مجمع البحرين‌ - ج1

- الشيخ فخر الدين الطريحي المزيد...
491 /
59

و قلوبهم مشغولة، و خواطرهم متعلقة بالملأ الأعلى، و هم أبدا في المراقبة كما‌

قَالَ (ع)

:"

اعْبُدِ

اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَرَهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"

فهم أبدا متوجهون إليه و مقبلون بكليتهم عليه، فمتى انحطوا عن تلك المرتبة العلية و المنزلة الرفيعة إلى الاشتغال بالمأكل و المشرب و التفرغ إلى النكاح و غيره من المباحات عدوه ذنبا و اعتقدوه خطيئة فاستغفروا منه، ألا ترى إلى بعض عبيد أبناء الدنيا لو قعد يأكل و يشرب و ينكح و هو يعلم أنه بمرأى من سيده و مالكه يعده ذنبا، فما ظنك بسيد السادات و مالك الملاك، و إلى هذا أشار‌

بِقَوْلِهِ (ع)

:" إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَ إِنِّي أَسْتَغْفِرُ بِالنَّهَارِ سَبْعِينَ مَرَّةً"

(1)

و‌

قَوْلِهِ

:" حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ" ...

انتهى. و يجي‌ء في" غين" إن شاء الله تعالى ما يتم به الكلام. و بَكَى يَبْكِي بُكًى و بُكَاءً- بالقصر و المد- قيل: القصر مع خروج الدموع، و المد على إرادة الصوت (2). قال في المصباح: و قد جمع الشاعر بين المعنيين، فقال:

بَكَتْ عيني و حق لها بُكَاهَا * * * و ما يغني الْبُكَاءُ و لا العويل

و قد تكرر ذكر الْبُكُاءِ في الحديث، و المبطل منه للصلاة (3) يحتمل معنيين، و قصر البعض تحريمه على الممدود لمكان الاستصحاب في صحة الصلاة، و إطلاق‌

____________

(1). يأتي في" غين" حديث مشابه لما ذكره هنا مع تفسيره- ن.

(2). يذكر في" عذب" شيئا في البكاء على الميت، و في" عشر" البكاء على الحسين (ع)، و في" وله" البكاء لله تعالى، و في" غنا" البكاء عند قراءة القرآن- ز.

(3). و هو ما كان للدنيا كذهاب مال أو فقد محبوب، و أما ما كان للآخرة كبكى- بالقصر- أو بكاء- بالمد- من خشية الله تعالى أو ذكر الجنة و النار فهو أفضل الأعمال، كما نطقت به الأخبار عنهم (ع)- و م.

60

النص يأباه (1). و" تَبَاكَى الرجل": تكلف البكاء. و‌

مِنْهُ

:" إِنْ لَمْ تَجِدُوا

الْبُكَاءَ فَتَبَاكُوا

"

و قيل: معناه لا تكلفوا الْبُكَاءَ. و" بَكَيْتُهُ" و" بَكَيْتُ عليه" و" بَكَيْتُ له" و" بَكَّيْتُهُ"- بالتشديد- و" بَكَتِ السماء" إذا أمطرت، و منه" بَكَتِ السحابة".

(بلا)

قوله تعالى: إِنَّ هٰذٰا لَهُوَ الْبَلٰاءُ الْمُبِينُ أراد به الاختبار و الامتحان، يقال:" بَلَاهُ يَبْلُوهُ". إذا اختبره و امتحنه. و بَلَاهُ بالخير أو الشر يَبْلُوهُ بَلْواً، و أَبْلَاهُ- بالألف- و ابْتَلَاهُ بمعنى: امتحنه. و الاسم: الْبَلَاءُ (2) مثل سلام. و الْبَلْوَى و الْبَلِيَّةُ مثله. و يقال الْبَلَاءُ على ثلاثة أوجه: نعمة، و اختبار، و مكروه.

قَوْلُهُ:

لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوٰالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ

يُرِيدُ تَوْطِينَ النَّفْسِ عَلَى الصَّبْرِ

كَمَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ عَنْهُمْ (ع)

. قوله: وَ إِذِ ابْتَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمٰاتٍ أي اختبره بما تعبده به من السنن، و‌

قِيلَ

: هِيَ عَشْرُ خِصَالٍ خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ، وَ هِيَ: الْفَرْقُ وَ السِّوَاكُ وَ الْمَضْمَضَةُ وَ الِاسْتِنْشَاقُ وَ قَصُّ الشَّارِبِ، وَ خَمْسَةٌ فِي الْبَدَنِ: الْخِتَانُ وَ حَلْقُ الْعَانَةِ وَ الِاسْتِنْجَاءُ وَ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَ نَتْفُ الْإِبْطِ

، قوله: فَأَتَمَّهُنَّ أي عمل بهن و لم يدع منهن شيئا. و الْبَلَاءُ يكون حسنا و سيئا، و أصله المحنة.

____________

(1). لا يخفى بأن النصوص الواردة بأن البكاء على الميت يفسد الصلاة لا ندري أ هو على الممدود أم على المقصور، فإن جعلناها لمطلق البكاء ناسب قول الوالد المصورة:" و إطلاق النص يأباه، و إن فرقنا بينهما كان في العبارة المذكورة مساهلة، و في لفظ الحديث إجمال، فيشكل التعلق به في إثبات حكم مخالف للأصل، خصوصا و قد اشتمل على عدة من الضعفاء- و م.

(2). يذكر في" جهد" شيئا في البلاء، و كذا في" وجد" و" حطط" و" سخف" و" مثل" و" وكل"- ز.

61

و الله يَبْلُو العبد بما يحبه ليمتحن شكره، و بما يكرهه ليمتحن صبره، قال تعالى: وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً. قوله تعالى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرٰائِرُ أي تختبر السرائر في القلوب، من العقائد و النيات و غيرها و ما أسر و أخفى من الأعمال، فيتميز منها ما طاب و ما خبث. قوله: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا* أي ليعاملكم معاملة المختبرين لكم، و إلا فعالم الغيب و الشهادة لا يخفى عليه شي‌ء، و إنما يَبْلُو و يختبر من تخفى عليه العواقب. و‌

عَنِ الصَّادِقِ (ع)

:" لَيْسَ يَعْنِي أَكْثَرَكُمْ عَمَلًا وَ لَكِنْ أَصْوَبُكُمْ عَمَلًا وَ إِنَّمَا الْإِصَابَةُ خَشْيَةُ اللَّهِ وَ النِّيَّةُ الصَّادِقَةُ"

(1)

.

و عن بعض المفسرين: جملة لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا* تعليل لخلق الموت و الحياة في قوله: خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيٰاةَ و النية الصادقة انبعاث القلب نحو الطاعة، غير مخلوط فيه شي‌ء سوى وجه الله سبحانه كمن يعتق عبده مثلا ملاحظا مع القربة الخلاص من مئونته أو سوء خلقه و نحو ذلك. قوله: وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ وَ كٰانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمٰاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ... لِيَبْلُوَكُمْ متعلق بما تقدم، أي خلقهن لحكمة بالغة، و هي أن يجعلها مساكن لعباده، و ينعم عليهم فيها بفنون النعم و يكلفهم و يعرضهم للثواب، و لما أشبه ذلك اختبار المختبر. قال: لِيَبْلُوَكُمْ أي ليفعل بكم ما يفعل الْمُبْتَلِي لأحوالكم. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" أَعُوذُ بِكَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تُنْزِلُ

الْبَلَاءَ

"

و هي كما جاءت به الرواية‌

عَنْ سَيِّدِ الْعَابِدِينَ ع

:" تَرْكُ إِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ، وَ تَرْكُ مُعَاوَنَةِ الْمَظْلُومِ، وَ تَضْيِيعُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ".

و‌

فِيهِ

:" الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا

أَبْلَانَا

"

أي أنعم علينا و تفضل، من الْإِبْلَاءِ الذي هو الإحسان و الإنعام. و‌

فِيهِ

:" الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا

أَبْلَى

وَ

ابْتَلَى

"

____________

(1). البرهان 2/ 207.

62

أي على ما أبلى من النعم و ابتلى من النقم. يقال:" أَبْلَاهُ الله بَلَاءً حسنا" أي بكثرة المال و الصحة و الشباب، و ابْتَلَاهُ أي بالمرض و الفقر و المشيب. و‌

فِيهِ

:" لَا

تَبْتَلِنَا

إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"

أي لا تمتحنا و لا تختبرنا إلا بالتي هي أحسن. و‌

فِيهِ

:" إِنَّمَا بَعَثْتُكَ

لِأَبْتَلِيَكَ

وَ

أَبْتَلِيَ

بِكَ"

أي لأمتحنك هل تقوم بما أمرت به من تبليغ الرسالة و الجهاد و الصبر، و أَبْتَلِي بك قومك من يتبعك و من يتخلف عنك و من ينافق معك. و‌

"

ابْتُلِيتُ

بِهَذَا الْعِلْمِ"

أي اختبرت به و امتحنت. و الْبَلِيَّةُ و الْبَلْوَى و الْبَلَاءُ واحد، و الجمع الْبَلَايَا." و لا أُبَالِيهِ": لا أكترث به و لا أهتم لأجله (1). و منه" ما بَالَيْتُ بِهِ". و منه‌

" لَا

أُبَالِي

أَ بَوْلٌ أَصَابَنِي أَمْ مَاءٌ"

. و منه‌

حَدِيثُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ

:" هَؤُلَاءِ إِلَى الْجَنَّةِ وَ لَا

أُبَالِي

، وَ هَؤُلَاءِ إِلَى النَّارِ وَ لَا

أُبَالِي

".

و‌

فِيهِ

:" مَنْ لَا

يُبَالِي

مَا قَالَ وَ مَا قِيلَ فِيهِ فَهُوَ لِغَيَّةٍ أَوْ شِرْكِ شَيْطَانٍ"

(2)

و فسره بمن تعرض للناس يشتمهم و هو يعلم أنهم لا يتركونه. و" بَلِيَ الثوب يَبْلَى"- من باب تعب" بِلًى"- بالكسر و القصر- و" بُلَاءً"- بالضم و المد-: خلق، فهو" بَالٍ". و" بَلِيَ الميت" أفنته الأرض. و‌

فِي حَدِيثِ الصَّادِقِ (ع)

- وَ قَدْ سُئِلَ عَنِ الْمَيِّتِ

يَبْلَى

جَسَدُهُ- قَالَ:" نَعَمْ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ لَحْمٌ وَ لَا عَظْمٌ إِلَّا طِينَتُهُ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا فَإِنَّهَا لَا

تَبْلَى

بَلْ تَبْقَى فِي الْقَبْرِ مُسْتَدِيرَةً حَتَّى يُخْلَقَ مِنْهَا كَمَا خُلِقَ مِنْهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ".

و" بَلَى" حرف إيجاب، فإذا قيل:

____________

(1). في" قدر" أيضا حديث في من لا يبالي، و كذا في" سفل" و" لغا"- ز.

(2). يذكر مثل ذلك في" غيا" أيضا- ز. و انظر الكافي 2/ 323.

63

" ما قام زيد" و قلت في الجواب" بَلَى" فمعناه إثبات القيام، و إذا قلت:" ليس كان كذا" و قلت:" بَلَى" فمعناه التقرير و الإثبات. و لا يكون معناه إلا بعد نفي إما في أول كلام- كما تقدم-، و إما في أثنائه كما في قوله تعالى: أَ يَحْسَبُ الْإِنْسٰانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظٰامَهُ بَلىٰ و التقدير: بَلَى نجمعها و قد يكون مع النفي استفهام و قد لا يكون- كما تقدم- فهو أبدا يرفع حكم النفي و يوجب نقيضه (1)- جميع ذلك قاله في المصباح. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ يَمْحُو لَا وَ اللَّهِ وَ

بَلَى

وَ اللَّهِ"

أي يمحو ما وقع للعبد من القسم الكاذب في اليوم‌

(بنا)

قوله تعالى: كَأَنَّهُمْ بُنْيٰانٌ مَرْصُوصٌ الْبُنْيَانُ: الحائط، و المرصوص الملصق بعضه على بعض.

قَوْلُهُ:

ابْنُوا لَهُ بُنْيٰاناً

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:

بَنَوْا

لَهُ حَائِطاً مِنْ حِجَارَةٍ طُولُهُ فِي السَّمَاءِ ثَلَاثُونَ ذِرَاعاً وَ عَرْضُهُ عِشْرُونَ ذِرَاعاً وَ مَلَئُوهُ نَاراً وَ أَلْقَوْهُ فِيهِ.

قوله: وَ نٰادىٰ نُوحٌ ابْنَهُ هو- على ما في الرواية عن أهل البيت (ع) ابْنُهُ، و إنما نفاه عنه بقوله: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ لأنه خالفه في دينه. و‌

فِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (ره)

: إِنَّهُ لَيْسَ

ابْنَهُ

، إِنَّمَا هُوَ

ابْنُ

امْرَأَتِهِ، وَ هُوَ بِلُغَةِ طَيٍّ، يَقُولُونَ لِابْنِ الِامْرَأَةِ:"

ابْنَهُ

"

(2)

.

و‌

فِي تَفْسِيرِ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ (ره)

: وَ قَرَأَ عَلِيٌّ (ع):

ابْنَهَ

- بِفَتْحِ الْهَاءِ- اكْتِفَاءً بِالْفَتْحَةِ عَنِ الْأَلْفِ

، و روي أيضا بالألف و قوله: هٰؤُلٰاءِ بَنٰاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ

____________

(1). يأتي في" نعم" أنها لا تبطل النفي كما تبطله بلى، و في التنزيل: أ لست بربّكم؟ قالوا بلى و لو قالوا: نعم لكفروا، و في صحيحة أبي ولاد: (قلت: أ رأيت لو عطب البغل أو نفق أ ليس كان يلزمني؟ قال: نعم قيمة بغل يوم خالفته) يعني ليس يلزمك، و على ذلك يسقط الاستدلال بها على أن المدار في الضمان على قيمة يوم المخالفة- ن.

(2). تفسير علي بن إبراهيم 1/ 328.

64

نسبهم إليه باعتبار أن كل نبي أب لقومه. قوله:" لٰا يَزٰالُ بُنْيٰانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلّٰا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ قال المفسر: المعنى: لا يزال هدم بنيانهم الذي بنوه سبب شك و نفاق في قلوبهم، لا يضمحل أثره إلا أن تقطع، أي تقطع قلوبهم قطعا و تتفرق أجزاء، فحينئذ يميلون عنه، و الريبة باقية فيها ما دامت سالمة. و قرى‌ء" تَقَطَّعَ" بالتشديد و التخفيف، و يجوز أن يراد حقيقة تقطيعهم بقتلهم أو في النار. و قيل: معناه: إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما على تفريطهم. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" مَنْ هَدَمَ

بُنْيَانَ

رَبِّهِ فَهُوَ مَلْعُونٌ"

أي من قتل نفسا بغير حق لأن الجسم بُنْيَانُ الله تعالى. و‌

فِيهِ

:" الْكَلِمَاتُ الَّتِي

بُنِيَ

عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ"

أي الكلمات التي هي أصل الإسلام يُبْنَى عليها كما يُبْنَى على الأساس، و كان الوجه في ذلك- على ما قيل- اشتمالها على عمدة أصول الدين: من التوحيد و الصفات الثبوتية و السلبية. و‌

فِيهِ

:"

بَنَى

بِالثَّقَفِيَّةِ"

أي نكح زوجة من ثقيف. و‌

فِيهِ

:" تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ بِعَائِشَةَ وَ هِيَ

بِنْتُ

سِتٍّ، وَ

بَنَى

بِهَا وَ هِيَ

بِنْتُ

تِسْعٍ"

أي دخل بها و هي بنت تسع سنين. قال في المصباح و غيره: و أصله أن الرجل كان إذا تزوج بَنَى للعرس خباء جديدا و عمره بما يحتاج إليه، ثم كثر حتى كني به عن الجماع. ثم حكى عن ابن دريد أنه قال:" بَنَى عليها" و" بَنَى بها" و الأول أفصح، و حكى عن ابن السكيت أنه قال:" بَنَى على أهله" إذا زفت إليه، و العامة تقول:" بَنَى بأهله" و" ابْتَنَى على أهله" إذا أعرس انتهى و‌

فِي الْخَبَرِ

:" أَوَّلُ مَا نَزَلَ الْحِجَابُ فِي

مُبْتَنَى

رَسُولِ اللَّهِ (ص)

" أراد بِالْمُبْتَنَى هنا الِابْتِنَاءَ. و‌

فِي حَدِيثِ الِاعْتِكَافِ

" فَأَمَرَ

بِبِنَائِهِ

فقوض"

أي نقض، و يريد به واحد‌

65

الْأَبْنِيَةِ، و هي البيوت التي تسكنها العرب في الصحاري. قال الجوهري: أَبْنِيَةُ العرب طراف و أخبية، فالطراف من أدم و الخباء من صوف أو وبر. و‌

فِيهِ

:" كُلُّ

بِنَاءٍ

وَبَالٌ إِلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ"

قيل: أراد ما بُنِيَ للتفاخر و التنعم، لا أَبْنِيَةَ الخير من المساجد و المدارس و الربط و نحوها و‌

فِيهِ

:" اتَّقُوا الْحَرَامَ فِي

الْبِنَاءِ

"

أي احترزوا عن إنفاق مال الحرام‌

فِي الْبُنْيَانِ

" فَإِنَّهُ أَسَاسُ الْخَرَابِ"

أي خراب الدين، و المعنى: اتقوا ارتكاب الحرام في البنيان، فإنه أساس الخراب، فإنه لو لم يُبْنَ لم يخرب- كما‌

فِي الْحَدِيثِ

:" لِدُوا لِلْمَوْتِ وَ

ابْنُوا

لِلْخَرَابِ".

و الْبَنِيَّةُ- على فعيلة بفتح الباء-: الكعبة، يقال:" و رب هذه الْبَنِيَّة" و كانت تدعى بَنِيَّةُ إبراهيم (ع) قالوا: أول من بَنَى الكعبة الملائكة، ثم إبراهيم (ع)، ثم قريش في الجاهلية، و حضره النبي (ص) و له خمس و ثلاثون أو خمس و عشرون، ثم ابن الزبير، ثم الحجاج. و قيل: بُنِيَتْ بعد ذلك مرتين أو ثلاثا. و الِابْنُ: ولد الرجل، و أصله" بَنَوٌ"- بالفتح- لأنه يجمع على" بَنِينَ" و هو جمع سلامة، و جمع السلامة لا يتغير، و جمع القلة" أَبْنَاءٌ" و أصله" بِنْوٌ"- بكسر الباء- مثل حمل، بدليل" بنت". و يطلق الِابْنُ على ابْنِ الِابْنِ و إن سفل مجازا. و أما غير الأناسي مما لا يعقل" كَابْنِ مخاض" و" ابْنِ لبون" فيقال في الجمع:" بَنَاتُ مخاض" و" بَنَاتُ لبون" و ما أشبهه. قال في المصباح: قال ابْنُ الأنباري: و اعلم أن جمع غير الناس بمنزلة جمع المرأة من الناس، تقول فيه:" منزل" و" منزلات" و" مصلى" و" مصليات" و في" ابْنِ عرس":" بَنَاتَ عرس" و في" ابْنِ نعش":" بَنَاتَ نعش" و ربما قيل في ضرورة الشعر" بَنُو نعش" و فيه لغة محكية عن الأخفش أنه يقال:

66

" بَنَاتُ عرس" و" بَنُو عرس" و" بَنَاتُ نعش" و" بَنُو نعش"، فقول الفقهاء" بَنُو لبون" يخرج إما على هذه اللغة و إما للتمييز بين الذكور و الإناث، قال: و يضاف الِابْنُ إلى ما يخصصه لملابسة بينهما نحو" ابْنِ السبيل" لمار الطريق المسافر، و" ابْنِ الدنيا" لصاحب الثروة، و" ابْنِ الماء" لطير الماء، و" ابْنِ فاطمة" و" ابْنِ الحنفية" و نحو ذلك، و هو قاعدة العرب ينسب الإنسان إلى أمه عند ذكره لأمرين: إما لشرفها و علو منزلتها أو لخساستها و دناءتها، و يريدون النقص في ولدها، كما يقال في معاوية:" ابْنُ هند" و في عمرو بن العاص" ابْنُ النابغة" لشهرتها بالزنا. و مؤنث الِابْنِ" ابْنَةٌ"، و في لغة" بِنْتٌ" و الجمع" بَنَاتٌ" قال ابن الأعرابي: و سألت الكسائي: كيف تقف على" بِنْتٍ"؟ فقال: بالتاء، تبعا للكتاب، و الأصل بالهاء لأن فيها معنى التأنيث ... انتهى و‌

فِي حَدِيثِ الْمَوَاضِعِ

:" وَ اذْكُرْ خُرُوجَ

بَنَاتِ

الْمَاءِ مِنْ مَنْخِرَيْكَ"

يريد الديدان الصغار، و الإضافة للملابسة. و" بَنَاتُ الماء" أيضا سمكة ببحر الروم شبيهة بالنساء ذوات شعر سبط، ألوانهن تميل إلى السمرة، ذوات فروج عظام و ثدي و كلام لا يكاد يفهم و يضحكن و يقهقهن، و ربما وقعن في أيدي بعض أهل المراكب فينكحوهن ثم يعيدوهن إلى البحر- كذا في حياة الحيوان. و الْبَنَاتُ أيضا: التماثيل الصغار التي يلعب بها الجواري. و إذا نسبت إلى" ابْنٍ" و" بِنْتٍ" حذفت ألف الوصل و التاء، و رددت المحذوف، فقلت:" بَنَوِيّ". قال في المصباح: و يجوز مراعاة اللفظ فيقال:" ابْنِيّ" و" ابْنَتِيّ". و يصغر برد المحذوف، فيقال" بُنَيّ" و الأصل" بُنَيْو". و إذا اختلط ذكور الأناسي بإناثهم غلب التذكير و قيل:" بَنُو فلان" حتى قالوا:

67

" امرأة بَنِي تميم" و لم يقولوا:" من بَنَاتِ تميم" بخلاف غير الأناسي حيث قالوا:" بَنَاتِ لبون". قال في المصباح: و على هذا لو أوصى لِبَنِي فلان دخل الذكور و الإناث- كما عليه الفتيا.

(بوا)

قوله تعالى: بٰاؤُ بِغَضَبٍ* أي انصرفوا بذلك، و لا يقال: إلا بالشر. قوله: تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ أي تنصرف بإثم قتلي و إثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك فَتَكُونَ مِنْ أَصْحٰابِ النّٰارِ، قوله: وَ لَقَدْ بَوَّأْنٰا بَنِي إِسْرٰائِيلَ أي أنزلناهم. و يقال:" جعلنا لهم مَبَاءً" و هو المنزل الملزوم. قوله: لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيٰا حَسَنَةً قيل: معناه: لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مَبَاءَةً حسنة، و هي المدينة حيث آواهم الأنصار و نصروهم. و الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّٰارَ أي المدينة و الْإِيمٰانَ و هو كقولهم:

علفتها تبنا و ماء باردا

و تَبَوَّءٰا لِقَوْمِكُمٰا بِمِصْرَ بُيُوتاً أي اتخذا بناء. و تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقٰاعِدَ لِلْقِتٰالِ أي تسوي و تهيى‌ء لهم. و نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشٰاءُ أي ننزل منازلها حيث نهوي. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" مَنْ طَلَبَ عِلْماً لِيُبَاهِي بِهِ الْعُلَمَاءَ

فَلْيَتَبَوَّأْ

مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"

(1)

أي لينزل منزله منها، أو ليهيى‌ء منزله منها، من" بَوَّأْتُ للرجل منزلا": هيأته له أو من" تَبَوَّأْتُ له منزلا": اتخذته له و أصله الرجوع، من" بَاءَ" إذا رجع و سمي المنزل" مَبَاءَةً" لكون صاحبه يرجع إليه إذا خرج منه. و مثله:

" مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً

فَلْيَتَبَوَّأْ

مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"

و قد بلغ هذا الحديث غاية الاشتهار حتى قيل بتواتره لفظا و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" مَنْ حَفَرَ لِلْمُؤْمِنِ قَبْراً فَكَأَنَّمَا

بَوَّأَهُ

بَيْتاً مُوَافِقاً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"

أي أنزله فيه و أسكنه.

____________

(1). الكافي 1/ 47.

68

و" بُؤْتُ بذنبي"- بالباء المضمومة و الهمزة و تاء في الآخر- أقررت و اعترفت و مثله" أَبُوءُ بنعمتك علي" أي أقر و أعترف بها. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ

الْبَاءَةَ

- يَعْنِي مُؤَنَ النِّكَاحِ- فَلْيَتَزَوَّجْ".

و الْبَاءَةُ- بالمد لغة-: الجماع، ثم قيل لعقد النكاح. و حكي في ذلك أربع لغات" الْبَاءَةُ"- بالمد مع الهاء- و هو المشهور، و حذفها" و الْبَاهَةُ"- وزان العاهة-،" و الْبَاهُ" مع الهاء، و قيل: الأخيرة تصحيف (1) و منه‌

حَدِيثُ أَبِي بَصِيرٍ

" قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَوَجَدْتُهُ قَدْ

بَاهَى

"

من الْبَاهِ أي جامع، و إنما سمي النكاح" بَاهاً" لأنه من الْمَبَاءَةِ: المنزل، لأن من تزوّج امرأة بَوَّأَهَا منزلا. و قيل:" لأن الرجل يَتَبَوَّأُ من أهله" أي يتمكن كما يَتَبَوَّأُ من منزله. و البوّ: جلد الحُوار يحشى ثُماما فتعطف عليه الناقة، إذا مات ولدها- قاله الجوهري.

(بها)

فِي الْحَدِيثِ

:"

يَتَبَاهَوْنَ

بِأَكْفَانِهِمْ"

- بفتح الهاء- أي يتفاخرون بها و بجودتها، و يترفع بعضهم على بعض، من" الْمُبَاهَاةِ" و هي المفاخرة. و‌

فِيهِ

:" إِنَّ اللَّهَ

لَيُبَاهِي

بِالْعَبْدِ الْمَلَائِكَةَ"

أي يحله من قربه و كرامته بين أولئك الملإ محل الشي‌ء الْمُبَاهَى به، و ذلك لأن الله عز و جل غني عن التعزز بما اخترعه ثم تعبده، و لأن الْمُبَاهَاةَ موضوعة للمخلوقين فيما يترفعون به على أكفائهم، و الله تعالى غني عن ذلك، فهو من باب المجاز. و مثله‌

حَدِيثُ أَهْلِ عَرَفَةَ

:" ثُمَّ

يُبَاهِي

بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ"

و يحتمل الحقيقة و يكون راجعا إلى أهل عرفة، لتنزلهم منزلة تقتضي الْمُبَاهَاةَ بينهم و بين الملائكة، و أضاف الفعل إلى نفسه تحقيقا لكون ذلك هو موهبته تعالى، و هو يجزي‌

____________

(1). يذكر في" برر" حديثا في الباه، و في" حبر" و" كرفس" ما يزيد الباه- ز

69

في الأول. و الْبَهَاءُ: الحسن و الجمال، يقال:" بَهَاءُ الملوك" أي هيئتهم و جمالهم،" و بهاء الله" عظمته (1). و" أَبْهُوا الخيل" عطلوها من الغزو.

(بيا)

فِي حَدِيثِ آدَمَ (ع)

:" حَيَّاكَ اللَّهُ وَ

بَيَّاكَ

"

(2)

قال الجوهري: معنى" حياك" ملكك، و قال في" بَيَّاكَ" قال الأصمعي اعتمدك بالتحية، و قال ابن الأعرابي: جاء بك، و قال خلف الأحمر:" بَيَّاكَ" معناه: بَوَّأَكَ منزلا، إلا أنها لما جاءت مع حياك تركت همزتها و حولت واوها ياء قال: و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" أَنَّ آدَمَ (ع) لَمَّا قُتِلَ ابْنُهُ مَكَثَ مِائَةَ سَنَةٍ لَا يَضْحَكُ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: حَيَّاكَ اللَّهُ وَ

بَيَّاكَ

، فَقَالَ: وَ مَا

بَيَّاكَ

؟ فَقِيلَ: أَضْحَكَكَ".

و قال بعض الناس: إنه إتباع، و هو عندي ليس بإتباع، و ذلك لأن الإتباع لا يكاد يكون بالواو و هذا بالواو ... انتهى‌

باب ما أوله التاء

(تأتأ)

يقال:" فيه تَأْتَأَةً" لمن يتردّد في التاء إذا تكلم قاله الجوهري. و التاء من حروف المعجم. و" تا" اسم يشار به إلى المؤنث مثل" ذا" للمذكر و" ته" مثل" ذه" و" تان" للتثنية. و لك أن تدخل عليها هاء تقول:" هاتا هند" و" هاتان" فإن خاطبت جئت بالكاف، فقلت:" تيك" و" تلك" و التثنية" تانك" و تشدد، و الجمع" أولئك" و" أولالك" فالكاف لمن تخاطبه في التذكير و التأنيث و التثنية و الجمع، و تدخل الهاء على" تيك" و" تاك" فنقول:" هاتيك هند" و" هاتاك" و لا تدخل على" تلك" لأنهم جعلوا اللام عوضا عن هاء التنبيه.

____________

(1). يذكر في" كشف" و" ربل" بهاء الدين الإربلي- ز.

(2). معاني الأخبار ص 269.

70

ثم قال: و التاء في القسم بدل من الواو كما أبدلوا منها في" تترى" و في" تراث" و" تخمه" و" تجاه". و في الكتاب العزيز: تَاللّٰهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ و فيه حذف. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" تَاللَّهِ أَنْتَ"

قلبت الواو تاء مع الله دون سائر الأسماء. و في المصباح: تكون التاء للقسم، و تختص باسم الله على الأشهر.

(تلا)

قوله تعالى: وَ اتَّبَعُوا مٰا تَتْلُوا الشَّيٰاطِينُ من الجن أو الإنس أو منهما عَلىٰ مُلْكِ سُلَيْمٰانَ أي عهده‌

قِيلَ

: كَانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ وَ يَضُمُّونَ إِلَى مَا سَمِعُوا أَكَاذِيبَ وَ يُلْقُونَهَا إِلَى الْكَهَنَةِ وَ هُمْ يُدَوِّنُونَهَا وَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ، وَ فَشَا ذَلِكَ فِي عَهْدِ سُلَيْمَانَ (ع) حَتَّى قِيلَ: إِنَّ الْجِنَّ تَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَ إِنَّ مُلْكَ سُلَيْمَانَ يَتُمُّ بِهَذَا الْعِلْمِ، وَ إِنَّ سُلَيْمَانَ يُسَخِّرُ بِالسِّحْرِ الْإِنْسَ وَ الْجِنَّ وَ الرِّيحَ.

قوله: وَ مٰا يُتْلىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتٰابِ فِي يَتٰامَى النِّسٰاءِ اللّٰاتِي لٰا تُؤْتُونَهُنَّ الآية، قيل في مٰا يُتْلىٰ عَلَيْكُمْ إنه في محل الرفع على العطف، أي الله يفتيكم و الْمَتْلُوُّ في الكتاب. قوله: وَ الْقَمَرِ إِذٰا تَلٰاهٰا أي تبعها في الضياء، و ذا في النصف الأول من الشهر و منه قرى‌ء: هُنٰالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مٰا أَسْلَفَتْ بمعنى تتبع (1)، و قيل: تَتْلُو كتاب حسناتها و سيئاتها. قوله: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلٰاوَتِهِ قيل: يتبعونه. و سمي القارى‌ء تَالِياً لأنه يتبع ما يقرأ (2) و‌

فِي الْحَدِيثِ عَنِ الْبَاقِرِ (ع) قَالَ

:"

يَتْلُونَ

آيَاتِهِ، وَ يَتَفَقَّهُونَ فِيهِ، وَ يَعْمَلُونَ

____________

(1). الآية في سورة يونس آية 30" هنالك تبلوا"- بالباء الموحّدة- على ما قرأ عاصم، و غيره من أهل الكوفة قرءوا" تتلو" بالتّاء المثنّاة، و المعنى على الأوّل: تختبر أيّ تذعن بجزاء ما أسلفت من خير أو شرّ، و على الثّاني ما يثبته في المتن من الوجهين- ن

(2). يذكر في" مرّا" و" منّا" شيئا في تلاوة القرآن- ز

71

بِأَحْكَامِهِ، وَ يَرْجُونَ وَعْدَهُ، وَ يَخَافُونَ وَعِيدَهُ، وَ يَعْتَبِرُونَ بِقِصَصِهِ، وَ يَأْتَمِرُونَ بِأَوَامِرِهِ، وَ يَنْتَهُونَ بِنَوَاهِيهِ، مَا هُوَ وَ اللَّهِ حِفْظُ آيَاتِهِ وَ دَرْسُ حُرُوفِهِ وَ تِلَاوَةُ سُوَرِهِ وَ دَرْسُ أَعْشَارِهِ وَ أَخْمَاسِهِ، حَفِظُوا حُرُوفَهُ وَ أَضَاعُوا حُدُودَهُ، وَ إِنَّمَا هُوَ تَدَبُّرُ آيَاتِهِ وَ الْعَمَلُ بِأَحْكَامِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

كِتٰابٌ أَنْزَلْنٰاهُ إِلَيْكَ مُبٰارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيٰاتِهِ"

.

قوله: فَالتّٰالِيٰاتِ ذِكْراً، عُذْراً أَوْ نُذْراً (1) قيل: هي الملائكة تلقي بالوحي إلى الأنبياء عذرا من الله و إنذارا و" تَلَوْتُ الكتاب تِلَاوَةً". و التَّالِي في‌

قَوْلِهِمْ (ع)

:" وَ يَلْحَقُ بِنَا

التَّالِي

"

هو المرتاد الذي يريد الخير ليؤجر عليه. و" تَلَوْتُ الرجل أَتْلُوهُ تُلُوّاً"- على فعول تبعته، فأنا تَالٍ، و تِلْوٌ أيضا وزان حمل.

(توا)

فِي الْحَدِيثِ

:" الْقَصْدُ مَثْرَاةٌ وَ السَّرَفُ

مَتْوَاةٌ

"

أي فقر و قلة. و التَّوَى- مقصور و يمد-: هلاك المال يقال:" تَوِيَ المال"- بالكسر-" تَوىً" و" تَوَاءً" هلك. و هذا" مال تَوٍ"- على فعل. و منه‌

حَدِيثٍ السَّلَفِ فِي اللَّحْمَ

:" يُعْطِيكَ مَرَّةً السَّمِينَ وَ مَرَّةً

التَّاوِيَ

"

أي الضعيف الهالك. و منه قوله:" فما تَوِيَ فعلي" أي ما هلك من المال يلزمني. و منه‌

الْحَدِيثُ

:" جِهَادُ الْمَرْأَةِ أَنْ تَصْبِرَ عَلَى مَا

تَوِيَ

مِنْ أَذَى زَوْجِهَا".

____________

(1). الآيتان المفسرتان معا هما في سورتي الصافات آية 4 و المرسلات آية 7 و لا نعلم ما الربط بينهما حتى فسرهما معا.

72

باب ما أوله الثاء

(ثبا)

قوله تعالى: فَانْفِرُوا ثُبٰاتٍ أي جماعات متفرقة، جمع" ثبة" من" ثَبَّيْتُ على فلان تَثْبِيَةً" إذا ذكرت متفرق محاسنه. و تجمع أيضا على" ثُبِينٍ". و قال الجوهري: و أصلها" ثُبَيٌّ" و الجمع" ثُبَاتٌ" و" ثُبُونٌ" و" أَثَابِيُّ".

(ثدى)

فِي الْحَدِيثِ

:" حَدُّ الْقَبْرِ إِلَى

الثَّدْيِ

"

- بالفتح و سكون المهملة و خفة الياء يذكر و يؤنث- و هو للمرأة و الرجل، و الجمع" أَثْدٍ" و" ثُدُيٌّ" على فعول، و" ثِدِيّ" بكسر الثاء، و ربما جاء على" ثِدَاء" كسهم و سهام، و المعنى: أن منتهى الحفرة في الأرض ذلك، و عد من الفضل دون الفرض. و الثَّنْدُوَةُ للرجل بمنزلة الثَّدْيِ للمرأة- قاله الجوهري. قال: و قال الأصمعي: هي مغرز الثَّدْيِ و حكي عن ابن السكيت: هي اللحم الذي حول الثَّدْيِ. و" ذو الثُّدَيَّةِ" لقب رجل من الخوارج، اسمه ثرملة قتل يوم النهروان (1). فمن قال في الثَّدْيِ: أنه مذكر، يقول: إنما أدخلوا الهاء في التصغير لأن معناه اليد و هي مؤنثة، و ذلك أن يده كانت قصيرة مقدار الثدي، يدل على ذلك أنهم يقولون فيه:" ذو الثُّدَيَّةِ" و" ذو اليدية" و قيل: هو تصغير الثَّنْدُوَةِ- بحذف النون- لأنها من تركيب الثَّدْيِ، و انقلاب الياء فيها واوا لضم ما قبلها، و لم يضر ارتكاب الشاذ لظهور الاشتقاق.

(ثرا)

قوله تعالى: وَ مٰا تَحْتَ الثَّرىٰ الثَّرَى: التراب الندي، و هو الذي تحت‌

____________

(1). يذكر ذا الثدية في" خدج" و" مرق" أيضا- ز

73

الظاهر من وجه الأرض، فإن لم يكن فهو تراب، و لا يقال: ثَرَى. و" المال الثَّرِيُّ"- على فعيل- الكثير (1). و منه:" رجل ثَرْوَانٌ" و" امرأة ثَرْوَى". و الثَّرَاءُ- بالمد-: كثرة المال. و" أَثْرَى الرجل": كثرت أمواله. و الثَّرْوَةُ: كثرة العدد. و‌

فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:" صِلَةُ الرَّحِمِ

مَثْرَاةٌ

لِلْمَالِ"

بالفتح فالسكون على مفعلة مكثرة للمال‌

" مَنْسَأَةٌ لِلْأَجَلِ"

أي موسعة للعمر. و الثُّرَيَّا- بالقصر-: النجم المعروف، تصغير" ثَرْوَى"، يقال: إن خلال أنجمها الظاهرة كواكب خفية كثيرة العدد.

(ثغا)

الثُّغَاءُ- بالضم و المد-: صوت الشاة، يقال:" ثَغَتِ الشاة تَثْغُو ثُغَاءً" مثل صراخ وزنا و معنى، فهي ثَاغِيَةٌ. قالوا:" ما له ثَاغِيَةٌ و لا راغية" أي لا نعجة و لا ناقة، أي ما له شي‌ء.

(ثفا)

فِي الْحَدِيثِ

:"

أَثَافِيُّ

الْإِسْلَامِ ثَلَاثَةٌ: الصَّلَاةُ وَ الزَّكَاةُ وَ الْوَلَايَةُ، لَا تَصِحُّ وَاحِدَةٌ إِلَّا بِصَاحِبَتِهَا"

الْأَثَافِيُّ: جمع الْأُثْفِيَّةِ- بالضم و الكسر- على أفعولة، و هي الحجارة التي تنصب و يجعل القدر عليها، و قد تخفف الياء في الجمع، و استعارها هنا لما قام الإسلام عليه و ثبت كثبوت القدر على الْأَثَافِيِّ.

(ثنا)

قوله: ثٰانِيَ اثْنَيْنِ أي أحد اثْنَيْنِ- كقوله ثٰالِثُ ثَلٰاثَةٍ- و هما رسول الله و أبو بكر، و انتصابه على الحال، أو هما بدل من إِذْ أَخْرَجَهُ و إِذْ يَقُولُ بدل ثَانٍ. قوله: يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ أي يطوون على معاداة النبي (ص)

نُقِلَ

:" أَنَّ قَوْماً مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: إِذَا أَغْلَقْنَا أَبْوَابَنَا

____________

(1). يذكر في" بنا" ابن الدّنيا لصاحب الثّروة و في" طمح" حديثا في الثّروة- ز

74

وَ أَرْخَيْنَا سُتُورَنَا وَ اسْتَغْشَيْنَا ثِيَابَنَا وَ

ثَنَيْنَا

صُدُورَنَا عَلَى عَدَاوَةِ مُحَمَّدٍ كَيْفَ يَعْلَمُ بِنَا، فَأَنْبَأَهُ اللَّهُ عَمَّا كَتَمُوهُ، فَقَالَ تَعَالَى:

أَلٰا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيٰابَهُمْ يَعْلَمُ مٰا يُسِرُّونَ وَ مٰا يُعْلِنُونَ"

.

قوله: مَثْنىٰ وَ ثُلٰاثَ وَ رُبٰاعَ* يعني اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ و ثلاثا ثلاثا و أربعا أربعا. قيل: و ليست الواو هنا على حالها و إلا لزم الجمع بين تسع نسوة، و أجيب: بأن الجمع في الحكم لا يستلزم الجمع في الزمان فلا محذور. قوله: مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ الآية،

قَالَ (ص)

:

مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ

عَنَى الْأَهْلِيَّ وَ الْجَبَلِيِّ

وَ مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ

عَنَى الْأَهْلِيَّ وَ الْجَبَلِيِّ

وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ

عَنَى الْأَهْلِيَّ وَ الْوَحْشِيَّ

وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ

عَنَى الْبَخَاتِيِّ وَ الْعِرَابَ

(1)

.

قوله: وَ لَقَدْ آتَيْنٰاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثٰانِي يعني سورة الحمد، إذ هي سبع آيات اتفاقا، و ليس في القرآن ما هو كذلك، غير أن بعضهم عد البسملة، دون صِرٰاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ و بعضهم عكس.

قِيلَ

: وَ الْمُرَادُ

بِالتَّسْمِيَةِ

مُطْلَقُ التَّكْرِيرِ لِأَنَّهَا تَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَ مَرَّاتٍ فَصَاعِداً، وَ قِيلَ: لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي كُلِّ صَلَاةٍ.

و في أنها مكية أو مدنية خلاف، و الأول مروي عن ابن عباس. و‌

فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:" أَنَّهُ قَالَ:

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

آيَةٌ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَ هِيَ سَبْعُ آيَاتٍ تَمَامُهَا

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ

وَ لَقَدْ آتَيْنٰاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثٰانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ

وَ إِنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ أَشْرَفُ مَا فِي كُنُوزِ الْعَرْشِ، وَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَصَّ مُحَمَّداً وَ شَرَّفَهُ بِهَا، وَ لَمْ يُشْرِكْ مَعَهُ فِيهَا أَحَداً مِنْ أَنْبِيَائِهِ، خَلَا سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ فَإِنَّهُ أَعْطَاهُ مِنْهَا

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

، أَلَا فَمَنْ قَرَأَهَا مُعْتَقِداً لِمُوَالاةِ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّاهِرِينَ، مُنْقَاداً لِأَمْرِهَا، مُؤْمِناً بِظَاهِرِهَا وَ بَاطِنِهَا، أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا حَسَنَةً، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَفْضَلُ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا بِمَا

____________

(1). تفسير عليّ بن إبراهيم 1/ 219.

75

فِيهَا مِنْ أَصْنَافِ أَمْوَالِهَا وَ خَيْرَاتِهَا، وَ مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى قَارِئٍ يَقْرَأُهَا كَانَ لَهُ مَا لِلْقَارِئِ، فَلْيَسْتَكْثِرْ أَحَدُكُمْ مِنْ هَذَا الْخَيْرِ الْمُعْرَضِ لَكُمْ، فَإِنَّهُ غَنِيمَةٌ لَا يَذْهَبَنَّ أَوَانُهُ فَيَبْقَى فِي قُلُوبِكُمْ حَسْرَةً"

(1)

.

و سمي القرآن مَثَانِيَ لأن الأنباء و القصص تُثَنَّى فيه، أو لاقتران آية الرحمة بآية العذاب. و قيل: هي سبع سور، و قيل: هي السبع الطوال و السابعة الأنفال و براءة لأنهما في حكم سورة واحدة. و‌

فِي الْخَبَرِ عَنْهُ (ص)

:" أُعْطِيتُ السُّوَرَ الطِّوَالَ مَكَانَ التَّوْرَاةِ، وَ أُعْطِيتُ الْمِئِينَ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ، وَ أُعْطِيتُ

الْمَثَانِيَ

مَكَانَ الزَّبُورِ، وَ فُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ"

(2)

،

و لعله أراد بِالْمَثَانِي سورة الفاتحة. و‌

فِي حَدِيثِ أَهْلِ الْبَيْتِ

:" نَحْنُ

الْمَثَانِي

الَّتِي أَعْطَاهَا اللَّهُ نَبِيَّنَا (ص)"

و معنى ذلك- على ما ذكره الصدوق (ره)-: نحن الذين قرننا النبي (ص) إلى القرآن، و أوصى بالتمسك بالقرآن و بنا، و أخبر أمته بأن لا نفترق حتى نرد على الحوض. و‌

فِي حَدِيثٍ وَصَفَهُ (ص)

:" لَيْسَ بِالطَّوِيلِ

الْمُتَثَنِّي

"

و هو الذاهب طولا، و أكثر ما تستعمل في طويل لا عرض له. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" الْوُضُوءُ

مَثْنَى مَثْنَى

"

أي مرتان في الغسل، أو غسلتان و مسحتان.

____________

(1). البرهان 1/ 41.

(2). روى في الصافي هذا الخبر عن الكافي، ثم قال: اختلف الأقوال في تفسير هذه الألفاظ، أقربها إلى الصواب و أحوطها لسور الكتاب: أن الطول- كصرد- هي السبع الأول بعد الفاتحة على أن يعد الأنفال و البراءة واحدة لنزولهما جميعا في المغازي و تسميتهما بالقرينتين، و المئين من بني إسرائيل إلى سبع سور سميت بها لأن كلا منها على نحو مائة آية، و المفصل من سورة محمد إلى آخر القرآن سميت به لكثرة الفواصل بينها، و المثاني بقية السور و هي التي تقصر عن المئين و تزيد على المفصل، كأن الطول جعلت مبادى‌ء- تارة- و التي تليها مثاني لها لأنها ثنت الطول أي تلتها، و المئين جعلت مبادى‌ء- أخرى- و التي تلتها مثاني لهما.

76

و" صلاة الليل مَثْنَى مَثْنَى" أي ركعتان ركعتان. و" الإقامة مَثْنَى مَثْنَى" (1) أي يكرر فيها اللفظ. و" اثْنِ على ربك" أي اذكره ذكرا حسنا جميلا، من" الثَّنَاءِ"- بالمد- و هو الذكر الحسن و الكلام الجميل (2)، يقال:" أَثْنَيْتُ على زيد"- بالألف- مدحته. و الاسم" الثَّنَاءُ" و استعماله في الذكر الجميل أكثر من القبيح. و قوله:" لا أحصي ثَنَاءً عليك" يأتي في" حصى إن شاء الله تعالى. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" مَنْ أُتِيَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَلْيُكَافِئْ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَجَزَ

فَلْيُثْنِ

، وَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ كَفَرَ النِّعْمَةَ"

أراد: فليثن على من جاء بها. و الثُّنْيَا- بالضم مع القصر-: الاسم من الاستثناء، و كذلك الثَّنْوَى- بالواو مع فتح الثاء. و‌

فِي حَدِيثِ زُرَارَةَ

- وَ قَدْ حَصَرَ النَّاسَ بِمُؤْمِنٍ وَ كَافِرٍ-" فَأَيْنَ أَهْلُ

ثَنْوَى

اللَّهِ"

أي الذين اسْتَثْنَاهُمُ الله بقوله: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ الآية. و في بعض نسخ الحديث غير ذلك. و‌

فِي الْخَبَرِ

:" الشُّهَدَاءُ

ثَنِيَّةُ

اللَّهِ"

أي الذين استثناهم في قوله: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلّٰا مَنْ شٰاءَ اللّٰهُ. و‌

فِيهِ

:" نَهَى عَنِ

الثُّنْيَا

إِلَّا أَنْ تُعْلَمَ"

و هي- على ما قيل- أن يستثنى في عقد البيع شي‌ء مجهول، و قيل: أن يباع شي‌ء جزافا، فلا يجوز أن يستثنى منه شي‌ء قل أو كثر. و‌

فِيهِ

:" مَنِ

اسْتَثْنَى

فَلَهُ

ثُنْيَاهُ

"

أي ما استثناه. و الِاسْتِثْنَاءُ- من" ثَنَيْتُ الشي‌ء أَثْنِيهِ ثَنْياً" من باب رمى- إذا عطفته و رددته. و" ثَنَيْتُهُ عن مراده" إذا صرفته عنه‌

____________

(1). يذكر في" ثلث" شيئا في المثنى و نحوه- ز

(2). يذكر شيئا في" نثا" في الثناء- ز

77

و عدلته. و على هذا فَالاسْتِثْنَاءُ: صرف العامل عن الْمُسْتَثْنَى (1). و" ثَنَّيْتُ الشي‌ء"- بالتشديد-: جعلته اثْنَيْنِ. و الثِّنَى- بالكسر و القصر-: الأمر يعاد مرتين. و" الثَّنِيَّةُ من الأسنان" جمعها" ثَنَايَا" و" ثَنَايَاتٌ" و هي في الفم أربع في الأعلى و الأسفل. و" الثَّنِيُّ" الجمل الذي يدخل في السنة السادسة، و" الناقة ثَنِيَّةٌ" و" الشي‌ء" الذي ألقى ثَنِيَّتَهُ. و هو من ذوات الظلف و الحافر في السنة الثالثة، و من ذوات الخف في السنة السادسة، و هو بعد الجذع، و الجمع" ثِنَاءٌ"- بالكسر و المد- و" ثُنْيَان" مثل رغيف و رغفان. و‌

مِنْهُ

:" سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ أَسْلَمَ فِي الْغَنَمِ ثَنِيَّانِ وَ جَذَعَانِ"

(2)

و" أثنى": إذا ألقى ثنيته" فهو ثني" فعيل بمعنى فاعل. و على ما ذكرناه من معرفة الثني الجمع من أهل اللغة. و قيل: الثني من الخيل: ما دخل في الرابعة، و من المعز، ما له سنة و دخل في الثانية. و قد جاء‌

فِي الْحَدِيثِ

:" وَ

الثَّنِيُّ

مِنَ الْبَقَرِ وَ الْمَعْزِ هُوَ الَّذِي تَمَّ لَهُ سَنَةٌ".

و في المجمع: الثَّنِيَّةُ من الغنم: ما دخل في الثالثة، و كذا من البقر و الإبل في السادسة، و الذكر" ثَنِيٌّ"، و عن أحمد: من المعز: ما دخل في الثانية (3) انتهى. و الثَّنِيَّةُ: الطريق العالي في الجبل، و قيل: كالعقبة فيه. و منه:" مكة يأتيها رزقها من أعلاها‌

____________

(1). يذكر في" سبح" شيئا في الاستثناء، و كذا في" قول" و" الا"- ز

(2). يذكر في" سلم" معنى الإسلام و الإسلاف و كيفيته- ن

(3). يذكر في" قرح" شيئا في ذي الحافر، و في" حور" شيئا في الإبل، و في" تبع" شيئا في البقر- ز

78

و أسفلها و الثَّنِيَّةُ" يريد المعلى و المسفل و عقبة المدنيين. و منه‌

الْخَبَرُ

:" وَ كَانَ (ص) يَدْخُلُ مَكَّةَ مِنَ

الثَّنِيَّةِ

الْعُلْيَا وَ يَخْرُجُ مِنَ السُّفْلَى".

و الثَّنِيَّةُ العليا: التي تنزل منها إلى المعلى مقابر مكة، و السفلى عند باب شبكة. قيل: و السر في ذلك قصد أن يشهد له الطريقان. و الِاثْنَانِ: اسم من أسماء العدد، حذفت لامه ثم عوض همزة وصل فقيل:" اثْنَانِ" كما يقال:" ابنان" و مؤنثه" اثْنَتَانِ" و في لغة" ثِنْتَانِ" بغير همز، ثم سمي اليوم به فقيل:" يوم الْإِثْنَيْنِ" و هو أحد أيام الأسبوع، لا يُثَنَّى و لا يجمع، و إذا عاد عليه ضمير جاز الإفراد فيه على معنى اليوم، و هو الأصح، فيقال:" مضى يوم الْإِثْنَيْنِ بما فيه" و الثاني اعتبار المعنى، فيقال:" بما فيهما". و" جاء في أَثْنَاءِ الأمر" أي في خلاله. و" ثَنَى رجليه"- بخفة النون- أي عطف، و" يَثْنِى رجليه" أي يعطفهما. و منه‌

الْحَدِيثُ

:" مَنْ قَالَ وَ هُوَ

ثَانٍ

رِجْلَيْهِ"

أي عاطفهما. و الثَّنَوِيَّةُ: من يثبت مع القديم قديما غيره، قيل: و هم فرق المجوس يثبتون مبدأين مبدأ للخير و مبدأ للشر و هما النور و الظلمة، و يقولون بنبوة إبراهيم (ع). و قيل: هم طائفة يقولون: إن كل مخلوق مخلوق للخلق الأول، و قد شهد لبطلان قولهم‌

قَوْلُهُ (ع) فِي وَصْفِ الْحَقِّ تَعَالَى

:" لَا مِنْ شَيْ‌ءٍ كَانَ وَ لَا مِنْ شَيْ‌ءٍ خَلَقَ مَا كَانَ"

(و بهذا يبطل) جميع حجج الثنوية و شبههم (1).

(ثوا)

قوله: أَكْرِمِي مَثْوٰاهُ أي اجعلي مقامه عندنا كريما، أي حسنا. قوله: مَثْوىً لَهُمْ* أي منزلا لهم. قوله: ثٰاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ

____________

(1). يذكر في" بيض" و" زندق" شيئا في الثنوية- ز

79

أي مقيما عندهم. قوله: النّٰارُ مَثْوٰاكُمْ أي مقامكم. و الثَّوَاءُ: الإقامة. و الْمَثْوَى- بالفتح-: المنزل، من ثَوَى بالمكان يَثْوِي ثَوَاءً- بالمد-: إذا أقام فيه، و الجمع:" مَثَاوِي". و منه:" أصلحوا مَثَاوِيكُمْ". و منه‌

الدُّعَاءُ

:" اللَّهُمَّ عَظُمَ

مَثْوَايَ

"

أي منزلي عندك و مقامي. و‌

مِنْهُ

:" وَ اجْعَلْنِي مَعَ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ فِي كُلِّ

مَثْوًى

وَ مُنْقَلَبٍ".

و‌

فِي حَدِيثِ الْمَيِّتِ مَعَ إِخْوَانِهِ

:" أَشْكُو إِلَيْكُمْ طُولَ

الثَّوَاءِ

فِي قَبْرِي"

أي الإقامة فيه. و أما قول الأعشى:

لَقَدْ كَانَ فِي حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتُهُ * * * تَقَضِّي لُبَانَات و يَسْأَمَ سائم

فحكى الجر في" ثَوَاءٍ" مع كونه اسما لكان لمجاورة" حول"، و" تقضي" ممكن البدلية من اسم كان، و" لُبَانَات" جمع" لُبَانَة"- بالضمّ- و هي الحاجة، و السَّآمَة: الملالة، و الجملة مقدرة بالمصدر لصحة العطف، أي سَآمَة السائم و ملالة المال، و ربما احتمل غير ذلك من الإعراب فإنه باب واسع. و‌

فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:" عِبَادَ اللَّهِ إِنَّكُمْ وَ مَا تَأْمُلُونَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا

أَثْوِيَاءُ

مُؤَجَّلُونَ وَ مَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ"

" أَثْوِيَاءُ" جمع" ثَوِيّ" و هو الضّيف، و يتمّ الكلام في" دين". و الثُّوَيَّةُ- بضم الثاء و فتح الواو و تشديد الياء، و يقال: بفتح الثاء و كسر الواو-: موضع بالكوفة به قبر أبي موسى الأشعري و المغيرة بن شعبة- قاله في المجمع و غيره. و الثَّوِيَّةُ: حدّ من حدود عرفة، و في الحديث:" ليست منها".

80

باب ما أوله الجيم

(جا)

فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:" لَأَنْ أَطَّلِيَ

بِجِوَاءِ

قِدْرٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَطَّلِيَ بِالزَّعْفَرَانِ"

يريد به سواد القدر، من الْجُؤْوَةِ، و هي لون الحمرة تضرب إلى السواد. و جأى عليه جأيا" أي عض قاله الجوهري.

(جأجأ)

فِي الْحَدِيثِ

:" يَنْبَغِي لِمَنْ سَجَدَ سَجْدَةَ الشُّكْرِ أَنْ يُلْصِقَ

جُؤْجُؤَهُ

بِالْأَرْضِ".

الْجُؤْجُؤُ: بضم المعجمتين من الطائر و السفينة صدرهما. و قيل: الْجُؤْجُؤُ عظام الصدر، و منه‌

حَدِيثُ سَفِينَةِ نُوحٍ (ع)

:" فَضَرَبَتْ

بِجُؤْجُؤِهَا

حَوْلَ الْجَبَلِ"

(1)

و المراد بالجبل ما قرب من نجف الكوفة. و الجمع: الْجَآجِئ. و" جَأْجَأْتُ بالإبل" إذا دعوتها للشرب- قاله الجوهري نقلا عن الأموي.

(جبا)

قوله تعالى: ثُمَّ اجْتَبٰاهُ رَبُّهُ أي اختاره و اصطفاه و قربه إليه. قوله: وَ اجْتَبَيْنٰاهُمْ أي اخترناهم، و مثله: يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ. قوله: لَوْ لٰا اجْتَبَيْتَهٰا أي هلا اخترتها لنفسك، و قيل: هلا تقبلتها من ربك، و قيل: هلا أبيت بها من قبل نفسك، فليس كل ما تقوله وحيا من السماء. قوله: يُجْبىٰ إِلَيْهِ ثَمَرٰاتُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ أي يجمع، قيل: كلهم قرأ بالياء من تحت غير نافع فإنه قرأ بالتاء على التأنيث. و" يُجْبَى لهم الفي‌ء" أي يجمع لهم الخراج. و الْجَابِي: الذي يدور في الْجِبَايَةِ (2). يقال:" جَبَيْتُ الخراج جِبَايَةً" و‌

____________

(1). الكافي 2/ 124.

(2). يذكر في" شعر" الجبائي- ز

81

" جَبَوْتُهُ جِبَاوَةً": جمعته- قال الجوهري: و لا يهمز. و الْجَوَابِيّ (1): الحياض الكبار، جمع" جَابِيَة" لأن الماء يُجْبَى فيها، أي يجمع. و‌

فِي الْخَبَرِ

:" مَنْ

أَجْبَى

فَقَدْ أَرْبَى"

قيل: هو من" أَجْبَأْتُ الزرع" إذا بعته قبل أن يبدو صلاحه. و‌

فِي الدُّعَاءِ

" وَ

أَجْبَأَ

بِشُعَاعِهِ ظُلْمَةَ الْغَطَشِ"

أي وارى.

(جثا)

قوله تعالى جِثِيًّا* أي على الركب لا يستطيعون القيام بما هم فيه، واحدهم" جَاثٍ" و تلك جلسة المخاصم و المجادل، و‌

فِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ جِثِيًّا*

يَعْنِي فِي الْأَرْضِ إِذَا تَحَوَّلَتْ نِيرَاناً.

و‌

فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:" أَنَا أَوَّلُ مَنْ

يَجْثُو

لِلْخُصُومَةِ"

أي يجلس على الركب و أطراف الأصابع عند الحساب. و منه: وَ تَرىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جٰاثِيَةً و قيل: جَاثِيَةٌ مجتمعة، و الأول أعرف. و الْجُثُوُّ و الْجُثِيُّ- بالضم فيهما- بمعنى. و الفعل جَثَا- كدعا و رمى-.

(جخا)

فِي الْخَبَرِ

:" إِنَّهُ

جَخَّى

فِي سُجُودِهِ"

أي خَوَّى و مدّ ضَبْعَيْهِ و تجافى عن الأرض.

(جدا)

فِي حَدِيثِ الْقِبْلَةِ

:" ضَعِ الْجَدْيَ قَفَاكَ وَ صَلِّ"

الْجَدْيُ- بالفتح فالسكون-: نجم إلى جنب القطب تعرف به القبلة، و يقال له:" جَدْيُ الفرقد" و قيل: هو الْجُدَيّ مصغرا، و الأول أعرف. قال في المغرب نقلا عنه: و المنجمون يسمونه الْجُدَيّ على لفظ التصغير، فرقا بينه و بين البرج. و الْجَدْيُ أيضا من أولاد المعز، و هو ما بلغ ستة أشهر أو سبعة، و الجمع" جِدَاءٌ"" و أَجْدٍ" أيضا مثل دلو و دلاء و أدل. و في المصباح عن ابن الأنباري أنه قال: الْجَدْيُ هو الذكر من أولاد المعز و الأنثى عناق، و قيده بعضهم في السنة‌

____________

(1). في قوله تعالى: و جفان كالجواب سورة سبإ آية 13.

82

الأولى ... انتهى. و الْجِدَايَةُ- بكسر الجيم و فتحها-: الذكر و الأنثى من أولاد الظباء، و هو ما بلغ ستة أشهر أو سبعة، بمنزلة الْجَدْيِ من أولاد المعز.

(جدا)

و" ما أَجْدَى فعله شيئا" مستعار من الإعطاء إذا لم يكن فيه نفع. و" أَجْدَى عليك الشي‌ء" كفاك. و" أَجْدَى عليه يُجْدِي" إذا أعطاه. و اجْتَدَى: إذا سأل و طلب. و الْجَدَا: المطر العام، و منه‌

الدُّعَاءُ

:" اللَّهُمَّ اسْقِنَا

جَداً

طَبَقاً"

أي عاما لنا و لغيرنا.

(جذا)

قوله: أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّٰارِ هي بالحركات الثلاث: قطعة غليظة من الحطب فيها نار بغير لهب. و" جَذَا على ركبتيه" لغة في جثا. و منه:" دخلنا عليه و قد جَذَا منخراه و شخصت عيناه".

(جرا)

قوله تعالى: حَمَلْنٰاكُمْ فِي الْجٰارِيَةِ يعني السفينة، سميت بذلك لجريها في البحر. و منه قيل للأمة: الْجَارِيَةُ، على التشبيه لِجَرْيِهَا مستمرة في إشغال مواليها، ثم توسعوا فسموا كل أمة جَارِيَةً و إن كانت عجوزا لا تقدر على السعي، و الجمع: الْجَوَارِي. و الْجَوَارِي: السفن، و منه قوله تعالى: وَ مِنْ آيٰاتِهِ الْجَوٰارِ فِي الْبَحْرِ قيل: قرأ نافع بإثبات الياء في الوصل خاصة، و ابن كثير في الحالين، و الباقون بحذفها فيهما. قوله: فَالْجٰارِيٰاتِ يُسْراً هي السفن تَجْرِي في الماء جريا سهلا، و يقال: ميسرة مسخرة. قوله: بِسْمِ اللّٰهِ مُجْرٰاهٰا وَ مُرْسٰاهٰا أي إجراؤها و إرساؤها و قرئ مَجْرٰاهٰا بالفتح، أي جريها و مَجَارِيهَا، قال الجوهري فيهما: هما مصدران من‌

83

" أُجْرِيَتِ السفينة و أرسيت" و" مَجْرٰاهٰا وَ مُرْسٰاهٰا" من جرت السفينة و رست. انتهى. و الْجَارِيَةُ من النساء: من لم تبلغ الحلم (1). و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ"

و عد منها الصدقة الْجَارِيَةَ، أي الدارة المستمرة غير المنقطعة كالوقف و نحوه من أبواب البر." و جَرَى الماء": سال، خلاف وقف و سكن. و المصدر الْجَرْيُ بفتح الجيم. و" جِرْيَةُ الماء" بالكسر: حالة الْجَرَيَانِ. و" الماء الْجَارِي" هو المتدافع في انحدار و استواء- قاله في المصباح. و" جَرَى القلم بما فيه" أي مضى على ما ثبت عليه حكمه في اللوح المحفوظ. و" جَرَى الأمر" وقع. و" جَرَى عليه القلم" تعلق التكليف به و" جَرَتِ السنة بكذا" أي استمرت به. و منه" السنة الْجَارِيَةُ" أي المستمرة غير المنقطعة. و" الأرزاق الْجَارِيَةُ" الدارة المتصلة. و جَرَيْتُ" إلى كذا" قصدت و أسرعت. و" جَرَى الخلاف بينهم" وقع أو استمر. و‌

" الشَّيْطَانُ

يَجْرِي

فِي ابْنِ آدَمَ

مَجْرَى

الدَّمِ فِي الْعُرُوقِ"

قيل: أي يَجْرِي كيده و تسري وساوسه في العروق و الأبشار مَجْرَى الدم حتى تصل إلى القلب، مع احتمال الحقيقة، فإنه من نار لا يمتنع سريانه كالدم. و" مَجْرَى" إما مصدر أو اسم مكان. و" تَجَارَيْنَا ذكر الصعاليك" أي تذاكرناهم. و الْمُجَارَاةُ في‌

قَوْلِهِ (ع)

:" مَنْ طَلَبَ عِلْماً لِيُجَارِي بِهِ الْعُلَمَاءَ"

هي أن يجري معهم في المناظرة، ليظهر علمه إلى الناس‌

____________

(1). يذكر في" قبب" و" قرر" حديثا في الجارية- ز

84

رياء و سمعة و ترفعا. و أكثر ما يستعمل التَّجَارِي في الحديث يقال:" تَجَارَوا في الحديث" أي جَرَى كل واحد مع صاحبه و جَارَاهُ. و منه:" مُجَارَاةُ من لا عقل له" أي الخوض معه في الكلام. و" تَتَجَارَى بهم الأهواء" أي يتواقعون في الأهواء الفاسدة و يتداعون، تشبيها بِجَرْيِ الفرس. و قيل في‌

قَوْلِهِ (ص)

:" سَيَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ

تَجَارَى

بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ"

أي تسري بهم في عروقهم و مفاصلهم، فتستمر بهم و تتمارى، و تذهب بهم في كل واد. و" اجْتَرَأَ على القول"- بالهمز- أسرع بالهجوم عليه من غير ترو. و الاسم" الْجُرْأَةُ" كغرفة، و ربما تركت الهمزة فيقال" الْجُرَةُ" كالكرة. و الْجَرِي‌ءُ على- فعيل-: اسم من جَرُؤَ جَرَاءَةً كضخم ضخامة. و‌

فِي الدُّعَاءِ

:" لَا تَبْتَلِيَنِي

بِالْجُرْأَةِ

عَلَى مَعَاصِيكَ"

و الْجَرِيُّ- بغير- همز الرسول و الْأَجِيرُ أو الوكيل، لأنه يجري مجرى موكله. و" أَجْرَى الخيل" أي سابق بها. و منه‌

الْحَدِيثُ

:" قَدْ سَابَقَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَ

أَجْرَى

الْخَيْلَ".

و الْجِرْو: ولد الكلب و السباع، و الفتح و الضم لغة، و الجمع" أَجْرَاءٌ" و" جِرَاءٌ" ككتاب.

(جزا)

قوله تعالى: لٰا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً* أي لا تقضي و لا تغني عنها شيئا. يقال: جَزَى الأمر يَجْزِي جَزَاءً مثل قضى يقضي قضاء وزنا و معنى، و الْجُزْءُ من الشي‌ء الطائفة منه، و الجمع" أَجْزَاءٌ" كأقفال. و الجُزْءُ: النصيب، قال تعالى وَ جَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبٰادِهِ جُزْءاً أي نصيبا، و قيل: بنات، و في التفسير: أن مشركي العرب قالوا: إن الملائكة بنات الله، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

85

و" جَازَاهُ بفعله" إذا كافأه، قال تعالى: وَ هَلْ نُجٰازِي إِلَّا الْكَفُورَ و قرئ بالنون و نصب الكفور، و قرئ بالياء و رفع الكفور، أي و هَلْ يُجَازَى بمثل جَزَائِهِمْ إلا الكَفُورُ. قوله: وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ قيل: قرأ أهل الكوفة فَجَزٰاءٌ منونا و رفع" مِثْلُ" تقديره: فالواجب جَزَاءٌ، فيكون خبرا، أو: فعليه جَزَاءٌ، فيكون مبتدأ، و" مِثْلُ" صفته على التقديرين، و الباقون بضم" جَزَاءُ" و إضافته إلى" مِثْلِ". قوله: مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزٰاؤُهُ قيل: هكذا كان في شرع يعقوب (ع). و الْجِزْيَةُ: الخَراج المعروف المجعول على رأس الذمي، يأخذه الإمام (ع) في كل عام. قال تعالى: حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ قيل: سميت بذلك لأنها قضاية منهم لما عليهم، و قيل: لأنها يُجْتَزَأُ بها و يكتفى بها منهم، يقال" أَجْزَأَنِي الشي‌ء": كفاني، من جَزَأَ" بمعنى كفى. و الْمُجَازَاةُ: المكافأة. و‌

فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ

:" الصَّوْمُ لِي وَ أَنَا

أَجْزِي

عَلَيْهِ"

بفتح الهمزة، أي أكافئ عليه، من" جَزَى" بمعنى كفى لا من" أَجْزَأَ" الذي هو من الْإِجْزَاءِ، إذ لا معنى له. و قد كثر الكلام في توجيهه، و أحسن ما قيل فيه هو: أن جميع العبادات التي يتقرب بها إلى الله تعالى من صلاة و غيرها- قد عبد المشركون بها ما كانوا يتخذون من دون الله أندادا، و لم يسمع أن طائفة من طوائف المشركين و أرباب النحل في الأزمنة المتقدمة عبدت إلها بالصوم و لا تقربت إليه به، و لا عرف الصوم في العبادات إلا من الشرائع، فلذلك قال تعالى: الصوم لي و من مخصوصاتي و أنا أَجْزِي عليه بنفسي، لا أكله إلى أحد غيري من ملك مقرب و لا غيره، و يكون‌

قَوْلُهُ

:" وَ أَنَا

أَجْزِي

عَلَيْهِ"

بيانا‌

86

لكثرة الثواب، و يكون مستثنى من قوله تعالى: مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا (1) هكذا روي الحديث، و‌

رُوِيَ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى

:" كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَ أَنَا

أَجْزِي

عَلَيْهِ"

و على هذا فيمكن أن يقال فيه: هو أن معنى‌

" كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ"

بحسب ما يظهر من أعماله الظاهرة بين الملإ فإنها بحسب الظاهر له و إن كانت لله في الباطن، بخلاف الصوم فإنه لله تعالى لم يطلع عليه أحد سواه و لم يظهر لأحد غيره، فكان مما استأثر بعلمه دون غيره، و إذا كان بهذه المرتبة العظيمة عند العظيم الواسع كان هو العالم بالجزاء الذي يستحقه الصائم، و فيه من الترغيب ما لا يخفى. و قولهم:" جَزَاهُ الله خيرا" أي أعطاه الله جَزَاءَ ما أسلف من طاعته، و قولهم:" أجْزَأَتْ عنك شاة" هي لغة في" جزت" بمعنى قضتْ. و" أجْزَأْتُ عنك مُجْزَأَ فلان" أي أغنيت عنك مَغْنَاه. و" جَزَّأْتُ الشي‌ء" أي قسمته و جعلته أَجْزَاءَ، و كذلك التَّجْزِئَةُ. و منه:" الملائكة أَجْزَاءٌ" أي أقسام: جُزْءٌ له جناحان، و جُزْءٌ له ثلاثة، و جُزْءٌ له أربعة. و‌

فِي الْخَبَرِ

:" الْهَدْيُ الصَّالِحُ

جُزْءٌ

مِنْ خَمْسَةٍ وَ عِشْرِينَ

جُزْءاً

مِنَ النُّبُوَّةِ".

و مثله:

" الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ

جُزْءٌ

مِنْ كَذَا"

قال بعض الشارحين: معناه: هذه الخلال و نحوها من شمائل الأنبياء فاقتدوا بهم فيها، و لا يريد أن النبوة تَتَجَزَّأُ، و لا أن من جمع هذه الخلال كان فيه جُزْءٌ من النبوة. و فيه:

" وَ أَمَّا خَيْبَرَ فجزأها ثَلَاثَةَ

أَجْزَاءٍ

"

أي ثلاثة أقسام، و وجه ذلك بأن خيبر ذات قرى كثيرة فتح بعضها عنوة و كان له منها الخمس، و كان بعضها صلحا من غير قتال فكان فيئا خاصا به، و اقتضت القسمة أن يكون الجميع بينه‌

____________

(1). يذكر في" خمش" حديثا في آية: و جزاء سيّئة سيّئة مثلها- ز

87

و بين الجيش أثلاثا. و الأَجْزَاءُ- بفتح الهمزة الأولى-: أجزاء القرآن و غيره. و منه‌

حَدِيثُ الصَّادِقِ (ع)

:" عِنْدِي مُصْحَفٌ

مُجَزَّأً

بِأَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ".

وَ مِنْهُ‌

فِي أَوْصَافِ الْحَقِّ تَعَالَى

:" لَا يَتَبَعَّضُ

بِتَجْزِئَةِ

الْعَدَدِ فِي كَمَالِهِ"

قيل في معناه: أن أوصافه الكاملة كثيرة، و هو عالم قادر سميع و نحو ذلك، و مصداق الكل واحد هو ذاته تعالى، و هو منزه عن التَّجْزِئَةِ التي تستلزم الكثرة و العدد.

قَوْلُهُ

:" وَ

يُجْزِيهِ

التَّيَمُّمُ مَا لَمْ يُحْدِثْ"

يقرأ بضمِّ مثنَّاة من الْإِجْزَاءِ، و بفتحها بمعنى كفى (1). و مثله:

" وَ

يُجْزِيهِ

الْمَسْحُ بِبَعْضِ الرَّأْسِ".

و مثله:

"

يُجْزِي

مِنْ ذَلِكَ رَكَعَاتٌ"

كل ذلك يقال بضم الياء و فتحها. و الْجَازِيّ- بالجيم و الزاء-: منسوب إلى الْجَازِيَةِ، قرية.

(جسا)

فِي دُعَاءِ خَتْمِ الْقُرْآنِ

:" وَ سَهَّلْتَ

جَوَاسِيَ

أَلْسِنَتِنَا بِحُسْنِ عِبَارَتِهِ"

كأن المراد: ما صلب منها، من قولهم" جَسَأَتْ يده من العمل تَجْسَى جَساً": صلبت. و الاسم: الْجَسْأَةُ كالجرعة. و‌

فِي بَعْضِ النُّسَخِ

:" حَوَاشِيَ أَلْسِنَتِنَا"

بالحاء المهملة و الشين المعجمة، و المعنى واضح.

(جشا)

فِي الْحَدِيثِ

:" إِذَا

تَجَشَّأْتُمْ

فَلَا تَرْفَعُوا

جُشَاءَكُمْ

إِلَى السَّمَاءِ".

و‌

فِيهِ

:" أَطْوَلُكُمْ

جُشَاءً

فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُكُمْ جُوعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ"

الْجُشَاءُ كغراب صوت مع ريح يخرج من الفم عند شدة الامتلاء. و" جَشَأَتِ الروم": نهضت و أقبلت من بلادها. و" جَشَأَتِ النفس": نهضت من حزن أو فزع. و" جَشَأَ على نفسه" ضيق عليها.

____________

(1). يذكر في" قبل" شيئا في الإجزاء- ز

88

(جفا)

قوله تعالى: تَتَجٰافىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضٰاجِعِ أي ترفع و تنبو عن الفرش، يقال:" تَجَافَى جنبه عن الفراش" إذا لم يستقر عليه من خوف أو وجع أو هم. قال الشيخ أبو علي (ره): و هم المتهجدون بالليل الذين يقومون لصلاة الليل، يدعون ربهم لأجل خوفهم من سخطه و طمعهم في رحمته، قال:

وَ عَنْ بِلَالٍ عَنِ النَّبِيِّ (ص)

:" عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَ إِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ، وَ مَنْهَاةٌ عَنِ الْإِثْمِ، وَ مَكْفَرَةٌ عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَ مَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الْجَسَدِ".

وَ‌

عَنْهُ (ص)

:" شَرَفُ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ وَ عِزُّهُ كَفُّ الْأَذَى عَنِ النَّاسِ".

و الْجُفَاءُ- بالضم و المد-: الباطل. و منه قوله تعالى: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفٰاءً. و الْجُفَاءُ: ما رمى به السيل و القذى من الزبد. و‌

فِي الْخَبَرَ

:" خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ السُّفْلَى مِنَ الْأَرْضِ

الْجُفَاءِ

"

أي من زبد اجتمع. و‌

فِيهِ

- وَ قَدْ قِيلَ لَهُ مَتَى تَحِلُّ الْمَيْتَةُ-" قَالَ: مَا لَمْ

تَجْتَفِئُوا

بَقْلًا"

أي تقتلعوه و ترموا به، من" جَفَأَتِ القدر" إذا رمت بما يجتمع على رأسها من الزبد و الوسخ، و فيه نسخ لا طائل بذكرها. و‌

فِي حَدِيثِ الْمَسْبُوقِ بِالصَّلَاةِ

:" إِذَا جَلَسَ

يَتَجَافَى

وَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْقُعُودِ"

أي يرتفع عن الأرض و يجلس مقعيا غير متمكن، لأنه أقرب إلى القيام. و‌

فِيهِ

:" أَنَّهُ (ع) كَانَ

يُجَافِي

عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ لِلسُّجُودِ"

أي يباعدهما عن جنبيه و لا يلصقهما بهما. و‌

مِنْهُ

:" إِذَا سَجَدْتَ

فَتَجَافَ

"

أي ارتفع عن الأرض و لا تلصق جؤجؤك بها و‌

فِيهِ

:" الِاسْتِنْجَاءُ بِالْيَمِينِ مِنَ

الْجَفَاءِ

"

أي فيه بعد عن الآداب الشرعية. و" تَجَافُوا عن الدنيا" أي تباعدوا عنها و اتركوها لأهلها. و‌

فِي حَدِيثِ الْجَرِيدَةِ لِلْمَيِّتِ

:"

يَتَجَافَى

عَنْهُ الْعَذَابُ مَا دَامَتْ رَطْبَةً"

أي يرتفع‌

89

عنه عذاب القبر ما دامت كذلك. و الْجَفَاءُ- بالمد-: غلظ الطبع و البعد و الإعراض، يقال:" جَفَوْتُ الرجل أجفوه" إذا أعرضت عنه. و الْجَفَاوَةُ: قساوة القلب (1). و‌

فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ (ص)

:" لَيْسَ بِالْجَافِي وَ لَا بِالْمُهِينِ"

(2)

أي ليس بالذي يَجْفُو أحدا من أصحابه، و لا المهين: الذي يهين أصحابه أو يحقرهم في قوله: هُوَ مَهِينٌ أي حقير. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" مَنْ لَا يَفْعَلُ كَذَا

جَفَوْتُهُ

يَوْمَ الْقِيَامَةِ"

(3)

أي أبعدته عني يوم القيامة و لم أقربه إلي. و‌

فِي حَدِيثِ الصَّلَاةِ

:" إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ أَهْلُ

الْجَفَاءِ

مِنَ النَّاسِ"

أي غليظو الطباع البعيدون عن آداب الشرع. و‌

فِي حَدِيثِ الْعِلْمِ

:" لَا يَقْبِضُ اللَّهُ الْعِلْمَ بَعْدَ مَا يُهْبِطُهُ، وَ لَكِنْ يَمُوتُ الْعَالِمُ فَيَذْهَبُ بِمَا يَعْلَمُ، فَتَلِيهِمُ

الْجُفَاةُ

فَيَضِلُّونَ وَ يُضِلُّونَ"

يريد بِالْجُفَاةِ: الذين يعملون بالرأي و نحوه مما لم يرد به شرع. و‌

فِي حَدِيثِ السَّفَرِ

:" زَادُ الْمُسَافِرِ الْحُدَاءُ وَ الشِّعْرُ مَا كَانَ مِنْهُ لَيْسَ فِيهِ

جَفَاءٌ

"

أي بعد عن آداب الشرع. و‌

فِي حَدِيثِ الْإِبِلِ

:" فِيهَا الشَّقَاءُ وَ

الْجَفَاءُ

"

أي المشقة و العناء و عدم الخير، لأنها إذا أقبلت أدبرت.

(جلا)

قوله تعالى: وَ النَّهٰارِ إِذٰا جَلّٰاهٰا أي جَلَّى الظلمة و إن لم يجر لها ذكر، مثلها أنها اليوم بارزة و يريد الغداة. و الْجَلَاءُ: الخروج عن الوطن و البلد. و" قد جَلَوْا عن أوطانهم" و" جَلَوْتُهُمْ أنا" يتعدى و لا يتعدى. قوله: وَ النَّهٰارِ إِذٰا تَجَلّٰى أي ظهر و انكشف. قوله: لٰا يُجَلِّيهٰا لِوَقْتِهٰا أي يظهرها. قوله: فَلَمّٰا تَجَلّٰى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا أي ظهر بآياته التي أحدثها في الجبل، و التَّجَلِّي هو الظهور.

____________

(1). يذكر في" فدد" من فيه الجفاء- ز

(2). مكارم الأخلاق ص 11.

(3). التهذيب 6/ 4.

90

وَ‌

فِي الْحَدِيثِ

:" أَنَّهُ بَرَزَ مِنْ نُورِ الْعَرْشِ مِقْدَارُ الْخِنْصِرِ

فَتَدَكْدَكَ

بِهِ الْجَبَلُ"

و تَدَكْدَكَ: صار مستويا بالأرض، و قيل: صار ترابا، و قيل: ساخ في الأرض (1) و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" الْقُرْآنُ

جَلَاءٌ

لِلْقَلْبِ"

أي يذهب الشكوك و الأحزان، من" جَلَوْتُ السيف": صقلته، أو" جَلَوْتُ بصري بالكحل": كشفت عنه. و‌

مِنْهُ

:" تَحَدَّثُوا فَإِنَّ الْحَدِيثَ

جَلَاءٌ

لِلْقُلُوبِ، إِنَّ الْقُلُوبَ لَتَرِينُ كَمَا يَرِينُ السَّيْفُ، جَلَاؤُهُ الْحَدِيثُ"

برفع" جَلَاؤُه" على الابتداء- كما هو الظاهر من النسخ- و معناه واضح. و الْجِلَاءُ- بالكسر و القصر و المدّ-: الإثمد. و الْجُلَاءُ- بالضم و المد-: حكاكة حجر على حجر يكتحل بها، سميت بذلك لأنها تَجْلُو البصر (2) و" يَجْلُونَ عن الحوض" أي ينفون و يطردون عنه. و منه:" غير مُجْلِينَ عن ورد" و الأشهر بالحاء و الهمزة- كما يأتي في بابه. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" السِّوَاكُ

مَجْلَاةٌ

لِلْبَصَرِ"

أي آلة لتقوية البصر و كشف لما يغطيه. و‌

فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ (ص)

:"

فَجَلَّى

اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ"

بتشديد اللام و تخفيفها: كشفه. و‌

فِي وَصْفِهِ (ص)

:" إِنَّهُ

أَجْلَى

الْجَبْهَةِ"

(3)

أي الخفيف الشعر ما بين النزعتين من الصدغين. و" جَلَوْتُ العروس جِلْوَةٌ" بالكسر- و الفتح لغة- و" جِلَاءٌ" ككتاب، و" اجْتَلَيْتُهَا" مثله. و" أَجْلَى القوم عن القتيل" تفرقوا عنه، بالألف لا غير- نقلا عن ابن فارس.

____________

(1). ساخ في الأرض: دخل و غاب فيه- ه‍

(2). قال في النهاية (جلا): فأما الحلاء بضم الحاء المهملة و المد فحكاكة حجر على حجر يكتحل بها فيتأذى البصر.

(3). مكارم الأخلاق ص 11.

91

(جنا)

قوله تعالى: وَ جَنَى الْجَنَّتَيْنِ دٰانٍ أي ما يُجْتَنَى منهما قريب، يقال:" جَنَيْتُ الثمرة أَجْنِيهَا، و" أَجْتَنِيهَا" بمعنى. و الْجَنَى مثل الحصى ما يُجْنَي من الشجر ما دام غضا، و الْجَنِيُّ على فعيل مثله. و منه قوله: رُطَباً جَنِيًّا أي غضا. و يقال:" جَنِيٌّ" أي مجني طري. و الْجِنَايَةُ- بالكسر-: الذنب و الجرم مما يوجب العقاب و القصاص، و هي في اللغة عبارة عن إيصال المكروه إلى غير مستحق، و في الشرع عبارة عن إيصال الألم إلى بدن الإنسان كله أو بعضه، فالأول جِنَايَةُ النفس و الثاني جِنَايَةُ الطرف. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" لَا

يَجْنِي الْجَانِي

إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ"

هو مثل قوله تعالى:" وَ لٰا تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ* و السبب فيه أن أهل الجاهلية كانوا يرون أخذ الرجل بِجِنَايَةِ غيره من ذوي الرحم و أولي القرابة فجاء الحديث في رده. و" جَنَى على قومه" أي أذنب ذنبا يؤاخذون به. و غلبت الْجِنَايَةُ في ألسنة الفقهاء على الجرح و القطع، و الجمع" جِنَايَاتٌ" و" جَنَايَا"- مثل عطايا- قليل.

(جوا)

فِي الْحَدِيثَ

:" فَنُودِيَ مِنَ

الْجَوِّ

"

و" يسبحون الله في الجو". و‌

فِي حَدِيثِ الشَّمْسِ

:" حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْجَوَّ".

الْجَوُّ- بتشديد الواو-:

ما بين السماء و الأرض (1). و الْجَوُّ أيضا: ما اتسع من الأودية، و الجمع" جِوَاءٌ" كسهام. و الَجْوَاءُ: الهواء، و" جَوُّ السماء": ما تحتها من الهواء، و لعله أراد بِالْجَوِّ في حديث الشمس أعلى دائرة الأفق. و الْأَجْوَاءُ جمع الْجَوِّ، و منه‌

حَدِيثُ عَلِيٍّ (ع)

:" ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتْقَ

الْأَجْوَاءِ

وَ شَقَّ الْأَرْجَاءِ"

أي النواحي.

____________

(1). يذكر في" برر" البرانية و الجرانية- ز

92

و الْجَوَى: الداء في البطن. و في الصحاح: الْجَوَى: الحرقة و شدة الوجد من عشق أو خوف. و‌

مِنْهُ

:" رَحِمَ اللَّهُ مَنْ دَاوَى

أَجْوَاءَهُ

".

و‌

مِنْهُ

:" التَّقْوَى دَوَاءُ

أَجْوَائِهِ

".

و" اجْتَوَيْتُ البلد": كرهت المقام فيه و إن كنت في نعمة. و منه‌

حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ:" إِنِّي قَدِ

اجْتَوَيْتُ

الْمَدِينَةَ"

أي كرهت المقام فيها، و كان ذلك من شدة ما ناله من مقت عثمان. و الْجُوَّةُ مثل الحوة، و هي لون كالسمرة و صدأ الحديد- قاله الجوهري. و الْجَوِيَّةُ- بالجيم و الياء المشددة- بعد الواو- على ما في كثير من النسخ: اسم موضع بمكة.

(جيا)

قوله تعالى: فَأَجٰاءَهَا الْمَخٰاضُ إِلىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ أي جَاءَ بها، و يقال: ألجأها من قولهم:" أَجَأْتُهُ إلى كذا" بمعنى ألجأته و اضطررته إليه. و منه‌

حَدِيثُ الِاسْتِسْقَاءِ

:" أَجَاءَتْنَا الْمَضَائِقُ الْوَعِرَةُ".

و عن الشيخ أبي علي (ره) في تفسيره فَأَجٰاءَهَا الآية: أن" أَجَاءَ" منقول من" جَاءَ" إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء، و المخاض: تمخض الولد في بطنها، أي ألجأها وجع الولادة إلى جذع نخلة في الصحراء يابسة ليس لها ثمر و لا خضرة. قوله: وَ جِي‌ءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ

رُوِيَ

" أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ عُرِفَ فِي وَجْهِهِ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَى أَصْحَابِهِ مَا رَأَوْا مِنْ حَالِهِ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) فَقَالُوا: يَا عَلِيُّ لَقَدْ حَدَثَ أَمْرٌ قَدْ رَأَيْنَاهُ فِي نَبِيِّ اللَّهِ،

فَجَاءَ

عَلِيٌّ (ع) فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَ قَبَّلَ بَيْنَ عَاتِقَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي مَا الَّذِي حَدَثَ الْيَوْمَ؟ قَالَ: جَاءَ جَبْرَئِيلُ فَأَقْرَأَنِي

وَ جِي‌ءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ

قَالَ: فَقُلْتُ: كَيْفَ

يُجَاءُ

بِهَا؟ قَالَ:

يَجِي‌ءُ

بِهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ

93

يَقُودُونَهَا بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ فَتَشْرُدُ شَرْدَةً لَوْ تُرِكَتْ لَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْجَمْعِ".

و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" سُئِلَ عَنِ امْرَأَةٍ كَانَتْ تُصَلِّي الْمَغْرِبَ ذَاهِبَةً وَ

جَائِيَةً

رَكْعَتَيْنِ"

أي آتية، بتقديم الهمزة على الياء، لأن اسم الفاعل من" جَاءَ يَجِي‌ءُ جَاءٍ" و الأصل" جاي‌ء" بتقديم الياء على الهمزة، و لكن وقع الخلاف في إعلاله، فقيل: الأصل في" جاء":" جاي‌ء" فقلبت الياء همزة- كما في صائن- لوقوعها بعد ألف فاعل فصارت" جاءء" بهمزتين قلبت الثانية ياء لانكسار ما قبلها فقيل" جائي" ثم أعل إعلال رام، فوزنه فاع، و إلى هذا ذهب سيبويه، و عند الخليل الأصل" جاي‌ء" نقلت العين إلى موضع اللام و اللام إلى موضع العين و أعلت، و الوزن فالع. و منه‌

قَوْلُهُ (ع)

:" التَّقْصِيرُ بَرِيدٌ ذَاهِبٌ وَ بَرِيدٌ

جَاءٍ

".

و" جَاءَ زيد" أتى و حضر. و يستعمل أيضا بنفسه و بالباء، فيقال:" جِئْتُ شيئا حسنا" إذا فعلته، و" جِئْتُ زيدا" إذا أتيت إليه، و" جِئْتُ به" إذا أحضرته معك. قال في المصباح و قد يقال" جِئْتُ إليه" على معنى ذهبت إليه، و يقال:" جَاءَ الغيث" أي نزل، و" جَاءَ أمر السلطان": بلغ، و الْمَجِي‌ءُ الإتيان، يقال:" جَاءَ مَجِيئاً حسنا" قال الجوهري: و هو شاذ، لأن المصدر من فعل يفعل مفعل بفتح العين، و قد شذ منه حروف فَجَاءَتْ على مفعل كَالْمَجِي‌ءِ و المحيض و المكيل و المصير- انتهى. و الْجِيئَةُ- كالجيعة- الاسم من جَاءَ يَجِي‌ءُ. و الْجِيَّةُ- بالكسر و تشديد الياء-: مستنقع الماء.

94

باب ما أوله الحاء

(حبا)

فِي الْحَدِيثِ

:" إِنَّ أَوَّلَ

حِبَائِكَ

الْجَنَّةُ"

أي عطاؤك، يقال:" حَبَوْتُ الرجل حِبَاءً" بالكسر و المد: أعطيته الشي‌ء بغير عوض، و الاسم منه الْحُبْوَةُ- بالضم (1). و منه" بيع الْمُحَابَاةِ" و هو أن يبيع شيئا بدون ثمن مثله، فالزائد من قيمة المبيع عن الثمن عطية، يقال:" حَابَيْتُهُ في البيع مُحَابَاةً". و الْحِبَاءُ: القرب و الارتفاع، و عليه حمل‌

قَوْلُهُ

:" أَعْلَاهُمْ دَرَجَةً وَ أَقْرَبُهُمْ

حَبْوَةً

زُوَّارُ وَلَدِي عَلِيٍّ (ع)"

أي أعلاهم و أرفعهم عند الله- كذا فسر في كنز اللغة. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" الْعَقْلُ

حِبَاءٌ

مِنَ اللَّهِ وَ الْأَدَبُ كُلْفَةٌ"

يريد أن العقل موهبيّ و الأدب كسبيّ‌

" فَمَنْ تَكَلَّفَ الْأَدَبَ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَ مَنْ تَكَلَّفَ الْعَقْلَ لَمْ يَزْدَدْ بِذَلِكَ إِلَّا

جَهْلًا

"

(2)

أي حمقا، و‌

فِيهِ

" نَهْيٌ عَنِ

الْحِبْوَةِ

فِي الْمَسَاجِدِ"

هي بالكسر و الضم: الاسم من الِاحْتِبَاءِ الذي هو ضم الساقين إلى البطن بالثوب أو اليدين، و لعل العلة لكونها مجلبة للنوم، فربما أفضت إلى نقض الطهارة، أو لكونها جلسة تنافي تعظيم الله و توقيره، كيف لا و هو جالس بين يدي الله تعالى. و منه:" الِاحْتِبَاءُ حيطان العرب" و كان ذلك لأنه يقوم مقام الاستناد إلى الجدران. و‌

فِي الْخَبَرِ

:" نُهِيَ عَنِ

الِاحْتِبَاءِ

فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ"

و علل بأنه ربما تحرك أو تحرك الثوب فتبدو عورته. و حَبَا الصبي يَحْبُو حَبْواً، و حَبَى يَحْبِي حَبْياً- من باب رمى لغة-: إذا مشى على أربع.

____________

(1). و بالكسر أيضا و الفتح فيه أفصح- كما في لسان العرب

(2). صححناه على الكافي كتاب العقل و الجهل الحديث رقم 18 و كان فيه تقديم و تأخير.

95

و منه‌

الْحَدِيثُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَ الْعِشَاءِ

:" لَوْ عَلِمَ الْمُنَافِقُونَ الْفَضْلَ فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَ لَوْ

حَبْواً

"

يعني زحفا على الركب. و صلاة الْحَبْوَةِ هي صلاة جعفر بن أبي طالب المشهورة بين الفريقين، سميت بذلك لأنها حِبَاءٌ من الرسول (ص) و منحة منه، و عطية من الله، تفضل بها على جعفر (رض) (1).

(حثا)

فِي الْحَدِيثِ

:"

احْثُوا

فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ"

(2)

أي ارموا التراب في وجوههم، إجراء للفظ على ظاهره، و قيل: هو كناية عن الخيبة و أن لا يعطوا شيئا، و قيل: هو كناية عن قلة إعطائهم، و يحتمل إرادة دفعهم عنه و قطع لسانهم بما يرضيهم من الرضخ، و أراد بالمداحين الذين اتخذوا مدح الناس عادة و جعلوه بضاعة ليستأكلوا به الممدوح، فأما من مدح على الفعل الحسن و الأمر المحمود ترغيبا و تحريضا للناس على الاقتداء به في أشباهه فليس به بأس. و" حَثَا الرجل التراب يَحْثُوهُ حَثْواً" و" يَحْثِيهِ حَثْياً"- من باب رمى- لغة: إذا أهاله بيده، و بعضهم يقول: قبضه بيده ثم رماه. و منه:" فَاحْثُوا التراب في وجهه" و لا يكون إلا في القبض و الرمي. و منه‌

حَدِيثُ الْمَيِّتِ

:"

فَحَثَا

عَلَيْهِ التُّرَابَ

(3)

"

أي رفعه بيده و ألقاه عليه. و قوله:" يكفيه أن يَحْثُوَ ثلاث حَثَيَاتٍ على رأسه" يريد ثلاث غرف على التشبيه. و الْحَثَى- بالفتح و القصر-: دقاق التبن.

(حجا)

فِي الْحَدِيثِ

:" مَنْ بَاتَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَيْسَ عَلَيْهِ

حِجاً

فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ"

أي ليس عليه ستر يمنعه من السقوط. و الْحِجَا- بالكسر و القصر-: العقل شبه الستر به في المنع عن التعرض للهلاك. و‌

رُوِيَ

:" لَيْسَ عَلَيْهِ

حِجَارٌ

"

جمع" حجر" ما يحجر به كالحائط، و قد سبق المعنى في برئت منه الذمة في" برا".

____________

(1). يذكر في" منح" شيئا في الحباء- ز

(2). من لا يحضره الفقيه 4/ 273.

(3). التهذيب 1/ 318.

96

و الْحَجَا- وزان العصا-: الناحية و الجمع" أَحْجَاءٌ". و" أولي الْحِجَا" أصحاب العقول. و منه:" و يختل ذلك على ذي حِجاً" أي ذي عقل. و أَحْجَى: أجدر و أحق. و منه‌

حَدِيثُ عَلِيٍّ (ع)

:" فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا

أَحْجَى

".

و قولهم:" هو حَجِيٌّ بذلك" على فعيل، و" حَجٍ بذلك" أي خليق به. و الْأُحْجِيَّةُ، و الْأُحْجُوَّةُ- بضم الهمزة لغة-: لعبة و أغلوطة يتعاطاها الناس بينهم، و الجمع" الْأَحَاجِي" و يعبر عنها بالألغاز.

(حدا)

في الحديث ذكر الْحِدَأَةِ كعنبة، و هو طائر خبيث، و يجمع بحذف الهاء كعنب. و‌

فِي الْخَبَرِ

:" لَا بَأْسَ بِقَتْلِ الْحِدْوِ لِلْمُحْرِمِ"

(1)

قيل: هو لغة في الوقف على ما آخره ألف بقلب الألف واوا، و المراد به جمع" حِدَأَةٍ" للطائر المعروف، سكنت الهمزة للوقف فصارت ألفا فقلبت واوا، و منهم من يقلبها ياء و يخفف و يشدد. و‌

عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ

:

الْحِدَأَةُ

تَقُولُ:" كُلُّ شَيْ‌ءٍ هَالِكٌ إِلَّا اللَّهَ"

. حدا

و" حَدَا بالإبل حَدْواً و حُدَاءً" مثل غراب: إذا زجرها و غنى لها ليحثها على السير (2). و‌

مِنْهُ

:" زَادُ الْمُسَافِرِ

الْحُدَاءُ

وَ الشِّعْرُ مَا كَانَ لَيْسَ فِيهِ الْخَنَا"

أي الفحش، و في بعض النسخ" جفا" و قد مر في بابه. و‌

قَوْلُهُ

:" وَ سَاكِنٌ الدُّنْيَا

يَحْدُو

بِالْمَوْتِ"

على التشبيه. و مثله:

" وَ طَالِبٌ حَثِيثٌ فِي الدُّنْيَا

يَحْدُوهُ

"

أي يَحْدُو به، و المراد الموت. و‌

فِي الدُّعَاءِ

:" وَ

تَحْدُونِي

عَلَيْهَا خَلَّةٌ وَاحِدَةٌ"

أي تبعثني و تسوقني عليها خصلة واحدة، و هو من حَدْوِ الإبل على ما قيل،

____________

(1). يذكر قتل الحدأة في" فسق" أيضا- ز

(2). يذكر في" غنا" شيئا في حدو الإبل- ز

97

فإنه من أكبر الأشياء على سوقها و بعثها. و فيه ذكر الْحَادِيَيْنِ و هما الليل و النهار، كأنهما يَحْدُوَانِ بالناس للسير إلى قبورهم كالذي يَحْدُو بالإبل.

حدي

و التَّحَدِّي من" حَادَيْتُ فلانا" إذا باريته و نازعته في فعله لتغلبه، أو من" تَحَدَّيْتُ الناس القرآن" طلبت ما عندهم لتعرف أينا أقرأ. قال في المصباح: و هو في المعنى مثل قول الشخص الذي يفاخر الناس بقوله:" هاتوا قوما مثل قومي" أو" مثل واحد منهم". و‌

فِي حَدِيثِ جَابِرٍ

:" فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى

حِدَةٍ

"

أي منفردا وحده و سيأتي في بابه.

(حذا)

و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" لَا يُصَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ

بِحِذَاءٍ

"

هو بالكسر و المد: النعل، و الجمع" أَحْذِيَةٌ" مثل كساء و أكسية. و‌

مِنْهُ

:" لَا تُصَلِّ عَلَى الْجِنَازَةِ بِنَعْلٍ

حَذْوٍ

"

أي نعل يُحْتَذَى به (1). و الْحِذَاءُ أيضا: ما وطأ عليه البعير من خفه. و منه‌

قَوْلُهُ (ع)

:" مَعَهَا

حِذَاؤُهَا

وَ سِقَاؤُهَا"

يعني الناقة. و" حَاذَيْتُ الشي‌ء" صرت بِحِذَائِهِ و بجنبه. و منه‌

حَدِيثُ الْمَأْمُومِ

:" يَقُومُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ

بِحِذَائِهِ

"

أي بجنبه مساويا له من غير تأخر اللهم، إلا بالعقب. و مثله:" المرأة تصلي بِحِذَاءِ الرجل" أي بإزائه. و" حَذَوْتُ النعل بالنعل" إذا قدرت كل واحدة من طاقاتها على صاحبتها ليكونا على سواء. و‌

فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ (ص)

:" لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ

حَذْوَ

النَّعْلِ بِالنَّعْلِ"

أي تشابهونهم و تعملون مثل أعمالهم على السواء. و‌

فِي الْخَبَرِ

:" أَخَذَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ

فَحَذَا

بِهَا فِي وُجُوهِ الْمُشْرِكِينَ"

حَذَا: لغة في حثا.

____________

(1). يذكر في" روء" و" ملس" حديثا في الحذاء- ز

98

و" اسْتَحْذَيْتُهُ فَأَحْذَانِي" أي استعطيته فأعطاني. و الاسم" حُذَيَّا" على فعلى- بالضم. و الْحَذِيَّةُ على فعيلة مثل الْحُذَيَّا من الغنيمة، و كذلك الْحِذْوَةُ بالكسر. و الْحُذْوَةُ أيضا: القطعة، و منه‌

الْخَبَرُ

:" يَعْمِدُونَ إِلَى عُرْضِ جَنْبِ أَحَدِهِمْ

فَيَحْذُونَ

مِنْهُ

الْحُذْوَةَ

مِنَ اللَّحْمِ"

و يريد الغيبة. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ مَثَلُ الدَّارِيِّ إِنْ لَمْ

يُحْذِكَ

مِنْ عِطْرِهِ عَلِقَكَ مِنْ رِيحِهِ"

أي إن لم يُعْطِك. و الْحَذِيَّةُ: العطيّة. و قولهم:" لم يُحْذِنِي من العطية" بالضم فالسكون: لم يعطني منها شيئا.

(حرا)

قوله تعالى: فَأُولٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً أي طلبوا الحق. و التَّحَرِّي و التوخي: القصد و الاجتهاد في الطلب و العزم على تخصيص الشي‌ء بالفعل و القول. و منه‌

الْحَدِيثُ

:" لَا

تَتَحَرَّوْا

بِالصَّلَاةِ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَ غُرُوبَهَا"

أي لا تقصدوا بها ذلك. و‌

فِي الْخَبَرِ

:"

تَحَرَّوْا

لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْآخِرِ"

أي تعمدوا طلبها فيها. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" مَنْ

تَحَرَّى

الْقَصْدَ خَفَّتْ عَلَيْهِ الْمُؤَنُ"

أي من طلب القصد في الأمور كان كذلك. و‌

فِيهِ

:"

التَّحَرِّي

يُجْزِي عِنْدَ الضَّرُورَةِ"

أعني طلب ما هو الأحرى في الاستعمال في غالب الظن. و منه:" التَّحَرِّي في الإنائين". و‌

فِيهِ

:" إِنَّكَ

حَرِيٌّ

أَنْ تُقْضَى حَاجَتُكَ"

أي جدير و خليق بذلك. و قد تكرر فيه ذكر الْحَرُورِيِّ و الْحرُورِيَّةُ- بضم الحاء و فتحها- و هم طائفة من الخوارج، نسبوا إلى حَرَوْرَاءَ- بالمد و القصر- موضع بقرب من الكوفة، كان أول مجتمعهم و تحكيمهم فيه، و هم أحد الخوارج الذين قاتلهم علي (ع)، و كان عندهم من التشدد في الدين ما هو‌

99

معروف. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:"

الْحَرُورِيُّ

هُوَ الَّذِي يَبْرَأُ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) وَ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ".

و حِرَاءَ- بالكسر و المد-: جبل بمكة- قاله في المجمع.

(حزا)

فِي الْحَدِيثِ

:" شُرْبُ الْحَزَاءِ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ يَنْفَعُ الْمَعِدَةَ"

الْحَزَاءُ- بفتح الحاء و المد- نبت بالبادية يشبه الكزبرة إلا أنه أعرض ورقا منه. قال في المصباح: و في الدر: هو نبت بالبادية يشبه الكرفس، واحده" حَزَاءَةٌ". و" حَزَوْتُ النخل"- و حَزَيْتُهُ حَزْياً- لغة-: إذا خرصته. و اسم الفاعل" حَازٍ" كقاض. و‌

فِي الْخَبَرِ

" هِرَقْلُ كَانَ

حَزَّاءً

"

بشد الزاي و آخره همزة، من يَحْزُو الأشياء و يقدرها بظنه، لأنه كان ينظر في النجوم، و يقال لمن كان كذلك:" حَزَّاء"، و لخارص النخل:" الْحَازِي" و كان هرقل علم من الحساب أن المولد النبوي كان بقران العلويين ببرج العقرب كذا في المجمع.

(حسا)

فِي الْحَدِيثِ

:" فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) وَ عَلِيٌّ (ع) وَ

حَسَوَا

الْمَرَقَ"

أي شربا منه شيئا بعد شي‌ء. و الْحُسْوَةُ بالضم- و الفتح لغة-: الجرعة من الشراب، مل‌ء الفم مما يحسى مرة واحدة، و الجمع حُسىً و حُسَيَاتٌ مثل مدية و مدى و مديات. و" في الإناء حُسْوَةٌ"- بالضم- أي قدر ما يُحْتَسَى. و الْحَسُوُّ على فعول- بالفتح-: طعام معروف. و‌

فِي الْحَدِيثِ

" مَا التَّلْبِينَةُ؟ قَالَ (ص): الْحَسُوُّ بِاللَّبَنِ".

و الْحَسْوَاءُ- بالفتح و المد-: طبيخ يتخذ من دقيق و ماء و دهن، و قد يحلى لِيُحْسَى.

100

و الْحِسْيُ- بالكسر فالسكون-: ما تشربه الأرض من الرمل عند الحفر فيستخرج منه الماء.

(حشا)

فِي الْحَدِيثِ

" وَ

احْشُ

رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ"

هو على التشبيه، أي أدخلهما فيها و لا تفرق بينهما. و‌

فِي حَدِيثِ الْمُسْتَحَاضَةِ

:" أَمْرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، فَإِنْ رَأَتْ شَيْئاً

احْتَشَتْ (1)

"

أي استدخلت شيئا يمنع الدم من القطر. و به سمي الْحَشْوُ للقطن، لأنه يُحْشَى به. و" حَشَوْتُ الوسادة و غيرها حَشْواً" إذا أدخلت الحشو فيها. و منه:" الحائض تَحْتَشِي بالكرسف ليحتبس الدم". و الْحَشَا- مقصورا- كمعا، و الجمع" أَحْشَاءٌ" كسبب و أسباب. و قولهم:" لا أدري أي الْحَشَا آخذ" أي أي الناحية آخذ.

(حصا)

قوله تعالى: وَ أَحْصىٰ كُلَّ شَيْ‌ءٍ عَدَداً هو من أَحْصَى الشي‌ء إذا عده كله، أي أحصى ما كان و ما يكون منذ يوم خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة من فتنة أو زلزلة أو خسف أو أمة أهلكت فيما مضى أو تهلك فيما بقي، و كم من إمام عادل أو جائر يعرفه باسمه و نسبه، و من يموت موتا أو يقتل قتلا، و كم من إمام مخذول لا يضره خذلان من خذله، و كم من إمام منصور لا تنفعه نصرة من نصره. قوله: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللّٰهِ لٰا تُحْصُوهٰا أي لا تطيقون إحصاءها و الْإِحْصَاءُ يكون علما و معرفة و يكون إطاقة. قوله: ثُمَّ بَعَثْنٰاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصىٰ الآية، أي الفريقين أصوب و أحفظ لِمٰا لَبِثُوا أي مكثوا، يعني أصحاب الكهف في كهفهم، و أَمَداً غاية، و قيل: عددا، و في نصبه وجهان: أحدهما على التفسير- كذا قيل، و في تفسير الشيخ أبي علي: (ره) ثم بَعَثْنٰاهُمْ أي أيقظناهم من نومهم أَيُّ الْحِزْبَيْنِ فيه معنى الاستفهام، و لذلك علق فيه‌

____________

(1). التهذيب 1/ 389.

101

لِنَعْلَمَ فلم يعمل فيه، و أَحْصىٰ فعل ماض، و معناه: أَيُّ الْحِزْبَيْنِ من المؤمنين و الكافرين من قوم أصحاب الكهف أضبط أمدا لأوقات لبثهم، و لا يكون أَحْصىٰ من أفعل التفضيل في شي‌ء، لأنه لا يبنى من غير الثلاثي المجرد، و لم يزل سبحانه عالما بذلك و إنما أراد ما تعلق به العلم من ظهور الأمر لهم ليزدادوا إيمانا، و قيل: يعني ب‍ الْحِزْبَيْنِ أصحاب الكهف و إنهم لما استيقظوا اختلفوا في مقدار لبثهم. قوله: وَ اللّٰهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتٰابَ عَلَيْكُمْ يعني أنه يعسر عليكم ضبط أوقات الليل و حصر ساعاته، بل سبحانه هو المقدر لذلك، أي العالم بمقداره، قوله: فَتٰابَ عَلَيْكُمْ قيل: معناه نسخ الحكم الأول، بأن جعل قيام الليل تطوعا بعد أن كان فرضا، و قيل: معناه لم يلزمكم إثما و لا تبعه، و قيل: معناه خفف عليكم، لأنهم كانوا يقومون الليل كله حتى انتفخت أقدامهم فخفف ذلك عنهم. قوله: وَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ أَحْصَيْنٰاهُ فِي إِمٰامٍ مُبِينٍ

رُوِيَ

:" أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) هُوَ ذَلِكَ الْإِمَامُ"

و‌

رُوِيَ

:" أَنَّهُ (ع) مَرَّ بِأَصْحَابِهِ عَلَى وَادٍ يَضْطَرِبُ نَمْلًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سُبْحَانَ مَنْ يَعْلَمُ عَدَدَ هَذَا النَّمْلِ، فَقَالَ (ع): لَا تَقُلْ كَذَا قُلْ: سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ هَذَا النَّمْلَ، فَقَالَ: كَأَنَّكَ تَعْلَمُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) قَالَ: نَعَمْ وَ اللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُ وَ أَعْلَمُ الذَّكَرَ مِنْهُ مِنَ الْأُنْثَى، فَلَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ إِلَى ذَلِكَ، فَقَالَ (ع): أَ وَ مَا قَرَأْتَ يس؟ فَقَالَ: بَلَى، قَالَ: فَمَا قَرَأْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى:

وَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ أَحْصَيْنٰاهُ فِي إِمٰامٍ مُبِينٍ

؟".

و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَ تِسْعِينَ اسْماً مَنْ

أَحْصَاهَا

دَخَلَ الْجَنَّةَ"

قيل: المراد من حفظها في قلبه، و قيل: من علمها و آمن بها، و قيل: من استخرجها من الكتاب و السنة، و قيل: من أطاق العمل بها، مثل من يعلم أنه سميع بصير يكف سمعه و لسانه عما لا يجوز له، و كذا‌

102

باقي أسمائه، و قيل: من أخطر بباله عند ذكرها معانيها و تفكر في مدلولها معظما لمسماها و مقدسا معتبرا بمعانيها و متدبرا راغبا فيها و راهبا. و‌

فِيهِ

:" تَرْكُكَ حَدِيثاً لَمْ تَدْرِهِ خَيْرٌ مِنْ رِوَايَتِكَ حَدِيثاً لَمْ

تُحْصِهِ

"

أي لم تحط به خبرا، من" الْإِحْصَاءِ": الإحاطة بالشي‌ء حصرا و تعدادا. و‌

فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ

:" لَا

تُحْصِ

فَيُحْصَى عَلَيْكَ"

المراد عد الشي‌ء للقنية و الادخار و الاعتداد به،

"

فَيُحْصَى

عَلَيْكَ"

يحتمل أن يراد به يحبس عليك مادة الرزق و يقلله بقطع البركة حتى يصير كالشى‌ء المعدود، و الآخر أنه يحاسبك في الآخرة. و" الْمُحْصِي" من أسمائه تعالى، و هو الذي أَحْصَى كل شي‌ء بعلمه و أحاط به، فلا يفوته دقيق منها و لا جليل، و لا يعزب عنه مثقال ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لٰا فِي السَّمٰاءِ. و‌

فِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ

:" لَا

أُحْصِي

ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ"

أي لا أطيقه و لا أُحْصِي نعمك و إحسانك و إن اجتهدت‌

" أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ"

و هو اعتراف بالعجز، أي لا أطيق أن أثني عليك كما تستحقه و تحبه، أنت كما أثنيت على نفسك بقولك:" فَلِلّٰهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمٰاوٰاتِ" و" ما" في" كما" موصولة أو موصوفة. و في المصباح: قال الغزالي في الإحياء: ليس المراد أنه عاجز عما أدركه، بل معناه الاعتراف بالقصور عن إدراك كنه جلاله، و على هذا فيرجع المعنى إلى الثناء على الله بأتم الصفات و أكملها التي ارتضاها لنفسه و استأثر بها مما هو لائق بجلاله تعالى- انتهى. و يتم الكلام في" رضا" إن شاء الله تعالى. و‌

فِيهِ

:" نَهَى عَنْ بَيْعِ

الْحَصَاةِ

"

، و فسر بأن يقول: بعتك من السلع ما تقع حصاتك عليه إذا رميت بها، و إذا نبذت إليك الحصاة فقد وجب البيع، و هو بيع كان في الجاهلية. و" الْحَصَاةُ" واحدة" الْحَصَى"

103

و الجمع" حَصَيَاتٌ" مثل بقرة و بقرات- قاله الجوهري. و في القاموس" الْحَصَى": صغار الحجارة الواحدة" حَصَاةٌ" و الجمع" حَصَيَاتٌ" و" حُصِىّ". و الْحَصَاةُ: اللب و العقل.

(حطا)

فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ

:" أَخَذَ النَّبِيُّ (ص) بِقَفَايَ فَحَطَانِي حَطْوَةً"

الْحَطْوُ: تحريك الشي‌ء مزعزعا، و روي بالهمزة من" حَطَأَهُ"- بالهمز-: إذا دفعه بكفه بين الكتفين، و إنما فعله (ص) ملاطفة و تأنيسا.

(حظا)

فِي حَدِيثِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ

:" تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ فِي شَوَّالٍ، وَ بَنَى بِي فِي شَوَّالٍ فَأَيُّ نِسَائِهِ كَانَ

أَحْظَى

مِنِّي"

أي أقرب إليه و أسعد به، من قولهم:" حَظِيَتِ المرأة عند زوجها تَحْظَى حظْوَةً"- بالضم و الكسر-: سعدت به و دنت من قلبه و أحبها. و فيه من الرد على من كره التزويج في شوال ما لا يخفى. و الْحَظْوَةُ- بفتح الحاء-: بلوغ المرام يقال:" حَظِيَ في الناس يَحْظَى" من باب تعب" حِظَةً" وزان فعة و" حَظْوَةً" إذا أحبوه و رفعوه منزلة" فهو حَظِيٌّ" على فعيل. و‌

فِي الدُّعَاءِ

:" وَ مَا يُقَرِّبُ مِنْكَ وَ

يُحْظِي

عِنْدَكَ"

أي ما يوجب لي الحظ عندك و التفضيل و بلوغ المرام، من قولهم:" أَحْظَيْتُهُ على فلان": فضلته عليه.

(حفا)

قوله تعالى: كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهٰا أي كأنك استحفيت بالسؤال عنها حتى علمتها. و الْحَفِيُّ: المستقصي بالسؤال عن الشي‌ء. و" أَحْفَى فلان في المسألة": إذا ألح فيها و بالغ. و منه: فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا أي يلح عليكم و يجهدكم. و الْحَفِيُّ: البار.

104

و منه قوله تعالى: كٰانَ بِي حَفِيًّا أي بارا معينا. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" سَأَلُوا النَّبِيَّ (ص) حَتَّى

أَحْفَوْهُ

"

أي استقصوه بالسؤال. و‌

فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع) مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (ص)

:" وَ سَتُنَبِّئُكَ ابْنَتُكَ النَّازِلَةُ بِكَ

فَأَحْفِهَا

السُّؤَالَ"

أي استقصها فيه تحكي لك ما صدر من المنافقين و أعداء الدين. و من‌

كَلَامِهِ (ص)

:" لَزِمْتُ السِّوَاكَ حَتَّى كِدْتُ

أُحْفِي

فَمِي"

أي أستقصي على أسناني فأذهبها بالتسوك. و‌

فِي الدُّعَاءِ

:" لَا

يُحْفِيهِ

سَائِلٌ"

قيل: معناه أي يمنعه، من" حَفَوْتُ الرجل من كذا": منعته. و‌

مِنْهُ

:" إِنَّ رَجُلًا عَطَسَ عِنْدَهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَقَالَ (ص) لَهُ:

حَفَوْتَ

"

أي منعتنا من أن نشمتك بعد الثلاث. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" كَانَ أَبِي (ع)

يُحْفِي

رَأْسَهُ إِذَا جَزَّهُ"

أي يستقصيه و يقطع أثر الشعر بالكلية، من" أَحْفَى شاربه" من باب أكرم: إذا بالغ في جزه. و‌

فِيهِ

:"

أَحْفُوا

الشَّوَارِبَ"

يقرأ بفتح الألف مع القطع، و بضمها مع الوصل، أي بالغوا في جزها حتى يلزق الجز بالشفة. و في معناه:" أنهكوا الشوارب". و مثله:

" نَحْنُ نَجُزُّ الشَّوَارِبَ وَ

نُعْفِي

اللِّحَى"

أي نتركها على حالها. و في كراهة حلق اللحى و تحريمها وجهان أما تحسينها فحسن، و اختلف في تحديده، فمنهم من حده بجز ما زاد على القبضة، و في الخبر ما يشهد له. و" حَفِيَ الرجل حَفَاءً" مثل سلام من باب تعب: مشى بغير نعل و لا خف" فهو حَافٍ" و الجمع" حُفُاةٌ" كقاض و قضاة. و الْحِفَاءُ- بالكسر و المد-: اسم منه. و منه:

"

حَفِيَ

مِنْ كَثْرَةِ الْمَشْيِ حَتَّى رَقَّتْ قَدَمَاهُ".

و الْحَفْيَا- بالمد و القصر-: موضع بالمدينة على أميال.

105

(حقا)

في الحديث ذكر الْحَقْوِ- بفتح المهملة و سكون القاف-: موضع شد الإزار، و هو الخاصرة، ثم توسعوا حتى سموا الإزار الذي يشد على العورة" حَقْوا" و الجمع" أَحْق" و" حُقِيّ" مثل فلس و أفلس و فلوس، و قد يجمع على" حِقَاءٍ" كسهام. و‌

فِي حَدِيثِ الرَّحِمِ

:" قَامَتْ وَ أَخَذَتْ

بِحَقْوِ

الرَّحْمَنِ"

هو على الاستعارة و التمثيل أي استمسكت به كما يستمسك القريب بقريبه و النسيب بنسيبه.

(حكا)

فِي الْحَدِيثِ

" أَلَا أَحْكِي لَكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ (ص)"

هو من قولهم:" حَكَى الشي‌ء عن غيره حِكَايَةً": إذا أتى به على الصفة التي أتى بها غيره قبله من غير زيادة و لا نقصان منه. و منه الْحِكَايَةُ في العربية، و هو أن تأتي بالقول على ما تسمعه من غيرك كما تقول:" قرأت الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ" و لا تعمل قرأت. و الْحُكْأَةُ العضاءة و جمعها" حُكاً" بالقصر (1) .. و" الْحُكَاءُ" ممدودة ذكر الخنافس.

(حلي)

قوله تعالى: مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً هو بضم الحاء و تشديد الياء جمع" حَلِي"- بفتح الحاء و خفة الياء- اسم لكل ما يتزين به من الذهب و الفضة (2). و منه‌

قَوْلُهُ (ص)

:" تَصَدَّقْنَ وَ لَوْ مِنْ

حُلِيِّكُنَّ

"

و‌

قَوْلُهُ (ع)

:" لَيْسَ فِي

الْحُلِيِّ

زَكَاةٌ"

وَ قَوْلُهُ (ع) فِي حَدِيثِ آدَمَ

:" فَطَارَ

الْحُلِيُّ

وَ الْحُلَلُ مِنْ جَسَدِهِ".

قوله تعالى: حِلْيَةٍ أي ذهب و فضة أَوْ مَتٰاعٍ: حديد و صفر و نحاس و رصاص. و جمع الْحِلْيَةِ" حِلىً" كلحية و لحى،- و يضم- و كذلك جمع الْحِلْيَةِ" بالكسر بمعنى الصفة.

____________

(1). في النهاية (حكا): و جمعها حكاء، و قد يقال بغير همز، و يجمع على حكا مقصورا.

(2). يذكر في" عطل" حديثا في تحلى المرأة- ز.

106

و" تَحَلَّى بِالْحُلِيِّ": تزين به. و" حِلْيَةُ السيف": زينته. و‌

فِي حَدِيثِ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ

:" مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ

حِلْيَةَ

أَهْلِ النَّارِ؟"

لأن الْحَدِيدَ زي بعض الكفار، و هم أهل النار، و قيل: إنما كرهه لريحه و زهوكته. و" حَلَّاهُ تَحْلِيَةً" وصفه و نعته. و منه:

" مَا نَبِيٌّ سَلَفَ إِلَّا كَانَ مُوصِياً بِاتِّبَاعِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ مُحَلِّيَهُ عِنْدَ قَوْمِهِ".

و" حَلِيَ الشي‌ء بعيني" من باب تعب: أعجبني و حسن عندي.

حلا

و" حَلَّيْتُهُ في عين صاحبه" إذا جعلته حُلْواً. و" حَلَا الشي‌ء يَحْلُو حَلَاوَةً فهو حُلْوٌ". و" حَلَا لي الشي‌ء" لذ لي. و" اسْتَحْلَيْتُهُ" وجدته حُلْواً. و الْحَلَاوَةُ" نقيض المرارة. و" احْلَوْلَى الشي‌ء" مثل حَلَا، مبالغة في العذوبة. و منه‌

حَدِيثُ الدُّنْيَا

:" قَدْ تَنَكَّرَتْ وَ

احْلَوْلَتْ

".

و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" حَرَامٌ عَلَى قُلُوبِكُمْ أَنْ تَجِدَ

حَلَاوَةَ

الْإِيمَانِ حَتَّى تَزْهَدَ فِي الدُّنْيَا".

و قد اختلف في حَلَاوَةِ الإيمان هل هي معقولة أو محسوسة؟ و يشهد للثاني الحديث المذكور، مع قول من قال:" وا طرباه غدا ألقى الأحبة محمدا و صحبه". و الْحَلْوَاءُ بالفتح و المد- و يقصر-: الذي يؤكل، و جمع الممدود" حَلَاوِيّ" كَصَحَاري بالتشديد، و جمع المقصور" حَلَاوَى" بفتح الواو. و منه‌

الْحَدِيثُ

:" فَهُوَ

لِحَلْوَائِهِمْ

هَاضِمٌ"

يريد أن مثل هذا يأكل حلواء هؤلاء و يهضمها أي لم يبق لها أثرا في قلبه، و الكلام استعارة و تمثيل. و‌

فِي الْخَبَرِ

:" نَهَى عَنْ

حُلْوَانِ

الْكَاهِنِ"

و هو ما يعطى عند كهانته (1) و الْحُلْوَانُ- بالضم- العطاء غير الأجرة و أصله من الحلاوة.

____________

(1). يذكر في" سحت" حديثا في حلوان الكاهن- و في" كهن" أيضا- ز.

107

و الْحُلْوَانُ أيضا: أن يأخذ الرجل من مهر ابنته، و كانت العرب تعير من يفعل ذلك. و" حُلْوَان" بلد مشهور من سواد العراق و هو آخر مدن العراق، قيل: بينه و بين بغداد خمس مراحل، و هي من طرف العراق من المشرق و القادسية من طرفه من المغرب، قيل: سميت باسم بانيها، و هو حُلْوَانُ بن عمران بن الحارث (1) بن قضاعة.

حلأ

و" المحلأ عن الورد": المطرود عنه. و منه:

" غَيْرَ

مُحَلَّئِينَ

عَنْ وِرْدٍ"

أي غير مطرودين عنه. يقال:" حَلَّأْتُ الإبل- بالتشديد- عن الماء تَحْلِئَةً و تَحْلَاءً" طردتها عنه و منعتها أن ترده، و كذلك غير الإبل. و في بعض نسخ الحديث" مُجْلَيْنَ" بالجيم بدل الحاء، و قد مر في بابه.

(حمأ)

قوله: مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* الْحَمَأُ جمع" حَمْأَةٍ" و هو الطين الأسود المتغير، و" المسنون" المصور، و قيل: المصبوب المفرغ، كأنه أفرغ حتى صار صورة. قوله: وَجَدَهٰا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ الْحَمِئَةُ بالهمزة: ذات حَمْأَةٍ، و" حَمِيَّةٌ" و" حَامِيَةٌ" بلا همز أي حارة، قيل: و ليس المعنى أنها تسقط في تلك العين بل خبر عن غاية بلغها ذو القرنين و وجدها تتدلى عند غروبها فوق هذه العين أو سمتها و كذلك يراها من كان في البحر. و الْحَمِيَّةُ- بفتح الحاء و كسر الميم و تشديد التحتية- الأنفة و الغضب (2). و" حَمِيَّةَ الْجٰاهِلِيَّةِ" هي قولهم: قد قتل محمد أبناءنا و إخواننا و يدخلون علينا في منازلنا، لا تتحدث العرب بذلك. قوله: وَ لٰا حٰامٍ الْحَامِ: الفحل إذا أنتج من صلبه عشرة أبطن، قالوا:" حمى ظهره فلا يركب و لا يمنع من كلاء و لا ماء" و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" لَمْ تَدْخُلِ الْجَنَّةَ

حَمِيَّةٌ

غَيْرُ

حَمِيَّةِ

حَمْزَةَ"

و ذلك حين أسلم غضبا للنبي ص‌

____________

(1). في معجم البلدان 2/ 290" بن الحاف".

(2). يذكر في" حفظ" و" أنف" شيئا في الحمية- ز

108

في حديث السلا (1) الذي ألقى على النبي (ص)" (2)، و حمزة هو عم النبي. و الْحِمَى- كإلى- المكان و الكلاء و الماء يحمي أي يمنع. و منه:" حِمَى السلطان" و هو كالمرعى الذي حماه فمنع منه، فإذا سيب (3) الإنسان ماشية هناك لم يؤمن عليها أن ترتع في حماه فيصيبه من بطشه ما لا قبل له به. و تثنية الْحِمَى" حِمْيَانٌ" بكسر الحاء، على لفظ الواحد. و منه‌

الْحَدِيثُ

:" أَلَا وَ إِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ

حِمًى

أَلَا وَ إِنَّ

حِمَى

اللَّهِ مَحَارِمُهُ، فَمَنْ رَتَعَ حَوْلَ

الْحِمَى

أَوْشَكَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ"

أي قرب أن يدخله. و مثله:

" وَ الْمَعَاصِي

حِمَى

اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَمَنْ يَرْتَعْ حَوْلَهَا يُوشِكْ أَنْ يَدْخُلَهَا"

و‌

فِي قَوْلِهِ (ع)

:" إِنَّ

حِمَى

اللَّهِ مَحَارِمُهُ"

إعلام بأن التجنب عن مقاربة حدود الله و الحذر من الخوض في حماه أحق و أجدر من مجانبة كل ملك، فإن النفس الأمارة بالسوء إذا أخطأتها السياسة في ذلك الموطن كانت أسوأ عاقبة من كل بهيمة خليع العذار. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حَوْلَ الْمَدِينَةِ

حِمىً

"

أراد تحريم صيدها و قطع شجرها، و" هذا شي‌ء حِمىً" على فعل بكسر الفاء و فتح العين، يعني محظور لا يقرب. و‌

مِنْهُ

:" لَا

حُمَّى

فِي الْأَرَاكِ".

و‌

قَوْلُهُ (ع)

:" لَا

حِمَى

إِلَّا لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ"

هو رد لما كان يصنع في الجاهلية، و ذلك أن الشريف منهم كان إذا نزل أرضا حَمَاهَا و رعاها من غير أن يشرك فيها غيره و هو يشارك القوم في سائر ما يرعون فيه، فجاء النهي عن ذلك، و أضافه إلى الله و رسوله، أي إلا ما يحمى للخيل التي ترصد للجهاد و الإبل‌

____________

(1). السلا كحصى الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من الإنسان و المواشي تنزع من وجه الفصيل ساعة يولد و إلا قتلته- ه‍. و الحديث مروي في أصول الكافي باب العصبية.

(2). الكافي 2/ 308.

(3). سيب الدابة تركها تسيب: (ترعى) حيث شاءت- ه‍.