هدى الطالب في شرح المكاسب‌ - ج3

- السيد محمد جعفر المروج الجزائري المزيد...
629 /
605

و من قال بضمان المقبوض بأعلى القيم (1) يقول به هنا من زمان الحبس (2) إلى زمان التلف.

و ذكر العلّامة في القواعد «أنّه لو حبس، فتلف محبوسا فالأقرب ضمان قيمته الآن، و استرجاع القيمة الأولى» (1).

و الظاهر أنّ (3) مراده بقيمة الآن مقابل القيمة السابقة بناء على زوال حكم الغصب عن العين، لكونه (4) محبوسا بغير عدوان، لا خصوص (5) حين

____________

(1) كما هو مذهب جماعة من القدماء، على ما سبق في الأمر السادس و السابع.

(2) يعني: لا من زمان الغصب، إذ المفروض أنّ الغرامة كانت بدلا عن العين.

و أمّا بعد التمكّن من ردّها و جواز حبسها لاسترداد بدل الحيلولة فالمدار في ضمانها لو تلفت على أعلى القيم من زمان الحبس إلى زمان التلف، لتجدّد الضمان بالحبس.

(3) لمّا كان ظاهر «الآن» اعتبار قيمة وقت تلف العبد، فتصدّى المصنّف لتوجيهه بأنّ المراد ليس خصوص القيمة الفعليّة، بل ما يقابل القيمة السابقة، و هي زمان غصب العبد. و لعلّ الداعي إلى هذا الحمل اختيار العلّامة ضمان أعلى القيم، لا قيمة يوم التلف، فيراد من «قيمته الآن» تمام زمان الحبس، لا خصوص يوم التلف، فلو كانت قيمته أوّل أيّام الحبس أكثر من قيمته يوم التلف لم يبعد ضمان الأكثر.

و لو أبقينا «الآن» على ظاهره- و هو يوم التلف- كان منافيا لمختار العلّامة في القواعد من ضمان أعلى القيم.

(4) تعليل لزوال حكم الغصب، لفرض تمكّن الغاصب من ردّ العين إلى مالكها و امتناعه عن تسلّمها، و ردّ بدل الحيلولة، فحبس العين يكون حقّا للغاصب و إن كان ضامنا بضمان جديد، فلو اختلفت قيمتها من يوم حبسها إلى يوم تلفها لم تتعيّن قيمة يوم التلف، بل يرجع إلى ما أسّسه كلّ في ضمان القيمي، من أنّ العبرة بقيمة يوم الضمان، أو التلف، أو الأعلى بينهما.

(5) لمخالفته لمبنى العلّامة (قدّس سرّه) من ضمان أعلى القيم.

____________

(1) قواعد الاحكام، ص 79، السطر 30 (الطبعة الحجرية)

606

التلف و كلمات كثير منهم لا تخلو عن اضطراب (1).

ثم إنّ أكثر ما ذكرناه مذكور في كلماتهم في باب الغصب، لكن (2) الظاهر أنّ أكثرها- بل جميعها- حكم المغصوب من حيث كونه مضمونا، إذ ليس في الغصب خصوصيّة زائدة.

نعم ربّما يفرّق من جهة نصّ في المغصوب مخالف (3) لقاعدة الضمان، كما احتمل في الحكم بوجوب قيمة يوم الضمان من جهة صحيحة أبي ولّاد، أو أعلى القيم، على ما تقدّم من الشهيد الثاني دعوى دلالة الصحيحة عليه (4).

و أمّا (5) ما اشتهر من «أنّ الغاصب مأخوذ بأشقّ الأحوال» فلم نعرف له

____________

(1) كما يظهر بمراجعة كلام السيد العميد و المحقق الثاني (1) و ما علّقه صاحب الجواهر عليه.

هذا تمام الكلام في بدل الحيلولة، و به تمّ الكلام في مسألة المقبوض بالعقد الفاسد.

(2) يعني: لا في المقبوض بالبيع الفاسد. و غرضه بيان وجه ما فصّله في ضمان القيميّ و المثليّ و بدل الحيلولة مع كونها مذكورة في باب الغصب، و وجه التّعدّي منه إلى غيره من موارد الضمان- كالمقبوض بالعقد الفاسد- هو: أنّ الغصب لمّا كان أجلى أفراد موجبات الضمان فقد ذكروا أحكام الضمان فيه، و عليه فتكون الأحكام أحكام كلّ مضمون، لا خصوص المضمون بالغصب.

(3) مخالفة الغصب للقاعدة المقتضية لضمان قيمة يوم التلف مبنيّة على دلالة صحيحة أبي ولّاد على اعتبار قيمة يوم الغصب، و ذلك غير ظاهر كما سبق بيانه عند التكلّم في مفاد الصحيحة.

(4) و قد تقدّم هناك تفصيل البحث.

(5) غرضه أنّه قد يتوهّم دلالة ما اشتهر من «أنّ الغاصب يؤخذ بأشقّ الأحوال» على ضمان المغصوب بأعلى قيمته، لأنّ المناسب بحاله هو جبران خسارة المضمون له بدفع الأشقّ و هو أعلى القيم. و لا بأس به دلالة، لكن حيث إنّ هذه‌

____________

(1) كنز الفوائد، ج 1 ص 662 جامع المقاصد، ج 6، ص 262.

607

مأخذا واضحا (1).

و لنختم بذلك أحكام المبيع بالبيع الفاسد، و إن بقي منه آخر أكثر مما ذكر (2)،

____________

القاعدة لم تكن مفاد رواية معتبرة، و لا متصيّدة من نصوص متفرّقة لم يكن وجه للاعتماد عليها. فالعبرة حينئذ في المغصوب بقيمته يوم الغصب أو يوم التلف، على ما تقدّم تفصيله في البحث عن صحيحة أبي ولّاد.

(1) قال الفقيه المامقاني (قدّس سرّه) ما لفظه: «وجدت فيما حرّره بعض الفضلاء ممّا أفاده الشيخ الفقيه المحقّق موسى بن جعفر الغروي (قدّس سرّه) في مجلس البحث تقييد هذه القاعدة المشهورة بما إذا كانت المشقّة في الغرامة و المؤنة، احترازا عمّا إذا كانت المشقّة في الكيفية، كما لو كان الرّدّ مشتملا على العسر. قال في مسألة وجوب ردّ المغصوب إلى صاحبه: و لو أدّى ردّه إلى عسر، العسر الذي لا نضايق عنه في الإلزام بردّ العين هو ما لم يصل إلى حدّ المشقّة غير المتحمّلة عادة، فلو وصل إلى ذلك الحدّ فهو في حكم التعذّر. بل الظاهر أنّهم كلّما يعبّرون بالتعذّر مع الإطلاق يريدون به ما يعمّ هذا النوع من التعسّر الذي كاد يكون من التعذّر الحقيقيّ العاديّ.

إن قلت: لم لا يجوز الإلزام بردّ العين و إن أدّى إلى عسر غير متحمّل، و من أين إلحاق هذا النوع من العسر بالتعذّر. بل الدليل على الحاقه بالعسر غير المضايق عن لزومه موجود، و هو ما اشتهر عندهم من أنّ الغاصب يؤخذ بالأشقّ.

قلنا: المراد بقولهم المذكور إنّما هو أخذه بالأشق في الغرامة، لا في غيرها، و المشقّة الحاصلة في الرّد ليس ممّا ذكروا فيها الأخذ بالأشقّ، فلو كانت للنقل مثلا مئونة فهي على الغاصب، لما ذكر، و هكذا، فلا تذهل» (1).

(2) غرضه (قدّس سرّه) أنّا و إن فصّلنا الكلام في أحكام المبيع بالبيع الفاسد، إلّا أنّ ما لم نتعرّض له أزيد بكثير ممّا ذكرناه، إذ بعد اتّحاده حكما مع المغصوب يجري فيه كثير من مسائل الغصب. و ما تقدّم من مباحث المثليّ و القيميّ و بدل الحيلولة قليل من كثير، و لا تنحصر أحكام الغصب في الأبحاث السابقة. مثلا لو مزج المبيع بالعقد‌

____________

(1) غاية الآمال، ص 319.

608

و لعلّ بعضها يجي‌ء في بيع الفضولي [1].

____________

الفاسد بغيره، بحيث يشقّ تمييزه كالحنطة بالشعير، أو الدخن بالذرّة، فهل يقال بالشركة القهريّة أو يكلّف تمييزه؟

و لو اشترى أرضا فزرعها أو آجرها من غيره، فزرعها كان عليه ردّ الأرض و أجرة الغرس و الزرع و أرش الأرض إن نقصت بالزرع، و عليه طمّ الحفر.

و لو اشترى حبّا فزرعه، أو بيضا فاستفرخه، فهل الزرع و الفرخ للمشتري أم للبائع؟ و غير ذلك مما هو كثير.

و بهذا ينتهي الكلام في شرح ما أفاده شيخنا الأعظم من مباحث المقبوض بالبيع الفاسد، و سيأتي الكلام في الجزء الرابع في شرائط المتعاقدين إن شاء اللّه تعالى.

____________

[1] تفصيل الكلام في بدل الحيلولة يقع في الدليل عليه، و ما يترتّب عليه من أمور، فنقول: قد استدلّ لوجوبه بوجوه:

الأوّل: ما في المتن من الروايات الدالّة على الضمان بهذه الأمور من الضياع و السرقة و الإباق و نحوها.

و فيه: أنّ موردها التلف، لا التعذّر.

لكن فيه ما لا يخفى، إذ المذكور فيها التلف و الضياع و السرقة، فلا تختصّ بالتلف.

الثاني: ما في حاشية السيد (قدّس سرّه) (1) من قاعدة الضرر، بتقريب: أنّ صبر المالك إلى حين الوصول الى ماله ضرر عليه.

أو ببيان: أنّ عدم الحكم بضمان البدل ضرر على المالك.

أو: بأنّ امتناع الضامن عن أداء البدل ضرر على المالك.

و فيه: ما قيل: من أنّ دليل نفي الضرر يرفع الحكم الناشئ عنه الضرر، بمعنى نفي تشريع الحكم الملقي للمكلّف في الضرر. و أمّا الضرر الناشئ عن عدم تشريع الحكم فلا يشرّع حكما لا يلزم منه الضرر، كالحكم بوجوب البدل على الضامن إلى أن يتمكّن

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 106

609

____________

من دفع العين إلى المالك، و إلّا يلزم الحكم بوجوب تدارك الضرر المتوجّه إلى مسلم من بيت المال، و من المعلوم عدم صحّة هذا التمسّك.

مضافا إلى: عدم وفاء قاعدة نفي الضرر بالمدّعى، و هو لزوم بدل الحيلولة مطلقا، سواء لزم من صبر المالك ضرر أم لا، إذ من الواضح كون النسبة بين موارد بدل الحيلولة و بين موارد تضرّر المالك هي العموم من وجه، إذ قد لا يتضرّر المالك بصبره إلى زمان التمكّن من الوصول إلى ماله، و مع ذلك يحكم بلزوم أداء بدل الحيلولة. و قد يتضرّر المالك من حيلولة الغاصب بينه و بين ماله مدّة قليلة كساعة أو ساعتين، مع أنّه ليس من موارد بدل الحيلولة، لاعتبار الفقهاء (قدّس سرّهم) في ثبوت بدل الحيلولة تعذّر وصول المالك إلى ماله مدّة طويلة. و قد يتعذّر وصوله إلى المالك مع تضرّره بعدم وصوله إليه. و مع هذه النسبة لا يصحّ الاستدلال بقاعدة الضرر مطلقا.

و دعوى إقدام الضامن على ضرر نفسه فاسدة، لأنّه لم يقدم إلّا على ضمان العين دون سائر الجهات التي منها، بدل الحيلولة.

الثالث: ما في المتن و حاشية السيد (1) أيضا من قاعدة سلطنة الناس على أموالهم، بتقريب: أنّ مقتضاها جواز مطالبة العين وسيلة إلى أخذ البدل الذي هو ممكن.

أو بتقريب: أنّ السلطنة على مطالبة ماليّة ماله المضمون تقتضي جواز مطالبة البدل حتى ينتفع ببدل ماله.

أو بتقريب: أنّ السلطنة على الانتفاع بماله تقتضي جواز مطالبة بدل ماله لينتفع به.

و الكلّ لا يخلو من محذور. أمّا السلطنة على مطالبة العين للتوسّل إلى أخذ البدل، فإن أريد منها صورة إمكان ردّ العين فلازمها جواز إلزام الغاصب بردّ ماله، فيجب عليه السعي في مقدّمات تحصيله، و لا يجب على الغاصب حينئذ دفع البدل.

و إن أريد منها صورة عدم إمكان ردّ العين و تحصيلها- و إن أمكن حصولها فيما بعد- فلا وجه لجواز مطالبة العين، لكونه لغوا، إذ المفروض عدم إمكان تحصيلها و ردّها

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 106

610

____________

إلى المالك. و مع اللغويّة و عدم تعقّل الترخيص في مطالبة العين كيف يترتّب عليه دفع البدل؟ و قد فرض المستدلّ جواز مطالبة العين وسيلة إلى أخذ البدل.

و أمّا السلطنة على مطالبة ماليّة ماله نظرا إلى كون عين ماله ذات شؤون ثلاثة، من حيث الشخصيّة، و من حيث الطبيعة النوعيّة، و من حيث الماليّة، و امتناع مطالبة الاولى لا يمنع عن مطالبة الباقي، ففيها: امتناع سلطنة المالك على مطالبته. أمّا الماليّة القائمة بنفس العين فلتعذّرها. و أمّا الماليّة القائمة ببدلها فهي حصة أخرى من الماليّة، و السلطنة عليها سلطنة على مطالبة مال الغير، لا على مال نفسه.

و أمّا السلطنة على مطالبة السلطنة على الانتفاعات بماله، ففيها: أنّ تلك السلطنة الشخصيّة على الانتفاع بماله متعذّرة بتعذّره، و السلطنة على الانتفاع بالبدل المدفوع سلطنة أخرى ليس للمالك مطالبتها إلّا بعد استحقاق البدل، و هو أوّل الكلام.

نعم بناء على مشرّعيّة قاعدة السلطنة يمكن إثبات جواز مطالبة البدل. لكنّه في حيّز المنع، بل قاعدة السلطنة لا تقتضي إلّا جواز التصرّفات التي ثبتت مشروعيّتها.

فالمتحصّل: أنّ قاعدة السلطنة لا تصلح لإثبات جواز مطالبة البدل.

الرابع: أنّ فيه جمعا بين الحقّين، مع فرض رجوع البدل إلى الضامن بعد ارتفاع العذر.

و فيه: أنّه مبنيّ على تعلّق حقّ للمالك على الضامن مع بقاء عين ماله ليكون ذلك جمعا بين الحقّين، لكن لا يلتزم أحد بتعلّق حقّ للمالك بالبدل مع بقاء العين و عدم تلفها، بل لا حقّ له إلّا على العين.

الخامس: حيلولة الغاصب بين المالك و ماله.

و فيه: أنّ الحيلولة ليست من موجبات الضمان بالاستقلال، إلّا إذا اندرجت تحت اليد أو الإتلاف، و المفروض أنّ قاعدة اليد لا تقتضي ردّ البدل مع عدم التلف أو الإتلاف.

السادس: أنّ الغاصب فوّت سلطنة المالك، فيجب عليه تداركها بدفع البدل.

فالمراد بهذا الدليل هو قاعدة الإتلاف، غايته أنّ متعلق الإتلاف ليس نفس العين، بل السلطنة عليها، فتفويت هذه السلطنة يوجب الضمان.

و فيه: أنّه ليس للمالك إلّا الملك. و أمّا السلطنة عليه فهي من أحكام الملك،

611

____________

و لا معنى لتعلّق الضمان بها.

و هذا مراد المحقّق الثاني (قدّس سرّه) من قوله: «جعل القيمة في مقابل الحيلولة لا يكاد يتّضح معناه» و حاصل إشكاله: أنّ مجرّد منع الضامن عن إعمال المالك سلطنته في ماله و حيلولته بينه و بين ماله لا يوجب أن تكون القيمة واجبة عليه.

إلّا أن يقال: ليس المراد من السلطنة التي التزم المصنّف بتداركها هي الحكم الشرعيّ، بل المراد هي الجدة الاعتباريّة، فالبدل بدل لهذه الجدة التي هي عبارة عن كون المال تحت استيلاء المالك يتقلّب فيه ما يشاء، و يتصرّف فيه بكلّ ما يريد.

بل قيل: هذه هي التي تقع متعلّقة للإجارة في مثل الدار و الدّكان، فإنّ الأجرة تقع بإزاء كون العين تحت يده، فإذا كان الضامن سببا لتفويت هذه الخصوصيّة على المالك وجب عليه تداركها، و هو لا يتحقّق إلّا بأداء ما هو بدل المال من المثل أو القيمة حتى يتصرّف المالك فيه على مشيّته.

و فيه أوّلا: أنّ مورد قاعدة الإتلاف هو المال، و صدقه على السلطنة كما ترى.

و ثانيا: أنّ مقتضى هذا الدليل هو لزوم البدل فيما إذا كان تعذّر الوصول إلى المال من جهة حبس المالك و منعه عن التصرّف فيه أيضا.

و ثالثا: أنّ مقتضى هذا الدليل إمّا ضمان المنافع، أو التفاوت بين كون العين داخلة تحت استيلائه و بين كونها خارجة عنه.

و أمّا بدل نفس العين كما هو المبحوث عنه في بدل الحيلولة فلا يقتضيه هذا الدليل، فإنّ المالك و إن لم يقدر على جميع أنحاء التقلّبات في ماله لأجل الحيلولة، إلّا أنّ هذا لا يقتضي إلّا ضمان المنافع أو النقص، فإمّا يستحقّ أجرته أو أرشه، لا بدل نفس العين، إذ الفائت هو السلطنة على العين بالتصرّف و التقلّب فيها، فلا بدّ من تداركها المتوقّف على أداء الأجرة أو الأرش، فبدل الحيلولة- و هو الأجرة أو الأرش- أجنبيّ عن بدل العين.

السابع: النبويّ المعروف «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» بتقريب: أنّ المال بجميع خصوصيّاته الشخصيّة و النوعيّة و الماليّة و السلطنة عليه في عهدة الضامن

612

____________

بمجرّد وضع اليد عليه، خرج منه صورة ردّ العين إجماعا، فيبقى الباقي، فيشمل صورة التلف و ما بحكمه، و صورة التعذّر بأقسامه، لأنّه لو كان المال بماليّته و خصوصيّاته في عهدة الغاصب مشروطا بعدم ردّه، فإذا لم يمكن ردّ عينه فللمالك مطالبة بدله، سواء صدق التلف أم التعذّر، أم لم يصدق، و سواء خرج المال عن القيمة أم لم يخرج، كان التعذّر عقليّا أم عرفيّا، كان زمانه قصيرا أم طويلا، حصل اليأس من العين أم لم يحصل.

و هذا التقريب يدلّ على ضمان الغاصب سلطنة المالك على ماله، و تدارك هذه السلطنة إنّما يكون ببذل بدل العين إلى المالك ليتسلّط عليه و يتصرّف فيه بما يشاء.

و هذا بدل الحيلولة، حيث إنّ المراد به بدل العين التي تلفت جميع الانتفاعات بها في بعض الأزمنة، كاللوح المنصوب في السفينة الذي يخاف من نزعه على النفس المحترمة، و لو كان هو الغاصب، أو تلف مال غير الغاصب ممّا يكون محترما.

و ليس المراد تلف العين حقيقة، و لا جميع الانتفاعات في تمام الأزمنة، سواء خرجت العين عن الملكيّة، و لم يبق إلّا حق الاختصاص كصيرورة الخلّ خمرا، و تنجّس الدهن. أم بقيت على الملكيّة كالظروف المنكسرة و المرآة كذلك.

و لا تلف بعض الانتفاعات الّذي لا يتقوّم به الملكيّة في جميع الأزمنة، كما لو صار الحيوان غير المقصود أكل لحمه موطوءا، فإنّه لم يتلف منه إلّا الانتفاع به دائما في بلد الوطي، لا في سائر البلاد، هذا.

لكن فيه: أنّ هذا التقريب لقاعدة اليد لا يقتضي خصوص البدل المثليّ إن كان المضمون مثليّا أو القيمي إن كان قيميّا، بل يقتضي ما لا يمكن الانتفاع به في زمان يتعذّر وصول المال إلى المالك، إذ المقصود تدارك السلطنة التي فوّتها الغاصب على المالك، و من المعلوم أنّها تجبر ببذل اجرة المنافع أو الأرش، و هو التفاوت بين قيمة العين باقية تحت سلطنة المالك، و خارجة عن حيّز سلطنته، و لا يقتضي قاعدة اليد خصوص بدل الحيلولة. مع أنّ الظاهر تسالمهم على أنّ بدل الحيلولة هو البدل لنفس العين على تقدير التلف، لا بدل المنافع أو الأرش بين استيلاء المالك على العين و عدمه، كما هو قضيّة هذا الدليل، هذا.

613

____________

مضافا إلى: أنّ مقتضاه لزوم البدل مطلقا و إن كانت مدّة التعذّر قليلة، مع أنّ الفقهاء لم يلتزموا بلزوم البدل في هذه الصورة، هذا.

و يمكن تقريب الاستدلال بحديث «على اليد» بوجه آخر، و هو أنّه ظاهر في الضمان الفعليّ للمأخوذ إلى زمان الأداء، فكأنّه قال: إنّ غرامة المأخوذ على الآخذ إلى زمان أدائه، و هذا بعينه ضمان بدل الحيلولة. فهذا الحديث سيق لبيان بدل الحيلولة، لأنّ الغاية لا تناسب ضمان التلف، فالضمان بدليل اليد ثابت إلى ردّ العين، فلا بدّ من أداء قيمة اللوح المغصوب إلى زمان أدائه.

لكن فيه: عدم ظهور معتدّ به للنبويّ في هذا المعنى مع تطرّق احتمالات أخر فيه.

الثامن: دعوى الإجماع على ثبوت بدل الحيلولة مع تعذّر وصول المال إلى مالكه.

و فيه: أنّه- بعد تسليم الإجماع- يحتمل أن يكون مستند المجمعين بعض الوجوه المتقدّمة أو كلّها، و معه لا علم لنا بوجود إجماع تعبّديّ في المقام.

و لكن لا بأس بنقل بعض كلمات الفقهاء في بدل الحيلولة، فإنّه قد وقع التنصيص في عباراتهم على سببيّة الحيلولة للضمان.

قال المحقّق (قدّس سرّه): «إذا تعذّر تسليم المغصوب دفع الغاصب البدل، و يملكه المغصوب منه، و لا يملك الغاصب العين المغصوبة. و لو عادت كان لكلّ منهما الرجوع» (1).

و قال الشهيد (قدّس سرّه) في القواعد- بعد تقسيم الضمان إلى ما يكون بالقوّة و ما يكون بالفعل- ما نصّه: «و الضمان الفعليّ تارة بعد تلف العين، و لا ريب أنّه مبرء لذمّة الضامن، و يكون من باب المعاملة على ما في الذمم بالأعيان، و هو نوع من الصلح. و تارة مع بقاء العين، لتعذّر ردّها، و هو ضمان في مقابلة فوات اليد و التصرّف، و الملك باق على ملك مالكه .. إلخ» (2).

و هذا الذي أفاداه بيان على وجه الكلّيّة، و قد صرّحوا بذلك في موارد مخصوصة:

____________

(1) شرائع الإسلام، ج 3، ص 241

(2) القواعد و الفوائد، ج 1، ص 347 و 348

614

____________

منها: ما ذكره العلّامة (رحمه اللّه) في القواعد، حيث قال: «و لو أبق العبد المغصوب ضمن في الحال القيمة للحيلولة، فإن عاد ترادّا» (1).

و منها: ما لو أقرّ إنسان بما في يده من العين لزيد مثلا، ثم أقرّ بها لعمرو، فإنّهم حكموا بأنّه يغرم للثاني، للحيلولة بينه و بين العين بالإقرار (2).

و منها: ما لو شهدت البيّنة بالطلاق، ثم رجعت عن الشهادة بعد حكم الحاكم بالتفريق بين المرء و زوجته، فإنّهم حكموا بأنّ الشهود يغرمون للزوج المهر. و كذا الحال في رجوع البيّنة عن الشهادة في الماليّات (3)، كلّ ذلك لمكان الحيلولة المستندة إلى الشهادة.

و منها: ما لو باع أو صالح أو وهب شيئا على أنّه له، ثم أقرّ به لزيد، فإنّهم حكموا بأنّه يغرم للمقرّ له عوضه مثلا أو قيمة، لحيلولته بين المقرّ له و ماله بالعقد الناقل.

و منها: ما ذكروه من ضمان الامام (عليه السلام) المهر للزوج الكافر المهادن إذا هاجرت زوجته إلى بلد الامام (عليه السلام) أو نائبه مسلمة، ثم طلبها الزوج، فمنعه عنها الامام (عليه السلام)، فإنّ أصحابنا قد أجمعوا على أنّ على الامام (عليه السلام) حينئذ غرامة المهر للزوج. و استدلّ العلّامة (رحمه اللّه) في المنتهى لهذا الحكم بقضيّة الحيلولة. (4)

و منها: ما ذكروه من: أنّ على واطئ البهيمة لمالكها القيمة، لمكان الحيلولة. (5)

و منها: ما ذكروه في كتاب القصاص من: أنّ من أطلق مستحقّ القصاص من يد وليّ المقتول، ألزم بدفع المال، للحيلولة، ثمّ إن تمكّن منه الوليّ لزمه ردّ المال إلى القاهر المطلق، لأنّ أخذ المال إنّما كان للحيلولة، و قد زالت.

إلى غير ذلك من الموارد التي تشرف الفقيه على القطع بسببيّة الحيلولة للضمان.

____________

(1) قواعد الأحكام، ص 79 (الطبعة الحجريّة).

(2) شرائع الإسلام، ج 3، ص 154؛ قواعد الاحكام، ص 115

(3) قواعد الاحكام، ص 241

(4) منتهى المطلب، ج 2، ص 977 و 978 (الطبعة الحجرية).

(5) الروضة البهية، ج 9، ص 313

615

____________

فلو نوقش في الأدلّة المتقدّمة لكان تسالم الفقهاء على ما يظهر بالتتبّع في كلماتهم- من تعليلاتهم بالحيلولة على سببيّتها للضمان، و أنّها من موجباته- كافيا في إثبات ذلك.

فلو كانت الوجوه المتقدّمة المحتجّ بها على ضمان بدل الحيلولة ضعيفة و غير معتبرة عندهم، فالتعليلات المزبورة في كلماتهم كاشفة عن تسلّم سببيّة الحيلولة عندهم للضمان.

بقي أمور ينبغي التنبيه عليها:

الأوّل: أنّ مورد بدل الحيلولة على ما يستفاد من كلمات الأعلام صرف التعذّر، لا التلف و ما بحكمه، كما إذا خرج المال عن الماليّة شرعا كالبهيمة الموطوءة، أو عرفا كالمال المسروق الذي لم يعرف سارقه، أو المال الذي غرق، فإنّهما خارجان عن موضوع بدل الحيلولة، فيختصّ مورده بوجود العين و إمكان الانتفاع بها في نفسها، و انحصار المانع بالتعذّر. فلو خرجت العين عن قابليّة الانتفاع شرعا كالبهيمة الموطوءة أو عرفا كغرقها لم يكن من مورد بدل الحيلولة، بل يحكم عليه بحكم التلف.

و لو شكّ في صدق التعذّر على بعض الموارد كما إذا غرق أو سرق، و لم يحصل اليأس من الوصول إليه، فبناء على كون حديث «على اليد» دالّا على وقوع المال بجميع خصوصيّاته- الّتي منها سلطنة المالك عليه- في العهدة يحكم بضمان هذه السلطنة. و بناء على عدم اقتضاء «على اليد» إلّا ضمان ماليّة المال عند التلف- لا ضمان شخص المال فضلا عن توابعه، حتى يجب عليه الخروج عن عهدة ذلك مع بقاء العين- يكون الأصل براءة ذمّة الغاصب و من بحكمه.

الثاني: هل المدار في التعذّر على التعذّر العقليّ المسقط للتكليف بردّ العين، أو الأعمّ منه و من العرفيّ؟ وجهان مبنيّان على ما تقدّم من الاختلاف في تقريب الأصل في المسألة. و لكن مقتضى الأدلّة عدم الفرق بين الصورتين، لورود الضرر على المالك، و فوت سلطنته في كلتا الصورتين. ففي مورد التعذّر العرفيّ و إن وجب على الضامن السعي في تحصيل العين، إلّا أنّ هذا لا ينافي وجوب البدل في زمان السعي، و ذلك لإطلاق قاعدة «على اليد» و عموم السلطنة و قاعدة لا ضرر، و غير ذلك من الأدلة التي أقاموها على ثبوت البدل و استحقاق المالك المطالبة به.

616

____________

كما أنّ مقتضى إطلاق الأدلة عدم الفرق أيضا بين العلم بحصول العين و اليأس منه و رجائه. و التخصيص بمورد اليأس غير وجيه. إذ ليس دليل بدل الحيلولة لبّيّا حتى يكون المتيقّن منه صورة اليأس.

إلّا أن يقال: إنّ دليله هو الإجماع، فلا بدّ حينئذ من الأخذ بالمتيقن منه من جميع الجهات، فتأمّل.

فالمتحصّل: أنّ المدار على مطلق التعذّر، لا خصوص العقليّ.

و أمّا زمان التعذّر فدعوى انصراف الأدلّة عن قصره جدّا قريبة، لعدم صدق فوات السلطنة أو الانتفاع أو غير ذلك عرفا على الزمان القصير جدّا.

لكن الفقهاء أفتوا في اللوح المغصوب في السفينة بوجوب القيمة، مع إمكان الوصول إليه و نزعه بوصول السفينة إلى الساحل. و هذا يكشف عن كون التعذّر و لو في زمان قليل موجبا لوجوب البدل.

فتلخّص: أنّ المدار على مطلق التعذّر، و عدم دخل الياس من الوصول إلى العين فيه.

الثالث: أنّه هل للضامن إجبار المالك على أخذ بدل الحيلولة، بأن يكون بدل الحيلولة حقّا لكلّ من المالك و الضامن، كجواز إجباره على أخذ بدل العين حين التلف أم لا؟ بأن يكون حقّا للمالك فقط.

قد يقال: إنّ الأدلّة الدالّة على وجوب بدل الحيلولة لا تدلّ على جواز إجبار الضامن المالك على قبول البدل. و ليس هنا دليل آخر يدلّ على ذلك غير تلك الأدلّة.

و عليه فيتخيّر المالك بين قبول البدل و بين الصبر إلى زمان زوال العذر، و إجبار الضامن إيّاه على قبول بدل الحيلولة خلاف سلطنته، إذ المالك يستحقّ على الضامن نفس العين، فإجبار الضامن إيّاه على قبول بدلها خلاف سلطنته. و هذا مراد المصنّف (قدّس سرّه) من تمسّكه بقاعدة السلطنة في المقام.

و الفرق بين التلف و التعذّر أنّه بتلف العين تسقط الخصوصيّات عن عهدة الضامن قهرا، فلا يبقى في ذمّته إلّا الطبيعي من المثل أو القيمة، فيكون للضامن حق إلزام المالك بقبول ذلك، لأنّه عين ما يملكه في عهدته فعلا. بخلاف صورة التعذّر، فإنّ

617

____________

الخصوصيّات غير ساقطة، و ذمّة الضامن مشغولة بها، غاية الأمر أنّ للمالك إسقاطها و الإغماض عنها، و الرّضا بالطبيعيّ أو القيمة. و أمّا الضامن فلا حقّ له في إلزام المالك بإسقاط حقّه.

أقول: لا حاجة إلى غير أدلّة بدل الحيلولة في جواز إلزام الضامن المالك بأخذ البدل، لأنّ المستفاد من تلك الأدلّة إن كان وجوب دفع البدل إلى المالك، لاشتغال ذمّته به، فله إلزام المالك بأخذه لتفريغ ذمّته، لأنّ إبقاء ذمّته مشغولة بمال الغير نقص و حرج عليه.

و إن لم يكن مفاد أدلّة بدل الحيلولة إلّا ثبوت حقّ للمالك في المطالبة من دون اشتغال ذمّة الضامن به، غايته أنّه لو طالبه المالك بالبدل وجب عليه إجابته فليس للضامن إلزام المالك بذلك، لانتفاء الحكم الوضعيّ أعني به شغل الذّمّة، فلا موجب للإلزام المذكور.

و لعلّ هذا هو الأظهر إن لم يكن مفاد حديث «على اليد» غرامة المأخوذ على الآخذ، و إلّا فعليه يكون للضامن إلزام المالك.

و لو شكّ في ثبوت هذا الحقّ للضامن فالأصل عدم ثبوته، لأنّه قبل التعذّر لم يكن هذا الحقّ ثابتا له، فمقتضى الاستصحاب بقاؤه.

الرابع: أنّ بدل الحيلولة هل يملكه المالك أم يباح له التصرّف فقط؟ الظاهر اختلاف ذلك باختلاف المباني، و إن ذكر المصنّف: «أنّ المال المبذول يملكه المالك بلا خلاف كما في المبسوط و الخلاف و الغنية و التحرير. و ظاهرهم إرادة نفي الخلاف بين المسلمين».

فإن كان المستند فيه حديث «لا ضرر» فهو لا يقتضي إلّا لزوم جبر الضرر، و من المعلوم انجباره بإباحة التصرّف في البدل، دون ملكيّته للمالك.

و إن كان المستند فيه دليل السلطنة بتقريب: أنّ الغاصب فوّت سلطنة المالك على ماله، فيجب عليه تدارك هذه السلطنة له، لم يثبت أيضا له إلّا إباحة التصرّف في البدل على النحو الذي يتصرّف في ملكه، لانجبار السلطنة الفائتة بإباحة التصرّفات في البدل، و عدم توقّف الانجبار على الملكيّة.

نعم مقتضى إباحة التصرّفات مطلقا حتّى المتوقّفة على الملك هو الالتزام

618

____________

بالملكيّة الآنيّة قبل التصرّف المنوط بها، كالمعاطاة بناء على إفادتها الإباحة المطلقة.

و بالجملة: تنجبر السلطنة الفائتة القائمة بالعين بالسلطنة على بدلها من مال الغاصب، و هذه السلطنة لا تقتضي الملكيّة.

و إن كان المستند فيه قاعدة اليد، فمقتضى كون البدل أداء لنفس العين المأخوذة- ليصدق عليه قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «حتى تؤدّي» بعد غضّ المالك عن خصوصيّات ماله- صيرورة البدل ملكا للمالك، تحقيقا لمعنى البدليّة في الملكيّة. فكما أنّ إضافة الملكيّة قائمة بالبدل في صورة التلف، لسقوط الخصوصيّات بسببه عن عهدة الضامن، و بقاء الطبيعيّ على عهدته، فكذلك في صورة التعذّر، فبدل الحيلولة يصير قائما مقام العين حال التعذّر في الملكيّة.

و الحقّ أن يقال: إنّه لو ثبت للمالك حقّ في أخذ البدل عن العين في الماليّة فهو ملك للمالك. و لو ثبت له حقّ في أخذ المال بدلا عن السلطنة الفائتة فهو غير مملوك للمالك، بل يباح له التصرّف فيه ما دام محجورا عن التصرّف في عين ماله.

و الظاهر ثبوت الحقّ، كما يدلّ عليه ما أشار إليه المصنّف (قدّس سرّه) من الروايات الواردة في الموارد المتفرّقة، لظهور لفظ: «الغرامة و الضمان» الواردين في تلك الروايات في الملكيّة، فالبدل مملوك للمالك لا مباح له.

و أمّا توجيه القول بالإباحة بعدم اجتماع العوض و المعوّض في ملك المالك فغير وجيه.

أمّا أوّلا: فبإمكان التزام صيرورة العين المتعذر ردّها ملكا للضامن، كما اختاره الجواهر (1) في بعض أقسام التعذّر كالخيط الذي بردّه يتلف المخيط، و الرطوبة الباقية على أعضاء الوضوء. و اختار ذلك السيد (2) في جميع أقسام التعذّر. و بهذا الوجه يرتفع الاشكال.

و أمّا ثانيا: فبأنّ البدل من باب الغرامة لا العوض، فاجتماع البدل و المبدل في

____________

(1) جواهر الكلام، ج 37، ص 80

(2) حاشية المكاسب، ج 1، ص 107 و 108

619

____________

ملك المالك كاجتماع الأرش و العين المعيبة. هكذا قيل.

لكن فيه: أنّ الأرش بدل عن وصف الصحّة، و ليس بدلا عن العين حتى يلزم الجمع بين العوض و المعوّض.

ثمّ إنّه يترتّب الثمرة على ملكيّة البدل للمالك و إباحته له: أنّه على الأوّل يكون البدل دينا على الضامن، فينفذ إبراؤه، و يصحّ بيعه، و إصداقه، و الضمان عنه، و الحوالة عليه، و حصول التهاتر به، و الوصيّة به، و وجوب قبوله على المالك إذا دفعه إليه الضامن.

بخلافه على الثاني، لأنّه حينئذ حكم تكليفيّ صرف، و لا تشتغل ذمّته بشي‌ء حتى يترتب عليه آثار الملكيّة.

و لا يخفى أنّ عبارات الأصحاب مختلفة، فبعضها ظاهر في اشتغال ذمّة الضامن بالبدل، و بعضها ظاهر في مجرّد الوجوب التكليفيّ، و بعضها محتمل للاحتمالين، فلاحظها.

الخامس: هل تنتقل العين إلى الضامن بإعطاء البدل أم لا؟

قد يقال: بانتقال العين إلى الضامن، و البدل إلى المالك، لاستحالة بدليّة شي‌ء عن شي‌ء إلّا بقيام البدل مقام المبدل في جهة من جهاته، و تلك الجهة في المقام هي إضافة الملكيّة.

و قد يقال: بأنّ المالك يملك البدل، و أمّا الضامن فلا يملك المبدل، لأنّ المأخوذ بعنوان البدليّة ليس عوضا حقيقيّا حتى تستحيل البدليّة إلّا بدخول العين المتعذّرة في ملك الضامن، بل هو غرامة خالصة كالمبذول عند تلف العين. و من البيّن أنّ عنوان «الغرامة» لا يستلزم خروج البدل عن ملك الضامن، و لا دخول العين المتعذّرة في ملكه حتى يكون ذلك معاوضة قهريّة شرعيّة، هذا.

لكن فيه: أنّه بناء على كون بدل الحيلولة ملكا للمالك- كما تقتضيه الروايات المشار إليها الواردة في الموارد المتفرّقة، و كذا قاعدتا الإتلاف و اليد الدّالّتان على أنّ ما يدفعه الضامن إلى المالك هو عين ماله- لا بدّ من الالتزام بصيرورة المبدل المضمون ملكا للضامن بالمعاوضة القهريّة الشرعيّة، إذ لو لا ذلك لزم اجتماع العوض و المعوّض في ملك مالك العين.

و يؤيّد ذلك بل يدلّ عليه حسنة سدير المتقدّمة في التوضيح، الدالّة على غرامة

620

____________

الواطي قيمة البهيمة الموطوءة، الظاهرة في صيرورتها ملكا للواطي الغارم بدفع القيمة.

نعم بناء على كون البدل مباحا للمالك- لا ملكا له- لا وجه لخروج المبدل عن ملك مالكه و دخوله في ملك الضامن.

و يترتّب على خروج المبدل عن ملك المالك و عدم خروجه عنه فروع:

أحدها: أنّه إذا توضّأ- جهلا أو غفلة- بماء مغصوب، و علم أو تذكّر بعد إكمال الغسلات و قبل المسح، فعلى القول بدخول الرطوبة في ملك الضامن يجوز المسح بها.

و على القول ببقائها على ملك المالك لا يجوز، بل عليه الاستيناف.

إلّا أن يقال: إنّ الرطوبة بمنزلة الشي‌ء التالف، فلا يملكها مالكها، فلا مانع حينئذ من المسح بها.

لكنّه مشكل جدّا، لأنّها كيف تكون كالتالف؟ مع أنّ المسح المتمّم للوضوء يتحقق بها، و يترتّب عليها، فتكون هذه الرطوبة ملكا و مالا، و لذا لو قال له الغاصب: «إن أعطيتني مقدارا معيّنا من المال فأنا راض بالتصرّف الوضوئيّ» فأعطاه و رضي، صحّ وضوؤه.

ثانيها: إنّه إذا غصب أحد خمرا محترمة لغيره، و انقلبت خلّا فعلى القول بالمعاوضة القهريّة بين البدل و المبدل كان الخلّ بعد أداء البدل ملكا للضامن، و إلّا فهو للمضمون له.

ثالثها: أنّه إذا خاط أحد ثوبه بخيوط مغصوبة، فعلى القول بدخول الخيوط في ملك الغاصب بعد أداء البدل جازت له الصلاة في ذلك الثوب. و كذلك التصرفات الأخر، و إلّا فلا.

إلّا أن يقال: إنّ تلك الخيوط بمنزلة التالف، إذ لا يمكن ردّها غالبا إلى مالكها إلّا بعد سقوطها عن الماليّة بسبب النزع، بل في مجمع البرهان (1) الجزم بعدم وجوب النزع، بل قال بإمكان عدم الجواز، لكونه بمنزلة التلف، فيتعيّن القيمة. و حينئذ فيمكن جواز الصلاة في هذا الثوب المخيط، إذ لا غصب فيه حتى يجب ردّه، هذا.

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان، ج 10، ص 521

621

____________

لكنّ الحقّ أنّ الخيوط- و إن قلنا بسقوطها عن الماليّة بالنزع- باقية على ملك مالكها، و حرمة التصرّف في المغصوب إنّما هي باعتبار إضافة الملكيّة، لا باعتبار الماليّة، فتنزيلها منزلة التلف في غير محلّه، فلا بدّ من ابتناء المسألة على مالكيّة الغاصب للمبدل و عدمها. فعلى الأوّل تجوز التصرّفات، و على الثاني لا تجوز.

رابعها: أنّه لو غصب أحد دهنا و خلطه بطعامه، فعلى القول بدخول المبدل في ملك الغاصب بعد ردّ بدله جاز له التصرّف في ذلك الطعام، و إلّا فلا يجوز له التصرّف فيه إلّا برضى مالك الدهن.

إلى غير ذلك من الفروع.

السادس: لو زال التعذّر، و تمكّن الغاصب من ردّ العين إلى المغصوب منه بعد أداء بدل الحيلولة، فالظاهر ثبوت الترادّ، بل عن بعضهم نفي الخلاف بينهم فيه، من غير فرق في ذلك بين مثل الغرق و السرقة و الضياع مما يعدّ تلفا عرفا، و بين ما لا يعدّ كذلك، إلّا أنّه متعذّر الحصول. بل لا يبعد أن يكون الأمر كذلك لو فرض عود التالف الحقيقيّ بخرق العادة.

و عن المحقّق النائيني (قدّس سرّه): «إذا ارتفع العذر، و تمكّن من ردّ العين إلى مالكه وجب الرد فورا حتى على القول بالمعاوضة القهريّة الشرعيّة، لأنّ حكم الشارع بالمعاوضة مترتّب على عنوان التعذّر و يدور مداره» (1).

و قد يقال: بابتناء جواز الرجوع و عدمه على كون ملكيّة البدل لمالك العين لازمة أو جائزة. فعلى الأوّل لا يجوز ذلك، و على الثاني يجوز. نظير المعاطاة بناء على إفادتها الملكيّة. (2) هذا.

و لا يخفى أنّه بناء على الملكيّة لا بدّ من البناء على اللزوم، لأنّه الأصل في الملك، فلا وجه لجواز رجوع المالك إلى العين. و عليه فيكون التعذّر علّة محدثة و مبقية لمالكيّة

____________

(1) منية الطالب، ج 1، ص 161

(2) مصباح الفقاهة، ج 3، ص 221

622

____________

المغصوب منه للبدل، و مالكيّة الضامن للمبدل، كسائر المعاوضات الشرعيّة. و جواز الملك محتاج الى الدليل، و مجرّد احتمال الجواز ثبوتا لا يجدي إثباتا. هذا.

فالأولى في وجه وجوب ردّ العين إلى مالكها بعد ارتفاع التعذّر هو: أنّ حقيقة البدليّة و الغرامة تقتضي وجوب الرّدّ عند التمكّن، إذ حقيقة البدليّة هي القيام مقام الغير و بدلا عنه، فبدليّة البدل الطوليّ متقوّمة بعدم المبدل. و مع وجوده لا معنى للبدليّة و الغرامة، و إلّا كان بدلا عرضيّا، و هو خلاف الفرض. فيجب ردّ عينه، لأنّه أداء للمأخوذ حقيقة، كما يدلّ عليه قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في النبويّ: «حتى تؤدّي» بخلاف البدل، فإنّه ليس أداء للمأخوذ حقيقة.

و احتمال المعاوضة و انتقال العين إلى البدل- كما في المعاوضة على ما في الذمم- ضعيف جدّا، لأنّ المعاوضة المالكية مفقودة، لعدم انقداح معاوضة في ذهنهما، و عدم إنشائهما لها.

و كذا المعاوضة القهريّة العقلائيّة، لعدم اعتبارهم لها بالنسبة إلى التالف الحقيقيّ، و عدم جعلهم التالف الحقيقيّ ملكا للغارم في مقابل بدله الذي يؤدّيه إلى المالك. و ليس اعتبارهم الضمان في التلف الحقيقيّ مغايرا لاعتباره في التلف العرفيّ.

و كذا المعاوضة القهريّة الشرعيّة، لأنّ أدلّة الغرامات و الضمانات منزّلة على ما يفهمه العرف، و ليست الغرامة عند المتشرّعة غير ما لدى العقلاء، و هي بدليّة البدل عن مال المضمون له ما دام ردّ العين متعذّرا.

لا يقال: إنّ المقام كتعذّر المثل في المثليّ في عدم وجوب ردّ المثل هناك بعد التمكّن منه و دفع القيمة، لاشتراكهما في تعذّر الرّدّ في زمان، فلا بدّ فيما نحن فيه من الالتزام بعدم وجوب ردّ العين أيضا بعد التمكين منه إلى المالك.

فإنّه يقال: بوضوح الفرق بينهما، حيث إنّ الثابت هناك في ذمّة الضامن هو كلّيّ المثل، فإذا رضي المالك بالقيمة فقد رضي بتبديل ذلك الكلّيّ بالقيمة، فيصير حقّه تلك القيمة، من قبيل الوفاء بغير الجنس مع التراضي، فيسقط حقّه لا محالة، كسائر المعاملات الواقعة على ما في الذمم في اللزوم، و عدم جواز الرجوع.

623

____________

و هذا بخلاف المقام، فإنّ العين الشخصيّة لا تدخل في الذّمّة حتى تقع المعاوضة بين ما في الذّمّة و بدله، و تبرء ذمّته، بل يجب بعد ارتفاع العذر ردّ نفس العين كما هو مقتضى قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «حتى تؤدّى».

السابع: هل ترجع الغرامة إلى الغارم بمجرّد تمكّنه من ردّ العين إلى المالك أم بردّها خارجا؟ وجهان، أقواهما الثاني، لأنّ التعذّر و إن أوجب استحقاق البدل، لكنّه علّة للوجوب، لا أنّه موضوع له حتى تبطل البدليّة بمجرّد التمكّن، و ذلك لأنّ صرف التمكّن لا يخرج العين عمّا هي عليه من انقطاع سلطنة المالك عنها، و عدم كونها تحت يده، فما لم ترجع العين إلى المالك لا تدخل تحت يده و استيلائه، و لا تعدّ مالا من أمواله، فالموضوع لثبوت ملكيّة المالك لبدل الحيلولة هو انقطاع سلطنته عن ماله، لا التعذّر، فإنّه علّة للوجوب، كالتغيّر الموجب لعروض النجاسة على الماء، فإذا زال التغيّر بنفسه و شكّ في أنّه علّة محدثة فقط أو مبقية أيضا فتستصحب النجاسة.

ففيما نحن فيه إذا شكّ في كون التعذّر علّة محدثة فقط أو مبقية أيضا فلا مانع من استصحاب بقاء البدل على ملك المالك، فلا يوجب التمكّن من ردّ العين الجمع بين العوض و المعوّض، بأن يقال: إنّ التمكّن يوجب الجمع بين العوض و المعوّض عند المالك، لكون التمكّن موجبا لعود ملكيّة العين له، و البدل أيضا ملكه. بل التمكّن كعدمه.

فالبدل لا ينتقل إلى الغارم بمجرّد تمكّنه من ردّ العين، بل يتوقّف على ردّها خارجا، لأنّ الغرامة بدل السلطنة الفائتة عن المالك، و من المعلوم أنّ عود السلطنة الفعليّة السابقة يتوقّف على ردّ العين إليه خارجا، لا على مجرّد تمكّن الغاصب من ردّها.

و بالجملة: لو كان مجرّد التعذّر علّة محدثة و مبقية لوجوب البدل على الغارم كان صرف التمكّن من الرّدّ موجبا لخروج البدل عن ملك المالك، لكنّه ليس كذلك.

و عليه فليس للغارم استحقاق حبس العين، لأنّه لا يستحقّ الغرامة إلّا بردّ العين، فإذا كان الرّدّ علّة استحقاقه للغرامة فكيف يتقدّم المعلول- و هو الاستحقاق- على علّته و هي الردّ؟

و لو تسامح الضامن في دفع العين بعد تمكّنه منه فللمالك مطالبته، لقاعدة «الناس

624

____________

مسلّطون على أموالهم». و لا يجوز للضامن حبس العين و مطالبته البدل من المالك، لما مرّ آنفا من أنّ البدل بدل عن السلطنة الفائتة، لا عن القدرة على دفع العين.

فالمتحصّل: أنّ الغرامة لا تعود إلى الغارم بمجرّد التمكّن من ردّ العين إلى المالك، بل يناط ذلك بردّها إلى مالكها.

الثامن: إذا خرج المغصوب عن صورته النوعيّة، ثم رجع إليها، فهل يضمن الغاصب بدله من المثل أو القيمة، أم عينه؟ مثاله غصب الخلّ، ثم انقلابه خمرا، ثم صيرورته خلّا، فيه قولان:

أحدهما: ضمان البدل، لانعدام المغصوب بزوال صورته النوعيّة، و الموجود ثانيا غيره، لتخلّل العدم بينهما، و من البيّن أنّ المعدوم لا يعاد.

ثانيهما: ضمان العين نفسها، لأنّ الموجود ثانيا عين الأوّل في نظر العرف.

و تحقيق المقام: أنّ هنا مسألتين:

إحداهما: حكم المبدل قبل أداء البدل، و الثانية حكمه بعد أدائه.

أمّا المسألة الأولى فحاصل الكلام فيها: أنّ الظاهر وجوب أداء العين نفسها على الغاصب، لأنّ الثابت ابتداء على الضامن هو نفس العين، فيجب عليه ردّها على مالكها، و إذا تلفت العين انتقل الضمان إلى بدلها من المثل أو القيمة. و من المعلوم أنّ العين إذا عادت ثانيا فثبوت الضمان فيها أولى من ثبوته في بدلها، لكونها جامعة لجميع الخصوصيّات الّتي كانت موجودة في العين المغصوبة، من دون فرق عرفا في ذلك بين كون العائد عين الأوّل و غيره.

و أمّا المسألة الثانية فقد استشكل فيها غير واحد. و الظاهر أنّه من صغريات العين التالفة، فإنّ الضامن بعد دفع الغرامة برئت ذمّته. فإن رجعت العين إلى نظام الوجود كانت ملكا للضامن، لأنّ حقّ الأولويّة الثابت بالسيرة العقلائيّة انتقل إلى الضامن بعد دفع الغرامة، بناء على كونها أداء لمال المالك بعد إسقاطه للخصوصيّات كما عليه سيرة العقلاء، فبأداء البدل يسقط الضمان عن الغاصب، و ليس دليل آخر يقتضي ضمان العين ثانيا.

إلّا أن يقال: إنّ حقّ الأولويّة لا يسقط بمجرّد دفع البدل، و لا ينتقل إلى الضامن إلّا

625

____________

بإسقاط المالك له، فحينئذ يكون المالك مستحقا لماله العائد بعد زواله، فالأحوط التصالح.

ثمّ إنّ ظاهر كلام المصنّف بقاء حق الأولويّة للمالك. و أيّده برجوع الخلّ المنقلب عن الخمر إلى مالكه حين كونه خلّا، و ليس هذا إلّا من جهة بقاء حقّه المسمّى بحقّ الاختصاص.

و قد أجاب المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) عن هذا التأييد بما حاصله: «أنّ وجوب ردّ الخلّ المنقلب عن الخمر إلى المالك لا يكشف عن بقاء حق الأولويّة له، لأنّه من قبيل عود الملك إلى مالكه، فيكون من باب ردّ الملك إلى مالكه، لا من باب أولويّة المالك به.

و السّرّ في ذلك أنّ إطلاق أسباب الملكيّة من الهبة و الصلح و الإرث و غيرها يقتضي تأثيرها بنحو الإطلاق، إلّا إذا اقترنت بمانع يمنع عن تأثيرها، و إذا ارتفع المانع أثّر المقتضي أثره، من دون أن يثبت هنا حقّ الأولوية عند سقوط المقتضي عن التأثير.

و بالجملة: فزوال الملكيّة تارة يكون لموجب الانتقال إلى الغير، كالبيع و غيره من موجبات الانتقال. و اخرى لوجود مانع من تأثير مقتضي الملكيّة بقاء كانقلاب الخلّ خمرا. فسقوط المقتضي لحدوث الملكيّة بقاء إنّما هو لوجود المانع، فإذا زال المانع أثّر المقتضي أثره، من دون وجود حق الأولويّة في حال سقوطه عن التأثير، و عدم لزوم الترجيح بلا مرجّح، بعد وجود المقتضي للملكيّة لمالك العين دون غيره» (1). انتهى ملخّصا.

و فيه: أنّ الملكيّة من الأحكام الشرعيّة الاعتباريّة، و هي من الأفعال الاختيارية للشارع، و هي سعة و ضيقا تابعة لكيفيّة جعلها، و لا تقاس بالمقتضيات الخارجيّة كالنار المقتضية للإحراق و الموانع التكوينيّة، كرطوبة الثوب المانعة عن احتراقه بالنار، التي بزوالها يؤثّر المقتضي لاحراقه- و هو النار- أثره، فيحترق بها الثوب بعد جفافه. بل لا بدّ من الرجوع إلى الأدلّة، و هي تدلّ على أنّ الخلّ يملك بالهبة و البيع و الإرث و غيرها.

و لكن إذا انقلب خمرا خرج عن الملكيّة، و لو عاد إلى الخليّة كان الحكم بملكيّته للمالك الأوّل منوطا بالدليل، و هو مفقود في المقام. و السبب السابق كالهبة و البيع لا يؤثّر في

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 111

626

____________

حدوث الملكيّة بعد الانقلاب إلى الخلّ، و ليس كالمقتضي التكوينيّ كالنار.

و بالجملة: فأولويّة المالك بالخمر المنقلبة عن الخلّ الثابتة بالسيرة المتشرعيّة أوجبت رجوع الخلّ المنقلب عن الخمر إلى المالك، لا السبب الناقل للخل إليه.

هذا بناء على خروج الخمر عن الملكيّة. و أمّا بناء على عدم خروجها عنها- كما قيل- فلا كلام، فإن ظاهر الشيخ في الخلاف عدم قيام إجماع على عدم ملكيّة الخمر. قال في رهن الخلاف: «الخمر ليست بمملوكة، و يجوز إمساكها للتخليل و التخلّل» ثم قال:

«دليلنا: إجماع الفرقة على نجاسة الخمر، و على تحريمها الإجماع، فمن ادّعى صحّة أنّها مملوكة فعليه الدلالة» (1) حيث تمسّك في مورد المسألة المبحوث عنها بعدم الدليل، فلو قام الإجماع على عدم المملوكيّة تمسّك به جزما كما هو دأبه في الكتاب.

التاسع: أنّه هل يكون تمكّن المالك من استرداد ماله كافيا في رجوع العين إليه و ارتفاع الضمان و انتقال البدل إلى الضامن، أم لا بدّ من تمكّن الغاصب من ردّ العين إلى المالك؟

لا ينبغي الارتياب في أنّ المناط في ثبوت بدل الحيلولة على القول به إنّما هو عدم تمكّن الغاصب من ردّ العين إلى مالكها، سواء تمكّن المالك بنفسه من ذلك أم لا، بداهة أنّ سبب الضمان المستفاد من قاعدة اليد هو وضع اليد و الاستيلاء على مال الغير.

و إذا تلف أو ضاع أو سرق مثلا وجب عليه بدله حقيقة في التلف، و للحيلولة في غيره، فتمكّن المالك لا دخل له في ارتفاع الضمان عن الغاصب، و هذا واضح جدّا.

العاشر: ما تعرّض له المصنّف (قدّس سرّه) بقوله: «ثمّ إنّ مقتضى صدق الغرامة على المدفوع خروج الغارم عن عهدة العين و ضمانها، فلا يضمن ارتفاع قيمة العين بعد دفع الغرامة سواء كان الارتفاع للسوق أو للزيادة المتّصلة بل المنفصلة كالثمرة .. إلخ».

و حاصل ما أفاده: ضمان ارتفاع القيمة و المنافع قبل دفع البدل، و عدمه بعد دفعه.

و لكن عن العلّامة في التذكرة و عن بعض آخر ضمان المنافع. و قد قوّاه في المبسوط بعد أن جعل الأقوى خلافه.

____________

(1) الخلاف، ج 3، ص 241، المسألة 36 من كتاب الرهن.

627

____________

أقول: المسألة مبنيّة على أنّ الغرامة هل هي بدل عن العين أم السلطنة. فإن كانت بدلا عن العين المتعذّرة كما هو مقتضى دليل ضمان اليد فلا محالة تنقطع علاقة المالك عن العين، و تصير ملكا للضامن بجميع شؤونها حتى النماءات المنفصلة فضلا عن المتّصلة، و عن زيادة القيمة السوقيّة.

و إن كانت بدلا عن السلطنة الفائتة- كما هو قضيّة قاعدة السلطنة- ضمن الغاصب جميع شؤون العين، سواء أ كانت تلك الشؤون فائتة أم لا.

و الحقّ أنّ يقال: إنّ البدل المدفوع بدل عن العين و لو من جهة فوات السلطنة. كما أنّه في صورة التلف يكون البدل بدلا عن العين، فحينئذ يكون بدلا عن العين بشؤونها، فلا يضمن ارتفاع القيمة و لا منافعه. هذا في صورة دفع الضامن للبدل.

و أمّا إذا لم يدفع البدل، فمقتضى ضمان العين بجميع شؤونها هو ضمان المنافع و ارتفاع القيمة السوقيّة.

الحادي عشر: قد عرفت أنّ المدار في ثبوت بدل الحيلولة- على القول به- تعذّر الوصول إلى العين، بحيث لا يتمكّن المالك من الانتفاع بها، فلو تمكّن المالك من الانتفاع بها مع حصول نقص فيها و لو في بعض أوصافها خرجت عن مورد بدل الحيلولة، لفرض إمكان الانتفاع بها، و عدم ارتفاع سلطنته عنها، كصورة امتزاج العين بعين اخرى الموجب للشركة، فإنّ العين بعد امتزاجها بغيرها لا تخرج عن قابليّة انتفاع المالك بها، غاية الأمر أنّه حدث عيب في ماله، لأنّ الشركة نقص في العين المملوكة بالاستقلال، فيجب على الغاصب أداء الأرش للمالك. فهذا المورد خارج عن موارد بدل الحيلولة، لإمكان الانتفاع بالعين.

الثاني عشر: أنّ أسباب الضمان على ما أفاده المصنّف (قدّس سرّه) بقوله: «سواء كان الذاهب نفس العين كما في التلف الحقيقيّ .. إلخ» أمور أربعة.

الأوّل: تلف العين حقيقة، و تسقط حينئذ عن الملكيّة عرفا، فيجب بدلها على متلفها و الخروج عن عهدتها بدفع بدلها، لأدلّة الضمان.

الثاني: التلف الحكميّ، و هو قطع سلطنة المالك عن ماله كالغرق و السرقة

628

____________

و نحوهما ممّا لا يكون عوده مرجوّا. و هذا مورد بدل الحيلولة.

الثالث: إزالة الأوصاف التي لها دخل في مالية العين بحيث تخرج العين بذهابها عن الماليّة مع انحفاظ العين بنفسها في ملك مالكها، و سلطنته عليها تسلّط الملّاك في أملاكهم، فالضمان حينئذ بالماليّة الخالصة دون العين المغصوبة، كالثلج في الشتاء و الماء على الشاطئ.

الرابع: ذهاب الأوصاف التي بها تخرج العين عن الملكيّة أيضا، إمّا شرعا كالخلّ المنقلب خمرا، و إمّا عرفا كالكوز المكسور، لكن تبقى العين متعلّقة لحقّ المالك. هذا ما أفاده المصنّف (قدّس سرّه).

و لا يخفى أنّ ما ذكره في القسم الأوّل أعني به التلف الحقيقي- من زوال ملكيّة المالك عن العين- متين، غاية الأمر أنّ العين قد تعتبر ملكا للغاصب فيما إذا ترتّب عليه الأثر كما في تعاقب الأيدي.

و أمّا ما ذكره في القسم الثاني من كونه موردا لبدل الحيلولة فهو غير تامّ، لأنّ مورده صورة بقاء العين مع تعذّر الوصول إليها، بحيث يرجى زوال العذر أيضا. و أمّا إذا كان العثور عليها مقطوع العدم و كان الضامن مأيوسا من الوصول إليها كما في المال المسروق أو الملقى في البحر فهو تالف عرفا، فيلحق بالقسم الأوّل، إذ ليس المراد من التلف الانعدام الحقيقيّ الذي ذهب بعض الفلاسفة إلى استحالته، بل المراد هو التلف العرفيّ، فلا يكون موردا لبدل الحيلولة المصطلحة.

و أمّا ما أفاده في القسم الثالث- من زوال الماليّة مع بقاء ملكيّة العين- فربّما يناقش فيه كما في حاشية السيد (قدّس سرّه) بأنّ ذهاب الوصف إن أوجب سقوط العين عن قابليّة الانتفاع بها، فتسقط عن الملكيّة أيضا، و إلّا فهي مال، (1) هذا.

لكن الظاهر إمكان سقوطها عن الماليّة التي مناطها إمكان الانتفاع المعتدّ به بها، دون ملكيّتها التي هي إضافة خاصّة بين الشي‌ء و مالكه، و لا يناط اعتبار الملكيّة بالماليّة

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 110

629

____________

كحبّة حنطة و الرطوبة الباقية على أعضاء الوضوء، و الخيط الباقي في الثوب المخيط و نحوها.

و أمّا ما أفاده في القسم الرابع- من سقوط العين عن الماليّة و الملكيّة معا- فلا إشكال في صحّته، لأنّ المتلف يضمن بدل العين من المثل أو القيمة، كما لا شبهة في بقاء حق الاختصاص بها للمالك.

و لنختم الكلام هنا في بدل الحيلولة و بذلك فرغنا من مباحث المقبوض بالبيع الفاسد، و به تمّ الجزء الثالث من شرحنا على «متاجر» شيخنا الأعظم، آملا منه تعالى القبول، و سائلا منه التوفيق لا كماله بحقّ سادة أوليائه محمّد و آله المعصومين (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين) ، و اللعن على كافّة أعدائهم إلى يوم الدين يا ربّ العالمين.