هدى الطالب في شرح المكاسب‌ - ج3

- السيد محمد جعفر المروج الجزائري المزيد...
629 /
555

[مباحث بدل الحيلولة]

ثمّ (1) إنّ في حكم العين في جميع ما ذكر من ضمان المثل أو القيمة

____________

للألفين، فإن ردّ العبد ردّ معه ألفا لو نسي الخياطة.

و إن تغيّرت قيمة الخياطة بأن كانت تسعمائة في شهر، و ألفا في شهر آخر، و ثمانمائة في شهر ثالث، ثم نسي الخياطة فيه، جرت هنا الأقوال الثلاثة في ضمان نفس العين.

فإن قلنا: إنّ العبرة بيوم التلف ضمن القيمة النازلة، و هي ثمان مائة درهم، لكون نسيان الصنعة بمنزلة تلف العين.

و إن قلنا بضمان العين بأعلى القيم، ضمن ألف درهم.

و إن قلنا بضمان يوم الغصب ضمن تسعمائة درهم، لأجل الخياطة المنسيّة، فيردّ هذا الأرش مع العبد إن كان موجودا، أو مع قيمته إن كان تالفا.

مباحث بدل الحيلولة

(1) هذا أوّل مباحث بدل الحيلولة، و موضوعه وجود العين، لكن مع تعذّر الوصول إليها لإباق أو ضياع أو غيرهما.

و توضيحه: أنّ ضمان مال الغير لا يخلو من إحدى حالات ثلاث، لأنّه إمّا أن تكون العين موجودة، و إمّا أن تكون تالفة، و على الأوّل إمّا أن يتمكّن من ردّها إلى المالك، لكونها بمتناول يده، و إمّا أن يتعذّر، لضياعها أو سرقتها.

فإن كانت موجودة عنده و أمكن ردّها إلى المالك فقد تقدّم في الأمر الثاني وجوب ردّها فورا إليه، و الضمان في هذه الصورة تقديريّ، بمعنى أنّه لو هلكت وجب دفع بدلها.

و إن كانت تالفة وجب ردّ بدلها من المثل أو القيمة، و قد تقدّمت مباحثه مفصّلة في الأمر الرابع إلى السابع.

و إن كانت العين موجودة لم تنعدم بعد، إلّا أنّ الضامن عاجز عن ردّها فعلا‌

556

حكم (1) تعذّر الوصول

____________

إلى المالك كما إذا سرقت منه، فهل يلحق هذا بالتلف حتى يضمن بدلها من المثل أو القيمة، أم لا يلحق بالتلف؟ لرجاء القدرة على ردّها. و هذا هو البحث المعروف ببدل الحيلولة. و قد تعرّض له المصنّف (قدّس سرّه) تبعا للأصحاب. قال المحقق (قدّس سرّه): «إذا تعذّر تسليم المغصوب دفع الغاصب البدل، و يملكه المغصوب منه، و لا يملك الغاصب العين المغصوبة، و لو عادت كان لكلّ منهما الرجوع» (1). و يبحث فيه عن جهات:

منها: الدليل على وجوب بدل الحيلولة.

و منها: تحديد الموضوع، و انّه يعتبر العلم بعدم الظفر بالعين، أو يكفي الظنّ به، أو غير ذلك.

و منها: أنّ المالك يملك بدل الحيلولة أو يباح له التّصرّف؟

و منها: أنّه يضمن ارتفاع قيمة العين بعد دفع بدل الحيلولة أو لا؟

و منها: وجوب ردّ العين فورا لو تمكّن منه بعد أداء البدل، و عدمه.

و منها: أنّ العين تدخل في ملك الغاصب أو لا؟

و منها: حكم تصرف المالك في البدل بما يخرجه عن الملك.

و منها: حكم تمكن المالك من أخذ العين، و عجز الغاصب عن أدائها إليه.

و منها: غير ذلك مما سيظهر إن شاء اللّه تعالى.

و ممّا ذكرنا ظهر أنّ البحث عن بدل الحيلولة ليس من فروع خصوص التنبيه السابع الباحث عن حكم ضمان القيميّ، بل يتفرّع على الأمر الرابع أيضا، إذ لو كان المضمون مثليّا و تعذّر ردّه إلى مالكه وجب على الضامن ردّ بدل الحيلولة، و هو المثل، لاتّحاد التلف و الحيلولة حكما، هذا.

(1) يعني: أنّه كما يجب في صورة تلف العين دفع البدل، كذلك في صورة تعذّر الوصول إلى العين لغرق أو ضياع أو سرقة أو نحوها، إذ لا ينعدم المال حقيقة في هذه‌

____________

(1) شرائع الإسلام، ج 3، ص 241

557

إليه (1) و إن لم يهلك، كما لو سرق أو غرق أوضاع أو أبق، لما دلّ (2) على الضمان بهذه الأمور في باب الأمانات المضمونة.

[أ- مورد بدل الحيلولة]

و هل يقيّد ذلك (3) بما إذا حصل اليأس من الوصول

____________

الموارد، و إنّما يتعذّر الوصول إليه.

(1) الضمير راجع إلى العين فالأولى تأنيثه. كما أن الأولى أن يقال: «تهلك» مؤنّثا لا مذكّرا.

(2) هذا إشارة إلى الدليل الأوّل على وجوب دفع بدل الحيلولة، و هو النصوص الواردة في ضمان الودعيّ و المستبضع و المستعير و المستأجر، الدالّة بمفهومها أو منطوقها على ضمان العين، إذا لم يتمكّن من ردّها إلى المالك، سواء أ كان بسبب التلف الحقيقيّ، أم بعدم الظفر بها كما إذا أبق العبد، أو سرق المتاع، أو ضاعت الوديعة و نحوها.

و قد تقدّم نقل جملة من هذه النصوص في (ص 189 و 334- 336) فراجع و نقتصر هنا بذكر واحدة منها تبرّكا، و هي معتبرة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: سألته عن العارية يستعيرها الإنسان، فتهلك أو تسرق؟ فقال: إن كان أمينا فلا غرم عليه» (1). فإنّ مفهومه الضمان بدون الأمانة، بلا فرق بين التلف الحقيقيّ المعبّر عنه بالهلاك، و بين الحكميّ، لتعذّر الوصول إليها لسرقة و ضياع، كما هو مورد البحث في بدل الحيلولة.

أ- مورد بدل الحيلولة

(3) أي: الضمان، و غرضه (قدّس سرّه) بيان مورد بدل الحيلولة، و المذكور في العبارة صور أربع تشترك في أمرين، أحدهما: بقاء العين و عدم ذهاب صورتها النوعيّة، و الثاني: عدم كونها بمتناول اليد حتى تردّ إلى المالك. و حينئذ فيحتمل وجوه:

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 13، ص 237، الباب 1 من كتاب العارية، الحديث 7

558

..........

____________

الأوّل: تقييد وجوب بدل الحيلولة باليأس من الوصول إلى العين، أي الاطمئنان بعدم الظفر بها. فلو لم يطمئنّ بعدم الظفر بها لم يجب البدل، سواء حصل له الظن بعدم الوصول أم لم يحصل بأن شكّ فيه.

الثاني: تقييد وجوب البدل بعدم الظنّ بوجدان العين، و لا يعتبر اليأس الذي هو العلم أو الاطمئنان بعدم الوصول، بل يكفي عدم رجاء الوجدان في وجوب بدل الحيلولة.

فالفارق بين الوجهين أمران:

أحدهما: اعتبار حصول اليأس من الوصول إلى العين في الوجه الأوّل، و عدم اعتباره في الثاني.

ثانيهما: أنّ المناط في الأوّل هو اليأس عن الوصول، و ظاهره الوصول بنفسه.

و في الثاني هو الوجدان، و ظاهره إعمال مقدمات تنتهي إلى الظفر بالعين.

و يمكن انطباق كلّ واحد من الوجهين على موارد بدل الحيلولة من الضياع و السرقة و الإباق و الغرق، و ان قيل بأنّ المال المسروق و الغريق ممّا ييأس وصوله، بخلاف الضائع الذي لا يأس عن الظفر به و إن لم يظنّ وجدانه.

و لعلّ الوجه الأوّل يختصّ بما إذا تعذّر إعادة العين و إن كان عودها بنفسها مرجوّا، كطائر فرّ من عشّه، و لكنّه يرجى عوده بنفسه إليه، لأنسه به.

الثالث: القول بالتفصيل في ضمان البدل بين المدّة القصيرة و الطويلة، و بين التضرّر و عدمه، فيقال بعدم الضمان فيما لو علم بوجدان العين في مدة قصيرة، سواء تضرّر فيه المالك أم لا. و كذا لو علم به في مدّة طويلة مع عدم تضرّر المالك بالانتظار. و يقال بالضمان في ما لو علم بوجدانها في أمد بعيد مع تضرّر المالك بالصبر إلى التمكّن من العين.

الرابع: القول بضمان البدل مطلقا بمجرّد تعذّر العين، سواء أ كانت مدّة الوصول إليها طويلة أم قصيرة.

559

إليه (1)، أو بعدم رجاء وجدانه (2)، أو يشمل (3) ما لو علم وجدانه في مدّة طويلة يتضرّر المالك من انتظارها، أو (4) و لو كانت قصيرة؟ وجوه (5). ظاهر أدلّة ما ذكر من الأمور الاختصاص بأحد الأوّلين (6).

لكن ظاهر إطلاق الفتاوى الأخير (7) كما يظهر (8) من إطلاقهم أنّ اللوح

____________

هذا ما يحتمل ثبوتا في تحديد موضوع الحكم.

و أفاد المصنّف (قدّس سرّه) في مقام الإثبات أنّ مفاد أدلّة وجوب أداء بدل الحيلولة يختلف عن ظاهر الفتاوى، إذ مقتضى الأدلّة اختصاص الوجوب بأحد الوجهين الأوّلين، و هما اليأس من الوصول و عدم رجاء الوجدان، لكونهما قدرا متيقّنا من «تعذّر الوصول» الذي هو بحكم التلف الحقيقيّ. و لكن مقتضى إطلاق الفتاوى وجوب بدل الحيلولة حتى لو تمكّن الضامن من الظفر بالعين في مدّة قصيرة كي يردّها إلى المالك، و سيأتي نقل فتواهم إن شاء اللّه تعالى.

(1) هذا هو الاحتمال الأوّل.

(2) هذا هو الاحتمال الثاني، و قد عرفت الفرق بينه و بين الاحتمال الأوّل.

(3) هذا هو الاحتمال الثالث، و هو معطوف على قوله: «يقيّد» و مقابل له، و غرضه التعميم و بيان احتمال عدم اختصاص التعذّر بصورة اليأس عن الوصول أو اليأس عن الوجدان، بل «تعذّر الوصول» أعمّ منهما و ممّا علم وجدانه في مدّة طويلة.

(4) معطوف على «مدّة طويلة» يعني: يصدق «التعذّر» حتّى في صورة العلم بوجدان العين في مدّة قصيرة، و هذا هو الاحتمال الرابع.

(5) مبتدء مؤخّر لمحذوف، و هو «فيه».

(6) أي: حصول اليأس من الوصول إليه، أو عدم رجاء الوجدان.

(7) و هو قوله: «أو و لو كانت قصيرة».

(8) قال في الجواهر: «و إن كانت- أي السفينة التي أدرج فيها لوح مغصوب- في اللّجة، و خيف من النزع غرق حيوان محترم- آدميّ أو غيره- أو مال كذلك لغير الغاصب الجاهل بالغصب، ففي القواعد و التذكرة و جامع المقاصد و المسالك‌

560

المغصوب في السفينة إذا خيف من نزعه غرق مال لغير الغاصب (1) انتقل إلى قيمته إلى أن يبلغ الساحل.

و يؤيّده (2) أنّ فيه جمعا بين الحقّين، بعد فرض رجوع القيمة إلى ملك الضامن (3) عند التمكّن من العين، فإنّ (4) «تسلّط النّاس على مالهم» الذي فرض

____________

و الروضة و ظاهر غيرها عدم وجوب النزع، بل في مجمع البرهان: لا خلاف فيه، جمعا بين الحقّين، و لاحترام روح الحيوان، سواء كان الغاصب أو للغاصب أو غيره ..» (1).

و قوله: «جمعا بين الحقّين» شاهد على أنّهم أطلقوا الحكم بالانتقال إلى القيمة، أعني بها قيمة اللوح المتعذّر أخذه فعلا لخوف غرق مال غير الغاصب مع كون اللوح معلوم الوصول و الوجدان، و لم يفرّقوا بين كون مدة الوصول إلى الساحل طويلة أو قصيرة.

(1) إذ لو كان المال الموجود في السفينة ملكا للغاصب أو لمن يعلم بغصبيّته وجب نزع اللوح المغصوب فورا، لعدم احترام مثل هذا المال، و لم تصل النوبة إلى انتقال الضمان من العين إلى بدل الحيلولة.

(2) يعني: يؤيّد هذا الإطلاق أنّ الانتقال إلى القيمة إلى زمان وصول العين جمع بين حقّي المالك و الغاصب، لأنّ مقتضى سلطنة المالك على ماله جواز مطالبته عينا أو بدلا، و مقتضى عدم تضرّر الغاصب هو أن يدفع المالك إليه بدل الحيلولة الذي أخذه منه، بعد وصول العين المغصوبة إلى مالكها.

و التعبير بالتأييد لعدم إحراز ثبوت حقّ للمالك مع فرض بقاء العين و وصولها إليه في مدّة قصيرة.

(3) لقولهم بترادّ العين و بدل الحيلولة، كما نقلناه عن المحقق في (ص 556).

(4) تعليل لثبوت حقّ للمالك يقتضي جواز مطالبة بدل الحيلولة من الضامن.

____________

(1) جواهر الكلام، ج 37، ص 77

561

كونه في عهدته يقتضي (1) جواز مطالبة الخروج عن عهدته (2) عند تعذّر نفسه.

نظير ما تقدّم (3) في تسلّطه على مطالبة القيمة للمثل المتعذّر في المثليّ.

نعم (4) لو كان زمان التعذّر قصيرا جدّا- بحيث لا يحصل صدق عنوان الغرامة و التدارك على أداء القيمة- أشكل الحكم (5).

[ب: المراد بالتعذّر هو العرفيّ لا العقليّ]

ثم الظاهر (6) عدم اعتبار التعذّر المسقط للتكليف،

____________

(1) خبر قوله: «انّ تسلّط» و ضمير «عهدته» راجع إلى الضامن.

(2) مرجع هذا الضمير و ضميري «كونه. نفسه» هو «مال الناس».

(3) حيث قال في الأمر السادس: «انّ دفع القيمة علاج لمطالبة المالك، و جمع بين حقّ المالك بتسليطه على المطالبة، و حقّ الضامن بعدم تكليفه بالمتعذّر أو المعسور».

(4) استدراك على إطلاق حكمهم بضمان بدل الحيلولة حتّى في ما إذا كان زمان تعذّر الوصول إلى العين المضمونة قصيرا. و الوجه في الاستدراك: أنّ بدل الحيلولة غرامة على الضامن لأجل تدارك حرمان المالك عن ماله مدّة التعذّر، و من المعلوم أنّ صدق عنوان «الغرامة» يتوقّف على حصول النقص و الفوت على من له الغرم، و مع قصر المدّة لا يصدق فوت مال المالك و لا نقصه عليه، فلا موجب للغرامة.

(5) منشأ الاشكال أمران، يقتضي أحدهما الضمان، و الآخر عدمه، فقاعدة السلطنة تقتضي جواز المطالبة حين التعذّر الموجب للانتقال إلى القيمة حتّى في المدّة القصيرة. و صدق التمكّن عرفا من ردّ العين- لقصر الزمان- يقتضي عدم الانتقال إلى القيمة.

ب: المراد بالتعذّر هو العرفيّ لا العقليّ

(6) غرضه تحديد التعذّر الموجب للبدل، و حاصله: أنّ الانتقال إلى بدل الحيلولة لا يناط بسقوط التكليف بوجوب ردّ العين، فلو لم يصل التعذّر إلى هذا الحدّ‌

562

بل لو كان ممكنا (1) بحيث يجب عليه السعي في مقدماته لم يسقط القيمة (2) زمان السعي.

لكن (3) ظاهر كلمات بعضهم التعبير بالتعذّر.

____________

وجب دفع بدل الحيلولة أيضا، كما تقتضيه فتاواهم بالانتقال إلى القيمة في اللوح المغصوب، مع إمكان الوصول إليه و لو بالسعي مقدّمات الإيصال إلى الساحل.

و بعبارة أخرى: المراد بالتعذّر ليس هو الامتناع الذي يعدّونه من مسقطات التكليف، نظير الامتثال و انتفاء الموضوع، كسقوط أحد المتزاحمين- المتساويين ملاكا- عن الوجوب الفعليّ التعيينيّ، و التخيير في الامتثال. فلو كان التعذّر في المقام بهذا المعنى لم يبق موضوع لبدل الحيلولة، لفرض بقاء صورتها النوعيّة على ما كانت عليه، كالعبد الآبق و اللوح المدرج في السفينة. فالمراد بالتعذّر هنا ما يجتمع مع التكليف بأداء العين، حتى لو توقّف الوصول إليها على تمهيد مقدّمات و السعي إليها.

و قد ظهر أنّ تعبير المصنف (قدّس سرّه) بالتعذّر ليس مساوقا للوجه الأوّل- و هو اليأس عن الوصول- حتى يكون ذلك تكرارا، إذ التعذّر العقليّ المسقط للتكليف أخص من اليأس، فإنّ عدم القدرة فعلا على تحصيل العين لا ينافي القطع بحصوله فيما بعد، فضلا عن رجاء حصوله. كما أنّ اعتبار التعذّر العرفيّ في سقوط التكليف بردّ العين لا يساوق الصورة الأخيرة، و هي الحكم ببدل الحيلولة بمجرّد التعذّر الفعليّ، بل التعذّر العرفي أعمّ من التعذّر الفعلي و التعذّر في مدّة قصيرة.

(1) يعني: لمّا كان الوصول إلى العين ممكنا في نفسه- و لو بتمهيد مقدّمات- وجب السعي إليها ليظفر بها.

(2) يعني: بدل الحيلولة.

(3) هذا استدراك على إرادة التعذّر العرفيّ في المقام، و حاصله: أنّ ظاهر كلمات بعضهم اعتبار التعذّر المسقط للتكليف، كقول المحقّق (قدّس سرّه): «و إذا تعذّر تسليم المغصوب دفع الغاصب البدل» و قريب منه عبارة القواعد و الدروس.

563

و هو (1) الأوفق بأصالة عدم تسلّط المالك على أزيد من إلزامه بردّ العين، فتأمّل (2).

و لعلّ المراد به (3) التعذّر في الحال

____________

(1) غرضه (قدّس سرّه) الاستدلال لما هو ظاهر تعبير جماعة بالتعذّر الذي يلوح منه سقوط التكليف بأداء العين. و تقريبه: أنّ الدليل على استحقاق البدل هو سلطنة المالك على ماله، و لا ريب في اقتضائها جواز مطالبة البدل في مورد تعذّر الوصول إلى العين. أمّا لو لم يتعذّر الوصول إليها فقاعدة السلطنة تقتضي مطالبة العين، لا بدل الحيلولة. و لو شكّ في ثبوت سلطنته على مطالبة كلّ من المبدل و البدل كان مقتضى أصالة عدم تسلّط المالك على أزيد من إلزامه بردّ العين عدم سلطنته على مطالبة البدل، هذا.

(2) الظاهر أنّه إشارة إلى الخدشة في الأصل المذكور، إمّا لأنّه قد يفضي إلى تضرّر المالك بحرمانه عن ماليّة ماله، فلو ثبتت له سلطنة المطالبة بالبدل لم يتضرّر بذلك، و إن لم تصل إليه خصوصيّات ماله. و إمّا لأنّ السلطنة على مطالبة بدل الحيلولة لا تنافي سلطنته على العين، لاختصاص زمان وجوب البدل بتعذر الوصول إلى العين، و هو وقت السعي في مقدّمات تحصيل العين، و اختصاص وجوب ردّ العين بزمان حصولها عنده، فلا تكليف بردّها قبل حصولها حتى يقال بنفي الزائد- و هو وجوب البدل- بأصالة عدم السلطنة.

(3) غرضه توجيه أخذ «التعذّر» في الحكم ببدل الحيلولة، و بيانه: أنّ ظاهر التعذّر و إن كان هو التعذّر المطلق، يعني التعذّر في الحال و الاستقبال، بأن يحصل اليأس من الظفر بالعين، لكن يحتمل إرادة التعذّر الفعليّ أي حين السعي في مقدّمات تحصيل العين، فيكفي هذا التعذّر في جواز مطالبة بدل الحيلولة من الضامن، لأنّ نفس تأخير تسليم المال إلى مالكه ضرر عليه ينبغي تداركه بالبدل، هذا.

564

و إن كان (1) لتوقّفه على مقدّمات زمانيّة يتأخّر لأجلها ذو المقدّمة.

[ج: جواز امتناع المالك من أخذ بدل الحيلولة]

ثم (2) إنّ ثبوت القيمة مع تعذّر العين ليس كثبوتها مع تلفها في كون دفعها حقّا للضامن، فلا يجوز (3) للمالك الامتناع، بل (4) له أن يمتنع من أخذها، و يصبر إلى زوال العذر، كما صرّح به الشيخ في المبسوط (5).

____________

(1) يعني: و إن كان هذا التعذّر الفعليّ مستندا إلى استلزام مقدّمات تحصيل العين لزمان طويل.

ج: جواز امتناع المالك من أخذ بدل الحيلولة

(2) هذا فرع آخر ممّا يتعلّق ببدل الحيلولة، و غرضه إبداء الفرق بين ثبوت القيمة مع بقاء العين، و تعذّر ردّها إلى المالك، و بين ثبوتها مع تلفها.

و حاصل الفرق أنّه في صورة التلف يجب على المالك أخذ القيمة، لأنّ للضامن إبراء ذمّته بدفع القيمة، لامتناع تكليفه بردّ العين؛ فليس للمالك الامتناع من الأخذ.

و في صورة التعذّر يجوز للمالك الامتناع من الأخذ، و الصبر إلى زوال العذر و إمكان ردّ العين.

(3) هذا متفرّع على المنفيّ، و هو كون دفع القيمة- عند التلف- حقّا للضامن يجب على المالك قبولها.

(4) معطوف على «ليس» يعني: أنّ للمالك الامتناع من أخذ بدل الحيلولة، بأن يصبر إلى زوال العذر من ردّ العين. و هذا هو الفارق بين تلف العين حقيقة بذهاب صورتها النوعيّة، و بين تلفها حكما بالتعذّر.

(5) حيث قال (قدّس سرّه): «إذا غصب ملكا لغيره، فخرج عن يده، مثل أن غصب عبدا فأبق، أو فرسا فشرد، أو بعيرا فندّ، أو ثوبا فسرق، كان للمالك مطالبته بقيمته، لأنّه حال بينهما بالغصب ..» (1). و غرض المصنّف من نسبة التصريح إلى الشيخ قوله «كان للمالك» لدلالته على كون المطالبة بالقيمة حقّا له، و ليس للغاصب الإلزام‌

____________

(1) المبسوط، ج 3، ص 95.

565

و يدلّ عليه (1) قاعدة تسلّط الناس على أموالهم.

[د: خروج العين عن الماليّة]

و كما أنّ (2) تعذّر ردّ العين

____________

بأخذها، فيجوز الصبر إلى الظفر بالعين المضمونة.

(1) يعني: و يدلّ على جواز امتناع المالك من أخذ القيمة- أي بدل الحيلولة- قاعدة السلطنة، لاقتضائها جواز كلّ من مطالبة البدل الموقّت، و من الامتناع عنه، بأن يصبر حتى الظفر بالعين، أو إحراز تلفها، فيأخذ بدلها الدائميّ المستقرّ على عهدة الضامن. و هذا بخلاف ما إذا تلفت العين، لانقطاع سلطنته عليها من أوّل الأمر، و استقرار بدلها في ذمّة الضامن، فله تفريغها بأداء المثل أو القيمة، و لا يجوز للمالك الامتناع من أخذ البدل.

د: خروج العين عن الماليّة

(2) ظاهره بيان مورد آخر مما يجب فيه بدل الحيلولة، و هو خروج المال عن التقويم، توضيحه: أنّ المناط في ضمان بدل الحيلولة- كما تقدّم- أمران، أحدهما: بقاء العين و عدم ذهاب صورتها النوعيّة، و ثانيهما: تعذّر إيصالها إلى المالك.

و بناء على اعتبار هذين يتّجه البحث عمّا إذا أمكن إيصال العين إلى مالكها، لكنّها سقطت عن الماليّة، فيحتمل لحوق هذا الفرض ببدل الحيلولة، كما اختاره المصنّف (قدّس سرّه) و يحتمل كونه من موارد التلف الحقيقيّ- لأنّ التموّل صفة مقوّمة لضمان العين- فالواجب حينئذ دفع البدل الدائميّ إلى المالك، و لا ربط له ببدل الحيلولة الذي هو بدل محدود و مغيّا بالوصول إلى العين.

فإن قلت: مختار المصنف هنا ربما ينافي ما تقدّم في التنبيه السادس من حكمه بأنّ سقوط المثل عن الماليّة يوجب الانتقال إلى القيمة كالماء على الشاطئ و الجمد في الشتاء. فتشتغل ذمّة الضامن بالقيمة- التي تكون بدلا دائميّا لا محدودا- و يسقط المثل عن العهدة.

566

في حكم التلف (1)، فكذا خروجه (2) عن التقويم.

[ه‍: هل البدل ملك المضمون له أم مباح له؟]

ثمّ إنّ (3) المال المبذول يملكه المالك بلا خلاف،

____________

وجه المنافاة: أنّ خروج المثل عن الماليّة لو اقتضى انقلاب ضمانه بالقيمة فليكن خروج العين عن التموّل مثله، فكيف حكم المصنّف: بأنّه كتعذّر العين في أنّ البدل محدود من باب الحيلولة بين المال و مالكه؟

قلت: يمكن دفع التنافي بأنّ خروج المال عن التقويم على نحوين، فتارة لا يرجى عود الماليّة إليه، كاللحم المتعفّن و الفاكهة الفاسدة، فالواجب فيهما المثل أو القيمة من باب التلف الحقيقيّ، لكون تلف الماليّة كتلف العين. و اخرى يرجى عود الماليّة، كما إذا ضمن ماء في المفازة و لم يتلف حتى وصل الشاطئ، و أراد اجتيازه إلى مفازة أخرى، فيقال: بأنّ للمالك مطالبة بدل الحيلولة عند الشاطئ، و لو بقي الماء بحاله إلى الوصول إلى المفازة الأخرى وجب على الضّامن دفعه إلى المالك.

و لعلّ هذا الفرض الثّاني محطّ نظر الماتن هنا، حيث عدّ سقوط المال عن التقويم من موارد بدل الحيلولة. مضافا إلى فرق آخر بين المقام و المثليّ، بأنّ العين واجدة لخصوصيّتها الشخصيّة المضمونة، و لا ينتقل إلى البدل إلّا بالتلف الحقيقيّ، و المفروض عدمه. بخلاف المثليّ، المشارك للعين في الصنف، هذا.

(1) في وجوب البدل المحدود، و هو بدل الحيلولة.

(2) أي: خروج العين عن الماليّة، فالأولى تأنيث الضمير.

ه‍: هل البدل ملك المضمون له أم مباح له؟

(3) هذا فرع آخر ممّا يتعلّق ببدل الحيلولة، و الغرض منه بيان حكمه من حيث صيرورته ملكا لمن له الغرم أو أنّه يباح له التصرّف فيه. و أثبت المصنّف (قدّس سرّه) كونه ملكا له بنفي الخلاف بين المسلمين، و استوجهه بأنّ التدارك لا يحصل إلّا بصيرورة بدل الحيلولة ملكا للمغصوب منه، حيث إنّ فوات المال عنه لا ينجبر إلّا بذلك.

567

كما في المبسوط (1) و السرائر و الخلاف و الغنية. و ظاهرهم (2) إرادة نفي الخلاف بين المسلمين.

____________

و لولا هذان الوجهان- و هما الإجماع و اقتضاء الغرامة و التدارك الملكيّة- أمكن القول ببقاء بدل الحيلولة على ملك الغارم، غاية الأمر أنّه يباح لمالك العين الانتفاع به و التصرّف فيه حتى بما يتوقّف على الملك، و يشترط دخوله في ملكه بتلف العين.

و عليه فيكون بدل الحيلولة كالمعاطاة- بناء على نظر من تقدّم على المحقّق الثاني (قدّس سرّه) من كونها مفيدة للإباحة- بلا فرق بين ما لا يتوقّف على الملك، و ما يتوقّف عليه كالعتق و البيع و الهديّة، و قد جزم بهذا الاحتمال المحقّق القمّيّ (قدّس سرّه) على ما حكي عنه.

(1) حيث قال- بعد ما نقلناه عنه في (ص 564) ما لفظه: «فإذا أخذ القيمة ملكها بلا خلاف، لأنّه أخذها لأجل الحيلولة» (1). و الغرض أنّ دعوى «عدم الخلاف» مصرّح بها في كلام السيد أبي المكارم، و ابن إدريس أيضا.

(2) و في مفتاح الكرامة أيضا: «و ظاهرهما- يعني كلام الخلاف و الغنية- نفيه بين المسلمين» (2). يعني: أنّ الحكم ليس مجمعا عليه بين الإماميّة خاصّة، بل هو متّفق عليه بين المسلمين. و منشأ استظهار نفي الخلاف بين المسلمين هو قول شيخ الطائفة- بعد العبارة المتقدّمة-: «فإذا ملك القيمة فهل يملك المقوّم أم لا؟ فعندنا أنّه ما يملكها، و أنّها باقية على ملك المغصوب منه» لظهور قوله: «فعندنا» في إجماع الإماميّة على بقاء العين في ملك المغصوب منه، و إذا ظفر بالعين وجب ردّ بدل الحيلولة إلى الغاصب، لخروجه عن ملك المغصوب منه حينئذ.

و ربّما تكون نسبة الحكم إلى أصحابنا في هذه المسألة قرينة على أن مراده بنفي‌

____________

(1) المبسوط، ج 3، ص 95؛ الخلاف، ج 3، ص 412، كتاب الغصب، المسألة 26؛ غنية النزوع، ص 538، (ضمن الجوامع الفقهية)؛ السرائر، ج 2، ص 486

(2) مفتاح الكرامة، ج 6، ص 254

568

و لعلّ الوجه فيه (1) أنّ التدارك لا يتحقّق إلّا بذلك (2).

و لو لا ظهور الإجماع (3) و أدلّة الغرامة في الملكيّة لاحتملنا أن يكون مباحا له (4) إباحة مطلقة و إن لم يدخل في ملكه. نظير الإباحة المطلقة في المعاطاة على القول بها فيها (5)، و يكون دخوله في ملكه مشروطا بتلف العين (6).

____________

الخلاف في المسألة السابقة نفي الخلاف بين المسلمين، و لولاه لم يكن وجه للتعبير تارة بنفي الخلاف، و أخرى ب‍ «عندنا».

(1) اي: و لعلّ الوجه في تملّك المغصوب منه لبدل الحيلولة هو: أنّ تدارك حرمان المالك عن العين المتعذّرة إنّما هو بدخول البدل في ملكه حتى يتسلّط على التصرّف فيه، كما كان يتصرّف في المبدل لو كان حاضرا عنده.

و هذا الوجه يستفاد من كلام الجواهر أيضا، كقوله: «بل أدلّة الضمان التي منها- على اليد- شاملة لذلك قطعا فهي حينئذ مقتضية لملك المالك القيمة .. فالقيمة حينئذ مملوكة، و العين باقية على الملك للأصل» (1).

(2) أي: بكون المال المبذول- المسمّى ببدل الحيلولة- ملكا للمغصوب منه.

(3) أي: على القول بالإباحة في المعاطاة، غرضه: أنّه بالإباحة يتحقّق التدارك. و لا يتوقف ذلك على القول بالملكية، فالموجب له هو ظهور الإجماع و أدلّة الغرامة.

(4) أي: لمالك العين، و المراد بالإباحة المطلقة ما يشمل التصرّف المشروط بالملك كالبيع.

(5) أي: على القول بالإباحة المطلقة في المعاطاة، لتحقّق التدارك بهذه الإباحة، و لا موجب لدخول بدل الحيلولة في ملك مالك العين: فدليل القول بالملكيّة هو الإجماع و أدلّة الغرامة.

(6) كما أنّ تملّك المأخوذ بالمعاطاة مشروط بتلف العوض.

____________

(1) جواهر الكلام، ج 37، ص 131

569

و حكي الجزم بهذا الاحتمال (1) عن المحقّق القمي (رحمه اللّه) في أجوبة مسائله (2).

[و: دفع بدل الحيلولة لا يقتضي انتقال العين الى الغارم]

و على أيّ حال (3) فلا ينتقل العين إلى الضامن،

____________

(1) أي: احتمال الإباحة المطلقة.

(2) الموجود في جامع الشتات كون بدل الحيلولة نوعا من الملك، و لم يرد في كلامه التصريح بالإباحة، و لكن الظاهر إرادة الإباحة، لأنّه (قدّس سرّه) أراد التفصّي عن إشكال الشهيد الثاني- الآتي قريبا- من أنّه يلزم الجمع بين العوض و المعوّض لو قلنا بصيرورة بدل الحيلولة ملكا لمالك العين، و الالتزام بالملك المتزلزل. فتخلّص المحقّق القمّيّ عنه بقوله: «فلا مانع من أن يكون ذلك نوعا من التملّك، و حاصله: أنّ للمالك التصرّف [في البدل] للبدل حتى بالإتلاف و البيع و غير ذلك. و ذلك مراعى إلى حين ظهور العين المغصوبة، فإن ظهر العين و البدل باق فللغاصب استرداد ماله إذا كان باقيا، بخلاف ما لو أتلفه» (1).

و: دفع بدل الحيلولة لا يقتضي انتقال العين الى الغارم

(3) يعني: سواء قلنا بدخول بدل الحيلولة في ملك المضمون له أم بالإباحة المطلقة، فلا ينتقل العين .. إلخ. و هذا فرع آخر، و هو أنّ الغرامة التي يدفعها الضامن إلى المالك- بسبب الحيلولة- لا توجب دخول العين المضمونة في ملك الضامن، للفرق بين العوض في العقود المعاوضيّة، و بين بدل الحيلولة الذي هو غرامة، و ليس أداء للعين من حيث ماليّته حتى يستلزم دخول العين في ملكه من جهة امتناع اجتماع العوض و المعوّض عند واحد.

و الحاصل: أنّ بدل الحيلولة غرامة يبذلها الضامن، و لا تقتضي دخول العين في ملكه معاوضة، كما أنّ البدل الدائميّ الذي يبذله الضامن لا يوجب صيرورة العين التالفة ملكا له، هذا.

____________

(1) جامع الشتات، ج 1، ص 152، السطر: 6.

570

فهي غرامة (1) لا تلازم فيها بين خروج المبذول عن ملكه، و دخول العين في ملكه، و ليست معاوضة ليلزم الجمع بين العوض و المعوّض، فالمبذول هنا (2) كالمبذول مع تلف العين في عدم البدل له.

و قد استشكل في ذلك (3) المحقّق و الشهيد الثانيان.

قال الأوّل في محكيّ جامعه: «إنّ هنا إشكالا، فإنّه كيف يجب القيمة و يملكها الآخذ، و يبقى العين على ملكه؟ و جعلها (4) في مقابلة الحيلولة لا يكاد يتّضح معناه» انتهى.

و قال الثاني: «إنّ هذا لا يخلو من إشكال من حيث اجتماع العوض

____________

و قد تقدّم في عبارة المبسوط التصريح بعدم دخول العين في ملك الغارم، و لكن استشكل فيه المحقّق و الشهيد الثانيان، و سيأتي.

(1) لا أداء للعين من حيث الماليّة حتى يلزم دخول العين في ملك الغاصب ببذل البدل.

(2) هذه نتيجة كون بدل الحيلولة غرامة لا أداء للعين من حيث الماليّة، يعني:

أنّ المبذول بعنوان بدل الحيلولة كالمبذول مع تلف العين.

(3) يعني: في صيرورة بدل الحيلولة ملكا لمالك العين.

(4) مبتدء خبره «لا يكاد» و غرض المحقّق الثاني (قدّس سرّه) دفع دخل، حاصله: أنّ بدل الحيلولة ليس في قبال نفس العين المضمونة حتى يلزم إشكال الجمع بين العوض و المعوّض في ملك المضمون له، بل يكون البدل عوضا عن حيلولة الغاصب- بين العين و مالكها- المفوّتة لسلطنته عليها، فلا إشكال حينئذ (1).

و دفعه المحقّق الثاني بأنّ بدليّة المثل أو القيمة عن الحيلولة- لا عن نفس العين- غير متّضحة، إذ لو تلفت لزم عوضها و سقط التكليف بردّ العين، و إن بقيت- كما هو الفرض- فما الدليل على استحقاق بدل محدود لأجل الحيلولة؟.

____________

(1) جامع المقاصد، ج 6، ص 261

571

و المعوّض على ملك المالك من دون دليل واضح (1) [1].

و لو قيل (2) بحصول الملك لكلّ منهما متزلزلا (3)، و توقّف تملّك المغصوب منه للبدل على اليأس (4) من العين- و إن جاز له التصرّف- كان وجها (5) في المسألة» (1).

و استحسنه في محكي الكفاية (6).

____________

(1) يعني: لو دلّ دليل على جواز اجتماع العوض و المعوّض في ملك واحد أمكن الالتزام بمالكيّة المضمون له- هنا- لكلّ من العين و بدل الحيلولة، و لكن حيث لا دليل عليه إثباتا يشكل المصير إليه.

(2) غرض الشهيد الثاني التخلّص من محذور اجتماع العوض و المعوّض- بالقول بالملك المتزلزل لا المستقرّ، فالمضمون له يملك بدل الحيلولة، كمالكيّة ذي الخيار للمبيع متزلزلا، و استقرار الملك مراعى باليأس من العين، و قبل اليأس يجوز للمالك التصرّف في البدل بأنحاء التصرّف.

و لا يخفى عليك أنّ هذا الملك المتزلزل قول ثالث في المسألة في قبال كلّ من الملك المستقرّ، و الإباحة المطلقة.

(3) أي: التزلزل مستمر إلى اليأس، و به يستقرّ الملك.

(4) بل على التلف، و يمكن أن يكون اليأس طريقا إليه.

(5) إذ به يندفع إشكال الجمع بين العوض و المعوّض.

(6) يعني: استحسن الفاضل السبزواري (قدّس سرّه) القول بالملك المتزلزل لحلّ إشكال الجمع بين العوض و المعوّض.

____________

[1] ظاهره كظاهر المستند عدم كون محذور اجتماع العوض و المعوّض عقليّا، مع أنّ محذورة عقليّ، لأنّ العوض في الملكيّة عبارة عن كون مال بدلا عن مال آخر، بحيث تكون إضافة الملكيّة قائمة بمال لم يكن ملكا له.

____________

(1) الحاكي هو السيد العاملي (قدّس سرّه) في مفتاح الكرامة، ج 6، ص 255؛ مسالك الافهام، ج 12، ص 201 كفاية الأحكام، ص 259

572

أقول: الذي ينبغي أن يقال (1) هنا: إنّ معنى ضمان العين ذهابها من مال الضامن، و لازم ذلك (2) إقامة مقابله من ماله مقامه (3)، ليصدق ذهابها من كيسه.

ثم (4) إنّ الذّهاب إن كان على وجه التلف الحقيقيّ أو العرفيّ المخرج للعين

____________

(1) ناقش المصنّف في كلام المحقّق و الشهيد الثانيين و الفاضل السبزواري (قدّس سرّهم) من جعل محذور اجتماع العوض و المعوّض مانعا من دخول البدل في ملك المضمون له، ثم تخلّص الشهيد الثاني عنه بالملك المتزلزل.

و حاصل المناقشة: اقتضاء الدليل دخول البدل في ملك المضمون له، و ذلك لأنّ معنى ضمان العين- و كون عهدتها على الضامن- هو كون ذهابها من كيس الضامن، بحيث يرد نقصان في ماله، و لازم ذلك جعل مقابله من ماله مقام التالف في الملكيّة، بمعنى: إقامة إضافة الملكيّة بما يبذله للمالك، فما يدفعه إلى المالك يقوم مقام ماله التالف في الملكيّة. هذا في التلف الحقيقيّ.

و أمّا في تعذّر الوصول إلى العين كالمقام- و فوات الانتفاع بها- فمعنى الضمان تدارك السلطنة الفائتة، و هذا المقدار و إن كان يتحقّق بإباحة البدل للمالك، لتمكّنه من التصرّف فيه مطلقا، إلّا أنّ الموجب للقول بمالكيّة المضمون له هو عدم جواز بعض التصرّفات للمباح له، كالعتق و البيع و الوقف و نحوها، فيلزم قصر سلطنة المالك حينئذ، و لا سبيل لتدارك تلك السلطنة المطلقة على ماله إلّا بدخول البدل في ملكه، هذا.

و عليه فما أفادوه- من عدم دليل واضح على اجتماع العوض و المعوّض عند المالك- قد عرفت منعه، لاقتضاء أدلّة الضمان جبر السلطنة الفائتة و تداركها، و لا يكون إلا بالملك.

(2) أي: و لازم ذهاب العين من مال الضامن هو إقامة مقابلها من ماله مقامها.

(3) أي: مقام العين، فالأولى تأنيث الضمير.

(4) هذا تفصيل لقوله: «إنّ معنى ضمان العين ذهابها من مال الضامن»‌

573

عن قابليّة الملكيّة (1) [الملك] عرفا وجب قيام مقابله من ماله مقامه (2) في الملكيّة. و إن كان (3) الذهاب بمعنى انقطاع سلطنته عنه و فوات الانتفاع به في الوجوه التي بها قوام الملكيّة وجب قيام مقابله مقامه (4) في السلطنة، لا في الملكيّة (5) ليكون (6) مقابلا و تداركا للسلطنة الفائتة. فالتدارك لا يقتضي ملكيّة المتدارك (7) في هذه الصورة (8).

____________

و حاصله: أنّ لذهاب العين صورتين، إحداهما: التلف الحقيقيّ أو العرفيّ، و الأخرى انقطاع السلطنة، و هو التلف الحكمي، و تقدّم بيانهما آنفا، و سيأتي أيضا.

(1) الظاهر أنّ الصواب «الماليّة» لقيام المنافع بالشي‌ء من حيث كونه مالا، لا ملكا. و يمكن توجيه «الملكيّة» بأنّها- في المقام- غالبا لا تنفكّ عن الماليّة، فتتحد قابليّة الملكيّة و الماليّة، و الأمر سهل.

(2) أي: مقام العين في إضافة الملكيّة، فيكون البدل الدائميّ ملكا لمالك العين التالفة. و الأولى تأنيث الضمير، كما مرّ.

(3) معطوف على «إن كان» و هو بيان مورد بدل الحيلولة، و أنّ حكمه الإباحة المطلقة، و حاصله: أنّ المراد بالذهاب انقطاع سلطنة المالك عن ماله، فاللازم جعل مال في مقابل السلطنة الفائتة عن ماله، لا في مقابل الملكيّة، فالتدارك لا يقتضي ملكية البدل المبذول لتدارك السلطنة، إذ لا يتوقّف تداركها على ملكيّة البدل، بل يحصل بالإباحة و السلطنة المطلقة عليه.

(4) هذا الضمير و ضمائر «عنه، به، مقابله» راجعة إلى «العين» فالأولى تأنيثها.

(5) يعني: أنّ الفارق بين التلف الحقيقيّ و فوات السلطنة هو لزوم كون تدارك الأوّل بدخول البدل في ملك المضمون له، بخلاف الثاني، لكفاية إباحته له.

(6) أي: ليكون هذا المقابل مقابلا للسلطنة الفائتة و تداركا لها.

(7) بالكسر، أى: البدل الموجب للتدارك.

(8) أي: صورة انقطاع سلطنة المالك و فوات الانتفاعات.

574

نعم (1) لمّا كانت السلطنة المطلقة المتداركة للسلطنة الفائتة متوقّفة على الملك، لتوقّف بعض التّصرّفات عليها، وجب ملكيّته للمبذول، تحقيقا لمعنى التدارك و الخروج عن العهدة.

و على أيّ تقدير (2) فلا ينبغي الإشكال في بقاء العين المضمونة على ملك مالكها (3).

إنّما الكلام في البدل المبذول، و لا كلام أيضا في وجوب الحكم بالإباحة (4) و بالسلطنة المطلقة عليها.

____________

(1) استدراك على أنّ التدارك لا يقتضي ملكيّة المتدارك- بالكسر- لكن لمّا كانت السلطنة المطلقة الجابرة للسلطنة الفائتة منوطة بالملك، لتوقّف بعض التّصرّفات عليه، وجب الحكم بكون البدل ملكا للمالك، و ذلك لأنّ التدارك يقتضي ذلك حيث إنّ السلطنة المطلقة الفائتة لا تتدارك إلّا بسلطنة مثلها، فنفس انقطاع سلطنة المالك و إن لم يقتض ملكيّة بدل الحيلولة، إلّا أنّ كيفية السلطنة الفائتة تقتضي كون السلطنة الجابرة لها مثلها.

(2) يعني: سواء قلنا بملكيّة بدل الحيلولة للمالك، أم قلنا بإباحتها المطلقة.

(3) لعدم موجب لخروجها عن ملك مالكها، و مع الشكّ يجري الاستصحاب، و قد تقدّم أيضا بقوله: «و على أيّ حال فلا ينتقل العين إلى الضامن».

(4) كما اختاره المحقّق القمّي (قدّس سرّه) لكفاية هذه الإباحة المطلقة في جبر فوات سلطنة المالك على ماله، و لا يتوقّف التدارك على دخول بدل الحيلولة في ملك المضمون له. نعم هذه الإباحة تستلزم الملك من أوّل الأمر، أو تنتهي إليه عند التّصرّف، حتى تصحّ التّصرّفات المشروطة بالملك فيه. و قد تقدّم تفصيل الكلام في رابع تنبيهات المعاطاة. لكن الذي تحصّل من كلامه هناك الإشكال في الإباحة المطلقة فراجع (1).

____________

(1) هدى الطالب، ج 2، ص 94 إلى ص 120

575

و بعد ذلك فيرجع محصّل الكلام حينئذ (1) إلى أنّ إباحة جميع التّصرّفات- حتى المتوقّفة على الملك- هل يستلزم الملك من حين الإباحة أو يكفي فيه حصوله من حين التّصرّف؟ و قد تقدّم في المعاطاة بيان ذلك.

[ز: اشتراط وجوب البدل بفوات معظم منافع العين]

ثم (2) إنّه قد تحصّل ممّا ذكرنا (3) أنّ تحقيق ملكيّة البدل (4) أو السلطنة (5)

____________

(1) أي: حين وجوب الحكم بإباحة البدل و السلطنة المطلقة عليه.

ز: اشتراط وجوب البدل بفوات معظم منافع العين

(2) هذا البحث يتعلّق بكون بدل الحيلولة ملكا أو مباحا لمالك العين، و الغرض منه تحديد موضوع البحث و حصر مورده بما إذا كان الفائت على المالك معظم الانتفاعات حتّى يتصف البدل بكونه غرامة. فلو كان الفائت منفعة غير مقوّمة لماليّة العين فمقتضى ما تقدّم عدم كون بدل الحيلولة ملكا و لا مباحا للمالك.

إلّا إذا حكم الشارع بغرامة العين، فإنّها تكشف عن انتقال العين إلى الغارم، كما في البهيمة الموطوءة، فإنّ الشارع ضمّن الواطي قيمة الحيوان و أوجب نفيه عن البلد، و لكن لا يسقط به عن الماليّة و التقويم، و إنّما هو حيوان معيب، فإيجاب دفع البدل يدلّ على تحقّق مبادلة شرعيّة بينه و بين الحيوان.

و هذا بخلاف سقوط العين عن الماليّة، فلا يكون وجوب دفع البدل مقتضيا لخروج المبدل عن الملك، لكون البدل غرامة للسلطنة الفائتة و للخروج عن الماليّة.

و سيأتي مزيد بيان للمطلب.

(3) يعني: من بقاء العين على ملك مالكها، و كون دفع البدل غرامة عمّا فات من سلطنة المالك.

(4) بناء على دخوله في ملك المضمون له.

(5) بناء على إباحته له.

576

المطلقة عليه مع بقاء العين على ملك مالكها إنّما (1) هو مع فوات معظم الانتفاعات به، بحيث يعدّ بذل البدل غرامة و تداركا (2). أمّا لو لم يفت إلّا بعض ما ليس به قوام الملكيّة (3)، فالتدارك لا يقتضي ملكه (4) و لا السلطنة على البدل.

و لو فرض (5) حكم الشارع بوجوب غرامة

____________

(1) خبر قوله: «أن تحقيق».

(2) لأنّ التدارك عبارة عن «قيام شي‌ء مقام آخر فيما زال عنه من الأوصاف» و مقتضاه تعنون الشي‌ء الثاني بالعنوان الزائل عن الأوّل- من الملكيّة- في مورد الانتفاع بجميع وجوه المنافع.

(3) الأولى تبديل الملكيّة بالماليّة، لأنّ الانتفاع يدور مدار الماليّة لا الملكيّة كما هو ظاهر.

(4) أي: ملك البدل، و لو قال: «لا يقتضي ملك البدل و لا السلطنة المطلقة عليه» كان أقرب إلى السلاسة.

(5) هذا حكم صورة بقاء معظم الانتفاعات مع وجوب البدل شرعا كالحيوان الموطوء، و توضيحه: أنّ الحيوان المقصود ظهره- كالخيل و البغال و الحمير- إذا وطأه غير المالك لا يفوت معظم الانتفاعات به بمجرّد وطئه، لأنّه يحرم بيعه في خصوص بلد الوطي، لا مطلقا، فلا يصدق التدارك هنا، لأنّ المناط في صدقه بقاء الانتفاعات التي بها قوام الماليّة، و هي باقية بعد الوطء أيضا، لأنّ وجوب نفيه في بلد الوطي و بيعه في آخر لا يرفع مناط الماليّة، فلا يصدق التدارك حتى يحكم بوجوبه على الواطئ. فحكم الشارع بغرامة القيمة و دخولها في ملك مالك الحيوان كاشف عن مبادلة شرعيّة بين الحيوان و قيمته، فينتقل الحيوان إلى ملك الغارم تعبّدا، و هذا تخصيص في ما تقدّم من قيام الإجماع على عدم خروج العين من ملك المضمون له في موارد بدل الحيلولة، هذا.

ثمّ إنّ الشارع حكم حقيقة- لا فرضا- بوجوب التدارك في فوات بعض‌

577

قيمته حينئذ (1) لم يبعد كشف ذلك عن انتقال العين إلى الغارم. و لذا (2) استظهر غير واحد (3) أنّ الغارم لقيمة الحيوان الذي وطأه يملكه، لأنّه (4) و إن وجب بالوطي نفيه عن البلد و بيعه في بلد آخر، لكن هذا لا يعدّ فواتا لما به قوام الماليّة.

هذا (5) كلّه مع انقطاع السلطنة عن العين مع بقائها على ملكيّتها السابقة.

____________

الانتفاعات مع عدم تقوّم الماليّة بها، كالبهيمة الموطوءة المقصود ظهرها، لقول الباقر (عليه السلام) في حسنة سدير: «و إن كانت مما يركب ظهره غرم قيمتها، و جلد دون الحدّ، و أخرجها من المدينة التي فعل بها فيها إلى بلاد أخرى حيث لا تعرف، فيبيعها فيها كيلا يعيّر بها صاحبها» (1). فالقيمة يملكها المالك، كما أنّ الحيوان الموطوء يصير مملوكا للغاصب، مع أنّه لم يفت ما به قوام ماليّته.

(1) أي: حين عدم فوات معظم المنافع التي تدور الماليّة مدارها.

(2) أي: و لأجل كشف الغرم- مع بقاء معظم الانتفاعات- عن المبادلة التعبّديّة استظهر غير واحد مالكيّة الغارم للحيوان الموطوء.

(3) كالشهيدين و السيّد الطباطبائي، قال في الرياض: «و إن كان غيره- أي و إن كان الفاعل غير المالك- فالظاهر أن تغريمه القيمة يوجب ملكه للبهيمة ..

و بذلك صرّح الشهيدان في النكت و الروضة» (2).

(4) تعليل لدخول الحيوان الموطوء في ملك الفاعل، و أنّ مجرّد نفيه عن البلد و بيعه في بلد آخر لا يسقطه عن الماليّة.

(5) المشار إليه قوله: «ثم إنّ تحقيق ملكيّة البدل أو السلطنة المطلقة عليه» و حاصله: أنّ محطّ البحث عن مالكيّة المضمون له للبدل أو إباحته له إنّما هو في صورة بقاء العين على ماليّتها، و كون الغرامة عوضا عن السلطنة الفائتة، ففي مثله يقال بملكية البدل أو بالسلطنة المطلقة عليه.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 18، ص 571، الباب 1 من أبواب نكاح البهائم، الحديث: 4

(2) رياض المسائل، ج 2، ص 499، السطر 9، الروضة البهية، ج 9، ص 311.

578

أمّا لو خرج (1) عن التقويم مع بقائها على صفة الملكيّة (2) فمقتضى قاعدة الضمان وجوب كمال القيمة مع بقاء العين على ملك المالك، لأنّ (3) القيمة عوض الأوصاف و الأجزاء التي خرجت العين لفواتها عن (4) التقويم، لا عوض (5) العين نفسها، كما (6) في الرطوبة الباقية بعد الوضوء بالماء المغصوب، فإنّ بقاءها على ملك مالكها لا ينافي معنى الغرامة،

____________

و أمّا لو خرجت العين عن التقويم- مع كونها باقية على ملك مالكها- فمقتضى قاعدة الضمان وجوب تمام القيمة، لأنّ الغارم فوّت ماليّتها على مالكها. و قد تقدّم عدم التنافي بين كون كلّ من العين و غرامتها ملكا للمضمون له. فلو كسر إناء الغير وجب عليه دفع قيمته مع عدم خروج رضاضه عن ملكه، و عدم انتقالها إلى ملك الغارم.

(1) الأولى أن يقال: «خرجت».

(2) كالظروف المكسورة، و الدّهن الذي تنجّس بإلقاء القذر فيه، بناء على عدم جواز الانتفاع به، فيجب على الكاسر و الملقي دفع تمام القيمة، مع بقاء الظرف و الدهن المتنجّس على ملك المالك.

(3) تعليل لوجوب تمام القيمة مع عدم انتقال العين إلى ملك الغارم.

(4) متعلّق ب‍ «خرجت» و «لفواتها» علّة للخروج عن التقويم.

(5) معطوف على «عوض الأوصاف» و بيانه: أنّه لو كانت القيمة عوض نفس العين لزم دخولها في ملك الغارم لئلّا يجتمع العوض و المعوّض عند واحد، و لكن حيث كانت القيمة عوض الأوصاف أو الأجزاء لم يلزم الاجتماع.

(6) هذا مثال لخروج العين عن التقويم لفوات أجزائها.

و يمكن أن يكون مثالا لفوات الأوصاف أيضا، لأنّ وصف الاجتماع لأجزاء الماء دخيل في ماليّته، و المفروض فوات ذلك الوصف الموجب لخروجه عن التقويم.

579

لفوات (1) معظم الانتفاعات، فيقوى عدم جواز المسح بها إلّا بإذن المالك (2) و لو (3) بذل القيمة. قال في شرح القواعد فيما لو (4) خاط ثوبه بخيوط مغصوبة:

«و لو طلب المالك نزعها و إن أفضى إلى التلف وجب، ثم يضمن الغاصب النقص، و لو لم يبق لها قيمة غرم جميع القيمة» انتهى (5).

و عطف (6) على ذلك في محكيّ جامع المقاصد قوله: «و لا يوجب ذلك

____________

و كيف كان فالمراد برطوبة الماء المغصوب- مع اعتبار إباحة الماء- هو الالتفات إلى غصبيّة الماء بعد الغسلتين و قبل المسحتين، إذ لو أحرز غصبيّته قبل الوضوء لم يصحّ و ضوؤه من أوّل الأمر.

(1) تعليل لصدق معنى الغرامة، و حاصله: صدق الغرامة هنا، لفوات معظم الانتفاعات المقوّم لصدق الغرامة.

(2) إذ المفروض بقاء الرطوبة على ملك مالكها، و المسح بها تصرّف فيها، فجوازه منوط بإذنه، لأنّ حرمة التصرّف من آثار الملك، لا المال، فلا يضرّ عدم صدق المال على الرطوبة.

(3) وصليّة، يعني: يقوى بطلان المسح بدون إذن المالك حتى إذا بذل القيمة.

(4) هذه العبارة نصّ كلام القواعد، و فيه أيضا: «وجب نزعها مع الإمكان، و لو خيف تلفها لضعفها فالقيمة» (1).

(5) هذا نصّ كلام المحقّق الثاني في شرح العبارة (2). و مراده بالتلف بقرينة قوله بعده: «النقص» أنّ الخيوط تارة تتلف بالنزع، لكونها ضعيفة تتقطّع و تخرج عن حيّز الانتفاع بها ثانية، فلا تقابل بالمال. و اخرى تنقص قيمتها. فعلى الأوّل يجب دفع تمام قيمة الخيوط إلى مالكها، و على الثاني يجب دفع نقص ماليّتها.

(6) هذا ظاهر في كون العبارة السابقة لغير جامع المقاصد، مع أنّها عين كلامه‌

____________

(1) قواعد الأحكام، ص 81، السطر 6 (الطبعة الحجرية).

(2) الحاكي هو السيد العاملي، مفتاح الكرامة، ج 6، ص 285؛ جامع المقاصد، ج 6، ص 304 و 305

580

خروجها عن ملك المالك كما سبق من أنّ جناية الغاصب توجب أكثر الأمرين، و لو استوعب القيمة أخذها (1) و لم تدفع العين» انتهى.

و عن المسالك في هذه المسألة: «أنّه إن (2) لم يبق له قيمة ضمن جميع القيمة، و لا يخرج بذلك عن ملك مالكه كما سبق، فيجمع بين العين و القيمة» (1) (3)

____________

كما عرفت، فالأولى أن يقال: «و عطف على ذلك قوله».

(1) يعني: لو كانت الجناية مستوعبة للقيمة أخذ المالك تمام القيمة، مع بقاء العين على ملكه، فيجتمع لديه العين و القيمة، و لا يدفع العين إلى الضامن.

كما إذا غصب عبدا فجنى عليه بقطع يده، فالدية المقدّرة نصف قيمة العبد، لكن يفصّل في المسألة بين ما لو تنزّلت قيمة العبد- بهذه الجناية- عن نصف قيمته، فيجب دفع أكثر من نصف قيمته، و بين ما لو تنزّلت قيمته أقلّ من النصف تعيّن المقدّر الشرعيّ. مثلا إذا قوّم العبد المغصوب سليما بألف دينار، كانت دية قطع يده خمسمائة دينار، و لكن يلاحظ قيمة العبد مقطوع اليد، فإن كانت خمسمائة كفى دفع الدية المقدّرة.

و إن كانت قيمته أربعمائة دينار وجب دفع ستمائة، و لا يجزي دفع خمسمائة دينار، و هي الدية المقدّرة. هذا.

و لو جنى عليه جناية أخرى بحيث صار دية المجموع ألف دينار وجب دفع الألف- مع العبد المجنيّ عليه- إلى مالكه. و الشاهد في جواز اجتماع العبد و قيمته في ملك مالكه.

(2) عبارة المسالك: «و إن لم يبق ..».

(3) يعني: فلا يدخل العين في ملك الضامن بدفع البدل، بل كلّ من المبدل و البدل ملك للمالك.

____________

(1) مسالك الأفهام، ج 12، ص 178

581

لكن عن مجمع البرهان في هذه (1) المسألة اختيار عدم وجوب النزع، بل قال: «يمكن أن لا يجوز، و يتعيّن القيمة، لكونه بمنزلة التلف (2). و حينئذ (3) يمكن جواز الصلاة في هذا الثوب المخيط، إذ لا غصب فيه يجب ردّه. كما قيل بجواز المسح (4) بالرطوبة الباقية من الماء المغصوب الذي حصل العلم به بعد (5) إكمال الغسل و قبل المسح» (1) انتهى.

و استجوده بعض المعاصرين (6) ترجيحا (7) لاقتضاء ملك المالك للقيمة خروج المضمون عن ملكه، لصيرورته (8) عوضا شرعا.

____________

(1) يعني: مسألة الخيوط المغصوبة.

(2) يعني: فلا مال له حتى يكون سلطانا على مطالبته، فلو طالبه كان نزع الخيوط ضررا على صاحب المخيط، فلا يجوز له مطالبة الخيوط، بل له مطالبة القيمة.

(3) أي: حين كونه بمنزلة التلف و دخول الخيوط في ملك الغاصب يمكن جواز الصلاة في هذا الثوب.

(4) جواز الصلاة في الثوب المخيط بالخيوط المغصوبة- و جواز المسح بالرطوبة الباقية من الماء المغصوب- لأجل كون الخيوط و الرطوبة المذكورتين بمنزلة الشي‌ء التالف.

(5) التقييد ببعديّة إكمال الغسلتين للاحتراز عن العلم بغصبيّة الماء قبل إكمالهما، لبطلان الوضوء حينئذ.

(6) و هو صاحب الجواهر، و وافقه السيّد في الحاشية (2).

(7) يعني: ترجيحا لاقتضاء ملك المالك .. إلخ على استصحاب ملك المالك للمضمون.

(8) علّة للاقتضاء، و ضميره راجع إلى المضمون، و المراد بالمعوّض هو القيمة.

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان، ج 10، ص 521

(2) جواهر الكلام، ج 37، ص 80؛ حاشية المكاسب، ج 1، ص 108

582

و فيه: أنّه لا منشأ لهذا الاقتضاء (1). و أدلّة الضمان قد عرفت أنّ محصّلها يرجع إلى وجوب تدارك ما ذهب من المالك، سواء كان الذاهب نفس العين كما في التلف الحقيقيّ، أو كان الذاهب السلطنة عليها التي بها قوام ماليّتها، كغرق المال، أو كان الذاهب الأجزاء أو الأوصاف التي يخرج بذهابها العين عن التقويم مع بقاء ملكيّته (2).

____________

(1) أي: اقتضاء ملك المالك للقيمة خروج العين المضمونة عن ملكه، و دخولها في ملك الضامن، لصيرورتها عوضا شرعا عن القيمة التي دفعها الضامن إلى المالك.

و حاصله: أنّه لا منشأ للاقتضاء المزبور أصلا، لأنّ ما يتوهّم أن يكون منشأ له هو أدلّة الضمان، و هي غير صالحة لذلك، لأنّ المستفاد من تلك الأدلة هو وجوب تدارك ما فات عن المالك، سواء أ كان الفائت نفس العين كما في التلف الحقيقيّ، أم كان الفائت السلطنة عليها مع بقاء عين المال كغرقها، فيما لم يكن الماء معدما لها، كالأحجار الكريمة التي تبقى في الماء، أم كان الفائت الأجزاء أو الأوصاف التي تخرج العين بذهابها عن القيمة مع بقاء الملكيّة.

و من المعلوم أنّ العين على التقدير الأوّل تخرج عن الملكيّة عرفا، فلا تقبل إضافة الملكيّة حتى يقال: إنّ طرف الإضافة هو المالك أو الضامن.

و على التقدير الثاني تكون السلطنة المطلقة على البدل بدلا عن السلطنة المنقطعة عن العين. و هذا معنى بدل الحيلولة، لا بدلا عن نفس العين، حتى يدّعى صيرورتها ملكا للضامن ببذل البدل.

و على التقدير الثالث يكون البدل المبذول بدلا عن ماليّة المال، إذ المفروض خروجه عن الماليّة مع بقاء عينه، فليس البدل المبذول بدلا عن نفس العين حتى يكون ملك المالك للقيمة مقتضيا لخروج العين المضمونة عن ملكه، و دخولها في ملك الضامن، لصيرورتها شرعا عوضا عن البدل المبذول للمالك.

(2) الأولى «ملكيّتها» لرجوع الضمير إلى العين.

583

و لا يخفى أنّ العين على التقدير الأوّل (1) خارج (2) عن الملكيّة عرفا.

و على الثاني (3) السلطنة المطلقة على البدل بدل عن السلطنة المنقطعة عن العين. و هذا معنى بدل الحيلولة.

و على الثالث (4) فالمبذول عوض عمّا خرج المال بذهابه عن التقويم، لا عن نفس العين، فالمضمون في الحقيقة هي تلك الأوصاف التي تقابل بجميع القيمة، لا نفس العين الباقية، كيف؟ (5) و لم تتلف هي، و ليس لها على تقدير التلف أيضا عهدة ماليّة، بل الأمر بردّها مجرّد تكليف لا يقابل بالمال (6). بل لو استلزم ردّه ضررا ماليّا على الغاصب أمكن سقوطه (7)، فتأمّل (8).

____________

(1) و هو تقدير تلف العين حقيقة، فإنّ العين التالفة لا تعدّ ملكا و لا مالا.

(2) الأولى «خارجة».

(3) و هو تقدير فوت السلطنة، مع بقاء العين في مكان لا تنالها اليد فعلا.

(4) و هو كون الذاهب الأجزاء و الأوصاف المقوّمة لماليّة العين.

(5) يعني: كيف يكون المبذول بدلا عن نفس العين؟ مع أنّها باقية غير تالفة.

(6) حتى يقال: إنّ بدل الحيلولة بدل عن العين، فملك المالك للبدل يقتضي خروج المبدل عن ملكه، و دخوله في ملك الضامن. بل الحكم بوجوب ردّ العين حينئذ تكليف محض لا يستتبع الوضع.

و بالجملة: فعلى جميع التقادير لا يكون البدل بإزاء نفس العين حتى يدّعى اقتضاؤه لملكيّة المبدل للضامن.

(7) أي: سقوط التكليف. و الوجه في سقوطه حكومة قاعدة نفي الضرر عليه، و ليست معارضة بضرر المالك مالا، لفرض خروج العين عن الماليّة، التي استوفاها بالغرامة.

(8) لعلّه إشارة إلى: منع جريان قاعدة الضرر هنا، لأنّها في مقام الامتنان، فلا تجري في حقّ الغاصب، فيبقى إطلاق ما دلّ على وجود الرّد بحاله.

584

و لعلّ (1) ما عن المسالك من «أنّ ظاهرهم عدم وجوب إخراج الخيط المغصوب عن الثوب، بعد خروجه عن القيمة بالإخراج، فتعيّن القيمة فقط»

____________

(1) غرضه توجيه ما في المسالك من: «أن ظاهر الفقهاء عدم وجوب إخراج الخيط المغصوب عن الثوب، و الخشبة عن البناء».

و حاصل التوجيه: أنّ عدم وجوب الرّدّ في هذين الموردين إنّما هو لأجل استلزام الرّد الضرر على مالك الثوب و البناء.

ثم لا يخفى أنّ ما نسبه المصنف (قدّس سرّه) إلى المسالك و إن كان في محلّه، إلّا أنّ العبارة المنقولة ليست نصّ كلامه، بل هي تلفيق بين كلماته في مسألتين كما نبّه عليه الفقيه المامقاني (قدّس سرّه). (1)

و لتوضيح الأمر ننقل أوّلا عنوان المسألة في الشرائع، ثمّ ما في المسالك.

قال المحقّق (قدّس سرّه): «يجب ردّ المغصوب ما دام باقيا و لو تعسّر، كالخشبة تستدخل في البناء، أو اللوح في السفينة، و لا يلزم المالك أخذ القيمة .. و لو خاط ثوبه بخيوط مغصوبة، فإن أمكن نزعها الزم ذلك، و ضمن ما يحدث من نقص، و لو خشي تلفها بانتزاعها لضعفها ضمن القيمة» (2).

و ظاهره وجوب الرّدّ مطلقا، سواء فسدت الخشبة بالنزع من البناء أم لم تفسد، و على تقدير عدم الفساد لا فرق بين تضرّر المالك و عدم تضرّره. و سيأتي من المصنّف إمكان حمل هذا الإطلاق على صورة عدم تضرّر مالك البناء بنزع الخشبة، فلو تضرّر لم يجب النزع، بل وجب دفع قيمتها.

و قال الشهيد الثاني (قدّس سرّه) في حكم الخشبة المغصوبة: «إذا غصب خشبة و أدرجها في بنائه أو بنى عليها لم يملكها الغاصب، بل عليه إخراجه من البناء و ردّه إلى المالك .. إلى أن قال: ثمّ إذا أخرجها و ردّها لزمه أرش النقص إن دخلها نقص.

____________

(1) غاية الآمال، ص 318

(2) شرائع الإسلام، ج 3، ص 239

585

محمول على صورة تضرّر المالك (1) بفساد الثوب المخيط، أو البناء المستدخل فيه الخشبة، كما لا يأبى عنه (2) عنوان المسألة (3)، فلاحظ.

و حينئذ (4) فلا تنافي ما تقدّم عنه سابقا من بقاء الخيط على ملك مالكه،

____________

و لو بلغت حدّ الفساد على تقدير الإخراج بحيث لا يبقى لها قيمة فالواجب تمام قيمتها.

و هل يجبر على إخراجها حينئذ؟ نظر من فوات الماليّة، و بقاء حقّ المالك في العين.

و ظاهرهم عدم الوجوب، و أنّها تنزّل منزلة المعدومة. و لو قيل بوجوب إعطائها المالك لو طلبها كان حسنا، و إن جمع بين القيمة و العين» (1).

و قال في مسألة خياطة الثوب بخيط مغصوب: «الخيط المغصوب إن خيط به ثوب و نحوه فالحكم كما في البناء على الخشبة، فللمالك طلب نزعه، و إن أفضى إلى التلف. و يضمن الغاصب النقص إن اتّفق. و إن لم يبق له قيمة ضمن جميع القيمة، و لا يخرج بذلك عن ملك المالك كما سبق، فيجمع بين العين و القيمة» (2).

و قد اتّضح من هذا أن قول الماتن (قدّس سرّه): «ما عن المسالك من أن ظاهرهم عدم وجوب إخراج الخيط المغصوب عن الثوب» غير مذكور في مسألة الخيط، بل ذكره في حكم الخشبة، و لكن حيث قال الشهيد الثاني (قدّس سرّه): «كما سبق، فيجمع بين العين و القيمة» صحّت النسبة المزبورة، لاتّحاد حكم الخيط و الخشبة المغصوبين.

(1) أي: مالك الثوب.

(2) أي: كما لا يأبى كلام المحقّق- في عنوان المسألة- عن الحمل على صورة تضرّر المالك .. إلخ.

(3) يعني: مسألة البناء المستدخل فيه خشبة مغصوبة.

(4) أي: و حين حمل فتواهم بتعيّن القيمة- في مسألتي الخيط و الخشبة المغصوبين- على صورة تضرّر المالك فلا تنافي ما تقدّم .. إلخ.

____________

(1) مسالك الأفهام، ج 12، ص 176

(2) مسالك الأفهام، ج 12، ص 178

586

و إن وجب بذل قيمته.

ثمّ إنّ هنا قسما رابعا (1) و هو ما لو خرج المضمون عن الملكيّة مع بقاء حقّ الأولويّة فيه، كما لو صار الخلّ المغصوب خمرا. فاستشكل في القواعد وجوب

____________

وجه المنافاة: أنّ بقاءه على ملك مالكه يقتضي وجوب ردّه، فيجب إخراجه مقدّمة لردّه. و هذا الحكم ينافي حكمهم بعدم وجوب الإخراج، لكشفه عن عدم وجوب الرّدّ.

و أمّا وجه عدم المنافاة فهو: أنّ وجوب الرّدّ مقيّد بعدم استلزامه الضرر على الرادّ.

و الحاصل: أنّ المنافاة ناشئة من الملازمة بين الملكيّة و وجوب الرّدّ، فالملازمة منحصرة بعدم تضرّر الرادّ بالرّد، لا مطلقا حتى في صورة التضرّر به، فيمكن ان يكون مالكا، و لا يحب على الغاصب ردّه لتضرّره به، هذا.

لكن كلام المسالك آب عن هذا الحمل، لأنّه قال- فيما لو خيف من نزع الخشبة هلاك مال غير الحيوان أو هلاك نفس السفينة، و المال له أو لمن يعلم أن فيها لوحا مغصوبا- بأنّ فيه وجهين: «أحدهما، و هو الذي يقتضيه إطلاق المصنّف، و صرّح به الأكثر: أنّه ينزع أيضا، كما يهدم البناء لردّ الخشبة، و لا يبالي بما صنع، لأنّ دفع المغصوب إلى المالك واجب على الفور، و لا يتمّ إلّا بهذا. و عدوان الغاصب لا يناسبه التخفيف، و هو الذي أدخل الضرر على نفسه ..» (1).

(1) غرضه أنّ الأقسام و التقادير الثلاثة المتقدّمة كانت بالنسبة إلى العين المملوكة، الّتي خرجت عن الملكيّة أو الماليّة رأسا. و يبقى حكم قسم آخر، و هو خروج العين عن الملكيّة، و تعلّق حق الأولويّة بها، كما إذا غصب خلّا فانقلب عنده خمرا، فإنّه يجب دفع قيمة الخلّ إلى المالك، و هل يجب ردّ الخمر إليه- أيضا- أم لا؟

استشكل العلّامة فيه.

فالوجه في وجوب ردّها هو استصحاب الحكم قبل انقلابها خمرا، للشكّ في‌

____________

(1) مسالك الأفهام، ج 13، ص 177

587

ردّها مع القيمة (1).

و لعلّه (2) من استصحاب وجوب ردّها. و من (3) أنّ الموضوع في المستصحب ملك المالك، إذ لم يجب إلّا ردّه، و لم (4) يكن المالك إلّا أولى به.

____________

انتفاء وجوب الرّدّ بمجرّد الانقلاب.

و الوجه في عدم وجوب الرّدّ منع جريان الاستصحاب هنا، لأنّ متعلّق الحكم هو «مال الغير و ملكه» و حيث إنّ المفروض زوال إضافة الملكيّة عن هذا المائع لم يبق مجال لاستصحاب الوجوب المتعلّق بمال الغير.

ثم تأمّل المصنّف في هذا الوجه، بأنّ المستصحب وجوب ردّ المائع الذي طرأ عليه حالتا الخلية و الخمرية، و ليستا مقوّمتين للموضوع حتى يقطع أو يشكّ في ترتّب الحكم عليه. و لهذا ذهب جمع إلى وجوب ردّها، لأنّ المرجع في تعيين معروض المستصحب- أي الموضوع- هو العرف. و يتأيّد المطلب بما تقرّر من أنّه لو عادت الخمر خلّا وجب ردّه إلى المغصوب منه قطعا، و لو كان الموضوع متعدّدا لم يكن وجه لوجوب الرّدّ.

(1) قال في القواعد: «و لو غصب عصيرا فصار خمرا ضمن المثل، و في وجوب الدفع إشكال .. فإن صار خلّا في يد الغاصب ردّه مع أرش النقصان إن قصرت قيمة الخلّ» (1).

(2) أي: و لعلّ الاستشكال ينشأ من الاستصحاب، و المحقّق الثاني جعل منشأ وجوب الرّدّ بقاء الأولويّة، ثمّ قال: «و في وجوب الدفع قوّة» (2).

(3) هذا وجه عدم وجوب الرّدّ، لتعدّد الموضوع المانع عن الاستصحاب.

(4) يعني: و الحال أنّه ليس للمالك إلّا حقّ الأولويّة لا الملك، و موضوع وجوب الرّد هو الملك.

____________

(1) قواعد الاحكام، ص 80، السطر 29 (الطبعة الحجرية).

(2) جامع المقاصد، ج 6، ص 292

588

إلّا أن يقال: (1) إنّ الموضوع في الاستصحاب عرفيّ. و لذا (2) كان الوجوب مذهب جماعة، منهم الشهيدان و المحقّق الثاني (3). (1)

و يؤيّده أنّه لو عاد خلّا ردّت إلى المالك بلا خلاف ظاهر (4).

____________

(1) غرضه ترجيح وجوب الرّدّ، و قد عرفت تقريبه.

(2) أي: و لأجل جريان الاستصحاب- لوحدة الموضوع عرفا- كان الوجوب مختار جماعة.

(3) نعم، لكن لا للاستصحاب الذي وجّه المصنّف الحكم به، بل لوحدة موضوع دليل الضمان، فراجع كلام المحقّق و الشهيد الثانيين.

(4) كما نقله صاحب الجواهر (قدّس سرّه) حيث قال شارحا للمتن: «و لو غصب عصيرا فصار خمرا ثم صار خلّا في يد الغاصب قبل أن يدفع بدله، بل و بعده إذا كان على وجه كدفع الحيلولة كان للمالك، على ما صرّح به غير واحد، بل عن رهن غاية المرام و المسالك نفي الخلاف فيه، لأنّه عين ماله» (2).

و الظاهر عدم الإشكال في وجوب ردّه إلى المالك قبل دفع البدل. و أما بعد دفعه فقد استشكل فيه غير واحد على ما يظهر من عباراتهم، لكنّه لا ينافي نفي ظهور عدم الخلاف.

ثمّ إنّ الوجه في جعله مؤيّدا لا دليلا هو عدم الملازمة بين ملك المالك له لو صار خلّا و بين ثبوت الحقّ، لجواز أن يكون دخوله في ملكه لأجل كون أصله ملكا له حين كان خلّا، فهو نظير الملك بالتبعيّة.

____________

(1) الدروس الشرعية، ج 3، ص 112؛ جامع المقاصد، ج 6، ص 292؛ مسالك الافهام، ج 12، ص 237

(2) جواهر الكلام، ج 37، ص 199 و 200

589

[ح: عدم ضمان ارتفاع القيمة و الزيادة بعد دفع البدل]

ثمّ إنّ (1) مقتضى صدق الغرامة على المدفوع خروج الغارم عن عهدة العين و ضمانها، فلا يضمن ارتفاع قيمة العين بعد الدفع (2)، سواء كان (3) للسوق أو للزيادة المتصلة (4)، بل (5) المنفصلة كالثمرة، و لا يضمن منافعه (6)، فلا يطالب الغارم بالمنفعة بعد ذلك (7).

____________

ح: عدم ضمان ارتفاع القيمة و الزيادة بعد دفع البدل

(1) هذا فرع آخر ممّا يتعلّق ببدل الحيلولة، و هو عدم ضمان الغاصب ارتفاع قيمة العين بعد دفع البدل، و قد سبق في الأمر السابع عدم ضمان ارتفاع قيمة العين التالفة على جميع الأقوال، و مقتضى إطلاقه عدم الفرق بين أن يكون ارتفاعها قبل دفع القيمة و بعدها. و فصّل هناك بين كون ارتفاع القيمة للسوق فلا يضمن، و بين الزيادة العينيّة فتضمن. هذا في التلف الحقيقيّ.

و أمّا زيادة القيمة في بدل الحيلولة فلا تضمن مطلقا.

و ملخّص تقريب عدم الضمان: أنّ الغارم يخرج عن عهدة ضمان العين بدفع البدل، و لازمه عدم ضمانه لزيادة قيمة العين مطلقا و إن كانت للزيادة في العين. و كذا لا يضمن منافعه، لخروج العين عن عهدته و ضمانها بدفع البدل، فلا ارتباط للعين بالضامن.

(2) أي: دفع بدل الحيلولة.

(3) أي: كان ارتفاع القيمة.

(4) كالسمن في الحيوان، و تعلّم الصنعة في العبيد و الإماء.

(5) الإتيان بكلمة الإضراب لأجل أنّ ضمان الزيادة المنفصلة كالثمرة لا يخلو من وجه، لكونها عينا اخرى يحتمل ضمانها، لكن حيثيّة كونها نماء للعين المضمونة التي دفع بدلها إلى مالكها توجب عدم ضمانها.

(6) في ضمان المنافع بعد دفع بدل الحيلولة قولان: أحدهما ذلك، و الآخر العدم كما سيأتي في المتن.

(7) يعني: بعد دفع البدل. و وجه عدم ضمان المنافع حينئذ واضح، إذ المفروض‌

590

و عن التذكرة و بعض آخر (1) ضمان المنافع، و قوّاه (2) في المبسوط بعد أن

____________

خروج العين- بدفع البدل- عن ضمان الغاصب، فلا مجال لقاعدة تبعيّة المنافع للعين في الملكيّة.

(1) الحاكي لكلام العلّامة و غيره هو السيّد العاملي و غيره، قال (قدّس سرّه):

«و قد قرّب في التذكرة اللزوم و الوجوب، و قال: إنّه أصحّ وجهي الشافعيّة، لأنّ حكم الغصب باق، و إنّما وجبت القيمة للحيلولة، فيضمن الأجرة .. و مال إليه في المسالك، و كأنّه قال به في مجمع البرهان و هو الأصحّ» (1). و جعله في الجواهر- بعد ما نسبه إلى جماعة- موافقا للتحقيق «لبقاء العين المغصوبة على ملك المالك، و على وجوب ردّها على الغاصب مع التمكّن، و على ضمانها و ضمان نمائها، و أنّ القيمة للحيلولة غرامة شرعيّة ثبتت بالأدلّة، و هي لا تقتضي براءة، و لا تغييرا للحال الاولى» (2).

و فيه: أنّ القيمة المدفوعة اقتضاها الضمان على نحو اقتضائه لها في التلف على أن تكون تداركا لما فات، فكأنّه لم يفت، من غير فرق بين أن تكون بدلا عن العين أو عن الحيلولة، فكأنّ العين في يده، فكيف تكون حينئذ مضمونة؟

(2) أي: قوّى ضمان المنافع، قال شيخ الطائفة (قدّس سرّه): «و أجرتها- أي العين- من حين دفع القيمة إلى حين الرّدّ على وجهين، أحدهما: لا اجرة عليه .. و هو الأقوى.

و الثاني: عليه أجرتها .. و هذا قويّ أيضا» (3). فما نسبه المصنّف (قدّس سرّه) إليه لا يخلو من مسامحة، إذ الأقوى بنظر الشيخ هو عدم ضمان المنافع، و القويّ ضمانها، و الأمر سهل.

____________

(1) مفتاح الكرامة، ج 6، ص 249 (أواخر الصفحة)؛ تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 382؛ مسالك الأفهام، ج 12، ص 201؛ مجمع الفائدة و البرهان، ج 10، ص 538

(2) جواهر الكلام، ج 37، ص 139

(3) المبسوط، ج 3، ص 96

591

جعل الأقوى خلافه. و في موضع من جامع المقاصد «أنّه موضع توقّف» (1) و في موضع آخر: رجّح الوجوب (2).

[ط: ضمان ارتفاع قيمة العين و النماء قبل دفع البدل إلى المالك]

ثم (3) إنّ ظاهر عطف التعذّر على التلف في كلام بعضهم (1)- عند التعرّض لضمان المغصوب بالمثل أو القيمة- يقتضي عدم ضمان ارتفاع القيمة السوقيّة

____________

(1) قال بعد بيان وجهي الإشكال- في ضمان منافع العبد الآبق السابقة على الغرم- ما لفظه: «و المسألة موضع توقّف» (2).

(2) حيث قال بعد بيان وجهي الإشكال في ضمان النماء المتّصل و المنفصل- إذا تجدّد بعد دفع البدل- ما لفظه: «و الأصحّ استحقاق الرجوع به أيضا على الغاصب، استصحابا لما كان إلى أن يعلم المزيل» (3).

ط: ضمان ارتفاع قيمة العين و النماء قبل دفع البدل إلى المالك

(3) ما تقدّم بقوله: «ثمّ إن مقتضى الغرامة» إلى هنا كان حكم ارتفاع قيمة العين بعد أداء بدل الحيلولة، و كذا منافعها المتجدّدة. و غرضه الآن بيان حكم ارتفاع القيمة قبل أداء البدل إلى المالك، فأفاد (قدّس سرّه): أنّ مقتضى تنزيل التعذّر منزلة التلف في كلام مثل المحقّق (قدّس سرّه) هو ترتيب آثار التلف على التعذر، التي منها عدم ضمان ارتفاع القيمة السوقيّة المتحقّق بعد التعذّر و قبل الدفع، كالارتفاع الحاصل بعد التلف.

لكن مقتضى القاعدة ضمانه له، و ذلك لأنّ التلف يوجب تعيّن القيمة، و لذا يجب على المالك قبولها، و ليس له الامتناع عن أخذها. بخلاف تعذّر العين، إذ لا يتعيّن به القيمة، بل للمالك الصبر إلى زمان التمكّن من العين، و تبقى العين في عهدة الضامن في مدّة التعذّر. و لو تلفت كان للمالك قيمتها من حين التلف أو أعلى القيم أو يوم الغصب، على الخلاف السابق.

____________

(1) كالمحقق في المختصر النافع، ج 2، ص 296؛ و العلامة في تحرير الاحكام، ج 2، ص 139

(2) جامع المقاصد، ج 6، ص 251

(3) المصدر، ص 273

592

الحاصل بعد التعذّر و قبل الدفع، كالحاصل بعد التلف (1).

لكن مقتضى القاعدة (2) ضمانه له (3)، لأنّ (4) مع التلف يتعيّن القيمة (5)، و لذا ليس له الامتناع من أخذها. بخلاف تعذّر العين، فإنّ القيمة غير متعيّنة، فلو صبر المالك حتى يتمكّن من العين كان له ذلك، و يبقى العين في عهدة الضامن في هذه المدّة، فلو تلفت كان له قيمتها من حين التلف، أو أعلى القيم إليه، أو يوم الغصب على الخلاف.

و الحاصل: أنّ قبل دفع القيمة يكون العين الموجودة في عهدة الضامن، فلا عبرة بيوم التعذّر.

و الحكم (6) بكون يوم التعذّر بمنزلة يوم التلف مع الحكم بضمان الأجرة

____________

و الحاصل: أنّ العين الموجودة قبل دفع بدلها تكون في عهدة الضامن. و عليه فلا عبرة بيوم التعذّر، و الحكم بكون يوم التعذّر بمنزلة يوم التلف.

(1) على ما صرّح به في الأمر السابع بقوله: «ثم إنّه لا عبرة بزيادة القيمة بعد التلف على جميع الأقوال» و مراده بالقيمة هي السوقيّة، لا لزيادة عينيّة، كما صرّح به هناك أيضا، فراجع (ص 549).

(2) يعني: قاعدة كون بدل الحيلولة غرامة، لا بدلا عن العين المتعذّرة.

(3) أي: ضمان الغاصب لارتفاع القيمة.

(4) هذا بيان الفارق بين التلف و التعذّر في عدم ضمان الارتفاع في الأوّل، و ضمانه في الثاني.

(5) يعني: لا يملك مالك العين التالفة- في عهدة الضامن- إلّا القيمة.

(6) غرضه تضعيف كون يوم التعذّر بمنزلة يوم التلف، و حاصله: أنّ الالتزام بذلك يوجب التناقض. توضيحه: أنّ لازم كون يوم التعذّر كيوم التلف عدم ضمان الأجرة و النماء بالتعذر و قبل أداء البدل، فالحكم بضمان الأجرة و النماء بعد التعذّر و قبل أداء البدل مناف لذلك، فمقتضى القاعدة ضمان ارتفاع القيمة إلى يوم دفع البدل.

و أمّا بعده فلا.

593

و النماء إلى دفع البدل و إن تراخى (1) عن التعذّر مما لا يجتمعان ظاهرا، فمقتضى القاعدة ضمان الارتفاع إلى يوم دفع البدل، نظير دفع القيمة (2) عن المثل المتعذّر في المثليّ.

[ي: وجوب ردّ العين فورا بارتفاع العذر]

ثم (3) إنّه لا إشكال في أنّه إذا ارتفع تعذّر ردّ العين و صار ممكنا وجب ردّها (4) إلى مالكها- كما صرّح به في جامع المقاصد- فورا (5) و إن كان في إحضارها

____________

(1) أي: تراخى دفع البدل. و غرضه أنّه لا فرق في التنافي بين الحكمين- و هما كون يوم التعذّر بمنزلة يوم التلف، و وجوب دفع بدل المنفعة قبل دفع بدل الحيلولة- بين أن يدفع بدل الحيلولة عقيب تعذّر ردّ العين فورا، أم بعده تراخيا.

و الوجه في عدم الفرق كون التعذّر بمنزلة التلف، فكما لا موضوع لضمان ارتفاع قيمة التالف، فكذا لا مجال لضمان ارتفاع قيمة العين المتعذّر إيصالها إلى المالك.

فالقول بضمان الارتفاع منوط برفع اليد عن المبنى، و هو وحدة حكم التلف و التعذّر.

(2) يعني: نظيره في ضمان ارتفاع القيمة إلى يوم دفعها في المثليّ المتعذّر مثله.

ي: وجوب ردّ العين فورا بارتفاع العذر

(3) هذا فرع آخر من فروع بدل الحيلولة، و هو وجوب ردّ العين إلى مالكها بمجرّد ارتفاع التعذّر و التمكّن منه، و لو توقّف إحضار العين على مئونة وجب على الضامن بذلها، كما وجب بذلها قبل التعذّر، يعني: لو وضع يده على مال الغير و أمكن إيصاله إليه وجب ردّه فورا، سواء توقّف على بذل مئونة أم لم يتوقّف عليه. لكون البذل مقدّمة للرّد الواجب، على ما سبق تفصيله في الأمر الثاني، فلاحظ (ص 201).

(4) لأنّه عين ماله، و مع إمكان دفعها لا تصل النوبة إلى بدلها، و الغرامة المدفوعة إلى المالك إنّما تكون بدلا دائميّا في صورة تلف العين، لا في صورة وجودها، إذ البدليّة حينئذ ماداميّة.

(5) قال (قدّس سرّه) في الظفر بالعبد الآبق المغصوب: «بل يجب على الغاصب ردّ العبد‌

594

مئونة كما كان قبل التعذّر، لعموم (1) «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» (2).

و دفع (3) البدل لأجل الحيلولة إنّما أفاد خروج الغاصب عن الضمان، بمعنى انّه لو تلف لم يكن عليه قيمته بعد ذلك (4)، و استلزم ذلك (5) [و لازم ذلك]

____________

مطلقا على الفور» (1). و تقدم كلام آخر منه (في ص 202) دالّ على كون مئونة الرّدّ على المشتري، فراجع.

(1) تعليل لوجوب ردّ العين.

(2) لأنّ الغاية لا تصدق حقيقة إلّا بردّ نفس العين لا بدلها.

هذا بناء على دلالة الحديث على خصوص الحكم التكليفيّ أو الأعمّ منه و من الوضعيّ. و أمّا بناء على ظهوره في الوضع- كما تقدّم في أوّل مسألة المقبوض بالبيع الفاسد- فقد يشكل استظهار وجوب الرّد من الحديث، فتأمّل.

(3) مبتدء، خبره «إنما أفاد» تعرّض المصنّف (قدّس سرّه) لدفع توهّمين قد يردا على وجوب ردّ العين المضمونة بعد زوال التعذّر.

الأوّل: أنّه لا يجب ردّ العين إلى مالكها، إذ الضامن دفع الغرامة إلى المالك، و هي ماليّة العين، و مقتضى التدارك عدم وجوب ردّ العين بعد ارتفاع العذر.

و دفعه المصنف (قدّس سرّه) بأنّ بدل الحيلولة لا يرفع التكليف بردّ العين، و إنّما يفيد أمرين، أحدهما: خروج الضامن عن عهدة قيمة العين لو تلفت بعد أداء البدل، فيصير البدل المحدود دائميّا، و لا يجب شي‌ء آخر.

ثانيهما: عدم ضمان المنافع الحاصلة في العين بعد دفع الغرامة.

و من المعلوم أنّ هذين الحكمين المترتّبين على أداء بدل الحيلولة لا يمنعان عن فعليّة وجوب ردّ العين عند التمكّن منه.

(4) أي: بعد التلف.

(5) أي: خروج الغاصب عن الضمان، و هو إمّا فاعل «يستلزم» و إمّا مضاف‌

____________

(1) جامع المقاصد، ج 6، ص 261.

595

على ما اخترناه (1) عدم ضمان المنافع و النماء المنفصل و المتّصل بعد دفع الغرامة.

و سقوط (2) وجوب الرّدّ حين التعذّر للعذر العقليّ، فلا يجوز استصحابه، بل مقتضى الاستصحاب (3) و العموم هو الضمان المدلول عليه بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«على اليد ما أخذت حتى تؤدّي».

____________

إليه لقوله: «و لازم» بناء على ما في بعض النسخ، و قوله: «عدم ضمان» إمّا مفعول ل‍ «يستلزم» و إمّا خبر ل‍ «لازم».

و على كلّ فعدم ضمان المنافع- بعد أداء بدل الحيلولة- حكم آخر، و هو يترتّب على الحكم الأوّل أعني به خروج الغاصب عن عهدة العين‌

(1) من قوله: «ثمّ إنّ مقتضى صدق الغرامة على المدفوع خروج الغارم ..».

(2) مبتدء، خبره قوله: «للعذر العقليّ». و هذا إشارة إلى التوهّم الثاني، و حاصله: أنّه لا يجب ردّ العين بعد التمكّن منه، و ذلك لاستصحاب عدم وجوب ردّها حال التعذّر، و مع هذا الأصل المحرز لا مجال لتكليف الضامن بردّ العين عند القدرة عليه.

و قد دفعه المصنف (قدّس سرّه) بمنع جريان الاستصحاب هنا، لانتفاء قيد المستصحب، توضيحه: أنّ سقوط وجوب دفع العين كان مقيّدا عقلا بالتعذّر المسقط للتكليف، و حيث إنّ المفروض زوال العذر، فلو أريد تسوية الحكم إلى ما بعد التعذّر كان إثبات حكم موضوع لموضوع آخر، و لا معنى للاستصحاب حينئذ.

(3) بأن يقال: إنّ المتيقن في السابق هو الضمان مطلقا في حالتي التعذّر و التمكّن، و دفع الغرامة في حال التعذّر يوجب الشك في أنّ المرتفع به أصل الضمان أو خصوص الضمان في حال التعذّر و ما دام متعذّرا، فلا يحصل القطع بارتفاع الضمان بالمرّة، بل هو مشكوك فيه، لاحتمال ارتفاع الضمان الخاصّ لا أصله، فلا مانع من استصحاب أصل الضمان في حال التمكّن. و يترتّب عليه وجوب الرّدّ، لوجود المقتضي و هو الضمان، و عدم المانع عنه و هو التعذّر.

596

[ك: هل ينتقل البدل إلى الغارم بتمكّن دفع العين؟]

و هل الغرامة (1) المدفوعة تعود ملكه إلى الغارم بمجرد طروء التمكّن،

____________

ثم إنّ الجمع بين الاستصحاب و العموم خلاف ما قرّره (قدّس سرّه) في الأصول من حكومة الثاني على الأوّل.

ك: هل ينتقل البدل إلى الغارم بتمكّن دفع العين؟

(1) هذا فرع آخر من فروع بدل الحيلولة، و هو أنّه: إذا تمكّن الغاصب من ردّ العين إلى المالك بعد دفع بدل الحيلولة، و لكنّه لم يوصل العين إلى المالك، ففي خروج بدل الحيلولة من ملك المضمون له، و عدمه وجهان:

الأوّل: أنّ التمكّن من العين يوجب خروج البدل عن ملك المضمون له، و دخوله في ملك الضامن، و حيث إنّه لم يوصل العين إلى مالكها يصير ضامنا لها بضمان جديد. و يترتب عليه أنّه لو تلفت عنده اعتبرت قيمتها الفعليّة، لا قيمتها السابقة في حال التعذّر. فبناء على ضمان القيميّ بقيمة يوم الضمان تتعيّن قيمتها يوم التمكّن منها، أي حين ارتفاع العذر.

و بناء على ضمانه بقيمة يوم التلف تعتبر قيمتها فيه.

و بناء على ضمان أعلى القيم بين وقت الضمان و التلف يتعيّن أعلاها.

الثاني: أنّ مجرّد التمكّن من العين لا يقتضي انتقال بدل الحيلولة إلى ملك الغارم، فلو لم يوصلها إليه و تلفت عنده لم يضمنها بضمان جديد، بل يصير بدل الحيلولة بدلا دائميّا مستقرّا، بعد أن كان بدلا محدودا مغيّا بوصول العين أو تلفها. و حينئذ ينتفي احتمال ضمان يوم القبض أو وقت التلف أو الأعلى بينهما.

و استظهر المصنّف (قدّس سرّه) هذا الاحتمال، و استدلّ عليه بالاستصحاب، بتقريب:

أنّ بدل الحيلولة كان ملكا لمالك العين حين التعذّر، و لو شك في زواله بمجرّد تمكّن الضامن من ردّ العين جرى استصحاب ملكه له.

597

فيضمن (1) العين من يوم التمكّن ضمانا جديدا (2) بمثله أو قيمته يوم (3) حدوث الضمان، أو (4) يوم التلف، أو أعلى القيم. أو أنّها باقية على ملك مالك العين، و كون (5) العين مضمونة بها لا بشي‌ء آخر في ذمّة الغاصب، فلو تلفت (6) استقرّ ملك المالك على الغرامة، فلم (7) يحدث في العين إلّا حكم تكليفيّ بوجوب ردّه، و أمّا الضمان و عهدة جديدة فلا؟ وجهان (8)، أظهرهما الثاني (9) لاستصحاب كون العين مضمونة بالغرامة، و عدم طروء ما يزيل ملكيّته عن الغرامة، أو يحدث (10) ضمانا جديدا.

____________

(1) هذا متفرّع على عود بدل الحيلولة- الذي هو بدل محدود بالتعذّر- إلى ملك الغارم، و اشتغال ذمّته بقيمة أخرى كما عرفت.

(2) في قبال بدل الحيلولة الذي كان ضمانا قديما في حال تعذّر ردّ العين.

(3) متعلّق ب‍ «قيمته» أي: قيمته يوم حدوث الضمان، أو قيمته يوم التلف أو أعلى القيم، على الخلاف المتقدّم في الأمر السادس و السابع.

(4) هذا عدل قوله: «تعود» يعني: هل الغرامة تعود ملكا إلى الغارم أم هي باقية على ملك مالك العين؟ و قد أوضحناه آنفا بقولنا: «الثاني: أن مجرّد التمكّن من العين ..».

(5) بالجرّ معطوف على «ملك» المجرور ب‍ «على». و الواو بمعنى «مع» أي: مع كون العين مضمونة بتلك الغرامة لا بغيرها. و ضمير «بها» راجع إلى الغرامة.

(6) أي: فلو تلفت العين- بيد الغاصب بعد التمكّن من ردّها إلى المالك- صار بدل الحيلولة ملكا مستقرّا لمالك العين، و لم يحدث ضمان جديد.

(7) هذا متفرّع على بقاء ملك الغرامة لمالك العين، و عدم انتقالها إلى الغارم بمجرّد تمكّنه من ردّ العين إلى مالكها.

(8) خبر قوله: «و هل الغرامة المدفوعة».

(9) و هو بقاء الغرامة على ملك المغصوب منه.

(10) معطوف على «يزيل» و «يحدث» بصيغة الفاعل من باب الافعال، يعني:

598

و مجرّد (1) عود التمكّن لا يوجب عود سلطنة المالك حتى يلزم من بقاء مالكيّته على الغرامة الجمع بين العوض و المعوّض.

غاية ما في الباب (2) قدرة الغاصب على إعادة السلطنة الفائتة المبدلة عنها بالغرامة، و وجوبها عليه.

و حينئذ (3) فإن دفع العين فلا إشكال في زوال ملكيّة [مالكية] المالك للغرامة.

و توهّم (4) أنّ المدفوع كان بدلا عن القدر الفائت من السلطنة في زمان

____________

و عدم طروء ما يزيل ملكيّته من الغرامة، أو ما يحدث ضمانا جديدا، فمجرّد تمكّن الغاصب من ردّ العين إلى المالك لا يجدي في رفع الضمان، بل الضمان باق على حاله.

(1) غرضه (قدّس سرّه) بيان عدم طروء ما يزيل ملكيّة مالك العين لبدل الحيلولة، إذ قد يتوهّم: اختصاص البدل بحال التعذّر، فلو فرض تمكّن الغاصب من إيصال العين إلى مالكها لزم خروج بدل الحيلولة إلى ملك الغارم حتى لا يجتمع العوض و المعوّض عند واحد.

و أجاب عنه المصنف بعدم عروض ما يزيل ملكيّة المضمون له للبدل، و بقاء ملاك تغريم الضامن، و ذلك لأنّ فوات سلطنة المالك على ماله اقتضى دفع البدل، و لا فرق فيه بين تمكّن الغاصب من ردّ العين و بين تعذّره عليه. فخروج البدل عن ملك مالك العين منوط بوصولها إليه. و عليه فلا موضوع للجمع بين العوض و المعوّض عند واحد.

(2) يعني: غاية ما يلزم من عود تمكّن الغاصب من ردّ المغصوب إلى المغصوب منه هو قدرته على إعادة ما فات عن المالك من السلطنة الّتي أبدلت بالغرامة.

(3) يعني: و حين قدرة الغاصب على إعادة السلطنة، فإن دفع العين فلا إشكال في زوال مالكيّة المالك للغرامة.

(4) غرض المتوهّم منع عود بدل الحيلولة إلى الغاصب بعد دفع العين إلى‌

599

التعذّر فلا يعود، لعدم عود مبدله، ضعيف في الغاية. بل كان (1) بدلا عن أصل السلطنة يرتفع (2) بعودها، فيجب دفعه أو دفع بدله مع تلفه، أو خروجه (3) عن ملكه بناقل لازم بل جائز.

و لا يجب (4) ردّ نمائه المنفصل.

____________

المالك. و تقريبه: أنّ بدل الحيلولة لمّا كان عوضا عن السلطنة الفائتة في زمان تعذّر ردّ العين إلى مالكها لم يكن موجب لإعادته إلى الغاصب، ضرورة أنّ محذور اجتماع العوض و المعوّض غير لازم في المقام، لأنّ بدل الحيلولة كان بدلا عن السلطنة الفائتة التي يستحيل عودها إلى المالك. و السلطنة الحادثة بعد ردّ العين لم تكن في قبال بدل الحيلولة. و عليه فلا وجه لأن يقال: «فلا إشكال في زوال ملكيّته للغرامة، بل يبقى البدل على ملكيّة المضمون له».

و دفعه (قدّس سرّه) بقوله: «ضعيف في الغاية» و بيانه: أنّ الغرامة التي دفعها الضامن كانت بدلا عن أصل السلطنة، بحيث تكون البدليّة ملحوظة بين البدل و السلطنة حدوثا و بقاء. ففي زمان التعذّر يكون البدل بدلا عن السلطنة في ذلك الزمان، و في زمان التمكّن لو بقي البدل ملكا للمالك كان ملكا له بلا مبدل منه، لعدم فوات السلطنة في ذلك الزمان حتى يكون مبدلا منه.

(1) أي: بل كان المدفوع بدلا عن أصل السلطنة.

(2) يعني: يرتفع البدل عن البدليّة بعود السلطنة، فيجب حينئذ دفع البدل إلى الضامن، أو دفع بدله مع تلفه، أو خروجه عن ملك المغصوب منه بناقل لازم بل جائز، لكون النقل كالتلف.

(3) معطوف على «تلفه» يعني: أنّ وجوب دفع البدل ثابت في التلف و في الخروج عن الملك بناقل.

(4) لأنّه نماء ملكه بما أنّه ملكه، لا بما أنّه بدل عن السلطنة حتى يجري عليه حكم العين من الرجوع إلى ملك الغارم. و أمّا النماء المتّصل فهو تابع للعين عرفا،

600

و لو لم يدفعها (1) لم يكن له مطالبة الغرامة أوّلا، إذ ما لم يتحقق السلطنة لم يعد الملك إلى الغارم، فإنّ الغرامة عوض السلطنة، لا عوض قدرة الغاصب على تحصيلها للمالك، فتأمّل (2).

نعم (3) للمالك مطالبة عين ماله،

____________

فينتقل إلى الغارم، كما أنّ العين تنتقل إليه.

(1) معطوف على قوله: «فإن دفع العين» يعني: و لو لم يدفع الغارم العين المغصوبة إلى المالك لم يكن له مطالبة الغرامة من المالك، لأنّ الغرامة عوض السلطنة الفائتة، لا عوض قدرة المالك على تحصيل السلطنة. نعم يجوز للمالك المطالبة بالعين كما سيأتي.

(2) الظاهر أنّه إشارة إلى تثبيت ما ذكره، و دفع توهم كون المقام نظير البيع، و أنّ لكلّ من البائع و المشتري امتناع تسليم ماله حتى يتسلّم مال الآخر.

و وجه الاندفاع هو الفرق بين باب الغرامة و باب المعاوضة، إذ لا ريب في عوضيّة كلّ من الثمن و المثمن عن الآخر. بخلاف المقام، فإنّ الغرامة عوض، و السلطنة معوّض، فما لم يرتفع المعوّض- بمعنى تحقّق السلطنة للمالك و عودها إليه- لم يرجع الغرامة إلى الغارم.

(3) غرضه بيان الفارق بين الضامن و المضمون له في مطالبة كلّ منهما ما له، فالضامن ليس له مطالبة الغرامة قبل تسليم العين إلى المالك كما عرفت آنفا. و أمّا المالك فيجوز له مطالبة عين ماله من الضامن، و ذلك لإطلاق قاعدة السلطنة، فإن طالبه و ردّ الضامن العين اتّجه ردّ بدل الحيلولة إليه، و إلّا فلا.

فإن قلت: كما يجوز للغارم مطالبة البدل، فكذا ليس للمالك مطالبة العين، فهما سواء من هذه الجهة. و الوجه في عدم استحقاق المالك المطالبة بالعين هو: أنّ الغرامة التي دفعها الضامن تكون بدلا عن سلطنته التامة على ماله، فالسلطنة المطلقة للملّاك على أموالهم غير ثابتة في المقام، لفرض تدارك سلطنته على العين ببدل الحيلولة الذي‌

601

لعموم (1) «الناس مسلطون على أنفسهم» و ليس (2) ما عنده من المال عوضا من مطلق السلطنة (3) حتى سلطنة المطالبة، بل (4) سلطنة الانتفاع بها على الوجه المقصود من الأملاك. و لذا (5) لا يباح لغيره بمجرّد بذل الغرامة.

____________

دفعه الضامن إليه، و بتحديد سلطنته و تضييقها لا سبيل لإثبات استحقاق مطالبة العين. و عليه فإن اختار الضامن ردّ العين إلى مالكها استردّ بدل الحيلولة منه، و إلّا فليس لأحد منهما المطالبة.

قلت: إنّ قاعدة السلطنة تقتضي جواز مطالبة العين من الغارم. و لا يتضيّق هذا الحقّ إلّا بكون بدل الحيلولة بدلا عن سلطنة المالك المطلقة على ماله، أو بدلا عن سلطنته على مطالبة ماله، إذ على كلّ منهما يسقط حقّ المطالبة و لا بدّ من انتظار إقدام الضامن حينئذ بأن يردّ العين إلى المالك و يستردّ البدل. و لكنّ الصحيح احتمال ثالث، و هو كون بدل الحيلولة بدلا عن خصوص سلطنة انتفاع المالك بالمال، المفروض فواتها في زمان تعذّر الوصول إلى العين، و أمّا سلطنته المطلقة على جميع أنحاء التقلّب في المال فلم تقابل ببدل الحيلولة حتى يسلب عن المالك حقّ مطالبة العين.

(1) المراد بالعموم هو الإطلاق كما مرّ غير مرّة.

(2) هذا إشارة إلى وهم، و جوابه قوله: «بل سلطنة الانتفاع» و قد أوضحناهما بقولنا: «فان قلت. قلت».

(3) إذ لو كان بدل الحيلولة بدلا عن مطلق السلطنة- بأن كانت العين المسلوبة السلطنة عليها ملكا للمضمون له- لم يستحقّ المالك مطالبة العين.

(4) يعني: يكون بدل الحيلولة عوضا عن بعض أنحاء السلطنة، و هو سلطنة الانتفاع بالملك. و أمّا السلطنة على الجهات الأخرى فباقية للمالك، و لم تعوّض بشي‌ء أصلا، و بناء على هذا فله المطالبة.

(5) غرضه إقامة الشاهد على كون بدل الحيلولة عوضا عن حيثيّة خاصّة من حيثيّات السلطنة، أي: و لأجل عدم كون الغرامة عوضا عن مطلق السلطنة لا يباح العين لغير‌

602

و ممّا ذكرنا (1) يظهر أنّه ليس للغاصب حبس العين إلى أن يدفع المالك، القيمة، كما اختاره (2) في التذكرة و الإيضاح و جامع المقاصد (1).

و عن التحرير (2) الجزم بأنّ له ذلك (3). و لعلّه (4) لأنّ القيمة عوض، إمّا عن العين، و إمّا عن السلطنة عليه. و على أي تقدير فيتحقّق التّراد.

و حينئذ فلكلّ من صاحبي العوضين حبس ما بيده حتى يتسلّم ما بيد الآخر (5).

____________

المالك، يعني: أنّ مالك العين لو بذل الغرامة للغاصب- بأن قال: «ما أريد منك الغرامة» أو ردّها إليه على وجه البذل و العطيّة بعد أخذها منه- لم يكن مجرّد بذلها موجبا لإباحة العين للغاصب.

و لو كانت الغرامة عوضا عن مطلق سلطنة المالك حتى سلطنة المطالبة و قد بذل العوض بعد قبضه أو قبله كان ذلك بمنزلة بذل المعوّض عنه، و كان من اللازم سقوط سلطنة المطالبة، بل إباحة العين للغاصب.

(1) يعني: من عدم عود الغرامة إلى ملك الغارم إلّا بعد إرجاع السلطنة على العين إلى مالكها يظهر أنّه ليس للغاصب حبس العين إلى أن يردّ مالك العين القيمة المدفوعة غرامة، إذ ليس للغاصب حينئذ مال عند المالك حتّى يجوز له ذلك، كما في المعاوضة.

(2) أي: عدم جواز الحبس.

(3) أي: الحبس.

(4) يعني: و لعلّ وجه جزم التحرير بأنّ للغاصب حبس العين إلى دفع المالك إليه القيمة هو تحقّق المعاوضة بين العين و البدل بأحد نحوين، فإمّا أن يكون المعوّض نفس العين، و إمّا السلطنة المطلقة عليها.

و على كلّ منهما يجوز للغاصب حبس العين حتى يردّ المالك البدل إلى الغارم، و لا يجب عليه المبادرة إلى تسليم العين إليه، كما يجوز للمالك الحبس حتى تصل إليه العين.

(5) كما هو الشأن في المعاوضات.

____________

(1) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 385، إيضاح الفوائد، ج 2، ص 178، جامع المقاصد؛ ج 6، ص 161.

(2) تحرير الأحكام، ج 2، ص 140، و الحاكي عنه هو السيد العاملي في مفتاح الكرامة؛ ج 6، ص 256.

603

و فيه (1): أنّ العين بنفسها ليست عوضا و لا معوّضا (2)، و لذا تحقّق للمالك الجمع بينها و بين الغرامة، فالمالك مسلّط عليها (3). و المعوّض للغرامة السلطنة التي هي في معرض العود بالتّراد.

اللهم إلّا أن يقال: له حبس العين من حيث تضمّنه لحبس (4) مبدل الغرامة، و هي السلطنة الفائتة.

و الأقوى الأوّل (5).

[ل- لو حبس العين فتلفت، فالعبرة بأيّ القيم؟]

ثمّ لو قلنا (6) بجواز الحبس لو حبسه فتلفت العين محبوسا؛ فالظاهر أنّه

____________

(1) حاصل المناقشة في جواز حبس العين هو عدم تحقّق المعاوضة بين العين و البدل. أمّا عدم كون العين عوضا فمعلوم. و أمّا عدم كونها معوّضا فلأنّ بدل الحيلولة غرامة عن سلطنة الانتفاع الثابتة لكلّ مالك على ماله. و ممّا يشهد بعدم تحقّق المعاوضة اجتماع العين و البدل في ملك المضمون له، مع أنّ قوام المعاوضة بدخول أحد العوضين في كيس من خرج منه العوض الآخر. و هذا كاشف عن كون البدل عوضا عن السلطنة الفائتة.

(2) حتى يجوز للغارم حبس العين عن المالك إلى أن يأخذ الغرامة منه، و كذا حبس المالك الغرامة حتى يتسلّم العين من الغارم.

(3) أي: على الغرامة.

(4) أي: للغاصب حبس العين، و حاصله: أنّ حبس العين علّة لحبس السلطنة التي هي مبدل الغرامة، فيكون من هذه الحيثيّة نظير المعاوضة.

(5) و هو عدم جواز حبس العين للغاصب.

ل- لو حبس العين فتلفت، فالعبرة بأيّ القيم؟

(6) هذا من فروع المسألة، و تعبيره ب‍ «لو قلنا» ظاهر في عدم التزامه به، لما تقدّم منه من عدم خروج الغرامة عن ملك مالك العين بمجرّد تمكن الغاصب من ردّها إليه، إذ بناء عليه لا مجال لجواز حبس العين.

و عليه فكلامه هنا مبنيّ على مقالة العلّامة (قدّس سرّه) في التحرير، فأفاد المصنف (قدّس سرّه):

604

لا يجري عليه حكم المغصوب، لأنّه حبسه بحقّ (1).

نعم (2) يضمنه، لأنّه قبضه لمصلحة نفسه.

و الظّاهر أنّه (3) بقيمته يوم التلف [1] على ما هو الأصل في كلّ مضمون [2].

____________

أنّ الغاصب لو حبس العين لم يجر عليها حكم المغصوب بقول مطلق، بل ينفكّ التكليف عن الوضع، فلا تكليف بوجوب ردّها إلى المالك، لكون حبسها حقّا له.

و لكنّه يضمنها لو تلفت في الحبس. و يتفرّع على اشتغال عهدته بها أنّ العبرة هل تكون بقيمته يوم الحبس أو يوم التلف أو أعلى القيم؟ فبناء على ضمان القيميّ بقيمته يوم التلف يضمنها الغاصب هنا.

(1) إذ كان له ذلك حتى يتسلّم الغرامة من المالك، فكان الحبس بحكم الشارع، فلا إثم عليه.

(2) غرضه أنّ نفي حكم الغصب إنّما هو بالنسبة إلى الحرمة التكليفية فقط.

و أمّا الحكم الوضعيّ- و هو الضمان- فهو باق، لأنّه قبضه لمصلحة نفسه، كما في المستام. و الخارج عن عموم «على اليد» المقتضي للضمان هو خصوص اليد الثابتة على مال الغير لمصلحة المالك، فلو لم تكن اليد لمصلحة المالك كانت مضمّنة.

(3) أي: أنّ المغصوب مضمون بقيمته يوم التلف، لأنّه زمان الانتقال إلى القيمة.

____________

[1] الظاهر كما عن المحقّق الرشتي (قدّس سرّه) منافاة العبرة بقيمته يوم التلف لما اختاره سابقا من عدم تجدّد الضمان بمجرّد التمكّن، و أنّ العين مضمونة بالغرامة المدفوعة، لا بما في ذمّة الغاصب حتى يكون المدار على قيمة يوم التلف.

لكن يمكن توجيه ضمان قيمة يوم التلف بابتنائه على نظر العلّامة القائل بجواز الحبس المقتضي لتجدّد الضمان عند التمكّن.

[2] هذا صحيح بناء على كون المضمون بعهدة الضامن. و أمّا في موارد بدل الحيلولة تكون الغرامة المدفوعة بدلا عن المضمون بحيث لو تلفت العين كانت مضمونة ببدل الحيلولة.