ادّعى الغاصب أنّها عشرة دنانير. و من المعلوم أنّ المالك حينئذ يدّعي زيادة القيمة، فيجب عليه إقامة البيّنة على ذلك. أمّا الغاصب فهو منكر لتلك الزيادة، فيتوجّه عليه اليمين.

و الحاصل: أنّه بناء على حمل الصحيحة على كون المدار في تعيين القيمة على قيمة يوم التلف أمكن تصوير التغاير بين إلزام المالك بالحلف، و بين إلزامه بإقامة البيّنة.

و أمّا بناء على كون المناط قيمة يوم الغصب، فتصوير التغاير بين الأمرين بعيد جدّا، لأنّه على هذا لا بد من حملها على صورة اتّفاق المالك و الغاصب على قيمة اليوم السابق على يوم المخالفة. أو على قيمة اليوم اللاحق ليوم المخالفة، ثم ادّعى الغاصب نقصان القيمة السابقة.

لكنّه خلاف الظاهر من الصحيحة، فلا يمكن الالتزام به، مع عدم القرينة عليه.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في توجيه كلام المصنّف.

و يرد عليه: أنّ حمل الصحيحة على إرادة يوم التلف، ثم فرض توجّه الحلف في صورة، و توجّه البيّنة على المالك في صورة أخرى، خلاف الظاهر جدّا، لاستلزامه فرض صورتين مغايرتين. مع أنّ ظاهر العطف ب‍ «أو» هو التخيير في صورة واحدة بين الحلف و إقامة البيّنة. فجعل جملة «إمّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك، فإن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك. أو يأتي صاحب البغل بشهود .. إلخ» مؤيّدة لإرادة يوم التلف- دون يوم المخالفة و الغصب- ممّا لا وجه له.

مضافا إلى: إمكان فرض هاتين الصورتين بناء على كون العبرة بقيمة يوم الغصب أيضا، بأن يكون المالك في إحداهما مدّعيا عليه البينة، و في أخراهما منكرا عليه اليمين.

كما إذا اتّفقا في قيمة يوم الاكتراء، و اختلفا في قيمة يوم الغصب، فإنّ المالك حينئذ

509

____________

لادّعائه الزيادة إلى يوم الغصب مدّع، و الغاصب منكر. و إن ادّعى الغاصب تنزّل القيمة، و أنكره المالك انعكس الأمر، و صار المالك منكرا، و الغاصب مدّعيا.

لكن هذا الفرض أيضا خلاف ظاهر العطف بكلمة «أو» من التخيير في صورة واحدة، لا في صورتين متغايرتين.

مضافا إلى: أنّه خلاف اتّحاد زماني الاكتراء و الغصب. و قد ظهر من الأبحاث المتقدّمة وحدة زمانهما.

فمقتضى الجمود على هذا الظاهر لزوم تخصيص عموم ما ورد من «أنّ البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» بظاهر هذه الصحيحة من توجّه كلّ من الحلف و البيّنة على المالك في خصوص الدابة المغصوبة، أو في مطلق القيميّ المغصوب.

لكنّه في غاية البعد، إذ لم يعهد من أحد الالتزام بهذا التخصيص.

و لعلّه لأجل هذا البعد قال المحقق الايرواني: «إنّ قضيّة البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر قضيّة واردة في المخاصمات. و في مورد الرواية لم تفرض مخاصمة. بل الراوي سأل عن أنّه من يعرف قيمة البغل و هو تالف؟ فقال (عليه السلام): إمّا أنت أو هو، فيكون الحلف من كلّ منهما لأجل أن يذعن الطرف المقابل الجاهل بالقيمة، لا لأجل إلزام خصمه المنكر له» (1).

و هذا ما تقتضيه أصالة العموم فيما إذا شكّ في التخصيص، بعد العلم بعدم كون شي‌ء محكوما بحكم العام، و الشك في كون خروجه عنه بالتخصص أو التخصيص، فإنّه تجري أصالة العموم، و يثبت لازمها أعني به عدم فرديّته للعامّ حتى يكون خروجه بالتخصيص. فإنّه لم يثبت في مورد الرواية الترافع إلى الحاكم حتى يندرج الحلف فيه في اليمين المعتبرة في ميزان القضاء، بل اندراجه فيها مشكوك فيه، فلا مانع من جريان أصالة العموم في دليل «كون اليمين على المنكر و البيّنة على المدّعى» و إثبات كون ما نحن فيه خارجا عن موضوع دليل العموم تخصّصا، لاختصاص ذلك بباب الخصومات.

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 102

510

____________

فلا يرد: أنّ حمل الرواية على كون العبرة بقيمة يوم الغصب يستلزم مخالفة القواعد من ناحيتين: إحداهما: أنّ دعوى المالك زيادة القيمة مخالفة للأصل، فلا تتوجّه إليه اليمين، بل وظيفته البيّنة.

ثانيتهما: أنّه إذا توجّهت اليمين إلى المالك لم تسمع منه البيّنة. مع أنّ الامام (عليه السلام) حكم بقبول كلّ من البيّنة و اليمين من المالك، فلا بدّ من حمل الرواية على كون العبرة بقيمة يوم التلف.

ثم إنّ هذين الإشكالين إنّما يتوجّهان بناء على إرادة قيمة البغل من قوله: «فمن يعرف ذلك». و هو الذي أوقعهم في حيص و بيص من التخصيص أو التخصّص.

و أمّا بناء على إرادة قيمة ما بين الصّحيح و المعيب كما هو الظاهر، لأنّ الجملة المتضمّنة للسؤال عن تلف العين و ضمانها و الجواب عنها قد تمّت، و السائل بعد ذلك سأل عن ضمان عيب العين مع بقائها، فأجاب (عليه السلام) عنه بضمان قيمة ما بين الصحيح و المعيب. فقوله (عليه السلام): «من يعرف ذلك» ظاهر في الرجوع إلى قيمة البغل صحيحا و معيبا، لا قيمة البغل من حيث هو كما كان ذلك مبنى كلماتهم.

و على هذا الاحتمال يمكن أن يقال: إنّ الظاهر من قوله (عليه السلام): «إمّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك» هو الحلف على قيمة البغل المعيب الموجود بين أيديهما. و من المعلوم أنّ في اختلاف قيمة المعيب يكون صاحب البغل منكرا، لأنّه يريد جلب النفع إلى نفسه، فينكر زيادة قيمة المعيب بخلاف الغاصب، فإنّه يريد دفع الضرر عن نفسه، فيدّعي زيادة قيمته.

مثلا إذا كان قيمة الصحيح أربعين درهما، و ادّعى الضامن أنّ قيمة المعيب ثلاثون درهما، و أنكره المالك، و قال: «بل قيمته عشرون درهما» فوظيفة المالك حينئذ اليمين، لأنّه منكر للزيادة التي يدّعيها الضامن، و هي العشرة، فيحلف أو يردّ الحلف إلى صاحبه.

و أمّا قوله (عليه السلام): «أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل يوم اكترى كذا و كذا» فصريح في أنّ اختلافهما راجع إلى قيمة البغل حال الصّحّة لا حال العيب، و إن كان هذا الاختلاف لتشخيص ما به التفاوت بينهما. و من المعلوم أنّ القول في هذا

511

____________

الاختلاف قول الضامن، لأنّه ينكر الزيادة التي يدّعيها المالك. فإذا ادّعى المالك أنّ قيمة البغل صحيحا خمسون درهما، و أنكر الضامن، كان المالك مدّعيا و الضامن منكرا، فالرواية متعرّضة لصورتين من صور الدّعوى:

إحداهما: اختلاف قيمة المعيب بعد اتّفاقهما على قيمة الصحيح، كما إذا اتّفقا على أنّ قيمة الصحيح أربعون درهما، و اختلفا في أنّ قيمة المعيب ثلاثون أو عشرون و حينئذ يكون المالك منكرا لما يدّعيه الضامن من كون قيمته ثلاثين، و لذا يحلف أو يردّ الحلف إلى الضامن.

ثانيتهما: عكس الصورة الأولى، و هي صورة اتّفاقهما على قيمة المعيب كعشرين درهما، و الاختلاف في قيمة الصحيح كما إذا ادّعى المالك أنّها أربعون، و أنكر الضامن، و قال: بل ثلاثون، فحينئذ يكون المالك مدّعيا، و لذا طولب بإقامة البيّنة.

فالمتحصّل: أنّه لا يلزم تخصيص قاعدة «البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه».

و يمكن حمل قوله (عليه السلام): «إمّا أن يحلف هو .. إلخ» على بيان طرق معرفة القيمة على حسب اختلاف حالات المالك و الغاصب، لا على بيان طرق حكم الحاكم بمقدار القيمة، كي يتعيّن حمل الكلام على بيان وظيفة الحاكم المنوطة بالبيّنة، ثم يمين المنكر، ثم اليمين المردودة.

فالغاصب إن كان جاهلا- مع علم المالك- فإخباره مع يمينه حجّة. و إن كان الغاصب عالما و المالك جاهلا فأخبار الغاصب مع يمينه حجّة و طريق إلى معرفة المالك بالقيمة. و إن كان كلاهما جاهلين بالقيمة فالبيّنة حجّة و طريق لهما. فلا تشمل الرواية صورة الترافع و التنازع إلى الحاكم حتى يلزم انخرام قاعدة: البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه.

كما أنّه قد تحصّل ممّا تقدّم: عدم دلالة الصحيحة- بفقرتيها- المزبورتين- على كون العبرة في ضمان القيميّات بقيمة يوم الغصب. فالعبرة إمّا بقيمة يوم التلف، و إمّا بأعلى القيم.

512

لكن (1) يحتمل أن يكون العيب قد تناقص إلى يوم الرّد، و العبرة حينئذ (2) بالعيب الموجود حال حدوثه، لأنّ المعيب لو ردّ إلى الصّحّة أو نقص (3) لم يسقط ضمان ما (4) حدث منه و ارتفع على (5) مقتضى الفتوى.

فهذا الاحتمال (6) من هذه الجهة (7) ضعيف أيضا (8)،

____________

(1) غرضه (قدّس سرّه) تضعيف احتمال كون «اليوم» قيدا للعيب، بتضعيف منشئه، و هو احتمال ازدياد العيب إلى يوم ردّ العين.

و محصّل التضعيف: أنّ احتمال ازدياد العيب- بعد حدوثه- معارض باحتمال نقصانه إلى يوم الرّدّ، كما إذا تصدّى الغاصب معالجة البغل و مداواته، فزال العيب أو نقص، فلو كانت العبرة في الأرش بالعيب الموجود حال ردّ البغل لزم عدم ضمان الغاصب شيئا بإزاء العيب، أو ضمانه قيمة أقلّ من قيمة العيب يوم حدوثه. مع أنّ المناط قيمة الأرش يوم حدوثه، على ما يظهر من فتاواهم من ضمان العيب، حتى إذا نقص أو زال بيد الضامن. و لأجل هذه الفتوى يشكل المصير إلى احتمال تعلّق «يوم» بالعيب، بل المتعيّن تعلّقه ب‍ «عليك» هذا.

(2) أي: حين تناقص العيب و زواله تدريجا.

(3) المراد بنقصان المعيب نقص عيبه.

(4) المراد بالموصول هو العيب، أي: العيب الذي حدث في المغصوب، ثم ارتفع.

(5) متعلّق ب‍ «لم يسقط» يعني: أنّ الدليل على استقرار أرش العيب حال حدوثه على عهدة ضامن العين هو فتوى الأصحاب.

(6) أي: احتمال كون «يوم» قيدا للعيب، و هو الذي تقدّم بقوله: «و يحتمل أن يكون قيدا للعيب .. إلخ».

(7) أي: من جهة فتوى الأصحاب بضمان العيب الحادث مطلقا حتى إذا زال أو نقص.

(8) أي: كضعف ما تقدّم بقوله: «و أمّا قوله (عليه السلام) في جواب السؤال عن إصابة العيب».

513

فتعيّن (1) تعلّقه بقوله: «عليك» (2). و المراد: بقيمة ما بين الصّحّة و العيب: قيمة التفاوت بين الصّحّة و العيب، و لا تعرّض في الرواية ليوم هذه القيمة، فيحتمل يوم الغصب (3)، و يحتمل يوم حدوث العيب (4) الذي هو يوم تلف وصف الصّحّة، الذي هو بمنزلة جزء العين في باب الضمانات و المعاوضات.

و حيث (5) عرفت ظهور الفقرة السابقة عليه (6) و اللاحقة له في (7) اعتبار

____________

(1) هذه نتيجة بطلان كلّ من تعلّق «اليوم» ب‍ «قيمة» و تعلّقه احتمالا ب‍ «العيب».

(2) فمعناه حينئذ «عليك يوم ردّ العين قيمة ما بين الصّحّة و العيب» من دون تعرّض لزمان هذه القيمة، فيحتمل أن يكون زمان التقويم يوم الغصب، و يحتمل أن يكون يوم حدوث العيب، الذي هو يوم تلف وصف الصّحّة، و من المعلوم أنّ وصف الصّحّة جزء معنوي مقابل بجزء من الثمن، كالأجزاء الخارجيّة.

(3) لتبعية ضمان الأجزاء- التي منها وصف الصّحّة- لضمان يوم الغصب.

(4) يعني: إذا قلنا بضمان العين المضمونة التالفة بقيمة يوم التلف ترتّب عليه ضمان العيب بقيمة يوم حدوثه، لأنّه زمان تلف وصف الصّحّة الذي هو كالجزء الخارجيّ في الضمان‌

(5) يعني: أنّ جملة «عليك قيمة ما بين الصّحّة و العيب يوم تردّه» لمّا كانت مجملة، لدوران قيمة العيب بين قيمة يوم غصب العين و بين قيمة يوم حدوث العيب، و لم تكن منافية لاستظهار قيمة يوم الغصب، تعيّن رفع إجمالها بالرجوع إلى ما ورد في صدر الصحيحة و ذيلها ممّا يدلّ على ضمان قيمة يوم الغصب.

(6) أي: على قوله (عليه السلام): «عليك قيمة ما بين الصّحّة و العيب يوم تردّه» و المراد من الجملة السابقة قوله عليه الصلاة و السلام: «قيمة بغل يوم خالفته». و المراد بالجملة اللاحقة قوله (عليه السلام): «أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل يوم اكتري كذا و كذا» فإنّ ظاهر هاتين الجملتين اعتبار قيمة يوم الغصب.

(7) متعلّق ب‍ «ظهور الفقرة.».

514

يوم الغصب تعيّن حمل هذا (1) أيضا (2) على ذلك (3).

[تضعيف دلالة الصحيحة على اعتبار قيمة وقت الضمان]

نعم (4) يمكن أن يوهن ما استظهرناه من الصحيحة

____________

(1) أي: جملة «عليك قيمة ما بين الصّحّة و العيب يوم تردّه» و الوجه في التعيّن هو لزوم حمل المجمل على المبيّن.

(2) أي: كما حملنا جملة «يوم الاكتراء» على يوم الغصب، لعدم العبرة في باب ضمان العين المستأجرة بيوم الاكتراء.

(3) أي: على يوم الغصب. و بهذا يظهر عدم وجود معارض للصحيحة لإرادة يوم الغصب من الصّدر و الذيل.

هذا تمام الكلام في ما استظهره المصنف (قدّس سرّه) من ضمان يوم الغصب. و سيأتي تعرّضه لاستظهار ضمان يوم التلف.

تضعيف دلالة الصحيحة على اعتبار قيمة وقت الضمان

(4) استدراك على ما استظهره المصنّف (قدّس سرّه)- من فقرتي الصحيحة- من ضمان المغصوب بقيمة يوم الغصب. و غرضه تضعيف هذا الظهور، و استفادة ضمان قيمة يوم التلف وفاقا لجماعة.

و حاصل الاستدراك: أنّ الموهن لما استظهرناه من الصحيحة من اعتبار قيمة يوم الغصب هو: أنّ الحكم بضمان يوم المخالفة مبنيّ على ما هو الغالب في مورد الرواية من عدم اختلاف قيمة البغل في مدّة خمسة عشر يوما، لا لأجل خصوصيّة فيه، فلا يبقى للرواية ظهور في دخل خصوصيّة ليوم المخالفة كما هو المدّعى.

لا يقال: على هذا فما الوجه في العدول عن التعبير ب‍ «يوم التلف» إلى التعبير ب‍ «يوم المخالفة» مع إخلاله بالمقصود، لاحتمال كون المدار عليه.

فإنّه يقال: وجهه دفع توهّم أمثال صاحب البغل من العوام، و هو كون العبرة بالقيمة التي اشترى بها البغل.

515

بأنّه (1) لا يبعد أن يكون مبنى الحكم (2) في الرّواية- على ما هو الغالب في مثل مورد الرّواية- من (3) عدم اختلاف قيمة البغل في مدّة خمسة عشر يوما.

و يكون السّر (4) في التعبير بيوم المخالفة دفع ما ربما يتوهّمه أمثال صاحب البغل من العوام أنّ (5) العبرة بقيمة ما اشترى به البغل و إن نقص بعد ذلك، لأنّه (6) خسّره المبلغ الذي اشترى به البغلة.

____________

(1) متعلّق ب‍ «يوهن» و بيان لوجه توهين ما تقدم من استفادة ضمان يوم الغصب من الصحيحة.

(2) و هو ضمان قيمة يوم الغصب، المستفاد من قوله عليه الصلاة و السلام:

«قيمة بغل يوم خالفته» و من قوله عليه الصلاة و السلام: «أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل يوم اكتري كذا و كذا» لدلالة الجملتين على كون العبرة بقيمة يوم الغصب، كما تقدّم مفصّلا.

(3) بيان ل‍ «ما هو الغالب».

(4) هذا دفع دخل مقدّر، تقدّم بيانهما بقولنا: «لا يقال .. فإنه يقال ..» فغرض المصنّف إسقاط خصوصيّة «يوم المخالفة» عن دخله في تقويم المضمون.

(5) الجملة في محلّ نصب على أنّها بيان للضمير المنصوب في قوله: «يتوهمه» أو أنّها مجرورة ب‍ «من» البيانية المبيّنة للموصول في «ما ربما».

يعني: أنّ صاحب البغل و عوام الناس يتخيّلون و يتوهّمون ضمان التالف بثمنه الذي اشتروه حتى إذا نقص عنه بعده، لصيرورة البغل فارضا قد ضعف عن السّير عليه مسافة مديدة، فإنّهم لا يعتنون بهذا النقص و يطالبون بثمن الاشتراء. فأراد عليه الصلاة و السلام تنبيه المكاري على أنّه لا يستحقّ ثمن الاشتراء، و إنّما يستحقّ قيمته الفعليّة في يوم المخالفة و إن كان أقلّ بكثير من قيمة الشراء.

(6) تعليل لتوهّم المكاري استحقاق قيمة الاشتراء، يعني: لأنّ أبا ولّاد- الذي اكترى البغل- أورد خسارة على المكاري، قدرها الثمن الذي بذله المكاري لشراء البغل.

هذا أصل توهين استظهار قيمة يوم الغصب، ثمّ أيّده المصنّف بأمرين، كما يأتي‌

516

و يؤيّده التعبير (1) عن يوم المخالفة في ذيل الرّواية ب‍ «يوم الاكتراء» (2) فإنّ فيه إشعارا بعدم عناية المتكلّم بيوم المخالفة من حيث إنّه يوم المخالفة (3).

إلّا أن يقال (4): إنّ الوجه في التعبير ب‍ «يوم الاكتراء» مع كون المناط يوم المخالفة (5) هو التنبيه على سهولة إقامة الشهود على قيمته في زمان الاكتراء، لكون

____________

و إن ناقش في أوّلهما.

(1) هذا هو المؤيّد الأوّل لإسقاط يوم المخالفة عن الموضوعيّة، يعني: و يؤيّد كون الحكم- في الصحيحة- مبنيّا على الغالب التعبير عن يوم المخالفة ب‍ «يوم الاكتراء» كما تقدّم في الفقرة الثانية. و لو كان الحكم مترتّبا على خصوص يوم المخالفة و الغصب لم يكن وجه للتعبير ب‍ «يوم الاكتراء» حتى لو فرض اتّحاده مع يوم المخالفة. فالتعبير «بيوم الاكتراء» مشعر بعدم اعتناء الامام عليه الصلاة و السلام بقيمة البغل في يوم المخالفة، و أنّ تعبيره (عليه السلام) «بيوم المخالفة» في الجملة السابقة يكون لأجل وحدة قيمة البغل في يومي المخالفة و الاكتراء. و عليه فلا سبيل لاستظهار ضمان قيمة البغل في يوم الغصب من الصحيحة.

(2) أي: فإنّ في التعبير ب‍ «يوم الاكتراء» إشعارا بعدم موضوعيّة قيمة البغل يوم الغصب.

(3) بل من حيث كون القيمة في يوم المخالفة مساوية لها في يوم الاكتراء إلى يوم الرّد، و من هنا يصحّ التعبير عن قيمته بقيمة يوم الاكتراء و الردّ و المخالفة.

(4) غرضه الخدشة في التأييد و التحفّظ على كون «يوم المخالفة» ملحوظا على نحو الموضوعيّة، و حاصله: أنّه مع كون العبرة بقيمة يوم المخالفة يكون النكتة في التعبير عنه ب‍ «يوم الاكتراء» هي التنبيه على سهولة إقامة الشهود على قيمته في زمان الاكتراء، لكون البغل في يوم الاكتراء بمحضر المكارين، فيسهل الاطّلاع على قيمته.

بخلاف وقت المخالفة، لعدم حضورهم عند قنطرة الكوفة حتى يتيسّر تقويم البغل بالمراجعة إليهم. و عليه فالعبرة بقيمة المضمون في زمان الغصب، هذا.

(5) كما استظهره المصنّف من قوله عليه الصّلاة و السّلام: «قيمة بغل يوم خالفته».

517

البغل فيه غالبا (1) بمشهد من الناس و جماعة من المكارين (2). بخلاف زمان المخالفة من حيث (3) إنّه زمان المخالفة.

فتغيير التعبير ليس لعدم العبرة بزمان المخالفة، بل للتنبيه على سهولة معرفة القيمة بالبيّنة. كاليمين (4)- في مقابل قول السائل (5): «و من يعرف ذلك؟» فتأمّل (6).

____________

(1) أي: في يوم الاكتراء.

(2) الّذين هم خبراء بثمن البغال و الدّوابّ.

(3) لمّا كان يوم الاكتراء و المخالفة واحدا في مورد الصحيحة، و كانت العبرة بقيمة يوم المخالفة، لزم تقييد «اليوم» عند ترتب حكم على حيثيّة المخالفة. فغرضه (قدّس سرّه) من قوله: «من حيث إنّه زمان المخالفة» أنّ مناط معرفة قيمة البغل يوم الاكتراء لا زمان المخالفة، فالعبرة في الضمان بيوم الغصب، و طريق معرفة القيمة إخبار المكارين الّذين يسهل حضورهم في زمان الاكتراء، و يصعب في زمان المخالفة.

(4) يعني: كمعرفة القيمة باليمين في السهولة.

(5) يعني: في جواب سؤال أبي ولّاد، حيث قال عليه الصلاة و السلام: «أنت و هو، إمّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك، فإن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمك، أو يأتي صاحب البغل بشهود ..».

(6) لعلّه إشارة إلى: أنّ الخدشة في المؤيّد- المتقدمة بقوله: «إلّا أن يقال»- لا يوجب ارتفاع التوهين في أصل المطلب.

أو إلى: أنّ الخدشة في المؤيّد ممنوعة. و أنّ التعبير ب‍ «يوم الاكتراء» موهن لاستظهار ضمان قيمة يوم المخالفة. و ما ذكر من «سهولة معرفة القيمة بالبيّنة و صعوبتها في يوم المخالفة» غير وجيه، لأنّه- بعد اقتران المخالفة زمانا بالاكتراء- يسهل معرفة قيمة البغل في كلّ من زمان الاكتراء و المخالفة، فلو كانت العبرة بيوم المخالفة تعيّن التعبير به.

518

و يؤيّده (1)

____________

و عليه فالتعبير ب‍ «يوم الاكتراء» كاشف عن عدم موضوعيّة يوم المخالفة، هذا.

(1) هذا مؤيّد ثان لكون الحكم في الرّواية- من ضمان قيمة يوم المخالفة- مبنيّا على الغالب، لا لموضوعيته له. و حاصل وجه التأييد: أنّ قوله (عليه السلام): «أنت و هو، إمّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك .. إلخ» يدلّ على عدم خصوصيّة في تقويم البغل بيوم المخالفة، إذ لو كانت العبرة بخصوص يوم المخالفة لم يكن وجه لكون قول المالك مقدّما على قول المستأجر، مع كون قوله مخالفا للأصل، لأنّه يدّعي زيادة القيمة بعد الاكتراء، و هذه الدعوى مخالفة لأصالة براءة ذمّة الضامن، أو مخالفة لاستصحاب عدم الزيادة.

و لم يكن أيضا وجه لقبول بيّنته، لأنّ من يقبل قوله فليس عليه البيّنة، بل البيّنة على صاحبه.

و بالجملة: فهذا كلّه مخالف لموازين القضاء، و موهن لظهور الصحيحة في كون العبرة بقيمة يوم الغصب.

و بتعبير آخر: أنّ الامام عليه الصّلاة و السّلام جعل طريق إثبات القيمة الزائدة التي يدّعيها المكاري- حتى تستقرّ على عهدة أبي ولّاد- أمرين، أحدهما:

الحلف، و الآخر: إقامة البيّنة. و جعل (عليه السلام) طريق إثبات القيمة التي يدّعيها أبو ولّاد خصوص اليمين المردودة.

و عليه نقول: لو كانت العبرة بقيمة البغل يوم الغصب، أشكل تطبيق جواب الامام عليه الصّلاة و السّلام على موازين باب القضاء. أمّا أوّلا: فلأنّ مالك البغل مدّع لزيادة قيمته يوم الغصب على قيمته يوم الإكتراء بيمينه، و من المعلوم أنّ قوله مخالف لأصالة عدم الزيادة. و لا وجه لتقديم قوله بمجرّد يمينه، لأنّ المتّبع في باب القضاء توجيه الحلف أوّلا إلى المنكر، فإن حلف ثبت قوله، و إن ردّها إلى المالك فحلف ثبت قوله.

519

أيضا (1) قوله (عليه السلام) فيما بعد (2) في جواب قول السائل: «و من يعرف ذلك؟» قال: أنت و هو، امّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك. فإن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه. أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون على أنّ قيمة البغل يوم اكتري كذا و كذا، فيلزمك» الخبر، فإنّ (3) العبرة لو كانت بخصوص يوم

____________

مع أنّه عليه الصّلاة و السّلام قدّم قول المالك بحلفه على القيمة، فقال: «إمّا أن يحلف هو على القيمة ..».

و أمّا ثانيا: فلأنّ المقرّر في باب القضاء «البيّنة على المدّعي و اليمين على المنكر» فالوظيفة الأوّليّة لكلّ منهما تغاير وظيفة الآخر، فعلى المدّعي إقامة البيّنة لإثبات مقصوده، و على المنكر اليمين للتخلّص من دعوى المدّعي. و من المعلوم عدم صدق عنواني «المدّعي و المنكر» على شخص واحد حتى تثبت دعواه بكلّ من اليمين و البيّنة. مع أنّه عليه الصّلاة و السّلام جمع بين اليمين و البيّنة في حقّ المالك هذا.

و لا مخلص من هذين الإشكالين إلّا بجعل العبرة بقيمة يوم التلف، إذ يمكن توجيه كلّ من تقديم قول المالك، و توجيه اليمين و البينة معا إلى المالك كما سيأتي بيانه قريبا إن شاء اللّه تعالى.

(1) يعني: كما تأيّد الحكم- بضمان قيمة يوم التلف- بالمؤيّد الأوّل.

(2) يعني: بعد الفقرة الأولى، و هي قوله عليه الصّلاة و السّلام: «نعم قيمة بغل يوم خالفته».

(3) هذا تعليل لقوله: «و يؤيّده أيضا» و بيان لوجه التأييد، و حاصله- كما عرفت تفصيله- أنّه لو كانت العبرة بضمان قيمة يوم الغصب لزم مخالفة موازين باب القضاء من جهتين. إحداهما: قبول قول المالك المدّعي لزيادة قيمة البغل، و المفروض مخالفة دعواه لأصالة عدم الزيادة.

ثانيتهما: الجمع بين قبول يمينه و قبول بيّنته، مع امتناع كون شخص واحد مدّعيا و منكرا.

520

المخالفة لم يكن وجه لكون القول قول المالك مع كونه مخالفا للأصل (1).

ثم لا وجه لقبول بيّنته (2)، لأنّ من كان القول قوله، فالبيّنة بيّنة صاحبه.

و حمل (3) الحلف هنا على الحلف المتعارف الذي يرضى به المحلوف له

____________

(1) أي: استصحاب عدم زيادة القيمة على قيمة ما قبل يوم المخالفة.

(2) أي: بيّنة المالك، و من المعلوم أنّ قبول بيّنته مخالف لما تقرّر من أنّ من يقبل قوله لا تقبل بيّنته، و إنّما تقبل من صاحبه.

(3) مبتدأ خبره «خلاف الظاهر» و الحامل هو صاحب الجواهر (قدّس سرّه) و قد بسط الكلام لتثبيته، و لئلّا يلزم طرح الصحيحة من جهة مخالفتها لموازين القضاء، قال (قدّس سرّه):

«قلت: لكن قد يقال: يمكن حمله على إرادة بيان أنّ ذلك طريق لمعرفة القيمة مع التراضي بينهما في ذلك، لا أنّ المراد بيان تقديم قوله مع عدم التراضي. و إلّا لم يكن معنى لقوله (عليه السلام): أو يأتي بشهود، ضرورة عدم الحاجة إليهم في إثبات قوله، بناء على أنّ القول قوله .. إلى أن قال: فلا دلالة في الصحيح المزبور على فرض المسألة بما عند الأصحاب من كون المراد شغل ذمّة الغاصب بالزائد و عدمه. بل إن لم يحمل على ما ذكرنا من التراضي بينهما على اليمين لم يكن معنى لقوله (عليه السلام): تعرفها أنت و هو، ضرورة كون المعرفة للمالك حينئذ، بناء على أنّ القول قوله. و ليس المراد من قوله (عليه السلام)- فإن ردّ اليمين عليك- اليمين المردودة المصطلحة، إذ تلك إنّما هي على نفي ما يدّعيه المنكر، لا على إثبات ما يدّعيه الغاصب. فلا محيص حينئذ عن حمل الصحيح المزبور على ما ذكرناه، و إلّا نافى قواعد القضاء، فتأمّل جيّدا، و اللّه العالم» (1).

و غرضه (قدّس سرّه) من هذا الحمل توجيه العمل بهذه الصحيحة بنحو لا ينافي ما تقرّر في باب القضاء من «أن البينة على المدّعي و اليمين على من أنكر» و ادّعى صاحب الجواهر عدم دلالة الصحيحة على كون مورد تقديم قول المالك و قبول بيّنته- معا- هو إنكار الغاصب زيادة قيمة المغصوب، بل مورده التداعي. و أقام‌

____________

(1) جواهر الكلام، ج 37، ص 224 و 225

521

..........

____________

قرائن داخليّة على مدّعاه، و كان المناسب توضيحها تسهيلا للأمر على إخواننا المشتغلين أيّدهم اللّه تعالى. لكن لخوف الإطالة و الخروج عن حدود التوضيح نقتصر على شرح ما لخّصه المصنّف في المتن، فنقول و به نستعين:

إنّ المراد بالحلف في قوله عليه الصّلاة و السّلام: «إمّا أن يحلف هو ..» ليس الحلف الذي يكون ميزانا لفصل الخصومة حتى يلزم مخالفة قاعدة «اليمين على المنكر و البيّنة على المدّعي» بل المقصود بالحلف هنا هو اليمين المتعارفة عند عامّة الناس بداعي تصديق الطرف الآخر و إذعانه بالمحلوف عليه، كما يشاهد في مقام المعاملة، فيحلف البائع مثلا على أنّ المبيع كلّفه كذا دينارا، أو أنّه صرف عليه كذا مبلغا، فيصدّقه المشتري، و يرضى بالثمن، و لولا اليمين بالأسماء المقدّسة لم تقنع نفس المشتري بما يدّعيه البائع.

و كذا الحال في حلف الموجر على الأجرة التي يجعلها على داره أو دكّانه.

و من هذا القبيل اختلاف أبي ولّاد و المكاري في قيمة البغل، فلو ادّعى المكاري قيمة عليا و حلف عليها رضي أبو ولّاد بها، و احتمل عدم تصديقه إيّاه بدون الحلف.

و على هذا فلا ربط للحلف المذكور في الصحيحة بباب القضاء حتى تنخرم قاعدة «اليمين على من أنكر» إذ لا أثر في الصحيحة من الترافع إلى القاضي في خصوص معرفة قيمة البغل، هذا.

فإن قلت: لو كان المراد من الحلف هو المتداول في مقام المماكسة عند المعاملة لم يكن وجه لتعبير الامام عليه الصّلاة و السّلام: «فان ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه» لأنّ ظاهر «الرّدّ» هو كون الحلف حقّا للمالك ابتداء، و أنّ الحاكم الشرعيّ يأمر المالك بالحلف، فإن أبى منه وجّهه الحاكم إلى الغاصب، و من المعلوم أنّ «ردّ اليمين» من شؤون القضاء و فصل الخصومة عند الحاكم و الترافع إليه، فلا وجه لحمل «الحلف» على ما يتداول بين عامّة الناس في مقام المعاملة، هذا.

522

و يصدّقه (1) فيه من دون (2) محاكمة. و التعبير (3) بردّ [بردّه] اليمين على الغاصب من جهة أنّ المالك أعرف بقيمة بغله، فكان الحلف حقّا له ابتداء خلاف (4) الظاهر.

____________

قلت: التعبير ب‍ «ردّ اليمين» لا ينافي إرادة الأيمان المتعارفة بين الناس، و ذلك لخصوصيّة في هذه القصّة، و هي أنّ تقديم قول المكاري- بضميمة حلفه على القيمة- ناش من كونه أعرف بقيمة بغلة من غيره، فلذا حكم الامام عليه الصّلاة و السّلام بتوجّه اليمين إليه أوّلا، فإن حلف ثبتت القيمة العليا في ذمّة أبي ولّاد، و إن ردّ اليمين عليه، فحلف على القيمة النازلة لزم على المكاري قبولها.

و الحاصل أنّه: لا مانع من حمل الحلف في الصحيحة على الحلف المتعارف بين الناس، و لا يراد به الحلف المعتبر في فصل الخصومة حتى يشكل استظهار قيمة يوم الغصب من الصحيحة.

(1) الضمير المستتر راجع إلى المحلوف له و هو أبو ولّاد، و الضمير البارز راجع إلى الحالف و هو المكاري. و ضمير «فيه» راجع إلى «المحلوف عليه» المستفاد من العبارة، و المراد به قول المكاري.

(2) متعلّق ب‍ «يرضى» يعني: أنّ الطرف الآخر يرضى بما يحلفه الحالف، و لا حاجة إلى مراجعة المحكمة للحلف فيها.

(3) مبتدأ خبره قوله: «من جهة» و تقدّم توضيح الدخل و جوابه بقولنا:

«إن قلت .. قلت».

(4) خبر قوله: «و حمل» و ردّ له. و حاصل الرّدّ: أنّ شأن الإمام عليه الصّلاة و السّلام بيان الحكم الشرعيّ الكلّيّ، و القانون العامّ لحلّ المنازعة بين المكاري و أبي ولّاد، و ليس (عليه السلام) بصدد إرجاعهما إلى ما تعارف بين الناس لحلّ المرافعة، إذ لا عبرة بها لو لم تنطبق على الموازين الشرعيّة. هذا ما أفاده المصنف (قدّس سرّه) و قد بيّن في التعليقة ما يتعلّق به، فراجع.

فتحصّل: أنّ المؤيّد الثاني لضمان قيمة يوم التلف- دون قيمة يوم المخالفة- سليم عن الخدشة المتقدّمة.

523

و هذا (1) بخلاف ما لو اعتبرنا يوم التلف،

____________

(1) هذا مرتبط بقوله: «فإنّ العبرة لو كانت بخصوص يوم المخالفة» و تتمّة للمؤيّد الثاني، و حاصله: أنّ مدلول الصحيحة إن كان ضمان قيمة يوم التلف لم يلزم خرق قواعد باب القضاء أصلا، لإمكان حمل حكمه عليه الصّلاة و السّلام «بتقدّم قول المكاري بيمينه» على صورة من صور نزاعهما في قيمة البغل، و حمل حكمه (صلوات اللّه و سلامه عليه) بقبول بيّنته على صورة أخرى.

توضيحه: أنّ اختلاف المكاري و أبي ولّاد في قيمة البغل يفرض تارة فيما إذا اتّفقا على قيمته يوم المخالفة بأن كانت خمسين درهما مثلا، و ادّعى أبو ولّاد نقصان ثمنه يوم التلف بأن صارت أربعين درهما، و أنكر المكاري هذا النقص، فيحمل قوله عليه الصّلاة و السّلام: «إمّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك» على هذه الصّورة، و هو مطابق لقاعدة «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» و حيث إنّه لا بيّنة لأبي ولّاد على دعوى نقصان القيمة يتجه قبول قول المكاري بيمينه، لموافقته لاستصحاب بقاء قيمة البغل على حالها.

و أخرى فيما إذا اتّفقا على عدم تغيير قيمته السوقيّة من زمان الغصب إلى زمان التلف، و إنّما اختلفا في قيمته السابقة، فالمكاري يدّعي أنّها خمسون درهما، و الغاصب ينكره و يقول إنّها أربعون درهما. و يحمل قوله عليه الصّلاة و السّلام: «أو يأتي صاحب البغل بشهود ..» على هذه الصّورة، لكون الغاصب منكرا للزيادة، و يطابق قوله للأصل، و المكاري مدّعيا للزيادة، و عليه إقامة البيّنة على أنّ قيمة البغل خمسون درهما، و ليس في هذا مخالفة لقانون القضاء «البيّنة على المدّعي» بل هو مصداق للقاعدة المسلّمة.

و ثالثة فيما إذا اتّفقا على قيمة البغل يوم الغصب و أنّها خمسون درهما مثلا، و ادّعى المالك ارتفاعها إلى ستّين درهما يوم التلف، و أنكر الغاصب هذا الارتفاع، و أنّ القيمة لم تزدد على الخمسين. و هذه الصّورة و إن لم تذكر في الصحيحة، لكن يعلم‌

524

فإنّه (1) يمكن أن يحمل توجّه اليمين على المالك على (2) ما إذا اختلفا في تنزّل القيمة يوم التلف، مع اتّفاقهما أو الاطّلاع (3) من الخارج على قيمته سابقا. و لا شكّ حينئذ (4) أنّ القول قول المالك.

و يكون سماع البيّنة (5) في صورة اختلافهما في قيمة البغل سابقا مع

____________

حكمها من حكم الصّورة الأولى، فيحلف الغاصب على نفي زيادة القيمة، و إن نكل و ردّ اليمين على المكاري و حلف على ارتفاع القيمة، استقرّ على عهدة الغاصب حينئذ.

فالنتيجة: أنّ الصحيحة إن دلّت على اعتبار قيمة يوم الغصب لزم إمّا مخالفة قواعد القضاء كما عرفته مفصّلا، و إمّا حمله على فرد نادر من موارد النزاع كما سيأتي توضيحه قريبا. و إمّا على التعبّد كما سيأتي أيضا. و إن دلّت على ضمان قيمة يوم التلف كان قبول قول المكاري بيمينه و قبول بيّنته مطابقا لموازين القضاء، بعد حمل مورد الحلف على صورة، و مورد البيّنة على صورة أخرى، هذا.

(1) هذا تقريب مطابقة الصحيحة لموازين باب القضاء بناء على أمرين:

أحدهما: كون العبرة بقيمة يوم التلف.

ثانيهما: التفكيك بين موردي تقدّم قول المالك بيمينه، و بين قبول يمينه، كما عرفت.

(2) متعلّق ب‍ «أن يحمل».

(3) يعني: أنّ اتّفاقهما على القيمة السابقة إمّا لعلمهما بها، و إمّا لاستعلام القيمة من الخبراء و المقوّمين.

(4) أي: حين اتّفاقهما على قيمته سابقا. و الوجه في تقديم قول المالك حينئذ هو إنكاره لما يدّعيه الغاصب من نقصان قيمة المعيب.

(5) هذه صورة ثانية من صور نزاعهما في قيمة البغل. و في هذا الفرض تكون وظيفة المالك إقامة البيّنة، و لا مورد ليمينه و لا ليمين الغاصب، و قد عرفت توضيحه بقولنا: «و اخرى فيما إذا اتفقا على عدم تغيير قيمته السّوقيّة .. إلخ».

525

اتّفاقهما على بقائه عليها إلى يوم التلف، فيكون (1) الرّواية قد تكفّلت بحكم صورتين من صور تنازعهما. و يبقى بعض الصور، مثل: (2) دعوى المالك زيادة قيمة يوم التلف عن يوم المخالفة (3). و لعلّ حكمها- أعني حلف الغاصب- يعلم من حكم عكسها (4) المذكور في الرّواية.

و أمّا على تقدير كون العبرة في القيمة بيوم المخالفة فلا بدّ (5) من حمل

____________

(1) هذا متفرّع على ما تقدّم من حمل مورد قبول حلف المالك على الصّورة الاولى، و حمل مورد قبول بيّنته على الصّورة الثّانية.

(2) هذه هي الصّورة الثّالثة من صور النزاع، و قد تقدّم توضيحها أيضا.

(3) يعني: عن قيمة يوم المخالفة، المتّفق عليها بينهما.

(4) أي: الصّورة الاولى، و هي اختلافهما في تنزّل القيمة- يوم التلف- عن قيمتها السّابقة المتّفق عليها.

هذا كلّه في توجيه الصّحيحة بناء على كون العبرة بقيمة يوم التلف.

(5) غرضه من هذا الكلام إلى الشروع في استفادة ضمان أعلى القيم هو توجيه الصّحيحة بناء على دلالتها على ضمان قيمة يوم المخالفة، بذكر وجهين، و المناقشة فيهما.

توضيح الوجه الأوّل: أنّه يمكن تطبيق الصحيحة على قاعدة «الحلف وظيفة المدّعى عليه، و البيّنة وظيفة المدّعي» بحمل قوله عليه الصّلاة و السّلام: «إما أن يحلف هو فيلزمك» على صورة من صور النزاع، و هي ما إذا اتّفقا على قيمة البغل في اليوم السابق على يوم المخالفة، بأن كانت خمسين درهما، ثم اختلفا في قيمته يوم المخالفة، بأن ادّعى الغاصب نقصانها يوم المخالفة إلى أربعين درهما، و ادّعى المالك بقاءها على الخمسين درهما، إذ يكون المالك حينئذ منكرا، لموافقة قوله لأصالة عدم النقصان، فيتّجه قبول قوله مع يمينه.

و كذا الحال لو اتّفقا على قيمة البغل في اليوم اللاحق ليوم المخالفة، و هي خمسون درهما، و لكن الغاصب يدّعي كونها في يوم المخالفة أربعين، فيتّجه قبول يمينه، لموافقة قوله للاستصحاب القهقرائيّ الدالّ على كون قيمته يوم المخالفة خمسين درهما.

526

الرّواية على ما إذا اتّفقا على قيمة اليوم السّابق على يوم المخالفة، أو اللاحق له (1)، و ادّعى الغاصب نقصانه عن تلك (2) يوم المخالفة. و لا يخفى بعده (3).

و أبعد منه (4) حمل النّصّ على التّعبّد، و جعل حكم خصوص الدابّة

____________

و الحاصل: أنّه بناء على حمل الصحيحة على هذه الصورة من صورة النزاع لا يلزم مخالفة قاعدة القضاء. لكن ردّه المصنّف (قدّس سرّه) بالبعد، و سيأتي توضيحه كما سيأتي توضيح الوجه الثاني إن شاء اللّه تعالى.

(1) أي: ليوم المخالفة.

(2) أي: عن تلك القيمة المتّفق عليها، و الظرف منصوب ل‍ «نقصانه» أي: وقع النقصان في يوم المخالفة.

(3) لعلّ وجهه عدم ابتلاء الغاصب بالبغل قبل المخالفة ليتمشّى منه موافقة المكاري على قيمته قبل الاكتراء، فيلزم حينئذ حمل الصحيحة على فرد نادر، لأنّهما لو اتّفقا على قيمة البغل قبل المخالفة بيوم- أو بعدها كذلك- كانت دعوى الغاصب نقصان القيمة في يوم المخالفة بعيدة جدّا، إذ ليست البغال كسائر أموال التّجارة التي تتغيّر أسعارها و أثمانها تغييرا فاحشا في يوم أو يومين.

و حيث كان هذا الحمل بعيدا كان الأولى حملها، على الصّورتين المتقدّمتين المبتنيتين على ضمان يوم التلف.

(4) أي: من حمل الرّواية على ما إذا اتّفقا .. و هذا التّوجيه الثاني يستفاد من فتوى شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في موضعين من النهاية، و لا بأس بنقل كلامه فيهما تسهيلا للأمر على إخواننا أعزّهم اللّه تعالى.

فنقول: قال- في باب بيع الغرر و المجازفة و ما يجوز بيعه و ما لا يجوز- ما لفظه:

«و من غصب غيره متاعا، و باعه من غيره، ثمّ وجده صاحب المتاع عند المشتري كان له انتزاعه من يده. فإن لم يجده حتى هلك في يد المبتاع رجع على الغاصب بقيمته يوم غصبه إيّاه .. فإن اختلف في قيمة المتاع كان القول قول صاحبه مع يمينه باللّه تعالى» (1).

____________

(1) النهاية، ص 402

527

أو مطلقا مخالفا للقاعدة المتّفق عليها نصّا و فتوى من «كون البيّنة على المدّعي

____________

و وجّهه المحقّق بقوله: «إنّما كان القول قول المالك، لأنّ الثابت في الذّمّة هو الشي‌ء المغصوب، فإذا ادّعى الغاصب أنّ القدر المدفوع هو قيمته، و أنكر المالك، كان القول قوله، لأنّ الغاصب يدّعي خلاص ذمّته ممّا هو ثابت فيها بالقدر المدفوع، و أنّ القدر هو قيمة ما في الذّمّة. و على هذا التخريج لا تكون هذه الصورة خارجة عن الأصل» (1).

هذا كلّه فيما اختاره شيخ الطائفة في بيع المغصوب في كتاب المتاجر.

و قال في باب الإجارة- في من اكترى دابّة على أن يركبها إلى موضع مخصوص، فتجاوزه- ما لفظه: «و متى هلكت الدابّة- و الحال ما وصفناه- كان ضامنا لها، و لزمه قيمتها يوم تعدّى فيها. فان اختلفا في الثمن كان على صاحبها البيّنة، فإن لم تكن له بيّنة كان القول قوله مع يمينه. فإن لم يحلف و ردّ اليمين على المستأجر منه لزمه اليمين، أو يصطلحان على شي‌ء. و الحكم فيما سوى الدّابّة فيما يقع الخلف فيه بين المستأجر و المستأجر منه، كانت البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه» (2).

و هذا الكلام صريح في اختصاص الدّابّة المغصوبة بحكم، و هو الجمع بين مطالبة البيّنة من المالك، ثم قبول قوله مع اليمين. و الوجه فيه- كما صرّح به المحقّق في نكت النهاية (3)- العمل بصحيحة أبي ولّاد. فتكون مخصّصة لقاعدة «البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه» و أمّا غير الدّابّة مما يقع الخلاف في ثمنه فمشمول لعموم القاعدة.

و قد ظهر بما نقلناه من كلمات الشيخ و المحقّق (قدّس سرّهما) اختلاف كلامي الشيخ في بابي البيع و الإجارة، ففي بيع المغصوب حكم بتقديم قول المالك مطلقا، سواء أ كان المغصوب دابّة أم غيرها. و في باب الإجارة خصّ الحكم بالدّابّة المغصوبة‌

____________

(1) النهاية و نكتها، ج 2، ص 179

(2) النهاية، ص 446

(3) النهاية و نكتها، ج 2، ص 280 و 281

528

و اليمين على من أنكر» كما حكي عن الشيخ في بابي الإجارة و الغصب (1).

____________

عملا بصحيحة أبي ولّاد. و لأجل هذا الاختلاف عبّر المصنّف ب‍ «أو» فقال:

«خصوص الدّابّة أو مطلقا».

إذا اتّضح ما ذكرناه- من صحّة نسبة هذا الحمل إلى شيخ الطائفة (قدّس سرّه)- قلنا في توضيحه: إنّ الأصل المقرّر في باب القضاء من «أنّ البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه» حكم شرعيّ كلّيّ كسائر القواعد الشرعيّة العامّة القابلة للتخصيص كقاعدة التجاوز و الفراغ و لا ضرر و لا تعاد و نحوها. و ليست أحكاما كلّيّة آبية عن التخصيص.

و حيث كانت صحيحة أبي ولّاد جامعة لشرائط الحجّيّة تعيّن تخصيص القاعدة المقرّرة في باب القضاء بها، و يقال: إنّ النزاع في ثمن الدّابّة المغصوبة مختصّ بحكم تعبّديّ، و هو تقديم بيّنة المالك و قبول يمينه، و لا يندرج في عموم «البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه» هذا.

و قد ناقش المصنف (قدّس سرّه) في هذا الحمل بأنّه أبعد من الحمل السابق. و لعلّ وجه الأبعديّة عدم ذهاب أحد إلى التعبّد و تخصيص قاعدة «البيّنة على المدّعي ..» مع كون تخصيص العامّ جمعا عرفيّا واضحا. و يكفي لإثبات عدم عرفيّة هذا التخصيص إعراض جماعة ممّن نقل فتوى الشيخ عنه، و اعتراضهم عليه كابن إدريس و المحقّق و العلّامة و غيرهم (1) (قدّس اللّه أسرارهم).

(1) المراد من الغصب هو بيع المغصوب، لا باب الغصب.

هذا تمام الكلام في ترجيح استظهار ضمان المغصوب بقيمة يوم التلف من صحيحة أبي ولّاد، و عدم وفائها بإثبات ضمان يوم الغصب. و سيأتي الكلام في استظهار ضمان أعلى القيم من الصحيحة.

____________

(1) راجع: السرائر، ج 2، ص 465؛ شرائع الإسلام، ج 2، ص 187، المسألة الثانية؛ مختلف الشيعة، ج 6، ص 150؛ مسالك الأفهام، ج 5، ص 221.

529

[ج: القول الثالث: ضمان أعلى القيم]

و أضعف من ذلك (1) الاستشهاد بالرواية على اعتبار أعلى القيم من حين

____________

ج: القول الثالث: ضمان أعلى القيم

(1) المشار إليه هو الاستشهاد بالصحيحة على كون العبرة بقيمة يوم الغصب.

و قد نبّه على ضعفه بقوله: «نعم يمكن أن يوهن ما استظهرناه من الصحيحة بأنّه لا يبعد .. إلخ».

و استدلّ على ضمان أعلى القيم من يوم الغصب إلى التلف بوجوه:

أوّلها: صحيحة أبي ولّاد، على ما صرّح به الشهيد الثاني (قدّس سرّه) و إن لم يذكر تقريب دلالة الصحيحة على ذلك. قال في المسالك في عدّ الأقوال المذكورة في ضمان القيميّ: «و ثانيها: ضمان القيمة يوم التلف .. و هذا القول قويّ. إلّا أنّ في صحيحة أبي ولّاد- فيمن اكترى البغل و تجاوز به محلّ الشرط- ما يدلّ على وجوب أعلى القيم بين الوقتين. و لولاها لما كان عن هذا القول عدول» (1).

و قوّى هذا القول في شرح اللمعة «لمكان هذا الخبر الصحيح».

و لكنّه (قدّس سرّه) استدلّ بالصحيحة- قبل سطر- على ضمان قيمة يوم الغصب، حيث قال: «و في صحيح أبي ولّاد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في اكتراء البغل و مخالفة الشرط ما يدلّ على هذا القول» (2).

و كيف كان فيمكن أن يكون نظره- في دلالة الصحيحة على قيمة زمان الغصب- إلى الظهور البدويّ في جملة «نعم قيمة بغل يوم خالفته» كما في مفتاح الكرامة (3).

____________

(1) مسالك الأفهام، ج 12، ص 186؛ الروضة البهية، ج 7، ص 43 و 44؛ و حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ج 6، ص 244.

(2) الروضة البهية، ج 7، ص 42.

(3) مفتاح الكرامة، ج 6، ص 244.

530

..........

____________

و قد تقدّم بيان المصنّف (قدّس سرّه) في كيفيّة الدّلالة.

و أمّا دلالة الصحيحة على ضمان أعلى القيم من زمان الغصب إلى التلف فلم يبيّنها الشهيد الثاني (قدّس سرّه) و يمكن توجيهما بوجهين.

أحدهما: استفادة الحكم من جملة «نعم قيمة بغل يوم خالفته» بإلغاء المعنى الحدثي، و إرادة المعنى الاسمي على ما سيأتي توضيحه في التعليقة. و لعلّ هذا الوجه ظاهر الجواهر، حيث قال (قدّس سرّه): «اللهم إلّا أن يقال: إنّه بناء على تعلّق الظرف بالفعل المستفاد من قوله: نعم، يكون المراد أنّ ابتداء الضمان من ذلك اليوم إلى يوم التلف، فيضمن الأعلى منه حينئذ. بل إن جعل متعلقا بالقيمة يكون المراد منه ذلك أيضا، لعدم معقولية ضمان القيمة مع وجود العين، فيكون الحاصل: أنه تلزمه القيمة مع العطب من يوم المخالفة» (1).

ثانيهما: استفادة الحكم من مجموع الجملتين، و هما: قوله (عليه السلام): «قيمة بغل يوم خالفته» و قوله (عليه السلام): «عليك قيمة ما بين الصّحّة و العيب يوم تردّه». بتقريب: أنّ القيمة المضمونة ليست خصوص قيمة يوم الغصب، بل المستقرّ على ذمّة أبي ولّاد- عند تعيّب البغل- هو إحدى القيم من زمان الغصب إلى زمان التلف، أو إلى ردّه معيبا إلى المكاري. و من المعلوم اقتضاء إطلاق القيمة بين هذين الوقتين ضمان الجامع بين القيم، و أداء هذا الجامع منوط بدفع الأعلى.

فلو كان ثمن البغل يوم المخالفة خمسين درهما مثلا، ثم ارتفع إلى ستّين، و تنزّل إلى أربعين، و كان في يوم تلفه أو يوم ردّه معيبا خمسا و أربعين كان على عهدة الضامن ستّون درهما، لإطلاق قوله (عليه السلام) «عليك قيمة ما بين الصّحّة و العيب» لاستقرار القيمة العليا بمجرّد ارتفاع القيمة في الفترة بين الغصب و الرّد، أو بين الغصب و التلف. و لا تفرغ الذّمّة بأداء القيمة النازلة، لعدم كونها جامعة بين القيم المختلفة في المدة التي كانت العين تحت يد الغاصب.

____________

(1) جواهر الكلام؛ ج 37، ص 104.

531

الغصب إلى التلف كما حكي عن الشهيد الثاني، إذ (1) لم يعلم لذلك وجه صحيح، و لم أظفر بمن وجّه دلالتها على هذا المطلب (2).

نعم استدلّوا على هذا القول (3) بأنّ العين مضمونة في جميع تلك الأزمنة التي منها زمان ارتفاع قيمته.

و فيه (4) أنّ ضمانها

____________

(1) تعليل لقوله: «و أضعف» و التعبير به إنّما هو لعدم الظفر بوجه دلالة الصحيحة على ضمان أعلى القيم، و هذا بخلاف دلالتها على ضمان يوم الغصب، فإنّها ليست ببعيدة، و لذا استظهره جماعة كالفاضل النراقي و غيره، و كذا المصنّف في بادئ الأمر، و إن عدل عنه إلى ترجيح اعتبار قيمة يوم التلف.

(2) قد وجّهه صاحب الجواهر (قدّس سرّه) كما أشرنا إليه آنفا، لكنه ضعّفه لكونه ضمانا تقديريا لا تحقيقيّا، فراجع.

(3) كذا في مفتاح الكرامة و الجواهر (1) أيضا، و المستدلّ بهذا الوجه جماعة، منهم الفاضل المقداد و ابن فهد الحلّي (قدّس سرّهم). و كذا الشهيد الثاني (2)، إلّا أنّه ناقش فيه و اعتمد على صحيحة أبي ولّاد، فراجع المسالك.

و كيف كان فحاصل هذا الوجه الثاني القول بضمان أعلى القيم بين الغصب و التلف هو: أنّ العين مضمونة في جميع أزمنة الغصب و المخالفة، و من تلك الأزمنة زمان ارتفاع قيمتها، و لا تفرغ الذّمّة بدفع قيمة يوم الغصب أو يوم التلف لو كانت أقلّ القيم في هذه المدّة، لفرض اشتغال الذّمّة بالقيمة العليا.

(4) هذا ردّ الوجه المزبور لإثبات ضمان أعلى القيم بين الغصب و التلف، و هو مذكور- مختصرا- في كلام الشهيد الثاني و السيّد العامليّ و صاحب الجواهر (3) (قدّس سرّهم)،

____________

(1) مفتاح الكرامة، ج 6، ص 244؛ جواهر الكلام، ج 37، ص 104

(2) لاحظ: التنقيح الرائع، ج 4، ص 70، المهذّب البارع، ج 4، ص 252، مسالك الأفهام، ج 12، ص 187.

(3) مفتاح الكرامة، ج 6، ص 244، جواهر الكلام، ج 37، ص 104، مسالك الأفهام، ج 12، ص 187.

532

في تلك الحال (1) إن أريد به وجوب قيمة ذلك الزمان لو تلف فيه فمسلّم، إذ تداركه لا يكون إلّا بذلك، لكن المفروض أنّها (2) لم تتلف فيه.

و إن أريد به استقرار قيمة ذلك الزمان (3) عليه فعلا (4) و إن تنزّلت بعد ذلك، فهو (5) مخالف لما تسالموا عليه من عدم ضمان ارتفاع القيمة مع ردّ العين.

____________

و حاصله: أنّه إن أريد بضمان العين في أزمنة الغصب وجوب قيمة ذلك الزمان على تقدير تلفها فيه، فهو مسلّم، إذ تداركها حينئذ منحصر بذلك. لكنّه خلاف المفروض، لأنّها لم تتلف، و هذا الضمان التقديريّ لم يصر فعليّا.

و إن أريد به أنّ قيمة ذلك الزمان قد استقرّت عليه و ثبتت على عهدته فعلا- و إن لم تتلف العين و تنزّلت قيمته بعد ذلك- فهو مخالف لما تسالموا عليه من عدم ضمان ارتفاع القيمة مع ردّ العين.

و إن أريد به استقرار القيمة على الغاصب بمجرّد الارتفاع مراعى بالتلف،- يعني: إن تلفت العين كان ارتفاع القيمة مضمونا، و إن لم تتلف و ردّها على صاحبها لم يضمن تلك القيمة العليا- قلنا: إنّ هذا الاحتمال و إن لم يخالف اتّفاقهم على عدم ضمان ارتفاع القيمة لو ردّ العين، إلّا أنّ الموهن للالتزام به هو مخالفته لأصالة براءة الذّمّة عن القيمة المرتفعة، و المفروض عدم وجود حجّة على اشتغال الذّمّة بتلك القيمة العليا.

و بهذا ظهرت الخدشة في استدلال الجماعة على ضمان أعلى القيم.

(1) أي: في حال ارتفاع القيمة.

(2) أي: أنّ العين لم تتلف في زمان ارتفاع قيمتها حتى تضمن بتلك القيمة المرتفعة، و عليه فضمان هذه القيمة تقديريّ، يعني: لو تلفت العين في ذلك الزمان لكانت مضمونة بتلك القيمة العليا.

(3) أي: الزمان الذي ارتفعت فيها قيمة العين المضمونة.

(4) هذا و «عليه» متعلّقان ب‍ «استقرار» أي: استقرار القيمة العليا على الضامن لمجرّد ارتفاع القيمة في بعض الأزمنة و إن تنزّلت بعده.

(5) جواب قوله: «و إن أريد به».

533

و إن أريد استقرارها (1) عليه بمجرّد الارتفاع مراعى بالتلف، فهو (2) و إن لم يخالف الاتّفاق، إلّا أنّه (3) مخالف لأصالة البراءة من غير دليل شاغل (4) عدا ما حكاه في الرياض (1) عن خاله العلّامة (قدّس اللّه تعالى روحهما) من قاعدة نفي الضرر الحاصل (5) على المالك.

و فيه (6) نظر، كما اعترف به بعض من تأخّر.

____________

(1) أي: استقرار القيمة المرتفعة على الضامن لمجرّد الارتفاع، لكنّها منوطة بالشرط المتأخّر، و هو التلف في زمان تنزّل القيمة.

(2) أي: فاستقرار القيمة العليا و إن لم يخالف الاتّفاق- إذ معقد الاتّفاق على عدم ضمان ارتفاع القيمة إنّما هو مع ردّ العين، و أمّا مع التلف فلا اتفاق على عدم ضمانه- إلّا أنّ وجوب أعلى القيم مخالف لأصالة البراءة.

إلّا أن يقال- كما عن الوحيد البهبهاني (قدّس سرّه)- بجريان قاعدة نفي الضرر عن المالك، الحاكمة على أصل البراءة.

(3) أي: أنّ استقرار ارتفاع القيمة مخالف لأصالة البراءة المقتضية لعدم اشتغال الذّمّة بالقيمة العليا.

(4) أي: شاغل لذمّة الضّامن.

(5) صفة للضرر، و وجه تضرّر المالك هو عدم تمكّنه من العين في زمان ارتفاع قيمتها، و من المعلوم أنّ الضرر منفيّ في الشريعة.

(6) أي: و في كون نفي الضرر شاغلا للذّمّة بأعلى القيم نظر، كما اعترف صاحب الجواهر بهذا النظر، حيث قال- في ذيل بيان وجه تردّد المحقّق (قدّس سرّه) في اعتبار زيادة القيمة و نقصانها بعد التلف- ما لفظه: «و لعلّه لذا قيل: إنّ وجه القول قاعدة الضرر، و ذلك لأنّ عدم تمكينه منها حين ارتفاع القيمة ضرر عليه، و تفويت لتلك المنفعة العليا، و من هنا كان خيرة العلّامة الأكبر الآغا محمد باقر البهبهاني (قدّس سرّه) فيما‌

____________

(1) رياض المسائل، ج 2، ص 304

534

نعم (1) يمكن توجيه الاستدلال المتقدم من كون العين مضمونة في جميع

____________

حكي عنه. إلّا أنّك قد عرفت فيما تقدّم اقتضاء القاعدة المزبورة ضمان الأعلى مع فواته و إن ردّ العين نفسها، و هو مخالف للإجماع بقسميه، بل قد عرفت عدم الضّمان فيما لو منعه من بيع ماله بقيمة عالية» (1).

و حاصله: أنّ الضامن مكلّف بأداء العين ما دامت موجودة مهما كانت قيمتها، و لم تشتغل ذمّته بالبدل حتى تقتضي قاعدة نفي الضرر الاشتغال بأعلى القيم.

هذا تمام الكلام في الوجه الثاني مما استدلّ به على ضمان أعلى القيم من زمان الغصب إلى زمان التلف، و سيأتي تقريبه بوجه آخر يمكن جعله وجها ثالثا للحكم.

(1) هذا استدراك على مناقشته في الوجه الثاني بقوله: «و فيه أنّ ضمانها في تلك الحال ..» و غرضه تقريب الوجه المزبور ببيان آخر يسلم عن المناقشة، و حاصله:

وحدة مناط الضّمان في الحيلولة و التلف، توضيحه: أنّ العين المضمونة لو تلفت حين ارتفاع قيمتها تضمن قيمتها العليا، لكون زمان التلف وقت اشتغال الذّمّة بالبدل بعد ما كانت مشغولة بالعين.

و الوجه في الضّمان حرمان المالك عن العين و عدم تمكّنه من الانتفاع بماله.

و هذا المناط موجود في صورة بقاء العين في يد الضامن حين ارتفاع قيمتها، فإنّها و إن لم تتلف، لكنّ حيلولة الضامن بين المالك و ملكه، و منعه عن التّصرّف فيه موجبة لضمان القيمة المرتفعة و إن كان تلفها في زمان تنزّل قيمتها.

نعم لا يقتضي هذا الوجه ضمان أعلى القيم لو ردّ الضامن العين إلى المالك في زمان تنزّل القيمة، و ذلك لأنّ ردّ العين يوجب تدارك تلك القيمة العليا، و لو لا هذا التدارك لزم ردّ التفاوت- بين القيمة الفعليّة و أعلى القيم- عند ردّ العين. هذا محصّل التوجيه، و سيأتي في المتن مزيد توضيح له.

____________

(1) جواهر الكلام، ج 37، ص 105.

535

الأزمنة- بأنّ (1) العين إذا ارتفعت قيمتها في زمان و صار ماليّتها مقوّمة بتلك القيمة (2)، فكما أنّه إذا تلفت حينئذ (3) يجب تداركها بتلك القيمة، فكذا إذا حيل بينها (4) و بين المالك حتى تلفت، إذ (5) لا فرق- مع عدم التمكّن منها- بين أن تتلف أو تبقى.

نعم (6) لو ردّت تدارك تلك الماليّة بنفس العين. و ارتفاع (7) القيمة السوقيّة أمر اعتباريّ لا يضمن بنفسه، لعدم كونه مالا، و إنّما هو مقوّم لماليّة المال، و به تمايز الأموال كثرة و قلّة.

____________

(1) متعلّق ب‍ «توجيه» و بيان له.

(2) أي: القيمة المرتفعة.

(3) أي: حين صيرورة ماليّة العين مقوّمة بتلك القيمة العليا.

(4) أي: بين العين و بين المالك.

(5) تعليل لوجوب تدارك العين بالقيمة العليا.

(6) استدراك على ضمان القيمة العليا، يعني: أنّ مناط ضمان أعلى القيم و إن كان موجودا في صورة بقاء العين عند الغاصب، إلّا أنّ ردّ العين- في زمان تنزّل القيمة- جابر لتلك القيمة العليا.

(7) هذا دفع دخل، حاصله: أنّ القيمة المرتفعة لو كانت مضمونة لم يختلف الحال بين بقاء العين- و ردّها بعد ذلك- و بين تلفها، فكيف حكم الماتن بتدارك القيمة العليا بردّ العين و عدم ضمانها؟

و حاصل الدّفع: أنّ ارتفاع القيمة السوقيّة أمر اعتباريّ غير مضمون، و إنّما المضمون هو العين المتموّلة التي استولى عليها الضامن. و هذا الأمر الاعتباريّ ليس بمال حقيقة، بل يكون مقوّما لماليّة العين، و لهذا حكموا بفراغ ذمّة الضامن بردّ نفس العين ما لم تسقط عن الماليّة، كما تقدّم في التنبيه السادس في مثال الماء على الشاطئ‌

536

و الحاصل (1): أنّ للعين في كلّ زمان من أزمنة تفاوت قيمته مرتبة من الماليّة أزيلت يد المالك منها، و انقطعت سلطنته عنها، فإن ردّت العين فلا مال سواها يضمن (2). و إن تلفت استقرّت عليها تلك المراتب، لدخول الأدنى تحت الأعلى (3). نظير ما لو فرض للعين منافع متفاوتة متضادّة، حيث إنّه يضمن الأعلى منها (4).

____________

و الثلج في الشتاء.

ففي المقام يفصّل بين تلف العين و بقائها، فإن تلفت في زمان ارتفاع قيمتها ضمن قيمتها حين التلف. و إن بقيت و نقص قيمتها و ردّها إلى المالك لم يضمن ارتفاع قيمتها، و إن كان مناط الضمان- و هو حرمان المالك عن ماله في زمان أعلى القيم- موجودا في حالتي البقاء و التلف.

(1) يعني: و حاصل توجيه الاستدلال على ضمان أعلى القيم هو: أنّ للعين .. إلخ.

(2) لما تقدّم من أنّ ارتفاع القيمة و رغبة العقلاء و إن كان مقوّما لماليّة المال، إلّا أنّ المضمون هو المال، لا الماليّة، فلا يضمن أعلى القيم لو ردّ العين إلى مالكها.

(3) فلا يلزم الجمع بين القيمة العليا و المتوسطة و النازلة، بل يكفي دفع القيمة الجامعة بين تمام القيم، و هي أعلى القيم خاصّة.

(4) و لا يضمن جميع تلك المنافع الفائتة، قال في الجواهر: «إنّما الكلام فيما لو تعدّدت منافعه كالعبد الخيّاط الحائك، ففي القواعد في موضع منها: و المنافع المباحة مضمونة بالفوات تحت اليد و التفويت. و لو تعدّدت المنافع كالعبد الخيّاط الحائك لزمه أجرة أعلاها، و لا تجب اجرة الكلّ ..» (1) و المسألة لا تخلو من بحث، فراجع الجواهر.

و إلى هنا تمّ توجيه المصنّف (قدّس سرّه) للاستدلال، و سيأتي الاستشهاد عليه بكلام العلّامة (قدّس سرّه).

____________

(1) جواهر الكلام، ج 37، ص 167

537

و لأجل ذلك (1) استدلّ العلّامة في التحرير للقول باعتبار يوم الغصب بقوله: «لأنّه زمان إزالة يد المالك» (2).

و نقول في توضيحه: إنّ كلّ زمان من أزمنة الغصب قد أزيلت فيه يد المالك من العين على حسب ماليّته (3)، ففي زمان أزيلت من مقدار درهم، و في آخر عن درهمين، و في ثالث عن ثلاثة، فإذا استمرّت الإزالة إلى زمان التلف وجبت غرامة أكثرها، فتأمّل (4).

____________

(1) أي: لأجل كون الحيلولة سببا للضمان استدلّ .. إلخ، لأنّ إزالة يد المالك حيلولة حقيقة بين المال و مالكه، و مانعة عن سلطنة المالك على ماله.

و الظاهر أنّ نظر المصنّف في قوله: «و لأجل ذلك» إلى جعل إزالة يد المالك و قطع سلطنته عن ماله موجبة للضمان، و لذا جعل العلّامة انقطاع السلطنة سببا له، لأنّ يوم الغصب زمان انقطاع السلطنة. فنظر المصنّف (قدّس سرّه) منحصر في أصل الضمان من ناحية إزالة يد المالك عن ماله، لا في كيفيّته، و إلّا كان عليه الالتزام بأعلى القيم كما قرّبه في المتن.

و بعبارة أخرى: تعليل العلّامة ناظر إلى ضمان يوم الغصب، مع أنّ المصنّف في مقام الاستدلال على ضمان أعلى القيم، فالاستشهاد بعبارة التحرير لإثبات ضمان أعلى القيم منوط بتقريب آخر، و هو ما أفاده المصنّف بقوله: «إن كل زمان من أزمنة الغصب ..».

(2) قال في التحرير: «فالأكثر على ضمان القيمة يوم الغصب، لأنّه الوقت الذي أزال يده عنه» (1).

(3) أي: ماليّة العين في كل زمان من أزمنة الغصب، فالأولى تأنيث الضمير.

(4) الظاهر أنّه إشارة إلى ما ذكرناه من عدم ابتناء قول العلّامة- بضمان قيمة يوم الغصب- على ما أفاده المصنّف، بل على خصوص كون سلب سلطنة المالك موجبا للضمان.

أو إشارة إلى: عدم كون الحيلولة عن القيمة كالحيلولة عن العين، بكون حيلولة‌

____________

(1) تحرير الأحكام، ج 2، ص 139

538

و استدلّ في السرائر و غيرها على هذا القول (1) بأصالة الاشتغال، لاشتغال ذمّته بحقّ المالك، و لا يحصل البراءة إلّا بالأعلى.

و قد يجاب (2) بأنّ الأصل في المقام البراءة، حيث إنّ الشكّ في التكليف بالزائد.

____________

العين موجبة لضمان القيمة العليا، بخلاف الحيلولة عن القيمة مع بقاء العين، فإنّها لا توجب ضمان ارتفاع القيمة.

(1) أي: على القول بضمان أعلى القيم من حين الغصب إلى التلف، و هذا إشارة إلى وجه ثالث يظهر من كلام ابن إدريس، قال (قدّس سرّه): «فإن لم يردها- أي العين المغصوبة- حتى هلكت العين لزمه ضمان قيمتها بأكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين التلف، لأنّه إذا أدّى ذلك برئت ذمّته بيقين، و ليس كذلك إذا لم يؤدّه» (1).

و علّله في باب البيع «ببقاء المال على ملك صاحبه، ما انتقل عنه» (2). و ظاهره وجود الدليل على ضمان أكثر القيم، فراجع.

و كيف كان فتقريب اقتضاء قاعدة الاشتغال الضمان بالقيمة العليا هو: أنّ ذمّة الضامن اشتغلت بماليّة المغصوب في جميع المدّة من القبض إلى التلف، و منها زمان ارتفاع القيمة، و يشكّ في فراغ الذّمّة بدفع القيمة النازلة أو المتوسّطة، و قد تقرّر اقتضاء الاشتغال اليقينيّ للفراغ كذلك.

(2) الظاهر أنّ المجيب هو صاحب الجواهر قال (قدّس سرّه): «و دعوى أنّه- أي الوجه- قاعدة الاشتغال .. يدفعها ما تحقّق في الأصول من أنّ مثله يجري فيه أصل البراءة، ضرورة رجوعه إلى الشّكّ في التكليف بين الأقلّ و الأكثر» (3).

و محصّله: أنّ الشكّ في ضمان القيمة السفلى أو العليا يكون من موارد الشكّ في الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين، و هو مجرى أصالة البراءة لا الاشتغال.

____________

(1) السرائر الحاوي، ج 2، ص 481

(2) المصدر، ص 326

(3) جواهر الكلام، ج 37، ص 106

539

نعم (1) لا بأس بالتّمسّك باستصحاب الضّمان المستفاد من حديث اليد [1].

____________

(1) استدراك على عدم صغرويّة المقام لقاعدة الاشتغال، و غرضه (قدّس سرّه) إثبات وجوب أعلى القيم بوجه رابع و هو الاستصحاب، بتقريب: أنّ حديث «على اليد» يدلّ على الضمان بمجرّد الاستيلاء على مال الغير إلى زمان أدائه أو أداء بدله، فالحالات الطارئة على العين مضمونة، و منها ارتفاع قيمتها، فلو تلفت العين حين نقص قيمتها، و دفع تلك القيمة النازلة إلى المالك يشكّ في فراغ ذمّته عمّا اشتغلت به قطعا، و من المعلوم أنّ مقتضى الاستصحاب وجوب دفع أعلى القيم. هذا.

و لا يخفى أنّه لو جرى الاستصحاب كان حاكما على كلّ من أصالة الاشتغال المثبتة لأعلى القيم، و أصالة البراءة النافية له. و ظاهر سكوت المصنّف (قدّس سرّه) ارتضاؤه له، إلّا أن يستفاد مبناه ممّا تقدّم من تسالمهم على عدم ضمان ارتفاع القيمة لو كان التلف حين نقصها.

____________

[1] لا يخفى أنّه قد استدلّ على اعتبار أعلى القيم من يوم الغصب إلى يوم التلف بوجوه:

الأوّل: ما أفاده الشهيد الثاني في المسالك و الروضة، و تقدّم كلامه في التوضيح.

و قيل في توجيه الاستدلال على ذلك: بأنّ المغصوب مضمون على الغاصب في جميع أزمنة الغصب التي منها زمان ارتفاع القيمة، إذ يصدق على ذلك زمان المخالفة أيضا، ضرورة أنّ المراد من يوم المخالفة في الصحيحة إنّما هو طبيعي يوم المخالفة الذي يصدق على كلّ يوم من أيّام الغصب، لا اليوم الخاصّ.

و عليه فإن ردّ الغاصب نفس المغصوب فهو، و إلّا فإن ردّ أعلى القيم فقد ردّ قيمة يوم المخالفة بقول مطلق، لدخول القيمة السفلى في القيمة العليا، ضرورة أنّه لا يجب على الغاصب قيم متعدّدة بتعدّد أيّام المخالفة. كما أنّه لو ردّ القيمة النازلة لما ردّ قيمة يوم المخالفة بقول مطلق، بل أدّى قيمة بعض أيّام المخالفة.

540

____________

و بالجملة: مبنى هذا التوجيه إرادة معنى اسم المصدر من المخالفة، بحيث ينسلخ عن المعنى المصدري أي إحداث المخالفة، و إرادة الجنس أو الاستغراق من «اليوم» فيعمّ جميع أيّام المخالفة التي منها يوم أعلى القيم. لأنّ علّة الضمان- و هي الغصب- ما دامت موجودة لاقتضت الضمان، فلا اختصاص لآن حدوث الغصب. فتدلّ على لزوم قيمة كلّ يوم تكون المخالفة فيه موجودة حتى يوم أعلى القيم، و لازمه ضمان أعلى القيم الجامع لقيم تمام أيّام المخالفة، هذا.

و فيه: أنّه خلاف الظاهر من المخالفة حدوثا، و هو منحصر بوقت واحد. و الظاهر أنّه اشتبه الضمان التعليقيّ بالتنجيزيّ، فإنّ القيمة العليا مضمونة مع التلف. و أمّا بدونه فلا، فلو تنزّلت قيمته لأجل السوق- لا لزوال صفة دخيلة في الماليّة- لم يضمن الغاصب تلك القيمة المرتفعة.

و بالجملة: ضمان أعلى القيم فعلا منوط بالتلف في يوم أعلى القيم، و الضمان المعلّق على التلف لا يثبت فعليّة الضمان في غير حال التلف.

و عليه فالاستدلال بالصحيحة على الضمان الفعلي لأعلى القيم غير وجيه، لأنّ ضمان قيمة العين في أزمنة الغصب و إن كان ثابتا، لكنّه تعليقيّ، لكونه معلّقا على التلف.

و مع بقاء العين و ردّها إلى المالك لا ضمان لأعلى القيم إجماعا.

الثاني: ما حكاه السيّد صاحب الرياض عن خاله الوحيد البهبهانيّ (قدّس سرّهما): من قاعدة الضرر الوارد على المالك (1). و لكن تنظّر فيه الجواهر بما مرّ في التوضيح (2).

و يرد على الجواهر: أنّ الإجماع على عدم جريان قاعدة الضرر في صورة ردّ نفس العين لا يقتضي سقوط القاعدة في غيره من الموارد التي لا إجماع على خلافها، فلا مانع من إجراء القاعدة في صورة تلف العين.

فالعمدة في عدم جريان قاعدة الضرر في مورد تلف العين هي: أنّ القاعدة تنفي

____________

(1) رياض المسائل، ج 2، ص 304

(2) جواهر الكلام، ج 37، ص 105

541

____________

الحكم الضرريّ، و لا تثبت حكما يلزم من عدم ثبوته الضرر كالمقام، فإنّ قاعدة الضرر لا تثبت الضمان الذي يلزم من عدم جعله الضرر على المالك.

الثالث: أنّ الغاصب باستيلائه على مال الغير اشتغلت ذمّته به، فلو أدّى المغصوب بعينه أو قيمتها العليا مع تلفها برئت ذمّته قطعا. و أمّا لو أدّى قيمتها المتوسّطة أو السّفلى، فلا يعلم بصدق التأدية و بفراغ ذمّته، فيستصحب اشتغال ذمّته إلى أن يؤدّي القيمة العليا.

و فيه: أنّ المورد من صغريات الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين، فيؤخذ بالأقلّ، لأنّه المتيقّن، و تجري البراءة في الزائد عليه، فالشكّ إنّما هو في حدوث الاشتغال بالأكثر، لا في البقاء حتى يجري فيه الاستصحاب.

و لو سلّم، فإن جرى الاستصحاب في ضمان نفس العين في الذّمّة فلازمه دفع الغاصب قيمة يوم الرّدّ، لا أعلى القيم. و إن جرى في ضمان القيمة فيرد عليه: أنّ المتيقّن هو اشتغال ذمّته بالقيمة النازلة، و أمّا الزائد عليها فهو مشكوك فيه، فتجري فيه البراءة. فما هو المتيقّن قد ارتفع قطعا، و غيره لم يتعلّق به اليقين من الأوّل.

و الحاصل: أنّ الاستصحاب إمّا لا يجري أصلا، و إمّا يجري و لكن الثابت به هو قيمة يوم الرّدّ، لا أعلى القيم.

الرابع: ما أفاده المحقّق الايرواني (قدّس سرّه) من قوله: «فالأحسن في الاستدلال على ضمان أعلى القيم أنّه يصدق عنه صعود القيمة أنّ الغاصب معتد يوم صعود القيمة بماليّة صاعدة، و مقتضى فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ جواز أخذ تلك الماليّة منه بعد التلف مجازاة لاعتدائه» (1).

و فيه: ما تقدّم سابقا من عدم دلالة الآية على الضمان، فضلا عن الضمان بأعلى القيم.

الخامس: ما أفاده المصنّف من استصحاب الضمان.

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 102

542

____________

و فيه: أنّه إن أريد به ضمان نفس العين حتى بعد تلفها بأن تكون العين على العهدة إلى يوم الأداء، ففيه: أنّ مقتضاه اعتبار قيمة يوم الأداء، سواء أ كانت أعلى القيم أم غيره. و إن أريد به ضمان القيمة فالثابت منها هو الأقلّ، لكون الزائد منفيّا بالبراءة.

نعم إذا شكّ في أنّ الثابت على العهدة عند تلف العين هو المثل أو القيمة- و حيث إنّهما متباينان- فاللازم دفع القيمة العليا، لتوقّف العلم بالفراغ عليه.

و الحاصل: أنّ العلم بأداء ما في الذّمّة منوط بإعطاء القيمة العليا، سواء أ كان ما في الذّمّة نفس العين أم القيمة أم المثل، فإنّ استصحاب ما في الذّمّة جار إلى دفع أعلى القيم إلى زمان الأداء، هذا.

تكملة: لا يخفى أنّ ما ذكر من ضمان ارتفاع القيمة إنّما هو بحسب الأزمنة. و أمّا بحسب الأمكنة، فعلى القول باعتبار يوم التلف- كما ربّما يستفاد من صحيحة أبي ولّاد و سائر أدلّة الضمان- لا ينبغي الإشكال في ضمان مكان التلف أيضا، لأنّ ظاهر أدلّة ضمان القيمة في القيميّات التالفة هو القيمة الفعليّة، و هي قيمة حال التلف في مكان التلف، لدخل المكان في القيمة. و أمّا قيم سائر الأمكنة فهي تقديريّة، كتقديريّة سائر الأزمنة، إذ يقال: لو كان هذا الشي‌ء في مكان كذا كانت قيمته كذا. و هذا خلاف ظاهر أدلّة الضمان.

و على القول باعتبار زمان الغصب- كما استظهره الشيخ و غيره من صحيحة أبي ولّاد- فيشكل الالتزام بقيمة مكان التلف، لأنّ اعتبار قيمة يوم الغصب في مكان يقع فيه التلف بعد ذلك ممّا لا يستظهر من الأدلة، فإنّه تقييد في الأدلّة من غير دلالة فيها عليه، بل تعيين قيمة يوم الغصب يدفع اعتبار قيمة مكان التلف.

لا يقال: إنّ مقتضى الجمع بين الضمان بيوم التلف كما هو قضية إطلاق أدلّة الضمان، و بين صحيحة أبي ولّاد الدالة على اعتبار يوم الغصب هو ضمان قيمة يوم الغصب في مكان التلف.

543

____________

فإنّه يقال: مضافا إلى عدم دلالة صحيحة أبي ولّاد على ضمان قيمة يوم الغصب كما تقدم إنّه ليس جمعا عرفيا، لأنّ الصحيحة على فرض دلالتها على ضمان يوم الغصب ظاهرة في ضمان ذلك المكان أيضا، لا المكان الآخر، فإنّ اعتبار المكان الآخر قيد زائد ينفيه إطلاق أدلّة الضمانات.

و بالجملة: فالمضمون هو القيمة الفعليّة حال التلف المنوطة بلحاظ مكان التلف.

و أمّا بناء على اعتبار قيمة يوم الغصب فالمدار على قيمته في مكان الغصب كزمانه، لأنّ حدوث ضمان القيمة كان بزمان الغصب المستلزم لدخل خصوصيّة مكان الغصب فيه، لدخل ذلك المكان في القيمة المقدّرة بيوم الغصب.

و ينبغي التعرّض للفوائد التي تظهر من صحيحة أبي ولّاد.

الأولى: أنّ الافتراء على اللّه سبحانه و تعالى يوجب الحرمان من فضله، و استحقاق عذابه و غضبه، لقوله (عليه السلام)- بعد ما قصّ عليه أبو ولّاد الواقعة-: «في مثل هذا القضاء و شبهه تحبس السماء ماءها و تمنع الأرض بركتها» بل المستفاد منه حرمان الآخرين أيضا، و إحاطة البلاء بهم، و عدم اختصاص العقوبة الدنيويّة بالمفتري عليه جلّ و عزّ، لأنّ حبس قطر السماء و بركة الأرض ضيق على الجميع، حتى الصبيان و الحيوانات، فيلزم احتراق الكلّ بنار أشعلها المفتري، نعوذ باللّه من شرور أنفسنا.

الثانية: ضمان المنافع المستوفاة بأجرة المثل، حيث إنّ أبا ولّاد استوفى منفعة البغل، فركبه إلى النيل ثمّ إلى بغداد، ثمّ منه إلى الكوفة. لقوله (عليه السلام): «أرى له عليك مثل كرى البغل ذاهبا من الكوفة إلى النيل .. توفيه إياه».

و المستفاد منه أمور:

الأوّل: ضمان كراءات ثلاثة، لاختلاف المسافات بين كلّ بلدين، و لا يكفي دفع أجرة واحدة للسير من كوفة إلى بغداد ثم العود إلى كوفة. و ذلك لعدم السّير من الطريق المتعارف، و عدم كون «النيل» في الجادّة المستقيمة بين كوفة و بغداد. و لا ريب حينئذ

544

____________

في اختلاف أجور المثل، فتكون كلّها مضمونة.

الثاني: أنّ الغاصب يضمن اجرة مثل المنفعة المستوفاة، فلا تفرغ الذّمّة بدفع أقلّ منها، و لا يجوز للمغصوب منه مطالبة زيادة عليها. نعم يستحقّ المالك الأجرة المسمّاة أيضا. و لا ينافيه عدم استيفاء المنفعة الخاصة التي وقع العقد عليها بين المكاري و أبي ولّاد.

و الوجه في عدم المنافاة: أنّ المكاري سلّمه البغل ليسير عليها إلى قصر بني هبيرة، فخالفه أبو ولّاد بإرادته و اختياره بعد أن أخبر بخروج الغريم إلى النيل.

الثالث: نفي قاعدة «الخراج بالضمان» التي استند إليها قاضي الكوفة، فإنّ الإمام (عليه السلام) ضمّن أبا ولّاد اجرة المنافع مع كونه ضامنا لنفس العين، كما ورد في فقرتين من الصحيحة. و عليه فقاعدة «الخراج بالضمان» إمّا ساقطة من أصلها، و إمّا مخصوصة بالعقد الصحيح كما تقدّم شطر من الكلام حولها في الأمر الثالث، فراجع (ص 236 الى 250).

الرابع: عدم ضمان المنافع الفائتة، لأنّ الصحيحة تكون في مقام بيان تمام الوظيفة، فسكوتها عن المنافع غير المستوفاة دليل على عدم ضمانها. و هذا ربّما يعارض القول بضمانها كما مرّ تفصيله في الأمر الثالث.

و يمكن الجواب عنه بعدم كون الصحيحة في مقام بيان جميع ما يضمنه أبو ولّاد، لأنّ السؤال كان عن خصوص المنافع المستوفاة، فتدبّر.

أو يقال: بالاعراض عن هذا السكوت، فلا معارض للقول بالضمان.

الثالثة: عدم احترام مال يصرفه الغاصب في حفظ العين المغصوبة، حيث إنّه (عليه السلام) أجاب السائل- عن الدراهم التي صرفها في تعليف البغل- بقوله: «لا لأنك غاصب».

و يستفاد منه أيضا أنّ مخالفة مقتضى عقد الإجارة توجب تبدل اليد الأمانيّة بالعادية الضمانيّة، و إلّا فالعين المستأجرة أمانة بيد المستأجر لا يضمنها لو تلفت بنفسها.

545

____________

الرابعة: ضمان القيميّ بالقيمة، لقوله (عليه السلام): «قيمة بغل يوم خالفته» بناء على إرادة البغل المغصوب، لا قيمة بغل مثله، و إلّا دلّت على ضمان المغصوب بالمثل و إن كان قيميّا. و قد تقدّم تفصيله في الأمر السابع.

كما يستفاد من هذه الفقرة ضمان قيمة يوم القبض بناء على استظهار المصنّف (قدّس سرّه) أوّلا، أو قيمة يوم التلف كما قال به آخرون.

الخامسة: صحّة ضمان الأعيان الخارجيّة، لأنّ ضمان قيمة يوم الغصب يكشف عن صيرورة العين مضمونة في يوم الغصب. لكن الضمان في صورة وجود العين تعليقيّ، و في صورة تلفها تنجيزيّ، ضرورة أنّ العين ما دامت موجودة وجب ردّها لا قيمتها، فضمان قيمتها معلّق على تلفها، فتبدّل اليد الأمانيّة بالعدوانيّة يوجب ضمانا تعليقيّا لم يكن قبل التبدّل المزبور، إذ مع فرض أمانيّة اليد لا ضمان أصلا لا فعليّا و لا تعليقيّا كما لا يخفى، السادسة: ضمان التفاوت بين الصّحّة و العيب.

و بعبارة أخرى: ضمان وصف الصّحّة في العين المغصوبة. و ذلك لقوله (عليه السلام)- في جواب سؤال أبي ولّاد عن إصابة كسر و شبهه بالبغل-: «عليك قيمة ما بين الصّحّة و العيب يوم تردّه عليه». و ظاهره اعتبار الأرش بقيمة يوم الرّدّ، لا يوم حدوثه.

السابعة: أنّه يستفاد من قوله (عليه السلام): «أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل حين اكتري كذا و كذا، فيلزمك» اعتبار الاستصحاب، حيث إنّ قيمة يوم الاكتراء تستصحب إلى زمان الغصب، فإنّ إطلاق اعتبار قيمة يوم الاكتراء يقتضي اعتبارها و لو مع تخلّل زمان بين زماني الاكتراء و الغصب يمكن تغيّر القيمة فيه، فإنّ قول المالك بعدم تنزّل القيمة من يوم الاكتراء إلى يوم الغصب يكون موافقا للأصل أعني به الاستصحاب.

546

____________

و منه يظهر تقدّم قول المالك أيضا في صورة اتّفاقهما على قيمة معيّنة في يوم الاكتراء، و اختلافهما في التنزّل و عدمه، حيث إنّ قول المالك بعدم التنزّل موافق للأصل.

و الحاصل: أنّ الجملة المزبورة تدلّ و لو بالالتزام على اعتبار الاستصحاب في قيمة يوم الاكتراء.

الثامنة: أنّ الجملة المزبورة تدلّ على حجّيّة الاستصحاب في مؤديات الطرق و الأمارات، و أنّ مؤدّى الأمارات كالمعلوم في جريان الاستصحاب فيها إذا شكّ في بقائها، فإنّ هذه الجملة تصلح لإثبات أعمّيّة اليقين المعتبر في الاستصحاب من الوجدانيّ و التعبّديّ، فلا حاجة إلى إثبات أعمّيّة اليقين إلى التّشبّث بأدلّة حجّيّة الأمارات، و دعوى: أنّها تنزّل غير العلم منزلة العلم، كما هو ظاهر.

التاسعة: إن المناط في الخروج عن العهدة بإحلال صاحب الحق هو كون الداعي إلى الإحلال أمرا واقعيّا، لا الأعمّ منه و من الاعتقاديّ و إن خالف الواقع. و هذه الفائدة يكثر نفعها في الفقه جدّا.

و تستفاد هذه من جوابه (عليه السلام) لكلام أبي ولّاد: «إني أعطيته دراهم و رضي بها و حلّلني» حيث قال (عليه السلام): «إنّما رضي فأحلّك حين قضى عليه أبو حنيفة بالجور و الظلم، و لكن ارجع إليه و أخبره بما أفتيتك به ..».

العاشرة: إنّ الإبراء إيقاع، فلا يتوقّف على القبول، لقوله (عليه السلام): «فإن جعلك في حلّ بعد معرفته فلا شي‌ء عليك».

هذا ما استفدناه من الصحيحة، و قد أشار الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) إلى تضمّنها لها بقوله:

«مشملة على أحكام كثيرة و فوائد خطيرة» و لعلّه أراد منها ما ذكرناه من الفوائد، أو أراد ما هو أزيد منها، ممّا ربّما تظهر بالتأمل فيها. وفّقنا اللّه تعالى للاستنارة بكلمات أوليائه الأئمّة المعصومين (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين).

547

[د: ضمان المقبوض بالبيع الفاسد بقيمة يوم البيع]

ثمّ إنّه (1) حكي عن المفيد و القاضي و الحلبي: الاعتبار بيوم البيع في

____________

د: ضمان المقبوض بالبيع الفاسد بقيمة يوم البيع

(1) هذا إشارة إلى قول رابع في ضمان المقبوض بالبيع الفاسد، ذهب إليه الشيخ المفيد و القاضي ابن البرّاج و أبو الصلاح الحلبي (قدّس سرّهم) على ما نقله عنهم العلّامة في المختلف في بيع الغرر و المجازفة (1).

و هذا القول يختصّ به حكم المبيع فاسدا، و لا يشمله حكم المغصوب، فلا يضمن المبيع بيوم قبضه و لا بيوم تلفه و لا بأعلى القيم بينهما، بل يضمن بقيمة يوم البيع سواء قبضه المشتري فيه أم لا. كما أنّ ظاهر هذا القول التفصيل في فساد البيع بين أن يستند إلى جهالة الثمن و عدم تعيينه في العقد، فيضمن المبيع بقيمة يوم البيع، و بين غيرها من اختلال شرط الصّحّة، فيضمن بقيمة القبض و الأخذ.

و كيف كان فهذه الفتوى تظهر من النهاية أيضا، حيث قال: «و من اشترى شيئا بحكم نفسه، و لم يذكر الثمن بعينه كان البيع باطلا، فإن هلك الشي‌ء في يد المبتاع كان عليه قيمته يوم ابتاعه .. إلخ» (2). و الشاهد في هذه الجملة الأخيرة، حيث أوجب على المشتري قيمة يوم البيع، لا قيمة يوم القبض.

و لعلّ نظرهم في هذا الحكم إلى صحيحة رفاعة الخنّاس، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ساومت رجلا بجارية فباعنيها بحكمي، فقبضتها منه على ذلك، ثمّ بعثت إليه بألف درهم، فقلت: هذه ألف درهم حكمي عليك أن تقبلها، فأبى أن يقبلها منّي. و قد كنت مسستها قبل أن أبعث إليه بالثمن، فقال: أرى أن تقوّم الجارية قيمة عادلة، فإن كان قيمتها أكثر ممّا بعثت إليه كان عليك أن تردّ عليه [إليه] ما نقص من القيمة. و إن كان ثمنها أقلّ ممّا بعثت إليه فهو له. قلت: جعلت فداك: إن وجدت بها عيبا بعد ما مسستها؟ قال: ليس لك أن تردّها، و لك أن تأخذ قيمة ما بين الصّحّة‌

____________

(1) مختلف الشيعة، ج 5، ص 243 و 244؛ المقنعة، ص 593؛ الكافي لأبي الصلاح، ص 353، و لم أظفر بالمطلب في جواهر الفقه لابن البرّاج.

(2) النهاية و نكتها، ج 2، ص 145 و 146

548

ما كان فساده من جهة التفويض (1) إلى حكم المشتري.

و لم يعلم له (2) وجه. و لعلّهم (3) يريدون به يوم القبض، لغلبة اتّحاد زمان

____________

و العيب منه» (1).

و الشّاهد في قوله (عليه السلام): «أرى أن تقوّم الجارية قيمة عادلة» و ذلك بناء على تماميّة أمور ثلاثة:

الأوّل: فساد البيع الذي فوّض فيه تعيين الثمن إلى المشتري- كما هو مورد الرواية- على ما هو المشهور، بل قيل بعدم خلاف فيه إلّا من صاحب الحدائق.

فلو قيل بصحّته خرجت المسألة عن المقبوض بالبيع الفاسد.

الثاني: صيرورة الجارية بعد المسّ أم ولد، حتى تصير بمنزلة التالف، و يتّجه حينئذ ضمان قيمتها، لامتناع ردّها إلى بائعها شرعا.

الثالث: أن يكون المراد من قوله (عليه السلام): «قيمة عادلة» قيمة يوم البيع.

فإن تمّت هذه الأمور الثلاثة كانت الصحيحة دليلا تعبّديّا على لزوم قيمة يوم البيع فيما كان منشأ فساده تفويض الثمن إلى تعيين المشتري بعد العقد، و يختصّ بمورده.

و إن لم تتم- كما هو الظاهر- كان المقبوض بالبيع الفاسد محكوما بحكم الغصب.

(1) يعني: إيكال تعيين الثمن إلى المشتري، بأن يقول البائع له: «بعتك هذا بما حكمت به من الثمن» أو: «بعتك هذا بأيّ ثمن شئت». و هو باطل عندهم، لفقد الشرط و هو معلوميّة العوضين.

(2) أي: و لم يعلم لاعتبار قيمة يوم البيع وجه. بل المناط في ضمان المبيع فاسدا بيوم القبض، و صحيحة رفاعة غير ظاهرة في اعتبار قيمة يوم البيع من حيث إنّه يوم البيع، لظهورها في تحقّق القبض في يوم العقد، فلو اعتبر تقويم الجارية بقيمة يوم البيع احتمل أن يكون لاتّحاده مع يوم القبض، فيتحد مفادها مع قول المشهور من ضمان يوم القبض.

(3) غرضه توجيه كلامهم حتى لا يخرج عن حيّز الأقوال المذكورة في ضمان‌

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 12، ص 271، الباب 18 من أبواب عقد البيع و شروطه، الحديث: 1

549

البيع و القبض، فافهم (1).

[حكم زيادة ثمن القيميّ بعد التلف]

ثمّ إنّه (2) لا عبرة بزيادة القيمة بعد التلف

____________

المغصوب، إذ بناء على ظاهر كلمات هؤلاء ينفرد المقبوض بالبيع الفاسد- بضمان قيمة يوم البيع- عن المغصوب، فالمصنّف احتمل إرادة يوم القبض من «يوم البيع» حتى لا ينفرد المقبوض بالبيع الفاسد بحكم يخصّه.

(1) لعلّه إشارة إلى بعد هذا التوجيه، لأنّه خلاف الظاهر من دون قرينة.

و قد تحصّل من الأبحاث المتقدّمة في الأمر السابع: أنّ القيميّ يضمن بقيمته يوم تلفه، لا بقيمة يوم القبض و الغصب، و لا بأعلى القيم بين الغصب و التلف، من دون فرق بين المغصوب و المقبوض بالبيع الفاسد. و لا بين كون منشأ الفساد تفويض الثمن إلى حكم المشتري، أو اختلال شرط آخر.

و سيأتي لبحث ضمان القيمي تتمّة تتضمّن أمورا ثلاثة:

أحدها: حكم زيادة قيمة القيميّ بعد تلفه.

ثانيها: اختلاف قيمة القيميّ بحسب الأمكنة في ما كان بلد الغصب مغايرا لبلد التلف.

ثالثها: ضمان ارتفاع القيمة لو كان لزيادة في العين.

حكم زيادة ثمن القيميّ بعد التلف

(2) هذا شروع في الأمر الأوّل، و توضيحه: أنّ محطّ الأقوال المتقدّمة- من ضمان قيمة يوم الغصب أو التلف أو الأعلى بينهما- إنّما هو زيادة قيمة العين المضمونة في المدّة التي كانت عند الضامن، فلو لم ترتفع قيمتها عنده حتى تلفت، و زادت قيمة أمثالها بعده لم تكن هذه الزيادة مضمونة، لما عرفت من أنّ موضوع الأقوال المتقدّمة بقاء العين حتى يدّعى ضمان أعلى قيمها، لوقوع العين في حالة زيادة القيمة تحت يد الضامن، و من المعلوم فقد هذا المناط لو كان ارتفاع القيمة بعد التلف.

550

على جميع الأقوال [1] إلّا أنّه تردّد فيه (1) في الشرائع.

____________

و هذا و إن كان واضحا، إلّا أن المحقق (قدّس سرّه) تردّد فيه، و قال: «و لا عبرة بزيادة القيمة و لا بنقصانها بعد ذلك- أي التلف- على تردّد» (1).

و وجّهه الشهيد الثاني بقوله: «نعم لو قلنا بأنّ الواجب في القيميّ مثله- كما ذهب إليه ابن الجنيد مخيّرا بين دفع المثل و القيمة، و مال إليه المصنّف في باب القرض- اتّجه وجوب ما زاد من القيمة إلى حين دفعها، كما في المثليّ.

و المصنّف (رحمه اللّه) تردّد في ذلك، لما ذكرناه من الشك في كون الواجب في القيميّ المثل أو القيمة» (2).

و نحوه كلامه في الرّوضة فراجع. و محصّله: أنّ الشك في المبنى يستلزم الشكّ في الفروع المبتنية عليه.

(1) أي: في عدم العبرة بزيادة القيمة بعد التلف.

____________

[1] بل ينافيه القول باعتبار قيمة يوم الأداء، لكونها قيمة للتالف بعد مراعاة قيمته في أزمنة تلفه. و يشهد له آية الاعتداء و قاعدة نفي الضرر بناء على صحّة التمسّك بهما في الضمانات، فيكون ما بعد التلف كما قبله.

إلّا أن يريد المصنف من قوله: «جميع الأقوال» خصوص الأقوال الثلاثة التي تعرّض لها في الأمر السابع، و هي اعتبار قيمة يوم الغصب و التلف و الأعلى بينهما، إذ لا عبرة بزيادة القيمة بعد التلف على هذه الأقوال الثلاثة.

و ما في بعض الكلمات من «توجيه عدم ضمان زيادة القيمة بعد التلف حتى على

____________

(1) شرائع الإسلام، ج 3، ص 240

(2) مسالك الأفهام، ج 12، ص 188؛ الروضة البهية، ج 7، ص 40 و نحوه في جواهر الكلام، ج 37، ص 105

551

و لعلّه (1)- كما قيل (2)- من جهة احتمال كون القيميّ مضمونا بمثله، و دفع القيمة إنّما هو لإسقاط المثل (3).

و قد تقدّم (4) أنّه مخالف لإطلاق النصوص و الفتاوى.

____________

(1) أي: و لعلّ تردّد المحقّق (قدّس سرّه). و قوله: «من جهة» خبر قوله: «و لعلّه».

(2) القائل- كما عرفت- هو الشهيد الثاني و غيره.

(3) فيكون المثل مستقرّا في الذّمة إلى زمان دفعه أو دفع قيمته، فلم ينتقل الضمان من المثل إلى القيمة بمجرّد تلف العين المضمونة حتى لا يضمن ارتفاع القيمة بعد التلف.

(4) هذا ردّ مبنى تردّد المحقّق (قدّس سرّه) و قد نبّه عليه المصنّف (قدّس سرّه) في أوائل هذا التنبيه بقوله: «فإن أرادوا ذلك مطلقا حتى مع تعذّر المثل فتردّه إطلاقات الروايات الكثيرة في موارد كثيرة .. إلخ».

و حاصله: مخالفة كلام ابن الجنيد لإطلاق نصوص ضمان القيميّات، و فتاوى الأصحاب بضمان القيميّ بالقيمة سواء وجد المثل أم لم يوجد.

و اقتصر في الجواهر في ردّه على قوله: «و هو كما ترى».

____________

القول بأنّ القيميّ مضمون بالمثل، لأنّ عمدة دليل الضمان قاعدة اليد، و هي لا تشمل المثل الذي على العهدة و لو قلنا بضمان ارتفاع القيم، و ذلك لأنّ موضوع دليل اليد هو الاستيلاء على مال الغير، و كون الشي‌ء على العهدة غير كونه تحت اليد و الاستيلاء، فما في العهدة خارج عن دليل اليد موضوعا» (1) لا يخلو من غموض، لأنّه بعد صدق اليد يصدق الأداء- الذي جعل غاية للعهدة و رافعا لها- على كلّ من العين و بدلها، فلا بدّ من إرادة معنى من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «على اليد» ينطبق على كلّ ممّا تحت اليد و فوق العهدة.

____________

(1) كتاب البيع، ج 1، ص 430

552

[ارتفاع القيمة بسبب الأمكنة]

ثمّ إنّ ما ذكرنا (1) من الخلاف إنّما هو في ارتفاع القيمة بحسب الأزمنة.

و أمّا إذا كان بسبب الأمكنة كما إذا كان في محلّ الضمان بعشرة، و في مكان التلف بعشرين، و في مكان المطالبة بثلاثين، فالظاهر اعتبار محلّ التلف (2)، لأنّ (3) ماليّة الشي‌ء تختلف بحسب الأماكن، و تداركه بحسب (4) ماليّته.

____________

ارتفاع القيمة بسبب الأمكنة

(1) هذا هو الأمر الثاني المذكور في تتمّة مباحث ضمان القيميّ، و حاصله: أنّ ما تقدّم من الخلاف- في كون القيميّ مضمونا بقيمة يوم الغصب أو يوم التلف أو الأعلى بينهما- ناظر إلى اختلاف قيمة المضمون بحسب الأزمنة. و قد تحقّق عدم ضمان ارتفاع القيمة ما دامت العين باقية. و أمّا إذا نقل الغاصب العين إلى بلد آخر فتلفت فيه، و طالبه المالك بها في بلد ثالث، و تعدّدت الأسعار في البلاد الثلاثة، فهل يقال بضمان أعلاها أم تتعيّن قيمة بلد الغصب أم بلد التلف؟

اختار المصنف (قدّس سرّه) اعتبار قيمة مكان التلف، لأنّ اشتغال الذّمّة بالبدل حصل فيه. و لا مجال للقول بضمان أعلى القيم، و لا مكان الغصب، و إن قيل بكلّ منها فيما اختلفت القيم بحسب الأزمنة، هذا.

(2) هذا بناء على اعتبار قيمة يوم التلف. و أمّا بناء على اعتبار يوم الغصب فلا كما ذكرناه في التعليقة، فراجع.

(3) توضيحه: أنّ وجود المال في مكان يكون من الصفات الدخيلة في الرغبات و الماليّة التي تكون مضمونة على الضامن، و من المعلوم أنّ تدارك الشي‌ء يكون بماليّته المختلفة بصفاته، فالمتعيّن ماليّة محلّ التلف.

(4) خبر «و تداركه».

553

[ضمان ارتفاع القيمة بسبب الزيادة العينيّة]

ثمّ (1) إنّ جميع ما ذكرنا من الخلاف إنّما هو في ارتفاع القيمة الناشئة من تفاوت رغبة الناس. و أمّا إذا كان حاصلا من زيادة العين (2)

____________

ضمان ارتفاع القيمة بسبب الزيادة العينيّة

(1) هذا هو الأمر الثالث، و هو ناظر إلى تحديد موضوع البحث- في ضمان القيميّ- من جهة أخرى. و حاصله: أنّ ما ذكرناه من عدم ضمان ارتفاع القيمة- خلافا للقائل باعتبار أعلى القيم- ناظر إلى ارتفاع القيمة السوقية مع بقاء العين على حالها، و عدم حدوث تغيير فيها.

فلو ارتفعت القيمة عند الغاصب لأجل زيادة عينيّة كسمن الشاة، أو تعلّم صنعة ككتابة العبد المغصوب و خياطته- ثم عادت العين إلى ما كانت عليه حين الغصب حتّى تلفت عند الغاصب- كانت هذه الزيادة أو الصفة مضمونة، كضمان العين المغصوبة، لوضوح دخل تلك الصفة في رغبات الناس التي هي مدار ماليّة الأشياء.

و مثّل له الشهيد الثاني (قدّس سرّه) بقوله: «حتى لو غصب جارية قيمتها مائة، فسمنت و بلغت القيمة ألفا، و تعلّمت صنعة فبلغت ألفين، ثم هزلت و نسيت الصنعة، فعادت قيمتها إلى مائة، ردّها و غرم ألفا و تسعمائة. و لو علّم العبد المغصوب سورة من القرآن أو حرفة فنسيها، ثم علّمه حرفة أو سورة أخرى فنسيها أيضا ضمنهما» (1).

(2) يعني: حصلت زيادة في العين المغصوبة عند ما كانت بيد الغاصب، ثم زالت- كما تقدّم آنفا في كلام المسالك- كانت الزيادة مضمونة، فإن ردّ العين إلى المغصوب منه لزمه ردّ قيمة الزيادة الفائتة معها. و إن تلفت العين لزمه ردّ القيمة العليا، و هي قيمة العين حال تلك الزيادة. و لا يكفي ردّ قيمة يوم التلف. قال المحقق (قدّس سرّه):- فيما زادت القيمة لزيادة صفة ثم زالت-: «أمّا لو تجدّدت صفة غيرها، مثل أن سمنت فزادت قيمتها، ثم هزلت فنقصت قيمتها، ثم تعلّمت صنعة فزادت قيمتها، ردّها‌

____________

(1) مسالك الأفهام، ج 12، ص 220

554

فالظاهر كما قيل (1) عدم الخلاف في ضمان أعلى القيم. و في الحقيقة (2) ليست قيم التالف مختلفة، و إنّما زيادتها في بعض أوقات الضمان لأجل الزيادة العينية الحاصلة فيه (3)، النازلة (4) منزلة الجزء التالف.

نعم (5) يجري الخلاف المتقدم في قيمة هذه الزيادة الفائتة، فإنّ العبرة بيوم فواتها أو يوم ضمانها أو أعلى القيم؟

____________

و ما ضمن بفوات الأولى» (1).

(1) القائل صاحب الجواهر (قدّس سرّه)، قاله بعد عبارة المحقّق المتقدّمة: «بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه ..» (2).

(2) غرضه أنّ ضمان أعلى القيم للصفة الزائلة مغاير للقول بضمان نفس المغصوب بأعلى القيم بين الغصب و التلف. و الفارق بينهما: أنّ القيمة السوقيّة للعين المغصوبة لم تختلف من حين غصبها إلى حين تلفها لو بقيت بحالها، بشهادة عدم زيادة قيمة أمثالها. فارتفاع قيمتها في حال سمنها أو تعلّم الصنعة يكون في مقابل هذه الزيادة أو الصفة، و حيث إنّهما بمنزلة جزء المغصوب كان زوالهما بمنزلة نقص جزء من العين المغصوبة، فتكون مضمونة. كما إذا غصب دابة فعرجت عنده، فإنّه يضمن الأرش على ما تقدّم مفصّلا في صحيحة أبي ولّاد.

(3) أي: في التالف، و هو العين المغصوبة.

(4) صفة للزيادة العينيّة.

(5) استدراك على قوله: «ففي الحقيقة ليست قيم التالف مختلفة» الذي ملخصه:

أنّ العبرة بضمان قيمة يوم التلف مع تلك الزيادة التالفة.

و محصّل الاستدراك: أنّه إذا غصب عبدا قيمته ألف درهم، و بقي عنده سنة و تعلّم الخياطة عنده، فإن لم تتغير قيمة هذه الصنعة بأن كانت ألف درهم كان ضامنا‌

____________

(1) شرائع الإسلام، ج 3، ص 245

(2) جواهر الكلام، ج 37، ص 173