مجمع البحرين‌ - ج1

- الشيخ فخر الدين الطريحي المزيد...
491 /
459

الفعل. قوله تعالى: نَحْنُ أَوْلِيٰاؤُكُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا [41/ 31] أي كنا نحرسكم من الشياطين وَ فِي الْآخِرَةِ أي عند الموت. قوله تعالى: إِنَّمٰا ذٰلِكُمُ الشَّيْطٰانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيٰاءَهُ [3/ 175] قيل: المراد يخوفكم أولياءه فحذف المفعول الأول كما تقول:" أعطيت الأموال" أي أعطيت القوم الأموال، و قيل المراد يخوف بأوليائه فحذف الباء و أعمل الفعل. و أولياء الشيطان: أنصاره و أتباعه، الواحد ولي. قوله تعالى: إِنَّ وَلِيِّيَ اللّٰهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتٰابَ وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصّٰالِحِينَ [7/ 196] أي ناصري و حافظي و دافع شركم عني الذي نزل القرآن و أعزني برسالته و هو من عادته يتولى الصالحين و ينصر المطيعين له من عباده. قوله تعالى: أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ [12/ 101] أي أنت تتولى أمري في الأولى و العقبى و أنت القائم به. قوله تعالى: اللّٰهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمٰاتِ إِلَى النُّورِ [2/ 257]

قَالَ الصَّادِقُ (ع)

:" يَعْنِي مِنْ ظُلُمَاتِ الذُّنُوبِ إِلَى نُورِ التَّوْبَةِ وَ الْمَغْفِرَةِ لِوَلَايَتِهِمْ كُلَّ إِمَامٍ عَادِلٍ مِنَ اللَّهِ"،

وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيٰاؤُهُمُ الطّٰاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمٰاتِ

قَالَ:" إِنَّمَا عَنَى بِهَذَا أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى نُورِ الْإِسْلَامِ فَلَمَّا تَوَلَّوْا كُلَّ إِمَامٍ جَائِرٍ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ خَرَجُوا بِوَلَايَتِهِمْ إِيَّاهُ مِنْ نُورِ الْإِسْلَامِ إِلَى ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ فَأَوْجَبَ لَهُمُ النَّارَ مَعَ الْكُفَّارِ فَ‍

أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ النّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ (1)

.

قوله تعالى: قٰاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّٰارِ [9/ 123] أي يقربون منكم. قوله تعالى:

____________

(1). البرهان ج 1 ص 243.

460

مٰا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وٰالٍ [13/ 11] أي من ولي، كما يقال: قادر و بر. قوله تعالى: فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ [2/ 115] أي أينما توجهوا وجوهكم. قوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ* [2/ 144] أي وجه وجهك. و التولية تكون إقبالا و منها قوله تعالى: وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهٰا [2/ 148] أي مستقبلها. و تكون انصرافا، و منه قوله تعالى: يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبٰارَ [3/ 111]. و تكون بمعنى التولي، يقال: وليت و توليت. و التولي يكون بمعنى الإعراض و بمعنى الاتباع، قال تعالى: وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ [47/ 38] أي إن تعرضوا عن الإسلام. قوله تعالى: وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [5/ 51] أي و من يتبعهم و ينصرهم. قوله تعالى: وَ الَّذِي تَوَلّٰى كِبْرَهُ مِنْهُمْ [24/ 11] أي ولي وزر الإفك و إشاعته. قوله تعالى: وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوٰالِيَ [19/ 5] هم العمومة و بنو العم، و مِنْ وَرٰائِي من بعد موتي. قوله تعالى: فَإِنْ كٰانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لٰا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ [2/ 282] الولي للوصي و المجنون إما الأب أو الجد، و مع عدمهما الوصي عن أحدهما، و مع عدمهم الحاكم. و أما السفيه فإن كان سفهه مستمرا عقيب الصبي فوليه الأب و الجد و إن كان طارئا فالحاكم. قوله تعالى: أَلٰا إِنَّ أَوْلِيٰاءَ اللّٰهِ لٰا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لٰا هُمْ يَحْزَنُونَ [10/ 62] قال بعض المحققين: طريقة الأولياء مبنية على مجاهدات نفسانية و إزالة عوائق بدنية و توجه نحو طلب الكمال الذي يسمى بالسلوك، و من جملة تلك المجاهدات التوبة، و هي الرجوع‌

461

عن المعصية، و الإنابة و هي الرجوع إلى الله تعالى و الإقبال عليه، و الإخلاص و هو أن جميع ما يفعله السالك و يقول يكون تقربا إلى الله تعالى وحده لا يشوبه شي‌ء، و الزهد في الدنيا، و إيثار الفقر و ليس المراد به عدم المال بل عدم الرغبة في القينات الدنيوية، و الرياضة، و الحزن على ما فات، و الخوف على ما لم يأت، و الرجاء، و الصبر، و الشكر، و نحو ذلك من الكمالات. قوله تعالى: لَبِئْسَ الْمَوْلىٰ وَ لَبِئْسَ الْعَشِيرُ [22/ 13] أي لبئس الناصر و لبئس الصاحب. قوله تعالى: فَإِنَّ اللّٰهَ هُوَ مَوْلٰاهُ [66/ 4] أي وليه و المتولي حفظه و نصرته بذاته، و جبرئيل الذي هو رأس الكروبيين،

وَ صَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي هُوَ عَلِيُّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع).

هَكَذَا رُوِيَ عَنْ طَرِيقِ الْمُخَالِفِ وَ الْمُؤَالِفُ (1)

. قوله تعالى: وَ لِكُلٍّ جَعَلْنٰا مَوٰالِيَ [4/ 33] الموالي هم الوارث، و التقدير و جعلنا لكل إنسان موالي يرثونه مما ترك، و من للتعدية، و الضمير في تَرَكَ للإنسان الميت، أي يرثونه مما ترك، الْوٰالِدٰانِ خبر مبتدإ محذوف أي هم الوالدان، و الْأَقْرَبُونَ الأقرب فالأقرب. قوله تعالى: ذٰلِكَ بِأَنَّ اللّٰهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا [47/ 11] أي وليهم و القائم بأمورهم، و كل من ولي عليك فهو مولاك. قوله تعالى: بَلِ اللّٰهُ مَوْلٰاكُمْ [3/ 150] أي ناصركم و وليكم فأطيعوه. قوله تعالى: مَأْوٰاكُمُ النّٰارُ هِيَ مَوْلٰاكُمْ [57/ 15] أي هي أولى‌

____________

(1). انظر تفسير علي بن إبراهيم ص 678 و ذكر السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 243 أحاديث فسرت صالح المؤمنين بالأنبياء، و أبي بكر و عمر، و عمر خاصة، و علي خاصة.

462

بكم، أو عاقبتكم. قوله تعالى: وَ أَنَّ الْكٰافِرِينَ لٰا مَوْلىٰ لَهُمْ [47/ 11] أي لا ولي و لا نصير لهم. و في الحديث نهي عن بيع الولاء، كانت العرب تبيع الولاء و تهبه فنهي عنه. و" الولاء" بفتح الواو و المد: حق إرث المعتق، أو ورثته من المعتق، و أصله القرب و الدنو، و المراد هنا قرب أحد الشخصين فصاعدا إلى آخر على وجه يوجب الإرث بغير نسب و لا زوجية، و أقسامه ثلاثة: العتق، و ضامن الجريرة، و الإمام. و تمام الكلام في المسألة يطلب من محله. و فيه:

" الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ"

(1)

وَ رُوِيَ" كَلُحْمَةِ الثَّوْبِ"

قيل في النسب بالضم و في الثوب بالضم و الفتح، و قيل بالفتح وحده، و قيل فيهما بالفتح، و معناه المخالطة في الولاء و إنها تجري النسب في الميراث كما تخالط اللحمة سدى الثوب حتى تصير كالشى‌ء الواحد لما بينهما من المداخلة الشديدة. و فيه:

" الزَّكَاةِ لِأَهْلِ

الْوَلَايَةِ

"

(2)

و فسرت بالذين يتولون الأئمة الاثني عشر (ع). و فيه:

" بَنِي الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسَ"

منها الولاية." الولاية" بالفتح: محبة أهل البيت و أتباعهم في الدين و امتثال أوامرهم و نواهيهم، و التأسي بهم في الأعمال و الأخلاق، و أما معرفة حقهم و اعتقاد الإمامة فيهم فذلك من أصول الدين لا من الفروع العملية. و" الْوَلِيُّ"* من أسمائه تعالى، و هو الناصر ينصر عباده المؤمنين، و قيل المتولي لأمور العالم و الخلائق القائم بها، و أصل الكلمة من الولي و هو القرب، يقال:" تباعد بعد ولي أي بعد قرب. و" الوالي" أيضا من أسمائه تعالى، و هو المالك للأشياء المتولي‌

____________

(1). الإستبصار ج 4 ص 24.

(2). الكافي ج 3 ص 545.

463

أمرها المتصرف فيها. و" الولاية" تشعر بالتدبير و القدرة و الفعل، و ما لم يجتمع فيها ذلك لم يطلق عليها اسم الوالي.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" مِنْ تَرَكَ الْحَجِّ كَانَ عَلَى الْوَالِي جَبْرُهُ"

(1)

أراد به الحاكم المتأمر عليهم. و ألى أليا مثل أتى أتيا: إذا حلف، فهو مولى. و آلى يولي إيلاء: إذا حلف مطلقا، و شرعا هو الحلف على ترك وطي الزوجة الدائمة المدخول بها أبدا أو مطلقا، و الفرق بين الإيلاء و اليمين أن الإيلاء لا بد و أن يكون فيه ضرر على الزوجة و لا ينعقد بدونه فيكون يمينا، و ينعقد في كل موضع ينعقد فيه اليمين. و آلى من نسائه: حلف أن لا يدخل عليهن، و عداه بمن حملا على معنى الامتناع. و الولاة جمع ولي، و هو من يوالي الإنسان و ينضم إليه و يكون من جملته و أتباعه و الناصرين له. و والى بين الشيئين: تابع. و يتوالى عليه الشهران: تتابع. و استولى عليه الشي‌ء: بلغ الغاية. و التولية في البيع: هو أن يشتري الشي‌ء و يوليه غيره برأس ماله. و" أولى أن يزيد على كذا" أي قارب أن يزيد عليه. و" فلان أولى بكذا" أي أحرى به و أجدر. و يقال: هو الأولى و هم الأوالي و الأولون مثل الأعلى و الأعالي و الأعلون. و تقول في المرأة: هي الوليا و هما الولييان و هن الولي، و إن شئت قلت: الولييات مثل الكبرى و الكبريات- قاله في المصباح.

____________

(1) في من لا يحضر ج 2 ص 259 و الكافي ج 4 ص 272: لو أن الناس تركوا الحج لكان على الوالي أن يجبرهم.

464

و الولي: ضد العدو، و الأولياء: ضد الأعداء.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَوْلِيَائِنَا" وَ أصدقائنا.

و" كل مما يليك" أي مما يقاربك.

وَ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عَنِ النَّبِيِّ (ص)

:" مَنْ كُنْتُ

مَوْلَاهُ

فَعَلِيٌّ

مَوْلَاهُ

"

(1)

قيل في معناه: أي من أحبني و تولاني فليحبه و ليتوله، و قيل أراد ولاء الإسلام كقوله تعالى: ذٰلِكَ بِأَنَّ اللّٰهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا

وَ قَوْلَ عُمَرَ

:" أَصْبَحْتَ مَوْلَايَ وَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ".

و في معاني الأخبار:" المولى في اللغة يحتمل أن يكون مالك الرق كما يملك المولى عبده و له أن يبيعه أو يهبه، و يحتمل أن يكون المعتق من الرق، و يحتمل أن يكون المولى المعتق، و هذه الأوجه الثلاثة مشهورة عند الخاصة و العامة، فهي ساقطة في قول النبي (ص) لأنه لا يجوز أن يكون عنى‌

بِقَوْلِهِ

:" مِنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ"

واحدة منها لأنه لا يملك بيع المسلمين و لا عتقهم من رق العبودية و لا أعتقوه (ع)، و يحتمل أيضا أن يكون المولى ابن العم، قال الشاعر (2):

مهلا بني عمنا مهلا موالينا * * * لم تظهرون لنا ما كان مدفونا

و يحتمل أن يكون المولى العاقبة، قال الله عز و جل: مَأْوٰاكُمُ النّٰارُ هِيَ مَوْلٰاكُمْ أي عاقبتكم و ما يئول بكم الحال إليه، و يحتمل أن يكون المولى لما يلي الشي‌ء مثل خلفه و قدامه، قال الشاعر (3):

فغدت كلا الفرجين تحسب أنه

____________

(1). هذا الحديث مذكور في الكافي ج 1 ص 287 و ج 4 ص 566 و من لا يحضر ج 2 ص 335.

(2). لسان العرب (ولي) و فيه: امشوا رويدا كما كنتم تكونونا بدلا عن الشطر الثاني في البيت

(3). لسان العرب (ولي.

465

مولى المخافة خلفها و أمامها

و لم نجد أيضا شيئا من هذه الأوجه يجوز أن يكون النبي (ص) عناه‌

بِقَوْلِهِ

:" فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ"

لأنه لا يجوز أن يقول: من كنت ابن عمه فعلي ابن عمه، لأن ذلك معروف و معلوم و تكريره على المسلمين عبث و بلا فائدة، و ليس يجوز أن يعني به عاقبة أمرهم و لا خلف و لا قدام لأنه لا معنى له و لا فائدة. و وجدنا اللغة تجيز أن يقول الرجل:" فلان مولاي" إذا كان مالك طاعته، فكان هذا هو المعنى الذي عناه النبي (ص)

بِقَوْلِهِ

:" فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ"

(1)

.

(وما)

فِي الْحَدِيثَ

:"

أَوْمَأَ

لِلرُّكُوعِ وَ السُّجُودِ"

(2)

أي أشار، من قولهم:" أومأت إليه" أي أشرت، و لا تقل:" أوميت"، و يقال:" ومأت ومأ" بالتحريك، و" وم‌ءا" بالسكون لغة.

(ونا)

قوله تعالى: وَ لٰا تَنِيٰا فِي ذِكْرِي [20/ 42] أي لا تفتروا عن ذكري و تنسيان، و يراد بالذكر الرسالة. و الوني: الفتور و التقصير. يقال: ونيت في الأمر أني ونى و ونيا أي ضعفت، فأنا وان. و توانى في الأمر: ترفق و تمهل فيه و لم يعجل، و الاسم" الأناة" بالفتح، و منه قوله:

مساميح الفعال ذوو أناة * * * مراجيح و أوجههم وضاء

أي أصحاب تمكث فيه و حلم. و" الله تعالى حليم ذو أناة" أي لم يعجل على أهل المعاصي بالعقوبة.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:

" فتانه

"

بهاء السكت. و يمكن تنزيله على الحذف و الإيصال، أي تان فيه و لا تعجل.

____________

(1). انظر معاني الأخبار ص 68.

(2). من لا يحضر ج 1 ص 236.

466

(وها)

قوله تعالى: فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وٰاهِيَةٌ [69/ 16] أي ضعيفة جدا، من قولهم للسقاء إذا انفتق خرزه:" قد وهى يهي" و المعنى أنها واهية مسترخية ساقطة القوة بانتقاض بنيتها بعد أن كانت مستمسكة محكمة.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" الْمُؤْمِنِ

وَاهَ

راقع"

أي مذنب تائب، قالوا: هي المذنب الذي يذنب فيصير بمنزلة السقاء الواهي الذي لا يمسك الماء شبه الزال الخاطى‌ء به، و الراقع الذي يتوب فيرقع ما وهى بالتوبة، و‌

يُرْوَى

" موه راقع".

و فيه:

" الْفَأْرَةِ

تُوهِي

السَّقَّاءِ"

أي تخرقه. و فيه:

" نَتَفَ الْإِبْطِ [يُضْعِفُ الْمَنْكِبَيْنِ]

يُوهِي

وَ يُضْعِفُ الْبَصَرِ"

(1)

كأن المعنى يوهي المنكبين و يضعف البصر.

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع) مَعَ الرِّجْلَيْنِ

:"

وَاهاً

لَهُمَا فَقَدْ نَبْذاً الْكِتَابِ جُمْلَتُهُ"

قيل: معنى هذه الكلمة التهلف و قد توضع موضع الإعجاب بالشي‌ء، يقال:" واها له". و قد ترد بمعنى التوجع يقال فيه:" آها"، و منه‌

قَوْلِهِ

:" إِنْ يَكُنْ خَيْراً فواها وَاهاً وَ إِنْ يَكُنْ شَرّاً فواها وَاهاً".

وَ فِي الْحَدِيثَ

:"

آها

أَبَا حَفْصِ"

هي كلمة تأسف، و انتصابها على إجرائها مجرى المصادر، كأنه قال:" تأسف أسفا" و أصل الهمز واو.

(ويا)

قوله تعالى: وَيْكَأَنَّ اللّٰهَ [28/ 82] قيل: وي كلمة تعجب و كأن للتشبيه، يقال:" ويك" و" وي لعبد الله" قال الجوهري: و قد تدخل" وي" على كأن المخففة و المثقلة. و عن قطرب أن" وي" كلمة تفجع و" كأن" حرف تشبيه، و عن‌

____________

(1). مكارم الأخلاق ص 65.

467

الخليل" ويك" كلمة و" أن" كلمة أخرى، و عن الفراء: سقط ابن الأعرابي في الركية، فقال: ويكأنه ما أخطأ الركية، فجعلها كلمة موصولة.

باب ما أوله الهاء

الهاء المفردة

حرف من حروف المعجم، و هي من حروف الزيادات، فتزاد في الوقف لبيان الحركة نحو" لمه" و" سُلْطٰانِيَهْ" و" مٰالِيَهْ" و" ثمه" و" مه" يعني ثم ما ذا. قال بعض المفسرين في كِتٰابِيَهْ [69/ 19] و مٰالِيَهْ [69/ 28]: حق الهاء أن تسقط في الوصل و قد استحق الوقف إيثارا لثبات الهاء آت في المصحف. قال الجوهري: و تزاد في كلام العرب للفرق بين الفاعل و الفاعلة مثل ضارب و ضاربة، و المذكر و المؤنث في الجنس مثل امرى‌ء و امرأة، و بين الواحد و الجمع نحو بقرة و بقر، و لتأنيث اللفظة و إن لم تكن تحتها حقيقة تأنيث نحو قربة و غرفة، و للمبالغة نحو علامة و نسابة و هذا مدح و هلباجة و فقاقة و هذا ذم. قال: و ما كان منه مدحا يذهبون بتأنيثه إلى تأنيث الغاية و النهاية و الداهية، و ما كان ذما يذهبون به إلى تأنيث البهيمة، و ما كان واحدا من جنس يقع على الذكر و الأنثى نحو بطة و حية. قال: و تدخل على الجمع لثلاثة أوجه: (أحدها) أن تدل على النسب نحو المهالبة. (و الثاني) أن تدل على العجمة نحو‌

468

كيالجة (1). (و الثالث) أن تكون عوضا من حرف محذوف نحو المرازنة و الزنادقة و العبادلة، و هم عبد الله بن عباس و عبد الله بن عمر و عبد الله بن الزبير، و قد تكون الهاء عوضا من الواو الذاهبة من فاء الفعل نحو" عدة و صفة" و قد تكون عوضا من الواو و الياء الذاهبة من عين الفعل نحو" ثبة الحوض" أصله من ثاب الماء يثوب ثوبا، و قولهم:" أقام إقامة" و أصله إقواما. و قد تكون عوضا من الياء الذاهبة من لام الفعل نحو" برة"- انتهى (2). و قد تكون كناية عن الغائب و الغائبة نحو ضربه و ضربها.

(ها)

قوله تعالى: هٰاؤُمُ اقْرَؤُا كِتٰابِيَهْ [69/ 19] أي خذوا كتابي و انظروا ما فيه لتقفوا على نجاتي و فوزي، يقال للرجل:" ها" أي خذ، و للاثنين" هاؤما" و للرجال" هاؤم". و من العرب من يقول:" هاك" للواحد و" هاكما" للاثنين و" هاكم" للجماعة.

وَ فِي الْخَبَرِ

:" لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا

هَا

وَ

هَا

"

(3)

قال الهروي: اختلف في تفسيره، و ظاهر معناه أن يقول كل واحد من البيعين:" ها" فيعطيه ما في يده. و قيل معناه هاك و هات، أي خذ و أعط، و هو مثل." إلا يدا‌

____________

(1). العبارة في الصحاح هكذا:" و الثاني تدل على العجمة نحو الموازجة و الجواربة، و ربما لم تدخل فيها الهاء كقولهم: كيالج".

(2). منقول من الصحاح (ها) باختصار و تصرف.

(3). انظر الحديث و شرحه في النهاية (ها).

469

بيد" (1). و قال غيره:" ها" هنا صوت يصوت به فيفهم معنى خذ، و كرر اللفظ اعتبارا بحال المتقابضين للجنسين، و هو قوله:" يدا بيد". و فيه أربع لغات: ها بالقصر، و هاء بفتح الهمزة، و هاء بكسرها، و هاء بسكون الألف.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:

" هاها"

قيل: هو كناية عن التأوه. و فيه:

" يَنْتَحِبُ الشَّيْخُ بنشيج"

أي بصوت" ها ها ها" (2).

وَ فِي حَدِيثٍ تعداد الْأَئِمَّةِ

:" ثُمَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ثُمَّ

هَهْ

"

قال رجل: سألت أهل العربية عن تفسير" هه" فقال: هه بلغه بني فلان أنا. و" ها" حرف تنبيه، تقول: ها أنتم هؤلاء، تجمع بين التنبيهين للتوكيد، و هو غير مفارق لأي، تقول: يا أيها الرجل. و قد يكون جوابا للنداء يمد و يقصر، و قد يكون زجرا للإبل، و هو مبني على الكسر إذا مددت، و قد يقصر و قد ورد في الرواية كذلك. و يكون مقصورة للتقريب فتقول:" ها أنا ذا". و إن قيل لك: أين فلان؟ قلت إذا كان قريبا: ها هو ذا، و إن كان بعيدا: ها هو ذاك.

وَ فِي الدُّعَاءِ

" هَا أَنَا ذَا بَيْنَ يَدَيْكَ".

(هبا)

قوله تعالى: وَ قَدِمْنٰا إِلىٰ مٰا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنٰاهُ هَبٰاءً مَنْثُوراً [25/ 23] قال الشيخ أبو علي: ليس هنا قدوم و لكن شبه حالهم و أعمالهم التي عملوها في كفرهم من صلة رحم و قرء ضيف و إغاثة ملهوف و غيرها من المكارم بحال قوم عصوا ملكهم فقدم إلى أشيائهم و أملاكهم فأبطلها و لم يترك لها أثر" و الهباء:" ما يخرج من الكوة‌

____________

(1). وردت هذه الجملة في حديث عن أمير المؤمنين (ع) و مذكورة في الإستبصار ج 3 ص 93.

(2). الكافي ج 8 ص 77.

470

مع ضوء الشمس شبيه الغبار، و مَنْثُوراً صفة للهباء. و فيما صح‌

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ

:" يَبْعَثُ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَوْماً بَيْنَ أَيْدِيهِمْ نُوراً كَالْقَبَاطِيِّ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: كُنَّ

هَبٰاءً مَنْثُوراً

" ثُمَّ قَالَ:" يَا أَبَا حَمْزَةَ إِنَّهُمْ كَانُوا يَصُومُونَ وَ يُصَلُّونَ وَ لَكِنْ إِذَا عَرَضَ لَهُمْ شَيْ‌ءٌ مِنَ الْحَرَامِ أَخَذُوهُ وَ إِذَا ذَكَرَ لَهُمْ شَيْ‌ءٌ مِنْ فَضْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْكَرُوهُ"

(1)

.

(هجا)

الهجاء: خلاف المدح. و هجا القوم: ذكر معايبهم. و المرأة تهجو زوجها: أي تذم صحبته. و" الهجاء" ككساء: تقطيع اللفظ بحروفها (2). قال الشيخ أبو علي: جميع الحروف التي تتهجى بها عند المحققين أسماء مسمياتها حروف الهجاء التي يتركب منها الكلام، و حكمها أن تكون موقوفة كأسماء الأعداد، يقال: ألف لام ميم كما يقال: واحد اثنان ثلاثة، و إذا وليتها العوامل عربت فتقول: هذا ألف و كتبت لاما و نظرت إلى ميم- انتهى.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" إِذَا أَفْنَى اللَّهُ الْأَشْيَاءَ أَفْنَى الصُّورَةَ وَ الْهِجَاءَ وَ التَّقْطِيعَ".

و فيه:

جَاءَ يَهُودِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ (ص) [وَ عِنْدَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع)] فَقَالَ لَهُ: مَا الْفَائِدَةُ فِي حُرُوفُ الْهِجَاءِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) لِعَلِيٍّ (ع): أَجِبْهُ [وَ قَالَ: اللَّهِ وَفَّقَهُ وَ سَدَّدَهُ]، فَقَالَ عَلِيُّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع): مَا مِنْ حَرْفٍ إِلَّا وَ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا الْأَلْفِ فَاللَّهُ الَّذِي

لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ*

، وَ أَمَّا الْبَاءِ فباق بَعْدَ فَنَاءِ خَلْقِهِ، وَ أَمَّا التَّاءُ فالتواب يَقْبَلُ

____________

(1). البرهان ج 3 ص 158.

(2). قال في الصّحاح (هجا): و هجوت الحروف هجوا و هجاء، و هجيتها تهجية، و تهجيت كلّه بمعنى.

471

التَّوْبَةِ مِنْ عِبَادِهِ، وَ أَمَّا الثَّاءِ فالثابت الكائن

يُثَبِّتُ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّٰابِتِ

، وَ أَمَّا الْجِيمُ فجل ثَنَاؤُهُ وَ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ، وَ أَمَّا الْحَاءُ فَحَقَّ حَيٌّ حَلِيمٌ، وَ أَمَّا الخاء فخبير بِمَا يَعْمَلُ الْعِبَادِ، وَ أَمَّا الدَّالُّ فديان يَوْمَ الدِّينِ، وَ أَمَّا الذَّالِ فَ‍

ذُو الْجَلٰالِ وَ الْإِكْرٰامِ

، وَ أَمَّا الرَّاءُ فرءوف بِعِبَادِهِ، وَ أَمَّا الزَّايُ فزين المعبودين، وَ أَمَّا السِّينَ فالسميع الْبَصِيرُ، وَ أَمَّا الشَّيْنِ فالشاكر لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَ أَمَّا الصَّادُ فصادق وَعْدَهُ وَ وَعِيدِهِ، وَ أَمَّا الضَّادِ فالضار النَّافِعُ، وَ أَمَّا الطَّاءُ فالطاهر الْمُطَهَّرِ، وَ أَمَّا الظاء فَالظَّاهِرُ الْمُظْهِرِ لآياته، وَ أَمَّا الْعَيْنِ فعالم بِعِبَادِهِ، وَ أَمَّا الغين فغياث الْمُسْتَغِيثِينَ، وَ أَمَّا الْفَاءُ ففالق الْحُبُّ وَ النَّوَى، وَ أَمَّا الْقَافُ فقادر عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ، وَ أَمَّا الْكَافُ فالكافي الَّذِي

لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ

[وَ

لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ

] وَ أَمَّا اللَّامُ فَ‍

لَطِيفٌ بِعِبٰادِهِ

، وَ أَمَّا الْمِيمُ فمالك الْمَلِكِ، وَ أَمَّا النُّونُ فَ‍

نُورُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ

مِنْ نُورٍ عَرْشِهِ، وَ أَمَّا الْوَاوُ فَوَاحِدٌ صَمَدُ

لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ

، وَ أَمَّا الْهَاءِ فهاد لِخَلْقِهِ، وَ أَمَّا اللا فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ

لٰا شَرِيكَ لَهُ

، وَ أَمَّا الْيَاءُ فَيَدُ اللَّهِ بَاسِطَةً عَلَى خَلْقِهِ

(1)

.

و" هذا على هجا هذا" أي على شكله.

(هد)

قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرٰاطَ الْمُسْتَقِيمَ [1/ 6] أي ادللنا عليه و ثبتنا عليه.

وَ عَنِ الصَّادِقِ (ع)

:" أَرْشِدْنَا لِلُزُومِ الطَّرِيقِ الْمُؤَدِّي إِلَى مَحَبَّتِكَ وَ الْمُبَلِّغِ إِلَى جَنَّتِكَ وَ الْمَانِعِ مِنْ أَنْ نَتَّبِعَ أَهْوَاءَنَا فَنَعْطَبَ أَوْ نَأْخُذَ بِآرَائِنَا فَنَهْلِكَ"

(2)

.

قوله تعالى: وَ لَوْ شِئْنٰا لَآتَيْنٰا كُلَّ نَفْسٍ هُدٰاهٰا [32/ 13] أي على‌

____________

(1). معاني الأخبار ص 44 و الزيادات التي بين قوسين منه.

(2). البرهان ج 1 ص 51، و فيه" و المبلغ دينك" بدل" و المبلغ إلى جنتك".

472

طريق القصر و الإجبار لا على طريق التكليف و الاختيار. قوله تعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدٰايَ فَلٰا يَضِلُّ وَ لٰا يَشْقىٰ [20/ 123] أراد بالهدى الكتاب و الشريعة.

وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

: ضَمِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمَنْ تَبِعَ الْقُرْآنِ لَا يَضِلُّ فِي الدُّنْيَا وَ لَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ

، ثم تلا الآية. قوله تعالى: وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ [42/ 52] و معناه الدلالة، و مثله فَاهْدُوهُمْ إِلىٰ صِرٰاطِ الْجَحِيمِ [37/ 23]، و قوله: قُلِ اللّٰهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ [10/ 35] و قوله: إِنَّ هٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [17/ 9] و قوله: إِنَّ عَلَيْنٰا لَلْهُدىٰ [92/ 12] و قوله: أَوْ أَجِدُ عَلَى النّٰارِ هُدىً [20/ 10] و قوله: وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدٰاهُمْ [9/ 115] كل ذلك بمعنى الدلالة، و كذا قوله: وَ هَدَيْنٰاهُ النَّجْدَيْنِ [90/ 10] لأن الآية واردة في معرض الامتنان، و لا يمن بالإيصال إلى طريق الشر، و مثله‌

إِنّٰا هَدَيْنٰاهُ السَّبِيلَ إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً

[76/ 3] أَيُّ عَرَفْنَاهُ إِمَّا آخِذٌ وَ إِمَّا تَارِكُ-

كَذَا رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ (ع) (1)

.

قال بعض الأفاضل: و بهذا يظهر ضعف التفصيل بأن الهداية إن تعدت إلى المفعول الثاني بنفسها كانت بمعنى الدلالة الموصلة إلى المطلوب، و إن تعدت باللام أو إلى كانت بمعنى الدلالة على ما يوصل. قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهٰا أَنْ لَوْ نَشٰاءُ أَصَبْنٰاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ [7/ 100] قال الشيخ أبو علي: المعنى: أو لم يهد للذين يخلفون من خلا قبلهم في ديارهم و يرثونهم أرضهم هذا الشأن و هو أنا لو أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم و أهلكناهم كما أهلكنا أولئك. و قرى‌ء أ و لم‌

____________

(1). البرهان ج 4 ص 419.

473

نهد بالنون و على ذلك فيكون أَنْ لَوْ نَشٰاءُ أَصَبْنٰاهُمْ منصوب الموضع، بمعنى أ و لم نبين لهم هذا الشأن، و لذلك عديت الهداية باللام لأنه بمعنى التبيين. قوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [2/ 2] فإن قيل: لم قال هُدىً لِلْمُتَّقِينَ و المتقون مهتدون؟ قلنا: هو مثل قولك للعزيز المكرم:" أعزك الله و أكرمك" تريد طلب الزيادة إلى ما هو ثابت فيه و استدامته كقوله: اهْدِنَا الصِّرٰاطَ الْمُسْتَقِيمَ [1/ 6]. قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ [32/ 26] أي أ و لم يبين لهم. قوله تعالى: وَ جَعَلْنٰاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا [21/ 73] أي يهدون إلى شرائعنا، و يقال: يدعون إلى الإسلام. قوله تعالى: أَنَّ اللّٰهَ لٰا يَهْدِي كَيْدَ الْخٰائِنِينَ [12/ 52] أي لا يمضيه و لا ينفذه، و يقال: لا يصلحه. قوله تعالى: فَبِهُدٰاهُمُ اقْتَدِهْ [6/ 90] يريد بطريقتهم في الإيمان بالله و توحيده و عدله، دون الشرائع فإنها يتطرق إليها النسخ أو بتبليغ الرسالة، و الهاء للوقف. قوله تعالى: وَ أَمّٰا ثَمُودُ فَهَدَيْنٰاهُمْ [41/ 17] أي عرفناهم و بينا لهم الحق و دعوناهم إليه فَاسْتَحَبُّوا الْعَمىٰ عَلَى الْهُدىٰ و هم يعرفون. و الهدى الرشاد و الدلالة و البيان، يذكر و يؤنث. و الهدى هديان: هدى دلالة فالخلق به مهديون، و هو الذي تقدر عليه الرسل، قال تعالى: إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ فأثبت له الهدى الذي معناه الدلالة و الدعوة و البينة. و تفرد هو تعالى بالهدى الذي معناه التوفيق و التأييد كما قال تعالى: إِنَّكَ لٰا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ و قال: إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّٰالِمِينَ* و قال: وَ الَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا و قال: وَ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمٰالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَ يُصْلِحُ

474

بٰالَهُمْ. قوله تعالى: حَتّٰى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [2/ 196] الهدي و الهدي على فعيل لغتان، و هو ما يهدى إلى بيت الله الحرام من بدنة أو غيرها، الواحدة" هدية" و" هدية". قوله تعالى: وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ [27/ 35]

قِيلَ

: بَعَثْتُ حِقَّةٌ وَ فِيهَا جَوْهَرَةٌ عَظِيمَةٌ وَ قَالَتْ لِلرَّسُولِ: قُلْ لَهُ: يَثْقُبُ هَذِهِ الْجَوْهَرَةِ بِلَا حَدِيدَةً وَ لَا نَارٍ، فَأَتَاهُ الرَّسُولِ بِذَلِكَ، فَأَمَرَ سُلَيْمَانَ بَعْضِ جُنُودِهِ مِنْ الدِّيدَانِ فَأَخَذَ خَيْطاً فِي فِيهِ ثُمَّ ثَقْبِهَا وَ أَخْرَجَ الْخَيْطِ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ

(1)

.

و‌

عَنْ الزَّمَخْشَرِيُّ

: أَنَّهَا بَعَثْتُ إِلَى النَّبِيِّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ (ع) خَمْسُمِائَةِ غُلَامٌ عَلَيْهِمْ ثِيَابِ الْجَوَارِي وَ حلاهن وَ خَمْسُمِائَةِ جَارِيَةً عَلَى زِيِّ الْغِلْمَانِ وَ كُلِّهِمْ عَلَى سروج الذَّهَبِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ أَلْفَ لَبِنَةٌ مِنْ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ تَاجاً مُكَلَّلًا بِالدُّرِّ وَ الْيَاقُوتِ وَ الْمِسْكَ وَ الْعَنْبَرُ وَ حَقّاً فِيهِ دُرَّةٍ سَمِينَةً وَ جزعة مُعْوَجَّةَ الثَّقْبِ، وَ بَعَثْتُ إِلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِنْ أَشْرَافُ قَوْمِهَا وَ هُمَا مُنْذِرِ بْنِ عَمْرٍو وَ أخردار وَ هُمَا ذَوَا عَقَلَ وَ قَالَتْ: إِنْ كَانَ نَبِيّاً مَيَّزَ بَيْنَ الْغِلْمَانِ وَ الْجَوَارِي وَ ثَقَبَ الدُّرَّةِ ثقبا مُسْتَوِياً وَ سَلَكَ فِي الْخَرَزَةُ خَيْطاً، ثُمَّ قَالَتْ للمنذر: إِنْ نَظَرَ إِلَيْكَ نَظَرَ غَضْبَانُ فَهُوَ مَلَكٍ فَلَا يهولنك أَمَرَهُ وَ إِنْ رَأَيْتُهُ بشا لَطِيفاً فَهُوَ نَبِيٍّ، فَأَعْلَمَ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيِّهِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ (ع) بِذَلِكَ فَأَمَرَ الْجِنِّ فضربوا لَبَنِ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ فرشوها فِي مَيْدَانِ طُولُهُ سَبْعَةَ فَرَاسِخَ وَ أَخْطَئُوا مَكَانَ أَلْفَ لَبِنَةٌ، فَلَمَّا وَصَلَا إِلَيْهِ مَيَّزَ الْغِلْمَانِ مِنْ الْجَوَارِي وَ ثَقَبَ الْجَذَعَةُ وَ سَلَكَ فِي ثَقْبِهَا خَيْطاً وَ فُرِشَ اللَّبَنِ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ الَّتِي تَرَكُوهَا خَالِيَةً كَأَنَّ تِلْكَ اللَّبِنَةَ سُرِقَتْ مِنْ ذَلِكَ اللَّبَنِ وَ قَدْ تَلْقَاهُ بِاللُّطْفِ وَ الْبَشَاشَةَ

(2)

____________

(1). انظر البرهان ج 3 ص 198.

(2). هذه القصة مذكورة عن ابن عباس انظر قصص الأنبياء للجزائري ص 529

475

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" اللَّهُمَّ

اهْدِنِي

فِيمَنْ

هَدَيْتَ

"

أي اجعل لي نصيبا وافرا من من الاهتداء معدودة في زمرة المهتدين من الأنبياء و الأولياء.

وَ فِيهِ

:" اللَّهُمَّ اهْدِنِي مِنْ عِنْدَكَ"

قيل: يمكن أن يراد بالهداية هنا الدلالة الموصلة إلى المطلوب و هو الفوز بالجنة و محو آثار العلائق الجسمانية و قصر العقل على عبادة الرحمن و اكتساب الجنان. و" الهادي" من أسمائه تعالى، و هو الذي بصر عباده و عرفهم طريق معرفته حتى أقروا بربوبيته، و هدى كل مخلوق إلى ما لا بد له منه في بقائه و دوام وجوده. و" الهادي" الدليل، و منه قوله تعالى: وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هٰادٍ [13/ 7]. و" الهادي" علي بن محمد الجواد (1). و الهادي: العنق، سمي بذلك لأنه يهدي الجسد. و هوادي الخيل: أوائلها.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" وَ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشِّرْكِ وَ

هَوَادِيهِ

"

أي أوائله و هواديه. و" أهديت له" و" أهديت إليه" من الهدية واحدة الهدايا. و" الهداء" بالكسر مصدر قولك: هديت العروس إلى بعلها هداء فهي مهداة، و قد هديت إليه. و التهادي: أن يهدي بعضهم إلى بعض، و منه‌

الْحَدِيثَ

:" تَهَادَوْا تَحَابُّوا"

(2)

.

و‌

كَانَ النَّبِيُّ (ص)

يَسْتَهْدِي

مَاءَ زَمْزَمَ وَ هُوَ بِالْمَدِينَةِ

، أي يستدعي أن يهدى إليه ذلك. و المهدي: من هداه الله إلى الحق. و" الْمَهْدِيِّ" اسْمُ لِلْقَائِمِ مِنْ آلِ‌

____________

(1). ولد (ع) بصريا بمدينة الرّسول (ص) للنّصف من ذي الحجّة سنة 212 و توفّي بسرّ من رأى في رجب سنة 254. انظر ترجمته في الإرشاد للمفيد ص 307.

(2). الكافي ج 5 ص 144.

476

مُحَمَّدِ (ع) الَّذِي بِشْرٍ (ص) بِمَجِيئِهِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَ جَوْراً الَّذِي يَجْتَمِعُ مَعَ عِيسَى (ع) بالقسطنطينية يملك العرب و العجم و يقتل الدجال، و هو محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب زوج البتول و ابن عم الرسول، أقر بظهوره المخالف و المؤالف و تواترت الأخبار بذلك (1). اللهم عجل فرجه و أرنا فلجه و اجعلنا من أتباعه و أنصاره. و المهدي ولد المنصور من خلفاء العباسية (2).

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" وَ اجْعَلْهُ هَادِياً مَهْدِيّاً"

قيل: فيه تقديم و تأخير لأنه لا يكون هاديا حتى يهتدي.

وَ فِي الْخَبَرَ

:" خَرَجَ مِنْ مَرِضَ مَوْتِهِ وَ هُوَ

يهادي

بَيْنَ رَجُلَيْنِ"

أي يمشي بينهما معتمدا عليهما من ضعفه و تمايله. و" الهدي" كتمر: الهيئة و السيرة و الطريقة، و منه قولهم: هدى هدي فلان.

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:" كُنْتُ أَشْبَهَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ (ص) هَدْياً"

، و مثله:

" وَ رَغِبُوا عَنْ هَدْيٌ رَسُولُ اللَّهِ".

و" فلان حسن السمت و الهدي" كأنه يشير بالسمت إلى ما يرى على الإنسان من الخشوع و التواضع لله، و بالهدي ما يتحلى به من السكينة و الوقار و إلى ما يسلكه من المذهب المرضي.

وَ فِي الْخَبَرَ

:" الْهَدْيِ وَ السَّمْتِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَ عِشْرِينَ جُزْءاً مِنْ

____________

(1). انظر ما يتعلّق بالمهديّ المنتظر الكافي ج 1 ص 328- 343.

(2). هو أبو عبد اللّه محمّد بن المنصور، ثالث الخلفاء العبّاسيّين، ولد بأيذج سنة 227، و قيل سنة 226 و توفّي سنة 267. انظر ترجمته في تاريخ الخلفاء للسّيوطيّ ص 271- 279.

477

النُّبُوَّةِ".

(هذا)

هذى في منطقه يهذي و يهذو هذوا و هذيانا: إذا تكلم بكلام لا ربط له. و الهذيان للمريض مستلزم لشدة الوجع.

(هرا)

" الهراة" بالفتح: مدينة مشهورة بخراسان، و النسبة إليها" هروي"، و منه معاذ الهراء لأنه كان يبيع الثياب الهروية و الجراب الهروي و نحوه. و" هرات اللحم" إذا جدت إنضاجه فتهرى حتى سقط إنضاجه، فهو" هري".

(هزا)

قوله تعالى: لٰا تَتَّخِذُوا آيٰاتِ اللّٰهِ هُزُواً [2/ 231] أي بالإعراض و التهاون عن العمل بما فيها، من قولهم لمن لم يجد في الأمر:" أنت هازى‌ء". قيل: كان الرجل في الجاهلية يطلق أو يعتق أو ينكح ثم يقول:" كنت لاعبا" فأنزل الله تعالى: لٰا تَتَّخِذُوا آيٰاتِ اللّٰهِ هُزُواً. و الهزء و الهزؤ: (1) السخرية و الاستخفاف، يعدى بالباء فيقال: هزأت به و استهزأت به سخرت، و يقال: هزأت منه أيضا. قوله تعالى: اللّٰهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [2/ 15] قال الزمخشري: فإن قلت: لا يجوز الاستهزاء على الله تعالى لأنه متعال عن القبيح و السخرية من باب العيب و الجهل، ألا ترى إلى قوله: أَ تَتَّخِذُنٰا هُزُواً قٰالَ أَعُوذُ بِاللّٰهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجٰاهِلِينَ فما معنى استهزائه بهم؟ قلت: معناه إنزال الهوان و الحقارة بهم، لأن المستهزى‌ء غرضه الذي يرميه هو طلب الخفة و الزراية ممن يهزأ به و إدخال الهوان و الحقارة عليه، و الاشتقاق شاهد لذلك (2).

وَ فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ

:" فَقَالَ لَهُ

____________

(1). بسكون الزّاي في الأوّل و ضمّها في الثّاني.

(2). الكشّاف ج 1 ص 51.

478

رَسُولُ اللَّهِ (ص) وَ هُوَ يَهْزَأُ بِهِ"

قيل: أراد به نوعا من المؤانسه و المطايبة في الكلام لشدة الألفة بينهما لا تحقيقه، لأنه لا يليق منه (ص) ذلك و لو قدر صدوره عنه (ص) بالنسبة إلى بعض الأفراد بعد صدوره منه إلى عمار الذي هو من أعيان الصحابة، فتعين أنه نوع من المزاح، و لا قصور فيه بغير باطل كيف و قد‌

رُوِيَ عَنْهُ (ص)

:" أَمْزَحُ وَ لَا أَقُولُ إِلَّا الْحَقَّ".

و‌

حَدِيثٍ

" لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَجُوزٌ"

مشهور.

(هفا)

فِي الدُّعَاءِ

:" اللَّهُمَّ ارْحَمْ

الهفوة

"

هي بفتح و إسكان الفاء: الزلة يقال: هفا يهفو هفوة. و هفا الشي‌ء في الهواء: إذا ذهب كالصوفة و نحوها. و هفوات اللسان: سقطاته. و الهفو: الجوع. و" رجل هاف" أي جائع.

(هما)

" همى الدمع و الماء يهمي" من باب رمى هميا و هميانا: سال. و الهما: انصباب الدمع و نحوه متتابعا.

(هنا)

قوله تعالى: هَنِيئاً مَرِيئاً [4/ 4] أي طيبا سائغا، يقال:" هنأني و مرأني" فإذا أفردت قلت:" أمرأني" بالألف. و هنؤ الطعام يهنؤ هناءة أي صار هنيئا، و كذلك هنى‌ء بالكسر مثل فقه و فقه- نقلا عن الأخفش قال: و هنأني الطعام يهنئني و يهنأني و لا نظير له في المهموز هناء و هناء، و تقول:" هنأت الطعام" أي تهنأت به. و كل أمر يأتيك بغير تعب فهو هني‌ء، و منه" أعطني الفرج الهني‌ء". و الهني‌ء: اللذيذ الذي لا آفة فيه، و المري‌ء: السهل المأمون الغائلة.

وَ قَوْلُهُ (ع)

:" لَكَ

الْمَهْنَأُ

وَ عَلَيْهِ

479

الْوِزْرُ"

أي يكون أكلك له هنيئا لا تؤخذ به و وزره على من كسبه. و التهنئة خلاف التعزية. و هنأته بالولادة تهنئة. و هنأت الرجل: إذا أعطيته: و الاسم" الهني‌ء" بالكسر. و" هانى‌ء" اسم رجل (1). و أم هانى‌ء بنت أبي طالب (2).

وَ فِي حَدِيثٍ الْمَيِّتِ

:" يُوضَعُ دُونَ قَبْرِهِ هُنَيْئَةً لِيَأْخُذَ أُهْبَتَهُ لِأَنَّ لِلْقَبْرِ هَيْبَةً.

و" هنية" بضم الهاء و فتح النون و تشديد الياء المثناة التحتانية: الزمان اليسير: و منه" مكثت هنية"، و في بعض النسخ" هنيهة" بثلاث هاءات، و هو أيضا صحيح فصيح، و أما هنيئة فغير صواب- قاله في القاموس. و" هن" كأخ كلمة كناية عن اسم الجنس، و معناه شي‌ء، و الأنثى" هنة".

وَ قَوْلُهُ (ع) فِي أَمَرَ الْخِلَافَةَ

:" فصغا

____________

(1). هو هانى‌ء بن عروة المراديّ المذحجي، كان شيخ مراد و زعيمها يركب في أربعة آلاف دارع و ثمانية آلاف راجل، كان من أشراف أهل الكوفة و أعيان الشّيعة، و كان له من العمر يوم استشهد تسع و ثمانين، أضاف مسلم بن عقيل و ذبّ عنه و تحمل من الأذى في جنبه ما لا يتحمله أحد لغير اللّه سبحانه، و دافع عن مسلم دفاعا صارما حتّى قتله ابن زياد لذلك. انظر ترجمته في تنقيح المقال ج 3 ص 289.

(2). و اسمها فاختة أو فاطمة أو هند و الأوّل أشهر، كانت زوج هبيرة بن عمرو عائذ المخزوميّ، خطبها النّبيّ (ص) فقالت:" و اللّه إنّي كنت لأحبّك في الجاهليّة فكيف في الإسلام، و لكنّي امرأة مصبية فأكره أن يؤذوك" فقال:" خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على ولد". انظر الإصابة ج 4 ص 479.

480

رَجُلٍ مِنْهُمْ لضغنه وَ مَالِ الْآخَرُ لصهره مَعَ هُنَّ وَ هُنَّ"

(1)

قيل: الذي صغا هو سعد لأنه كان منحرفا عنه و تخلف عن أخيه بعد قتل عثمان، و الذي مال إلى صهره هو عبد الرحمن و كانت بينه و بين عثمان مصاهرة (2)،

وَ قَوْلِهِ

:" مَعَ هُنَّ وَ هُنَّ"

يريد أن ميلة لم يكن لمجرد المصاهرة بل لأسباب أخر كنفاسته عليه أو حسد له فكني بهن و هن عنها.

وَ فِي الْخَبَرَ

:" الْقَيِّمُ عَلَى إِبِلٌ الْأَيْتَامِ إِذْ لَاطَ حَوْضَهَا وَ طَلَبَ ضَالَّتَهَا وَ هُنَا جَرَبُهَا فَلَهُ أَنْ يُصِيبَ مِنْ لَبَنِهَا"

يقال:" هنأت البعير أهنأه" إذا طلبته بالهناء و هو القطران، و لاط حوضها: طينه.

وَ فِي حَدِيثٍ النَّبِيِّ (ص)

:" سَتَكُونُ

هناة

وَ

هناة

فَمَنْ رَأَيْتُمُوهُ يَمْشِي إِلَى آلِ مُحَمَّدِ لِيُفَرَّقَ جَمَاعَتَهُمْ فَاقْتُلُوهُ"

أي شرور و فساد، من قولهم:" في فلان هناة" أي خصال شر، و لا يقال في الخير، و واحدة" هنئة"، و قد تجمع على" هنوات"، و قيل:" هنة" تأنيث هن كناية عن كل اسم جنس. و" يا هنتا" أي هذه، و كذا" يا هنا". و أما" هنا" و" هاهنا" فللإشارة إلى مكان قريب، و" هناك" و" هنالك" للبعيد و اللام زائدة و الكاف للخطاب، قال تعالى: هُنٰالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ [10/ 30] أي في ذلك الوقت، و هو من أسماء المواضع و تستعمل في أسماء الأزمنة. و يقال في النداء خاصة:" يا هناه" بزيادة هاء في آخره تصير تاء في الوصل، و المعنى يا فلان.

(هوا)

قوله تعالى: وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَوٰاءٌ [14/ 43] أي خالية، و قيل جوف لا عقول فيها، و قيل متخرقة لا تعي شيئا‌

____________

(1). من الخطبة الشقشقية.

(2). هذا القول للقطب الراوندي ذكره ابن أبي الحديد في شرحه ج 1 ص 36.

481

و كل متخرق فهو هواء. قوله تعالى: وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوىٰ [20/ 81] أي هلك، و أصله أن يسقط من جبل كما قيل:" هوى من رأس مرقته" و هي الموضع المشرف، أو سقط سقوطا لا نهوض بعده. قوله تعالى: وَ إِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوٰائِهِمْ [6/ 119] أي باتباع أهوائهم.

قَوْلِهِ تَعَالَى:

وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوٰاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّٰهِ

[28/ 50] يَعْنِي اتَّخَذَ دِينِهِ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى-

كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (ع) (1)

.

قوله تعالى: وَ الْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوىٰ [53/ 53]

قِيلَ

:

أَهْوَى

بِهَا جَبْرَئِيلُ

، أي ألقاها في هوة بضم هاء و تشديده أو مفتوحة و هي الوهدة العميقة، و‌

قِيلَ

: رَفَعَهَا إِلَى السَّمَاءِ عَلَى جَنَاحِ جَبْرَئِيلُ (ع) ثُمَّ أهواها إِلَى الْأَرْضِ

، من هوى يهوي: سقط من علو إلى سفل. و الهوى في السير: المضي فيه. قوله تعالى: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّٰاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [14/ 37] أي تحن إلى ذلك الموضع فيكون في هذا أنس لذريته، و قيل: معناه تنزل و تهبط إليهم لأن مكة في غور. قال المفسر: و أما قوله: تَهْوِي إِلَيْهِمْ بفتح الواو فهو من هويت الشي‌ء أهواه: إذا أحببته، و إنما جاز تعديته بإلى لأن معنى هويت الشي‌ء: ملت إليه، فكأنه قال تميل إليهم، و هو محمول على المعنى، و مثله قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ الرَّفَثُ إِلىٰ نِسٰائِكُمْ [2/ 187] و إنما قال: أَفْئِدَةً مِنَ النّٰاسِ لأنه لو لا ذلك لازدحمت عليه فارس و الروم و لحجت اليهود و النصارى و المجوس. قوله تعالى: أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ [22/ 31] أي عصفت به حتى هوت‌

____________

(1). انظر البرهان ج 3 ص 229.

482

به في المطارح البعيدة. قوله تعالى: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيٰاطِينُ فِي الْأَرْضِ [6/ 71] أي كالذي ذهبت به مردة الجن و الغيلان في المهامة، و الاستهواء استفعال من" هوى في الأرض" ذهب، كأن المعنى طلبت هواه. قال المفسر: قرأ حمزة استهواه بالألف من قولهم:" هوى من حالق" إذا تردى منه، و يشبه به الذي زل عن الطريق المستقيم، يقال: هوى و أهوى غيره و هويته و استهويته بمعنى، اسْتَهْوَتْهُ في موضع نصب صفة لمصدر محذوف تقديره: أ تدعون من دون الله مثل دعاء الذي استهوته الشيطان في الأرض حيران. قوله تعالى: وَ أَمّٰا مَنْ خَفَّتْ مَوٰازِينُهُ فَأُمُّهُ هٰاوِيَةٌ [101/ 9] قيل" هاوية" من أسماء جهنم و كأنها النار العميقة يهوي أهل النار فيها مهوى بعيدا، أي فمأواه النار، يقال للمأوى" أم" على التشبيه لأن الأم مأوى الولد، و قيل: أم رأسه هاوية في قعر جهنم لأنه يطرح فيها منكوسا. و هوى النفس: ما تحبه و تميل إليه، يقال: هوي بالكسر يهوى هوى أي أحب، و منه قوله تعالى: تَهْوىٰ أَنْفُسُكُمُ [2/ 87]. و قوله تعالى: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ [45/ 23] أي ما تميل إليه نفسه. و الهوى مصدر هواه: إذا أحبه و اشتهاه، ثم سمي المهوي المشتهي محمودا أو مذموما ثم غلب على غير المحمود، و قيل:" فلان اتبع هواه" إذا أريد به ذمه، سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية و في الآخرة إلى الهاوية." الهواء" ممدود: ما بين السماء و الأرض، و الجمع أهوية، و كل خال هواء- قاله الجوهري و غيره.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:"

الْهَوَاءِ

جِسْمٌ رَقِيقٌ

483

تتكيف عَلَى كُلِّ شَيْ‌ءٍ بِقَدْرِهِ".

و أما" الهوى" بالقصر من" هوى النفس" فجمعه أهواء، و العمل به باطل شرعا، و عليه‌

الْحَدِيثَ

:" لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذُ بِهَوًى وَ لَا رَأْيٍ وَ لَا مَقَايِيسَ"

قيل: العمل بالهوى طريقة من تقدم، و العمل بالرأي طريقة من أخذ بالاجتهاد الذي لا يرجع إلى كتاب و لا سنة، و العمل بالمقاييس العمل بالرأي أيضا، فهو من عطف الخاص على العام. و منه:

" الرَّجُلِ يَكُونُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ الْحَرُورِيَّةِ وَ الْمُرْجِئَةُ"

- الحديث. و مثله" أهواء متشتة" و إنما قال بلفظ الجمع تنبيها على أن لكل واحد من هؤلاء القوم هوى غير هوى الآخر. قال: هوى كل واحد لا يتناهى فيسلك كل منهم فجا غير فج الآخر، و لا تتناهى حيرتهم و ضلالتهم أبدا، و لا تنفق كلمتهم.

وَ فِي حَدِيثٍ إِدْرَاكِ الْقَلْبِ

:" وَ أَمَّا الْقَلْبِ فَإِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الْهَوَاءِ"

قيل: المراد من الهواء عالم الأجسام، أي الهواء و ما في حكمه من جهة الجسمية، و المراد أن القلب متمكن من إدراك الأجسام و لا يتمكن من إدراك ما ليس بجسم و لا جسماني، و تمكنه من إدراك عالم الأجسام على وجه التخييل و التمثيل.

وَ فِي حَدِيثٍ الِاسْتِعَاذَةِ

:" وَ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تُظْلِمُ الْهَوَاءَ"

و هي كما جاءت به الرواية السحر و الكهانة و الإيمان بالنجوم و التكذيب بالقدر و عقوق الوالدين. و قولهم:" هوى هوى" أي هلك هلك، و منه:

" كَمْ مِنْ دَنِفٍ نَجَا وَ صَحِيحٍ قَدْ

هَوًى

"

أي مات و هلك.

وَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ

:" إِنَّمَا أَتَقَبَّلُ مِنْ الْعَبْدِ هَوَاهُ وَ هِمَّتُهُ"

فسر الهوى و الهمة بالنية و أن يكتب له ثواب الأعمال بنياته.

484

و" أهوى بيده إليه" أي مدها نحوه و أمالها إليه، و منه" أهويت إلى الحجر" أي مددت إليه يدي، و" أملتها" نحوه. و يقال: أهوى يده و بيده إلى الشي‌ء ليأخذه. و قوله:" يهوي بها أبعد ما بين المشرق و المغرب" أبعد صفة مصدر، أي هويا، أي سقوطا بعيد المبدإ و المنتهي.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" كَانَ

يَهْوِي

بِالتَّكْبِيرِ"

بفتح أوله و كسر ثالثه، أي يحط و يسقط إلى أسفل، و منه‌

" كَانَ يُكَبِّرُ ثُمَّ يَهْوِي".

و المهوي و المهواة ما بين الجبلين و نحو ذلك. و" تهاوى القوم من المهواة" إذا سقط بعضهم في أثر بعض.

(هيا)

فِي الْحَدِيثَ

:" الْخِضَابِ وَ التَّهْيِئَةُ مِمَّا يَزِيدُ اللَّهِ بِهِ فِي صِفَةِ النِّسَاءِ وَ لَقَدْ تَرَكَ النِّسَاءُ الْعِفَّةَ بِتَرْكِ أَزْوَاجِهِنَّ التَّهْيِئَةَ"

(1)

المراد من التهيئة إصلاح الرجل بدنه من إزالة الشعر و الوسخ و وضع الطيب و نحو ذلك، فإن الزوجة إذا رأت ذلك قصرت الطرف على زوجها فتعففت، و لا يخشى عليها ترك العفة و الإلحاق بالفواحش. و أما‌

قَوْلُهُ

:" وَ

التَّهْيِئَةُ

وَ ضِدَّهَا الْبَغْيِ"

أراد بها هنا إطاعة من وجبت طاعته. و تهيأت للشي‌ء: استعددت و أخذت له أهبة، و منه" تهيأ للإحرام" و نحوه. و" أمرت بتهيئة الميت" أي بتجهيزه.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" اللَّهُمَّ مَنْ تَهَيَّأَ وَ تَعَبَّأَ وَ أَعَدَّ وَ اسْتَعَدَّ"

قيل: كلهن نظائر، فهي كالألفاظ المترادفة. و هيأت الشي‌ء: أصلحته، و منه" هيأ لحيته بين اللحيين" أي أصلحها‌

____________

(1). جاء حديث بهذا المعنى في مكارم الأخلاق ص 88.

485

و جعلها متوسطة بين القصيرة و الطويلة. و الهيئة: صورة الشي‌ء و حالته الظاهرة، و منه" فلان حسن الهيئة" أي الشكل و الصورة.

وَ فِي حَدِيثٍ أَوْلَادٌ الْمُدَبَّرِ

:" هُمْ مُدَبَّرُونَ

كَهَيْئَةِ

أَبِيهِمْ"

(1)

أي كحاله. و فيه:" أما قول الرجل: يا هياه و يا هناه فإنما ذلك لطلب الاسم و لا أرى به بأسا". قوله:" يا هياه و يا هناه" الأولى بالياء المثناة التحتانية، و الثانية بالنون. و تهايا القوم تهايؤ: إذا جعلوا لكل واحد هيئة معلومة، و المراد النوبة. و هايأته مهايأة، و قد تبدل للتخفيف فيقال: هاييته مهاياة. و المهاياة في كسب العبد أنهما يقسمان الزمان بحسب ما يتفقان عليه و يكون كسبه في كل وقت لمن ظهر له بالقسمة. و علم الهيئة معروف و هي بلا براهين، و الهيئة المبرهنة يعبر عنها بالمجسطي، و البراهين الخالية عن الهيئة تسمى" أقليدس"، و مثل لذلك بفقه الشافعية و فقه الحنفية و أصول الفقه، فالأول فقه بلا علل، و الثاني فقه مع علل، و الثالث علل بلا فقه‌

.

____________

(1). الكافي ج 6 ص 185.

486

باب ما أوله الياء

(يدا)

قوله تعالى: يَدُ اللّٰهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [48/ 10] قيل: أي يد رسول الله تعلو أيديهم إذ هو منزه عن صفات الأجسام، و قيل فَوْقَ أَيْدِيهِمْ أي في الوفاء، و قيل في الثواب، و قيل يَدُ اللّٰهِ في المنة عليهم فَوْقَ أَيْدِيهِمْ في الطاعة. قوله تعالى: وَ السَّمٰاءَ بَنَيْنٰاهٰا بِأَيْدٍ [51/ 47] أي بقوة، كقوله: أُولِي الْأَيْدِي [38/ 45] بغير ياء، أي القوة. قوله تعالى: لِمٰا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [38/ 75] أي توليت خلقه بنفسي من غير واسطة، و لما كان الإنسان يباشر أكثر أعماله بيديه غلب العمل باليدين على سائر الأعمال التي بغيرها حتى قالوا في عمل القلب:" هذا بما عملت يداك".

وَ فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ

: سَأَلْتُ الرِّضَا (ع) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِإِبْلِيسَ

مٰا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمٰا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ

؟ قَالَ (ع): يَعْنِي بِقُدْرَتِي

(1)

وَ قُوَّتِي

و التثنية للعناية فإن من اهتم بإكمال شي‌ء باشره بيديه، و به يندفع أن يقال: إن إبليس أيضا مخلوق بقدرة الله تعالى إذ ليس له عناية ما لآدم (ع).

قَالَ الصَّدُوقُ: وَ سَمِعْتُ بَعْضَ مَشَايِخِ الشِّيعَةِ يَذْكُرُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ

أَنْ الْأَئِمَّةِ كَانُوا يَقِفُونَ عَلَى قَوْلِهِ:

____________

(1). هذا الحديث إلى هنا مذكور في البرهان ج 4 ص 64.

487

مٰا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمٰا خَلَقْتُ

ثُمَّ يُبْتَدَءُونَ بِقَوْلِهِ:

بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعٰالِينَ

.

قال: و هذا مثل قول القائل: بسيفي تقاتلني و برمحي تطاعنني، كأنه تعالى يقول: بنعمتي تقويت على الاستكبار و العصيان. قوله تعالى: عَنْ يَدٍ [9/ 29] أعني مقدرة منكم عليهم و سلطان، من قولهم:" يدك علي مبسوطة" أي قدرتك و سلطانك، و قيل عَنْ يَدٍ عن قهر و ذلة، و قيل إنعام عليهم بذلك لأن أخذ الجزية منهم أنفسهم عليهم نعمة عليهم.

قَوْلِهِ تَعَالَى:

كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ

[4/ 77] أَيُّ أَلْسِنَتَكُمْ-

كَذَا عَنْ الصَّادِقِ (ع) (1)

. قوله تعالى: وَ قٰالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّٰهِ مَغْلُولَةٌ [5/ 64] أي ممسكة عن الاتساع علينا، كما قال: وَ لٰا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلىٰ عُنُقِكَ [17/ 29] أي لا تمسكها عن الإنفاق، و قوله: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ أي غلت أيديهم في جهنم، أي شدت إلى أعقابهم، و قوله: بَلْ يَدٰاهُ مَبْسُوطَتٰانِ رد عليهم، أي ليس الأمر على ما وصفوه بل هو جواد، و ليس لذكر اليد هنا معنى غير إفادة معنى الجود، و إنما قال: يَدٰاهُ على التثنية مبالغة في معنى الجود و الإنعام، لأن ذلك أبلغ فيه من أن يقول:" بل يده مبسوطة". قال المفسر: و يمكن أن يراد ب‍" اليد" النعمة، و تثنية النعمة لأنه أراد نعم الدنيا و نعم الآخرة. قوله تعالى: لٰا يَأْتِينَ بِبُهْتٰانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَ أَرْجُلِهِنَّ [60/ 12] أي ولدا تحمله من غير زوجها، و كنى بما بين يديها و رجليها عن الولد لأن فرجها بين الرجلين و بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين. قوله تعالى: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوٰاهِهِمْ [14/ 9] قيل أي عظوا‌

____________

(1). البرهان ج 1 ص 394.

488

على أطراف أصابعهم، كما في قوله تعالى: وَ إِذٰا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنٰامِلَ مِنَ الْغَيْظِ [3/ 119] و قيل فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوٰاهِهِمْ كذبوا الرسل و ردوا عليهم ما قالوا. قوله تعالى: وَ لَمّٰا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ [7/ 149] أي ندموا. قوله تعالى: وَ نَزَعَ يَدَهُ فَإِذٰا هِيَ بَيْضٰاءُ* [7/ 108] أي نورانية غلب شعاعها شعاع الشمس، و كان موسى (ع) آدم فيما يروى. و اليد في الكتاب و السنة جاءت لمعان: للسلطان، و الطاعة، و الجماعة، و الأكل يقال:" ضع يدك" أي كل، و الندم و الغيظ يقال:" رددت يده في فيه" إذا أغضبته، و العصيان يقال:" فلان خرج يده" و" نازعا يده" أي عاصيا، و الاجتماع و منه‌

قَوْلِهِ (ص) فِي الْمُسْلِمِينَ

:" هُمْ

يَدٌ

عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ"

يعني هم مجتمعون على أعدائهم لا يسعهم التخاذل بل يعاون بعضهم بعضا على جميع الأديان و الملل كأنه جعل أيديهم يدا واحدة و فعلهم فعلا واحدا، و الابتداء يقال:" أعطاني عن ظهر يد" أي ابتداء، و الطريق يقال:" أخذهم يد البحر" يريد طريق الساحل. و يقال للقوم إذا تفرقوا و تمزقوا:" صاروا أيدي سبا" و" أيادي سبا" و هما اسمان جعلا اسما واحدا (1). و يقال:" طويل اليد" و" طويل الباع" لمن كان سخيا جوادا، و يقال في ضده:" قصير اليد" و" قصير الباع".

وَ فِي حَدِيثٍ النَّبِيِّ (ص) لِنِسَائِهِ

:" أسرعكن لُحُوقاً بِي أطولكن يَداً"

أي أسخاكن. و اليد: الملك، يقال:" هذا الشي‌ء في يدي" أي في ملكي. و اليد: الحفظ و الوقاية، و منه‌

الْحَدِيثَ

:"

يَدِ

اللَّهِ عَلَى الْفُسْطَاطِ"

أي على أهل‌

____________

(1). راجع ص 212 من هذا الكتاب حول هاتين الكلمتين.

489

الفسطاط، كأنهم خصوا بوقاية الله تعالى و حسن دفاعه. و اليد: الاستسلام، و منه‌

قَوْلِهِ

:" وَ هَذِهِ

يَدَيِ

لَكَ"

أي استسلمت لك، كما يقال في خلافة:" نزع يده من الطاعة".

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" لَا تَجْعَلَ للفاجر عَلِيِّ

يَداً

وَ لَا مِنْهُ"

يريد باليد هنا النعمة لأن النعمة من شأنها أن تصدر منها، و منه‌

حَدِيثٍ أَهْلِ الْبَيْتِ (ع)

:" نَحْنُ يَدِ اللَّهِ الباسطة عَلَى عِبَادِهِ بِالرَّحْمَةِ وَ الرَّأْفَةِ".

و اليد: المنة و الحق، و منه‌

حَدِيثٍ النَّبِيِّ (ص)

:" مَنْ صَنَعَ إِلَى أَهْلِ بَيْتِي

يَداً

"

أي أوصل معروفا. و اليد: الجارحة المعروفة، و هي من المنكب إلى أطراف الأصابع- قاله في المغرب و غيره، و لامه محذوف، و الأصل" يدي" بفتح الدال و قيل بسكونها، و جمعها" أيد" و" يدي" مثل فلس و فلوس، و في الكثرة" أيادي"، و قد شاع استعمال الأيادي في النعم و الأيدي في الأعضاء، و عن الأخفش قد يعكس، و في شرح المفتاح: أن الأيادي حقيقة عرفية في النعم و إن كانت في الأصل مجازا فيها.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" مَا مِنْ صَلَاةٍ يَحْضُرُ وَقْتُهَا إِلَّا نَادَى مَلَكٌ بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ: قُومُوا إِلَى نِيرَانِكُمُ الَّتِي أَوْقَدْتُمُوهَا عَلَى ظُهُورِكُمْ فَأَطْفِئُوهَا بِصَلَاتِكُمْ"

(1)

يريد بين جهة الناس من اليمين و الشمال، و يريد بالنيران الذنوب لكونها سببا لها، لقولهم:" جلست بين يديه". قال في الكشاف: حقيقة قول القائل:" جلست بين يدي فلان" أن يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه و شماله قريبا منه، فسميت الجهتان يدين لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسعا- انتهى. قوله:" بين يدي الساعة أهوالا" أي قدامها.

____________

(1). التهذيب ج 2 ص 238 و مضى في هذا الكتاب ص 276.

490

و" ذو اليدين" رجل من الصحابة، و هو أبو محمد عمير بن عبد عمر و اسمه الخرباق (1) بكسر المعجمة و إسكان الراء المهملة و بالموحدة، السلمي، نقل عنه المخالف و المؤالف (2)، و هو الذي‌

قَالَ لِلنَّبِيِّ (ص): أَ قَصَّرْتَ الصَّلَاةَ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

(3)

.

قيل: و إنما قيل له ذو اليدين لطول فيهما، و قيل لأنه كان يعمل بيديه جميعا، و ربما قالوا له" ذو الشمالين" (4) و كأنهم أشاروا بذلك إلى ضعفهما. و قد اختلف الناس في حديثه، فمنهم من ذهب إلى أن ذلك كان قبل نسخ الكلام في الصلاة، و استدل على ذلك بإجماع الأمة على أن الإمام إذا سها لم يكن لخلفه أن يكلمه بل يسبح له بتعليم النبي (ص) بالتسبيح على أن الكلام منسوخ فيها. قال: و مما يدل على أنه كان قبل نسخ الكلام‌

أَنْ الْقَوْمِ تَكَلَّمُوا فَقَالُوا:" صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ"

مع علمهم بأنه في الصلاة، و يؤيده ما‌

رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَالَ

: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ:

وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ

فَأَمَرَنَا بِالسُّكُوتِ.

____________

(1). في الكنى و الألقاب ج 2 ص 238: أن اسمه عمير أو عمر و قد استشهد في بدر.

(2). انظر تفصيل ترجمته في تنقيح المقال ج 1 ص 397 و الإصابة ج 1 ص 477

(3). من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 233.

(4). نص المامقاني في تنقيح المقال ج 1 ص 397 بعدم اتحادهما بقوله: فاشتبه الصدوق في الفقيه فنسبه إلى ذي الشمالين بزعم اتحاده مع ذي‌اليدين و هو سهو عظيم صدر منه ... إن ذااليدين هو الخرباق الأسلمي مات في زمان معاوية و ذو الشمالين هو أبو محمد عمير بن عبد عمر الخزاعي حليف بني زهرة قتل يوم بدر.

491

و منهم من استبعد ذلك بناء على أن نسخ الكلام في الصلاة كان بمكة فلا موضع له هاهنا، و ادعي أن رسول الله (ص) كان عنده أنه أكمل صلاته فتكلم على أنه خارج عن الصلاة. هذا ما ظفرنا به من كلام القوم، و أما نحن معاشر الإمامية فمن أصحابنا من صحح الحديث مبالغا في تصحيحه لكنه أثبت تجويز السهو على النبي (ص) هنا مبالغا فيه، و منهم و هم الأكثرون أطبقوا على إنكاره و عدم صحته استنادا إلى الأدلة العقلية بعدم تجويز مثله على المعصوم و لو قيل بصحة الحديث المذكور لاشتهار نقله بين الفريقين، و ورد الخبر الصحيح بثبوته منقولا عن الأئمة، و إمكان تأويله بوروده قبل نسخ الكلام كما وردت به الرواية عن زيد بن أرقم، و تخصيص عدم جواز السهو بما ليس مما نحن فيه خصوصا إن تمت الدعوى بالفرق بين سهو النبي (ص) و غيره لم يكن بعيدا. و" ذو اليدية" بالتشديد هو ذو الثدية المقتول بنهروان (1). و يقال في البيع:" يدا بيد" (2) قيل: هي في هذا الموضع من الأسماء الجارية مجرى المصادر المنصوبة بإضمار فعل، كأنه قال: فقابل يدا بيد، و يتقابضان يدا بيد، و المراد النقد الحاضر.

____________

(1). مر ذكره مفصلا في هذا الكتاب ص 72.

(2). الإستبصار ج 3 ص 93